Полный текст (2 628 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا» ) .
ولأحمد: ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَنْكِحَنَّ ثَيِّبًا مِنَ السَّبَايَا حَتَّى تَحِيضَ» ) . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ": قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ( «إِذَا وُهِبَتِ الْوَلِيدَةُ الَّتِي تُوطَأُ، أَوْ بِيعَتْ، أَوْ عَتَقَتْ فَلْتُسْتَبْرَأْ بِحَيْضَةٍ، وَلَا تُسْتَبْرَأُ الْعَذْرَاءُ» ) .
وَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنْ عمرو بن مسلم، عَنْ طَاوُوسٍ: ( «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ: لَا يَقَعَنَّ رَجُلٌ عَلَى حَامِلٍ وَلَا حَائِلٍ حَتَّى تَحِيضَ» ) .
وَذُكِرَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ زكريا، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ ( «أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ سَبَايَا يَوْمِ أَوْطَاسٍ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَقَعُوا عَلَى حَامِلٍ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا عَلَى غَيْرِ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ» ) .
[لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمَسْبِيَّةِ حَتَّى يُعْلَمَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا]
فَصْلٌ
فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّنَنُ أَحْكَامًا عَدِيدَةً. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمَسْبِيَّةِ حَتَّى يُعْلَمَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَبِوَضْعِ حَمْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا فَبِأَنْ تَحِيضَ حَيْضَةً. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ فَلَا نَصَّ فِيهَا، وَاخْتُلِفَ فِيهَا وَفِي الْبِكْرِ وَفِي الَّتِي يُعْلَمُ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا بِأَنْ حَاضَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ، ثُمَّ بَاعَهَا عَقِيبَ الْحَيْضِ وَلَمْ يَطَأْهَا وَلَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ مِلْكِهِ، أَوْ كَانَتْ عِنْدَ امْرَأَةٍ وَهِيَ مَصُونَةٌ فَانْتَقَلَتْ عَنْهَا إِلَى رَجُلٍ، فَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ، وأبو
стр. 2522
حنيفة، وأحمد الِاسْتِبْرَاءَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَخْذًا بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ وَاعْتِبَارًا بِالْعِدَّةِ حَيْثُ تَجِبُ مَعَ الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَاحْتِجَاجًا بِآثَارِ الصَّحَابَةِ كَمَا ذَكَرَ عبد الرزاق. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ عطاء: تَدَاوَلَ ثَلَاثَةٌ مِنَ التُّجَّارِ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الْقَافَةَ فَأَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِأَحَدِهِمْ، ثُمَّ قَالَ عمر ﵁ (مَنِ ابْتَاعَ جَارِيَةً قَدْ بَلَغَتِ الْمَحِيضَ فَلْيَتَرَبَّصْ بِهَا حَتَّى تَحِيضَ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ فَلْيَتَرَبَّصْ بِهَا خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً)
قَالُوا: وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ الْعِدَّةَ عَلَى مَنْ يَئِسَتْ مِنَ الْمَحِيضِ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْمَحِيضِ وَجَعَلَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَالِاسْتِبْرَاءُ عِدَّةُ الْأَمَةِ فَيَجِبُ عَلَى الْآيِسَةِ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْمَحِيضِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ الْعِلْمُ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَحَيْثُ تَيَقَّنَ الْمَالِكُ بَرَاءَةَ رَحِمِ الْأَمَةِ فَلَهُ وَطْؤُهَا، وَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ كَمَا رَوَاهُ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنْ أيوب، عَنْ نافع (، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: إِذَا كَانَتِ الْأَمَةُ عَذْرَاءَ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا إِنْ شَاءَ) وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْهُ.
وَذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أيوب بن عبد الله اللخمي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (وَقَعَتْ فِي سَهْمِي جَارِيَةٌ يَوْمَ جَلُولَاءَ كَأَنَّ عُنُقَهَا إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ جَعَلْتُ أُقَبِّلُهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ)
وَمَذْهَبُ مالك إِلَى هَذَا يَرْجِعُ، وَهَاكَ قَاعِدَتُهُ وَفُرُوعُهَا: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ، وَقَدْ عَقَدَ قَاعِدَةً لِبَابِ الِاسْتِبْرَاءِ فَنَذْكُرُهَا بِلَفْظِهَا: وَالْقَوْلُ الْجَامِعُ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَمَةٍ أُمِنَ عَلَيْهَا الْحَمْلُ فَلَا يَلْزَمُ فِيهَا الِاسْتِبْرَاءُ، وَكُلُّ مَنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُهَا حَامِلًا، أَوْ شَكَّ فِي حَمْلِهَا، أَوْ تَرَدَّدَ
стр. 2523
فِيهِ فَالِاسْتِبْرَاءُ لَازِمٌ فِيهَا، وَكُلُّ مَنْ غَلَبَ الظَّنُّ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا، لَكِنَّهُ مَعَ الظَّنِّ الْغَالِبِ يَجُوزُ حُصُولُهُ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي ثُبُوتِ الِاسْتِبْرَاءِ وَسُقُوطِهِ.
ثُمَّ خَرَّجَ عَلَى ذَلِكَ الْفُرُوعَ الْمُخْتَلِفَةَ، فِيهَا كَاسْتِبْرَاءِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُطِيقُ الْوَطْءَ، وَالْآيِسَةِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مالك، قَالَ صَاحِبُ (الْجَوَاهِرِ) : وَيَجِبُ فِي الصَّغِيرَةِ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ قَارَبَ سِنَّ الْحَمْلِ كَبِنْتِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، أَوْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَفِي إِيجَابِ الِاسْتِبْرَاءِ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تُطِيقُ الْوَطْءَ، وَلَا يَحْمِلُ مِثْلُهَا كَبِنْتِ تِسْعٍ وَعَشْرٍ، رِوَايَتَانِ، أَثْبَتَهُ فِي رِوَايَةِ ابن القاسم، وَنَفَاهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُطِيقُ الْوَطْءَ فَلَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا.
قَالَ: وَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ فِيمَنْ جَاوَزَتْ سِنَّ الْحَيْضِ، وَلَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْآيِسَةِ، مِثْلَ ابْنَةِ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ.
وَأَمَّا الَّتِي قَعَدَتْ عَنِ الْمَحِيضِ، وَيَئِسَتْ عَنْهُ، فَهَلْ يَجِبُ فِيهَا الِاسْتِبْرَاءُ، أَوْ لَا يَجِبُ؟ رِوَايَتَانِ لابن القاسم، وابن عبد الحكم.
قَالَ المازري: وَوَجْهُ اسْتِبْرَاءِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُطِيقُ الْوَطْءَ وَالْآيِسَةِ، أَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِمَا الْحَمْلُ عَلَى النُّدُورِ، أَوْ لِحِمَايَةِ الذَّرِيعَةِ، لِئَلَّا يُدْعَى فِي مَوَاضِعِ الْإِمْكَانِ أَنْ لَا إِمْكَانَ.
قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ خَوْفًا أَنْ تَكُونَ زَنَتْ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِبْرَاءِ لِسُوءِ الظَّنِّ، وَفِيهِ قَوْلَانِ وَالنَّفْيُ لأشهب.
قَالَ وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ الْوَخْشِ، فِيهِ قَوْلَانِ، الْغَالِبُ: عَدَمُ وَطْءِ السَّادَاتِ لَهُنَّ، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ فِي النَّادِرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ مَنْ بَاعَهَا مَجْبُوبٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مالك.
وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْمُكَاتَبَةِ إِذَا كَانَتْ تَتَصَرَّفُ ثُمَّ عَجَزَتْ، فَرَجَعَتْ إِلَى سَيِّدِهَا، فابن القاسم يُثْبِتُ الِاسْتِبْرَاءَ، وأشهب يَنْفِيهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْبِكْرِ، قَالَ أبو الحسن اللخمي: هُوَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى
стр. 2524
وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مالك: هُوَ وَاجِبٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ إِذَا اسْتَبْرَأَ الْبَائِعُ الْأَمَةَ، وَعَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ قَدِ اسْتَبْرَأَهَا، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ اسْتِبْرَاءُ الْبَائِعِ عَنِ اسْتِبْرَاءِ الْمُشْتَرِي.
وَمِنْ ذَلِكَ إِذَا أَوْدَعَهُ أَمَةً، فَحَاضَتْ عِنْدَ الْمُودَعِ حَيْضَةً، ثُمَّ اسْتَبْرَأَهَا، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اسْتِبْرَاءٍ ثَانٍ، وَأَجْزَأَتْ تِلْكَ الْحَيْضَةُ عَنِ اسْتِبْرَائِهَا، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا تَخْرُجَ، وَلَا يَكُونُ سَيِّدُهَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ زَوْجَتِهِ، أَوْ وَلَدٍ لَهُ صَغِيرٍ فِي عِيَالِهِ وَقَدْ حَاضَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ، فابن القاسم يَقُولُ: إِنْ كَانَتْ لَا تَخْرُجُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وأشهب يَقُولُ: إِنْ كَانَ مَعَ الْمُشْتَرِي فِي دَارٍ وَهُوَ الذَّابُّ عَنْهَا، وَالنَّاظِرُ فِي أَمْرِهَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَتْ تَخْرُجُ أَوْ لَا تَخْرُجُ.
وَمِنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَ سَيِّدُ الْأَمَةِ غَائِبًا، فَحِينَ قَدِمَ، اشْتَرَاهَا مِنْهُ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ، أَوْ خَرَجَتْ وَهِيَ حَائِضٌ، فَاشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ، فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ إِذَا بِيعَتْ وَهِيَ حَائِضٌ فِي أَوَّلِ حَيْضِهَا، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ اسْتِبْرَاءً لَهَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَيْضَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ، الشَّرِيكُ يَشْتَرِي نَصِيبَ شَرِيكِهِ مِنَ الْجَارِيَةِ وَهِيَ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْهُمَا، وَقَدْ حَاضَتْ فِي يَدِهِ، فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ الْفُرُوعُ كُلُّهَا مِنْ مَذْهَبِهِ تُنْبِيكَ عَنْ مَأْخَذِهِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ وَلَا يُظَنُّ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، فَإِنْ عُلِمَتْ أَوْ ظُنَّتْ، فَلَا اسْتِبْرَاءَ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ سُرَيْجٍ وأبو العباس ابن تيمية: إِنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ الْبِكْرِ، كَمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَبِقَوْلِهِمْ نَقُولُ، وَلَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَصٌّ عَامٌّ فِي وُجُوبِ اسْتِبْرَاءِ كُلِّ مَنْ تَجَدَّدَ لَهُ عَلَيْهَا مِلْكٌ عَلَى أَيِّ
стр. 2525
حَالَةٍ كَانَتْ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ وَطْءِ السَّبَايَا حَتَّى تَضَعَ حَوَامِلُهُنَّ، وَتَحِيضَ حَوَائِلُهُنَّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَعُمُومُهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ وَطْءِ أَبْكَارِهِنَّ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، كَمَا يَمْتَنِعُ وَطْءُ الثَّيِّبِ؟
قِيلَ: نَعَمْ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ عُمُومٌ أَوْ إِطْلَاقٌ ظَهَرَ الْقَصْدُ مِنْهُ، فَيَخُصُّ أَوْ يُقَيَّدْ عِنْدَ انْتِفَاءِ مُوجِبِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَيَخُصُّ أَيْضًا بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ رويفع: ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَنْكِحْ ثَيِّبًا مِنَ السَّبَايَا حَتَّى تَحِيضَ» ) . وَيَخُصُّ أَيْضًا بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ مُخَالِفٌ.
وَفِي (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) : مِنْ حَدِيثِ بريدة، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عليا ﵁ إِلَى خالد يَعْنِي بِالْيَمِينِ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ فَاصْطَفَى عَلِيٌّ مِنْهَا سَبِيَّةً، فَأَصْبَحَ وَقَدِ اغْتَسَلَ، فَقُلْتُ لخالد: أَمَا تَرَى إِلَى هَذَا؟ وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ خالد لبريدة: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَ هَذَا؟ قَالَ بريدة: وَكُنْتُ أَبْغِضُ عليا ﵁ فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: (يَا بريدة أَتُبْغِضُ عَلِيًّا) ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: (لَا تُبْغِضْهُ فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) » .
فَهَذِهِ الْجَارِيَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِكْرًا فَلَمْ يَرَ عَلِيٌّ وُجُوبَ اسْتِبْرَائِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي آخِرِ حَيْضِهَا، فَاكْتَفَى بِالْحَيْضَةِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ لَهَا. وَبِكُلِّ حَالٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَحَقَّقَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا بِحَيْثُ أَغْنَاهُ عَنِ الِاسْتِبْرَاءِ.
فَإِذَا تَأَمَّلْتَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حَقَّ التَّأَمُّلِ، وَجَدْتَ قَوْلَهُ: ( «وَلَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَى تَحِيضَ» ) ، ظَهَرَ لَكَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِغَيْرِ ذَاتِ الْحَمْلِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، وَأَنْ لَا تَكُونَ، فَيُمْسِكُ عَنْ وَطْئِهَا
стр. 2526
مَخَافَةَ الْحَمْلِ، لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ رَحِمُهَا، وَهَذَا قَالَهُ فِي الْمَسْبِيَّاتِ لِعَدَمِ عِلْمِ السَّابِي بِحَالِهِنَّ.
وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مَنْ مَلَكَ أَمَةً لَا يُعْلَمُ حَالُهَا قَبْلَ الْمِلْكِ، هَلِ اشْتَمَلَ رَحِمُهَا عَلَى حَمْلٍ أَمْ لَا؟ لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ، هَذَا أَمْرٌ مَعْقُولٌ، وَلَيْسَ بِتَعَبُّدٍ مَحْضٍ لَا مَعْنَى لَهُ، فَلَا مَعْنَى لِاسْتِبْرَاءِ الْعَذْرَاءِ وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا يَحْمِلُ مِثْلُهَا، وَالَّتِي اشْتَرَاهَا مِنِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ فِي بَيْتِهِ لَا تَخْرُجُ أَصْلًا، وَنَحْوِهَا مِمَّنْ يُعْلَمُ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا، فَكَذَلِكَ إِذَا زَنَتِ الْمُرَأَةُ وَأَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ، اسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، وَكَذَلِكَ إِذَا زَنَتْ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ، أَمْسَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً، وَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ إِذَا مَاتَ عَنْهَا سَيِّدُهَا، اعْتَدَّتْ بِحَيْضَةٍ.
قَالَ عبد الله بن أحمد: سَأَلْتُ أَبِي، كَمْ عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا مَوْلَاهَا أَوْ أَعْتَقَهَا؟ قَالَ: عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَةٌ فِي كُلِّ أَحْوَالِهَا، إِنْ جَنَتْ، فَعَلَى سَيِّدِهَا قِيمَتُهَا، وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهَا، فَعَلَى الْجَانِي مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا. وَإِنْ مَاتَتْ، فَمَا تَرَكَتْ مِنْ شَيْءٍ فَلِسَيِّدِهَا، وَإِنْ أَصَابَتْ حَدًّا، فَحَدُّ أَمَةٍ، وَإِنْ زَوَّجَهَا سَيِّدُهَا فَمَا وَلَدَتْ فَهُمْ بِمَنْزِلَتِهَا يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهَا، وَيَرِقُّونَ بِرِقِّهَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عِدَّتِهَا، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَهَذِهِ عِدَّةُ الْحُرَّةِ وَهَذِهِ عِدَّةُ أَمَةٍ خَرَجَتْ مِنَ الرِّقِّ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا أَنْ يُوَرِّثَهَا، وَأَنْ يَجْعَلَ حُكْمَهَا حُكْمَ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَامَهَا فِي الْعِدَّةِ مَقَامَ الْحُرَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: عِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَهَذَا قَوْلٌ لَيْسَ لَهُ وَجْهٌ، إِنَّمَا تَعْتَدُّ ثَلَاثَ حِيَضٍ الْمُطَلَّقَةُ، وَلَيْسَتْ هِيَ بِمُطَلَّقَةٍ وَلَا حُرَّةٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ الْعِدَّةَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] ، وَلَيْسَتْ أُمُّ الْوَلَدِ بِحُرَّةٍ وَلَا زَوْجَةٍ، فَتَعْتَدُّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ. قَالَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
стр. 2527
، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَةٌ خَرَجَتْ مِنَ الرِّقِّ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، وَهَذَا لَفْظُ أحمد ﵀.
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ صالح: تَعْتَدُّ أُمُّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا مَوْلَاهَا، أَوْ أَعْتَقَهَا حَيْضَةً، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَةٌ فِي كُلِّ أَحْوَالِهَا.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ محمد بن العباس: عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ فِي (الْمُغْنِي) : وَحَكَى أبو الخطاب رِوَايَةً ثَالِثَةً عَنْ أحمد: أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ. قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ أحمد ﵀ فِي (الْجَامِعِ) وَلَا أَظُنُّهَا صَحِيحَةً عَنْ أحمد ﵀ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عطاء وطاووس وقتادة؛ لِأَنَّهَا حِينَ الْمَوْتِ أَمَةٌ فَكَانَتْ عِدَّتُهَا عِدَّةَ الْأَمَةِ، كَمَا لَوْ مَاتَ رَجُلٌ عَنْ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ، فَعَتَقَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ رِوَايَةَ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أحمد.
قَالَ أبو بكر عبد العزيز فِي (زَادِ الْمُسَافِرِ) : بَابُ الْقَوْلِ فِي عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنَ الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ. قَالَ أبو عبد الله فِي رِوَايَةِ ابن القاسم: إِذَا مَاتَ السَّيِّدُ وَهِيَ عِنْدَ زَوْجٍ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، كَيْفَ تَعْتَدُّ وَهِيَ مَعَ زَوْجِهَا؟ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: إِذَا أَعْتَقَ أُمَّ الْوَلَدِ، فَلَا يَتَزَوَّجُ أُخْتَهَا حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ عِدَّتِهَا. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ: وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ عِدَّةُ الْأَمَةِ فِي الْوَفَاةِ وَالطَّلَاقِ وَالْفُرْقَةِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ: عِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، مَا رَوَاهُ أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ قَالَ لَا تُفْسِدُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. وَهَذَا قَوْلُ السَّعِيدَيْنِ،
стр. 2528
وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، ومجاهد، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وإسحاق. قَالُوا: لِأَنَّهَا حُرَّةٌ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ، فَكَانَتْ عِدَّتُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، كَالزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ.
وَقَالَ عطاء، والنخعي، وَالثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفة، وَأَصْحَابُهُ: تَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، وَحُكِيَ عَنْ علي، وَابْنِ مَسْعُودٍ، قَالُوا: لِأَنَّهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ عِدَّةٍ، وَلَيْسَتْ زَوْجَةً، فَتَدْخُلُ فِي آيَةِ الْأَزْوَاجِ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ، وَلَا أَمَةً، فَتَدْخُلُ فِي نُصُوصِ اسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ بِحَيْضَةٍ، فَهِيَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْمُطَلَّقَةِ فَتَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ.
وَالصَّوَابُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وعائشة، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، والحسن، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وأبي قلابة، ومكحول، ومالك، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ أبي عبيد، وَأَبِي ثَوْرٍ، وابن المنذر، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْرَاءِ لِزَوَالِ الْمِلْكِ عَنِ الرَّقَبَةِ فَكَانَ حَيْضَةً وَاحِدَةً فِي حَقِّ مَنْ تَحِيضُ، كَسَائِرِ اسْتِبْرَاءَاتِ الْمُعْتَقَاتِ، وَالْمَمْلُوكَاتِ، وَالْمَسْبِيَّاتِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ ابن المنذر: ضَعَّفَ أحمد وأبو عبيد حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَقَالَ محمد بن موسى: سَأَلْتُ أبا عبد الله عَنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ لَا يَصِحُّ. وَقَالَ الميموني: رَأَيْتُ أبا عبد الله يَعْجَبُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا؟ وَقَالَ: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] إِنَّمَا هِيَ عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنَ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ أَمَةٌ خَرَجَتْ مِنَ الرِّقِّ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِهَذَا أَنْ يُوَرِّثَهَا، وَلَيْسَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: تَعْتَدُّ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَجْهٌ إِنَّمَا تَعْتَدُّ بِذَلِكَ الْمُطَلَّقَةُ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ المنذري: فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ عمرو، مَطَرُ بْنُ طَهْمَانَ أَبُو رَجَاءٍ الْوَرَّاقُ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَأَخْبَرَنَا شَيْخُنَا أبو الحجاج الْحَافِظُ فِي كِتَابِ (التَّهْذِيبِ) قَالَ أبو طالب: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ. فَقَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يُضَعِّفُ حَدِيثَهُ عَنْ عطاء، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ
стр. 2529
حَنْبَلٍ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يُشَبِّهُ حَدِيثَ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ بابن أبي ليلى فِي سُوءِ الْحِفْظِ، قَالَ عبد الله: فَسَأَلْتُ أَبِي عَنْهُ؟ فَقَالَ مَا أَقْرَبَهُ مِنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي عطاء خَاصَّةً، وَقَالَ مطر فِي عطاء: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، قَالَ عبد الله: قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: مَطَرٌ الْوَرَّاقُ؟ فَقَالَ: ضَعِيفٌ فِي حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَبَعْدُ، فَهُوَ ثِقَةٌ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ، وَاحْتَجَّ بِهِ مسلم، فَلَا وَجْهَ لِضَعْفِ الْحَدِيثِ بِهِ.
وَإِنَّمَا عِلَّةُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَهُ عِلَّةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ لَمْ يَقُلْ: لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَالصَّوَابُ: لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا دِينَنَا. مَوْقُوفٌ. وَلَهُ عِلَّةٌ أُخْرَى، وَهِيَ اضْطِرَابُ الْحَدِيثِ، وَاخْتِلَافُهُ عَنْ عمرو عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: هَذَا.
وَالثَّانِي: عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ عِدَّةُ الْحُرَّةِ.
وَالثَّالِثُ: عِدَّتُهَا إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، فَإِذَا أُعْتِقَتْ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَالْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ عَنْهُ ذَكَرَهَا البيهقي.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ حَكَاهُ البيهقي عَنْهُ، وَقَدْ رَوَى خلاس، عَنْ علي مِثْلَ رِوَايَةِ قبيصة عَنْ عمرو، أَنَّ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَلَكِنَّ خِلَاسَ بْنَ عَمْرٍو قَدْ تُكُلِّمَ فِي حَدِيثِهِ، فَقَالَ أيوب: لَا يُرْوَى عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ صُحُفِيٌّ، وَكَانَ مُغِيرَةُ لَا يَعْبَأُ بِحَدِيثِهِ.
وَقَالَ أحمد: رِوَايَتُهُ عَنْ علي يُقَالُ: إِنَّهُ كِتَابٌ، وَقَالَ البيهقي: رِوَايَاتُ خلاس عَنْ علي ضَعِيفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ: هِيَ مِنْ صَحِيفَةٍ. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى مالك، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ يُتَوَفَّى عَنْهَا سَيِّدُهَا، قَالَ: تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ.
فَإِنْ ثَبَتَ عَنْ
стр. 2530
علي وعمرو مَا رُوِيَ عَنْهُمَا، فَهِيَ مَسْأَلَةُ نِزَاعٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَالدَّلِيلُ هُوَ الْحَاكِمُ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ جَعَلَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا إِلَّا التَّعَلُّقُ بِعُمُومِ الْمَعْنَى، إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ لَفْظٌ عَامٌّ، وَلَكِنَّ شَرْطَ عُمُومِ الْمَعْنَى تَسَاوِي الْأَفْرَادِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي ثَبَتَ الْحُكْمُ لِأَجْلِهِ، فَمَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ الْإِلْحَاقُ، وَالَّذِينَ أَلْحَقُوا أُمَّ الْوَلَدِ بِالزَّوْجَةِ رَأَوْا أَنَّ الشَّبَهَ الَّذِي بَيْنَ أُمِّ الْوَلَدِ وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ أَقْوَى مِنَ الشَّبَهِ الَّذِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا بِالْمَوْتِ صَارَتْ حُرَّةً، فَلَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ مَعَ حُرِّيَّتِهَا، بِخِلَافِ الْأَمَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ عِدَّةُ الزَّوْجَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، مَوْجُودٌ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، وَهُوَ أَدْنَى الْأَوْقَاتِ الَّذِي يُتَيَقَّنُ فِيهَا خَلْقُ الْوَلَدِ، وَهَذَا لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ، وَمُنَازِعُوهُمْ يَقُولُونَ: أُمُّ الْوَلَدِ أَحْكَامُهَا أَحْكَامُ الْإِمَاءِ، لَا أَحْكَامُ الزَّوْجَاتِ، وَلِهَذَا لَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] [النِّسَاءِ: ١٢] ، وَغَيْرِهَا. فَكَيْفَ تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] ؟ قَالُوا: وَالْعِدَّةُ لَمْ تُجْعَلْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا لِأَجْلِ مُجَرَّدِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ يُتَيَقَّنُ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا وَتَجِبُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْخَلْوَةِ فَهِيَ مِنْ حَرِيمِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَتَمَامِهِ.
وَأَمَّا اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ، فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْعِلْمُ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا، وَهَذَا يَكْفِي فِيهِ حَيْضَةٌ، وَلِهَذَا لَمْ يُجْعَلِ اسْتِبْرَاؤُهَا ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، كَمَا جُعِلَتْ عِدَّةُ الْحُرَّةِ كَذَلِكَ تَطْوِيلًا لِزَمَانِ الرَّجْعَةِ، وَنَظَرًا لِلزَّوْجِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَقْصُودٌ فِي الْمُسْتَبْرَأَةِ، فَلَا نَصَّ يَقْتَضِي إِلْحَاقَهَا بِالزَّوْجَاتِ وَلَا مَعْنَى، فَأَوْلَى الْأُمُورِ بِهَا أَنْ يُشْرَعَ لَهَا مَا شَرَعَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ فِي الْمَسْبِيَّاتِ وَالْمَمْلُوكَاتِ، وَلَا تَتَعَدَّاهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فصل لَا يَحْصُلُ اسْتِبْرَاءُ الْمَسْبِيَّةِ بِطُهْرٍ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حَيْضَةٍ]
فَصْلٌ
الْحُكْمُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الِاسْتِبْرَاءُ بِطُهْرٍ الْبَتَّةَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حَيْضَةٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَالَ أَصْحَابُ مالك، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ:
стр. 2531
يَحْصُلُ بِطُهْرِ كَامِلٍ، وَمَتَى طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةُ، تَمَّ اسْتِبْرَاؤُهَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا: إِنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ، وَلَكِنْ يَرُدُّ هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» ) .
وَقَالَ رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ حُنَيْنِ: ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَطَأْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ» ) رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَعِنْدَهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ هَذَا أَحَدُهَا. الثَّانِي: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا تُوطَأَ الْأَمَةُ حَتَّى تَحِيضَ وَعَنِ الْحَبَالَى حَتَّى تَضَعْنَ» .
الثَّالِثُ: ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَنْكِحَنَّ ثَيِّبًا مِنَ السَّبَايَا حَتَّى تَحِيضَ» ) . فَعَلَّقَ الْحِلَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْحَيْضِ وَحْدَهُ لَا بِالطُّهْرِ، فَلَا يَجُوزُ إِلْغَاءُ مَا اعْتَبَرَهُ، وَاعْتِبَارُ مَا أَلْغَاهُ، وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى مَا خَالَفَ نَصُّهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ الْمَحْضِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الِاسْتِبْرَاءُ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ هُوَ الْحَيْضُ، فَأَمَّا الطُّهْرُ، فَلَا دِلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْبَرَاءَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَوَّلَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى مَا لَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِ عَلَيْهِ دُونَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَبِنَاؤُهُمْ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ، بِنَاءٌ عَلَى الْخِلَافِ لِلْخِلَافِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةِ وَلَا شُبْهَةٍ، ثُمَّ لَمْ يُمْكِنْهُمْ بِنَاءُ هَذَا عَلَى ذَاكَ حَتَّى خَالَفُوهُ، فَجَعَلُوا الطُّهْرَ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ قُرْءًا، وَلَمْ يَجْعَلُوا طُهْرَ الْمُسْتَبْرَأَةِ الَّتِي تَجَدَّدَ عَلَيْهَا الْمِلْكُ فِيهِ، أَوْ مَاتَ سَيِّدُهَا فِيهِ قُرْءًا، وَحَتَّى خَالَفُوا الْحَدِيثَ أَيْضًا، كَمَا تَبَيَّنَ، وَحَتَّى خَالَفُوا الْمَعْنَى كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ هَذَا الْبِنَاءُ إِلَّا بَعْدَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ، وَغَايَةُ مَا قَالُوا: إِنَّ بَعْضَ الْحَيْضَةِ الْمُقْتَرِنَ بِالطُّهْرِ يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ فَيَكُونُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ عَلَى بَعْضِ الْحَيْضَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ قُرْءًا عِنْدَ أَحَدٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: هُوَ اعْتِمَادٌ عَلَى بَعْضِ حَيْضَةٍ وَطُهْرٍ.
قُلْنَا: هَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي مُسَمَّى الْقُرُوءِ، وَلَا يُعْرَفُ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَتُهُ مُرَكَّبَةً مِنْ حَيْضٍ وَطُهْرٍ.
стр. 2532
فَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُوَ اسْمٌ لِلطُّهْرِ بِشَرْطِ الْحَيْضِ. فَإِذَا انْتَفَى الشَّرْطُ، انْتَفَى الْمَشْرُوطُ، قُلْنَا: هَذَا إِنَّمَا يُمْكِنُ لَوْ عَلَّقَ الشَّارِعُ الِاسْتِبْرَاءَ بِقُرْءِ، فَأَمَّا مَعَ تَصْرِيحِهِ عَلَى التَّعْلِيقِ بِحَيْضَةٍ، فَلَا.
[فصل لَا يَحْصُلُ بِبَعْضِ حَيْضَةٍ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي اكْتِفَاءٌ بِهَا]
فَصْلٌ
الْحُكْمُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِبَعْضِ حَيْضَةٍ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي اكْتِفَاءٌ بِهَا. قَالَ صَاحِبُ (الْجَوَاهِرِ) : فَإِنْ بِيعَتِ الْأَمَةُ فِي آخِرِ أَيَّامِ حَيْضِهَا، لَمْ يَكُنْ مَا بَقِيَ مِنْ أَيَّامِ حَيْضِهَا اسْتِبْرَاءً لَهَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ بِيعَتْ وَهِيَ فِي أَوَّلِ حَيْضَتِهَا، فَالْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ اسْتِبْرَاءً لَهَا.
وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ نَازَعَ مَالِكًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ عَلَّقَ الْحِلَّ بِحَيْضَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِهَا، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْحَيْضَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَكِنَّ النِّزَاعَ فِي أَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْحَيْضَةِ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، أَوْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ مُعْظَمُهَا فِي مِلْكِهِ، فَهَذَا لَا يَنْفِيهِ الْحَدِيثُ، وَلَا يُثْبِتُهُ، وَلَكِنْ لِمُنَازِعِيهِ أَنْ يَقُولُوا: لَمَّا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَبَعْضُهَا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ إِذَا كَانَ أَكْثَرُهَا عِنْدَ الْبَائِعِ، عُلِمَ أَنَّ الْحَيْضَةَ الْمُعْتَبَرَةَ أَنْ تَكُونَ وَهِيَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَلِهَذَا لَوْ حَاضَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَافِيًا فِي الِاسْتِبْرَاءِ.
وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ مالك، يُجِيبُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهَا إِذَا حَاضَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ وَهِيَ مُودَعَةٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ بَاعَهَا عَقِيبَ الْحَيْضَةِ، وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، اكْتُفِيَ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُشْتَرِي اسْتِبْرَاءٌ ثَانٍ، وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مالك كَمَا تَقَدَّمَ، فَهُوَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِبْرَاءُ وَاقِعًا قَبْلَ الْبَيْعِ فِي صُوَرٍ، مِنْهَا هَذِهِ.
وَمِنْهَا إِذَا وُضِعَتْ لِلِاسْتِبْرَاءِ عِنْدَ ثَالِثٍ، فَاسْتَبْرَأَهَا، ثُمَّ بِيعَتْ بَعْدَهُ.
قَالَ فِي (الْجَوَاهِرِ) : وَلَا يُجْزِئُ الِاسْتِبْرَاءُ قَبْلَ الْبَيْعِ إِلَّا فِي حَالَاتٍ مِنْهَا: أَنْ تَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ
стр. 2533
لِلِاسْتِبْرَاءِ، أَوْ بِالْوَدِيعَةِ، فَتَحِيضُ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا حِينَئِذٍ، أَوْ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَهِيَ لَا تَخْرُجُ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا. وَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِمَّنْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ مِنْ زَوْجَتِهِ، أَوْ وَلَدٍ لَهُ صَغِيرٍ فِي عِيَالِهِ. وَقَدْ حَاضَتْ، فابن القاسم يَقُولُ: إِنْ كَانَتْ لَا تَخْرُجُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ أشهب: إِنْ كَانَتْ مَعَهُ فِي دَارٍ وَهُوَ الذَّابُّ عَنْهَا، وَالنَّاظِرُ فِي أَمْرِهَا، فَهُوَ اسْتِبْرَاءٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ تَخْرُجُ أَوْ لَا تَخْرُجُ.
وَمِنْهَا: إِذَا كَانَ سَيِّدُهَا غَائِبًا، فَحِينَ قَدِمَ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ، أَوْ خَرَجَتْ وَهِيَ حَائِضٌ، فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ.
وَمِنْهَا: الشَّرِيكُ يَشْتَرِي نَصِيبَ شَرِيكِهِ مِنَ الْجَارِيَةِ وَهِيَ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْهُمَا، وَقَدْ حَاضَتْ فِي يَدِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ، فَهَذِهِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا تَضَمَّنَتِ الِاسْتِبْرَاءَ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَاكْتَفَى بِهِ مالك عَنِ اسْتِبْرَاءٍ ثَانٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ قَوْلُهُ هَذَا، وَقَوْلُهُ: إِنَّ الْحَيْضَةَ إِذَا وُجِدَ مُعْظَمُهَا عِنْدَ الْبَائِعِ لَمْ يَكُنِ اسْتِبْرَاءً؟ قِيلَ: لَا تَنَاقُضَ بَيْنَهُمَا، وَهَذِهِ لَهَا مَوْضِعٌ وَهَذِهِ لَهَا مَوْضِعٌ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ يَحْتَاجُ فِيهِ الْمُشْتَرِي إِلَى اسْتِبْرَاءٍ مُسْتَقِلٍّ لَا يُجْزِئُ إِلَّا حَيْضَةٌ، لَمْ يُوجَدْ مُعْظَمُهَا عِنْدَ الْبَائِعِ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى اسْتِبْرَاءٍ مُسْتَقِلٍّ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى حَيْضَةٍ وَلَا بَعْضِهَا، وَلَا اعْتِبَارَ بِالِاسْتِبْرَاءِ قَبْلَ الْبَيْعِ، كَهَذِهِ الصُّوَرِ وَنَحْوِهَا.
[فصل اسْتِبْرَاءُ الْمَسْبِيَّةِ الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ]
فَصْلٌ
الْحُكْمُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا، فَاسْتِبْرَاؤُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ حُكْمُ النَّصِّ، فَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ.
[فصل لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمَسْبِيَّةِ الْحَامِلِ قَبْلَ وَضْعِ حَمْلِهَا]
فَصْلٌ
الْحُكْمُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا قَبْلَ وَضْعِ حَمْلِهَا، أَيِّ حَمْلٍ كَانَ، سَوَاءٌ كَانَ يَلْحَقُ بِالْوَاطِئِ، كَحَمْلِ الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكَةِ، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةِ، أَوْ لَا يَلْحَقُ بِهِ، كَحَمْلِ الزَّانِيَةِ، فَلَا يَحِلُّ وَطْءُ حَامِلٍ مِنْ غَيْرِ الْوَاطِئِ الْبَتَّةَ، كَمَا صَرَّحَ
стр. 2534
بِهِ النَّصُّ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» ) ، وَهَذَا يَعُمُّ الزَّرْعَ الطَّيِّبَ وَالْخَبِيثَ، وَلِأَنَّ صِيَانَةَ مَاءِ الْوَاطِئِ عَنِ الْمَاءِ الْخَبِيثِ حَتَّى لَا يَخْتَلِطَ بِهِ أَوْلَى مِنْ صِيَانَتِهِ عَنِ الْمَاءِ الطَّيِّبِ؛ وَلِأَنَّ حَمْلَ الزَّانِي وَإِنْ كَانَ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَلَا لِمَائِهِ، فَحَمْلُ هَذَا الْوَاطِئِ وَمَاؤُهُ مُحْتَرَمٌ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ خَلْطُهُ بِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ اللَّهِ فِي تَمْيِيزِ الْخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ، وَتَخْلِيصِهِ مِنْهُ، وَإِلْحَاقِ كُلِّ قِسْمٍ بِمُجَانِسِهِ وَمُشَاكِلِهِ.
وَالَّذِي يَقْضِي مِنْهُ الْعَجَبَ تَجْوِيزُ مَنْ جَوَّزَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْعَقْدَ عَلَى الزَّانِيَةِ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا وَوَطْئَهَا عَقِيبَ الْعُقَدِ، فَتَكُونُ اللَّيْلَةَ عِنْدَ الزَّانِي وَقَدْ عَلِقَتْ مِنْهُ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَلِيهَا فِرَاشًا لِلزَّوْجِ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ كَمَالَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَلِمَ أَنَّهَا تَأْبَى ذَلِكَ كُلَّ الْإِبَاءِ وَتَمْنَعُ مِنْهُ كُلَّ الْمَنْعِ
وَمِنْ مَحَاسِنِ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، أَنْ حَرَّمَ نِكَاحَهَا بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى تَتُوبَ، وَيَرْتَفِعَ عَنْهَا اسْمُ الزَّانِيَةِ وَالْبَغِيِّ وَالْفَاجِرَةِ، فَهُوَ ﵀ لَا يُجَوِّزُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ زَوْجَ بَغِيٍّ، وَمُنَازِعُوهُ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ أسعد مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْأَدِلَّةِ كُلِّهَا مِنَ النُّصُوصِ وَالْآثَارِ، وَالْمَعَانِي وَالْقِيَاسِ، وَالْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ، وَتَحْرِيمِ مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَبِيحًا.
وَالنَّاسُ إِذَا بَالَغُوا فِي سَبِّ الرَّجُلِ صَرَّحُوا لَهُ بِالزَّايِ وَالْقَافِ، فَكَيْفَ تُجَوِّزُ الشَّرِيعَةُ مِثْلَ هَذَا، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَعَرُّضِهِ لِإِفْسَادِ فِرَاشِهِ، وَتَعْلِيقِ أَوْلَادٍ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَتَعَرُّضِهِ لِلِاسْمِ الْمَذْمُومِ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ؟ وَقِيَاسُ قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ الْعَقْدَ عَلَى الزَّانِيَةِ وَوَطْئَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ حَامِلًا، أَنْ لَا يُوجِبَ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا مِنَ الزِّنَى، بَلْ يَطَؤُهَا عَقِيبَ مِلْكِهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ السُّنَّةِ.
فَإِنْ أَوْجَبَ اسْتِبْرَاءَهَا، نَقَضَ قَوْلَهُ بِجَوَازِ وَطْءُ الزَّانِيَةِ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، وَإِنْ لَمْ يُوجِبِ اسْتِبْرَاءَهَا، خَالَفَ النُّصُوصَ، وَلَا يَنْفَعُهُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ الزَّوْجَ لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّيِّدِ فَإِنَّ الزَّوْجَ إِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ عَلَى مُعْتَدَّةٍ، وَلَا حَامِلٍ مِنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ السَّيِّدِ، ثُمَّ إِنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا حَرَّمَ الْوَطْءَ، بَلِ
стр. 2535
الْعَقْدَ فِي الْعِدَّةِ خَشْيَةَ إِمْكَانِ الْحَمْلِ، فَيَكُونُ وَاطِئًا حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ، وَسَاقِيًا مَاءَهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ إِذَا تَحَقَّقَ حَمْلُهَا.
وَغَايَةُ مَا يُقَالُ: إِنَّ وَلَدَ الزَّانِيَةِ لَيْسَ لَاحِقًا بِالْوَاطِئِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ إِقْدَامُهُ عَلَى خَلْطِ مَائِهِ وَنَسَبِهِ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ بِالْوَاطِئِ الْأَوَّلِ، فَصِيَانَةُ مَائِهِ وَنَسَبِهِ عَنْ نَسَبٍ لَا يَلْحَقُ بِوَاضِعِهِ لِصِيَانَتِهِ عَنْ نَسَبٍ يَلْحَقُ بِهِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ وَطْءَ الْأَمَةِ الْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلُهَا مُحَرَّمًا أَوْ غَيْرَ مُحَرَّمٍ وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا، فَوَجَدَهَا حُبْلَى، وَجَلَدَهَا الْحَدَّ، وَقَضَى لَهَا بِالصَّدَاقِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي بُطْلَانِ الْعَقْدِ عَلَى الْحَامِلِ مِنَ الزِّنَى. (وَصَحَّ عَنْهُ «أَنَّهُ مَرَّ بِامْرَأَةِ مُجِحٍّ عَلَى بَابٍ فُسْطَاطٍ فَقَالَ: (لَعَلَّ سَيِّدَهَا يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا) ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ» ؟) .
فَجَعَلَ سَبَبَ هَمِّهِ بِلَعْنَتِهِ وَطْأَهُ لِلْأَمَةِ الْحَامِلِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ عَنْ حَمْلِهَا، هَلْ هُوَ لَاحِقٌ بِالْوَاطِئِ أَمْ غَيْرُ لَاحِقٍ بِهِ؟ وَقَوْلُهُ: (كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ) أَيْ: كَيْفَ يَجْعَلُهُ عَبْدًا لَهُ يَسْتَخْدِمُهُ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ، فَإِنَّ مَاءَ هَذَا الْوَاطِئِ يَزِيدُ فِي خَلْقِ الْحَمْلِ، فَيَكُونُ بَعْضُهُ مِنْهُ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَزِيدُ وَطْؤُهُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ.
وَقَوْلُهُ: (كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ) ، سَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ فِيهِ: أَيْ كَيْفَ يَجْعَلُهُ تَرِكَةً مَوْرُوثَةً عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُهُ عَبْدَهُ، فَيَجْعَلُهُ تَرِكَةً تُورَثُ عَنْهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَاءَهُ زَادَ فِي خَلْقِهِ، فَفِيهِ جُزْءٌ مِنْهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَعْنَى: كَيْفَ يُوَرِّثُهُ عَلَى أَنَّهُ ابْنُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ
стр. 2536
الْحَمْلَ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ بِوَطْئِهِ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْهُ، فَيُوَرِّثَهُ مَالَهُ، وَهَذَا يَرُدُّهُ أَوَّلَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (كَيْفَ يَسْتَعْبِدُهُ) ؟ أَيْ: كَيْفَ يَجْعَلُهُ عَبْدَهُ؟ وَهَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ.
وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَامِلِ مِنْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ زِنًى أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ جَدِيرٌ بِاللَّعْنِ، بَلْ قَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أحمد وَغَيْرِهِمْ: بِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَلَكَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا مِنْهُ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ، فَيَكُونُ عَلَى وَلَدِهِ الْوَلَاءُ لِمَوَالِي أُمِّهِ بِخِلَافِ مَا عَلِقَتْ بِهِ فِي مِلْكِهِ، فَإِنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ احْتِيَاطٌ لِوَلَدِهِ: هَلْ هُوَ صَرِيحُ الْحُرِّيَّةِ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ؟
[فصل لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ]
فَصْلٌ
الْحُكْمُ السَّادِسُ: اسْتُنْبِطَ مِنْ قَوْلِهِ: ( «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» ) ، أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَأَنَّ مَا تَرَاهُ مِنَ الدَّمِ يَكُونُ دَمَ فَسَادٍ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِحَاضَةِ، تَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ، فَذَهَبَ عطاء والحسن، وعكرمة ومكحول، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَالشَّعْبِيُّ، والنخعي، والحكم، وحماد، وَالزُّهْرِيُّ، وأبو حنيفة وَأَصْحَابُهُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وأبو عبيد، وَأَبُو ثَوْرٍ، وابن المنذر، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَالشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ دَمَ حَيْضٍ.
وَقَالَ قتادة، وربيعة، ومالك، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: إِنَّهُ دَمُ حَيْضٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ البيهقي فِي (سُنَنِهِ) وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا تَقُولُ فِي الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ؟ فَقُلْتُ: تُصَلِّي وَاحْتَجَجْتُ بِخَبَرِ عطاء عَنْ عائشة ﵂. قَالَ: فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَيْنَ أَنْتَ عَنْ خَبَرِ الْمَدَنِيِّينَ، خَبَرِ أم علقمة مولاة عائشة ﵂؟ فَإِنَّهُ أَصَحُّ.
قَالَ إسحاق: فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْلِ أحمد، وَهُوَ كَالتَّصْرِيحِ مِنْ أحمد، بِأَنَّ دَمَ الْحَامِلِ دَمُ حَيْضٍ، وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ إسحاق عَنْهُ، وَالْخَبَرُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أحمد،
стр. 2537
وَهُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ البيهقي، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ، حَدَّثَنَا أبو بكر بن إسحاق، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابن بكير، حَدَّثَنَا الليث، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أم علقمة مولاة عائشة، أَنَّ عائشة ﵂ سُئِلَتْ عَنِ الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ فَقَالَتْ: لَا تُصَلِّي قَالَ البيهقي: وَرُوِّينَاهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَرُوِّينَا «عَنْ عائشة ﵂ أَنَّهَا أَنْشَدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ أبي كبير الهذلي:
وَمُبَرَّأً مِنْ كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ ... وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُغْيِلِ
» قَالَ: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْحَمْلِ فِي حَالِ الْحَيْضِ حَيْثُ لَمْ يُنْكِرِ الشِّعْرَ.
قَالَ: وَرُوِّينَا عَنْ مطر، عَنْ عطاء، (عَنْ عائشة ﵂ أَنَّهَا قَالَتِ: الْحُبْلَى لَا تَحِيضُ، إِذَا رَأَتِ الدَّمَ، صَلَّتْ.) . قَالَ: وَكَانَ يَحْيَى الْقَطَّانُ يُنْكِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَيُضَعِّفُ رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، ومطر عَنْ عطاء.
قَالَ: وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عطاء، عَنْ عائشة ﵂ نَحْوَ رِوَايَةِ مَطَرٍ، فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً، فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ عائشة كَانَتْ تَرَاهَا لَا تَحِيضُ، ثُمَّ كَانَتْ تَرَاهَا تَحِيضُ، فَرَجَعَتْ إِلَى مَا رَوَاهُ الْمَدَنِيُّونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمَانِعُونَ مِنْ كَوْنِ دَمِ الْحَامِلِ دَمَ حَيْضٍ: قَدْ قَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِمَاءَ قِسْمَيْنِ: حَامِلًا وَجَعَلَ عِدَّتَهَا وَضْعَ الْحَمْلِ، وَحَائِلًا فَجَعَلَ عِدَّتَهَا حَيْضَةً، فَكَانَتْ
стр. 2538
الْحَيْضَةُ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ رَحِمِهَا، فَلَوْ كَانَ الْحَيْضُ يُجَامِعُ الْحَمْلَ، لَمَا كَانَتِ الْحَيْضَةُ عَلَمًا عَلَى عَدَمِهِ، قَالُوا: وَلِذَلِكَ جَعَلَ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ؛ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ حَمْلِهَا، فَلَوْ جَامَعَ الْحَمْلُ الْحَيْضَ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِهِ. قَالُوا: وَقَدْ ثَبَتَ فِي (الصَّحِيحِ) ، ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ طَلَّقَ ابْنُهُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ: (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» ))
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ، أَنَّ طَلَاقَ الْحَامِلِ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ فِي زَمَنِ الدَّمِ وَغَيْرِهِ إِجْمَاعًا، فَلَوْ كَانَتْ تَحِيضُ لَكَانَ طَلَاقُهَا فِيهِ، وَفِي طُهْرِهَا بَعْدَ الْمَسِيسِ بِدْعَةً عَمَلًا بِعُمُومِ الْخَبَرِ، قَالُوا: وَرَوَى مسلم فِي (صَحِيحِهِ) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا: ( «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» ) ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا تَرَاهُ مِنَ الدَّمِ لَا يَكُونُ حَيْضًا، فَإِنَّهُ جَعَلَ الطَّلَاقَ فِي وَقْتِهِ نَظِيرَ الطَّلَاقِ فِي وَقْتِ الطُّهْرِ سَوَاءً.
فَلَوْ كَانَ مَا تَرَاهُ مِنَ الدَّمِ حَيْضًا، لَكَانَ لَهَا حَالَانِ، حَالُ طُهْرٍ، وَحَالُ حَيْضٍ، وَلَمْ يَجُزْ طَلَاقُهَا فِي حَالِ حَيْضِهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِدْعَةً قَالُوا: وَقَدْ رَوَى أحمد فِي (مُسْنَدِهِ) مِنْ حَدِيثِ رويفع، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، وَلَا يَقَعُ عَلَى أَمَةٍ حَتَّى تَحِيضَ أَوْ يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا» )
فَجَعَلَ وُجُودَ الْحَيْضِ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنَ الْحَمْلِ. قَالُوا: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ علي أَنَّهُ قَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ الْحَيْضَ عَنِ الْحُبْلَى، وَجَعَلَ الدَّمَ مِمَّا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ» ) .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: ( «إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ الْحَيْضَ عَنِ الْحُبْلَى، وَجَعَلَ الدَّمَ رِزْقًا لِلْوَلَدِ» ) . رَوَاهُمَا أَبُو حَفْصِ بْنُ شَاهِينَ.
стр. 2539
قَالُوا: وَرَوَى الأثرم، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا، ( «عَنْ عائشة ﵂ فِي الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ، فَقَالَتْ: الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ، وَتَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي.» )
وَقَوْلُهَا: وَتَغْتَسِلُ، بِطَرِيقِ النَّدْبِ لِكَوْنِهَا مُسْتَحَاضَةً، قَالُوا: وَلَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُمْ، لَكِنَّ عائشة قَدْ ثَبَتَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: الْحَامِلُ لَا تُصَلِّي. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَرَاهُ قَرِيبًا مِنَ الْوِلَادَةِ بِالْيَوْمَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَأَنَّهُ نِفَاسٌ جَمْعًا بَيْنَ قَوْلَيْهَا، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ دَمٌ لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، فَلَمْ يَكُنْ حَيْضًا كَالِاسْتِحَاضَةِ.
وَحَدِيثُ عائشة ﵂ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ قَدْ تَحْبَلُ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِذَلِكَ، لَكِنَّهُ يَقْطَعُ حَيْضَهَا وَيَرْفَعُهُ. قَالُوا: وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَجْرَى الْعَادَةَ بِانْقِلَابِ دَمِ الطَّمْثِ لَبَنًا غِذَاءً لِلْوَلَدِ، فَالْخَارِجُ وَقْتَ الْحَمْلِ يَكُونُ غَيْرَهُ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ.
قَالَ الْمُحَيِّضُونَ: لَا نِزَاعَ أَنَّ الْحَامِلَ قَدْ تَرَى الدَّمَ عَلَى عَادَتِهَا، لَا سِيَّمَا فِي أَوَّلِ حَمْلِهَا، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي حُكْمِ هَذَا الدَّمِ لَا فِي وُجُودِهِ. وَقَدْ كَانَ حَيْضًا قَبْلَ الْحَمْلِ بِالِاتِّفَاقِ، فَنَحْنُ نَسْتَصْحِبُ حُكْمَهُ حَتَّى يَأْتِيَ مَا يَرْفَعُهُ بِيَقِينٍ.
قَالُوا: وَالْحُكْمُ إِذَا ثَبَتَ فِي مَحَلٍّ، فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ حَتَّى يَأْتِيَ مَا يَرْفَعُهُ، فَالْأَوَّلُ اسْتِصْحَابٌ لِحُكْمِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَالثَّانِي اسْتِصْحَابٌ لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ فِي الْمَحَلِّ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَا يَرْفَعُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ.
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ» ) . وَهَذَا أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَكَانَ حَيْضًا.
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «أَلَيْسَتْ إِحْدَاكُنَّ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تَصُمْ وَلَمْ تُصَلِّ؟» ) . وَحَيْضُ الْمَرْأَةِ خُرُوجُ دَمِهَا فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ مِنَ الشَّهْرِ لُغَةً وَشَرْعًا،
стр. 2540
وَهَذَا كَذَلِكَ لُغَةً، وَالْأَصْلُ فِي الْأَسْمَاءِ تَقْرِيرُهَا لَا تَغْيِيرُهَا.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الدَّمَ الْخَارِجَ مِنَ الْفَرْجِ الَّذِي رَتَّبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ قِسْمَانِ: حَيْضٌ وَاسْتِحَاضَةٌ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمَا ثَالِثًا، وَهَذَا لَيْسَ بِاسْتِحَاضَةٍ، فَإِنَّ الِاسْتِحَاضَةَ الدَّمُ الْمُطْبِقُ، وَالزَّائِدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، أَوِ الْخَارِجُ عَنِ الْعَادَةِ، وَهَذَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحَاضَةً، فَهُوَ حَيْضٌ، قَالُوا: وَلَا يُمْكِنُكُمْ إِثْبَاتُ قِسْمٍ ثَالِثٍ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَجَعْلُهُ دَمَ فَسَادٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ دَلِيلٍ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ.
قَالُوا: وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْتَحَاضَةَ إِلَى عَادَتِهَا، وَقَالَ: ( «اجْلِسِي قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ» ) .
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عَادَةَ النِّسَاءِ مُعْتَبَرَةٌ فِي وَصْفِ الدَّمِ وَحُكْمِهِ، فَإِذَا جَرَى دَمُ الْحَامِلِ عَلَى عَادَتِهَا الْمُعْتَادَةِ، وَوَقْتِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا انْتِقَالٍ، دَلَّتْ عَادَتُهَا عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ، وَوَجَبَ تَحْكِيمُ عَادَتِهَا، وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الْفَسَادِ الْخَارِجِ عَنِ الْعِبَادَةِ.
قَالُوا: وَأَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَعْلَمُهُنَّ عائشة، وَقَدْ صَحَّ عَنْهَا مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَنَّهَا لَا تُصَلِّي، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ أَصَحُّ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهَا، وَلِذَلِكَ رَجَعَ إِلَيْهِ إِسْحَاقُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالُوا: وَلَا تُعْرَفُ صِحَّةُ الْآثَارِ بِخِلَافِ ذَلِكَ عَمَّنْ ذَكَرْتُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ صَحَّتْ فَهِيَ مَسْأَلَةُ نِزَاعٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا دَلِيلَ يَفْصِلُ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ عَدَمَ مُجَامَعَةِ الْحَيْضِ لِلْحَمْلِ، إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ بِالْحِسِّ أَوْ بِالشَّرْعِ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلَيْسَ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ جَعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنَ الْحَمْلِ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ.
قُلْنَا: جُعِلَ دَلِيلًا ظَاهِرًا أَوْ قَطْعِيًّا الْأَوَّلُ: صَحِيحٌ. وَالثَّانِي: بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا لَمَا تَخَلَّفَ عَنْهُ مَدْلُولُهُ، وَلَكَانَتْ أَوَّلُ مُدَّةِ الْحَمْلِ مِنْ حِينِ
стр. 2541
انْقِطَاعِ الْحَيْضِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، بَلْ أَوَّلُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ، وَلَوْ حَاضَتْ بَعْدَهُ عِدَّةَ حِيَضٍ، فَلَوْ وَطِئَهَا، ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لَأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ، وَلِأَقَلَّ مِنْهَا مِنْ حِينِ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ، لَحِقَهُ النَّسَبُ اتِّفَاقًا، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ، قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهَا مَدْلُولُهَا تَخَلُّفَ الْمَطَرِ عَنِ الْغَيْمِ الرَّطْبِ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ مِنَ السُّنَّةِ، فَإِنَّا بِهَا قَائِلُونَ، وَإِلَى حُكْمِهَا صَائِرُونَ، وَهِيَ الْحُكْمُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ قَسَّمَ النِّسَاءَ إِلَى قِسْمَيْنِ: حَامِلٌ فَعِدَّتُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا، وَحَائِلٌ فَعِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ، وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِمُوجَبِ هَذَا غَيْرُ مُنَازِعِينَ فِيهِ، وَلَكِنْ أَيْنَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا تَرَاهُ الْحَامِلُ مِنَ الدَّمِ عَلَى عَادَتِهَا تَصُومُ مَعَهُ وَتُصَلِّي؟ هَذَا أَمْرٌ آخَرُ لَا تَعَرُّضَ لِلْحَدِيثِ بِهِ، وَهَذَا يَقُولُ الْقَائِلُونَ: بِأَنَّ دَمَهَا دَمُ حَيْضٍ، هَذِهِ الْعِبَارَةُ بِعَيْنِهَا، وَلَا يُعَدُّ هَذَا تَنَاقُضًا وَلَا خَلَلًا فِي الْعِبَارَةِ.
قَالُوا: وَهَكَذَا قَوْلُهُ فِي شَأْنِ عبد الله بن عمر ﵁: ( «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا» ) ، إِنَّمَا فِيهِ إِبَاحَةُ الطَّلَاقِ إِذَا كَانَتْ حَائِلًا بِشَرْطَيْنِ: الطُّهْرِ وَعَدَمِ الْمَسِيسِ، فَأَيْنَ فِي هَذَا التَّعَرُّضُ لِحُكْمِ الدَّمِ الَّذِي تَرَاهُ عَلَى حَمْلِهَا؟ وَقَوْلُكُمْ إِنَّ الْحَامِلَ لَوْ كَانَتْ تَحِيضُ لَكَانَ طَلَاقُهَا فِي زَمَنِ الدَّمِ بِدْعَةً، وَقَدِ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ طَلَاقَ الْحَامِلِ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ وَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ؟ .
قُلْنَا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ أَحْوَالَ الْمَرْأَةِ الَّتِي يُرِيدُ طَلَاقَهَا إِلَى حَالِ حَمْلٍ، وَحَالِ خُلُوٍّ عَنْهُ، وَجَوَّزَ طَلَاقَ الْحَامِلِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَاتِ الْحَمْلِ، فَإِنَّمَا أَبَاحَ طَلَاقَهَا بِالشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَمَ الْحَامِلِ دَمُ فَسَادٍ، بَلْ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ تُخَالِفُ غَيْرَهَا فِي الطَّلَاقِ، وَأَنَّ غَيْرَهَا إِنَّمَا تُطَلَّقُ طَاهِرًا غَيْرَ مُصَابَةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَامِلِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، بَلْ تُطَلَّقُ عَقِيبَ الْإِصَابَةِ، وَتُطَلَّقُ وَإِنْ رَأَتِ الدَّمَ، فَكَمَا لَا يَحْرُمُ طَلَاقُهَا عَقِيبَ إِصَابَتِهَا، لَا يَحْرُمُ حَالَ حَيْضِهَا.
وَهَذَا الَّذِي تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ الشَّارِعِ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ إِذْنًا وَمَنْعًا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى اسْتَبَانَ حَمْلُهَا كَانَ الْمُطَلِّقُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ مِنَ النَّدَمِ مَا يَعْرِضُ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ بَعْدَ الْجِمَاعِ، وَلَا يَشْعُرُ بِحَمْلِهَا، فَلَيْسَ مَا مُنِعَ مِنْهُ نَظِيرَ
стр. 2542
مَا أُذِنَ فِيهِ، لَا شَرْعًا، وَلَا وَاقِعًا، وَلَا اعْتِبَارًا، وَلَا سِيَّمَا مِنْ عِلَلِ الْمَنْعِ مِنَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ، فَهَذَا لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْحَامِلِ.
قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ لَوْ كَانَ حَيْضًا؛ لَانْقَضَتْ بِهِ الْعِدَّةُ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُ، لَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - جَعَلَ عِدَّةَ الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَعِدَّةَ الْحَائِلِ بِالْأَقْرَاءِ، وَلَا يُمْكِنُ انْقِضَاءُ عِدَّةِ الْحَامِلِ بِالْأَقْرَاءِ لِإِفْضَاءِ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَمْلِكَهَا الثَّانِي وَيَتَزَوَّجَهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ.
قَالُوا: وَإِذَا كُنْتُمْ سَلَّمْتُمْ لَنَا أَنَّ الْحَائِضَ قَدْ تَحْبَلُ، وَحَمَلْتُمْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثَ عائشة ﵂ وَلَا يُمْكِنُكُمْ مَنْعُ ذَلِكَ لِشَهَادَةِ الْحِسِّ بِهِ، فَقَدْ أَعْطَيْتُمْ أَنَّ الْحَيْضَ وَالْحَبَلَ يَجْتَمِعَانِ، فَبَطَلَ اسْتِدْلَالُكُمْ مِنْ رَأْسِهِ، لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ لَا يُجَامِعُ الْحَبَلَ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: نَحْنُ إِنَّمَا جَوَّزْنَا وُرُودَ الْحَمْلِ عَلَى الْحَيْضِ، وَكَلَامُنَا فِي عَكْسِهِ، وَهُوَ وُرُودُ الْحَيْضِ عَلَى الْحَمْلِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ.
قِيلَ: إِذَا كَانَا مُتَنَافِيَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ وُرُودِ هَذَا عَلَى هَذَا وَعَكْسِهِ؟ .
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - أَجْرَى الْعَادَةَ بِانْقِلَابِ دَمِ الطَّمْثِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ الْوَلَدُ، وَلِهَذَا لَا تَحِيضُ الْمَرَاضِعُ. قُلْنَا: وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ حُجَّتِنَا عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ هَذَا الِانْقِلَابَ وَالتَّغْذِيَةَ بِاللَّبَنِ إِنَّمَا يَسْتَحْكِمُ بَعْدَ الْوَضَعِ، وَهُوَ زَمَنُ سُلْطَانِ اللَّبَنِ، وَارْتِضَاعِ الْمَوْلُودِ، وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّ الْمُرْضِعَ لَا تَحِيضُ. وَمَعَ هَذَا، فَلَوْ رَأَتْ دَمًا فِي وَقْتِ عَادَتِهَا، لَحُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَأَنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْحَيْضِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَمْ يَسْتَحْكِمْ فِيهَا انْقِلَابُهُ، وَلَا تَغَذَّى الطِّفْلُ بِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
قَالُوا: وَهَبْ أَنَّ هَذَا كَمَا تَقُولُونَ فَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ احْتِيَاجِ الطِّفْلِ إِلَى التَّغْذِيَةِ بِاللَّبَنِ، وَهَذَا بَعْدَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ. فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ لَبَنًا لِعَدَمِ حَاجَةِ الْحَمْلِ إِلَيْهِ.
стр. 2543
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ كُلُّهُ لَبَنًا، بَلْ يَسْتَحِيلُ بَعْضُهُ، وَيَخْرُجُ الْبَاقِي، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ كَمَا تَرَاهُ نَقْلًا وَدَلِيلًا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تَمْنَعُونَ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْمُسْتُبْرَأَةِ بِغَيْرِ الْوَطْءِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الِاسْتِبْرَاءُ؟ قِيلَ: أَمَّا إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا، فَهَذِهِ لَا تَحْرُمُ قُبْلَتُهَا وَلَا مُبَاشَرَتُهَا، وَهَذَا مَنْصُوصُ أحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ، وَشَيْخُنَا وَغَيْرُهُمَا، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً بِأَيِّ شَيْءٍ تُسْتَبْرَأُ إِذَا كَانَتْ رَضِيعَةً؟ وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ تَحِيضُ، وَإِلَّا ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُوطَأُ وَتَحْبَلُ. قَالَ أبو محمد: فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا، وَلَا تَحْرُمُ مُبَاشَرَتُهَا، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابن أبي موسى، وَقَوْلُ مالك وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ سَبَبَ الْإِبَاحَةِ مُتَحَقِّقٌ، وَلَيْسَ عَلَى تَحْرِيمِهَا دَلِيلٌ، فَإِنَّهُ لَا نَصَّ فِيهَا وَلَا مَعْنَى نَصٍّ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ مُبَاشَرَةِ الْكَبِيرَةِ إِنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهِ دَاعِيًا إِلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ، أَوْ خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِغَيْرِهِ، وَلَا يُتَوَهَّمُ هَذَا فِي هَذِهِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْإِبَاحَةِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
[فصل مُبَاشَرَةُ الْبِكْرِ فِي وَقْتِ الِاسْتِبْرَاءِ]
فَصْلٌ
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا، فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا، فَظَاهِرٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَحْرُمُ قُبْلَتُهَا وَمُبَاشَرَتُهَا، وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَلَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ اسْتِبْرَائِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ تَحْرِيمُ دَوَاعِيهِ، كَمَا فِي حَقِّ الصَّائِمِ، لَا سِيَّمَا وَهُمْ إِنَّمَا حَرَّمُوا تَحْرِيمَ مُبَاشَرَتِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ حَامِلًا، فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِأَمَةِ الْغَيْرِ، هَكَذَا عَلَّلُوا تَحْرِيمَ الْمُبَاشَرَةِ، ثُمَّ قَالُوا: وَلِهَذَا لَا يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْمَسْبِيَّةِ بِغَيْرِ الْوَطْءِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُتَوَهَّمُ فِيهَا انْفِسَاخُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ بِالسَّبْيِ فَلَمْ يَبْقَ لِمَنْعِ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْقُبْلَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِكْرِ مَعْنًى.
وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَقَالَ أَصْحَابُ أحمد، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرُهُمْ: يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ يُحَرِّمُ الْوَطْءَ، فَحَرَّمَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ كَالْعِدَّةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ
стр. 2544
كَوْنَهَا حَامِلًا، فَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِأُمِّ وَلَدِ غَيْرِهِ. قَالُوا: وَلِهَذَا فَارَقَ وَطْءَ تَحْرِيمِ الْحَائِضِ وَالصَّائِمِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا يَحْرُمُ مِنَ الْمُسْتَبْرَأَةِ إِلَّا فَرْجُهَا وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا بِمَا شَاءَ مَا لَمْ يَطَأْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا مَنَعَ مِنَ الْوَطْءِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِمَّا دُونَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ تَحْرِيمُ مَا دُونَهُ، كَالْحَائِضِ وَالصَّائِمَةِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَبَّلَ جَارِيَتَهُ مِنَ السَّبْيِ حِينَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا.
وَلِمَنْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ أَنْ يَقُولَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُشْتَرَاةِ وَالْمُعْتَدَّةِ: أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ قَدْ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ، فَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا وَلَا دَوَاعِيهِ، بِخِلَافِ الْمَمْلُوكَةِ، فَإِنَّ وَطْأَهَا إِنَّمَا يَحْرُمُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ خَشْيَةَ اخْتِلَاطِ مَائِهِ بِمَاءِ غَيْرِهِ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الدَّوَاعِي، فَهِيَ أَشْبَهُ بِالْحَائِضِ وَالصَّائِمَةِ، وَنَظِيرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ زَنَتِ امْرَأَتُهُ أَوْ جَارِيَتُهُ، حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَلَا يَحْرُمُ دَوَاعِيهِ وَكَذَلِكَ الْمَسْبِيَّةُ كَمَا سَيَأْتِي.
وَأَكْثَرُ مَا يُتَوَهَّمُ كَوْنُهَا حَامِلًا مِنْ سَيِّدِهَا، فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، فَهَذَا بِنَاءً عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عِلَّاتِهِ، وَلَا يُلْزَمُ الْقَائِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَمْتَعَ بِهَا، كَانَتْ مِلْكَهُ ظَاهِرًا، وَذَلِكَ يَكْفِي فِي جَوَازِ الِاسْتِمْتَاعِ، كَمَا يَخْلُو بِهَا وَيُحَدِّثُهَا، وَيَنْظُرُ مِنْهَا مَا لَا يُبَاحُ مِنَ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَمَا كَانَ جَوَابُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَهُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْقُبْلَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَلَا يُعْلَمُ فِي جَوَازِ هَذَا نِزَاعٌ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يُمْنَعُ مِنْ قَبْضِ أَمَتِهِ وَحَوْزِهَا إِلَى بَيْتِهِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتُرَ وَجْهَهَا مِنْهُ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إِلَيْهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا، وَالْأَكْلُ مَعَهَا، وَاسْتِخْدَامُهَا، وَالِانْتِفَاعُ بِمَنَافِعِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ.
[فصل الِاسْتِمْتَاعُ بِغَيْرِ الْوَطْءِ لِلْمَسْبِيَّةِ]
فَصْلُ
وَإِنْ كَانَتْ مَسْبِيَّةً، فَفِي جَوَازِ الِاسْتِمْتَاعِ بِغَيْرِ الْوَطْءِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ ﵀.
стр. 2545
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا كَغَيْرِ الْمَسْبِيَّةِ، فَيَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الخرقي، لِأَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ مَلَكَ أَمَةً لَمْ يُصِبْهَا وَلَمْ يُقَبِّلْهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِهِ لَهَا.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْرُمُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵁، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَمْلُوكَةِ بِغَيْرِ السَّبْيِ، أَنَّ الْمَسْبِيَّةَ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهَا كَوْنُهَا أُمَّ وَلَدٍ، بَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَكُونُ أَوَّلُ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ، أَوْ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ؟
قِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أحمد ﵀. أَحَدُهُمَا: مِنْ حِينِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ بِهِ. وَالثَّانِي: مِنْ حِينِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا مِنْ مَاءِ الْبَائِعِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهَا فِي يَدِهِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ وأحمد. أَمَّا عَلَى أَصْلِ مالك، فَيَكْفِي عِنْدَهُ الِاسْتِبْرَاءُ قَبْلَ الْبَيْعِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ خِيَارٌ، فَمَتَى يَكُونُ ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ؟
قِيلَ: هَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَمَنْ قَالَ: يَنْتَقِلُ، فَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ عِنْدَهُ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ، وَمَنْ قَالَ لَا يَنْتَقِلُ فَابْتِدَاؤُهَا عِنْدَهُ مِنْ حِينِ انْقِطَاعِ الْخِيَارِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ كَانَ الْخِيَارُ خِيَارَ عَيْبٍ؟ قِيلَ: ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فصل هَلْ سَكَتَتِ السُّنَّةُ عَنِ اسْتِبْرَاءِ الْآيِسَةِ وَالَّتِي لَمْ تَحِضْ]
فَصْلُ
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى اسْتِبْرَاءِ الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَعَلَى اسْتِبْرَاءِ الْحَائِلِ بِحَيْضَةٍ فَكَيْفَ سَكَتَتْ عَنِ اسْتِبْرَاءِ الْآيِسَةِ وَالَّتِي لَمْ تَحِضْ وَلَمْ تَسْكُتْ عَنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ؟
стр. 2546
قِيلَ: لَمْ تَسْكُتْ عَنْهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ، بَلْ بَيَّنَتْهُمَا بِطَرِيقِ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - جَعَلَ عِدَّةَ الْحُرَّةِ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، ثُمَّ جَعَلَ عِدَّةَ الْآيِسَةِ وَالَّتِي لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - جَعَلَ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ قُرْءٍ شَهْرًا. وَلِهَذَا أَجْرَى سُبْحَانَهُ عَادَتَهُ الْغَالِبَةَ فِي إِمَائِهِ، أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ الْحَائِضِ بِحَيْضَةٍ، فَيَكُونُ الشَّهْرُ قَائِمًا مُقَامَ الْحَيْضَةِ، وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أحمد، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أحمد رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْهُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. وَوَجْهُ هَذَا، الْقَوْلِ مَا احْتَجَّ بِهِ أحمد فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لأبي عبد الله: كَيْفَ جَعَلْتَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مَكَانَ حَيْضَةٍ، وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - فِي الْقُرْآنِ مَكَانَ كُلِّ حَيْضَةٍ شَهْرًا؟
فَقَالَ أحمد: إِنَّمَا قُلْنَا: ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، وَجَمَعَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْقَوَابِلَ، فَأَخْبَرُوا أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَتَبَيَّنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَقَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُضْغَةً بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا خَرَجَتِ الثَّمَانُونَ، صَارَتْ بَعْدَهَا مُضْغَةً، وَهِيَ لَحْمٌ فَيَتَبَيَّنُ حِينَئِذٍ.
قَالَ ابن القاسم: قَالَ لِي: هَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ النِّسَاءِ. فَأَمَّا شَهْرٌ، فَلَا مَعْنَى فِيهِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهَا: تُسْتَبْرَأُ بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ حنبل: قَالَ عطاء: إِنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ، فَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً. قَالَ حنبل: قَالَ عَمِّي: لِذَلِكَ أَذْهَبُ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ الْآيِسَةِ كَذَلِكَ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّهَا لَوْ طُلِّقَتْ وَهِيَ آيِسَةٌ، اعْتَدَّتْ بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ فِي رِوَايَةٍ، فَلَأَنْ تُسْتَبْرَأَ الْأَمَةُ بِهَذَا الْقَدْرِ أَوْلَى.
وَعَنْ أحمد رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ: أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِشَهْرَيْنِ، حَكَاهَا الْقَاضِي عَنْهُ،
стр. 2547
وَاسْتَشْكَلَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى قَالَ صَاحِبُ (الْمُغْنِي) : وَلَمْ أَرَ لِذَلِكَ وَجْهًا.
قَالَ وَلَوْ كَانَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِشَهْرَيْنِ، لَكَانَ اسْتِبْرَاءُ ذَاتِ الْقُرُوءِ بِقُرْءَيْنِ، وَلَمْ نَعْلَمْ بِهِ قَائِلًا.
وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، أَنَّهَا اعْتُبِرَتْ بِالْمُطَلَّقَةِ، وَلَوْ طُلِّقَتْ وَهِيَ أَمَةٌ، لَكَانَتْ عِدَّتُهَا شَهْرَيْنِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أحمد ﵀ وَاحْتَجَّ فِيهِ بِقَوْلِ عمر ﵁ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْأَشْهُرَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْقُرُوءِ وَعِدَّةُ ذَاتِ الْقُرُوءِ قُرْءَانِ، فَبَدَلُهُمَا شَهْرَانِ، وَإِنَّمَا صِرْنَا إِلَى اسْتِبْرَاءِ ذَاتِ الْقُرْءِ بِحَيْضَةٍ؛ لِأَنَّهَا عَلَمٌ ظَاهِرٌ عَلَى بَرَاءَتِهَا مِنَ الْحَمْلِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ تَظْهَرُ فِيهَا بَرَاءَتُهَا، وَهِيَ إِمَّا شَهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَكَانَتِ الشَّهْرَانِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ عَلَمًا عَلَى الْبَرَاءَةِ فِي حَقِّ الْمُطَلَّقَةِ، فَفِي حَقِّ الْمُسْتَبْرَأَةِ أَوْلَى، فَهَذَا وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَبَعْدُ، فَالرَّاجِحُ مِنَ الدَّلِيلِ: الِاكْتِفَاءُ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ إِيمَاءُ النَّصِّ وَتَنْبِيهُهُ، وَفِي جَعْلِ مُدَّةِ اسْتِبْرَائِهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ تَسْوِيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُرَّةِ، وَجَعْلُهَا بِشَهْرَيْنِ تَسْوِيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ، فَكَانَ أَوْلَى الْمُدَدِ بِهَا شَهْرًا؛ فَإِنَّهُ الْبَدَلُ التَّامُّ، وَالشَّارِعُ قَدِ اعْتَبَرَ نَظِيرَ هَذَا الْبَدَلِ فِي نَظِيرِ الْأَمَةِ، وَهِيَ الْحُرَّةُ، وَاعْتَبَرَهُ الصَّحَابَةُ فِي الْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ، فَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: عِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَحِيضُ فَشَهْرَانِ، احْتَجَّ بِهِ أحمد ﵀. وَقَدْ نَصَّ أحمد ﵀ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ عَلَى أَنَّهَا إِذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، اعْتَدَّتْ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، تِسْعَةٍ لِلْحَمْلِ وَشَهْرٍ مَكَانَ الْحَيْضَةِ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: تَعْتَدُّ بِسَنَةِ، هَذِهِ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ أبي محمد، قَالَ: وأحمد هَاهُنَا جَعَلَ مَكَانَ الْحَيْضَةِ شَهْرًا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ تَكْرَارِهَا فِي الْآيِسَةِ لِتُعْلَمَ بَرَاءَتُهَا مِنَ الْحَمْلِ، وَقَدْ عُلِمَ بَرَاءَتُهَا مِنْهُ هَاهُنَا بِمُضِيِّ غَالِبِ مُدَّتِهِ، فَجُعِلَ الشَّهْرُ مَكَانَ الْحَيْضَةِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الخرقي مُفَرَّقًا بَيْنَ الْآيِسَةِ، وَبَيْنَ مَنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا، فَقَالَ: فَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً، فَبِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، اعْتَدَّتْ بِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ، وَشَهْرٍ مَكَانَ الْحَيْضَةِ.
стр. 2548
وَأَمَّا الشيخ أبو البركات، فَجَعَلَ الْخِلَافَ فِي الَّذِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا، كَالْخِلَافِ فِي الْآيِسَةِ، وَجَعَلَ فِيهَا الرِّوَايَاتِ الْأَرْبَعَ بَعْدَ غَالِبِ مُدَّةِ الْحَمْلِ تَسْوِيَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآيِسَةِ، فَقَالَ فِي (مُحَرَّرِهِ) : وَالْآيِسَةُ، وَالصَّغِيرَةُ بِمُضِيِّ شَهْرٍ. وَعَنْهُ: بِمُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ. وَعَنْهُ: شَهْرَيْنِ، وَعَنْهُ: شَهْرٍ وَنِصْفٍ. وَإِنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، فَبِذَلِكَ بَعْدَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ.
وَطَرِيقَةُ الخرقي، والشيخ أبي محمد أَصَحُّ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَرْنَاهُ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِشَهْرٍ، هُوَ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ فِي (الْمُغْنِي) فَإِنَّهُ قَالَ: وَوَجْهُ اسْتِبْرَائِهَا بِشَهْرٍ، أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الشَّهْرَ مَكَانَ الْحَيْضَةِ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الشُّهُورُ بِاخْتِلَافِ الْحَيْضَاتِ، فَكَانَتْ عِدَّةُ الْحُرَّةِ الْآيِسَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مَكَانَ الثَّلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ شَهْرَيْنِ مَكَانَ الْقُرْءَيْنِ، وَلِلْأَمَةِ الْمُسْتَبْرَأَةِ الَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا عَشَرَةُ أَشْهُرٍ، تِسْعَةٌ لِلْحَمْلِ، وَشَهْرٌ مَكَانَ الْحَيْضَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَكَانَ الْحَيْضَةِ هُنَا شَهْرٌ، كَمَا فِي حَقِّ مَنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا.
قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَجَدْتُمْ مَا دَلَّ عَلَى الْبَرَاءَةِ وَهُوَ تَرَبُّصُ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ.
قُلْنَا: وَهَاهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ وَهُوَ الْإِيَاسُ، فَاسْتَوَيَا.
[ذِكْرُ أَحْكَامِهِ ﷺ فِي الْبُيُوعِ]
[ذِكْرُ حُكْمِهِ ﷺ فِيمَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ]
ثَبَتَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) : مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ( «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: (لَا هُوَ حَرَامٌ) . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: (قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا
стр. 2549
جَمَّلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» ) .
وَفِيهِمَا أَيْضًا: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «قَالَ بَلَغَ عمر ﵁ أَنَّ سمرة بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سمرة، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا» ) .
فَهَذَا مِنْ (مُسْنَدِ عمر) ﵁ وَقَدْ رَوَاهُ البيهقي، وَالْحَاكِمُ فِي (مُسْتَدْرَكِهِ) فَجَعَلَاهُ مِنْ (مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ، وَلَفْظُهُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، يَعْنِي الْحَرَامَ، فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ، فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثَمَانَهَا، إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ» ) وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، فَإِنَّ البيهقي رَوَاهُ عَنِ ابن عبدان، عَنِ الصفار، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ بركة أبي الوليد، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوُهُ، دُونَ قَوْلِهِ: ( «إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ ثَمَنَهُ» ) .
فَاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْجَوَامِعُ عَلَى تَحْرِيمِ ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ: مَشَارِبَ تُفْسِدُ الْعُقُولَ، وَمَطَاعِمَ تُفْسِدُ الطِّبَاعَ وَتُغَذِّي غِذَاءً خَبِيثًا؛ وَأَعْيَانٍ تُفْسِدُ الْأَدْيَانَ، وَتَدْعُو إِلَى الْفِتْنَةِ وَالشِّرْكِ.
стр. 2550
فَصَانَ بِتَحْرِيمِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ الْعُقُولَ عَمَّا يُزِيلُهَا وَيُفْسِدُهَا، وَبِالثَّانِي: الْقُلُوبَ عَمَّا يُفْسِدُهَا مِنْ وُصُولِ أَثَرِ الْغِذَاءِ الْخَبِيثِ إِلَيْهَا، وَالْغَاذِي شَبِيهٌ بِالْمُغْتَذِي، وَبِالثَّالِثِ: الْأَدْيَانَ عَمَّا وُضِعَ لِإِفْسَادِهَا.
فَتَضَمَّنَ هَذَا التَّحْرِيمُ صِيَانَةَ الْعُقُولِ وَالْقُلُوبِ وَالْأَدْيَانِ.
وَلَكِنَّ الشَّأْنَ فِي مَعْرِفَةِ حُدُودِ كَلَامِهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَمَا يَدْخُلُ فِيهِ، وَمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ، لِتَسْتَبِينَ عُمُومُ كَلِمَاتِهِ وَجَمْعُهَا، وَتَنَاوُلُهَا لِجَمِيعِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي شَمِلَهَا عُمُومُ كَلِمَاتِهِ، وَتَأْوِيلُهَا بِجَمِيعِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي شَمِلَهَا عُمُومُ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، وَهَذِهِ خَاصِّيَّةُ الْفَهْمِ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الَّتِي تَفَاوَتَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، وَيُؤْتِيهِ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ.
فَأَمَّا تَحْرِيمُ بَيْعِ الْخَمْرِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَحْرِيمُ بَيْعِ كُلِّ مُسْكِرٍ، مَائِعًا كَانَ، أَوْ جَامِدًا، عَصِيرًا، أَوْ مَطْبُوخًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ عَصِيرُ الْعِنَبِ، وَخَمْرُ الزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ، وَالذُّرَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَاللُّقْمَةِ الْمَلْعُونَةِ، لُقْمَةِ الْفِسْقِ وَالْقَلْبِ الَّتِي تُحَرِّكُ الْقَلْبَ السَّاكِنَ إِلَى أَخْبَثِ الْأَمَاكِنِ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ خَمْرٌ بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الَّذِي لَا مَطْعَنَ فِي سَنَدِهِ، وَلَا إِجْمَالَ فِي مَتْنِهِ، إِذْ صَحَّ عَنْهُ قَوْلُهُ: ( «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» ) .
وَصَحَّ عَنْ أَصْحَابِهِ ﵃ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِخِطَابِهِ وَمُرَادِهِ: أَنَّ الْخَمْرَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ فَدُخُولُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ تَحْتَ اسْمِ الْخَمْرِ كَدُخُولِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، تَحْتَ قَوْلِهِ: ( «لَا تَبِيعُوا
стр. 2551
الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحَ بِالْمِلْحِ، إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» ) .
فَكَمَا لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ عَنْ تَنَاوُلِ اسْمِهِ لَهُ، فَهَكَذَا لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الْمُسْكِرِ عَنِ اسْمِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَحْذُورَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخْرَجَ مِنْ كَلَامِهِ مَا قُصِدَ دُخُولُهُ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُشْرَعَ لِذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي أُخْرِجَ حُكْمٌ غَيْرُ حُكْمِهِ، فَيَكُونُ تَغْيِيرًا لِأَلْفَاظِ الشَّارِعِ وَمَعَانِيهِ، فَإِنَّهُ إِذَا سَمَّى ذَلِكَ النَّوْعَ بِغَيْرِ الِاسْمِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ الشَّارِعُ، أَزَالَ عَنْهُ حُكْمَ ذَلِكَ الْمُسَمَّى وَأَعْطَاهُ حُكْمًا آخَرَ.
وَلَمَّا عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمَّتِهِ مَنْ يُبْتَلَى بِهَذَا، كَمَا قَالَ: ( «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» ) قَضَى قَضِيَّةً كُلِّيَّةً عَامَّةً لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا إِجْمَالٌ، وَلَا احْتِمَالٌ، بَلْ هِيَ شَافِيَةٌ كَافِيَةٌ، فَقَالَ: ( «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» ) ، هَذَا وَلَوْ أَنَّ أبا عبيدة، وَالْخَلِيلَ وَأَضْرَابَهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ذَكَرُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ هَكَذَا لَقَالُوا: قَدْ نَصَّ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ عَلَى
стр. 2552
أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَقَوْلُهُمْ حُجَّةٌ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِ هَدْيِهِ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِهَذَا، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ لَفْظُهُ، لَكَانَ الْقِيَاسُ الصَّرِيحُ الَّذِي اسْتَوَى فِيهِ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَاكِمًا بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرِ فِي تَحْرِيمِ الْبَيْعِ وَالشُّرْبِ، فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ، تَفْرِيقٌ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ.
[فصل تَحْرِيمُ بَيْعِ الْمَيْتَةِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا تَحْرِيمُ بَيْعِ الْمَيْتَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا يُسَمَّى مَيْتَةً، سَوَاءٌ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ ذُكِّيَ ذَكَاةً لَا تُفِيدُ حِلَّهُ. وَيَدْخُلُ فِيهِ أَبْعَاضُهَا أَيْضًا، وَلِهَذَا اسْتَشْكَلَ الصَّحَابَةُ ﵃ تَحْرِيمَ بَيْعِ الشَّحْمِ، مَعَ مَا لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، فَأَخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا ذَكَرُوا مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي فَهْمِ مُرَادِهِ ﷺ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: ( «لَا، هُوَ حَرَامٌ» ) هَلْ هُوَ عَائِدٌ إِلَى الْبَيْعِ، أَوْ عَائِدٌ إِلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي سَأَلُوا عَنْهَا؟ فَقَالَ شَيْخُنَا: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْمَيْتَةِ، قَالُوا: إِنَّ فِي شُحُومِهَا مِنَ الْمَنَافِعِ كَذَا وَكَذَا، يَعْنُونَ فَهَلْ ذَلِكَ مُسَوِّغٌ لِبَيْعِهَا؟ فَقَالَ: ( «لَا، هُوَ حَرَامٌ» ) .
قُلْتُ: كَأَنَّهُمْ طَلَبُوا تَخْصِيصَ الشُّحُومِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَيْتَةِ بِالْجَوَازِ، كَمَا طَلَبَ العباس ﵁ تَخْصِيصَ الْإِذْخِرِ مِنْ جُمْلَةِ تَحْرِيمِ نَبَاتِ الْحَرَمِ بِالْجَوَازِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: ( «لَا، هُوَ حَرَامٌ» ) .
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ أحمد وَغَيْرِهِمُ: التَّحْرِيمُ عَائِدٌ إِلَى الْأَفْعَالِ الْمَسْؤُولِ عَنْهَا، وَقَالَ: هُوَ حَرَامٌ، وَلَمْ يَقُلْ: هِيَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمَذْكُورَ جَمِيعَهُ وَيُرَجِّحُ قَوْلَهُمْ عَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَيُرَجِّحُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ إِبَاحَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ
стр. 2553
ذَرِيعَةٌ إِلَى اقْتِنَاءِ الشُّحُومِ وَبَيْعِهَا، وَيُرَجِّحُهُ أَيْضًا: أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ: ( «لَا، هِيَ حَرَامٌ» ) ، وَهَذَا الضَّمِيرُ إِمَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الشُّحُومِ، وَإِمَّا إِلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَفْعَالِ الَّتِي سَأَلُوا عَنْهَا.
وَيُرَجِّحُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «فِي الْفَأْرَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي السَّمْنِ: (إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» ) . وَفِي الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي الِاسْتِصْبَاحِ وَغَيْرِهِ قُرْبَانٌ لَهُ. وَمَنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ يَقُولُ: ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا» ) وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي غَيْرِ الْأَكْلٍ، كَالْوَقِيدِ، وَسَدِّ الْبُثُوقِ، وَنَحْوِهِمَا. قَالُوا: وَالْخَبِيثُ إِنَّمَا تَحْرُمُ مُلَابَسَتُهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، كَالْأَكْلِ وَاللُّبْسِ، وَأَمَّا الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ مُلَابَسَةٍ فَلِأَيِّ شَيْءٍ يَحْرُمُ؟ .
قَالُوا: وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيَاقَ حَدِيثِ جابر، عَلِمَ أَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُمْ عَنِ الْبَيْعِ، وَأَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُمْ فِي بَيْعِ الشُّحُومِ، لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: (هُوَ حَرَامٌ) ، فَإِنَّهُمْ لَوْ سَأَلُوهُ عَنْ حُكْمِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، لَقَالُوا: أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَصْبِحَ بِهَا النَّاسُ، وَتُدْهَنَ بِهَا الْجُلُودُ؟ وَلَمْ يَقُولُوا: فَإِنَّهُ يُفْعَلُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ هَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُمْ، لَا سُؤَالٌ، وَهُمْ لَمْ يُخْبِرُوهُ بِذَلِكَ عَقِيبَ تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ عَلَيْهِمْ؛ لِيَكُونَ قَوْلُهُ: (لَا هُوَ حَرَامٌ) صَرِيحًا فِي تَحْرِيمِهَا، وَإِنَّمَا أَخْبَرُوهُ بِهِ عَقِيبَ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ، فَكَأَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُمْ فِي بَيْعِ الشُّحُومِ لِهَذِهِ الْمَنَافِعِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ. وَنِهَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، فَلَا يَحْرُمُ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَهُ.
قَالُوا: وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنِ الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ آبَارِ ثَمُودَ، وَأَبَاحَ لَهُمْ أَنْ
стр. 2554
يُطْعِمُوا مَا عَجَنُوا مِنْهُ مِنْ تِلْكَ الْآبَارِ لِلْبَهَائِمِ، قَالُوا: وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِيقَادَ النَّجَاسَةِ وَالِاسْتِصْبَاحَ بِهَا انْتِفَاعٌ خَالٍ عَنْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ، وَعَنْ مُلَابَسَتِهَا بَاطِنًا وَظَاهِرًا، فَهُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ. وَمَا كَانَ هَكَذَا، فَالشَّرِيعَةُ لَا تُحَرِّمُهُ، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا تُحَرِّمُ الْمَفَاسِدَ الْخَالِصَةَ أَوِ الرَّاجِحَةَ وَطُرُقَهَا وَأَسْبَابَهَا الْمُوَصِّلَةَ إِلَيْهَا.
قَالُوا: وَقَدْ أَجَازَ أحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الِاسْتِصْبَاحَ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ إِذَا خَالَطَتْ دُهْنًا طَاهِرًا، فَإِنَّهُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِالزَّيْتِ النَّجِسِ، وَطَلْيُ السُّفُنِ بِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمُ: الشَّيْخُ أبو محمد، وَغَيْرُهُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَمَرَ أَنْ يُسْتَصْبَحَ بِهِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنَيْهِ: صالح وعبد الله: لَا يُعْجِبُنِي بَيْعُ النَّجِسِ، وَيُسْتَصْبَحُ بِهِ إِذَا لَمْ يَمَسُّوهُ، لِأَنَّهُ نَجِسٌ، وَهَذَا يَعُمُّ النَّجِسَ، وَالْمُتَنَجِّسَ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمُتَنَجِّسَ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْقَوْلِ بِجَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِمَا خَالَطَهُ نَجَاسَةُ مَيْتَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الِاسْتِصْبَاحِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا، وَبَيْنَ الِاسْتِصْبَاحِ بِهِ إِذَا خَالَطَهُ دُهْنٌ طَاهِرٌ فَنَجَّسَهُ؟ .
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ مُفْرَدًا، فَهُوَ نَجِسُ الْعَيْنِ، وَإِذَا خَالَطَهُ غَيْرُهُ تَنَجَّسَ بِهِ، فَأَمْكَنَ تَطْهِيرُهُ بِالْغَسْلِ، فَصَارَ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ بَيْعُ الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ دُونَ دُهْنِ الْمَيْتَةِ.
قِيلَ: لَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْفَرْقُ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ.
стр. 2555
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنِ الْإِمَامِ أحمد، وَلَا عَنِ الشَّافِعِيِّ الْبَتَّةَ غَسْلُ الدُّهْنِ النَّجِسِ، وَلَيْسَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ فَتْوَى بَعْضِ الْمُنْتَسِبِينَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مالك أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، هَذِهِ رِوَايَةُ ابن نافع، وابن القاسم عَنْهُ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ وَإِنْ تَأَتَّى لِأَصْحَابِهِ فِي الزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ وَنَحْوِهِمَا، فَلَا يَتَأَتَّى لَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَدْهَانِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ، وأحمد وَالشَّافِعِيُّ قَدْ أَطْلَقَا الْقَوْلَ بِجَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يُفِيدُ فِي دَفْعِ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا لِلْخَبِيثِ وَالنَّجَاسَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَيْنِيَّةً أَوْ طَارِئَةً، فَإِنَّهُ إِنْ حَرَّمَ الِاسْتِصْبَاحَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْخَبِيثِ، فَلَا فَرْقَ، وَإِنْ حَرُمَ لِأَجْلِ دُخَانِ النَّجَاسَةِ، فَلَا فَرْقَ، وَإِنْ حَرُمَ لِكَوْنِ الِاسْتِصْبَاحِ بِهِ ذَرِيعَةً إِلَى اقْتِنَائِهِ، فَلَا فَرْقَ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ فِي جَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِهَذَا دُونَ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ.
وَأَيْضًا فَقَدَ جَوَّزَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الِانْتِفَاعَ بِالسِّرْقِينِ النَّجِسِ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ، وَالثَّمَرِ، وَالْبَقْلِ مَعَ نَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَمُلَابَسَةُ الْمُسْتَعْمَلِ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ مُلَابَسَةِ الْمُوقَدِ، وَظُهُورُ أَثَرِهِ فِي الْبُقُولِ وَالزُّرُوعِ، وَالثِّمَارِ، فَوْقَ ظُهُورِ أَثَرِ الْوَقِيدِ، وَإِحَالَةُ النَّارِ أَتَمُّ مِنْ إِحَالَةِ الْأَرْضِ، وَالْهَوَاءِ وَالشَّمْسِ لِلسِّرْقِينِ، فَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ لِأَجْلِ دُخَانِ النَّجَاسَةِ، فَمَنْ سَلَّمَ أَنَّ دُخَانَ النَّجَاسَةِ نَجِسٌ، وَبِأَيِّ كِتَابٍ، أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ ثَبَتَ ذَلِكَ؟ وَانْقِلَابُ النَّجَاسَةِ إِلَى الدُّخَانِ أَتَمُّ مِنِ انْقِلَابِ عَيْنِ السِّرْقِينِ وَالْمَاءِ النَّجِسِ ثَمَرًا أَوْ زَرْعًا، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُشَكُّ فِيهِ، بَلْ مَعْلُومٌ بِالْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ، حَتَّى جَوَّزَ بَعْضُ أَصْحَابِ مالك، وأبي حنيفة - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - بَيْعَهُ، فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَذِرَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِ النَّاسِ. وَقَالَ ابن القاسم: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الزَّبْلِ. قَالَ اللخمي: وَهَذَا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ يَرَى بَيْعَ الْعَذِرَةِ. وَقَالَ أشهب فِي الزَّبْلِ: الْمُشْتَرِي أَعْذَرُ فِيهِ مِنَ الْبَائِعِ، يَعْنِي فِي اشْتِرَائِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَمْ
стр. 2556
يَعْذُرِ اللَّهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَهُمَا سِيَّانِ فِي الْإِثْمِ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَأَنَّ بَيْعَ ذَلِكَ حَرَامٌ وَإِنْ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ تَحْرِيمُ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي غَيْرِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهَا، كَالْوَقِيدِ وَإِطْعَامِ الصُّقُورِ وَالْبُزَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ نَصَّ مالك عَلَى جَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِالزَّيْتِ النَّجِسِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، وَعَلَى جَوَازِ عَمَلِ الصَّابُونِ مِنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ بَابَ الِانْتِفَاعِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا حَرُمَ بَيْعُهُ حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ، بَلْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا، فَلَا يُؤْخَذُ تَحْرِيمُ الِانْتِفَاعِ مِنْ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ.
[فصل تَحْرِيمُ بَيْعِ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ الَّتِي تَحِلُّهَا الْحَيَاةُ وَتُفَارِقُهَا بِالْمَوْتِ وَحِلُّ بَيْعِ الشَّعْرِ وَالْوَبَرِ وَالصُّوفِ]
فَصْلٌ
وَيَدْخُلُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ بَيْعُ أَجْزَائِهَا الَّتِي تَحِلُّهَا الْحَيَاةُ، وَتُفَارِقُهَا بِالْمَوْتِ، كَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَالْعَصَبِ، وَأَمَّا الشَّعْرُ وَالْوَبَرُ وَالصُّوفُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةِ، وَلَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ. وَكَذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ شُعُورَ الْمَيْتَةِ وَأَصْوَافَهَا وَأَوْبَارَهَا طَاهِرَةٌ إِذَا كَانَتْ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، هَذَا مَذْهَبُ مالك وأبي حنيفة وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، والليث وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وداود، وابن المنذر، والمزني، وَمِنَ التَّابِعِينَ: الحسن، وَابْنِ سِيرِينَ، وَأَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيُّ بِالْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهَا، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ اسْمَ الْمَيْتَةِ يَتَنَاوَلُهَا كَمَا يَتَنَاوَلُ سَائِرَ أَجْزَائِهَا بِدَلِيلِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ، أَمَّا الْأَثَرُ، فَفِي (الْكَامِلِ) لِابْنِ عَدِيٍّ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ: ( «ادْفِنُوا الْأَظْفَارَ، وَالدَّمَ وَالشَّعْرَ، فَإِنَّهَا مَيْتَةٌ» ) .
وَأَمَّا النَّظَرُ، فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ يَنْمُو بِنَمَائِهِ، فَيَنْجَسُ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ أَعْضَائِهِ، وَبِأَنَّهُ شَعْرٌ نَابِتٌ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ فَكَانَ نَجِسًا كَشَعْرِ الْخِنْزِيرِ، وَهَذَا لِأَنَّ ارْتِبَاطَهُ بِأَصْلِهِ خِلْقَةً يَقْتَضِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ حُكْمُهُ تَبَعًا، فَإِنَّهُ مَحْسُوبٌ مِنْهُ عُرْفًا، وَالشَّارِعُ أَجْرَى الْأَحْكَامَ فِيهِ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ، فَأَوْجَبَ غَسْلَهُ فِي الطَّهَارَةِ، وَأَوْجَبَ الْجَزَاءَ يَأْخُذُهُ مِنَ الصَّيْدِ كَالْأَعْضَاءِ، وَأَلْحَقَهُ بِالْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ حِلًّا وَحُرْمَةً، وَكَذَلِكَ هَاهُنَا، وَبِأَنَّ الشَّارِعَ لَهُ تَشَوُّفٌ إِلَى إِصْلَاحِ الْأَمْوَالِ وَحِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا، وَعَدَمِ إِضَاعَتِهَا.
وَقَدْ قَالَ لَهُمْ فِي شَاةِ ميمونة: ( «هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا
стр. 2557
فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ» ) . وَلَوْ كَانَ الشَّعْرُ طَاهِرًا لَكَانَ إِرْشَادُهُمْ إِلَى أَخْذِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ كُلْفَةً، وَأَسْهَلُ تَنَاوُلًا.
قَالَ الْمُطَهِّرُونَ لِلشُّعُورِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] [النَّحْلِ: ٨٠] ، وَهَذَا يَعُمُّ أَحْيَاءَهَا وَأَمْوَاتَهَا، وَفِي (مُسْنَدِ أَحْمَدَ) : عَنْ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ لميمونة مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: (أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا، قَالُوا: وَكَيْفَ وَهِيَ مَيْتَةٌ؟ قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ لَحْمُهَا» ) . وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي إِبَاحَةِ مَا سِوَى اللَّحْمِ، وَالشَّحْمُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ وَالْأَلْيَةُ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي اللَّحْمِ، كَمَا دَخَلَتْ فِي تَحْرِيمِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَلَا يُنْتَقَضُ هَذَا بِالْعَظْمِ وَالْقَرْنِ، وَالظُّفْرِ وَالْحَافِرِ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ طَهَارَةُ ذَلِكَ كَمَا سَنُقَرِّرُهُ عَقِيبَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَوْ أُخِذَ حَالَ الْحَيَاةِ، لَكَانَ طَاهِرًا فَلَمْ يَنْجُسْ بِالْمَوْتِ، كَالْبَيْضِ وَعَكْسُهُ الْأَعْضَاءُ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْجُسْ بِجَزِّهِ فِي حَالِ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ بِالْإِجْمَاعِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ الْحَيَوَانِ، وَأَنَّهُ لَا رُوحَ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ، فَهُوَ مَيْتَةٌ» ) . رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَتَأَلَّمُ بِأَخْذِهِ، وَلَا يَحُسُّ بِمَسِّهِ، وَذَلِكَ دَلِيلُ عَدَمِ الْحَيَاةِ فِيهِ، وَأَمَّا النَّمَاءُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى
стр. 2558
الْحَيَاةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ الَّتِي يَتَنَجَّسُ الْحَيَوَانُ بِمُفَارَقَتِهَا، فَإِنَّ مُجَرَّدَ النَّمَاءِ لَوْ دَلَّ عَلَى الْحَيَاةِ، وَنَجِسَ الْمَحَلُّ بِمُفَارَقَةِ هَذِهِ الْحَيَاةِ، لَتَنَجَّسَ الزَّرْعُ بِيُبْسِهِ، لِمُفَارَقَةِ حَيَاةِ النُّمُوِّ وَالِاغْتِذَاءِ لَهُ.
قَالُوا: فَالْحَيَاةُ نَوْعَانِ: حَيَاةُ حِسٍّ وَحَرَكَةٍ، وَحَيَاةُ نُمُوٍّ وَاغْتِذَاءٍ، فَالْأُولَى: هِيَ الَّتِي يُؤَثِّرُ فَقْدُهَا فِي طَهَارَةِ الْحَيِّ دُونَ الثَّانِيَةِ.
قَالُوا: وَاللَّحْمُ إِنَّمَا يَنْجُسُ لِاحْتِقَانِ الرُّطُوبَاتِ وَالْفَضَلَاتِ الْخَبِيثَةِ فِيهِ، وَالشُّعُورُ وَالْأَصْوَافُ بَرِيئَةٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُنْتَقَضُ بِالْعِظَامِ وَالْأَظْفَارِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ.
قَالُوا: وَالْأَصْلُ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ، وَإِنَّمَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا التَّنْجِيسُ بِاسْتِحَالَتِهَا، كَالرَّجِيعِ الْمُسْتَحِيلِ عَنِ الْغِذَاءِ، وَكَالْخَمْرِ الْمُسْتَحِيلِ عَنِ الْعَصِيرِ وَأَشْبَاهِهَا، وَالشُّعُورُ فِي حَالِ اسْتِحَالَتِهَا كَانَتْ طَاهِرَةً، ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهَا مَا يُوجِبُ نَجَاسَتَهَا بِخِلَافِ أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّهَا عَرَضَ لَهَا مَا يَقْتَضِي نَجَاسَتَهَا، وَهُوَ احْتِقَانُ الْفَضَلَاتِ الْخَبِيثَةِ.
قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيثُ عبد الله بن عمر، فَفِي إِسْنَادِهِ عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: أَحَادِيثُهُ مُنْكَرَةٌ لَيْسَ مَحَلُّهُ عِنْدِي الصِّدْقَ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ: لَا يُسَاوِي فَلْسًا يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ كَذِبٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الشَّاةِ الْمَيْتَةِ وَقَوْلُهُ: ( «أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا» ) ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلشَّعْرِ فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَطْلَقَ الِانْتِفَاعَ بِالْإِهَابِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّعْرِ، مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَعْرٍ، وَهُوَ ﷺ لَمْ يُقَيِّدِ الْإِهَابَ الْمُنْتَفَعَ بِهِ بِوَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ فَرْوًا وَغَيْرَهُ مِمَّا لَا يَخْلُو مِنَ الشَّعْرِ.
стр. 2559
وَالثَّانِي: أَنَّهُ ﷺ قَدْ أَرْشَدَهُمْ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِالشَّعْرِ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ حَيْثُ يَقُولُ: ( «إِنَّمَا حَرَّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلَهَا أَوْ لَحْمَهَا» ) .
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الشَّعْرَ لَيْسَ مِنَ الْمَيْتَةِ لِيَتَعَرَّضَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّهُ الْمَوْتُ، وَتَعْلِيلُهُمْ بِالتَّبَعِيَّةِ يَبْطُلُ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَعَلَيْهِ شَعْرٌ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ دُونَ الشَّعْرِ عِنْدَهُمْ، وَتَمَسُّكُهُمْ بِغَسْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ يَبْطُلُ بِالْجَبِيرَةِ، وَتَمَسُّكُهُمْ بِضَمَانِهِ مِنَ الصَّيْدِ يَبْطُلُ بِالْبَيْضِ، وَبِالْحَمْلِ. وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ يَتْبَعُ الْجُمْلَةَ لِاتِّصَالِهِ، وَزَوَالِ الْجُمْلَةِ بِانْفِصَالِهِ عَنْهَا، وَهَاهُنَا لَوْ فَارَقَ الْجُمْلَةَ بَعْدَ أَنْ تَبِعَهَا فِي التَّنَجُّسِ، لَمْ يُفَارِقْهَا فِيهِ عِنْدَهُمْ، فَعُلِمَ الْفَرْقُ.
[فصل هَلْ يَحْرُمُ بَيْعُ عَظْمِ الْمَيْتَةِ وَقَرْنِهَا وَجِلْدِهَا بَعْدَ الدِّبَّاغِ]
فَصْلٌ
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَدْخُلُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِهَا تَحْرِيمُ بَيْعِ عَظْمِهَا وَقَرْنِهَا وَجِلْدِهَا بَعْدَ الدِّبَاغِ لِشُمُولِ اسْمِ الْمَيْتَةِ لِذَلِكَ؟ قِيلَ: الَّذِي يَحْرُمُ بَيْعُهُ مِنْهَا هُوَ الَّذِي يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَاسْتِعْمَالِهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ بِقَوْلِهِ: ( «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» ) . وَفِي اللَّفْظِ الْآخَرِ: ( «إِذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ ثَمَنَهُ» ) . فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَحْرُمُ بَيْعُهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ.
وَأَمَّا الْجِلْدُ إِذَا دُبِغَ، فَقَدْ صَارَ عَيْنًا طَاهِرَةً يُنْتَفَعُ فِي اللُّبْسِ وَالْفُرُشِ، وَسَائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ، فَلَا يَمْتَنِعُ جَوَازُ بَيْعِهِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الْقَدِيمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ القفال: لَا يَتَّجِهُ هَذَا إِلَّا بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ يُوَافِقُ مالكا فِي أَنَّهُ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِنْ طَهُرَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ عَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ؛ فَإِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْمَيْتَةِ، حَقِيقَةً فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَعَظْمِهَا وَلَحْمِهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ بَعْدَ الدَّبْغِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنٌ طَاهِرَةٌ يُنْتَفَعُ بِهَا، فَجَازَ بَيْعُهَا كَالْمُذَكَّى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الدَّبْغَ إِزَالَةٌ أَوْ
стр. 2560
إِحَالَةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: إِحَالَةٌ جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَحَالَ مِنْ كَوْنِهِ جُزْءَ مَيْتَةٍ إِلَى عَيْنٍ أُخْرَى، وَإِنْ قُلْنَا: إِزَالَةٌ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْمَيْتَةِ هُوَ الْمُحَرِّمُ لِبَيْعِهِ، وَذَلِكَ بَاقٍ لَمْ يُسْتَحَلَّ.
وَبَنَوْا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ جَوَازَ أَكْلِهِ، وَلَهُمْ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَكْلُهُ مُطْلَقًا، وَتَحْرِيمُهُ مُطْلَقًا، وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ جِلْدِ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ، فَأَصْحَابُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، غَلَّبُوا حُكْمَ الْإِحَالَةِ، وَأَصْحَابُ الْوَجْهِ الثَّانِي، غَلَّبُوا حُكْمَ الْإِزَالَةِ، وَأَصْحَابُ الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَجْرَوُا الدِّبَاغَ مَجْرَى الذَّكَاةِ، فَأَبَاحُوا بِهَا مَا يُبَاحُ أَكْلُهُ بِالذَّكَاةِ إِذَا ذُكِّيَ دُونَ غَيْرِهِ، وَالْقَوْلُ بِجَوَازِ أَكْلِهِ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ السُّنَّةِ، وَلِهَذَا لَمْ يُمْكِنْ قَائِلُهُ الْقَوْلَ بِهِ إِلَّا بَعْدَ مَنْعِهِ كَوْنَ الْجِلْدِ بَعْدَ الدَّبْغِ مَيْتَةً، وَهَذَا مَنْعٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ جِلْدُ مَيْتَةٍ حَقِيقَةً، وَحِسًّا وَحُكْمًا، وَلَمْ يَحْدُثْ لَهُ حَيَاةٌ بِالدَّبْغِ تَرْفَعُ عَنْهُ اسْمَ الْمَيْتَةِ، وَكَوْنُ الدَّبْغِ إِحَالَةً بَاطِلٌ حِسًّا؛ فَإِنَّ الْجِلْدَ لَمْ يُسْتَحَلَّ ذَاتُهُ وَأَجْزَاؤُهُ، وَحَقِيقَتُهُ بِالدِّبَاغِ، فَدَعْوَى أَنَّ الدِّبَاغَ إِحَالَةٌ عَنْ حَقِيقَةٍ إِلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى، كَمَا تُحِيلُ النَّارُ الْحَطَبَ إِلَى الرَّمَادِ، وَالْمَلَّاحَةُ مَا يُلْقَى فِيهَا مِنَ الْمَيْتَاتِ إِلَى الْمِلْحِ دَعْوَى بَاطِلَةٌ.
وَأَمَّا أَصْحَابُ مالك ﵀ فَفِي (الْمُدَوَّنَةِ) لابن القاسم الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهَا وَإِنْ دُبِغَتْ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) . وَقَالَ المازري: هَذَا هُوَ مُقْتَضَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ. قَالَ: وَأَمَّا إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهَا تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ طَهَارَةً كَامِلَةً، فَإِنَّا نُجِيزُ بَيْعَهَا لِإِبَاحَةِ جُمْلَةِ مَنَافِعِهَا.
قُلْتُ: عَنْ مالك فِي طَهَارَةِ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ رِوَايَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ، وَبِهَا قَالَ وهب، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ جَوَّزَ أَصْحَابُهُ بَيْعَهُ. وَالثَّانِيَةُ - وَهِيَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ - أَنَّهُ يَطْهُرُ طَهَارَةً مَخْصُوصَةً يَجُوزُ مَعَهَا اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ، وَفِي الْمَاءِ وَحْدَهُ دُونَ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ، قَالَ أَصْحَابُهُ: وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَا الصَّلَاةُ فِيهِ، وَلَا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ.
следующие страницы →