Полный текст (2 628 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي، قَالَ: مَا يُبْكِيكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: هَذَا شَيْءٌ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» ) .
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ: هَلْ كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً أَوْ مُفْرِدَةً؟ فَإِذَا كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً، فَهَلْ رَفَضَتْ عُمْرَتَهَا، أَوِ انْتَقَلَتْ إِلَى الْإِفْرَادِ وَأَدْخَلَتْ عَلَيْهَا الْحَجَّ وَصَارَتْ قَارِنَةً، وَهَلِ الْعُمْرَةُ الَّتِي أَتَتْ بِهَا مِنَ التَّنْعِيمِ كَانَتْ وَاجِبَةً أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، فَهَلْ هِيَ مُجْزِئَةٌ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا؟ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مَوْضِعِ حَيْضِهَا، وَمَوْضِعِ طُهْرِهَا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْبَيَانَ الشَّافِيَ فِي ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسْأَلَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى قِصَّةِ عائشة، وَهِيَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَحْرَمَتْ بِالْعُمْرَةِ، فَحَاضَتْ وَلَمْ يُمْكِنْهَا الطَّوَافُ قَبْلَ التَّعْرِيفِ، فَهَلْ تَرْفُضُ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ، وَتُهِلُّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، أَوْ تُدْخِلُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَتَصِيرُ قَارِنَةً؟ فَقَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ، مِنْهُمْ أبو حنيفة وَأَصْحَابُهُ، وَبِالثَّانِي: فُقَهَاءُ الْحِجَازِ، مِنْهُمُ: الشَّافِعِيُّ ومالك، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَتْبَاعِهِ.
قَالَ الْكُوفِيُّونَ: ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، عَنْ عروة ( «عَنْ عائشة أَنَّهَا قَالَتْ: " أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَقَالَ انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ. قَالَتْ: فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ مِنْهُ. فَقَالَ: " هِذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ» ) . قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً، وَعَلَى
стр. 632
أَنَّهَا رَفَضَتْ عُمْرَتَهَا وَأَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : " دَعِي عُمْرَتَكِ "، وَلِقَوْلِهِ: ( «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» ) . وَلَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى إِحْرَامِهَا، لَمَا جَازَ لَهَا أَنْ تَمْتَشِطَ، وَلِأَنَّهُ قَالَ لِلْعُمْرَةِ الَّتِي أَتَتْ بِهَا مِنَ التَّنْعِيمِ: " هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ ". وَلَوْ كَانَتْ عُمْرَتُهَا الْأُولَى بَاقِيَةً لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مَكَانَهَا، بَلْ كَانَتْ عُمْرَةً مُسْتَقِلَّةً.
قَالَ الْجُمْهُورُ: لَوْ تَأَمَّلْتُمْ قِصَّةَ عائشة حَقَّ التَّأَمُّلِ، وَجَمَعْتُمْ بَيْنَ طُرُقِهَا وَأَطْرَافِهَا، لَتَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهَا قَرَنَتْ، وَلَمْ تَرْفُضِ الْعُمْرَةَ، فَفِي " صَحِيحِ مسلم ": عَنْ جابر ﵁ قَالَ: ( «أَهَلَّتْ عائشة بِعُمْرَةٍ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِسَرِفٍ عَرَكَتْ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عائشة فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: " مَا شَأْنُكِ "؟ قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ وَقَدْ أَحَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحِلَّ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ، قَالَ: إِنَّ هَذَا أَمْرٌ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ "، فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ كُلَّهَا، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ثُمَّ قَالَ: " قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ "، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ. قَالَ: " فَاذْهَبْ بِهَا يَا عبد الرحمن فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» ) .
وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": مِنْ حَدِيثِ طَاوُوسٍ عَنْهَا: ( «أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَقَدِمْتُ وَلَمْ أَطُفْ حَتَّى حِضْتُ، فَنَسَكْتُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّفْرِ: يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» ) .
فَهَذِهِ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ، أَنَّهَا كَانَتْ فِي حَجٍّ وَعُمْرَةٍ لَا فِي حَجٍّ مُفْرَدٍ، وَصَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ، وَصَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا لَمْ تَرْفُضْ إِحْرَامَ الْعُمْرَةِ، بَلْ بَقِيَتْ فِي إِحْرَامِهَا كَمَا هِيَ لَمْ تَحِلَّ مِنْهُ. وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ
стр. 633
الْحَدِيثِ: ( «كُونِي فِي عُمْرَتِكِ، فَعَسَى أَنَّ اللَّهَ يَرْزُقُكِيهَا» ) ، وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا قَوْلَهُ: " دَعِي عُمْرَتَكِ ". فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ رَفْضَهَا وَتَرْكَهَا، لَمَا قَالَ لَهَا: ( «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» ) ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ دَعِي أَعْمَالَهَا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ رَفْضَ إِحْرَامِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ( «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» ) ، فَهَذَا مِمَّا أَعْضَلَ عَلَى النَّاسِ، وَلَهُمْ فِيهِ أَرْبَعَةُ مَسَالِكَ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى رَفْضِ الْعُمْرَةِ كَمَا قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ.
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: إِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَمْشُطَ رَأْسَهُ، وَلَا دَلِيلَ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا تَحْرِيمِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ.
الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: تَعْلِيلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَرَدُّهَا بِأَنَّ عروة انْفَرَدَ بِهَا، وَخَالَفَ بِهَا سَائِرَ الرُّوَاةِ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَهَا طَاوُوسٌ والقاسم والأسود وَغَيْرُهُمْ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ. قَالُوا: وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة حَدِيثَ حَيْضِهَا فِي الْحَجِّ، فَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: ( «دَعِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» ) ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ. .. قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عروة لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ عائشة.
الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: أَنَّ قَوْلَهُ " دَعِي الْعُمْرَةَ "، أَيْ دَعِيهَا، بِحَالِهَا لَا تَخْرُجِي مِنْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَرْكَهَا، قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: ( «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» ) .
الثَّانِي: قَوْلُهُ: " كُونِي فِي عُمْرَتِكِ ". قَالُوا: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى رَفْضِهَا لِسَلَامَتِهِ مِنَ التَّنَاقُضِ. قَالُوا: وَأَمَّا قَوْلُهُ: " هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ فعائشة أَحَبَّتْ أَنْ تَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، فَأَخْبَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ طَوَافَهَا وَقَعَ عَنْ حَجَّتِهَا وَعُمْرَتِهَا، وَأَنَّ
стр. 634
عُمْرَتَهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي حَجِّهَا، فَصَارَتْ قَارِنَةً، فَأَبَتْ إِلَّا عُمْرَةً مُفْرَدَةً كَمَا قَصَدَتْ أَوَّلًا، فَلَمَّا حَصَلَ لَهَا ذَلِكَ، قَالَ: " هِذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ ".
وَفِي " سُنَنِ الأثرم "، عَنِ الأسود، قَالَ: قُلْتُ لعائشة: اعْتَمَرْتِ بَعْدَ الْحَجِّ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا كَانَتْ عُمْرَةً، مَا كَانَتْ إِلَّا زِيَارَةً زُرْتُ الْبَيْتَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّمَا أَعْمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عائشة حِينَ أَلَحَّتْ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَرْجِعُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ، وَأَرْجِعُ بِنُسُكٍ؟ فَقَالَ: " يَا عبد الرحمن؛ أَعْمِرْهَا "، فَنَظَرَ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ، فَأَعْمَرَهَا مِنْهُ.
[مَا أَحْرَمَتْ بِهِ عَائِشَةَ أَوَّلًا]
فَصْلٌ
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا أَحْرَمَتْ بِهِ عائشة أَوَّلًا عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ. وَفِي " الصَّحِيحِ " عَنْهَا، ( «قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ ". قَالَتْ: وَكَانَ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، قَالَتْ: فَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ» ) ، وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ. .. " وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: " دَعِي الْعُمْرَةَ وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ "، قَالَهُ لَهَا بِسَرِفٍ قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ إِحْرَامَهَا كَانَ بِعُمْرَةٍ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا أَحْرَمَتْ أَوَّلًا بِالْحَجِّ وَكَانَتْ مُفْرِدَةً، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وعمرة كُلُّهُمْ عَنْ عائشة، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ لَا بِعُمْرَةٍ، مِنْهَا: حَدِيثُ عمرة عَنْهَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، وَحَدِيثُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ مِثْلُهُ، وَحَدِيثُ القاسم: " «لَبَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ» ". قَالَ وَغَلَّطُوا عروة فِي قَوْلِهِ عَنْهَا: " كُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ". قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَدِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الأسود والقاسم وعمرة، عَلَى الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا، فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ
стр. 635
الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ عروة غَلَطٌ، قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْغَلَطُ، إِنَّمَا وَقَعَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُمْكِنْهَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَأَنْ تَحِلَّ بِعُمْرَةٍ كَمَا فَعَلَ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَتْرُكَ الطَّوَافَ، وَتَمْضِيَ عَلَى الْحَجِّ، فَتَوَهَّمُوا بِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَمِرَةً، وَأَنَّهَا تَرَكَتْ عُمْرَتَهَا، وَابْتَدَأَتْ بِالْحَجِّ. قَالَ أبو عمر: وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهَا كَانَتْ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ، كَمَا رَوَى عَنْهَا عروة. قَالُوا: وَالْغَلَطُ الَّذِي دَخَلَ عَلَى عروة، إِنَّمَا كَانَ فِي قَوْلِهِ: ( «انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَدَعِي الْعُمْرَةَ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ» ) .
وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: ( «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ» ) . فَبَيَّنَ حماد أَنَّ عروة لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ عائشة.
قُلْتُ: مِنَ الْعَجَبِ رَدُّ هَذِهِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لَا مَدْفَعَ لَهَا، وَلَا مَطْعَنَ فِيهَا، وَلَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا الْبَتَّةَ بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ لَيْسَ ظَاهِرًا فِي أَنَّهَا كَانَتْ مُفْرِدَةً، فَإِنَّ غَايَةَ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ مُفْرِدَةً، قَوْلُهَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ. فَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ! أَيُظَنُّ بِالْمُتَمَتِّعِ أَنَّهُ خَرَجَ لِغَيْرِ الْحَجِّ، بَلْ خَرَجَ لِلْحَجِّ مُتَمَتِّعًا، كَمَا أَنَّ الْمُغْتَسِلَ لِلْجَنَابَةِ إِذَا بَدَأَ فَتَوَضَّأَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ: خَرَجْتُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ وَصَدَقَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ إِذْ كَانَتْ لَا تَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ حَتَّى أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ، بِأَمْرِهِ ﷺ ، وَكَلَامُهَا يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَأَمَّا قَوْلُهَا: لَبَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَقَدْ قَالَ جابر عَنْهَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": إِنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ طَاوُوسٌ عَنْهَا فِي " صَحِيحِ مسلم "، وَكَذَلِكَ قَالَ مجاهد عَنْهَا، فَلَوْ تَعَارَضَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهَا، فَرِوَايَةُ الصَّحَابَةِ عَنْهَا أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا مِنْ رِوَايَةِ التَّابِعِينَ، كَيْفَ وَلَا تَعَارُضَ فِي ذَلِكَ الْبَتَّةَ، فَإِنَّ الْقَائِلَ فَعَلْنَا كَذَا، يَصْدُقُ ذَلِكَ مِنْهُ بِفِعْلِهِ، وَبِفِعْلِ أَصْحَابِهِ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ
стр. 636
إِلَى الْحَجِّ، مَعْنَاهُ: تَمَتَّعَ أَصْحَابُهُ، فَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَيْهِ لِأَمْرِهِ بِهِ، فَهَلَّا قُلْتُمْ فِي قَوْلِ عائشة: لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ جِنْسُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَبَّوْا بِالْحَجِّ. وَقَوْلِهَا: فَعَلْنَا، كَمَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَافَرْنَا مَعَهُ وَنَحْوِهِ. وَيَتَعَيَّنُ قَطْعًا - إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ غَلَطًا - أَنْ تُحْمَلَ عَلَى ذَلِكَ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، أَنَّهَا كَانَتْ أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ وَكَيْفَ يُنْسَبُ عُرْوَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْغَلَطِ، وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِهَا وَكَانَ يَسْمَعُ مِنْهَا مُشَافَهَةً بِلَا وَاسِطَةٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ حماد: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: " دَعِي عُمْرَتَكِ "، فَهَذَا إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْلِيلِهِ، وَرَدِّهِ إِذَا خَالَفَ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةَ عَنْهَا، فَأَمَّا إِذَا وَافَقَهَا وَصَدَّقَهَا، وَشَهِدَ لَهَا أَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحْفُوظٌ، وَأَنَّ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ ضَبَطَهُ وَحَفِظَهُ، هَذَا مَعَ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ انْفَرَدَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّلَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: فَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، وَخَالَفَهُ جَمَاعَةٌ، فَرَوَوْهُ مُتَّصِلًا عَنْ عروة عَنْ عائشة.
فَلَوْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ، فَالْأَكْثَرُونَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، فَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ! كَيْفَ يَكُونُ تَغْلِيطُ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِهَا وَهُوَ عروة فِي قَوْلِهِ عَنْهَا: " وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ " سَائِغًا بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ مُحْتَمَلٍ، وَيُقْضَى بِهِ عَلَى النَّصِّ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الَّذِي شَهِدَ لَهُ سِيَاقُ الْقِصَّةِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهَا؟ فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَةٌ رَوَوْا عَنْهَا، أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ جابر، وعروة، وطاووس، ومجاهد، فَلَوْ كَانَتْ رِوَايَةُ الْقَاسِمِ وعمرة والأسود، مُعَارِضَةً لِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ لَكَانَتْ رِوَايَتُهُمْ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِكَثْرَتِهِمْ، وَلِأَنَّ فِيهِمْ جابرا، وَلِفَضْلِ عروة وَعِلْمِهِ بِحَدِيثِ خَالَتِهِ ﵂.
وَمِنَ الْعَجَبِ قَوْلُهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَمَرَهَا أَنْ تَتْرُكَ الطَّوَافَ، وَتَمْضِيَ عَلَى الْحَجِّ، تَوَهَّمُوا لِهَذَا أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَمِرَةً، فَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الْعُمْرَةَ وَتُنْشِئَ إِهْلَالًا بِالْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا: " وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ "، وَلَمْ يَقُلِ: " اسْتَمِرِّي عَلَيْهِ "، وَلَا امْضِي فِيهِ، وَكَيْفَ يَغْلَطُ رَاوِي الْأَمْرِ بِالِامْتِشَاطِ بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِ لِمَذْهَبِ الرَّادِّ؟ فَأَيْنَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مَا يُحَرِّمُ عَلَى الْمُحْرِمِ تَسْرِيحَ
стр. 637
شَعْرِهِ وَلَا يَسُوغُ تَغْلِيطُ الثِّقَاتِ لِنُصْرَةِ الْآرَاءِ وَالتَّقْلِيدِ. وَالْمُحْرِمُ وَإِنْ أَمِنَ مِنْ تَقْطِيعِ الشَّعْرِ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ تَسْرِيحِ رَأْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ سُقُوطِ شَيْءٍ مِنَ الشَّعْرِ بِالتَّسْرِيحِ، فَهَذَا الْمَنْعُ مِنْهُ مَحَلُّ نِزَاعٍ وَاجْتِهَادٍ، وَالدَّلِيلُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَدُلَّ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إِجْمَاعٌ عَلَى مَنْعِهِ فَهُوَ جَائِزٌ.
[مَا الْمُرَادُ مِنْ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ لِعَائِشَةَ]
فَصْلٌ
وَلِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْعُمْرَةِ الَّتِي أَتَتْ بِهَا عائشة مِنَ التَّنْعِيمِ أَرْبَعَةُ مَسَالِكَ. أَحَدُهَا: أَنَّهَا كَانَتْ زِيَادَةً تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا وَجَبْرًا لَهَا، وَإِلَّا فَطَوَافُهَا وَسَعْيُهَا وَقَعَ عَنْ حَجِّهَا وَعُمْرَتِهَا، وَكَانَتْ مُتَمَتِّعَةً ثُمَّ أَدْخَلَتِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، فَصَارَتْ قَارِنَةً، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، وَالْأَحَادِيثُ لَا تَدُلُّ عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا مَسْلَكُ الشَّافِعِيِّ وأحمد وَغَيْرِهِمَا.
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَمَّا حَاضَتْ أَمَرَهَا أَنْ تَرْفُضَ عُمْرَتَهَا، وَتَنْتَقِلَ عَنْهَا إِلَى حَجٍّ مُفْرَدٍ، فَلَمَّا حَلَّتْ مِنَ الْحَجِّ أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَمِرَ؛ قَضَاءً لِعُمْرَتِهَا الَّتِي أَحْرَمَتْ بِهَا أَوَّلًا، وَهَذَا مَسْلَكُ أبي حنيفة وَمَنْ تَبِعَهُ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَهَذِهِ الْعُمْرَةُ كَانَتْ فِي حَقِّهَا وَاجِبَةً، وَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَانَتْ جَائِزَةً، وَكُلُّ مُتَمَتِّعَةٍ حَاضَتْ وَلَمْ يُمْكِنْهَا الطَّوَافُ قَبْلَ التَّعْرِيفِ، فَهِيَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، إِمَّا أَنْ تُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَتَصِيرَ قَارِنَةً، وَإِمَّا أَنْ تَنْتَقِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَتَصِيرَ مُفْرِدَةً، وَتَقْضِيَ الْعُمْرَةَ.
الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا لَمَّا قَرَنَتْ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ تَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، لِأَنَّ عُمْرَةَ الْقَارِنِ لَا تُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أحمد.
الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا كَانَتْ مُفْرِدَةً، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، وَاسْتَمَرَّتْ عَلَى الْإِفْرَادِ حَتَّى طَهُرَتْ، وَقَضَتِ الْحَجَّ، وَهَذِهِ الْعُمْرَةُ هِيَ عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا مَسْلَكُ القاضي إسماعيل بن إسحاق وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلَا
стр. 638
يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْمَسْلَكِ مِنَ الضَّعْفِ، بَلْ هُوَ أَضْعَفُ الْمَسَالِكِ فِي الْحَدِيثِ.
وَحَدِيثُ عائشة هَذَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أُصُولٌ عَظِيمَةٌ مِنْ أُصُولِ الْمَنَاسِكِ.
أَحَدُهَا: اكْتِفَاءُ الْقَارِنِ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ.
الثَّانِي: سُقُوطُ طَوَافِ الْقُدُومِ عَنِ الْحَائِضِ، كَمَا أَنَّ حَدِيثَ صفية زوج النبي ﷺ أَصْلٌ فِي سُقُوطِ طَوَافِ الْوَدَاعِ عَنْهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ إِدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ لِلْحَائِضِ جَائِزٌ، كَمَا يَجُوزُ لِلطَّاهِرِ، وَأَوْلَى؛ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ مُحْتَاجَةٌ إِلَى ذَلِكَ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْحَائِضَ تَفْعَلُ أَفْعَالَ الْحَجِّ كُلَّهَا، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ التَّنْعِيمَ مِنَ الْحِلِّ.
السَّادِسُ: جَوَازُ عُمْرَتَيْنِ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ.
السَّابِعُ: أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ إِذَا لَمْ يَأْمَنِ الْفَوَاتَ أَنْ يُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَحَدِيثُ عائشة أَصْلٌ فِيهِ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْعُمْرَةِ الْمَكِّيَّةِ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ يَسْتَحِبُّهَا غَيْرُهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ حَجَّ مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ خَارِجًا مِنْهَا إِلَّا عائشة وَحْدَهَا، فَجَعَلَ أَصْحَابُ الْعُمْرَةِ الْمَكِّيَّةِ قِصَّةَ عائشة أَصْلًا لِقَوْلِهِمْ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُمْ فِيهَا، فَإِنَّ عُمْرَتَهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَضَاءً لِلْعُمْرَةِ الْمَرْفُوضَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا رَفَضَتْهَا، فَهِيَ وَاجِبَةٌ قَضَاءً لَهَا، أَوْ تَكُونَ زِيَادَةً مَحْضَةً، وَتَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً، وَإِنَّ طَوَافَهَا وَسَعْيَهَا أَجْزَأَهَا عَنْ حَجِّهَا وَعُمْرَتِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[هَلْ كَانَتْ عُمْرَةُ التَّنْعِيمِ مُجْزِئَةً لِعَائِشَةَ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا كَوْنُ عُمْرَتِهَا تِلْكَ مُجْزِئَةً عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ وَهُمَا
стр. 639
رِوَايَتَانِ عَنْ أحمد، وَالَّذِينَ قَالُوا: لَا تُجْزِئُ، قَالُوا: الْعُمْرَةُ الْمَشْرُوعَةُ الَّتِي شَرَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِعْلُهَا نَوْعَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: عُمْرَةُ التَّمَتُّعِ، وَهِيَ الَّتِي أَذِنَ فِيهَا عِنْدَ الْمِيقَاتِ، وَنَدَبَ إِلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَأَوْجَبَهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ عِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. الثَّانِيَةُ: الْعُمْرَةُ الْمُفْرَدَةُ الَّتِي يُنْشَأُ لَهَا سَفَرٌ، كَعُمَرِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَمْ يُشْرَعْ عُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ غَيْرُ هَاتَيْنِ، وَفِي كِلْتَيْهِمَا الْمُعْتَمِرُ دَاخِلٌ إِلَى مَكَّةَ.
وَأَمَّا عُمْرَةُ الْخَارِجِ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ فَلَمْ تُشْرَعْ. وَأَمَّا عُمْرَةُ عائشة، فَكَانَتْ زِيَارَةً مَحْضَةً، وَإِلَّا فَعُمْرَةُ قِرَانِهَا قَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهَا بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عُمْرَةَ الْقَارِنِ تُجْزِئُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، فَإِنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لعائشة: (يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ) » ، وَفِي لَفْظٍ: " يُجْزِئُكِ "، وَفِي لَفْظٍ: " يَكْفِيكِ ". وَقَالَ: ( «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) ، وَأَمَرَ كُلَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِمَّنْ قَرَنَ مَعَهُ وَسَاقَ الْهَدْيَ بِعُمْرَةٍ أُخْرَى غَيْرَ عُمْرَةِ الْقِرَانِ، فَصَحَّ إِجْزَاءُ عُمْرَةِ الْقَارِنِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ قَطْعًا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَوْضِعُ حَيْضَةِ عَائِشَةَ وَطُهْرِهَا]
فَصْلٌ
وَأَمَّا مَوْضِعُ حَيْضِهَا، فَهُوَ بِسَرِفٍ بِلَا رَيْبٍ، وَمَوْضِعُ طُهْرِهَا قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: بِعَرَفَةَ هَكَذَا رَوَى مجاهد عَنْهَا، وَرَوَى عروة عَنْهَا أَنَّهَا أَظَلَّهَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَهِيَ حَائِضٌ وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا، وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ، وَقَدْ حَمَلَهُمَا ابْنُ حَزْمٍ عَلَى مَعْنَيَيْنِ، فَطُهْرُ عَرَفَةَ: هُوَ الِاغْتِسَالُ لِلْوُقُوفِ بِهَا عِنْدَهُ، قَالَ: لِأَنَّهَا قَالَتْ: تَطَهَّرْتُ بِعَرَفَةَ، وَالتَّطَهُّرُ غَيْرُ الطُّهْرِ، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ القاسم يَوْمَ طُهْرِهَا، أَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَحَدِيثُهُ فِي " صَحِيحِ مسلم ". قَالَ: وَقَدِ اتَّفَقَ القاسم وعروة عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ
стр. 640
يَوْمَ عَرَفَةَ حَائِضًا، وَهُمَا أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْهَا. وَقَدْ رَوَى أبو داود: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْهَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ. .. فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْبَطْحَاءِ، طَهُرَتْ عائشة، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ لَكِنْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، مُخَالِفٌ لِمَا رَوَى هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عَنْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّهَا طَهُرَتْ لَيْلَةَ الْبَطْحَاءِ، وَلَيْلَةُ الْبَطْحَاءِ كَانَتْ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ بِأَرْبَعِ لَيَالٍ، وَهَذَا مُحَالٌ إِلَّا أَنَّنَا لَمَّا تَدَبَّرْنَا وَجَدْنَا هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ عائشة، فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهَا، لِأَنَّهَا مِمَّنْ دُونَ عائشة، وَهِيَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهَا. قَالَ: وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ هَذَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمْ يَذْكُرَا هَذِهِ اللَّفْظَةَ.
قُلْتُ: يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ لِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَحْفَظُ وَأَثْبَتُ مِنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ.
الثَّانِي: أَنَّ حَدِيثَهُمْ فِيهِ إِخْبَارُهَا عَنْ نَفْسِهَا، وَحَدِيثَهُ فِيهِ الْإِخْبَارُ عَنْهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَى عَنْ عروة عَنْهَا الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَهَذِهِ الْغَايَةُ هِيَ الَّتِي بَيَّنَهَا مجاهد والقاسم عَنْهَا، لَكِنْ قَالَ مجاهد عَنْهَا: فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ، والقاسم قَالَ: يَوْمَ النَّحْرِ.
[الْعَوْدَةُ إِلَى سِيَاقِ حَجَّتِهِ ﷺ ]
فَصْلٌ
عُدْنَا إِلَى سِيَاقِ حَجَّتِهِ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ بِسَرِفٍ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ( «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا» ) ، وَهَذِهِ
стр. 641
رُتْبَةٌ أُخْرَى فَوْقَ رُتْبَةِ التَّخْيِيرِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ.
فَلَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ، أَمَرَ أَمْرًا حَتْمًا مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً وَيَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَلَمْ يَنْسَخْ ذَلِكَ شَيْءٌ الْبَتَّةَ، بَلْ «سَأَلَهُ سراقة بن مالك عَنْ هَذِهِ الْعُمْرَةِ الَّتِي أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ إِلَيْهَا، هَلْ هِيَ لِعَامِهِمْ ذَلِكَ أَمْ لِلْأَبَدِ، قَالَ: (بَلْ لِلْأَبَدِ، وَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) » .
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ﷺ الْأَمْرَ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَحَادِيثُهُمْ كُلُّهَا صِحَاحٌ، وَهُمْ عائشة وحفصة أُمَّا الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وسبرة بن معبد الجهني، وسراقة بن مالك المدلجي ﵃، وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.
فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ( «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الْحِلِّ؟ فَقَالَ " الْحِلُّ كُلُّهُ» ) .
وَفِي لَفْظٍ لمسلم: ( «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنَ الْعَشْرِ إِلَى مَكَّةَ، وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَفِي لَفْظٍ: وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوا إِحْرَامَهُمْ بِعُمْرَةٍ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ» ) .
стр. 642
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ( «أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وطلحة، وَقَدِمَ علي ﵁ مِنَ الْيَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ، فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَيَطُوفُوا، وَيُقَصِّرُوا، وَيَحِلُّوا إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، قَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: " لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» ) ، وَفِي لَفْظٍ: فَقَامَ فِينَا فَقَالَ: ( «لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا " فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» ) ، وَفِي لَفْظٍ: ( «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَحْلَلْنَا، أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى. قَالَ: فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ، فَقَالَ سراقة بن مالك بن جعشم: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ لِلْأَبَدِ» ) .
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ، وَهَذَا اللَّفْظُ الْأَخِيرُ صَرِيحٌ فِي إِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِهِمْ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِعَامِهِمْ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَا لِلْأَبَدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ لِلْأَبَدِ.
وَفِي " الْمُسْنَدِ ": عَنِ ابْنِ عُمَرَ ( «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وَأَصْحَابُهُ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرَهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا؟ قَالَ: " نَعَمْ " وَسَطَعَتِ الْمَجَامِرُ» ) .
стр. 643
وَفِي " السُّنَنِ ": عَنِ الربيع بن سبرة، عَنْ أَبِيهِ: ( «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِعُسْفَانَ، قَالَ سراقة بن مالك المدلجي: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْضِ لَنَا قَضَاءَ قَوْمٍ كَأَنَّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ، فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْكُمْ فِي حَجَّةٍ عُمْرَةً، فَإِذَا قَدِمْتُمْ، فَمَنْ تَطَوَّفَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَدْ حَلَّ إِلَّا مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ» ) .
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ. .. فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: ( «فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ "اجْعَلُوهَا عُمْرَةً "، فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ. ..» ) ، وَذَكَرَتْ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: ( «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ، فَأَحْلَلْنَ» ) .
وَفِي لَفْظٍ لمسلم: ( «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ. قَالَ: أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ. مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أُحِلَّ كَمَا حَلُّوا» ) . وَقَالَ مالك: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عمرة، قَالَتْ: سَمِعْتُ ( «عائشة تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ» ) ، قَالَ يَحْيَى بْنُ
стр. 644
سَعِيدٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَتَتْكَ وَاللَّهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ.
وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي حفصة ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقُلْتُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَحِلَّ؟ فَقَالَ: " إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أُحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ الْهَدْيَ» ) .
وَفِي " صَحِيحِ مسلم: ( «عَنْ أسماء بنت أبي بكر ﵄، خَرَجْنَا مُحْرِمِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَقُمْ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ» ) ، وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ.
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " أَيْضًا: ( «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَرُحْنَا إِلَى مِنًى، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ» ) .
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ": عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: ( «أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ. ..» ) ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
[غَضَبُهُ ﷺ مِمَّنْ لَمْ يَفْسَخِ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ]
وَفِي " السُّنَنِ " ( «عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَأَحْرَمْنَا بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ: " اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً ". فَقَالَ النَّاسُ: يَا
стр. 645
رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَحْرَمْنَا بِالْحَجِّ، فَكَيْفَ نَجْعَلُهَا عُمْرَةً؟ فَقَالَ " انْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ "، فَرَدَّدُوا عَلَيْهِ الْقَوْلَ، فَغَضِبَ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عائشة وَهُوَ غَضْبَانُ، فَرَأَتِ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَتْ: مَنْ أَغْضَبَكَ، أَغْضَبَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: وَمَا لِي لَا أَغْضَبُ وَأَنَا آمُرُ أَمْرًا فَلَا يُتَّبَعُ» ) .
وَنَحْنُ نُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْنَا أَنَّا لَوْ أَحْرَمْنَا بِحَجٍّ لَرَأَيْنَا فَرْضًا عَلَيْنَا فَسْخَهُ إِلَى عُمْرَةٍ تَفَادِيًا مِنْ غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاتِّبَاعًا لِأَمْرِهِ. فَوَاللَّهِ مَا نُسِخَ هَذَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَهُ، وَلَا صَحَّ حَرْفٌ وَاحِدٌ يُعَارِضُهُ، وَلَا خَصَّ بِهِ أَصْحَابَهُ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ، بَلْ أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ سراقة أَنْ يَسْأَلَهُ: هَلْ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ لِأَبَدِ الْأَبَدِ، فَمَا نَدْرِي مَا نُقَدِّمُ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا الْأَمْرُ الْمُؤَكَّدُ الَّذِي غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ.
وَلِلَّهِ دَرُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ إِذْ يَقُولُ لسلمة بن شبيب، وَقَدْ قَالَ لَهُ: يَا أبا عبد الله كُلُّ أَمْرِكَ عِنْدِي حَسَنٌ إِلَّا خَلَّةً وَاحِدَةً، قَالَ وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ. فَقَالَ: يَا سلمة! كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا، عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَأَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؟ !
وَفِي " السُّنَنِ " عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، ( «أَنَّ عليا ﵁ لَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ، أَدْرَكَ فاطمة وَقَدْ لَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَنَضَحَتِ الْبَيْتَ بِنَضُوجٍ، فَقَالَ: مَا بَالُكِ؟ فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَحَلُّوا» ) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يزيد عَنْ مجاهد، قَالَ: ( «قَالَ
стр. 646
عبد الله بن الزبير: أَفْرِدُوا الْحَجَّ وَدَعُوا قَوْلَ أَعْمَاكُمْ هَذَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الَّذِي أَعْمَى اللَّهُ قَلْبَهُ لَأَنْتَ، أَلَا تَسْأَلُ أُمَّكَ عَنْ هَذَا؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ، جِئْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ حُجَّاجًا، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً، فَحَلَلْنَا الْإِحْلَالَ كُلَّهُ حَتَّى سَطَعَتِ الْمَجَامِرُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ» ) .
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عطاء أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي ( «جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: " أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً ". فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَقَالَ: " افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ "، فَفَعَلُوا» ) .
وَفِي " صَحِيحِهِ " أَيْضًا عَنْهُ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ. .. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: «فَأَمَرَ النَّبِيَّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَقَالُوا: أَنَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: " لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» ".
وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": عَنْهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا مَكَّةَ، طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ
стр. 647
هَدْيٌ، قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قَالَ: " الْحِلُّ كُلُّهُ "، فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ، وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ، ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ لمسلم: " فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ» .
وَفِي " مُسْنَدِ البزار " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أنس ﵁: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ، طَافُوا بِالْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَنْ يَحِلُّوا، فَهَابُوا ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: أَحِلُّوا فَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ، لَأَحْلَلْتُ، فَأَحَلُّوا حَتَّى حَلُّوا إِلَى النِّسَاءِ» ) .
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ أنس قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ، وَسَبَّحَ ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ» . ..) وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.
وَفِي " صَحِيحِهِ " أَيْضًا: عَنْ ( «أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إِلَى قَوْمِي بِالْيَمَنِ، فَجِئْتُ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: " بِمَ أَهْلَلْتَ "؟ فَقُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ: " هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ "؟ قُلْتُ: لَا، فَأَمَرَنِي، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ» ) .
وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْهُجَيْمِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا هَذِهِ
стр. 648
الْفُتْيَا الَّتِي قَدْ تَشَغَّبَتْ بِالنَّاسِ، أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ؟ فَقَالَ: سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﵌ وَإِنْ رَغِمْتُمْ» .
وَصَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ، كُلُّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ مِمَّنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ مِنْ مُفْرِدٍ أَوْ قَارِنٍ أَوْ مُتَمَتِّعٍ، فَقَدْ حَلَّ إِمَّا وُجُوبًا، وَإِمَّا حُكْمًا، هَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا رَادَّ لَهَا وَلَا مَدْفَعَ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ ﵌: ( «إِذَا أَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» ) ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَفْطَرَ حُكْمًا، أَوْ دَخَلَ وَقْتُ إِفْطَارِهِ، وَصَارَ الْوَقْتُ فِي حَقِّهِ وَقْتَ إِفْطَارِهِ. فَهَكَذَا هَذَا الَّذِي قَدْ طَافَ بِالْبَيْتِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَلَّ حُكْمًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَقْتُ فِي حَقِّهِ لَيْسَ وَقْتَ إِحْرَامٍ، بَلْ هُوَ وَقْتُ حِلٍّ لَيْسَ إِلَّا، مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَهَذَا صَرِيحُ السُّنَّةِ.
وَفِي " صَحِيحِ مسلم " أَيْضًا عَنْ عطاء قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ( «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ إِلَّا حَلَّ» ) ، وَكَانَ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ وَقَبْلَهُ، وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﵌ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ، فَقَدْ دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) .
وَقَالَ عبد الرزاق: حَدَّثَنَا معمر، عَنْ قتادة، عَنْ أبي الشعثاء ( «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ مَنْ جَاءَ مُهِلًّا بِالْحَجِّ، فَإِنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ يُصَيِّرُهُ إِلَى عُمْرَةٍ شَاءَ أَوْ أَبَى.
стр. 649
قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَيْكَ، قَالَ: هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّهِمْ وَإِنْ رَغِمُوا» ، وَقَدْ رَوَى هَذَا عَنِ النِّبِيِّ ﷺ مَنْ سَمَّيْنَا وَغَيْرُهُمْ؛ وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُمْ طَوَائِفُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، حَتَّى صَارَ مَنْقُولًا نَقْلًا يَرْفَعُ الشَّكَّ، وَيُوجِبُ الْيَقِينَ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يُنْكِرَهُ، أَوْ يَقُولَ: لَمْ يَقَعْ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَمَذْهَبُ حَبْرِ الْأُمَّةِ وَبَحْرِهَا ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمَذْهَبُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَمَذْهَبُ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَتْبَاعِهِ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ مَعَهُ، وَمَذْهَبُ عبد الله بن الحسن العنبري قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
[أَعْذَارُ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ]
وَالَّذِينَ خَالَفُوا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ لَهُمْ أَعْذَارٌ.
الْعُذْرُ الْأَوَّلُ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ.
الْعُذْرُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِالصَّحَابَةِ، لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ مُشَارَكَتُهُمْ فِي حُكْمِهَا.
الْعُذْرُ الثَّالِثُ: مُعَارَضَتُهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ حُكْمِهَا، وَهَذَا مَجْمُوعُ مَا اعْتَذَرُوا بِهِ عَنْهَا.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَذِهِ الْأَعْذَارَ عُذْرًا عُذْرًا، وَنُبَيِّنُ مَا فِيهَا بِمَعُونَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ.
أَمَّا الْعُذْرُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ النَّسْخُ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ لَمْ يَأْتُوا مِنْهَا بِشَيْءٍ يَحْتَاجُ إِلَى نُصُوصٍ أُخَرَ، تَكُونُ تِلْكَ النُّصُوصُ مُعَارِضَةً لِهَذِهِ، ثُمَّ تَكُونُ مَعَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ مُقَاوِمَةً لَهَا، ثُمَّ يَثْبُتُ تَأَخُّرُهَا عَنْهَا.
قَالَ الْمُدَّعُونَ لِلنَّسْخِ: قَالَ عمر بن الخطاب السجستاني: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا أبان بن أبي حازم، قَالَ: حَدَّثَنِي أبو بكر بن حفص، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ( «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا وَلِيَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ أَحَلَّ لَنَا
стр. 650
الْمُتْعَةَ ثُمَّ حَرَّمَهَا عَلَيْنَا» ) ، رَوَاهُ البزار فِي " مُسْنَدِهِ " عَنْهُ.
قَالَ الْمُبِيحُونَ لِلْفَسْخِ: عَجَبًا لَكُمْ فِي مُقَاوَمَةِ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي لَا تُزَعْزِعُهَا الرِّيَاحُ بِكَثِيبٍ مَهِيلٍ تَسْفِيهِ الرِّيَاحُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَهَذَا الْحَدِيثُ لَا سَنَدَ وَلَا مَتْنَ، أَمَّا سَنَدُهُ فَإِنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْنَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا مَتْنُهُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتْعَةِ فِيهِ مُتْعَةُ النِّسَاءِ الَّتِي أَحَلَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ ثُمَّ حَرَّمَهَا، لَا يَجُوزُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ الْبَتَّةَ لِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ مُتْعَةَ الْحَجِّ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، بَلْ إِمَّا وَاجِبَةٌ، أَوْ أَفْضَلُ الْأَنْسَاكِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ جَائِزَةٌ، وَلَا نَعْلَمُ لِلْأُمَّةِ قَوْلًا خَامِسًا فِيهَا بِالتَّحْرِيمِ.
الثَّانِي: ( «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ صَحَّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَوْ حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ، ثُمَّ لَوْ حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ» ) ، ذَكَرَهُ الأثرم فِي " سُنَنِهِ " وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ عبد الرزاق فِي " مُصَنَّفِهِ ": عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سُئِلَ أَنَهَى عمر عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ؟ قَالَ: لَا، أَبَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَذَكَرَ عَنْ نافع أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: أَنَهَى عمر عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ؟ قَالَ لَا. وَذَكَرَ أَيْضًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، - يَعْنِي عمر - سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَوِ اعْتَمَرْتُ، ثُمَّ حَجَجْتُ لَتَمَتَّعْتُ) .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: صَحَّ عَنْ عمر الرُّجُوعُ إِلَى الْقَوْلِ بِالتَّمَتُّعِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ، وَهَذَا مُحَالٌ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْقَوْلِ بِمَا صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَنْهَى عَنْهَا، وَقَدْ قَالَ ﷺ لِمَنْ سَأَلَهُ: هَلْ هِيَ لِعَامِهِمْ ذَلِكَ أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: " بَلْ لِلْأَبَدِ "، وَهَذَا قَطْعٌ لِتَوَهُّمِ وُرُودِ النَّسْخِ عَلَيْهَا.
стр. 651
وَهَذَا أَحَدُ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ وُرُودُ النَّسْخِ عَلَيْهَا، وَهُوَ الْحُكْمُ الَّذِي أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ بِاسْتِمْرَارِهِ وَدَوَامِهِ، فَإِنَّهُ لَا خَلْفَ لِخَبَرِهِ.
[عُذْرُ مَنِ ادَّعَى اخْتِصَاصَ الصَّحَابَةِ بِهَذَا الْفَسْخِ]
فَصْلٌ
الْعُذْرُ الثَّانِي: دَعْوَى اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالصَّحَابَةِ، وَاحْتَجُّوا بِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سفيان عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ المرقع، «عَنْ أبي ذر أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فَسْخُ الْحَجِّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لَنَا خَاصَّةً» .
وَقَالَ وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا يعقوب بن زيد، ( «عَنْ أبي ذر قَالَ: لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ بَعْدَنَا أَنْ يَجْعَلَ حَجَّتَهُ عُمْرَةً، إِنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً لَنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﵌» ) .
وَقَالَ البزار: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عَنْ عبد الرحمن الأسدي، ( «عَنْ يزيد بن شريك، قُلْنَا لأبي ذر: كَيْفَ تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتُمْ مَعَهُ؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ وَذَاكَ، إِنَّمَا ذَاكَ شَيْءٌ رُخِّصَ لَنَا فِيهِ، يَعْنِي الْمُتْعَةَ» ) .
وَقَالَ البزار: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إسرائيل، عَنْ إبراهيم بن المهاجر، عَنْ أبي بكر التيمي، عَنْ أَبِيهِ وَالْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَا: ( «قَالَ أبو ذر: فِي الْحَجِّ وَالْمُتْعَةِ رُخْصَةٌ أَعْطَانَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ) .
وَقَالَ أبو داود: حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنَا محمد بن إسحاق، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ سليمان، أَوْ سليم بن الأسود «أَنَّ (أبا ذر
стр. 652
كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ حَجَّ ثُمَّ فَسَخَهَا إِلَى عُمْرَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) .
وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": ( «عَنْ أبي ذر قَالَ: كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﵌ خَاصَّةً. وَفِي لَفْظٍ: " كَانَتْ لَنَا رُخْصَةً، يَعْنِي الْمُتْعَةَ فِي الْحَجِّ) ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " لَا تَصِحُّ الْمُتْعَتَانِ إِلَّا لَنَا خَاصَّةً، يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ وَمُتْعَةَ الْحَجِّ "، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " إِنَّمَا كَانَتْ لَنَا خَاصَّةً دُونَكُمْ، يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ» ".
وَفِي " سُنَنِ النَّسَائِيِّ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ ( «عَنْ أبي ذر فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ: لَيْسَتْ لَكُمْ، وَلَسْتُمْ مِنْهَا فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا كَانَتْ رُخْصَةً لَنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌» ) .
وَفِي " سُنَنِ أبي داود وَالنَّسَائِيِّ "، مِنْ حَدِيثِ ( «بلال بن الحارث قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لَنَا خَاصَّةً، أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: " بَلْ لَنَا خَاصَّةً» ) ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَفِي " مُسْنَدِ أبي عوانة " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ عثمان عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَقَالَ: كَانَتْ لَنَا، لَيْسَتْ لَكُمْ.
стр. 653
هَذَا مَجْمُوعُ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى التَّخْصِيصِ بِالصَّحَابَةِ.
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ لِلْفَسْخِ وَالْمُوجِبُونَ لَهُ: لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآثَارَ بَيْنَ بَاطِلٍ لَا يَصِحُّ عَمَّنْ نُسِبَ إِلَيْهِ الْبَتَّةَ، وَبَيْنَ صَحِيحٍ عَنْ قَائِلٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ لَا تُعَارَضُ بِهِ نُصُوصُ الْمَعْصُومِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّ المرقع لَيْسَ مِمَّنْ تَقُومُ بِرِوَايَتِهِ حُجَّةٌ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ غَيْرِ الْمَدْفُوعَةِ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: - وَقَدْ عُورِضَ بِحَدِيثِهِ - وَمَنِ المرقع الأسدي؟ وَقَدْ رَوَى أبو ذر عَنِ النَّبِيِّ ﵌ الْأَمْرَ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ. وَغَايَةُ مَا نُقِلَ عَنْهُ - إِنْ صَحَّ - أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالصَّحَابَةِ فَهُوَ رَأْيُهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: إِنَّ ذَلِكَ عَامٌّ لِلْأُمَّةِ، فَرَأْيُ أبي ذر مُعَارَضٌ بِرَأْيِهِمَا.
وَسَلِمَتِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ، ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ دَعْوَى الِاخْتِصَاصِ بَاطِلَةٌ بِنَصِّ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّ تِلْكَ الْعُمْرَةَ الَّتِي وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَكَانَتْ عُمْرَةَ فَسْخٍ لِأَبَدِ الْأَبَدِ، لَا تَخْتَصُّ بِقَرْنٍ دُونَ قَرْنٍ وَهَذَا أَصَحُّ سَنَدًا مِنَ الْمَرْوِيِّ عَنْ أبي ذر وَأَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ مِنْهُ لَوْ صَحَّ عَنْهُ.
[الْأَصْلُ فِي الْمَسَائِلِ الْإِحْكَامُ حَتَّى يَثْبُتَ نَسْخُهَا أَوِ اخْتِصَاصُهَا بِأَحَدٍ]
وَأَيْضًا، فَإِذَا رَأَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَمْرٍ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَأَمَرَ بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ خَاصٌّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ بَاقٍ إِلَى الْأَبَدِ، فَقَوْلُ مَنِ ادَّعَى نَسْخَهُ أَوِ اخْتِصَاصَهُ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبُرْهَانٍ، وَإِنَّ أَقَلَّ مَا فِي الْبَابِ مُعَارَضَتُهُ بِقَوْلِ مَنِ ادَّعَى بَقَاءَهُ وَعُمُومَهُ، وَالْحُجَّةُ تَفْصِلُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ، وَالْوَاجِبُ الرَّدُّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَإِذَا قَالَ أبو ذر وعثمان: إِنَّ الْفَسْخَ مَنْسُوخٌ أَوْ خَاصٌّ، وَقَالَ أبو موسى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ بَاقٍ وَحُكْمُهُ عَامٌّ، فَعَلَى مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ وَالِاخْتِصَاصَ الدَّلِيلُ.
стр. 654
وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْمَرْفُوعُ - حَدِيثُ بلال بن الحارث - فَحَدِيثٌ لَا يُكْتَبُ، وَلَا يُعَارَضُ بِمِثْلِهِ تِلْكَ الْأَسَاطِينُ الثَّابِتَةُ.
قَالَ عبد الله بن أحمد: كَانَ أَبِي يَرَى لِلْمُهِلِّ بِالْحَجِّ أَنْ يَفْسَخَ حَجَّهُ إِنْ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَقَالَ فِي الْمُتْعَةِ: هِيَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌. وَقَالَ ﵌: ( «اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً» ) . قَالَ عبد الله: فَقُلْتُ لِأَبِي: فَحَدِيثُ بلال بن الحارث فِي فَسْخِ الْحَجِّ، يَعْنِي قَوْلَهُ " لَنَا خَاصَّةً "؟ قَالَ: لَا أَقُولُ بِهِ، لَا يُعْرَفُ هَذَا الرَّجُلُ، هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْمَعْرُوفِ، لَيْسَ حَدِيثُ بلال بن الحارث عِنْدِي يَثْبُتُ. هَذَا لَفْظُهُ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَصِحُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ أَخْبَرَ عَنْ تِلْكَ الْمُتْعَةِ الَّتِي أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ إِلَيْهَا أَنَّهَا لِأَبَدِ الْأَبَدِ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ عَنْهُ بَعْدَ هَذَا أَنَّهَا لَهُمْ خَاصَّةً؟ هَذَا مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ. وَكَيْفَ يَأْمُرُهُمْ بِالْفَسْخِ وَيَقُولُ: ( «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) ، ثُمَّ يَثْبُتُ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالصَّحَابَةِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ حَدِيثَ بلال بن الحارث هَذَا، لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ غَلَطٌ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ تُقَدَّمُ رِوَايَةُ بلال بن الحارث عَلَى رِوَايَاتِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ حَمَلَةِ الْعِلْمِ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ خِلَافَ رِوَايَتِهِ.
ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا ثَابِتًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ يُفْتِي بِخِلَافِهِ. وَيُنَاظِرُ عَلَيْهِ طُولَ عُمْرِهِ بِمَشْهَدٍ مِنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مُتَوَافِرُونَ، وَلَا يَقُولُ لَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: هَذَا كَانَ مُخْتَصًّا بِنَا، لَيْسَ لِغَيْرِنَا حَتَّى يَظْهَرَ بَعْدَ مَوْتِ الصَّحَابَةِ أَنَّ أبا ذر كَانَ يَرَى اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِهِمْ؟
وَأَمَّا قَوْلُ عثمان ﵁ فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ: إِنَّهَا كَانَتْ لَهُمْ لَيْسَتْ
стр. 655
لِغَيْرِهِمْ فَحُكْمُهُ حُكْمُ قَوْلِ أبي ذر سَوَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ أبي ذر وعثمان يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: اخْتِصَاصُ جَوَازِ ذَلِكَ بِالصَّحَابَةِ، وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ مَنْ حَرَّمَ الْفَسْخَ.
الثَّانِي: اخْتِصَاصُ وُجُوبِهِ بِالصَّحَابَةِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَرَاهُ شَيْخُنَا - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمُ الْفَسْخُ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لَهُمْ بِهِ وَحَتْمِهِ عَلَيْهِمْ، وَغَضَبِهِ عِنْدَمَا تَوَقَّفُوا فِي الْمُبَادَرَةِ إِلَى امْتِثَالِهِ. وَأَمَّا الْجَوَازُ وَالِاسْتِحْبَابُ فَلِلْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَكِنْ أَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَعَلَ الْوُجُوبَ لِلْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مُفْرِدٍ وَقَارِنٍ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، أَنْ يَحِلَّ وَلَا بُدَّ، بَلْ قَدْ حَلَّ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ، وَأَنَا إِلَى قَوْلِهِ أَمْيَلُ مِنِّي إِلَى قَوْلِ شَيْخِنَا.
الِاحْتِمَالُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِ الصَّحَابَةِ أَنْ يَبْتَدِئَ حَجًّا قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا بِلَا هَدْيٍ، بَلْ هَذَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الْفَسْخِ، لَكِنْ فُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﵌ أَصْحَابَهُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ مِنَ التَّمَتُّعِ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، وَالْقِرَانُ لِمَنْ سَاقَ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ ذَلِكَ. وَإِمَّا أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، ثُمَّ يَفْسَخَهُ عِنْدَ الطَّوَافِ إِلَى عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَيَجْعَلَهُ مُتْعَةً، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ هَذَا إِنَّمَا كَانَ لِلصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُمُ ابْتَدَءُوا الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ الْمُفْرَدِ قَبْلَ أَمْرِ النَّبِيِّ ﵌ بِالتَّمَتُّعِ وَالْفَسْخِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ بِالتَّمَتُّعِ وَالْفَسْخِ إِلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَهُ وَيُفْرِدَ، ثُمَّ يَفْسَخَهُ.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ رَأَيْتَهُمَا إِمَّا رَاجِحِينَ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، أَوْ مُسَاوِيَيْنِ لَهُ، وَتَسْقُطُ مُعَارَضَةُ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ الصَّرِيحَةِ بِهِ جُمْلَةً، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ ": عَنْ أبي ذر، أَنَّ الْمُتْعَةَ فِي الْحَجِّ كَانَتْ لَهُمْ خَاصَّةً. فَهَذَا إِنْ أُرِيدَ بِهِ أَصْلُ الْمُتْعَةِ، فَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
стр. 656
بَلِ الْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مُتْعَةُ الْفَسْخِ، احْتَمَلَ الْوُجُوهَ الثَّلَاثَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ. وَقَالَ الأثرم فِي " سُنَنِهِ ": وَذَكَرَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ حَدَّثَهُ عَنْ سفيان، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبي ذر، فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ كَانَتْ لَنَا خَاصَّةً. فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: رَحِمَ اللَّهُ أبا ذر هِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] [الْبَقَرَةِ ١٩٦] .
قَالَ الْمَانِعُونَ مِنَ الْفَسْخِ: قَوْلُ أبي ذر وعثمان: إِنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ أَوْ خَاصٌّ بِالصَّحَابَةِ، لَا يُقَالُ مِثْلُهُ بِالرَّأْيِ، فَمَعَ قَائِلِهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ خَفِيَتْ عَلَى مَنِ ادَّعَى بَقَاءَهُ وَعُمُومَهُ، فَإِنَّهُ مُسْتَصْحِبٌ لِحَالِ النَّصِّ بَقَاءً وَعُمُومًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْيَدِ فِي الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ، وَمُدِّعِي فَسْخَهُ وَاخْتِصَاصَهُ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي تُقَدَّمُ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ.
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ لِلْفَسْخِ: هَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ لَا شَكَّ فِيهِ، بَلْ هَذَا رَأْيٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَقَدْ صَرَّحَ - بِأَنَّهُ رَأْيُ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ عثمان وأبي ذر - عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ: تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، فَقَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ. وَلَفْظُ مسلم: ( «نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ مُتْعَةَ الْحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ» ) ، وَفِي لَفْظٍ: يُرِيدُ عمر.
وَقَالَ عبد الله بن عمر لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْهَا؛ وَقَالَ لَهُ إِنَّ أَبَاكَ نَهَى عَنْهَا: أَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَوْ أَمْرُ أَبِي؟ !
стр. 657
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمَنْ كَانَ يُعَارِضُهُ فِيهَا بأبي بكر وعمر: يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَتَقُولُونَ قَالَ أبو بكر وعمر) . فَهَذَا جَوَابُ الْعُلَمَاءِ لَا جَوَابُ مَنْ يَقُولُ عثمان وأبو ذر أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ مِنْكُمْ، فَهَلَّا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أبو بكر وعمر أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ مِنَّا، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ يَرْضَى بِهَذَا الْجَوَابِ فِي دَفْعِ نَصٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَتْقَى لَهُ مِنْ أَنْ يُقَدِّمُوا عَلَى قَوْلِ الْمَعْصُومِ رَأْيَ غَيْرِ الْمَعْصُومِ، ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ النَّصُّ عَنِ الْمَعْصُومِ بِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ قَالَ بِبَقَائِهَا: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وأبو موسى، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَجُمْهُورُ التَّابِعِينَ
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ رَأْيٌ مَحْضٌ لَا يُنْسَبُ إِلَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا نَهَى عَنْهَا قَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ رَبِّنَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [الْبَقَرَةِ ١٩٦] ، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ، فَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْ أبي موسى وعمر عَلَى أَنَّ مَنْعَ الْفَسْخِ إِلَى الْمُتْعَةِ وَالْإِحْرَامِ بِهَا ابْتِدَاءً، إِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ مِنْهُ أَحْدَثَهُ فِي النُّسُكِ لَيْسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَإِنِ اسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا اسْتَدَلَّ.
وأبو موسى كَانَ يُفْتِي النَّاسَ بِالْفَسْخِ فِي خِلَافَةِ أبي بكر ﵁ كُلِّهَا، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عمر حَتَّى فَاوَضَ عمر ﵁ فِي نَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ رَأْيٌ أَحْدَثَهُ عمر ﵁ فِي النُّسُكِ، ثُمَّ صَحَّ عَنْهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ.
стр. 658
[عُذْرُ مَنِ ادَّعَى مُعَارَضَةَ أَحَادِيثِ الْفَسْخِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهَا]
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْعُذْرُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مُعَارَضَةُ أَحَادِيثِ الْفَسْخِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهَا، فَذَكَرُوا مِنْهَا مَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عروة (عَنْ عائشة ﵂، قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: " مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ، فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ» ) ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مالك عَنْ أبي الأسود، عَنْ عروة عَنْهَا: ( «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ» ) .
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، حَدَّثَنِي يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عَنْ (عائشة قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لِلْحَجِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، فَمَنْ كَانَ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا، لَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، لَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَلَّ مِمَّا حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى اسْتَقْبَلَ حَجًّا» ) .
стр. 659
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابن وهب، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ محمد بن نوفل، «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ لَهُ: سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، عَنْ رَجُلٍ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَيَحِلُّ أَمْ لَا؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَأَخْبَرَتْنِي عائشة أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ حَجَّ أبو بكر، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ عمر مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عثمان فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ.
ثُمَّ معاوية وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ. ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ، فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ أَفَلَا يَسْأَلُونَهُ؟ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْدَآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ» .
فَهَذَا مَجْمُوعُ مَا عَارَضُوا بِهِ أَحَادِيثَ الْفَسْخِ، وَلَا مُعَارَضَةَ فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ.
أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عروة، عَنْ عائشة فَغَلِطَ فِيهِ عبد الملك بن شعيب، أَوْ أَبُوهُ شعيب، أَوْ جَدُّهُ الليث أَوْ شَيْخُهُ عقيل، فَإِنَّ الْحَدِيثَ رَوَاهُ مالك ومعمر وَالنَّاسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عروة عَنْهَا، وَبَيَّنُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وَسَعَى أَنْ يَحِلَّ. فَقَالَ مالك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عمرة عَنْهَا ( «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقَيْنَ لِذِي الْقَعْدَةِ، وَلَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى
стр. 660
بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ» ) ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ يحيى: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ أَتَتْكَ وَاللَّهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ.
وَقَالَ منصور: عَنْ إبراهيم، عَنِ الأسود، عَنْهَا: ( «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَلَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﵌ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فَأَحْلَلْنَ» ) .
وَقَالَ مالك ومعمر كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عروة، عَنْهَا: ( «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: " مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، وَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» ) .
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: عَنْ عروة عَنْهَا، بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ سالم عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَفْظُهُ: ( «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﵌ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحِلَّ ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» ) ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.
стр. 661
وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ: عَنْ عبد الرحمن بن القاسم، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة، خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ. .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ قَالَتْ: «فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لِأَصْحَابِهِ: " اجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ» ".
وَقَالَ الْأَعْمَشُ: عَنْ إبراهيم، عَنْ عائشة «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أُمِرْنَا أَنْ نَحِلَّ» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ عبد الرحمن بن القاسم: عَنْ أَبِيهِ ( «عَنْ عائشة خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَلَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَأَنَا أَبْكِي. فَقَالَ " مَا يُبْكِيكِ "؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَا أَحُجُّ الْعَامَ. ..» ) ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: «فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ قَالَ النَّبِيُّ ﵌: " اجْعَلُوهَا عُمْرَةً "، قَالَتْ: فَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ» .
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي " الصَّحِيحِ "، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا رَوَاهُ جابر، وَابْنُ عُمَرَ، وأنس، وأبو موسى، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وأبو سعيد وأسماء، والبراء، وحفصة، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَمْرِهِ ﵌ أَصْحَابَهُ كُلَّهُمْ بِالْإِحْلَالِ إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَأَنْ يَجْعَلُوا حَجَّهُمْ عُمْرَةً. وَفِي اتِّفَاقِ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ أَمَرَ أَصْحَابَهُ كُلَّهُمْ أَنْ يَحِلُّوا، وَأَنْ يَجْعَلُوا الَّذِي قَدِمُوا بِهِ مُتْعَةً، إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، دَلِيلٌ عَلَى غَلَطِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَوَهْمٍ وَقَعَ فِيهَا، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ الليث عَنْ عقيل، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عروة، والليث بِعَيْنِهِ هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْ عقيل عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عروة عَنْهَا مِثْلَ مَا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ
стр. 662
عَنْ سالم، عَنْ أَبِيهِ فِي تَمَتُّعِ النَّبِيِّ ﵌ وَأَمْرِهِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى أَنْ يَحِلَّ.
ثُمَّ تَأَمَّلْنَا فَإِذَا أَحَادِيثُ عائشة يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَإِنَّمَا بَعْضُ الرُّوَاةِ زَادَ عَلَى بَعْضٍ، وَبَعْضُهُمُ اخْتَصَرَ الْحَدِيثَ، وَبَعْضُهُمُ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ، وَبَعْضُهُمْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ فِيهِ مَنْعُ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنَ الْإِحْلَالِ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَمْرُهُ أَنْ يُتِمَّ الْحَجَّ، فَإِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا، فَالْمُرَادُ بِهِ بَقَاؤُهُ عَلَى إِحْرَامِهِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْإِحْلَالِ، وَجَعْلِهِ عُمْرَةً، وَيَكُونَ هَذَا أَمْرًا زَائِدًا قَدْ طَرَأَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِتْمَامِ، كَمَا طَرَأَ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، وَيَتَعَيَّنُ هَذَا وَلَا بُدَّ، وَإِلَّا كَانَ هَذَا نَاسِخًا لِلْأَمْرِ بِالْفَسْخِ، وَالْأَمْرُ بِالْفَسْخِ نَاسِخًا لِلْإِذْنِ بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا مُحَالٌ قَطْعًا، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُمْ بِالْحِلِّ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِنَقْضِهِ، وَالْبَقَاءِ عَلَى الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ، هَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا، فَيَتَعَيَّنُ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْأَمْرِ لَهُمْ بِالْفَسْخِ، وَلَا يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا الْبَتَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا حَدِيثُ أبي الأسود، عَنْ عروة عَنْهَا. وَفِيهِ: " «وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ» ". وَحَدِيثُ يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عَنْهَا: «فَمَنْ كَانَ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا، لَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرِدٍ كَذَلِكَ» ". فَحَدِيثَانِ قَدْ أَنْكَرَهُمَا الْحُفَّاظُ، وَهُمَا أَهْلٌ أَنْ يُنْكَرَا.
قَالَ الأثرم: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أبي الأسود، عَنْ عروة، عَنْ عائشة: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، فَأَحَلُّوا حِينَ طَافُوا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَلَمْ يَحِلُّوا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ» ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَيْشِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعَجَبِ، هَذَا خَطَأٌ، فَقَالَ
стр. 663
الأثرم: فَقُلْتُ لَهُ: الزُّهْرِيُّ، عَنْ عروة، عَنْ عائشة بِخِلَافِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: هَذَانِ حَدِيثَانِ مُنْكَرَانِ جِدًّا، قَالَ: ولأبي الأسود فِي هَذَا النَّحْوِ حَدِيثٌ لَا خَفَاءَ بِنُكْرَتِهِ وَوَهْنِهِ وَبُطْلَانِهِ. وَالْعَجَبُ كَيْفَ جَازَ عَلَى مَنْ رَوَاهُ؟ ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ أَنَّ عبد الله مولى أسماء حَدَّثَهُ أَنَّهُ «كَانَ يَسْمَعُ أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَاهُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ قَلِيلٌ ظُهْرُنَا، قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عائشة والزبير وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ» . قَالَ: وَهَذِهِ وَهْلَةٌ لَا خَفَاءَ بِهَا عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ أَقَلُّ عِلْمٍ بِالْحَدِيثِ لِوَجْهَيْنِ بَاطِلَيْنِ فِيهِ بِلَا شَكٍّ.
أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عائشة، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ فِي أَنَّ عائشة لَمْ تَعْتَمِرْ فِي أَوَّلِ دُخُولِهَا مَكَّةَ، وَلِذَلِكَ أَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَجِّ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ، هَكَذَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَرَوَاهُ عَنْ عائشة الْأَثْبَاتُ، كَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وعروة، وطاووس ومجاهد.
الْمَوْضِعُ الثَّانِي: قَوْلُهُ فِيهِ: فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ، أَحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ، وَهَذَا بَاطِلٌ لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ جابرا، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وعائشة، وَابْنَ عَبَّاسٍ، كُلُّهُمْ رَوَوْا أَنَّ الْإِحْلَالَ كَانَ يَوْمَ دُخُولِهِمْ مَكَّةَ، وَأَنَّ إِحْلَالَهُمْ بِالْحَجِّ كَانَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَبَيْنَ الْيَوْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَا شَكٍّ.
قُلْتُ: الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ وَلَا بَاطِلٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا أُتِيَ أبو محمد فِيهِ مِنْ فَهْمِهِ، فَإِنَّ أسماء أَخْبَرَتْ أَنَّهَا اعْتَمَرَتْ هِيَ وعائشة، وَهَكَذَا وَقَعَ بِلَا شَكٍّ. وَأَمَّا قَوْلُهَا: فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا، فَإِخْبَارٌ مِنْهَا عَنْ نَفْسِهَا، وَعَمَّنْ لَمْ يُصِبْهُ
стр. 664
عُذْرُ الْحَيْضِ الَّذِي أَصَابَ عائشة، وَهِيَ لَمْ تُصَرِّحْ بِأَنَّ عائشة مَسَحَتِ الْبَيْتَ يَوْمَ دُخُولِهِمْ مَكَّةَ، وَأَنَّهَا حَلَّتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ عائشة قَدِمَتْ بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ تَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى حَاضَتْ بِسَرِفَ، فَأَدْخَلَتْ عَلَيْهَا الْحَجَّ، وَصَارَتْ قَارِنَةً. فَإِذَا قِيلَ: اعْتَمَرَتْ عائشة مَعَ النَّبِيِّ ﵌، أَوْ قَدِمَتْ بِعُمْرَةٍ، لَمْ يَكُنْ هَذَا كَذِبًا.
وَأَمَّا قَوْلُهَا: ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ، فَهِيَ لَمْ تَقُلْ: إِنَّهُمْ أَهَلُّوا مِنْ عَشِيِّ يَوْمِ الْقُدُومِ، لِيَلْزَمَ مَا قَالَ أبو محمد، وَإِنَّمَا أَرَادَتْ عَشِيَّ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَحْتَاجُ فِي ظُهُورِهِ وَبَيَانِهِ إِلَى أَنْ يُصَرَّحَ فِيهِ بِعَشِيِّ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ؛ لِعِلْمِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ بِهِ، وَأَنَّهُ مِمَّا لَا تَذْهَبُ الْأَوْهَامُ إِلَى غَيْرِهِ، فَرَدُّ أَحَادِيثِ الثِّقَاتِ بِمِثْلِ هَذَا الْوَهْمِ مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ.
قَالَ أبو محمد: وَأَسْلَمُ الْوُجُوهِ لِلْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَنْ عائشة، يَعْنِي اللَّذَيْنِ أَنْكَرَهُمَا، أَنْ تُخَرَّجَ رِوَايَتُهُمَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا: إِنَّ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِحَجٍّ، أَوْ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ حِينَ قَضَوْا مَنَاسِكَ الْحَجِّ، إِنَّمَا عَنَتْ بِذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، وَبِهَذَا تَنْتَفِي النُّكْرَةُ عَنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، وَبِهَذَا تَأْتَلِفُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ عَنْ عروة يَذْكُرُ خِلَافَ مَا ذَكَرَهُ أبو الأسود عَنْ عروة، وَالزُّهْرِيُّ بِلَا شَكٍّ أَحْفَظُ مِنْ أبي الأسود، وَقَدْ خَالَفَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائشة فِي هَذَا الْبَابِ مَنْ لَا يُقْرَنُ يحيى بن عبد الرحمن إِلَيْهِ، لَا فِي حِفْظٍ وَلَا فِي ثِقَةٍ، وَلَا فِي جَلَالَةٍ، وَلَا فِي بِطَانَةٍ لعائشة، كَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وأبي عمرو ذكوان مولى عائشة، وعمرة بنت عبد الرحمن، وَكَانَتْ فِي حِجْرِ عائشة، وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ الْخُصُوصِيَّةِ وَالْبِطَانَةِ بِهَا، فَكَيْفَ؟ وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، لَكَانَتْ رِوَايَتُهُمْ أَوْ رِوَايَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوِ انْفَرَدَ هِيَ الْوَاجِبَ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى رِوَايَةِ أبي الأسود ويحيى، وَلَيْسَ مَنْ جَهِلَ، أَوْ غَفَلَ حُجَّةً عَلَى مَنْ عَلِمَ، وَذَكَرَ وَأَخْبَرَ، فَكَيْفَ وَقَدْ وَافَقَ هَؤُلَاءِ الْجِلَّةُ عَنْ عائشة، فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِحَدِيثِ أبي الأسود ويحيى اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا.
стр. 665
قَالَ: وَأَيْضًا، فَإِنَّ حَدِيثَيْ أبي الأسود ويحيى مَوْقُوفَانِ غَيْرُ مُسْنَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا ذَكَرَا عَنْهَا فِعْلَ مَنْ فَعَلَ مَا ذَكَرَتْ دُونَ أَنْ يَذْكُرَا أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَحِلُّوا، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ النَّبِيِّ ﵌، فَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرَاهُ، وَقَدْ صَحَّ أَمْرُ النِّبِيِّ ﵌ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِالْفَسْخِ، فَتَمَادَى الْمَأْمُورُونَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَحِلُّوا لَكَانُوا عُصَاةً لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَعَاذَهُمُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَبَرَّأَهُمْ مِنْهُ، فَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّ حَدِيثَ أبي الأسود ويحيى إِنَّمَا عُنِيَ فِيهِمَا: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، وَهَكَذَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا بِأَنَّهُ ﵌ أَمَرَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِأَنْ يَجْمَعَ حَجًّا مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ مالك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عروة، عَنْهَا تَرْفَعُهُ ( «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» ) ، قَالَ: فَهَذَا الْحَدِيثُ كَمَا تَرَى مِنْ طَرِيقِ عروة عَنْ عائشة يُبَيِّنُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْمُرَادُ بِلَا شَكٍّ فِي حَدِيثِ أبي الأسود عَنْ عروة، وَحَدِيثِ يحيى عَنْ عائشة، وَارْتَفَعَ الْآنَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أبي الأسود حَذْفًا قَوْلُهُ فِيهِ: عَنْ عروة " أَنَّ أُمَّهُ وَخَالَتَهُ والزبير، أَقْبَلُوا بِعُمْرَةٍ فَقَطْ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا ". وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ أَنَّ مَنْ أَقْبَلَ بِعُمْرَةٍ لَا يَحِلُّ بِمَسْحِ الرُّكْنِ، حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بَعْدَ مَسْحِ الرُّكْنِ، فَصَحَّ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ حَذْفًا بَيَّنَهُ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَبَطَلَ التَّشْغِيبُ بِهِ جُمْلَةً، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا مَا فِي حَدِيثِ أبي الأسود، عَنْ عروة مِنْ فِعْلِ أبي بكر، وعمر، وَالْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ، وَابْنِ عُمَرَ، فَقَدْ أَجَابَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَحْسَنَ جَوَابَهُ
стр. 666
فَيُكْتَفَى بِجَوَابِهِ.
فَرَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ فضيل بن عمرو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عروة: نَهَى أَبُو بكر وعمر عَنِ الْمُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَاكُمْ سَتَهْلِكُونَ أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: قَالَ أبو بكر وعمر» .
وَقَالَ عبد الرازق: حَدَّثَنَا معمر، عَنْ أيوب قَالَ: «قَالَ عروة لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ تُرَخِّصُ فِي الْمُتْعَةِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَلْ أُمَّكَ يَا عُرَيَّةُ. فَقَالَ عروة: أَمَّا أبو بكر وعمر، فَلَمْ يَفْعَلَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ مَا أَرَاكُمْ مُنْتَهِينَ حَتَّى يُعَذِّبَكُمُ اللَّهُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُونَا عَنْ أبي بكر وعمر؟ فَقَالَ عروة: لَهُمَا أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَتْبَعُ لَهَا مِنْكَ» .
وَأَخْرَجَ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ( «قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : تَأْمُرُ النَّاسَ بِالْعُمْرَةِ فِي هَؤُلَاءِ الْعَشْرِ وَلَيْسَ فِيهَا عُمْرَةٌ؟! قَالَ: أَوَلَا تَسْأَلُ أُمَّكَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ عروة: فَإِنَّ أبا بكر وعمر لَمْ يَفْعَلَا ذَلِكَ قَالَ الرَّجُلُ: مِنْ هَاهُنَا هَلَكْتُمْ، مَا أَرَى اللَّهَ إِلَّا سَيُعَذِّبُكُمْ إِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتُخْبِرُونِي بأبي بكر وعمر. قَالَ عروة إِنَّهُمَا وَاللَّهِ كَانَا أَعْلَمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكَ، فَسَكَتَ الرَّجُلُ» ) .
стр. 667
ثُمَّ أَجَابَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ عروة عَنْ قَوْلِهِ هَذَا، بِجَوَابٍ نَذْكُرُهُ، وَنَذْكُرُ جَوَابًا أَحْسَنَ مِنْهُ لِشَيْخِنَا.
قَالَ أبو محمد وَنَحْنُ نَقُولُ لعروة: ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وبأبي بكر وعمر مِنْكَ، وَخَيْرٌ مِنْكَ، وَأَوْلَى بِهِمْ ثَلَاثَتِهِمْ مِنْكَ، لَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ مسلم. وعائشة أم المؤمنين، أَعْلَمُ وَأَصْدَقُ مِنْكَ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ الثّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إسحاق السبيعي عَنْ عبد الله قَالَ: قَالَتْ عائشة: مَنِ اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَوْسِمِ؟ قَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَتْ هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحَجِّ.
قَالَ أبو محمد مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهَا خِلَافُ مَا قَالَهُ عروة، وَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ عروة وَأَفْضَلُ، وَأَعْلَمُ، وَأَصْدَقُ، وَأَوْثَقُ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ البزار، عَنِ الأشج، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ، عَنْ ليث، عَنْ عطاء، وطاووس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وأبو بكر، وعمر وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهَا معاوية» .
وَمِنْ طَرِيقِ عبد الرزاق، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ ليث، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكر. حَتَّى مَاتَ، وعمر، وعثمان كَذَلِكَ وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهَا، معاوية» .
قُلْتُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ " وَالتّرْمِذِيُّ. وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَذَكَرَ عبد الرزاق، قَالَ حَدَّثَنَا معمر عَنِ ابن طاووس، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبو موسى لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَلَا تَقُومُ فَتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَمْرَ هَذِهِ الْمُتْعَةِ؟ فَقَالَ عمر: وَهَلْ بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَهَا، أَمَّا أَنَا فَأَفْعَلُهَا.
стр. 668
وَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، أَوْ حميد، عَنِ الحسن «أَنَّ عمر أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: الْكَعْبَةُ غَنِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ، وَأَرَادَ أَنْ يَنْهَى أَهْلَ الْيَمَنِ أَنْ يَصْبُغُوا بِالْبَوْلِ وَأَرَادَ أَنْ يَنْهَى عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قَدْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ هَذَا الْمَالَ وَبِهِ وَبِأَصْحَابِهِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ، وَأَنْتَ فَلَا تَأْخُذْهُ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ الْيَمَانِيَّةَ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تُصْبَغُ بِالْبَوْلِ، وَقَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا، وَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا نَهْيًا» .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ عمر: لَوِ اعْتَمَرْتُ فِي وَسَطِ السَّنَةِ، ثُمَّ حَجَجْتُ، لَتَمَتَّعْتُ، وَلَوْ حَجَجْتُ خَمْسِينَ حَجَّةً، لَتَمَتَّعْتُ. وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قيس، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْهُ لَوِ اعْتَمَرْتُ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ حَجَجْتُ، لَجَعَلْتُ مَعَ حَجَّتِي عُمْرَةً.
وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْهُ لَوِ اعْتَمَرْتُ، ثُمَّ اعْتَمَرْتُ، ثُمَّ حَجَجْتُ، لَتَمَتَّعْتُ. وَابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ هشام بن حجير، وليث، عَنْ طَاوُوسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: هَذَا الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ - يَعْنِي عمر - سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَوِ اعْتَمَرْتُ، ثُمَّ حَجَجْتُ؛ لَتَمَتَّعْتُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَا وَكَذَا مَرَّةً مَا تَمَّتْ حَجَّةُ رَجُلٍ قَطُّ إِلَّا بِمُتْعَةٍ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ شَيْخُنَا، فَهُوَ أَنَّ عمر ﵁ لَمْ يَنْهَ عَنِ الْمُتْعَةِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا قَالَ: إِنَّ أَتَمَّ لِحَجِّكُمْ، وَعُمْرَتِكُمْ أَنْ تَفْصِلُوا بَيْنَهُمَا، فَاخْتَارَ عمر لَهُمْ أَفْضَلَ الْأُمُورِ، وَهُوَ إِفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَفَرٍ يُنْشِئُهُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَهَذَا أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَانِ وَالتّمَتِّعِ الْخَاصِّ بِدُونِ سَفْرَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أحمد، وأبو
стр. 669
حنيفة، ومالك، وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - وَغَيْرُهُمْ. وَهَذَا هُوَ الْإِفْرَادُ الَّذِي فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ وعمر ﵄، وَكَانَ عمر يَخْتَارُهُ لِلنَّاسِ، وَكَذَلِكَ علي ﵄.
وَقَالَ عمر وعلي ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [الْبَقَرَةِ ١٩٦] قَالَا: إِتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكِ، وَقَدْ «قَالَ ﷺ لعائشة فِي عُمْرَتِهَا: أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» فَإِذَا رَجَعَ الْحَاجُّ إِلَى
стр. 670
دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، فَأَنْشَأَ الْعُمْرَةَ مِنْهَا، وَاعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ أَوِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِهِ، وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ حَجَّ فَهَاهُنَا قَدْ أَتَى بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النُّسُكَيْنِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَهَذَا إِتْيَانٌ بِهِمَا عَلَى الْكَمَالِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ.
قُلْتُ: فَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ عمر لِلنَّاسِ، فَظَنَّ مَنْ غَلِطَ مِنْهُمْ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ نَهْيَهُ عَلَى مُتْعَةِ الْفَسْخِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى تَرْجِيحًا لِلْإِفْرَادِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَارَضَ رِوَايَاتِ النَّهْيِ عَنْهُ بِرِوَايَاتِ الِاسْتِحْبَابِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ عَنْ عمر، كَمَا عَنْهُ رِوَايَتَانِ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَائِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ النَّهْيَ قَوْلًا قَدِيمًا، وَرَجَعَ عَنْهُ أَخَيْرًا، كَمَا سَلَكَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعُدُّ النَّهْيَ رَأْيًا رَآهُ مَنْ عِنْدَهُ لِكَرَاهَتِهِ أَنْ يَظَلَّ الْحَاجُّ مُعْرِسِينَ بِنِسَائِهِمْ فِي ظِلِّ الْأَرَاكِ.
قَالَ أبو حنيفة: عَنْ حماد، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَاقِفٌ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَرَفَةَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُرَجَّلٍ شَعْرَهُ يَفُوحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ لَهُ عمر: أَمُحْرِمٌ أَنْتَ؟ قَالَ نَعَمْ. فَقَالَ عمر: مَا هَيْئَتُكَ بِهَيْئَةِ مُحْرِمٍ إِنَّمَا الْمُحْرِمُ الْأَشْعَثُ الْأَغْبَرُ الْأَدْفَرُ. قَالَ إِنِّي قَدِمْتُ مُتَمَتَّعًا، وَكَانَ مَعِي أَهْلِي، وَإِنَّمَا أَحْرَمْتُ الْيَوْمَ. فَقَالَ عمر عِنْدَ ذَلِكَ لَا تَتَمَتَّعُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَإِنِّي لَوْ رَخَّصْتُ فِي الْمُتْعَةِ لَهُمْ، لَعَرَّسُوا بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ، ثُمَّ رَاحُوا بِهِنَّ حُجَّاجًا. وَهَذَا يُبَيِّنُ، أَنَّ هَذَا مِنْ عمر رَأْيٌ رَآهُ.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: فَكَانَ مَاذَا؟ وَحَبَّذَا ذَلِكَ؟ وَقَدْ طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْوَطْءَ مُبَاحٌ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَقِيَّةُ طُرُقِ الْمَانِعِينَ مِنْ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ]
فَصْلٌ
следующие страницы →