← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وَرَوَى أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ» ) . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى أَهْلُ السُّنَنِ أَيْضًا عَنْهُ ( «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ وَقَدْ نَفَعَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اسْتَهِمَا عَلَيْهِ "، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ، وَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ " فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ» ) . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي " سُنَنِ النَّسَائِيِّ ": عَنْ عبد الحميد بن سلمة الأنصاري، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ( «أَنَّ جَدَّهُ أَسْلَمَ وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَجَاءَ بِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ لَمْ يَبْلُغْ، قَالَ: فَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَبَ هَاهُنَا وَالْأُمَّ هَاهُنَا، ثُمَّ خَيَّرَهُ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ اهْدِهِ " فَذَهَبَ إِلَى أَبِيهِ» ) .

стр. 2277

وَرَوَاهُ أبو داود عَنْهُ، وَقَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي رافع بن سنان، ( «أَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ أَوْ شِبْهَهُ، وَقَالَ رافع: ابْنَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اقْعُدْ نَاحِيَةً "، وَقَالَ لَهَا: " اقْعُدِي نَاحِيَةً "، فَأَقْعَدَ الصَّبِيَّةَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ قَالَ: " ادْعُوَاهَا " فَمَالَتْ إِلَى أُمِّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اللَّهُمَّ اهْدِهَا "، فَمَالَتْ إِلَى أَبِيهَا، فَأَخَذَهَا» ) . [فَصْلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ] أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَهُوَ حَدِيثٌ احْتَاجَ النَّاسُ فِيهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنَ الِاحْتِجَاجِ هُنَا بِهِ، وَمَدَارُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ فِي سُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالتَّزْوِيجِ غَيْرَ هَذَا، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْجِدَّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَعَلَّهُ محمد وَالِدُ شعيب، فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا. وَقَدْ صَحَّ سَمَاعُ شعيب مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ خَارِجَ صَحِيحِهِ، وَنَصَّ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِهِ، وَقَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ، وأحمد، وإسحاق، وعلي بن عبد الله يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِهِ، فَمَنِ النَّاسُ بَعْدَهُمْ؟ ! هَذَا لَفْظُهُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: هُوَ عِنْدَنَا كأيوب عَنْ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَحَكَى الحاكم فِي " عُلُومِ الْحَدِيثِ " لَهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِهِ. وَقَالَ أحمد بن صالح: لَا يُخْتَلَفُ عَلَى عبد الله أَنَّهَا صَحِيفَةٌ. وَقَوْلُهَا: " كَانَ بَطْنِي وِعَاءً " إِلَى آخِرِهِ، إِدْلَاءٌ مِنْهَا، وَتَوَسُّلٌ إِلَى اخْتِصَاصِهَا بِهِ، كَمَا اخْتَصَّ بِهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ، وَالْأَبُ لَمْ يُشَارِكْهَا فِي ذَلِكَ، فَنَبَّهَتْ

стр. 2278

فِي هَذَا الِاخْتِصَاصِ الَّذِي لَمْ يُشَارِكْهَا فِيهِ الْأَبُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ الَّذِي طَلَبَتْهُ بِالِاسْتِفْتَاءِ وَالْمُخَاصَمَةِ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ، وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَحْكَامِ، وَإِنَاطَتِهَا بِهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ حَتَّى فِطَرِ النِّسَاءِ، وَهَذَا الْوَصْفُ الَّذِي أَدْلَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ وَجَعَلَتْهُ سَبَبًا لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ قَدْ قَرَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرَهُ، وَلَوْ كَانَ بَاطِلًا أَلْغَاهُ، بَلْ تَرْتِيبُهُ الْحُكْمَ عَقِيبَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَأْثِيرِهِ فِيهِ وَأَنَّهُ سَبَبُهُ. وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، فَإِنَّ الْأَبَ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ حُضُورٌ وَلَا مُخَاصَمَةٌ، وَلَا دِلَالَةٌ فِيهِ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا، فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْمَرْأَةُ إِنَّمَا جَاءَتْ مُسْتَفْتِيَةً، أَفْتَاهَا النَّبِيُّ ﷺ بِمُقْتَضَى مَسْأَلَتِهَا، وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَى الزَّوْجِ إِنَّهُ طَلَّقَهَا حَتَّى يُحْكَمَ لَهَا بِالْوَلَدِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا. [فصل الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ مِنَ الْأَبِ] وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا افْتَرَقَ الْأَبَوَانِ وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْأَبِ، مَا لَمْ يَقُمْ بِالْأُمِّ مَا يَمْنَعُ تَقْدِيمَهَا، أَوْ بِالْوَلَدِ وَصْفٌ يَقْتَضِي تَخْيِيرَهُ، وَهَذَا مَا لَا يُعْرَفُ فِيهِ نِزَاعٌ، وَقَدْ قَضَى بِهِ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أبو بكر عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ. فَلَمَّا وَلِيَ عمر قَضَى بِمِثْلِهِ، فَرَوَى مالك فِي " الْمُوَطَّأِ "، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: (كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عاصم بن عمر، ثُمَّ إِنَّ عمر فَارَقَهَا، فَجَاءَ عمر قُبَاءَ، فَوَجَدَ ابْنَهُ عاصما يَلْعَبُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الدَّابَّةِ، فَأَدْرَكَتْهُ جَدَّةُ الْغُلَامِ، فَنَازَعَتْهُ إِيَّاهُ حَتَّى أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، فَقَالَ عمر: ابْنِي، وَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: ابْنِي. فَقَالَ أبو بكر ﵁: خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، فَمَا رَاجَعَهُ عمر الْكَلَامَ) .

стр. 2279

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا خَبَرٌ مَشْهُورٌ مِنْ وُجُوهٍ مُنْقَطِعَةٍ وَمُتَّصِلَةٍ، تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ، وَزَوْجَةُ عمر أُمُّ ابْنِهِ عاصم: هِيَ جميلة ابنة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري. قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عمر كَانَ مَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ خِلَافَ أبي بكر، وَلَكِنَّهُ سَلَّمَ لِلْقَضَاءِ مِمَّنْ لَهُ الْحُكْمُ وَالْإِمْضَاءُ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي خِلَافَتِهِ يَقْضِي بِهِ وَيُفْتِي، وَلَمْ يُخَالِفْ أبا بكر فِي شَيْءٍ مِنْهُ مَا دَامَ الصَّبِيُّ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ. وَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (طَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ امْرَأَتَهُ الْأَنْصَارِيَّةَ أُمَّ ابْنِهِ عاصم، فَلَقِيَهَا تَحْمِلُهُ بِمُحَسِّرِ، وَقَدْ فُطِمَ وَمَشَى، فَأَخَذَ بِيَدِهِ لِيَنْتَزِعَهُ مِنْهَا، وَنَازَعَهَا إِيَّاهُ حَتَّى أَوْجَعَ الْغُلَامَ وَبَكَى، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِابْنِي مِنْكِ، فَاخْتَصَمَا إِلَى أبي بكر، فَقَضَى لَهَا بِهِ وَقَالَ: رِيحُهَا وَفِرَاشُهَا وَحِجْرُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْكَ حَتَّى يَشِبَّ وَيَخْتَارَ لِنَفْسِهِ) . وَمُحَسِّرٌ: سُوقٌ بَيْنَ قُبَاءَ وَالْمَدِينَةِ. وَذُكِرَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عاصم، عَنْ عكرمة قَالَ: (خَاصَمَتِ امْرَأَةُ عمر عمر إِلَى أبي بكر ﵁، وَكَانَ طَلَّقَهَا، فَقَالَ أبو بكر ﵁: الْأُمُّ أَعْطَفُ، وَأَلْطَفُ، وَأَرْحَمُ، وَأَحْنَى، وَأَرْأَفُ، هِيَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ.) وَذُكِرَ عَنْ معمر قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: إِنَّ أبا بكر قَضَى عَلَى عمر فِي ابْنِهِ مَعَ أُمِّهِ، وَقَالَ: (أَمُّهُ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ) فَإِنْ قِيلَ: فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ: هَلْ كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّ

стр. 2280

أَوَّلًا ثُمَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَدَّةِ، أَوْ وَقَعَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِحْدَاهُمَا؟ قِيلَ: الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِنَ الْأُمِّ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْجَدَّةِ فَقَضَاءُ الصِّدِّيقِ ﵁ لَهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ أَوْلَى. [فصل يُقَدَّمُ الْأَبُ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ وَالنِّكَاحِ وَتُقَدَّمُ الْأُمُّ فِي وِلَايَةِ الْحَضَانَةِ وَالرَّضَاعِ] فصل وَالْوِلَايَةُ عَلَى الطِّفْلِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُقَدَّمُ فِيهِ الْأَبُ عَلَى الْأُمِّ وَمَنْ فِي جِهَتِهَا، وَهِيَ وِلَايَةُ الْمَالِ وَالنِّكَاحِ، وَنَوْعٌ تُقَدَّمُ فِيهِ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ، وَهِيَ وِلَايَةُ الْحَضَانَةِ وَالرَّضَاعِ، وَقُدِّمَ كُلٌّ مِنَ الْأَبَوَيْنِ فِيمَا جُعِلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ لِتَمَامِ مَصْلَحَةِ الْوَلَدِ، وَتُوقَفُ مَصْلَحَتُهُ عَلَى مَنْ يَلِي ذَلِكَ مِنْ أَبَوَيْهِ، وَتَحْصُلُ بِهِ كِفَايَتُهُ. وَلَمَّا كَانَ النِّسَاءُ أَعْرَفَ بِالتَّرْبِيَةِ، وَأَقْدَرَ عَلَيْهَا، وَأَصْبَرَ وَأَرْأَفَ وَأَفْرَغَ لَهَا؛ لِذَلِكَ قُدِّمَتِ الْأُمُّ فِيهَا عَلَى الْأَبِ. وَلَمَّا كَانَ الرِّجَالُ أَقْوَمَ بِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْوَلَدِ وَالِاحْتِيَاطِ لَهُ فِي الْبُضْعِ، قُدِّمَ الْأَبُ فِيهَا عَلَى الْأُمِّ، فَتَقْدِيمُ الْأُمِّ فِي الْحَضَانَةِ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَالِاحْتِيَاطِ لِلْأَطْفَالِ، وَالنَّظَرِ لَهُمْ، وَتَقْدِيمُ الْأَبِ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ وَالتَّزْوِيجِ كَذَلِكَ. إِذَا عُرِفَ هَذَا فَهَلْ قُدِّمَتِ الْأُمُّ لِكَوْنِ جِهَتِهَا مُقَدَّمَةً عَلَى جِهَةِ الْأُبُوَّةِ فِي الْحَضَانَةِ، فَقُدِّمَتْ لِأَجْلِ الْأُمُومَةِ، أَوْ قُدِّمَتْ عَلَى الْأَبِ، لِكَوْنِ النِّسَاءِ أَقْوَمَ بِمَقَاصِدِ الْحَضَانَةِ وَالتَّرْبِيَةِ مِنَ الذُّكُورِ، فَيَكُونُ تَقْدِيمُهَا لِأَجْلِ الْأُنُوثَةِ؟ فَفِي هَذَا لِلنَّاسِ قَوْلَانِ، وَهُمَا فِي مَذْهَبِ أحمد يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي تَقْدِيمِ نِسَاءِ الْعَصَبَةِ عَلَى أَقَارِبِ الْأُمِّ أَوْ بِالْعَكْسِ، كَأُمِّ الْأُمِّ، وَأُمِّ الْأَبِ، وَالْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ، وَالْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ، وَالْخَالَةِ، وَالْعَمَّةِ، وَخَالَةِ الْأُمِّ، وَخَالَةِ الْأَبِ، وَمَنْ يُدْلِي مِنَ الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ بِأُمٍّ، وَمَنْ يُدْلِي مِنْهُنَّ بِأَبٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. إِحْدَاهُمَا: تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأُمِّ عَلَى أَقَارِبِ الْأَبِ. وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ أَصَحُّ دَلِيلًا وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأَبِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِي " مُخْتَصَرِهِ " فَقَالَ: وَالْأُخْتُ مِنَ الْأَبِ أَحَقُّ مِنَ الْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ وَأَحَقُّ مِنَ الْخَالَةِ،

стр. 2281

وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ، وَعَلَى هَذَا فَأُمُّ الْأَبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى أُمِّ الْأُمِّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَأَقَارِبُ الْأَبِ مِنَ الرِّجَالِ مُقَدَّمُونَ عَلَى أَقَارِبِ الْأُمِّ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ أَحَقُّ مِنَ الْأَخِ لِلْأُمِّ، وَالْعَمُّ أَوْلَى مِنَ الْخَالِ، هَذَا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لِأَقَارِبِ الْأُمِّ مِنَ الرِّجَالِ مَدْخَلًا فِي الْحَضَانَةِ، وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أحمد وَالشَّافِعِيِّ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا حَضَانَةَ إِلَّا لِرَجُلٍ مِنَ الْعَصَبَةِ مَحْرَمٌ، أَوْ لِامْرَأَةٍ وَارِثَةٍ، أَوْ مُدْلِيَةٍ بِعَصَبَةٍ، أَوْ وَارِثٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ لَهُمُ الْحَضَانَةَ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجْحَانِ جِهَةِ الْأُبُوَّةِ عَلَى جِهَةِ الْأُمُومَةِ فِي الْحَضَانَةِ، وَأَنَّ الْأُمَّ إِنَّمَا قُدِّمَتْ لِكَوْنِهَا أُنْثَى لَا لِتَقْدِيمِ جِهَتِهَا، إِذْ لَوْ كَانَ جِهَتُهَا رَاجِحَةً لَتَرَجَّحَ رِجَالُهَا وَنِسَاؤُهَا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، وَلَمَّا لَمْ يَتَرَجَّحْ رِجَالُهَا اتِّفَاقًا فَكَذَلِكَ النِّسَاءُ، وَمَا الْفَرْقُ الْمُؤَثِّرُ؟ ! وَأَيْضًا فَإِنَّ أُصُولَ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدَهُ شَاهِدَةٌ بِتَقْدِيمِ أَقَارِبِ الْأَبِ فِي الْمِيرَاثِ، وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَوِلَايَةِ الْمَوْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْهَدْ فِي الشَّرْعِ تَقْدِيمُ قَرَابَةِ الْأُمِّ عَلَى قَرَابَةِ الْأَبِ فِي حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَمَنْ قَدَّمَهَا فِي الْحَضَانَةِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مُوجَبِ الدَّلِيلِ. فَالصَّوَابُ فِي الْمَأْخَذِ هُوَ أَنَّ الْأُمَّ إِنَّمَا قُدِّمَتْ لِأَنَّ النِّسَاءَ أَرْفَقُ بِالطِّفْلِ، وَأَخْبَرُ بِتَرْبِيَتِهِ، وَأَصْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَالْجَدَّةُ أُمُّ الْأَبِ أَوْلَى مِنْ أُمِّ الْأُمِّ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنَ الْأُخْتِ لِلْأُمِّ، وَالْعَمَّةُ أَوْلَى مِنَ الْخَالَةِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَتُقَدَّمُ أُمِّ الْأَبِ عَلَى أَبِ الْأَبِ، كَمَا تُقَدَّمُ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا الْأَصْلُ فَهُوَ أَصْلٌ مُطَّرِدٌ مُنْضَبِطٌ لَا تَتَنَاقَضُ فُرُوعُهُ، بَلْ إِنِ اتَّفَقَتِ الْقَرَابَةُ وَالدَّرَجَةُ وَاحِدَةٌ قُدِّمَتِ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ، فَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ،

стр. 2282

وَالْعَمَّةُ عَلَى الْعَمِّ، وَالْخَالَةُ عَلَى الْخَالِ، وَالْجَدَّةُ عَلَى الْجَدِّ، وَأَصْلُهُ تَقْدِيمُ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ. وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْقَرَابَةُ، قُدِّمَتْ قَرَابَةُ الْأَبِ عَلَى قَرَابَةِ الْأُمِّ، فَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ لِلْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأُمِّ، وَالْعَمَّةُ عَلَى الْخَالَةِ، وَعَمَّةُ الْأَبِ عَلَى خَالَتِهِ، وَهَلُمَّ جَرًّا. وَهَذَا هُوَ الِاعْتِبَارُ الصَّحِيحُ وَالْقِيَاسُ الْمُطَّرِدُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَضَى بِهِ سَيِّدُ قُضَاةِ الْإِسْلَامِ شريح، كَمَا رَوَى وَكِيعٌ فِي " مُصَنَّفِهِ " عَنِ الحسن بن عقبة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: اخْتَصَمَ عَمٌّ وَخَالٌ إِلَى شريح فِي طِفْلٍ، فَقَضَى بِهِ لِلْعَمِّ، فَقَالَ الْخَالُ: أَنَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِي، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ شريح. وَمَنْ سَلَكَ غَيْرَ هَذَا الْمَسْلَكِ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ التَّنَاقُضِ، مِثَالُهُ: أَنَّ الثَّلَاثَةَ وأحمد فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ يُقَدِّمُونَ أُمَّ الْأُمِّ عَلَى أُمِّ الْأَبِ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ، وأحمد فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ: تُقَدَّمُ الْأُخْتُ لِلْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأُمِّ، فَتَرَكُوا الْقِيَاسَ، وَطَرَدَهُ أبو حنيفة والمزني وابن سريج فَقَالُوا: تُقَدَّمُ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأَبِ. قَالُوا: لِأَنَّهَا تُدْلِي بِالْأُمِّ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ بِالْأَبِ، فَلَمَّا قُدِّمَتِ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ قُدِّمَ مَنْ يُدْلِي بِهَا عَلَى مَنْ يُدْلِي بِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا أَشَدُّ تَنَاقُضًا مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ جَرَوْا عَلَى الْقِيَاسِ وَالْأُصُولِ فِي تَقْدِيمِ قَرَابَةِ الْأَبِ عَلَى قَرَابَةِ الْأُمِّ، وَخَالَفُوا ذَلِكَ فِي أُمِّ الْأُمِّ وَأُمِّ الْأَبِ، وَهَؤُلَاءِ تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَدَّمُوا الْقَرَابَةَ الَّتِي أَخَّرَهَا الشَّرْعُ، وَأَخَّرُوا الْقَرَابَةَ الَّتِي قَدَّمَهَا، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ تَقْدِيمُهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، فَقَدَّمُوهَا فِي مَوْضِعٍ، وَأَخَّرُوهَا فِي غَيْرِهِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا، وَمِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ الْخَالَةَ عَلَى الْعَمَّةِ مَعَ تَقْدِيمِهِ الْأُخْتَ لِلْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأُمِّ، وَطُرِدَ قِيَاسُهُ فِي تَقْدِيمِ أُمِّ الْأُمِّ عَلَى أُمِّ الْأَبِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْأُخْتِ لِلْأُمِّ، وَالْخَالَةِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْعَمَّةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَدَّمَ مِنْ أَصْحَابِ أحمد الْخَالَةَ عَلَى الْعَمَّةِ، وَقَدَّمَ الْأُخْتَ لِلْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأُمِّ، كَقَوْلِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَصَاحِبِ " الْمُغْنِي ": فَقَدْ تَنَاقَضُوا.

стр. 2283

فَإِنْ قِيلَ: الْخَالَةُ تُدْلِي بِالْأُمِّ، وَالْعَمَّةُ تُدْلِي بِالْأَبِ، فَكَمَا قُدِّمَتِ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ، قُدِّمَ مَنْ يُدْلِي بِهَا، وَيَزِيدُهُ بَيَانًا كَوْنُ الْخَالَةِ أُمًّا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَالْعَمَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ. قِيلَ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّمِ الْأُمَّ عَلَى الْأَبِ لِقُوَّةِ الْأُمُومَةِ وَتَقْدِيمِ هَذِهِ الْجِهَةِ، بَلْ لِكَوْنِهَا أُنْثَى، فَإِذَا وُجِدَ عَمَّةٌ وَخَالَةٌ فَالْمَعْنَى الَّذِي قُدِّمَتْ لَهُ الْأُمُّ مَوْجُودٌ فِيهِمَا، وَامْتَازَتِ الْعَمَّةُ بِأَنَّهَا تُدْلِي بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ، وَهِيَ قُرَابَةُ الْأَبِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ ( «قَضَى بابنة حمزة لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: الْخَالَةُ أُمٌّ» ) حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُزَاحِمٌ مِنْ أَقَارِبِ الْأَبِ تُسَاوِيهَا فِي دَرَجَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ لَهَا عَمَّةٌ وَهِيَ صفية بنت عبد المطلب أُخْتُ حمزة، وَكَانَتْ إِذْ ذَاكَ مَوْجُودَةً فِي الْمَدِينَةِ، فَإِنَّهَا هَاجَرَتْ، وَشَهِدَتِ الْخَنْدَقَ، وَقَتَلَتْ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ كَانَ يُطِيفُ بِالْحِصْنِ الَّذِي هِيَ فِيهِ، وَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَبَقِيَتْ إِلَى خِلَافَةِ عمر ﵁، فَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْخَالَةَ عَلَيْهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ مَنْ فِي جِهَةِ الْأُمِّ عَلَى مَنْ فِي جِهَةِ الْأَبِ. قِيلَ إِنَّمَا يَدُلُّ هَذَا إِذَا كَانَتْ صفية قَدْ نَازَعَتْ مَعَهُمْ وَطَلَبَتِ الْحَضَانَةَ فَلَمْ يَقْضِ لَهَا بِهَا بَعْدَ طَلَبِهَا وَقَدَّمَ عَلَيْهَا الْخَالَةَ، هَذَا إِذَا كَانَتْ لَمْ تُمْنَعْ مِنْهَا لِعَجْزِهَا عَنْهَا، فَإِنَّهَا تُوُفِّيَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، فَيَكُونُ لَهَا وَقْتَ هَذِهِ الْحُكُومَةِ بِضْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَرَكَتْهَا لِعَجْزِهَا عَنْهَا، وَلَمْ تَطْلُبْهَا مَعَ قُدْرَتِهَا، وَالْحَضَانَةُ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ، فَإِذَا تَرَكَتْهَا، انْتَقَلَتْ إِلَى غَيْرِهَا. وَبِالْجُمْلَةِ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى تَقْدِيمِ الْخَالَةِ عَلَى الْعَمَّةِ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ صفية خَاصَمَتْ فِي ابْنَةِ أَخِيهَا وَطَلَبَتْ كَفَالَتَهَا، فَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَالَةَ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ.

стр. 2284

[فَصْلٌ تَنَاقُضُ مَنْ قَدَّمَ أُمَّ أُمٍّ ثُمَّ الْخَالَةَ عَلَى الْأَبِ وَأُمِّ الْأَبِ] فَصْلٌ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مالكا لَمَّا قَدَّمَ أُمَّ الْأُمِّ عَلَى أُمِّ الْأَبِ، قَدَّمَ الْخَالَةَ بَعْدَهَا عَلَى الْأَبِ وَأُمِّهِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي تَقْدِيمِ خَالَةِ الْخَالَةِ عَلَى هَؤُلَاءِ، عَلَى وَجْهَيْنِ، فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ: تَقْدِيمُ خَالَةِ الْخَالَةِ عَلَى الْأَبِ نَفْسِهِ وَعَلَى أُمِّهِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، فَكَيْفَ تُقَدَّمُ قَرَابَةُ الْأُمِّ وَإِنْ بَعُدَتْ عَلَى الْأَبِ نَفْسِهِ وَعَلَى قَرَابَتِهِ، مَعَ أَنَّ الْأَبَ وَأَقَارِبَهُ أَشْفَقُ عَلَى الطِّفْلِ وَأَرْعَى لِمَصْلَحَتِهِ مِنْ قَرَابَةِ الْأُمِّ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهِمْ بِحَالٍ، وَلَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ، بَلْ هُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا نَسَبُهُ وَوَلَاؤُهُ إِلَى أَقَارِبِ أَبِيهِ، وَهُمْ أَوْلَى بِهِ، يَعْقِلُونَ عَنْهُ، وَيُنْفِقُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيَتَوَارَثُونَ بِالتَّعْصِيبِ، وَإِنْ بَعُدَتِ الْقَرَابَةُ بَيْنَهُمْ بِخِلَافِ قَرَابَةِ الْأُمِّ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ، وَلَا تَوَارُثَ فِيهَا إِلَّا فِي أُمَّهَاتِهَا، وَأَوَّلُ دَرَجَةٍ مِنْ فُرُوعِهَا، وَهُمْ وَلَدُهَا، فَكَيْفَ تُقَدَّمُ هَذِهِ الْقَرَابَةُ عَلَى الْأَبِ، وَمَنْ فِي جِهَتِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قِيلَ بِتَقْدِيمِ خَالَةِ الْخَالَةِ عَلَى الْأَبِ نَفْسِهِ وَعَلَى أُمِّهِ، فَهَذَا الْقَوْلُ مِمَّا تَأْبَاهُ أُصُولُ الشّرِيعَةِ وَقَوَاعِدُهَا. وَهَذَا نَظِيرُ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد فِي تَقْدِيمِ الْأُخْتِ عَلَى الْأُمِّ وَالْخَالَةِ عَلَى الْأَبِ، وَهَذَا أَيْضًا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَمُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ. وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ كِلْتَيْهِمَا تُدْلِيَانِ بِالْأُمِّ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى الْأَبِ، فَتُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ الْأُمَّ لَمَّا سَاوَتِ الْأَبَ فِي الدَّرَجَةِ، وَامْتَازَتْ عَلَيْهِ بِكَوْنِهَا أَقْوَمَ بِالْحَضَانَةِ، وَأَقْدَرَ عَلَيْهَا وَأَصْبَرَ، قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ، وَالْخَالَةُ مَعَ الْأَبِ، فَإِنَّهُمَا لَا يُسَاوِيَانِهِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى وَلَدِهِ مِنْهُ، فَكَيْفَ تُقَدَّمُ عَلَيْهِ بِنْتُ امْرَأَتِهِ أَوْ أُخْتُهَا؟ وَهَلْ جَعَلَ اللَّهُ الشَّفَقَةَ فِيهِمَا أَكْمَلَ مِنْهُ؟ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي فَهْمِ نَصِّهِ هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنَّمَا قَدَّمَهَا عَلَى الْأَبِ لِأُنُوثَتِهَا، فَعَلَى هَذَا تُقَدَّمُ نِسَاءُ الْحَضَانَةِ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ، فَتُقَدَّمُ خَالَةُ الْخَالَةِ وَإِنْ عَلَتْ، وَبِنْتُ الْأُخْتِ عَلَى الْأَبِ. الثَّانِي: أَنَّ الْخَالَةَ وَالْأُخْتَ لِلْأُمِّ لَمْ تُدْلِيَا بِالْأَبِ، وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ،

стр. 2285

فَتُقَدَّمُ نِسَاءُ الْحَضَانَةِ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ إِلَّا عَلَى مَنْ أَدْلَيْنَ بِهِ، فَلَا تُقَدَّمْنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُنَّ فَرْعُهُ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تُقَدَّمُ أُمُّ الْأَبِ عَلَى الْأَبِ، وَلَا الْأُخْتُ وَالْعَمَّةُ عَلَيْهِ، وَتُقَدَّمُ عَلَيْهِ أُمُّ الْأُمِّ، وَالْخَالَةُ، وَالْأُخْتُ لِلْأُمِّ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ إِذْ يَسْتَلْزِمُ تَقْدِيمَ قَرَابَةِ الْأُمِّ الْبَعِيدَةِ عَلَى الْأَبِ وَأُمِّهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَبَ إِذَا قُدِّمَ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأَبِ فَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأُمِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأُخْتَ لِلْأَبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهَا، فَكَيْفَ تُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ نَفْسِهِ؟ هَذَا تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ. الثَّالِثُ: تَقْدِيمُ نِسَاءِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ وَأُمَّهَاتِهِ وَسَائِرِ مَنْ فِي جِهَتِهِ، قَالُوا: فَعَلَى هَذَا، فَكُلُّ امْرَأَةٍ فِي دَرَجَةِ رَجُلٍ تُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَيُقَدَّمُ مَنْ أَدْلَى بِهَا عَلَى مَنْ أَدْلَى بِالرَّجُلِ، فَلَمَّا قُدِّمَتِ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ وَهِيَ فِي دَرَجَتِهِ قُدِّمَتِ الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ عَلَى الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ، وَقُدِّمَتِ الْخَالَةُ عَلَى الْعَمَّةِ. هَذَا تَقْرِيرُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي " مُحَرَّرِهِ " مِنْ تَنْزِيلِ نَصِّ أحمد عَلَى هَذِهِ الْمَحَامِلِ الثَّلَاثِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِعَامَّةِ نُصُوصِهِ فِي تَقْدِيمِ الْأُخْتِ لِلْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأُمِّ وَعَلَى الْخَالَةِ، وَتَقْدِيمِ خَالَةِ الْأَبِ عَلَى خَالَةِ الْأُمِّ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ الْخِرَقِيُّ فِي " مُخْتَصَرِهِ " غَيْرَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَخَرَّجَهَا ابن عقيل عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي أُمِّ الْأُمِّ، وَأُمِّ الْأَبِ، وَلَكِنَّ نَصَّهُ مَا ذَكَرَهُ الخرقي، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي حَكَاهَا صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " ضَعِيفَةٌ مَرْجُوحَةٌ، فَلِهَذَا جَاءَتْ فُرُوعُهَا وَلَوَازِمُهَا أَضْعَفَ مِنْهَا بِخِلَافِ سَائِرِ نُصُوصِهِ فِي جَادَّةِ مَذْهَبِهِ. [فصل ضابط في الحضانة لأصحاب أحمد] فَصْلٌ وَقَدْ ضَبَطَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ هَذَا الْبَابَ بِضَابِطٍ، فَقَالَ: كُلُّ عَصَبَةٍ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ هِيَ أَبْعَدُ مِنْهُ، وَيَتَأَخَّرُ عَمَّنْ هِيَ أَقْرَبُ مِنْهُ، وَإِذَا تَسَاوَيَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ. فَعَلَى هَذَا الضَّابِطِ يُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى أُمِّهِ، وَعَلَى أُمِّ الْأُمِّ وَمَنْ مَعَهَا، وَيُقَدَّمُ الْأَخُ عَلَى ابْنَتِهِ وَعَلَى الْعَمَّةِ، وَالْعَمُّ عَلَى عَمَّةِ الْأَبِ، وَتُقَدَّمُ أُمُّ الْأَبِ عَلَى جَدِّ الْأَبِ، وَفِي تَقْدِيمِهَا عَلَى أَبِ الْأَبِ وَجْهَانِ. وَفِي تَقْدِيمِ الْأُخْتِ لِلْأَبِ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ وَجْهَانِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْعَمَّةِ عَلَى الْعَمِّ وَجْهَانِ.

стр. 2286

وَالصَّوَابُ: تَقْدِيمُ الْأُنْثَى مَعَ التَّسَاوِي، كَمَا قُدِّمَتِ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ لَمَّا اسْتَوَيَا، فَلَا وَجْهَ لِتَقْدِيمِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى مَعَ مُسَاوَاتِهَا لَهُ، وَامْتِيَازِهَا بِقُوَّةِ أَسْبَابِ الْحَضَانَةِ وَالتَّرْبِيَةِ فِيهَا. وَاخْتُلِفَ فِي بَنَاتِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، هَلْ يُقَدَّمْنَ عَلَى الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ، أَوْ تُقَدَّمُ الْخَالَاتُ وَالْعَمَّاتُ عَلَيْهِنَّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، مَأْخَذُهُمَا: أَنَّ الْخَالَةَ وَالْعَمَّةَ تُدْلِيَانِ بِأُخُوَّةِ الْأُمِّ وَالْأَبِ، وَبَنَاتَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ يُدْلِينَ بِبُنُوَّةِ الْأَبِ، فَمَنْ قَدَّمَ بَنَاتِ الْإِخْوَةِ، رَاعَى قُوَّةَ الْبُنُوَّةِ عَلَى الْأُخُوَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَيِّدٍ، بَلِ الصَّوَابُ تَقْدِيمُ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى الطِّفْلِ مِنْ بَنَاتِ أَخِيهِ، فَإِنَّ الْعَمَّةَ أُخْتُ أَبِيهِ، وَابْنَةَ الْأَخِ ابْنَةُ ابْنِ أَبِيهِ، وَكَذَلِكَ الْخَالَةُ أُخْتُ أُمِّهِ، وَبِنْتُ الْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ، أَوْ لِأَبٍ بِنْتُ بِنْتِ أُمِّهِ أَوْ أَبِيهِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْقَرَابَةِ. الثَّانِي: أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ إِنْ طَرَدَ أَصْلَهُ لَزِمَهُ مَا لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنْ تَقْدِيمِ بِنْتِ بِنْتِ الْأُخْتِ، وَإِنْ نَزَلَتْ عَلَى الْخَالَةِ الَّتِي هِيَ أُمٌّ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَإِنْ خُصَّ ذَلِكَ بِبِنْتِ الْأُخْتِ دُونَ مَنْ سَفَلَ مِنْهَا، تَنَاقَضَ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أحمد أَيْضًا فِي الْجَدِّ وَالْأُخْتِ لِلْأَبِ أَيُّهُمَا أَوْلَى؟ فَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْجَدَّ أَوْلَى مِنْهَا، وَحَكَى الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَجْهًا: أَنَّهَا أَوْلَى مِنْهُ، وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي تَأَوَّلَ عَلَيْهَا الْأَصْحَابُ نَصَّ أحمد، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ. [فصل بيان تناقض الضابط السابق] فَصْلٌ وَمِمَّا يُبَيِّنُ صِحَّةَ الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا عَدِمَ الْأُمَّهَاتِ وَمَنْ فِي جِهَتِهِنَّ انْتَقَلَتِ الْحَضَانَةُ إِلَى الْعَصَبَاتِ، وَقُدِّمَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ، كَمَا فِي الْمِيرَاثِ، فَهَذَا جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلَّا رَاعَيْتُمْ هَذَا فِي جِنْسِ الْقَرَابَةِ، فَقَدَّمْتُمُ الْقَرَابَةَ الْقَوِيَّةَ الرَّاجِحَةَ عَلَى الضَّعِيفَةِ الْمَرْجُوحَةِ كَمَا فَعَلْتُمْ فِي الْعَصَبَاتِ؟

стр. 2287

وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي الْأَخَوَاتِ عِنْدَكُمْ أَنَّهُ يُقَدَّمُ مِنْهُنَّ مَنْ كَانَتْ لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنْ كَانَتْ لِأَبٍ، ثُمَّ مَنْ كَانَتْ لِأُمٍّ، وَهَذَا صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِلْأُصُولِ وَالْقِيَاسِ، لَكِنْ إِذَا ضُمَّ هَذَا إِلَى قَوْلِهِمْ بِتَقْدِيمِ قَرَابَةِ الْأُمِّ عَلَى قَرَابَةِ الْأَبِ جَاءَ التَّنَاقُضُ، وَتِلْكَ الْفُرُوعُ الْمُشْكِلَةُ الْمُتَنَاقِضَةُ. وَأَيْضًا فَقَدْ قَالُوا بِتَقْدِيمِ أُمَّهَاتِ الْأَبِ وَالْجَدِّ عَلَى الْخَالَاتِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأُمِّ، وَهُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِأُصُولِ الشَّرْعِ، لَكِنَّهُ مُنَاقِضٌ لِتَقْدِيمِهِمْ أُمَّهَاتِ الْأُمِّ عَلَى أُمَّهَاتِ الْأَبِ، وَيُنَاقِضُ تَقْدِيمَ الْخَالَةِ وَالْأُخْتِ لِلْأُمِّ عَلَى الْأَبِ، كَمَا هُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد ﵀، وَالْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقَوْلَ بِهِ أَطْرَدُ لِلْأَصْلِ، لَكِنَّهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ مِنْ قِيَاسِ الْأُصُولِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْدِهِ أَيْضًا تَقْدِيمُ مَنْ كَانَ مِنَ الْأَخَوَاتِ لِأُمٍّ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْهُنَّ لِأَبٍ، وَقَدِ الْتَزَمَهُ أبو حنيفة، والمزني، وابن سريج، وَيَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْدِهِ أَيْضًا تَقْدِيمُ بِنْتِ الْخَالَةِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأَبِ، وَقَدِ الْتَزَمَهُ زفر، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أبي حنيفة، وَلَكِنْ أبو يوسف اسْتَشْنَعَ ذَلِكَ، فَقَدَّمَ الْأُخْتَ لِلْأَبِ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَرَوَاهُ عَنْ أبي حنيفة. وَيَلْزَمُهُمْ أَيْضًا مِنْ طَرْدِهِ تَقْدِيمُ الْخَالَةِ وَالْأُخْتِ لِلْأُمِّ عَلَى الْجَدَّةِ أُمِّ الْأَبِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَالْوَهَنِ، وَقَدِ الْتَزَمَهُ زفر، وَمِثْلُ هَذَا مِنَ الْمَقَايِيسِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا أبو حنيفة أَصْحَابَهُ، وَقَالَ: لَا تَأْخُذُوا بِمَقَايِيسِ زفر، فَإِنَّكُمْ إِنْ أَخَذْتُمْ بِمَقَايِيسِ زفر حَرَّمْتُمُ الْحَلَالَ، وَحَلَّلْتُمُ الْحَرَامَ. [فَصْلٌ ضابط آخر في الحضانة لبعض أصحاب أحمد وبيان تناقضه] وَقَدْ رَامَ بَعْضُ أَصْحَابِ أحمد ضَبْطَ هَذَا الْبَابَ بِضَابِطٍ زَعَمَ أَنَّهُ يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنَ التَّنَاقُضِ، فَقَالَ: الِاعْتِبَارُ فِي الْحَضَانَةِ بِالْوِلَادَةِ الْمُتَحَقِّقَةِ، وَهِيَ الْأُمُومَةُ، ثُمَّ الْوِلَادَةُ الظَّاهِرَةُ وَهِيَ الْأُبُوَّةُ، ثُمَّ الْمِيرَاثُ. قَالَ وَلِذَلِكَ تُقَدَّمُ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ، وَعَلَى الْخَالَةِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى إِرْثًا مِنْهُمَا. قَالَ: ثُمَّ الْإِدْلَاءُ، فَتُقَدَّمُ الْخَالَةُ عَلَى الْعَمَّةِ؛ لِأَنَّ الْخَالَةَ تُدْلِي بِالْأُمِّ، وَالْعَمَّةَ تُدْلِي بِالْأَبِ، فَذَكَرَ أَرْبَعَ

стр. 2288

أَسْبَابٍ لِلْحَضَانَةِ، مَرْتَبَةُ الْأُمُومَةِ، ثُمَّ بَعْدَهَا الْأُبُوَّةُ، ثُمَّ بَعْدَهَا الْمِيرَاثُ، ثُمَّ الْإِدْلَاءُ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ صَاحِبِ " الْمُسْتَوْعَبِ "، وَمَا زَادَتْهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ إِلَّا تَنَاقُضًا وَبُعْدًا عَنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ مِنْ أَفْسَدِ الطُّرُقِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ فَسَادُهَا بِلَوَازِمِهَا الْبَاطِلَةِ، فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِتَقْدِيمِ الْأُمُومَةِ عَلَى الْأُبُوَّةِ تَقْدِيمَ مَنْ فِي جِهَتِهَا عَلَى الْأَبِ وَمَنْ فِي جِهَتِهِ - كَانَتْ تِلْكَ اللَّوَازِمُ الْبَاطِلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْ تَقْدِيمِ الْأُخْتِ لِلْأُمِّ، وَبِنْتِ الْخَالَةِ عَلَى الْأَبِ وَأُمِّهِ، وَتَقْدِيمِ الْخَالَةِ عَلَى الْعَمَّةِ، وَتَقْدِيمِ خَالَةِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ وَأُمِّهِ، وَتَقْدِيمِ بَنَاتِ الْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ عَلَى أُمِّ الْأَبِ، وَهَذَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِنُصُوصِ إِمَامِهِ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِأُصُولِ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِهِ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْأُمَّ نَفْسَهَا تُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ، فَهَذَا حَقٌّ لَكِنَّ الشَّانَ فِي مَنَاطِ هَذَا التَّقْدِيمِ: هَلْ هُوَ لِكَوْنِ الْأُمِّ وَمَنْ فِي جِهَتِهَا تُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ وَمَنْ فِي جِهَتِهِ، أَوْ لِكَوْنِهَا أُنْثَى فِي دَرَجَةِ ذَكَرٍ، وَكُلُّ أُنْثَى كَانَتْ فِي دَرَجَةِ ذَكَرٍ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ مَعَ تَقْدِيمِ قَرَابَةِ الْأَبِ عَلَى قَرَابَةِ الْأُمِّ؟ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " ثُمَّ الْمِيرَاثُ " إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْمُقَدَّمَ فِي الْمِيرَاثِ مُقَدَّمٌ فِي الْحَضَانَةِ فَصَحِيحٌ، وَطَرْدُهُ تَقْدِيمُ قَرَابَةِ الْأَبِ عَلَى قَرَابَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهَا فِي الْمِيرَاثِ، فَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ عَلَى الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ. وَقَوْلُهُ: " وَكَذَلِكَ تَقْدِيمُ الْأُخْتِ لِلْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأُمِّ، وَالْخَالَةِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى إِرْثًا مِنْهُمَا، فَيُقَالُ: لَمْ يَكُنْ تَقْدِيمُهَا لِأَجْلِ الْإِرْثِ وَقُوَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ لَكَانَ الْعَصَبَاتُ أَحَقَّ بِالْحَضَانَةِ مِنَ النِّسَاءِ، فَيَكُونُ الْعَمُّ أَوْلَى مِنَ الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ، وَهَذَا بَاطِلٌ. [ضَابِطُ الْحَضَانَةِ عِنْدَ ابْنِ قُدَامَةَ] فَصْلٌ وَقَدْ ضَبَطَ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي " هَذَا الْبَابَ بِضَابِطٍ آخَرَ، فَقَالَ: فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَأَوْلَى الْكُلِّ بِهَا: الْأُمُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ يُقَدَّمُ مِنْهُنَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُنَّ نِسَاءٌ وِلَادَتُهُنَّ مُتَحَقِّقَةٌ، فَهُنَّ فِي مَعْنَى الْأُمِّ، وَعَنْ أحمد أَنَّ أُمَّ الْأَبِ وَأُمَّهَاتِهَا يُقَدَّمْنَ عَلَى أُمِّ الْأُمِّ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ الْأَبُ أَوْلَى بِالتّقْدِيمِ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِهِ، فَيَكُونُ الْأَبُ

стр. 2289

بَعْدَ الْأُمِّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، وَالْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، فَإِنَّ الْمُقَدَّمَ الْأُمُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا، ثُمَّ الْأَبُ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الْجَدُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ جَدُّ الْأَبِ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ وَإِنْ كُنَّ غَيْرَ وَارِثَاتٍ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِعَصَبَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، بِخِلَافِ أُمِّ أَبِ الْأُمِّ. وَحُكِيَ عَنْ أحمد رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ الْأُخْتَ مِنَ الْأُمِّ وَالْخَالَةَ أَحَقُّ مِنَ الْأَبِ، فَتَكُونُ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَحَقُّ مِنْهُ، وَمِنْهُمَا، وَمِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ، وَالْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ مِنَ الْمَذْهَبِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ انْتَقَلَتِ الْحَضَانَةُ إِلَى الْأَخَوَاتِ، وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ، وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ؛ لِأَنَّهَا امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهَا مِنَ الرِّجَالِ، كَالْأُمِّ تُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ، وَأُمُّ الْأَبِ عَلَى أَبِ الْأَبِ، وَكُلُّ جَدَّةٍ فِي دَرَجَةِ جَدِّ تُقَدَّمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا تَلِي الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهَا، وَالرَّجُلُ لَا يَلِيهَا بِنَفْسِهِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَفِي تَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ مِنَ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ وَجْهَانِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ أُخْتٌ فَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْلَى، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ، ثُمَّ ابْنَاهُمَا، وَلَا حَضَانَةَ لِلْأَخِ مِنَ الْأُمِّ لِمَا ذَكَرْنَا. فَإِذَا عُدِمُوا صَارَتِ الْحَضَانَةُ لِلْخَالَاتِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتَرْتِيبُهُنَّ فِيهَا كَتَرْتِيبِ الْأَخَوَاتِ، وَلَا حَضَانَةَ لِلْأَخْوَالِ، فَإِذَا عُدِمُوا صَارَتْ لِلْعَمَّاتِ، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى الْأَعْمَامِ كَتَقْدِيمِ الْأَخَوَاتِ عَلَى الْإِخْوَةِ، ثُمَّ لِلْعَمِّ لِلْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لِلْعَمِّ لِلْأَبِ، وَلَا حَضَانَةَ لِلْعَمِّ مِنَ الْأُمِّ، ثُمَّ ابْنَاهُمَا، ثُمَّ إِلَى خَالَاتِ الْأَبِ عَلَى قَوْلِ الخرقي، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ: إِلَى خَالَاتِ الْأُمِّ، ثُمَّ إِلَى عَمَّاتِ الْأَبِ، وَلَا حَضَانَةَ لِعَمَّاتِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِأَبِ الْأُمِّ، وَلَا حَضَانَةَ لَهُ. وَإِنِ اجْتَمَعَ شَخْصَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ فِي دَرَجَةٍ قُدِّمَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهَذَا خَيْرٌ مِمَّا قَبْلَهُ مِنَ الضَّوَابِطِ، وَلَكِنْ فِيهِ تَقْدِيمُ أُمِّ الْأُمِّ، وَإِنْ عَلَتْ عَلَى الْأَبِ وَأُمَّهَاتِهِ، فَإِنْ طَرَّدَ تَقْدِيمَ مَنْ فِي جِهَةِ الْأُمِّ عَلَى مَنْ فِي جِهَةِ الْأَبِ جَاءَتْ تِلْكَ اللَّوَازِمُ الْبَاطِلَةُ، وَهُوَ لَمْ يُطْرِدْهُ، وَإِنْ قَدَّمَ بَعْضَ مَنْ فِي جِهَةِ الْأَبِ عَلَى بَعْضِ مَنْ فِي جِهَةِ الْأُمِّ كَمَا فَعَلَ - طُولِبَ بِالْفَرْقِ وَبِمَنَاطِ التَّقْدِيمِ.

стр. 2290

وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْحَضَانَةِ لِلْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ دُونَ الْأَخِ مِنَ الْأُمِّ، وَهُوَ فِي دَرَجَتِهَا وَمُسَاوٍ لَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِأُنُوثَتِهَا وَهُوَ ذَكَرٌ، انْتَقَضَ بِرِجَالِ الْعَصَبَةِ كُلِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الْعَصَبَةِ، وَالْحَضَانَةُ لَا تَكُونُ لِرَجُلٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَصَبَةِ. قِيلَ: فَكَيْفَ جَعَلْتُمُوهَا لِنِسَاءِ ذَوِي الْأَرْحَامِ مَعَ مُسَاوَاةِ قَرَابَتِهِنَّ لِقَرَابَةِ مَنْ فِي دَرَجَتِهِنَّ مِنَ الذُّكُورِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؟ فَإِمَّا أَنْ تَعْتَبِرُوا الْأُنُوثَةَ فَلَا تَجْعَلُوهَا لِلذَّكَرِ، أَوِ الْمِيرَاثَ فَلَا تَجْعَلُوهَا لِغَيْرِ وَارِثٍ، أَوِ الْقَرَابَةَ فَلَا تَمْنَعُوا مِنْهَا الْأَخَ مِنَ الْأُمِّ وَالْخَالَ وَأَبَا الْأُمِّ أَوِ التَّعْصِيبَ، فَلَا تُعْطُوهَا لِغَيْرِ عَصَبَةٍ. فَإِنْ قُلْتُمْ: بَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُنَا، وَهُوَ اعْتِبَارُ التّعْصِيبِ فِي الذُّكُورِ وَالْقَرَابَةِ فِي النِّسَاءِ. قِيلَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِبَابِ الْوِلَايَاتِ، وَبَابِ الْمِيرَاثِ، وَالْحَضَانَةُ وِلَايَةٌ عَلَى الطِّفْلِ، فَإِنْ سَلَكْتُمْ بِهَا مَسْلَكَ الْوِلَايَاتِ فَخُصُّوهَا بِالْأَبِ وَالْجَدِّ، وَإِنْ سَلَكْتُمْ بِهَا مَسْلَكَ الْمِيرَاثِ فَلَا تُعْطُوهَا لِغَيْرِ وَارِثٍ، وَكِلَاهُمَا خِلَافُ قَوْلِكُمْ وَقَوْلِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ. وَفِي كَلَامِهِ أَيْضًا: تَقْدِيمُ ابْنِ الْأَخِ وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُ عَلَى الْخَالَةِ الَّتِي هِيَ أُمٌّ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ إِنَّمَا جَعَلُوا أَوْلَادَ الْإِخْوَةِ بَعْدَ أَبِ الْأَبِ وَالْعَمَّاتِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّ الْخَالَةَ أُخْتُ الْأُمِّ، وَبِهَا تُدْلِي، وَالْأُمُّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَبِ، وَابْنُ الْأَخِ إِنَّمَا يُدْلِي بِالْأَخِ الَّذِي يُدْلِي بِالْأَبِ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَى الْخَالَةِ! وَكَذَا الْعَمَّةُ أُخْتُ الْأَبِ وَشَقِيقَتُهُ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ ابْنُ ابْنِهِ عَلَيْهَا! وَقَدْ ضَبَطَ هَذَا الْبَابَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِضَابِطٍ آخَرَ، فَقَالَ: أَقْرَبُ مَا يُضْبَطُ بِهِ بَابُ الْحَضَانَةِ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَتِ الْحَضَانَةُ وِلَايَةً تَعْتَمِدُ الشَّفَقَةَ وَالتَّرْبِيَةَ وَالْمُلَاطَفَةَ كَانَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا أَقْوَمَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَهُمْ أَقَارِبُهُ يُقَدَّمُ مِنْهُمْ أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ وَأَقْوَمُهُمْ بِصِفَاتِ الْحَضَانَةِ. فَإِنِ اجْتَمَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، فَإِنِ اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ قُدِّمَ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ، فَتُقَدَّمُ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ، وَالْجَدَّةُ عَلَى

стр. 2291

الْجَدِّ، وَالْخَالَةُ عَلَى الْخَالِ، وَالْعَمَّةُ عَلَى الْعَمِّ، وَالْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ. فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ، قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ يَعْنِي مَعَ اسْتِوَاءِ دَرَجَتِهِمَا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ دَرَجَتُهُمَا مِنَ الطِّفْلِ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ قُدِّمَ الْأَقْرَبُ إِلَيْهِ، فَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ عَلَى ابْنَتِهَا، وَالْخَالَةُ عَلَى خَالَةِ الْأَبَوَيْنِ، وَخَالَةُ الْأَبَوَيْنِ عَلَى خَالَةِ الْجَدِّ، وَالْجَدَّةُ وَالْجَدُّ أَبُو الْأُمِّ عَلَى الْأَخِ لِلْأُمِّ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ جِهَةَ الْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ فِي الْحَضَانَةِ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ الْأُخُوَّةِ فِيهَا. وَقِيلَ يُقَدَّمُ الْأَخُ لِلْأُمِّ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ أَبِ الْأُمِّ فِي الْمِيرَاثِ. وَالْوَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أحمد. وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ لَا حَضَانَةَ لِلْأَخِ مِنَ الْأُمِّ بِحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعَصَبَاتِ، وَلَا مِنْ نِسَاءِ الْحَضَانَةِ، وَكَذَلِكَ الْخَالُ أَيْضًا، فَإِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْوَجْهِ يَقُولُ: لَا حَضَانَةَ لَهُ، وَلَا نِزَاعَ أَنَّ أَبَا الْأُمِّ وَأُمَّهَاتِهِ أَوْلَى مِنَ الْخَالِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ جِهَتَيْنِ، كَقَرَابَةِ الْأُمِّ وَقَرَابَةِ الْأَبِ، مِثْلَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، وَالْأُخْتِ لِلْأَبِ، وَالْأُخْتِ لِلْأُمِّ، وَأُمِّ الْأَبِ، وَأُمِّ الْأُمِّ، وَخَالَةِ الْأَبِ، وَخَالَةِ الْأُمِّ قُدِّمَ مَنْ فِي جِهَةِ الْأَبِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ، أَوْ كَانَتْ جِهَةُ الْأَبِ أَقْرَبَ إِلَى الطِّفْلِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ جِهَةُ الْأُمِّ أَقْرَبَ، وَقَرَابَةُ الْأَبِ أَبْعَدَ، كَأُمِّ الْأُمِّ، وَأُمِّ أَبِ الْأَبِ، وَكَخَالَةِ الطِّفْلِ، وَعَمَّةِ أَبِيهِ، فَقَدْ تَقَابَلَ التَّرْجِيحَانِ، وَلَكِنْ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إِلَى الطِّفْلِ لِقُوَّةِ شَفَقَتِهِ وَحُنُوِّهِ عَلَى شَفَقَةِ الْأَبْعَدِ، وَمَنْ قَدَّمَ قَرَابَةَ الْأَبِ، فَإِنَّمَا يُقَدِّمُهَا مَعَ مُسَاوَاةِ قَرَابَةِ الْأُمِّ لَهَا، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ أَبْعَدَ مِنْهَا قُدِّمَتْ قَرَابَةُ الْأُمِّ الْقَرِيبَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْ تَقْدِيمِ الْقَرَابَةِ الْبَعِيدَةِ لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ لَا يَقُولُ بِهَا أَحَدٌ، فَبِهَذَا الضَّابِطِ يُمْكِنُ حَصْرُ جَمِيعِ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ وَجَرْيُهَا عَلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، وَاطِّرَادُهَا وَمُوَافَقَتُهَا لِأُصُولِ الشَّرْعِ، فَأَيُّ مَسْأَلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيْكَ أَمْكَنَ أَخْذُهَا مِنْ هَذَا الضَّابِطِ، مَعَ كَوْنِهِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَمَعَ سَلَامَتِهِ مِنَ التَّنَاقُضِ وَمُنَاقَضَةِ قِيَاسِ الْأُصُولِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ الْحَضَانَةُ حَقٌّ لِلْأُمِّ وَهَلْ تَحِقُّ لَهَا الْأُجْرَةُ] فَصْلٌ وَقَوْلُهُ ﷺ : ( «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَضَانَةَ حَقٌّ

стр. 2292

لِلْأُمِّ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ، هَلْ هِيَ لِلْحَاضِنِ أَمْ عَلَيْهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحمد ومالك، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا: هَلْ لِمَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ أَنْ يُسْقِطَهَا فَيَنْزِلَ عَنْهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ الْوَلَدِ أَيَّامَ حَضَانَتِهِ إِلَّا بِالْأُجْرَةِ إِنْ قُلْنَا: الْحَقُّ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: الْحَقُّ عَلَيْهِ، وَجَبَ خِدْمَتُهُ مَجَّانًا. وَإِنْ كَانَ الْحَاضِنُ فَقِيرًا، فَلَهُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَإِذَا وَهَبَتِ الْحَضَانَةَ لِلْأَبِ وَقُلْنَا: الْحَقُّ لَهَا، لَزِمَتِ الْهِبَةُ وَلَمْ تَرْجِعْ فِيهَا، وَإِنْ قُلْنَا: الْحَقُّ عَلَيْهَا، فَلَهَا الْعَوْدُ إِلَى طَلَبِهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ كَهِبَةِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ حَيْثُ لَا تَلْزَمُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ - أَنَّ الْهِبَةَ فِي الْحَضَانَةِ قَدْ وُجِدَ سَبَبُهَا، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا قَدْ وُجِدَ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَهَبَتِ الْمَرْأَةُ نَفَقَتَهَا لِزَوْجِهَا شَهْرًا أُلْزِمَتِ الْهِبَةَ، وَلَمْ تَرْجِعْ فِيهَا. هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَتَفْرِيعُهُمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَضَانَةَ حَقٌّ لَهَا، وَعَلَيْهَا إِذَا احْتَاجَ الطِّفْلُ إِلَيْهَا، وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا، وَإِنِ اتَّفَقَتْ هِيَ، وَوَلِيُّ الطِّفْلِ عَلَى نَقْلِهَا إِلَيْهِ جَازَ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ ﷺ : ( «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ» ) دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحَضَانَةَ حَقٌّ لَهَا. [فصل هَلْ سُقُوطُ الْحَضَانَةِ بِالنِّكَاحِ لِلتَّعْلِيلِ أَوْ لِلتَّوْقِيتِ] فَصْلٌ وَقَوْلُهُ: ( «مَا لَمْ تَنْكِحِي» ) اخْتُلِفَ فِيهِ: هَلْ هُوَ تَعْلِيلٌ أَوْ تَوْقِيتٌ، عَلَى قَوْلَيْنِ يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا: مَا لَوْ تَزَوَّجَتْ وَسَقَطَتْ حَضَانَتُهَا ثُمَّ طُلِّقَتْ، فَهَلْ تَعُودُ الْحَضَانَةُ؟ فَإِنْ قِيلَ: اللَّفْظُ تَعْلِيلٌ، عَادَتِ الْحَضَانَةُ بِالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا ثَبَتَ بِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا، وَعِلَّةُ سُقُوطِ الْحَضَانَةِ التَّزْوِيجُ، فَإِنْ طُلِّقَتْ زَالَتِ الْعِلَّةُ، فَزَالَ حُكْمُهَا، وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، وأحمد، وأبو حنيفة. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، هَلْ يَعُودُ حَقُّهَا بِمُجَرَّدِهِ، أَوْ يَتَوَقَّفُ عَوْدُهَا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا فِي مَذْهَبِ أحمد وَالشَّافِعِيِّ، أَحَدُهُمَا: تَعُودُ بِمُجَرَّدِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِي: لَا تَعُودُ حَتَّى

стр. 2293

تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة والمزني، وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: " مَا لَمْ تَنْكِحِي " تَعْلِيلٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مالك فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ: إِذَا تَزَوَّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا لَمْ يَعُدْ حَقُّهَا مِنَ الْحَضَانَةِ وَإِنْ طُلِّقَتْ.، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ " مَا لَمْ تَنْكِحِي " لِلتَّوْقِيتِ، أَيْ: حَقُّكُ مِنَ الْحَضَانَةِ مُوَقَّتٌ إِلَى حِينِ نِكَاحِكِ، فَإِذَا نَكَحْتِ انْقَضَى وَقْتُ الْحَضَانَةِ، فَلَا تَعُودُ بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِهَا كَمَا لَوِ انْقَضَى وَقْتُهَا بِبُلُوغِ الطِّفْلِ وَاسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يَعُودُ حَقُّهَا إِذَا فَارَقَهَا زَوْجُهَا، كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُ المغيرة وابن أبي حازم. قَالُوا: لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِحَقِّهَا مِنَ الْحَضَانَةِ هُوَ قَرَابَتُهَا الْخَاصَّةُ، وَإِنَّمَا عَارَضَهَا مَانِعُ النِّكَاحِ؛ لِمَا يُوجِبُهُ مِنْ إِضَاعَةِ الطِّفْلِ، وَاشْتِغَالِهَا بِحُقُوقِ الزَّوْجِ الْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ عَنْ مَصَالِحِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَغْذِيَتِهِ وَتَرْبِيَتِهِ فِي نِعْمَةِ غَيْرِ أَقَارِبِهِ، وَعَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنَّةٌ وَغَضَاضَةٌ، فَإِذَا انْقَطَعَ النِّكَاحُ بِمَوْتٍ أَوْ فُرْقَةٍ زَالَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي قَائِمٌ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ قَامَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ مَانِعٌ مِنْهَا، كَكُفْرٍ، أَوْ رِقٍّ، أَوْ فِسْقٍ، أَوْ بَدْوٍ، فَإِنَّهُ لَا حَضَانَةَ لَهُ، فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ، عَادَ حَقُّهُمْ مِنَ الْحَضَانَةِ، فَهَكَذَا النِّكَاحُ وَالْفُرْقَةُ. وَأَمَّا النِّزَاعُ فِي عَوْدِ الْحَضَانَةِ بِمُجَرَّدِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، أَوْ بِوَقْفِهِ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ - فَمَأْخَذُهُ كَوْنُ الرَّجْعِيَّةِ زَوْجَةً فِي عَامَّةِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بَيْنَهُمَا التَّوَارُثُ وَالنَّفَقَةُ، وَيَصِحُّ مِنْهَا الظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ: وَيَحْرُمُ أَنْ يَنْكِحَ عَلَيْهَا أُخْتَهَا، أَوْ عَمَّتَهَا، أَوْ خَالَتَهَا، أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا، وَهِيَ زَوْجَةٌ، فَمَنْ رَاعَى ذَلِكَ لَمْ تَعُدْ إِلَيْهَا الْحَضَانَةُ بِمُجَرَّدِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، فَتَبِينُ حِينَئِذٍ، وَمَنْ أَعَادَ الْحَضَانَةَ بِمُجَرَّدِ الطَّلَاقِ، قَالَ: قَدْ عَزَلَهَا عَنْ فِرَاشِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا عَلَيْهِ قَسْمٌ، وَلَا لَهَا بِهِ شُغْلٌ، وَالْعِلَّةُ الَّتِي سَقَطَتِ الْحَضَانَةُ لِأَجْلِهَا قَدْ زَالَتْ بِالطَّلَاقِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا أُخِذَ الْوَلَدُ مِنَ الْأُمِّ إِذَا تَزَوَّجَتْ ثُمَّ طُلِّقَتْ، رَجَعَتْ عَلَى حَقِّهَا مِنْ كَفَالَتِهِ.

стр. 2294

[فصل هَلْ مُجَرَّدُ عَقْدِ النِّكَاحِ يُسْقِطُ الْحَضَانَةَ] فَصْلٌ وَقَوْلُهُ: ( «مَا لَمْ تَنْكِحِي» ) اخْتُلِفَ فِيهِ، هَلِ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ الْعَقْدِ، أَوِ الْعَقْدُ مَعَ الدُّخُولِ؟ وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ تَزُولُ حَضَانَتُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وأبي حنيفة؛ لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ يَمْلِكُ الزَّوْجُ مَنَافِعَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَيَمْلِكُ نَفْعَهَا مِنْ حَضَانَةِ الْوَلَدِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَزُولُ إِلَّا بِالدُّخُولِ، وَهُوَ قَوْلُ مالك، فَإِنَّ بِالدُّخُولِ يَتَحَقَّقُ اشْتِغَالُهَا عَنِ الْحَضَانَةِ، وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَالْأَشْبَهُ سُقُوطُ حَضَانَتِهَا بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ صَارَتْ فِي مَظِنَّةِ الِاشْتِغَالِ عَنِ الْوَلَدِ وَالتَّهَيُّؤِ لِلدُّخُولِ، وَأَخْذِهَا حِينَئِذٍ فِي أَسْبَابِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. [فصل اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي سُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالنِّكَاحِ] فَصْلٌ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالنِّكَاحِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ. أَحَدُهَا: سُقُوطُهَا بِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَحْضُونُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. قَالَ ابن المنذر: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَضَى بِهِ شريح. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالتَّزْوِيجِ بِحَالٍ، وَلَا فَرْقَ فِي الْحَضَانَةِ بَيْنَ الْأَيِّمِ وَذَوَاتِ الْبَعْلِ، وَحُكِيَ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الطِّفْلَ إِنْ كَانَ بِنْتًا لَمْ تَسْقُطِ الْحَضَانَةُ بِنِكَاحِ أُمِّهَا، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا سَقَطَتْ، وَهَذِهِ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد ﵀، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مهنا بن يحيى الشامي، فَقَالَ: إِذَا تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ وَابْنُهَا صَغِيرٌ، أُخِذَ مِنْهَا. قِيلَ لَهُ: وَالْجَارِيَةُ مِثْلُ الصَّبِيِّ؟ قَالَ: لَا، الْجَارِيَةُ تَكُونُ مَعَ أُمِّهَا إِلَى سَبْعِ سِنِينَ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَهَلْ تَكُونُ عِنْدَهَا إِلَى سَبْعِ سِنِينَ أَوْ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. قَالَ ابن أبي موسى: وَعَنْ أحمد أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ الْبِنْتِ وَإِنْ تَزَوَّجَتْ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ.

стр. 2295

وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا إِذَا تَزَوَّجَتْ بِنَسِيبٍ مِنَ الطِّفْلِ لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ نَسِيبًا لِلطِّفْلِ فَقَطْ، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِ أحمد. الثَّانِي: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أبي حنيفة. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَبَيْنَ الطِّفْلِ إِيلَادٌ، بِأَنْ يَكُونَ جَدًّا لِلطِّفْلِ، وَهَذَا قَوْلُ مالك، وَبَعْضِ أَصْحَابِ أحمد، فَهَذَا تَحْرِيرُ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ أَسْقَطَ الْحَضَانَةَ بِالتَّزْوِيجِ مُطْلَقًا، فَثَلَاثُ حُجَجٍ: إِحْدَاهَا: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ. الثَّانِيَةُ: اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الصِّدِّيقِ لعمر: هِيَ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، وَمُوَافَقَةُ عمر لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ الْبَتَّةَ، وَقَضَى بِهِ شريح، وَالْقُضَاةُ بَعْدَهُ إِلَى الْيَوْمِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ. الثَّالِثَةُ: مَا رَوَاهُ عبد الرزاق: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا أبو الزبير، عَنْ رَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: «كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَحْتَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، فَخَطَبَهَا عَمُّ وَلَدِهَا وَرَجُلٌ آخَرُ إِلَى أَبِيهَا، فَأَنْكَحَ الْآخَرَ، فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: أَنْكَحَنِي أَبِي رَجُلًا لَا أُرِيدُهُ، وَتَرَكَ عَمَّ وَلَدِي، فَيُؤْخَذُ مِنِّي وَلَدِي، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَاهَا، فَقَالَ: أَنْكَحْتَ فُلَانًا فُلَانَةً؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: " أَنْتَ الَّذِي لَا نِكَاحَ لَكَ، اذْهَبِي فَانْكِحِي عَمَّ وَلَدِكِ» "، فَلَمْ يُنْكِرْ أَخْذَ الْوَلَدِ مِنْهَا لَمَّا تَزَوَّجَتْ، بَلْ أَنْكَحَهَا عَمَّ الْوَلَدِ لِتَبْقَى لَهَا الْحَضَانَةُ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالنِّكَاحِ، وَبَقَائِهَا إِذَا تَزَوَّجَتْ بِنَسِيبٍ مِنَ الطِّفْلِ. وَاعْتَرَضَ أبو محمد ابن حزم عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بِأَنَّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ صَحِيفَةٌ، وَحَدِيثَ أبي سلمة هَذَا مُرْسَلٌ، وَفِيهِ مَجْهُولٌ. وَهَذَانِ الِاعْتِرَاضَانِ ضَعِيفَانِ، فَقَدْ بَيَّنَّا احْتِجَاجَ الْأَئِمَّةِ بعمرو فِي

стр. 2296

تَصْحِيحِهِمْ حَدِيثَهُ، وَإِذَا تَعَارَضَ مَعَنَا فِي الِاحْتِجَاجِ بِرَجُلٍ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ، وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ، وأحمد، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ، والحميدي، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَأَمْثَالِهِمْ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى سِوَاهُمْ. وَأَمَّا حَدِيثُ أبي سلمة هَذَا، فَإِنَّ أبا سلمة مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَقَدْ حَكَى الْقِصَّةَ عَنِ الْأَنْصَارِيَّةِ، وَلَا يُنْكَرُ لِقَاؤُهُ لَهَا، فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِرْسَالُ، وَلَوْ تَحَقَّقَ فَمُرْسَلٌ جَيِّدٌ، لَهُ شَوَاهِدُ مَرْفُوعَةٌ وَمَوْقُوفَةٌ، وَلَيْسَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَعَنَى بِالْمَجْهُولِ الرَّجُلَ الصَّالِحَ الَّذِي شَهِدَ لَهُ أبو الزبير بِالصَّلَاحِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَا تُعَرِّفُ بِهِ، وَلَكِنَّ الْمَجْهُولَ إِذَا عَدَّلَهُ الرَّاوِي عَنْهُ الثِّقَةُ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّ التَّعْدِيلَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ وَالْحُكْمِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ، وَلَا سِيَّمَا التَّعْدِيلَ فِي الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْوَاحِدِ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى أَصْلِ نِصَابِ الرِّوَايَةِ، هَذَا مَعَ أَنَّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ: إِنَّ مُجَرَّدَ رِوَايَةِ الْعَدْلِ عَنْ غَيْرِهِ تَعْدِيلٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّعْدِيلِ، كَمَا هُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد، وَأَمَّا إِذَا رَوَى عَنْهُ وَصَرَّحَ بِتَعْدِيلِهِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الْجَهَالَةِ الَّتِي تُرَدُّ لِأَجْلِهَا رِوَايَتُهُ، لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِالرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمُتَّهَمِينَ، وأبو الزبير وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَدْلِيسٌ فَلَيْسَ مَعْرُوفًا بِالتَّدْلِيسِ عَنِ الْمُتَّهَمِينَ وَالضُّعَفَاءِ، بَلْ تَدْلِيسُهُ مَنْ جِنْسِ تَدْلِيسِ السَّلَفِ، لَمْ يَكُونُوا يُدَلِّسُونَ عَنْ مُتَّهَمٍ وَلَا مَجْرُوحٍ، وَإِنَّمَا كَثُرَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّدْلِيسِ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ. وَاحْتَجَّ أبو محمد عَلَى قَوْلِهِ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أنس قَالَ: ( «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَأَخَذَ أبو طلحة بِيَدِي، وَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أنسا غُلَامٌ كَيِّسٌ، فَلْيَخْدُمْكَ. قَالَ فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ» ) وَذَكَرَ الْخَبَرَ.

стр. 2297

قَالَ أبو محمد: فَهَذَا أنس فِي حَضَانَةِ أُمِّهِ، وَلَهَا زَوْجٌ، وَهُوَ أبو طلحة بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ، وَالْخَبَرُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِ أَنَسٍ لَمْ يُنَازِعْ أُمَّهُ فِيهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ، لَمْ يُثْغِرْ، وَلَمْ يَأْكُلْ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَشْرَبْ وَحْدَهُ، وَلَمْ يُمَيِّزْ، وَأُمُّهُ مُزَوَّجَةٌ، فَحَكَمَ بِهِ لِأُمِّهِ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ كُلِّهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ كَانَ لِأَنَسٍ مِنَ الْعُمُرِ عَشْرُ سِنِينَ، فَكَانَ عِنْدَ أُمِّهِ، فَلَمَّا تَزَوَّجَتْ أبا طلحة لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبِ أنس يُنَازِعُهَا فِي وَلَدِهَا وَيَقُولُ: قَدْ تَزَوَّجْتِ فَلَا حَضَانَةَ لَكِ، وَأَنَا أَطْلُبُ انْتِزَاعَهُ مِنْكِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ حَضَانَةُ ابْنِهَا إِذَا اتَّفَقَتْ هِيَ وَالزَّوْجُ وَأَقَارِبُ الطِّفْلِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ، بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا إِذَا تَزَوَّجَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَاصِمَهَا مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ، وَيَطْلُبَ انْتِزَاعَ الْوَلَدِ، فَالِاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ أَبْعَدِ الِاحْتِجَاجِ وَأَبْرَدِهِ. وَنَظِيرُ هَذَا أَيْضًا، احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ أم سلمة لَمَّا تَزَوَّجَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ تَسْقُطْ كَفَالَتُهَا لِابْنِهَا، بَلِ اسْتَمَرَّتْ عَلَى حَضَانَتِهَا، فَيَا عَجَبًا مِنَ الَّذِي نَازَعَ أم سلمة فِي وَلَدِهَا وَرَغِبَ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَاحْتُجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِابْنَةِ حمزة لِخَالَتِهَا وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ بجعفر، فَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلنَّاسِ فِي قِصَّةِ ابْنَةِ حمزة ثَلَاثَ مَآخِذَ. أَحَدُهَا: أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُسْقِطُ الْحَضَانَةَ. الثَّانِي: أَنَّ الْمَحْضُونَةَ إِذَا كَانَتْ بِنْتًا فَنِكَاحُ أُمِّهَا لَا يُسْقِطُ حَضَانَتَهَا، وَيُسْقِطُهَا إِذَا كَانَ ذَكَرًا. الثَّالِثُ: أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا كَانَ نَسِيبًا مِنَ الطِّفْلِ لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا، وَإِلَّا سَقَطَتْ، فَالِاحْتِجَاجُ بِالْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُسْقِطُ الْحَضَانَةَ مُطْلَقًا لَا يَتِمُّ إِلَّا بَعْدَ إِبْطَالِ ذَيْنِكَ الِاحْتِمَالَيْنِ الْآخَرَيْنِ. [فصل قَضَاؤُهُ ﷺ بِالْوَلَدِ لِأُمِّهِ] فَصْلٌ وَقَضَاؤُهُ ﷺ بِالْوَلَدِ لِأُمِّهِ وَقَوْلُهُ: ( «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» ) لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ عُمُومُ الْقَضَاءِ لِكُلِّ أُمٌّ حَتَّى يَقْضِيَ بِهِ لِلْأُمِّ. وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً، أَوْ رَقِيقَةً، أَوْ

стр. 2298

فَاسِقَةً، أَوْ مُسَافِرَةً، فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا نَفْيُهُ، فَإِذَا دَلَّ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالدِّيَانَةِ وَالْإِقَامَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَخْصِيصًا وَلَا مُخَالَفَةً لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَقَدِ اشْتُرِطَ فِي الْحَاضِنِ سِتَّةُ شُرُوطٍ: اتِّفَاقُهُمَا فِي الدِّينِ، فَلَا حَضَانَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاضِنَ حَرِيصٌ عَلَى تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ عَلَى دِينِهِ، وَأَنْ يَنْشَأَ عَلَيْهِ، وَيَتَرَبَّى عَلَيْهِ فَيَصْعُبُ بَعْدَ كِبَرِهِ وَعَقْلِهِ انْتِقَالُهُ عَنْهُ، وَقَدْ يُغَيِّرُهُ عَنْ فِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ عَلَيْهَا عِبَادَهُ، فَلَا يُرَاجِعُهَا أَبَدًا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» ) . فَلَا يُؤْمَنُ تَهْوِيدُ الْحَاضِنِ وَتَنْصِيرُهُ لِلطِّفْلِ الْمُسْلِمِ. فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ إِنَّمَا جَاءَ فِي الْأَبَوَيْنِ خَاصَّةً. قِيلَ: الْحَدِيثُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ إِذِ الْغَالِبُ الْمُعْتَادُ نُشُوءُ الطِّفْلِ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَإِنْ فُقِدَ الْأَبَوَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا قَامَ وَلِيُّ الطِّفْلِ مِنْ أَقَارِبِهِ مَقَامَهُمَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَطَعَ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَجَعَلَ الْمُسْلِمِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ، وَالْكُفَّارَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْحَضَانَةُ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الْمُوَالَاةِ الَّتِي قَطَعَهَا اللَّهُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَقَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ، وابن القاسم، وَأَبُو ثَوْرٍ: تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ لَهَا مَعَ كُفْرِهَا وَإِسْلَامِ الْوَلَدِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ عبد الحميد بن جعفر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رافع بن سنان، ( «أَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ أَوْ يُشْبِهُهُ، وَقَالَ رافع: ابْنَتِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اقْعُدْ نَاحِيَةً "، وَقَالَ لَهَا: " اقْعُدِي نَاحِيَةً "،

стр. 2299

وَقَالَ لَهُمَا: " ادْعُوَاهَا "، فَمَالَتِ الصَّبِيَّةُ إِلَى أُمِّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اللَّهُمَّ اهْدِهَا "، فَمَالَتْ إِلَى أَبِيهَا فَأَخَذَهَا» ) . قَالُوا: وَلِأَنَّ الْحَضَانَةَ لِأَمْرَيْنِ: الرِّضَاعِ وَخِدْمَةِ الطِّفْلِ، وَكِلَاهُمَا يَجُوزُ مِنَ الْكَافِرَةِ. قَالَ الْآخَرُونَ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي، وَقَدْ ضَعَّفَهُ إِمَامُ الْعِلَلِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَحْمِلُ عَلَيْهِ، وَضَعَّفَ ابن المنذر الْحَدِيثَ، وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُ، وَقَدِ اضْطَرَبَ فِي الْقِصَّةِ فَرَوَى أَنَّ الْمُخَيَّرَ كَانَ بِنْتًا، وَرَوَى أَنَّهُ كَانَ ابْنًا. وَقَالَ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي ": وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ رُوِيَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ. وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، قَالَهُ ابن المنذر. ثُمَّ إِنَّ الْحَدِيثَ قَدْ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ مَنِ اشْتَرَطَ الْإِسْلَامَ، فَإِنَّ الصَّبِيَّةَ لَمَّا مَالَتْ إِلَى أُمِّهَا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ لَهَا بِالْهِدَايَةِ، فَمَالَتْ إِلَى أَبِيهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَوْنَهَا مَعَ الْكَافِرِ خِلَافُ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أَرَادَهُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوِ اسْتَقَرَّ جَعْلُهَا مَعَ أُمِّهَا، لَكَانَ فِيهِ حُجَّةٌ، بَلْ أَبْطَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِ. وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا حَضَانَةَ لِلْفَاسِقِ، فَأَيُّ فِسْقٍ أَكْبَرُ مِنَ الْكُفْرِ؟ وَأَيْنَ الضَّرَرُ الْمُتَوَقَّعُ مِنَ الْفَاسِقِ بِنُشُوءِ الطِّفْلِ عَلَى طَرِيقَتِهِ إِلَى الضَّرَرِ الْمُتَوَقَّعِ مِنَ الْكَافِرِ، مَعَ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْحَاضِنِ قَطْعًا، وَإِنْ شَرَطَهَا أَصْحَابُ أحمد وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُمْ، وَاشْتِرَاطُهَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ.

стр. 2300

وَلَوِ اشْتُرِطَ فِي الْحَاضِنِ الْعَدَالَةُ لَضَاعَ أَطْفَالُ الْعَالَمِ، وَلَعَظُمَتِ الْمَشَقَّةُ عَلَى الْأُمَّةِ، وَاشْتَدَّ الْعَنَتُ، وَلَمْ يَزَلْ مِنْ حِينِ قَامَ الْإِسْلَامُ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ أَطْفَالُ الْفُسَّاقِ بَيْنَهُمْ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا، مَعَ كَوْنِهِمُ الْأَكْثَرِينَ. وَمَتَى وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ انْتِزَاعُ الطِّفْلِ مِنْ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِفِسْقِهِ؟ وَهَذَا فِي الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ - وَاسْتِمْرَارُ الْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ عَلَى خِلَافِهِ - بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ دَائِمُ الْوُقُوعِ فِي الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ وَالْقُرَى وَالْبَوَادِي، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ يَلُونَ ذَلِكَ فُسَّاقٌ، وَلَمْ يَزَلِ الْفِسْقُ فِي النَّاسِ، وَلَمْ يَمْنَعِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَاسِقًا مِنْ تَرْبِيَةِ ابْنِهِ وَحَضَانَتِهِ لَهُ، وَلَا مِنْ تَزْوِيجِهِ مُوَلِّيَتَهُ، وَالْعَادَةُ شَاهِدَةٌ بِأَنَّ الرَّجُلَ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْفُسَّاقِ فَإِنَّهُ يَحْتَاطُ لِابْنَتِهِ وَلَا يُضَيِّعُهَا، وَيَحْرِصُ عَلَى الْخَيْرِ لَهَا بِجَهْدِهِ، وَإِنْ قُدِّرَ خِلَافُ ذَلِكَ، فَهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُعْتَادِ، وَالشَّارِعُ يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِالْبَاعِثِ الطَّبِيعِيِّ، وَلَوْ كَانَ الْفَاسِقُ مَسْلُوبَ الْحَضَانَةِ وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ لَكَانَ بَيَانُ هَذَا لِلْأُمَّةِ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ، وَاعْتِنَاءُ الْأُمَّةِ بِنَقْلِهِ وَتَوَارُثُ الْعَمَلِ بِهِ مُقَدَّمًا عَلَى كَثِيرٍ مِمَّا نَقَلُوهُ وَتَوَارَثُوا الْعَمَلَ بِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ تَضْيِيعُهُ وَاتِّصَالُ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ. وَلَوْ كَانَ الْفِسْقُ يُنَافِي الْحَضَانَةَ لَكَانَ مَنْ زَنَى أَوْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ أَتَى كَبِيرَةً فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَالْتُمِسَ لَهُمْ غَيْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. نَعَمْ، الْعَقْلُ مُشْتَرَطٌ فِي الْحَضَانَةِ، فَلَا حَضَانَةَ لِمَجْنُونٍ وَلَا مَعْتُوهٍ وَلَا طِفْلٍ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يَحْضُنُهُمْ وَيَكْفُلُهُمْ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ كَافِلِينَ لِغَيْرِهِمْ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ، فَلَا يَنْتَهِضُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يَرْكَنُ الْقَلْبُ إِلَيْهِ، وَقَدِ اشْتَرَطَهُ أَصْحَابُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ مالك فِي حُرٍّ لَهُ وَلَدٌ مِنْ أَمَةٍ: إِنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِهِ إِلَّا أَنْ تُبَاعَ فَتَنْتَقِلَ، فَيَكُونُ الْأَبُ أَحَقَّ بِهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ

стр. 2301

النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا» ) . وَقَالَ: ( «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . وَقَدْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ فِي الْبَيْعِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فَكَيْفَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَضَانَةِ؟ وَعُمُومُ الْأَحَادِيثِ تَمْنَعُ مِنَ التَّفْرِيقِ مُطْلَقًا فِي الْحَضَانَةِ وَالْبَيْعِ، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِكَوْنِ مَنَافِعِهَا مَمْلُوكَةً لِلسَّيِّدِ فَهِيَ مُسْتَغْرِقَةٌ فِي خِدْمَتِهِ فَلَا تَفْرُغُ لِحَضَانَةِ الْوَلَدِ - مَمْنُوعٌ، بَلْ حَقُّ الْحَضَانَةِ لَهَا، تُقَدَّمُ بِهِ فِي أَوْقَاتِ حَاجَةِ الْوَلَدِ عَلَى حَقِّ السَّيِّدِ كَمَا فِي الْبَيْعِ سَوَاءٌ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ خُلُوِّهَا مِنَ النِّكَاحِ فَقَدْ تَقَدَّمَ. وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّا إِذَا أَسْقَطْنَا حَقَّهَا مِنَ الْحَضَانَةِ بِالنِّكَاحِ وَنَقَلْنَاهَا إِلَى غَيْرِهَا فَاتَّفَقَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا - لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنَ الْحَضَانَةِ، وَهِيَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ الَّذِي يَدْفَعُهُ الْقَاضِي إِلَيْهِ، وَتَرْبِيَتُهُ فِي حِجْرِ أُمِّهِ وَرَأْيِهِ أَصْلَحُ مِنْ تَرْبِيَتِهِ فِي بَيْتِ أَجْنَبِيٍّ مَحْضٍ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا تُوجِبُ شَفَقَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَحُنُوَّهُ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ تَأْتِيَ الشَّرِيعَةُ بِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ بِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ مِنْهَا بِكَثِيرٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَحْكُمْ حُكْمًا عَامًّا كُلِّيًّا: أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ حَتَّى يَكُونَ إِثْبَاتُ الْحَضَانَةِ لِلْأُمِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُخَالَفَةً لِلنَّصِّ. وَأَمَّا اتِّحَادُ الدَّارِ، فَإِنْ كَانَ سَفَرُ أَحَدِهِمَا لِحَاجَةٍ ثُمَّ يَعُودُ، وَالْآخَرُ مُقِيمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ بِالْوَلَدِ الطِّفْلِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ رَضِيعًا إِضْرَارٌ بِهِ، وَتَضْيِيعٌ لَهُ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا سَفَرَ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ

стр. 2302

أَحَدُهُمَا مُنْتَقِلًا عَنْ بَلَدِ الْآخَرِ لِلْإِقَامَةِ، وَالْبَلَدُ وَطَرِيقُهُ مَخُوفَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَالْمُقِيمُ أَحَقُّ، وَإِنْ كَانَ هُوَ وَطَرِيقُهُ آمِنَيْنِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْحَضَانَةَ لِلْأَبِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَتَأْدِيبِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَضَى بِهِ شُرَيْحٌ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ. وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّ الْمُنْتَقِلَ إِنْ كَانَ هُوَ الْأَبَ فَالْأُمُّ أَحَقُّ، وَإِنْ كَانَ الْأُمُّ، فَإِنِ انْتَقَلَتْ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَصْلُ النِّكَاحِ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنِ انْتَقَلَتْ إِلَى غَيْرِهِ فَالْأَبُ أَحَقُّ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ. وَحَكَوْا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّ نَقْلَهَا إِنْ كَانَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى قَرْيَةٍ، فَالْأَبُ أَحَقُّ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، فَهِيَ أَحَقُّ، وَهَذِهِ أَقْوَالٌ كُلُّهَا كَمَا تَرَى لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ يَسْكُنُ الْقَلْبُ إِلَيْهِ، فَالصَّوَابُ النَّظَرُ وَالِاحْتِيَاطُ لِلطِّفْلِ فِي الْأَصْلَحِ لَهُ وَالْأَنْفَعِ مِنَ الْإِقَامَةِ أَوِ النَّقْلَةِ، فَأَيُّهُمَا كَانَ أَنْفَعَ لَهُ وَأَصْوَنَ وَأَحْفَظَ رُوعِيَ، وَلَا تَأْثِيرَ لِإِقَامَةٍ وَلَا نَقْلَةٍ، هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُرِدْ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْلَةِ مُضَارَّةَ الْآخَرِ وَانْتِزَاعَ الْوَلَدِ مِنْهُ. فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [فصل قَوْلُ مَنِ اشْتَرَطَ لِسُقُوطِ الْحَضَانَةِ مَعَ عَقْدِ النِّكَاحِ وَالدُّخُولِ حُكْمَ الْحَاكِمِ] فَصْلٌ وَقَوْلُهُ: ( «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» ) قِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: مَا لَمْ تَنْكِحِي، وَيَدْخُلْ بِكِ الزَّوْجُ، وَيَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِسُقُوطِ الْحَضَانَةِ. وَهَذَا تَعَسُّفٌ بَعِيدٌ لَا يُشْعِرُ بِهِ اللَّفْظُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، وَلَا هُوَ مِنْ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ الَّتِي تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْمَعْنَى عَلَيْهَا، وَالدُّخُولُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ " تَنْكِحِي " عِنْدَ مَنِ اعْتَبَرَهُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ فَالْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ عِنْدَهُ الْعَقْدُ. وَأَمَّا حُكْمُ الْحَاكِمِ بِسُقُوطِ الْحَضَانَةِ، فَذَاكَ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَالْخُصُومَةِ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ، فَيَكُونُ مُنَفِّذًا لِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْقَفَ سُقُوطَ الْحَضَانَةِ عَلَى حُكْمِهِ، بَلْ قَدْ حَكَمَ هُوَ بِسُقُوطِهَا، حَكَمَ بِهِ الْحُكَّامُ بَعْدَهُ أَوْ لَمْ يَحْكُمُوا. وَالَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحُكْمُ النَّبَوِيُّ، أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِالطِّفْلِ مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا النِّكَاحُ، فَإِذَا نَكَحَتْ زَالَ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ، وَانْتَقَلَ

стр. 2303

الْحَقُّ إِلَى غَيْرِهَا. فَأَمَّا إِذَا طَلَبَهُ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَجَبَ عَلَى خَصْمِهِ أَنْ يَبْذُلَهُ لَهُ، فَإِنِ امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ أَوْ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ بَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ. [فصل اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ] [التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ في الحضانة] فَصْلٌ وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ لَا يَرَى التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ قَالَ: ( «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ» ) وَلَوْ خُيِّرَ الطِّفْلُ لَمْ تَكُنْ هِيَ أَحَقَّ بِهِ، إِلَّا إِذَا اخْتَارَهَا، كَمَا أَنَّ الْأَبَ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ إِلَّا إِذَا اخْتَارَهُ، فَإِنْ قُدِّرَ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ إِنِ اخْتَارَكِ، قُدِّرَ ذَلِكَ فِي جَانِبِ الْأَبِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَهَا أَحَقَّ بِهِ مُطْلَقًا عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أبي حنيفة ومالك. وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَمَذَاهِبَ النَّاسِ فِيهَا، وَالِاحْتِجَاجَ لِأَقْوَالِهِمْ، وَنُرَجِّحُ مَا وَافَقَ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا. [ذِكْرُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁] ذَكَرَ عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: طَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ امْرَأَتَهُ، فَذَكَرَ الْأَثَرَ الْمُتَقَدِّمَ، وَقَالَ فِيهِ: رِيحُهَا وَفِرَاشُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْكَ حَتَّى يَشِبَّ وَيَخْتَارَ لِنَفْسِهِ، فَحَكَمَ بِهِ لِأُمِّهِ حِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَمْيِيزٌ إِلَى أَنْ يَشِبَّ وَيُمَيِّزَ وَيُخَيَّرَ حِينَئِذٍ. [ذِكْرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁] قَالَ الشَّافِعِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ (خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ) . وَقَالَ عبد الرزاق: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عبد الله بن عبيد بن عمير، قَالَ: خَيَّرَ عمر ﵁ غُلَامًا مَا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَاخْتَارَ أُمَّهُ فَانْطَلَقَتْ بِهِ.

стр. 2304

وَذَكَرَ عبد الرزاق أَيْضًا: عَنْ معمر، عَنْ أيوب، عَنْ إسماعيل بن عبيد الله، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، قَالَ: (اخْتُصِمَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ: هُوَ مَعَ أُمِّهِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ لِيَخْتَارَ) . وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هشيم، عَنْ خالد، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: اخْتَصَمُوا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي يَتِيمٍ فَخَيَّرَهُ، فَاخْتَارَ أُمَّهُ عَلَى عَمِّهِ، فَقَالَ عمر: (إِنَّ لُطْفَ أُمِّكَ خَيْرٌ مِنْ خِصْبِ عَمِّكَ) . [ذِكْرُ قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁] قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يونس بن عبد الله الجرمي، عَنْ عمارة الجرمي قَالَ: خَيَّرَنِي علي بَيْنَ أُمِّي وَعَمِّي، ثُمَّ قَالَ لِأَخٍ لِي أَصْغَرَ مِنِّي: (وَهَذَا أَيْضًا لَوْ بَلَغَ مَبْلَغَ هَذَا لَخَيَّرْتُهُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: قَالَ إبراهيم، عَنْ يونس، عَنْ عمارة، عَنْ علي مِثْلَهُ، قَالَ فِي الْحَدِيثِ: وَكُنْتُ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ. قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ: حَدَّثَنَا يونس بن عبد الله الجرمي، حَدَّثَنِي عمارة ابن رويبة، أَنَّهُ تَخَاصَمَتْ فِيهِ أُمُّهُ وَعَمُّهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: فَخَيَّرَنِي علي ثَلَاثًا، كُلَّهُنَّ أَخْتَارُ أُمِّي، وَمَعِي أَخٌ لِي صَغِيرٌ، فَقَالَ علي: (هَذَا إِذَا بَلَغَ مَبْلَغَ هَذَا خُيِّرَ) . [ذِكْرُ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁] قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ،

стр. 2305

عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَقَالَ: ( «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ» ) . [مَذْهَبُ ابْنِ رَاهَوَيْهِ فِي التَّخْيِيرِ] فَهَذَا مَا ظَفِرْتُ بِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ. وَأَمَّا الْأَئِمَّةُ، فَقَالَ حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: سَأَلْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ، إِلَى مَتَى يَكُونُ الصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ مَعَ الْأُمِّ إِذَا طُلِّقَتْ؟ قَالَ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْأُمِّ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ، ثُمَّ يُخَيَّرَ. قُلْتُ لَهُ: أَتَرَى التَّخْيِيرَ؟ قَالَ: شَدِيدًا. قُلْتُ: فَأَقَلَّ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ لَا يُخَيَّرُ؟ قَالَ: قَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَى خَمْسٍ، وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيَّ سَبْعٌ. [مَذْهَبُ أَحْمَدَ] وَأَمَّا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الطِّفْلُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ابْنَ سَبْعٍ أَوْ دُونَهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ دُونَ السَّبْعِ فَأُمُّهُ أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ، وَإِنْ كَانَ لَهُ سَبْعٌ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ. إِحْدَاهَا - وَهِيَ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ مِنْ مَذْهَبِهِ - أَنَّهُ يُخَيَّرُ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ لِمَنْ قَرَعَ، وَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ عَادَ فَاخْتَارَ الْآخَرَ، نُقِلَ إِلَيْهِ، وَهَكَذَا أَبَدًا. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأَبَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِهِ كَمَا قَبْلَ السَّبْعِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ أُنْثَى فَإِنْ كَانَ لَهَا دُونَ سَبْعِ سِنِينَ فَأُمُّهَا أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ، وَإِنْ بَلَغَتْ سَبْعًا فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ، أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِهَا إِلَى تِسْعِ سِنِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ تِسْعًا، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ: أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تَبْلُغَ، وَلَوْ تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ خَامِسَةٌ: أَنَّهَا تُخَيَّرُ بَعْدَ السَّبْعِ كَالْغُلَامِ، نَصَّ عَلَيْهَا، وَأَكْثَرُ

стр. 2306

أَصْحَابِهِ إِنَّمَا حَكَوْا ذَلِكَ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ، هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبِهِ وَتَحْرِيرُهُ. [مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِالطِّفْلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى إِلَى أَنْ يَبْلُغَا سَبْعَ سِنِينَ، فَإِذَا بَلَغَا سَبْعًا وَهُمَا يَعْقِلَانِ عَقْلَ مِثْلِهِمَا، خُيِّرَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ. [مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ والليث والْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ] وَقَالَ مالك وأبو حنيفة لَا تَخْيِيرَ بِحَالٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ أبو حنيفة: الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَبْلُغَ، وَبِالْغُلَامِ حَتَّى يَأْكُلَ وَحْدَهُ، وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ، وَيَلْبَسَ وَحْدَهُ، ثُمَّ يَكُونَانِ عِنْدَ الْأَبِ، وَمَنْ سِوَى الْأَبَوَيْنِ أَحَقُّ بِهِمَا حَتَّى يَسْتَغْنِيَا، وَلَا يُعْتَبَرُ الْبُلُوغُ. وَقَالَ مالك: الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حَثَى يُثْغِرَ، هَذِهِ رِوَايَةُ ابن وهب، وَرَوَى ابن القاسم: حَتَّى يَبْلُغَ وَلَا يُخَيَّرُ بِحَالٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِالِابْنِ حَتَّى يَبْلُغَ ثَمَانَ سِنِينَ، وَبِالْبِنْتِ حَتَّى تَبْلُغَ، ثُمَّ الْأَبُ أَحَقُّ بِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: الْأُمُّ أَوْلَى بِالْبِنْتِ حَتَّى يَكْعُبَ ثَدْيَاهَا، وَبِالْغُلَامِ حَتَّى يَيْفَعَ، فَيُخَيَّرَانِ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ أَبَوَيْهِمَا، الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ. [مَذْهَبُ مَنْ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ فِي الْغُلَامِ دُونَ الْجَارِيَةِ] قَالَ الْمُخَيِّرُونَ فِي الْغُلَامِ دُونَ الْجَارِيَةِ: قَدْ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغُلَامِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَثَبَتَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ الْبَتَّةَ، وَلَا أَنْكَرَهُ مُنْكِرٌ. قَالُوا: وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْعَدْلِ الْمُمْكِنِ، فَإِنَّ الْأُمَّ إِنَّمَا قُدِّمَتْ فِي حَالِ الصِّغَرِ لِحَاجَةِ الْوَلَدِ إِلَى التَّرْبِيَةِ وَالْحَمْلِ وَالرَّضَاعِ وَالْمُدَارَاةِ الَّتِي لَا تَتَهَيَّأُ لِغَيْرِ النِّسَاءِ، وَإِلَّا فَالْأُمُّ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، فَكَيْفَ تُقَدَّمُ عَلَيْهِ؟ فَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ حَدًّا يُعْرِبُ فِيهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَغْنِي عَنِ الْحَمْلِ وَالْوَضْعِ وَمَا تُعَانِيهِ النِّسَاءُ، تَسَاوَى الْأَبَوَانِ، وَزَالَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِتَقْدِيمِ الْأُمِّ، وَالْأَبَوَانِ مُتَسَاوِيَانِ فِيهِ، فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا إِلَّا بِمُرَجِّحٍ، وَالْمُرَجِّحُ إِمَّا مِنْ خَارِجٍ وَهُوَ الْقُرْعَةُ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الْوَلَدِ وَهُوَ اخْتِيَارُهُ، وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِهَذَا وَهَذَا، وَقَدْ جَمَعَهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَاعْتَبَرْنَاهُمَا جَمِيعًا، وَلَمْ نَدْفَعْ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ.

стр. 2307

وَقَدَّمْنَا مَا قَدَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَخَّرْنَا مَا أَخَّرَهُ، فَقُدِّمَ التَّخْيِيرُ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهَا إِذَا تَسَاوَتِ الْحُقُوقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَمْ يَبْقَ مُرَجِّحٌ سِوَاهَا، وَهَكَذَا فَعَلْنَا هَاهُنَا، قَدَّمْنَا أَحَدَهُمَا بِالِاخْتِيَارِ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أَوِ اخْتَارَهُمَا جَمِيعًا عَدَلْنَا إِلَى الْقُرْعَةِ، فَهَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُوَافَقَةُ السُّنَّةِ لَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ الْأَحْكَامِ وَأَعْدَلِهَا وَأَقْطَعِهَا لِلنِّزَاعِ بِتَرَاضِي الْمُتَنَازِعَيْنِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ فِي مَذْهَبِ أحمد وَالشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا كَانَ عِنْدَ الْأُمِّ بِلَا قُرْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَضَانَةَ كَانَتْ لَهَا، وَإِنَّمَا نَنْقُلُهُ عَنْهَا بِاخْتِيَارِهِ، فَإِذَا لَمْ يَخْتَرْ بَقِيَ عِنْدَهَا عَلَى مَا كَانَ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَدَّمْتُمُ التَّخْيِيرَ عَلَى الْقُرْعَةِ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ تَقْدِيمُ الْقُرْعَةِ أَوَّلًا ثُمَّ التَّخْيِيرُ، وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ لِلتَّقْدِيمِ عِنْدَ تَسَاوِي الْمُسْتَحِقِّينَ، وَقَدْ تَسَاوَى الْأَبَوَانِ، فَالْقِيَاسُ تَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ، فَإِنْ أَبَيَا الْقُرْعَةَ، لَمْ يَبْقَ إِلَّا اخْتِيَارُ الصَّبِيِّ، فَيُرَجَّحُ بِهِ، فَمَا بَالُ أَصْحَابِ أحمد وَالشَّافِعِيِّ قَدَّمُوا التَّخْيِيرَ عَلَى الْقُرْعَةِ. قِيلَ: إِنَّمَا قُدِّمَ التَّخْيِيرُ، لِاتِّفَاقِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَعَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِهِ، وَأَمَّا الْقُرْعَةُ، فَبَعْضُ الرُّوَاةِ ذَكَرَهَا فِي الْحَدِيثِ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي بَعْضِ طُرُقِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَحْدَهُ، فَقُدِّمَ التَّخْيِيرُ عَلَيْهَا، فَإِذَا تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ بِالتَّخْيِيرِ تَعَيَّنَتِ الْقُرْعَةُ طَرِيقًا لِلتَّرْجِيحِ؛ إِذْ لَمْ يَبْقَ سِوَاهَا. [رَدُّ الْمُخَيِّرِينَ عَلَى مَنِ اقْتَصَرَ بِالتَّخْيِيرِ عَلَى الْغُلَامِ] ثُمَّ قَالَ الْمُخَيِّرُونَ لِلْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ: رَوَى النَّسَائِيُّ فِي " سُنَنِهِ " وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " مِنْ حَدِيثِ رافع بن سنان ﵁: ( «أَنَّهُ تَنَازَعَ هُوَ وَأُمٌّ فِي ابْنَتِهِمَا، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْعَدَهُ نَاحِيَةً، وَأَقْعَدَ الْمَرْأَةَ نَاحِيَةً، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّةَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: " ادْعُوَاهَا " فَمَالَتْ إِلَى أُمِّهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اللَّهُمَّ اهْدِهَا "، فَمَالَتْ إِلَى أَبِيهَا فَأَخَذَهَا» ) . قَالُوا: وَلَوْ لَمْ يَرِدْ هَذَا الْحَدِيثُ لَكَانَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ

стр. 2308

عَنْهُ، وَالْآثَارُ الْمُتَقَدِّمَةُ حُجَّةً فِي تَخْيِيرِ الْأُنْثَى؛ لِأَنَّ كَوْنَ الطِّفْلِ ذَكَرًا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ، بَلْ هِيَ كَالذَّكَرِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : ( «مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ» ) . وَفِي قَوْلِهِ: ( «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ» ) بَلْ حَدِيثُ الْحَضَانَةِ أَوْلَى بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الصَّبِيِّ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ، إِنَّمَا الصَّحَابِيُّ حَكَى الْقِصَّةَ، وَأَنَّهَا كَانَتْ فِي صَبِيٍّ، فَإِذَا نُقِّحَ الْمَنَاطُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِهِ ذَكَرًا. [رَدُّ الْحَنَابِلَةِ عَلَى مَنْ أَجَازَ التَّخْيِيرَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى] قَالَتِ الْحَنَابِلَةُ: الْكَلَامُ مَعَكُمْ فِي مَقَامَيْنِ، أَحَدُهُمَا: اسْتِدْلَالُكُمْ بِحَدِيثِ رافع، وَالثَّانِي: إِلْغَاؤُكُمْ وَصْفَ الذُّكُورِيَّةِ فِي أَحَادِيثِ التَّخْيِيرِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَالْحَدِيثُ قَدْ ضَعَّفَهُ ابن المنذر وَغَيْرُهُ، وَضَعَّفَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَالثَّوْرِيُّ عبد الحميد بن جعفر، وَأَيْضًا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُخَيَّرَ كَانَ بِنْتًا، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ ابْنًا. فَقَالَ عبد الرزاق: أَخْبَرَنَا سفيان، عَنْ عُثْمَانَ الْبَتَّيِّ، عَنْ عبد الحميد بن سلمة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ( «أَنَّ أَبَوَيْهِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ وَالْآخَرُ كَافِرٌ، فَتَوَجَّهَ إِلَى الْكَافِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اللَّهُمَّ اهْدِهِ " فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمُسْلِمِ فَقَضَى لَهُ بِهِ» ) . قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ غُلَامًا أَصَحُّ. قَالُوا: وَلَوْ سُلِّمَ لَكُمْ أَنَّهُ كَانَ أُنْثَى فَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ مُسْلِمًا،

стр. 2309

وَالْآخَرُ كَافِرًا، فَكَيْفَ تَحْتَجُّونَ بِمَا لَا تَقُولُونَ بِهِ. فَلَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ، فَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الطِّفْلَ كَانَ فَطِيمًا، وَهَذَا قَطْعًا دُونَ السَّبْعِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ دُونَ الْخَمْسِ، وَأَنْتُمْ لَا تُخَيِّرُونَ مَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُكُمُ الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ رافع هَذَا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. فَبَقِيَ الْمَقَامُ الثَّانِي، وَهُوَ إِلْغَاءُ وَصْفِ الذُّكُورَةِ فِي أَحَادِيثِ التَّخْيِيرِ وَغَيْرِهَا، فَنَقُولُ: لَا رَيْبَ أَنَّ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يَكْفِي فِيهَا وَصْفُ الذُّكُورَةِ، أَوْ وَصْفُ الْأُنُوثَةِ قَطْعًا، وَمِنْهَا مَا لَا يَكْفِي فِيهِ، بَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا، فَيُلْغَى الْوَصْفُ فِي كُلِّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِالنَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ، وَيُعْتَبَرُ وَصْفُ الذُّكُورَةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِيهِ، كَالشَّهَادَةِ وَالْمِيرَاثِ، وَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ، وَيُعْتَبَرُ وَصْفُ الْأُنُوثَةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَخْتَصُّ بِالْإِنَاثِ أَوْ يُقَدَّمْنَ فِيهِ عَلَى الذُّكُورِ، كَالْحَضَانَةِ، إِذَا اسْتَوَى فِي الدَّرَجَةِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى قُدِّمَتِ الْأُنْثَى. بَقِيَ النَّظَرُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ شَأْنِ التَّخْيِيرِ، هَلْ لِوَصْفِ الذُّكُورَةِ تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ فَيُلْحَقُ بِالْقِسْمِ الَّذِي تُعْتَبَرُ فِيهِ، أَوْ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فَيُلْحَقُ بِالْقِسْمِ الَّذِي يُلْغَى فِيهِ؟ وَلَا سَبِيلَ إِلَى جَعْلِهَا مِنَ الْقِسْمِ الْمُلْغَى فِيهِ وَصْفُ الذُّكُورَةِ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ هَاهُنَا تَخْيِيرُ شَهْوَةٍ، لَا تَخْيِيرُ رَأْيٍ وَمَصْلَحَةٍ؛ وَلِهَذَا إِذَا اخْتَارَ غَيْرَ مَنِ اخْتَارَهُ أَوَّلًا نُقِلَ إِلَيْهِ، فَلَوْ خُيِّرَتِ الْبِنْتُ أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ تَكُونَ عِنْدَ الْأَبِ تَارَةً، وَعِنْدَ الْأُمِّ أُخْرَى، فَإِنَّهَا كُلَّمَا شَاءَتِ الِانْتِقَالَ أُجِيبَتْ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ عَكْسُ مَا شُرِعَ لِلْإِنَاثِ مِنْ لُزُومِ الْبُيُوتِ، وَعَدَمِ الْبُرُوزِ، وَلُزُومِ الْخُدُورِ وَرَاءَ الْأَسْتَارِ، فَلَا يَلِيقُ بِهَا أَنْ تُمَكَّنَ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ هَذَا الْوَصْفُ مُعْتَبَرًا قَدْ شَهِدَ لَهُ الشَّرْعُ بِالِاعْتِبَارِ لَمْ يُمْكِنْ إِلْغَاؤُهُ. قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى أَلَّا يَبْقَى الْأَبُ مُوَكَّلًا بِحِفْظِهَا، وَلَا الْأُمُّ لِتَنَقُّلِهَا بَيْنَهُمَا، وَقَدْ عُرِفَ بِالْعَادَةِ أَنَّ مَا يَتَنَاوَبُ النَّاسُ عَلَى حِفْظِهِ وَيَتَوَاكَلُونَ فِيهِ فَهُوَ آيِلٌ إِلَى ضَيَاعٍ، وَمِنَ الْأَمْثَالِ السَّائِرَةِ " لَا يَصْلُحُ الْقِدْرُ بَيْنَ طَبَّاخَيْنِ ".

стр. 2310

قَالُوا: وَأَيْضًا فَالْعَادَةُ شَاهِدَةٌ بِأَنَّ اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا يُضْعِفُ رَغْبَةَ الْآخَرِ فِيهِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَصِيَانَتِهِ، فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْآخَرِ لَمْ يَبْقَ أَحَدُهُمَا تَامَّ الرّغْبَةِ فِي حِفْظِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ. فَإِنْ قُلْتُمْ فَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي الصَّبِيِّ وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ تَخْيِيرَهُ. قُلْنَا: صَدَقْتُمْ لَكِنْ عَارَضَهُ كَوْنُ الْقُلُوبِ مَجْبُولَةً عَلَى حُبِّ الْبَنِينَ، وَاخْتِيَارِهِمْ عَلَى الْبَنَاتِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ نَقْصُ الرَّغْبَةِ، وَنَقْصُ الْأُنُوثَةِ، وَكَرَاهَةُ الْبَنَاتِ فِي الْغَالِبِ - ضَاعَتِ الطِّفْلَةُ، وَصَارَتْ إِلَى فَسَادٍ يَعْسُرُ تَلَافِيهِ، وَالْوَاقِعُ شَاهِدٌ بِهَذَا، وَالْفِقْهُ تَنْزِيلُ الْمَشْرُوعِ عَلَى الْوَاقِعِ، وَسِرُّ الْفَرْقِ أَنَّ الْبِنْتَ تَحْتَاجُ مِنَ الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ فَوْقَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ؛ وَلِهَذَا شُرِعَ فِي حَقِّ الْإِنَاثِ مِنَ السِّتْرِ وَالْخَفَرِ مَا لَمْ يُشْرَعْ مِثْلُهُ لِلذُّكُورِ فِي اللِّبَاسِ وَإِرْخَاءِ الذَّيْلِ شِبْرًا أَوْ أَكْثَرَ، وَجَمْعِ نَفْسِهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ التَّجَافِي، وَلَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَلَا تَرْمُلُ فِي الطَّوَافِ، وَلَا تَتَجَرَّدُ فِي الْإِحْرَامِ عَنِ الْمَخِيطِ، وَلَا تَكْشِفُ رَأْسَهَا، وَلَا تُسَافِرُ وَحْدَهَا، هَذَا كُلُّهُ مَعَ كِبَرِهَا وَمَعْرِفَتِهَا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ فِي سِنِّ الصِّغَرِ وَضَعْفِ الْعَقْلِ الَّذِي يُقْبَلُ فِيهِ الِانْخِدَاعُ؟ وَلَا رَيْبَ أَنَّ تَرَدُّدَهَا بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ مِمَّا يَعُودُ عَلَى الْمَقْصُودِ بِالْإِبْطَالِ، أَوْ يُخِلُّ بِهِ، أَوْ يُنْقِصُهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، فَكَانَ الْأَصْلَحُ لَهَا أَنْ تُجْعَلَ عِنْدَ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، فَتَخْيِيرُهَا لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ فَيَلْحَقُ بِهِ. [اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْيِينِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ لِمُقَامِ الْبِنْتِ عِنْدَهُ] ثُمَّ هَاهُنَا حَصَلَ الِاجْتِهَادُ فِي تَعْيِينِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ لِمُقَامِهَا عِنْدَهُ وَأَيُّهُمَا أَصْلَحُ لَهَا، فمالك وأبو حنيفة وأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ عَيَّنُوا الْأُمَّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ دَلِيلًا، وأحمد ﵀ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَاخْتِيَارُ عَامَّةِ أَصْحَابِهِ عَيَّنُوا الْأَبَ. قَالَ مَنْ رَجَّحَ الْأُمَّ: قَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّ الْأَبَ يَتَصَرَّفُ فِي الْمَعَاشِ،

стр. 2311

وَالْخُرُوجِ، وَلِقَاءِ النَّاسِ، وَالْأُمُّ فِي خِدْرِهَا، مَقْصُورَةٌ فِي بَيْتِهَا، فَالْبِنْتُ عِنْدَهَا أَصْوَنُ وَأَحْفَظُ بِلَا شَكٍّ، وَعَيْنُهَا عَلَيْهَا دَائِمًا بِخِلَافِ الْأَبِ، فَإِنَّهُ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ غَائِبٌ عَنِ الْبِنْتِ، أَوْ فِي مَظِنَّةِ ذَلِكَ، فَجَعْلُهَا عِنْدَ أُمِّهَا أَصْوَنُ لَهَا وَأَحْفَظُ. قَالُوا: وَكُلُّ مَفْسَدَةٍ يَعْرِضُ وُجُودُهَا عِنْدَ الْأُمِّ فَإِنَّهَا تَعْرِضُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا عِنْدَ الْأَبِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَرَكَهَا فِي الْبَيْتِ وَحْدَهَا لَمْ يَأْمَنْ عَلَيْهَا، وَإِنْ تَرَكَ عِنْدَهَا امْرَأَتَهُ أَوْ غَيْرَهَا فَالْأُمُّ أَشْفَقُ عَلَيْهَا وَأَصْوَنُ لَهَا مِنَ الْأَجْنَبِيَّةِ. قَالُوا: وَأَيْضًا فَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى تَعَلُّمِ مَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ مِنَ الْغَزْلِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْبَيْتِ، وَهَذَا إِنَّمَا تَقُومُ بِهِ النِّسَاءُ لَا الرِّجَالُ، فَهِيَ أَحْوَجُ إِلَى أُمِّهَا لِتُعَلِّمَهَا مَا يَصْلُحُ لِلْمَرْأَةِ، وَفِي دَفْعِهَا إِلَى أَبِيهَا تَعْطِيلُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، وَإِسْلَامُهَا إِلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ تُعَلِّمُهَا ذَلِكَ، وَتَرْدِيدُهَا بَيْنَ الْأُمِّ وَبَيْنَهُ، وَفِي ذَلِكَ تَمْرِينٌ لَهَا عَلَى الْبُرُوزِ وَالْخُرُوجِ، فَمَصْلَحَةُ الْبِنْتِ وَالْأُمِّ وَالْأَبِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ أُمِّهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي لَا نَخْتَارُ سِوَاهُ. قَالَ مَنْ رَجَّحَ الْأَبَ: الرِّجَالُ أَغْيَرُ عَلَى الْبَنَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، فَلَا تَسْتَوِي غَيْرَةُ الرَّجُلِ عَلَى ابْنَتِهِ وَغَيْرَةُ الْأُمِّ أَبَدًا، وَكَمْ مِنْ أُمٍّ تُسَاعِدُ ابْنَتَهَا عَلَى مَا تَهْوَاهُ، وَيَحْمِلُهَا عَلَى ذَلِكَ ضَعْفُ عَقْلِهَا، وَسُرْعَةُ انْخِدَاعِهَا، وَضَعْفُ دَاعِي الْغَيْرَةِ فِي طَبْعِهَا، بِخِلَافِ الْأَبِ؛ وَلِهَذَا الْمَعْنَى وَغَيْرِهِ جَعَلَ الشَّارِعُ تَزْوِيجَهَا إِلَى أَبِيهَا دُونَ أُمِّهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ لِأُمِّهَا وِلَايَةً عَلَى بُضْعِهَا الْبَتَّةَ، وَلَا عَلَى مَالِهَا، فَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ أُمِّهَا مَا دَامَتْ مُحْتَاجَةً إِلَى الْحَضَانَةِ وَالتَّرْبِيَةِ، فَإِذَا بَلَغَتْ حَدًّا تُشْتَهَى فِيهِ وَتَصْلُحُ لِلرِّجَالِ، فَمِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ مَنْ هُوَ أَغْيَرُ عَلَيْهَا، وَأَحْرَصُ عَلَى مَصْلَحَتِهَا، وَأَصْوَنُ لَهَا مِنَ الْأُمِّ. قَالُوا: وَنَحْنُ نَرَى فِي طَبِيعَةِ الْأَبِ وَغَيْرِهِ مِنَ الرِّجَالِ مِنَ الْغَيْرَةِ، وَلَوْ مَعَ فِسْقِهِ وَفُجُورِهِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى قَتْلِ ابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَمُوَلِّيَتِهِ إِذَا رَأَى مِنْهَا مَا يُرِيبُهُ لِشِدَّةِ الْغَيْرَةِ، وَنَرَى فِي طَبِيعَةِ النِّسَاءِ مِنَ الِانْحِلَالِ وَالِانْخِدَاعِ ضِدَّ ذَلِكَ، قَالُوا: فَهَذَا هُوَ

стр. 2312

الْغَالِبُ عَلَى النَّوْعَيْنِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا خَرَجَ عَنِ الْغَالِبِ، عَلَى أَنَّا إِذَا قَدَّمْنَا أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ نُرَاعِيَ صِيَانَتَهُ وَحِفْظَهُ لِلطِّفْلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ مالك والليث: إِذَا لَمْ تَكُنِ الْأُمُّ فِي مَوْضِعِ حِرْزٍ وَتَحْصِينٍ، أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ، فَلِلْأَبِ أَخْذُ الْبِنْتِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ قُدْرَتَهُ عَلَى الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ. فَإِنْ كَانَ مُهْمِلًا لِذَلِكَ، أَوْ عَاجِزًا عَنْهُ، أَوْ غَيْرَ مَرْضِيٍّ، أَوْ ذَا دِيَاثَةٍ، وَالْأُمُّ بِخِلَافِهِ - فَهِيَ أَحَقُّ بِالْبِنْتِ بِلَا رَيْبٍ، فَمَنْ قَدَّمْنَاهُ بِتَخْيِيرٍ أَوْ قُرْعَةٍ أَوْ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّمَا نُقَدِّمُهُ إِذَا حَصَلَتْ بِهِ مَصْلَحَةُ الْوَلَدِ، وَلَوْ كَانَتِ الْأُمُّ أَصْوَنَ مِنَ الْأَبِ وَأَغْيَرَ مِنْهُ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى قُرْعَةٍ وَلَا اخْتِيَارِ الصَّبِيِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنَّهُ ضَعِيفُ الْعَقْلِ يُؤْثِرُ الْبَطَالَةَ وَاللَّعِبَ، فَإِذَا اخْتَارَ مَنْ يُسَاعِدُهُ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَكَانَ عِنْدَ مَنْ هُوَ أَنْفَعُ لَهُ وَأَخْيَرُ، وَلَا تَحْتَمِلُ الشَّرِيعَةُ غَيْرَ هَذَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ قَالَ: ( «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» ) ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] [التَّحْرِيمِ ٦] . وَقَالَ الحسن: عَلِّمُوهُمْ وَأَدِّبُوهُمْ وَفَقِّهُوهُمْ، فَإِذَا كَانَتِ الْأُمُّ تَتْرُكُهُ فِي الْمَكْتَبِ، وَتُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ، وَالصَّبِيُّ يُؤْثِرُ اللَّعِبَ وَمُعَاشَرَةَ أَقْرَانِهِ، وَأَبُوهُ يُمَكِّنُهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ بِلَا تَخْيِيرٍ وَلَا قُرْعَةٍ، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ، وَمَتَى أَخَلَّ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الصَّبِيِّ وَعَطَّلَهُ، وَالْآخَرُ مُرَاعٍ لَهُ فَهُوَ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِهِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا ﵀ يَقُولُ: تَنَازَعَ أَبَوَانِ صَبِيًّا عِنْدَ بَعْضِ الْحُكَّامِ، فَخَيَّرَهُ بَيْنَهُمَا، فَاخْتَارَ أَبَاهُ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: سَلْهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَخْتَارُ أَبَاهُ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أُمِّي تَبْعَثُنِي كُلَّ يَوْمٍ لِلْكُتَّابِ، وَالْفَقِيهُ يَضْرِبُنِي، وَأَبِي يَتْرُكُنِي لِلَّعِبِ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَقَضَى بِهِ لِلْأُمِّ، قَالَ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَإِذَا تَرَكَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ تَعْلِيمَ الصَّبِيِّ، وَأَمْرَهُ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ

стр. 2313

عَلَيْهِ، فَهُوَ عَاصٍ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، بَلْ كُلُّ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِالْوَاجِبِ فِي وِلَايَتِهِ، فَلَا وِلَايَةَ لَهُ، بَلْ إِمَّا أَنْ تُرْفَعَ يَدُهُ عَنِ الْوِلَايَةِ وَيُقَامَ مَنْ يَفْعَلُ الْوَاجِبَ، وَإِمَّا أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ بِالْوَاجِبِ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَلَيْسَ هَذَا الْحَقُّ مِنْ جِنْسِ الْمِيرَاثِ الَّذِي يَحْصُلُ بِالرَّحِمِ وَالنِّكَاحِ وَالْوَلَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَارِثُ فَاسِقًا أَوْ صَالِحًا، بَلْ هَذَا مِنْ جِنْسِ الْوِلَايَةِ الَّتِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْعِلْمِ بِهِ، وَفِعْلِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. قَالَ: فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْأَبَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا تُرَاعِي مَصْلَحَةَ ابْنَتِهِ، وَلَا تَقُومُ بِهَا وَأُمُّهَا أَقْوَمُ بِمَصْلَحَتِهَا مِنْ تِلْكَ الضَّرَّةِ، فَالْحَضَانَةُ هُنَا لِلْأُمِّ قَطْعًا، قَالَ: وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الشَّارِعَ لَيْسَ عَنْهُ نَصٌّ عَامٌّ فِي تَقْدِيمِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ مُطْلَقًا، وَلَا تَخْيِيرِ الْوَلَدِ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ مُطْلَقًا، وَالْعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا مُطْلَقًا، بَلْ لَا يُقَدَّمُ ذُو الْعُدْوَانِ وَالتَّفْرِيطِ عَلَى الْبَرِّ الْعَادِلِ الْمُحْسِنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [مَذْهَبُ مَنْ قَالَ بِبُطْلَانِ التَّخْيِيرِ] قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: الْكَلَامُ مَعَكُمْ فِي مَقَامَيْنِ، أَحَدُهُمَا: بَيَانُ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى بُطْلَانِ التَّخْيِيرِ، وَالثَّانِي: بَيَانُ عَدَمِ الدَّلَالَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : ( «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ» ) ، وَلَمْ يُخَيِّرْهُ. وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّانِي: فَمَا رَوَيْتُمْ مِنْ أَحَادِيثِ التَّخْيِيرِ مُطْلَقَةٌ لَا تَقْيِيدَ فِيهَا، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهَا عَلَى إِطْلَاقِهَا، بَلْ قَيَّدْتُمُ التَّخْيِيرَ بِالسَّبْعِ فَمَا فَوْقَهَا، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِذَا صَارَ لِلْغُلَامِ اخْتِيَارٌ مُعْتَبَرٌ خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ اخْتِيَارُهُ إِذَا اعْتُبِرَ قَوْلُهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَلَيْسَ تَقْيِيدُكُمْ وَقْتَ التَّخْيِيرِ بِالسَّبْعِ أَوْلَى مِنْ تَقْيِيدِنَا بِالْبُلُوغِ، بَلِ التَّرْجِيحُ مِنْ جَانِبِنَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهَا: " وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ "، وَهِيَ عَلَى أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَغَيْرُ الْبَالِغِ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ عَادَةً أَنْ يَحْمِلَ الْمَاءَ مِنْ هَذِهِ الْمَسَافَةِ وَيَسْتَقِيَ مِنَ الْبِئْرِ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبُلُوغِ، فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِيهِ، وَالْوَاقِعَةُ وَاقِعَةُ عَيْنٍ، وَلَيْسَ عَنِ الشَّارِعِ نَصٌّ عَامٌّ فِي تَخْيِيرِ مَنْ هُوَ دُونَ الْبُلُوغِ حَتَّى يَجِبَ

стр. 2314

الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ فِيهِ مَا يَنْفِي الْبُلُوغَ، فَمِنْ أَيْنَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي التَّقْيِيدَ بِسَبْعٍ كَمَا قُلْتُمْ؟ [رَدُّ الْمُثْبِتِينَ لِلتَّخْيِيرِ عَلَى مُبْطِلِيهِ] قَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمَنْ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ: لَا يَتَأَتَّى لَكُمُ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ ﷺ : ( «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» ) بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَقُولُ: إِذَا اسْتَغْنَى بِنَفْسِهِ، وَأَكَلَ بِنَفْسِهِ، وَشَرِبَ بِنَفْسِهِ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ تَخْيِيرٍ، وَمِنْكُمْ مَنْ يَقُولُ: إِذَا اثَّغَرَ فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ. فَنَقُولُ: النَّبِيُّ ﷺ قَدْ حَكَمَ لَهَا بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحْ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ تَنْكِحَ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّبِيِّ السِّنَّ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَحِينَئِذٍ فَالْجَوَابُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَنَحْنُ فِيهِ عَلَى سَوَاءٍ، فَمَا أَجَبْتُمْ بِهِ أَجَابَ بِهِ مُنَازِعُوكُمْ سَوَاءٌ، فَإِنْ أَضْمَرْتُمْ أَضْمَرُوا، وَإِنْ قَيَّدْتُمْ قَيَّدُوا، وَإِنْ خَصَّصْتُمْ خَصَّصُوا. وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَنَقُولُ: الْحَدِيثُ اقْتَضَى أَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَلَدِ بَعْدَ النِّكَاحِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحْ، وَكَوْنُهَا أَحَقَّ بِهِ لَهُ حَالَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ صَغِيرًا لَمْ يُمَيِّزْ، فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ. الثَّانِي: أَنْ يَبْلُغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ، فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ أَيْضًا، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةَ مَشْرُوطَةٌ بِشَرْطٍ، وَالْحُكْمُ إِذَا عُلِّقَ بِشَرْطٍ صَدَقَ إِطْلَاقُهُ اعْتِمَادًا عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ، وَحِينَئِذٍ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ بِشَرْطِ اخْتِيَارِهِ لَهَا، وَغَايَةُ هَذَا أَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَخْيِيرِهِ. وَلَوْ حُمِلَ عَلَى إِطْلَاقِهِ - وَلَيْسَ بِمُمْكِنٍ الْبَتَّةَ - لَاسْتَلْزَمَ ذَلِكَ إِبْطَالَ أَحَادِيثِ التَّخْيِيرِ، وَأَيْضًا فَإِذَا كُنْتُمْ قَيَّدْتُمُوهُ بِأَنَّهَا أَحَقُّ بِهِ إِذَا كَانَتْ مُقِيمَةً وَكَانَتْ حُرَّةً وَرَشِيدَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْقُيُودِ الَّتِي لَا ذِكْرَ لِشَيْءٍ مِنْهَا فِي الْأَحَادِيثِ الْبَتَّةَ - فَتَقْيِيدُهُ بِالِاخْتِيَارِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ أَوْلَى. [الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ التَّخْيِيرَ يَحْصُلُ بَعْدَ الْبُلُوغِ] وَأَمَّا حَمْلُكُمْ أَحَادِيثَ التَّخْيِيرِ عَلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِخَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبَوَيْهِ، وَحَقِيقَةُ الْغُلَامِ مَنْ لَمْ

стр. 2315

يَبْلُغْ، فَحَمْلُهُ عَلَى الْبَالِغِ إِخْرَاجٌ لَهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ إِلَى مَجَازِهِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ وَلَا قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ. الثَّانِي: أَنَّ الْبَالِغَ لَا حَضَانَةَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُخَيَّرَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَيْنَ أَبَوَيْنِ؟ هَذَا مِنَ الْمُمْتَنِعِ شَرْعًا وَعَادَةً، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ السَّامِعِينَ أَنَّهُمْ تَنَازَعُوا فِي رَجُلٍ كَبِيرٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ، وَأَنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، وَلَا يَسْبِقُ إِلَى هَذَا فَهْمُ أَحَدٍ الْبَتَّةَ، وَلَوْ فُرِضَ تَخْيِيرُهُ لَكَانَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْأَبَوَيْنِ، وَالِانْفِرَادِ بِنَفْسِهِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ فِي الْعَادَةِ وَلَا الْعُرْفِ وَلَا الشَّرْعِ أَنْ تَنَازَعَ الْأَبَوَانِ فِي رَجُلٍ كَبِيرٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ، كَمَا لَا يُعْقَلُ فِي الشَّرْعِ تَخْيِيرُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ بَيْنَ أَبَوَيْهِ. الْخَامِسُ: أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَلَدَ كَانَ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ، ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ، وَهُوَ حَدِيثُ رافع بن سنان، وَفِيهِ: فَجَاءَ ابْنٌ لَهَا صَغِيرٌ لَمْ يَبْلُغْ، فَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَبَ هَاهُنَا وَالْأُمَّ هَاهُنَا، ثُمَّ خَيَّرَهُ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ بِئْرَ أَبِي عِنَبَةَ عَلَى أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَجَوَابُهُ: مُطَالَبَتُكُمْ أَوَّلًا بِصِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَنْ ذَكَرَهُ، وَثَانِيًا: بِأَنَّ مَسْكَنَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ كَانَ بَعِيدًا مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ، وَثَالِثًا بِأَنَّ مَنْ لَهُ نَحْوَ الْعَشْرِ سِنِينَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنَ الْبِئْرِ الْمَذْكُورِ عَادَةً، وَكُلُّ هَذَا مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ وَأَهْلَ الْبَوَادِي يَسْتَقِي أَوْلَادُهُمُ الصِّغَارُ مِنْ آبَارٍ هِيَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا تَقْيِيدُنَا لَهُ بِالسَّبْعِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلَا هُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِلْمُخَيِّرِينَ قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُخَيَّرُ لِخَمْسٍ، حَكَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، ذَكَرَهُ عَنْهُ حرب فِي " مَسَائِلِهِ "، وَيُحْتَجُّ لِهَؤُلَاءِ بِأَنَّ الْخَمْسَ هِيَ السِّنُّ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا سَمَاعُ الصَّبِيِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَعْقِلَ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ:
следующие страницы →