Полный текст (2 628 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ البيهقي مِنْ حَدِيثِ يحيى، عَنْ أبي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا صَلَّتْ عَلَى آدَمَ، فَكَبَّرَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَقَالَتْ هَذِهِ سُنَّتُكُمْ يَا بَنِي آدَمَ» ) ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا.
وَكَانَ أَصْحَابُ معاذ يُكَبِّرُونَ خَمْسًا. قَالَ علقمة: قُلْتُ لعبد الله: إِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ معاذ قَدِمُوا مِنَ الشَّامِ، فَكَبَّرُوا عَلَى مَيِّتٍ لَهُمْ خَمْسًا، فَقَالَ عبد الله: لَيْسَ عَلَى الْمَيِّتِ فِي التَّكْبِيرِ وَقْتٌ، كَبِّرْ مَا كَبَّرَ الْإِمَامُ، فَإِذَا انْصَرَفَ الْإِمَامُ فَانْصَرِفْ.
[فَصْلٌ في التَّسْلِيمُ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا هَدْيُهُ ﷺ فِي التَّسْلِيمِ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، فَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً. وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ.
فَرَوَى البيهقي وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ المقبري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً» ) . لَكِنْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الأثرم: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي مَوْضُوعٌ، ذَكَرَهُ الخلال فِي " الْعِلَلِ ".
стр. 457
«وَقَالَ إبراهيم الهجري: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى: أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ ابْنَتِهِ، فَكَبَّرَ أَرْبَعًا، فَمَكَثَ سَاعَةً حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُكَبِّرُ خَمْسًا، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا لَهُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: (إِنِّي لَا أَزِيدُكُمْ عَلَى مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ، أَوْ هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ( «ثَلَاثُ خِلَالٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُنَّ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، إِحْدَاهُنَّ: التَّسْلِيمُ عَلَى الْجِنَازَةِ مِثْلَ التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ» ) ذَكَرَهُمَا البيهقي. وَلَكِنَّ إبراهيم بن مسلم العبدي الهجري ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ وأبو حاتم، وَحَدِيثُهُ هَذَا قَدْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ حرملة عَنْ سفيان عَنْهُ، وَقَالَ: كَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ سَاعَةً، فَسَبَّحَ بِهِ الْقَوْمُ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنْ أَزِيدَ عَلَى أَرْبَعٍ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ أَرْبَعًا، وَلَمْ يَقُلْ: ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ المحاربي عَنْهُ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ.
وَذَكَرَ السَّلَامَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ انْفَرَدَ بِهَا شريك عَنْهُ. قَالَ البيهقي: ثُمَّ عَزَاهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي التَّكْبِيرِ فَقَطْ، أَوْ فِي التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ.
قُلْتُ: وَالْمَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى خِلَافُ ذَلِكَ، أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قِيلَ لأبي عبد الله أَتَعْرِفُ عَنْ أَحَدٍ
стр. 458
مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ عَنْ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً خَفِيفَةً عَنْ يَمِينِهِ، فَذَكَرَ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَوَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ، وَابْنَ أَبِي أَوْفَى، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. وَزَادَ البيهقي: عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وأبا أمامة بن سهل بن حنيف، فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وأبو أمامة أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَسَمَّاهُ بِاسْمِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ أبي أمامة: أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَمِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ.
وَأَمَّا رَفْعُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُرْفَعُ لِلْأَثَرِ، وَالْقِيَاسِ عَلَى السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ كَبَّرَهَا فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ قَائِمٌ» ) .
قُلْتُ: يُرِيدُ بِالْأَثَرِ مَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُمَا كَانَا يَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا كُلَّمَا كَبَّرَا عَلَى الْجِنَازَةِ، وَيُذْكَرُ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ ( «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ التَّكْبِيرِ وَيَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» ) ، ذَكَرَهُ البيهقي فِي السُّنَنِ.
وَفِي الترمذي مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ» ) ، وَهُوَ ضَعِيفٌ بيزيد بن سنان الرهاوي.
стр. 459
[فصل من مِنْ هَدْيِهِ ﷺ الصلاة على القبر]
فَصْلٌ
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ ( «إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ» ) ، فَصَلَّى مَرَّةً عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ لَيْلَةٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ شَهْرٍ، وَلَمْ يُوَقِّتْ فِي ذَلِكَ وَقْتًا.
قَالَ أحمد ﵀: مَنْ يَشُكُّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ؟ ! وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الْجِنَازَةُ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ، كُلُّهَا حِسَانٌ، فَحَدَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ بِشَهْرٍ، إِذْ هُوَ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَهُ، وَحَدَّهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِمَا إِذَا لَمْ يَبْلَ الْمَيِّتُ، وَمَنَعَ مِنْهَا مالك وأبو حنيفة رَحِمَهُمَا اللَّهُ إِلَّا لِلْوَلِيِّ إِذَا كَانَ غَائِبًا.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَوَسَطَ الْمَرْأَةِ.
[فصل مِنْ هَدْيِهِ ﷺ الصَّلَاةُ عَلَى الطِّفْلِ]
فَصْلٌ
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ الصَّلَاةُ عَلَى الطِّفْلِ، فَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «الطِّفْلُ يُصَلَّى
стр. 460
عَلَيْهِ» ) .
وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مَرْفُوعًا: ( «صَلُّوا عَلَى أَطْفَالِكُمْ، فَإِنَّهُمْ مِنْ أَفْرَاطِكُمْ» ) .
قَالَ أحمد بن أبي عبدة: سَأَلْتُ أحمد: مَتَى يَجِبُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى السَّقْطِ؟ قَالَ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، لِأَنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ.
قُلْتُ: فَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: ( «الطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» ) ؟ قَالَ: صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ، قُلْتُ: لَيْسَ فِي هَذَا بَيَانُ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَلَا غَيْرِهَا؟ قَالَ: قَدْ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ابْنِهِ إبراهيم يَوْمَ مَاتَ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَرَوَى أبو داود فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: ( «مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » )
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عمرة، عَنْ عائشة. . . فَذَكَرَهُ.
стр. 461
وَقَالَ أحمد فِي رِوَايَةِ حنبل: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا، وَوَهَّى ابْنَ إِسْحَاقَ.
وَقَالَ الخلال: وَقُرِئَ عَلَى عبد الله: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إسرائيل، قَالَ: حَدَّثَنَا جابر الجعفي، عَنْ عامر، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: ( «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا» ) .
وَذَكَرَ أبو داود عَنِ البهي، قَالَ: ( «لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَقَاعِدِ» ) . وَهُوَ مُرْسَلٌ، والبهي اسْمُهُ عبد الله بن يسار كُوفِيٌّ.
وَذَكَرَ «عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ لَيْلَةً» . وَهَذَا مُرْسَلٌ وَهِمَ فِيهِ عطاء، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَاوَزَ السَّنَةَ.
فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْآثَارِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَمَنَعَ صِحَّةَ حَدِيثِ عائشة، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: قَالُوا: وَهَذِهِ الْمَرَاسِيلُ، مَعَ حَدِيثِ البراء، يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَعَّفَ حَدِيثَ البراء بجابر الجعفي، وَضَعَّفَ هَذِهِ الْمَرَاسِيلَ، وَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ إِسْحَاقَ أَصَحُّ مِنْهَا.
ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي السَّبَبِ الَّذِي لِأَجْلِهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: اسْتَغْنَى بِبُنُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ قُرْبَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ شَفَاعَةٌ لَهُ، كَمَا اسْتَغْنَى الشَّهِيدُ بِشَهَادَتِهِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: إِنَّهُ مَاتَ يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَاشْتَغَلَ بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
стр. 462
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْآثَارِ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُبَاشِرْهَا بِنَفْسِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَقِيلَ: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: رِوَايَةُ الْمُثْبِتِ أَوْلَى، لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ، وَإِذَا تَعَارَضَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ قُدِّمَ الْإِثْبَاتُ.
[فَصْلٌ في الصَّلَاةُ عَلَى الْمُنْتَحِرِ وَالْغَالِّ وَالْمَقْتُولِ حَدًّا]
فَصْلٌ
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَلَا عَلَى مَنْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ.
وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَقْتُولِ حَدًّا، كَالزَّانِي الْمَرْجُومِ، فَصَحَّ عَنْهُ ( «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى الْجُهَنِيَّةِ الَّتِي رَجَمَهَا، فَقَالَ عمر تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ
стр. 463
زَنَتْ؟ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وُجِدَتْ تَوْبَةٌ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى» ) ذَكَرَهُ مسلم.
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " قِصَّةَ ماعز بن مالك، وَقَالَ: فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي ذِكْرِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَأَثْبَتَهَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ عَنْ عبد الرزاق عَنْهُ، وَخَالَفَهُ ثَمَانِيَةٌ مِنْ أَصْحَابِ عبد الرزاق، فَلَمْ يَذْكُرُوهَا، وَهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، ونوح بن حبيب، والحسن بن علي، ومحمد بن المتوكل، وَحُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ.
قَالَ البيهقي: وَقَوْلُ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ: إِنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ، خَطَأٌ لِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ عبد الرزاق عَلَى خِلَافِهِ، ثُمَّ إِجْمَاعِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَلَى خِلَافِهِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قِصَّةِ ماعز بن مالك، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: مَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ، وَقَالَ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ: إِنَّهُ قَالَ: ( «اسْتَغْفِرُوا لماعز بن مالك» ) ، فَقَالُوا: غَفَرَ اللَّهُ لماعز بن مالك. ذَكَرَهُمَا مسلم.
وَقَالَ جابر: فَصَلَّى عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ حَدِيثُ عبد الرزاق الْمُعَلَّلُ، وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ أبو داود.
стр. 464
قُلْتُ: حَدِيثُ الغامدية لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ أَنَّهُ (صَلَّى عَلَيْهَا) . وَحَدِيثُ ماعز إِمَّا أَنْ يُقَالَ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ أَلْفَاظِهِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ هِيَ دُعَاؤُهُ لَهُ بِأَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ، وَتَرْكَ الصَّلَاةِ فِيهِ هِيَ تَرْكُهُ الصَّلَاةَ عَلَى جِنَازَتِهِ تَأْدِيبًا وَتَحْذِيرًا، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إِذَا تَعَارَضَتْ أَلْفَاظُهُ، عُدِلَ عَنْهُ إِلَى حَدِيثِ الغامدية.
[فَصْلٌ في أَبْحَاثُ الْمَشْيِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَالْإِسْرَاعِ بِهَا]
فَصْلٌ
وَكَانَ ﷺ إِذَا صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ تَبِعَهُ إِلَى الْمَقَابِرِ مَاشِيًا أَمَامَهُ.
وَهَذِهِ كَانَتْ سُنَّةَ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ وَسُنَّ لِمَنْ تَبِعَهَا إِنْ كَانَ رَاكِبًا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهَا، وَإِنْ كَانَ مَاشِيًا أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْهَا، إِمَّا خَلْفَهَا أَوْ أَمَامَهَا، أَوْ عَنْ يَمِينِهَا أَوْ عَنْ شِمَالِهَا. وَكَانَ يَأْمُرُ بِالْإِسْرَاعِ بِهَا، حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيَرْمُلُونَ بِهَا رَمَلًا، وَأَمَّا دَبِيبُ النَّاسِ الْيَوْمَ خُطْوَةً خُطْوَةً، فَبِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ، وَمُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ. وَكَانَ أبو بكرة يَرْفَعُ السَّوْطَ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: ( «لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَرْمُلُ رَمَلًا» ) .
«قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ سَأَلْنَا نَبِيَّنَا ﷺ عَنِ الْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ، فَقَالَ: (مَا دُونَ الْخَبَبِ) ، رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَكَانَ يَمْشِي إِذَا تَبِعَ الْجِنَازَةَ، وَيَقُولُ:
стр. 465
(لَمْ أَكُنْ لِأَرْكَبَ وَالْمَلَائِكَةُ يَمْشُونَ) . فَإِذَا انْصَرَفَ عَنْهَا فَرُبَّمَا مَشَى، وَرُبَّمَا رَكِبَ» .
وَكَانَ إِذَا تَبِعَهَا لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ، وَقَالَ: ( «إِذَا تَبِعْتُمُ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ» ) .
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀: وَالْمُرَادُ وَضْعُهَا بِالْأَرْضِ. قُلْتُ: قَالَ أبو داود: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سهيل عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: وَفِيهِ " حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ "، وَرَوَاهُ أبو معاوية، عَنْ سهيل، وَقَالَ: " حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ ". قَالَ: وسفيان أَحْفَظُ مِنْ أبي معاوية، وَقَدْ رَوَى أبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ، «عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ فِي الْجِنَازَةِ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ) » . لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ بشر بن رافع، قَالَ الترمذي: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَقَالَ أحمد: ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: حَدَّثَ بِمَنَاكِيرَ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَرْوِي أَشْيَاءَ مَوْضُوعَةً كَأَنَّهُ الْمُتَعَمِّدُ لَهَا.
стр. 466
[فَصْلٌ في الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ]
فَصْلٌ
وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ ﷺ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ غَائِبٍ.
فَقَدْ مَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ غُيَّبٌ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَصَحَّ عَنْهُ: ( «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ» ) ، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ طُرُقٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا تَشْرِيعٌ مِنْهُ، وَسُنَّةٌ لِلْأُمَّةِ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ غَائِبٍ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَقَالَ أبو حنيفة، ومالك: هَذَا خَاصٌّ بِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، قَالَ أَصْحَابُهُمَا: وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ رُفِعَ لَهُ سَرِيرُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ يَرَى صَلَاتَهُ عَلَى الْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، وَالصَّحَابَةُ وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ، فَهُمْ تَابِعُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ. قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا، أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى كُلِّ الْغَائِبِينَ غَيْرَهُ، وَتَرْكُهُ سُنَّةٌ، كَمَا أَنَّ فِعْلَهُ سُنَّةٌ، وَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ يُعَايِنَ سَرِيرَ الْمَيِّتِ مِنَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ، وَيُرْفَعُ لَهُ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى
стр. 467
عَلَى معاوية بن معاوية الليثي وَهُوَ غَائِبٌ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ العلاء بن زيد، ويقال ابن زيدل، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ محبوب بن هلال، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أنس. قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: الصَّوَابُ أَنَّ الْغَائِبَ إِنْ مَاتَ بِبَلَدٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فِيهِ، صُلِّيَ عَلَيْهِ صَلَاةَ الْغَائِبِ، كَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى النَّجَاشِيِّ، لِأَنَّهُ مَاتَ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ حَيْثُ مَاتَ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ صَلَاةَ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ قَدْ سَقَطَ بِصَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ صَلَّى عَلَى الْغَائِبِ، وَتَرَكَهُ، وَفِعْلُهُ وَتَرْكُهُ سُنَّةٌ، وَهَذَا لَهُ مَوْضِعٌ، وَهَذَا لَهُ مَوْضِعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ فِي مَذْهَبِ أحمد، وَأَصَحُّهَا: هَذَا التَّفْصِيلُ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ: الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا.
стр. 468
[فَصْلٌ في الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ]
فَصْلٌ
وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَامَ لِلْجِنَازَةِ لَمَّا مَرَّتْ بِهِ، وَأَمَرَ بِالْقِيَامِ لَهَا، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَعَدَ، فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ: الْقِيَامُ مَنْسُوخٌ، وَالْقُعُودُ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ، وَقِيلَ: بَلِ الْأَمْرَانِ جَائِزَانِ، وَفِعْلُهُ بَيَانٌ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَتَرْكُهُ بَيَانٌ لِلْجَوَازِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ ادِّعَاءِ النَّسْخِ.
[فَصْلٌ في حُكْمُ الدَّفْنِ وَسُنِّيَّةُ اللَّحْدِ]
فَصْلٌ
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَلَّا يَدْفِنَ الْمَيِّتَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَلَا حِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ. وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ اللَّحْدُ وَتَعْمِيقُ الْقَبْرِ وَتَوْسِيعُهُ مِنْ
стр. 469
عِنْدِ رَأْسِ الْمَيِّتِ وَرِجْلَيْهِ، وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: ( «بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ: ( «بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» ) .
وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَحْثُو التُّرَابَ عَلَى قَبْرِ الْمَيِّتِ إِذَا دُفِنَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا.
وَكَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ قَامَ عَلَى قَبْرِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَسَأَلَ لَهُ التَّثْبِيتَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ.
وَلَمْ يَكُنْ يَجْلِسُ يَقْرَأُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَلَا يُلَقِّنُ الْمَيِّتَ كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " مِنْ حَدِيثِ أبي أمامة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ فَسَوَّيْتُمُ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ
стр. 470
وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ، ثُمَّ يَقُولُ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: انْطَلِقْ بِنَا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكُونُ اللَّهُ حَجِيجَهُ دُونَهُمَا. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَيَنْسِبُهُ إِلَى حواء: يَا فُلَانُ بْنُ حواء» ) . فَهَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ، وَلَكِنْ قَالَ الأثرم: قُلْتُ لأبي عبد الله: فَهَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَهُ إِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ يَقِفُ الرَّجُلُ، وَيَقُولُ: يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانَةَ، اذْكُرْ مَا فَارَقْتَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا فَعَلَ هَذَا إِلَّا أَهْلَ الشَّامِ، حِينَ مَاتَ أبو المغيرة، جَاءَ إِنْسَانٌ فَقَالَ ذَلِكَ، وَكَانَ أبو المغيرة يَرْوِي فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَشْيَاخِهِمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَكَانَ ابن عياش يَرْوِي فِيهِ.
قُلْتُ: يُرِيدُ حَدِيثَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، هَذَا الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أبي أمامة.
وَقَدْ ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، وضمرة بن حبيب، وحكيم بن عمير، قَالُوا: إِذَا سُوِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْرُهُ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ، فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ! قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَا فُلَانُ! قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ، نَبِيِّيَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
[فَصْلٌ في تَعْلِيَةُ الْقُبُورِ]
فَصْلٌ
وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَعْلِيَةُ الْقُبُورِ وَلَا بِنَاؤُهَا بِآجُرٍّ، وَلَا بِحَجَرٍ وَلَبَنٍ وَلَا
стр. 471
تَشْيِيدُهَا، وَلَا تَطْيِينُهَا، وَلَا بِنَاءُ الْقِبَابِ عَلَيْهَا، فَكُلُّ هَذَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، مُخَالِفَةٌ لِهَدْيِهِ ﷺ . وَقَدْ «بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى الْيَمَنِ، أَلَّا يَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّاهُ» ، فَسُنَّتُهُ ﷺ تَسْوِيَةُ هَذِهِ الْقُبُورِ الْمُشْرِفَةِ كُلِّهَا، ( «وَنَهَى أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ» ) .
وَكَانَتْ قُبُورُ أَصْحَابِهِ لَا مُشْرِفَةً، وَلَا لَاطِئَةً، وَهَكَذَا كَانَ قَبْرُهُ الْكَرِيمُ، وَقَبْرُ صَاحِبَيْهِ، فَقَبْرُهُ ﷺ مُسَنَّمٌ مَبْطُوحٌ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ لَا مَبْنِيَّ وَلَا مُطَيَّنَ، وَهَكَذَا كَانَ قَبْرُ صَاحِبَيْهِ.
стр. 472
وَكَانَ يُعَلِّمَ قَبْرَ مَنْ يُرِيدُ تَعَرُّفَ قَبْرِهِ بِصَخْرَةٍ.
[فَصْلٌ لَا تُتَّخَذُ الْقُبُورُ مَسَاجِدَ]
فَصْلٌ
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَإِيقَادِ السُّرُجِ عَلَيْهَا، وَاشْتَدَّ نَهْيُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَعَنَ فَاعِلَهُ. وَنَهَى عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى الْقُبُورِ، وَنَهَى أُمَّتَهُ أَنْ يَتَّخِذُوا قَبْرَهُ عِيدًا، وَلَعَنَ زُوَّرَاتِ الْقُبُورِ.
стр. 473
وَكَانَ هَدْيُهُ أَنْ لَا تُهَانَ الْقُبُورُ وَتُوطَأَ، وَأَلَّا يُجْلَسَ عَلَيْهَا، وَيُتَّكَأَ عَلَيْهَا، وَلَا تُعَظَّمَ بِحَيْثُ تُتَّخَذُ مَسَاجِدَ فَيُصَلَّى عِنْدَهَا وَإِلَيْهَا، وَتُتَّخَذَ أَعْيَادًا وَأَوْثَانًا.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ
كَانَ إِذَا زَارَ قُبُورَ أَصْحَابِهِ يَزُورُهَا لِلدُّعَاءِ لَهُمْ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ، وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَهَذِهِ هِيَ الزِّيَارَةُ الَّتِي سَنَّهَا لِأُمَّتِهِ، وَشَرَعَهَا لَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا إِذَا زَارُوهَا: ( «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» ) .
وَكَانَ هَدْيُهُ أَنْ يَقُولَ وَيَفْعَلَ عِنْدَ زِيَارَتِهَا، مِنْ جِنْسِ مَا يَقُولُهُ عِنْدَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، مِنَ الدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ وَالِاسْتِغْفَارِ. فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا دُعَاءَ الْمَيِّتِ وَالْإِشْرَاكَ بِهِ، وَالْإِقْسَامَ عَلَى اللَّهِ بِهِ، وَسُؤَالَهُ الْحَوَائِجَ، وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَيْهِ، بِعَكْسِ هَدْيِهِ ﷺ فَإِنَّهُ هَدْيُ تَوْحِيدٍ وَإِحْسَانٍ إِلَى الْمَيِّتِ، وَهَدْيُ هَؤُلَاءِ شِرْكٌ وَإِسَاءَةٌ إِلَى نَفُوسِهِمْ، وَإِلَى الْمَيِّتِ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ يَدْعُوَا الْمَيِّتَ، أَوْ يَدْعُوَا بِهِ، أَوْ عِنْدَهُ، وَيَرَوْنَ الدُّعَاءَ عِنْدَهُ أَوْجَبَ وَأَوْلَى مِنَ الدُّعَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ،
стр. 474
وَمَنْ تَأَمَّلَ هَدْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، تَبَيَّنَ لَهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصْلٌ في حُكْمُ التَّعْزِيَةِ وَعَدَمِ الِاجْتِمَاعِ لَهَا]
فَصْلٌ
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَنْ يَجْتَمِعَ لِلْعَزَاءِ، وَيَقْرَأَ لَهُ الْقُرْآنَ، لَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا غَيْرِهِ، وَكُلُّ هَذَا بِدْعَةٌ حَادِثَةٌ مَكْرُوهَةٌ.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ: السُّكُونُ وَالرِّضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالِاسْتِرْجَاعُ، وَيَبْرَأُ مِمَّنْ خَرَقَ لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ ثِيَابَهُ، أَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالنَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ، أَوْ حَلَقَ لَهَا شَعْرَهُ.
стр. 475
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ الْمَيِّتِ لَا يَتَكَلَّفُونَ الطَّعَامَ لِلنَّاسِ، بَلْ أَمَرَ أَنْ يَصْنَعَ النَّاسُ لَهُمْ طَعَامًا يُرْسِلُونَهُ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ، وَالْحَمْلِ عَنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ، فَإِنَّهُمْ فِي شُغْلٍ بِمُصَابِهِمْ عَنْ إِطْعَامِ النَّاسِ.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَرْكُ نَعْيِ الْمَيِّتِ، بَلْ «كَانَ يَنْهَى عَنْهُ وَيَقُولُ: (هُوَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ) » ، وَقَدْ كَرِهَ حذيفة أَنْ يُعْلِمَ بِهِ أَهْلُهُ النَّاسَ إِذَا مَاتَ، وَقَالَ: (أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مِنَ النَّعْيِ) .
стр. 476
[فَصْلٌ في صَلَاةُ الْخَوْفِ]
فَصْلٌ
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنْ أَبَاحَ اللَّهُ قَصْرَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَعَدَدِهَا إِذَا اجْتَمَعَ الْخَوْفُ وَالسَّفَرُ، وَقَصْرُ الْعَدَدِ وَحْدَهُ إِذَا كَانَ سَفَرٌ لَا خَوْفَ مَعَهُ، وَقَصْرُ الْأَرْكَانِ وَحْدَهَا إِذَا كَانَ خَوْفٌ لَا سَفَرَ مَعَهُ، وَهَذَا كَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ ، وَبِهِ تُعْلَمُ الْحِكْمَةُ فِي تَقْيِيدِ الْقَصْرِ فِي الْآيَةِ بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالْخَوْفِ.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، أَنْ يَصُفَّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ خَلْفَهُ، وَيُكَبِّرَ وَيُكَبِّرُونَ جَمِيعًا، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيَرْكَعُونَ جَمِيعًا، ثُمَّ يَرْفَعُ وَيَرْفَعُونَ جَمِيعًا مَعَهُ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ خَاصَّةً، وَيَقُومُ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ مُوَاجِهَ الْعَدُوِّ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَنَهَضَ إِلَى الثَّانِيَةِ، سَجَدَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بَعْدَ قِيَامِهِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامُوا، فَتَقَدَّمُوا إِلَى مَكَانِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ مَكَانَهُمْ لِتَحْصُلَ فَضِيلَةُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِلطَّائِفَتَيْنِ، وَلِيُدْرِكَ الصَّفَّ الثَّانِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ السَّجْدَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، كَمَا أَدْرَكَ الْأَوَّلُ مَعَهُ السَّجْدَتَيْنِ فِي الْأُولَى، فَتَسْتَوِي الطَّائِفَتَانِ فِيمَا أَدْرَكُوا مَعَهُ، وَفِيمَا قَضَوْا لِأَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ غَايَةُ الْعَدْلِ، فَإِذَا رَكَعَ صَنَعَ الطَّائِفَتَانِ كَمَا صَنَعُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، سَجَدَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ سَجْدَتَيْنِ، وَلَحِقُوهُ فِي التَّشَهُّدِ، فَيُسَلِّمُ بِهِمْ جَمِيعًا.
стр. 477
وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ تَارَةً يَجْعَلُهُمْ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، وَفِرْقَةً تُصَلِّي مَعَهُ، فَتُصَلِّي مَعَهُ إِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ رَكْعَةً، ثُمَّ تَنْصَرِفُ فِي صَلَاتِهَا إِلَى مَكَانِ الْفِرْقَةِ الْأُخْرَى، وَتَجِيءُ الْأُخْرَى إِلَى مَكَانِ هَذِهِ فَتُصَلِّي مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ تُسَلِّمُ، وَتَقْضِي كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ.
وَتَارَةً كَانَ يُصَلِّي بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ، وَتَقْضِي هِيَ رَكْعَةً وَهُوَ وَاقِفٌ، وَتُسَلِّمُ قَبْلَ رُكُوعِهِ، وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَتُصَلِّي مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ قَامَتْ فَقَضَتْ رَكْعَةً وَهُوَ يَنْتَظِرُهَا فِي التَّشَهُّدِ، فَإِذَا تَشَهَّدَتْ يُسَلِّمُ بِهِمْ.
وَتَارَةً كَانَ يُصَلِّي بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَتُسَلِّمُ قَبْلَهُ، وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَيُصَلِّي بِهِمُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، وَيُسَلِّمُ بِهِمْ، فَتَكُونُ لَهُ أَرْبَعًا، وَلَهُمْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ.
стр. 478
وَتَارَةً كَانَ يُصَلِّي بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ بِهِمْ، وَتَأْتِي الْأُخْرَى، فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ، فَيَكُونُ قَدْ صَلَّى بِهِمْ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً.
وَتَارَةً كَانَ يُصَلِّي بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، فَتَذْهَبُ وَلَا تَقْضِي شَيْئًا، وَتَجِيءُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً، وَلَا تَقْضِي شَيْئًا، فَيَكُونُ لَهُ رَكْعَتَانِ، وَلَهُمْ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ، وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ كُلُّهَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهَا.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، فَالْعَمَلُ بِهِ جَائِزٌ.
وَقَالَ: سِتَّةُ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةٌ، تُرْوَى فِيهَا، كُلُّهَا جَائِزَةٌ، وَقَالَ الأثرم: قُلْتُ لأبي عبد الله: تَقُولُ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا كُلِّ حَدِيثٍ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ تَخْتَارُ وَاحِدًا مِنْهَا؟ قَالَ: أَنَا أَقُولُ: مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهَا كُلِّهَا فَحَسَنٌ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ تُصَلِّيَ كُلُّ طَائِفَةٍ مَعَهُ رَكْعَةً رَكْعَةً، وَلَا تَقْضِي شَيْئًا، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ،
стр. 479
وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وطاووس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والحكم، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ. قَالَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي ": وَعُمُومُ كَلَامِ أحمد يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ، وَأَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَهُ.
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ صِفَاتٍ أُخَرَ تَرْجِعُ كُلُّهَا إِلَى هَذِهِ، وَهَذِهِ أُصُولُهَا، وَرُبَّمَا اخْتَلَفَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا، وَقَدْ ذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ عَشْرَ صِفَاتٍ، وَذَكَرَهَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ نَحْوَ خَمْسَ عَشْرَةَ صِفَةً، وَالصَّحِيحُ: مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، وَهَؤُلَاءِ كُلَّمَا رَأَوُا اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي قِصَّةٍ، جَعَلُوا ذَلِكَ وُجُوهًا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنِ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 480
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ هَدْيُهُ فِي الزَّكَاةِ أَكْمَلُ هَدْيٍ، فِي وَقْتِهَا وَقَدْرِهَا وَنِصَابِهَا وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمَصْرِفِهَا. وَقَدْ رَاعَى فِيهَا مَصْلَحَةَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَمَصْلَحَةَ الْمَسَاكِينِ، وَجَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرَةً لِلْمَالِ وَلِصَاحِبِهِ، وَقَيَّدَ النِّعْمَةَ بِهَا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، فَمَا زَالَتِ النِّعْمَةُ بِالْمَالِ عَلَى مَنْ أَدَّى زَكَاتَهُ، بَلْ يَحْفَظُهُ عَلَيْهِ وَيُنَمِّيهِ لَهُ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ بِهَا الْآفَاتِ، وَيَجْعَلُهَا سُورًا عَلَيْهِ وَحِصْنًا لَهُ وَحَارِسًا لَهُ.
ثُمَّ إِنَّهُ جَعَلَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الْمَالِ، وَهِيَ أَكْثَرُ الْأَمْوَالِ دَوَرَانًا بَيْنَ الْخَلْقِ، وَحَاجَتُهُمْ إِلَيْهَا ضَرُورِيَّةٌ.
أَحَدُهَا: الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ.
الثَّانِي: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ.
الثَّالِثُ: الْجَوْهَرَانِ اللَّذَانِ بِهِمَا قِوَامُ الْعَالَمِ، وَهُمَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ.
الرَّابِعُ: أَمْوَالُ التِّجَارَةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا.
ثُمَّ إِنَّهُ أَوْجَبَهَا مَرَّةً كُلَّ عَامٍ، وَجَعَلَ حَوْلَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عِنْدَ كَمَالِهَا وَاسْتِوَائِهَا، وَهَذَا أَعْدَلُ مَا يَكُونُ، إِذْ وُجُوبُهَا كُلَّ شَهْرٍ أَوْ كُلَّ جُمُعَةٍ يُضِرُّ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَوُجُوبُهَا فِي الْعُمْرِ مَرَّةً مِمَّا يُضِرُّ بِالْمَسَاكِينِ، فَلَمْ يَكُنْ أَعْدَلَ مِنْ وُجُوبِهَا كُلَّ عَامٍ مَرَّةً.
ثُمَّ إِنَّهُ فَاوَتَ بَيْنَ مَقَادِيرِ الْوَاجِبِ بِحَسَبِ سَعْيِ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ فِي تَحْصِيلِهَا،
стр. 481
وَسُهُولَةِ ذَلِكَ وَمَشَقَّتِهِ، فَأَوْجَبَ الْخُمُسَ فِيمَا صَادَفَهُ الْإِنْسَانُ مَجْمُوعًا مُحَصَّلًا مِنَ الْأَمْوَالِ وَهُوَ الرِّكَازُ. وَلَمْ يَعْتَبِرْ لَهُ حَوْلًا، بَلْ أَوْجَبَ فِيهِ الْخُمُسَ مَتَى ظُفِرَ بِهِ.
وَأَوْجَبَ نِصْفَهُ وَهُوَ الْعُشْرُ فِيمَا كَانَتْ مَشَقَّةُ تَحْصِيلِهِ وَتَعَبُهُ وَكُلْفَتُهُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ الَّتِي يُبَاشِرُ حَرْثَ أَرْضِهَا وَسَقْيَهَا وَبَذْرَهَا، وَيَتَوَلَّى اللَّهُ سَقْيَهَا مِنْ عِنْدِهِ بِلَا كُلْفَةٍ مِنَ الْعَبْدِ، وَلَا شِرَاءِ مَاءٍ، وَلَا إِثَارَةِ بِئْرٍ وَدُولَابٍ.
وَأَوْجَبَ نِصْفَ الْعُشْرِ فِيمَا تَوَلَّى الْعَبْدُ سَقْيَهُ بِالْكُلْفَةِ وَالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ وَغَيْرِهَا. وَأَوْجَبَ نِصْفَ ذَلِكَ وَهُوَ رُبُعُ الْعُشْرِ فِيمَا كَانَ النَّمَاءُ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلَى عَمَلٍ مُتَّصِلٍ مِنْ رَبِّ الْمَالِ بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ تَارَةً، وَبِالْإِدَارَةِ تَارَةً، وَبِالتَّرَبُّصِ تَارَةً، وَلَا رَيْبَ أَنَّ كُلْفَةَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ كُلْفَةِ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ نُمُوَّ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ أَظْهَرُ وَأَكْثَرُ مِنْ نُمُوِّ التِّجَارَةِ، فَكَانَ وَاجِبُهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاجِبِ التِّجَارَةِ، وَظُهُورُ النُّمُوِّ فِيمَا يُسْقَى بِالسَّمَاءِ وَالْأَنْهَارِ أَكْثَرُ مِمَّا يُسْقَى بِالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ، وَظُهُورُهُ فِيمَا وُجِدَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا كَالْكَنْزِ، أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ مِنَ الْجَمِيعِ.
стр. 482
ثُمّ إِنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ كُلُّ مَالٍ وَإِنْ قَلَّ، جَعَلَ لِلْمَالِ الَّذِي تَحْتَمِلُهُ الْمُوَاسَاةُ نُصُبًا مُقَدَّرَةً الْمُوَاسَاةُ فِيهَا، لَا تُجْحِفُ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَتَقَعُ مَوْقِعَهَا مِنَ الْمَسَاكِينِ، فَجَعَلَ لِلْوَرِقِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَلِلذَّهَبِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، وَلِلْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَهِيَ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ مِنْ أَحْمَالِ إِبِلِ الْعَرَبِ، وَلِلْغَنَمِ أَرْبَعِينَ شَاةً، وَلِلْبَقَرِ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، وَلِلْإِبِلِ خَمْسًا؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ نِصَابُهَا لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ مِنْ جِنْسِهَا أَوْجَبَ فِيهَا شَاةً. فَإِذَا تَكَرَّرَتِ الْخَمْسُ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ احْتَمَلَ نِصَابُهَا وَاحِدًا مِنْهَا فَكَانَ هُوَ الْوَاجِبُ.
ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا قَدَّرَ سِنَّ هَذَا الْوَاجِبِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْإِبِلِ وَقِلَّتِهَا مِنَ ابْنِ مَخَاضٍ، وَبِنْتِ مَخَاضٍ، وَفَوْقَهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفَوْقَهُ الْحِقُّ وَالْحِقَّةُ، وَفَوْقَهُ الْجَذَعُ وَالْجَذَعَةُ، وَكُلَّمَا كَثُرَتِ الْإِبِلُ زَادَ السِّنُّ إِلَى أَنْ
стр. 483
يَصِلَ السِّنُّ إِلَى مُنْتَهَاهُ، فَحِينَئِذٍ جَعَلَ زِيَادَةَ عَدَدِ الْوَاجِبِ فِي مُقَابَلَةِ زِيَادَةِ عَدَدِ الْمَالِ.
فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنْ جَعَلَ فِي الْأَمْوَالِ قَدْرًا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ، وَلَا يُجْحِفُ بِهَا، وَيَكْفِي الْمَسَاكِينَ، وَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إِلَى شَيْءٍ، فَفَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ مَا يَكْفِي الْفُقَرَاءَ، فَوَقَعَ الظُّلْمُ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، الْغَنِيُّ يَمْنَعُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَالْآخِذُ يَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، فَتَوَلَّدَ مِنْ بَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَفَاقَةٌ شَدِيدَةٌ أَوْجَبَتْ لَهُمْ أَنْوَاعَ الْحِيَلِ وَالْإِلْحَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ تَوَلَّى قَسْمَ الصَّدَقَةِ بِنَفْسِهِ وَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، يَجْمَعُهَا صِنْفَانِ مِنَ النَّاسِ.
أَحَدُهُمَا: مَنْ يَأْخُذُ لِحَاجَةٍ فَيَأْخُذُ بِحَسَبِ شِدَّةِ الْحَاجَةِ وَضَعْفِهَا وَكَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهَا، وَهُمُ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، وَفِي الرِّقَابِ، وَابْنِ السَّبِيلِ.
وَالثَّانِي: مَنْ يَأْخُذُ لِمَنْفَعَتِهِ وَهُمُ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، وَالْغَارِمُونَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالْغُزَاةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْآخِذُ مُحْتَاجًا، وَلَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا سَهْمَ لَهُ فِي الزَّكَاةِ.
[فَصْلٌ إِعْطَاؤُهُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلزَّكَاةِ]
فَصْلٌ.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ إِذَا عَلِمَ مِنَ الرَّجُلِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ أَعْطَاهُ، وَإِنْ سَأَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يَعْرِفْ حَالَهُ، أَعْطَاهُ بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ.
стр. 484
وَكَانَ يَأْخُذُهَا مِنْ أَهْلِهَا، وَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ تَفْرِيقُ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ الَّذِينَ فِي بَلَدِ الْمَالِ، وَمَا فَضَلَ عَنْهُمْ مِنْهَا حُمِلَتْ إِلَيْهِ فَفَرَّقَهَا هُوَ ﷺ ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَبْعَثُ سُعَاتَهُ إِلَى الْبَوَادِي، وَلَمْ يَكُنْ يَبْعَثُهُمْ إِلَى الْقُرَى، بَلْ أَمَرَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَاءِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَيُعْطِيَهَا فُقَرَاءَهُمْ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِحَمْلِهَا إِلَيْهِ.
وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَنْ يَبْعَثَ سُعَاتَهُ إِلَّا إِلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ مِنَ الْمَوَاشِي وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَكَانَ يَبْعَثُ الْخَارِصَ فَيَخْرُصُ عَلَى أَرْبَابِ النَّخِيلِ تَمْرَ نَخِيلِهِمْ، وَيَنْظُرُ كَمْ يَجِيءُ مِنْهُ وَسْقًا، فَيَحْسِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ بِقَدْرِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ
стр. 485
الْخَارِصَ أَنْ يَدَعَ لَهُمُ الثُّلُثَ أَوِ الرُّبُعَ فَلَا يَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ، لِمَا يَعْرُو النَّخِيلَ مِنَ النَّوَائِبِ، وَكَانَ هَذَا الْخَرْصُ لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُصْرَمَ، وَلِيَتَصَرَّفَ فِيهَا أَرْبَابُهَا بِمَا شَاءُوا وَيَضْمَنُوا قَدْرَ الزَّكَاةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَبْعَثُ الْخَارِصَ إِلَى مَنْ سَاقَاهُ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ وَزَارَعَهُ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ الثِّمَارَ وَالزُّرُوعَ وَيُضَمِّنُهُمْ شَطْرَهَا، وَكَانَ يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَأَرَادُوا أَنْ يَرْشُوهُ فَقَالَ عبد الله: ( «تُطْعِمُونِي السُّحْتَ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَأَنْتُمْ
стр. 486
أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ عِدَّتِكُمْ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَا يَحْمِلُنِي بُغْضِي لَكُمْ وَحُبِّي إِيَّاهُ أَنْ لَا أَعْدِلَ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ» ) .
وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنَ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، وَلَا الْبِغَالِ وَلَا الْحَمِيرِ، وَلَا الْخَضْرَاوَاتِ، وَلَا الْمَبَاطِخِ وَالْمَقَاثِي وَالْفَوَاكِهِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُدَّخَرُ إِلَّا الْعِنَبُ وَالرُّطَبُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْهُ جُمْلَةً وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا يَبِسَ مِنْهُ وَمَا لَمْ يَيْبَسْ.
[فَصْلٌ زَكَاةُ الْعَسَلِ]
فَصْلٌ.
وَاخْتُلِفَ عَنْهُ ﷺ فِي الْعَسَلِ، فَرَوَى أبو داود مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: ( «جَاءَ هلال أَحَدُ بَنِي مُتْعانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ، وَكَانَ سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ سَلَبَةُ، فَحَمَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الْوَادِيَ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ عمر: إِنْ أَدَّى إِلَيْكَ مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عُشُورِ نَحْلِهِ فَاحْمِ لَهُ سَلَبَةَ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَأْكُلُهُ مَنْ يَشَاءُ» ) .
وَفِي رِوَايَةٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( «مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ» ) .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ ( «أَخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرَ» ) .
стр. 487
وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " عَنْ أبي سيارة المتعي ( «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي نَحْلًا. قَالَ: أَدِّ الْعُشْرَ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ احْمِهَا لِي، فَحَمَاهَا لِي» ) .
وَرَوَى عبد الرزاق، عَنْ عبد الله بن محرر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ( «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرُ» ) .
قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عَنْ أَبِيهِ ( «عَنْ سعد بن أبي ذباب قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْتُ ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لِقَوْمِي مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَعْمَلَنِي عَلَيْهِمْ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَنِي أبو بكر، ثُمَّ عمر ﵄، قَالَ: وَكَانَ سعد مِنْ أَهْلِ السَّرَاةِ، قَالَ: فَكَلَّمْتُ قَوْمِي فِي الْعَسَلِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: فِيهِ زَكَاةٌ، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي ثَمَرَةٍ لَا تُزَكَّى. فَقَالُوا: كَمْ تَرَى؟ قُلْتُ: الْعُشْرُ. فَأَخَذْتُ مِنْهُمُ الْعُشْرَ، فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ. قَالَ: فَقَبَضَهُ عمر، ثُمَّ جَعَلَ ثَمَنَهُ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ» ) . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ لِلشَّافِعِيِّ.
стр. 488
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَحُكْمِهَا، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَيْسَ فِي زَكَاةِ الْعَسَلِ شَيْءٌ يَصِحُّ، وَقَالَ الترمذي: لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرُ شَيْءٍ. وَقَالَ ابن المنذر: لَيْسَ فِي وُجُوبِ صَدَقَةِ الْعَسَلِ حَدِيثٌ يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا إِجْمَاعٌ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحَدِيثُ فِي أَنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ ضَعِيفٌ، وَفِي أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ ضَعِيفٌ، إِلَّا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
قَالَ هَؤُلَاءِ: وَأَحَادِيثُ الْوُجُوبِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ، أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صدقة بن عبد الله بن موسى بن يسار، عَنْ نافع عَنْهُ، وَصَدَقَةُ ضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ عَنْ نافع، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلٌ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: صَدَقَةُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أبي سيارة المتعي، فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْهُ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْآخَرُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «أَخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرَ» ) فَفِيهِ أسامة بن زيد بن أسلم يَرْوِيهِ عَنْ عمرو، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: بنو زيد ثَلَاثَتُهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ، وَقَالَ الترمذي: لَيْسَ فِي وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ثِقَةٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَمَا أَظْهَرَ دَلَالَتِهِ لَوْ سَلِمَ مِنْ عبد الله بن محرر رَاوِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: عبد الله بن محرر مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِي زَكَاةِ الْعَسَلِ شَيْءٌ يَصِحُّ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَقَالَ البيهقي: رَوَاهُ الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنِ الحارث بن عبد الرحمن (هو ابن أبي ذباب) عَنْ منير بن عبد الله، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سعد بن أبي ذباب، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنِ الحارث بن أبي ذباب. قَالَ الْبُخَارِيُّ: عبد الله والد منير، عَنْ
стр. 489
سعد بن أبي ذباب لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: منير هَذَا لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، كَذَا قَالَ لِي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وسعد بن أبي ذباب يَحْكِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ بِأَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الْعَسَلِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ رَآهُ فَتَطَوَّعَ لَهُ بِهِ أَهْلُهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَاخْتِيَارِي أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ، لِأَنَّ السُّنَنَ وَالْآثَارَ ثَابِتَةٌ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَلَيْسَتْ ثَابِتَةً فِيهِ فَكَأَنَّهُ عَفْوٌ.
وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا حسين بن زيد، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ علي ﵁ قَالَ: لَيْسَ فِي الْعَسَلِ زَكَاةٌ.
قَالَ يحيى: وَسُئِلَ حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ الْعَسَلِ؟ فَلَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا. وَذَكَرَ عَنْ معاذ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْعَسَلِ شَيْئًا. قَالَ الحميدي: حَدَّثَنَا سفيان، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّهُ أُتِيَ بِوَقَصِ الْبَقَرِ وَالْعَسَلِ، فَقَالَ معاذ: كِلَاهُمَا لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا مالك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: جَاءَنَا كِتَابٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ إِلَى أَبِي وَهُوَ بِمِنًى، أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنَ الْخَيْلِ وَلَا مِنَ الْعَسَلِ صَدَقَةً. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مالك وَالشَّافِعِيُّ.
وَذَهَبَ أحمد وأبو حنيفة وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةً، وَرَأَوْا أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَقَدْ تَعَدَّدَتْ مَخَارِجُهَا وَاخْتَلَفَتْ طُرُقُهَا، وَمُرْسَلُهَا يُعَضَّدُ بِمُسْنَدِهَا.
وَقَدْ سُئِلَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، عَنْ عبد الله والد منير، عَنْ سعد بن أبي ذباب: يَصِحُّ حَدِيثُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلِأَنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ نَوْرِ
стр. 490
الشَّجَرِ وَالزَّهْرِ، وَيُكَالُ وَيُدَّخَرُ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ.
قَالُوا: وَالْكُلْفَةُ فِي أَخْذِهِ دُونَ الْكُلْفَةِ فِي الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، ثُمَّ قَالَ أبو حنيفة: إِنَّمَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ إِذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ، فَإِنْ أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ عِنْدَهُ، لِأَنَّ أَرْضَ الْخَرَاجِ قَدْ وَجَبَ عَلَى مَالِكِهَا الْخَرَاجُ لِأَجْلِ ثِمَارِهَا وَزَرْعِهَا، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا حَقٌّ آخَرُ لِأَجْلِهَا، وَأَرْضُ الْعُشْرِ لَمْ يَجِبْ فِي ذِمَّتِهِ حَقٌّ عَنْهَا، فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْحَقُّ فِيمَا يَكُونُ مِنْهَا.
وَسَوَّى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَيْنَ الْأَرَضِينَ فِي ذَلِكَ، وَأَوْجَبَهُ فِيمَا أُخِذَ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ مَوَاتٍ، عُشْرِيَّةً كَانَتِ الْأَرْضُ أَوْ خَرَاجِيَّةً.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُوجِبُونَ لَهُ هَلْ لَهُ نِصَابٌ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أبي حنيفة ﵀، وَالثَّانِي: أَنَّ لَهُ نِصَابًا مُعَيَّنًا، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي قَدْرِهِ، فَقَالَ أبو يوسف: هُوَ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ.
وَقَالَ محمد بن الحسن: هُوَ خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ، وَالْفَرَقُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ. وَقَالَ أحمد: نِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي الْفَرَقِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. أَحَدُهَا: إِنَّهُ سِتُّونَ رِطْلًا. وَالثَّانِي: إِنَّهُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا.
وَالثَّالِثُ: سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ دُعَاؤُهُ ﷺ لِجَابِي الزَّكَاةِ]
فَصْلٌ.
«وَكَانَ ﷺ إِذَا جَاءَهُ الرَّجُلُ بِالزَّكَاةِ دَعَا لَهُ. فَتَارَةً يَقُولُ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ) » . وَتَارَةً يَقُولُ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ) . وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَخْذُ كَرَائِمِ
стр. 491
الْأَمْوَالِ فِي الزَّكَاةِ، بَلْ وَسَطَ الْمَالِ، وَلِهَذَا نَهَى معاذا عَنْ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ في نهي المتصدق أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ]
فَصْلٌ.
وَكَانَ ﷺ يَنْهَى الْمُتَصَدِّقَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ، وَكَانَ يُبِيحُ لِلْغَنِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الصَّدَقَةِ إِذَا أَهْدَاهَا إِلَيْهِ الْفَقِيرُ، وَأَكَلَ ﷺ مِنْ لَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بريرة وَقَالَ: ( «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ» ) .
وَكَانَ أَحْيَانًا يَسْتَدِينُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّدَقَةِ، كَمَا جَهَّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتِ الْإِبِلُ، فَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنْ يَأْخُذَ مِنْ قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ، ( «وَكَانَ يَسِمُ
стр. 492
إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ، وَكَانَ يَسِمُهَا فِي آذَانِهَا» ) .
وَكَانَ إِذَا عَرَاهُ أَمْرٌ اسْتَسْلَفَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَرْبَابِهَا، كَمَا اسْتَسْلَفَ مِنَ العباس ﵁ صَدَقَةَ عَامَيْنِ.
стр. 493
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَعَلَى مَنْ يَمُونُهُ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى، حُرٍّ وَعَبْدٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ.
وَرُوِيَ عَنْهُ: أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ: نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.
وَالْمَعْرُوفُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَعَلَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ مَكَانَ الصَّاعِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ذَكَرَهُ أبو داود.
وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّ معاوية هُوَ الَّذِي قَوَّمَ ذَلِكَ، وَفِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ آثَارٌ مُرْسَلَةٌ وَمُسْنَدَةٌ، يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا.
стр. 494
فَمِنْهَا: حَدِيثُ عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ» ) رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وأبو داود.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ، أَلَا إِنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ سِوَاهُ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» ) . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «أَمَرَ عمرو بن حزم فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ» ) .
وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، وَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: خَطَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي آخِرِ رَمَضَانَ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ، فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا. فَقَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ قُومُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» ، فَلَمَّا قَدِمَ علي ﵁ رَأَى رُخْصَ
стр. 495
السِّعْرِ قَالَ: قَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صَاعًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
رَوَاهُ أبو داود وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالنَّسَائِيُّ وَعِنْدَهُ: فَقَالَ علي: أَمَّا إِذْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا، اجْعَلُوهَا صَاعًا مِنْ بُرٍّ وَغَيْرِهِ. وَكَانَ شَيْخُنَا ﵀ يُقَوِّي هَذَا الْمَذْهَبَ وَيَقُولُ: هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أحمد فِي الْكَفَّارَاتِ، أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا مِنَ الْبُرِّ نِصْفُ الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِهِ.
[وَقْتُ إِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ]
فَصْلٌ.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ إِخْرَاجُ هَذِهِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَفِي " السُّنَنِ " عَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» ) .
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ( «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» ) .
следующие страницы →