← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

أَوْ أَبَوْهُ، فَهِيَ فُرْقَةٌ مِنَ الشَّارِعِ بِغَيْرِ رِضَا أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا اخْتِيَارِهِ، بِخِلَافِ فُرْقَةِ الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُفَرِّقُ بِاخْتِيَارِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللِّعَانَ يَكُونُ قَدِ اقْتَضَى بِنَفْسِهِ التَّفْرِيقَ؛ لِقُوَّتِهِ وَسُلْطَانِهِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَوَقَّفَ عَلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْوَ بِنَفْسِهِ عَلَى اقْتِضَاءِ الْفُرْقَةِ، وَلَا كَانَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَهُوَ خَاطِبٌ مِنَ الْخُطَّابِ، وَمَذْهَبُ أبي حنيفة ومحمد، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ اطَّرَدَ؛ لِأَنَّ فُرْقَةَ اللِّعَانِ عِنْدَهُ طَلَاقٌ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ رُدَّتْ إِلَيْهِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ. وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ، وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ اللِّعَانِ، وَلَا تَقْتَضِي سِوَاهُ، فَإِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَغَضَبَهُ قَدْ حَلَّ بِأَحَدِهِمَا لَا مَحَالَةَ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْخَامِسَةِ: (إِنَّهَا الْمُوجِبَةُ) أَيِ الْمُوجِبَةُ لِهَذَا الْوَعِيدِ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ عَيْنَ مَنْ حَلَّتْ بِهِ يَقِينًا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَلْعُونَ الَّذِي قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَبَاءَ بِهَا، فَيَعْلُو امْرَأَةً غَيْرَ مَلْعُونَةٍ، وَحِكْمَةُ الشَّرْعِ تَأْبَى هَذَا كَمَا أَبَتْ أَنْ يَعْلُوَ الْكَافِرُ مُسْلِمَةً وَالزَّانِي عَفِيفَةً. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يُوجِبُ أَلَّا يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا؛ لِمَا ذَكَرْتُمْ بِعَيْنِهِ؟ . قِيلَ: لَا يُوجِبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّهُ هُوَ الْمَلْعُونُ، وَإِنَّمَا تَحَقَّقْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا كَذَلِكَ، وَشَكَكْنَا فِي عَيْنِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا لَزِمَهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَلَا بُدَّ؛ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا إِمْسَاكُهُ مَلْعُونَةً مَغْضُوبًا عَلَيْهَا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا غَضَبُ اللَّهِ وَبَاءَتْ بِهِ، فَأَمَّا إِذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ أَوْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِهَا لَمْ تَتَحَقَّقْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ فِيهِمَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ النُّفْرَةَ الْحَاصِلَةَ مِنْ إِسَاءَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ لَا تَزُولُ أَبَدًا، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِنْ كَانَ صَادِقًا عَلَيْهَا فَقَدْ أَشَاعَ فَاحِشَتَهَا وَفَضَحَهَا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَأَقَامَهَا مَقَامَ الْخِزْيِ، وَحَقَّقَ عَلَيْهَا الْخِزْيَ وَالْغَضَبَ، وَقَطَعَ نَسَبَ

стр. 2242

وَلَدِهَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ بَهْتَهَا بِهَذِهِ الْفِرْيَةِ الْعَظِيمَةِ، وَإِحْرَاقَ قَلْبِهَا بِهَا، وَالْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَقَدْ أَكْذَبَتْهُ عَلَى رُءُوسٍ الْأَشْهَادِ وَأَوْجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللَّهِ. وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَقَدْ أَفْسَدَتْ فِرَاشَهُ وَخَانَتْهُ فِي نَفْسِهَا، وَأَلْزَمَتْهُ الْعَارَ وَالْفَضِيحَةَ، وَأَحْوَجَتْهُ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ الْمُخْزِي، فَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مِنَ النُّفْرَةِ وَالْوَحْشَةِ وَسُوءِ الظَّنِّ مَا لَا يَكَادُ يَلْتَئِمُ مَعَهُ شَمْلُهُمَا أَبَدًا، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ مَنْ شَرْعُهُ كُلُّهُ حِكْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ وَعَدْلٌ وَرَحْمَةٌ تَحَتُّمَ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا وَقَطْعَ الصُّحْبَةِ الْمُتَمَحِّضَةِ مَفْسَدَةً. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كَاذِبًا عَلَيْهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى إِمْسَاكِهَا مَعَ مَا صَنَعَ مِنَ الْقَبِيحِ إِلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْسِكَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهَا وَيَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ زَوْجَ بَغِيٍّ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ كَانَتْ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا، هَلْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ؟ قُلْنَا: لَا تَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ، فَحُرِّمَتْ عَلَى مُشْتَرِيهَا كَالرِّضَاعِ، وَلِأَنَّ الْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا إِذَا اشْتَرَى مُطَلَّقَتَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ قَبْلَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، فَهَاهُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ مُؤَبَّدٌ، وَتَحْرِيمُ الطَّلَاقِ غَيْرُ مُؤَبَّدٍ. [فصل لَا يَسْقُطُ صَدَاقُ الْمُلَاعَنَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ] فَصْلٌ الْحُكْمُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا لَا يَسْقُطُ صَدَاقُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا عِوَضَ الصَّدَاقِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَوْلَى وَأَحْرَى. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ وَقَعَ اللِّعَانُ قَبْلَ الدُّخُولِ هَلْ تَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ أَوْ تَقُولُونَ يَسْقُطُ جُمْلَةً؟ قِيلَ: فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أحمد مَأْخَذُهُمَا: أَنَّ الْفُرْقَةَ إِذَا كَانَتْ بِسَبَبٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ كَلِعَانِهِمَا، أَوْ مِنْهُمَا وَمِنْ أَجْنَبِيٍّ كَشِرَائِهَا لِزَوْجِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ يَسْقُطُ الصَّدَاقُ تَغْلِيبًا لِجَانِبِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُسْتَقِلَّةً بِسَبَبِ الْفُرْقَةِ، أَوْ

стр. 2243

نِصْفُهُ تَغْلِيبًا لِجَانِبِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمُشَارِكُ فِي سَبَبِ الْإِسْقَاطِ، وَالسَّيِّدُ الَّذِي بَاعَهُ مُتَسَبِّبٌ إِلَى إِسْقَاطِهِ بِبَيْعِهِ إِيَّاهَا؟ فَهَذَا الْأَصْلُ فِيهِ قَوْلَانِ. وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ نَصَّفَتِ الصَّدَاقَ كَطَلَاقِهِ، إِلَّا فَسْخَهُ لِعَيْبِهَا، أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ شَرَطَهُ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي فَسَخَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْفَسْخِ مِنْهَا، وَهِيَ الْحَامِلَةُ لَهُ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَتِ الْفُرْقَةُ بِإِسْلَامِهِ فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ أَوْ تُنَصِّفُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَوَجْهُ إِسْقَاطِهِ أَنَّهُ فَعَلَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَهِيَ الْمُمْتَنِعَةُ مَنْ فِعْلِ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا، فَهِيَ الْمُتَسَبِّبَةُ إِلَى إِسْقَاطِ صَدَاقِهَا بِامْتِنَاعِهَا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَوَجْهُ التَّنْصِيفِ أَنَّ سَبَبَ الْفَسْخِ مِنْ جِهَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الْخُلْعِ هَلْ يُنَصِّفُهُ أَوْ يُسْقِطُهُ؟ . قِيلَ: إِنْ قُلْنَا: هُوَ طَلَاقٌ نَصَّفَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ تَغْلِيبًا لِجَانِبِهِ. وَالثَّانِي: يُسْقِطُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِسَبَبِ الْفَسْخِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَعَ أَجْنَبِيٍّ نَصَّفَهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ كَانَتِ الْفُرْقَةُ بِشِرَائِهِ لِزَوْجَتِهِ مِنْ سَيِّدِهَا: هَلْ يُسْقِطُهُ أَوْ يُنَصِّفُهُ؟ قِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُسْقِطُهُ؛ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ مَهْرِهَا تَسَبَّبَ إِلَى إِسْقَاطِهِ بِبَيْعِهَا. وَالثَّانِي: يُنَصِّفُهُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ تَسَبَّبَ إِلَيْهِ بِالشِّرَاءِ، وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مَنْ قِبَلِهَا كَرِدَّتِهَا وَإِرْضَاعِهَا مَنْ يَفْسَخُ إِرْضَاعُهُ نِكَاحَهَا، وَفَسْخِهَا لِإِعْسَارِهِ أَوْ عَيْبِهِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ مَهْرَهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا فَسَخَتْ لِعَيْبٍ فِي الزَّوْجِ سَقَطَ مَهْرُهَا، إِذِ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا، وَقُلْتُمْ: إِنَّ الزَّوْجَ إِذَا فَسَخَ لِعَيْبٍ فِي الْمَرْأَةِ سَقَطَ أَيْضًا، وَلَمْ تَجْعَلُوا الْفَسْخَ مِنْ جِهَتِهِ فَتُنَصِّفُوهُ كَمَا جَعَلْتُمُوهُ لِفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ مِنْ جِهَتِهَا فَأَسْقَطْتُمُوهُ، فَمَا الْفَرْقُ؟ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إِنَّمَا بَذَلَ الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ بُضْعٍ

стр. 2244

سَلِيمٍ مِنَ الْعُيُوبِ، فَإِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذَلِكَ وَفَسَخَ، عَادَ إِلَيْهَا كَمَا خَرَجَ مِنْهَا، وَلَمْ يَسْتَوْفِهِ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّدَاقِ، كَمَا أَنَّهَا إِذَا فَسَخَتْ لِعَيْبِهِ لَمْ تُسَلِّمْ إِلَيْهِ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، فَلَا تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الصَّدَاقِ. فَصْلٌ الْحُكْمُ الْخَامِسُ: أَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَا سُكْنَى، كَمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِحُكْمِهِ فِي الْمَبْتُوتَةِ الَّتِي لَا رَجْعَةَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ لَا مُخَالِفٌ لَهُ، بَلْ سُقُوطُ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى لِلْمُلَاعَنَةِ أَوْلَى مِنْ سُقُوطِهَا لِلْمَبْتُوتَةِ؛ لِأَنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى أَنْ يَنْكِحَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَهَذِهِ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى نِكَاحِهَا لَا فِي الْعِدَّةِ وَلَا بَعْدَهَا، فَلَا وَجْهَ أَصْلًا لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا وَسُكْنَاهَا، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ انْقِطَاعًا كُلِّيًّا. فَأَقْضِيَتُهُ ﷺ يُوَافِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَكُلُّهَا تُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ، وَالْمِيزَانَ الَّذِي أَنْزَلَهُ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ، كَمَا سَتَقَرُّ عَيْنُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ عَنْ قَرِيبٍ. وَقَالَ مالك وَالشَّافِعِيُّ: لَهَا السُّكْنَى. وَأَنْكَرَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا الْقَوْلَ إِنْكَارًا شَدِيدًا. وَقَوْلُهُ: " مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا " لَا يَدُلُّ مَفْهُومُهُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُطَلَّقَةٍ وَمُتَوَفًّى عَنْهَا لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَاتَيْنِ الْفُرْقَتَيْنِ قَدْ يَجِبُ مَعَهُمَا نَفَقَةٌ وَسُكْنَى، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَامِلًا فَلَهَا ذَلِكَ فِي فُرْقَةِ الطَّلَاقِ اتِّفَاقًا، وَفِي فُرْقَةِ الْمَوْتِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، كَمَا لَوْ كَانَ حَائِلًا، وَهَذَا مَذْهَبُ أبي حنيفة وأحمد فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، لِزَوَالِ سَبَبِ النَّفَقَةِ بِالْمَوْتِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُرْجَى عَوْدُهُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا نَفَقَةُ قَرِيبٍ، فَهِيَ فِي مَالِ الطِّفْلِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ.

стр. 2245

وَالثَّانِي: أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى فِي تَرِكَتِهِ، تُقَدَّمُ بِهَا عَلَى الْمِيرَاثِ، وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَ الْعِصْمَةِ بِالْمَوْتِ لَا يَزِيدُ عَلَى انْقِطَاعِهَا بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ، بَلِ انْقِطَاعُهَا بِالطَّلَاقِ أَشَدُّ، وَلِهَذَا تُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ عِنْدَ أحمد ومالك فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، فَإِذَا وَجَبَتِ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْبَائِنِ الْحَامِلِ فَوُجُوبُهَا لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَوْلَى وَأَحْرَى. وَالثَّالِثُ: أَنَّ لَهَا السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ حَامِلًا كَانَتْ أَوْ حَائِلًا، وَهَذَا قَوْلُ مالك وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ؛ إِجْرَاءً لَهَا مَجْرَى الْمَبْتُوتَةِ فِي الصِّحَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَذِكْرِ أَدِلَّتِهَا وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ رَاجِحِهَا وَمَرْجُوحِهَا، إِذِ الْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَهُ: " مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا زَوْجُهَا " إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا قَدْ يَجِبُ لَهُمَا الْقُوتُ وَالْبَيْتُ فِي الْجُمْلَةِ، فَهَذَا إِنْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ، وَالظَّاهِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ. [فصل انْقِطَاعُ نَسَبِ وَلَدِ اللِّعَانِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ] فَصْلٌ الْحُكْمُ السَّادِسُ: انْقِطَاعُ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى أَلَّا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ أَجَلُّ فَوَائِدِ اللِّعَانِ. وَشَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ: الْمَوْلُودُ لِلْفِرَاشِ لَا يَنْفِيهِ اللِّعَانُ الْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ» ، وَإِنَّمَا يَنْفِي اللِّعَانُ الْحَمْلَ، فَإِنْ لَمْ يُلَاعِنْهَا حَتَّى وَلَدَتْ لَاعَنَ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ فَقَطْ، وَلَا يَنْتَفِي وَلَدُهَا مِنْهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى أَنَّ الْوَلَدَ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، قَالَ: فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ وَلَدٌ فَهُوَ وَلَدُهُ، إِلَّا حَيْثُ نَفَاهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ أَوْ حَيْثُ يُوقِنُ بِلَا شَكٍّ أَنَّهُ لَيْسَ وَلَدَهُ، وَلَمْ يَنْفِهِ ﷺ إِلَّا وَهِيَ حَامِلٌ بِاللِّعَانِ فَقَطْ، فَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى لَحَاقِ النَّسَبِ قَالَ: وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنْ صَدَّقَتْهُ

стр. 2246

فِي أَنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ مِنْهُ، فَإِنَّ تَصْدِيقَهَا لَهُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] [الْأَنْعَامِ: ١٦٤] فَوَجَبَ أَنَّ إِقْرَارَ الْأَبَوَيْنِ يَصْدُقُ عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ، فَيَكُونُ كَسْبًا عَلَى غَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا نَفَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْوَلَدَ إِذَا أَكْذَبَتْهُ الْأُمُّ وَالْتَعَنَتْ هِيَ وَالزَّوْجُ فَقَطْ، فَلَا يَنْتَفِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهَذَا ضِدُّ مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ اللِّعَانُ عَلَى الْحَمْلِ حَتَّى تَضَعَ، كَمَا يَقُولُ أحمد وأبو حنيفة، وَالصَّحِيحُ صِحَّتُهُ عَلَى الْحَمْلِ وَعَلَى الْوَلَدِ بَعْدَ وَضْعِهِ، كَمَا قَالَهُ مالك وَالشَّافِعِيُّ، فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ. وَلَا تَنَافِي بَيْنَ هَذَا الْحُكْمِ وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِكَوْنِ الْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ بِوَجْهٍ مَا، فَإِنَّ الْفِرَاشَ قَدْ زَالَ بِاللِّعَانِ، وَإِنَّمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْفِرَاشِ وَدَعْوَى الزَّانِي، فَأَبْطَلَ دَعْوَى الزَّانِي لِلْوَلَدِ، وَحَكَمَ بِهِ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ. وَهَاهُنَا صَاحِبُ الْفِرَاشِ قَدْ نَفَى الْوَلَدَ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ لَاعَنَ لِمُجَرَّدِ نَفْيِ الْوَلَدِ مَعَ قِيَامِ الْفِرَاشِ فَقَالَ: لَمْ تَزْنِ وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا الْوَلَدُ وَلَدِي؟ . قِيلَ: فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أحمد. إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا، وَيَلْزَمُهُ الْوَلَدُ وَهِيَ اخْتِيَارُ الخرقي. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِ الْوَلَدِ فَيَنْتَفِيَ عَنْهُ بِلِعَانِهِ وَحْدَهُ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أبي البركات ابن تيمية، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ. فَإِنْ قِيلَ: فَخَالَفْتُمْ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ) قُلْنَا: مَعَاذَ اللَّهِ، بَلْ وَافَقْنَا أَحْكَامَهُ حَيْثُ وَقَعَ غَيْرُنَا فِي خِلَافِ بَعْضِهَا تَأْوِيلًا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا حَكَمَ بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ حَيْثُ ادَّعَاهُ صَاحِبُ الْفِرَاشِ فَرَجَّحَ دَعْوَاهُ بِالْفِرَاشِ وَجَعَلَهُ لَهُ، وَحَكَمَ بِنَفْيِهِ عَنْ صَاحِبِ الْفِرَاشِ حَيْثُ نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ وَقَطَعَ نَسَبَهُ مِنْهُ، وَقَضَى أَلَّا يُدْعَى

стр. 2247

لِأَبٍ، فَوَافَقْنَا الْحُكْمَيْنِ وَقُلْنَا بِالْأَمْرَيْنِ، وَلَمْ نُفَرِّقْ تَفْرِيقًا بَارِدًا جِدًّا سَمِجًا لَا أَثَرَ لَهُ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ حَمْلًا وَنَفْيِهِ مَوْلُودًا، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تَأْتِي عَلَى هَذَا الْفَرْقِ الصُّورِيِّ الَّذِي لَا مَعْنَى تَحْتَهُ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يَرْتَضِي هَذَا مَنْ قَلَّ نَصِيبُهُ مِنْ ذَوْقِ الْفِقْهِ وَأَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ وَحِكَمِهَا وَمَعَانِيهَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ. [فصل إِلْحَاقُ وَلَدِ اللِّعَانِ بِأُمِّهِ] فَصْلٌ الْحُكْمُ السَّابِعُ: إِلْحَاقُ الْوَلَدِ بِأُمِّهِ عِنْدَ انْقِطَاعِ نَسَبِهِ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ، وَهَذَا الْإِلْحَاقُ يُفِيدُ حُكْمًا زَائِدًا عَلَى إِلْحَاقِهِ بِهَا مَعَ ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنَ الْأَبِ، وَإِلَّا كَانَ عَدِيمَ الْفَائِدَةِ، فَإِنَّ خُرُوجَ الْوَلَدِ مِنْهَا أَمْرٌ مُحَقَّقٌ، فَلَا بُدَّ فِي الْإِلْحَاقِ مِنْ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَا كَانَ حَاصِلًا مَعَ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنَ الْأَبِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَفَادَ هَذَا الْإِلْحَاقُ قَطْعَ تَوَهُّمِ انْقِطَاعِ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنَ الْأُمِّ كَمَا انْقَطَعَ مِنَ الْأَبِ، وَأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إِلَى أُمٍّ وَلَا إِلَى أَبٍ، فَقَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْوَهْمَ وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأُمِّ، وَأَكَّدَ هَذَا بِإِيجَابِهِ الْحَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ أَوْ قَذَفَ أُمَّهُ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ومالك وأبي حنيفة، وَكُلِّ مَنْ لَا يَرَى أَنَّ أُمَّهُ وَعَصَبَاتِهَا لَهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ: بَلْ أَفَادَنَا هَذَا الْإِلْحَاقُ فَائِدَةً زَائِدَةً، وَهِيَ تَحْوِيلُ النَّسَبِ الَّذِي كَانَ إِلَى أَبِيهِ إِلَى أُمِّهِ، وَجَعْلُ أُمِّهِ قَائِمَةً مَقَامَ أَبِيهِ فِي ذَلِكَ، فَهِيَ عَصَبَتُهُ وَعَصَبَاتُهَا أَيْضًا عَصَبَتُهُ، فَإِذَا مَاتَ حَازَتْ مِيرَاثَهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَيُرْوَى عَنْ علي، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِمَا رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ» ) وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَذَهَبَ إِلَيْهِ. وَرَوَى أبو داود فِي " سُنَنِهِ ": مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ

стр. 2248

جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ( «جَعَلَ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا» ) وَفِي " السُّنَنِ " أَيْضًا مُرْسَلًا: مِنْ حَدِيثِ مكحول قَالَ: ( «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا» ) وَهَذِهِ الْآثَارُ مُوَافِقَةٌ لِمَحْضِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ النَّسَبَ فِي الْأَصْلِ لِلْأَبِ، فَإِذَا انْقَطَعَ مِنْ جِهَتِهِ صَارَ لِلْأُمِّ، كَمَا أَنَّ الْوَلَاءَ فِي الْأَصْلِ لِمُعْتِقِ الْأَبِ، فَإِذَا كَانَ الْأَبُ رَقِيقًا كَانَ لِمُعْتِقِ الْأُمِّ. فَلَوْ أَعْتَقَ الْأَبُ بَعْدَ هَذَا انْجَرَّ الْوَلَاءُ مِنْ مَوَالِي الْأُمِّ إِلَيْهِ وَرَجَعَ إِلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا إِذَا كَذَّبَ الْمُلَاعِنُ نَفْسَهُ وَاسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ رَجَعَ النَّسَبُ وَالتَّعْصِيبُ مِنَ الْأُمِّ وَعَصَبَتِهَا إِلَيْهِ. فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ وَمُوجَبُ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ حَبْرِ الْأُمَّةِ وَعَالِمِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمَذْهَبُ إِمَامَيْ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي زَمَانِهِمَا أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْقُرْآنُ بِأَلْطَفِ إِيمَاءٍ وَأَحْسَنِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ بِوَاسِطَةِ مريم أُمِّهِ، وَهِيَ مِنْ صَمِيمِ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِهَذَا عِنْدَ ذِكْرِ أَقْضِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَحْكَامِهِ فِي الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سهل الَّذِي رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " فِي قِصَّةِ اللِّعَانِ وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنْ يَرِثَ مِنْهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا؟ قِيلَ: نَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْقَوْلِ بِمُوجَبِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ فَإِنَّ تَعْصِيبَ الْأُمِّ لَا يُسْقِطُ مَا فَرَضَ اللَّهَ لَهَا مِنْ وَلَدِهَا فِي كِتَابِهِ، وَغَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ كَالْأَبِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ لَهُ الْفَرْضُ وَالتَّعْصِيبُ، فَهِيَ تَأْخُذُ فَرْضَهَا وَلَا بُدَّ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَخَذَتْهُ

стр. 2249

بِالتَّعْصِيبِ، وَإِلَّا فَازَتْ بِفَرْضِهَا، فَنَحْنُ قَائِلُونَ بِالْآثَارِ كُلِّهَا فِي هَذَا الْبَابِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ. [فصل يُحَدُّ قَاذِفُهَا وَقَاذِفُ وَلَدِهَا] فَصْلٌ الْحُكْمُ الثَّامِنُ: " أَنَّهَا لَا تُرْمَى وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ " وَهَذَا لِأَنَّ لِعَانَهَا نَفَى عَنْهَا تَحْقِيقَ مَا رُمِيَتْ بِهِ، فَيُحَدُّ قَاذِفُهَا وَقَاذِفُ وَلَدِهَا، هَذَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ أبو حنيفة: إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَلَدٌ نُفِيَ نَسَبُهُ، حُدَّ قَاذِفُهَا، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ نُفِيَ نَسَبُهُ، لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهَا، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ لَهَا وَلَدٌ نَفَاهُ الزَّوْجُ، وَالَّذِي أَوْجَبَ لَهُ هَذَا الْفَرْقَ أَنَّهُ مَتَى نَفَى نَسَبَ وَلَدِهَا فَقَدْ حَكَمَ بِزِنَاهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَلَدِ، فَأَثَّرَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ. [فصل لَا تَتَرَتَّبُ الْأَحْكَامُ السَّابِقَةُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ اللِّعَانِ] فَصْلٌ الْحُكْمُ التَّاسِعُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ إِنَّمَا تَرَتَّبَتْ عَلَى لِعَانِهِمَا مَعًا وَبَعْدَ أَنْ تَمَّ اللِّعَانَانِ، فَلَا يَتَرَتَّبُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى لِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو الْبَرَكَاتِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ انْتِفَاءَ الْوَلَدِ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ صَحِيحٌ، فَإِنَّ لِعَانَهُ كَمَا أَفَادَ سُقُوطَ الْحَدِّ وَعَارَ الْقَذْفِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ لِعَانِهَا، أَفَادَ سُقُوطَ النَّسَبِ الْفَاسِدِ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ تُلَاعِنْ هِيَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّ تَضَرُّرَهُ بِدُخُولِ النَّسَبِ الْفَاسِدِ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ تَضَرُّرِهِ بِحَدِّ الْقَذْفِ، وَحَاجَتَهُ إِلَى نَفْيِهِ عَنْهُ أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى دَفْعِ الْحَدِّ، فَلِعَانُهُ كَمَا اسْتَقَلَّ بِدَفْعِ الْحَدِّ اسْتَقَلَّ بِنَفْيِ الْوَلَدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فصل وُجُوبُ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِذَا كَانَتَا حَامِلَيْنِ] فَصْلٌ الْحُكْمُ الْعَاشِرُ: وُجُوبُ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِذَا كَانَتَا حَامِلَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: " مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ عَنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا " فَأَفَادَ ذَلِكَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: سُقُوطُ نَفَقَةِ الْبَائِنِ وَسُكْنَاهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا مِنَ الزَّوْجِ. وَالثَّانِي: وُجُوبُهُمَا لَهَا وَلِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِذَا كَانَتَا حَامِلَيْنِ مِنَ الزَّوْجِ.

стр. 2250

[فَصْلٌ اعْتِبَارُ الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ فِي الْإِلْحَاقِ بِالنَّسَبِ] وَقَوْلُهُ ﷺ : ( «أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لهلال بن أمية، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لشريك ابن سحماء» ) إِرْشَادٌ مِنْهُ ﷺ إِلَى اعْتِبَارِ الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ، وَأَنَّ لِلشَّبَهِ مَدْخَلًا فِي مَعْرِفَةِ النَّسَبِ وَإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ الشَّبَهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْحَقْ بِالْمُلَاعِنِ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الشَّبَهَ لَهُ لِمُعَارَضَةِ اللِّعَانِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنَ الشَّبَهِ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. [فصل مَنْ قَتَلَ رَجُلًا فِي دَارِهِ مُدَّعِيًا زِنَاهُ بِحَرِيمِهِ قُتِلَ بِهِ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارِ الْوَلِيِّ] فَصْلٌ وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: ( «لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ بِهِ» ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا فِي دَارِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ أَوْ حَرِيمِهِ قُتِلَ فِيهِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، إِذْ لَوْ قُبِلَ قَوْلُهُ لَأُهْدِرَتِ الدِّمَاءُ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ قَتْلَ رَجُلٍ أَدْخَلَهُ دَارَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ. وَلَكِنْ هَاهُنَا مَسْأَلَتَانِ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا: إِحْدَاهُمَا: هَلْ يَسَعُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَقْتُلَهُ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِي: هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ أَمْ لَا؟ وَبِهَذَا التَّفْرِيقِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ فِيمَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي ذَلِكَ، حَتَّى جَعَلَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَسْأَلَةَ نِزَاعٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: مَذْهَبُ عمر ﵁ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ، وَمَذْهَبُ علي: أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، وَالَّذِي غَرَّهُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي " سُنَنِهِ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ بَيْنَا هُوَ يَوْمًا يَتَغَدَّى إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ يَعْدُو وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ وَوَرَاءَهُ قَوْمٌ يَعْدُونَ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ مَعَ عمر، فَجَاءَ الْآخَرُونَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا قَتَلَ صَاحِبَنَا، فَقَالَ لَهُ عمر ﵁: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي ضَرَبْتُ بَيْنَ فَخِذَيِ امْرَأَتِي، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ فَقَدْ قَتَلْتُهُ، فَقَالَ عمر: مَا تَقُولُونَ؟ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ ضَرَبَ بِالسَّيْفِ فَوَقَعَ فِي وَسَطِ الرَّجُلِ وَفَخِذَيِ الْمَرْأَةِ، فَأَخَذَ عمر ﵁ سَيْفَهُ فَهَزَّهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: إِنْ عَادُوا فَعُدْ) فَهَذَا مَا نُقِلَ عَنْ عمر ﵁. وَأَمَّا علي فَسُئِلَ عَمَّنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ

стр. 2251

شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ. فَظَنَّ أَنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَنْقُولِ عَنْ عمر، فَجَعَلَهَا مَسْأَلَةَ خِلَافٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ حُكْمَيْهِمَا لَمْ تَجِدْ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافًا، فَإِنَّ عمر إِنَّمَا أَسْقَطَ عَنْهُ الْقَوَدَ لَمَّا اعْتَرَفَ الْوَلِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا - وَاللَّفْظُ لِصَاحِبِ " الْمُغْنِي ": فَإِنِ اعْتَرَفَ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عمر. ثُمَّ سَاقَ الْقِصَّةَ، وَكَلَامُهُ يُعْطِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُحْصِنًا وَغَيْرَ مُحْصِنٍ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ عمر فِي هَذَا الْقَتِيلِ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا: " فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ " وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُحْصِنِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ " الْمُسْتَوْعِبِ " قَدْ قَالَ: وَإِنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنَالُ مِنْهَا مَا يُوجِبُ الرَّجْمَ فَقَتَلَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ بِدَعْوَاهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ، قَالَ: وَفِي عَدَدِ الْبَيِّنَةِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: شَاهِدَانِ، اخْتَارَهَا أبو بكر؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوُجُودِ لَا عَلَى الزِّنَى. وَالْأُخْرَى: لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ مَتَى قَامَتْ بِذَلِكَ أَوْ أَقَرَّ بِهِ الْوَلِيُّ سَقَطَ الْقِصَاصُ، مُحْصِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ: (إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ " فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ) وَهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَتْلَ لَيْسَ بِحَدٍّ لِلزَّنَى، وَلَوْ كَانَ حَدًّا لَمَا كَانَ بِالسَّيْفِ، وَلَاعْتُبِرَ لَهُ شُرُوطُ إِقَامَةِ الْحَدِّ وَكَيْفِيَّتُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عُقُوبَةٌ لِمَنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ وَهَتَكَ حَرِيمَهُ وَأَفْسَدَ أَهْلَهُ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الزبير ﵁ لَمَّا تَخَلَّفَ عَنِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ جَارِيَةٌ لَهُ فَأَتَاهُ رَجُلَانِ فَقَالَا: أَعْطِنَا شَيْئًا فَأَعْطَاهُمَا طَعَامًا كَانَ مَعَهُ فَقَالَا: خَلِّ عَنِ الْجَارِيَةِ فَضَرَبَهُمَا بِسَيْفِهِ فَقَطَعَهُمَا بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. وَكَذَلِكَ مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ مِنْ ثُقْبٍ أَوْ شَقٍّ فِي الْبَابِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَنَظَرَ حُرْمَةً أَوْ عَوْرَةً فَلَهُمْ خَذْفُهُ وَطَعْنُهُ فِي عَيْنِهِ، فَإِنِ انْقَلَعَتْ عَيْنُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْقَاضِي أبو يعلى: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أحمد أَنَّهُمْ يَدْفَعُونَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.

стр. 2252

وَفَصَّلَ ابن حامد فَقَالَ: يَدْفَعُهُ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، فَيَبْدَأُ بِقَوْلِهِ: انْصَرِفْ وَاذْهَبْ وَإِلَّا نَفْعَلْ بِكَ كَذَا. قُلْتُ: وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أحمد وَلَا فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مَا يَقْتَضِي هَذَا التَّفْصِيلَ، بَلِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أنس «أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصِ أَوْ بِمَشَاقِصَ وَجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ» ، فَأَيْنَ الدَّفْعُ بِالْأَسْهَلِ وَهُوَ ﷺ يَخْتِلُهُ أَوْ يَخْتَبِئُ لَهُ وَيَخْتَفِي لِيَطْعَنَهُ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا: مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ( «أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» ) وَفِيهِمَا أَيْضًا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَوْ أَنَّ امْرَءًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ» ) وَفِيهِمَا أَيْضًا: ( «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قِصَاصَ» )

стр. 2253

وَهَذَا اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ، بَلْ مِنْ بَابِ عُقُوبَةِ الْمُعْتَدِي الْمُؤْذِي، وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى قَتْلُ مَنِ اعْتَدَى عَلَى حَرِيمِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْصِنًا أَوْ غَيْرَ مُحْصِنٍ، مَعْرُوفًا بِذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَفَتَاوَى الصَّحَابَةِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: يَسَعُهُ قَتْلُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا كَانَ الزَّانِي مُحْصِنًا، جَعَلَاهُ مِنْ بَابِ الْحُدُودِ. وَقَالَ أحمد وإسحاق: يُهْدَرُ دَمُهُ إِذَا جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ، وَلَمْ يَفْصِلَا بَيْنَ الْمُحْصِنِ وَغَيْرِهِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مالك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ ابن حبيب: إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مُحْصِنًا وَأَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا قُتِلَ بِهِ، وَقَالَ ابن القاسم: إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ فَالْمُحْصِنُ وَغَيْرُ الْمُحْصِنِ سَوَاءٌ، وَيُهْدَرُ دَمُهُ، وَاسْتَحَبَّ ابن القاسم الدِّيَةَ فِي غَيْرِ الْمُحْصِنِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ( «أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا " فَقَالَ سعد: بَلَى وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ» ) وَفِي اللَّفْظِ الْآخَرِ: ( «إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: " نَعَمْ " قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي؟» ) قُلْنَا: نَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْقَوْلِ بِمُوجَبِهِ، وَآخِرُ الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ لَمْ يُقَدْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: بَلَى وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى هَذَا الْحَلِفِ، وَلَمَا أَثْنَى عَلَى غَيْرَتِهِ، وَلَقَالَ: لَوْ قَتَلْتَهُ قُتِلْتَ بِهِ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَرِيحٌ فِي هَذَا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ

стр. 2254

: ( «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سعد، فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» ) وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَلَا نَهَاهُ عَنْ قَتْلِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ حُكْمٌ مُلْزِمٌ، وَكَذَلِكَ فَتْوَاهُ حُكْمٌ عَامٌّ لِلْأُمَّةِ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَتْلِهِ لَكَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْهُ بِأَنَّ دَمَهُ هَدَرٌ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ وَبَاطِنِهِ، وَوَقَعَتِ الْمَفْسَدَةُ الَّتِي دَرَأَهَا اللَّهُ بِالْقِصَاصِ، وَتَهَالَكَ النَّاسُ فِي قَتْلِ مَنْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ فِي دُورِهِمْ وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُمْ عَلَى حَرِيمِهِمْ، فَسَدَّ الذَّرِيعَةَ وَحَمَى الْمَفْسَدَةَ وَصَانَ الدِّمَاءَ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ، وَيُقَادُ بِهِ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ، فَلَمَّا حَلَفَ سعد أَنَّهُ يَقْتُلُهُ وَلَا يَنْتَظِرُ بِهِ الشُّهُودَ عَجِبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَيْرَتِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ غَيُورٌ، وَأَنَّهُ ﷺ أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَشَدُّ غَيْرَةً، وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِقْرَارُهُ وَسُكُوتُهُ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ سعد أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَنَهْيُهُ عَنْ قَتْلِهِ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ، وَلَا يُنَاقِضُ أَوَّلُ الْحَدِيثِ آخِرَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ كَالْمُنْكِرِ عَلَى سعد، فَقَالَ: ( «أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ» ) يَعْنِي: أَنَا أَنْهَاهُ عَنْ قَتْلِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: بَلَى وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْحَامِلِ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ، وَأَنَّهُ شِدَّةُ غَيْرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي. وَقَدْ شَرَعَ إِقَامَةَ الشُّهَدَاءِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ سُبْحَانَهُ، فَهِيَ مَقْرُونَةٌ بِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ وَرَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَعَ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، وَمَا شَرَعَهُ لَهُمْ مِنْ إِقَامَةِ الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ دُونَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْقَتْلِ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْ سعد وَقَدْ نَهَيْتُهُ عَنْ قَتْلِهِ، وَقَدْ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِلَا الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِكَلَامِهِ وَسِيَاقِ الْقِصَّةِ. [فَصْلٌ لُحُوقِ النَّسَبِ بِالزَّوْجِ إِذَا خَالَفَ لَوْنُ وَلَدِهِ لَوْنَهُ] فِي حُكْمِهِ ﷺ فِي لُحُوقِ النَّسَبِ بِالزَّوْجِ إِذَا خَالَفَ لَوْنُ وَلَدِهِ لَوْنَهُ ثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ( «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ -كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْيِهِ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ "؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ " مَا

стр. 2255

لَوْنُهَا؟ " قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: " فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ " قَالَ: لَعَلَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " وَهَذَا لَعَلَّهُ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ» ". وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ؛ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِالتَّعْرِيضِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ السُّؤَالِ وَالِاسْتِفْتَاءِ. وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالتَّعْرِيضِ وَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُقَابَحَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ فَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَةَ، وَرُبَّ تَعْرِيضٍ أَفْهَمُ وَأَوْجَعُ لِلْقَلْبِ وَأَبْلَغُ فِي النِّكَايَةِ مِنَ التَّصْرِيحِ، وَبِسَاطُ الْكَلَامِ وَسِيَاقُهُ يَرُدُّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الِاحْتِمَالِ، وَيَجْعَلُ الْكَلَامَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُرَادِ. وَفِيهِ أَنَّ مُجَرَّدَ الرِّيبَةِ لَا يُسَوِّغُ اللِّعَانَ وَنَفْيَ الْوَلَدِ. وَفِيهِ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ وَالْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فِي الْأَحْكَامِ، وَمِنْ تَرَاجِمِ الْبُخَارِيِّ فِي " صَحِيحِهِ " عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: بَابٌ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلِ مُبَيَّنٍ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُ لِيُفْهِمَ السَّائِلَ، وَسَاقَ مَعَهُ حَدِيثَ: ( «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ» ) ؟. [فصل فِي حُكْمِهِ ﷺ بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ وَأَنَّ الْأَمَةَ تَكُونُ فِرَاشًا وَفِيمَنِ اسْتَلْحَقَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ] ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عائشة ﵂ قَالَتْ: ( «اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وعبد بن زمعة فِي غُلَامٍ، فَقَالَ سعد: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عتبة بن أبي وقاص، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عبد بن زمعة: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بعتبة فَقَالَ: " هُوَ لَكَ يَا عبد بن زمعة، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ

стр. 2256

وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سودة» ) فَلَمْ تَرَهُ سودة قَطُّ. فَهَذَا الْحُكْمُ النَّبَوِيُّ أَصْلٌ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ بِ الْفِرَاشِ ، وَفِي أَنَّ الْأَمَةَ تَكُونُ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ، وَفِي أَنَّ الشَّبَهَ إِذَا عَارَضَ الْفِرَاشَ قُدِّمَ عَلَيْهِ الْفِرَاشُ، وَفِي أَنَّ أَحْكَامَ النَّسَبِ تَتَبَعَّضُ فَتَثْبُتُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: حُكْمًا بَيْنَ حُكْمَيْنِ، وَفِي أَنَّ الْقَافَةَ حَقٌّ وَأَنَّهَا مِنَ الشَّرْعِ. [جِهَاتُ ثُبُوتِ النَّسَبِ] [الفراش] فَأَمَّا ثُبُوتُ النَّسَبِ بِالْفِرَاشِ فَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ. وَجِهَاتُ ثُبُوتِ النَّسَبِ أَرْبَعَةٌ: الْفِرَاشُ، وَالِاسْتِلْحَاقُ، وَالْبَيِّنَةُ، وَالْقَافَةُ، فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَثْبُتُ بِهِ الْفِرَاشُ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّسَرِّي فَجَعَلَهُ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ مُوجِبًا لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجُّوا بِصَرِيحِ حَدِيثِ عائشة الصَّحِيحِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْوَلَدِ لزمعة، وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ صَاحِبُ الْفِرَاشِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ بِالْوَلَدِ لَهُ، فَسَبَبُ الْحُكْمِ وَمَحَلُّهُ إِنَّمَا كَانَ فِي الْأَمَةِ، فَلَا يَجُوزُ إِخْلَاءُ الْحَدِيثِ مِنْهُ وَحَمْلُهُ عَلَى الْحُرَّةِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهَا، فَإِنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ إِلْغَاءَ مَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ وَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِهِ صَرِيحًا، وَتَعْطِيلَ مَحَلِّ الْحُكْمِ الَّذِي كَانَ لِأَجْلِهِ وَفِيهِ. ثُمَّ لَوْ لَمْ يَرِدِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ لَكَانَ هُوَ مُقْتَضَى الْمِيزَانِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، فَإِنَّ السُّرِّيَّةَ فِرَاشٌ حِسًّا وَحَقِيقَةً وَحُكْمًا، كَمَا أَنَّ الْحُرَّةَ كَذَلِكَ، وَهِيَ تُرَادُ لِمَا تُرَادُ لَهُ الزَّوْجَةُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ وَالِاسْتِيلَادِ، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَرْغَبُونَ فِي السَّرَارِيِّ لِاسْتِيلَادِهِنَّ وَاسْتِفْرَاشِهِنَّ، وَالزَّوْجَةُ إِنَّمَا سُمِّيَتْ فِرَاشًا لِمَعْنًى هِيَ وَالسُّرِّيَّةُ فِيهِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.

стр. 2257

وَقَالَ أبو حنيفة: لَا تَكُونُ الْأَمَةُ فِرَاشًا بِأَوَّلِ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ مِنَ السَّيِّدِ، فَلَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ إِلَّا إِذَا اسْتَلْحَقَهُ فَيَلْحَقَهُ حِينَئِذٍ بِالِاسْتِلْحَاقِ لَا بِالْفِرَاشِ، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَحِقَهُ، إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ، فَعِنْدَهُمْ وَلَدُ الْأَمَةِ لَا يَلْحَقُ السَّيِّدَ بِالْفِرَاشِ إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ وَلَدٌ مُسْتَلْحَقٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بزمعة وَأَثْبَتَ نَسَبَهُ مِنْهُ، وَلَمْ يُثْبِتْ قَطُّ أَنَّ هَذِهِ الْأَمَةَ وَلَدَتْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَهُ، وَلَا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَلَا اسْتَفْصَلَ فِيهِ. قَالَ مُنَازِعُوهُمْ: لَيْسَ لِهَذَا التَّفْصِيلِ أَصْلٌ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا أَثَرٍ عَنْ صَاحِبٍ، وَلَا تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ وَأُصُولُهُ، قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ كَوْنَ الْأَمَةِ فِرَاشًا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنَّهُ فَرَاشٌ ضَعِيفٌ وَهِيَ فِيهِ دُونَ الْحُرَّةِ، فَاعْتَبَرْنَا مَا تَعْتَقُ بِهِ بِأَنْ تَلِدَ مِنْهُ وَلَدًا فَيَسْتَلْحِقَهُ، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَحِقَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ، وَأَمَّا الْوَلَدُ الْأَوَّلُ فَلَا يَلْحَقُهُ إِلَّا بِالِاسْتِلْحَاقِ، وَلِهَذَا قُلْتُمْ: إِنَّهُ إِذَا اسْتَلْحَقَ وَلَدًا مِنْ أَمَتِهِ لَمْ يَلْحَقْهُ مَا بَعْدَهُ إِلَّا بِاسْتِلْحَاقٍ مُسْتَأْنَفٍ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ إِنَّمَا يُرَادُ لِلْوَطْءِ وَالِاسْتِفْرَاشِ، بِخِلَافِ مِلْكِ الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْوَطْءَ وَالِاسْتِفْرَاشَ فِيهِ تَابِعٌ، وَلِهَذَا يَجُوزُ وُرُودُهُ عَلَى مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا بِخِلَافِ عَقْدِ النِّكَاحِ. قَالُوا: وَالْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ وَطْءَ زمعة لَمْ يَثْبُتْ، وَإِنَّمَا أَلْحَقَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدٍ أَخًا، لِأَنَّهُ اسْتَلْحَقَهُ فَأَلْحَقَهُ بِاسْتِلْحَاقِهِ لَا بِفِرَاشِ الْأَبِ. قَالَ الْجُمْهُورُ: إِذَا كَانَتِ الْأَمَةُ مَوْطُوءَةً فَهِيَ فِرَاشٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَاعْتِبَارُ وِلَادَتِهَا السَّابِقَةِ فِي صَيْرُورَتِهَا فِرَاشًا اعْتِبَارُ مَا لَا دَلِيلَ عَلَى اعْتِبَارِهِ شَرْعًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي فِرَاشِ زمعة، فَاعْتِبَارُهُ تَحَكُّمٌ. وَقَوْلُكُمْ: إِنَّ الْأَمَةَ لَا تُرَادُ لِلْوَطْءِ، فَالْكَلَامُ فِي الْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ الَّتِي اتُّخِذَتْ سُرِّيَّةً وَفِرَاشًا وَجُعِلَتْ كَالزَّوْجَةِ أَوْ أَحْظَى مِنْهَا لَا فِي أَمَتِهِ الَّتِي هِيَ أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعِ وَنَحْوِهَا.

стр. 2258

وَقَوْلُكُمْ: إِنَّ وَطْءَ زمعة لَمْ يَثْبُتْ حَتَّى يُلْحَقَ بِهِ الْوَلَدُ لَيْسَ عَلَيْنَا جَوَابُهُ، بَلْ جَوَابُهُ عَلَى مَنْ حَكَمَ بِلُحُوقِ الْوَلَدِ بزمعة وَقَالَ لِابْنِهِ: هُوَ أَخُوكَ. وَقَوْلُكُمْ: إِنَّمَا أَلْحَقَهُ بِالْأَخِ لِأَنَّهُ اسْتَلْحَقَهُ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْمُسْتَلْحَقَ إِنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ لَمْ يَلْحَقْ بِالْمُقِرِّ، إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمُ اثْنَانِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ الْمَيِّتِ، وعبد لَمْ يَكُنْ يُقِرُّ لَهُ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ، فَإِنَّ سودة زَوْجَةَ النَّبِيِّ ﷺ أُخْتُهُ، وَهِيَ لَمْ تُقِرَّ بِهِ، وَلَمْ تَسْتَلْحِقْهُ، وَحَتَّى لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ مَعَ أَخِيهَا عبد لَكَانَ ثُبُوتُ النَّسَبِ بِالْفِرَاشِ لَا بِالِاسْتِلْحَاقِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ عَقِيبَ حُكْمِهِ بِإِلْحَاقِ النَّسَبِ بِأَنَّ: ( «الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ» ) مُعَلِّلًا بِذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلَى قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ عَامَّةٍ تَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ وَغَيْرَهَا. ثُمَّ جَوَابُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ الْبَاطِلِ الْمُحَرَّمِ أَنَّ ثُبُوتَ كَوْنِ الْأَمَةِ فِرَاشًا بِالْإِقْرَارِ مِنَ الْوَاطِئِ أَوْ وَارِثِهِ كَافٍ فِي لُحُوقِ النَّسَبِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْحَقَهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، كَيْفَ وزمعة كَانَ صِهْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنَتُهُ تَحْتَهُ، فَكَيْفَ لَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ الْفِرَاشُ الَّذِي يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ؟ . وَأَمَّا مَا نَقَضْتُمْ بِهِ عَلَيْنَا أَنَّهُ إِذَا اسْتَلْحَقَ وَلَدًا مِنْ أَمَتِهِ لَمْ يَلْحَقْهُ مَا بَعْدَهُ إِلَّا بِإِقْرَارٍ مُسْتَأْنَفٍ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِ أحمد هَذَا أَحَدُهُمَا وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَلْحَقُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْنِفْ إِقْرَارًا، وَمَنْ رَجَّحَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ قَالَ: قَدْ يَسْتَبْرِئُهَا السَّيِّدُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَيَزُولُ حُكْمُ الْفِرَاشِ بِالِاسْتِبْرَاءِ، فَلَا يَلْحَقُهُ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ إِلَّا بِاعْتِرَافٍ مُسْتَأْنَفٍ أَنَّهُ وَطِئَهَا كَالْحَالِ فِي أَوَّلِ وَلَدٍ، وَمَنْ رَجَّحَ الثَّانِيَ قَالَ: قَدْ يَثْبُتُ كَوْنُهَا فِرَاشًا أَوَّلًا، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْفِرَاشِ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُزِيلُهُ إِذْ لَيْسَ هَذَا نَظِيرَ قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا حَتَّى يَسْتَلْحِقَهُ، وَأَبْطَلُ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّهُ لَمْ يَلْحَقْهُ بِهِ أَخًا، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ لَهُ عَبْدًا، وَلِهَذَا أَتَى فِيهِ بِلَامِ التَّمْلِيكِ فَقَالَ: (هُوَ لَكَ) أَيْ: مَمْلُوكٌ لَكَ، وَقَوَّى هَذَا الِاعْتِرَاضَ بِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ " هُوَ لَكَ عَبْدٌ " وَبِأَنَّهُ أَمَرَ سودة أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ أَخًا لَهَا لَمَا أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهَا. قَالَ: وَقَوْلُهُ: ( «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ) تَنْبِيهٌ عَلَى عَدَمِ لُحُوقِ نَسَبِهِ بزمعة، أَيْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَمَةُ فِرَاشًا لَهُ؛ لِأَنَّ

стр. 2259

الْأَمَةَ لَا تَكُونُ فِرَاشًا، وَالْوَلَدُ إِنَّمَا هُوَ لِلْفِرَاشِ، وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَمْرُ احْتِجَابِ سودة مِنْهُ، قَالَ: وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: " «احْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ» " قَالُوا: وَحِينَئِذٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّا أَسْعَدُ بِالْحَدِيثِ وَبِالْقَضَاءِ النَّبَوِيِّ مِنْكُمْ. قَالَ الْجُمْهُورُ: الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ وَالْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانِ، فَنَقُولُ - وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ - أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ لَمْ يُلْحِقْهُ بِهِ أَخًا وَإِنَّمَا جَعَلَهُ عَبْدًا يَرُدُّهُ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ( «هُوَ لَكَ، هُوَ أَخُوكَ يَا عبد بن زمعة» ) وَلَيْسَ اللَّامُ لِلتَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلِاخْتِصَاصِ كَقَوْلِهِ: ( «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ) فَأَمَّا لَفْظَةُ قَوْلِهِ ( «هُوَ لَكَ عَبْدٌ» ) فَرِوَايَةٌ بَاطِلَةٌ لَا تَصِحُّ أَصْلًا. وَأَمَّا أَمْرُهُ سودة بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ وَالْوَرَعِ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أَوْرَثَهَا الشَّبَهُ الْبَيِّنُ بِعُتْبَةَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَاعَاةً لِلشَّبَهَيْنِ وَإِعْمَالًا لِلدَّلِيلَيْنِ، فَإِنَّ الْفِرَاشَ دَلِيلُ لُحُوقِ النَّسَبِ، وَالشَّبَهَ بِغَيْرِ صَاحِبِهِ دَلِيلُ نَفْيِهِ، فَأَعْمَلَ أَمْرَ الْفِرَاشِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُدَّعِي لِقُوَّتِهِ، وَأَعْمَلَ الشَّبَهَ بِعُتْبَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سودة، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَحْكَامِ وَأَبْيَنِهَا وَأَوْضَحِهَا، وَلَا يُمْنَعُ ثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَهَذَا الزَّانِي يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَلَدِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْبَعْضِيَّةِ دُونَ الْمِيرَاثِ وَالنَّفَقَةِ وَالْوِلَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ بَعْضُ أَحْكَامِ النَّسَبِ عَنْهُ مَعَ ثُبُوتِهِ لِمَانِعٍ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَا يُنْكِرُ مَنْ تَخَلَّفَ الْمَحْرَمِيَّةَ بَيْنَ سودة وَبَيْنَ هَذَا الْغُلَامِ لِمَانِعِ الشَّبَهِ بعتبة، وَهَلْ هَذَا إِلَّا مَحْضُ الْفِقْهِ؟ وَقَدْ عُلِمَ بِهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ " لَيْسَ لَكِ بِأَخٍ " لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَعَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَقَدْ ضَعَّفَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَلَا نُبَالِي بِصِحَّتِهَا مَعَ قَوْلِهِ لعبد: (هُوَ أَخُوكَ) وَإِذَا جَمَعْتَ أَطْرَافَ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَرَنَتْ قَوْلَهُ " هُوَ أَخُوكَ " بِقَوْلِهِ: ( «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» ) تَبَيَّنَ لَكَ بُطْلَانُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ لَا يَحْتَمِلُهُ بِوَجْهٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْعَجَبُ أَنَّ مُنَازِعِينَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَجْعَلُونَ الزَّوْجَةَ فِرَاشًا لِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ بُعْدُ

стр. 2260

الْمَشْرِقَيْنِ، وَلَا يَجْعَلُونَ سُرِّيَّتَهُ الَّتِي يَتَكَرَّرُ اسْتِفْرَاشُهُ لَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا فِرَاشًا. [فصل الِاخْتِلَافُ فِيمَا تَصِيرُ بِهِ الزَّوْجَةُ فِرَاشًا] فَصْلٌ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تَصِيرُ بِهِ الزَّوْجَةُ فِرَاشًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ نَفْسُ الْعَقْدِ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهَا، بَلْ لَوْ طَلَّقَهَا عَقِيبَهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أبي حنيفة. وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْعَقْدُ مَعَ إِمْكَانِ الْوَطْءِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأحمد. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْعَقْدُ مَعَ الدُّخُولِ الْمُحَقَّقِ لَا إِمْكَانُهُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَقَالَ: إِنَّ أحمد أَشَارَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حرب، فَإِنَّهُ نَصَّ فِي رِوَايَتِهِ فِيمَنْ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَأَتَتِ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ فَأَنْكَرَهُ، أَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَجْزُومُ بِهِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ تَصِيرُ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا الزَّوْجُ وَلَمْ يَبْنِ بِهَا لِمُجَرَّدِ إِمْكَانٍ بَعِيدٍ؟ ، وَهَلْ يَعُدُّ أَهْلُ الْعُرْفِ وَاللُّغَةِ الْمَرْأَةَ فِرَاشًا قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا؟ وَكَيْفَ تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِإِلْحَاقِ نَسَبٍ بِمَنْ لَمْ يَبْنِ بِامْرَأَتِهِ وَلَا دَخَلَ بِهَا وَلَا اجْتَمَعَ بِهَا بِمُجَرَّدِ إِمْكَانِ ذَلِكَ؟ وَهَذَا الْإِمْكَانُ قَدْ يُقْطَعُ بِانْتِفَائِهِ عَادَةً، فَلَا تَصِيرُ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا إِلَّا بِدُخُولٍ مُحَقَّقٍ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَهَذَا الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حرب هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُهُ وَأُصُولُ مَذْهَبِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا تَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ فِرَاشًا، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِيرُ فِرَاشًا إِلَّا بِالْوَطْءِ , وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْأَمَةَ الَّتِي تُشْتَرَى لِلْوَطْءِ دُونَ الْخِدْمَةِ كَالْمُرْتَفِعَةِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ أَنَّهَا إِنَّمَا تُرَادُ لِلتَّسَرِّي فَتَصِيرُ فِرَاشًا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَمَةَ وَالْحُرَّةَ لَا تَصِيرَانِ فِرَاشًا إِلَّا بِالدُّخُولِ. فَصْلٌ فَهَذَا أَحَدُ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ وَهُوَ الْفِرَاشُ.

стр. 2261

[الِاسْتِلْحَاقُ] الثَّانِي: الِاسْتِلْحَاقُ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَسْتَلْحِقَ، فَأَمَّا الْجَدُّ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَوْجُودًا لَمْ يُؤَثِّرِ اسْتِلْحَاقُهُ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا، وَهُوَ كُلُّ الْوَرَثَةِ، صَحَّ إِقْرَارُهُ وَثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضَ الْوَرَثَةِ وَصَدَّقُوهُ فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ فِيهِ. وَالْحُكْمُ فِي الْأَخِ كَالْحُكْمِ فِي الْجَدِّ سَوَاءٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَازَ الْمَالَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً، وَهَذَا أَصْلُ مَذْهَبِ أحمد وَالشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ الْوَرَثَةَ قَامُوا مَقَامَ الْمَيِّتِ وَحَلُّوا مَحَلَّهُ. وَأَوْرَدَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِجْمَاعُ الْوَرَثَةِ عَلَى إِلْحَاقِ النَّسَبِ يُثْبِتُ النَّسَبَ لَلَزِمَ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى نَفْيِ حَمْلٍ مِنْ أَمَةٍ وَطِئَهَا الْمَيِّتُ أَنْ يَحِلُّوا مَحَلَّهُ فِي نَفْيِ النَّسَبِ، كَمَا حَلُّوا مَحَلَّهُ فِي إِلْحَاقِهِ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّا اعْتَبَرْنَا جَمِيعَ الْوَرَثَةِ وَالْحَمْلِ مِنَ الْوَرَثَةِ، فَلَمْ يُجْمِعِ الْوَرَثَةُ عَلَى نَفْيِهِ. فَإِنْ قِيلَ؛ فَأَنْتُمُ اعْتَبَرْتُمْ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ إِقْرَارَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَالْمُقِرُّ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ عبد، وسودة لَمْ تُقِرَّ بِهِ وَهِيَ أُخْتُهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَلْحَقَهُ بِعَبْدٍ بِاسْتِلْحَاقِهِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِلْحَاقِ الْأَخِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ بِإِقْرَارِهِ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِلْحَاقَ أَحَدِ الْإِخْوَةِ كَافٍ. قِيلَ: سودة لَمْ تَكُنْ مُنْكِرَةً، فَإِنَّ عبدا اسْتَلْحَقَهُ وَأَقَرَّتْهُ سودة عَلَى اسْتِلْحَاقِهِ، وَإِقْرَارُهَا وَسُكُوتُهَا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْمُتَعَدِّي حُكْمُهُ إِلَيْهَا مِنْ خَلْوَتِهِ بِهَا وَرُؤْيَتِهِ إِيَّاهَا وَصَيْرُورَتِهِ أَخًا لَهَا تَصْدِيقٌ لِأَخِيهَا عبد وَإِقْرَارٌ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَإِلَّا لَبَادَرَتْ إِلَى الْإِنْكَارِ وَالتَّكْذِيبِ، فَجَرَى رِضَاهَا وَإِقْرَارُهَا مَجْرَى تَصْدِيقِهَا، هَذَا إِنْ كَانَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهَا تَصْدِيقٌ صَرِيحٌ فَالْوَاقِعَةُ وَاقِعَةُ عَيْنٍ، وَمَتَى اسْتَلْحَقَ الْأَخُ أَوِ الْجَدُّ أَوْ غَيْرُهُمَا نَسَبَ مَنْ لَوْ أَقَرَّ بِهِ مُوَرِّثُهُمْ لَحِقَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَا وَارِثٌ مُنَازِعٌ، فَالِاسْتِلْحَاقُ مُقْتَضٍ لِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَمُنَازَعَةُ غَيْرِهِ مِنَ الْوَرَثَةِ مَانِعٌ مِنَ الثُّبُوتِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمُقْتَضِي، وَلَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنَ اقْتِضَائِهِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ.

стр. 2262

وَلَكِنْ هَاهُنَا أَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ إِقْرَارَ مَنْ حَازَ الْمِيرَاثَ وَاسْتِلْحَاقَهُ هَلْ هُوَ إِقْرَارُ خِلَافَةٍ عَنِ الْمَيِّتِ أَوْ إِقْرَارُ شَهَادَةٍ؟ هَذَا فِيهِ خِلَافٌ، فَمَذْهَبُ أحمد وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ إِقْرَارُ خِلَافَةٍ، فَلَا تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُسْتَلْحِقِ، بَلْ وَلَا إِسْلَامُهُ، بَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ مِنَ الْفَاسِقِ وَالدَّيِّنِ، وَقَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ: هُوَ إِقْرَارُ شَهَادَةٍ فَتُعْتَبَرُ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ، وَحَكَى ابن القصار عَنْ مَذْهَبِ مالك: أَنَّ الْوَرَثَةَ إِذَا أَقَرُّوا بِالنَّسَبِ لَحِقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مالك خِلَافُهُ. [فصل الْبَيِّنَةُ] فَصْلٌ الثَّالِثُ: الْبَيِّنَةُ بِأَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ ابْنُهُ، أَوْ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ، وَإِذَا شَهِدَ بِذَلِكَ اثْنَانِ مِنَ الْوَرَثَةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى إِنْكَارِ بَقِيَّتِهِمْ وَثَبَتَ نَسَبُهُ، وَلَا يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ. [فصل الْقَافَةُ] فَصْلٌ الرَّابِعُ: الْقَافَةُ، حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَضَاؤُهُ بِاعْتِبَارِ الْقَافَةِ وَإِلْحَاقُ النَّسَبِ بِهَا. ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِنْ حَدِيثِ عائشة ﵂ قَالَتْ: ( «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: " أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مجززا المدلجي نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» ) فَسُرَّ

стр. 2263

النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِ الْقَائِفِ، وَلَوْ كَانَتْ كَمَا يَقُولُ الْمُنَازِعُونَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ كَالْكِهَانَةِ وَنَحْوِهَا لَمَا سُرَّ بِهَا وَلَا أُعْجِبَ بِهَا، وَلَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْكِهَانَةِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ وَعِيدُ مَنْ صَدَّقَ كَاهِنًا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالنَّبِيُّ ﷺ أَثْبَتَهُ عِلْمًا وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَلَوْ كَانَ خَطَأً لَأَنْكَرَهُ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ وَنَفْيَ الْأَنْسَابِ، انْتَهَى. كَيْفَ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ صَرَّحَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِصِحَّتِهَا وَاعْتِبَارِهَا، فَقَالَ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ: ( «إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لهلال بن أمية، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لشريك ابن سحماء» ) فَلَمَّا جَاءَتْ بِهِ عَلَى شَبَهِ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ قَالَ: ( «لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» ) وَهَلْ هَذَا إِلَّا اعْتِبَارٌ لِلشَّبَهِ وَهُوَ عَيْنُ الْقَافَةِ، فَإِنَّ الْقَائِفَ يَتْبَعُ أَثَرَ الشَّبَهِ وَيَنْظُرُ إِلَى مَنْ يَتَّصِلُ، فَيَحْكُمُ بِهِ لِصَاحِبِ الشَّبَهِ، وَقَدِ اعْتَبَرَ النَّبِيُّ ﷺ الشَّبَهَ وَبَيَّنَ سَبَبَهُ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَتْ لَهُ أم سلمة: أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ " مِمَّ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ ". وَأَخْبَرَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ( «أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ إِذَا سَبَقَ مَاءَ الْمَرْأَةِ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا مَاءَهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهَا» ) فَهَذَا اعْتِبَارٌ مِنْهُ لِلشَّبَهِ شَرْعًا وَقَدْرًا، وَهَذَا أَقْوَى مَا يَكُونُ مِنْ طُرُقِ الْأَحْكَامِ، أَنْ يَتَوَارَدَ عَلَيْهِ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَالشَّرْعُ وَالْقَدْرُ، وَلِهَذَا تَبِعَهُ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ فِي الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا سفيان، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ

стр. 2264

يَسَارٍ، عَنْ عمر فِي امْرَأَةٍ وَطِئَهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ، فَقَالَ الْقَائِفُ: قَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا. قَالَ الشَّعْبِيُّ: وعلي يَقُولُ: (هُوَ ابْنُهُمَا وَهُمَا أَبَوَاهُ يَرِثَانِهِ) ذَكَرَهُ سعيد أَيْضًا. وَرَوَى الأثرم بِإِسْنَادِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ (فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي طُهْرِ امْرَأَةٍ فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا يُشْبِهُهُمَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَدَعَا الْقَافَةَ فَنَظَرُوا فَقَالُوا: نَرَاهُ يُشْبِهُهُمَا، فَأَلْحَقَهُ بِهِمَا وَجَعَلَهُ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ) وَلَا يُعْرَفُ قَطُّ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ خَالَفَ عمر وعليا ﵄ فِي ذَلِكَ، بَلْ حَكَمَ عمر بِهَذَا فِي الْمَدِينَةِ وَبِحَضْرَتِهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَلَمْ يُنْكِرْهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ. قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: قَدْ أَجْلَبْتُمْ عَلَيْنَا فِي الْقَافَةِ بِالْخَيْلِ وَالرَّجِلِ، وَالْحُكْمُ بِالْقِيَافَةِ تَعْوِيلٌ عَلَى مُجَرَّدِ الشَّبَهِ وَالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّبَهَ قَدْ يُوجَدُ مِنَ الْأَجَانِبِ وَيَنْتَفِي عَنِ الْأَقَارِبِ، وَذَكَرْتُمْ قِصَّةَ أسامة وزيد وَنَسِيتُمْ قِصَّةَ الَّذِي وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا أَسْوَدَ يُخَالِفُ لَوْنَهُمَا فَلَمْ يُمَكِّنْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْيِهِ وَلَا جَعَلَ لِلشَّبَهِ وَلَا لِعَدَمِهِ أَثَرًا، وَلَوْ كَانَ لِلشَّبَهِ أَثَرٌ لَاكْتَفَى بِهِ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى اللِّعَانِ، وَلَكَانَ يَنْتَظِرُ وِلَادَتَهُ ثُمَّ يُلْحَقُ بِصَاحِبِ الشَّبَهِ، وَيَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنِ اللِّعَانِ، بَلْ كَانَ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ مَعَ وُجُودِ الشَّبَهِ بِالزَّوْجِ، وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ عَلَى نَفْيِهِ عَنِ الْمُلَاعِنِ، وَلَوْ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لهلال بن أمية» ) وَهَذَا قَالَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ وَنَفْيِ النَّسَبِ عَنْهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ جَاءَ عَلَى الشَّبَهِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مَجِيئُهُ عَلَى شَبَهِهِ دَلِيلًا عَلَى كَذِبِهِ، لَا عَلَى لُحُوقِ الْوَلَدِ بِهِ. قَالُوا: وَأَمَّا قِصَّةُ أسامة وزيد فَالْمُنَافِقُونَ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي نَسَبِهِ مِنْ زيد

стр. 2265

لِمُخَالَفَةِ لَوْنِهِ لَوْنَ أَبِيهِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَكْتَفُونَ بِالْفِرَاشِ وَحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي أَنَّهُ ابْنُهُ، فَلَمَّا شَهِدَ بِهِ الْقَائِفُ وَافَقَتْ شَهَادَتُهُ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَسُرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِمُوَافَقَتِهَا حُكْمَهُ وَلِتَكْذِيبِهَا قَوْلَ الْمُنَافِقِينَ، لَا أَنَّهُ أَثْبَتَ نَسَبَهُ بِهَا، فَأَيْنَ فِي هَذَا إِثْبَاتُ النَّسَبِ بِقَوْلِ الْقَائِفِ؟ قَالُوا: وَهَذَا مَعْنَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا اعْتِبَارُ الشَّبَهِ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا اعْتَبَرَتْ فِيهِ الشَّبَهَ بِنَسَبٍ ثَابِتٍ بِغَيْرِ الْقَافَةِ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ ذَلِكَ. قَالُوا: وَأَمَّا حُكْمُ عمر وعلي، فَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى عمر، فَرُوِيَ عَنْهُ مَا ذَكَرْتُمْ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقَائِفَ لَمَّا قَالَ لَهُ: قَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ قَالَ: وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ. فَلَمْ يَعْتَبِرْ قَوْلَ الْقَائِفِ. قَالُوا: وَكَيْفَ تَقُولُونَ بِالشَّبَهِ وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بِأَخٍ وَأَنْكَرَهُ الْبَاقُونَ وَالشَّبَهُ مَوْجُودٌ لَمْ تُثْبِتُوا النَّسَبَ بِهِ وَقُلْتُمْ: إِنْ لَمْ تَتَّفِقِ الْوَرَثَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ؟ قَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ: مِنَ الْعَجَبِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْنَا الْقَوْلَ بِالْقَافَةِ وَيَجْعَلَهَا مِنْ بَابِ الْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ مَنْ يُلْحِقُ وَلَدَ الْمَشْرِقِيِّ بِمَنْ فِي أَقْصَى الْمَغْرِبِ، مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَلَاقَيَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَيُلْحِقُ الْوَلَدَ بِاثْنَيْنِ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ ابْنًا لِأَحَدِهِمَا، وَنَحْنُ إِنَّمَا أَلْحَقْنَا الْوَلَدَ بِقَوْلِ الْقَائِفَ الْمُسْتَنِدِ إِلَى الشَّبَهِ الْمُعْتَبَرِ شَرْعًا وَقَدْرًا، فَهُوَ اسْتِنَادٌ إِلَى ظَنٍّ غَالِبٍ وَرَأْيٍ رَاجِحٍ وَأَمَارَةٍ ظَاهِرَةٍ، بِقَوْلِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ قَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ، وَهَلْ يُنْكَرُ مَجِيءُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ مُسْتَنِدًا إِلَى الْأَمَارَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالظَّنُونِ الْغَالِبَةِ؟ وَأَمَّا وُجُودُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْأَجَانِبِ وَانْتِفَاؤُهُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا

стр. 2266

فَهُوَ مِنْ أَنْدَرِ شَيْءٍ وَأَقَلِّهِ، وَالْأَحْكَامُ إِنَّمَا هِيَ لِلْغَالِبِ الْكَثِيرِ، وَالنَّادِرُ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ. وَأَمَّا قِصَّةُ مَنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا أَسْوَدَ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا النَّاسَ اعْتِبَارُ الشَّبَهِ، وَأَنَّ خِلَافَهُ يُوجِبُ رِيبَةً، وَأَنَّ فِي طِبَاعِ الْخَلْقِ إِنْكَارَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمَّا عَارَضَ ذَلِكَ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ الْفِرَاشُ كَانَ الْحُكْمُ لِلدَّلِيلِ الْقَوِيِّ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ نَحْنُ وَسَائِرُ النَّاسِ: إِنَّ الْفِرَاشَ الصَّحِيحَ إِذَا كَانَ قَائِمًا فَلَا يُعَارَضُ بِقَافَةٍ وَلَا شَبَهٍ، فَمُخَالَفَةُ ظَاهِرِ الشَّبَهِ لِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ - وَهُوَ الْفِرَاشُ - غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَنْكَرُ مُخَالَفَةُ هَذَا الدَّلِيلِ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. وَأَمَّا تَقْدِيمُ اللِّعَانِ عَلَى الشَّبَهِ وَإِلْغَاءُ الشَّبَهِ مَعَ وُجُودِهِ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا هُوَ مِنْ تَقْدِيمِ أَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ عَلَى أَضْعَفِهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِالشَّبَهِ مَعَ عَدَمِ مَا يُعَارِضُهُ، كَالْبَيِّنَةِ تُقَدَّمُ عَلَى الْيَدِ وَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَيُعْمَلُ بِهِمَا عِنْدَ عَدَمِهِمَا. وَأَمَّا ثُبُوتُ نَسَبِ أسامة مِنْ زيد بِدُونِ الْقِيَافَةِ، فَنَحْنُ لَمْ نُثْبِتْ نَسَبَهُ بِالْقِيَافَةِ، وَالْقِيَافَةُ دَلِيلٌ آخَرُ مُوَافِقٌ لِدَلِيلِ الْفِرَاشِ، فَسُرُورُ النَّبِيِّ ﷺ وَفَرَحُهُ بِهَا وَاسْتِبْشَارُهُ لِتَعَاضُدِ أَدِلَّةِ النَّسَبِ وَتَضَافُرِهَا، لَا لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ بِقَوْلِ الْقَائِفِ وَحْدَهُ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْفَرَحِ بِظُهُورِ أَعْلَامِ الْحَقِّ وَأَدِلَّتِهِ وَتَكَاثُرِهَا، وَلَوْ لَمْ تَصْلُحِ الْقِيَافَةُ دَلِيلًا لَمْ يَفْرَحْ بِهَا وَلَمْ يُسَرَّ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْرَحُ وَيُسَرُّ إِذَا تَعَاضَدَتْ عِنْدَهُ أَدِلَّةُ الْحَقِّ، وَيُخْبِرُ بِهَا الصَّحَابَةَ، وَيُحِبُّ أَنْ يَسْمَعُوهَا مِنَ الْمُخْبِرِ بِهَا؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ تَزْدَادُ تَصْدِيقًا بِالْحَقِّ إِذَا تَعَاضَدَتْ أَدِلَّتُهُ وَتُسَرُّ بِهِ وَتَفْرَحُ، وَعَلَى هَذَا فَطَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ، فَهَذَا حُكْمٌ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ وَالشِّرْعَةُ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عمر أَنَّهُ قَالَ: وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَلَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ عَنْ

стр. 2267

عمر، وَلَوْ صَحَّ عَنْهُ لَكَانَ قَوْلًا عَنْهُ، فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي إِبْطَالِ قَوْلِ الْقَائِفِ، وَلَوْ كَانَ صَرِيحًا فِي إِبْطَالِ قَوْلِهِ لَكَانَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ إِذَا أَلْحَقَهُ بِاثْنَيْنِ،، كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ. وَأَمَّا إِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بِأَخٍ وَأَنْكَرَهُ الْبَاقُونَ، فَإِنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ لِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ شَبَهٌ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ الْقَائِفُ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إِنْكَارُ الْبَاقِينَ، وَنَحْنُ لَا نَقْصُرُ الْقَافَةَ عَلَى بَنِي مُدْلِجٍ، وَلَا نَعْتَبِرُ تَعَدُّدَ الْقَائِفِ، بَلْ يَكْفِي وَاحِدٌ عَلَى الصَّحِيحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَعَنْ أحمد رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ شَهَادَةٌ فَلَا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ، وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ بِنَاءٌ عَلَى اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْمَنْقُولُ عَنْ عمر أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِأَبَوَيْنِ فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا إِذَا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأَبَوَيْنِ هَلْ تُلْحِقُونَهُ بِهِمَا أَوْ لَا تُلْحِقُونَهُ إِلَّا بِوَاحِدٍ، وَإِذَا أَلْحَقْتُمُوهُ بِأَبَوَيْنِ فَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِاثْنَيْنِ أَمْ يَلْحَقُ بِهِمْ وَإِنْ كَثُرُوا، وَهَلْ حُكْمُ الِاثْنَيْنِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْأَبَوَيْنِ أَمْ مَاذَا حُكْمُهُمَا؟ قِيلَ: هَذِهِ مَسَائِلُ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ: لَا يَلْحَقُ بِأَبَوَيْنِ، وَلَا يَكُونُ لِلرَّجُلِ إِلَّا أَبٌ وَاحِدٌ، وَمَتَى أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِاثْنَيْنِ سَقَطَ قَوْلُهَا. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: بَلْ يَلْحَقُ بِاثْنَيْنِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَنَصَّ أحمد فِي رِوَايَةِ مهنا بن يحيى: أَنَّهُ يَلْحَقُ بِثَلَاثَةٍ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يَلْحَقُ بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِ وَإِنْ كَثُرُوا؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ إِلْحَاقُهُ بِاثْنَيْنِ جَازَ إِلْحَاقُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أبي حنيفة، لَكِنَّهُ لَا يَقُولُ بِالْقَافَةِ، فَهُوَ يُلْحِقُهُ بِالْمُدَّعِينَ وَإِنْ كَثُرُوا، وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ أَنْ لَا يَلْحَقَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ محمد بن الحسن، وَقَالَ ابن حامد: لَا يَلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنَ

стр. 2268

اثْنَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أبي يوسف، فَمَنْ لَمْ يُلْحِقْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ قَالَ: قَدْ أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَادَتَهُ أَنَّ لِلْوَلَدِ أَبًا وَاحِدًا وَأُمًّا وَاحِدَةً، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَفُلَانُ بْنُ فُلَانَةَ فَقَطْ. وَلَوْ قِيلَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لَكَانَ ذَلِكَ مُنْكَرًا وَعُدَّ قَذْفًا، وَلِهَذَا إِنَّمَا يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ؟ وَهَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، وَلَمْ يُعْهَدْ قَطُّ فِي الْوُجُودِ نِسْبَةُ وَلَدٍ إِلَى أَبَوَيْنِ قَطُّ، وَمَنْ أَلْحَقَهُ بِاثْنَيْنِ احْتَجَّ بِقَوْلِ عمر وَإِقْرَارِ الصَّحَابَةِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَبِأَنَّ الْوَلَدَ قَدْ يَنْعَقِدُ مِنْ مَاءِ رَجُلَيْنِ كَمَا يَنْعَقِدُ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، ثُمَّ قَالَ أبو يوسف: إِنَّمَا جَاءَ الْأَثَرُ بِذَلِكَ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُتَعَدَّى بِهِ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ إِنَّمَا نَصَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَالْأَصْلُ أَلَّا يُلْحَقَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُ عمر عَلَى إِلْحَاقِهِ بِاثْنَيْنِ مَعَ انْعِقَادِهِ مِنْ مَاءِ الْأُمِّ، فَدَلَّ عَلَى إِمْكَانِ انْعِقَادِهِ مِنْ مَاءِ ثَلَاثَةٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ. قَالَ الْمُلْحِقُونَ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِذَا جَازَ تَخْلِيقُهُ مِنْ مَاءِ رَجُلَيْنِ وَثَلَاثَةٍ جَازَ خَلْقُهُ مِنْ مَاءِ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسَةٍ، وَلَا وَجْهَ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَقَطْ، بَلْ إِمَّا أَنْ يُلْحَقَ بِهِمْ وَإِنْ كَثُرُوا، وَإِمَّا أَنْ لَا يُتَعَدَّى بِهِ أَحَدٌ، وَلَا قَوْلَ سِوَى الْقَوْلَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا اشْتَمَلَ الرَّحِمُ عَلَى مَاءِ الرَّجُلِ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ مِنْهُ الْوَلَدَ انْضَمَّ عَلَيْهِ أَحْكَمَ انْضِمَامٍ وَأَتَمَّهُ حَتَّى لَا يَفْسُدَ، فَكَيْفَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مَاءٌ آخَرُ؟ قِيلَ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَصِلَ الْمَاءُ الثَّانِي إِلَى حَيْثُ وَصَلَ الْأَوَّلُ فَيَنْضَمَّ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْوَلَدَ يَنْعَقِدُ مِنْ مَاءِ الْأَبَوَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَمْتَنِعُ وُصُولُ الْمَاءِ الثَّانِي إِلَى حَيْثُ وَصَلَ الْأَوَّلُ، وَقَدْ عُلِمَ بِالْعَادَةِ أَنَّ الْحَامِلَ إِذَا تُوبِعَ وَطْؤُهَا جَاءَ الْوَلَدُ عَبْلَ

стр. 2269

الْجِسْمِ مَا لَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ مَانِعٌ؛ وَلِهَذَا أَلْهَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الدَّوَابَّ إِذَا حَمَلَتْ أَنْ لَا تُمَكِّنَ الْفَحْلَ أَنْ يَنْزُوَ عَلَيْهَا، بَلْ تَنْفِرُ عَنْهُ كُلَّ النِّفَارِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّ الْوَطْءَ الثَّانِيَ يَزِيدُ فِي سَمْعِ الْوَلَدِ وَبَصَرِهِ، وَقَدْ شَبَّهَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَقْيِ الزَّرْعِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ سَقْيَهُ يَزِيدُ فِي ذَاتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى حُكْمِ اسْتِلْحَاقِ الْوَلَدِ، وَعَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، فَمَا تَقُولُونَ لَوِ اسْتَلْحَقَ الزَّانِي وَلَدًا لَا فِرَاشَ هُنَاكَ يُعَارِضُهُ، هَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ وَيَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ النَّسَبِ؟ قِيلَ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ جَلِيلَةٌ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهَا، فَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمَوْلُودَ مِنَ الزِّنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا عَلَى فِرَاشٍ يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ، وَادَّعَاهُ الزَّانِي - أُلْحِقَ بِهِ، وَأُوِّلَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : ( «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ) عَلَى أَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ عِنْدَ تَنَازُعِ الزَّانِي وَصَاحِبِ الْفِرَاشِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَوَاهُ عَنْهُ إسحاق بِإِسْنَادِهِ فِي رَجُلٍ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَوَلَدَتْ وَلَدًا، فَادَّعَى وَلَدَهَا فَقَالَ: يُجْلَدُ وَيَلْزَمُهُ الْوَلَدُ. وَهَذَا مَذْهَبُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، ذَكَرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا: (أَيُّمَا رَجُلٍ أَتَى إِلَى غُلَامٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ ابْنٌ لَهُ، وَأَنَّهُ زَنَى بِأُمِّهِ، وَلَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ الْغُلَامَ أَحَدٌ، فَهُوَ ابْنُهُ) . وَاحْتَجَّ سليمان بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ كَمَا تَرَاهُ قُوَّةً وَوُضُوحًا، وَلَيْسَ مَعَ الْجُمْهُورِ أَكْثَرُ مِنْ ( «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ) وَصَاحِبُ هَذَا الْمَذْهَبِ أَوَّلُ قَائِلٍ بِهِ، وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ يَقْتَضِيهِ، فَإِنَّ الْأَبَ أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ، وَهُوَ إِذَا كَانَ يُلْحَقُ بِأُمِّهِ، وَيُنْسَبُ إِلَيْهَا، وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقَارِبِ أُمِّهِ مَعَ كَوْنِهَا زَنَتْ بِهِ، وَقَدْ

стр. 2270

وُجِدَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ الزَّانِيَيْنِ، وَقَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ ابْنُهُمَا، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ لُحُوقِهِ بِالْأَبِ إِذَا لَمْ يَدِّعِهِ غَيْرُهُ؟ فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ، وَقَدْ قَالَ جريج لِلْغُلَامِ الَّذِي زَنَتْ أُمُّهُ بِالرَّاعِي: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي، وَهَذَا إِنْطَاقٌ مِنَ اللَّهِ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْكَذِبُ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ؟ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِيهَا حَدِيثَانِ، نَحْنُ نَذْكُرُ شَأْنَهُمَا. [فَصْلٌ ذِكْرُ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي اسْتِلْحَاقِ وَلَدِ الزِّنَى وَتَوْرِيثِهِ] فَصْلٌ ذِكْرُ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي اسْتِلْحَاقِ وَلَدِ الزِّنَى وَتَوْرِيثِهِ ذَكَرَ أبو داود فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا مُسَاعَاةَ فِي الْإِسْلَامِ، مَنْ سَاعَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ لَحِقَ بِعَصَبَتِهِ، وَمَنِ ادَّعَى وَلَدًا مِنْ غَيْرِ رِشْدَةٍ فَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ» ) . الْمُسَاعَاةُ الزِّنَى، وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَجْعَلُهَا فِي الْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ، لِأَنَّهُنَّ يَسْعَيْنَ لِمَوَالِيهِنَّ، فَيَكْتَسِبْنَ لَهُمْ، وَكَانَ عَلَيْهِنَّ ضَرَائِبُ مُقَرَّرَةٌ، فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسَاعَاةَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُلْحِقِ النَّسَبَ بِهَا، وَعَفَا عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْهَا، وَأَلْحَقَ النَّسَبَ بِهِ. وَقَالَ الجوهري: يُقَالُ زَنَى الرَّجُلُ وَعَهَرَ، فَهَذَا قَدْ يَكُونُ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَيُقَالُ فِي الْأَمَةِ خَاصَّةً: قَدْ سَاعَاهَا. وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ. وَرَوَى أَيْضًا فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ " أَنَّ

стр. 2271

النَّبِيَّ ﷺ ( «قَضَى أَنَّ كُلَّ مُسْتَلْحَقٍ اسْتُلْحِقَ» ) بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ ادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ، فَقَضَى أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا يَوْمَ أَصَابَهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُ، وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا قُسِّمَ قَبْلَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَمَا أَدْرَكَ مِنْ مِيرَاثٍ لَمْ يُقَسَّمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ، وَلَا يُلْحَقُ إِذَا كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ أَنْكَرَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ وَلَا يَرِثُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ، فَهُوَ مِنْ وَلَدِ زَنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَهُوَ وَلَدُ زِنًى لِأَهْلِ أُمِّهِ مَنْ كَانُوا - حُرَّةً أَوْ أَمَةً. وَذَلِكَ فِيمَا اسْتُلْحِقَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، فَمَا اقْتَسَمَ مِنْ مَالٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَقَدْ مَضَى " وَهَذَا لِأَهْلِ الْحَدِيثِ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ الْمَكْحُولِيِّ. وَكَانَ قَوْمٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَهُمْ إِمَاءٌ بَغَايَا، فَإِذَا وَلَدَتْ أَمَةُ أَحَدِهِمْ وَقَدْ وَطِئَهَا غَيْرُهُ بِالزِّنَى فَرُبَّمَا ادَّعَاهُ سَيِّدُهَا، وَرُبَّمَا ادَّعَاهُ الزَّانِي وَاخْتَصَمَا فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ، فَحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْوَلَدِ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْفِرَاشِ، وَنَفَاهُ عَلَى الزَّانِي. ثُمَّ تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ أُمُورًا: مِنْهَا: أَنَّ الْمُسْتَلْحَقَ إِذَا اسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ، ادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا الْوَاطِئُ يَوْمَ أَصَابَهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُ، يَعْنِي إِذَا كَانَ الَّذِي اسْتَلْحَقَهُ وَرَثَةُ مَالِكِ الْأَمَةِ، وَصَارَ ابْنَهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ لَيْسَ لَهُ مِمَّا قُسِّمَ قَبْلَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ هَذَا تَجْدِيدُ حُكْمِ نَسَبِهِ، وَمِنْ يَوْمِئِذٍ يَثْبُتُ نَسَبُهُ، فَلَا يَرْجِعُ بِمَا اقْتُسِمَ قَبْلَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْبُنُوَّةِ ثَابِتًا، وَمَا أَدْرَكَ مِنْ مِيرَاثٍ لَمْ يُقَسَّمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ قَبْلَ قَسْمِهِ الْمِيرَاثَ، فَيَسْتَحِقُّ مِنْهُ نَصِيبَهُ،

стр. 2272

وَهَذَا نَظِيرُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ قَسْمِهِ، قُسِمَ لَهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ فَلَا شَيْءَ لَهُ، فَثُبُوتُ النَّسَبِ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمِيرَاثِ. قَوْلُهُ: " وَلَا يَلْحَقُ إِذَا كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ أَنْكَرَهُ " هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّنَازُعَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَأَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى أَنْ يَسْتَلْحِقَهُ وَرَثَةُ أَبِيهِ الَّذِي كَانَ يُدْعَى لَهُ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ إِذَا اسْتَلْحَقَهُ وَرَثَتُهُ وَأَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ كَانَ يُنْكِرُ، فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي الْوَرَثَةُ خَلَفٌ عَنْهُ مُنْكِرٌ لَهُ، فَكَيْفَ يُلْحَقُ بِهِ مَعَ إِنْكَارِهِ؟ فَهَذَا إِذَا كَانَ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا، أَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا، أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ وَلَا يَرِثُ وَإِنِ ادَّعَاهُ الْوَاطِئُ وَهُوَ وَلَدٌ زَنْيَةٍ مِنْ أَمَةٍ كَانَ أَوْ مِنْ حُرَّةٍ، وَهَذَا حُجَّةُ الْجُمْهُورِ عَلَى إسحاق وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِالزَّانِي إِذَا ادَّعَاهُ، وَلَا يَرِثُهُ، وَأَنَّهُ وَلَدُ زِنًى لِأَهْلِ أُمِّهِ مَنْ كَانُوا، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً. وَأَمَّا مَا اقْتُسِمَ مِنْ مَالٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَقَدْ مَضَى، فَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ قَوْلَ إسحاق وَمَنْ وَافَقَهُ، لَكِنَّ فِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ رَاشِدٍ، وَنَحْنُ نَحْتَجُّ بِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فَلَا يُعَلَّلُ الْحَدِيثُ بِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِمُوجَبِهِ، وَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ إسحاق وَمَنْ مَعَهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. [ذِكْرُ الْحُكْمِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ثُمَّ تَنَازَعُوا الْوَلَدَ] َ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِيهِ، ثُمَّ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَضَحِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ ذَكَرَ أبو داود وَالنَّسَائِيُّ فِي " سُنَنِهِمَا " مِنْ حَدِيثِ عبد الله بن الخليل، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: ( «كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيُمْنِ فَقَالَ: إِنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَتَوْا عليا يَخْتَصِمُونَ إِلَيْهِ فِي وَلَدٍ قَدْ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لِاثْنَيْنِ: طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا، فَغَلَيَا، ثُمَّ قَالَ:

стр. 2273

لِاثْنَيْنِ طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا، فَغَلَيَا، ثُمَّ قَالَ: لِاثْنَيْنِ طِيبَا بِالْوَلَدِ لِهَذَا، فَغَلَيَا، فَقَالَ أَنْتُمْ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ، إِنِّي مُقْرِعٌ بَيْنَكُمْ، فَمَنْ قُرِعَ فَلَهُ الْوَلَدُ، وَعَلَيْهِ لِصَاحِبَيْهِ ثُلْثَا الدِّيَةِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَجَعَلَهُ لِمَنْ قُرِعَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَضْرَاسُهُ أَوْ نَوَاجِذُهُ» ) . وَفِي إِسْنَادِهِ يحيى بن عبد الله الكندي الأجلح، وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، لَكِنْ رَوَاهُ أبو داود وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ إِلَى عبد خير عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: ( «أُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِثَلَاثَةٍ - وَهُوَ بِالْيَمَنِ - وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ اثْنَيْنِ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا: لَا. حَتَّى سَأَلَهُمْ جَمِيعًا، فَجَعَلَ كُلَّمَا سَأَلَ اثْنَيْنِ قَالَا: لَا، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالَّذِي صَارَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلْثَيِ الدِّيَةِ، قَالَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» ) . وَقَدْ أُعِلَّ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عبد خير بِإِسْقَاطِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَيَكُونُ مُرْسَلًا. قَالَ النَّسَائِيُّ: وَهَذَا أَصْوَبُ. وَهَذَا أَعْجَبُ؛ فَإِنَّ إِسْقَاطَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَجْعَلُهُ مُرْسَلًا، فَإِنَّ عبد خير أَدْرَكَ عليا وَسَمِعَ مِنْهُ، وعلي صَاحِبُ الْقِصَّةِ، فَهَبْ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ لَا ذِكْرَ لَهُ فِي السَّنَدِ، فَمِنْ أَيْنَ يَجِيءُ الْإِرْسَالُ؟ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: عبد خير لَمْ يُشَاهِدْ ضِحْكَ النَّبِيِّ ﷺ ! وَعَلِيٌّ إِذْ ذَاكَ كَانَ بِالْيَمَنِ، وَإِنَّمَا شَاهَدَ ضِحْكَهُ ﷺ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وعبد خير لَمْ يَذْكُرْ مَنْ شَاهَدَ ضَحِكَهُ، فَصَارَ الْحَدِيثُ بِهِ مُرْسَلًا. فَيُقَالُ إِذًا: قَدْ صَحَّ السَّنَدُ عَنْ عبد خير عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مُتَّصِلًا، فَمَنْ رَجَّحَ الِاتِّصَالَ لِكَوْنِهِ زِيَادَةً مِنَ الثِّقَةِ فَظَاهِرٌ، وَمَنْ رَجَّحَ رِوَايَةَ الْأَحْفَظِ وَالْأَضْبَطِ، وَكَانَ التَّرْجِيحُ مِنْ جَانِبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ قَدْ أَخْبَرَهُ

стр. 2274

بِالْقِصَّةِ - فَغَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ مُرْسَلَةً، وَقَدْ يَقْوَى الْحَدِيثُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُتَّصِلًا. وَبَعْدُ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْحُكْمِ، فَذَهَبَ إِلَيْهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَقَالَ: هُوَ السُّنَّةُ فِي دَعْوَى الْوَلَدِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهِ فِي الْقَدِيمِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَسُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَرَجَّحَ عَلَيْهِ حَدِيثَ الْقَافَةِ، وَقَالَ: حَدِيثُ الْقَافَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَهَاهُنَا أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا: دُخُولُ الْقُرْعَةِ فِي النَّسَبِ، وَالثَّانِي: تَغْرِيمُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ثُلْثَيْ دِيَةِ وَلَدِهِ لِصَاحِبَيْهِ. وَأَمَّا الْقُرْعَةُ فَقَدْ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ فُقْدَانِ مُرَجِّحٍ سِوَاهَا مِنْ بَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ أَوْ قَافَةٍ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ تَعْيِينُ الْمُسْتَحِقِّ بِالْقُرْعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، إِذْ هِيَ غَايَةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ تَرْجِيحِ الدَّعْوَى، وَلَهَا دُخُولٌ فِي دَعْوَى الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ بِقَرِينَةٍ وَلَا أَمَارَةٍ، فَدُخُولُهَا فِي النَّسَبِ الَّذِي يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الشَّبَهِ الْخَفِيِّ الْمُسْتَنِدِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِفِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَأَمَّا أَمْرُ الدِّيَةِ فَمُشْكِلٌ جِدًّا، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُوجِبِ الدِّيَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَفْوِيتُ نَسَبِهِ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ، فَيُقَالُ وَطْءُ كُلِّ وَاحِدٍ صَالِحٌ لِجَعْلِ الْوَلَدِ لَهُ، فَقَدْ فَوَّتَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبَيْهِ بِوَطْئِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَنْ كَانَ لَهُ الْوَلَدُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِهِمْ صَارَ مُفَوِّتًا لِنَسَبِهِ عَنْ صَاحِبَيْهِ، فَأُجْرِيَ ذَلِكَ مَجْرَى إِتْلَافِ الْوَلَدِ، وَنَزَلَ الثَّلَاثَةُ مَنْزِلَةَ أَبٍ وَاحِدٍ، فَحِصَّةُ الْمُتْلِفِ مِنْهُ ثُلْثُ الدِّيَةِ، إِذْ قَدْ عَادَ الْوَلَدُ لَهُ، فَيَغْرَمُ لِكُلٍّ مِنْ صَاحِبَيْهِ مَا يَخُصُّهُ، وَهُوَ ثُلْثُ الدِّيَةِ. وَوَجْهٌ آخَرُ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا، أَنَّهُ لَمَّا أَتْلَفَهُ عَلَيْهِمَا بِوَطْئِهِ وَلُحُوقِ الْوَلَدِ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ شَرْعًا هِيَ دِيَتُهُ، فَلَزِمَهُ لَهُمَا ثُلْثَا قِيمَتِهِ، وَهِيَ ثُلْثَا الدِّيَةِ، وَصَارَ هَذَا كَمَنَ أَتْلَفَ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكَيْنِ لَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ثُلْثَا الْقِيمَةِ لِشَرِيكَيْهِ، فَإِتْلَافُ الْوَلَدِ الْحُرِّ عَلَيْهِمَا بِحُكْمِ الْقُرْعَةِ، كَإِتْلَافِ الرَّقِيقِ الَّذِي بَيْنَهُمْ.

стр. 2275

وَنَظِيرُ هَذَا تَضْمِينُ الصَّحَابَةِ الْمَغْرُورَ بِحُرِّيَّةِ الْأَمَةِ قِيمَةَ أَوْلَادِهِ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ لَمَّا فَاتَ رِقُّهُمْ عَلَى السَّيِّدِ لِحُرِّيَّتِهِمْ وَكَانُوا بِصَدَدِ أَنْ يَكُونُوا أَرِقَّاءَ، وَهَذَا أَلْطَفُ مَا يَكُونُ مِنَ الْقِيَاسِ وَأَدَقُّهُ، وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ كَثِيرًا مِنْ أَقْيِسَةِ الْفُقَهَاءِ وَتَشْبِيهَاتِهِمْ وَجَدْتَ هَذَا أَقْوَى مِنْهَا، وَأَلْطَفَ مَسْلَكًا، وَأَدَقَّ مَأْخَذًا، وَلَمْ يَضْحَكْ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ سُدًى. وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ الْقَافَةِ، بَلْ إِنْ وُجِدَتِ الْقَافَةُ تَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ، أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ تَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْل ذِكْرُ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْوَلَدِ مَنْ أَحَقُّ بِهِ فِي الْحَضَانَةِ] فَصْلٌ ذِكْرُ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْوَلَدِ مَنْ أَحَقُّ بِهِ فِي الْحَضَانَةِ رَوَى أبو داود فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ( «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» ) . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، ( «أَنَّ ابْنَةَ حمزة اخْتَصَمَ فِيهَا علي وجعفر وزيد. فَقَالَ علي: أَنَا أَحَقُّ بِهَا وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَقَالَ جعفر: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زيد: ابْنَةُ أَخِي، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ» ) .

стр. 2276

وَرَوَى أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ» ) . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى أَهْلُ السُّنَنِ أَيْضًا عَنْهُ ( «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ وَقَدْ نَفَعَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اسْتَهِمَا عَلَيْهِ "، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ، وَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ " فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ» ) . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي " سُنَنِ النَّسَائِيِّ ": عَنْ عبد الحميد بن سلمة الأنصاري، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ( «أَنَّ جَدَّهُ أَسْلَمَ وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَجَاءَ بِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ لَمْ يَبْلُغْ، قَالَ: فَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَبَ هَاهُنَا وَالْأُمَّ هَاهُنَا، ثُمَّ خَيَّرَهُ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ اهْدِهِ " فَذَهَبَ إِلَى أَبِيهِ» ) .

стр. 2277

وَرَوَاهُ أبو داود عَنْهُ، وَقَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي رافع بن سنان، ( «أَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ أَوْ شِبْهَهُ، وَقَالَ رافع: ابْنَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اقْعُدْ نَاحِيَةً "، وَقَالَ لَهَا: " اقْعُدِي نَاحِيَةً "، فَأَقْعَدَ الصَّبِيَّةَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ قَالَ: " ادْعُوَاهَا " فَمَالَتْ إِلَى أُمِّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اللَّهُمَّ اهْدِهَا "، فَمَالَتْ إِلَى أَبِيهَا، فَأَخَذَهَا» ) . [فَصْلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ] أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَهُوَ حَدِيثٌ احْتَاجَ النَّاسُ فِيهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنَ الِاحْتِجَاجِ هُنَا بِهِ، وَمَدَارُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ فِي سُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالتَّزْوِيجِ غَيْرَ هَذَا، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْجِدَّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَعَلَّهُ محمد وَالِدُ شعيب، فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا. وَقَدْ صَحَّ سَمَاعُ شعيب مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ خَارِجَ صَحِيحِهِ، وَنَصَّ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِهِ، وَقَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ، وأحمد، وإسحاق، وعلي بن عبد الله يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِهِ، فَمَنِ النَّاسُ بَعْدَهُمْ؟ ! هَذَا لَفْظُهُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: هُوَ عِنْدَنَا كأيوب عَنْ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَحَكَى الحاكم فِي " عُلُومِ الْحَدِيثِ " لَهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِهِ. وَقَالَ أحمد بن صالح: لَا يُخْتَلَفُ عَلَى عبد الله أَنَّهَا صَحِيفَةٌ. وَقَوْلُهَا: " كَانَ بَطْنِي وِعَاءً " إِلَى آخِرِهِ، إِدْلَاءٌ مِنْهَا، وَتَوَسُّلٌ إِلَى اخْتِصَاصِهَا بِهِ، كَمَا اخْتَصَّ بِهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ، وَالْأَبُ لَمْ يُشَارِكْهَا فِي ذَلِكَ، فَنَبَّهَتْ

стр. 2278

فِي هَذَا الِاخْتِصَاصِ الَّذِي لَمْ يُشَارِكْهَا فِيهِ الْأَبُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ الَّذِي طَلَبَتْهُ بِالِاسْتِفْتَاءِ وَالْمُخَاصَمَةِ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ، وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَحْكَامِ، وَإِنَاطَتِهَا بِهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ حَتَّى فِطَرِ النِّسَاءِ، وَهَذَا الْوَصْفُ الَّذِي أَدْلَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ وَجَعَلَتْهُ سَبَبًا لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ قَدْ قَرَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرَهُ، وَلَوْ كَانَ بَاطِلًا أَلْغَاهُ، بَلْ تَرْتِيبُهُ الْحُكْمَ عَقِيبَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَأْثِيرِهِ فِيهِ وَأَنَّهُ سَبَبُهُ. وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، فَإِنَّ الْأَبَ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ حُضُورٌ وَلَا مُخَاصَمَةٌ، وَلَا دِلَالَةٌ فِيهِ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا، فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْمَرْأَةُ إِنَّمَا جَاءَتْ مُسْتَفْتِيَةً، أَفْتَاهَا النَّبِيُّ ﷺ بِمُقْتَضَى مَسْأَلَتِهَا، وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَى الزَّوْجِ إِنَّهُ طَلَّقَهَا حَتَّى يُحْكَمَ لَهَا بِالْوَلَدِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا. [فصل الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ مِنَ الْأَبِ] وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا افْتَرَقَ الْأَبَوَانِ وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْأَبِ، مَا لَمْ يَقُمْ بِالْأُمِّ مَا يَمْنَعُ تَقْدِيمَهَا، أَوْ بِالْوَلَدِ وَصْفٌ يَقْتَضِي تَخْيِيرَهُ، وَهَذَا مَا لَا يُعْرَفُ فِيهِ نِزَاعٌ، وَقَدْ قَضَى بِهِ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أبو بكر عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ. فَلَمَّا وَلِيَ عمر قَضَى بِمِثْلِهِ، فَرَوَى مالك فِي " الْمُوَطَّأِ "، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: (كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عاصم بن عمر، ثُمَّ إِنَّ عمر فَارَقَهَا، فَجَاءَ عمر قُبَاءَ، فَوَجَدَ ابْنَهُ عاصما يَلْعَبُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الدَّابَّةِ، فَأَدْرَكَتْهُ جَدَّةُ الْغُلَامِ، فَنَازَعَتْهُ إِيَّاهُ حَتَّى أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، فَقَالَ عمر: ابْنِي، وَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: ابْنِي. فَقَالَ أبو بكر ﵁: خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، فَمَا رَاجَعَهُ عمر الْكَلَامَ) .

стр. 2279

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا خَبَرٌ مَشْهُورٌ مِنْ وُجُوهٍ مُنْقَطِعَةٍ وَمُتَّصِلَةٍ، تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ، وَزَوْجَةُ عمر أُمُّ ابْنِهِ عاصم: هِيَ جميلة ابنة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري. قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عمر كَانَ مَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ خِلَافَ أبي بكر، وَلَكِنَّهُ سَلَّمَ لِلْقَضَاءِ مِمَّنْ لَهُ الْحُكْمُ وَالْإِمْضَاءُ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي خِلَافَتِهِ يَقْضِي بِهِ وَيُفْتِي، وَلَمْ يُخَالِفْ أبا بكر فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَا دَامَ الصَّبِيُّ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ. وَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (طَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ امْرَأَتَهُ الْأَنْصَارِيَّةَ أُمَّ ابْنِهِ عاصم، فَلَقِيَهَا تَحْمِلُهُ بِمُحَسِّرِ، وَقَدْ فُطِمَ وَمَشَى، فَأَخَذَ بِيَدِهِ لِيَنْتَزِعَهُ مِنْهَا، وَنَازَعَهَا إِيَّاهُ حَتَّى أَوْجَعَ الْغُلَامَ وَبَكَى، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِابْنِي مِنْكِ، فَاخْتَصَمَا إِلَى أبي بكر، فَقَضَى لَهَا بِهِ وَقَالَ: رِيحُهَا وَفِرَاشُهَا وَحِجْرُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْكَ حَتَّى يَشِبَّ وَيَخْتَارَ لِنَفْسِهِ) . وَمُحَسِّرٌ: سُوقٌ بَيْنَ قُبَاءَ وَالْمَدِينَةِ. وَذُكِرَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عاصم، عَنْ عكرمة قَالَ: (خَاصَمَتِ امْرَأَةُ عمر عمر إِلَى أبي بكر ﵁، وَكَانَ طَلَّقَهَا، فَقَالَ أبو بكر ﵁: الْأُمُّ أَعْطَفُ، وَأَلْطَفُ، وَأَرْحَمُ، وَأَحْنَى، وَأَرْأَفُ، هِيَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ.) وَذُكِرَ عَنْ معمر قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: إِنَّ أبا بكر قَضَى عَلَى عمر فِي ابْنِهِ مَعَ أُمِّهِ، وَقَالَ: (أَمُّهُ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ) فَإِنْ قِيلَ: فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ: هَلْ كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّ

стр. 2280

أَوَّلًا ثُمَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَدَّةِ، أَوْ وَقَعَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِحْدَاهُمَا؟ قِيلَ: الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِنَ الْأُمِّ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْجَدَّةِ فَقَضَاءُ الصِّدِّيقِ ﵁ لَهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ أَوْلَى. [فصل يُقَدَّمُ الْأَبُ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ وَالنِّكَاحِ وَتُقَدَّمُ الْأُمُّ فِي وِلَايَةِ الْحَضَانَةِ وَالرَّضَاعِ] فصل وَالْوِلَايَةُ عَلَى الطِّفْلِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُقَدَّمُ فِيهِ الْأَبُ عَلَى الْأُمِّ وَمَنْ فِي جِهَتِهَا، وَهِيَ وِلَايَةُ الْمَالِ وَالنِّكَاحِ، وَنَوْعٌ تُقَدَّمُ فِيهِ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ، وَهِيَ وِلَايَةُ الْحَضَانَةِ وَالرَّضَاعِ، وَقُدِّمَ كُلٌّ مِنَ الْأَبَوَيْنِ فِيمَا جُعِلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ لِتَمَامِ مَصْلَحَةِ الْوَلَدِ، وَتُوقَفُ مَصْلَحَتُهُ عَلَى مَنْ يَلِي ذَلِكَ مِنْ أَبَوَيْهِ، وَتَحْصُلُ بِهِ كِفَايَتُهُ. وَلَمَّا كَانَ النِّسَاءُ أَعْرَفَ بِالتَّرْبِيَةِ، وَأَقْدَرَ عَلَيْهَا، وَأَصْبَرَ وَأَرْأَفَ وَأَفْرَغَ لَهَا؛ لِذَلِكَ قُدِّمَتِ الْأُمُّ فِيهَا عَلَى الْأَبِ. وَلَمَّا كَانَ الرِّجَالُ أَقْوَمَ بِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْوَلَدِ وَالِاحْتِيَاطِ لَهُ فِي الْبُضْعِ، قُدِّمَ الْأَبُ فِيهَا عَلَى الْأُمِّ، فَتَقْدِيمُ الْأُمِّ فِي الْحَضَانَةِ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَالِاحْتِيَاطِ لِلْأَطْفَالِ، وَالنَّظَرِ لَهُمْ، وَتَقْدِيمُ الْأَبِ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ وَالتَّزْوِيجِ كَذَلِكَ. إِذَا عُرِفَ هَذَا فَهَلْ قُدِّمَتِ الْأُمُّ لِكَوْنِ جِهَتِهَا مُقَدَّمَةً عَلَى جِهَةِ الْأُبُوَّةِ فِي الْحَضَانَةِ، فَقُدِّمَتْ لِأَجْلِ الْأُمُومَةِ، أَوْ قُدِّمَتْ عَلَى الْأَبِ، لِكَوْنِ النِّسَاءِ أَقْوَمَ بِمَقَاصِدِ الْحَضَانَةِ وَالتَّرْبِيَةِ مِنَ الذُّكُورِ، فَيَكُونُ تَقْدِيمُهَا لِأَجْلِ الْأُنُوثَةِ؟ فَفِي هَذَا لِلنَّاسِ قَوْلَانِ، وَهُمَا فِي مَذْهَبِ أحمد يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي تَقْدِيمِ نِسَاءِ الْعَصَبَةِ عَلَى أَقَارِبِ الْأُمِّ أَوْ بِالْعَكْسِ، كَأُمِّ الْأُمِّ، وَأُمِّ الْأَبِ، وَالْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ، وَالْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ، وَالْخَالَةِ، وَالْعَمَّةِ، وَخَالَةِ الْأُمِّ، وَخَالَةِ الْأَبِ، وَمَنْ يُدْلِي مِنَ الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ بِأُمٍّ، وَمَنْ يُدْلِي مِنْهُنَّ بِأَبٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. إِحْدَاهُمَا: تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأُمِّ عَلَى أَقَارِبِ الْأَبِ. وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ أَصَحُّ دَلِيلًا وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأَبِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِي " مُخْتَصَرِهِ " فَقَالَ: وَالْأُخْتُ مِنَ الْأَبِ أَحَقُّ مِنَ الْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ وَأَحَقُّ مِنَ الْخَالَةِ،
следующие страницы →