Полный текст (2 628 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
أَيْ أَجَلُهُنَّ وَضْعُ حَمْلِهِنَّ، وَالْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ إِذَا كَانَا مَعْرِفَتَيْنِ، اقْتَضَى ذَلِكَ حَصْرَ الثَّانِي فِي الْأَوَّلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] [فَاطِرٍ: ١٥] .
وَبِهَذَا احْتَجَّ جُمْهُورُ الصِّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عِدَّتُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا، وَلَوْ وَضَعَتْهُ وَالزَّوْجُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِسُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا الْحَكَمُ وَالْفَتْوَى مِنْهُ مُشْتَقًّا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مُطَابِقًا لَهُ.
[عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَحِيضُ]
فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي: عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي تَحِيضُ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . [الْبَقَرَةِ: ٢٢٨] .
[عِدَّةُ الَّتِي لَا حَيْضَ لَهَا]
النَّوْعُ الثَّالِثُ: عِدَّةُ الَّتِي لَا حَيْضَ لَهَا، وَهِيَ نَوْعَانِ: صَغِيرَةٌ لَا تَحِيضُ، وَكَبِيرَةٌ قَدْ يَئِسَتْ مِنَ الْحَيْضِ. فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِدَّةَ النَّوْعَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] أَيْ: فَعِدَّتُهُنَّ كَذَلِكَ.
[عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا]
النَّوْعُ الرَّابِعُ: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَبَيَّنَ عِدَّتَهَا - سُبْحَانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] ، فَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْمَدْخُولَ بِهَا وَغَيْرَهَا، وَالصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ، وَلَا تَدْخُلُ فِيهِ الْحَامِلُ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فَجَعَلَ وَضْعَ حَمْلِهِنَّ جَمِيعَ أَجَلِهِنَّ، وَحَصَرَهُ فِيهِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ: يَتَرَبَّصْنَ فَإِنَّهُ فِعْلٌ مُطْلَقٌ لَا عُمُومَ لَهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ:
стр. 2417
﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] مُتَأَخِّرٌ فِي النُّزُولِ عَنْ قَوْلِهِ: (يَتَرَبَّصْنَ) وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] فِي غَيْرِ الْحَامِلِ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّهَا لَوْ تَمَادَى حَمْلُهَا فَوْقَ ذَلِكَ تَرَبَّصَتْهُ، فَعُمُومُهَا مَخْصُوصٌ اتِّفَاقًا، وَقَوْلُهُ: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالِاتِّفَاقِ، هَذَا لَوْ لَمْ تَأْتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِذَلِكَ، وَوَقَعَتِ الْحَوَالَةُ عَلَى الْقُرْآنِ، فَكَيْفَ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ مُوَافِقَةٌ لِذَلِكَ، مُقَرِّرَةٌ لَهُ.
فَهَذِهِ أَصُولُ الْعِدَدِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مُفَصَّلَةً مُبَيَّنَةً، وَلَكِنِ اخْتُلِفَ فِي فَهْمِ الْمُرَادِ مِنَ الْقُرْآنِ وَدَلَالَتِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ مِنْهَا، وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا وَنَذْكُرُ أَوْلَى الْمَعَانِي وَأَشْبَهَهَا بِهَا، وَدَلَالَةَ السُّنَّةِ عَلَيْهَا.
فَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُ السَّلَفِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا، فَقَالَ علي، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصِّحَابَةِ: أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ مِنْ وَضْعِ الْحَمْلِ، أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مالك ﵀ اخْتَارَهُ سَحْنُونٌ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أبي طالب عَنْهُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولَانِ فِي الْمُعْتَدَّةِ الْحَامِلِ: أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدُ، وَحَدِيثُ سبيعة يَقْضِي بَيْنَهُمْ " إِذَا وَضَعَتْ،
стр. 2418
فَقَدْ حَلَّتْ ".
وَابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] هِيَ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَالْمُطَلَّقَةُ مِثْلُهَا إِذَا وَضَعَتْ، فَقَدْ حَلَّتْ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَلَا تَنْقَضِي عِدَّةُ الْحَامِلِ إِذَا أَسْقَطَتْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خَلْقُهُ، فَإِذَا بَانَ لَهُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ، عَتَقَتْ بِهِ الْأَمَةُ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا وَفِي بَطْنِهَا آخَرُ، لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ حَتَّى تَلِدَ الْآخَرَ، وَلَا تَغِيبُ عَنْ مَنْزِلِهَا الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَالْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِ يَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُ، هَذَا كَلَامُ أَحْمَدَ.
وَقَدْ تَنَاظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵄، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عِدَّتُهَا وَضْعُ الْحَمْلِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْتَدُّ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، فَحَكَّمَا أم سلمة ﵂، فَحَكَمَتْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، وَاحْتَجَّتْ بِحَدِيثِ سبيعة.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجَعَ.
وَقَالَ جُمْهُورُ الصِّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ: إِنَّ عِدَّتَهَا وَضْعُ الْحَمْلِ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَلَى مُغْتَسَلِهِ فَوَضَعَتْ، حَلَّتْ.
قَالَ أَصْحَابُ الْأَجَلَيْنِ: هَذِهِ قَدْ تَنَاوَلَهَا عُمُومَانِ، وَقَدْ أَمْكَنَ دُخُولُهَا فِي كِلَيْهِمَا، فَلَا تَخْرُجُ مِنْ عِدَّتِهَا بِيَقِينِ حَتَّى تَأْتِيَ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، قَالُوا: وَلَا يُمْكِنُ تَخْصِيصُ عُمُومِ إِحْدَاهُمَا بِخُصُوصِ الْأُخْرَى، لِأَنَّ كُلَّ آيَةٍ عَامَّةٌ مِنْ وَجْهٍ، خَاصَّةٌ مِنْ وَجْهٍ، قَالُوا: فَإِذَا أَمْكَنَ دُخُولُ بَعْضِ الصُّوَرِ فِي عُمُومِ الْآيَتَيْنِ، يَعْنِي إِعْمَالًا لِلْعُمُومِ فِي مُقْتَضَاهُ.
فَإِذَا اعْتَدَّتْ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ دَخَلَ أَدْنَاهُمَا فِي أَقْصَاهُمَا.
стр. 2419
وَالْجُمْهُورُ أَجَابُوا عَنْ هَذَا بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ صَرِيحَ السُّنَّةِ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْحَمْلِ فَقَطْ، كَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «أَنَّ سبيعة الأسلمية تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَنْكِحَ، فَقَالَ لَهَا أبو السنابل: مَا أَنْتِ بِنَاكِحَةٍ حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الْأَجَلَيْنِ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: " كَذَبَ أبو السنابل، قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ» ".
الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] وَهَذَا جَوَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، كَمَا فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْهُ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ، وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ، أَشْهَدُ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] .
وَهَذَا الْجَوَابُ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ آيَةَ الطَّلَاقِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى آيَةِ الْبَقَرَةِ لِتَأَخُّرِهَا عَنْهَا، فَكَانَتْ نَاسِخَةً لَهَا، وَلَكِنَّ النَّسْخَ عِنْدَ الصِّحَابَةِ وَالسَّلَفِ أَعَمُّ مِنْهُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ.
أَحَدُهَا: رَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِخِطَابٍ.
الثَّانِي: رَفْعُ دَلَالَةِ الظَّاهِرِ إِمَّا بِتَخْصِيصِ، وَإِمَّا بِتَقْيِيدٍ، وَهُوَ أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ.
الثَّالِثُ: بَيَانُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ الَّذِي بَيَانُهُ مِنْ خَارِجٍ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ
стр. 2420
الْأَوَّلَيْنِ، فَابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَشَارَ بِتَأَخُّرِ نُزُولِ سُورَةِ الطَّلَاقِ، إِلَّا أَنَّ آيَةَ الِاعْتِدَادِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ الْبَقَرَةِ إِنْ كَانَ عُمُومُهَا مُرَادًا، أَوْ مُخَصِّصَةٌ لَهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عُمُومُهَا مُرَادًا، أَوْ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ مِنْهَا، أَوْ مُقَيِّدَةٌ لِإِطْلَاقِهَا، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ فِقْهِهِ ﵁، وَرُسُوخِهِ فِي الْعِلْمِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ سَجِيَّةٌ لِلْقَوْمِ، وَطَبِيعَةٌ لَا يَتَكَلَّفُونَهَا، كَمَا أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ وَالْمَعَانِيَ وَالْبَيَانَ وَتَوَابِعَهَا لَهُمْ كَذَلِكَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ فَإِنَّمَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ لِيَتَعَلَّقَ بِغُبَارِهِمْ وَأَنَّى لَهُ؟ !
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَأْتِ السُّنَّةُ الصَّرِيحَةُ بِاعْتِبَارِ الْحَمْلِ، وَلَمْ تَكُنْ آيَةُ الطَّلَاقِ مُتَأَخِّرَةً، لَكَانَ تَقْدِيمُهَا هُوَ الْوَاجِبَ لِمَا قَرَّرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ جِهَاتِ الْعُمُومِ الثَّلَاثَةِ فِيهَا، وَإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] ، وَقَدْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ عَلَى هَذَا الْفَهْمِ مُمْكِنَةً، وَلَكِنْ لِغُمُوضِهِ وَدِقَّتِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، أُحِيلَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى بَيَانِ السُّنَّةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[لا تنقضي العدة حتى تضع جميع الحمل]
وَدَلَّ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا بِتَوْأَمَيْنِ لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ حَتَّى تَضَعَهُمَا جَمِيعًا، وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ، فَعِدَّتُهَا وَضْعُ الْحَمْلِ أَيْضًا، وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِوَضْعِهِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، تَامَّ الْخِلْقَةِ أَوْ نَاقِصَهَا، نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ أَوْ لَمْ يُنْفَخْ.
وَدَلَّ قَوْلُهُ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَحِضْ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ مالك: إِذَا كَانَ عَادَتُهَا أَنْ تَحِيضَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَتَهَا، فَتَبْرَأَ مِنْ عِدَّتِهَا. فَإِنْ لَمْ تَحِضِ، انْتَظَرَتْ تَمَامَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ وَفَاتِهِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، أَنَّهُ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَنْتَظِرُ حَيْضَهَا.
[فصل مَنْ قَالَ إِنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْحِيَضُ]
فَصْلٌ وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَقْرَاءِ، هَلْ هِيَ الْحِيَضُ أَوِ الْأَطْهَارُ؟ فَقَالَ أَكَابِرُ
стр. 2421
الصِّحَابَةِ: إِنَّهَا الْحِيَضُ، هَذَا قَوْلُ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وأبي موسى، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵃، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، كُلِّهِمْ كعلقمة، والأسود، وإبراهيم، وشريح، وَقَوْلُ الشَّعْبِيِّ، والحسن، وقتادة، وَقَوْلُ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: كإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبيد القاسم، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، فَإِنَّهُ رَجَعَ إِلَى الْقَوْلِ بَهْ، وَاسْتَقَرَّ مَذْهَبُهُ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ مَذْهَبٌ سِوَاهُ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّهَا الْأَطْهَارُ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: رَأَيْتُ الْأَحَادِيثَ عَمَّنْ قَالَ: الْقُرُوءُ الْحِيَضُ، تَخْتَلِفُ.
وَالْأَحَادِيثُ عَمَّنْ قَالَ: إِنَّهُ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تَدْخُلَ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ قَوِيَّةٌ، وَهَذَا النَّصُّ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي ظَفِرَ بِهِ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فَقَالَ: رَجَعَ أحمد إِلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ: الْأَطْهَارُ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ: بَلْ كَانَ يَقُولُ هَذَا أَوَّلًا، ثُمَّ تَوَقَّفَ فِيهِ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ الأثرم أَيْضًا: قَدْ كُنْتُ أَقُولُ الْأَطْهَارُ، ثُمَّ وَقَفْتُ كَقَوْلِ الْأَكَابِرِ، ثُمَّ جَزَمَ أَنَّهَا الْحِيَضُ، وَصَرَّحَ بِالرُّجُوعِ عَنِ الْأَطْهَارِ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابن هانئ. كُنْتُ أَقُولُ: إِنَّهَا الْأَطْهَارُ، وَأَنَا الْيَوْمَ أَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحِيَضُ، قَالَ الْقَاضِي أبو يعلى: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أحمد ﵀، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُنَا، وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ بِالْأَطْهَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّ رُجُوعِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابن هانئ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الرَّأْيِ؛ كأبي حنيفة وَأَصْحَابِهِ.
[مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ]
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْأَقْرَاءُ: الْأَطْهَارُ، وَهَذَا قَوْلُ عائشة أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
وَيُرْوَى عَنِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَالزُّهْرِيِّ، وَعَامَّةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَبِهِ قَالَ مالك، وَالشَّافِعِيُّ، وأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَمَتَى طَلَّقَهَا فِي أَثْنَاءِ طُهْرٍ، فَهَلْ تَحْتَسِبُ بِبَقِيَّتِهِ قَرْءًا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
стр. 2422
أَحَدُهَا: تَحْتَسِبُ بِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَالثَّانِي: لَا تَحْتَسِبُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ. كَمَا لَا تَحْتَسِبُ بِبَقِيَّةِ الْحَيْضَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: الْقُرْءُ: الْحَيْضُ اتِّفَاقًا.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ قَدْ جَامَعَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، لَمْ تَحْتَسِبْ بِبَقِيَّتِهِ، وَإِلَّا احْتَسَبَتْ، وَهَذَا قَوْلُ أبي عبيد. فَإِذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ عَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا. وَعَلَى قَوْلِ الْأَوَّلِ، لَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَيْضَةُ الثَّالِثَةُ.
[هَلْ يَقِفُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ عَلَى اغْتِسَالِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ حَيْضَتِهَا الثَّالِثَةِ]
وَهَلْ يَقِفُ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا عَلَى اغْتِسَالِهَا مِنْهَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. أَحَدُهَا: لَا تَنْقُضِي عِدَّتُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَكَابِرِ الصِّحَابَةِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: وعمر، وعلي، وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُونَ: لَهُ رَجْعَتُهَا قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، انْتَهَى.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وأبي موسى، وعبادة، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵃، كَمَا فِي مُصَنَّفِ وَكِيعٍ، عَنْ عيسى الخياط، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ الْخُيَّرِ فَالْخُيَّرِ، مِنْهُمْ: أبو بكر، وعمر، وَابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ.
وَفِي " مُصَنَّفِهِ " أَيْضًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مكحول، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ مِثْلُهُ.
وَفِي " مُصَنَّفِ عبد الرزاق ": عَنْ معمر، عَنْ زيد بن رفيع، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَرْسَلَ عثمان إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَرَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنْ حَيْضَتِهَا الثَّالِثَةِ، وَتَحِلُّ لَهَا الصَّلَاةُ، قَالَ: فَمَا أَعْلَمُ عثمان إِلَّا أَخَذَ بِذَلِكَ.
стр. 2423
وَفِي " مُصَنَّفِهِ " أَيْضًا: عَنْ عمر بن راشد، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ قَالَ: لَا تَبِينُ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَتَحِلُّ لَهَا الصَّلَاةُ.
فَهَؤُلَاءِ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنَ الصِّحَابَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ. قَالَ شريك: لَهُ الرَّجْعَةُ وَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الْغُسْلِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ طُهْرِهَا مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَا تَقِفُ عَلَى الْغُسْلِ، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ حَيْثُ كَانَ يَقُولُ: الْأَقْرَاءُ: الْحِيَضُ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا أبو الخطاب.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا فِي عِدَّتِهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَلِزَوْجِهَا رَجْعَتُهَا حَتَّى يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا، وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ أحمد: حَكَاهَا أبو بكر عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة ﵀، لَكِنْ إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ، وَإِنِ انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَكْثَرِهِ، انْقَضَتِ الْعِدَّةُ عَنْهَا بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِهِ.
[هَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الطُّهْرِ مَسْبُوقًا بِدَمٍ قَبْلَهُ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْأَطْهَارِ]
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهَا الْأَطْهَارُ، اخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الطُّهْرِ مَسْبُوقًا بِدَمٍ قَبْلَهُ، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لَهُمْ، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وأحمد. أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ بَعْدَهُ حَيْضٌ، فَكَانَ قُرْءًا، كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَهُ حَيْضٌ. وَالثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ إِلَّا إِذَا رَأَتِ الدَّمَ.
[هَلْ تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِالطَّعْنِ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْأَطْهَارِ]
الْمَوْضِعُ الثَّانِي: هَلْ تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِالطَّعْنِ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ لَا تَنْقَضِي
стр. 2424
حَتَّى تَحِيضَ يَوْمًا وَلَيْلَةً؟ عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أحمد، وَهُمَا قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ لِلشَّافِعِيِّ، وَلِأَصْحَابِهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: إِنْ حَاضَتْ لِلْعَادَةِ، انْقَضَتِ الْعِدَّةُ بِالطَّعْنِ فِي الْحَيْضَةِ. وَإِنْ حَاضَتْ لِغَيْرِ الْعَادَةِ، بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا تَرَى الدَّمَ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ، فَرَأَتْهُ فِي أَوَّلِهِ، لَمْ تَنْقَضِ حَتَّى يَمْضِيَ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَكُونُ هَذَا الدَّمُ مَحْسُوبًا مِنَ الْعِدَّةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، تَظْهَرُ فَائِدَتُهُمَا فِي رَجْعَتِهَا فِي وَقْتِهِ، فَهَذَا تَقْرِيرُ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِي الْأَقْرَاءِ.
[حُجَّةُ مَنْ فَسَّرَ الْأَقْرَاءَ بِالْحِيَضِ]
[الدليل الأول لمن حمل القرء على الحيض]
[الْوَجْهُ الْأَوَّلُ الدَّالُّ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ حَمْلِ الْقُرْءِ فِي الْآيَةِ عَلَى الْحَيْضِ]
قَالَ مَنْ نَصَّ: أَنَّهَا الْحِيَضُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وُجُوهٌ.
أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [الْبَقَرَةِ: ٢٢٨] إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْأَطْهَارُ فَقَطْ، أَوِ الْحِيَضُ فَقَطْ، أَوْ مَجْمُوعُهُمَا.
وَالثَّالِثُ: مُحَالٌ إِجْمَاعًا، حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَحْمِلُ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ عَلَى مَعْنَيَيْهِ. وَإِذَا تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَالْحِيَضُ أَوْلَى بِهِ لِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهَا لَوْ كَانَتِ الْأَطْهَارَ فَالْمُعْتَدَّةُ بِهَا يَكْفِيهَا قُرْآنِ، وَلَحْظَةٌ مِنَ الثَّالِثِ، وَإِطْلَاقُ الثَّلَاثَةِ عَلَى هَذَا مَجَازٌ بَعِيدٌ لِنَصِّيَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: بَعْضُ الطُّهْرِ الْمُطْلَقِ فِيهِ عِنْدَنَا قَرْءٌ كَامِلٌ، قِيلَ: جَوَابُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَمْ تُجْمِعِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْقُرْءِ قُرْءٌ قَطُّ، فَدَعْوَى هَذَا يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا دَعْوَى مَذْهَبِيَّةٌ، أَوْجَبَ حَمْلَ الْآيَةِ عَلَيْهَا إِلْزَامُ كَوْنِ الْأَقْرَاءِ الْأَطْهَارَ، وَالدَّعَاوَى الْمَذْهَبِيَّةُ لَا يُفَسَّرُ بِهَا الْقُرْآنُ، وَتُحْمَلُ عَلَيْهَا اللُّغَةُ، وَلَا يُعْقَلُ فِي اللُّغَةِ قَطُّ أَنَّ اللَّحْظَةَ مِنَ الطُّهْرِ تُسَمَّى قُرْءًا كَامِلًا، وَلَا اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ، فَدَعْوَاهُ لَا تَثْبُتُ نَقْلًا وَلَا إِجْمَاعًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ الْحَمْلِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَمْلَ شَيْءٌ، وَالْوَضْعَ شَيْءٌ آخَرُ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ ثُبُوتُ الْوَضْعِ لُغَةً أَوْ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا.
стр. 2425
الثَّالِثُ: أَنَّ الْقُرْءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِمَجْمُوعِ الطُّهْرِ، كَمَا يَكُونُ اسْمًا لِمَجْمُوعِ الْحَيْضَةِ أَوْ لِبَعْضِهِ، أَوْ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، أَوِ اشْتِرَاكًا مَعْنَوِيًّا، وَالْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ بَاطِلَةٌ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، أَمَّا بُطْلَانُ وَضْعِهِ لِبَعْضِ الطُّهْرِ، فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الطُّهْرُ الْوَاحِدُ عِدَّةَ أَقْرَاءٍ، وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ " الْقُرْءِ " فِيهِ مَجَازًا.
وَأَمَّا بُطْلَانُ الِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَصْدُقَ عَلَى الطُّهْرِ الْوَاحِدِ أَنَّهُ عِدَّةُ أَقْرَاءٍ حَقِيقَةً.
وَالثَّانِي: أَنَّ نَظِيرَهُ - وَهُوَ الْحَيْضُ - لَا يُسَمَّى جُزْؤُهُ قُرْءًا اتِّفَاقًا، وَوَضْعُ الْقُرْءِ لَهُمَا لُغَةً لَا يَخْتَلِفُ، وَهَذَا لَا خَفَاءَ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: نَخْتَارُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ كُلِّهِ وَجُزْئِهِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، وَيُحْمَلُ الْمُشْتَرَكُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ، فَإِنَّهُ أَحْفَظُ، وَبِهِ تَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ بِيَقِينٍ. قِيلَ الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اشْتِرَاكُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ اشْتِرَاكُهُ، لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَى مَجْمُوعِ مَعْنَيَيْهِ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ حَمْلَ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ، فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَنْ يُجَوِّزُ حَمْلَهُ عَلَيْهِمَا، فَإِنَّمَا يُجَوِّزُونَهُ إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إِرَادَتِهِمَا مَعًا. فَإِذَا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ وَقَفُوهُ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى إِرَادَةِ أَحَدِهِمَا، أَوْ إِرَادَتِهِمَا، وَحَكَى الْمُتَأَخِّرُونَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَاضِي أبي بكر، أَنَّهُ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرَائِنِ، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ، كَالِاسْمِ الْعَامِّ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، إِذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِهِ مِنَ الْآخَرِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْنَى ثَالِثٍ، وَتَعْطِيلُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَيَمْتَنِعُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الْعَمَلِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ أَحَدَهُمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِعَيْنِهِ، عُلِمَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ، إِذْ لَوْ أُرِيدَتْ لَبُيِّنَتْ، فَتَعَيَّنَ الْمَجَازُ، وَهُوَ مَجْمُوعُ الْمَعْنَيَيْنِ، وَمَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْحَمْلَ عَلَيْهِمَا بِالْحَقِيقَةِ يَقُولُ: لَمَّا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ كِلَيْهِمَا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي نَظَرٌ، أَمَّا الْقَاضِي، فَمِنْ أَصْلِهِ الْوَقْفُ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَمَنْ يَقِفُ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ كَيْفَ يَجْزِمُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ بِالِاسْتِغْرَاقِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ؟ وَإِنَّمَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كُتُبِهِ إِحَالَةُ
стр. 2426
الِاشْتِرَاكِ رَأْسًا، وَمَا يُدَّعَى فِيهِ الِاشْتِرَاكُ، فَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَوَاطِئِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَمَنْصِبُهُ فِي الْعِلْمِ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا، وَإِنَّمَا اسْتُنْبِطَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: إِذَا أَوْصَى لِمَوَالِيهِ تَنَاوَلَ الْمَوْلَى مِنْ فَوْقَ وَمِنْ أَسْفَلَ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ قَالَهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْمَوْلَى مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ، وَأَنَّ مَوْضِعَهُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَضَايِفَةِ، كَقَوْلِهِ " «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ» وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يُحْكَى عَنْهُ قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَيْسَ مِنْ مَعَانِيهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ أَنْ تُحْمَلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهَا، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ وُجُوهٌ.
أَحَدُهَا: أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي مَعْنَيَيْهِ إِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ، إِذْ وَضْعُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ هُوَ الْحَقِيقَةُ، وَاللَّفْظُ الْمُطْلَقُ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ، بَلْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُمَا مُنْفَرِدَيْنِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُجْتَمَعَيْنِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ ثَلَاثَةُ مَفَاهِيمَ، فَالْحَمْلُ عَلَى أَحَدِ مَفَاهِيمِهِ دُونَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ مُمْتَنِعٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ، إِذْ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا وَحْدَهُ، وَعَلَيْهِمَا مَعًا مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، فَيَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ، وَحَمْلُهُ عَلَيْهِمَا مَعًا حَمْلٌ لَهُ عَلَى بَعْضِ مَفْهُومَاتِهِ، فَحَمْلُهُ عَلَى جَمِيعِهَا يُبْطِلُ حَمْلَهُ عَلَى جَمِيعِهَا.
стр. 2427
الرَّابِعُ: أَنَّ هَاهُنَا أُمُورًا. أَحَدُهَا: هَذِهِ الْحَقِيقَةُ وَحْدَهَا، وَالثَّانِي: الْحَقِيقَةُ الْأُخْرَى وَحْدَهَا، وَالثَّالِثُ: مَجْمُوعُهُمَا، وَالرَّابِعُ: مَجَازُ هَذِهِ وَحْدَهَا، وَالْخَامِسُ: مَجَازُ الْأُخْرَى وَحْدَهَا، وَالسَّادِسُ: مَجَازُهُمَا مَعًا، وَالسَّابِعُ: الْحَقِيقَةُ وَحْدَهَا مَعَ مَجَازِهَا، وَالثَّامِنُ: الْحَقِيقَةُ مَعَ مَجَازِ الْأُخْرَى. وَالتَّاسِعُ: الْحَقِيقَةُ الْوَاحِدَةُ مَعَ مَجَازِهِمَا، وَالْعَاشِرُ: الْحَقِيقَةُ الْأُخْرَى مَعَ مَجَازِهَا، وَالْحَادِيَ عَشَرَ: مَعَ مَجَازِ الْأُخْرَى، وَالثَّانِيَ عَشَرَ: مَعَ مَجَازِهِمَا، فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ مَحْمَلًا بَعْضُهَا عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ، وَبَعْضُهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، فَتَعْيِينُ مَعْنًى وَاحِدٍ مَجَازِيٍّ دُونَ سَائِرِ الْمَجَازَاتِ وَالْحَقَائِقِ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا لَصَارَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ؛ لَأَنَّ حُكْمَ الِاسْمِ الْعَامِّ وُجُوبُ حَمْلِهِ عَلَى جَمِيعِ مُفْرَدَاتِهِ عِنْدَ التَّجَرُّدِ مِنَ التَّخْصِيصِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَجَازَ اسْتِثْنَاءُ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْهُ، وَلَسَبَقَ إِلَى الذِّهْنِ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الْعُمُومُ، وَكَانَ الْمُسْتَعْمِلُ لَهُ فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَعْمِلِ لِلِاسْمِ الْعَامِّ فِي بَعْضِ مَعَانِيهِ، فَيَكُونُ مُتَجَوِّزًا فِي خِطَابِهِ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ بِالْحَقِيقَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَنِ اسْتَعْمَلَهُ فِي مَعْنَيَيْهِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَى دَلِيلٍ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ نَفَى الْمَعْنَى الْآخَرَ، وَلَوَجَبَ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ الشُّمُولُ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ التَّخْصِيصِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ، وَلَا يَنْفِي الْإِجْمَالَ عَنْهُ، إِذْ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا، وَأَحْكَامُ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ لَا تُفَارِقُ أَحْكَامَ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنَ اللُّغَةِ، وَلَكَانَتِ الْأُمَّةُ قَدْ أَجْمَعَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى حَمْلِهَا عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهَا وَمُطْلَقِهَا إِذْ لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى حَمْلِ " الْقُرْءِ " عَلَى الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ مَعًا، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ: حَمْلُهُ عَلَيْهِمَا أَحْوَطُ، فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنَ الْحِيَضِ وَالْأَطْهَارِ، لَكَانَ فِيهِ خُرُوجٌ عَنِ الِاحْتِيَاطِ.
وَإِنْ قِيلَ: نَحْمِلُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَهُوَ خِلَافُ نَصِّ الْقُرْآنِ إِذْ تَصِيرُ الْأَقْرَاءُ سِتَّةً.
стр. 2428
قَوْلُهُمْ: إِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، أَوْ عَلَيْهِمَا إِلَى آخِرِهِ قُلْنَا: مِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْرَى عَنْ دَلَالَةٍ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ كَمَا فِي الْأَسْمَاءِ الْمُجْمَلَةِ، وَإِنْ خَفِيَتِ الدِّلَالَةُ عَلَى بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ خَفِيَّةً عَنْ مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ، فَالْكَلَامُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مُطْلَقُهُ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْمُرَادِ.
[الْوَجْهُ الثَّانِي الدَّالُّ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ حَمْلِ الْقُرْءِ فِي الْآيَةِ عَلَى الْحَيْضِ]
وَإِذَا تَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْءِ فِي الْآيَةِ أَحَدُهُمَا لَا كِلَاهُمَا، فَإِرَادَةُ الْحَيْضِ أَوْلَى لِوُجُوهٍ. مِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ. الثَّانِي: أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقُرْءِ فِي الْحَيْضِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الطُّهْرِ، فَإِنَّهُمْ يَذْكُرُونَهُ تَفْسِيرًا لِلَفْظِهِ، ثُمَّ يُرْدِفُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: وَقِيلَ، أَوْ قَالَ فُلَانٌ، أَوْ يُقَالُ: عَلَى الطُّهْرِ، أَوْ وَهُوَ أَيْضًا الطُّهْرُ، فَيَجْعَلُونَ تَفْسِيرَهُ بِالْحَيْضِ كَالْمُسْتَقِرِّ الْمَعْلُومِ الْمُسْتَفِيضِ، وَتَفْسِيرُهُ بِالطُّهْرِ قَوْلٌ قِيلَ. وَهَاكَ حِكَايَةَ أَلْفَاظِهِمْ.
قَالَ الجوهري: الْقَرْءُ بِالْفَتْحِ: الْحَيْضُ، وَالْجَمْعُ أَقْرَاءٌ وَقُرُوءٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا صَلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» .
وَالْقَرْءُ أَيْضًا: الطُّهْرُ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ.
وَقَالَ أبو عبيد: الْأَقْرَاءُ: الْحِيَضُ، ثُمَّ قَالَ: الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: أَقْرَأَتِ الْمَرْأَةُ: إِذَا حَاضَتْ.
وَقَالَ ابن فارس: الْقُرُوءُ: أَوْقَاتٌ، يَكُونُ لِلطُّهْرِ مَرَّةً، وَلِلْحَيْضِ مَرَّةً، وَالْوَاحِدُ قَرْءٌ وَيُقَالُ: الْقُرْءُ: وَهُوَ الطُّهْرُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْمٌ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الْقُرْءَ الْحَيْضُ، فَحَكَى قَوْلَ مَنْ جَعَلَهُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ أَوْقَاتِ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ، وَقَوْلَ مَنْ جَعَلَهُ لِأَوْقَاتِ الطُّهْرِ، وَقَوْلَ مَنْ جَعَلَهُ لِأَوْقَاتِ الْحَيْضِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، بَلْ جَعَلَهُ لِأَوْقَاتِهِمَا. قَالَ، وَأَقْرَأَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ حَيْضٍ إِلَى طُهْرٍ، وَمِنْ طُهْرٍ إِلَى حَيْضٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُسَمَّى الْحَيْضِ فِي حَقِيقَتِهِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ مَنْ قَالَ: أَوْقَاتُ الطُّهْرِ تُسَمَّى قُرُوءًا، فَإِنَّمَا يُرِيدُ أَوْقَاتَ الطُّهْرِ الَّتِي
стр. 2429
يَحْتَوِشُهَا الدَّمُ، وَإِلَّا فَالصَّغِيرَةُ وَالْآيِسَةُ لَا يُقَالُ لِزَمَنِ طُهْرِهِمَا أَقْرَاءٌ، وَلَا هُمَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ.
[الدَّلِيلُ الثَّانِي لِمَنْ حَمَلَ الْقُرْءَ عَلَى الْحَيْضِ]
الدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الْقُرْءِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ إِلَّا لِلْحَيْضِ، وَلَمْ يَجِئْ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ اسْتِعْمَالُهُ لِلطُّهْرِ، فَحَمْلُهُ فِي الْآيَةِ عَلَى الْمَعْهُودِ الْمَعْرُوفِ مِنْ خِطَابِ الشَّارِعِ أَوْلَى، بَلْ مُتَعَيِّنٌ، فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ " «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» " وَهُوَ ﷺ الْمُعَبِّرُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِلُغَةِ قَوْمِهِ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَإِذَا وَرَدَ الْمُشْتَرَكُ فِي كَلَامِهِ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ، وَجَبَ حَمْلُهُ فِي سَائِرِ كَلَامِهِ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ تَثْبُتْ إِرَادَةُ الْآخَرِ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ الْبَتَّةَ، وَيَصِيرُ هُوَ لُغَةَ الْقُرْآنِ الَّتِي خُوطِبْنَا بِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَعْنًى آخَرُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ، وَيَصِيرُ هَذَا الْمَعْنَى الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ فِي تَخْصِيصِ الْمُشْتَرَكِ بِأَحَدِ مَعْنَيَيْهِ، كَمَا يُخَصُّ الْمُتَوَاطِئُ بِأَحَدِ أَفْرَادِهِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ أَغْلَبَ أَسْبَابِ الِاشْتِرَاكِ تَسْمِيَةُ أَحَدِ الْقَبِيلَتَيْنِ الشَّيْءَ بِاسْمٍ، وَتَسْمِيَةُ الْأُخْرَى بِذَلِكَ الِاسْمِ مُسَمًّى آخَرَ، ثُمَّ تَشِيعُ الِاسْتِعْمَالَاتُ، بَلْ قَالَ الْمُبَرِّدُ وَغَيْرُهُ:
стр. 2430
لَا يَقَعُ الِاشْتِرَاكُ فِي اللُّغَةِ إِلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ خَاصَّةً، وَالْوَاضِعُ لَمْ يَضَعْ لَفْظًا مُشْتَرَكًا الْبَتَّةَ، فَإِذَا ثَبَتَ اسْتِعْمَالُ الشَّارِعِ لَفْظَ الْقُرُوءِ فِي الْحِيَضِ، عُلِمَ أَنَّ هَذَا لُغَتُهُ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا فِي كَلَامِهِ.
وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا فِي سِيَاقِ الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [الْبَقَرَةِ: ٢٢٨] وَهَذَا هُوَ الْحَيْضُ، وَالْحَمْلُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ، وَالْمَخْلُوقُ فِي الرَّحِمِ إِنَّمَا هُوَ الْحَيْضُ الْوُجُودِيُّ، وَلِهَذَا قَالَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ: هُوَ الْحَمْلُ وَالْحَيْضُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحَمْلُ، وَبَعْضُهُمْ: الْحَيْضُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ: إِنَّهُ الطُّهْرُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ مَنْ عُنِيَ بِجَمْعِ أَقْوَالِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، كَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرِهِ.
وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] فَجَعَلَ كُلَّ شَهْرٍ بِإِزَاءِ حَيْضَةٍ، وَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِعَدَمِ الْحَيْضِ لَا بِعَدَمِ الطُّهْرِ مِنَ الْحَيْضِ.
وَأَيْضًا فَحَدِيثُ عائشة ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» ، رَوَاهُ أبو داود، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مظاهر بن أسلم، وَمُظَاهِرٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الْعِلْمِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي لَفْظٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ فِيهِ: «طَلَاقُ الْعَبْدِ ثِنْتَانِ» ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «طَلَاقُ الْأَمَةِ اثْنَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ.» وَأَيْضًا: قَالَ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ ": حَدَّثَنَا علي بن محمد، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سفيان، عَنْ منصور، عَنْ إبراهيم، عَنِ الأسود، عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: أُمِرَتْ بريرة أَنْ تَعْتَدَّ ثَلَاثَ حِيَضٍ.
стр. 2431
وَفِي " الْمُسْنَدِ ": عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ بريرة، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ.» وَقَدْ فُسِّرَ عِدَّةُ الْحُرَّةِ بِثَلَاثِ حِيَضٍ فِي حَدِيثِ عائشة ﵂. فَإِنْ قِيلَ: فَمَذْهَبُ عائشة ﵂ أَنَّ الْأَقْرَاءَ: الْأَطْهَارُ؟ قِيلَ: لَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ حَدِيثٍ خَالَفَهُ رَاوِيهِ، فَأَخَذَ بِرِوَايَتِهِ دُونَ رَأْيِهِ، وَأَيْضًا فَفِي حَدِيثِ الربيع بنت معوذ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ لَمَّا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً وَاحِدَةً، وَتَلْحَقَ بِأَهْلِهَا، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَفِي " سُنَنِ أبي داود " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةِ»
وَفِي الترمذي: «أَنَّ الربيع بنت معوذ اخْتَلَعَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَوْ أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةِ.» قَالَ الترمذي: حَدِيثُ الربيع الصَّحِيحُ أَنَّهَا أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ هُوَ عِدَّةُ الْأَمَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أبي سعيد: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَى تَحِيضَ حَيْضَةً» رَوَاهُ أحمد وأبو داود.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ بِالْحَيْضَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالطُّهْرِ الَّذِي هُوَ
стр. 2432
قَبْلَ الْحَيْضَةِ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ: قَوْلُهُمْ: إِنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ حَيْضَةٌ بِإِجْمَاعٍ لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا، بَلْ جَائِزٌ لَهَا عِنْدَنَا أَنْ تَنْكِحَ إِذَا دَخَلَتْ فِي الْحَيْضَةِ، وَاسْتَيْقَنَتْ أَنَّ دَمَهَا دَمُ حَيْضٍ، كَذَلِكَ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ لِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ حِينَ أُدْخِلَ عَلَيْهِ فِي مُنَاظَرَتِهِ إِيَّاهُ.
قُلْنَا: هَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تُوطَأُ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ»
وَأَيْضًا فَالْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنَ الْعِدَّةِ إِنَّمَا هُوَ اسْتِبْرَاءُ الرَّحِمِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا فَوَائِدُ أُخَرُ، وَلِشَرَفِ الْحُرَّةِ الْمَنْكُوحَةِ وَخَطَرِهَا، جُعِلَ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى بَرَاءَةِ رَحِمِهَا ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ، فَلَوْ كَانَ الْقُرْءُ: هُوَ الطُّهْرَ، لَمْ تَحْصُلْ بِالْقُرْءِ الْأَوَّلِ دَلَالَةٌ، فَإِنَّهُ لَوْ جَامَعَهَا فِي الطُّهْرِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، ثُمَّ حَاضَتْ كَانَ ذَلِكَ قُرْءًا مَحْسُوبًا مِنَ الْأَقْرَاءِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ. وَمَعْلُومٌ: أَنَّ هَذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى شَيْءٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْحَيْضُ الْحَاصِلُ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ، لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، فَإِنَّمَا يُعْلَمُ هُنَا بَرَاءَةُ الرَّحِمِ بِالْحَيْضِ الْمَوْجُودِ قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَالْعِدَّةُ لَا تَكُونُ قَبْلَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا حُكْمُهُ، وَالْحُكْمُ لَا يَسْبِقُ سَبَبَهُ، فَإِذَا كَانَ الطُّهْرُ الْمَوْجُودُ بَعْدَ الطَّلَاقِ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ أَصْلًا، لَمْ يَجُزْ إِدْخَالُهُ فِي الْعِدَدِ الدَّالَّةِ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَكَانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَاهِدٍ غَيْرِ مَقْبُولٍ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ لَا شَهَادَةَ لَهُ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ فِي الْمَنْكُوحَاتِ، كَالِاسْتِبْرَاءِ فِي الْمَمْلُوكَاتِ.
وَقَدْ ثَبَتَ بِصَرِيحِ السُّنَّةِ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ بِالْحَيْضِ لَا بِالطُّهْرِ، فَكَذَلِكَ الْعِدَّةُ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِتَعَدُّدِ الْعِدَّةِ، وَالِاكْتِفَاءِ بِالِاسْتِبْرَاءِ بِقُرْءِ وَاحِدٍ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَهُمَا فِي حَقِيقَةِ الْقُرْءِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْقَدْرِ الْمُعْتَبَرِ مِنْهُمَا؛ وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ عَنْهُ: إِنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ يَكُونُ بِالْحَيْضِ، وَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ، بِأَنَّ الْعِدَّةَ وَجَبَتْ قَضَاءً لِحَقِّ الزَّوْجِ، فَاخْتُصَّتْ بِأَزْمَانِ حَقِّهِ، وَهِيَ أَزْمَانُ الطُّهْرِ، وَبِأَنَّهَا تَتَكَرَّرُ، فَتُعْلَمُ مَعَهَا الْبَرَاءَةُ بِتَوَسُّطِ
стр. 2433
الْحَيْضِ بِخِلَافِ الِاسْتِبْرَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ مُجَرَّدُ الْبَرَاءَةِ، فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِحَيْضَةٍ. وَقَالَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: تُسْتَبْرَأُ بِطُهْرٍ طَرْدًا لِأَصْلِهِ فِي الْعِدَدِ، وَعَلَى هَذَا فَهَلْ تَحْتَسِبُ بِبَعْضِ الطُّهْرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِهِ، فَإِذَا احْتَسَبَتْ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ضَمِّ حَيْضَةٍ كَامِلَةٍ إِلَيْهِ. فَإِذَا طَعَنَتْ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي، حَلَّتْ، وَإِنْ لَمْ تَحْتَسِبْ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ضَمِّ طُهْرٍ كَامِلٍ إِلَيْهِ، وَلَا تَحْتَسِبُ بِبَعْضِ الطُّهْرِ عِنْدَهُ قُرْءًا قَوْلًا وَاحِدًا.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الِاسْتِبْرَاءِ حَيْضَةٌ لَا طُهْرٌ، وَهَذَا الِاسْتِبْرَاءُ فِي حَقِّ الْأَمَةِ كَالْعِدَّةِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ، قَالُوا: بَلِ الِاعْتِدَادُ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ بِالْحَيْضِ أَوْلَى مِنَ الْأَمَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي حَقِّهَا ثَابِتٌ بِتَكْرِيرِ الْقُرْءِ ثَلَاثَ اسْتِبْرَاءَاتٍ، فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاعْتِدَادُ فِي حَقِّهَا بِالْحَيْضِ الَّذِي هُوَ أَحْوَطُ مِنَ الطُّهْرِ، فَإِنَّهَا لَا تَحْتَسِبُ بِبَقِيَّةِ الْحَيْضَةِ قُرْءًا، وَتَحْتَسِبُ بِبَقِيَّةِ الطُّهْرِ قُرْءًا.
الثَّانِي: أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ فَرْعٌ عَلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَهِيَ الثَّابِتَةُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَالِاسْتِبْرَاءُ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، فَإِذَا كَانَ قَدِ احْتَاطَ لَهُ الشَّارِعُ بِأَنْ جَعَلَهُ بِالْحَيْضِ، فَاسْتِبْرَاءُ الْحُرَّةِ أَوْلَى، فَعِدَّةُ الْحُرَّةِ اسْتِبْرَاءٌ لَهَا، وَاسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ عِدَّةٌ لَهَا.
وَأَيْضًا فَالْأَدِلَّةُ وَالْعَلَامَاتُ وَالْحُدُودُ وَالْغَايَاتُ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِالْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَمَيِّزَةِ عَنْ غَيْرِهَا، وَالطُّهْرُ هُوَ الْأَمْرُ الْأَصْلِيُّ، وَلِهَذَا مَتَى كَانَ مُسْتَمِرًّا مُسْتَصْحَبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ يُفْرَدُ بِهِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ الْمُتَمَيِّزُ هُوَ الْحَيْضُ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا حَاضَتْ تَغَيَّرَتْ أَحْكَامُهَا مِنْ بُلُوغِهَا، وَتَحْرِيمِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالطَّوَافِ وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ.
ثُمَّ إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ وَاغْتَسَلَتْ، فَلَمْ تَتَغَيَّرْ أَحْكَامُهَا بِتَجَدُّدِ الطُّهْرِ، لَكِنْ
стр. 2434
لِزَوَالِ الْمُغَيِّرِ الَّذِي هُوَ الْحَيْضُ، فَإِنَّهَا تَعُودُ بَعْدَ الطُّهْرِ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحَيْضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجَدِّدَ لَهَا الطُّهْرُ حُكْمًا، وَالْقُرْءُ أَمْرٌ يُغَيِّرُ أَحْكَامَ الْمَرْأَةِ، وَهَذَا التَّغْيِيرُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْحَيْضِ دُونَ الطُّهْرِ. فَهَذَا الْوَجْهُ دَالٌّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ يَحْتَسِبُ بِالطُّهْرِ الَّذِي قَبْلَ الْحَيْضَةِ قُرْءًا فِيمَا إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ، ثُمَّ حَاضَتْ، فَإِنَّ مَنِ اعْتَدَّ بِهَذَا الطُّهْرِ قَرْءًا جَعَلَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ فِي الشَّرِيعَةِ قُرْءًا مِنَ الْأَقْرَاءِ، وَهَذَا فَاسِدٌ.
[فصل حُجَّةُ مَنْ فَسَّرَ الْأَقْرَاءَ بِالْأَطْهَارِ]
[فصل دَلِيلُهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ]
فَصْلٌ قَالَ مَنْ جَعَلَ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارَ: الْكَلَامُ مَعَكُمْ فِي مَقَامَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: بَيَانُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهَا الْأَطْهَارُ.
الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ عَنْ أَدِلَّتِكُمْ.
أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] [الطَّلَاقِ: ١] وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ: أَنَّ اللَّامَ هِيَ لَامُ الْوَقْتِ، أَيْ: فَطَلِّقُوهُنَّ فِي وَقْتِ عِدَّتِهِنَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ، [الْأَنْبِيَاءِ: ٤٧] أَيْ: فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ، [الْإِسْرَاءِ: ٧٨] أَيْ: وَقْتَ الدُّلُوكِ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: جِئْتُكَ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، أَيْ: فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْهُ، وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا، وَهِيَ طَاهِرٌ، قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، ثُمَّ قَالَ: فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْعِدَّةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ هِيَ الطُّهْرُ الَّذِي بَعْدَ الْحَيْضَةِ، وَلَوْ كَانَ الْقُرْءُ هُوَ الْحَيْضَ
стр. 2435
كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ لَا فِي الْعِدَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا عَلَيْهَا، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [الْبَقَرَةِ: ٢٢٨] ، فَالْأَقْرَاءُ عِنْدَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الْأَطْهَارُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا الْأَطْهَارُ وَقَدْ قَالَ غَيْرُكُمْ: الْحَيْضُ؟ قِيلَ: لَهُ دَلَالَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: الْكِتَابُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، وَالْأُخْرَى: اللِّسَانُ. فَإِنْ قَالَ: وَمَا الْكِتَابُ؟ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] [الطَّلَاقِ: ١] وَأَخْبَرَنَا مالك: عَنْ نافع، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلَ عمر رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، تُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»
أَخْبَرَنَا مسلم، وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أبي الزبير «أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَذْكُرُ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ حَائِضًا، فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ يُمْسِكْ، وَتَلَا النَّبِيُّ ﷺ : ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] لِقُبُلِ أَوْ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ» [الطَّلَاقِ: ١] قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أَنَا شَكَكْتُ، فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ : أَنَّ الْعِدَّةَ الطُّهْرُ دُونَ الْحَيْضِ، وَقَرَأَ: فَطَلِّقُوهُنَّ
стр. 2436
لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَسْتَقْبِلُ عِدَّتَهَا، وَلَوْ طُلِّقَتْ حَائِضًا، لَمْ تَكُنْ مُسْتَقْبِلَةً عِدَّتَهَا إِلَّا بَعْدَ الْحَيْضِ.
فَإِنْ قَالَ: فَمَا اللِّسَانُ؟ قِيلَ: الْقُرْءُ: اسْمٌ وُضِعَ لِمَعْنًى، فَلَمَّا كَانَ الْحَيْضُ دَمًا يُرْخِيهِ الرَّحِمُ فَيَخْرُجُ، وَالطُّهْرُ دَمًا يَحْتَبِسُ فَلَا يَخْرُجُ، وَكَانَ مَعْرُوفًا مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الْقُرْءَ الْحَبْسُ. تَقُولُ الْعَرَبُ: هُوَ يَقْرِي الْمَاءَ فِي حَوْضِهِ وَفِي سِقَائِهِ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: هُوَ يَقْرِي الطَّعَامَ فِي شِدْقِهِ، يَعْنِي: يَحْبِسُهُ فِي شِدْقِهِ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: إِذَا حَبَسَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ، قَرَأَهُ. يَعْنِي: خَبَّأَهُ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: تَقْرَى فِي صِحَافِهَا، أَيْ: تُحْبَسُ فِي صِحَافِهَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا مالك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عروة، عَنْ عائشة ﵂ أَنَّهَا انْتَقَلَتْ حفصة بنت عبد الرحمن حِينَ دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لعمرة بنت عبد الرحمن، فَقَالَتْ: صَدَقَ عروة. وَقَدْ جَادَلَهَا فِي ذَلِكَ نَاسٌ. وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَقَالَتْ عائشة ﵂: صَدَقْتُمْ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الْأَقْرَاءُ؟ الْأَقْرَاءُ: الْأَطْهَارُ.
أَخْبَرَنَا مالك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَائِنَا إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ هَذَا. يُرِيدُ الَّذِي قَالَتْ عائشة ﵂. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَأَخْبَرَنَا سفيان، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عمرة، عَنْ عائشة ﵂: إِذَا طَعَنَتِ الْمُطَلَّقَةُ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ
وَأَخْبَرَنَا مالك ﵀، عَنْ نافع، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ الأحوص - يعني ابن حكيم - هَلَكَ بِالشَّامِ حِينَ دَخَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي الْحَيْضَةِ
стр. 2437
الثَّالِثَةِ، وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا، فَكَتَبَ معاوية إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ زيد: إِنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ، وَبَرِئَ مِنْهَا، وَلَا تَرِثُهُ، وَلَا يَرِثُهَا.
وَأَخْبَرَنَا سفيان، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: إِذَا طَعَنَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ.
وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَابْنَ عُمَرَ قَالَا: إِذَا دَخَلَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا.
وَأَخْبَرَنَا مالك: عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَدَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ، وَلَا تَرِثُهُ، وَلَا يَرِثُهَا.
أَخْبَرَنَا مالك ﵀ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا دَخَلَتِ الْمُطَلَّقَةُ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ، وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا. زَادَ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ عَنْ مالك رَحِمَهُمَا اللَّهُ: وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا. قَالَ مالك: وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَلَا بُعْدَ أَنْ تَكُونَ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارَ، كَمَا قَالَتْ عائشة ﵂، وَالنِّسَاءُ بِهَذَا أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ فِيهِنَّ لَا فِي الرِّجَالِ، أَوِ الْحَيْضَ فَإِذَا جَاءَتْ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، حَلَّتْ، وَلَا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لِلْغُسْلِ مَعْنًى، وَلَسْتُمْ تَقُولُونَ بِوَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، يَعْنِي: أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهَا الْحَيْضُ، قَالُوا: وَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، كَمَا قَالَهُ علي، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وأبو
стр. 2438
موسى، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَيْضًا.
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقِيلَ لَهُمْ يَعْنِي لِلْعِرَاقِيِّينَ: لَمْ تَقُولُوا بِقَوْلِ مَنِ احْتَجَجْتُمْ بِقَوْلِهِ، وَرَوَيْتُمْ هَذَا عَنْهُ، وَلَا بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ عَلِمْنَاهُ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَيْنَ خَالَفْنَاهُمْ؟ قُلْنَا. قَالُوا: حَتَّى تَغْتَسِلَ وَتَحِلَّ لَهَا الصَّلَاةُ، وَقُلْتُمْ: إِنْ فَرَّطَتْ فِي الْغُسْلِ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الصَّلَاةِ حَلَّتْ وَهِيَ لَمْ تَغْتَسِلْ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهَا الصَّلَاةُ. انْتَهَى كَلَامُ الشَّافِعِيِّ ﵀.
قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا الْأَطْهَارُ فِي اللِّسَانِ قَوْلُ الأعشى:
أَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا
مُوَرِّثَةٍ عِزًّا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةٌ ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا
فَالْقُرُوءُ فِي الْبَيْتِ: الْأَطْهَارُ، لِأَنَّهُ ضَيَّعَ أَطْهَارَهُنَّ فِي غَزَاتِهِ، وَآثَرَهَا عَلَيْهِنَّ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الطُّهْرَ أَسْبَقُ إِلَى الْوُجُودِ مِنَ الْحَيْضِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالِاسْمِ، قَالُوا: فَهَذَا أَحَدُ الْمَقَامَيْنِ.
[فصل رَدُّ الْمُفَسِّرِينَ بِالْأَطْهَارِ عَلَى أَدِلَّةِ الْمُفَسِّرِينَ بِالْحَيْضِ]
وَأَمَّا الْمَقَامُ الْآخَرُ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ أَدِلَّتِكُمْ: فَنُجِيبُكُمْ بِجَوَابَيْنِ، مُجْمَلٍ وَمُفَصَّلٍ.
أَمَّا الْمُجْمَلُ: فَنَقُولُ: مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِتَفْسِيرِهِ، وَبِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ سِوَاهُ، وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْعِدَّةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ بِالْأَطْهَارِ، فَلَا الْتِفَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ خَالَفَهُ، بَلْ كُلُّ تَفْسِيرٍ يُخَالِفُ هَذَا فَبَاطِلٌ. قَالُوا: وَأَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَعْلَمُهُنَّ بِهَا عَائِشَةُ ﵂؛ لِأَنَّهَا فِيهِنَّ لَا فِي الرِّجَالِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ قَوْلَهُنَّ فِي
стр. 2439
ذَلِكَ مَقْبُولًا فِي وُجُودِ الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِنَّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُنَّ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنَ الرِّجَالِ، فَإِذَا قَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: إِنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ.
فَقَدْ قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا ... فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ
قَالُوا: وَأَمَّا الْجَوَابُ الْمُفَصَّلُ، فَنُفْرِدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَدِلَّتِكُمْ بِجَوَابٍ خَاصٍّ، فَهَاكُمُ الْأَجْوِبَةَ.
أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْأَقْرَاءِ فِي الْآيَةِ الْأَطْهَارُ فَقَطْ، أَوِ الْحِيَضُ فَقَطْ أَوْ مَجْمُوعُهُمَا إِلَى آخِرِهِ.
فَجَوَابُهُ أَنْ نَقُولَ: الْأَطْهَارُ فَقَطْ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلَالَةِ. قَوْلُكُمُ النَّصُّ اقْتَضَى ثَلَاثَةً إِلَى آخِرِهِ. قُلْنَا: عَنْهُ جَوَابَانِ
أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَقِيَّةَ الطُّهْرِ عِنْدَنَا قُرْءٌ كَامِلٌ، فَمَا اعْتَدَّتْ إِلَّا بِثَلَاثٍ كَوَامِلَ.
الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ تُوقِعُ اسْمَ الْجَمْعِ عَلَى اثْنَيْنِ، وَبَعْضِ الثَّالِثِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] [الْبَقَرَةِ: ١٩٧] فَإِنَّهَا شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ تِسْعٌ، أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَيَقُولُونَ: لِفُلَانٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، إِذْ دَخَلَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةَ عَشَرَ. فَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْرُوفًا فِي لُغَتِهِمْ، وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
стр. 2440
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ اسْتِعْمَالَ الْقُرْءِ فِي الْحَيْضِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الطُّهْرِ، فَمُقَابَلٌ بِقَوْلِ مُنَازِعِيكُمْ.
قَوْلُكُمْ: إِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُصَدِّرُونَ كُتُبَهُمْ بِأَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الْحَيْضُ، فَيَذْكُرُونَهُ تَفْسِيرًا لِلَفْظٍ، ثُمَّ يُرْدِفُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: بِقِيلَ، أَوْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الطُّهْرُ.
قُلْنَا: أَهْلُ اللُّغَةِ يَحْكُونَ أَنَّ لَهُ مُسَمَّيَيْنِ فِي اللُّغَةِ، وَيُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ يُقَالُ عَلَى هَذَا، وَعَلَى هَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ فِي الْحَيْضِ أَظْهَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكِي إِطْلَاقَهُ عَلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، فالجوهري: رَجَّحَ الْحَيْضَ. وَالشَّافِعِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَقَدْ رَجَّحَ أَنَّهُ الطُّهْرُ، وَقَالَ أبو عبيد: الْقُرْءُ يَصْلُحُ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بَهْ، عَنْ يونس أَنَّ الْقُرْءَ عِنْدَهُ يَصْلُحُ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: الْقُرْءُ الْوَقْتُ، وَهُوَ يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ، وَيَصْلُحُ لِلطُّهْرِ، وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ نُصُوصَ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْأَقْرَاءَ الْحِيَضُ؟
قَوْلُكُمْ: إِنَّ مَنْ جَعَلَهُ الطُّهْرَ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَوْقَاتَ الطُّهْرِ الَّتِي يَحْتَوِشُهَا الدَّمُ، وَإِلَّا فَالصَّغِيرَةُ وَالْآيِسَةُ لَيْسَتَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ وَعَنْهُ جَوَابَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، بَلْ إِذَا طُلِّقَتِ الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ ثُمَّ حَاضَتْ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِالطُّهْرِ الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ قُرْءًا عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ بَعْدَهُ حَيْضٌ، وَكَانَ قُرْءًا كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَهُ حَيْضٌ.
الثَّانِي: إِنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطُّهْرَ لَا يُسَمَّى قُرْءًا حَتَّى يَحْتَوِشَهُ دَمَانِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ: فَالدَّمُ شَرْطٌ فِي تَسْمِيَتِهِ قُرْءًا، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُسَمَّاهُ الْحَيْضُ، وَهَذَا كَالْكَأْسِ الَّذِي لَا يُقَالُ عَلَى الْإِنَاءِ إِلَّا بِشَرْطِ كَوْنِ الشَّرَابِ فِيهِ، وَإِلَّا فَهُوَ زُجَاجَةٌ أَوْ قَدَحٌ، وَالْمَائِدَةِ الَّتِي لَا تُقَالُ لِلْخِوَانِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ طَعَامٌ، وَإِلَّا فَهُوَ خِوَانٌ، وَالْكُوزِ الَّذِي لَا يُقَالُ لِمُسَمَّاهُ: إِلَّا إِذَا كَانَ ذَا عُرْوَةٍ، وَإِلَّا فَهُوَ كُوبٌ، وَالْقَلَمِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْقَصَبَةِ كَوْنُهَا مَبْرِيَّةً، وَبِدُونِ الْبَرْيِ، فَهُوَ أُنْبُوبٌ أَوْ قَصَبَةٌ، وَالْخَاتَمِ شَرْطُ إِطْلَاقِهِ أَنْ يَكُونَ ذَا فَصٍّ مِنْهُ أَوْ مِنْ
стр. 2441
غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ فَتْخَةٌ، وَالْفَرْوِ شَرْطُ إِطْلَاقِهِ عَلَى مُسَمَّاهُ الصُّوفُ، وَإِلَّا فَهُوَ جِلْدٌ.
وَالرَّيْطَةِ شَرْطُ إِطْلَاقِهَا عَلَى مُسَمَّاهَا أَنْ تَكُونَ قِطْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُلَفَّقَةً مِنْ قِطْعَتَيْنِ، فَهِيَ مُلَاءَةٌ، وَالْحُلَّةِ شَرْطُ إِطْلَاقِهَا أَنْ تَكُونَ ثَوْبَيْنِ، إِزَارًا وَرِدَاءً، وَإِلَّا فَهُوَ ثَوْبٌ، وَالْأَرِيكَةِ لَا تُقَالُ عَلَى السَّرِيرِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَجَلَةٌ، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى بَشْخَانَةَ وَخَرَكَاهْ، وَإِلَّا فَهُوَ سَرِيرٌ، وَاللَّطِيمَةِ لَا تُقَالُ لِلْجِمَالِ إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهَا طِيبٌ، وَإِلَّا فَهِيَ عِيرٌ، وَالنَّفَقِ لَا يُقَالُ إِلَّا لِمَا لَهُ مَنْفَذٌ، وَإِلَّا فَهُوَ سَرَبٌ، وَالْعِهْنِ لَا يُقَالُ لِلصُّوفِ إِلَّا إِذَا كَانَ مَصْبُوغًا، وَإِلَّا فَهُوَ صُوفٌ، وَالْخِدْرِ لَا يُقَالُ إِلَّا لِمَا اشْتَمَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ سِتْرٌ.
وَالْمِحْجَنِ لَا يُقَالُ لِلْعَصَا إِلَّا إِذَا كَانَ مَحْنِيَّةَ الرَّأْسِ، وَإِلَّا فَهِيَ عَصًا. وَالرَّكِيَّةِ لَا تُقَالُ عَلَى الْبِئْرِ إِلَّا بِشَرْطِ كَوْنِ الْمَاءِ فِيهَا، وَإِلَّا فَهِيَ بِئْرٌ. وَالْوَقُودِ لَا يُقَالُ لِلْحَطَبِ إِلَّا إِذَا كَانَتِ النَّارُ فِيهِ، وَإِلَّا فَهُوَ حَطَبٌ، وَلَا يُقَالُ لِلتُّرَابِ ثَرًى إِلَّا بِشَرْطِ نَدَاوَتِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ تُرَابٌ. وَلَا يُقَالُ لِلرِّسَالَةِ: مُغَلْغَلَةٌ، إِلَّا إِذَا حُمِلَتْ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَإِلَّا فَهِيَ رِسَالَةٌ، وَلَا يُقَالُ لِلْأَرْضِ قَرَاحٌ إِلَّا إِذَا هُيِّئَتْ لِلزِّرَاعَةِ، وَلَا يُقَالُ لِهُرُوبِ الْعَبْدِ: إِبَاقٌ إِلَّا إِذَا كَانَ هُرُوبُهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا جُوعٍ وَلَا جَهْدٍ، وَإِلَّا فَهُوَ هُرُوبٌ، وَالرِّيقُ لَا يُقَالُ لَهُ رُضَابٌ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي الْفَمِ، فَإِذَا فَارَقَهُ فَهُوَ بُصَاقٌ وَبُسَاقٌ، وَالشُّجَاعِ لَا يُقَالُ لَهُ: كَمِيٌّ إِلَّا إِذَا كَانَ شَاكِيَ السِّلَاحِ، وَإِلَّا فَهُوَ بَطَلٌ، وَفِي تَسْمِيَتِهِ بَطَلًا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ تُبْطِلُ شَجَاعَتُهُ قِرْنَهُ وَضَرْبَهُ وَطَعْنَهُ، وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ تَبْطُلُ شُجَاعَةُ الشُّجْعَانِ عِنْدَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ، فَهُوَ فَعَلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَعَلَى الثَّانِي، فَعَلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَهُوَ قِيَاسُ اللُّغَةِ.
وَالْبَعِيرُ لَا يُقَالُ لَهُ: رَاوِيَةٌ إِلَّا بِشَرْطِ حَمْلِهِ لِلْمَاءِ، وَالطُّبَقُ لَا يُسَمَّى مِهْدًى إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ هَدِيَّةٌ، وَالْمَرْأَةُ لَا تُسَمَّى ظَعِينَةً إِلَّا بِشَرْطِ كَوْنِهَا فِي الْهَوْدَجِ، هَذَا فِي الْأَصْلِ، وَإِلَّا فَقَدَ تُسَمَّى الْمَرْأَةُ ظَعِينَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي هَوْدَجٍ، وَمِنْهُ فِي الْحَدِيثِ: «فَمَرَّتْ ظُعُنٌ يَجْرِينَ» وَالدَّلْوُ لَا يُقَالُ لَهُ: سَجْلٌ إِلَّا مَا دَامَ فِيهِ مَاءٌ، وَلَا يُقَالُ لَهَا: ذَنُوبٌ، إِلَّا
стр. 2442
إِذَا امْتَلَأَتْ بِهِ، وَالسَّرِيرُ لَا يُقَالُ لَهُ: نَعْشٌ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ مَيِّتٌ، وَالْعَظْمُ لَا يُقَالُ لَهُ: عَرْقٌ، إِلَّا إِذَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ لَحْمٌ، وَالْخَيْطُ لَا يُسَمَّى سِمْطًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ خَرَزٌ.
وَلَا يُقَالُ لِلْحَبْلِ: قَرَنٌ إِلَّا إِذَا قُرِنَ فِيهِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَالْقَوْمُ لَا يُسَمَّوْنَ رِفْقَةً إِلَّا إِذَا انْضَمُّوا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَسَيْرٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا تَفَرَّقُوا زَالَ هَذَا الِاسْمُ، وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُمُ اسْمُ الرَّفِيقِ، وَالْحِجَارَةُ لَا تُسَمَّى رَضْفًا إِلَّا إِذَا حُمِيَتْ بِالشَّمْسِ أَوْ بِالنَّارِ، وَالشَّمْسُ لَا يُقَالُ لَهَا: غَزَالَةٌ إِلَّا عِنْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، وَالثَّوْبُ لَا يُسَمَّى مِطْرَفًا إِلَّا إِذَا كَانَ فِي طَرَفَيْهِ عَلَمَانِ، وَالْمَجْلِسُ لَا يُقَالُ لَهُ: النَّادِي إِلَّا إِذَا كَانَ أَهْلُهُ فِيهِ.
وَالْمَرْأَةُ لَا يُقَالُ لَهَا: عَاتِقٌ إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِي بَيْتِ أَبَوَيْهَا، وَلَا يُسَمَّى الْمَاءُ الْمِلْحُ أُجَاجًا، إِلَّا إِذَا كَانَ مَعَ مُلُوحَتِهِ مُرًّا، وَلَا يُقَالُ لِلسَّيْرِ: إِهْطَاعٌ إِلَّا إِذَا كَانَ مَعَهُ خَوْفٌ، وَلَا يُقَالُ لِلْفَرَسِ: مُحَجَّلٌ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْبَيَاضُ فِي قَوَائِمِهَا كُلِّهَا، أَوْ أَكْثَرِهَا، وَهَذَا بَابٌ طَوِيلٌ لَوْ تَقَصَّيْنَاهُ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ لِلطُّهْرِ: قُرْءٌ، إِلَّا إِذَا كَانَ قَبْلَهُ دَمٌ، وَبَعْدَهُ دَمٌ، فَأَيْنَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ؟
قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ لَمْ يَجِئْ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ إِلَّا لِلْحَيْضِ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ مَجِيئَهُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ لِلْحَيْضِ الْبَتَّةَ، فَضْلًا عَنِ الْحَصْرِ. قَالُوا: إِنَّهُ قَالَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكَ» ، فَقَدْ أَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ فِي كِتَابِ حَرْمَلَةَ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ، وَهَذَا لَفْظُهُ.
قَالَ: وَزَعَمَ إبراهيم بن إسماعيل بن علية أَنَّ الْأَقْرَاءَ: الْحِيَضُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ سفيان، عَنْ أيوب، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أم سلمة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي امْرَأَةٍ اسْتُحِيضَتْ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَمَا حَدَّثَ بِهَذَا سفيان قَطُّ، إِنَّمَا قَالَ سفيان، عَنْ أيوب، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أم سلمة ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَدَعُ الصَّلَاةَ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ»
أَوْ قَالَ: " أَيَّامَ أَقْرَائِهَا "، الشَّكُّ مِنْ أيوب لَا يَدْرِي. قَالَ: هَذَا أَوْ هَذَا، فَجَعَلَهُ هُوَ حَدِيثًا عَلَى نَاحِيَةِ مَا يُرِيدُ، فَلَيْسَ هَذَا بِصِدْقٍ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا مالك، عَنْ نافع، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أم سلمة ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لِتَنْظُرْ عَدَدَ
стр. 2443
اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، ثُمَّ لِتَدَعِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّ.» ونافع أَحْفَظُ عَنْ سليمان مِنْ أيوب وَهُوَ يَقُولُ: بِمِثْلِ أَحَدِ مَعْنَيَيْ أيوب اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا، انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالُوا: وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [الْبَقَرَةِ: ٢٢٨] .
وَأَنَّهُ الْحَيْضُ، أَوِ الْحَبَلُ أَوْ كِلَاهُمَا، فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَيْضَ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ تَحْرِيمُ كِتْمَانِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرُوءَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ هِيَ الْحِيَضُ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتِ الْأَطْهَارَ، فَإِنَّهَا تَنْقَضِي بِالطَّعْنِ فِي الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ، فَإِذَا أَرَادَتْ كِتْمَانَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَتْ: لَمْ أَحِضْ، فَتَنْقَضِيَ عِدَّتِي، وَهِيَ كَاذِبَةٌ وَقَدْ حَاضَتْ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ دَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ أَظْهَرَ، وَنَحْنُ نَقْنَعُ بِاتِّفَاقِ الدِّلَالَةِ بِهَا، وَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الِاسْتِدْلَالَ، فَهُوَ مِنْ جَانِبِنَا أَظْهَرُ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: الْحَيْضُ وَالْوِلَادَةُ. فَإِذَا كَانَتِ الْعِدَّةُ تَنْقَضِي بِظُهُورِ الْوِلَادَةِ فَهَكَذَا تَنْقَضِي بِظُهُورِ الْحَيْضِ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا فِي إِتْيَانِ الْمَرْأَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] فَجُعِلَ كُلُّ شَهْرٍ بِإِزَاءِ حَيْضَةٍ، فَلَيْسَ هَذَا بِصَرِيحٍ فِي أَنَّ الْقُرُوءَ هِيَ الْحِيَضُ، بَلْ غَايَةُ الْآيَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْيَأْسَ مِنَ الْحَيْضِ شَرْطًا فِي الِاعْتِدَادِ بِالْأَشْهُرِ، فَمَا دَامَتْ حَائِضًا لَا تَنْتَقِلُ إِلَى عِدَّةِ الْآيِسَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الَّتِي هِيَ الْأَطْهَارُ عِنْدَنَا لَا تُوجَدُ إِلَّا مَعَ الْحَيْضِ، لَا تَكُونُ بِدُونِهِ، فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْحَيْضَ؟
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِحَدِيثِ عائشة ﵂: «طَلَاقُ الْأَمَةِ طَلْقَتَانِ وَقَرْؤُهَا حَيْضَتَانِ» فَهُوَ حَدِيثٌ لَوِ اسْتَدْلَلْنَا بِهِ عَلَيْكُمْ لَمْ تَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنَّا، فَإِنَّهُ
стр. 2444
حَدِيثٌ ضَعِيفٌ مَعْلُولٌ، قَالَ الترمذي: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مظاهر بن أسلم، ومظاهر لَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الْعِلْمِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، انْتَهَى. ومظاهر بن أسلم هَذَا، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ، وَضَعَّفَهُ أبو عاصم أَيْضًا. وَقَالَ أبو داود: هَذَا حَدِيثٌ مَجْهُولٌ، وَقَالَ الخطابي: أَهْلُ الْحَدِيثِ ضَعَّفُوا هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ البيهقي: لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَقُلْنَا بِهِ إِلَّا أَنَّا لَا نُثْبِتُ حَدِيثًا يَرْوِيهِ مَنْ تُجْهَلُ عَدَالَتُهُ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الصَّحِيحُ عَنِ القاسم بِخِلَافِ هَذَا، ثُمَّ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: سُئِلَ القاسم عَنِ الْأَمَةِ كَمْ تُطَلَّقُ؟ قَالَ: طَلَاقُهَا ثِنْتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ.
قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: هَلْ بَلَغَكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: لَا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " تَارِيخِهِ ": مظاهر بن أسلم، عَنِ القاسم، عَنْ عائشة ﵂ يَرْفَعُهُ: «طَلَاقُ الْأَمَةِ طَلْقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ.»
قَالَ أبو عاصم: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مظاهر، ثُمَّ لَقِيتُ مظاهرا، فَحَدَّثَنَا بِهِ، وَكَانَ أبو عاصم يُضَعِّفُ مظاهرا، وَقَالَ يحيى بن سليمان: حَدَّثَنَا ابن وهب، قَالَ: حَدَّثَنِي أسامة بن زيد بن أسلم، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ أَبِيهِ، فَأَتَاهُ رَسُولُ الْأَمِيرِ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَمِيرَ يَقُولُ لَكَ: كَمْ عِدَّةُ الْأَمَةِ؟ فَقَالَ: عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ، وَطَلَاقُ الْحُرِّ الْأَمَةَ ثَلَاثٌ، وَطَلَاقُ الْعَبْدِ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّسُولِ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أَسْأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: فَأُقْسِمُ عَلَيْكَ إِلَّا رَجَعْتَ إِلَيَّ فَأَخْبَرْتَنِي مَا يَقُولَانِ، فَذَهَبَ وَرَجَعَ إِلَى أَبِي، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمَا قَالَا كَمَا قَالَ، وَقَالَا لَهُ: قُلْ لَهُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنْ عَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي " أَطْرَافِهِ ": فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ، وَعِدَّتُهَا
стр. 2445
حَيْضَتَانِ» ، فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ الْعَوْفِيِّ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَالصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ مَا رَوَاهُ سالم، ونافع مِنْ قَوْلِهِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ سالم ونافع، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: طَلَاقُ الْعَبْدِ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، وَطَلَاقُ الْحُرِّ الْأَمَةَ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ.
قَالُوا: وَالثَّابِتُ بِلَا شَكٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، أَنَّ الْأَقْرَاءَ: الْأَطْهَارُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أَخْبَرَنَا مالك ﵀، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، فَدَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ، وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا.
قَالُوا: فَهَذَا الْحَدِيثُ مَدَارُهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وعائشة، وَمَذْهَبُهُمَا بِلَا شَكٍّ أَنَّ الْأَقْرَاءَ: الْأَطْهَارُ، فَكَيْفَ يَكُونُ عِنْدَهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُ ذَلِكَ، وَلَا يَذْهَبَانِ إِلَيْهِ؟ قَالُوا: وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عائشة الْآخَرِ: «أُمِرَتْ بريرة أَنْ تَعْتَدَّ ثَلَاثَ حِيَضٍ.»
قَالُوا: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ: أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ، وَأُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ، وَأُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ ثَلَاثَ حِيَضٍ، فَلَعَلَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى " ثَلَاثَ حِيَضٍ " مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَعْنَى، وَمِنَ الْعَجَبِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عائشة ﵂ هَذَا وَهِيَ تَقُولُ: الْأَقْرَاءُ: الْأَطْهَارُ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا السَّنَدِ الْمَشْهُورِ الَّذِي كُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ، وَلَا يُخَرِّجُهُ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ، وَلَا الْمَسَانِدِ، وَلَا مَنِ اعْتَنَى بِأَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَجَمْعِهَا، وَلَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، وَكَيْفَ يَصْبِرُ عَنْ إِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ هُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا بِهَذَا السَّنَدِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي هُوَ كَالشَّمْسِ شُهْرَةً، وَلَا شَكَّ أَنَّ بريرة أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ، وَأَمَّا إِنَّهَا أُمِرَتْ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، فَهَذَا لَوْ صَحَّ لَمْ نَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَبَادَرْنَا إِلَيْهِ.
стр. 2446
قَالُوا: وَأَمَّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِشَأْنِ الِاسْتِبْرَاءِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ الصَّحِيحَ كَوْنُهُ بِحَيْضَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ الصَّحِيحِ، فَلَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِالتَّعَلُّلِ بِالْقَوْلِ: إِنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِالطُّهْرِ، فَإِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ نَصِّ الرَّسُولِ ﷺ ، وَخِلَافُ الْقَوْلِ الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَخِلَافُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنَ الْأُمَّةِ، فَالْوَجْهُ الْعُدُولُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ، فَنَقُولُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِدَّةَ وَجَبَتْ قَضَاءً لِحَقِّ الزَّوْجِ، فَاخْتُصَّتْ بِزَمَانِ حَقِّهِ، وَهُوَ الطُّهْرُ بِأَنَّهَا تَتَكَرَّرُ، فَيُعْلَمُ مِنْهَا الْبَرَاءَةُ بِوَاسِطَةِ الْحَيْضِ، بِخِلَافِ الِاسْتِبْرَاءِ.
قَوْلُكُمْ: لَوْ كَانَتِ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارَ لَمْ تَحْصُلْ بِالْقُرْءِ الْأَوَّلِ دَلَالَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَامَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فِيهِ حَسَبَتْ بَقِيَّتَهُ قُرْءًا، وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ هَذَا الطُّهْرَ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ.
فَجَوَابُهُ أَنَّهَا إِذَا طَهُرَتْ بَعْدَ طُهْرَيْنِ كَامِلَيْنِ، صَحَّتْ دَلَالَتُهُ بِانْضِمَامِهِ إِلَيْهِمَا.
قَوْلُكُمْ: إِنَّ الْحُدُودَ وَالْعَلَامَاتِ وَالْأَدِلَّةَ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِالْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ إِلَى آخِرِهِ.
جَوَابُهُ أَنَّ الطُّهْرَ إِذَا احْتَوَشَهُ دَمَانِ، كَانَ كَذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ دَمٌ، وَلَا بَعْدَهُ دَمٌ، فَهَذَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ الْبَتَّةَ.
قَالُوا: وَيَزِيدُ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ قُوَّةً، أَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الْجَمْعُ، وَزَمَانُ الطُّهْرِ أَوْلَى بِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجْتَمِعُ الْحَيْضُ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ بَعْدَ جَمْعِهِ. قَالُوا: وَإِدْخَالُ التَّاءِ فِي (ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ مُذَكَّرٌ، وَهُوَ الطُّهْرُ، فَلَوْ كَانَ الْحَيْضَ لَكَانَ بِغَيْرِ تَاءٍ؛ لِأَنَّ وَاحِدَهَا حَيْضَةٌ.
فَهَذَا مَا احْتَجَّ بِهِ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ اسْتِدْلَالًا وَجَوَابًا، وَهَذَا مَوْضِعٌ لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، إِذْ لَا تَوَسُّطَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّحَيُّزِ إِلَى أَحَدِ الْفِئَتَيْنِ، وَنَحْنُ مُتَحَيِّزُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى أَكَابِرِ الصِّحَابَةِ وَقَائِلُونَ فِيهَا بِقَوْلِهِمْ:
стр. 2447
إِنَّ الْقُرْءَ الْحَيْضُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ، فَنُجِيبُ عَمَّا عَارَضَ بِهِ أَرْبَابُ الْقَوْلِ الْآخَرِ، لِيَتَبَيَّنَ مَا رَجَّحْنَاهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَنَقُولُ: أَمَّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] [الطَّلَاقِ: ١] ، فَهُوَ إِلَى أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَيْكُمْ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لَكُمْ، فَإِنَّ الْمُرَادَ طَلَاقُهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ ضَرُورَةً، إِذْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى الطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنَّ هَذَا - مَعَ تَضَمُّنِهِ لِكَوْنِ اللَّامِ لِلظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنَى - فِي - فَاسِدٌ مَعْنًى، إِذْ لَا يُمْكِنُ إِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنَّهُ سَبَبُهَا، وَالسَّبَبُ يَتَقَدَّمُ الْحُكْمَ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ: الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ، فَقَدْ عَمِلَ بِالْآيَةِ، وَطَلَّقَ قَبْلَ الْعِدَّةِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا الْأَطْهَارُ فَالْعِدَّةُ تَتَعَقَّبُ الطَّلَاقَ، فَقَدْ طَلَّقَ قَبْلَ الْعِدَّةِ، قُلْنَا: فَبَطَلَ احْتِجَاجُكُمْ حِينَئِذٍ، وَصَحَّ أَنَّ الْمُرَادَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الْعِدَّةِ لَا فِيهَا، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْآيَةِ، لَكِنَّ إِرَادَةَ الْحَيْضِ أَرْجَحُ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ فِعْلَةٌ مِمَّا تَعُدُّ يَعْنِي مَعْدُودَةً؛ لِأَنَّهَا تُعَدُّ وَتُحْصَى، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١] [الطَّلَاقِ: ١] ، وَالطُّهْرُ الَّذِي قَبْلَ الْحَيْضَةِ مِمَّا يُعَدُّ وَيُحْصَى، فَهُوَ مِنَ الْعِدَّةِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ دُخُولُهُ فِي مُسَمَّى الْقُرُوءِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ أَمْ لَا؟ فَلَوْ كَانَ النَّصُّ: فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُرُوئِهِنَّ، لَكَانَ فِيهِ تَعَلُّقٌ، فَهُنَا أَمْرَانِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [الْبَقَرَةِ: ٢٢٨] ، وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] [الطَّلَاقِ: ١] ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقَائِلَ: افْعَلْ كَذَا لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، إِنَّمَا يَكُونُ الْمَأْمُورُ مُمْتَثِلًا إِذَا فَعَلَهُ قَبْلَ مَجِيءِ الثَّلَاثِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: فَعَلْتُهُ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنَ الشَّهْرِ، إِنَّمَا يَصْدُقُ إِذَا فَعَلَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الثَّلَاثِ، وَهُوَ بِخِلَافِ حَرْفِ الظَّرْفِ الَّذِي هُوَ " فِي " فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ: فَعَلْتُهُ فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ، كَانَ الْفِعْلُ وَاقِعًا فِي نَفْسِ الثَّلَاثِ، وَهَاهُنَا نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: فَعَلْتُهُ لِثَلَاثِ لَيَالٍ خَلَوْنَ أَوْ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، وَفَعَلْتُهُ فِي الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ مِنَ الشَّهْرِ، أَوْ فِي ثَانِيهِ أَوْ ثَالِثِهِ، فَمَتَى أَرَادُوا مُضِيَّ الزَّمَانِ أَوِ اسْتِقْبَالَهُ، أَتَوْا بِاللَّامِ، وَمَتَى أَرَادُوا وُقُوعَ الْفِعْلِ فِيهِ، أَتَوْا بِفِي، وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا أَرَادُوا مُضِيَّ زَمَنِ الْفِعْلِ أَوِ اسْتِقْبَالَهُ
стр. 2448
أَتَوْا بِالْعَلَامَةِ الدَّالَّةِ عَلَى اخْتِصَاصِ الْعَدَدِ الَّذِي يَلْفِظُونَ بِهِ بِمَا مَضَى، أَوْ بِمَا يُسْتَقْبَلُ، وَإِذَا أَرَادُوا وُقُوعَ الْفِعْلِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَتَوْا بِالْأَدَاةِ الْمُعَيَّنَةِ لَهُ، وَهِيَ أَدَاةُ " فِي "، وَهَذَا خَيْرٌ مِنْ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ النُّحَاةِ: إِنَّ اللَّامَ تَكُونُ بِمَعْنَى قَبْلُ فِي قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُهُ لِثَلَاثٍ بَقِينَ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] [الطَّلَاقِ: ١] . وَبِمَعْنَى بَعْدُ، كَقَوْلِهِمْ: لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ. وَبِمَعْنَى فِي: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] [الْأَنْبِيَاءِ: ٤٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] [آلِ عِمْرَانَ: ٢٥] ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ اللَّامَ عَلَى بَابِهَا لِلِاخْتِصَاصِ بِالْوَقْتِ الْمَذْكُورِ، كَأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْفِعْلَ لِلزَّمَانِ الْمَذْكُورِ اتِّسَاعًا لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ، فَكَأَنَّهُ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ.
وَفَرْقٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّكَ إِذَا أَتَيْتَ بِاللَّامِ، لَمْ يَكُنِ الزِّمَانُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ إِلَّا مَاضِيًا أَوْ مُنْتَظَرًا، وَمَتَى أَتَيْتَ بِفِي لَمْ يَكُنِ الزِّمَانُ الْمَجْرُورُ بِهَا إِلَّا مُقَارِنًا لِلْفِعْلِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا مِنْ قَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] [الطَّلَاقِ: ١] ، مَعْنَاهُ: لِاسْتِقْبَالِ عِدَّتِهِنَّ لَا فِيهَا، وَإِذَا كَانَتِ الْعِدَّةُ الَّتِي يُطَلَّقُ لَهَا النِّسَاءُ مُسْتَقْبَلَةً بَعْدَ الطَّلَاقِ، فَالْمُسْتَقْبَلُ بَعْدَهَا إِنَّمَا هُوَ الْحَيْضُ، فَإِنَّ الطَّاهِرَ لَا تَسْتَقْبِلُ الطُّهْرَ إِذْ هِيَ فِيهِ، وَإِنَّمَا تَسْتَقْبِلُ الْحَيْضَ بَعْدَ حَالِهَا الَّتِي هِيَ فِيهَا، هَذَا الْمَعْرُوفُ لُغَةً وَعَقْلًا وَعُرْفًا، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ هُوَ فِي عَافِيَةٍ: هُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْعَافِيَةَ، وَلَا لِمَنْ هُوَ فِي أَمْنٍ: هُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْأَمْنَ، وَلَا لِمَنْ هُوَ فِي قَبْضِ مَغَلِّهِ وَإِحْرَازِهِ: هُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَغَلَّ، وَإِنَّمَا الْمَعْهُودُ لُغَةً وَعُرْفًا أَنْ يَسْتَقْبِلَ الشَّيْءَ مَنْ هُوَ عَلَى حَالٍ ضِدَّهُ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ نُكْثِرَ شَوَاهِدَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَنْ طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ مُطَلِّقًا لِلْعِدَّةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَقْبِلُ طُهْرَهَا بَعْدَ حَالِهَا الَّتِي هِيَ فِيهَا، قُلْنَا: نَعَمْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَوَّلُ الْعِدَّةِ الَّتِي تُطَلَّقُ لَهَا الْمَرْأَةُ هُوَ الطُّهْرَ لَكَانَ إِذَا طَلَّقَهَا فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضِ مُطَلِّقًا لِلْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَقْبِلُ الطُّهْرَ بَعْدَ ذَلِكَ الطَّلَاقِ.
فَإِنْ قِيلَ: " اللَّامُ " بِمَعْنَى " فِي "، وَالْمَعْنَى: فَطَلِّقُوهُنَّ فِي عِدَّتِهِنَّ، وَهَذَا إِنَّمَا
стр. 2449
يُمْكِنُ إِذَا طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ. قِيلَ: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْحُرُوفِ، وَالْأَصْلُ إِفْرَادُ كُلِّ حَرْفٍ بِمَعْنَاهُ، فَدَعْوَى خِلَافِ ذَلِكَ مَرْدُودَةٌ بِالْأَصْلِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْعِدَّةِ ظَرْفًا لِزَمَنِ الطَّلَاقِ، فَيَكُونُ الطَّلَاقُ وَاقِعًا فِي نَفْسِ الْعِدَّةِ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، كَمَا إِذَا قُلْتَ: فَعَلْتُهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ، بَلِ الْغَالِبُ فِي الِاسْتِعْمَالِ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الظَّرْفِ سَابِقًا عَلَى الْفِعْلِ، وَلَا رَيْبَ فِي امْتِنَاعِ هَذَا، فَإِنَّ الْعِدَّةَ تَتَعَقَّبُ الطَّلَاقَ وَلَا تُقَارِنُهُ، وَلَا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
قَالُوا: وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ " اللَّامَ " بِمَعْنَى " فِي "، وَسَاعَدَ عَلَى ذَلِكَ قِرَاءَةُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ وَغَيْرِهِ: (فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقُرْءُ: هُوَ الطُّهْرَ، فَإِنَّ الْقُرْءَ حِينَئِذٍ يَكُونُ هُوَ الْحَيْضَ، وَهُوَ الْمَعْدُودُ وَالْمَحْسُوبُ، وَمَا قَبْلَهُ مِنَ الطُّهْرِ يَدْخُلُ فِي حُكْمِهِ تَبَعًا وَضِمْنًا لِوَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ الْحَيْضِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ طُهْرٌ، فَإِذَا قِيلَ: تَرَبَّصِي ثَلَاثَ حِيَضٍ، وَهِيَ فِي أَثْنَاءِ الطُّهْرِ كَانَ ذَلِكَ الطُّهْرُ مِنْ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ، كَمَا لَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ: أَقِمْ هَاهُنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ لَيْلَةٍ، فَإِنَّهُ يُدْخِلُ بَقِيَّةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيهَا، كَمَا تَدْخُلُ لَيْلَةُ الْيَوْمَيْنِ الْآخَرِيَنِ فِي يَوْمَيْهِمَا. وَلَوْ قِيلَ لَهُ فِي النَّهَارِ: أَقِمْ ثَلَاثَ لَيَالٍ، دَخَلَ تَمَامُ ذَلِكَ النَّهَارِ تَبَعًا لِلَّيْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْحَيْضَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِاجْتِمَاعِ الدَّمِ فِي الرَّحِمِ قَبْلَهُ، فَكَانَ الطُّهْرُ مُقَدَّمَةً وَسَبَبًا لِوُجُودِ الْحَيْضِ، فَإِذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِالْحَيْضِ، فَمِنْ لَوَازِمِهِ مَا لَا يُوجَدُ الْحَيْضُ إِلَّا بِوُجُودِهِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا أَبْلَغُ مِنَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي، فَإِنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مُتَلَازِمَانِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا سَبَبًا لِوُجُودِ الْآخَرِ، وَهَاهُنَا الطُّهْرُ سَبَبٌ لِاجْتِمَاعِ الدَّمِ فِي الرَّحِمِ، فَقَوْلُهُ : ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أَيْ لِاسْتِقْبَالِ الْعِدَّةِ الَّتِي
стр. 2450
تَتَرَبَّصُهَا، وَهِيَ تَتَرَبَّصُ ثَلَاثَ حِيَضٍ بِالْأَطْهَارِ الَّتِي قَبْلَهَا. فَإِذَا طُلِّقَتْ فِي أَثْنَاءِ الطُّهْرِ، فَقَدْ طُلِّقَتْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَسْتَقْبِلُ فِيهِ الْعِدَّةَ الْمَحْسُوبَةَ، وَتِلْكَ الْعِدَّةُ هِيَ الْحَيْضُ بِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْأَطْهَارِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ طُلِّقَتْ فِي أَثْنَاءِ حَيْضَةٍ، فَإِنَّهَا لَمْ تُطَلَّقْ لِعِدَّةٍ تَحْسَبُهَا؛ لَأَنَّ بَقِيَّةَ ذَلِكَ الْحَيْضِ لَيْسَ هُوَ الْعِدَّةَ الَّتِي تَعْتَدُّ بِهَا الْمَرْأَةُ أَصْلًا وَلَا تَبَعًا لِأَصْلٍ، وَإِنَّمَا تُسَمَّى عِدَّةً؛ لِأَنَّهَا تُحْبَسُ فِيهَا عَنِ الْأَزْوَاجِ، إِذَا عُرِفَ هَذَا، فَقَوْلُهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] [الْأَنْبِيَاءِ: ٤٧] ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لَامَ التَّعْلِيلِ، أَيْ: لِأَجْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْقِسْطَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أَيْ نَضَعُهَا لِأَجْلِ الْقِسْطِ، وَقَدِ اسْتَوْفَى شُرُوطَ نَصْبِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] [الْإِسْرَاءِ: ٧٨] ، فَلَيْسَتِ اللَّامُ بِمَعْنَى " فِي " قَطْعًا، بَلْ قِيلَ: إِنَّهَا لَامُ التَّعْلِيلِ، أَيْ: لِأَجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى بَعْدَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ إِقَامَتَهَا وَقْتَ الدُّلُوكِ سَوَاءٌ فُسِّرَ بِالزَّوَالِ أَوِ الْغُرُوبِ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ بَعْدَهُ، وَيَسْتَحِيلُ حَمْلُ آيَةِ الْعِدَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَهَكَذَا يَسْتَحِيلُ حَمْلُ آيَةِ الْعِدَّةِ عَلَيْهِ، إِذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى: فَطَلِّقُوهُنَّ بَعْدَ عِدَّتِهِنَّ. فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِاسْتِقْبَالِ عِدَّتِهِنَّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا إِذَا طُلِّقَتْ طَاهِرًا اسْتَقْبَلَتِ الْعِدَّةَ بِالْحَيْضِ. وَلَوْ كَانَتِ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارَ، لَكَانَتِ السُّنَّةُ أَنْ تُطَلَّقَ حَائِضًا لِتَسْتَقْبِلَ الْعِدَّةَ بِالْأَطْهَارِ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْعِدَّةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ هِيَ أَنْ تُطَلَّقَ طَاهِرًا لِتَسْتَقْبِلَ عِدَّتَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا جَعَلْنَا الْأَقْرَاءَ: الْأَطْهَارَ، اسْتَقْبَلَتْ عِدَّتَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ بِلَا فَصْلٍ، وَمَنْ جَعَلَهَا الْحِيَضَ لَمْ تَسْتَقْبِلْهَا عَلَى قَوْلِهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الطُّهْرُ.
قِيلَ: كَلَامُ الرَّبِّ ﵎ لَا بُدَّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى فَائِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَعْنَى: فَطَلِّقُوهُنَّ طَلَاقًا تَكُونُ الْعِدَّةُ بَعْدَهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى: فَطَلِّقُوهُنَّ طَلَاقًا يَسْتَقْبِلْنَ فِيهِ الْعِدَّةَ لَا يَسْتَقْبِلْنَ فِيهِ طُهْرًا لَا تَعْتَدُّ بِهِ، فَإِنَّهَا إِذَا طُلِّقَتْ حَائِضًا اسْتَقْبَلَتْ طُهْرًا لَا تَعْتَدُّ بِهِ، فَلَمْ تُطَلَّقْ لِاسْتِقْبَالِ الْعِدَّةِ، وَيُوَضِّحُهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدِّتِهِنَّ. وَقُبُلُ الْعِدَّةِ: هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي
стр. 2451
يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الْعِدَّةِ تُسْتَقْبَلُ بِهِ، كَقُبُلِ الْحَائِضِ، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ مَا ذَكَرُوهُ، لَقِيلَ: فِي أَوَّلِ عِدَّتِهِنَّ، فَالْفَرْقُ بَيِّنٌ بَيْنَ قُبُلِ الشَّيْءِ وَأَوَّلِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: لَوْ كَانَتِ الْقُرُوءُ هِيَ الْحِيَضَ، لَكَانَ قَدْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ. قُلْنَا: أَجَلْ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَقْلًا وَشَرْعًا، فَإِنَّ الْعِدَّةَ لَا تُفَارِقُ الطَّلَاقَ وَلَا تَسْبِقُهُ، بَلْ يَجِبُ تَأَخُّرُهَا عَنْهُ.
قَوْلُكُمْ: وَكَانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ، قِيلَ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ طَلَاقِ الْحَائِضِ خَشْيَةُ التَّطْوِيلِ عَلَيْهَا، وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ لَا يَرْضَوْنَ هَذَا التَّعْلِيلَ، وَيُفْسِدُونَهُ بِأَنَّهَا لَوْ رَضِيَتْ بِالطَّلَاقِ فِيهِ، وَاخْتَارَتِ التَّطْوِيلَ، لَمْ يُبَحْ لَهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ التَّطْوِيلِ، لَمْ تُبَحْ لَهُ بِرِضَاهَا، كَمَا يُبَاحُ إِسْقَاطُ الرَّجْعَةِ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْمُطَلِّقِ بِتَرَاضِيهِمَا بِإِسْقَاطِهَا بِالْعِوَضِ اتِّفَاقًا، وَبِدُونِهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أبي حنيفة، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد ومالك، وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا حَرُمَ طَلَاقُهَا فِي الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي وَقْتِ رَغْبَةٍ عَنْهَا، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّحْرِيمَ لِأَجْلِ التَّطْوِيلِ عَلَيْهَا، فَالتَّطْوِيلُ الْمُضِرُّ أَنْ يُطَلِّقَهَا حَائِضًا، فَتَنْتَظِرَ مُضِيَّ الْحَيْضَةِ وَالطُّهْرِ الَّذِي يَلِيهَا، ثُمَّ تَأْخُذَ فِي الْعِدَّةِ، فَلَا تَكُونُ مُسْتَقْبِلَةً لِعِدَّتِهَا بِالطَّلَاقِ، وَأَمَّا إِذَا طُلِّقَتْ طَاهِرًا، فَإِنَّهَا تَسْتَقْبِلُ الْعِدَّةَ عَقِيبَ انْقِضَاءِ الطُّهْرِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّطْوِيلُ.
وَقَوْلُكُمْ: إِنَّ الْقُرْءَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَمْعِ، وَإِنَّمَا يُجْمَعُ الْحَيْضُ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ. عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ، وَالَّذِي هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَمْعِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْيَاءِ مِنَ الْمُعْتَلِّ، مِنْ قَرَى يَقْرِي، كَقَضَى يَقْضِي، وَالْقُرْءُ مِنَ الْمَهْمُوزِ مِنْ بَنَاتِ الْهَمْزِ، مِنْ قَرَأَ يَقْرَأُ، كَنَحَرَ يَنْحَرُ، وَهُمَا أَصْلَانِ مُخْتَلِفَانِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَقْرِيهِ، أَيْ: جَمَعْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَرْيَةُ، وَمِنْهُ قَرْيَةُ النَّمْلِ: لِلْبَيْتِ الَّذِي تَجْتَمِعُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْرِيهَا، أَيْ يَضُمُّهَا وَيَجْمَعُهَا. وَأَمَّا الْمَهْمُوزُ، فَإِنَّهُ مِنَ الظُّهُورِ وَالْخُرُوجِ عَلَى وَجْهِ التَّوْقِيتِ وَالتَّحْدِيدِ، وَمِنْهُ قِرَاءَةُ
стр. 2452
الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ قَارِئَهُ يُظْهِرُهُ وَيُخْرِجُهُ مِقْدَارًا مَحْدُودًا لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] [الْقِيَامَةِ: ١٧] ، فَفُرِّقَ بَيْنَ الْجَمْعِ وَالْقُرْآنِ. وَلَوْ كَانَا وَاحِدًا، لَكَانَ تَكْرِيرًا مَحْضًا؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] [الْقِيَامَةِ: ١٨] ، فَإِذَا بَيَّنَّاهُ، فَجَعَلَ قِرَاءَتَهُ نَفْسَ إِظْهَارِهِ وَبَيَانِهِ، لَا كَمَا زَعَمَ أبو عبيدة أَنَّ الْقُرْآنَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَمْعِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: مَا قَرَأَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ سَلًى قَطُّ، وَمَا قَرَأَتْ جَنِينًا هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، أَيْ مَا وَلَدَتْهُ وَأَخْرَجَتْهُ وَأَظْهَرَتْهُ، وَمِنْهُ: فُلَانٌ يَقْرَؤُكُ السَّلَامَ، وَيَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، هُوَ مِنَ الظُّهُورِ وَالْبَيَانِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: قَرَأَتِ الْمَرْأَةُ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، أَيْ: حَاضَتْهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ ظُهُورُ مَا كَانَ كَامِنًا، كَظُهُورِ الْجَنِينِ، وَمِنْهُ: قُرُوءُ الثُّرَيَّا، وَقُرُوءُ الرِّيحِ: وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يَظْهَرُ الْمَطَرُ وَالرِّيحُ، فَإِنَّهُمَا يَظْهَرَانِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الِاشْتِقَاقَ الْمُصَنِّفُونَ فِي كُتُبِ الِاشْتِقَاقِ، وَذَكَرَهُ أبو عمرو وَغَيْرُهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْحَيْضِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الطُّهْرِ.
قَوْلُكُمْ: إِنَّ عائشة ﵂ قَالَتْ: الْقُرُوءُ: الْأَطْهَارُ، وَالنِّسَاءُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنَ الرِّجَالِ.
فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: مَنْ جَعَلَ النِّسَاءَ أَعْلَمَ بِمُرَادِ اللَّهِ مِنْ كِتَابِهِ، وَأَفْهَمَ لِمَعْنَاهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ﵃، وَأَكَابِرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَنُزُولُ ذَلِكَ فِي شَأْنِهِنَّ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ أَعْلَمُ بِهِ مِنَ الرِّجَالِ، وَإِلَّا كَانَتْ كُلُّ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي النِّسَاءِ تَكُونُ النِّسَاءُ أَعْلَمَ بِهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَيَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ تَقْلِيدُهُنَّ فِي مَعْنَاهَا وَحُكْمِهَا، فَيَكُنَّ أَعْلَمَ مِنَ
стр. 2453
الرِّجَالِ بِآيَةِ الرَّضَاعِ، وَآيَةِ الْحَيْضِ، وَتَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَائِضِ، وَآيَةِ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَآيَةِ الْحَمْلِ وَالْفِصَالِ وَمُدَّتِهِمَا، وَآيَةِ تَحْرِيمِ إِبْدَاءِ الزِّينَةِ إِلَّا لِمَنْ ذُكِرَ فِيهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِنَّ، وَفِي شَأْنِهِنَّ نَزَلَتْ، وَيَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ تَقْلِيدُهُنَّ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَعْنَاهَا، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ الْبَتَّةَ. وَكَيْفَ وَمَدَارُ الْعِلْمِ بِالْوَحْيِ عَلَى الْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَوُفُورِ الْعَقْلِ وَالرِّجَالُ أَحَقُّ بِهَذَا مِنَ النِّسَاءِ، وَأَوْفَرُ نَصِيبًا مِنْهُ، بَلْ لَا يَكَادُ يَخْتَلِفُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي مَسْأَلَةٍ إِلَّا وَالصَّوَابُ فِي جَانِبِ الرِّجَالِ، وَكَيْفَ يُقَالُ: إِذَا اخْتَلَفَتْ عائشة، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي مَسْأَلَةٍ: إِنَّ الْأَخْذَ بِقَوْلِ عائشة ﵂ أَوْلَى، وَهَلِ الْأَوْلَى إِلَّا قَوْلٌ فِيهِ خَلِيفَتَانِ رَاشِدَانِ؟ وَإِنْ كَانَ الصِّدِّيقُ مَعَهُمَا كَمَا حُكِيَ عَنْهُ، فَذَلِكَ الْقَوْلُ مِمَّا لَا يَعْدُوهُ
стр. 2454
الصَّوَابُ الْبَتَّةَ، فَإِنَّ النَّقْلَ عَنْ عمر، وعلي ثَابِتٌ، وَأَمَّا عَنِ الصِّدِّيقِ فَفِيهِ غَرَابَةٌ، وَيَكْفِينَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِمْ مِثْلُ: عمر، وعلي، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وأبي موسى، فَكَيْفَ نُقَدِّمُ قَوْلَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَفَهْمَهَا عَلَى أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ؟
ثُمَّ يُقَالُ: فَهَذِهِ عائشة ﵂ تَرَى رَضَاعَ الْكَبِيرِ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، وَيُثْبِتُ الْمَحْرَمِيَّةَ، وَمَعَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَقَدْ خَالَفَهَا غَيْرُهَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ رَوَتْ حَدِيثَ التَّحْرِيمِ بِهِ، فَهَلَّا قُلْتُمْ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنَ الرِّجَالِ، وَرَجَّحْتُمْ قَوْلَهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ خَالَفَهَا؟
وَنَقُولُ لِأَصْحَابِ مالك ﵀: وَهَذِهِ عائشة ﵂ لَا تَرَى التَّحْرِيمَ إِلَّا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ، وَمَعَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَتْ فِيهِ حَدِيثَيْنِ، فَهَلَّا قُلْتُمْ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنَ الرِّجَالِ، وَقَدَّمْتُمْ قَوْلَهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ خَالَفَهَا؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا حُكْمٌ يَتَعَدَّى إِلَى الرِّجَالِ، فَيَسْتَوِي النِّسَاءُ مَعَهُمْ فِيهِ، قِيلَ: وَيَتَعَدَّى حُكْمُ الْعِدَّةِ مِثْلَهُ إِلَى الرِّجَالِ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَ النِّسَاءُ مَعَهُمْ فِيهِ، وَهَذَا لَا خَفَاءَ بِهِ. ثُمَّ يُرَجَّحُ قَوْلُ الرِّجَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَهِدَ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذَا الْحِزْبِ، بِأَنَّ اللَّهَ ضَرَبَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ. وَقَدْ وَافَقَ رَبَّهُ ﵎ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ قَالَ فِيهَا قَوْلًا، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِمِثْلِ مَا قَالَ، وَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَضْلَ إِنَائِهِ فِي النَّوْمِ، وَأَوَّلَهُ
стр. 2455
بِالْعِلْمِ وَشَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ مُحَدَّثٌ مُلْهَمٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّقْلِيدِ، فَتَقْلِيدُهُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتِ الْحُجَّةُ هِيَ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ، فَتَحْكِيمُهَا هُوَ الْوَاجِبُ.
قَوْلُكُمْ: إِنَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَقْرَاءَ الْحِيَضُ، لَا يَقُولُونَ بِقَوْلِ علي وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا بِقَوْلِ عائشة، فَإِنَّ عليا يَقُولُ: هُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِوَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، فَهَذَا غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ تَنَاقُضًا مِمَّنْ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ، كَأَصْحَابِ أبي حنيفة، وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا عَمَّنْ يَقُولُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ حِكَايَةُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعِدَّةَ تَبْقَى عِنْدَهُ إِلَى أَنْ تَغْتَسِلَ كَمَا قَالَهُ عَلِيٌّ، وَمَنْ وَافَقَهُ، وَنَحْنُ نَعْتَذِرُ عَمَّنْ يَقُولُ: الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَقُولُ: هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ، فَإِنَّهُ وَافَقَ مَنْ يَقُولُ: الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ فِي ذَلِكَ، وَخَالَفَهُ فِي تَوَقُّفِ انْقِضَائِهَا عَلَى الْغُسْلِ لِمُعَارِضٍ أَوْجَبَ لَهُ مُخَالَفَتَهُ، كَمَا يَفْعَلُهُ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ.
وَلَوْ ذَهَبْنَا نَعُدُّ مَا تَصَرَّفْتُمْ فِيهِ هَذَا التَّصَرُّفَ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُعَارِضُ صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ تَنَاقُضًا مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، لَمْ يَكُنْ ضَعِيفُ قَوْلِهِمْ فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ عِنْدَهُمْ بِمَانِعٍ لَهُمْ مِنْ مُوَافَقَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّ مُوَافَقَةَ أَكَابِرِ الصِّحَابَةِ وَفِيهِمْ مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِي مُعْظَمِ قَوْلِهِمْ خَيْرٌ، وَأَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعِهِ وَإِلْغَائِهِ بِحَيْثُ لَا يُعْتَبَرُ الْبَتَّةَ.
следующие страницы →