← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

( «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ» ) فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّهَا تَزِيدُ عَلَى مَا فَرَضَ اللَّهُ، وَتُخَالِفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ لعروة لَمَّا حَدَّثَهُ عَنْهَا بِذَلِكَ: فَمَا شَأْنُهَا كَانَتْ تُتِمُّ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عثمان. فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ حَسَّنَ فِعْلَهَا وَأَقَرَّهَا عَلَيْهِ، فَمَا لِلتَّأْوِيلِ حِينَئِذٍ وَجْهٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُضَافَ إِتْمَامُهَا إِلَى التَّأْوِيلِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَقَدْ أَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَلَا أبو بكر، وَلَا عمر» . أَفَيُظَنُّ بعائشة أم المؤمنين مُخَالَفَتُهُمْ، وَهِيَ تَرَاهُمْ يَقْصُرُونَ؟ وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ فَإِنَّهَا أَتَمَّتْ كَمَا أَتَمَّ عثمان، وَكِلَاهُمَا تَأَوَّلَ تَأْوِيلًا، وَالْحُجَّةُ فِي رِوَايَتِهِمْ لَا فِي تَأْوِيلِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ أمية بن خالد لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْحَضَرِ، وَصَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: يَا أَخِي إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ يَفْعَلُ وَقَدْ قَالَ أنس: ( «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ» ) وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ( «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان ﵃» ) وَهَذِهِ كُلُّهَا أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ.

стр. 422

[فصل مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِي سَفَرِهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَرْضِ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِي سَفَرِهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَرْضِ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى سُنَّةَ الصَّلَاةِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْوِتْرِ، وَسُنَّةِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَهُمَا حَضَرًا وَلَا سَفَرًا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: فَقَالَ: ( «صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَالَ اللَّهُ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] » ) [الْأَحْزَابِ: ٢١] وَمُرَادُهُ بِالتَّسْبِيحِ: السُّنَّةُ الرَّاتِبَةُ، وَإِلَّا فَقَدَ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ. وَفِي " الصِّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ، إِلَّا الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ» ) . قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّلُ لَيْلًا وَهُوَ يَقْصُرُ، وَفِي " الصِّحِيحَيْنِ ": عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّهُ ( «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ» ) فَهَذَا قِيَامُ اللَّيْلِ. وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ عَنِ التَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِالتَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ بَأْسٌ، وَرُوِيَ عَنِ الحسن قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَافِرُونَ فَيَتَطَوَّعُونَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ وَبَعْدَهَا، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ

стр. 423

عمر، وعلي، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وجابر، وأنس، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وأبي ذر. وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَكَانَ لَا يَتَطَوَّعُ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَلَا بَعْدَهَا إِلَّا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ مَعَ الْوِتْرِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْفَرِيضَةِ الْمَقْصُورَةِ وَلَا بَعْدَهَا شَيْئًا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُ مِنَ التَّطَوُّعِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، فَهُوَ كَالتَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ، لَا أَنَّهُ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ لِلصَّلَاةِ كَسُنَّةِ صَلَاةِ الْإِقَامَةِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الرُّبَاعِيَّةَ قَدْ خُفِّفَتْ إِلَى رَكْعَتَيْنِ تَخْفِيفًا عَلَى الْمُسَافِرِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ لَهَا سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ يُحَافَظُ عَلَيْهَا وَقَدْ خَفَّفَ الْفَرْضَ إِلَى رَكْعَتَيْنِ، فَلَوْلَا قَصْدُ التَّخْفِيفِ عَلَى الْمُسَافِرِ، وَإِلَّا كَانَ الْإِتْمَامُ أَوْلَى بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ عبد الله بن عمر: ( «لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ» ) وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ «صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ضُحًى وَهُوَ إِذْ ذَاكَ مُسَافِرٌ» . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ الليث، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أبي بسرة الغفاري، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: ( «سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فَلَمْ أَرَهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ قَبْلَ الظُّهْرِ» ) قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. قَالَ: وَسَأَلْتُ محمدا عَنْهُ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَلَمْ يَعْرِفِ اسْمَ أبي بسرة وَرَآهُ حَسَنًا. وَبُسْرَةُ: بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا» ) فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، وَلَعَلَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ، وَالرِّجَالُ أَعْلَمُ بِسَفَرِهِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَدْ أَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ،

стр. 424

وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا شَيْئًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فصل مِنْ هَدْيِهِ ﷺ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، وَكَانَ يُومِئُ إِيمَاءً بِرَأْسِهِ فِي رُكُوعِهِ، وَسُجُودِهِ، وَسُجُودُهُ أَخْفَضُ مِنْ رُكُوعِهِ، وَرَوَى أحمد، وأبو داود عَنْهُ، مِنْ حَدِيثِ أنس، أَنَّهُ كَانَ يَسْتَقْبِلُ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، ثُمَّ يُصَلِّي سَائِرَ الصَّلَاةِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، وَسَائِرُ مَنْ وَصَفَ صَلَاتَهُ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَطْلَقُوا أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا قِبَلَ أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَلَا غَيْرَهَا، كعامر بن ربيعة، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَحَادِيثُهُمْ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أنس هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ( «وَصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ وَعَلَى الْحِمَارِ» ) إِنْ صَحَّ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَصَلَّى الْفَرْضَ بِهِمْ عَلَى الرَّوَاحِلِ لِأَجْلِ الْمَطَرِ وَالطِّينِ، إِنْ صَحَّ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، وَقَدْ رَوَاهُ أحمد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ «أَنَّهُ ﵊ انْتَهَى إِلَى مَضِيقٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالْبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ

стр. 425

مِنْهُمْ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً، فَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ» . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ عمر بن الرماح، وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أنس مِنْ فِعْلِهِ [فصل في الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنَّهُ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَالَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ) . وَكَانَ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَمِنْ مُصَحِّحٍ لَهُ، وَمِنْ مُحَسِّنٍ، وَمِنْ قَادِحٍ فِيهِ، وَجَعْلِهِ مَوْضُوعًا كالحاكم، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنْ رُمِيَ بِعِلَّةٍ عَجِيبَةٍ، قَالَ الحاكم: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أبي الطفيل، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ

стр. 426

تَزِيغَ الشَّمْسُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ وَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ» ) قَالَ الحاكم: هَذَا الْحَدِيثُ رُوَاتُهُ أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ، وَهُوَ شَاذُّ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ، ثُمَّ لَا نَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً نُعِلُّهُ بِهَا. فَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ عَنِ الليث، عَنْ أبي الزبير، عَنْ أبي الطفيل، لَعَلَلْنَا بِهِ الْحَدِيثَ. وَلَوْ كَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أبي الطفيل، لَعَلَلْنَا بِهِ، فَلَمَّا لَمْ نَجِدْ لَهُ الْعِلَّتَيْنِ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا، ثُمَّ نَظَرْنَا فَلَمْ نَجِدْ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أبي الطفيل رِوَايَةً، وَلَا وَجَدْنَا هَذَا الْمَتْنَ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ أبي الطفيل، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ رَوَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ غَيْرَ أبي الطفيل، فَقُلْنَا: الْحَدِيثُ شَاذٌّ. وَقَدْ حَدَّثُوا عَنْ أبي العباس الثقفي قَالَ: كَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ يَقُولُ لَنَا: عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَامَةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وأبي خيثمة، حَتَّى عَدَّ قتيبة سَبْعَةً مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَتَبُوا عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَأَئِمَّةُ الْحَدِيثِ إِنَّمَا سَمِعُوهُ مِنْ قتيبة تَعَجُّبًا مِنْ إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ، ثُمَّ لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ ذَكَرَ لِلْحَدِيثِ عِلَّةً، ثُمَّ قَالَ: فَنَظَرْنَا فَإِذَا الْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ، وقتيبة ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، ثُمَّ ذُكِرَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْبُخَارِيِّ. قَالَ: قُلْتُ لِقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ: مَعَ مَنْ كَتَبْتَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أبي الطفيل؟ قَالَ: كَتَبْتُهُ مَعَ خالد بن القاسم أبي الهيثم المدائني. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَكَانَ خالد المدائني يُدْخِلُ الْأَحَادِيثَ عَلَى الشُّيُوخِ. قُلْتُ: وَحُكْمُهُ بِالْوَضْعِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ أبا داود رَوَاهُ عَنْ

стр. 427

يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملي، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أبي الزبير، عَنْ أبي الطفيل، عَنْ معاذ فَذَكَرَهُ. . . " فَهَذَا المفضل قَدْ تَابَعَ قتيبة، وَإِنْ كَانَ قتيبة أَجَلَّ مِنَ المفضل وَأَحْفَظَ، لَكِنْ زَالَ تَفَرُّدُ قتيبة بِهِ، ثُمَّ إِنَّ قتيبة صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا وَلَمْ يُعَنْعِنْ، فَكَيْفَ يُقْدَحُ فِي سَمَاعِهِ، مَعَ أَنَّهُ بِالْمَكَانِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأَمَانَةِ، وَالْحِفْظِ، وَالثِّقَةِ، وَالْعَدَالَةِ. وَقَدْ رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: حَدَّثَنَا شبابة، حَدَّثَنَا الليث، عَنْ عقيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أنس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : ( «كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ» ) . وَهَذَا إِسْنَادٌ كَمَا تَرَى، وَشَبَابَةُ: هُوَ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الثِّقَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ، وَقَدْ رَوَى لَهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ مُقَوِّيًا لِحَدِيثِ معاذ وَأَصْلُهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ جَمْعُ التَّقْدِيمِ. ثُمَّ قَالَ أبو داود: وَرَوَى هشام، عَنْ عروة، عَنْ حسين بن عبد الله، عَنْ كريب، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، نَحْوَ حَدِيثِ المفضل، يَعْنِي حَدِيثَ معاذ فِي الْجَمْعِ وَالتَّقْدِيمِ، وَلَفْظُهُ عَنْ حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عَنْ كريب، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ؟ كَانَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ، جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الزُّوَالِ، وَإِذَا سَافَرَ

стр. 428

قَبْلَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِثْلَ ذَلِكَ» ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابن أبي يحيى، عَنْ حسين، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَجْلَانَ بَلَاغًا عَنْ حسين. قَالَ البيهقي: هَكَذَا رَوَاهُ الْأَكَابِرُ، هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ حسين بن عبد الله. وَرَوَاهُ عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ حسين، عَنْ عكرمة، وَعَنْ كريب كِلَاهُمَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ أيوب، عَنْ أبي قلابة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا مَرْفُوعًا. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي إِدْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سليمان بن مالك، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ كريب، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ فَرَاحَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ رَكِبَ فَسَارَ ثُمَّ نَزَلَ، فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِذَا لَمْ يَرُحْ حَتَّى تَزِيغَ الشَّمْسُ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ رَكِبَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ وَدَخَلَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ» ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: رَوَى يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنِ الحجاج، عَنِ الحكم، عَنْ مقسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ إِذَا لَمْ يَرْتَحِلْ حَتَّى تَزِيغَ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، فَإِذَا لَمْ تَزِغْ أَخَّرَهَا حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ» ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَيَدُلُّ عَلَى جَمْعِ التَّقْدِيمِ جَمْعُهُ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِمَصْلَحَةِ الْوُقُوفِ، لِيَتَّصِلَ وَقْتُ الدُّعَاءِ، وَلَا يَقْطَعُهُ بِالنُّزُولِ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ مَعَ إِمْكَانِ ذَلِكَ بِلَا مَشَقَّةٍ، فَالْجَمْعُ كَذَلِكَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ وَالْحَاجَةِ أَوْلَى. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَانَ أَرْفَقَ بِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ تَقْدِيمُ الْعَصْرِ لِأَنْ يَتَّصِلَ لَهُ الدُّعَاءُ، فَلَا يَقْطَعُهُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَأَرْفَقَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَنْ يَتَّصِلَ لَهُ الْمَسِيرُ، وَلَا يَقْطَعُهُ بِالنُّزُولِ

стр. 429

لِلْمَغْرِبِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فصل مِنْ هَدْيِهِ ﷺ عدم الْجَمْعُ رَاكِبًا فِي سَفَرِهِ] فَصْلٌ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ الْجَمْعُ رَاكِبًا فِي سَفَرِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَا الْجَمْعُ حَالَ نُزُولِهِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا كَانَ يَجْمَعُ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، وَإِذَا سَارَ عَقِيبَ الصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي قِصَّةِ تَبُوكَ، وَأَمَّا جَمْعُهُ وَهُوَ نَازِلٌ غَيْرَ مُسَافِرٍ فَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهُ إِلَّا بِعَرَفَةَ لِأَجْلِ اتِّصَالِ الْوُقُوفِ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَشَيْخُنَا، وَلِهَذَا خَصَّهُ أبو حنيفة بِعَرَفَةَ وَجَعَلَهُ مِنْ تَمَامِ النُّسُكِ وَلَا تَأْثِيرَ لِلسَّفَرِ عِنْدَهُ فِيهِ. وأحمد، ومالك، وَالشَّافِعِيُّ، جَعَلُوا سَبَبَهُ السَّفَرَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَجَعَلَ الشَّافِعِيُّ، وأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ التَّأْثِيرَ لِلسَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَلَمْ يُجَوِّزَاهُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَجَوَّزَ مالك، وأحمد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ لِأَهْلِ مَكَّةَ الْجَمْعَ وَالْقَصْرَ بِعَرَفَةَ، وَاخْتَارَهَا شَيْخُنَا وأبو الخطاب فِي عِبَادَاتِهِ، ثُمَّ طَرَّدَ شَيْخُنَا هَذَا وَجَعَلَهُ أَصْلًا فِي جَوَازِ الْقَصْرِ وَالْجَمْعِ فِي طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، وَجَعَلَهُ مالك وأبو الخطاب مَخْصُوصًا بِأَهْلِ مَكَّةَ. وَلَمْ يَحُدَّ ﷺ لِأُمَّتِهِ مَسَافَةً مَحْدُودَةً لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ، بَلْ أَطْلَقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ السَّفَرِ وَالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، كَمَا أَطْلَقَ لَهُمُ التَّيَمُّمَ فِي كُلِّ سَفَرٍ، وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْهُ مِنَ التَّحْدِيدِ بِالْيَوْمِ أَوِ الْيَوْمَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ مِنْهَا شَيْءٌ الْبَتَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [فصل فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَاسْتِمَاعِهِ وَخُشُوعِهِ وَبُكَائِهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَاسْتِمَاعِهِ وَخُشُوعِهِ وَبُكَائِهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ، وَاسْتِمَاعِهِ وَتَحْسِينِ صَوْتِهِ بِهِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ ﷺ حِزْبٌ يَقْرَؤُهُ، وَلَا يُخِلُّ بِهِ، وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ تَرْتِيلًا لَا هَذًّا وَلَا عَجَلَةً، بَلْ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا. وَكَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً، وَكَانَ يَمُدُّ عِنْدَ حُرُوفِ الْمَدِّ، فَيَمُدُّ (الرَّحْمَنَ) وَيَمُدُّ (الرَّحِيمَ) وَكَانَ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ

стр. 430

الرَّجِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَتِهِ فَيَقُولُ: " أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " وَرُبَّمَا كَانَ يَقُولُ: ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» ) وَكَانَ تَعَوُّذُهُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُ. وَخَشَعَ ﷺ لِسَمَاعِ الْقُرْآنِ مِنْهُ حَتَّى ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ. وَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَائِمًا، وَقَاعِدًا، وَمُضْطَجِعًا، وَمُتَوَضِّئًا، وَمُحْدِثًا، وَلَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُ مِنْ قِرَاءَتِهِ إِلَّا الْجَنَابَةُ. وَكَانَ ﷺ يَتَغَنَّى بِهِ، وَيُرَجِّعُ صَوْتَهُ بِهِ أَحْيَانًا كَمَا رَجَّعَ يَوْمَ الْفَتْحِ فِي قِرَاءَتِهِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] . وَحَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ تَرْجِيعَهُ، آآ آثَلَاثَ مَرَّاتٍ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وَإِذَا جُمِعَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ إِلَى قَوْلِهِ: ( «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» ) . وَقَوْلِهِ:

стр. 431

( «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» ) . وَقَوْلِهِ ( «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» ) . عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا التَّرْجِيعَ مِنْهُ ﷺ كَانَ اخْتِيَارًا لَا اضْطِرَارًا لِهَزِّ النَّاقَةِ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ لِأَجْلِ هَزِّ النَّاقَةِ لَمَا كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ الِاخْتِيَارِ فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِيهِ وَيَفْعَلُهُ اخْتِيَارًا لِيُؤْتَسَى بِهِ وَهُوَ يَرَى هَزَّ الرَّاحِلَةِ لَهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ صَوْتُهُ، ثُمَّ يَقُولُ كَانَ يُرَجِّعُ فِي قِرَاءَتِهِ فَنُسِبَ التَّرْجِيعُ إِلَى فِعْلِهِ. وَلَوْ كَانَ مِنْ هَزِّ الرَّاحِلَةِ، لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فِعْلٌ يُسَمَّى تَرْجِيعًا. وَقَدِ اسْتَمَعَ لَيْلَةً لِقِرَاءَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ قَالَ: (لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَسْمَعُهُ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا) أَيْ حَسَّنْتُهُ وَزَيَّنْتُهُ بِصَوْتِي تَزْيِينًا،

стр. 432

وَرَوَى أبو داود فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عبد الجبار بن الورد قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ: مَرَّ بِنَا أبو لبابة فَاتَّبَعْنَاهُ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ فَإِذَا رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ. قَالَ فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ يَا أبا محمد أَرَأَيْتَ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ قَالَ يُحَسِّنُهُ مَا اسْتَطَاعَ» ) قُلْتُ: لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَذِكْرِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهَا، وَاحْتِجَاجِ كُلِّ فَرِيقٍ، وَمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ فِي احْتِجَاجِهِمْ، وَذِكْرِ الصُّوَابِ فِي ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ ﵎ وَمَعُونَتِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْأَلْحَانِ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أحمد، ومالك وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَ أحمد فِي رِوَايَةِ علي بن سعيد فِي قِرَاءَةِ الْأَلْحَانِ: مَا تُعْجِبُنِي وَهُوَ مُحْدَثٌ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ المروزي: الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ بِدْعَةٌ لَا تُسْمَعُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عبد الرحمن المتطبب: قِرَاءَةُ الْأَلْحَانِ بِدْعَةٌ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عبد الله، وَيُوسُفَ بْنِ مُوسَى، ويعقوب بن بختان، والأثرم، وإبراهيم بن الحارث: الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ لَا تُعْجِبُنِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُزْنًا فَيَقْرَأُ بِحُزْنٍ مِثْلَ صَوْتِ أبي موسى، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صالح ( «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» ) مَعْنَاهُ أَنْ يُحَسِّنَهُ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ المروزي: ( «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» ) ، وَفِي رِوَايَةٍ قَوْلُهُ: ( «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» ) ، فَقَالَ كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: يَسْتَغْنِي بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَرْفَعُ صَوْتَهُ، وَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ فِي قِصَّةِ قِرَاءَةِ سُورَةِ

стр. 433

الْفَتْحِ وَالتَّرْجِيعِ فِيهَا، فَأَنْكَرَ أبو عبد الله أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى الْأَلْحَانِ، وَأَنْكَرَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي يُحْتَجُّ بِهَا فِي الرُّخْصَةِ فِي الْأَلْحَانِ. وَرَوَى ابن القاسم، عَنْ مالك أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْأَلْحَانِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ لَا تُعْجِبُنِي، وَقَالَ إِنَّمَا هُوَ غِنَاءٌ يَتَغَنَّوْنَ بِهِ، لِيَأْخُذُوا عَلَيْهِ الدَّرَاهِمَ، وَمِمَّنْ رُوِيَتْ عَنْهُ الْكَرَاهَةُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والحسن، وَابْنُ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَقَالَ عبد الله بن يزيد العكبري: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ أحمد مَا تَقُولُ فِي الْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ؟ فَقَالَ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ محمد قَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ يُقَالَ لَكَ: يَا مُوحَمَّدُ مَمْدُودًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: هَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي الْكَرَاهَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَرَوِيُّ: أَوْصَى إِلَيَّ رَجُلٌ بِوَصِيَّةٍ وَكَانَ فِيمَا خَلَّفَ جَارِيَةٌ تَقْرَأُ بِالْأَلْحَانِ وَكَانَتْ أَكْثَرَ تَرِكَتِهِ أَوْ عَامَّتَهَا، فَسَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَالْحَارِثَ بْنَ مِسْكِينٍ، وأبا عبيد كَيْفَ أَبِيعُهَا؟ فَقَالُوا: بِعْهَا سَاذَجَةً فَأَخْبَرْتُهُمْ بِمَا فِي بَيْعِهَا مِنَ النُّقْصَانِ، فَقَالُوا: بِعْهَا سَاذَجَةً، قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ، لِأَنَّ سَمَاعَ ذَلِكَ مِنْهَا مَكْرُوهٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاوَضَ عَلَيْهِ كَالْغِنَاءِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ، هُوَ تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِهِ وَالتَّرْجِيعُ بِقِرَاءَتِهِ، قَالَ: وَالتَّغَنِّي بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَصْوَاتِ وَاللُّحُونِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، قَالَ: وَمِمَّنْ أَجَازَ الْأَلْحَانَ فِي الْقُرْآنِ: ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لأبي موسى: (ذَكِّرْنَا رَبَّنَا فَيَقْرَأُ أبو موسى وَيَتَلَاحَنُ وَقَالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ غِنَاءَ أبي موسى فَلْيَفْعَلْ) وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ فَقَالَ لَهُ عمر: (اعْرِضْ عَلَيَّ سُورَةَ كَذَا، فَعَرَضَ عَلَيْهِ فَبَكَى عمر، وَقَالَ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهَا نَزَلَتْ) قَالَ: وَأَجَازَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرُوِيَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ،

стр. 434

يَتَتَبَّعُ الصَّوْتَ الْحَسَنَ فِي الْمَسَاجِدِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ، عَنْ أبي حنيفة وَأَصْحَابِهِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ بِالْأَلْحَانِ. وَقَالَ محمد بن عبد الحكم: رَأَيْتُ أَبِي، وَالشَّافِعِيَّ، ويوسف بن عمر يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ بِالْأَلْحَانِ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ. قَالَ الْمُجَوِّزُونَ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ جَرِيرٍ -: الدَّلِيلُ: عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ تَحْسِينُ الصَّوْتِ، وَالْغِنَاءُ الْمَعْقُولُ الَّذِي هُوَ تَحْزِينُ الْقَارِئِ سَامِعَ قِرَاءَتِهِ، كَمَا أَنَّ الْغِنَاءَ بِالشِّعْرِ هُوَ الْغِنَاءُ الْمَعْقُولُ الَّذِي يُطْرِبُ سَامِعَهُ -: مَا رَوَى سفيان، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: ( «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ التَّرَنُّمِ بِالْقُرْآنِ» ) وَمَعْقُولٌ عِنْدَ ذَوِي الْحِجَا، أَنَّ التَّرَنُّمَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالصَّوْتِ إِذَا حَسَّنَهُ الْمُتَرَنِّمُ وَطَرَّبَ بِهِ. وَرُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» ) قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَبْيَنِ الْبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا، قَالَ وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَعْنِي: يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ حُسْنِ الصَّوْتِ وَالْجَهْرِ بِهِ مَعْنًى، وَالْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ التَّغَنِّيَ إِنَّمَا هُوَ الْغِنَاءُ الَّذِي هُوَ حُسْنُ الصَّوْتِ بِالتَّرْجِيعِ، قَالَ الشَّاعِرُ تَغَنَّ بِالشِّعْرِ إِمَّا كُنْتَ قَائِلَهُ ... إِنَّ الْغِنَاءَ لِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ قَالَ: وَأَمَّا ادِّعَاءُ الزَّاعِمِ، أَنَّ تَغَنَّيْتَ بِمَعْنَى اسْتَغْنَيْتَ فَاشٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا قَالَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ لِتَصْحِيحِ قَوْلِهِ بِقَوْلِ الأعشى: وَكُنْتُ امْرَءًا زَمَنًا بِالْعِرَاقِ ... عَفِيفَ الْمُنَاخِ طَوِيلَ التَّغَنْ

стр. 435

وَزَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: طَوِيلَ التَّغَنِّي: طَوِيلَ الِاسْتِغْنَاءِ فَإِنَّهُ غَلَطٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا عَنَى الأعشى بِالتَّغَنِّي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْإِقَامَةَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: غَنَّى فُلَانٌ بِمَكَانِ كَذَا: إِذَا أَقَامَ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢] [الْأَعْرَافِ: ٩٢] ، وَاسْتِشْهَادُهُ بِقَوْلِ الْآخَرِ: كِلَانَا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ ... وَنَحْنُ إِذَا مِتْنَا أَشَدُّ تَغَانِيَا فَإِنَّهُ إِغْفَالٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّغَانِيَ تَفَاعُلٌ مِنْ تَغَنَّى: إِذَا اسْتَغْنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، كَمَا يُقَالُ تَضَارَبَ الرَّجُلَانِ، إِذَا ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَتَشَاتَمَا، وَتَقَاتَلَا. وَمَنْ قَالَ: هَذَا فِي فِعْلِ اثْنَيْنِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ فِي فِعْلِ الْوَاحِدِ، فَيَقُولُ: تَغَانَى زَيْدٌ، وَتَضَارَبَ عَمْرٌو، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ: تَغَنَّى زَيْدٌ بِمَعْنَى اسْتَغْنَى، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَائِلُهُ أَنَّهُ أَظْهَرَ الِاسْتِغْنَاءَ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَغْنٍ كَمَا يُقَالُ تَجَلَّدَ فُلَانٌ إِذَا أَظْهَرَ جَلَدًا مِنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ غَيْرُ جَلِيدٍ، وَتَشَجَّعَ، وَتَكَرَّمَ، فَإِنْ وَجَّهَ مُوَجِّهٌ التَّغَنِّيَ بِالْقُرْآنِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى عَلَى بُعْدِهِ مِنْ مَفْهُومِ كَلَامِ الْعَرَبِ، كَانَتِ الْمُصِيبَةُ فِي خَطَئِهِ فِي ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَنَّهُ يُوجِبُ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَهُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَأْذَنْ لِنَبِيِّهِ أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِالْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يُظْهِرَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ خِلَافَ مَا هُوَ بِهِ مِنَ الْحَالِ، وَهَذَا لَا يَخْفَى فَسَادُهُ. قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ فَسَادَ تَأْوِيلِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَيْضًا أَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ مِنَ الْمُحَالِ

стр. 436

أَنْ يُوصَفَ أَحَدٌ بِهِ أَنَّهُ يُؤْذَنُ لَهُ فِيهِ أَوْ لَا يُؤْذَنُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأُذُنُ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِمَعْنَى الْإِذْنِ الَّذِي هُوَ إِطْلَاقٌ وَإِبَاحَةٌ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ غَلَطٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مِنَ اللُّغَةِ، وَالثَّانِي: مِنْ إِحَالَةِ الْمَعْنَى عَنْ وَجْهِهِ. أَمَّا اللُّغَةُ، فَإِنَّ الْأُذُنَ مَصْدَرُ قَوْلِهِ: أَذِنَ فُلَانٌ لِكَلَامِ فُلَانٍ، فَهُوَ يَأْذَنُ لَهُ: إِذَا اسْتَمَعَ لَهُ وَأَنْصَتَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] [الِانْشِقَاقِ: ٢] ، بِمَعْنَى سَمِعَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّ لَهَا ذَلِكَ، كَمَا قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: إِنَّ هَمِّي فِي سَمَاعٍ وَأُذُنٍ بِمَعْنَى، فِي سَمَاعٍ وَاسْتِمَاعٍ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ: مَا اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ مَا اسْتَمَعَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ. وَأَمَّا الْإِحَالَةُ فِي الْمَعْنَى، فَلِأَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ بِالْقُرْآنِ عَنِ النَّاسِ غَيْرُ جَائِزٍ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ مَسْمُوعٌ وَمَأْذُونٌ لَهُ، انْتَهَى كَلَامُ الطَّبَرِيِّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ: وَقَدْ وَقَعَ الْإِشْكَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَتَغَنَّوْا بِهِ وَاكْتُبُوهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الْمَخَاضِ مِنَ الْعُقْلِ» ) . قَالَ: وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: ذُكِرَ لِأَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ تَأْوِيلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلِهِ (يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ) يَسْتَغْنِي بِهِ، فَقَالَ لَمْ يَصْنَعِ ابْنُ عُيَيْنَةَ شَيْئًا، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ

стр. 437

عطاء، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: كَانَتْ لِدَاوُدَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ مِعْزَفَةٌ يَتَغَنَّى عَلَيْهَا يَبْكِي وَيُبْكِي. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الزَّبُورَ بِسَبْعِينَ لَحْنًا، تَكُونُ فِيهِنَّ، وَيَقْرَأُ قِرَاءَةً يُطْرِبُ مِنْهَا الْجُمُوعَ. وَسُئِلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَنْ تَأْوِيلِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَذَا، لَوْ أَرَادَ بِهِ الِاسْتِغْنَاءَ، لَقَالَ: " مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْقُرْآنِ "، وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ: (يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ) ، عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ التَّغَنِّيَ. قَالُوا: وَلِأَنَّ تَزْيِينَهُ، وَتَحْسِينَ الصَّوْتِ بِهِ وَالتَّطْرِيبَ بِقِرَاءَتِهِ أَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ وَأَدْعَى إِلَى الِاسْتِمَاعِ وَالْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ، فَفِيهِ تَنْفِيذٌ لِلَفْظِهِ إِلَى الْأَسْمَاعِ، وَمَعَانِيهِ إِلَى الْقُلُوبِ، وَذَلِكَ عَوْنٌ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَلَاوَةِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الدَّوَاءِ لِتُنْفِذَهُ إِلَى مَوْضِعِ الدَّاءِ، وَبِمَنْزِلَةِ الْأَفَاوِيهِ وَالطِّيبِ الَّذِي يُجْعَلُ فِي الطَّعَامِ، لِتَكُونَ الطَّبِيعَةُ أَدْعَى لَهُ قَبُولًا وَبِمَنْزِلَةِ الطِّيبِ وَالتَّحَلِّي وَتَجَمُّلِ الْمَرْأَةِ لِبَعْلِهَا لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى مَقَاصِدِ النِّكَاحِ. قَالُوا: وَلَا بُدَّ لِلنَّفْسِ مِنْ طَرَبٍ وَاشْتِيَاقٍ إِلَى الْغِنَاءِ فَعُوِّضَتْ عَنْ طَرَبِ الْغِنَاءِ بِطَرَبِ الْقُرْآنِ كَمَا عُوِّضَتْ عَنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ وَمَكْرُوهٍ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهَا مِنْهُ، وَكَمَا عُوِّضَتْ عَنِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ بِالِاسْتِخَارَةِ الَّتِي هِيَ مَحْضُ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَكُّلِ، وَعَنِ السِّفَاحِ بِالنِّكَاحِ، وَعَنِ الْقِمَارِ بِالْمُرَاهَنَةِ بِالنِّصَالِ، وَسِبَاقِ الْخَيْلِ، وَعَنِ السَّمَاعِ الشَّيْطَانِيِّ بِالسَّمَاعِ الرَّحْمَانِيِّ الْقُرْآنِيِّ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا. قَالُوا: وَالْمُحَرَّمُ، لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ خَالِصَةٍ، وَقِرَاءَةُ التَّطْرِيبِ وَالْأَلْحَانِ لَا تَتَضَمَّنُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنِّهَا لَا تُخْرِجُ الْكَلَامَ عَنْ وَضْعِهِ وَلَا تَحُولُ بَيْنَ السَّامِعِ وَبَيْنَ فَهْمِهِ، وَلَوْ كَانَتْ مُتَضَمِّنَةً لِزِيَادَةِ الْحُرُوفِ كَمَا ظَنَّ الْمَانِعُ مِنْهَا لَأَخْرَجَتِ الْكَلِمَةَ عَنْ مَوْضِعِهَا وَحَالَتْ بَيْنَ السَّامِعِ وَبَيْنَ فَهْمِهَا وَلَمْ يَدْرِ مَا مَعْنَاهَا، وَالْوَاقِعُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. قَالُوا: وَهَذَا التَّطْرِيبُ وَالتَّلْحِينُ أَمْرٌ رَاجِعٌ إِلَى كَيْفِيَّةِ الْأَدَاءِ، وَتَارَةً يَكُونُ سَلِيقَةً وَطَبِيعَةً، وَتَارَةً يَكُونُ تَكَلُّفًا وَتَعَمُّلًا، وَكَيْفِيَّاتُ الْأَدَاءِ لَا تُخْرِجُ الْكَلَامَ عَنْ وَضْعِ مُفْرَدَاتِهِ، بَلْ هِيَ صِفَاتٌ لِصَوْتِ الْمُؤَدِّي جَارِيَةٌ مَجْرَى تَرْقِيقِهِ وَتَفْخِيمِهِ

стр. 438

وَإِمَالَتِهِ، وَجَارِيَةٌ مَجْرَى مُدُودِ الْقُرَّاءِ الطَّوِيلَةِ وَالْمُتَوَسِّطَةِ، لَكِنَّ تِلْكَ الْكَيْفِيَّاتِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْحُرُوفِ، وَكَيْفِيَّاتُ الْأَلْحَانِ وَالتَّطْرِيبِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَصْوَاتِ وَالْآثَارِ فِي هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهَا بِخِلَافِ كَيْفِيَّاتِ أَدَاءِ الْحُرُوفِ، فَلِهَذَا نُقِلَتْ تِلْكَ بِأَلْفَاظِهَا وَلَمْ يُمْكِنْ نَقْلُ هَذِهِ بِأَلْفَاظِهَا بَلْ نُقِلَ مِنْهَا مَا أَمْكَنَ نَقْلُهُ كَتَرْجِيعِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ " آآ آ ". قَالُوا: وَالتَّطْرِيبُ وَالتَّلْحِينُ رَاجِعٌ إِلَى أَمْرَيْنِ: مَدٍّ وَتَرْجِيعٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَانَ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ يَمُدُّ " الرَّحْمَنَ " وَيَمُدُّ " الرَّحِيمَ " وَثَبَتَ عَنْهُ التَّرْجِيعُ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْمَانِعُونَ مِنْ ذَلِكَ: الْحُجَّةُ لَنَا مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: مَا رَوَاهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ( «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْفِسْقِ فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ مِنْ بَعْدِي أَقْوَامٌ يُرَجِّعُونَ بِالْقُرْآنِ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، مَفْتُونَةً قُلُوبُهُمْ، وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ» ) رَوَاهُ أبو الحسن رزين فِي " تَجْرِيدِ الصِّحَاحِ " وَرَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي " نَوَادِرِ الْأُصُولِ ". وَاحْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي " الْجَامِعِ " وَاحْتَجَّ مَعَهُ بِحَدِيثٍ آخَرَ، أَنَّهُ ﷺ ذَكَرَ شَرَائِطَ السَّاعَةِ، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ، مِنْهَا: ( «أَنْ يُتَّخَذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ، يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لَيْسَ بِأَقْرَئِهِمْ وَلَا أَفْضَلِهِمْ مَا يُقَدِّمُونَهُ إِلَّا لِيُغَنِّيَهُمْ غِنَاءً» )

стр. 439

قَالُوا: وَقَدْ (جَاءَ زياد النهدي إِلَى أنس ﵁ مَعَ الْقُرَّاءِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْرَأْ، فَرَفَعَ صَوْتَهُ وَطَرِبَ، وَكَانَ رَفِيعَ الصَّوْتِ فَكَشَفَ أنس عَنْ وَجْهِهِ وَكَانَ عَلَى وَجْهِهِ خِرْقَةٌ سَوْدَاءُ، وَقَالَ يَا هَذَا مَا هَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَكَانَ إِذَا رَأَى شَيْئًا يُنْكِرُهُ رَفَعَ الْخِرْقَةَ عَنْ وَجْهِهِ) قَالُوا: وَقَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤَذِّنَ الْمُطْرِبَ فِي أَذَانِهِ مِنَ التَّطْرِيبِ كَمَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عطاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنٌ يُطْرِبُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ( «إِنَّ الْأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ فَإِنْ كَانَ أَذَانُكَ سَهْلًا سَمْحًا وَإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ» ) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَرَوَى عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ مِنْ حَدِيثِ قتادة، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ «كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدَّ لَيْسَ فِيهَا تَرْجِيعٌ» . قَالُوا: وَالتَّرْجِيعُ وَالتَّطْرِيبُ يَتَضَمَّنُ هَمْزَ مَا لَيْسَ بِمَهْمُوزِ، وَمَدَّ مَا لَيْسَ بِمَمْدُودٍ، وَتَرْجِيعَ الْأَلِفِ الْوَاحِدِ أَلِفَاتٍ، وَالْوَاوِ وَاوَاتٍ، وَالْيَاءِ يَاءَاتٍ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى زِيَادَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، قَالُوا: وَلَا حَدَّ لِمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْهُ، فَإِنْ حُدَّ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ كَانَ تَحَكُّمًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَدِينِهِ وَإِنْ لَمْ يُحَدَّ بِحَدٍّ أَفْضَى إِلَى أَنْ يُطْلَقَ لِفَاعِلِهِ تَرْدِيدُ الْأَصْوَاتِ وَكَثْرَةُ التَّرْجِيعَاتِ، وَالتَّنْوِيعُ فِي أَصْنَافِ الْإِيقَاعَاتِ وَالْأَلْحَانِ الْمُشْبِهَةِ لِلْغِنَاءِ، كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْغِنَاءِ بِالْأَبْيَاتِ، وَكَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرَّاءِ أَمَامَ الْجَنَائِزِ، وَيَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ قُرَّاءِ الْأَصْوَاتِ مِمَّا يَتَضَمَّنُ تَغْيِيرَ كِتَابِ اللَّهِ وَالْغِنَاءَ بِهِ عَلَى نَحْوِ أَلْحَانِ الشِّعْرِ وَالْغِنَاءِ وَيُوقِعُونَ الْإِيقَاعَاتِ عَلَيْهِ مِثْلَ الْغِنَاءِ سَوَاءٌ، اجْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَتَلَاعُبًا بِالْقُرْآنِ وَرُكُونًا إِلَى تَزْيِينِ الشَّيْطَانِ، وَلَا يُجِيزُ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَمَعْلُومٌ: أَنَّ التَّطْرِيبَ وَالتَّلْحِينَ ذَرِيعَةٌ مُفْضِيَةٌ إِلَى هَذَا إِفْضَاءً قَرِيبًا فَالْمَنْعُ مِنْهُ كَالْمَنْعِ مِنَ الذَّرَائِعِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْحَرَامِ، فَهَذَا

стр. 440

نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْفَرِيقَيْنِ، وَمُنْتَهَى احْتِجَاجِ الطَّائِفَتَيْنِ. وَفَصْلُ النِّزَاعِ، أَنْ يُقَالَ: التَّطْرِيبُ وَالتَّغَنِّي عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَا اقْتَضَتْهُ الطَّبِيعَةُ وَسَمَحَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا تَمْرِينٍ وَلَا تَعْلِيمٍ، بَلْ إِذَا خُلِّيَ وَطَبْعَهُ، وَاسْتَرْسَلَتْ طَبِيعَتُهُ جَاءَتْ بِذَلِكَ التَّطْرِيبِ وَالتَّلْحِينِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَعَانَ طَبِيعَتَهُ بِفَضْلِ تَزْيِينٍ وَتَحْسِينٍ كَمَا قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ( «لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْمَعُ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا» ) وَالْحَزِينُ وَمَنْ هَاجَهُ الطَّرَبُ وَالْحُبُّ وَالشَّوْقُ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ دَفْعَ التَّحْزِينِ وَالتَّطْرِيبِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَلَكِنَّ النُّفُوسَ تَقْبَلُهُ وَتَسْتَحْلِيهِ لِمُوَافَقَتِهِ الطَّبْعَ، وَعَدَمِ التَّكَلُّفِ وَالتَّصَنُّعِ فِيهِ فَهُوَ مَطْبُوعٌ لَا مُتَطَبَّعٌ، وَكَلَفٌ لَا مُتَكَلَّفٌ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ السَّلَفُ يَفْعَلُونَهُ وَيَسْتَمِعُونَهُ، وَهُوَ التَّغَنِّي الْمَمْدُوحُ الْمَحْمُودُ، وَهُوَ الَّذِي يَتَأَثَّرُ بِهِ التَّالِي وَالسَّامِعُ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ تُحْمَلُ أَدِلَّةُ أَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ كُلُّهَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ صِنَاعَةً مِنَ الصَّنَائِعِ، وَلَيْسَ فِي الطَّبْعِ السَّمَاحَةُ بِهِ، بَلْ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَكَلُّفٍ وَتَصَنُّعٍ وَتَمَرُّنٍ، كَمَا يُتَعَلَّمُ أَصْوَاتُ الْغِنَاءِ بِأَنْوَاعِ الْأَلْحَانِ الْبَسِيطَةِ، وَالْمُرَكَّبَةِ عَلَى إِيقَاعَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَأَوْزَانٍ مُخْتَرَعَةٍ، لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّكَلُّفِ، فَهَذِهِ هِيَ الَّتِي كَرِهَهَا السَّلَفُ وَعَابُوهَا وَذَمُّوهَا وَمَنَعُوا الْقِرَاءَةَ بِهَا وَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ قَرَأَ بِهَا، وَأَدِلَّةُ أَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ إِنَّمَا تَتَنَاوَلُ هَذَا الْوَجْهَ، وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ يَزُولُ الِاشْتِبَاهُ، وَيَتَبَيَّنُ الصَّوَابُ مَنْ غَيْرِهِ، وَكُلُّ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِأَحْوَالِ السَّلَفِ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِأَلْحَانِ الْمُوسِيقَى الْمُتَكَلَّفَةِ، الَّتِي هِيَ إِيقَاعَاتٌ وَحَرَكَاتٌ مَوْزُونَةٌ مَعْدُودَةٌ مَحْدُودَةٌ، وَأَنَّهُمْ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَقْرَءُوا بِهَا وَيُسَوِّغُوهَا وَيُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ بِالتَّحْزِينِ وَالتَّطْرِيبِ وَيُحَسِّنُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْقُرْآنِ، وَيَقْرَءُونَهُ بِشَجًى تَارَةً، وَبِطَرَبٍ تَارَةً، وَبِشَوْقٍ تَارَةً، وَهَذَا أَمْرٌ مَرْكُوزٌ فِي الطِّبَاعِ تَقَاضِيهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ الشَّارِعُ مَعَ شِدَّةِ تَقَاضِي الطِّبَاعِ لَهُ، بَلْ أَرْشَدَ إِلَيْهِ وَنَدَبَ إِلَيْهِ وَأَخْبَرَ عَنِ اسْتِمَاعِ اللَّهِ لِمَنْ قَرَأَ بِهِ، وَقَالَ: ( «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» ) وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِخْبَارٌ بِالْوَاقِعِ الَّذِي كُلُّنَا نَفْعَلُهُ،

стр. 441

وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَفْيٌ لِهَدْيِ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ عَنْ هَدْيِهِ وَطَرِيقَتِهِ ﷺ . [فصل فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِيَادَةِ الْمَرْضَى] كَانَ ﷺ يَعُودُ مَنْ مَرِضَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَادَ غُلَامًا كَانَ يَخْدِمُهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَعَادَ عَمَّهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ وَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ وَلَمْ يُسْلِمْ عَمُّهُ. وَكَانَ يَدْنُو مِنَ الْمَرِيضِ، وَيَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَيَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ فَيَقُولُ (كَيْفَ تَجِدُكَ؟) وَذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ الْمَرِيضَ عَمَّا يَشْتَهِيهِ، فَيَقُولُ: (هَلْ تَشْتَهِي شَيْئًا؟) فَإِنِ اشْتَهَى شَيْئًا وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ أَمَرَ لَهُ بِهِ.

стр. 442

وَكَانَ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْمَرِيضِ وَيَقُولُ ( «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَأْسَ، وَاشْفِهِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سُقْمًا» ) وَكَانَ يَقُولُ: ( «امْسَحِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، بِيَدِكَ الشِّفَاءُ، لَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا أَنْتَ» ) . وَكَانَ يَدْعُو لِلْمَرِيضِ ثَلَاثًا كَمَا قَالَهُ لسعد: ( «اللَّهُمَّ اشْفِ سعدا، اللَّهُمَّ اشْفِ سعدا، اللَّهُمَّ اشْفِ سعدا» ) وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى الْمَرِيضِ يَقُولُ لَهُ: ( «لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ) وَرُبَّمَا كَانَ يَقُولُ: (كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ) . وَكَانَ يَرْقِي مَنْ بِهِ قُرْحَةٌ، أَوْ جُرْحٌ أَوْ شَكْوَى، فَيَضَعُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا وَيَقُولُ: ( «بِسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» ) هَذَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَهُوَ يُبْطِلُ اللَّفْظَةَ الَّتِي جَاءَتْ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَأَنَّهُمْ لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ. فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ " لَا يَرْقُونَ " غَلَطٌ مِنَ الرَّاوِي، سَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابن تيمية يَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ: وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ " «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ» ". قُلْتُ: وَذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ دَخَلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ،

стр. 443

لِكَمَالِ تَوْحِيدِهِمْ، وَلِهَذَا نَفَى عَنْهُمُ الِاسْتِرْقَاءَ، وَهُوَ سُؤَالُ النَّاسِ أَنْ يَرْقُوهُمْ. وَلِهَذَا قَالَ ( «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» ) ، فَلِكَمَالِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَسُكُونِهِمْ إِلَيْهِ، وَثِقَتِهِمْ بِهِ، وَرِضَاهُمْ عَنْهُ، وَإِنْزَالِ حَوَائِجِهِمْ بِهِ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ شَيْئًا لَا رُقْيَةً وَلَا غَيْرَهَا، وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ طِيَرَةٌ تَصُدُّهُمْ عَمَّا يَقْصِدُونَهُ، فَإِنَّ الطِّيَرَةَ تُنْقِصُ التَّوْحِيدَ وَتُضْعِفُهُ. قَالَ: وَالرَّاقِي مُتَصَدِّقٌ مُحْسِنٌ، وَالْمُسْتَرْقِي سَائِلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ رَقَى، وَلَمْ يَسْتَرْقِ، وَقَالَ: ( «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» ) فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عائشة ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] وَيَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ وَيَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ عائشة: فَلَمَّا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ» ) فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ رُوِيَ بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ. أَحَدُهَا: هَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ. وَالثَّالِثُ: قَالَتْ كُنْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا، وَفِي لَفْظٍ رَابِعٍ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَكَانَ ﷺ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَضَعْفُهُ وَوَجَعُهُ يَمْنَعُهُ مِنْ إِمْرَارِ يَدِهِ عَلَى جَسَدِهِ كُلِّهِ. فَكَانَ يَأْمُرُ عائشة أَنْ تُمِرَّ يَدَهُ عَلَى جَسَدِهِ بَعْدَ نَفْثِهِ هُوَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِرْقَاءِ فِي شَيْءٍ

стр. 444

وَهِيَ لَمْ تَقُلْ كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَرْقِيَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَتِ الْمَسْحَ بِيَدِهِ بَعْدَ النَّفْثِ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ، أَيْ: أَنْ أَمْسَحَ جَسَدَهُ بِيَدِهِ كَمَا كَانَ هُوَ يَفْعَلُ. وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ ﵊ أَنْ يَخُصَّ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَلَا وَقْتًا مِنَ الْأَوْقَاتِ بَلْ شَرَعَ لِأُمَّتِهِ عِيَادَةَ الْمَرْضَى لَيْلًا وَنَهَارًا وَفِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ. وَفِي " الْمُسْنَدِ " عَنْهُ ( «إِذَا عَادَ الرَّجُلُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مَشَى فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ فَإِذَا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ فَإِنْ كَانَ غَدْوَةً، صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ كَانَ مَسَاءً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ» ) وَفِي لَفْظٍ ( «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا إِلَّا بَعَثَ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ أَيَّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ كَانَتْ حَتَّى يُمْسِيَ، وَأَيَّ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ كَانَتْ حَتَّى يُصْبِحَ» ) وَكَانَ يَعُودُ مِنَ الرَّمَدِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ أَحْيَانًا يَضَعُ يَدَهُ عَلَى جَبْهَةِ الْمَرِيضِ، ثُمَّ يَمْسَحُ صَدْرَهُ وَبَطْنَهُ وَيَقُولُ (اللَّهُمَّ اشْفِهِ) وَكَانَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ أَيْضًا. ( «وَكَانَ إِذَا يَئِسَ مِنَ الْمَرِيضِ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» )

стр. 445

[فصل فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْجَنَائِزِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَاتِّبَاعِهَا وَدَفْنِهَا] ، وَمَا كَانَ يَدْعُو بِهِ لِلْمَيِّتِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَبَعْدَ الدَّفْنِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ كَانَ هَدْيُهُ ﷺ فِي الْجَنَائِزِ أَكْمَلَ الْهَدْيِ مُخَالِفًا لِهَدْيِ سَائِرِ الْأُمَمِ، مُشْتَمِلًا عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْمَيِّتِ وَمُعَامَلَتِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي قَبْرِهِ وَيَوْمَ مَعَادِهِ، وَعَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ وَعَلَى إِقَامَةِ عُبُودِيَّةِ الْحَيِّ لِلَّهِ وَحْدَهُ فِيمَا يُعَامِلُ بِهِ الْمَيَّتَ. وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ فِي الْجَنَائِزِ إِقَامَةُ الْعُبُودِيَّةِ لِلرَّبِّ ﵎ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْمَيِّتِ، وَتَجْهِيزُهُ إِلَى اللَّهِ عَلَى أَحْسَنِ أَحْوَالِهِ وَأَفْضَلِهَا، وَوُقُوفُهُ وَوُقُوفُ أَصْحَابِهِ صُفُوفًا يَحْمَدُونَ اللَّهَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَيَسْأَلُونَ لَهُ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ وَالتَّجَاوُزَ عَنْهُ، ثُمَّ الْمَشْيُ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى أَنْ يُودِعُوهُ حُفْرَتَهُ، ثُمَّ يَقُومُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَبْرِهِ سَائِلِينَ لَهُ التَّثْبِيتَ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَتَعَاهَدُهُ بِالزِّيَارَةِ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ كَمَا يَتَعَاهَدُ الْحَيُّ صَاحِبَهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا. فَأَوَّلُ ذَلِكَ: تَعَاهُدُهُ فِي مَرَضِهِ، وَتَذْكِيرُهُ الْآخِرَةَ وَأَمْرُهُ بِالْوَصِيَّةِ، وَالتَّوْبَةِ، وَأَمْرُ مَنْ حَضَرَهُ بِتَلْقِينِهِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ، ثُمَّ النَّهْيُ عَنْ

стр. 446

عَادَةِ الْأُمَمِ الَّتِي لَا تُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، مِنْ لَطْمِ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الثِّيَابِ، وَحَلْقِ الرُّءُوسِ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ، وَالنِّيَاحَةِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ. وَسَنَّ الْخُشُوعَ لِلْمَيِّتِ، وَالْبُكَاءَ الَّذِي لَا صَوْتَ مَعَهُ، وَحُزْنَ الْقَلْبِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: ( «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي الرَّبَّ» ) وَسَنَّ لِأُمَّتِهِ الْحَمْدَ وَالِاسْتِرْجَاعَ، وَالرِّضَى عَنِ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُنَافِيًا لِدَمْعِ الْعَيْنِ وَحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلِذَلِكَ كَانَ أَرْضَى الْخَلْقِ عَنِ اللَّهِ فِي قَضَائِهِ، وَأَعْظَمَهُمْ لَهُ حَمْدًا، وَبَكَى مَعَ ذَلِكَ يَوْمَ مَوْتِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ رَأْفَةً مِنْهُ، وَرَحْمَةً لِلْوَلَدِ، وَرِقَّةً عَلَيْهِ، وَالْقَلْبُ مُمْتَلِئٌ بِالرِّضَى، عَنِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ، وَاللِّسَانُ مُشْتَغِلٌ بِذِكْرِهِ وَحَمْدِهِ. وَلَمَّا ضَاقَ هَذَا الْمَشْهَدُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى بَعْضِ الْعَارِفِينَ يَوْمَ مَاتَ وَلَدُهُ، جَعَلَ يَضْحَكُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَضْحَكُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؟ قَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَضَى بِقَضَاءٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَرْضَى بِقَضَائِهِ» ) فَأَشْكَلَ هَذَا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالُوا: كَيْفَ يَبْكِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ أَرْضَى الْخَلْقِ عَنِ اللَّهِ، وَيَبْلُغُ الرِّضَى بِهَذَا الْعَارِفِ إِلَى أَنْ يَضْحَكَ، فَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابن تيمية يَقُولُ: هَدْيُ نَبِيِّنَا ﷺ كَانَ أَكْمَلَ مِنْ هَدْيِ هَذَا الْعَارِفِ، فَإِنَّهُ أَعْطَى الْعُبُودِيَّةَ حَقَّهَا، فَاتَّسَعَ قَلْبُهُ لِلرِّضَى عَنِ اللَّهِ، وَلِرَحْمَةِ الْوَلَدِ، وَالرِّقَّةِ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَرَضِيَ عَنْهُ فِي قَضَائِهِ، وَبَكَى رَحْمَةً وَرَأْفَةً، فَحَمَلَتْهُ الرَّأْفَةُ عَلَى الْبُكَاءِ، وَعُبُودِيَّتُهُ لِلَّهِ، وَمَحَبَّتُهُ لَهُ عَلَى الرِّضَى وَالْحَمْدِ، وَهَذَا الْعَارِفُ ضَاقَ قَلْبُهُ عَنِ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ، وَلَمْ يَتَّسِعْ بَاطِنُهُ لِشُهُودِهِمَا وَالْقِيَامِ بِهِمَا، فَشَغَلَتْهُ عُبُودِيَّةُ الرِّضَى عَنْ عُبُودِيَّةِ الرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ.

стр. 447

[فَصْلٌ في الْإِسْرَاعُ بِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ الْإِسْرَاعُ بِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ إِلَى اللَّهِ، وَتَطْهِيرُهُ وَتَنْظِيفُهُ وَتَطْيِيبُهُ وَتَكْفِينُهُ فِي الثِّيَابِ الْبِيضِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِهِ إِلَيْهِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُدْعَى إِلَى الْمَيِّتِ عِنْدَ احْتِضَارِهِ، فَيُقِيمُ عِنْدَهُ حَتَّى يَقْضِيَ ثُمَّ يَحْضُرُ تَجْهِيزَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَيُشَيِّعُهُ إِلَى قَبْرِهِ، ثُمَّ رَأَى الصَّحَابَةُ أَنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْهِ، فَكَانُوا إِذَا قَضَى الْمَيِّتُ دَعَوْهُ فَحَضَرَ تَجْهِيزَهُ وَغُسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ. ثُمَّ رَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْهِ فَكَانُوا هُمْ يُجَهِّزُونَ مَيِّتَهُمْ وَيَحْمِلُونَهُ إِلَيْهِ ﷺ عَلَى سَرِيرِهِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ الرَّاتِبِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَرُبَّمَا كَانَ يُصَلِّي أَحْيَانًا عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا ( «صَلَّى عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ وَأَخِيهِ فِي الْمَسْجِدِ» ) . وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سُنَّتَهُ وَعَادَتَهُ، وَقَدْ رَوَى أبو داود فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ صالح مولى التوأمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ» ) ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ الخطيب فِي رِوَايَتِهِ لِكِتَابِ السُّنَنِ: فِي الْأَصْلِ " فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ "، وَغَيْرُهُ يَرْوِيهِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " وَلَفْظُهُ: (فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ) ، وَلَكِنْ قَدْ ضَعَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ هَذَا

стр. 448

الْحَدِيثَ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هُوَ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ صالح مولى التوأمة، وَقَالَ البيهقي: هَذَا حَدِيثٌ يُعَدُّ فِي أَفْرَادِ صالح، وَحَدِيثُ عائشة أَصَحُّ مِنْهُ، وصالح مُخْتَلَفٌ فِي عَدَالَتِهِ، كَانَ مالك يُجَرِّحُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ أبي بكر وعمر ﵄ أَنَّهُ صُلِّيَ عَلَيْهِمَا فِي الْمَسْجِدِ. قُلْتُ: وصالح ثِقَةٌ فِي نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: هُوَ ثِقَةٌ فِي نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ويحيى: ثِقَةٌ حُجَّةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ مالكا تَرَكَهُ، فَقَالَ: إِنَّ مالكا أَدْرَكَهُ بَعْدَ أَنْ خَرِفَ، وَالثَّوْرِيُّ إِنَّمَا أَدْرَكَهُ بَعْدَ أَنْ خَرِفَ، فَسَمِعَ مِنْهُ، لَكِنَّ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرَفَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: هُوَ ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّهُ خَرِفَ وَكَبِرَ فَسَمِعَ مِنْهُ الثَّوْرِيُّ بَعْدَ الْخَرَفِ، وَسَمَاعُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: تَغَيَّرَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَجَعَلَ يَأْتِي بِمَا يُشْبِهُ الْمَوْضُوعَاتِ عَنِ الثِّقَاتِ، فَاخْتَلَطَ حَدِيثُهُ الْأَخِيرُ بِحَدِيثِهِ الْقَدِيمِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ، فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْهُ، وَسَمَاعُهُ مِنْهُ قَدِيمٌ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ، فَلَا يَكُونُ اخْتِلَاطُهُ مُوجِبًا لِرَدِّ مَا حَدَّثَ بِهِ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ. وَقَدْ سَلَكَ الطَّحَاوِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، وَحَدِيثِ عائشة مَسْلَكًا آخَرَ، فَقَالَ: صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ مَنْسُوخَةٌ، وَتَرْكُ ذَلِكَ آخِرُ الْفِعْلَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِدَلِيلِ إِنْكَارِ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ عَلَى عائشة، وَمَا كَانُوا لِيَفْعَلُوهُ إِلَّا لِمَا عَلِمُوا خِلَافَ مَا نَقَلْتُ. وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَى الطَّحَاوِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ البيهقي وَغَيْرُهُ. قَالَ البيهقي: وَلَوْ كَانَ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ نَسْخٌ مَا رَوَتْهُ عائشة؛ لِذِكْرِهِ يَوْمَ صُلِّيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَوْمَ صُلِّيَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْمَسْجِدِ، وَلِذِكْرِهِ مَنْ أَنْكَرَ عَلَى عائشة أَمْرَهَا بِإِدْخَالِهِ الْمَسْجِدَ؛ وَلِذِكْرِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ حِينَ رَوَتْ فِيهِ الْخَبَرَ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْجَوَازِ. فَلَمَّا رَوَتْ فِيهِ الْخَبَرَ سَكَتُوا وَلَمْ يُنْكِرُوهُ وَلَا عَارَضُوهُ بِغَيْرِهِ. قَالَ الخطابي: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أبا بكر وعمر ﵄ صُلِّيَ عَلَيْهِمَا فِي

стр. 449

الْمَسْجِدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَامَّةَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ شَهِدُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا. وَفِي تَرْكِهِمُ الْإِنْكَارَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنْ ثَبَتَ مُتَأَوَّلًا عَلَى نُقْصَانِ الْأَجْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ، فَالْغَالِبُ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِهِ وَلَا يَشْهَدُ دَفْنَهُ، وَأَنَّ مَنْ سَعَى إِلَى الْجِنَازَةِ فَصَلَّى عَلَيْهَا بِحَضْرَةِ الْمَقَابِرِ شَهِدَ دَفْنَهُ، وَأَحْرَزَ أَجْرَ الْقِيرَاطَيْنِ، وَقَدْ يُؤْجَرُ أَيْضًا عَلَى كَثْرَةِ خُطَاهُ، وَصَارَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ مَنْقُوصَ الْأَجْرِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. وَتَأَوَّلَتْ طَائِفَةٌ مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِيَتَّحِدَ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ، وَلَا يَتَنَاقَضَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] [الْإِسْرَاءِ: ٧] ، أَيْ: فَعَلَيْهَا، فَهَذِهِ طُرُقُ النَّاسِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ. وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، وَأَنَّ سُنَّتَهُ وَهَدْيَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزٌ، وَالْأَفْضَلُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ [فصل مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَسْجِيَةُ الْمَيِّتِ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَسْجِيَةُ الْمَيِّتِ إِذَا مَاتَ وَتَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ، وَتَغْطِيَةُ وَجْهِهِ وَبَدَنِهِ. وَكَانَ رُبَّمَا يُقَبِّلُ الْمَيِّتَ كَمَا ( «قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَبَكَى» ) ، وَكَذَلِكَ ( «الصِّدِّيقُ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ » ) . وَكَانَ يَأْمُرُ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْغَاسِلُ

стр. 450

وَيَأْمُرُ بِالْكَافُورِ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَكَانَ لَا يُغَسِّلُ الشُّهَدَاءَ قَتْلَى الْمَعْرَكَةِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَغْسِيلِهِمْ، وَكَانَ يَنْزِعُ عَنْهُمُ الْجُلُودَ وَالْحَدِيدَ وَيَدْفِنُهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ إِذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ أَمَرَ أَنْ يُغَسَّلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَيُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْهِ، وَهُمَا ثَوْبَا حْرَامِهِ: إِزَارُهُ وَرِدَاؤُهُ وَيَنْهَى عَنْ تَطْيِيبِهِ وَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ مَنْ وَلِيَ

стр. 451

الْمَيِّتَ أَنْ يُحْسِنَ كَفَنَهُ، وَيُكَفِّنَهُ فِي الْبَيَاضِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُغَالَاةِ فِي الْكَفَنِ، وَكَانَ إِذَا قَصُرَ الْكَفَنُ عَنْ سَتْرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ غَطَّى رَأْسَهُ وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْعُشْبِ. [فصل أنه ﷺ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي عَلَى الْمَدِينِ] فَصْلٌ وَكَانَ إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ مَيِّتٌ يُصَلِّي عَلَيْهِ، سَأَلَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وَأَذِنَ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ شَفَاعَةٌ، وَشَفَاعَتُهُ مُوجَبَةٌ، وَالْعَبْدُ مُرْتَهَنٌ بِدَيْنِهِ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْمَدِينِ وَيَتَحَمَّلُ دَيْنَهُ، وَيَدَعُ مَالَهُ لِوَرَثَتِهِ. فَإِذَا أَخَذَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. وَصَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى جِنَازَةٍ، فَقَرَأَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ جَهْرًا، وَقَالَ: (لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ) ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ: (إِنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى سُنَّةٌ) .

стр. 452

وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ. قَالَ شَيْخُنَا: لَا تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، بَلْ هِيَ سُنَّةٌ. وَذَكَرَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ. وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، فَقَالَ: (أَنَا وَاللَّهِ أُخْبِرُكَ: تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ ثُمَّ تُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَقُولُ اللَّهُمَّ إِنَّ عَبْدَكَ فُلَانًا كَانَ لَا يُشْرِكُ بِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ) . [فَصْلٌ في الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ] فَصْلٌ وَمَقْصُودُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ: هُوَ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، لِذَلِكَ حُفِظَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَنُقِلَ عَنْهُ مَا لَمْ يُنْقَلْ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ . فَحُفِظَ مِنْ دُعَائِهِ ( «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ، وَاعَفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ

стр. 453

النَّارِ» ) . وَحُفِظَ مِنْ دُعَائِهِ: ( «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ» ) . وَحُفِظَ مِنْ دُعَائِهِ: ( «اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، فَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَقِّ، فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» ) . وَحُفِظَ مِنْ دُعَائِهِ أَيْضًا: ( «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا، وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأَنْتَ رَزَقْتَهَا، وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا لِلْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَتَعْلَمُ سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهَا» ) .

стр. 454

وَكَانَ ﷺ يَأْمُرُ بِإِخْلَاصِ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، وَكَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَبَّرَ خَمْسًا، وَكَانَ الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ يُكَبِّرُونَ أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا، فَكَبَّرَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ خَمْسًا، وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَهَا ذَكَرَهُ مسلم. (وَكَبَّرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وَكَانَ

стр. 455

يُكَبِّرُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ سِتًّا، وَعَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ خَمْسًا، وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ أَرْبَعًا) ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسًا وَسِتًّا وَسَبْعًا. وَهَذِهِ آثَارٌ صَحِيحَةٌ، فَلَا مُوجِبَ لِلْمَنْعِ مِنْهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَمْنَعْ مِمَّا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، بَلْ فَعَلَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ. وَالَّذِينَ مَنَعُوا مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ، مِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ آخِرَ جِنَازَةٍ صَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ كَبَّرَ أَرْبَعًا. قَالُوا: وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ، فَالْآخِرُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ هَذَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ، قَدْ قَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْعِلَلِ ": أَخْبَرَنِي حرب قَالَ: سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَدِيثِ أبي المليح، عَنْ ميمون، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَقَالَ أحمد: هَذَا كَذِبٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، إِنَّمَا رَوَاهُ محمد بن زياد الطحان وَكَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا صَلَّتْ عَلَى آدَمَ ﵊ كَبَّرَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَقَالُوا: تِلْكَ سُنَّتُكُمْ يَا بَنِي آدَمَ) . وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ قَالَ فِي الأثرم: جَرَى ذِكْرُ محمد بن معاوية النيسابوري الَّذِي كَانَ بِمَكَّةَ، فَسَمِعْتُ أبا عبد الله قَالَ: رَأَيْتُ أَحَادِيثَهُ مَوْضُوعَةً، فَذَكَرَ مِنْهَا عَنْ أبي المليح، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا صَلَّتْ عَلَى آدَمَ كَبَّرَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا) ، وَاسْتَعْظَمَهُ أبو عبد الله، وَقَالَ أبو المليح كَانَ أَصَحَّ حَدِيثًا وَأَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَرْوِيَ مِثْلَ هَذَا.

стр. 456

وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ البيهقي مِنْ حَدِيثِ يحيى، عَنْ أبي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا صَلَّتْ عَلَى آدَمَ، فَكَبَّرَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَقَالَتْ هَذِهِ سُنَّتُكُمْ يَا بَنِي آدَمَ» ) ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا. وَكَانَ أَصْحَابُ معاذ يُكَبِّرُونَ خَمْسًا. قَالَ علقمة: قُلْتُ لعبد الله: إِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ معاذ قَدِمُوا مِنَ الشَّامِ، فَكَبَّرُوا عَلَى مَيِّتٍ لَهُمْ خَمْسًا، فَقَالَ عبد الله: لَيْسَ عَلَى الْمَيِّتِ فِي التَّكْبِيرِ وَقْتٌ، كَبِّرْ مَا كَبَّرَ الْإِمَامُ، فَإِذَا انْصَرَفَ الْإِمَامُ فَانْصَرِفْ. [فَصْلٌ في التَّسْلِيمُ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ] فَصْلٌ وَأَمَّا هَدْيُهُ ﷺ فِي التَّسْلِيمِ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، فَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً. وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ. فَرَوَى البيهقي وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ المقبري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً» ) . لَكِنْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الأثرم: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي مَوْضُوعٌ، ذَكَرَهُ الخلال فِي " الْعِلَلِ ".

стр. 457

«وَقَالَ إبراهيم الهجري: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى: أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ ابْنَتِهِ، فَكَبَّرَ أَرْبَعًا، فَمَكَثَ سَاعَةً حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُكَبِّرُ خَمْسًا، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا لَهُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: (إِنِّي لَا أَزِيدُكُمْ عَلَى مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ، أَوْ هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ( «ثَلَاثُ خِلَالٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُنَّ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، إِحْدَاهُنَّ: التَّسْلِيمُ عَلَى الْجِنَازَةِ مِثْلَ التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ» ) ذَكَرَهُمَا البيهقي. وَلَكِنَّ إبراهيم بن مسلم العبدي الهجري ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ وأبو حاتم، وَحَدِيثُهُ هَذَا قَدْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ حرملة عَنْ سفيان عَنْهُ، وَقَالَ: كَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ سَاعَةً، فَسَبَّحَ بِهِ الْقَوْمُ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنْ أَزِيدَ عَلَى أَرْبَعٍ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ أَرْبَعًا، وَلَمْ يَقُلْ: ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ المحاربي عَنْهُ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. وَذَكَرَ السَّلَامَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ انْفَرَدَ بِهَا شريك عَنْهُ. قَالَ البيهقي: ثُمَّ عَزَاهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي التَّكْبِيرِ فَقَطْ، أَوْ فِي التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ. قُلْتُ: وَالْمَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى خِلَافُ ذَلِكَ، أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قِيلَ لأبي عبد الله أَتَعْرِفُ عَنْ أَحَدٍ

стр. 458

مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ عَنْ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً خَفِيفَةً عَنْ يَمِينِهِ، فَذَكَرَ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَوَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ، وَابْنَ أَبِي أَوْفَى، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. وَزَادَ البيهقي: عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وأبا أمامة بن سهل بن حنيف، فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وأبو أمامة أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَسَمَّاهُ بِاسْمِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ أبي أمامة: أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَمِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ. وَأَمَّا رَفْعُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُرْفَعُ لِلْأَثَرِ، وَالْقِيَاسِ عَلَى السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ كَبَّرَهَا فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ قَائِمٌ» ) . قُلْتُ: يُرِيدُ بِالْأَثَرِ مَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُمَا كَانَا يَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا كُلَّمَا كَبَّرَا عَلَى الْجِنَازَةِ، وَيُذْكَرُ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ ( «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ التَّكْبِيرِ وَيَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» ) ، ذَكَرَهُ البيهقي فِي السُّنَنِ. وَفِي الترمذي مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ» ) ، وَهُوَ ضَعِيفٌ بيزيد بن سنان الرهاوي.

стр. 459

[فصل من مِنْ هَدْيِهِ ﷺ الصلاة على القبر] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ ( «إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ» ) ، فَصَلَّى مَرَّةً عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ لَيْلَةٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ شَهْرٍ، وَلَمْ يُوَقِّتْ فِي ذَلِكَ وَقْتًا. قَالَ أحمد ﵀: مَنْ يَشُكُّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ؟ ! وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الْجِنَازَةُ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ، كُلُّهَا حِسَانٌ، فَحَدَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ بِشَهْرٍ، إِذْ هُوَ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَهُ، وَحَدَّهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِمَا إِذَا لَمْ يَبْلَ الْمَيِّتُ، وَمَنَعَ مِنْهَا مالك وأبو حنيفة رَحِمَهُمَا اللَّهُ إِلَّا لِلْوَلِيِّ إِذَا كَانَ غَائِبًا. وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَوَسَطَ الْمَرْأَةِ. [فصل مِنْ هَدْيِهِ ﷺ الصَّلَاةُ عَلَى الطِّفْلِ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ الصَّلَاةُ عَلَى الطِّفْلِ، فَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «الطِّفْلُ يُصَلَّى

стр. 460

عَلَيْهِ» ) . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مَرْفُوعًا: ( «صَلُّوا عَلَى أَطْفَالِكُمْ، فَإِنَّهُمْ مِنْ أَفْرَاطِكُمْ» ) . قَالَ أحمد بن أبي عبدة: سَأَلْتُ أحمد: مَتَى يَجِبُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى السَّقْطِ؟ قَالَ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، لِأَنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ. قُلْتُ: فَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: ( «الطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» ) ؟ قَالَ: صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ، قُلْتُ: لَيْسَ فِي هَذَا بَيَانُ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَلَا غَيْرِهَا؟ قَالَ: قَدْ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ابْنِهِ إبراهيم يَوْمَ مَاتَ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَرَوَى أبو داود فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: ( «مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عمرة، عَنْ عائشة. . . فَذَكَرَهُ.
следующие страницы →