Полный текст (2 628 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
عِدَّةً. قُلْتُ: كَمَا فِي حَدِيثِ أبي سعيد فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ أَنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] بِالسَّبَايَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ فَجَعَلَ الِاسْتِبْرَاءَ عِدَّةً. قَالَ فَأَمَّا حَدِيثُ ( «عائشة ﵂: أُمِرَتْ بريرة أَنْ تَعْتَدَّ ثَلَاثَ حِيَضٍ» ) فَحَدِيثٌ مُنْكَرٌ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَ عائشة ﵂ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ. قُلْتُ: وَمَنْ جَعَلَ أَنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ فَبِطَرِيقِ الْأَوْلَى تَكُونُ عِدَّةُ الْفُسُوخِ كُلِّهَا عِنْدَهُ حَيْضَةً؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ الَّذِي هُوَ شَقِيقُ الطَّلَاقِ وَأَشْبَهُ بِهِ لَا يَجِبُ فِيهِ الِاعْتِدَادُ عِنْدَهُ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، فَالْفَسْخُ أَوْلَى وَأَحْرَى مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْفُقَهَاءِ يَجْعَلُ الْخُلْعَ طَلَاقًا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُهُ بِخِلَافِ الْفَسْخِ لِرَضَاعٍ وَنَحْوِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ أَبَا ثَوْرٍ وَمَنْ وَافَقَهُ يَقُولُونَ إِنَّ الزَّوْجَ إِذَا رَدَّ الْعِوَضَ وَرَضِيَتِ الْمَرْأَةُ بِرَدِّهِ وَرَاجَعَهَا فَلَهُمَا ذَلِكَ بِخِلَافِ الْفَسْخِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْخُلْعَ يُمْكِنُ فِيهِ رُجُوعُ الْمَرْأَةِ إِلَى زَوْجِهَا فِي عِدَّتِهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بِخِلَافِ الْفَسْخِ لِرَضَاعٍ أَوْ عَدَدٍ، أَوْ مَحْرَمِيَّةٍ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ عَوْدُهَا إِلَيْهِ، فَهَذِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى يَكْفِيهَا اسْتِبْرَاءٌ بِحَيْضَةٍ، وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا كَالْمَسْبِيَّةِ وَالْمُهَاجِرَةِ وَالْمُخْتَلِعَةِ وَالزَّانِيَةِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فِيهِمَا دَلِيلًا وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ.
[فصل الْفَرْقُ بَيْنَ عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ]
فَصْلٌ
وَمِمَّا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَيْنَ عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ أَنَّ عِدَّةَ الرَّجْعِيَّةِ لِأَجْلِ الزَّوْجِ، وَلِلْمَرْأَةِ فِيهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنَّ سُكْنَاهَا هَلْ هِيَ كَسُكْنَى الزَّوْجَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَنْقُلَهَا الْمُطَلِّقُ حَيْثُ شَاءَ أَمْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا الْمَنْزِلُ فَلَا تَخْرُجُ، وَلَا تُخْرَجُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أحمد، وأبي حنيفة
стр. 2487
وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْقُرْآنُ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أحمد.
وَالصَّوَابُ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ سُكْنَى الرَّجْعِيَّةِ مِنْ جِنْسِ سُكْنَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَلَوْ تَرَاضَيَا بِإِسْقَاطِهَا لَمْ يَجُزْ كَمَا أَنَّ الْعِدَّةَ فِيهَا كَذَلِكَ بِخِلَافِ الْبَائِنِ فَإِنَّهَا لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا عَلَيْهَا، فَالزَّوْجُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ كَمَا ( «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لفاطمة بنت قيس: لَا نَفَقَةَ لَكِ، وَلَا سُكْنَى» )
وَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَهَلْ هِيَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ يَمْلِكُ إِسْقَاطَهَا بِأَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً أَمْ هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ فَلَا يَمْلِكُ إِسْقَاطَهَا؟ وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَائِنَةً وَقَعَتْ رَجْعِيَّةً أَمْ هِيَ حَقٌّ لَهُمَا فَإِنْ تَرَاضَيَا بِالْخُلْعِ بِلَا عِوَضٍ وَقَعَ طَلَاقًا بَائِنًا، وَلَا رَجْعَةَ فِيهِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
فَالْأَوَّلُ: مَذْهَبُ أبي حنيفة وَإِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أحمد.
وَالثَّانِي: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أحمد.
وَالثَّالِثُ مَذْهَبُ مالك وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ أحمد.
وَالصَّوَابُ أَنَّ الرَّجْعَةَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إِسْقَاطِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً بَائِنَةً وَلَوْ رَضِيَتِ الزَّوْجَةُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِفَسْخِ النِّكَاحِ بِلَا عِوَضٍ بِالِاتِّفَاقِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَجُوزُ الْخُلْعُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مالك وأحمد، وَهَلْ هَذَا إِلَّا اتِّفَاقٌ مِنَ الزِّوْجَيْنِ عَلَى فَسْخِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ عِوَضٍ؟ قِيلَ: إِنَّمَا يُجَوِّزُ أحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الْخُلْعَ بِلَا عِوَضٍ إِذَا كَانَ طَلَاقًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ فَسْخًا فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، قَالَهُ شَيْخُنَا ﵀. قَالَ: وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنْ يَبِينَهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ عَدَدُ الطَّلَاقِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ إِلَيْهِمَا إِذَا أَرَادَا أَنْ يَجْعَلَا الْفُرْقَةَ بَيْنَ الثَّلَاثِ جَعَلَاهَا وَإِنْ أَرَادَا لَمْ يَجْعَلَاهَا مِنَ الثَّلَاثِ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا إِذَا قَالَتْ فَادِنِي بِلَا طَلَاقٍ أَنْ يَبِينَهَا بِلَا طَلَاقٍ، وَيَكُونُ
стр. 2488
مُخَيَّرًا إِذَا سَأَلَتْهُ إِنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهُ رَجْعِيًّا وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهُ بَائِنًا، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، فَإِنَّ مَضْمُونَهُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ إِنْ شَاءَ أَنْ يُحَرِّمَهَا بَعْدَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُحَرِّمْهَا، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يُخَيَّرَ الرَّجُلُ بَيْنَ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ حَلَالًا وَأَنْ يَجْعَلَهُ حَرَامًا، وَلَكِنْ إِنَّمَا يُخَيَّرُ بَيْنَ مُبَاحَيْنِ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يُبَاشِرَ أَسْبَابَ الْحِلِّ وَأَسْبَابَ التَّحْرِيمِ، وَلَيْسَ لَهُ إِنْشَاءُ نَفْسِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا شَرَعَ لَهُ الطَّلَاقَ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يَشْرَعْ لَهُ إِيقَاعَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً لِئَلَّا يَنْدَمَ وَتَزُولَ نَزْغَةُ الشَّيْطَانِ الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلَى الطَّلَاقِ فَتَتْبَعُ نَفْسُهُ الْمَرْأَةَ فَلَا يَجِدُ إِلَيْهَا سَبِيلًا، فَلَوْ مَلَّكَهُ الشَّارِعُ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً بَائِنَةً ابْتِدَاءً لَكَانَ هَذَا الْمَحْذُورُ بِعَيْنِهِ مَوْجُودًا، وَالشَّرِيعَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ تَأْبَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَبْقَى الْأَمْرُ بِيَدِهَا إِنْ شَاءَتْ رَاجَعَتْهُ وَإِنْ شَاءَتْ فَلَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الطَّلَاقَ بِيَدِ الزَّوْجِ لَا بِيَدِ الْمَرْأَةِ رَحْمَةً مِنْهُ وَإِحْسَانًا وَمُرَاعَاةً لِمَصْلَحَةِ الزِّوْجَيْنِ.
نَعَمْ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهَا أَمْرَهَا بِاخْتِيَارِهِ فَيُخَيِّرُهَا بَيْنَ الْقِيَامِ مَعَهُ وَفِرَاقِهَا.، وَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ الْأَمْرُ عَنْ يَدِ الزَّوْجِ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَيْهَا، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ مِنَ الرَّجْعَةِ، وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا يُمَلِّكُ الْعَبْدَ مَا يَنْفَعُهُ مِلْكُهُ، وَلَا يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُمَلِّكْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَلَا مَلَّكَهُ جَمْعَ الثَّلَاثِ، وَلَا مَلَّكَهُ الطَّلَاقَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ الْمُوَاقِعِ فِيهِ، وَلَا مَلَّكَهُ نِكَاحَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَلَا مَلَّكَ الْمَرْأَةَ الطَّلَاقَ، وَقَدْ نَهَى سُبْحَانَهُ الرِّجَالَ أَنْ يُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَهُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ قِيَامًا، فَكَيْفَ يَجْعَلُونَ أَمْرَ الْأَبْضَاعِ إِلَيْهِنَّ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ، فَكَمَا لَا يَكُونُ الطَّلَاقُ بِيَدِهَا لَا تَكُونُ الرَّجْعَةُ بِيَدِهَا، فَإِنْ شَاءَتْ رَاجَعَتْهُ وَإِنْ شَاءَتْ فَلَا، فَتَبْقَى الرَّجْعَةُ مَوْقُوفَةً عَلَى اخْتِيَارِهَا، وَإِذَا كَانَ لَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ الطَّلَاقَ الْمُحَرِّمَ ابْتِدَاءً أَوْلَى وَأَحْرَى؛ لِأَنَّ النَّدَمَ فِي الطَّلَاقِ الْمُحَرِّمِ أَقْوَى مِنْهُ فِي الْبَائِنِ. فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِبَانَةَ وَلَوْ أَتَى بِهَا لَمْ تَبِنْ كَمَا هُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الثَّلَاثَ الْمُحَرِّمَةَ ابْتِدَاءً بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَأَنَّ لَهُ رَجْعَتَهَا. وَإِنْ أَوْقَعَهَا كَانَ لَهُ رَجْعَتُهَا. وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ
стр. 2489
وَاحِدَةً بَائِنَةً، فَإِذَا كَانَ لَا يَمْلِكُ إِسْقَاطَ الرَّجْعَةِ فَكَيْفَ يَمْلِكُ إِثْبَاتَ التَّحْرِيمِ الَّذِي لَا تَعُودُ بَعْدَهُ إِلَّا بِزَوْجٍ وَإِصَابَةٍ؟
فَإِنْ قِيلَ: فَلَازِمٌ هَذَا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ وَلَوْ بَعْدَ اثْنَتَيْنِ قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَلَّكَهُ الطَّلَاقَ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً وَيَكُونُ أَحَقَّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ وَيَبْقَى لَهُ وَاحِدَةٌ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إِنْ أَوْقَعَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَلَا تَعُودُ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ وَيُصِيبَهَا وَيُفَارِقَهَا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي مَلَّكَهُ إِيَّاهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ أَنْ يُحَرِّمَهَا ابْتِدَاءً تَحْرِيمًا تَامًّا مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ تَطْلِيقَتَيْنِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فصل عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ]
فَصْلٌ
قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُخْتَلِعَةِ أَنَّهَا ( «تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ» ) وَأَنَّ هَذَا مَذْهَبُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ اخْتَارَهَا شَيْخُنَا. وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْأَحَادِيثَ بِذَلِكَ بِإِسْنَادِهَا.
قَالَ النَّسَائِيُّ فِي " سُنَنِهِ الْكَبِيرِ ": بَابٌ فِي عِدَّةِ الْمُخْتَلِعَةِ. أَخْبَرَنِي أبو علي محمد بن يحيى المروزي حَدَّثَنَا شاذان عبد العزيز بن عثمان أخو عبدان حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا علي بن المبارك، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي محمد بن عبد الرحمن أَنَّ ( «ربيع بنت معوذ بن عفراء أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ فَكَسَرَ يَدَهَا وَهِيَ جميلة بنت عبد الله بن أبي فجاء أَخُوهَا يَشْتَكِيهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى ثَابِتٍ فَقَالَ: خُذِ الَّذِي لَهَا عَلَيْكَ وَخَلِّ سَبِيلَهَا. فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً وَاحِدَةً وَتَلْحَقَ بِأَهْلِهَا» )
أَخْبَرَنَا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ أَخْبَرَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
стр. 2490
، عَنْ ( «ربيع بنت معوذ قَالَ قُلْتُ لَهَا: حَدِّثِينِي حَدِيثَكِ قَالَتْ: اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي، ثُمَّ جِئْتُ عثمان فَسَأَلْتُ: مَاذَا عَلَيَّ مِنَ الْعِدَّةِ؟ قَالَ: لَا عِدَّةَ عَلَيْكِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِكِ فَتَمْكُثِينَ حَتَّى تَحِيضِي حَيْضَةً. قَالَتْ: وَإِنَّمَا تَبِعَ فِي ذَلِكَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مريم المغالية كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ» )
وَرَوَى عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ ( «امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِدَّتَهَا حَيْضَةً» ) رَوَاهُ أبو داود، عَنْ محمد بن عبد الرحيم البزاز، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ معمر، عَنْ عمرو بن مسلم، عَنْ عكرمة. وَرَوَاهُ الترمذي، عَنْ محمد بن عبد الرحيم بِهَذَا السَّنَدِ بِعَيْنِهِ.، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ مُوجِبُ السُّنَّةِ وَقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُوَافِقٌ لِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَكَفَتْ فِيهِ حَيْضَةٌ كَالْمَسْبِيَّةِ وَالْأَمَةِ الْمُسْتَبْرَأَةِ وَالْحُرَّةِ وَالْمُهَاجِرَةِ وَالزَّانِيَةِ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَنْكِحَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّارِعَ مِنْ تَمَامِ حِكْمَتِهِ جَعَلَ عِدَّةَ الرَّجْعِيَّةِ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ لِمَصْلَحَةِ الْمُطَلِّقِ وَالْمَرْأَةِ لِيَطُولَ زَمَانُ الرَّجْعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْصُ عَلَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ وَالْجَوَابِ عَنْهُ.
стр. 2491
[ذِكْرُ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاعْتِدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فِي مَنْزِلِهَا الَّذِي تُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَهِيَ فِيهِ]
ِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِحُكْمِهِ بِخُرُوجِ الْمَبْتُوتَةِ وَاعْتِدَادِهَا حَيْثُ شَاءَتْ
ثَبَتَ فِي " السُّنَنِ "، عَنْ زينب بنت كعب بن عجرة، عَنِ ( «الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ، فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقُدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي فَإِنِّي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ. فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ دَعَانِي، أَوْ أَمَرَ بِي فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ قُلْتِ؟ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِي، قَالَتْ: فَقَالَ: " امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عثمان، أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَضَى بِهِ وَاتَّبَعَهُ» )
قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ، فَإِنَّ زينب هَذِهِ مَجْهُولَةٌ لَمْ يَرْوِ حَدِيثَهَا غَيْرُ سعد بن إسحاق بن كعب، وَهُوَ غَيْرُ مَشْهُورٍ بِالْعَدَالَةِ، ومالك ﵀ وَغَيْرُهُ يَقُولُ فِيهِ
стр. 2492
سعد بن إسحاق، وسفيان يَقُولُ: سعيد. وَمَا قَالَهُ أبو محمد غَيْرُ صَحِيحٍ، فَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ فِي الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ، وَأَدْخَلَهُ مالك فِي " مُوَطَّئِهِ "، وَاحْتَجَّ بِهِ وَبَنَى عَلَيْهِ مَذْهَبَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ زينب بنت كعب مَجْهُولَةٌ، فَنَعَمْ مَجْهُولَةٌ عِنْدَهُ فَكَانَ مَاذَا؟ وزينب هَذِهِ مِنَ التَّابِعِيَّاتِ، وَهِيَ امْرَأَةُ أبي سعيد، رَوَى عَنْهَا سعد بن إسحاق بن كعب وَلَيْسَ بسعيد، وَقَدْ ذَكَرَهَ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ. وَالَّذِي غَرَّ أبا محمد قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ: لَمْ يَرْوِ عَنْهَا غَيْرُ سعد بن إسحاق، وَقَدْ رَوَيْنَا فِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ": حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عَنْ سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة، عَنْ عَمَّتِهِ زينب بنت كعب بن عجرة وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أبي سعيد قَالَ: ( «اشْتَكَى النَّاسُ عليا ﵁ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَشْكُوا عليا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَخْشَنُ فِي ذَاتِ اللَّهِ، أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) فَهَذِهِ امْرَأَةٌ تَابِعِيَّةٌ كَانَتْ تَحْتَ صَحَابِيٍّ، وَرَوَى عَنْهَا الثِّقَاتُ وَلَمْ يُطْعَنْ فِيهَا بِحَرْفٍ، وَاحْتَجَّ الْأَئِمَّةُ بِحَدِيثِهَا وَصَحَّحُوهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ سعد بن إسحاق غَيْرُ مَشْهُورٍ بِالْعَدَالَةِ، فَقَدْ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: ثِقَةٌ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَالدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا: ثِقَةٌ. وَقَالَ أبو حاتم: صَالِحٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ النَّاسُ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَحَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وداود بن قيس، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَلَمْ يُعْلَمْ فِيهِ قَدْحٌ، وَلَا جَرْحٌ الْبَتَّةَ، وَمِثْلُ هَذَا يُحْتَجُّ بِهِ اتِّفَاقًا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ﵃ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ،
стр. 2493
فَرَوَى عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ (عائشة ﵂. أَنَّهَا كَانَتْ تُفْتِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِالْخُرُوجِ فِي عِدَّتِهَا وَخَرَجَتْ بِأُخْتِهَا أم كلثوم حِينَ قُتِلَ عَنْهَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى مَكَّةَ فِي عُمْرَةٍ)
وَمِنْ طَرِيقِ عبد الرزاق: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عطاء، عَنِ (ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ : تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَمْ يَقُلْ: تَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ) وَهَذَا الْحَدِيثُ سَمِعَهُ عطاء مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ (عطاء قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وَلَمْ يَقُلْ: يَعْتَدِدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ) قَالَ سفيان: قَالَهُ لَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ كَمَا أَخْبَرَنَا.
وَقَالَ عبد الرزاق: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي (أبو الزبير أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: تَعْتَدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا حَيْثُ شَاءَتْ)
وَقَالَ عبد الرزاق، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ كَانَ يُرَحِّلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ فِي عِدَّتِهِنَّ)
وَذَكَرَ عبد الرزاق أَيْضًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ وعطاء قَالَا جَمِيعًا: الْمَبْتُوتَةُ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَحُجَّانِ وَتَعْتَمِرَانِ وَتَنْتَقِلَانِ وَتَبِيتَانِ.
стр. 2494
وَذَكَرَ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ (عطاء قَالَ: لَا يَضُرُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَيْنَ اعْتَدَّتْ)
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ (عطاء وأبي الشعثاء قَالَا جَمِيعًا: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَخْرُجُ فِي عِدَّتِهَا حَيْثُ شَاءَتْ)
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ (حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، قَالَ: سَأَلْتُ عطاء عَنِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا، أَتَحُجَّانِ فِي عِدَّتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ. وَكَانَ الحسن يَقُولُ بِمِثْلِ ذَلِكَ)
وَقَالَ ابن وهب: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ حنين بن أبي حكيم أَنَّ (امْرَأَةَ مُزَاحِمٍ لَمَّا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا بِخُنَاصِرَةَ سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَأَمْكُثُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتِي؟ فَقَالَ لَهَا: بَلِ الْحَقِي بِقَرَارِكِ وَدَارِ أَبِيكِ فَاعْتَدِّي فِيهَا)
قَالَ ابن وهب: وَأَخْبَرَنِي يحيى بن أيوب، عَنْ (يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ تُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، وَلَهُ بِهَا دَارٌ، وَلَهُ بِالْفُسْطَاطِ دَارٌ، فَقَالَ: إِنْ أَحَبَّتْ أَنْ تَعْتَدَّ حَيْثُ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَلْتَعْتَدَّ، وَإِنْ أَحَبَّتْ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى دَارِ
стр. 2495
زَوْجِهَا وَقَرَارِهِ بِالْفُسْطَاطِ فَتَعْتَدَّ فِيهَا فَلْتَرْجِعْ)
قَالَ ابن وهب: وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ (بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ: سَأَلْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَةِ يَخْرُجُ بِهَا زَوْجُهَا إِلَى بَلَدٍ فَيُتَوَفَّى؟ قَالَ: تَعْتَدُّ حَيْثُ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، أَوْ تَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ كُلِّهِمْ.
وَلِأَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ حُجَّتَانِ احْتَجَّ بِهِمَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ حَكَيْنَا إِحْدَاهُمَا، وَهِيَ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَمَرَهَا بِاعْتِدَادِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ.
وَالثَّانِيَةُ: مَا رَوَاهُ أبو داود: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد المروزي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا شبل، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ: قَالَ عطاء: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] قَالَ عطاء: إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ [البقرة: ٢٤٠] قَالَ عطاء: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى، تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ)
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: تَعْتَدُّ فِي مَنْزِلِهَا الَّتِي تُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَهِيَ فِيهِ، قَالَ وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ منصور، عَنْ مجاهد، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ (أَنَّ عمر رَدَّ نِسْوَةً مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حَاجَّاتٍ، أَوْ مُعْتَمِرَاتٍ تُوُفِّيَ عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ)
стр. 2496
وَقَالَ عبد الرزاق: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا حميد الأعرج، عَنْ مجاهد قَالَ: (كَانَ عمر وعثمان يَرْجِعَانِهِنَّ حَاجَّاتٍ وَمُعْتَمِرَاتٍ مِنَ الْجُحْفَةِ وَذِي الْحُلَيْفَةِ)
وَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنْ أيوب، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ أُمِّهِ مسيكة (أَنَّ امْرَأَةً مُتَوَفًّى عَنْهَا زَارَتْ أَهْلَهَا فِي عِدَّتِهَا فَضَرَبَهَا الطُّلَّقُ، فَأَتَوْا عثمان فَقَالَ: احْمِلُوهَا إِلَى بَيْتِهَا وَهِيَ تَطْلُقُ)
وَذَكَرَ أَيْضًا، عَنْ معمر، عَنْ أيوب، عَنْ نافع، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ تَعْتَدُّ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا، وَكَانَتْ تَأْتِيهِمْ بِالنَّهَارِ فَتَتَحَدَّثُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهَا)
وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ علي بن المبارك، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان (أَنَّ عمر رَخَّصَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَهَا بَيَاضَ يَوْمِهَا، وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَمْ يُرَخِّصْ لَهَا إِلَّا فِي بَيَاضِ يَوْمِهَا أَوْ لَيْلِهَا)
وَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ علقمة قَالَ: (سَأَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ نِسَاءً مِنْ هَمْدَانَ نُعِيَ إِلَيْهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ فَقُلْنَ: إِنَّا نَسْتَوْحِشُ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَجْتَمِعْنَ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ تَرْجِعُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ إِلَى بَيْتِهَا بِاللَّيْلِ)
стр. 2497
وَذَكَرَ الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عَنْ منصور، عَنْ إبراهيم (أَنَّ امْرَأَةً بُعِثَتْ إِلَى أم سلمة أم المؤمنين ﵂: إِنَّ أَبِي مَرِيضٌ وَأَنَا فِي عِدَّةٍ أَفَآتِيهِ أُمَرِّضُهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ بَيِّتِي أَحَدَ طَرَفَيِ اللَّيْلِ فِي بَيْتِكِ)
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هشيم، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا: أَتَخْرُجُ فِي عِدَّتِهَا؟ فَقَالَ: (كَانَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَشَدَّ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ يَقُولُونَ: لَا تَخْرُجُ وَكَانَ الشَّيْخُ - يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يُرَحِّلُهَا)
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: (الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا إِلَّا أَنْ يَنْتَوِيَ أَهْلُهَا فَتَنْتَوِيَ مَعَهُمْ)
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هشيم، أَخْبَرَنَا يحيى بن سعيد هو الأنصاري (أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالُوا فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا: لَا تَبْرَحُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا)
وَذَكَرَ أَيْضًا (عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عطاء وجابر، كِلَاهُمَا قَالَ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا: لَا تَخْرُجُ)
وَذَكَرَ وَكِيعٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ المغيرة، (عَنْ إبراهيم فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا: لَا بَأْسَ أَنْ تَخْرُجَ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَبِيتَ عَنْ بَيْتِهَا)
وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ (أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَنَقَلَهَا أَهْلُهَا، ثُمَّ سَأَلُوا، فَكُلُّهُمْ يَأْمُرُهُمْ أَنْ تُرَدَّ
стр. 2498
إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: فَرَدَدْنَاهَا فِي نَمَطٍ) ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، ومالك، وَالشَّافِعِيِّ، وأبي حنيفة ﵏ وَأَصْحَابِهِمْ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وأبي عبيد، وإسحاق.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَبِهِ يَقُولُ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَمِصْرَ.
وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ حَدِيثُ الفريعة بنت مالك، وَقَدْ تَلَقَّاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ بِالْقَبُولِ، وَقَضَى بِهِ بِمَحْضَرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَتَلَقَّاهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ بِالْقَبُولِ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ طَعَنَ فِيهِ، وَلَا فِي رُوَاتِهِ، وَهَذَا مالك مَعَ تَحَرِّيهِ وَتَشَدُّدِهِ فِي الرِّوَايَةِ.
وَقَوْلُهُ لِلسَّائِلِ لَهُ عَنْ رَجُلٍ: أَثِقَةٌ هُوَ؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْتُهُ فِي كُتُبِي: قَدْ أَدْخَلَهُ فِي " مُوَطَّئِهِ " وَبَنَى عَلَيْهِ مَذْهَبَهُ.
قَالُوا: وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ النِّزَاعَ بَيْنَ السَّلَفِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ تَفْصِلُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَمَّا السُّنَّةُ فَثَابِتَةٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَمُسْتَغْنًى عَنْهُ مَعَ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إِذَا نَزَلَ فِي مَسْأَلَةٍ كَانَتِ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِ مَنْ وَافَقَتْهُ السُّنَّةُ.
وَقَالَ عبد الرزاق: أَخْبَرَنَا معمر، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: (أَخَذَ الْمُتَرَخِّصُونَ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِقَوْلِ عائشة ﵂ وَأَخَذَ أَهْلُ الْعَزْمِ وَالْوَرَعِ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ) .
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ مُلَازَمَةُ الْمَنْزِلِ حَقٌّ عَلَيْهَا، أَوْ حَقٌّ لَهَا؟ قِيلَ: بَلْ هُوَ حَقٌّ عَلَيْهَا إِذَا تَرَكَهُ لَهَا الْوَرَثَةُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا فِيهِ ضَرَرٌ، أَوْ كَانَ الْمَسْكَنُ لَهَا، فَلَوْ حَوَّلَهَا الْوُرَّاثُ، أَوْ طَلَبُوا مِنْهَا الْأُجْرَةَ لَمْ يَلْزَمْهَا السَّكَنُ وَجَازَ لَهَا التَّحَوُّلُ.
стр. 2499
، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ هَلْ لَهَا أَنْ تَتَحَوَّلَ حَيْثُ شَاءَتْ، أَوْ يَلْزَمُهَا التَّحَوُّلُ إِلَى أَقْرَبِ الْمَسَاكِنِ إِلَى مَسْكَنِ الْوَفَاةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَإِنْ خَافَتْ هَدْمًا، أَوْ غَرَقًا، أَوْ عَدُوًّا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ حَوَّلَهَا صَاحِبُ الْمَنْزِلِ لِكَوْنِهِ عَارِيَةً رَجَعَ فِيهَا، أَوْ بِإِجَارَةٍ انْقَضَتْ مُدَّتُهَا، أَوْ مَنَعَهَا السُّكْنَى تَعَدِّيًا، أَوِ امْتَنَعَ مِنْ إِجَارَتِهِ، أَوْ طَلَبَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ، أَوْ لَمْ تَجِدْ مَا تَكْتَرِي بِهِ، أَوْ لَمْ تَجِدْ إِلَّا مِنْ مَالِهَا فَلَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ لِأَنَّهَا حَالُ عُذْرٍ، وَلَا يَلْزَمُهَا بَذْلُ أَجْرِ الْمَسْكَنِ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهَا فِعْلُ السُّكْنَى لَا تَحْصِيلُ الْمَسْكَنِ، وَإِذَا تَعَذَّرَتِ السُّكْنَى سَقَطَتْ، وَهَذَا قَوْلُ أحمد، وَالشَّافِعِيُّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلِ الْإِسْكَانُ حَقٌّ عَلَى الْوَرَثَةِ تُقَدَّمُ الزَّوْجَةُ بِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَعَلَى الْمِيرَاثِ أَمْ لَا حَقَّ لَهَا فِي التَّرِكَةِ سِوَى الْمِيرَاثِ؟ قِيلَ: هَذَا مَوْضُوعٌ اخْتُلِفَ فِيهِ.
فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنْ كَانَتْ حَائِلًا فَلَا سُكْنَى لَهَا فِي التَّرِكَةِ، وَلَكِنْ عَلَيْهَا مُلَازَمَةُ الْمَنْزِلِ إِذَا بُذِلَ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لَهَا السُّكْنَى حَقٌّ ثَابِتٌ فِي الْمَالِ تُقَدَّمُ بِهِ عَلَى الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ، وَيَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لَا تُبَاعُ الدَّارُ فِي دَيْنِهِ بَيْعًا يَمْنَعُهَا سُكْنَاهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى الْوَارِثِ أَنْ يَكْتَرِيَ لَهَا سَكَنًا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْهُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ. وَإِنِ اتَّفَقَ الْوَارِثُ وَالْمَرْأَةُ عَلَى نَقْلِهَا عَنْهُ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ السُّكْنَى حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَجُزِ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى إِبْطَالِهَا، بِخِلَافِ سُكْنَى النِّكَاحِ فَإِنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مِنْ حُقُوقِ الْعِدَّةِ، وَالْعِدَّةُ فِيهَا حَقٌّ لِلزَّوْجَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ سُكْنَى الرَّجْعِيَّةِ كَذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى إِبْطَالِهَا، هَذَا مُقْتَضَى نَصِّ الْآيَةِ، وَهُوَ مَنْصُوصُ أحمد وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا السُّكْنَى بِكُلِّ حَالٍ حَامِلًا كَانَتْ، أَوْ حَائِلًا، فَصَارَ فِي مَذْهَبِهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:
стр. 2500
وُجُوبُهَا لِلْحَامِلِ وَالْحَائِلِ وَإِسْقَاطُهَا فِي حَقِّهِمَا وَوُجُوبُهَا لِلْحَامِلِ دُونَ الْحَائِلِ، هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ أحمد فِي سُكْنَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا.
وَأَمَّا مَذْهَبُ مالك فَإِيجَابُ السُّكْنَى لَهَا حَامِلًا كَانَتْ، أَوْ حَائِلًا، وَإِيجَابُ السُّكْنَى عَلَيْهَا مُدَّةَ الْعِدَّةِ، قَالَ أبو عمر: فَإِذَا كَانَ الْمَسْكَنُ بِكِرَاءٍ؟ فَقَالَ مالك: هِيَ أَحَقُّ بِسُكْنَاهُ مِنَ الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ، وَهُوَ مِنْ رَأْسِ مَالِ الْمُتَوَفَّى إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَقْدٌ لِزَوْجِهَا وَأَرَادَ أَهْلُ الْمَسْكَنِ إِخْرَاجَهَا.
وَإِذَا كَانَ الْمَسْكَنُ لَزَوْجِهَا لَمْ يُبَعْ فِي دَيْنِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مالك: هِيَ أَحَقُّ بِالسُّكْنَى مِنَ الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ إِذَا كَانَ الْمِلْكُ لِلْمَيِّتِ، أَوْ كَانَ قَدْ أَدَّى كِرَاءَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَدَّى فَفِي " التَّهْذِيبِ ": لَا سُكْنَى لَهَا فِي مَالِ الْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَرَوَى محمد، عَنْ مالك: الْكِرَاءُ لَازِمٌ لِلْمَيِّتِ فِي مَالِهِ، وَلَا تَكُونُ الزَّوْجَةُ أَحَقَّ بِهِ وَتُحَاصُّ الْوَرَثَةُ فِي السُّكْنَى وَلِلْوَرَثَةِ إِخْرَاجُهَا إِلَّا أَنْ تُحِبَّ أَنْ تَسْكُنَ فِي حِصَّتِهَا وَتُؤَدِّيَ كِرَاءَ حِصَّتِهِمْ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ:، فَإِنَّ لَهُ فِي سُكْنَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: لَهَا السُّكْنَى حَامِلًا كَانَتْ، أَوْ حَائِلًا.
وَالثَّانِي: لَا سُكْنَى لَهَا حَامِلًا كَانَتْ، أَوْ حَائِلًا، وَيَجِبُ عِنْدَهُ مُلَازَمَتُهَا لِلْمَسْكَنِ فِي الْعِدَّةِ بَائِنًا كَانَتْ، أَوْ مُتَوَفًّى عَنْهَا، وَمُلَازَمَةُ الْبَائِنِ لِلْمَنْزِلِ عِنْدَهُ آكَدُ مِنْ مُلَازَمَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْخُرُوجُ نَهَارًا لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبَائِنِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ الْقَدِيمُ، وَلَا يُوجِبُهُ فِي الرَّجْعِيَّةِ بَلْ يَسْتَحِبُّهُ.
وَأَمَّا أحمد فَعِنْدَهُ مُلَازَمَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا آكَدُ مِنَ الرَّجْعِيَّةِ، وَلَا يُوجِبُهُ فِي الْبَائِنِ. وَأَوْرَدَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ عَلَى نَصِّهِ بِوُجُوبِ مُلَازَمَةِ الْمَنْزِلِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا مَعَ نَصِّهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا سُؤَالًا. وَقَالُوا: كَيْفَ يَجْتَمِعُ النَّصَّانِ وَأَجَابُوا بِجَوَابَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهَا مُلَازَمَةُ الْمَسْكَنِ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ، لَكِنْ لَوْ أُلْزِمَ الْوَارِثُ أُجْرَةَ الْمَسْكَنِ وَجَبَتْ عَلَيْهَا
стр. 2501
الْمُلَازَمَةُ حِينَئِذٍ، وَأَطْلَقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ الْجَوَابَ هَكَذَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ مُلَازَمَةَ الْمَنْزِلِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا فِيهِ ضَرَرٌ بِأَنْ تُطَالِبَ بِالْأُجْرَةِ، أَوْ يُخْرِجَهَا الْوَارِثُ، أَوِ الْمَالِكُ فَتَسْقُطُ حِينَئِذٍ.
وَأَمَّا أَصْحَابُ أبي حنيفة فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، وَلَا لِلْبَائِنِ الْخُرُوجُ مِنْ بَيْتِهَا لَيْلًا، وَلَا نَهَارًا، وَأَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَتَخْرُجُ نَهَارًا وَبَعْضَ اللَّيْلِ، وَلَكِنْ لَا تَبِيتُ فِي مَنْزِلِهَا قَالُوا: وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ نَفَقَتُهَا فِي مَالِ زَوْجِهَا.
فَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ كَالزَّوْجَةِ، بِخِلَافِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَإِنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ تَخْرُجَ بِالنَّهَارِ لِإِصْلَاحِ حَالِهَا قَالُوا: وَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهَا بِالسُّكْنَى حَالَ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ قَالُوا: فَإِنْ كَانَ نَصِيبُهَا مِنْ دَارِ الْمَيِّتِ لَا يَكْفِيهَا، أَوْ أَخْرَجَهَا الْوَرَثَةُ مِنْ نَصِيبِهِمُ انْتَقَلَتْ؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ، وَالْكَوْنُ فِي بَيْتِهَا عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَةُ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، قَالُوا: فَإِنْ عَجَزَتْ عَنْ كِرَاءِ الْبَيْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ لِكَثْرَتِهِ فَلَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى بَيْتٍ أَقَلَّ كِرَاءً مِنْهُ، وَهَذَا مِنْ كَلَامِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ السَّكَنِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ السَّكَنُ عَنْهَا لِعَجْزِهَا عَنْ أُجْرَتِهِ، وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِأَنَّهَا تَسْكُنُ فِي نَصِيبِهَا مِنَ التَّرِكَةِ إِنْ كَفَاهَا، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا سُكْنَى عِنْدَهُمْ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا حَامِلًا كَانَتْ، أَوْ حَائِلًا، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تَلْزَمَ مَسْكَنَهَا الَّذِي تُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَهِيَ فِيهِ لَيْلًا لَا نَهَارًا، فَإِنْ بَذَلَهُ لَهَا الْوَرَثَةُ وَإِلَّا كَانَتِ الْأُجْرَةُ عَلَيْهَا، فَهَذَا تَحْرِيرُ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ فِيهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَلَقَدْ أَصَابَ فريعة بنت مالك فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَظِيرُ مَا أَصَابَ فاطمة بنت قيس فِي حَدِيثِهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْمُنَازِعِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا نَدْعُ كِتَابَ رَبِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَمَرَهَا بِالِاعْتِدَادِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالْمَنْزِلِ. وَقَدْ أَنْكَرَتْ عائشة أم المؤمنين ﵂ وُجُوبَ الْمَنْزِلِ وَأَفْتَتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِالِاعْتِدَادِ حَيْثُ شَاءَتْ كَمَا أَنْكَرَتْ حَدِيثَ فاطمة بنت قيس وَأَوْجَبَتِ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ نَازَغَ فِي حَدِيثِ الفريعة قَدْ قُتِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 2502
عَنْهُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَوْمَ أُحُدٍ وَيَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَيَوْمَ مُؤْتَةَ وَغَيْرِهَا وَاعْتَدَّ أَزْوَاجُهُمْ بَعْدَهُمْ، فَلَوْ كَانَ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ تُلَازِمُ مَنْزِلَهَا زَمَنَ الْعِدَّةِ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَظْهَرِ الْأَشْيَاءِ وَأَبْيَنِهَا بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ هُوَ دُونَ ابْنِ عَبَّاسٍ وعائشة، فَكَيْفَ خَفِيَ هَذَا عَلَيْهِمَا وَعَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ حَكَى أَقْوَالَهُمْ مَعَ اسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ بِهِ اسْتِمْرَارًا شَائِعًا، هَذَا مِنْ أَبْعَدِ الْأَشْيَاءِ، ثُمَّ لَوْ كَانَتِ السُّنَّةُ جَارِيَةً بِذَلِكَ لَمْ تَأْتِ الفريعة تَسْتَأْذِنُهُ ﷺ أَنْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا وَلَمَّا أُذِنَ لَهَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِرَدِّهَا بَعْدَ ذَهَابِهَا وَيَأْمُرُهَا بِأَنْ تَمْكُثَ فِي بَيْتِهَا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا مُسْتَمِرًّا ثَابِتًا لَكَانَ قَدْ نُسِخَ بِإِذْنِهِ لَهَا فِي اللَّحَاقِ بِأَهْلِهَا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ الْإِذْنُ بِأَمْرِهِ لَهَا بِالْمُكْثِ فِي بَيْتِهَا فَيُفْضِي إِلَى تَغْيِيرِ الْحُكْمِ مَرَّتَيْنِ، وَهَذَا لَا عَهْدَ لَنَا بِهِ فِي الشَّرِيعَةِ فِي مَوْضِعٍ مُتَيَقَّنٍ.
قَالَ الْآخَرُونَ: لَيْسَ فِي هَذَا مَا يُوجِبُ رَدَّ هَذِهِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَأَكَابِرُ الصَّحَابَةِ بِالْقَبُولِ وَنَفَّذَهَا عثمان وَحَكَمَ بِهَا، وَلَوْ كُنَّا لَا نَقْبَلُ رِوَايَةَ النِّسَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَذَهَبَتْ سُنَنٌ كَثِيرَةٌ مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ رَوَاهَا عَنْهُ إِلَّا النِّسَاءُ، وَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ مَا يَنْبَغِي وُجُوبُ الِاعْتِدَادِ فِي الْمَنْزِلِ حَتَّى تَكُونَ السُّنَّةُ مُخَالِفَةً لَهُ، بَلْ غَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ بَيَانًا لِحُكْمٍ سَكَتَ عَنْهُ الْكِتَابُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تُرَدُّ بِهِ السُّنَنُ، وَهَذَا الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَيْنِهِ أَنْ تُتْرَكَ السُّنَّةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَظِيرُ حُكْمِهَا فِي الْكِتَابِ.
وَأَمَّا تَرْكُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ لِحَدِيثِ الفريعة - فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهَا، وَلَوْ بَلَغَهَا فَلَعَلَّهَا تَأَوَّلَتْهُ، وَلَوْ لَمْ تَتَأَوَّلْهُ فَلَعَلَّهُ قَامَ عِنْدَهَا مُعَارِضٌ لَهُ، وَبِكُلِّ حَالٍ فَالْقَائِلُونَ بِهِ فِي تَرْكِهِمْ لِتَرْكِهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ أَعْذَرُ مِنَ التَّارِكِينَ لَهُ لِتَرْكِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ، فَبَيْنَ التَّرْكَيْنِ فَرْقٌ عَظِيمٌ.
وَأَمَّا مَنْ قُتِلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ فَلَمْ يَأْتِ قَطُّ أَنَّ نِسَاءَهُمْ كُنَّ يَعْتَدِدْنَ حَيْثُ شِئْنَ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُنَّ مَا يُخَالِفُ حُكْمَ حَدِيثِ فُرَيْعَةَ الْبَتَّةَ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ لِأَمْرٍ لَا يُعْلَمُ كَيْفَ كَانَ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَعْتَدِدْنَ حَيْثُ
стр. 2503
شِئْنَ وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُنَّ مَا يُخَالِفُ حُكْمَ حَدِيثِ الفريعة فَلَعَلَّ ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ هَذَا الْحُكْمِ وَثُبُوتِهِ، حَيْثُ كَانَ الْأَصْلُ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ وَعَدَمَ الْوُجُوبِ.
وَقَدْ ذَكَرَ عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ مجاهد: ( «اسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَاءَ نِسَاؤُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَ إِنَّا نَسْتَوْحِشُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِاللَّيْلِ فَنَبِيتُ عِنْدَ إِحْدَانَا حَتَّى إِذَا أَصْبَحْنَا تَبَدَّدْنَا فِي بُيُوتِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إِحْدَاكُنَّ مَا بَدَا لَكُنَّ فَإِذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ فَلْتَؤُبْ كُلُّ امْرَأَةٍ إِلَى بَيْتِهَا» )
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ مجاهدا إِمَّا أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ تَابِعِيٍّ ثِقَةٍ، أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ، وَالتَّابِعُونَ لَمْ يَكُنِ الْكَذِبُ مَعْرُوفًا فِيهِمْ وَهُمْ ثَانِي الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ، وَقَدْ شَاهَدُوا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْهُمْ وَهُمْ خَيْرُ الْأُمَّةِ بَعْدَهُمْ، فَلَا يُظَنُّ بِهِمُ الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا الرِّوَايَةُ عَنِ الْكَذَّابِينَ، وَلَا سِيَّمَا الْعَالِمُ مِنْهُمْ إِذَا جَزَمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالرِّوَايَةِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ وَنَهَى فَيَبْعُدُ كُلُّ الْبُعْدِ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَّابًا، أَوْ مَجْهُولًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَرَاسِيلِ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَكُلَّمَا تَأَخَّرَتِ الْقُرُونُ سَاءَ الظَّنُّ بِالْمَرَاسِيلِ وَلَمْ يُشْهَدْ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ الِاعْتِمَادُ عَلَى هَذَا الْمُرْسَلِ وَحْدَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[ذِكْرُ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي إِحْدَادِ الْمُعْتَدَّةِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا]
ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ":، عَنْ حميد بن نافع، عَنْ زينب بنت أبي سلمة أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ قَالَتْ زينب: دَخَلْتُ عَلَى أم حبيبة ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أبو سفيان فَدَعَتْ أم حبيبة ﵂ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ ( «لَا
стр. 2504
يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» )
قَالَتْ زينب: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زينب بنت جحش حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ ( «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» )
قَالَتْ زينب: وَسَمِعْتُ أُمِّي أم سلمة ﵂ تَقُولُ ( «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بِنْتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا " مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ " لَا "، ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ» )
فَقَالَتْ زينب: ( «كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا، وَلَا شَيْئًا، حَتَّى يَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ، أَوْ شَاةٍ، أَوْ طَيْرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ.» ) قَالَ مالك: تَفْتَضُّ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا.
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": ( «، عَنْ أم سلمة ﵂ أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَخَافُوا عَلَى عَيْنِهَا فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ فَقَالَ:
стр. 2505
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا، أَوْ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا حَوْلًا، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ فَخَرَجَتْ، أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» )
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ "، عَنْ أم عطية الأنصارية ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «قَالَ: لَا تُحِدُّ الْمَرْأَةُ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصَبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ، أَوْ أَظْفَارٍ» )
وَفِي " سُنَنِ أبي داود ": مِنْ حَدِيثِ الحسن بن مسلم، عَنْ صفية بنت شيبة، عَنْ أم سلمة زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ( «الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَخْتَضِبُ» )
وَفِي " سُنَنِهِ " أَيْضًا: مِنْ حَدِيثِ ابن وهب أَخْبَرَنِي مخرمة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ المغيرة بن الضحاك يَقُولُ أَخْبَرَتْنِي أم حكيم بنت أسيد، عَنْ أُمِّهَا أَنَّ زَوْجَهَا تُوُفِّيَ وَكَانَتْ تَشْتَكِي عَيْنَيْهَا فَتَكْتَحِلُ بِالْجَلَاءِ.
قَالَ أحمد بن صالح ﵀: الصَّوَابُ بِكُحْلِ الْجَلَاءِ ( «فَأَرْسَلَتْ مَوْلَاةً لَهَا إِلَى أم سلمة ﵂ فَسَأَلَتْهَا عَنْ كُحْلِ الْجَلَاءِ فَقَالَتْ: لَا تَكْتَحِلِي بِهِ إِلَّا مِنْ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ يَشْتَدُّ عَلَيْكِ
стр. 2506
فَتَكْتَحِلِينَ بِاللَّيْلِ وَتَمْسَحِينَهُ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ قَالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ أم سلمة: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أبو سلمة، وَقَدْ جَعَلْتُ عَلَى عَيْنَيَّ صَبْرًا فَقَالَ " مَا هَذَا يَا أم سلمة؟ فَقُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ. فَقَالَ " إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ، فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ وَتَنْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ " قَالَتْ: قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ " بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ» )
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ أَحْكَامًا عَدِيدَةً. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِحْدَادُ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ إِلَّا الزَّوْجَ وَحْدَهُ.
وَتَضَمَّنَ الْحَدِيثُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِحْدَادَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ الْوُجُوبِ وَالْجَوَازِ، فَإِنَّ الْإِحْدَادَ عَلَى الزَّوْجِ وَاجِبٌ وَعَلَى غَيْرِهِ جَائِزٌ.
الثَّانِي: مِنْ مِقْدَارِ مُدَّةِ الْإِحْدَادِ، فَالْإِحْدَادُ عَلَى الزَّوْجِ عَزِيمَةٌ وَعَلَى غَيْرِهِ رُخْصَةٌ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الحسن وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ.
أَمَّا الحسن فَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حميد عَنْهُ (أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَكْتَحِلَانِ وَتَمْتَشِطَانِ وَتَتَطَيَّبَانِ وَتَخْتَضِبَانِ وَتَنْتَقِلَانِ وَتَصْنَعَانِ مَا شَاءَتَا) وَأَمَّا الحكم فَذَكَرَ عَنْهُ شعبة: (أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لَا تُحِدُّ)
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ أبي الحسن محمد بن عبد السلام حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شعبة حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2507
قَالَ لِامْرَأَةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: ( «إِذَا كَانَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَالْبَسِي مَا شِئْتِ، أَوْ إِذَا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» ) شعبة شَكَّ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ( «أَنَّ أسماء بنت عميس اسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ تَبْكِيَ عَلَى جعفر وَهِيَ امْرَأَتُهُ فَأَذِنَ لَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَنْ تَطَهَّرِي وَاكْتَحِلِي» )
قَالُوا: وَهَذَا نَاسِخٌ لِأَحَادِيثِ الْإِحْدَادِ لِأَنَّهُ بَعْدَهَا، فَإِنَّ أم سلمة ﵂ رَوَتْ حَدِيثَ الْإِحْدَادِ وَأَنَّهُ ﷺ أَمَرَهَا بِهِ إِثْرَ مَوْتِ أبي سلمة، وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَوْتَ أبي سلمة كَانَ قَبْلَ مَوْتِ جعفر ﵄.
وَأَجَابَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا رَآهُ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ حَدِيثُهُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْنَدَةِ الَّتِي لَا مَطْعَنَ فِيهَا؟ وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَلَا يُعَارِضُ بِحَدِيثِهِ حَدِيثَ الْأَئِمَّةِ الْأَثْبَاتِ الَّذِينَ هُمْ فُرْسَانُ الْحَدِيثِ.
[فصل تَبَعِيَّةُ الْإِحْدَادِ لِلْعِدَّةِ]
فَصْلٌ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: إِنَّ الْإِحْدَادَ تَابِعٌ لِلْعِدَّةِ بِالشُّهُورِ، أَمَّا الْحَامِلُ فَإِذَا انْقَضَى حَمْلُهَا سَقَطَ وُجُوبُ الْإِحْدَادِ عَنْهَا اتِّفَاقًا، فَإِنَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ وَتَتَجَمَّلَ وَتَتَطَيَّبَ لِزَوْجِهَا وَتَتَزَيَّنَ لَهُ مَا شَاءَتْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا زَادَتْ مُدَّةُ الْحَمْلِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَهَلْ يَسْقُطُ وُجُوبُ الْإِحْدَادِ أَمْ يَسْتَمِرُّ إِلَى حِينِ الْوَضْعِ؟ قِيلَ: بَلْ يَسْتَمِرُّ الْإِحْدَادُ إِلَى حِينِ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْعِدَّةِ، وَلِهَذَا قُيِّدَ بِمُدَّتِهَا، وَهُوَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ
стр. 2508
وَوَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتِهَا فَكَانَ مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا.
[فصل تَسْتَوِي الزَّوْجَاتُ بِالْإِحْدَادِ حَتَّى الْكَافِرَةُ وَالْأَمَةُ وَالصَّغِيرَةُ]
فَصْلٌ. ٥٠ الْحُكْمُ الثَّالِثُ أَنَّ الْإِحْدَادَ تَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ الزَّوْجَاتِ الْمُسْلِمَةِ وَالْكَافِرَةِ وَالْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ أحمد، وَالشَّافِعِيِّ ومالك. إِلَّا (أَنَّ أشهب وابن نافع قَالَا لَا إِحْدَادَ عَلَى الذِّمِّيَّةِ) رَوَاهُ أشهب، عَنْ مالك، وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة، وَلَا إِحْدَادَ عِنْدَهُ عَلَى الصَّغِيرَةِ.
وَاحْتَجَّ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الْإِحْدَادَ مِنْ أَحْكَامِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا تَدْخُلُ فِيهِ الْكَافِرَةُ، وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ بِأَحْكَامِ الْفُرُوعِ.
قَالُوا: وَعُدُولُهُ عَنِ اللَّفْظِ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ إِلَى الْخَاصِّ الْمُقَيَّدِ بِالْإِيمَانِ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ وَلَوَازِمِهِ وَوَاجِبَاتِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ مَنِ الْتَزَمَ الْإِيمَانَ، فَهَذَا مِنْ شَرَائِعِهِ وَوَاجِبَاتِهِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ نَفْيَ حِلِّ الْفِعْلِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ حُكْمِهِ عَنِ الْكُفَّارِ، وَلَا إِثْبَاتَ لَهُمْ أَيْضًا، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنِ الْتَزَمَ الْإِيمَانَ وَشَرَائِعَهُ فَهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنْ يَلْزَمَ الْإِيمَانَ وَشَرَائِعَهُ، وَلَكِنْ لَا يُلْزِمُهُ الشَّارِعُ شَرَائِعَ الْإِيمَانِ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ قِيلَ: لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَتْرُكَ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ وَالزَّكَاةَ، فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حِلٌّ لِلْكَافِرِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي لِبَاسِ الْحَرِيرِ ( «لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ» ) فَلَا يَدُلُّ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِغَيْرِهِمْ.
وَكَذَا قَوْلُهُ ( «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» )
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ شَرَائِعَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْإِيجَابِ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِمَنِ الْتَزَمَ أَصْلَ الْإِيمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دِينِهِ فَإِنَّهُ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ
стр. 2509
شَرَائِعِ الدِّينِ الَّذِي الْتَزَمَهُ كَمَا خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِهِ مَا لَمْ يُحَاكِمْ إِلَيْنَا، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنْ عُذْرُ الَّذِينَ أَوْجَبُوا الْإِحْدَادَ عَلَى الذِّمِّيَّةِ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الزَّوْجِ الْمُسْلِمِ، وَكَانَ مِنْهُ إِلْزَامُهَا بِهِ كَأَصْلِ الْعِدَّةِ، وَلِهَذَا لَا يُلْزِمُونَهَا بِهِ فِي عِدَّتِهَا مِنَ الذِّمِّيِّ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهَا فِيهَا، فَصَارَ هَذَا كَعُقُودِهِمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يُلْزَمُونَ فِيهَا بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِعُقُودِهِمْ مَعَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَمَنْ يُنَازِعُهُمْ فِي ذَلِكَ يَقُولُونَ الْإِحْدَادُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا لَوِ اتَّفَقَتْ هِيَ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالْمُتَوَفَّى عَلَى سُقُوطِهِ بِأَنْ أَوْصَاهَا بِتَرْكِهِ لَمْ يَسْقُطْ وَلَزِمَهَا الْإِتْيَانُ بِهِ فَهُوَ جَارٍ مَجْرَى الْعِبَادَاتِ، وَلَيْسَتِ الذِّمِّيَّةُ مِنْ أَهْلِهَا، فَهَذَا سِرُّ الْمَسْأَلَةِ.
[فصل لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا أُمِّ الْوَلَدِ]
فَصْلٌ
الْحُكْمُ الرَّابِعُ أَنَّ الْإِحْدَادَ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا مَاتَ سَيِّدُهُمَا لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِزَوْجَيْنِ. قَالَ ابن المنذر: لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ لَهُمَا أَنْ تُحِدَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قِيلَ: نَعَمْ لَهُمَا ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّصَّ إِنَّمَا حَرَّمَ الْإِحْدَادَ فَوْقَ الثَّلَاثِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ وَأَوْجَبَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا عَلَى الزَّوْجِ، فَدَخَلَتِ الْأَمَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فِيمَنْ يَحِلُّ لَهُنَّ الْإِحْدَادُ لَا فِيمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا فِيمَنْ يَجِبُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ زِنًى، أَوِ اسْتِبْرَاءِ إِحْدَادٍ؟
قُلْنَا: هَذَا هُوَ الْحُكْمُ الْخَامِسُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَا إِحْدَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَثْبَتَتْ وَنَفَتْ فَخَصَّتْ بِالْإِحْدَادِ الْوَاجِبِ الزَّوْجَاتِ وَبِالْجَائِزِ غَيْرَهُنَّ عَلَى الْأَمْوَاتِ خَاصَّةً، وَمَا عَدَاهُمَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ عَلَى الْأَمْوَاتِ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ دُخُولُهُ فِي الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ؟ ، وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وأبو عبيد، وَأَبُو ثَوْرٍ، وأبو حنيفة، وَأَصْحَابُهُ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، اخْتَارَهَا الخرقي: إِنَّ الْبَائِنَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ، وَهُوَ
стр. 2510
مَحْضُ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ بَائِنٌ مِنْ نِكَاحٍ، فَلَزِمَهَا الْإِحْدَادُ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الْعِدَّةِ، وَاخْتَلَفَا فِي سَبَبِهَا، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تُحَرِّمُ النِّكَاحَ فَحَرُمَتْ دَوَاعِيهِ.
قَالُوا: وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْإِحْدَادَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ إِظْهَارَ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ وَالْحُلِيِّ مِمَّا يَدْعُو الْمَرْأَةَ إِلَى الرِّجَالِ وَيَدْعُو الرِّجَالُ إِلَيْهَا: فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ تَكْذِبَ فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا اسْتِعْجَالًا لِذَلِكَ، فَمُنِعَتْ مِنْ دَوَاعِي ذَلِكَ وَسَدَّتْ إِلَيْهِ الذَّرِيعَةَ، هَذَا مَعَ أَنَّ الْكَذِبَ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ يَتَعَذَّرُ غَالِبًا بِظُهُورِ مَوْتِ الزَّوْجِ وَكَوْنِ الْعِدَّةِ أَيَّامًا مَعْدُودَةً بِخِلَافِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهَا بِالْأَقْرَاءِ، وَهِيَ لَا تُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ لَهَا أَوْلَى.
قِيلَ: قَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ عَلَى مَنْ حَرَّمَ زِينَتَهُ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرِّمَ مِنَ الزِّينَةِ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ حَرَّمَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ زِينَةَ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا مُدَّةَ الْعِدَّةِ، وَأَبَاحَ رَسُولُهُ الْإِحْدَادَ بِتَرْكِهَا عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ، فَلَا يَجُوزُ تَحْرِيمُ غَيْرِ مَا حَرَّمَهُ، بَلْ هُوَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَلَيْسَ الْإِحْدَادُ مِنْ لَوَازِمِ الْعِدَّةِ وَلَا تَوَابِعِهَا.
وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَلَا الْمَزْنِيِّ بِهَا، وَلَا الْمُسْتَبْرَأَةِ، وَلَا الرَّجْعِيَّةِ اتِّفَاقًا، وَهَذَا الْقِيَاسُ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لِمَا بَيْنَ الْعِدَّتَيْنِ مِنَ الْقُرُوءِ قَدَرًا أَوْ سَبَبًا وَحُكْمًا، فَإِلْحَاقُ عِدَّةِ الْأَقْرَاءِ بِالْأَقْرَاءِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِ عِدَّةِ الْأَقْرَاءِ بِعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْإِحْدَادِ عَلَى الزَّوْجِ الْمَيِّتِ مُجَرَّدَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ طَلَبِ الِاسْتِعْجَالِ، فَإِنَّ الْعِدَّةَ فِيهِ لَمْ تَكُنْ لِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَلِهَذَا تَجِبُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَعْظِيمِ هَذَا الْعَقْدِ وَإِظْهَارِ خَطَرِهِ وَشَرَفِهِ وَأَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ بِمَكَانٍ، فَجُعِلَتِ الْعِدَّةُ حَرِيمًا لَهُ، وَجُعِلَ الْإِحْدَادُ مِنْ تَمَامِ هَذَا الْمَقْصُودِ وَتَأَكُّدِهِ وَمَزِيدِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ حَتَّى جُعِلَتِ الزَّوْجَةُ أَوْلَى بِفِعْلِهِ عَلَى زَوْجِهَا مِنْ أَبِيهَا وَابْنِهَا وَأَخِيهَا وَسَائِرِ أَقَارِبِهَا.
وَهَذَا مِنْ تَعْظِيمِ هَذَا الْعَقْدِ وَتَشْرِيفِهِ وَتَأَكُّدِ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السِّفَاحِ مِنْ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، وَلِهَذَا شُرِعَ فِي ابْتِدَائِهِ إِعْلَانُهُ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ وَالضَّرْبُ بِالدُّفِّ لِتَحَقُّقِ الْمُضَادَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السِّفَاحِ، وَشَرَعَ فِي
стр. 2511
آخِرِهِ وَانْتِهَائِهِ مِنَ الْعِدَّةِ وَالْإِحْدَادِ مَا لَمْ يُشَرِّعْ فِي غَيْرِهِ.
[فصل الْخِصَالُ الَّتِي تَجْتَنِبُهَا الْحَادَّةُ]
فَصْلٌ
الْحُكْمُ السَّادِسُ فِي الْخِصَالِ الَّتِي تَجْتَنِبُهَا الْحَادَّةُ وَهِيَ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا النَّصُّ دُونَ الْآرَاءِ وَالْأَقْوَالِ الَّتِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ.
أَحَدُهَا: الطِّيبُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ( «لَا تَمَسُّ طِيبًا» ) ، وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْإِحْدَادَ، وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَتْ أم حبيبة ﵂ مِنْ إِحْدَادِهَا عَلَى أَبِيهَا أبي سفيان دَعَتْ بِطِيبٍ فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ ذَكَرَتِ الْحَدِيثَ، وَيَدْخُلُ فِي الطِّيبِ الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ وَالْكَافُورُ وَالنَّدُّ وَالْغَالِيَةُ وَالزَّبَادُ وَالذَّرِيرَةُ وَالْبُخُورُ وَالْأَدْهَانُ الْمُطَيِّبَةُ كَدُهْنِ الْبَانِ وَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْمِيَاهِ الْمُعْتَصَرَةِ مِنَ الْأَدْهَانِ الطَّيِّبَةِ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَمَاءِ الْقُرُنْفُلِ وَمَاءِ زَهْرِ النَّارَنْجِ، فَهَذَا كُلُّهُ طِيبٌ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الزَّيْتُ، وَلَا الشَّيْرَجُ، وَلَا السَّمْنُ، وَلَا تُمْنَعُ مِنَ الْأَدْهَانِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
[فصل تَجْتَنِبُ الْحَادَّةُ الزِّينَةَ فِي بَدَنِهَا]
فَصْلٌ
الْحُكْمُ السَّابِعُ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ. أَحَدُهَا: الزِّينَةُ فِي بَدَنِهَا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الْخِضَابُ وَالنَّقْشُ وَالتَّطْرِيفُ وَالْحُمْرَةُ وَالِاسْفِيدَاجُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَّ عَلَى الْخِضَابِ مُنَبِّهًا بِهِ عَلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ زِينَةً مِنْهُ وَأَعْظَمُ فِتْنَةً وَأَشَدُّ مُضَادَّةً لِمَقْصُودِ الْإِحْدَادِ، وَمِنْهَا: الْكُحْلُ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ بِالصَّرِيحِ الصَّحِيحِ.
ثُمَّ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: لَا تَكْتَحِلُ وَلَوْ ذَهَبَتْ عَيْنَاهَا لَا لَيْلًا، وَلَا نَهَارًا، وَيُسَاعِدُ قَوْلَهُمْ حَدِيثُ أم سلمة الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ( «أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَخَافُوا عَلَى عَيْنِهَا فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ فَمَا أَذِنَ فِيهِ بَلْ قَالَ " لَا " مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمْ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْإِحْدَادِ الْبَلِيغِ سَنَةً وَيَصْبِرْنَ عَلَى ذَلِكَ، أَفَلَا
стр. 2512
يَصْبِرْنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» )
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْكُحْلَ مِنْ أَبْلَغِ الزِّينَةِ فَهُوَ كَالطِّيبِ، أَوْ أَشَدَّ مِنْهُ.، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لِلسَّوْدَاءِ أَنْ تَكْتَحِلَ، وَهَذَا تَصَرُّفٌ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْمَعْنَى، وَأَحْكَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ السُّودِ وَالْبِيضِ كَمَا لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الطِّوَالِ وَالْقِصَارِ، وَمِثْلُ هَذَا الْقِيَاسِ بِالرَّأْيِ الْفَاسِدِ الَّذِي اشْتَدَّ نَكِيرُ السَّلَفِ لَهُ وَذَمُّهُمْ إِيَّاهُ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ فَقَالُوا: إِنِ اضْطُرَّتْ إِلَى الْكُحْلِ بِالْإِثْمِدِ تَدَاوَيًا لَا زِينَةً فَلَهَا أَنْ تَكْتَحِلَ بِهِ لَيْلًا وَتَمْسَحَهُ نَهَارًا، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أم سلمة الْمُتَقَدِّمُ ﵂ فَإِنَّهَا قَالَتْ فِي كُحْلِ الْجَلَاءِ: ( «لَا تَكْتَحِلُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ يَشْتَدُّ عَلَيْكِ فَتَكْتَحِلِينَ بِاللَّيْلِ وَتَغْسِلِينَهُ بِالنَّهَارِ» )
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ أم سلمة ﵂ الْآخَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَيْهَا صَبْرًا فَقَالَ ( «مَا هَذَا يَا أم سلمة؟ فَقُلْتُ: صَبْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ فَقَالَ: إِنَّهُ يُشِبُّ الْوَجْهَ فَقَالَ: " لَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ وَتَنْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ» ) وَهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ فَرَّقَهُ الرُّوَاةُ، وَأَدْخَلَ مالك هَذَا الْقَدْرَ مِنْهُ فِي " مُوَطَّئِهِ " بَلَاغًا، وَذَكَرَ أبو عمر فِي " التَّمْهِيدِ " لَهُ طُرُقًا يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَكْفِي احْتِجَاجُ مالك بِهِ، وَأَدْخَلَهُ أَهْلُ السُّنَنِ فِي كُتُبِهِمْ، وَاحْتَجَّ بِهِ الْأَئِمَّةُ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا، وَلَكِنْ حَدِيثُهَا هَذَا مُخَالِفٌ فِي الظَّاهِرِ لِحَدِيثِهَا الْمُسْنَدِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لَا تَكْتَحِلُ بِحَالٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْذَنْ لِلْمُشْتَكِيَةِ عَيْنَهَا فِي الْكُحْلِ لَا لَيْلًا، وَلَا نَهَارًا، وَلَا مِنْ ضَرُورَةٍ، وَلَا غَيْرِهَا، وَقَالَ " لَا " مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا أَنْ تُضْطَرَّ.
وَقَدْ ذَكَرَ مالك، عَنْ نافع ( «، عَنْ صفية ابنة عبيد أَنَّهَا اشْتَكَتْ عَيْنَهَا وَهِيَ حَادٌّ عَلَى زَوْجِهَا عبد الله بن عمر فَلَمْ تَكْتَحِلْ حَتَّى كَادَتْ عَيْنَاهَا تَرْمَصَانِ» )
стр. 2513
قَالَ أبو عمر: وَهَذَا عِنْدِي وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ مُخَالِفًا لِحَدِيثِهَا الْآخَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبَاحَتِهِ بِاللَّيْلِ وَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ " لَا " مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا عَلَى الْإِطْلَاقِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحَدِيثَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ الشَّكَاةَ الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا لَمْ تَبْلُغْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْهَا مَبْلَغًا لَا بُدَّ لَهَا فِيهِ مِنَ الْكُحْلِ؛ فَلِذَلِكَ نَهَاهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُحْتَاجَةً مُضْطَرَّةً تَخَافُ ذَهَابَ بَصَرِهَا لَأَبَاحَ لَهَا ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ بِالَّتِي قَالَ لَهَا: ( «اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ» ) وَالنَّظَرُ يَشْهَدُ لِهَذَا التّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تَنْقُلُ الْمَحْظُورَاتِ إِلَى حَالِ الْمُبَاحِ فِي الْأُصُولِ، وَلِهَذَا جَعَلَ مالك فَتْوَى أم سلمة ﵂ تَفْسِيرًا لِلْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ فِي الْكُحْلِ؛ لِأَنَّ أم سلمة ﵂ رَوَتْهُ وَمَا كَانَتْ لِتُخَالِفَهُ إِذَا صَحَّ عِنْدَهَا وَهِيَ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ وَمَخْرَجِهِ، وَالنَّظَرُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُضْطَرَّ إِلَى شَيْءٍ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْمُرَفَّهِ الْمُتَزَيِّنِ بِالزِّينَةِ، وَلَيْسَ الدَّوَاءُ وَالتَّدَاوِي مِنَ الزِّينَةِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا نُهِيَتِ الْحَادَّةُ عَنِ الزِّينَةِ لَا عَنِ التَّدَاوِي، وأم سلمة ﵂ أَعْلَمُ بِمَا رَوَتْ مَعَ صِحَّتِهِ فِي النَّظَرِ، وَعَلَيْهِ أَهْلُ الْفِقْهِ وَبِهِ قَالَ مالك وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.
وَقَدْ ذَكَرَ مالك ﵀ فِي " مُوَطَّئِهِ " أَنَّهُ بَلَغَهُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ فِي الْمَرْأَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا: إِنَّهَا إِذَا خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا مِنْ رَمَدٍ بِعَيْنَيْهَا، أَوْ شَكْوَى أَصَابَتْهَا أَنَّهَا تَكْتَحِلُ وَتَتَدَاوَى بِالْكُحْلِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ.
قَالَ أبو عمر: لِأَنَّ الْقَصْدَ إِلَى التَّدَاوِي لَا إِلَى التَّطَيُّبِ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الصَّبْرُ يُصَفَّرُ فَيَكُونُ زِينَةً وَلَيْسَ بِطِيبٍ، وَهُوَ كُحْلُ الْجَلَاءِ، فَأَذِنَتْ أم سلمة ﵂ لِلْمَرْأَةِ بِاللَّيْلِ حَيْثُ لَا تُرَى، وَتَمْسَحُهُ بِالنَّهَارِ حَيْثُ يُرَى، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ.
وَقَالَ أبو محمد بن قدامة فِي " الْمُغْنِي ": وَإِنَّمَا تُمْنَعُ الْحَادَّةُ مِنَ الْكُحْلِ
стр. 2514
بِالْإِثْمِدِ لِأَنَّهُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الزِّينَةُ، فَأَمَّا الْكُحْلُ بِالتُّوتْيَا وَالْعَنْزَرُوتِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا زِينَةَ فِيهِ بَلْ يُقَبِّحُ الْعَيْنَ وَيَزِيدُهَا مَرَهًا.
قَالَ: وَلَا تُمْنَعُ مِنْ جَعْلِ الصَّبِرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا مِنْ بَدَنِهَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ فِي الْوَجْهِ لِأَنَّهُ يُصَفِّرُهُ فَيُشْبِهُ الْخِضَابَ، فَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ( «إِنَّهُ يُشِبُّ الْوَجْهَ» )
قَالَ: وَلَا تُمْنَعُ مِنْ تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ الْمَنْدُوبِ إِلَى حَلْقِهِ، وَلَا مِنَ الِاغْتِسَالِ بِالسِّدْرِ وَالِامْتِشَاطِ بِهِ لِحَدِيثِ أم سلمة ﵂ وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلتَّطَيُّبِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي " مَسَائِلِهِ " قِيلَ لأبي عبد الله: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ إِذَا أَرَادَتِ اكْتَحَلَتْ بِالصَّبِرِ إِذَا خَافَتْ عَلَى عَيْنِهَا وَاشْتَكَتْ شَكْوَى شَدِيدَةً.
[فصل تَجْتَنِبُ الْحَادَّةُ زِينَةَ الثِّيَابِ]
فَصْلٌ
النَّوْعُ الثَّانِي: زِينَةُ الثِّيَابِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا مَا نَهَاهَا عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا هُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْهُ وَمَا هُوَ مِثْلُهُ.، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ ": «وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا» "، وَهَذَا يَعُمُّ الْمُعَصْفَرَ وَالْمُزَعْفَرَ وَسَائِرَ الْمَصْبُوغِ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَخْضَرِ وَالْأَزْرَقِ الصَّافِي وَكُلَّ مَا يُصْبَغُ لِلتَّحْسِينِ وَالتَّزْيِينِ.
وَفِي اللَّفْظِ الْآخَرِ ( «، وَلَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَ» ) وَهَهُنَا نَوْعَانِ آخَرَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَأْذُونٌ فِيهِ، وَهُوَ مَا نُسِجَ مِنَ الثِّيَابِ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ صَبْغٌ مِنْ خَزٍّ، أَوْ قَزٍّ، أَوْ قُطْنٍ، أَوْ كَتَّانٍ، أَوْ صُوفٍ، أَوْ وَبَرٍ، أَوْ شَعَرٍ، أَوْ صَبْغٍ غَزَلَهُ وَنُسِجَ مَعَ غَيْرِهِ كَالْبُرُودِ.
وَالثَّانِي: مَا لَا يُرَادُ بِصَبْغِهِ الزِّينَةُ مِثْلَ السَّوَادِ وَمَا صُبِغَ لِتَقْبِيحٍ، أَوْ لِيَسْتُرَ الْوَسَخَ، فَهَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الثِّيَابِ زِينَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: جَمَالُ الثِّيَابِ عَلَى اللَّابِسِينَ وَالسُّتْرَةُ لِلْعَوْرَةِ. فَالثِّيَابُ زِينَةٌ لِمَنْ يَلْبَسُهَا، وَإِنَّمَا نُهِيَتِ الْحَادَّةُ عَنْ زِينَةِ بَدَنِهَا وَلَمْ تُنْهَ عَنْ سَتْرِ عَوْرَتِهَا، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَلْبَسَ كُلَّ ثَوْبٍ مِنَ الْبَيَاضِ؛ لِأَنَّ
стр. 2515
الْبَيَاضَ لَيْسَ بِمُزَيِّنٍ، وَكَذَلِكَ الصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَكُلُّ مَا يُنْسَجُ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ صَبْغٌ مِنْ خَزٍّ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ صَبْغٍ لَمْ يُرَدْ بِهِ تَزْيِينُ الثَّوْبِ مِثْلَ السَّوَادِ وَمَا صُبِغَ لِتَقْبِيحِهِ، أَوْ لِنَفْيِ الْوَسَخِ عَنْهُ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ زِينَةٍ، أَوْ وَشْيٍ فِي ثَوْبِهِ، أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا تَلْبَسُهُ الْحَادَّةُ وَذَلِكَ لِكُلِّ حُرَّةٍ، أَوْ أَمَةٍ كَبِيرَةٍ، أَوْ صَغِيرَةٍ مُسْلِمَةٍ، أَوْ ذِمِّيَّةٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
قَالَ أبو عمر: وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي هَذَا الْبَابِ نَحْوُ قَوْلِ مالك، وَقَالَ أبو حنيفة: لَا تَلْبَسُ ثَوْبَ عَصَبٍ، وَلَا خَزٍّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَصْبُوغًا إِذَا أَرَادَتْ بِهِ الزِّينَةَ، وَإِنْ لَمْ تُرِدْ بِلُبْسِ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ الزِّينَةَ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَلْبَسَهُ.
وَإِذَا اشْتَكَتْ عَيْنَهَا اكْتَحَلَتْ بِالْأَسْوَدِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ تَشْتَكِ عَيْنَهَا لَمْ تَكْتَحِلْ.
[فَصْلٌ لَا تَتَزَيَّنُ الْمُعْتَدَّةُ وَلَا تَتَطَيَّبُ بِشَيْءٍ مِنَ الطِّيبِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أبي طالب: وَلَا تَتَزَيَّنُ الْمُعْتَدَّةُ، وَلَا تَتَطَيَّبُ بِشَيْءٍ مِنَ الطِّيبِ، وَلَا تَكْتَحِلُ بِكُحْلِ زِينَةٍ وَتَدِّهِنُ بِدُهْنٍ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، وَلَا تَقْرَبُ مِسْكًا، وَلَا زَعْفَرَانًا لِلطِّيبِ، وَالْمُطَلَّقَةُ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ تَتَزَيَّنُ وَتَتَشَوَّفُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا.، وَقَالَ أبو داود فِي " مَسَائِلِهِ ": سَأَلْتُ أحمد قَالَ: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَالْمُحْرِمَةُ يَجْتَنِبْنَ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ.
وَقَالَ حرب فِي " مَسَائِلِهِ ": سَأَلْتُ أحمد ﵀ قُلْتُ: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمُطَلَّقَةُ هَلْ تَلْبَسَانِ الْبُرُدَ لَيْسَ بِحَرِيرٍ؟ فَقَالَ: لَا تَتَطَيَّبُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَلَا تَتَزَيَّنُ بِزِينَةٍ وَشَدَّدَ فِي الطِّيبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا عِنْدَ طُهْرِهَا.
ثُمَّ قَالَ: وَشُبِّهَتِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا بِالْمُتَوَفَّى عَنْهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، ثُمَّ سَاقَ حرب بِإِسْنَادِهِ إِلَى أم سلمة قَالَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا
стр. 2516
تَخْتَضِبُ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَتَطَيَّبُ، وَلَا تَمْتَشِطُ بِطِيبٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي " مَسَائِلِهِ ": سَأَلْتُ أبا عبد الله، عَنِ الْمَرْأَةِ تَنْتَقِبُ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ تَدَّهِنُ فِي عِدَّتِهَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنَّمَا كُرِهَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ.
وَقَالَ أبو عبد الله: كُلُّ دُهْنٍ فِيهِ طِيبٌ فَلَا تُدْهِنُ بِهِ، فَقَدْ دَارَ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، وأبي حنيفة ﵏ عَلَى أَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ مِنَ الثِّيَابِ مَا كَانَ مِنْ لِبَاسِ الزِّينَةِ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ قَطْعًا، فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مُنِعَتْ مِنَ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُمَشَّقِ لِأَجْلِهِ مَفْهُومٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مَعَ الْمَصْبُوغِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا هُوَ مِثْلُهُ وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ، فَإِذَا كَانَ الْأَبْيَضُ وَالْبُرُودُ الْمُحَبَّرَةُ الرَّفِيعَةُ الْغَالِيَةُ الْأَثْمَانِ مِمَّا يُرَادُ لِلزِّينَةِ لِارْتِفَاعِهِمَا وَتَنَاهِي جَوْدَتِهِمَا كَانَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ.
وَكُلُّ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَمْ يَسْتَرِبْ فِي ذَلِكَ لَا كَمَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: إِنَّهَا تَجْتَنِبُ الثِّيَابَ الْمُصَبَّغَةَ فَقَطْ وَمُبَاحٌ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ حَرِيرٍ أَبْيَضَ وَأَصْفَرَ مِنْ لَوْنِهِ الَّذِي لَمْ يُصْبَغْ، وَصُوفِ الْبَحْرِ الَّذِي هُوَ لَوْنُهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمُبَاحٌ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ الْمَنْسُوجَ بِالذَّهَبِ وَالْحُلِيِّ كُلِّهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوْهَرِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَهِيَ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ تَجْتَنِبُهَا فَقَطْ وَهِيَ الْكُحْلُ كُلُّهُ لِضَرُورَةٍ أَوْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَوْ ذَهَبَتْ عَيْنَاهَا لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَتَجْتَنِبُ فَرْضًا كُلَّ ثَوْبٍ مَصْبُوغٍ مِمَّا يُلْبَسُ فِي الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ أَوْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ السَّوَادُ وَالْخُضْرَةُ وَالْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا الْعَصَبَ وَحْدَهُ وَهِيَ ثِيَابٌ مُوَشَّاةٌ تُعْمَلُ فِي الْيَمَنِ فَهُوَ مُبَاحٌ لَهَا.
وَتَجْتَنِبُ أَيْضًا: فَرْضًا الْخِضَابَ كُلَّهُ جُمْلَةً، وَتَجْتَنِبُ الِامْتِشَاطَ حَاشَا التَّسْرِيحَ بِالْمُشْطِ فَقَطْ فَهُوَ حَلَالٌ لَهَا، وَتَجْتَنِبُ أَيْضًا فَرْضًا الطِّيبَ كُلَّهُ، وَلَا تَقْرَبُ شَيْئًا حَاشَا شَيْئًا مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ عِنْدَ طُهْرِهَا فَقَطْ، فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا حَكَيْنَا كَلَامَهُ فِيهَا بِنَصِّهِ.
وَلَيْسَ بِعَجِيبٍ مِنْهُ تَحْرِيمُ لُبْسِ ثَوْبٍ أَسْوَدَ عَلَيْهَا مِنَ الزِّينَةِ فِي شَيْءٍ، وَإِبَاحَةُ ثَوْبٍ يَتَّقِدُ ذَهَبًا وَلُؤْلُؤًا وَجَوْهَرًا، وَلَا تَحْرِيمُ الْمَصْبُوغِ الْغَلِيظِ لِحَمْلِ الْوَسَخِ،
стр. 2517
وَإِبَاحَةُ الْحَرِيرِ الَّذِي يَأْخُذُ بِالْعُيُونِ حُسْنُهُ وَبَهَاؤُهُ وَرُوَاؤُهُ، وَإِنَّمَا الْعَجَبُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا دِينُ اللَّهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ.
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا إِقْدَامُهُ عَلَى خِلَافِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي نَهْيِهِ ﷺ لَهَا عَنْ لِبَاسِ الْحُلِيِّ.
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ ذَكَرَ الْخَبَرَ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ، فَلِلَّهِ مَا لَقِيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، وَهُوَ مِنَ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ الثِّقَاتِ الَّذِينَ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثِهِ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ وَفِيهِمُ الشَّيْخَانِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ وَشَهِدَ لَهُ الْأَئِمَّةُ بِالثِّقَةِ وَالصِّدْقِ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيهِ جَرْحٌ، وَلَا خَدْشٌ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ قَطُّ تَعْلِيلُ حَدِيثٍ رَوَاهُ، وَلَا تَضْعِيفُهُ بِهِ.
وَقُرِئَ عَلَى شَيْخِنَا أبي الحجاج الحافظ فِي " التَّهْذِيبِ " وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ: إبراهيم بن طهمان بن سعيد الخراساني أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ وُلِدَ بِهَرَاةَ وَسَكَنَ نَيْسَابُورَ وَقَدِمَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا، ثُمَّ سَكَنَ بِمَكَّةَ حَتَّى مَاتَ بِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ عَمَّنْ رَوَى وَمَنْ رَوَى عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ نوح بن عمرو بن المروزي، عَنْ سفيان بن عبد الملك، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: صَحِيحُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أَبِيهِ وأبي حاتم: ثِقَةٌ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: لَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ العجلي، وَقَالَ أبو حاتم: صَدُوقٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ: كَانَ ثِقَةً فِي الْحَدِيثِ، ثُمَّ لَمْ تَزَلِ الْأَئِمَّةُ يَشْتَهُونَ حَدِيثَهُ وَيَرْغَبُونَ فِيهِ وَيُوَثِّقُونَهُ.
وَقَالَ أبو داود: ثِقَةٌ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: كَانَ صَحِيحَ الْحَدِيثِ حَسَنَ الرِّوَايَةِ كَثِيرَ السَّمَاعِ مَا كَانَ بِخُرَاسَانَ أَكْثَرَ حَدِيثًا مِنْهُ، وَهُوَ ثِقَةٌ وَرَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ الْقَاضِي: كَانَ مِنْ أَنْبَلِ مَنْ حَدَّثَ بِخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَأَوْثَقِهِمْ وَأَوْسَعِهِمْ عِلْمًا.
وَقَالَ المسعودي: سَمِعْتُ مالك بن سليمان يَقُولُ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُخْلِفْ مِثْلَهُ.
стр. 2518
وَقَدْ أَفْتَى الصَّحَابَةُ ﵃ بِمَا هُوَ مُطَابِقٌ لِهَذِهِ النُّصُوصِ وَكَاشِفٌ عَنْ مَعْنَاهَا وَمَقْصُودِهَا، فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ (لَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَتَطَيَّبُ، وَلَا تَخْتَضِبُ، وَلَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ، وَلَا ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَلَا بُرُدًا، وَلَا تَتَزَيَّنُ بِحُلِيٍّ، وَلَا تَلْبَسُ شَيْئًا تُرِيدُ بِهِ الزِّينَةَ، وَلَا تَكْتَحِلُ بِكُحْلٍ تُرِيدُ بِهِ الزِّينَةَ إِلَّا أَنْ تَشْتَكِيَ عَيْنَهَا)
وَصَحَّ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ عبد الرزاق، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (، وَلَا تَمَسُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا طِيبًا، وَلَا تَخْتَضِبُ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ تَتَجَلْبَبُ بِهِ)
وَصَحَّ عَنْ أم عطية: (لَا تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُصَبَّغَةَ إِلَّا الْعَصَبَ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا أَدْنَى الطِّيبِ بِالْقُسْطِ وَالْأَظْفَارِ، وَلَا تَكْتَحِلُ بِكُحْلِ زِينَةٍ)
وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ (تَجْتَنِبُ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ)
وَصَحَّ عَنْ أم سلمة ﵂: (لَا تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ شَيْئًا، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَلْبَسُ حُلِيًّا، وَلَا تَخْتَضِبُ، وَلَا تَتَطَيَّبُ)
وَقَالَتْ عائشة أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: (لَا تَلْبَسُ مُعَصْفَرًا، وَلَا تَقْرَبُ طِيبًا وَتَكْتَحِلُ وَتَلْبَسُ حُلِيًّا وَتَلْبَسُ إِنْ شَاءَتْ ثِيَابَ الْعَصْبِ)
[فصل هَلْ تَجْتَنِبُ الْحَادَّةُ النِّقَابَ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا النِّقَابُ فَقَالَ الخرقي فِي " مُخْتَصَرِهِ ": وَتَجْتَنِبُ الزَّوْجَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الطِّيبَ وَالزِّينَةَ وَالْبَيْتُوتَةُ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا وَالْكُحْلَ بِالْإِثْمِدِ وَالنِّقَابَ.
وَلَمْ أَجِدْ بِهَذَا نَصًّا عَنْ أحمد، وَقَدْ قَالَ إسحاق بن هانئ فِي " مَسَائِلِهِ ": سَأَلْتُ أبا عبد الله، عَنِ الْمَرْأَةِ
стр. 2519
تَنْتَقِبُ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ تَدَّهِنُ فِي عِدَّتِهَا؟ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنَّمَا كُرِهَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ.
وَلَكِنْ قَدْ قَالَ أبو داود فِي " مَسَائِلِهِ "، عَنِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُحْرِمَةِ تَجْتَنِبْنَ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ.
فَجُعِلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُحْرِمَةِ فِيمَا تَجْتَنِبُهُ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا تَجْتَنِبُ النِّقَابَ، فَلَعَلَّ أَبَا الْقَاسِمِ أَخَذَ مِنْ نَصِّهِ هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَبِهَذَا عَلَّلَهُ أبو محمد فِي " الْمُغْنِي " فَقَالَ فَصْلٌ الثَّالِثُ فِيمَا تَجْتَنِبُهُ الْحَادَّةُ النِّقَابَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِثْلَ الْبُرْقُعِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مُشَبَّهَةٌ بِالْمُحْرِمَةِ وَالْمُحْرِمَةُ تَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِذَا احْتَاجَتْ إِلَى سَتْرِ وَجْهِهَا سَدَلَتْ عَلَيْهِ كَمَا تَفْعَلُ الْمُحْرِمَةُ.
[فصل هَلْ تَلْبَسُ الْحَادَّةُ الثَّوْبَ إِذَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ]
فَصْلٌ
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الثَّوْبِ إِذَا صُبِغَ غَزْلُهُ، ثُمَّ نُسِجَ هَلْ لَهَا لَبْسُهُ؟ قِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ وَهُمَا احْتِمَالَانِ فِي الْمُغْنِي أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ لَبْسُهُ؛ لِأَنَّهُ أَحْسَنُ وَأَرْفَعُ، وَلِأَنَّهُ مَصْبُوغٌ لِلْحُسْنِ فَأَشْبَهُ مَا صُبِغَ بَعْدَ نَسْجِهِ، وَالثَّانِي: لَا يَحْرُمُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أم سلمة ﵂: ( «إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ» ) ، وَهُوَ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ قَبْلَ نَسْجِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي
قَالَ الشَّيْخُ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَأَمَّا الْعَصْبُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ نَبْتٌ تُصْبَغُ بِهِ الثِّيَابُ
قَالَ السهيلي: الْوَرْسُ وَالْعَصْبُ نَبْتَانِ بِالْيَمَنِ لَا يَنْبُتَانِ إِلَّا بِهِ، فَأَرْخَصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَادَّةِ فِي لُبْسِ مَا يُصْبَغُ بِالْعَصْبِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا يُصْبَغُ لِغَيْرِ تَحْسِينٍ كَالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ، فَلَا مَعْنَى لِتَجْوِيزِ لُبْسِهِ مَعَ حُصُولِ الزِّينَةِ بِصَبْغِهِ كَحُصُولِهَا بِمَا صُبِغَ بَعْدَ نَسْجِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ذِكْرُ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الِاسْتِبْرَاءِ]
ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مسلم ": مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ عَدُوًّا فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وَأَصَابُوا سَبَايَا فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ
стр. 2520
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] » ) [النِّسَاءِ ٢٤] أَيْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ.
وَفِي " صَحِيحِهِ " أَيْضًا: مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةِ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ فَقَالَ " لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا ". فَقَالُوا: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ» ) .
وَفِي الترمذي: مِنْ حَدِيثِ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ وَطْءَ السَّبَايَا حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ» )
وَفِي " الْمُسْنَدِ " وَ " سُنَنِ أبي داود ": مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: ( «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» ) .
وَفِي الترمذي: مِنْ حَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ» ) . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ولأبي داود مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا: ( «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ
стр. 2521
يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا» ) .
ولأحمد: ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَنْكِحَنَّ ثَيِّبًا مِنَ السَّبَايَا حَتَّى تَحِيضَ» ) . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ": قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ( «إِذَا وُهِبَتِ الْوَلِيدَةُ الَّتِي تُوطَأُ، أَوْ بِيعَتْ، أَوْ عَتَقَتْ فَلْتُسْتَبْرَأْ بِحَيْضَةٍ، وَلَا تُسْتَبْرَأُ الْعَذْرَاءُ» ) .
وَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنْ عمرو بن مسلم، عَنْ طَاوُوسٍ: ( «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ: لَا يَقَعَنَّ رَجُلٌ عَلَى حَامِلٍ وَلَا حَائِلٍ حَتَّى تَحِيضَ» ) .
وَذُكِرَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ زكريا، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ ( «أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ سَبَايَا يَوْمِ أَوْطَاسٍ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَقَعُوا عَلَى حَامِلٍ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا عَلَى غَيْرِ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ» ) .
[لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمَسْبِيَّةِ حَتَّى يُعْلَمَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا]
فَصْلٌ
فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّنَنُ أَحْكَامًا عَدِيدَةً. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمَسْبِيَّةِ حَتَّى يُعْلَمَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَبِوَضْعِ حَمْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا فَبِأَنْ تَحِيضَ حَيْضَةً. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ فَلَا نَصَّ فِيهَا، وَاخْتُلِفَ فِيهَا وَفِي الْبِكْرِ وَفِي الَّتِي يُعْلَمُ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا بِأَنْ حَاضَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ، ثُمَّ بَاعَهَا عَقِيبَ الْحَيْضِ وَلَمْ يَطَأْهَا وَلَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ مِلْكِهِ، أَوْ كَانَتْ عِنْدَ امْرَأَةٍ وَهِيَ مَصُونَةٌ فَانْتَقَلَتْ عَنْهَا إِلَى رَجُلٍ، فَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ، وأبو
стр. 2522
حنيفة، وأحمد الِاسْتِبْرَاءَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَخْذًا بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ وَاعْتِبَارًا بِالْعِدَّةِ حَيْثُ تَجِبُ مَعَ الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَاحْتِجَاجًا بِآثَارِ الصَّحَابَةِ كَمَا ذَكَرَ عبد الرزاق. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ عطاء: تَدَاوَلَ ثَلَاثَةٌ مِنَ التُّجَّارِ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الْقَافَةَ فَأَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِأَحَدِهِمْ، ثُمَّ قَالَ عمر ﵁ (مَنِ ابْتَاعَ جَارِيَةً قَدْ بَلَغَتِ الْمَحِيضَ فَلْيَتَرَبَّصْ بِهَا حَتَّى تَحِيضَ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ فَلْيَتَرَبَّصْ بِهَا خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً)
قَالُوا: وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ الْعِدَّةَ عَلَى مَنْ يَئِسَتْ مِنَ الْمَحِيضِ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْمَحِيضِ وَجَعَلَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَالِاسْتِبْرَاءُ عِدَّةُ الْأَمَةِ فَيَجِبُ عَلَى الْآيِسَةِ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْمَحِيضِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ الْعِلْمُ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَحَيْثُ تَيَقَّنَ الْمَالِكُ بَرَاءَةَ رَحِمِ الْأَمَةِ فَلَهُ وَطْؤُهَا، وَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ كَمَا رَوَاهُ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنْ أيوب، عَنْ نافع (، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: إِذَا كَانَتِ الْأَمَةُ عَذْرَاءَ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا إِنْ شَاءَ) وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْهُ.
وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أيوب بن عبد الله اللخمي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (وَقَعَتْ فِي سَهْمِي جَارِيَةٌ يَوْمَ جَلُولَاءَ كَأَنَّ عُنُقَهَا إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ جَعَلْتُ أُقَبِّلُهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ)
وَمَذْهَبُ مالك إِلَى هَذَا يَرْجِعُ، وَهَاكَ قَاعِدَتُهُ وَفُرُوعُهَا: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ، وَقَدْ عَقَدَ قَاعِدَةً لِبَابِ الِاسْتِبْرَاءِ فَنَذْكُرُهَا بِلَفْظِهَا: وَالْقَوْلُ الْجَامِعُ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَمَةٍ أُمِنَ عَلَيْهَا الْحَمْلُ فَلَا يَلْزَمُ فِيهَا الِاسْتِبْرَاءُ، وَكُلُّ مَنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُهَا حَامِلًا، أَوْ شَكَّ فِي حَمْلِهَا، أَوْ تَرَدَّدَ
стр. 2523
فِيهِ فَالِاسْتِبْرَاءُ لَازِمٌ فِيهَا، وَكُلُّ مَنْ غَلَبَ الظَّنُّ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا، لَكِنَّهُ مَعَ الظَّنِّ الْغَالِبِ يَجُوزُ حُصُولُهُ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي ثُبُوتِ الِاسْتِبْرَاءِ وَسُقُوطِهِ.
ثُمَّ خَرَّجَ عَلَى ذَلِكَ الْفُرُوعَ الْمُخْتَلِفَةَ، فِيهَا كَاسْتِبْرَاءِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُطِيقُ الْوَطْءَ، وَالْآيِسَةِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مالك، قَالَ صَاحِبُ (الْجَوَاهِرِ) : وَيَجِبُ فِي الصَّغِيرَةِ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ قَارَبَ سِنَّ الْحَمْلِ كَبِنْتِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، أَوْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَفِي إِيجَابِ الِاسْتِبْرَاءِ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تُطِيقُ الْوَطْءَ، وَلَا يَحْمِلُ مِثْلُهَا كَبِنْتِ تِسْعٍ وَعَشْرٍ، رِوَايَتَانِ، أَثْبَتَهُ فِي رِوَايَةِ ابن القاسم، وَنَفَاهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُطِيقُ الْوَطْءَ فَلَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا.
قَالَ: وَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ فِيمَنْ جَاوَزَتْ سِنَّ الْحَيْضِ، وَلَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْآيِسَةِ، مِثْلَ ابْنَةِ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ.
وَأَمَّا الَّتِي قَعَدَتْ عَنِ الْمَحِيضِ، وَيَئِسَتْ عَنْهُ، فَهَلْ يَجِبُ فِيهَا الِاسْتِبْرَاءُ، أَوْ لَا يَجِبُ؟ رِوَايَتَانِ لابن القاسم، وابن عبد الحكم.
قَالَ المازري: وَوَجْهُ اسْتِبْرَاءِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُطِيقُ الْوَطْءَ وَالْآيِسَةِ، أَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِمَا الْحَمْلُ عَلَى النُّدُورِ، أَوْ لِحِمَايَةِ الذَّرِيعَةِ، لِئَلَّا يُدْعَى فِي مَوَاضِعِ الْإِمْكَانِ أَنْ لَا إِمْكَانَ.
قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ خَوْفًا أَنْ تَكُونَ زَنَتْ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِبْرَاءِ لِسُوءِ الظَّنِّ، وَفِيهِ قَوْلَانِ وَالنَّفْيُ لأشهب.
قَالَ وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ الْوَخْشِ، فِيهِ قَوْلَانِ، الْغَالِبُ: عَدَمُ وَطْءِ السَّادَاتِ لَهُنَّ، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ فِي النَّادِرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ مَنْ بَاعَهَا مَجْبُوبٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مالك.
وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْمُكَاتَبَةِ إِذَا كَانَتْ تَتَصَرَّفُ ثُمَّ عَجَزَتْ، فَرَجَعَتْ إِلَى سَيِّدِهَا، فابن القاسم يُثْبِتُ الِاسْتِبْرَاءَ، وأشهب يَنْفِيهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْبِكْرِ، قَالَ أبو الحسن اللخمي: هُوَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى
стр. 2524
وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مالك: هُوَ وَاجِبٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ إِذَا اسْتَبْرَأَ الْبَائِعُ الْأَمَةَ، وَعَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ قَدِ اسْتَبْرَأَهَا، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ اسْتِبْرَاءُ الْبَائِعِ عَنِ اسْتِبْرَاءِ الْمُشْتَرِي.
وَمِنْ ذَلِكَ إِذَا أَوْدَعَهُ أَمَةً، فَحَاضَتْ عِنْدَ الْمُودَعِ حَيْضَةً، ثُمَّ اسْتَبْرَأَهَا، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اسْتِبْرَاءٍ ثَانٍ، وَأَجْزَأَتْ تِلْكَ الْحَيْضَةُ عَنِ اسْتِبْرَائِهَا، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا تَخْرُجَ، وَلَا يَكُونُ سَيِّدُهَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ زَوْجَتِهِ، أَوْ وَلَدٍ لَهُ صَغِيرٍ فِي عِيَالِهِ وَقَدْ حَاضَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ، فابن القاسم يَقُولُ: إِنْ كَانَتْ لَا تَخْرُجُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وأشهب يَقُولُ: إِنْ كَانَ مَعَ الْمُشْتَرِي فِي دَارٍ وَهُوَ الذَّابُّ عَنْهَا، وَالنَّاظِرُ فِي أَمْرِهَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَتْ تَخْرُجُ أَوْ لَا تَخْرُجُ.
وَمِنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَ سَيِّدُ الْأَمَةِ غَائِبًا، فَحِينَ قَدِمَ، اشْتَرَاهَا مِنْهُ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ، أَوْ خَرَجَتْ وَهِيَ حَائِضٌ، فَاشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ، فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ إِذَا بِيعَتْ وَهِيَ حَائِضٌ فِي أَوَّلِ حَيْضِهَا، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ اسْتِبْرَاءً لَهَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَيْضَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ، الشَّرِيكُ يَشْتَرِي نَصِيبَ شَرِيكِهِ مِنَ الْجَارِيَةِ وَهِيَ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْهُمَا، وَقَدْ حَاضَتْ فِي يَدِهِ، فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ الْفُرُوعُ كُلُّهَا مِنْ مَذْهَبِهِ تُنْبِيكَ عَنْ مَأْخَذِهِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ وَلَا يُظَنُّ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، فَإِنْ عُلِمَتْ أَوْ ظُنَّتْ، فَلَا اسْتِبْرَاءَ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ سُرَيْجٍ وأبو العباس ابن تيمية: إِنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ الْبِكْرِ، كَمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَبِقَوْلِهِمْ نَقُولُ، وَلَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَصٌّ عَامٌّ فِي وُجُوبِ اسْتِبْرَاءِ كُلِّ مَنْ تَجَدَّدَ لَهُ عَلَيْهَا مِلْكٌ عَلَى أَيِّ
стр. 2525
حَالَةٍ كَانَتْ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ وَطْءِ السَّبَايَا حَتَّى تَضَعَ حَوَامِلُهُنَّ، وَتَحِيضَ حَوَائِلُهُنَّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَعُمُومُهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ وَطْءِ أَبْكَارِهِنَّ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، كَمَا يَمْتَنِعُ وَطْءُ الثَّيِّبِ؟
قِيلَ: نَعَمْ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ عُمُومٌ أَوْ إِطْلَاقٌ ظَهَرَ الْقَصْدُ مِنْهُ، فَيَخُصُّ أَوْ يُقَيَّدْ عِنْدَ انْتِفَاءِ مُوجِبِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَيَخُصُّ أَيْضًا بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ رويفع: ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَنْكِحْ ثَيِّبًا مِنَ السَّبَايَا حَتَّى تَحِيضَ» ) . وَيَخُصُّ أَيْضًا بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ مُخَالِفٌ.
وَفِي (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) : مِنْ حَدِيثِ بريدة، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عليا ﵁ إِلَى خالد يَعْنِي بِالْيَمِينِ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ فَاصْطَفَى عَلِيٌّ مِنْهَا سَبِيَّةً، فَأَصْبَحَ وَقَدِ اغْتَسَلَ، فَقُلْتُ لخالد: أَمَا تَرَى إِلَى هَذَا؟ وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ خالد لبريدة: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَ هَذَا؟ قَالَ بريدة: وَكُنْتُ أَبْغِضُ عليا ﵁ فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: (يَا بريدة أَتُبْغِضُ عَلِيًّا) ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: (لَا تُبْغِضْهُ فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) » .
فَهَذِهِ الْجَارِيَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِكْرًا فَلَمْ يَرَ عَلِيٌّ وُجُوبَ اسْتِبْرَائِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي آخِرِ حَيْضِهَا، فَاكْتَفَى بِالْحَيْضَةِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ لَهَا. وَبِكُلِّ حَالٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَحَقَّقَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا بِحَيْثُ أَغْنَاهُ عَنِ الِاسْتِبْرَاءِ.
فَإِذَا تَأَمَّلْتَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حَقَّ التَّأَمُّلِ، وَجَدْتَ قَوْلَهُ: ( «وَلَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَى تَحِيضَ» ) ، ظَهَرَ لَكَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِغَيْرِ ذَاتِ الْحَمْلِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، وَأَنْ لَا تَكُونَ، فَيُمْسِكُ عَنْ وَطْئِهَا
следующие страницы →