← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وَفِي " سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ: ( «لَا رِضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ» ) . وَفِي " سُنَنِ أبي داود ": مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ: ( «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَرَ الْعَظْمَ» ) . وَثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مسلم ": عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ ( «جَاءَتْ سهلة بنت سهيل إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أبي حذيفة مِنْ دُخُولِ سالم وَهُوَ حَلِيفُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهَا قَالَتْ: ( «جَاءَتْ سهلة بنت سهيل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أبي حذيفة مِنْ دُخُولِ سالم وَهُوَ حَلِيفُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرْضِعِيهِ، فَقَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ كَبِيرٌ» ) . وَفِي لَفْظٍ لمسلم ( «أَنَّ أم سلمة ﵂ قَالَتْ لعائشة ﵂: إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ، فَقَالَتْ عائشة ﵂: أَمَا لَكِ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ؟ إِنَّ امْرَأَةَ أبي حذيفة قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ سالما يَدْخُلُ عَلَيَّ وَهُوَ رَجُلٌ، وَفِي نَفْسِ أبي حذيفة مِنْهُ شَيْءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرْضِعِيهِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ» ) .

стр. 2382

وَسَاقَهُ أبو داود فِي " سُنَنِهِ " سِيَاقَةً تَامَّةً مُطَوَّلَةً، فَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عروة عَنْ عائشة وأم سلمة ﵄: أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ كَانَ تَبَنَّى سالما، وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هندا بنت الوليد بن عتبة وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زيدا، وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِيرَاثَهُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] [الْأَحْزَابِ: ٥] فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ، ( «فَجَاءَتْ سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري، وَهِيَ امْرَأَةُ أبي حذيفة، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَرَى سالما وَلَدًا وَكَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أبي حذيفة فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَيَرَانِي فُضُلًا، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ مَا قَدْ عَلِمْتَ، فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَرْضِعِيهِ» ) فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَبِذَلِكَ كَانَتْ عائشة ﵂ تَأْمُرُ بَنَاتِ إِخْوَتِهَا وَبَنَاتِ أَخَوَاتِهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عائشة ﵂ أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، وَأَبَتْ ذَلِكَ أم سلمة وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَرْضَعَ فِي الْمَهْدِ، وَقُلْنَ لعائشة: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي لَعَلَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لسالم دُونَ النَّاسِ. فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّنَنُ الثَّابِتَةُ أَحْكَامًا عَدِيدَةً، بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَفِي بَعْضِهَا نِزَاعٌ. [الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ] الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ ﷺ : ( «الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ» ) ، وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ حَتَّى عِنْدَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَالْقُرْآنُ لَا

стр. 2383

يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ اضْطُرَّ إِلَى قَبُولِ هَذَا الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ، سَوَاءٌ سَمَّاهُ نَسْخًا أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ، كَمَا اضْطُرَّ إِلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا مَعَ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى نَصِّ الْقُرْآنِ، وَذَكَرَهَا هَذَا مَعَ حَدِيثِ أبي القعيس فِي تَحْرِيمِ لَبَنِ الْفَحْلِ عَلَى أَنَّ الْمُرْضِعَةَ وَالزَّوْجَ صَاحِبَ اللَّبَنِ قَدْ صَارَا أَبَوَيْنِ لِلطِّفْلِ، وَصَارَ الطِّفْلُ وَلَدًا لَهُمَا، فَانْتَشَرَتِ الْحُرْمَةُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، فَأَوْلَادُ الطِّفْلِ وَإِنْ نَزَلُوا أَوْلَادُ وَلَدِهِمَا، وَأَوْلَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُرْضِعَةِ وَالزَّوْجِ مِنَ الْآخَرِ وَمِنْ غَيْرِهِ إِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ مِنَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، فَأَوْلَادُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ إِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَأَوْلَادُ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِهَا إِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ مِنْ أَبِيهِ، وَأَوْلَادُ الْمُرْضِعَةِ مَنْ غَيْرِهِ إِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ لِأُمِّهِ، وَصَارَ آبَاؤُهَا أَجْدَادَهُ وَجَدَّاتِهِ، وَصَارَ إِخْوَةُ الْمَرْأَةِ وَأَخَوَاتِهَا أَخْوَالَهُ وَخَالَاتِهِ، وَإِخْوَةُ صَاحِبِ اللَّبَنِ وَأَخَوَاتُهُ أَعْمَامَهُ وَعَمَّاتِهِ، فَحُرْمَةُ الرَّضَاعِ تَنْتَشِرُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ فَقَطْ. وَلَا يَتَعَدَّى التَّحْرِيمُ إِلَى غَيْرِ الْمُرْتَضِعِ مِمَّنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، فَيُبَاحُ لِأَخِيهِ نِكَاحُ مَنْ أَرْضَعَتْ أَخَاهُ وَبَنَاتِهَا وَأُمَّهَاتِهَا، وَيُبَاحُ لِأُخْتِهِ نِكَاحُ صَاحِبِ اللَّبَنِ وَأَبَاهُ وَبَنِيهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْتَشِرُ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ مِنْ آبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ، وَمَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ وَأَخْوَالِهِ وَخَالَاتِهِ، فَلِأَبِي الْمُرْتَضِعِ مِنَ النَّسَبِ وَأَجْدَادِهِ أَنْ يَنْكِحُوا أُمَّ الطِّفْلِ مِنَ الرَّضَاعِ وَأُمَّهَاتِهَا وَأَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِهَا، وَأَنْ يَنْكِحُوا أُمَّهَاتِ صَاحِبِ اللَّبَنِ وَأَخَوَاتِهِ وَبَنَاتِهِ، إِذْ نَظِيرُ هَذَا مِنَ النَّسَبِ حَلَالٌ، فَلِلْأَخِ مِنَ الْأَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَ أَخِيهِ مِنَ الْأُمِّ، وَلِلْأَخِ مِنَ الْأُمِّ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ أَخِيهِ مِنَ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ يَنْكِحُ الرَّجُلُ أُمَّ ابْنِهِ مِنَ النَّسَبِ وَأُخْتَهَا، وَأَمَّا أُمُّهَا وَبِنْتُهَا، فَإِنَّمَا حَرُمَتَا بِالْمُصَاهَرَةِ. [هَلْ يَحْرُمُ نَظِيرُ الْمُصَاهَرَةِ بِالرِّضَاعِ] وَهَلْ يَحْرُمُ نَظِيرُ الْمُصَاهَرَةِ بِالرَّضَاعِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّ امْرَأَتِهِ مِنَ الرَّضَاعِ وَبِنْتُهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ وَامْرَأَةُ ابْنِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَوْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَوْ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ؟ فَحَرَّمَهُ الْأَئِمَّةُ

стр. 2384

الْأَرْبَعَةُ وَأَتْبَاعُهُمْ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ شَيْخُنَا وَقَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ قَالَ أَحَدٌ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ، فَهُوَ أَقْوَى. قَالَ الْمُحَرِّمُونَ: تَحْرِيمُ هَذَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : ( «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ) فَأَجْرَى الرَّضَاعَةَ مَجْرَى النَّسَبِ وَشَبَّهَهَا بِهِ، فَثَبَتَ تَنْزِيلُ وَلَدِ الرَّضَاعَةِ وَأَبِي الرَّضَاعَةِ مَنْزِلَةَ وَلَدِ النَّسَبِ وَأَبِيهِ، فَمَا ثَبَتَ لِلنَّسَبِ مِنَ التَّحْرِيمِ ثَبَتَ لِلرَّضَاعَةِ، فَإِذَا حَرُمَتِ امْرَأَةُ الْأَبِ وَالِابْنِ وَأُمُّ الْمَرْأَةِ وَابْنَتُهَا مِنَ النَّسَبِ حَرُمْنَ بِالرَّضَاعَةِ. وَإِذَا حَرُمَ الْجَمْعُ بَيْنَ أُخْتَيِ النَّسَبِ حَرُمَ بَيْنَ أُخْتَيِ الرَّضَاعَةِ، هَذَا تَقْدِيرُ احْتِجَاجِهِمْ عَلَى التَّحْرِيمِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ سَبْعًا بِالنَّسَبِ وَسَبْعًا بِالصِّهْرِ، كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَحْرِيمَ الرَّضَاعَةِ لَا يُسَمَّى صِهْرًا وَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: ( «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ» ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: ( «مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ) . وَلَمْ يَقُلْ: وَمَا يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَلَا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ كَمَا ذَكَرَ تَحْرِيمَ الصِّهْرِ، وَلَا ذَكَرَ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ فِي الرَّضَاعِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي النَّسَبِ، وَالصِّهْرُ قَسِيمُ النَّسَبِ وَشَقِيقُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] [الْفُرْقَانِ: ٥٤] فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ النَّاسِ بِالنَّسَبِ وَالصِّهْرِ، وَهُمَا سَبَبَا التَّحْرِيمِ، وَالرَّضَاعُ فَرْعٌ عَلَى النَّسَبِ، وَلَا تُعْقَلُ الْمُصَاهَرَةُ إِلَّا بَيْنَ الْأَنْسَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا حَرَّمَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُخْتَيْنِ مِنَ الرَّضَاعِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ مُحَرَّمَةٌ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ، وَلَا تَرَتَّبَ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ أُخُوَّةِ الرَّضَاعِ حُكْمٌ قَطُّ غَيْرُ تَحْرِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ، وَلَا يَرِثُهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ

стр. 2385

عَلَيْهِ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةُ النِّكَاحِ وَلَا الْمَوْتِ، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ عَلَى أَقَارِبِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، وَلَا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا الصَّغِيرِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمِلْكِ كَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي النِّكَاحِ سَوَاءٌ، وَلَوْ مَلَكَ شَيْئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ بِالرَّضَاعِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ، وَإِذَا حَرُمَتْ عَلَى الرَّجُلِ أُمُّهُ وَبِنْتُهُ وَأُخْتُهُ وَعَمَّتُهُ وَخَالَتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ أُمُّ امْرَأَتِهِ الَّتِي أَرْضَعَتِ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَلَا مُصَاهَرَةَ وَلَا رَضَاعَ، وَالرَّضَاعَةُ إِذَا جُعِلَتْ كَالنَّسَبِ فِي حُكْمٍ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ فِي كُلِّ حُكْمٍ، بَلْ مَا افْتَرَقَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ أَضْعَافُ مَا اجْتَمَعَا فِيهِ مِنْهَا، وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ اللَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ مُحَرَّمَةٌ، كَمَا جَمَعَ عبد الله بن جعفر بَيْنَ امْرَأَةِ علي وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَحْرِيمٌ يَمْنَعُ جَوَازَ نِكَاحِ أَحَدِهَا لِلْآخَرِ لَوْ كَانَ ذَكَرًا، فَهَذَا نَظِيرُ الْأُخْتَيْنِ مِنَ الرَّضَاعَةِ سَوَاءٌ؛ لَأَنَّ سَبَبَ تَحْرِيمِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا، لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ مِنْهُمَا الَّذِي لَا رَضَاعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا وَلَا صِهْرَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَاحْتَجَّ أحمد بِأَنَّ عبد الله بن جعفر جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَةِ علي وَابْنَتِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَجَمَعَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَيْنَ بِنْتَيْ عَمٍّ فِي لَيْلَةٍ، وَجَمَعَ عبد الله بن جعفر بَيْنَ امْرَأَةِ علي وَابْنَتِهِ، وَقَالَ ابن شبرمة: لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَرِهَهُ الحسن مَرَّةً ثُمَّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ لِلْقَطِيعَةِ وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ لِقَوْلِهِ : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] [النِّسَاءِ: ٢٤] هَذَا كَلَامُ الْبُخَارِيِّ.

стр. 2386

وَبِالْجُمْلَةِ: فَثُبُوتُ أَحْكَامِ النَّسَبِ مِنْ وَجْهٍ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَهَؤُلَاءِ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ هُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّحْرِيمِ وَالْحُرْمَةِ فَقَطْ، لَا فِي الْمَحْرَمِيَّةِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْلُوَ بِهِنَّ وَلَا يَنْظُرَ إِلَيْهِنَّ، بَلْ قَدْ أَمَرَهُنَّ اللَّهُ بِالِاحْتِجَابِ عَمَّنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهُنَّ مِنْ غَيْرِ أَقَارِبِهِنَّ وَمَنْ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهُ رَضَاعٌ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] [الْأَحْزَابِ: ٥٣] ثُمَّ هَذَا الْحُكْمُ لَا يَتَعَدَّى إِلَى أَقَارِبِهِنَّ أَلْبَتَّةَ، فَلَيْسَ بَنَاتُهُنَّ أَخَوَاتِ الْمُؤْمِنِينَ يَحْرُمْنَ عَلَى رِجَالِهِمْ، وَلَا بَنُوهُنَّ إِخْوَةً لَهُمْ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ بَنَاتُهُنَّ، وَلَا أَخَوَاتُهُنَّ وَإِخَوَانُهُنَّ خَالَاتٍ وَأَخْوَالًا، بَلْ هُنَّ حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَتْ أم الفضل أُخْتُ ميمونة زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ العباس، وَكَانَتْ أسماء بنت أبي بكر أُخْتُ عائشة ﵂ تَحْتَ الزبير، وَكَانَتْ أم عائشة ﵂ تَحْتَ أبي بكر، وأم حفصة تَحْتَ عمر ﵁ وَلَيْسَ لِرَجُلٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهُ، وَقَدْ تَزَوَّجَ عبد الله بن عمر وَإِخْوَتُهُ وَأَوْلَادُ أبي بكر وَأَوْلَادُ أبي سفيان مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَلَوْ كَانُوا أَخْوَالًا لَهُنَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ، فَلَمْ تَنْتَشِرِ الْحُرْمَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَقَارِبِهِنَّ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ النَّسَبِ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَبَيْنَهُنَّ ثُبُوتُ غَيْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْمُحَرَّمَاتِ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] [النِّسَاءِ: ٢٣] . وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَفْظَ الِابْنِ إِذَا أُطْلِقَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ابْنُ الرَّضَاعِ، فَكَيْفَ إِذَا قُيِّدَ بِكَوْنِهِ ابْنَ صُلْبٍ، وَقَصْدُ إِخْرَاجِ ابْنِ التَّبَنِّي بِهَذَا لَا يَمْنَعُ إِخْرَاجَ ابْنِ الرَّضَاعِ وَيُوجِبُ دُخُولَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ ": أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «أَمَرَ سهلة بنت سهيل أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ؛ لِيَصِيرَ مَحْرَمًا لَهَا» ) فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ أبي حذيفة زَوْجِهَا، وَصَارَ ابْنَهَا وَمَحْرَمَهَا بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ مُخْتَصًّا بسالم أَوْ عَامًّا كَمَا قَالَتْهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عائشة ﵂ فَبَقِيَ سالم مَحْرَمًا لَهَا لِكَوْنِهَا أَرْضَعَتْهُ وَصَارَتْ أُمَّهُ، وَلَمْ يَصِرْ مَحْرَمًا لَهَا لِكَوْنِهَا امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنَ

стр. 2387

الرَّضَاعَةِ، فَإِنَّ هَذَا لَا تَأْثِيرَ فِيهِ لِرَضَاعَةِ سهلة لَهُ، بَلْ لَوْ أَرْضَعَتْهُ جَارِيَةٌ لَهُ أَوِ امْرَأَةٌ أُخْرَى صَارَتْ سهلة امْرَأَةَ أَبِيهِ، وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ لِكَوْنِهِ وَلَدَهَا نَفْسَهَا، وَقَدْ عُلِّلَ بِهَذَا فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَرْضِعِيهِ) فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَلَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَنِ ادَّعَاهُ فَهُوَ كَاذِبٌ، فَإِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ وَعَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ وأبا قلابة لَمْ يَكُونُوا يُثْبِتُونَ التَّحْرِيمَ بِلَبَنِ الْفَحْلِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الزبير وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْأُمَّهَاتِ فَقَطْ، فَهَؤُلَاءِ إِذَا لَمْ يَجْعَلُوا الْمُرْتَضِعَ مِنْ لَبَنِ الْفَحْلِ وَلَدًا لَهُ، فَإِنَّهُمْ لَا يُحَرِّمُوا عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَلَا عَلَى الرِّضِيعِ امْرَأَةَ الْفَحْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَبُو زَوْجِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَلَا ابْنُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَؤُلَاءِ لَمْ يُثْبِتُوا الْبُنُوَّةَ بَيْنَ الْمُرْتَضِعِ وَبَيْنَ الْفَحْلِ فَلَمْ تَثْبُتِ الْمُصَاهَرَةُ؛ لِأَنَّهَا فَرْعُ ثُبُوتِ بُنُوَّةِ الرَّضَاعِ، فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ لَهُ لَمْ يَثْبُتْ فَرْعُهَا، وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَ بُنُوَّةَ الرَّضَاعِ مِنْ جِهَةِ الْفَحْلِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ وَقَالَ بِهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ تَثْبُتُ الْمُصَاهَرَةُ بِهَذِهِ الْبُنُوَّةِ، فَهَلْ قَالَ أَحَدٌ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ: إِنَّ زَوْجَةَ أَبِيهِ وَابْنِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ لَا تَحْرُمُ؟ قِيلَ: الْمَقْصُودُ أَنَّ فِي تَحْرِيمِ هَذِهِ نِزَاعًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي مَأْخَذِهِ، هَلْ هُوَ إِلْغَاءُ لَبَنِ الْفَحْلِ، وَأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ، أَوْ إِلْغَاءُ الْمُصَاهَرَةِ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعِ، وَأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا، وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ لِمُصَاهَرَةِ النَّسَبِ؟ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَأْخَذَ الْأَوَّلَ بَاطِلٌ؛ لِثُبُوتِ السُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ بِالتَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ بِهِ إِثْبَاتُ الْمُصَاهَرَةِ بِهِ إِلَّا بِالْقِيَاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الْجَامِعِ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ النَّسَبِ ثُبُوتُ حُكْمٍ آخَرَ.

стр. 2388

وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ أُمَّ الرَّضَاعِ وَأُخْتَ الرَّضَاعَةِ دَاخِلَةً تَحْتَ أُمَّهَاتِنَا وَأَخَوَاتِنَا، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] [النِّسَاءِ: ٢٣] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] [النِّسَاءِ: ٢٣] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ أُمَّهَاتِنَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ: إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْأُمُّ مِنَ النَّسَبِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] مِثْلُ قَوْلِهِ: (وَأُمَّهَاتُكُمْ) إِنَّمَا هُنَّ أُمَّهَاتُ نِسَائِنَا مِنَ النَّسَبِ فَلَا يَتَنَاوَلُ أُمَّهَاتِهِنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَلَوْ أُرِيدَ تَحْرِيمَهُنَّ لَقَالَ: وَأُمَّهَاتُهُنَّ اللَّاتِي أَرْضَعْنَهُنَّ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي أُمَّهَاتِنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ: ( «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ) إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَرُمَ عَلَى الرَّجُلِ مِنَ النَّسَبِ حَرُمَ عَلَيْهِ نَظِيرُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ بِالصِّهْرِ أَوْ بِالْجَمْعِ حَرُمَ عَلَيْهِ نَظِيرُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، بَلْ يَدُلُّ مَفْهُومُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مَعَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] [النِّسَاءِ ٢٤] . [مَنْ جَوَّزَ مِنَ السَّلَفِ نِكَاحَ بَنَاتِ الزَّوْجَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِهِ] وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ امْرَأَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ لَيْسَ مَسْأَلَةَ إِجْمَاعٍ، أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ جَوَازُ نِكَاحِ بِنْتِ امْرَأَتِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِهِ، كَمَا صَحَّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ وَقَدْ وَلَدَتْ لِي فَتُوُفِّيَتْ فَوَجِدْتُ عَلَيْهَا، فَلَقِيتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ لِي: مَا لَكَ؟ قُلْتُ: تُوُفِّيَتِ الْمَرْأَةُ، قَالَ: لَهَا ابْنَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَانَتْ فِي حَجْرِكَ؟ قُلْتُ: لَا، هِيَ فِي الطَّائِفِ. قَالَ: فَانْكِحْهَا، قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] ؟ [النِّسَاءِ: ٢٣] . قَالَ: إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِكَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ فِي حَجْرِكَ.

стр. 2389

وَصَحَّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُوَاءَةَ يُقَالُ لَهُ: عبيد الله بن معبد، أَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَوْ جَدَّهُ كَانَ قَدْ نَكَحَ امْرَأَةً ذَاتَ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ اصْطَحَبَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَكَحَ امْرَأَةً شَابَّةً، فَقَالَ أَحَدُ بَنِي الْأُولَى: قَدْ نَكَحْتَ عَلَى أُمِّنَا وَكَبِرَتْ وَاسْتَغْنَيْتَ عَنْهَا بِامْرَأَةٍ شَابَّةٍ، فَطَلِّقْهَا، قَالَ: لَا وَاللَّهِ إِلَّا أَنْ تُنْكِحَنِي ابْنَتَكَ، قَالَ: فَطَلَّقَهَا وَأَنْكَحَهُ ابْنَتَهُ، وَلَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِهِ هِيَ وَلَا أَبُوهَا. قَالَ فَجِئْتُ سفيان بن عبد الله، فَقُلْتُ: اسْتَفْتِ لِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَتَحُجَّنَّ مَعِي، فَأَدْخَلَنِي عَلَى عمر ﵁ بِمِنَى، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْخَبَرَ، فَقَالَ عمر: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فَاذْهَبْ فَسَلْ فُلَانًا ثُمَّ تَعَالَ فَأَخْبِرْنِي. قَالَ: وَلَا أُرَاهُ إِلَّا عليا، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ. فَإِذَا كَانَ عمر وعلي ﵄ وَمَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمَا قَدْ أَبَاحَا الرَّبِيبَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِ الزَّوْجِ، مَعَ أَنَّهَا ابْنَةُ امْرَأَتِهِ مِنَ النَّسَبِ، فَكَيْفَ يُحَرِّمَانِ عَلَيْهِ ابْنَتَهَا مِنَ الرَّضَاعِ، وَهَذِهِ ثَلَاثَةُ قُيُودٍ ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي تَحْرِيمِهَا، أَنْ تَكُونَ فِي حَجْرِهِ، وَأَنْ تَكُونَ مِنِ امْرَأَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ بِأُمِّهَا. فَكَيْفَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُجَرَّدُ ابْنَتِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَلَيْسَتْ فِي حَجْرِهِ، وَلَا هِيَ رَبِيبَتُهُ لُغَةً، فَإِنَّ الرَّبِيبَةَ بِنْتُ الزَّوْجَةِ، وَالرَّبِيبَ ابْنُهَا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَسُمِّيَا رَبِيبًا وَرَبِيبَةً لِأَنَّ زَوْجَ أُمَّهِمَا يَرُبُّهُمَا فِي الْعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ أَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَتُهُ بِغَيْرِ لَبَنِهِ، وَلَمْ يَرُبُّهَا قَطُّ، وَلَا كَانَتْ فِي حَجْرِهِ، فَدُخُولُهَا فِي هَذَا النَّصِّ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ بِكَوْنِهَا فِي الْحَجْرِ. فَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عروة أَنَّ زينب بنت أم سلمة أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ( «أم حبيبة بنت أبي سفيان قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ بِنْتَ أبي سلمة، فَقَالَ: بِنْتَ أم سلمة؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي لَمَا حَلَّتْ لِي» ) . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى

стр. 2390

اعْتِبَارِهِ ﷺ الْقَيْدَ الَّذِي قَيَّدَهُ اللَّهُ فِي التَّحْرِيمِ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ فِي حَجْرِ الزَّوْجِ. وَنَظِيرُ هَذَا سَوَاءٌ، أَنْ يُقَالَ فِي زَوْجَةِ ابْنِ الصُّلْبِ إِذَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً بِرَضَاعِ: لَوْ لَمْ تَكُنْ حَلِيلَةَ ابْنِي الَّذِي لِصُلْبِي، لَمَا حَلَّتْ لِي سَوَاءٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فصل التَّحْرِيمُ بِلَبَنِ الْفَحْلِ] فَصْلٌ الْحُكْمُ الثَّانِي: الْمُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ السُّنَّةِ أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ يَنْتَشِرُ مِنْهُ كَمَا يَنْتَشِرُ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ مَنْ خَالَفَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ وَيُتْرَكَ مَا خَالَفَهَا لِأَجْلِهَا، وَلَا تُتْرَكُ هِيَ لِأَجْلِ قَوْلِ أَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ. وَلَوْ تُرِكَتِ السُّنَنُ لِخِلَافِ مَنْ خَالَفَهَا لِعَدَمِ بُلُوغِهَا لَهُ، أَوْ لِتَأْوِيلِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَتُرِكَ سُنَنٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَتُرِكَتِ الْحُجَّةُ إِلَى غَيْرِهَا، وَقَوْلُ مَنْ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ إِلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَقَوْلُ الْمَعْصُومِ إِلَى قَوْلِ غَيْرِ الْمَعْصُومِ، وَهَذِهِ بَلِيَّةٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنْهَا، وَأَنْ لَا نَلْقَاهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ الْأَعْمَشُ: كَانَ عمارة وإبراهيم وَأَصْحَابُنَا لَا يَرَوْنَ بِلَبَنِ الْفَحْلِ بَأْسًا حَتَّى أَتَاهُمُ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ بِخَبَرِ أبي القعيس، يَعْنِي: فَتَرَكُوا قَوْلَهُمْ وَرَجَعُوا عَنْهُ، وَهَكَذَا يَصْنَعُ أَهْلُ الْعِلْمِ إِذَا أَتَتْهُمُ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجَعُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوا قَوْلَهُمْ بِغَيْرِهَا. قَالَ الَّذِينَ لَا يُحَرِّمُونَ بِلَبَنِ الْفَحْلِ: إِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ التَّحْرِيمَ بِالرَّضَاعَةِ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ، فَقَالَ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] [النِّسَاءِ: ٢٣] وَاللَّامُ: لِلْعَهْدِ تَرْجِعُ إِلَى الرَّضَاعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ رَضَاعَةُ الْأُمِّ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] [النِّسَاءِ: ٢٤]

стр. 2391

فَلَوْ أَثْبَتْنَا التَّحْرِيمَ بِالْحَدِيثِ لَكُنَّا قَدْ نَسَخْنَا الْقُرْآنَ بِالسُّنَّةِ، وَهَذَا - عَلَى أَصْلِ مَنْ يَقُولُ: الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ - أَلْزَمُ، قَالُوا: وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِسُنَّتِهِ وَكَانُوا لَا يَرَوْنَ التَّحْرِيمَ بِهِ، فَصَحَّ عَنْ أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة أَنَّ أُمَّهُ زينب بنت أم سلمة أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَرْضَعَتْهَا أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵁ امْرَأَةُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، قَالَتْ زينب: وَكَانَ الزبير يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا أَمْتَشِطُ فَيَأْخُذُ بِقَرْنٍ مِنْ قُرُونِ رَأْسِي وَيَقُولُ: أَقْبِلِي عَلَيَّ فَحَدِّثِينِي، أَرَى أَنَّهُ أَبِي وَمَا وَلَدَ مِنْهُ فَهُمْ إِخْوَتِي، ثُمَّ إِنَّ عبد الله بن الزبير أَرْسَلَ إِلَيَّ يَخْطُبُ أم كلثوم ابْنَتِي عَلَى حمزة بن الزبير، وَكَانَ حمزة لِلْكَلْبِيَّةِ، فَقَالَتْ لِرَسُولِهِ: وَهَلْ تَحِلُّ لَهُ؟ وَإِنَّمَا هِيَ ابْنَةُ أُخْتِهِ، فَقَالَ عبد الله: إِنَّمَا أَرَدْتِ بِهَذَا الْمَنْعَ مِنْ قِبَلِكِ. أَمَّا مَا وَلَدَتْ أسماء فَهُمْ إِخْوَتُكِ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ أَسْمَاءَ فَلَيْسُوا لَكِ بِإِخْوَةٍ، فَأَرْسِلِي فَاسْأَلِي عَنْ هَذَا، فَأَرْسَلَتْ فَسَأَلَتْ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوَافِرُونَ فَقَالُوا لَهَا: إِنَّ الرَّضَاعَةَ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا فَأَنْكِحِيهَا إِيَّاهُ، فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى هَلَكَ عَنْهَا. قَالُوا: وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ ﵃ قَالُوا: وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الرَّضَاعَةَ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ لَا مِنَ الرَّجُلِ. قَالَ الْجُمْهُورُ: لَيْسَ فِيمَا ذَكَرْتُمْ مَا يُعَارِضُ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ، فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهَا. أَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ الْأُخْتَ مِنَ الْأَبِ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَيَكُونَ دَالًّا عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَإِمَّا أَنْ لَا يَتَنَاوَلَهَا فَيَكُونَ سَاكِتًا عَنْهَا، فَيَكُونُ تَحْرِيمُ السُّنَّةِ لَهَا تَحْرِيمًا مُبْتَدَءًا وَمُخَصِّصًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] [النِّسَاءِ: ٢٤] وَالظَّاهِرُ يَتَنَاوَلُ لَفْظَ الْأُخْتِ لَهَا، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ عَمَّمَ لَفْظَ الْأَخَوَاتِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ مَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا أُخْتُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أُخْتَهُ مِنْ أَبِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ لَيْسَتْ أُخْتًا لَهُ، ( «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لعائشة

стр. 2392

- ﵂: ائْذَنِي لِأَفْلَحَ؛ فَإِنَّهُ عَمُّكِ» ) ، فَأَثْبَتَ الْعُمُومَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بِلَبَنِ الْفَحْلِ وَحْدَهُ، فَإِذَا ثَبَتَتِ الْعُمُومَةُ بَيْنَ الْمُرْتَضِعَةِ وَبَيْنَ أَخِي صَاحِبِ اللَّبَنِ، فَثُبُوتُ الْأُخُوَّةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ابْنِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى أَوْ مِثْلِهِ. فَالسُّنَّةُ بَيَّنَتْ مُرَادَ الْكِتَابِ لَا أَنَّهَا خَالَفَتْهُ، وَغَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ أَثْبَتَتْ تَحْرِيمَ مَا سَكَتَ عَنْهُ، أَوْ تَخْصِيصَ مَا لَمْ يَرِدْ عُمُومُهُ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَرَوْنَ التَّحْرِيمَ بِذَلِكَ فَدَعْوَى بَاطِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ علي ﵁ إِثْبَاتُ التَّحْرِيمِ بِهِ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا جَارِيَةً وَالْأُخْرَى غُلَامًا أَيَحِلُّ أَنْ يَنْكِحَهَا؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ الَّذِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ صَرِيحٌ عَنِ الزبير أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ زينب ابْنَتُهُ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَهَذِهِ عائشة أم المؤمنين ﵂ كَانَتْ تُفْتِي: أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، فَلَمْ يَبْقَ بِأَيْدِيكُمْ إِلَّا عبد الله بن الزبير، وَأَيْنَ يَقَعُ مِنْ هَؤُلَاءِ. وَأَمَّا الَّذِينَ سَأَلَتْهُمْ فَأَفْتَوْهَا بِالْحِلِّ فَمَجْهُولُونَ غَيْرُ مُسَمَّيْنَ، وَلَمْ يَقُلِ الرَّاوِي: فَسَأَلَتْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ، بَلْ لَعَلَّهَا أَرْسَلَتْ فَسَأَلَتْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ مِنْهُمْ فَأَفْتَاهَا بِمَا أَفْتَاهَا بِهِ عبد الله بن الزبير، وَلَمْ يَكُنِ الصَّحَابَةُ إِذْ ذَاكَ مُتَوَافِرِينَ بِالْمَدِينَةِ، بَلْ كَانَ مُعْظَمُهُمْ وَأَكَابِرُهُمْ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ الرَّضَاعَةَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ، فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا اللَّبَنُ لِلْأَبِ الَّذِي ثَارَ بِوَطْئِهِ، وَالْأُمُّ وِعَاءٌ لَهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تَثْبُتُ أُبُوَّةُ صَاحِبِ اللَّبَنِ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ أُمُومَةُ الْمُرْضِعَةِ، أَوْ

стр. 2393

ثُبُوتُ أُبُوَّتِهِ فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِ أُمُومَةِ الْمُرْضِعَةِ؟ قِيلَ: هَذَا الْأَصْلُ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أحمد وَالشَّافِعِيِّ، وَعَلَيْهِ مَسْأَلَةُ مَنْ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ فَأَرْضَعْنَ طِفْلَةً كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَتَيْنِ فَإِنَّهُنَّ لَا يَصِرْنَ أُمًّا لَهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَمْ تُرْضِعْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ. وَهَلْ يَصِيرُ الزَّوْجُ أَبًا لِلطِّفْلَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَصِيرُ أَبًا كَمَا لَمْ تَصِرِ الْمُرْضِعَاتُ أُمَّهَاتٍ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ: يَصِيرُ أَبًا لِكَوْنِ الْوَلَدِ ارْتَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، وَلَبَنُ الْفَحْلِ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُتَفَرِّعٍ عَلَى أُمُومَةِ الْمُرْضِعَةِ، فَإِنَّ الْأُبُوَّةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِحُصُولِ الِارْتِضَاعِ مِنْ لَبَنِهِ لَا لِكَوْنِ الْمُرْضِعَةِ أُمَّهُ، وَلَا يَجِيءُ هَذَا عَلَى أَصْلَيْ أبي حنيفة ومالك فَإِنَّ عِنْدَهُمَا قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ مُحَرَّمٌ، فَالزَّوْجَاتُ الْأَرْبَعُ أُمَّهَاتٌ لِلْمُرْتَضِعِ، فَإِذَا قُلْنَا بِثُبُوتِ الْأُبُوَّةِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - حَرُمَتِ الْمُرْضِعَاتُ عَلَى الطِّفْلِ؛ لِأَنَّهُ رَبِيبُهُنَّ وَهُنَّ مَوْطُوآتُ أَبِيهِ، فَهُوَ ابْنُ بَعْلِهِنَّ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَثْبُتُ الْأُبُوَّةُ، لَمْ يَحْرُمْنَ عَلَيْهِ بِهَذَا الرَّضَاعِ. وَعَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ بَنَاتٍ فَأَرْضَعْنَ طِفْلًا كُلُّ وَاحِدَةٍ رَضْعَةً لَمْ يَصِرْنَ أُمَّهَاتٍ لَهُ. وَهَلْ يَصِيرُ الرَّجُلُ جَدًّا لَهُ، وَأَوْلَادُهُ الَّذِينَ هُمْ إِخْوَةُ الْمُرْضِعَاتِ أَخْوَالًا لَهُ وَخَالَاتٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ جَدًّا وَأَخُوهُنَّ خَالًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَمَلَ الْمُرْتَضِعُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مِنْ لَبَنِ بَنَاتِهِ فَصَارَ جَدًّا، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُرْتَضِعُ بِنْتًا وَاحِدَةً. وَإِذَا صَارَ جَدًّا كَانَ أَوْلَادُهُ الَّذِينَ هُمْ إِخْوَةُ الْبَنَاتِ أَخْوَالًا وَخَالَاتٍ، لِأَنَّهُنَّ إِخْوَةُ مَنْ كَمَلَ لَهُ مِنْهُنَّ خَمْسُ رَضَعَاتٍ فَنُزِّلُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مَنْزِلَةَ أُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَالْآخَرُ: لَا يَصِيرُ جَدًّا وَلَا أَخَوَاتُهُنَّ خَالَاتٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ جَدًّا فَرْعٌ عَلَى كَوْنِ ابْنَتِهِ أُمًّا، وَكَوْنُ أَخِيهَا خَالًا فَرْعٌ عَلَى كَوْنِ أُخْتِهِ أُمًّا، وَلَمْ يَثْبُتِ الْأَصْلُ فَلَا يَثْبُتُ فَرْعُهُ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَصَحُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا؛ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْأُبُوَّةِ فِيهَا لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْأُمُومَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْفَرْعِيَّةَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْمُرْضِعَاتِ وَأَبِيهِنَّ فَإِنَّهُنَّ بَنَاتُهُ، وَاللَّبَنُ لَيْسَ لَهُ، فَالتَّحْرِيمُ هُنَا بَيْنَ الْمُرْضِعَةِ وَابْنِهَا، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ أُمًّا لَمْ يَكُنْ أَبُوهَا جَدًّا،

стр. 2394

بِخِلَافِ تِلْكَ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ بَيْنَ الْمُرْتَضِعِ وَبَيْنَ صَاحِبِ اللَّبَنِ، فَسَوَاءٌ ثَبَتَتْ أُمُومَةُ الْمُرْضِعَةِ أَوْ لَا، فَعَلَى هَذَا إِذَا قُلْنَا: يَصِيرُ أَخُوهُنَّ خَالًا، فَهَلْ تَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خَالَةً لَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا تَكُونُ خَالَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِعْ مِنْ لَبَنِ أَخَوَاتِهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَلَا تَثْبُتُ الْخُؤُولَةُ. وَالثَّانِي: تَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ مِنَ اللَّبَنِ الْمُحَرَّمِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ وَكَانَ مَا ارْتَضَعَ مِنْهَا وَمِنْ أَخَوَاتِهَا مُثْبِتًا لِلْخُؤُولَةِ، وَلَا تَثْبُتُ أُمُومَةُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِذْ لَمْ يَرْتَضِعْ مِنْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، وَلَا يُسْتَبْعَدُ ثُبُوتُ خُؤُولَةٍ بِلَا أُمُومَةٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ أُبُوَّةٌ بِلَا أُمُومَةٍ، وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْخُؤُولَةَ فَرْعٌ مَحْضٌ عَلَى الْأُمُومَةِ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْأَصْلُ فَكَيْفَ يَثْبُتُ فَرْعُهُ؟ بِخِلَافِ الْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ فَإِنَّهُمَا أَصْلَانِ لَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا انْتِفَاءُ الْآخَرِ. وَعَلَى هَذَا مَسْأَلَةُ مَا لَوْ كَانَ لِرِجْلٍ أُمٌّ وَأُخْتٌ وَابْنَةٌ وَزَوْجَةُ ابْنٍ، فَأَرْضَعْنَ طِفْلَةً كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً لَمْ تَصِرْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أُمَّهَا، وَهَلْ تَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَوْجَهُهُمَا: مَا تَقَدَّمَ. وَالتَّحْرِيمُ هَاهُنَا بَعِيدٌ؛ فَإِنَّ هَذَا اللَّبَنَ الَّذِي كَمَلَ لِلطِّفْلِ لَا يَجْعَلُ الرَّجُلَ أَبًا لَهُ وَلَا جَدًّا وَلَا أَخًا وَلَا خَالًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فصل تَحْرِيمُ الْمَخْلُوقَةِ مِنْ مَاءِ الزَّانِي] فَصْلٌ وَقَدْ دَلَّ التَّحْرِيمُ بِلَبَنِ الْفَحْلِ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَخْلُوقَةِ مِنْ مَاءِ الزَّانِي دَلَالَةَ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ لِأَنَّهُ إِذَا حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ قَدْ تَغَذَّتْ بِلَبَنٍ ثَارَ بِوَطْئِهِ، فَكَيْفَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ قَدْ خُلِقَ مِنْ نَفْسِ مَائِهِ بِوَطْئِهِ؟ وَكَيْفَ يُحَرِّمُ الشَّارِعُ بِنْتَهُ مِنَ الرَّضَاعِ لِمَا فِيهَا مِنْ لَبَنٍ كَانَ وَطْءُ الرَّجُلِ سَبَبًا فِيهِ، ثُمَّ يُبِيحُ لَهُ نِكَاحَ مَنْ خُلِقَتْ بِنَفْسِ وَطْئِهِ وَمَائِهِ؟ هَذَا مِنَ الْمُسْتَحِيلِ؛ فَإِنَّ الْبَعْضِيَّةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقَةِ مِنْ مَائِهِ أَكْمَلُ وَأَتَمُّ مِنَ الْبَعْضِيَّةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ تَغَذَّتْ بِلَبَنِهِ، فَإِنَّ بِنْتَ الرَّضَاعِ فِيهَا جُزْءٌ مَا مِنَ الْبَعْضِيَّةِ، وَالْمَخْلُوقَةُ مِنْ مَائِهِ كَاسْمِهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ، فَنِصْفُهَا أَوْ أَكْثَرُهَا بَعْضُهُ قَطْعًا، وَالشَّطْرُ الْآخَرُ لِلْأُمِّ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْرَفُ

стр. 2395

فِي الصَّحَابَةِ مَنْ أَبَاحَهَا، وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ عَلَى أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَهَا، قُتِلَ بِالسَّيْفِ مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. وَإِذَا كَانَتْ بِنْتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ بِنْتًا فِي حُكْمَيْنِ فَقَطْ: الْحُرْمَةِ، وَالْمَحْرَمِيَّةِ، وَتَخَلَّفَ سَائِرُ أَحْكَامِ الْبِنْتِ عَنْهَا لَمْ تُخْرِجْهَا عَنِ التَّحْرِيمِ، وَتُوجِبُ حِلَّهَا، فَكَذَا بِنْتُهُ مِنَ الزِّنَى تَكُونُ بِنْتًا فِي التَّحْرِيمِ، وَتَخَلُّفُ أَحْكَامِ الْبِنْتِ عَنْهَا لَا يُوجِبُ حِلَّهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ خَاطَبَ الْعَرَبَ بِمَا تَعْقِلُهُ فِي لُغَاتِهَا، وَلَفْظُ الْبِنْتِ لَفْظٌ لُغَوِيٌّ لَمْ يَنْقُلْهُ الشَّارِعُ عَنْ مَوْضِعِهِ الْأَصْلِيِّ، كَلَفْظِ الصَّلَاةِ وَالْإِيمَانِ وَنَحْوِهِمَا، فَيُحْمَلُ عَلَى مَوْضُوعِهِ اللُّغَوِيِّ حَتَّى يَثْبُتَ نَقْلُ الشَّارِعِ لَهُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَلَفْظُ الْبِنْتِ كَلَفْظِ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ أَلْفَاظٌ بَاقِيَةٌ عَلَى مَوْضُوعَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْطَقَ ابْنَ الرَّاعِي الزَّانِي بِقَوْلِهِ: أَبِي فُلَانٌ الرَّاعِي» وَهَذَا الْإِنْطَاقُ لَا يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ أُمِّهِ عَلَيْهِ. وَخَلْقُهُ مِنْ مَائِهَا وَمَاءِ الزَّانِي خَلْقٌ وَاحِدٌ، وَإِثْمُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ، وَكَوْنُهُ بَعْضًا لَهُ مِثْلُ كَوْنِهِ بَعْضًا لَهَا، وَانْقِطَاعُ الْإِرْثِ بَيْنَ الزَّانِي وَالْبِنْتِ لَا يُوجِبُ جَوَازَ نِكَاحِهَا، ثُمَّ مِنَ الْعَجَبِ كَيْفَ يُحَرِّمُ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَسْتَمْنِيَ الْإِنْسَانُ بِيَدِهِ، وَيَقُولَ: هُوَ نِكَاحٌ لِيَدِهِ، وَيُجَوِّزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَنْكِحَ بَعْضَهُ، ثُمَّ يُجَوِّزُ لَهُ أَنْ يَسْتَفْرِشَ بَعْضَهُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ مَائِهِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ صُلْبِهِ، كَمَا يَسْتَفْرِشُ الْأَجْنَبِيَّةَ. [فصل لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ مِنَ الرَّضَاعِ] فَصْلٌ وَالْحُكْمُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يُحَرِّمُ إِلَّا خَمْسُ رَضَعَاتٍ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ. فَأَثْبَتَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ التَّحْرِيمَ بِقَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِهِ، وَهَذَا يُرْوَى عَنْ علي وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، والحسن وَالزُّهْرِيِّ، وقتادة، والحكم، وحماد، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ مالك، وأبي حنيفة، وَزَعَمَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ فِي

стр. 2396

الْمَهْدِ مَا يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ، وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ رَضَعَاتٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وأبي عبيد، وابن المنذر، وداود بن علي، وَهُوَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ أحمد. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: لَا يَثْبُتُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ، وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وعطاء، وَطَاوُسٍ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ عَنْ عائشة ﵂، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهَا: أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ أَقَلُّ مِنْ سَبْعٍ، وَالثَّالِثَةُ: لَا يُحَرِّمُ أَقَلُّ مِنْ عَشْرٍ. وَالْقَوْلُ بِالْخَمْسِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وأحمد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ، وَخَالَفَ داود فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَّقَ التَّحْرِيمَ بِاسْمِ الرَّضَاعَةِ، فَحَيْثُ وُجِدَ اسْمُهَا وُجِدَ حُكْمُهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» وَهَذَا مُوَافِقٌ لِإِطْلَاقِ الْقُرْآنِ. وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، «عَنْ عقبة بن الحارث، أَنَّهُ تَزَوَّجَ أم يحيى بنت أبي إهاب، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا فَنَهَاهُ عَنْهَا» ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ عَدَدِ الرَّضَاعِ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ، فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، كَالْوَطْءِ الْمُوجِبِ لَهُ، قَالُوا: وَلِأَنَّ إِنْشَازَ الْعَظْمِ، وَإِنْبَاتَ اللَّحْمِ يَحْصُلُ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. قَالُوا: وَلِأَنَّ أَصْحَابَ الْعَدَدِ قَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي الرَّضْعَةِ وَحَقِيقَتِهَا، وَاضْطَرَبَتْ أَشَدَّ الِاضْطِرَابِ، وَمَا كَانَ هَكَذَا لَمْ

стр. 2397

يَجْعَلْهُ الشَّارِعُ نِصَابًا لِعَدَمِ ضَبْطِهِ وَالْعِلْمِ بِهِ. قَالَ أَصْحَابُ الثَّلَاثِ: قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ» ، وَعَنْ أم الفضل بنت الحارث قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ الْوَاحِدَةُ؟ قَالَ: لَا» . وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، رَوَاهَا مسلم فِي " صَحِيحِهِ "، فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهَا فَأَثْبَتْنَا التَّحْرِيمَ بِالثَّلَاثِ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَنَفَيْنَا التَّحْرِيمَ بِمَا دُونَهَا بِصَرِيحِ السُّنَّةِ قَالُوا: وَلِأَنَّ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَدُ وَالتِّكْرَارُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الثَّلَاثُ. قَالُوا: وَلِأَنَّهَا أَوَّلُ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، وَقَدِ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا. قَالَ أَصْحَابُ الْخَمْسِ: الْحُجَّةُ لَنَا مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْ عائشة ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، قَالُوا: وَيَكْفِي فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لسهلة بنت سهيل: «أَرْضِعِي سالما خَمْسَ رَضَعَاتٍ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» . قَالُوا: وعائشة أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِحُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هِيَ وَنِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَتْ عائشة ﵂ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا أَحَدٌ أَمَرَتْ إِحْدَى بَنَاتِ إِخْوَتِهَا أَوْ أَخَوَاتِهَا فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ. قَالُوا: وَنَفْيُ التَّحْرِيمِ بِالرَّضْعَةِ وَالرَّضْعَتَيْنِ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ تَعْلِيقِ التَّحْرِيمِ بِقَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِهِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ بَعْضُهَا خَرَجَ جَوَابًا لِلسَّائِلِ، وَبَعْضُهَا تَأْسِيسُ حُكْمٍ مُبْتَدَأٍ. قَالُوا: وَإِذَا عَلَّقْنَا التَّحْرِيمَ بِالْخَمْسِ، لَمْ نَكُنْ قَدْ خَالَفْنَا شَيْئًا مِنَ النَّصُوصِ الَّتِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَا، وَإِنَّمَا نَكُونُ قَدْ قَيَّدْنَا مُطْلَقَهَا بِالْخَمْسِ، وَتَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بَيَانٌ لَا نَسْخٌ وَلَا تَخْصِيصٌ. وَأَمَّا مَنْ عَلَّقَ التَّحْرِيمَ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَإِنَّهُ يُخَالِفُ أَحَادِيثَ نَفْيِ التَّحْرِيمِ

стр. 2398

بِالرَّضْعَةِ وَالرَّضْعَتَيْنِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الثَّلَاثِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُخَالِفْهَا، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِأَحَادِيثِ الْخَمْسِ. قَالَ مَنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْخَمْسِ: حَدِيثُ الْخَمْسِ لَمْ تَنْقُلْهُ عائشة ﵂ نَقْلَ الْأَخْبَارِ، فَيُحْتَجُّ بِهِ، وَإِنَّمَا نَقَلَتْهُ نَقْلَ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ، وَالْأُمَّةُ لَمْ تَنْقُلْ ذَلِكَ قُرْآنًا، فَلَا يَكُونُ قُرْآنًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا وَلَا خَبَرًا، امْتَنَعَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهِ. قَالَ أَصْحَابُ الْخَمْسِ: الْكَلَامُ فِيمَا نُقِلَ مِنَ الْقُرْآنِ آحَادًا فِي فَصْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: كَوْنُهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالثَّانِي: وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُتَغَايِرَانِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يُوجِبُ انْعِقَادَ الصَّلَاةِ بِهِ، وَتَحْرِيمَ مَسِّهِ عَلَى الْمُحْدِثِ، وَقِرَاءَتِهِ عَلَى الْجُنُبِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، فَإِذَا انْتَفَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ لِعَدَمِ التَّوَاتُرِ، لَمْ يَلْزَمِ انْتِفَاءُ الْعَمَلِ بِهِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ، وَقَدِ احْتَجَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بِهِ فِي مَوْضِعٍ، فَاحْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وأحمد فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاحْتَجَّ بِهِ أبو حنيفة فِي وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ". وَاحْتَجَّ بِهِ مالك وَالصَّحَابَةُ قَبْلَهُ فِي فَرْضِ الْوَاحِدِ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ أَنَّهُ السُّدُسُ بِقِرَاءَةِ أُبَيٍّ، " وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً، أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ، أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ "، فَالنَّاسُ كُلُّهُمُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَلَا مُسْتَنَدَ لِلْإِجْمَاعِ سِوَاهَا. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَقْلُهُ قُرْآنًا أَوْ خَبَرًا، قُلْنَا: بَلْ قُرْآنًا صَرِيحًا. قَوْلُكُمْ: فَكَانَ يَجِبُ نَقْلُهُ مُتَوَاتِرًا، قُلْنَا: حَتَّى إِذَا نُسِخَ لَفْظُهُ أَوْ بَقِيَ، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَمَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي، مُسَلَّمٌ، وَغَايَةُ مَا فِي الْأَمْرِ أَنَّهُ قُرْآنٌ نُسِخَ لَفْظُهُ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ قَوْلِهِ: " الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا " مِمَّا اكْتُفِيَ بِنَقْلِهِ آحَادًا، وَحُكْمُهُ ثَابِتٌ، وَهَذَا مِمَّا لَا جَوَابَ عَنْهُ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَانِ آخَرَانِ ضَعِيفَانِ.

стр. 2399

أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَثْبُتُ بِأَقَلَّ مِنْ سَبْعٍ، كَمَا سُئِلَ طَاوُسٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ دُونَ سَبْعِ رَضَعَاتٍ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرٌ جَاءَ بِالتَّحْرِيمِ، الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ تُحَرِّمُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. الثَّانِي: التَّحْرِيمُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِعَشْرِ رَضَعَاتٍ، وَهَذَا يُرْوَى عَنْ حفصة وعائشة ﵄. وَفِيهَا مَذْهَبٌ آخَرُ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِنَّ قَالَ طَاوُسٌ: كَانَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ رَضَعَاتٌ مُحَرِّمَاتٌ، وَلِسَائِرِ النَّاسِ رَضَعَاتٌ مَعْلُومَاتٌ، ثُمَّ تُرِكَ ذَلِكَ بَعْدُ، وَقَدْ تَبَيَّنَ الصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فصل حَدُّ الرَّضْعَةِ] فَصْلٌ فَإِنْ قِيلَ مَا هِيَ الرَّضْعَةُ الَّتِي تَنْفَصِلُ مِنْ أُخْتِهَا، وَمَا حَدُّهَا؟ قِيلَ: الرَّضْعَةُ فَعْلَةٌ مِنَ الرَّضَاعِ، فَهِيَ مَرَّةٌ مِنْهُ بِلَا شَكٍّ، كَضَرْبَةٍ وَجَلْسَةٍ وَأَكْلَةٍ، فَمَتَى الْتَقَمَ الثَّدْيَ، فَامْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ تَرَكَهُ بِاخْتِيَارِهِ، مِنْ غَيْرِ عَارِضٍ كَانَ ذَلِكَ رَضْعَةً؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، فَحُمِلَ عَلَى الْعُرْفِ، وَالْعُرْفُ هَذَا، وَالْقَطْعُ الْعَارِضُ لِتَنَفُّسٍ أَوِ اسْتِرَاحَةٍ يَسِيرَةٍ، أَوْ لِشَيْءٍ يُلْهِيهِ، ثُمَّ يَعُودُ عَنْ قُرْبٍ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ رَضْعَةً وَاحِدَةً، كَمَا أَنَّ الْآكِلَ إِذَا قَطَعَ أَكْلَتَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ عَادَ عَنْ قَرِيبٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَكْلَتَيْنِ بَلْ وَاحِدَةً، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُمْ فِيمَا إِذَا قَطَعَتِ الْمُرْضِعَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَعَادَتْهُ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَطَعَتْهُ مِرَارًا حَتَّى يَقْطَعَ بِاخْتِيَارِهِ. قَالُوا: لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ الْمُرْضِعَةِ، وَلِهَذَا لَوِ ارْتَضَعَ مِنْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ حُسِبَتْ رَضْعَةً، فَإِذَا قَطَعَتْ عَلَيْهِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَمَرَهُ بِهَا الطَّبِيبُ، فَجَاءَ شَخْصٌ فَقَطَعَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ، فَإِنَّهَا أَكْلَةٌ وَاحِدَةٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا رَضْعَةٌ أُخْرَى لِأَنَّ الرَّضَاعَ يَصِحُّ مِنَ الْمُرْتَضِعِ وَمِنَ الْمُرْضِعَةِ وَلِهَذَا لَوْ أَوْجَرَتْهُ وَهُوَ نَائِمٌ احْتُسِبَ رَضْعَةً. وَلَهُمْ فِيمَا إِذَا انْتَقَلَ مِنْ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ إِلَى ثَدْيِ غَيْرِهَا وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا

стр. 2400

يُعْتَدُّ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى قَبْلَ تَمَامِ الرَّضْعَةِ، فَلَمْ تَتِمَّ الرَّضْعَةُ مِنْ إِحْدَاهُمَا. وَلِهَذَا لَوِ انْتَقَلَ مِنْ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ إِلَى ثَدْيِهَا الْآخَرِ كَانَا رَضْعَةً وَاحِدَةً. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُحْتَسَبُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَضْعَةٌ، لِأَنَّهُ ارْتَضَعَ، وَقَطَعَهُ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ شَخْصَيْنِ. وَأَمَّا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، فَقَالَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي ": إِذَا قَطَعَ قَطْعًا بَيِّنًا بِاخْتِيَارِهِ، كَانَ ذَلِكَ رَضْعَةً، فَإِنْ عَادَ كَانَ رَضْعَةً أُخْرَى، فَأَمَّا إِنْ قَطَعَ لِضِيقِ نَفَسٍ، أَوْ لِلِانْتِقَالِ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى ثَدْيٍ، أَوْ لِشَيْءٍ يُلْهِيهِ، أَوْ قَطَعَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَةُ، نَظَرْنَا، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ قَرِيبًا، فَهِيَ رَضْعَةٌ، وَإِنْ عَادَ فِي الْحَالِ، فَفِيهِ وَجِهَانُ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأُولَى رَضْعَةٌ، فَإِذَا عَادَ، فَهِيَ رَضْعَةٌ أُخْرَى، قَالَ: وَهَذَا اخْتِيَارُ أبي بكر، وَظَاهِرُ كَلَامِ أحمد فِي رِوَايَةِ حنبل، فَإِنَّهُ قَالَ: أَمَا تَرَى الصَّبِيَّ يَرْتَضِعُ مِنَ الثَّدْيِ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ النَّفَسُ، أَمْسَكَ عَنِ الثَّدْيِ لِيَتَنَفَّسَ، أَوْ لِيَسْتَرِيحَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، فَهِيَ رَضْعَةٌ، قَالَ الشَّيْخُ: وَذَلِكَ أَنَّ الْأُولَى رَضْعَةٌ لَوْ لَمْ يَعُدْ، فَكَانَتْ رَضْعَةً، وَإِنْ عَادَ، كَمَا لَوْ قَطَعَ بِاخْتِيَارِهِ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ رَضْعَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إِلَّا فِيمَا إِذَا قَطَعَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَةُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا أَكَلْتُ الْيَوْمَ إِلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً، فَاسْتَدَامَ الْأَكْلَ زَمَنًا، أَوِ انْقَطَعَ لِشُرْبِ مَاءٍ، أَوِ انْتِقَالٍ مِنْ لَوْنٍ إِلَى لَوْنٍ، أَوِ انْتِظَارٍ لِمَا يُحْمَلُ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ لَمْ يُعَدَّ إِلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً فَكَذَا هَاهُنَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنَ السَّعُوطِ وَالْوَجُورِ رَضْعَةٌ، فَكَذَا هَذَا. قُلْتُ: وَكَلَامُ أحمد يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: " فَهِيَ رَضْعَةٌ "، عَائِدًا إِلَى الرَّضْعَةِ الثَّانِيَةِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ رَضْعَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: " فَهِيَ رَضْعَةٌ " عَائِدًا إِلَى الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي، وَهَذَا أَظْهَرُ

стр. 2401

مُحْتَمَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِقَطْعِهِ لِلتَّنَفُّسِ، أَوِ الِاسْتِرَاحَةِ عَلَى كَوْنِهَا رَضْعَةً وَاحِدَةً. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ أَلْيَقُ بِكَوْنِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْأُولَى وَاحِدَةً مِنْ كَوْنِ الثَّانِيَةِ رَضْعَةً مُسْتَقِلَّةً، فَتَأَمَّلْهُ. وَأَمَّا قِيَاسُ الشَّيْخِ لَهُ عَلَى يَسِيرِ السَّعُوطِ وَالْوَجُورِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَقِلٌّ لَيْسَ تَابِعًا لِرَضْعَةٍ قَبْلَهُ، وَلَا هُوَ مِنْ تَمَامِهَا، فَيُقَالُ: رَضْعَةٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الثَّانِيَةَ تَابِعَةٌ لِلْأُولَى، وَهِيَ مِنْ تَمَامِهَا فَافْتَرَقَا. [فصل زَمَنُ الرَّضَاعِ الْمُحَرَّمِ] فَصْلٌ وَالْحُكْمُ الرَّابِعُ: أَنَّ الرَّضَاعَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ مَا كَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ فِي زَمَنِ الِارْتِضَاعِ الْمُعْتَادِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد: هُوَ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ، وَلَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ بَعْدَهُمَا، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عمر، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَهُوَ قَوْلُ سفيان، وإسحاق، وأبي عبيد، وَابْنِ حَزْمٍ، وابن المنذر، وداود، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الرَّضَاعُ الْمُحَرِّمُ مَا كَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ، وَلَمْ يَحُدُّوهُ بِزَمَنٍ، صَحَّ ذَلِكَ عَنْ أم سلمة، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ علي، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، والحسن، وقتادة، وعكرمة، وَالْأَوْزَاعِيِّ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ فُطِمَ وَلَهُ عَامٌ وَاحِدٌ وَاسْتَمَرَّ فِطَامُهُ، ثُمَّ رَضَعَ فِي الْحَوْلَيْنِ، لَمْ يُحَرِّمْ هَذَا الرَّضَاعُ شَيْئًا، فَإِنْ تَمَادَى رَضَاعُهُ وَلَمْ يُفْطَمْ، فَمَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ. وَمَا كَانَ بَعْدَهُمَا، فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ وَإِنْ تَمَادَى الرَّضَاعُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الرَّضَاعُ الْمُحَرِّمُ مَا كَانَ فِي الصِّغَرِ، وَلَمْ يُوَقِّتْهُ هَؤُلَاءِ بِوَقْتِ، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَلَا عائشة ﵂. وَقَالَ أبو حنيفة وزفر: ثَلَاثُونَ شَهْرًا، وَعَنْ أبي حنيفة رِوَايَةٌ أُخْرَى، كَقَوْلِ أبي يوسف ومحمد. وَقَالَ مالك فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ: يُحَرِّمُ فِي الْحَوْلَيْنِ، وَمَا قَارَبَهُمَا، وَلَا حُرْمَةَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ

стр. 2402

اعْتِبَارُ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ شَهْرَانِ. وَرُوِيَ شَهْرٌ، وَنَحْوُهُ. وَرَوَى عَنْهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّ مَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ مِنْ رَضَاعٍ بِشَهْرِ أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهُ عِنْدِي مِنَ الْحَوْلَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَالَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ أَصْحَابُ الْمُوَطَّأِ وَكَانَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ مَاتَ قَوْلُهُ فِيهِ: وَمَا كَانَ مِنَ الرَّضَاعِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ كَانَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا، إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ، هَذَا لَفْظُهُ. وَقَالَ: إِذَا فُصِلَ الصَّبِيُّ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، وَاسْتَغْنَى بِالطَّعَامِ عَنِ الرَّضَاعِ، فَمَا ارْتَضَعَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلرَّضَاعِ حُرْمَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: مُدَّةُ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ ثَلَاثُ سِنِينَ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَمْ يُحَرِّمْ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مُدَّتُهُ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ يَحْكِيهِ عَنْهُ كَالْمُتَعَجِّبِ مِنْ قَوْلِهِ. وَرُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ هَذَا، وَحَكَى عَنْهُ ربيعة، أَنَّ مُدَّتَهُ حَوْلَانِ، وَاثْنَا عَشَرَ يَوْمًا. [مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ] وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: يُحَرِّمُ رَضَاعُ الْكَبِيرِ، وَلَوْ أَنَّهُ شَيْخٌ، فَرَوَى مالك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَضَاعِ الْكَبِيرِ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، بِحَدِيثِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سهلة بنت سهيل بِرَضَاعِ سالم، فَفَعَلَتْ، وَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا لَهَا. قَالَ عروة: فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عائشة أم المؤمنين ﵂ فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ، فَكَانَتْ تَأْمُرُ أُخْتَهَا أم كلثوم، وَبَنَاتِ أَخِيهَا يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ. وَقَالَ عبد الرزاق: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: سَقَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ لَبَنِهَا بَعْدَ مَا كُنْتُ رَجُلًا كَبِيرًا، أَفَأَنْكِحُهَا؟ قَالَ

стр. 2403

عطاء: لَا تَنْكِحْهَا، فَقُلْتُ لَهُ: وَذَلِكَ رَأْيُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَتْ عائشة ﵂ تَأْمُرُ بِذَلِكَ بَنَاتَ أَخِيهَا. وَهَذَا قَوْلٌ ثَابِتٌ عَنْ عائشة ﵂. وَيُرْوَى عَنْ علي، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وأبي محمد بن حزم، قَالَ: وَرَضَاعُ الْكَبِيرِ وَلَوْ أَنَّهُ شَيْخٌ يُحَرِّمُ كَمَا يُحَرِّمُ رَضَاعُ الصَّغِيرِ. وَلَا فَرْقَ فَهَذِهِ مَذَاهِبُ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَلْنَذْكُرْ مُنَاظَرَةَ أَصْحَابِ الْحَوْلَيْنِ، وَالْقَائِلِينَ بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ، فَإِنَّهُمَا طَرَفَانِ، وَسَائِرُ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ. [حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ] قَالَ أَصْحَابُ الْحَوْلَيْنِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٣] ، قَالُوا: فَجَعَلَ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ حَوْلَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِمَا بَعْدَهُمَا، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ. قَالُوا: وَهَذِهِ الْمُدَّةُ هِيَ مُدَّةُ الْمَجَاعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَصَرَ الرَّضَاعَةَ الْمُحَرِّمَةَ عَلَيْهَا. قَالُوا: وَهَذِهِ مُدَّةُ الثَّدْيِ الَّذِي قَالَ فِيهَا: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الثَّدْيِ» ، أَيْ فِي زَمَنِ الثَّدْيِ، وَهَذِهِ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ يَقُولُونَ: فُلَانٌ مَاتَ فِي الثَّدْيِ، أَيْ فِي زَمَنِ الرَّضَاعِ قَبْلَ الْفِطَامِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: «إِنَّ إبراهيم مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ تُتِمُّ رَضَاعَهُ» . يَعْنِي إبراهيم ابْنَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. قَالُوا: وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ» وَكَانَ فِي الثَّدْيِ قَبْلَ الْفِطَامِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ لِلرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ رَضَاعَ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ عَارٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ.

стр. 2404

قَالُوا: وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ» . قَالُوا: وَأَكَّدَهُ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ» ، وَرَضَاعُ الْكَبِيرِ لَا يُنْبِتُ لَحْمًا، وَلَا يُنْشِزُ عَظْمًا. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ رَضَاعُ الْكَبِيرِ مُحَرِّمًا لَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لعائشة - وَقَدْ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، وَكَرِهَ دُخُولَ أَخِيهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ عَلَيْهَا لَمَّا رَآهُ كَبِيرًا: - " انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنُّ " فَلَوْ حَرَّمَ رَضَاعُ الْكَبِيرِ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّغِيرِ، وَلَمَا كَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ» ثُمَّ قَالَ: «فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» وَتَحْتَ هَذَا مِنَ الْمَعْنَى خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَدِ ارْتَضَعَ فِي غَيْرِ زَمَنِ الرَّضَاعِ وَهُوَ زَمَنُ الْمَجَاعَةِ، فَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، فَلَا يَكُونُ أَخًا. قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيثُ سهلة فِي رَضَاعِ سالم، فَهَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّ قِصَّتَهُ كَانَتْ عَقِيبَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] [الْأَحْزَابِ: ٥] ، وَهِيَ نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ. وَأَمَّا أَحَادِيثُ اشْتِرَاطِ الصِّغَرِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الثَّدْيِ قَبْلَ الْفِطَامِ، فَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّمَا أَسْلَمَ عَامَ فَتْحِ خَيْبَرَ بِلَا شَكٍّ، كِلَاهُمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ قِصَّةِ سالم فِي رَضَاعِهِ مِنَ امْرَأَةِ أبي حذيفة. [حُجَّةُ مَنْ حَرَّمَ بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ] قَالَ الْمُثْبِتُونَ لِلتَّحْرِيمِ بِرَضَاعِ الشُّيُوخِ: قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صِحَّةً لَا يَمْتَرِي فِيهَا أَحَدٌ أَنَّهُ أَمَرَ سهلة بنت سهيل أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ كَبِيرًا ذَا لِحْيَةٍ، وَقَالَ: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» ثُمَّ سَاقُوا الْحَدِيثَ، وَطُرُقَهُ وَأَلْفَاظَهُ وَهِيَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ بِلَا شَكٍّ. ثُمَّ قَالُوا: فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ، وَتُبَيِّنُ مُرَادَ اللَّهِ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ أَنَّ الرَّضَاعَةَ الَّتِي تَتِمُّ بِتَمَامِ الْحَوْلَيْنِ، أَوْ بِتَرَاضِي الْأَبَوَيْنِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ إِذَا رَأَيَا فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِلرَّضِيعِ، إِنَّمَا هِيَ الْمُوجِبَةُ

стр. 2405

لِلنَّفَقَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُرْضِعَةِ، وَالَّتِي يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْأَبَوَانِ أَحَبَّا أَمْ كَرِهَا. وَلَقَدْ كَانَ فِي الْآيَةِ كِفَايَةٌ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٣] ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْوَالِدَاتِ بِإِرْضَاعِ الْمَوْلُودِ عَامَيْنِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَحْرِيمٌ لِلرَّضَاعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا أَنَّ التَّحْرِيمَ يَنْقَطِعُ بِتَمَامِ الْحَوْلَيْنِ، وَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] [النِّسَاءِ: ٢٣] ، وَلَمْ يَقُلْ فِي حَوْلَيْنِ، وَلَا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ زَائِدًا عَلَى الْآيَاتِ الْأُخَرِ، وَعُمُومُهَا لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إِلَّا بِنَصٍّ يُبَيِّنُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ لَهُ لَا بِظَنٍّ وَلَا مُحْتَمَلٍ لَا بَيَانَ فِيهِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْآثَارُ يَعْنِي الَّتِي فِيهَا التَّحْرِيمُ بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ قَدْ جَاءَتْ مَجِيءَ التَّوَاتُرِ، رَوَاهَا نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ ، وسهلة بنت سهيل، وَهِيَ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ، وزينب بنت أم سلمة وَهِيَ رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَوَاهَا مِنَ التَّابِعِينَ: الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وحميد بن نافع، وَرَوَاهَا عَنْ هَؤُلَاءِ: الزُّهْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، وعبد الرحمن بن القاسم، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وربيعة ثُمَّ رَوَاهَا عَنْ هَؤُلَاءِ: أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وشعبة، ومالك، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وشعيب، ويونس، وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، ومعمر، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، وَغَيْرُهُمْ، ثُمَّ رَوَاهَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ، وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ، فَهِيَ نَقْلُ كَافَّةٍ لَا يَخْتَلِفُ مُؤَالِفٌ وَلَا مُخَالِفٌ فِي صِحَّتِهَا، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الِاعْتِرَاضِ إِلَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: كَانَ ذَلِكَ خَاصَّا بسالم، كَمَا قَالَ بَعْضُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ تَبِعَهُنَّ فِي ذَلِكَ، فَلْيَعْلَمْ مَنْ تَعَلَّقَ بِهَذَا أَنَّهُ ظَنٌّ مِمَّنْ ظَنَّ ذَلِكَ مِنْهُنَّ ﵅. هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُنُّ قُلْنَ: مَا نَرَى هَذَا إِلَّا خَاصًّا بسالم، وَمَا نَدْرِي لَعَلَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً لسالم. فَإِذَا هُوَ ظَنٌّ بِلَا شَكٍّ فَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُعَارَضُ بِهِ السُّنَنُ الثَّابِتَةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] [يُونُسَ: ٣٦] وَشَتَّانَ بَيْنَ احْتِجَاجِ أم سلمة ﵂ بِظَنِّهَا، وَبَيْنَ احْتِجَاجِ عائشة ﵂ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَتْ لَهَا عائشة: أَمَا لَكِ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، سَكَتَتْ أم سلمة، وَلَمْ تَنْطِقْ بِحَرْفٍ، وَهَذَا إِمَّا

стр. 2406

رُجُوعٌ إِلَى مَذْهَبِ عائشة، وَإِمَّا انْقِطَاعٌ فِي يَدِهَا. قَالُوا: وَقَوْلُ سهلة لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ بَيَانٌ جَلِيٌّ أَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ. قَالُوا: وَنَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ خَاصًّا بسالم، لَقَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِلْحَاقَ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ، كَمَا بَيَّنَ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ أَنَّ جَذَعَتَهُ تُجْزِئُ عَنْهُ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَهُ. . وَأَيْنَ يَقَعُ ذَبْحُ جَذَعَةٍ أُضْحِيَّةً مِنْ هَذَا الْحُكْمِ الْعَظِيمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ حِلُّ الْفَرْجِ وَتَحْرِيمُهُ، وَثُبُوتُ الْمَحْرَمِيَّةِ وَالْخَلْوَةِ بِالْمَرْأَةِ وَالسَّفَرِ بِهَا؟ فَمَعْلُومٌ قَطْعًا، أَنَّ هَذَا أَوْلَى بِبَيَانِ التَّخْصِيصِ لَوْ كَانَ خَاصًّا. قَالُوا: وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْكَبِيرِ لِلَّبَنِ يُؤَثِّرُ فِي دَفْعِ مَجَاعَتِهِ قَطْعًا، كَمَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّغِيرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ. فَإِنْ قُلْتُمْ: فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِهِ إِذَا كَانَ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ فِيهِ سَوَاءً؟ قُلْنَا: فَائِدَتُهُ إِبْطَالُ تَعَلُّقِ التَّحْرِيمِ بِالْقَطْرَةِ مِنَ اللَّبَنِ، أَوِ الْمَصَّةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي لَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍ، وَلَا تُنْبِتُ لَحْمًا، وَلَا تُنْشِزُ عَظْمًا. قَالُوا: وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ، وَكَانَ فِي الثَّدْيِ قَبْلَ الْفِطَامِ» لَيْسَ بِأَبْلَغَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ» ، «وَإِنَّمَا الرَّبَا فِي النَّسِيئَةِ» ، وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ ثُبُوتُ رِبَا الْفَضْلِ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، فَكَذَا هَذَا. فَأَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَسُنَّنُهُ الثَّابِتَةُ كُلُّهَا حَقٌّ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا، وَلَا يُضْرَبُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، بَلْ تُسْتَعْمُلُ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى وَجْهِهِ. قَالُوا: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عائشة أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، وَأَفْقَهَ نِسَاءِ الْأُمَّةِ هِيَ الَّتِي رَوَتْ هَذَا وَهَذَا،

стр. 2407

فَهِيَ الَّتِي رَوَتْ: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» وَرَوَتْ حَدِيثَ سهلة، وَأَخَذَتْ بِهِ فَلَوْ كَانَ عِنْدَهَا حَدِيثُ «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» مُخَالِفًا لِحَدِيثِ سهلة، لَمَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ وَتَرَكَتْ حَدِيثًا وَاجَهَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، وَكَرِهَ الرَّجُلَ الَّذِي رَآهُ عِنْدَهَا، وَقَالَتْ: هُوَ أَخِي. قَالُوا: وَقَدْ صَحَّ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُدْخِلُ عَلَيْهَا الْكَبِيرَ إِذَا أَرْضَعَتْهُ - فِي حَالِ كِبَرِهِ أُخْتٌ مِنْ أَخَوَاتِهَا الرَّضَاعَ الْمُحَرِّمَ، وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ، وَنَقْطَعُ قَطْعًا نَلْقَاهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ تَكُنْ لِتُبِيحَ سِتْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَيْثُ يَنْتَهِكُهُ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ انْتِهَاكُهُ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُبِيحَ ذَلِكَ عَلَى يَدِ الصِّدِّيقَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ الْمُبَرَّأَةِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وَقَدْ عَصَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ الْجَنَابَ الْكَرِيمَ، وَالْحِمَى الْمَنِيعَ، وَالشَّرَفَ الرَّفِيعَ أَتَمَّ عِصْمَةٍ، وَصَانَهُ أَعْظَمَ صِيَانَةٍ، وَتَوَلَّى صِيَانَتَهُ وَحِمَايَتَهُ، وَالذَّبَّ عَنْهُ بِنَفْسِهِ وَوَحْيِهِ وَكَلَامِهِ، قَالُوا: فَنَحْنُ نُوقِنُ وَنَقْطَعُ، وَنَبُتُّ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ بِأَنَّ فِعْلَ عَائِشَةَ ﵂ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يَقَعُ بِهِ مِنَ التَّحْرِيمِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ مَا يَقَعُ بِرَضَاعِ الصَّغِيرِ، وَيَكْفِينَا أُمُّنَا أَفْقَهُ نِسَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ كَانَتْ تُنَاظِرُ فِي ذَلِكَ نِسَاءَهُ ﷺ ، وَلَا يُجِبْنَهَا بِغَيْرِ قَوْلِهِنِّ: مَا أَحَدٌ دَاخِلٌ عَلَيْنَا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَيَكْفِينَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَذْهَبُ ابْنِ عَمِّ نَبِيِّنَا، وَأَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى الْإِطْلَاقِ حِينَ كَانَ خَلِيفَةً، وَمَذْهَبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي شَهِدَ لَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ أَفْقَهَ مِنْ مالك، إِلَّا أَنَّهُ ضَيَّعَهُ أَصْحَابُهُ، وَمَذْهَبُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ذَكَرَهُ عبد الرزاق عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ. وَذَكَرَ مالك عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَضَاعِ الْكَبِيرِ، فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ سهلة بنت سهيل فِي قِصَّةِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَقَالَ عبد الرزاق: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عبد الكريم، أَنَّ سالم بن أبي جعد الْمَوْلَى الْأَشْجَعِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً قَدْ سَقَتْنِي مِنْ لَبَنِهَا وَأَنَا كَبِيرٌ تَدَاوَيْتُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ علي: لَا تَنْكِحْهَا، وَنَهَاهُ عَنْهَا.

стр. 2408

فَهَؤُلَاءِ سَلَفُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَتِلْكَ نُصُوصُنَا كَالشَّمْسِ صِحَّةً وَصَرَاحَةً. قَالُوا: وَأَصْرَحُ أَحَادِيثِكُمْ حَدِيثُ أم سلمة تَرْفَعُهُ: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» فَمَا أَصْرَحَهُ لَوْ كَانَ سَلِيمًا مِنَ الْعِلَّةِ، لَكِنْ هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ فاطمة بنت المنذر عَنْ أم سلمة، وَلَمْ تَسْمَعْ مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَسَنَّ مِنْ زَوْجِهَا هشام بِاثْنَيْ عَشَرَ عَامًا، فَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ سِتِّينَ، وَمَوْلِدُ فاطمة فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ، وَمَاتَتْ أم سلمة سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وفاطمة صَغِيرَةٌ لَمْ تَبْلُغْهَا، فَكَيْفَ تَحْفَظُ عَنْهَا، وَلَمْ تَسْمَعْ مِنْ خَالَةِ أَبِيهَا شَيْئًا وَهِيَ فِي حِجْرِهَا، كَمَا حَصَلَ سَمَاعُهَا مِنْ جَدَّتِهَا أسماء بنت أبي بكر؟ قَالُوا: وَإِذَا نَظَرَ الْعَالِمُ الْمُنْصِفُ فِي هَذَا الْقَوْلِ، وَوَازَنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ يَحُدُّ مُدَّةَ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا، أَوْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا، أَوْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الَّتِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، تَبَيَّنَ لَهُ فَضْلُ مَا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَهَذَا

стр. 2409

مُنْتَهَى أَقْدَامِ الطَّائِفَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَعَلَّ الْوَاقِفَ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ لَهُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ تَنْتَهِي قُوَّتُهُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِأَيْدِي أَصْحَابِهِ قُدْرَةٌ عَلَى تَقْدِيرِهِ وَتَصْحِيحِهِ، فَاجْلِسْ أَيُّهَا الْعَالِمُ الْمُنْصِفُ مَجْلِسَ الْحَكَمِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، وَافْصِلْ بَيْنَهُمَا بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ لَا بِالتَّقْلِيدِ، وَقَالَ فُلَانٌ. [رَدُّ الْقَائِلِينَ بِالْحَوْلَيْنِ عَلَى حَدِيثِ سَهْلَةَ وَأَوَّلُهَا رَدُّهُ بِالنَّسْخِ] وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْحَوْلَيْنِ فِي حَدِيثِ سهلة هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَسَالِكَ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَهَذَا مَسْلَكُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَأْتُوا عَلَى النَّسْخِ بِحُجَّةٍ سِوَى الدَّعْوَى، فَإِنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ إِثْبَاتُ التَّارِيخِ الْمَعْلُومِ التَّأَخُّرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ. وَلَوْ قَلَبَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَيْهِمُ الدَّعْوَى، وَادَّعَوْا نَسْخَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ بِحَدِيثِ سهلة، لَكَانَتْ نَظِيرَ دَعْوَاهُمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، وَحِينَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] [الْأَحْزَابِ: ٥] وَرِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، وَأَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُمَا لَمْ يُصَرِّحَا بِسَمَاعِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، بَلْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَّا دُونَ الْعِشْرِينَ حَدِيثًا وَسَائِرُهَا عَنِ الصِّحَابَةِ ﵃. الثَّانِي: أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَحْتَجَّ وَاحِدَةٌ مِنْهُنُّ، بَلْ وَلَا غَيْرُهُنَّ عَلَى عائشة ﵂ بِذَلِكَ، بَلْ سَلَكْنَ فِي الْحَدِيثِ بِتَخْصِيصِهِ بسالم، وَعَدَمِ إِلْحَاقِ غَيْرِهِ بِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ عائشة ﵂ نَفْسَهَا رَوَتْ هَذَا وَهَذَا، فَلَوْ كَانَ حَدِيثُ سهلة مَنْسُوخًا، لَكَانَتْ عائشة ﵂ قَدْ أَخَذَتْ بِهِ، وَتَرَكَتِ النَّاسِخَ، أَوْ خَفِيَ عَلَيْهَا تَقَدُّمُهُ مَعَ كَوْنِهَا هِيَ الرَّاوِيَةَ لَهُ، وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ، وَفِي غَايَةِ الْبُعْدِ. الرَّابِعُ: أَنَّ عائشة ﵂ ابْتُلِيَتْ بِالْمَسْأَلَةِ، وَكَانَتْ تَعْمَلُ بِهَا، وَتُنَاظِرُ عَلَيْهَا، وَتَدْعُو إِلَيْهَا صَوَاحِبَاتِهَا فَلَهَا بِهَا مَزِيدُ اعْتِنَاءٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا حُكْمًا مَنْسُوخًا قَدْ بَطَلَ كَوْنُهُ مِنَ الدِّينِ جُمْلَةً، وَيَخْفَى عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَيَخْفَى عَلَى

стр. 2410

نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا تَذْكُرُهُ لَهَا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ. [رَدُّ حَدِيثِ سَهْلَةَ بِالْخُصُوصِيَّةِ بِسَالِمٍ] الْمَسْلَكُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بسالم دُونَ مَنْ عَدَاهُ، وَهَذَا مَسْلَكُ أم سلمة وَمَنْ مَعَهَا مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ تَبِعَهُنَّ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ أَقْوَى مِمَّا قَبْلَهُ، فَإِنَّ أَصْحَابَهُ قَالُوا مِمَّا يُبَيِّنُ اخْتِصَاصَهُ بسالم أَنَّ فِيهِ: أَنَّ سهلة سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ، وَهِيَ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبْدِيَ زِينَتَهَا إِلَّا لِمَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ وَسُمِّيَ فِيهَا، وَلَا يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ مَنْ عَدَاهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ. قَالُوا: وَالْمَرْأَةُ إِذَا أَرْضَعَتْ أَجْنَبِيًّا، فَقَدْ أَبْدَتْ زِينَتَهَا لَهُ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ الْآيَةِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ إِبْدَاءَ سهلة زِينَتَهَا لسالم خَاصٌّ بِهِ. قَالُوا: وَإِذَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاحِدًا مِنَ الْأُمَّةِ بِأَمْرٍ، أَوْ أَبَاحَ لَهُ شَيْئًا أَوْ نَهَاهُ عَنْ شَيْءٍ وَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُعَارِضُهُ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى تَخْصِيصِهِ، وَأَمَّا إِذَا أَمَرَ النَّاسَ بِأَمْرٍ، أَوْ نَهَاهُمْ عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ أَمَرَ وَاحِدًا مِنَ الْأُمَّةِ بِخِلَافِ مَا أَمَرَ بِهِ النَّاسَ، أَوْ أَطْلَقَ لَهُ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ خَاصَّا بِهِ وَحْدَهُ، وَلَا نَقُولُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: إِنَّ أَمْرَهُ لِلْوَاحِدِ أَمْرٌ لِلْجَمِيعِ، وَإِبَاحَتَهُ لِلْوَاحِدِ إِبَاحَةٌ لِلْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاطِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَالنَّهْيِ الْأَوَّلِ، بَلْ نَقُولُ: إِنَّهُ خَاصٌّ بِذَلِكَ الْوَاحِدِ لِتَتَّفِقَ النُّصُوصُ وَتَأْتَلِفَ، وَلَا يُعَارِضَ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَحَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنْ تُبْدِيَ الْمَرْأَةُ زِينَتَهَا لِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لسهلة أَنْ تُبْدِيَ زِينَتَهَا لسالم وَهُوَ غَيْرُ مَحْرَمٍ عِنْدَ إِبْدَاءِ الزِّينَةِ قَطْعًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ رُخْصَةً خَاصَّةً بسالم، مُسْتَثْنَاةً مِنْ عُمُومِ التَّحْرِيمِ، وَلَا نَقُولُ: إِنَّ حُكْمَهَا عَامٌّ، فَيُبْطِلُ حُكْمَ الْآيَةِ الْمُحَرِّمَةِ. قَالُوا: وَيَتَعَيَّنُ هَذَا الْمَسْلَكُ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَسْلُكْهُ، لَزِمَنَا أَحَدُ مَسْلَكَيْنِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا إِمَّا نَسْخُ هَذَا الْحَدِيثِ بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ الصِّغَرِ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِمَّا نَسْخُهَا بِهِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالتَّارِيخِ، وَلِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُعَارَضَةِ، وَلِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا، فَإِنَّا إِذَا حَمَلْنَا حَدِيثَ سهلة عَلَى الرُّخْصَةِ الْخَاصَّةِ، وَالْأَحَادِيثَ الْأُخَرَ عَلَى عُمُومِهَا فِيمَا عَدَا سالما، لَمْ تَتَعَارَضْ، وَلَمْ يَنْسَخْ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَعُمِلَ بِجَمِيعِهَا.

стр. 2411

قَالُوا: وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ الرَّضَاعَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَوْلَيْنِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الثَّدْيِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ الْفِطَامِ، كَانَ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ سهلة عَلَى الْخُصُوصِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، فَلَا يَنْحَصِرُ بَيَانُ الْخُصُوصِ فِي قَوْلِهِ هَذَا لَكَ وَحْدَكَ حَتَّى يَتَعَيَّنَ طَرِيقًا. قَالُوا: وَأَمَّا تَفْسِيرُ حَدِيثِ «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» بِمَا ذَكَرْتُمُوهُ، فَفِي غَايَةِ الْبُعْدِ مِنَ اللَّفْظِ، وَلَا تَتَبَادَرُ إِلَيْهِ أَفْهَامُ الْمُخَاطَبِينَ، بَلِ الْقَوْلُ فِي مَعْنَاهُ مَا قَالَهُ أبو عبيد وَالنَّاسُ، قَالَ أبو عبيد: قَوْلُهُ: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» يَقُولُ: إِنَّ الَّذِي إِذَا جَاعَ كَانَ طَعَامُهُ الَّذِي يُشْبِعُهُ اللَّبَنَ، إِنَّمَا هُوَ الصَّبِيُّ الرَّضِيعُ. فَأَمَّا الَّذِي شِبَعُهُ مِنْ جُوعِهِ الطَّعَامُ، فَإِنَّ رَضَاعَهُ لَيْسَ بِرَضَاعٍ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: إِنَّمَا الرَّضَاعُ فِي الْحَوْلَيْنِ قَبْلَ الْفِطَامِ، هَذَا تَفْسِيرُ أبي عبيد وَالنَّاسِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَبَادَرُ فَهْمُهُ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَى الْأَذْهَانِ، حَتَّى لَوِ احْتَمَلَ الْحَدِيثُ التَّفْسِيرَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ، لَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى أَوْلَى بِهِ لِمُسَاعَدَةِ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَكَشْفِهَا لَهُ، وَإِيضَاحِهَا، وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ غَيْرَ هَذَا التَّفْسِيرِ خَطَأٌ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ رَضَاعَةُ الْكَبِيرِ، أَنَّ لَفْظَةَ " الْمَجَاعَةِ " إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى رَضَاعَةِ الصَّغِيرِ، فَهِيَ تُثْبِتُ رَضَاعَةَ الْمَجَاعَةِ، وَتَنْفِي غَيْرَهَا، وَمَعْلُومٌ يَقِينًا أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ مَجَاعَةَ اللَّبَنِ لَا مَجَاعَةَ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ، فَهَذَا لَا يَخْطُرُ بِبَالِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَا السَّامِعِ، فَلَوْ جَعَلْنَا حُكْمَ الرَّضَاعَةِ عَامًّا لَمْ يَبْقَ لَنَا مَا يَنْفِي وَيُثْبِتُ. وَسِيَاقُ قَوْلِهِ: لَمَّا رَأَى الرَّجُلَ الْكَبِيرَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» ، يُبَيِّنُ الْمُرَادَ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُحَرِّمُ رَضَاعَةُ مَنْ يَجُوعُ إِلَى لَبَنِ الْمَرْأَةِ، وَالسِّيَاقُ يُنَزِّلُ اللَّفْظَ مَنْزِلَةَ الصَّرِيحِ، فَتَغَيُّرُ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَكَرَاهَتُهُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ، وَقَوْلُهُ: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ» إِنَّمَا هُوَ لِلتَّحَفُّظِ فِي الرَّضَاعَةِ، وَأَنَّهَا لَا تُحَرِّمُ كُلَّ وَقْتٍ، وَإِنَّمَا تُحَرِّمُ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، وَلَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ هَذَا أَنَّمَا الرَّضَاعَةُ مَا كَانَ عَدَدُهَا خَمْسًا فَيُعَبِّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ مِنَ الْمَجَاعَةِ، وَهَذَا ضِدُّ الْبَيَانِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ﷺ . وَقَوْلُكُمْ: إِنَّ الرَّضَاعَةَ تَطْرُدُ الْجُوعَ عَنِ الْكَبِيرِ، كَمَا تَطْرُدُ الْجُوعَ عَنِ الصَّغِيرِ

стр. 2412

كَلَامٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَا يُعْهَدُ ذُو لِحْيَةٍ قَطُّ يُشْبِعُهُ رَضَاعُ الْمَرْأَةِ وَيَطْرُدُ عَنْهُ الْجُوعَ، بِخِلَافِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَا يَقُومُ مَقَامَ اللَّبَنِ، فَهُوَ يَطْرُدُ عَنْهُ الْجُوعَ، فَالْكَبِيرُ لَيْسَ ذَا مَجَاعَةٍ إِلَى اللَّبَنِ أَصْلًا، وَالَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْمَجَاعَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَظِنَّتَهَا وَزَمَنَهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ الصِّغَرُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الظَّاهِرِيَّةَ، وَأَنَّهُ أَرَادَ حَقِيقَتَهَا، لَزِمَكُمْ أَنْ لَا يُحَرِّمَ رَضَاعُ الْكَبِيرِ إِلَّا إِذَا ارْتَضَعَ وَهُوَ جَائِعٌ، فَلَوِ ارْتَضَعَ وَهُوَ شَبْعَانُ لَمْ يُؤَثِّرْ شَيْئًا. وَأَمَّا حَدِيثُ السِّتْرِ الْمَصُونِ، وَالْحُرْمَةِ الْعَظِيمَةِ، وَالْحِمَى الْمَنِيعِ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا وَإِنْ رَأَتْ أَنَّ هَذَا الرَّضَاعَ يُثْبِتُ الْمَحْرَمِيَّةَ، فَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يُخَالِفْنَهَا فِي ذَلِكَ، وَلَا يَرَيْنَ دُخُولَ هَذَا السِّتْرِ الْمَصُونِ، وَالْحِمَى الرَّفِيعِ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ، فَهِيَ مَسْأَلَةُ اجْتِهَادٍ، وَأَحَدُ الْحِزْبَيْنِ مَأْجُورٌ أَجْرًا وَاحِدًا، وَالْآخَرُ مَأْجُورٌ أَجْرَيْنِ، وَأَسْعَدُهُمَا بِالْأَجْرَيْنِ مَنْ أَصَابَ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، فَكُلٌّ مِنَ الْمُدْخِلِ لِلسِّتْرِ الْمَصُونِ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ، وَالْمَانِعِ مِنَ الدُّخُولِ فَائِزٌ بِالْأَجْرِ، مُجْتَهِدٌ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَتَنْفِيذِ حُكْمِهِ، وَلَهُمَا أُسْوَةٌ بِالنَّبِيَّيْنِ الْكَرِيمَيْنِ - دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ اللَّذَيْنِ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمَا بِالْحِكْمَةِ وَالْحُكْمِ، وَخَصَّ بِفَهْمِ الْحُكُومَةِ أَحَدَهُمَا. [فصل تَقْوِيَةُ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ] فَصْلٌ وَأَمَّا رَدُّكُمْ لِحَدِيثِ أم سلمة، فَتَعَسُّفٌ بَارِدٌ، فَلَا يَلْزَمُ انْقِطَاعُ الْحَدِيثِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ فاطمة بنت المنذر لَقِيَتْ أم سلمة صَغِيرَةً، فَقَدْ يَعْقِلُ الصَّغِيرُ جِدًّا أَشْيَاءَ، وَيَحْفَظُهَا، وَقَدْ عَقَلَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْمَجَّةَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَيَعْقِلُ أَصْغَرُ مِنْهُ. وَقَدْ قُلْتُمْ: إِنَّ فاطمة كَانَتْ وَقْتَ وَفَاةِ أم سلمة بِنْتَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَهَذَا سِنٌّ جَيِّدٌ، لَا سِيَّمَا لِلْمَرْأَةِ، فَإِنَّهَا تَصْلُحُ فِيهِ لِلزَّوْجِ، فَمَنْ هِيَ فِي حَدِّ الزَّوَاجِ، كَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهَا لَا تَعْقِلُ مَا تَسْمَعُ، وَلَا تَدْرِي مَا تُحَدِّثُ بِهِ؟ هَذَا هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي

стр. 2413

لَا تَرِدُ بِهِ السُّنَنُ، مَعَ أَنَّ أم سلمة كَانَتْ مُصَادِقَةً لِجَدَّتِهَا أسماء، وَكَانَتْ دَارُهُمَا وَاحِدَةً، فَنَشَأَتْ فاطمة هَذِهِ فِي حِجْرِ جَدَّتِهَا أسماء مَعَ خَالَةِ أَبِيهَا عائشة ﵂ وأم سلمة، وَمَاتَتْ عائشة ﵂ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَقَدْ يُمْكِنُ سَمَاعُ فاطمة مِنْهَا، وَأَمَّا جَدَّتُهَا أسماء، فَمَاتَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وفاطمة إِذْ ذَاكَ بِنْتُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَلِذَلِكَ كَثُرَ سَمَاعُهَا مِنْهَا، وَقَدْ أَفْتَتْ أم سلمة بِمِثْلِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَتْهُ أسماء. فَقَالَ أبو عبيد: حَدَّثَنَا أبو معاوية، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عَنْ أم سلمة، أَنَّهَا سُئِلَتْ مَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ فِي الثَّدْيِ قَبْلَ الْفِطَامِ. فَرَوَتِ الْحَدِيثَ، وَأَفْتَتْ بِمُوجَبِهِ. وَأَفْتَى بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ سفيان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عمر يَقُولُ: لَا رَضَاعَ إِلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ فِي الصِّغَرِ. وَأَفْتَى بِهِ ابْنُهُ عبد الله ﵁، فَقَالَ مالك ﵀، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا رَضَاعَةَ إِلَّا لِمَنْ أَرْضَعَ فِي الصِّغَرِ، وَلَا رَضَاعَةَ لِكَبِيرٍ. وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ أبو عبيد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عكرمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ.

стр. 2414

[رُجُوعُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ إِلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ إِلَّا بِرَضَاعِ الصَّغِيرِ] وَتَنَاظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبو موسى، فَأَفْتَى ابْنُ مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ إِلَّا فِي الصِّغَرِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أبو موسى، فَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لأبي موسى: أَنْتَ تُفْتِي بِكَذَا وَكَذَا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ» وَقَدْ رَوَى أبو داود: حَدَّثَنَا محمد بن سليمان الأنباري، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أبي موسى الهلالي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ» . ثُمَّ أَفْتَى بِذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ عبد الرزاق عَنِ الثَّوْرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أبي حصين، عَنْ أبي عطية الوادعي، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أبي موسى، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَرِمَ ثَدْيُهَا فَمَصَصْتُهُ، فَدَخَلَ حَلْقِي شَيْءٌ سَبَقَنِي، فَشَدَّدَ عَلَيْهِ أبو موسى، فَأَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: سَأَلْتَ أَحَدًا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ أبا موسى، فَشَدَّدَ عَلَيَّ، فَأَتَى أبا موسى، فَقَالَ: أَرَضِيعٌ هَذَا؟ فَقَالَ أبو موسى: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ. فَهَذِهِ رِوَايَتُهُ وَفَتْوَاهُ. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ جويبر، عَنِ الضحاك، عَنِ النزال بن سبرة، عَنْ علي: لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ. وَهَذَا خِلَافُ رِوَايَةِ عبد الكريم، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ. لَكِنْ جويبر لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وعبد الكريم أَقْوَى مِنْهُ.

стр. 2415

[فصل رَدُّ حَدِيثِ سَهْلَةَ بِأَنَّهُ رُخْصَةٌ لِلْحَاجَةِ لِمَنْ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ دُخُولِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ] فَصْلٌ الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: أَنَّ حَدِيثَ سهلة لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ، وَلَا مَخْصُوصٍ، وَلَا عَامٍّ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ لِلْحَاجَةِ لِمَنْ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ دُخُولِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَيَشُقُّ احْتِجَابُهَا عَنْهُ، كَحَالِ سالم مَعَ امْرَأَةِ أبي حذيفة، فَمِثْلُ هَذَا الْكَبِيرِ إِذَا أَرْضَعَتْهُ لِلْحَاجَةِ أَثَّرَ رَضَاعُهُ، وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُ، فَلَا يُؤَثِّرُ إِلَّا رَضَاعُ الصَّغِيرِ، وَهَذَا مَسْلَكُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْأَحَادِيثُ النَّافِيَةُ لِلرَّضَاعِ فِي الْكَبِيرِ إِمَّا مُطْلَقَةٌ، فَتُقَيَّدُ بِحَدِيثِ سهلة، أَوْ عَامَّةٌ فِي الْأَحْوَالِ فَتَخْصِيصُ هَذِهِ الْحَالِ مِنْ عُمُومِهَا، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ وَدَعْوَى التَّخْصِيصِ بِشَخْصِ بِعَيْنِهِ، وَأَقْرَبُ إِلَى الْعَمَلِ بِجَمِيعِ الْأَحَادِيثِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ تَشْهَدُ لَهُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. [ذِكْرُ حُكْمِهِ ﷺ فِي الْعِدَدِ] [عِدَّةُ الْحَامِلِ] ذِكْرُ حُكْمِهِ ﷺ فِي الْعِدَدِ هَذَا الْبَابُ قَدْ تَوَلَّى اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - بَيَانَهُ فِي كِتَابِهِ أَتَمَّ بَيَانٍ، وَأَوْضَحَهُ، وَأَجْمَعَهُ بِحَيْثُ لَا تَشِذُّ عَنْهُ مُعْتَدَّةٌ، فَذَكَرَ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعِدَدِ، وَهِيَ جُمْلَةُ أَنْوَاعِهَا. النَّوْعُ الْأَوَّلُ: عِدَّةُ الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ مُطْلَقًا بَائِنَةً كَانَتْ أَوْ رَجْعِيَّةً، مُفَارِقَةً فِي الْحَيَاةِ، أَوْ مُتَوَفًّى عَنْهَا، فَقَالَ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] وَهَذَا فِيهِ عُمُومٌ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ. أَحَدُهَا: عُمُومُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَهُوَ أُولَاتُ الْأَحْمَالِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَهُنَّ. الثَّانِي: عُمُومُ الْأَجَلِ، فَإِنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِنَّ، وَإِضَافَةُ اسْمِ الْجَمْعِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ يَعُمُّ، فَجَعَلَ وَضْعَ الْحَمْلِ جَمِيعَ أَجَلِهِنَّ، فَلَوْ كَانَ لِبَعْضِهِنَّ أَجَلٌ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ جَمِيعَ أَجَلِهِنَّ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ مَعْرِفَتَانِ، أَمَّا الْمُبْتَدَأُ: فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْخَبَرُ - وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] ، فَفِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مُضَافٍ،

стр. 2416

أَيْ أَجَلُهُنَّ وَضْعُ حَمْلِهِنَّ، وَالْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ إِذَا كَانَا مَعْرِفَتَيْنِ، اقْتَضَى ذَلِكَ حَصْرَ الثَّانِي فِي الْأَوَّلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] [فَاطِرٍ: ١٥] . وَبِهَذَا احْتَجَّ جُمْهُورُ الصِّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عِدَّتُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا، وَلَوْ وَضَعَتْهُ وَالزَّوْجُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِسُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا الْحَكَمُ وَالْفَتْوَى مِنْهُ مُشْتَقًّا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مُطَابِقًا لَهُ. [عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَحِيضُ] فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي: عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَحِيضُ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . [الْبَقَرَةِ: ٢٢٨] . [عِدَّةُ الَّتِي لَا حَيْضَ لَهَا] النَّوْعُ الثَّالِثُ: عِدَّةُ الَّتِي لَا حَيْضَ لَهَا، وَهِيَ نَوْعَانِ: صَغِيرَةٌ لَا تَحِيضُ، وَكَبِيرَةٌ قَدْ يَئِسَتْ مِنَ الْحَيْضِ. فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِدَّةَ النَّوْعَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] أَيْ: فَعِدَّتُهُنَّ كَذَلِكَ. [عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا] النَّوْعُ الرَّابِعُ: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَبَيَّنَ عِدَّتَهَا - سُبْحَانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] ، فَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْمَدْخُولَ بِهَا وَغَيْرَهَا، وَالصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ، وَلَا تَدْخُلُ فِيهِ الْحَامِلُ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فَجَعَلَ وَضْعَ حَمْلِهِنَّ جَمِيعَ أَجَلِهِنَّ، وَحَصَرَهُ فِيهِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ: يَتَرَبَّصْنَ فَإِنَّهُ فِعْلٌ مُطْلَقٌ لَا عُمُومَ لَهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ:

стр. 2417

﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] مُتَأَخِّرٌ فِي النُّزُولِ عَنْ قَوْلِهِ: (يَتَرَبَّصْنَ) وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] فِي غَيْرِ الْحَامِلِ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّهَا لَوْ تَمَادَى حَمْلُهَا فَوْقَ ذَلِكَ تَرَبَّصَتْهُ، فَعُمُومُهَا مَخْصُوصٌ اتِّفَاقًا، وَقَوْلُهُ: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالِاتِّفَاقِ، هَذَا لَوْ لَمْ تَأْتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِذَلِكَ، وَوَقَعَتِ الْحَوَالَةُ عَلَى الْقُرْآنِ، فَكَيْفَ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ مُوَافِقَةٌ لِذَلِكَ، مُقَرِّرَةٌ لَهُ. فَهَذِهِ أَصُولُ الْعِدَدِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مُفَصَّلَةً مُبَيَّنَةً، وَلَكِنِ اخْتُلِفَ فِي فَهْمِ الْمُرَادِ مِنَ الْقُرْآنِ وَدَلَالَتِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ مِنْهَا، وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا وَنَذْكُرُ أَوْلَى الْمَعَانِي وَأَشْبَهَهَا بِهَا، وَدَلَالَةَ السُّنَّةِ عَلَيْهَا. فَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُ السَّلَفِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا، فَقَالَ علي، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصِّحَابَةِ: أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ مِنْ وَضْعِ الْحَمْلِ، أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مالك ﵀ اخْتَارَهُ سَحْنُونٌ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أبي طالب عَنْهُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولَانِ فِي الْمُعْتَدَّةِ الْحَامِلِ: أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدُ، وَحَدِيثُ سبيعة يَقْضِي بَيْنَهُمْ " إِذَا وَضَعَتْ،

стр. 2418

فَقَدْ حَلَّتْ ". وَابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] هِيَ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَالْمُطَلَّقَةُ مِثْلُهَا إِذَا وَضَعَتْ، فَقَدْ حَلَّتْ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَلَا تَنْقَضِي عِدَّةُ الْحَامِلِ إِذَا أَسْقَطَتْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خَلْقُهُ، فَإِذَا بَانَ لَهُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ، عَتَقَتْ بِهِ الْأَمَةُ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا وَفِي بَطْنِهَا آخَرُ، لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ حَتَّى تَلِدَ الْآخَرَ، وَلَا تَغِيبُ عَنْ مَنْزِلِهَا الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَالْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِ يَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُ، هَذَا كَلَامُ أَحْمَدَ. وَقَدْ تَنَاظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵄، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عِدَّتُهَا وَضْعُ الْحَمْلِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْتَدُّ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، فَحَكَّمَا أم سلمة ﵂، فَحَكَمَتْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، وَاحْتَجَّتْ بِحَدِيثِ سبيعة. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجَعَ. وَقَالَ جُمْهُورُ الصِّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ: إِنَّ عِدَّتَهَا وَضْعُ الْحَمْلِ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَلَى مُغْتَسَلِهِ فَوَضَعَتْ، حَلَّتْ. قَالَ أَصْحَابُ الْأَجَلَيْنِ: هَذِهِ قَدْ تَنَاوَلَهَا عُمُومَانِ، وَقَدْ أَمْكَنَ دُخُولُهَا فِي كِلَيْهِمَا، فَلَا تَخْرُجُ مِنْ عِدَّتِهَا بِيَقِينِ حَتَّى تَأْتِيَ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، قَالُوا: وَلَا يُمْكِنُ تَخْصِيصُ عُمُومِ إِحْدَاهُمَا بِخُصُوصِ الْأُخْرَى، لِأَنَّ كُلَّ آيَةٍ عَامَّةٌ مِنْ وَجْهٍ، خَاصَّةٌ مِنْ وَجْهٍ، قَالُوا: فَإِذَا أَمْكَنَ دُخُولُ بَعْضِ الصُّوَرِ فِي عُمُومِ الْآيَتَيْنِ، يَعْنِي إِعْمَالًا لِلْعُمُومِ فِي مُقْتَضَاهُ. فَإِذَا اعْتَدَّتْ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ دَخَلَ أَدْنَاهُمَا فِي أَقْصَاهُمَا.

стр. 2419

وَالْجُمْهُورُ أَجَابُوا عَنْ هَذَا بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ صَرِيحَ السُّنَّةِ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْحَمْلِ فَقَطْ، كَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «أَنَّ سبيعة الأسلمية تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَنْكِحَ، فَقَالَ لَهَا أبو السنابل: مَا أَنْتِ بِنَاكِحَةٍ حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الْأَجَلَيْنِ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: " كَذَبَ أبو السنابل، قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ» ". الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] وَهَذَا جَوَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، كَمَا فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْهُ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ، وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ، أَشْهَدُ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] . وَهَذَا الْجَوَابُ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ آيَةَ الطَّلَاقِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى آيَةِ الْبَقَرَةِ لِتَأَخُّرِهَا عَنْهَا، فَكَانَتْ نَاسِخَةً لَهَا، وَلَكِنَّ النَّسْخَ عِنْدَ الصِّحَابَةِ وَالسَّلَفِ أَعَمُّ مِنْهُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ. أَحَدُهَا: رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِخِطَابٍ. الثَّانِي: رَفْعُ دَلَالَةِ الظَّاهِرِ إِمَّا بِتَخْصِيصِ، وَإِمَّا بِتَقْيِيدٍ، وَهُوَ أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ. الثَّالِثُ: بَيَانُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ الَّذِي بَيَانُهُ مِنْ خَارِجٍ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ

стр. 2420

الْأَوَّلَيْنِ، فَابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَشَارَ بِتَأَخُّرِ نُزُولِ سُورَةِ الطَّلَاقِ، إِلَّا أَنَّ آيَةَ الِاعْتِدَادِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ الْبَقَرَةِ إِنْ كَانَ عُمُومُهَا مُرَادًا، أَوْ مُخَصِّصَةٌ لَهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عُمُومُهَا مُرَادًا، أَوْ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ مِنْهَا، أَوْ مُقَيِّدَةٌ لِإِطْلَاقِهَا، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ فِقْهِهِ ﵁، وَرُسُوخِهِ فِي الْعِلْمِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ سَجِيَّةٌ لِلْقَوْمِ، وَطَبِيعَةٌ لَا يَتَكَلَّفُونَهَا، كَمَا أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ وَالْمَعَانِيَ وَالْبَيَانَ وَتَوَابِعَهَا لَهُمْ كَذَلِكَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ فَإِنَّمَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ لِيَتَعَلَّقَ بِغُبَارِهِمْ وَأَنَّى لَهُ؟ ! الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَأْتِ السُّنَّةُ الصَّرِيحَةُ بِاعْتِبَارِ الْحَمْلِ، وَلَمْ تَكُنْ آيَةُ الطَّلَاقِ مُتَأَخِّرَةً، لَكَانَ تَقْدِيمُهَا هُوَ الْوَاجِبَ لِمَا قَرَّرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ جِهَاتِ الْعُمُومِ الثَّلَاثَةِ فِيهَا، وَإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] ، وَقَدْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ عَلَى هَذَا الْفَهْمِ مُمْكِنَةً، وَلَكِنْ لِغُمُوضِهِ وَدِقَّتِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، أُحِيلَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى بَيَانِ السُّنَّةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [لا تنقضي العدة حتى تضع جميع الحمل] وَدَلَّ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا بِتَوْأَمَيْنِ لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ حَتَّى تَضَعَهُمَا جَمِيعًا، وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ، فَعِدَّتُهَا وَضْعُ الْحَمْلِ أَيْضًا، وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِوَضْعِهِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، تَامَّ الْخِلْقَةِ أَوْ نَاقِصَهَا، نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ أَوْ لَمْ يُنْفَخْ. وَدَلَّ قَوْلُهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَحِضْ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ مالك: إِذَا كَانَ عَادَتُهَا أَنْ تَحِيضَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَتَهَا، فَتَبْرَأَ مِنْ عِدَّتِهَا. فَإِنْ لَمْ تَحِضِ، انْتَظَرَتْ تَمَامَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ وَفَاتِهِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، أَنَّهُ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَنْتَظِرُ حَيْضَهَا. [فصل مَنْ قَالَ إِنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْحِيَضُ] فَصْلٌ وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَقْرَاءِ، هَلْ هِيَ الْحِيَضُ أَوِ الْأَطْهَارُ؟ فَقَالَ أَكَابِرُ
следующие страницы →