← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فَيُكْتَفَى بِجَوَابِهِ. فَرَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ فضيل بن عمرو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عروة: نَهَى أَبُو بكر وعمر عَنِ الْمُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَاكُمْ سَتَهْلِكُونَ أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: قَالَ أبو بكر وعمر» . وَقَالَ عبد الرازق: حَدَّثَنَا معمر، عَنْ أيوب قَالَ: «قَالَ عروة لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ تُرَخِّصُ فِي الْمُتْعَةِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَلْ أُمَّكَ يَا عُرَيَّةُ. فَقَالَ عروة: أَمَّا أبو بكر وعمر، فَلَمْ يَفْعَلَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ مَا أَرَاكُمْ مُنْتَهِينَ حَتَّى يُعَذِّبَكُمُ اللَّهُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُونَا عَنْ أبي بكر وعمر؟ فَقَالَ عروة: لَهُمَا أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَتْبَعُ لَهَا مِنْكَ» . وَأَخْرَجَ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ( «قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : تَأْمُرُ النَّاسَ بِالْعُمْرَةِ فِي هَؤُلَاءِ الْعَشْرِ وَلَيْسَ فِيهَا عُمْرَةٌ؟! قَالَ: أَوَلَا تَسْأَلُ أُمَّكَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ عروة: فَإِنَّ أبا بكر وعمر لَمْ يَفْعَلَا ذَلِكَ قَالَ الرَّجُلُ: مِنْ هَاهُنَا هَلَكْتُمْ، مَا أَرَى اللَّهَ إِلَّا سَيُعَذِّبُكُمْ إِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتُخْبِرُونِي بأبي بكر وعمر. قَالَ عروة إِنَّهُمَا وَاللَّهِ كَانَا أَعْلَمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكَ، فَسَكَتَ الرَّجُلُ» ) .

стр. 667

ثُمَّ أَجَابَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ عروة عَنْ قَوْلِهِ هَذَا، بِجَوَابٍ نَذْكُرُهُ، وَنَذْكُرُ جَوَابًا أَحْسَنَ مِنْهُ لِشَيْخِنَا. قَالَ أبو محمد وَنَحْنُ نَقُولُ لعروة: ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وبأبي بكر وعمر مِنْكَ، وَخَيْرٌ مِنْكَ، وَأَوْلَى بِهِمْ ثَلَاثَتِهِمْ مِنْكَ، لَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ مسلم. وعائشة أم المؤمنين، أَعْلَمُ وَأَصْدَقُ مِنْكَ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ الثّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إسحاق السبيعي عَنْ عبد الله قَالَ: قَالَتْ عائشة: مَنِ اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَوْسِمِ؟ قَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَتْ هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحَجِّ. قَالَ أبو محمد مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهَا خِلَافُ مَا قَالَهُ عروة، وَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ عروة وَأَفْضَلُ، وَأَعْلَمُ، وَأَصْدَقُ، وَأَوْثَقُ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ البزار، عَنِ الأشج، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ، عَنْ ليث، عَنْ عطاء، وطاووس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وأبو بكر، وعمر وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهَا معاوية» . وَمِنْ طَرِيقِ عبد الرزاق، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ ليث، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكر. حَتَّى مَاتَ، وعمر، وعثمان كَذَلِكَ وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهَا، معاوية» . قُلْتُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ " وَالتّرْمِذِيُّ. وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَذَكَرَ عبد الرزاق، قَالَ حَدَّثَنَا معمر عَنِ ابن طاووس، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبو موسى لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَلَا تَقُومُ فَتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَمْرَ هَذِهِ الْمُتْعَةِ؟ فَقَالَ عمر: وَهَلْ بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَهَا، أَمَّا أَنَا فَأَفْعَلُهَا.

стр. 668

وَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، أَوْ حميد، عَنِ الحسن «أَنَّ عمر أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: الْكَعْبَةُ غَنِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ، وَأَرَادَ أَنْ يَنْهَى أَهْلَ الْيَمَنِ أَنْ يَصْبُغُوا بِالْبَوْلِ وَأَرَادَ أَنْ يَنْهَى عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قَدْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ هَذَا الْمَالَ وَبِهِ وَبِأَصْحَابِهِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ، وَأَنْتَ فَلَا تَأْخُذْهُ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ الْيَمَانِيَّةَ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تُصْبَغُ بِالْبَوْلِ، وَقَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا، وَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا نَهْيًا» . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ عمر: لَوِ اعْتَمَرْتُ فِي وَسَطِ السَّنَةِ، ثُمَّ حَجَجْتُ، لَتَمَتَّعْتُ، وَلَوْ حَجَجْتُ خَمْسِينَ حَجَّةً، لَتَمَتَّعْتُ. وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قيس، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْهُ لَوِ اعْتَمَرْتُ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ حَجَجْتُ، لَجَعَلْتُ مَعَ حَجَّتِي عُمْرَةً. وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْهُ لَوِ اعْتَمَرْتُ، ثُمَّ اعْتَمَرْتُ، ثُمَّ حَجَجْتُ، لَتَمَتَّعْتُ. وَابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ هشام بن حجير، وليث، عَنْ طَاوُوسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: هَذَا الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ - يَعْنِي عمر - سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَوِ اعْتَمَرْتُ، ثُمَّ حَجَجْتُ؛ لَتَمَتَّعْتُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَا وَكَذَا مَرَّةً مَا تَمَّتْ حَجَّةُ رَجُلٍ قَطُّ إِلَّا بِمُتْعَةٍ. وَأَمَّا الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ شَيْخُنَا، فَهُوَ أَنَّ عمر ﵁ لَمْ يَنْهَ عَنِ الْمُتْعَةِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا قَالَ: إِنَّ أَتَمَّ لِحَجِّكُمْ، وَعُمْرَتِكُمْ أَنْ تَفْصِلُوا بَيْنَهُمَا، فَاخْتَارَ عمر لَهُمْ أَفْضَلَ الْأُمُورِ، وَهُوَ إِفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَفَرٍ يُنْشِئُهُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَهَذَا أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَانِ وَالتّمَتِّعِ الْخَاصِّ بِدُونِ سَفْرَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أحمد، وأبو

стр. 669

حنيفة، ومالك، وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - وَغَيْرُهُمْ. وَهَذَا هُوَ الْإِفْرَادُ الَّذِي فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ وعمر ﵄، وَكَانَ عمر يَخْتَارُهُ لِلنَّاسِ، وَكَذَلِكَ علي ﵄. وَقَالَ عمر وعلي ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [الْبَقَرَةِ ١٩٦] قَالَا: إِتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكِ، وَقَدْ «قَالَ ﷺ لعائشة فِي عُمْرَتِهَا: أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» فَإِذَا رَجَعَ الْحَاجُّ إِلَى

стр. 670

دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، فَأَنْشَأَ الْعُمْرَةَ مِنْهَا، وَاعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ أَوِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِهِ، وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ حَجَّ فَهَاهُنَا قَدْ أَتَى بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النُّسُكَيْنِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَهَذَا إِتْيَانٌ بِهِمَا عَلَى الْكَمَالِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ. قُلْتُ: فَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ عمر لِلنَّاسِ، فَظَنَّ مَنْ غَلِطَ مِنْهُمْ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ نَهْيَهُ عَلَى مُتْعَةِ الْفَسْخِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى تَرْجِيحًا لِلْإِفْرَادِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَارَضَ رِوَايَاتِ النَّهْيِ عَنْهُ بِرِوَايَاتِ الِاسْتِحْبَابِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ عَنْ عمر، كَمَا عَنْهُ رِوَايَتَانِ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَائِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ النَّهْيَ قَوْلًا قَدِيمًا، وَرَجَعَ عَنْهُ أَخَيْرًا، كَمَا سَلَكَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعُدُّ النَّهْيَ رَأْيًا رَآهُ مَنْ عِنْدَهُ لِكَرَاهَتِهِ أَنْ يَظَلَّ الْحَاجُّ مُعْرِسِينَ بِنِسَائِهِمْ فِي ظِلِّ الْأَرَاكِ. قَالَ أبو حنيفة: عَنْ حماد، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَاقِفٌ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَرَفَةَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُرَجَّلٍ شَعْرَهُ يَفُوحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ لَهُ عمر: أَمُحْرِمٌ أَنْتَ؟ قَالَ نَعَمْ. فَقَالَ عمر: مَا هَيْئَتُكَ بِهَيْئَةِ مُحْرِمٍ إِنَّمَا الْمُحْرِمُ الْأَشْعَثُ الْأَغْبَرُ الْأَدْفَرُ. قَالَ إِنِّي قَدِمْتُ مُتَمَتَّعًا، وَكَانَ مَعِي أَهْلِي، وَإِنَّمَا أَحْرَمْتُ الْيَوْمَ. فَقَالَ عمر عِنْدَ ذَلِكَ لَا تَتَمَتَّعُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَإِنِّي لَوْ رَخَّصْتُ فِي الْمُتْعَةِ لَهُمْ، لَعَرَّسُوا بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ، ثُمَّ رَاحُوا بِهِنَّ حُجَّاجًا. وَهَذَا يُبَيِّنُ، أَنَّ هَذَا مِنْ عمر رَأْيٌ رَآهُ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: فَكَانَ مَاذَا؟ وَحَبَّذَا ذَلِكَ؟ وَقَدْ طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْوَطْءَ مُبَاحٌ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [بَقِيَّةُ طُرُقِ الْمَانِعِينَ مِنْ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ] فَصْلٌ

стр. 671

وَقَدْ سَلَكَ الْمَانِعُونَ مِنَ الْفَسْخِ طَرِيقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، نَذْكُرُهُمَا وَنُبَيِّنُ فَسَادَهُمَا. الطَّرِيقَةُ الْأُولَى: قَالُوا: إِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي جَوَازِ الْفَسْخِ، فَالِاحْتِيَاطُ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْهُ صِيَانَةً لِلْعِبَادَةِ عَمَّا لَا يَجُوزُ فِيهَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ. وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَكَانُوا يَقُولُونَ إِذَا بَرَأَ الدَّبَرُ، وَعَفَا الْأَثَرُ، وَانْسَلَخَ صَفَرُ، فَقَدْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْفَسْخِ؛ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهَاتَانِ الطَّرِيقَتَانِ بَاطِلَتَانِ. أَمَّا الْأُولَى: فَلِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ إِنَّمَا يُشْرَعُ، إِذَا لَمْ تَتَبَيِّنِ السُّنَّةُ، فَإِذَا تَبَيَّنَتْ فَالِاحْتِيَاطُ هُوَ اتِّبَاعُهَا وَتَرْكُ مَا خَالَفَهَا; فَإِنْ كَانَ تَرْكُهَا لِأَجْلِ الِاخْتِلَافِ احْتِيَاطًا، فَتَرْكُ مَا خَالَفَهَا وَاتِّبَاعُهَا، أَحْوَطُ وَأَحْوَطُ، فَالِاحْتِيَاطُ نَوْعَانِ: احْتِيَاطٌ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَاحْتِيَاطٌ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ السُّنَّةِ، وَلَا يَخْفَى رُجْحَانُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاحْتِيَاطَ مُمْتَنِعٌ هُنَا، فَإِنَّ لِلنَّاسِ فِي الْفَسْخِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُحَرَّمٌ.

стр. 672

الثَّانِي: أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، فَلَيْسَ الِاحْتِيَاطُ بِالْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَهُ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ بِالْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ. وَإِذَا تَعَذَّرَ الِاحْتِيَاطُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، تَعَيَّنَ الِاحْتِيَاطُ بِالْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ السُّنَّةِ. [بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ أَمَرَهُمْ ﷺ بِالْفَسْخِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ] فَصْلٌ وَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ فَأَظْهَرُ بُطْلَانًا مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ قَبْلَ ذَلِكَ عُمَرَهُ الثَّلَاثَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَوْسَطُ أَشْهُرِ الْحَجِّ. فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَعْلَمُوا جَوَازَ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إِلَّا بَعْدَ أَمْرِهِمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِعْلُهُ لِذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ عِنْدَ الْمِيقَاتِ: " «مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ» "، فَبَيَّنَ لَهُمْ جَوَازَ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عِنْدَ الْمِيقَاتِ، وَعَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ، فَكَيْفَ لَمْ يَعْلَمُوا جَوَازَهَا إِلَّا بِالْفَسْخِ؟ وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ جَوَازَهَا بِذَلِكَ فَهُمْ أَجْدَرُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا جَوَازَهَا بِالْفَسْخِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ أَنْ يَتَحَلَّلَ، وَأَمَرَ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَفَرَّقَ بَيْنَ مُحْرِمٍ وَمُحْرِمٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ هُوَ الْمَانِعُ مِنَ التَّحَلُّلِ، لَا مُجَرَّدُ الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ، وَالْعِلَّةُ الَّتِي ذَكَرُوهَا لَا تَخْتَصُّ بِمُحْرِمٍ دُونَ مُحْرِمٍ، فَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ التَّأْثِيرَ فِي الْحِلِّ وَعَدَمِهِ لِلْهَدْيِ وُجُودًا وَعَدَمًا لَا لِغَيْرِهِ.

стр. 673

الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: إِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَصَدَ مُخَالَفَةَ الْمُشْرِكِينَ، كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ أَفْضَلُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ لِمُخَالَفَةِ الْمُشْرِكِينَ، كَانَ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ يَبْقَى مَشْرُوعًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِمَّا وُجُوبًا وَإِمَّا اسْتِحْبَابًا، فَإِنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَشَرَعَهُ لِأُمَّتِهِ فِي الْمَنَاسِكِ مُخَالَفَةً لِهَدْيِ الْمُشْرِكِينَ، هُوَ مَشْرُوعٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِمَّا وُجُوبًا أَوِ اسْتِحْبَابًا، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانُوا لَا يُفِيضُونَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَكَانُوا يَقُولُونَ أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ فَخَالَفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: " «خَالَفَ هَدْيُنَا هَدْيَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمْ نُفِضْ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ» ". وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ إِمَّا رُكْنٌ كَقَوْلِ مالك، وَإِمَّا وَاجِبٌ يَجْبُرُهُ دَمٌ، كَقَوْلِ أحمد، وأبي حنيفة، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَإِمَّا سُنَّةٌ كَالْقَوْلِ الْآخَرِ لَهُ. وَالْإِفَاضَةُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ سُنَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ قُرَيْشٌ كَانَتْ لَا تَقِفُ بِعَرَفَةَ، بَلْ تُفِيضُ مِنْ جَمْعٍ، فَخَالَفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَوَقَفَ بِعَرَفَاتٍ، وَأَفَاضَ مِنْهَا، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] [الْبَقَرَةُ ١٩٩] وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ

стр. 674

فَالْأُمُورُ الَّتِي نُخَالِفُ فِيهَا الْمُشْرِكِينَ هِيَ الْوَاجِبُ أَوِ الْمُسْتَحَبُّ، لَيْسَ فِيهَا مَكْرُوهٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ فِيهَا مُحَرَّمٌ، وَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِنُسُكٍ يُخَالِفُ نُسُكَ الْمُشْرِكِينَ، مَعَ كَوْنِ الَّذِي نَهَاهُمْ عَنْهُ أَفْضَلَ مِنَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ. أَوْ يُقَالُ: مَنْ حَجَّ كَمَا حَجَّ الْمُشْرِكُونَ فَلَمْ يَتَمَتَّعْ، فَحَجُّهُ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . الْخَامِسُ: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". «وَقِيلَ لَهُ عُمْرَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: " لَا، بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ، دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". وَكَانَ سُؤَالُهُمْ عَنْ عُمْرَةِ الْفَسْخِ كَمَا جَاءَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ جابر الطَّوِيلِ. قَالَ: «حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، قَالَ: " لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً "، فَقَامَ سراقة بن مالك فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ " دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ، لَا بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ" وَفِي لَفْظٍ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ، أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِيَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ» . . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: «فَقَالَ سراقة بن مالك: لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ " لِأَبَدٍ» ". وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْهُ: «أَنَّ سراقة قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : " أَلَكُمْ خَاصَّةً هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ " بَلْ لِلْأَبَدِ» " فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ تِلْكَ الْعُمْرَةَ الَّتِي فَسَخَ مَنْ

стр. 675

فَسَخَ مِنْهُمْ حَجَّةٌ إِلَيْهَا لِلْأَبَدِ، وَأَنَّ الْعُمْرَةَ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ عُمْرَةَ التّمَتَّعِ بَعْضُ الْحَجِّ. وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: " بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ " بِاعْتِرَاضَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ، أَنَّ سُقُوطَ الْفَرْضِ بِهَا لَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْعَامِ، بَلْ يُسْقِطُهُ إِلَى الْأَبَدِ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: لِلْأَبَدِ، فَإِنَّ الْأَبَدَ لَا يَكُونُ فِي حَقِّ طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ إِنَّمَا يَكُونُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّهُ قَالَ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ أَرَادُوا بِذَلِكَ السُّؤَالَ عَنْ تَكْرَارِ الْوُجُوبِ، لَمَا اقْتَصَرُوا عَلَى الْعُمْرَةِ، بَلْ كَانَ السُّؤَالُ عَنِ الْحَجِّ، وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: " «عُمْرَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِلْأَبَدِ» ؟ " وَلَوْ أَرَادُوا تَكْرَارَ وُجُوبِهَا كُلَّ عَامٍ لَقَالُوا لَهُ، كَمَا قَالُوا لَهُ فِي الْحَجِّ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَلَأَجَابَهُمْ بِمَا أَجَابَهُمْ بِهِ فِي الْحَجِّ بِقَوْلِهِ: " «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ. لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ» ". وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: هَذِهِ لَكُمْ خَاصَّةً، فَقَالَ: " بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ ". فَهَذَا السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ صَرِيحَانِ فِي عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ. الثَّانِي: قَوْلُهُ: إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ جَوَازَ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ أَبْطَلُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، فَإِنَّ السَّائِلَ إِنَّمَا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِيهِ عَنِ الْمُتْعَةِ الَّتِي هِيَ فَسْخُ الْحَجِّ، لَا عَنْ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ عَقِبَ أَمْرِهِ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ، فَقَالَ لَهُ سراقة حِينَئِذٍ: هَذَا لِعَامِنَا، أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَأَجَابَهُ ﷺ عَنْ نَفْسِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ، لَا عَمَّا لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، وَفِي قَوْلِهِ: " «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " عَقِبَ أَمْرِهِ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِالْإِحْلَالِ، بَيَانٌ جَلِيٌّ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَبَطَلَ دَعْوَى الْخُصُوصِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. السَّادِسُ: أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا، لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ، وَلَا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَيْهَا، فَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً بَطَلَ اعْتِرَاضُكُمْ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً، فَإِنَّهَا لَا تَلْزَمُ الِاخْتِصَاصَ بِالصَّحَابَةِ بِوَجْهٍ، مِنَ الْوُجُوهِ بَلْ إِنْ صَحَّتِ اقْتَضَتْ دَوَامَ مَعْلُولِهَا وَاسْتِمْرَارَهُ، كَمَا أَنَّ الرَّمَلَ شُرِعَ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ وَقُوَّةَ أَصْحَابِهِ، وَاسْتَمَرَّتْ

стр. 676

مَشْرُوعِيَّتُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِهِمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. السَّابِعُ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃، إِذَا لَمْ يَكْتَفُوا بِالْعِلْمِ بِجَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ عَلَى فِعْلِهِمْ لَهَا مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ، وَلَا بِإِذْنِهِ لَهُمْ فِيهَا عِنْدَ الْمِيقَاتِ حَتَّى أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَحْرَى أَنْ لَا يَكْتَفِيَ بِذَلِكَ حَتَّى يَفْسَخَ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، اتِّبَاعًا لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاقْتِدَاءً بِأَصْحَابِهِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّا نَحْنُ نَكْتَفِي مِنْ ذَلِكَ بِدُونِ مَا اكْتَفَى بِهِ الصَّحَابَةُ، وَلَا نَحْتَاجُ فِي الْجَوَازِ إِلَى مَا احْتَاجُوا هُمْ إِلَيْهِ، وَهَذَا جَهْلٌ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ. الثَّامِنُ: أَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ بِالْفَسْخِ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ، لِيُعَلِّمَهُمْ بِذَلِكَ مُبَاحًا يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ بِغَيْرِ ارْتِكَابِ هَذَا الْمَحْظُورِ، وَبِأَسْهَلَ مِنْهُ بَيَانًا، وَأَوْضَحَ دَلَالَةً، وَأَقَلَّ كُلْفَةً. فَإِنْ قِيلَ لَمْ يَكُنِ الْفَسْخُ حِينَ أَمَرَهُمْ بِهِ حَرَامًا. قِيلَ: فَهُوَ إِذًا إِمَّا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ. وَقَدْ قَالَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةٌ، فَمَنِ الَّذِي حَرَّمَهُ بَعْدَ إِيجَابِهِ أَوِ اسْتِحْبَابِهِ، وَأَيُّ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ رَفَعَ هَذَا الْوُجُوبَ أَوِ الِاسْتِحْبَابَ، فَهَذِهِ مُطَالَبَةٌ لَا مَحِيصَ عَنْهَا. التَّاسِعُ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» " أَفَتَرَى تَجَدَّدَ لَهُ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ الْعِلْمُ بِجَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، حَتَّى تَأَسَّفَ عَلَى فَوَاتِهَا؟ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَالِ. الْعَاشِرُ: أَنَّهُ أَمَرَ بِالْفَسْخِ إِلَى الْعُمْرَةِ، مَنْ كَانَ أَفْرَدَ، وَمَنْ قَرَنَ، وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ. وَمَعْلُومٌ: أَنَّ الْقَارِنَ قَدِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مَعَ حَجَّتِهِ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ بِفَسْخِ قِرَانِهِ إِلَى عُمْرَةٍ لِيُبَيِّنَ لَهُ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقَدْ أَتَى بِهَا، وَضَمَّ إِلَيْهَا الْحَجَّ؟ . [بَحْثٌ فِي مُوَافَقَةِ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ] الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، مُوَافِقٌ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ، لَا

стр. 677

مُخَالِفٌ لَهُ. وَلَوْ لَمْ يَرِدْ بِهِ النَّصُّ، لَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي جَوَازَهُ، فَجَاءَ النَّصُّ بِهِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ، قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَقَرَّرَهُ بِأَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا الْتَزَمَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ لَزِمَهُ جَازَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، جَازَ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مالك، وأحمد، وَالشَّافِعِيِّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ، وأبو حنيفة يُجَوِّزُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ، وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ. قَالَ وَهَذَا قِيَاسُ الرِّوَايَةِ الْمَحْكِيَّةِ عَنْ أحمد فِي الْقَارِنِ: أَنَّهُ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ لَمْ يَلْتَزِمْ إِلَّا الْحَجَّ. فَإِذَا صَارَ مُتَمَتِّعًا، صَارَ مُلْتَزِمًا لِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ، فَكَانَ مَا الْتَزَمَهُ بِالْفَسْخِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَجَازَ ذَلِكَ. وَلَمَّا كَانَ أَفْضَلَ، كَانَ مُسْتَحَبًّا، وَإِنَّمَا أَشْكَلَ هَذَا عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ فَسَخَ حَجًّا إِلَى عُمْرَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَفْسَخَ الْحَجَّ إِلَى عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ لَمْ يَجُزْ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِنَّمَا الْفَسْخُ جَائِزٌ لِمَنْ كَانَ مِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ الْعُمْرَةِ، وَالْمُتَمَتِّعُ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْحَجِّ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " وَلِهَذَا، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ فِي الْحَجِّ. وَأَمَّا إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَمَا يَبْدَأُ الْجُنُبُ بِالْوُضُوءِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ. إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ. وَقَالَ لِلنِّسْوَةِ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ: " «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» ". فَغُسْلُ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ بَعْضُ الْغُسْلِ. فَإِنْ قِيلَ هَذَا بَاطِلٌ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا فَسَخَ، اسْتَفَادَ بِالْفَسْخِ حِلًّا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ بِإِحْرَامِهِ الْأَوَّلِ فَهُوَ دُونَ مَا الْتَزَمَهُ.

стр. 678

الثَّانِي: أَنَّ النُّسُكَ الَّذِي كَانَ قَدِ الْتَزَمَهُ أَوَّلًا، أَكْمَلُ مِنَ النُّسُكِ الَّذِي فَسَخَ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَا يَحْتَاجُ الْأَوَّلُ إِلَى جُبْرَانٍ، وَالَّذِي يُفْسَخُ إِلَيْهِ، يَحْتَاجُ إِلَى هَدْيٍ جُبْرَانًا لَهُ، وَنُسُكٌ لَا جُبْرَانَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ نُسُكٍ مَجْبُورٍ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجُزْ إِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَلِأَنْ لَا يَجُوزَ إِبْدَالُهَا بِهِ وَفَسْخُهُ إِلَيْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. فَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ، مُجْمَلٍ وَمُفَصَّلٍ. أَمَّا الْمُجْمَلُ: فَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ اعْتِرَاضَاتٌ عَلَى مُجَرَّدِ السُّنَّةِ، وَالْجَوَابُ عَنْهَا بِالْتِزَامِ تَقْدِيمِ الْوَحْيِ عَلَى الْآرَاءِ، وَأَنَّ كُلَّ رَأْيٍ يُخَالِفُ السُّنَّةَ فَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَبَيَانُ بُطْلَانِهِ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ لَهُ، وَالْآرَاءُ تَبَعٌ لِلسُّنَّةِ، وَلَيْسَتِ السُّنَّةُ تَبَعًا لِلْآرَاءِ. وَأَمَّا الْمُفَصَّلُ: وَهُوَ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَإِنَّا الْتَزَمْنَا أَنَّ الْفَسْخَ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْوَفَاءِ بِهَذَا الِالْتِزَامِ، وَعَلَى هَذَا فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ جَوَابُهُ: بِأَنَّ التَّمَتُّعَ - وَإِنْ تَخَلَّلَهُ التَّحَلُّلُ - فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ الَّذِي لَا حِلَّ فِيهِ، لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِالْإِحْرَامِ بِهِ، وَلِأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَيْهِ، وَلِتَمَنِّيهِ أَنَّهُ كَانَ أَحْرَمَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ النُّسُكُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِهِ، بَلْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، غَضِبَ حِينَ أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَتَوَقَّفُوا، وَلِأَنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ قَطْعًا أَنْ تَكُونَ حَجَّةٌ قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ حَجَّةِ خَيْرِ الْقُرُونِ وَأَفْضَلِ الْعَالَمِينَ مَعَ نَبِيِّهِمْ ﷺ ، وَقَدْ أَمَرَهُمْ كُلَّهُمْ بِأَنْ يَجْعَلُوهَا مُتْعَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ هَذَا الْحَجِّ أَفْضَلَ مِنْهُ، إِلَّا حَجَّ مَنْ قَرَنَ وَسَاقَ الْهَدْيَ، كَمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِنَبِيِّهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وَاخْتَارَ لِأَصْحَابِهِ التَّمَتُّعَ، فَأَيُّ حَجٍّ أَفْضَلُ مِنْ هَذَيْنِ. وَلِأَنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَنْقُلَهُمْ مِنَ النُّسُكِ الْفَاضِلِ إِلَى الْمَفْضُولِ الْمَرْجُوحِ، وَلِوُجُوهٍ أُخَرَ كَثِيرَةٍ

стр. 679

لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا، فَرُجْحَانُ هَذَا النُّسُكِ أَفْضَلُ مِنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْإِحْرَامِ الَّذِي يَفُوتُهُ بِالْفَسْخِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا بُطْلَانُ الْوَجْهِ الثَّانِي. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ نُسُكٌ مَجْبُورٌ بِالْهَدْيِ، فَكَلَامٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْهَدْيَ فِي التَّمَتُّعِ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَهُوَ مِنْ تَمَامِ النُّسُكِ، وَهُوَ دَمُ شُكْرَانٍ لَا دَمَ جُبْرَانٍ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأُضْحِيَةِ لِلْمُقِيمِ، وَهُوَ مِنْ تَمَامِ عِبَادَةِ هَذَا الْيَوْمِ، فَالنُّسُكُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الدَّمِ بِمَنْزِلَةِ الْعِيدِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْأُضْحِيَةِ، فَإِنَّهُ مَا تُقُرِّبَ إِلَى اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِمِثْلِ إِرَاقَةِ دَمٍ سَائِلٍ. وَقَدْ رَوَى الترمذي وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: " الْعَجُّ وَالثَّجُّ» . وَالْعَجُّ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ: إِرَاقَةُ دَمِ الْهَدْيِ. فَإِنْ قِيلَ: يُمْكِنُ الْمُفْرِدُ أَنْ يُحَصِّلَ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ. قِيلَ: مَشْرُوعِيُّتُهَا إِنَّمَا جَاءَتْ فِي حَقِّ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ اسْتِحْبَابِهَا فِي حَقِّهِ، فَأَيْنَ ثَوَابُهَا مِنْ ثَوَابِ هَدْيِ الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ؟ الْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَوْ كَانَ دَمَ جُبْرَانٍ، لَمَا جَازَ الْأَكْلُ مِنْهُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ هَدْيِهِ، فَإِنَّهُ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ،

стр. 680

فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا. وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ سُبْعَ بَدَنَةٍ، فَإِنَّهُ أَكَلَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ مِنَ الْمِائَةِ، وَالْوَاجِبُ فِيهَا مُشَاعٌ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِقِسْمَةٍ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «أَنَّهُ أَطْعَمَ نِسَاءَهُ مِنَ الْهَدْيِ الَّذِي ذَبَحَهُ عَنْهُنَّ وَكُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ» ، احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عائشة ﵂، «أَنَّهُ أَهْدَى عَنْ نِسَائِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِنَّ مِنَ الْهَدْيِ الَّذِي ذَبَحَهُ عَنْهُنَّ» . وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِيمَا يُذْبَحُ بِمِنًى مِنَ الْهَدْيِ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] [الْحَجِّ: ٢٨] وَهَذَا يَتَنَاوَلُ هَدْيَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ قَطْعًا إِنْ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ، فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ هُنَاكَ ذَبْحُ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ. وَمِنْ هَاهُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ، مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِ بِالْأَكْلِ لِيَعُمَّ بِهِ جَمِيعَ هَدْيِهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ سَبَبَ الْجُبْرَانِ مَحْظُورٌ فِي الْأَصْلِ، فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إِلَّا لِعُذْرٍ، فَإِنَّهُ إِمَّا تَرْكُ وَاجِبٍ، أَوْ فِعْلُ مَحْظُورٍ، وَالتَّمَتُّعُ مَأْمُورٌ بِهِ، إِمَّا أَمْرَ إِيجَابٍ عِنْدَ طَائِفَةٍ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، أَوْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، فَلَوْ كَانَ دَمُهُ دَمَ جُبْرَانٍ، لَمْ يَجُزِ الْإِقْدَامُ عَلَى سَبَبِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ إِنَّهُ دَمُ جُبْرَانٍ، وَعُلِمَ أَنَّهُ دَمُ نُسُكٍ، وَهَذَا وَسَّعَ اللَّهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَأَبَاحَ لَهُمْ بِسَبَبِهِ التَّحَلُّلَ فِي أَثْنَاءِ الْإِحْرَامِ لِمَا فِي اسْتِمْرَارِ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَشَقَّةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، وَبِمَنْزِلَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَكَانَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَدْيِ أَصْحَابِهِ فِعْلُ هَذَا وَهَذَا، " «وَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» ". فَمَحَبَّتُهُ لِأَخْذِ الْعَبْدِ بِمَا يَسَّرَهُ عَلَيْهِ

стр. 681

وَسَهَّلَهُ لَهُ، مِثْلُ كَرَاهَتِهِ مِنْهُ لِارْتِكَابِ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِ وَمَنَعَهُ مِنْهُ. وَالْهَدْيُ وَإِنْ كَانَ بَدَلًا عَنْ تَرَفُّهِهِ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، فَهُوَ أَفْضَلُ لِمَنْ قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ وَيَعْتَمِرَ عَقِيبَهُ، وَالْبَدَلُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَالْجُمُعَةِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا بَدَلًا، وَكَالتَّيَمُّمِ لِلْعَاجِزِ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ بَدَلٌ، فَإِذَا كَانَ الْبَدَلُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، فَكَوْنُهُ مُسْتَحَبًّا أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَتَخَلُّلُ التَّحَلُّلِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ عِبَادَةً وَاحِدَةً كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَإِنَّهُ رُكْنٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا يُفْعَلُ إِلَّا بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ رَمْيُ الْجِمَارِ أَيَّامَ مِنًى، وَهُوَ يُفْعَلُ بَعْدَ الْحِلِّ التَّامِّ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ يَتَخَلُّلُهُ الْفِطْرُ فِي لَيَالِيِهِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً وَاحِدَةً. وَلِهَذَا قَالَ مالك وَغَيْرُهُ إِنَّهُ يُجْزِئُ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِلشَّهْرِ كُلِّهِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إِذَا لَمْ يَجُزْ إِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَلِأَنْ لَا يَجُوزَ فَسْخُهُ إِلَيْهَا أَوْلَى وَأَحْرَى، فَنَسْمَعُ جَعْجَعَةً وَلَا نَرَى طِحْنًا. وَمَا وَجْهُ التَّلَازُمِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى الَّتِي لَيْسَ بِأَيْدِيكُمْ بُرْهَانٌ عَلَيْهَا؟ ثُمَّ الْقَائِلُ بِهَذَا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ أبي حنيفة ﵀، فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَرَفٍ بِفَسَادِ هَذَا الْقِيَاسِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ، طُولِبَ بِصِحَّةِ قِيَاسِهِ فَلَا يَجِدُ إِلَيْهِ سَبِيلًا، ثُمَّ يُقَالُ: مُدْخِلُ الْعُمْرَةِ قَدْ نَقَصَ مِمَّا كَانَ الْتَزَمَهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَطُوفُ طَوَافًا لِلْحَجِّ، ثُمَّ طَوَافًا آخَرَ لِلْعُمْرَةِ. فَإِذَا قَرَنَ كَفَاهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ نَقَصَ مِمَّا كَانَ يَلْتَزِمُهُ. وَأَمَّا الْفَاسِخُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُضْ مِمَّا الْتَزَمَهُ، بَلْ نَقَلَ نُسُكَهُ إِلَى مَا هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ، وَأَفْضَلُ وَأَكْثَرُ وَاجِبَاتٍ، فَبَطَلَ الْقِيَاسُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. [الْعَوْدَةُ إِلَى سِيَاقِ حَجَّتِهِ ﷺ عِنْدَ نُزُولِهِ بِذِي طُوًى] فَصْلٌ عُدْنَا إِلَى سِيَاقِ حَجَّتِهِ ﷺ . ثُمَّ نَهَضَ ﷺ إِلَى أَنْ نَزَلَ بِذِي طُوًى، وَهِيَ

стр. 682

الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ بِآبَارِ الزَّاهِرِ، فَبَاتَ بِهَا لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَصَلَّى بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ مِنْ يَوْمِهِ، وَنَهَضَ إِلَى مَكَّةَ، فَدَخَلَهَا نَهَارًا مِنْ أَعْلَاهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى الْحَجُونِ، وَكَانَ فِي الْعُمْرَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَفِي الْحَجَّ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا، ثُمَّ سَارَ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَذَلِكَ ضُحًى. وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ، أَنَّهُ دَخَلَهُ مِنْ بَابِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّاسُ الْيَوْمَ بَابَ بَنِي شَيْبَةَ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ مَكَانًا مِنْ دَارِ يَعْلَى، اسْتَقَلَّ الْبَيْتَ فَدَعَا. وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ: أَنَّهُ «كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ قَالَ اللَّهُمَّ زِدْ بَيْتَكَ هَذَا تَشْرِيفًا، وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً» . وَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُكَبِّرُ وَيَقُولُ: " «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا، وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ حَجَّهُ، أَوِ اعْتَمَرَهُ تَكْرِيمًا، وَتَشْرِيفًا، وَتَعْظِيمًا، وَبِرًّا» "، وَهُوَ مُرْسَلٌ وَلَكِنْ سَمِعَ هَذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُهُ.

стр. 683

فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ عَمَدَ إِلَى الْبَيْتِ، وَلَمْ يَرْكَعْ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الطَّوَافُ، فَلَمَّا حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، اسْتَلَمَهُ وَلَمْ يُزَاحِمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَنْهُ إِلَى جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ نَوَيْتُ بِطَوَافِي هَذَا الْأُسْبُوعَ كَذَا وَكَذَا، وَلَا افْتَتَحَهُ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، بَلْ هُوَ مِنَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَاتِ، وَلَا حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ ثُمَّ انْفَتَلَ عَنْهُ وَجَعَلَهُ عَلَى شِقِّهِ بَلِ اسْتَقْبَلَهُ، وَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ أَخَذَ عَنْ يَمِينِهِ وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَلَمْ يَدْعُ عِنْدَ الْبَابِ بِدُعَاءٍ وَلَا تَحْتَ الْمِيزَابِ، وَلَا عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ وَأَرْكَانِهَا، وَلَا وَقَّتَ لِلطَّوَافِ ذِكْرًا مُعَيَّنًا، لَا بِفِعْلِهِ وَلَا بِتَعْلِيمِهِ بَلْ حُفِظَ عَنْهُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وَرَمَلَ فِي طَوَافِهِ هَذَا الثَّلَاثَةَ الْأَشْوَاطَ الْأُوَلَ، وَكَانَ يُسْرِعُ فِي مَشْيِهِ، وَيُقَارِبُ بَيْنَ خُطَاهُ، وَاضْطَبَعَ بِرِدَائِهِ، فَجَعَلَ طَرَفَيْهِ عَلَى أَحَدِ كَتِفَيْهِ، وَأَبْدَى كَتِفَهُ الْأُخْرَى وَمَنْكِبَهُ، وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، أَشَارَ إِلَيْهِ أَوِ اسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنِهِ، وَقَبَّلَ الْمِحْجَنَ، وَالْمِحْجَنُ: عَصَا مَحْنِيَّةُ الرَّأْسِ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ. وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ قَبَّلَهُ، وَلَا قَبَّلَ يَدَهُ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يُقَبُّلُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، وَيَضَعُ خَدَّهُ عَلَيْهِ» ) ، وَفِيهِ عبد الله بن مسلم بن هرمز، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: صَالِحُ الْحَدِيثِ وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُ. وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ هَاهُنَا، الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، وَيُقَالُ لَهُ مَعَ الرُّكْنِ الْآخَرِ الْيَمَانِيَّانِ،

стр. 684

وَيُقَالُ لَهُ مَعَ الرُّكْنِ الَّذِي يَلِي الْحِجْرَ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَابِ: الْعِرَاقِيَّانِ؛ وَيُقَالُ لِلرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ: الشَّامِيَّانِ. وَيُقَالُ لِلرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَالَّذِي يَلِي الْحِجْرَ مِنْ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ: الْغَرْبِيَّانِ، وَلَكِنْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَبَّلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَبَّلَهَا، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنٍ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ صِفَاتٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا، أَنَّهُ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ طَوِيلًا يَبْكِي. وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، قَالَ: " بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ» . «وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ قَالَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ» . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، عَنْ جعفر بن عبد الله بن عثمان، «قَالَ رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَسَجَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُقَبِّلُهُ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبَّلَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ هَكَذَا فَفَعَلْتُ» . وَرَوَى البيهقي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَبَّلَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَبَّلَهُ، ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَذَكَرَ أَيْضًا عَنْهُ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ عَلَى الْحَجَرِ» .

стр. 685

وَلَمْ يَسْتَلِمْ ﷺ وَلَمْ يَمَسَّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ فَقَطْ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَلَمْ يَدَعْ أَحَدٌ اسْتِلَامَهُمَا هِجْرَةً لِبَيْتِ اللَّهِ، وَلَكِنِ اسْتَلَمَ مَا اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمْسَكَ عَمَّا أَمْسَكَ عَنْهُ. [فَصْلٌ صَلَاتُهُ ﷺ خَلْفَ الْمَقَامِ] فَصْلٌ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ، جَاءَ إِلَى خَلْفِ الْمَقَامِ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] [الْبَقَرَةُ ١٢٥] ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَرَأَ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِسُورَتَيِ الْإِخْلَاصِ وَقِرَاءَتُهُ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ بَيَانٌ مِنْهُ لِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَمُرَادُ اللَّهِ مِنْهُ بِفِعْلِهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا مِنَ الْبَابِ الَّذِي يُقَابِلُهُ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ. قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] [الْبَقَرَةِ ١٥٩] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: " ابْدَءُوا " بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، «ثُمَّ رَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ". ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَقَامَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى الصَّدْعِ، وَهُوَ الشِّقُّ الَّذِي فِي الصَّفَا، فَقِيلَ لَهُ: هَاهُنَا يَا أبا عبد الرحمن؟ قَالَ: هَذَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. ذَكَرَهُ البيهقي.

стр. 686

ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ يَمْشِي، فَلَمَّا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، سَعَى حَتَّى إِذَا جَاوَزَ الْوَادِيَ وَأَصْعَدَ، مَشَى، هَذَا الَّذِي صَحَّ عَنْهُ، وَذَلِكَ الْيَوْمُ قَبْلَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ فِي أَوَّلِ الْمَسْعَى وَآخِرِهِ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْوَادِيَ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ وَضْعِهِ هَكَذَا قَالَ جابر عَنْهُ فِي " صَحِيحِ مسلم "، وَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّهُ كَانَ مَاشِيًا، وَقَدْ رَوَى مسلم فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ أبي الزبير، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ، وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ غَشُوهُ» . وَرَوَى مسلم عَنْ أبي الزبير عَنْ جابر: «لَمْ يَطُفْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، طَوَافَهُ الْأَوَّلَ» . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الرَّاكِبَ إِذَا انْصَبَّ بِهِ بَعِيرُهُ، فَقَدِ انْصَبَّ كُلُّهُ، وَانْصَبَّتْ قَدَمَاهُ أَيْضًا مَعَ سَائِرِ جَسَدِهِ. وَعِنْدِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَجْهٌ آخَرُ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُ سَعَى مَاشِيًا أَوَّلًا، ثُمَّ أَتَمَّ سَعْيَهُ رَاكِبًا، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ، فَفِي " صَحِيحِ مسلم ": «عَنْ أبي الطفيل، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، قَالَ: قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ» .

стр. 687

[فَصْلٌ طَوَافُ الْقُدُومِ] فَصْلٌ وَأَمَّا طَوَافُهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ قُدُومِهِ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ، هَلْ كَانَ عَلَى قَدَمَيْهِ، أَوْ كَانَ رَاكِبًا؟ . فَفِي " صَحِيحِ مسلم ": عَنْ عائشة ﵂، قَالَتْ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَلَى بَعِيرِهِ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنْهُ النَّاسُ» . وَفِي " سُنَنِ أبي داود ": عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكِي، فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ اسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» ، قَالَ أبو الطفيل: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَطُوفُ حَوْلَ الْبَيْتِ عَلَى بَعِيرِهِ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ يُقَبِّلُهُ» ، رَوَاهُ مسلم دُونَ ذِكْرِ الْبَعِيرِ، وَهُوَ عِنْدَ البيهقي، بِإِسْنَادِ مسلم بِذِكْرِ الْبَعِيرِ، وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَا فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، فَإِنَّ جابرا حَكَى عَنْهُ الرَّمَلَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْمَشْيِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أَمَّا سَبْعُهُ الَّذِي طَافَهُ لِمَقْدَمِهِ، فَعَلَى قَدَمَيْهِ؛ لِأَنَّ جابرا حَكَى عَنْهُ فِيهِ: أَنَّهُ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جابر يَحْكِي عَنْهُ الطَّوَافَ مَاشِيًا وَرَاكِبًا فِي سَبْعٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ حُفِظَ أَنَّ سَبْعَهُ الَّذِي رَكِبَ فِيهِ فِي طَوَافِهِ يَوْمَ النَّحْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ: عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابن طاووس، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُهَجِّرُوا بِالْإِفَاضَةِ، وَأَفَاضَ فِي نِسَائِهِ لَيْلًا عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، أَحْسِبُهُ قَالَ: فَيُقَبِّلُ طَرَفَ الْمِحْجَنِ» .

стр. 688

قُلْتُ: هَذَا مَعَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، فَهُوَ خِلَافُ مَا رَوَاهُ جابر عَنْهُ فِي " الصَّحِيحِ " أَنَّهُ طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ نَهَارًا، وَكَذَلِكَ رَوَتْ عائشة وَابْنُ عُمَرَ، كَمَا سَيَأْتِي. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكِي، فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ اسْتَلَمَهُ» ، هَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا، فَهُوَ فِي إِحْدَى عُمَرِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ الرَّمَلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي السَّعْيِ: إِنَّهُ رَمَلَ عَلَى بَعِيرِهِ، فَإِنَّ مَنْ رَمَلَ عَلَى بَعِيرِهِ فَقَدْ رَمَلَ، لَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَانَ رَاكِبًا فِي طَوَافِ الْقُدُومِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [غَلَطُ ابْنِ حَزْمٍ وَبَيَانُ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ] فَصْلٌ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَطَافَ ﷺ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيْضًا سَبْعًا، رَاكِبًا عَلَى بَعِيرِهِ يَخُبُّ ثَلَاثًا، وَيَمْشِي أَرْبَعًا، وَهَذَا مِنْ أَوْهَامِهِ وَغَلَطِهِ ﵀، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ هَذَا قَطُّ غَيْرَهُ، وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْبَتَّةَ. وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، فَغَلِطَ أبو محمد وَنَقَلَهُ إِلَى الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِدْلَالُهُ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّى عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ» . . وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. قَالَ: وَلَمْ نَجِدْ عَدَدَ الرَّمَلِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَنْصُوصًا، وَلَكِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هَذَا لَفْظُهُ. قُلْتُ: الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: السَّعْيُ فِي بَطْنِ الْوَادِي فِي الْأَشْوَاطِ كُلِّهَا. وَأَمَّا الرَّمَلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ خَاصَّةً، فَلَمْ يَقُلْهُ، وَلَا نَقَلَهُ فِيمَا نَعْلَمُ غَيْرُهُ. وَسَأَلْتُ شَيْخَنَا عَنْهُ، فَقَالَ: هَذَا مِنْ أَغْلَاطِهِ، وَهُوَ لَمْ يَحُجَّ ﵀ تَعَالَى. وَيُشْبِهُ هَذَا الْغَلَطَ غَلَطُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ سَعَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَكَانَ يَحْتَسِبُ

стр. 689

بِذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهَذَا غَلَطٌ عَلَيْهِ ﷺ ، لَمْ يَنْقُلْهُ عِنْدَ أَحَدٍ، وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ اشْتَهَرَتْ أَقْوَالُهُمْ، وَإِنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْأَئِمَّةِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ بُطْلَانَ هَذَا الْقَوْلِ، أَنَّهُ ﷺ لَا خِلَافَ عَنْهُ أَنَّهُ خَتَمَ سَعْيَهُ بِالْمَرْوَةِ، وَلَوْ كَانَ الذَّهَابُ وَالرُّجُوعُ مَرَّةً وَاحِدَةً، لَكَانَ خَتْمُهُ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الصَّفَا. وَكَانَ ﷺ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، رَقِيَ عَلَيْهَا، وَاسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ، وَوَحَّدَهُ، وَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، فَلَمَّا أَكْمَلَ سَعْيَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، أَمَرَ كُلَّ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ أَنْ يَحِلَّ حَتْمًا، وَلَا بُدَّ قَارِنًا كَانَ أَوْ مُفْرِدًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا الْحِلَّ كُلَّهُ مِنْ وَطْءِ النِّسَاءِ، وَالطِّيبِ، وَلُبْسِ الْمَخِيطِ، وَأَنْ يَبْقَوْا كَذَلِكَ إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ هُوَ مِنْ أَجْلِ هَدْيِهِ، وَهُنَاكَ قَالَ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» ". وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَحَلَّ هُوَ أَيْضًا، وَهُوَ غَلَطٌ قَطْعًا، قَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَهُنَاكَ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ بِالْمَغْفِرَةِ ثَلَاثًا، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً، وَهُنَاكَ سَأَلَهُ سراقة بن مالك بن جعشم عَقِيبَ أَمْرِهِ لَهُمْ بِالْفَسْخِ وَالْإِحْلَالِ: هَلْ ذَلِكَ لِعَامِهِمْ خَاصَّةً، أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: " بَلْ لِلْأَبَدِ ". وَلَمْ يَحِلَّ أبو بكر، وَلَا عمر، وَلَا علي وَلَا طلحة، وَلَا الزبير مِنْ أَجْلِ الْهَدْيِ. وَأَمَّا نِسَاؤُهُ ﷺ فَأَحْلَلْنَ، وَكُنَّ قَارِنَاتٍ، إِلَّا عائشة فَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ مِنْ أَجْلِ تَعَذُّرِ الْحِلِّ عَلَيْهَا لِحَيْضِهَا، وفاطمة حَلَّتْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا هَدْيٌ، وعلي ﵁ لَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ هَدْيِهِ، وَأَمَرَ ﷺ مَنْ أَهَلَّ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِهِ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، وَأَنْ يَحِلَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ. وَكَانَ يُصَلِّي مُدَّةَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِمَنْزِلِهِ الَّذِي هُوَ نَازِلٌ فِيهِ

стр. 690

بِالْمُسْلِمِينَ بِظَاهِرِ مَكَّةَ، فَأَقَامَ بِظَاهِرِ مَكَّةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ ضُحًى، تَوَجَّهَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مِنًى، فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مَنْ كَانَ أَحَلَّ مِنْهُمْ مِنْ رِحَالِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا إِلَى الْمَسْجِدِ فَأَحْرَمُوا مِنْهُ، بَلْ أَحْرَمُوا وَمَكَّةُ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مِنًى نَزَلَ بِهَا، وَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَبَاتَ بِهَا، وَكَانَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ سَارَ مِنْهَا إِلَى عَرَفَةَ، وَأَخَذَ عَلَى طَرِيقِ ضَبٍّ عَلَى يَمِينِ طَرِيقِ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُلَبِّي، وَمِنْهُمُ الْمُكَبِّرُ، وَهُوَ يَسْمَعُ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَا عَلَى هَؤُلَاءِ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ بِأَمْرِهِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ شَرْقِيَّ عَرَفَاتٍ، وَهِيَ خَرَابٌ الْيَوْمَ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، أَمَرَ بِنَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى بَطْنَ الْوَادِي مِنْ أَرْضِ عُرَنَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ خُطْبَةً عَظِيمَةً، قَرَّرَ فِيهَا قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ، وَهَدَمَ فِيهَا قَوَاعِدَ الشِّرْكِ وَالْجَاهِلِيَّةِ، وَقَرَّرَ فِيهَا تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي اتِّفَقَتِ الْمِلَلُ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَهِيَ الدِّمَاءُ، وَالْأَمْوَالُ، وَالْأَعْرَاضُ، وَوَضَعَ فِيهَا أُمُورَ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَوَضَعَ فِيهَا رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ، وَأَبْطَلَهُ، وَأَوْصَاهُمْ بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، وَذَكَرَ الْحَقَّ، الَّذِي لَهُنَّ، وَالَّذِي عَلَيْهِنَّ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ لَهُنَّ الرِّزْقُ، وَالْكِسْوَةُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ بِتَقْدِيرٍ، وَأَبَاحَ لِلْأَزْوَاجِ ضَرْبَهُنَّ إِذَا أَدْخَلْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَنْ يَكْرَهُهُ أَزْوَاجُهُنَّ، وَأَوْصَى الْأُمَّةَ فِيهَا بِالِاعْتِصَامِ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَنْ يَضِلُّوا مَا دَامُوا مُعْتَصِمِينَ بِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عَنْهُ، وَاسْتَنْطَقَهُمْ: بِمَاذَا يَقُولُونَ، وَبِمَاذَا يَشْهَدُونَ، فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيْتَ، وَنَصَحْتَ فَرَفَعَ أُصْبُعَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَاسْتَشْهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُبَلِّغَ شَاهِدُهُمْ غَائِبَهُمْ.

стр. 691

قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أم الفضل بنت الحارث الهلالية وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبَهُ أَمَامَ النَّاسِ، وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمَّا أَتَمَّ الْخُطْبَةَ أَمَرَ بلالا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَهَذَا مِنْ وَهْمِهِ ﵀، فَإِنَّ قِصَّةَ شُرْبِهِ اللَّبَنَ إِنَّمَا كَانَتْ بَعْدَ هَذَا، حِينَ سَارَ إِلَى عَرَفَةَ، وَوَقَفَ بِهَا هَكَذَا جَاءَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مُصَرَّحًا بِهِ عَنْ ميمونة: أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلَابٍ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ. وَفِي لَفْظٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ. وَمَوْضِعُ خُطْبَتِهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَوْقِفِ، فَإِنَّهُ خَطَبَ بِعُرَنَةَ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْمَوْقِفِ، وَهُوَ ﷺ ، نَزَلَ بِنَمِرَةَ، وَخَطَبَ بِعُرَنَةَ، وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ، وَخَطَبَ خُطْبَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ تَكُنْ خُطْبَتَيْنِ، جَلَسَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا أَتَمَّهَا أَمَرَ بلالا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، أَسَرَّ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَكَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُصَلِّي جُمُعَةً، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ أَيْضًا، وَمَعَهُ أَهْلُ مَكَّةَ، وَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ قَصْرًا وَجَمْعًا بِلَا رَيْبٍ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِتْمَامِ، وَلَا بِتَرْكِ الْجَمْعِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: " «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» " فَقَدْ غَلِطَ فِيهِ غَلَطًا بَيِّنًا، وَوَهِمَ وَهْمًا قَبِيحًا، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ بِجَوْفِ مَكَّةَ، حَيْثُ كَانُوا فِي دِيَارِهِمْ مُقِيمِينَ. وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقْصُرُونَ وَيَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ، كَمَا فَعَلُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي هَذَا أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ سَفَرَ

стр. 692

الْقَصْرِ لَا يَتَحَدَّدُ بِمَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَلَا بِأَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ، وَلَا تَأْثِيرَ لِلنُّسُكِ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ لِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا وَهُوَ السَّفَرُ، هَذَا مُقْتَضَى السُّنَّةِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَدِّدُونَ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَوَقَفَ فِي ذَيْلِ الْجَبَلِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ عَلَى بَعِيرِهِ فَأَخَذَ فِي الدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ، وَالِابْتِهَالِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَرْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ عَرَفَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَوْقِفِهِ ذَلِكَ، بَلْ قَالَ: " وَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ". وَأَرْسَلَ إِلَى النَّاسِ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مَشَاعِرِهِمْ، وَيَقِفُوا بِهَا، فَإِنَّهَا مِنْ إِرْثِ

стр. 693

أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ، وَهُنَالِكَ أَقْبَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الْحَجِّ، فَقَالَ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، تَمَّ حَجُّهُ، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» ". وَكَانَ فِي دُعَائِهِ رَافِعًا يَدَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ كَاسْتِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ خَيْرَ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَذَكَرَ مِنْ دُعَائِهِ ﷺ فِي الْمَوْقِفِ: «اللُّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَالَّذِي نَقُولُ، وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ، اللَّهُمَّ لَكَ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي، وَإِلَيْكَ مَآبِي، وَلَكَ رَبِّي تُرَاثِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ، وَشَتَاتِ الْأَمْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيحُ» " ذَكَرَهُ الترمذي.

стр. 694

وَمِمَّا ذُكِرَ مِنْ دُعَائِهِ هُنَاكَ: " «اللَّهُمَّ تَسْمَعُ كَلَامِي، وَتَرَى مَكَانِي، وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي، لَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ، الْمُسْتَغِيثُ، الْمُسْتَجِيرُ، وَالْوَجِلُ الْمُشْفِقُ الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذُنُوبِي، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ، مَنْ خَضَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنَاهُ، وَذَلَّ جَسَدُهُ، وَرَغِمَ أَنْفُهُ لَكَ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيَّا، وَكُنْ بِي رَءُوفًا رَحِيمًا، يَا خَيْرَ الْمَسْئُولِينَ، وَيَا خَيْرَ الْمُعْطِينَ» ". ذَكَرَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ: " «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ". وَذَكَرَ البيهقي مِنْ حَدِيثِ علي ﵁ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «أَكْثَرُ دُعَائِي وَدُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي بِعَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي صَدْرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ وَسْوَاسِ الصَّدْرِ، وَشَتَاتِ الْأَمْرِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ

стр. 695

مِنْ شَرِّ مَا يَلِجُ فِي اللَّيْلِ، وَشَرِّ مَا يَلِجُ فِي النَّهَارِ، وَشَرِّ مَا تَهُبُّ بِهِ الرِّيَاحُ وَشَرِّ بَوَائِقِ الدَّهْرِ» ) . وَأَسَانِيدُ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ فِيهَا لِينٌ. وَهُنَاكَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] [الْمَائِدَةِ ٣] . وَهُنَاكَ سَقَطَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثْوْبَيْهِ، وَلَا يُمَسَّ بِطِيبٍ، وَأَنْ يُغَسَّلَ بِمَاءٍ، وَسِدْرٍ، وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ، وَلَا وَجْهُهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ اثْنَا عَشَرَ حُكْمًا. الْأَوَّلُ: وُجُوبُ غُسْلِ الْمَيِّتِ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهِ. الْحُكْمُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَجُسَ بِالْمَوْتِ لَمْ يَزِدْهُ غُسْلُهُ إِلَّا نَجَاسَةً؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَوْتِ لِلْحَيَوَانِ عَيْنِيَّةٌ، فَإِنْ سَاعَدَ الْمُنَجِّسُونَ عَلَى أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ، بَطَلَ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا بِالْمَوْتِ، وَإِنْ قَالُوا: لَا يَطْهُرُ، لَمْ يَزِدِ الْغُسْلُ أَكْفَانَهُ وَثِيَابَهُ وَغَاسِلَهُ إِلَّا نَجَاسَةً.

стр. 696

الْحُكْمُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ، أَنْ يُغَسَّلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، لَا يُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى الْمَاءِ وَحْدَهُ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالسِّدْرِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ هَذَا أَحَدُهَا، وَالثَّانِي: فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، وَالثَّالِثُ: فِي غُسْلِ الْحَائِضِ. وَفِي وُجُوبِ السِّدْرِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ. الْحُكْمُ الرَّابِعُ: أَنَّ تَغَيُّرَ الْمَاءِ بِالطَّاهِرَاتِ لَا يَسْلُبُهُ طَهُورِيَّتَهُ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ أَنَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد، وَإِنْ كَانَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى خِلَافِهَا، وَلَمْ يَأْمُرْ بِغُسْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ قَرَاحٍ، بَلْ أَمَرَ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ أَنْ يَجْعَلْنَ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ شَيْئًا مِنَ الْكَافُورِ، وَلَوْ سَلَبَهُ الطَّهُورِيَّةَ، لَنَهَى عَنْهُ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ مُجَرَّدَ اكْتِسَابِ الْمَاءِ مِنْ رَائِحَتِهِ حَتَّى يَكُونَ تَغَيُّرَ مُجَاوَرَةٍ، بَلْ هُوَ تَطْيِيبُ الْبَدَنِ، وَتَصْلِيبُهُ، وَتَقْوِيتُهُ، وَهَذَا إِنَّمَا يَحْصُلُ بِكَافُورٍ مُخَالِطٍ لَا مُجَاوِرٍ. الْحُكْمُ الْخَامِسُ: إِبَاحَةُ الْغُسْلِ لِلْمُحْرِمِ، وَقَدْ تَنَاظَرَ فِي هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَفَصَلَ بَيْنَهُمَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اغْتَسَلَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَلَكِنْ

стр. 697

كَرِهَ مالك ﵀ أَنْ يُغَيَّبَ رَأْسُهُ فِي الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ سِتْرٍ لَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ عَبَّاسٍ. الْحُكْمُ السَّادِسُ: أَنَّ الْمُحْرِمَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنَ الْمَاءِ وَالسِّدْرِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَأَبَاحَهُ الشَّافِعِيُّ، وأحمد فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَمَنَعَ مِنْهُ مالك، وأبو حنيفة، وأحمد فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صالح عَنْهُ. قَالَ: فَإِنْ فَعَلَ أَهْدَى، وَقَالَ صَاحِبَا أبي حنيفة: إِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ. وَلِلْمَانِعِينَ ثَلَاثُ عِلَلٍ. إِحْدَاهَا: أَنَّهُ يَقْتُلُ الْهَوَامَّ مِنْ رَأْسِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّفَلِّي. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَرَفُّهٌ، وَإِزَالَةُ شَعَثٍ يُنَافِي الْإِحْرَامَ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَسْتَلِذُّ رَائِحَتَهُ، فَأَشْبَهَ الطِّيبَ وَلَا سِيَّمَا الْخِطْمِيُّ. وَالْعِلَلُ الثَّلَاثُ وَاهِيَةٌ جِدًّا، وَالصَّوَابُ جَوَازُهُ لِلنَّصِّ، وَلَمْ يُحَرِّمِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ إِزَالَةَ الشَّعَثِ بِالِاغْتِسَالِ، وَلَا قَتْلَ الْقَمْلِ، وَلَيْسَ السِّدْرُ مِنَ الطِّيبِ فِي شَيْءٍ. الْحُكْمُ السَّابِعُ: أَنَّ الْكَفَنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ، وَعَلَى الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ وَارِثِهِ، وَلَا عَنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ. وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحَالُ، لَسَأَلَ. وَكَمَا أَنَّ كِسْوَتَهُ فِي الْحَيَاةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَمَاتِ، هَذَا كَلَامُ الْجُمْهُورِ، وَفِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. الْحُكْمُ الثَّامِنُ: جَوَازُ الِاقْتِصَارِ فِي الْكَفَنِ عَلَى ثَوْبَيْنِ، وَهُمَا إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ الْقَاضِي أبو يعلى: لَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ عِنْدَ الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَوْبَيْنِ لَمْ يَجُزِ التَّكْفِينُ بِالثَّلَاثَةِ لِمَنْ لَهُ أَيْتَامٌ وَالصَّحِيحُ: خِلَافُ قَوْلِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ يُنْقَضُ بِالْخَشِنِ مَعَ الرَّفِيعِ. الْحُكْمُ التَّاسِعُ: أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنَ الطِّيبِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَمَسَّ

стр. 698

طِيبًا، مَعَ شَهَادَتِهِ لَهُ أَنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ الطِّيبِ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " «لَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ» ". وَأَمَرَ الَّذِي أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِالْخَلُوقِ، أَنْ تُنْزَعَ عَنْهُ الْجُبَّةُ، وَيُغْسَلَ عَنْهُ أَثَرُ الْخَلُوقِ. فَعَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ مَدَارُ مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ الطِّيبِ. وَأَصْرَحُهَا: هَذِهِ الْقِصَّةُ، فَإِنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ إِنَّمَا هُوَ عَنْ نَوْعٍ خَاصٍّ مِنَ الطِّيبِ لَا سِيَّمَا الْخَلُوقُ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهُ عَامٌّ فِي الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهِ. وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ نَهَى أَنْ يَقْرَبَ طِيبًا، أَوْ يُمَسَّ بِهِ تَنَاوَلَ ذَلِكَ الرَّأْسَ وَالْبَدَنَ وَالثِّيَابَ وَأَمَّا شَمُّهُ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ فَإِنَّمَا حَرَّمَهُ مَنْ حَرَّمَهُ بِالْقِيَاسِ، وَإِلَّا فَلَفْظُ النَّهْيِ لَا يَتَنَاوَلُهُ بِصَرِيحِهِ وَلَا إِجْمَاعَ مَعْلُومَ فِيهِ، يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ تَحْرِيمُهُ مِنْ بَابِ تَحْرِيمِ الْوَسَائِلِ، فَإِنَّ شَمَّهُ يَدْعُو إِلَى مُلَامَسَتِهِ فِي الْبَدَنِ وَالثِّيَابِ، كَمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى غَيْرِهِ، وَمَا حَرُمَ تَحْرِيمَ الْوَسَائِلِ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ، أَوِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، كَمَا يُبَاحُ النَّظَرُ إِلَى الْأَمَةِ الْمُسْتَامَةِ، وَالْمَخْطُوبَةِ، وَمَنْ شَهِدَ عَلَيْهَا، أَوْ يُعَامِلُهَا، أَوْ يَطِبُّهَا. وَعَلَى هَذَا، فَإِنَّمَا يُمْنَعُ الْمُحْرِمُ مِنْ قَصْدِ شَمِّ الطِّيبِ لِلتَّرَفُّهِ، وَاللَّذَّةِ، فَأَمَّا إِذَا وَصَلَتِ الرَّائِحَةُ إِلَى أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ، أَوْ شَمَّهُ قَصْدًا لِاسْتِعْلَامِهِ عِنْدَ شِرَائِهِ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سَدُّ أَنْفِهِ، فَالْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ نَظَرِ الْفَجْأَةِ، وَالثَّانِي: بِمَنْزِلَةِ نَظَرِ الْمُسْتَامِ وَالْخَاطِبِ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا، أَنَّ الَّذِينَ أَبَاحُوا لِلْمُحْرِمِ اسْتِدَامَةَ الطِّيبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِإِبَاحَةِ تَعَمُّدِ شَمِّهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُ أبي حنيفة فَقَالُوا: فِي"جَوَامِعِ الْفِقْهِ" لأبي يوسف: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَشُمَّ طِيبًا تَطَيَّبَ بِهِ قَبْلَ إِحْرَامِهِ، قَالَ:

стр. 699

صَاحِبُ " الْمُفِيدِ ": إِنَّ الطِّيبَ يَتَّصِلُ بِهِ فَيَصِيرُ تَبَعًا لَهُ؛ لِيَدْفَعَ بِهِ أَذَى التَّعَبِ بَعْدَ إِحْرَامِهِ، فَيَصِيرُ كَالسَّحُورِ فِي حَقِّ الصَّائِمِ، يَدْفَعُ بِهِ أَذَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ فِي الصَّوْمِ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ بَائِنٌ عَنْهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ، هَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ اسْتِدَامَتِهِ كَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ ابْتِدَائِهِ أَوْ يَجُوزُ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: جَوَازُ اسْتِدَامَتِهِ اتِّبَاعًا لِمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَتَطَيَّبُ قَبْلَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ يُرَى وَبِيصُ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِهِ بَعْدَ إِحْرَامِهِ، وَفِي لَفْظٍ "وَهُوَ يُلَبِّي" وَفِي لَفْظٍ " بَعْدَ ثَلَاثٍ ". وَكُلُّ هَذَا يَدْفَعُ التَّأْوِيلَ الْبَاطِلَ الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَلَمَّا اغْتَسَلَ ذَهَبَ أَثَرُهُ. وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ تَطَيَّبَ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ، ثُمَّ يُرَى، وَبِيصُ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ، وَلِحْيَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ» ، وَلِلَّهِ مَا يَصْنَعُ التَّقْلِيدُ، وَنُصْرَةُ الْآرَاءِ بِأَصْحَابِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مُخْتَصَّا بِهِ، وَيَرُدُّ هَذَا أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَعْوَى الِاخْتِصَاصِ لَا تُسْمَعُ إِلَّا بِدَلِيلٍ. وَالثَّانِي: مَا رَوَاهُ أبو داود، عَنْ عائشة، ( «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا، سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يَنْهَانَا» ) .

стр. 700

الْحُكْمُ الْعَاشِرُ: أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ، وَالْمَرَاتِبُ فِيهِ ثَلَاثٌ: مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَجَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَالْأَوَّلُ: كُلُّ مُتَّصِلٍ مُلَامِسٍ يُرَادُ لِسِتْرِ الرَّأْسِ، كَالْعِمَامَةِ، وَالْقُبَعَةِ، وَالطَّاقِيَّةِ، وَالْخُوذَةِ وَغَيْرِهَا. وَالثَّانِي: كَالْخَيْمَةِ، وَالْبَيْتِ وَالشَّجَرَةِ، وَنَحْوِهَا، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، إِلَّا أَنَّ مالكا مَنَعَ الْمُحْرِمَ أَنْ يَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى شَجَرَةٍ؛ لِيَسْتَظِلَّ بِهِ، وَخَالَفَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَمَنَعَ أَصْحَابُهُ الْمُحْرِمَ أَنْ يَمْشِيَ فِي ظِلِّ الْمَحْمِلِ. وَالثَّالِثُ: كَالْمَحْمِلِ، وَالْمَحَارَةِ، وَالْهَوْدَجِ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وأبي حنيفة - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ. فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى، وَهُوَ مَذْهَبُ مالك ﵀. وَالثَّالِثُ: الْمَنْعُ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَالثَّلَاثَةُ رِوَايَاتٌ عَنْ أحمد ﵀. الْحُكْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ: مَنْعُ الْمُحْرِمِ مِنْ تَغْطِيَةِ وَجْهِهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وأحمد فِي رِوَايَةٍ إِبَاحَتُهُ وَمَذْهَبُ مالك، وأبي حنيفة، وأحمد فِي رِوَايَةٍ الْمَنْعُ، مِنْهُ وَبِإِبَاحَتِهِ قَالَ سِتَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عثمان، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، والزبير، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وجابر ﵃. وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ شَاذٌّ: إِنْ كَانَ حَيَّا، فَلَهُ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا، لَمْ يَجُزْ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ، قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِظَاهِرِيَّتِهِ. وَاحْتَجَّ الْمُبِيحُونَ بِأَقْوَالِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ، وَبِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَبِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: " «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» " وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِ: " «وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ» " بِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ فِيهِ. قَالَ شعبة: حَدَّثَنِيهِ أبو بشر، ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، فَجَاءَ بِالْحَدِيثِ كَمَا كَانَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: " «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا وَجْهَهُ» " قَالُوا:

стр. 701

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهَا. قَالُوا: وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " «خَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» ". الْحُكْمُ الثَّانِيَ عَشَرَ: بَقَاءُ الْإِحْرَامِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ عثمان، وعلي، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِمْ ﵃، وَبِهِ قَالَ أحمد، وَالشَّافِعِيُّ، وإسحاق، وَقَالَ أبو حنيفة، ومالك، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَنْقَطِعُ الْإِحْرَامُ بِالْمَوْتِ، وَيُصْنَعُ بِهِ كَمَا يُصْنَعُ بِالْحَلَالِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : " «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» ". قَالُوا: وَلَا دَلِيلَ فِي حَدِيثِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ، كَمَا قَالُوا فِي صَلَاتِهِ عَلَى النَّجَاشِيِّ: إِنِّهَا مُخْتَصَّةٌ بِهِ.

стр. 702

قَالَ الْجُمْهُورُ: دَعْوَى التَّخْصِيصِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَلَا تُقْبَلُ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: " «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» "، إِشَارَةٌ إِلَى الْعِلَّةِ. فَلَوْ كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ لَمْ يُشِرْ إِلَى الْعِلَّةِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ. وَقَدْ قَالَ نَظِيرَ هَذَا فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ، فَقَالَ: " «زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ، بِكُلُومِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» ". وَهَذَا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: " «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» " وَلَمْ تَقُولُوا: إِنَّ هَذَا خَاصٌّ بِشُهَدَاءِ أُحُدٍ فَقَطْ، بَلْ عَدَّيْتُمُ الْحُكْمَ إِلَى سَائِرِ الشُّهَدَاءِ مَعَ إِمْكَانِ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّخْصِيصِ فِيهِ. وَمَا الْفَرْقُ؟ وَشَهَادَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَةٌ، وَأَيْضًا: فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُوَافِقٌ لِأُصُولِ الشَّرْعِ وَالْحِكْمَةِ الَّتِي رُتِّبَ عَلَيْهَا الْمُعَادُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى حَالَةٍ بُعِثَ عَلَيْهَا فَلَوْ لَمْ يَرِدْ هَذَا الْحَدِيثُ، لَكَانَتْ أُصُولُ الشَّرْعِ شَاهِدَةً بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [مُتَابَعَةُ سِيَاقِ حَجَّتِهِ ﷺ ] فَصْلٌ عُدْنَا إِلَى سِيَاقِ حَجَّتِهِ ﷺ . فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَحْكَمَ غُرُوبُهَا، بِحَيْثُ ذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ، أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ خَلْفَهُ، وَأَفَاضَ بِالسَّكِينَةِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ زِمَامَ نَاقَتِهِ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ طَرْفَ رَحْلِهِ وَهُوَ يَقُولُ: " «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» " أَيْ: لَيْسَ بِالْإِسْرَاعِ.

стр. 703

وَأَفَاضَ مِنْ طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ، وَدَخَلَ عَرَفَةَ مِنْ طَرِيقِ ضَبٍّ، وَهَكَذَا كَانَتْ عَادَتُهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ -فِي الْأَعْيَادِ، أَنْ يُخَالِفَ الطَّرِيقَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكْمَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى هَدْيِهِ فِي الْعِيدِ. ثُمَّ جَعَلَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ لَيْسَ بِالسَّرِيعِ وَلَا الْبَطِيءِ. فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً وَهُوَ الْمُتَّسَعُ، نَصَّ سَيْرَهُ، أَيْ: رَفَعَهُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَكُلَّمَا أَتَى رَبْوَةً مِنْ تِلْكَ الرُّبَى، أَرْخَى لِلنَّاقَةِ زِمَامَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ. وَكَانَ يُلَبِّي فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ، لَمْ يَقْطَعِ التَّلْبِيَةَ. فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ نَزَلَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - فَبَالَ، وَتَوَضَّأَ، وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقَالَ لَهُ أسامة: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: " «الصَّلَاةَ - أَوِ الْمُصَلَّى - أَمَامَكَ» ". ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْأَذَانِ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ وَتَبْرِيكِ الْجِمَالِ، فَلَمَّا حَطُّوا رِحَالَهُمْ أَمَرَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ صَلَّى عِشَاءَ الْآخِرَةِ بِإِقَامَةٍ بِلَا أَذَانٍ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ، وَرُوِيَ بِإِقَامَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، كَمَا فَعَلَ بِعَرَفَةَ. ثُمَّ نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، وَلَمْ يُحْيِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَلَا صَحَّ عَنْهُ فِي إِحْيَاءِ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ شَيْءٌ.

стр. 704

[رَمْيُ الْجِمَارِ قَبْلَ الْفَجْرِ] " «وَأَذِنَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِضَعَفَةِ أَهْلِهِ أَنْ يَتَقَدَّمُوا إِلَى مِنًى قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الْقَمَرِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» "حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَحَّحَهُ الترمذي وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ عائشة ﵂: «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بأم سلمة لَيْلَةَ

стр. 705

النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ، فَأَفَاضَتْ» ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعْنِي عِنْدَهَا، رَوَاهُ أبو داود، فَحَدِيثٌ مُنْكَرٌ، أَنْكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى إِنْكَارِهِ أَنَّ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيَ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، وَفِي رِوَايَةٍ: " تُوَافِيَهُ بِمَكَّةَ " وَكَانَ يَوْمَهَا، فَأَحَبَّ أَنْ تُوَافِيَهُ، وَهَذَا مِنَ الْمُحَالِ قَطْعًا. قَالَ الأثرم: قَالَ لِي أبو عبد الله: حَدَّثَنَا أبو معاوية، عَنْ هشام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زينب بنت أم سلمة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَقَالَ وَكِيعٌ: عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، وَهَذَا أَعْجَبُ أَيْضًا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ وَقْتَ الصُّبْحِ مَا يَصْنَعُ بِمَكَّةَ؟ يُنْكِرُ ذَلِكَ. قَالَ: فَجِئْتُ إِلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: عَنْ هشام عَنْ أَبِيهِ: " أَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيَ " وَلَيْسَ " تُوَافِيهِ " قَالَ: وَبَيْنَ ذَيْنِ فَرْقٌ. قَالَ: وَقَالَ لِي يحيى: سَلْ عبد الرحمن عَنْهُ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ هَكَذَا سفيان، عَنْ هشام، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ الخلال: سَهَا الأثرم فِي حِكَايَتِهِ عَنْ وَكِيعٍ "تُوَافِيهِ"، وَإِنَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: تُوَافِي مِنًى. وَأَصَابَ فِي قَوْلِهِ: " تُوَافِي " كَمَا قَالَ أَصْحَابُهُ، وَأَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ: " مِنًى ". قَالَ الخلال: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هارون بن عمران، عَنْ
следующие страницы →