Полный текст (2 628 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ طَافَ نَهَارًا، الثَّانِي: أَنَّهُ أَخَّرَ الطَّوَافَ إِلَى اللَّيْلِ، الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَفَاضَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ فَلَمْ يَضْبِطْ فِيهِ وَقْتَ الْإِفَاضَةِ، وَلَا مَكَانَ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
السَّابِعُ: أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ مِنْهُ بِلَا نِزَاعٍ، فَإِنَّ حَدِيثَ عائشة مِنْ رِوَايَةِ محمد بن إسحاق عَنْ عبد الرحمن بن القاسم، عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا، وابن إسحاق مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالسَّمَاعِ بَلْ عَنْعَنَهُ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ عبيد الله: حَدَّثَنِي نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
الثَّامِنُ: أَنَّ حَدِيثَ عائشة لَيْسَ بِالْبَيِّنِ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّ لَفْظَهُ هَكَذَا: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ. فَأَيْنَ دَلَالَةُ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّرِيحَةُ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، وَأَيْنَ هَذَا فِي صَرِيحِ الدَّلَالَةِ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، يَعْنِي رَاجِعًا، وَأَيْنَ حَدِيثٌ اتَّفَقَ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ عَلَى إِخْرَاجِهِ إِلَى حَدِيثٍ اخْتُلِفَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ذكر طواف أم سلمة]
فَصْلٌ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَطَافَتْ أم سلمة فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى بَعِيرِهَا مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَهِيَ شَاكِيَةٌ، اسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَأَذِنَ لَهَا، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ زينب بنت أم سلمة، عَنْ أم سلمة، قَالَتْ: ( «شَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، قَالَتْ: فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿وَالطُّورِ - وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢] » ) وَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّ
стр. 737
النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْرَأْ فِي رَكْعَتَيْ ذَلِكَ الطَّوَافِ بِالطُّورِ وَلَا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ بِالنَّهَارِ بِحَيْثُ تَسْمَعُهُ أم سلمة مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَقَدْ بَيَّنَ أبو محمد غَلَطَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ أَخَّرَهُ إِلَى اللَّيْلِ فَأَصَابَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ صَحَّ مِنْ حَدِيثِ عائشة ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَ بأم سلمة لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ» ) فَكَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذَا مَعَ طَوَافِهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَرَاءَ النَّاسِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَانِبِ الْبَيْتِ يُصَلِّي وَيَقْرَأُ فِي صَلَاتِهِ: ﴿وَالطُّورِ - وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢] ؟ هَذَا مِنَ الْمُحَالِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ كَانَتْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، أَوِ الْمَغْرِبِ، أَوِ الْعِشَاءِ، وَأَمَّا أَنَّهَا كَانَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ قَطْعًا، فَهَذَا مِنْ وَهْمِهِ ﵀.
[طَوَافُ عَائِشَةَ]
فَطَافَتْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ طَوَافًا وَاحِدًا، وَسَعَتْ سَعْيًا وَاحِدًا أَجْزَأَهَا عَنْ حَجِّهَا وَعُمْرَتِهَا، وَطَافَتْ صَفِيَّةُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ثُمَّ حَاضَتْ فَأَجْزَأَهَا طَوَافُهَا ذَلِكَ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَلَمْ تُوَدِّعْ، فَاسْتَقَرَّتْ سُنَّتُّهُ ﷺ فِي الْمَرْأَةِ الطَّاهِرَةِ إِذَا حَاضَتْ قَبْلَ الطَّوَافِ - أَوْ قَبْلَ الْوُقُوفِ - أَنْ تَقْرِنَ وَتَكْتَفِيَ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ اجْتَزَأَتْ بِهِ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ.
стр. 738
[فَصْلٌ رَمْيُ الْجِمَارِ]
فَصْلٌ
ثُمَّ رَجَعَ ﷺ إِلَى مِنًى مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَبَاتَ بِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ انْتَظَرَ زَوَالَ الشَّمْسِ، فَلَمَّا زَالَتْ مَشَى مِنْ رَحْلِهِ إِلَى الْجِمَارِ وَلَمْ يَرْكَبْ، فَبَدَأَ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى الَّتِي تَلِيَ مَسْجِدَ الْخَيْفِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يَقُولُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ: " اللَّهُ أَكْبَرُ "، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَلَى الْجَمْرَةِ أَمَامَهَا حَتَّى أَسْهَلَ، فَقَامَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا دُعَاءً طَوِيلًا بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ أَتَى إِلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَرَمَاهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ انْحَدَرَ ذَاتَ الْيَسَارِ مِمَّا يَلِي الْوَادِي، فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو قَرِيبًا مِنْ وُقُوفِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ أَتَى الْجَمْرَةَ الثَّالِثَةَ وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ وَاسْتَعْرَضَ الْجَمْرَةَ، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ كَذَلِكَ.
[التَّعْلِيلُ لِتَرْكِ الدُّعَاءِ بَعْدَ الْعَقَبَةِ]
وَلَمْ يَرْمِهَا مِنْ أَعْلَاهَا كَمَا يَفْعَلُ الْجُهَّالُ، وَلَا جَعَلَهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ وَقْتَ الرَّمْيِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ. فَلَمَّا أَكْمَلَ الرَّمْيَ رَجَعَ مِنْ فَوْرِهِ، وَلَمْ يَقِفْ عِنْدَهَا، فَقِيلَ: لِضِيقِ الْمَكَانِ بِالْجَبَلِ، وَقِيلَ - وَهُوَ أَصَحُّ: إِنَّ دُعَاءَهُ كَانَ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَلَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَرَغَ الرَّمْيُ، وَالدُّعَاءُ فِي صُلْبِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَفْضَلُ مِنْهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، وَهَذَا كَمَا كَانَتْ سُنَّتُّهُ فِي دُعَائِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ إِذْ كَانَ يَدْعُو فِي صُلْبِهَا، فَأَمَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَادُ الدُّعَاءَ، وَمَنْ رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ رُوِيَ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَدْعُو بِدُعَاءٍ عَارِضٍ بَعْدَ السَّلَامِ، وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ.
стр. 739
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ عَامَّةَ أَدْعِيَتِهِ الَّتِي كَانَ يَدْعُو بِهَا، وَعَلَّمَهَا الصِّدِّيقَ إِنَّمَا هِيَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: ( «لَا تَنْسَ أَنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» ) فَدُبُرُ الصَّلَاةِ يُرَادُ بِهِ آخِرُهَا قَبْلَ السَّلَامِ مِنْهَا، كَدُبُرِ الْحَيَوَانِ وَيُرَادُ بِهِ مَا بَعْدَ السَّلَامِ كَقَوْلِهِ: ( «تُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» ) الْحَدِيثَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ ﷺ رَمَى قَبْلَ الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ وَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِي، هَلْ كَانَ يَرْمِي قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ بَعْدَهَا؟ وَالَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي قَبْلَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي؛ لِأَنَّ جابرا وَغَيْرَهُ قَالُوا: كَانَ يَرْمِي إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، فَعَقَّبُوا زَوَالَ الشَّمْسِ بِرَمْيِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ وَقْتَ الزَّوَالِ لِلرَّمْيِ أَيَّامَ مِنًى، كَطُلُوعِ الشَّمْسِ لِرَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ لَمَّا دَخَلَ وَقْتُ الرَّمْيِ لَمْ يُقَدِّمْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ عِبَادَاتِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الترمذي وَابْنَ مَاجَهْ رَوَيَا فِي " سُنَنِهِمَا " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي الْجِمَارَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» ) زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: قَدْرَ مَا إِذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيِهِ صَلَّى الظُّهْرَ. وَقَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ الترمذي الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَفِي إِسْنَادِ حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ إبراهيم بن عثمان أبو
стр. 740
شيبة وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْبَابِ غَيْرُ هَذَا.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا، وَأَيَّامَ مِنًى مَاشِيًا فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ.
[فَصْلٌ وَقَفَاتُ الدُّعَاءِ فِي الْحَجِّ]
فَصْلٌ
فَقَدْ تَضَمَّنَتْ حَجَّتُهُ ﷺ سِتَّ وَقَفَاتٍ لِلدُّعَاءِ.
الْمَوْقِفُ الْأَوَّلُ: عَلَى الصَّفَا، وَالثَّانِي: عَلَى الْمَرْوَةِ، وَالثَّالِثُ بِعَرَفَةَ، وَالرَّابِعُ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالْخَامِسُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَالسَّادِسُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ.
[فَصْلٌ خُطْبَتَا مِنًى]
فَصْلٌ
وَخَطَبَ ﷺ النَّاسَ بِمِنًى خُطْبَتَيْنِ: خُطْبَةً يَوْمَ النَّحْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ، وَالْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقِيلَ: هُوَ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ أَوْسَطُهَا، أَيْ خِيَارُهَا، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ سراء بنت نبهان، قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي تَدْعُونَ يَوْمَ الرُّءُوسِ. قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ هَذَا أَوْسَطُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: هَذَا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ. ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا، أَلَا وَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ فَيَسْأَلَكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلَا فَلْيُبَلِّغْ أَدْنَاكُمْ أَقْصَاكُمْ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ ﷺ » ) رَوَاهُ أبو داود
стр. 741
وَيَوْمُ الرُّءُوسِ هُوَ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَذَكَرَ البيهقي مِنْ حَدِيثِ موسى بن عبيدة الربذي، عَنْ صدقة بن يسار عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَعُرِفَ أَنَّهُ الْوَدَاعُ، فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ "، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي خُطْبَتِهِ.
[تَرْخِيصُهُ ﷺ لِمَنْ لَهُ عُذْرٌ بِالْمَبِيتِ خَارِجَ مِنًى]
فَصْلٌ وَاسْتَأْذَنَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ. وَاسْتَأْذَنَهُ رِعَاءُ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ خَارِجَ مِنًى عِنْدَ الْإِبِلِ، فَأَرْخَصَ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ يَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا.
стр. 742
قَالَ مالك: ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَالَ: فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: رَخَّصَ لِلرُّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا فَيَجُوزُ لِلطَّائِفَتَيْنِ بِالسُّنَّةِ تَرْكُ الْمَبِيتِ بِمِنًى، وَأَمَّا الرَّمْيُ فَإِنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَهُ بَلْ لَهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوهُ إِلَى اللَّيْلِ، فَيَرْمُونَ فِيهِ، وَلَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ، وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ رَخَّصَ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ وَلِلرِّعَاءِ فِي الْبَيْتُوتَةِ، فَمَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ، أَوْ مَرِيضٌ يَخَافُ مِنْ تَخَلُّفِهِ عَنْهُ، أَوْ كَانَ مَرِيضًا لَا تَمْكُنُهُ الْبَيْتُوتَةُ، سَقَطَتْ عَنْهُ بِتَنْبِيهِ النَّصِّ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ أَيْنَ لَقِيَ ﷺ عَائِشَةَ بَعْدَ رُجُوعِهَا مِنْ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ]
فَصْلٌ
وَلَمْ يَتَعَجَّلْ ﷺ فِي يَوْمَيْنِ، بَلْ تَأَخَّرَ حَتَّى أَكْمَلَ رَمْيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ، وَأَفَاضَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ بَعْدَ الظُّهْرِ إِلَى الْمُحَصَّبِ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ، وَهُوَ خَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ، فَوَجَدَ أبا رافع قَدْ ضَرَبَ لَهُ فِيهِ قُبَّةً هُنَاكَ، وَكَانَ عَلَى ثِقْلِهِ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ دُونَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً، ثُمَّ نَهَضَ إِلَى مَكَّةَ، فَطَافَ لِلْوَدَاعِ لَيْلًا سَحَرًا، وَلَمْ يَرْمُلْ فِي هَذَا الطَّوَافِ، ( «وَأَخْبَرَتْهُ صفية أَنَّهَا حَائِضٌ فَقَالَ: " أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ " فَقَالُوا لَهُ إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ قَالَ: " فَلْتَنْفِرْ إِذًا» ) وَرَغِبَتْ إِلَيْهِ عائشة تَلِكَ اللَّيْلَةَ أَنْ يُعْمِرَهَا عُمْرَةً مُفْرَدَةً، فَأَخْبَرَهَا أَنَّ طَوَافَهَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَدْ أَجْزَأَ عَنْ حَجِّهَا وَعُمْرَتِهَا، فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ تَعْتَمِرَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، فَأَمَرَ أَخَاهَا عبد الرحمن أَنْ يُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، فَفَرَغَتْ مِنْ عُمْرَتِهَا لَيْلًا، ثُمَّ وَافَتِ الْمُحَصَّبَ مَعَ أَخِيهَا، فَأَتَيَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ
стр. 743
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فَرَغْتُمَا "؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ» . هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَجْمَعُونَ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ حَدِيثِ الأسود عَنْهَا الَّذِي فِي " الصَّحِيحِ " أَيْضًا؟ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ نَرَ إِلَّا الْحَجَّ ... فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ وَفِيهِ ( «فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ؟ قَالَ: أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: " فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا "، قَالَتْ عائشة: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا» ) .
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا تَلَاقَيَا فِي الطَّرِيقِ، وَفِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ انْتَظَرَهَا فِي مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا جَاءَتْ نَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ. ثُمَّ فِيهِ إِشْكَالٌ آخَرُ، وَهُوَ قَوْلُهَا: لَقِيَنِي وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَيَكُونُ قَدْ لَقِيَهَا مُصْعِدًا مِنْهَا رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهِي مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا لِلْعُمْرَةِ، وَهَذَا يُنَافِي انْتِظَارَهُ لَهَا بِالْمُحَصَّبِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ: الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهَا كَانَتْ مُصْعِدَةً مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ؛ لِأَنَّهَا تَقَدَّمَتْ إِلَى الْعُمْرَةِ وَانْتَظَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَتْ، ثُمَّ نَهَضَ إِلَى طَوَافِ الْوَدَاعِ، فَلَقِيَهَا مُنْصَرِفَةً إِلَى الْمُحَصَّبِ عَنْ مَكَّةَ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهَا قَالَتْ: وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُحَصَّبِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ، فَكَيْفَ يَقُولُ أبو محمد: إِنَّهُ نَهَضَ إِلَى طَوَافِ
стр. 744
الْوَدَاعِ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْ مَكَّةَ؟ هَذَا مُحَالٌ.
وأبو محمد لَمْ يَحُجَّ. وَحَدِيثُ القاسم عَنْهَا صَرِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْتَظَرَهَا فِي مَنْزِلِهِ بَعْدَ النَّفْرِ حَتَّى جَاءَتْ فَارْتَحَلَ وَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ فَإِنْ كَانَ حَدِيثُ الأسود هَذَا مَحْفُوظًا، فَصَوَابُهُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مُصْعِدَةٌ مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا طَافَتْ وَقَضَتْ عُمْرَتَهَا، ثُمَّ أُصْعِدَتْ لِمِيعَادِهِ، فَوَافَتْهُ قَدْ أَخَذَ فِي الْهُبُوطِ إِلَى مَكَّةَ لِلْوَدَاعِ، فَارْتَحَلَ وَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ، وَلَا وَجْهَ لِحَدِيثِ الأسود غَيْرُ هَذَا، وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِجَمْعَيْنِ آخَرِينَ، وَهُمَا وَهْمٌ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ طَافَ لِلْوَدَاعِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بَعْدَ أَنْ بَعَثَهَا، وَقَبْلَ فَرَاغِهَا، وَمَرَّةً بَعْدَ فَرَاغِهَا لِلْوَدَاعِ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ وَهْمٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ بَلْ يَزِيدُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنَ الْمُحَصَّبِ إِلَى ظَهْرِ الْعَقَبَةِ خَوْفَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي التَّحْصِيبِ، فَلَقِيَتْهُ وَهِيَ مُنْهَبِطَةٌ إِلَى مَكَّةَ، وَهُوَ مُصْعِدٌ إِلَى الْعَقَبَةِ، وَهَذَا أَقْبَحُ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْعَقَبَةِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى بِالِاتِّفَاقِ. وَأَيْضًا: فَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ.
وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ رَجَعَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ إِلَى الْمُحَصَّبِ، وَأَمَرَ بِالرَّحِيلِ، وَهَذَا وَهْمٌ أَيْضًا، لَمْ يَرْجِعْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ وَدَاعِهِ إِلَى الْمُحَصَّبِ، وَإِنَّمَا مَرَّ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَذَكَرَ فِي بَعْضِ تَآلِيفِهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ كَالْمُحَلِّقِ عَلَى مَكَّةَ بِدَائِرَةٍ فِي دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ، فَإِنَّهُ بَاتَ بِذِي طُوًى، ثُمَّ دَخَلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمُحَصَّبِ، وَيَكُونُ هَذَا الرُّجُوعُ مِنْ يَمَانِي مَكَّةَ حَتَّى تَحْصُلَ الدَّائِرَةُ، فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا جَاءَ نَزَلَ بِذِي طُوًى، ثُمَّ أَتَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ، ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ النُّسُكِ نَزَلَ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ
стр. 745
وَأَخَذَ مِنْ يَمِينِهَا حَتَّى أَتَى الْمُحَصَّبَ، وَيُحْمَلُ أَمْرُهُ بِالرَّحِيلِ ثَانِيًا عَلَى أَنَّهُ لَقِيَ فِي رُجُوعِهِ ذَلِكَ إِلَى الْمُحَصَّبِ قَوْمًا لَمْ يَرْحَلُوا، فَأَمَرَهُمْ بِالرَّحِيلِ، وَتَوَجَّهَ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَلَقَدْ شَانَ أبو محمد نَفْسَهُ وَكِتَابَهُ بِهَذَا الْهَذَيَانِ الْبَارِدِ السَّمِجِ الَّذِي يُضْحَكُ مِنْهُ، وَلَوْلَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَغْلَاطِ مَنْ غَلِطَ عَلَيْهِ ﷺ لَرَغِبْنَا عَنْ ذِكْرِ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ. وَالَّذِي كَأَنَّكَ تَرَاهُ مِنْ فِعْلِهِ أَنَّهُ نَزَلَ بِالْمُحَصَّبِ وَصَلَّى بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً، ثُمَّ نَهَضَ إِلَى مَكَّةَ، وَطَافَ بِهَا طَوَافَ الْوَدَاعِ لَيْلًا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمُحَصَّبِ، وَلَا دَارَ دَائِرَةً فَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ": عَنْ أَنَسٍ، ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ وَطَافَ بِهِ» ) .
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ عائشة خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ، ثُمَّ (قَالَتْ: «حِينَ قَضَى اللَّهُ الْحَجَّ وَنَفَرْنَا مِنْ مِنًى، فَنَزَلْنَا بِالْمُحَصَّبِ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ: " اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا، ثُمَّ ائْتِيَانِي هَاهُنَا بِالْمُحَصَّبِ ". قَالَتْ: فَقَضَى اللَّهُ الْعُمْرَةَ وَفَرَغْنَا مِنْ طَوَافِنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَأَتَيْنَاهُ بِالْمُحَصَّبِ. فَقَالَ: فَرَغْتُمَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ. فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ» ) .
فَهَذَا مِنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَأَدَلِّهِ عَلَى فَسَادِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ تِلْكَ التَّقْدِيرَاتِ الَّتِي لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْهَا، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الأسود غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا، فَلَا وَجْهَ لَهُ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[هَلِ التَّحْصِيبُ سُنَّةٌ]
وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي التَّحْصِيبِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ، أَوْ مَنْزِلُ اتِّفَاقٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ، فَإِنَّ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
стр. 746
( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى: نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ» ) . يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ تَقَاسَمُوا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَلَّا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ شَيْءٌ حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِظْهَارَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَظَهَرُوا فِيهِ شَعَائِرَ الْكُفْرِ وَالْعَدَاوَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ شِعَارَ التَّوْحِيدِ فِي مَوَاضِعِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدُ الطَّائِفِ مَوْضِعَ اللَّاتِ وَالْعُزَّى.
قَالُوا: وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكر، وعمر كَانُوا يَنْزِلُونَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لمسلم عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ( «عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ يُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَيَهْجَعُ، وَيَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ» ) .
وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وعائشة إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْزِلُ اتِّفَاقٍ فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ( «لَيْسَ الْمُحَصَّبُ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ» ) .
وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": ( «عَنْ أبي رافع لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَنْزِلَ بِمَنْ مَعِي بِالْأَبْطَحِ، وَلَكِنْ أَنَا ضَرَبْتُ قُبَّتَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَنَزَلَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ بِتَوْفِيقِهِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِهِ: " نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ "، وَتَنْفِيذًا لِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ،
стр. 747
وَمُوَافَقَةً مِنْهُ لِرَسُولِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ» ) .
[فَصْلٌ هَلْ دَخَلَ ﷺ الْبَيْتَ]
فَصْلٌ
هَاهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ: هَلْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ فِي حَجَّتِهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ وَقَفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَعْدَ الْوَدَاعِ، أَمْ لَا؟ وَهَلْ صَلَّى الصُّبْحَ لَيْلَةَ الْوَدَاعِ بِمَكَّةَ، أَوْ خَارِجًا مِنْهَا؟
فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى، فَزَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ دَخَلَ الْبَيْتَ فِي حَجَّتِهِ، وَيَرَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْبَيْتَ فِي حَجَّتِهِ وَلَا فِي عُمْرَتِهِ، وَإِنَّمَا دَخَلَهُ عَامَ الْفَتْحِ فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ( «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَةٍ لأسامة، حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَدَعَا عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بِالْمِفْتَاحِ، فَجَاءَهُ بِهِ، فَفَتَحَ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وأسامة، وبلال، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَجَافُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ مَلِيًّا، ثُمَّ فَتَحُوهُ. قَالَ عبد الله: فَبَادَرْتُ النَّاسَ، فَوَجَدْتُ بلالا عَلَى الْبَابِ. فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ. قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى» ) .
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ (ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ قَالَ: فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ ". قَالَ: فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ» ) .
стр. 748
فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ دُخُولَيْنِ صَلَّى فِي أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْآخَرِ.
وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ضُعَفَاءِ النَّقْدِ كُلَّمَا رَأَوُا اخْتِلَافَ لَفْظٍ جَعَلُوهُ قِصَّةً أُخْرَى، كَمَا جَعَلُوا الْإِسْرَاءَ مِرَارًا لِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ، وَجَعَلُوا اشْتِرَاءَهُ مِنْ جابر بَعِيرَهُ مِرَارًا؛ لِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ، وَجَعَلُوا طَوَافَ الْوَدَاعِ مَرَّتَيْنِ؛ لِاخْتِلَافِ سِيَاقِهِ، وَنَظَائِرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْجَهَابِذَةُ النُّقَّادُ فَيَرْغَبُونَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَلَا يَجْبُنُونَ عَنْ تَغْلِيطِ مَنْ لَيْسَ مَعْصُومًا مِنَ الْغَلَطِ، وَنِسْبَتِهِ إِلَى الْوَهْمِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ: وَالْقَوْلُ قَوْلُ بلال؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ شَاهَدَ صَلَاتَهُ، بِخِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ دُخُولَهُ الْبَيْتَ إِنَّمَا كَانَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، لَا فِي حَجِّهِ وَلَا عُمَرِهِ، وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ "، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عُمْرَتِهِ الْبَيْتَ؟ قَالَ: لَا.
( «وَقَالَتْ عائشة: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ طَيِّبُ النَّفْسِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ وَهُوَ حَزِينُ الْقَلْبِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِي وَأَنْتَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: إِنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ، وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ أَتْعَبْتُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي» ) فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ حَجَّتُهُ بَلْ
стр. 749
إِذَا تَأَمَّلْتَهُ حَقَّ التَّأَمُّلِ أَطْلَعَكَ التَّأَمُّلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَسَأَلَتْهُ عائشة أَنْ تَدْخُلَ الْبَيْتَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تُصَلِّي فِي الْحِجْرِ رَكْعَتَيْنِ.
[فَصْلٌ هَلْ وَقَفَ ﷺ فِي الْمُلْتَزَمِ بَعْدَ الْوَدَاعِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ وُقُوفُهُ فِي الْمُلْتَزَمِ، فَالَّذِي رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَفِي " سُنَنِ أبي داود "، عَنْ عبد الرحمن بن أبي صفوان، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، انْطَلَقْتُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْكَعْبَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَدِ اسْتَلَمُوا الرُّكْنَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الْحَطِيمِ، وَوَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى الْبَيْتِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَطَهُمْ.
وَرَوَى أبو داود أَيْضًا: مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: ( «طُفْتُ مَعَ عبد الله، فَلَمَّا حَاذَى دُبُرَ الْكَعْبَةِ قُلْتُ: أَلَا تَتَعَوَّذُ؟ قَالَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، فَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ هَكَذَا، وَبَسَطَهُمَا بَسْطًا، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ» ) .
فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ الْوَدَاعِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِهِ، وَلَكِنْ قَالَ مجاهد وَالشَّافِعِيُّ بَعْدَهُ وَغَيْرُهُمَا: إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَيَدْعُو، ( «وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَلْتَزِمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ وَكَانَ يَقُولُ: لَا يَلْتَزِمُ مَا بَيْنَهُمَا أَحَدٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» ) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[أَيْنَ صَلَّى ﷺ الصُّبْحَ لَيْلَةَ الْوَدَاعِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ مَوْضِعُ صَلَاتِهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ
стр. 750
الْوَدَاعِ فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ أم سلمة، قَالَتْ: ( «شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ. قَالَتْ: فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِ ﴿وَالطُّورِ - وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢] » ) فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَجْرِ وَفِي غَيْرِهَا، وَأَنْ يَكُونَ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ وَغَيْرِهِ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ، فَإِذَا الْبُخَارِيُّ قَدْ رَوَى فِي " صَحِيحِهِ " فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ أم سلمة طَافَتْ بِالْبَيْتِ، وَأَرَادَتِ الْخُرُوجَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ» ) . وَهَذَا مُحَالٌ قَطْعًا أَنْ يَكُونَ يَوْمَ النَّحْرِ فَهُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ بِلَا رَيْبٍ، فَظَهَرَ أَنَّهُ صَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ الْبَيْتِ، وَسَمِعَتْهُ أم سلمة يَقْرَأُ فِيهَا بِالطُّورِ.
[ارْتِحَالُهُ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ]
فَصْلٌ
ثُمَّ ارْتَحَلَ ﷺ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، «فَلَمَّا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ، لَقِيَ رَكْبًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: (مَنِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، قَالُوا: فَمَنِ الْقَوْمُ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَرَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا مِنْ مِحَفَّتِهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» ) .
فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ، بَاتَ بِهَا، «فَلَمَّا رَأَى الْمَدِينَةَ، كَبَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَقَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ
стр. 751
عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ) .
ثُمَّ دَخَلَهَا نَهَارًا مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ، وَخَرَجَ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي الْأَوْهَامِ]
[وَهِمَ ابْنُ حَزْمٍ فِي قَوْلِهِ إِنَّهُ ﷺ أَعْلَمَ النَّاسَ وَقْتَ خُرُوجِهِ أَنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً]
فَصْلٌ فِي الْأَوْهَامِ
فَمِنْهَا: وَهْمٌ لأبي محمد بن حزم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْلَمَ النَّاسَ وَقْتَ خُرُوجِهِ ( «أَنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» ) وَهَذَا وَهْمٌ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ حَجَّتِهِ، إِذْ قَالَ لأم سنان الأنصارية: ( «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ فَحَجَّ أَبُو وَلَدِي وَابْنِي عَلَى نَاضِحٍ، وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً» ) هَكَذَا رَوَاهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ ".
وَكَذَلِكَ أَيْضًا، قَالَ هَذَا لأم معقل بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا رَوَاهُ أبو داود، مِنْ حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، «عَنْ جَدَّتِهِ أم معقل، قَالَتْ: لَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ فَجَعَلَهُ أبو معقل فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَصَابَنَا مَرَضٌ، فَهَلَكَ أبو معقل، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ جِئْتُهُ، فَقَالَ: (مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجِي مَعَنَا؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ تَهَيَّأْنَا، فَهَلَكَ أبو معقل، وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ وَهُوَ الَّذِي نَحُجُّ عَلَيْهِ، فَأَوْصَى بِهِ أبو معقل فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ:
стр. 752
فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَمَّا إِذْ فَاتَتْكِ هَذِهِ الْحَجَّةُ مَعَنَا فَاعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ؛ فَإِنَّهَا كَحَجَّةٍ) » .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهْمٌ آخَرُ لَهُ، وَهُوَ أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ لِخَمْسٍ، وَأَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ.
[وَهِمَ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ بِقَوْلِهِ خَرَجَ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهْمٌ آخَرُ لِبَعْضِهِمْ، ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي " حَجَّةِ الْوَدَاعِ " أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَالَّذِي حَمَلَهُ عَلَى هَذَا الْوَهْمِ الْقَبِيحِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: خَرَجَ لِسِتٍّ بَقِينَ، فَظَنَّ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ إِذْ تَمَامُ السِّتِّ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ، وَأَوَّلُ ذِي الْحِجَّةِ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ بِلَا رَيْبٍ، وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ؛ فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ خُرُوجِهِ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ".
وَحَكَى الطَّبَرِيُّ فِي حَجَّتِهِ قَوْلًا ثَالِثًا: أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْوَاقِدِيِّ، وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي رَجَّحْنَاهُ أَوَّلًا، لَكِنَّ الْوَاقِدِيَّ وَهِمَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَوْهَامٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ خُرُوجِهِ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، الْوَهْمُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَحْرَمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَقِيبَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَإِنَّمَا أَحْرَمَ مِنَ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ بَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، الْوَهْمُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَقْفَةَ كَانَتْ يَوْمَ السَّبْتِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ وَهْمٌ بَيِّنٌ.
[فَصْلٌ وَهِمَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ ﷺ تَطَيَّبَ قَبْلَ غُسْلِهِ ثُمَّ غَسَلَ الطِّيبَ عَنْهُ لَمَّا اغْتَسَلَ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهْمٌ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ ﵀ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ﷺ تَطَيَّبَ هُنَاكَ قَبْلَ
стр. 753
غُسْلِهِ، ثُمَّ غَسَلَ الطِّيبَ عَنْهُ لَمَّا اغْتَسَلَ.
وَمَنْشَأُ هَذَا الْوَهْمِ مِنْ سِيَاقِ مَا وَقَعَ فِي " صَحِيحِ مسلم " فِي حَدِيثِ عائشة ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: ( «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا» ) .
وَالَّذِي يَرُدُّ هَذَا الْوَهْمَ قَوْلُهَا: ( «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ» ) وَقَوْلُهَا: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ أَيْ: بَرِيقِهِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَفِي لَفْظٍ: وَهُوَ يُلَبِّي بَعْدَ ثَلَاثٍ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَفِي لَفْظٍ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ تَطَيَّبَ بِأَطْيَبَ مَا يَجِدُ، ثُمَّ أَرَى وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ» ) ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَلْفَاظُ الصَّحِيحِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ فَإِنَّهُ حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا: ( «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا» ) ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ الطِّيبَ الثَّانِيَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ.
[وَهِمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ قَبْلَ الظُّهْرِ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمٌ آخَرُ لأبي محمد بن حزم أَنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَهُوَ وَهْمٌ ظَاهِرٌ لَمْ يُنْقَلْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَإِنَّمَا أَهَلَّ عَقِيبَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي مَوْضِعِ مُصَلَّاهُ، ثُمَّ رَكِبَ نَاقَتَهُ، وَاسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، وَهُوَ يُهِلُّ، وَهَذَا يَقِينًا كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ وَهِمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ ﷺ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَ نَفْسِهِ وَكَانَ هَدْيَ تَطَوُّعٍ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهْمٌ آخَرُ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَسَاقَ الْهَدْيَ مَعَ نَفْسِهِ، وَكَانَ هَدْيَ تَطَوُّعٍ، وَهَذَا بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ عَنِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَلْزَمُهُ هَدْيٌ وَإِنَّمَا
стр. 754
يَلْزَمُ الْمُتَمَتِّعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بُطْلَانُ هَذَا الْقَوْلِ.
[وَهْمٌ آخَرُ لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ فِي إِحْرَامِهِ نُسُكًا]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمٌ آخَرُ لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ فِي إِحْرَامِهِ نُسُكًا، بَلْ أَطْلَقَهُ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَيَّنَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً كَانَ مُتَمَتِّعًا بِهَا، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَصَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَغَيْرُهُمَا، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَيَّنَ حَجًّا مُفْرَدًا مُجَرَّدًا لَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَيَّنَ عُمْرَةً، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَيَّنَ حَجًّا مُفْرَدًا، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مُسْتَنَدِ ذَلِكَ، وَوَجْهُ الصَّوَابِ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمٌ لأحمد بن عبد الله الطبري فِي " حَجَّةِ الْوَدَاعِ " لَهُ أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ صَادَ أَبُو قَتَادَةَ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمٌ آخَرُ لِبَعْضِهِمْ، حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّمَا دَخَلَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ﷺ حَلَّ بَعْدَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَأَصْحَابُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُسْتَنَدَ هَذَا الْوَهْمِ وَهْمُ معاوية، أَوْ مَنْ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَصَّرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ عَلَى الْمَرْوَةِ فِي حَجَّتِهِ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ فِي طَوَافِهِ وَإِنَّمَا
стр. 755
ذَلِكَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَسَمَّاهُ الْيَمَانِيَّ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْآخَرِ الْيَمَانِيَّيْنِ. فَعَبَّرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ بِالْيَمَانِيِّ مُنْفَرِدًا.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمٌ فَاحِشٌ لأبي محمد بن حزم أَنَّهُ رَمَلَ فِي السَّعْيِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا الْوَهْمِ وَهْمُهُ فِي حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ سِوَاهُ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَوْطًا، وَكَانَ ذَهَابُهُ وَإِيَابُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ بُطْلَانِهِ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْوَهْمِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «صَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ مِيقَاتِهَا» ) ، وَهَذَا إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ قَبْلَ مِيقَاتِهَا الَّذِي كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِيهِ، فَعَجَّلَهَا عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا: صَلَاةُ الْمَغْرِبِ بَعْدَمَا يَأْتِي النَّاسُ الْمُزْدَلِفَةَ، وَالْفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الْفَجْرُ» ) ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ جابر فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ( «فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ» ) .
стр. 756
فَصْلٌ: وَمِنْهَا وَهْمُ مَنْ وَهِمَ فِي أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: صَلَّاهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ أَصْلًا، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَطَبَ بِعَرَفَةَ خُطْبَتَيْنِ جَلَسَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَلَمَّا فَرَغَ أَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَهَذَا لَمْ يَجِئْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَلْبَتَّةَ، وَحَدِيثُ جابر صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمَّا أَكْمَلَ خُطْبَتَهُ أَذَّنَ بلال، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمٌ لِأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ لَمَّا صَعِدَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ فَخَطَبَ، وَهَذَا وَهْمٌ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمُ مَنْ رَوَى أَنَّهُ قَدَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَأَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمَكَّةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى اللَّيْلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، وَأَنَّ الَّذِي أَخَّرَهُ إِلَى اللَّيْلِ إِنَّمَا هُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَمُسْتَنَدُ هَذَا
стр. 757
الْوَهْمِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ عائشة قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ، كَذَلِكَ قَالَ عبد الرحمن بن القاسم، عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا، فَحَمَلَ عَنْهَا عَلَى الْمَعْنَى، وَقِيلَ: أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ إِلَى اللَّيْلِ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمُ مَنْ وَهِمَ وَقَالَ: أَنَّهُ أَفَاضَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِالنَّهَارِ، وَمَرَّةً مَعَ نِسَائِهِ بِاللَّيْلِ، وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْوَهْمِ مَا رَوَاهُ عمر بن قيس، عَنْ عبد الرحمن بن القاسم، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «أَذِنَ لِأَصْحَابِهِ فَزَارُوا الْبَيْتَ يَوْمَ النَّحْرِ ظَهِيرَةً، وَزَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ نِسَائِهِ لَيْلًا» ) وَهَذَا غَلَطٌ، وَالصَّحِيحُ عَنْ عائشة خِلَافُ هَذَا أَنَّهُ أَفَاضَ نَهَارًا إِفَاضَةً وَاحِدَةً، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ وَخِيمَةٌ جِدًّا، سَلَكَهَا ضِعَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُتَمَسِّكُونَ بِأَذْيَالِ التَّقْلِيدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ طَافَ لِلْقُدُومِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ طَافَ بَعْدَهُ لِلزِّيَارَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَنَدُ ذَلِكَ وَبُطْلَانُهُ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَوْمَئِذٍ سَعَى مَعَ هَذَا الطَّوَافِ، وَاحْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ يَحْتَاجُ إِلَى سَعْيَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بُطْلَانُ ذَلِكَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَسَعْ إِلَّا سَعْيًا وَاحِدًا، كَمَا قَالَتْ عائشة وجابر ﵄.
стр. 758
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ وَهْمُ مَنْ قَالَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ صَلَّاهَا بِمِنًى كَمَا تَقَدَّمَ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُسْرِعْ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ حِينَ أَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى، وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْأَعْرَابِ، وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْوَهْمِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا كَانَ بَدْءُ الْإِيضَاعِ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانُوا يَقِفُونَ حَافَّتَيِ النَّاسِ حَتَّى قَدْ عَلَّقُوا الْقِعَابَ وَالْعِصِيَّ وَالْجِعَابَ، فَإِذَا أَفَاضُوا تَقَعْقَعَتْ تِلْكَ، فَنَفَرُوا بِالنَّاسِ، وَلَقَدْ رُئِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّ ذِفْرَيْ نَاقَتِهِ لَيَمَسُّ حَارِكَهَا، وَهُوَ يَقُولُ: ( «يَأَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ» ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: ( «إِنَّ الْبِرُّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا حَتَّى أَتَى مِنًى» ) رَوَاهُ أبو داود ". وَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ طَاوُوسٌ وَالشَّعْبِيُّ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: «حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّهُ أَفَاضَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، فَلَمْ تَرْفَعْ رَاحِلَتُهُ رِجْلَهَا عَادِيَةً حَتَّى بَلَغَ جَمْعًا» . قَالَ: «وَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَمْعٍ، فَلَمْ تَرْفَعْ رَاحِلَتُهُ رِجْلَهَا عَادِيَةً حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ» . وَقَالَ عطاء: إِنَّمَا أَحْدَثَ هَؤُلَاءِ الْإِسْرَاعَ،
стр. 759
يُرِيدُونَ أَنْ يُفَوِّتُوا الْغُبَارَ.
وَمَنْشَأُ هَذَا الْوَهْمِ اشْتِبَاهُ الْإِيضَاعِ وَقْتَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْأَعْرَابُ، وَجُفَاةُ النَّاسِ بِالْإِيضَاعِ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، فَإِنَّ الْإِيضَاعَ هُنَاكَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بَلْ نَهَى عَنْهُ، وَالْإِيضَاعُ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ سُنَّةٌ نَقَلَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جابر، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵃، وَفَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَكَانَ ابن الزبير يُوضِعُ أَشَدَّ الْإِيضَاعِ، وَفَعَلَتْهُ عائشة وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالْقَوْلُ فِي هَذَا قَوْلُ مَنْ أَثْبَتَ لَا قَوْلُ مَنْ نَفَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهْمُ طَاوُوسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُفِيضُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي مِنًى إِلَى الْبَيْتِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " وَيُذْكَرُ عَنْ أبي حسان عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «كَانَ يَزُورُ الْبَيْتَ أَيَّامَ مِنًى» ) ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: دَفَعَ إِلَيْنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ كِتَابًا، قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي، وَلَمْ يَقْرَأْهُ، قَالَ: وَكَانَ فِيهِ عَنْ أبي حسان، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «كَانَ يَزُورُ الْبَيْتَ كُلَّ لَيْلَةٍ مَا دَامَ بِمِنًى» ) ، قَالَ: وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا وَاطَأَهُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ فِي " جَامِعِهِ " عَنِ ابن طاووس عَنْ أَبِيهِ
стр. 760
مُرْسَلًا، وَهُوَ وَهْمٌ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ وَبَقِيَ فِي مِنًى إِلَى حِينِ الْوَدَاعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهْمُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ وَدَّعَ مَرَّتَيْنِ، وَوَهْمُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ جَعَلَ مَكَّةَ دَائِرَةً فِي دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ، فَبَاتَ بِذِي طُوًى، ثُمَّ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمُحَصَّبِ عَنْ يَمِينِ مَكَّةَ، فَكَمُلَتِ الدَّائِرَةُ.
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنَ الْمُحَصَّبِ إِلَى ظَهْرِ الْعَقَبَةِ، فَهَذِهِ كُلُّهَا مِنَ الْأَوْهَامِ نَبَّهْنَا عَلَيْهَا مُفَصَّلًا وَمُجْمَلًا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ]
ِ، وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ (الْأَنْعَامِ) ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ ﷺ ، وَلَا عَنِ الصَّحَابَةِ هَدْيٌ، وَلَا أُضْحِيَّةٌ، وَلَا عَقِيقَةٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ مَجْمُوعِ أَرْبَعِ آيَاتٍ.
إِحْدَاهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] [الْمَائِدَةِ: ١] .
وَالثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] [الْحَجِّ: ٢٨] .
وَالثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى:
стр. 761
﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٢ - ١٤٣] [الْأَنْعَامِ ١٤٢، ١٤٣] ثُمَّ ذَكَرَهَا.
الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] [الْمَائِدَةِ ٩٥] .
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَبْلُغُ الْكَعْبَةَ مِنَ الْهَدْيِ هُوَ هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّمَانِيَةُ، وَهَذَا اسْتِنْبَاطُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁.
وَالذَّبَائِحُ الَّتِي هِيَ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ وَعِبَادَةٌ هِيَ ثَلَاثَةٌ: الْهَدْيُ، وَالْأُضْحِيَّةُ، وَالْعَقِيقَةُ.
فَأَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَنَمَ، وَأَهْدَى الْإِبِلَ، وَأَهْدَى عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ، وَأَهْدَى فِي مَقَامِهِ، وَفِي عُمْرَتِهِ، وَفِي حَجَّتِهِ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُ تَقْلِيدَ الْغَنَمِ دُونَ إِشْعَارِهَا.
وَكَانَ إِذَا بَعَثَ بِهَدْيِهِ وَهُوَ مُقِيمٌ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ مِنْهُ حَلَالًا.
وَكَانَ إِذَا أَهْدَى الْإِبِلَ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا، فَيَشُقُّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ يَسِيرًا حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْإِشْعَارُ فِي الصَّفْحَةِ الْيُمْنَى، كَذَلِكَ أَشْعَرَ النَّبِيُّ ﷺ .
وَكَانَ إِذَا بَعَثَ بِهَدْيِهِ ( «أَمَرَ رَسُولَهُ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى عَطَبٍ شَيْءٌ مِنْهُ أَنْ يَنْحَرَهُ، ثُمَّ يَصْبُغَ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ يَجْعَلَهُ عَلَى صَفْحَتِهِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ، ثُمَّ يَقْسِمُ لَحْمَهُ» ) ، وَمَنَعَهُ مِنْ هَذَا الْأَكْلِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ رُبَّمَا
стр. 762
قَصَّرَ فِي حِفْظِهِ لِيُشَارِفَ الْعَطَبَ، فَيَنْحَرَهُ وَيَأْكُلَ مِنْهُ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا، اجْتَهَدَ فِي حِفْظِهِ.
وَشَرَّكَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي الْهَدْيِ كَمَا تَقَدَّمَ: الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ كَذَلِكَ.
( «وَأَبَاحَ لِسَائِقِ الْهَدْيِ رُكُوبَهُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ حَتَّى يَجِدَ ظَهْرًا غَيْرَهُ» ) ، وَقَالَ علي ﵁: (يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا) .
وَكَانَ هَدْيُهُ ﷺ نَحْرَ الْإِبِلِ قِيَامًا، مُقَيَّدَةً مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى، عَلَى ثَلَاثٍ وَكَانَ يُسَمِّي اللَّهَ عِنْدَ نَحْرِهِ، وَيُكَبِّرُ، وَكَانَ يَذْبَحُ نُسُكَهُ بِيَدِهِ، وَرُبَّمَا وَكَّلَ فِي بَعْضِهِ كَمَا أَمَرَ عليا ﵁ أَنْ يَذْبَحَ مَا بَقِيَ مِنَ الْمِائَةِ.
( «وَكَانَ إِذَا ذَبَحَ الْغَنَمَ وَضَعَ قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهَا ثُمَّ سَمَّى، وَكَبَّرَ وَذَبَحَ» ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ نَحَرَ بِمِنًى، وَقَالَ: ( «إِنَّ فِجَاجَ مَكَّةَ كُلَّهَا مَنْحَرٌ» ) ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنَاحِرُ الْبُدْنِ بِمَكَّةَ، وَلَكِنَّهَا نُزِّهَتْ عَنِ الدِّمَاءِ، وَمِنًى مِنْ مَكَّةَ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَنْحَرُ بِمَكَّةَ.
وَأَبَاحَ ﷺ لِأُمَّتِهِ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ هَدَايَاهُمْ وَضَحَايَاهُمْ وَيَتَزَوَّدُوا مِنْهَا وَنَهَاهُمْ
стр. 763
مَرَّةً أَنْ يَدَّخِرُوا مِنْهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ لِدَافَّةٍ دَفَّتْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْعَامَ مِنَ النَّاسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُوَسِّعُوا عَلَيْهِمْ، وَذَكَرَ أبو داود مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: «ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: (يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ لَنَا لَحْمَ هَذِهِ الشَّاةِ» ) قَالَ: فَمَا زِلْتُ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ.
وَرَوَى مسلم هَذِهِ الْقِصَّةَ، وَلَفْظُهُ فِيهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ( «أَصْلِحْ هَذَا اللَّحْمَ، قَالَ: فَأَصْلَحْتُهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ مِنْهُ حَتَى بَلَغَ الْمَدِينَةَ» ) .
وَكَانَ رُبَّمَا قَسَمَ لُحُومَ الْهَدْيِ، وَرُبَّمَا قَالَ: ( «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» ) فَعَلَ هَذَا،
стр. 764
وَفَعَلَ هَذَا، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ النُّهْبَةِ فِي النِّثَارِ فِي الْعُرْسِ وَنَحْوِهِ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِمَا لَا يَتَبَيَّنُ.
[فَصْلٌ هَدْيُهُ ﷺ فِي ذَبْحِ هَدْيِ الْعُمْرَةِ وَالْقِرَانِ]
فَصْلٌ
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ ذَبْحُ هَدْيِ الْعُمْرَةِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، وَهَدْيِ الْقِرَانِ بِمِنًى، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ، وَلَمْ يَنْحَرْ هَدْيَهُ ﷺ قَطُّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ حَلَّ، وَلَمْ يَنْحَرْهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَلْبَتَّةَ، وَلَمْ يَنْحَرْهُ أَيْضًا إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ الرَّمْيِ، فَهِيَ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ مُرَتَّبَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ، أَوَّلُهَا: الرَّمْيُ، ثُمَّ النَّحْرُ، ثُمَّ الْحَلْقُ، ثُمَّ الطَّوَافُ، وَهَكَذَا رَتَّبَهَا ﷺ ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي النَّحْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَلْبَتَّةَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِهَدْيِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ إِذَا ذُبِحَتْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
[فَصْلٌ هَدْيُهُ فِي الْأَضَاحِي]
فَصْلٌ وَأَمَّا هَدْيُهُ فِي الْأَضَاحِي فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدَعُ الْأُضْحِيَّةَ، وَكَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، وَكَانَ يَنْحَرُهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ ( «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ» ) هَذَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ وَهَدْيُهُ لَا الِاعْتِبَارُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، بَلْ بِنَفْسِ فِعْلِهَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ ( «وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ وَالثَّنِيَّ مِمَّا سِوَاهُ» ) وَهِيَ الْمُسِنَّةُ.
стр. 765
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» ) لَكِنَّ الْحَدِيثَ مُنْقَطِعٌ لَا يَثْبُتُ وَصْلُهُ.
وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَيَّامَ الذَّبْحِ ثَلَاثَةٌ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى نَهْيِ الذَّابِحِ أَنْ يَدَّخِرَ شَيْئًا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ يَوْمِ ذَبْحِهِ، فَلَوْ أَخَّرَ الذَّبْحَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَجَازَ لَهُ الِادِّخَارُ وَقْتَ النَّهْيِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالَّذِينَ حَدَّدُوهُ بِالثَّلَاثِ
стр. 766
فَهِمُوا مِنْ نَهْيِهِ عَنِ الِادِّخَارِ فَوْقَ ثَلَاثٍ أَنَّ أَوَّلَهَا مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، قَالُوا: وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ مَشْرُوعًا فِي وَقْتٍ يَحْرُمُ فِيهِ الْأَكْلُ، قَالُوا: ثُمَّ نُسِخَ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ فَبَقِيَ وَقْتُ الذَّبْحِ بِحَالِهِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ إِلَّا عَنِ الِادِّخَارِ فَوْقَ ثَلَاثٍ لَمْ يَنْهَ عَنِ التَّضْحِيَةِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ؟ وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ مَا نَهَى عَنْهُ، وَبَيْنَ اخْتِصَاصِ الذَّبْحِ بِثَلَاثٍ لِوَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَسُوغُ الذَّبْحُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، فَيَجُوزُ لَهُ الِادِّخَارُ إِلَى تَمَامِ الثَّلَاثِ مِنْ يَوْمِ الذَّبْحِ، وَلَا يَتِمُّ لَكُمُ الِاسْتِدْلَالُ حَتَّى يَثْبُتَ النَّهْيُ عَنِ الذَّبْحِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ إِلَى هَذَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ لَسَاغَ لَهُ حِينَئِذٍ الِادِّخَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ، وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: أَيَّامُ النَّحْرِ يَوْمُ الْأَضْحَى، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ إِمَامِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الحسن، وَإِمَامِ أَهْلِ مَكَّةَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَإِمَامِ أَهْلِ الشَّامِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَإِمَامِ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَاخْتَارَهُ ابن المنذر؛ وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ تَخْتَصُّ بِكَوْنِهَا أَيَّامَ مِنًى، وَأَيَّامَ الرَّمْيِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَيَحْرُمُ صِيَامُهَا، فَهِيَ إِخْوَةٌ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَكَيْفَ تَفْتَرِقُ فِي جَوَازِ الذَّبْحِ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ. وَرُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يَشُدُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «كُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» ) رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، وَمِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عطاء عن جابر.
стр. 767
قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ هَذَا أَحَدُهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ وَقْتَ الذَّبْحِ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أحمد ومالك، وأبي حنيفة ﵏، قَالَ أحمد: هُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَذَكَرَهُ الأثرم عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃.
الثَّالِثُ: أَنَّ وَقْتَ النَّحْرِ يَوْمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، لِأَنَّهُ اخْتُصَّ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِ حُكْمِهَا بِهِ، وَلَوْ جَازَ فِي الثَّلَاثَةِ لَقِيلَ لَهَا: أَيَّامُ النَّحْرِ كَمَا قِيلَ لَهَا: أَيَّامُ الرَّمْيِ وَأَيَّامُ مِنًى، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَلِأَنَّ الْعِيدَ يُضَافُ إِلَى النَّحْرِ، وَهُوَ يَوْمٌ وَاحِدٌ كَمَا يُقَالُ عِيدُ الْفِطْرِ.
الرَّابِعُ: قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: إِنَّهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ فِي الْأَمْصَارِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي مِنًى؛ لِأَنَّهَا هُنَاكَ أَيَّامُ أَعْمَالِ الْمَنَاسِكِ مِنَ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَالْحَلْقِ فَكَانَتْ أَيَّامًا لِلذَّبْحِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ.
[فَصْلٌ مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالْأُضْحِيَّةِ]
فَصْلٌ
وَمِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنَّ ( «مَنْ أَرَادَ التَّضْحِيَةَ وَدَخَلَ يَوْمُ الْعَشْرِ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» ) ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي " صَحِيحِ مسلم ". وَأَمَّا الدَّارَقُطْنِيُّ
стр. 768
فَقَالَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أم سلمة.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ اخْتِيَارُ الْأُضْحِيَّةِ وَاسْتِحْسَانُهَا، وَسَلَامَتُهَا مِنَ الْعُيُوبِ، ( «وَنَهَى أَنْ يُضَحَّى بِعَضْبَاءِ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ» ) أَيْ مَقْطُوعَةِ الْأُذُنِ وَمَكْسُورَةِ الْقَرْنِ، النِّصْفُ فَمَا زَادَ، ذَكَرَهُ أبو داود، ( «وَأَمَرَ أَنْ تُسْتَشْرَفَ الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ» ) أَيْ: يُنْظَرُ إِلَى سَلَامَتِهَا، وَأَنْ لَا يُضَحَّى بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا شَرْقَاءَ، وَلَا خَرْقَاءَ. وَالْمُقَابَلَةُ هِيَ الَّتِي قُطِعَ مُقَدَّمُ أُذُنِهَا، وَالْمُدَابَرَةُ الَّتِي قُطِعَ مُؤَخَّرُ أُذُنِهَا، وَالشَّرْقَاءُ الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُهَا، وَالْخَرْقَاءُ الَّتِي خُرِقَتْ أُذُنُهَا. ذَكَرَهُ أبو داود.
وَذَكَرَ عَنْهُ أَيْضًا ( «أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» ) أَيْ مِنْ هُزَالِهَا لَا مُخَّ فِيهَا. وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ
стр. 769
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «نَهَى عَنِ الْمُصْفَرَّةِ وَالْمُسْتَأْصَلَةِ، وَالْبَخْقَاءِ، وَالْمُشَيَّعَةِ، وَالْكَسْرَاءِ» ) فَالْمُصْفَرَّةُ الَّتِي تُسْتَأْصَلُ أُذُنُهَا حَتَّى يَبْدُوَ صِمَاخُهَا، وَالْمُسْتَأْصَلَةُ الَّتِي اسْتُوصِلَ قَرْنُهَا مِنْ أَصْلِهِ، وَالْبَخْقَاءُ الَّتِي بُخِقَتْ عَيْنُهَا، وَالْمُشَيَّعَةُ الَّتِي لَا تَتْبَعُ الْغَنَمَ عَجَفًا وَضَعْفًا، وَالْكَسْرَاءُ الْكَسِيرَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[كَانَ ﷺ يُضَحِّي بِالْمُصَلَّى]
فَصْلٌ
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنْ يُضَحِّي بِالْمُصَلَّى، ذَكَرَهُ أبو داود «عَنْ جابر أَنَّهُ شَهِدَ مَعَهُ الْأَضْحَى بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى خُطْبَتَهُ نَزَلَ مِنْ مِنْبَرِهِ، وَأُتِيَ بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ بِيَدِهِ، وَقَالَ: (بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي» ) . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «كَانَ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى» ) .
стр. 770
[دُعَاؤُهُ ﷺ قَبْلَ الذَّبْحِ]
وَذَكَرَ أبو داود عَنْهُ «أَنَّهُ ذَبَحَ يَوْمَ النَّحْرِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» ) ، ثُمَّ ذَبَحَ.
وَأَمَرَ النَّاسَ إِذَا ذَبَحُوا أَنْ يُحْسِنُوا، وَإِذَا قَتَلُوا أَنْ يُحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَقَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» )
[تُجْزِئُ الشَّاةُ عَنِ الرَّجُلِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ]
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنَّ الشَّاةَ تُجْزِئُ عَنِ الرَّجُلِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَوْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ، كَمَا قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: «سَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبٍ الْأَنْصَارِيَّ: كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: (إِنْ كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ» ) . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 771
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْعَقِيقَةِ]
فِي " الْمُوَطَّأِ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: (لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ» ) كَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ ذَكَرَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ مَا ذَكَرَهُ عبد الرزاق: أَنْبَأَ داود بن قيس، قَالَ:
стр. 772
سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: (لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ» ) ، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ ( «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَنْسُكُ أَحَدُنَا عَنْ وَلَدِهِ؟ فَقَالَ مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» ) .
وَصَحَّ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ عائشة ﵂ ( «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» ) .
[مَعْنَى كُلِّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ]
وَقَالَ: ( «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى» )
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ عَنِ الشَّفَاعَةِ فِي أَبَوَيْهِ، وَالرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ الْحَبْسُ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] [الْمُدَّثِّرِ ٣٨] ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَهِينَةٌ فِي نَفْسِهِ مَمْنُوعٌ مَحْبُوسٌ عَنْ خَيْرٍ يُرَادُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ حُبِسَ بِتَرْكِ أَبَوَيْهِ الْعَقِيقَةَ عَمَّا يَنَالُهُ مَنْ عَقَّ عَنْهُ أَبَوَاهُ، وَقَدْ يَفُوتُ الْوَلَدَ خَيْرٌ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ الْأَبَوَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَسْبِهِ كَمَا أَنَّهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ إِذَا سَمَّى أَبُوهُ لَمْ يَضُرَّ الشَّيْطَانُ وَلَدَهُ، وَإِذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَلَدِ هَذَا الْحِفْظُ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَازِمَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا، فَشَبَّهَ لُزُومَهَا وَعَدَمَ
стр. 773
انْفِكَاكِ الْمَوْلُودِ عَنْهَا بِالرَّهْنِ. وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا مَنْ يَرَى وُجُوبَهَا كَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[هَلِ التَّدْمِيَةُ مِنَ الْعَقِيقَةِ صَحِيحَةٌ أَوْ غَلَطٌ]
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ فِي رِوَايَةِ همام عَنْ قتادة فِي هَذَا الْحَدِيثِ ": وَيُدَمَّى " قَالَ همام: سُئِلَ قتادة عَنْ قَوْلِهِ: وَ " يُدَمَّى " كَيْفَ يَصْنَعُ بِالدَّمِ؟ فَقَالَ: إِذَا ذُبِحَتِ الْعَقِيقَةُ أُخِذَتْ مِنْهَا صُوفَةٌ، وَاسْتُقْبِلَتْ بِهَا أَوْدَاجُهَا، ثُمَّ تُوضَعُ عَلَى يَافُوخِ الصَّبِيِّ حَتَّى تَسِيلَ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلَ الْخَيْطِ ثُمَّ يُغْسَلُ رَأْسُهُ بَعْدُ وَيُحْلَقُ.
قِيلَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَمِنْ قَائِلٍ: هَذَا مِنْ رِوَايَةِ الحسن عَنْ سمرة، وَلَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ عَنْهُ، وَمِنْ قَائِلٍ: سَمَاعُ الحسن عَنْ سمرة حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ هَذَا صَحِيحٌ، صَحَّحَهُ الترمذي وَغَيْرُهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: اذْهَبْ فَسَلِ الحسن مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ؟ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ سمرة.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي التَّدْمِيَةِ بَعْدُ، هَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ أَوْ غَلَطٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَقَالَ أبو داود فِي " سُنَنِهِ ": هِيَ وَهْمٌ مِنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى. وَقَوْلُهُ وَيُدَمَّى، إِنَّمَا هُوَ " وَيُسَمَّى " وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ فِي لِسَانِ همام لُثْغَةٌ فَقَالَ: " وَيُدَمَّى " وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُسَمَّى، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ هماما وَإِنْ كَانَ وَهِمَ فِي اللَّفْظِ وَلَمْ يُقِمْهُ لِسَانُهُ، فَقَدْ حَكَى عَنْ قتادة صِفَّةَ التَّدْمِيَةِ وَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا، فَأَجَابَ بِذَلِكَ، وَهَذَا لَا تَحْتَمِلُهُ اللُّثْغَةُ بِوَجْهٍ. فَإِنْ كَانَ لَفْظُ التَّدْمِيَةِ هُنَا وَهْمًا، فَهُوَ مِنْ قتادة، أَوْ مِنَ الحسن، وَالَّذِينَ أَثْبَتُوا لَفْظَ التَّدْمِيَةِ قَالُوا: إِنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الْعَقِيقَةِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الحسن وقتادة، وَالَّذِينَ مَنَعُوا التَّدْمِيَةَ كمالك، وَالشَّافِعِيِّ، وأحمد وإسحاق، قَالُوا: " وَيُدَمَّى " غَلَطٌ، وَإِنَّمَا هُوَ " وَيُسَمَّى " قَالُوا: وَهَذَا كَانَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبْطَلَهُ الْإِسْلَامُ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أبو داود، عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ قَالَ: ( «كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً، وَلَطَّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ كُنَّا نَذْبَحُ
стр. 774
شَاةً، وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ» ) .
قَالُوا: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، فَإِذَا انْضَافَ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «أَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» ) ، وَالدَّمُ أَذًى، فَكَيْفَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُلَطِّخُوهُ بِالْأَذَى؟
قَالُوا: وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَنِ الحسن والحسين بِكَبْشٍ كَبْشٍ، وَلَمْ يُدَمِّهِمَا، وَلَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ هَدْيِهِ وَهَدْيِ أَصْحَابِهِ قَالُوا: وَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ سُنَّتِهِ تَنْجِيسُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ، وَأَيْنَ لِهَذَا شَاهِدٌ، وَنَظِيرٌ فِي سُنَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَلِيقُ هَذَا بِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ.
[هَلْ عَقِيقَةُ الْغُلَامِ شَاتَانِ]
فَصْلٌ
فَإِنْ قِيلَ: عَقُّهُ عَنِ الحسن والحسين بِكَبْشٍ كَبْشٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَدْيَهُ أَنَّ عَلَى الرَّأْسِ رَأْسًا، وَقَدْ صَحَّحَ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وأنس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «عَقَّ عَنِ الحسن بِكَبْشٍ، وَعَنِ الحسين بِكَبْشٍ» ) وَكَانَ مَوْلِدُ الحسن عَامَ أُحُدٍ، والحسين فِي الْعَامِ الْقَابِلِ مِنْهُ.
стр. 775
وَرَوَى الترمذي مِنْ حَدِيثِ علي ﵁ قَالَ: «عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحسن شَاةً، وَقَالَ: (يَا فاطمة احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً، فَوَزَنَّاهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا، أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ» ) وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُ مُتَّصِلًا فَحَدِيثُ أنس وَابْنِ عَبَّاسٍ يَكْفِيَانِ.
قَالُوا: لِأَنَّهُ نُسُكٌ فَكَانَ عَلَى الرَّأْسِ مِثْلُهُ كَالْأُضْحِيَّةِ وَدَمِ التَّمَتُّعِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ أَحَادِيثَ الشَّاتَيْنِ عَنِ الذَّكَرِ، وَالشَّاةِ عَنِ الْأُنْثَى أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا لِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: كَثْرَتُهَا، فَإِنَّ رُوَاتَهَا: عائشة وعبد الله بن عمرو، وأم كرز الكعبية، وأسماء.
فَرَوَى أبو داود عَنْ أم كرز قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» ) .
قَالَ أبو داود: وَسَمِعْتُ أحمد يَقُولُ: مُكَافِئَتَانِ مُسْتَوِيَتَانِ أَوْ مُقَارِبَتَانِ، قُلْتُ: هُوَ مُكَافَأَتَانِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَمُكَافِئَتَانِ بِكَسْرِهَا، وَالْمُحَدِّثُونَ يَخْتَارُونَ الْفَتْحَ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَافَأْتَهُ، فَقَدْ كَافَأَكَ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهَا تَرْفَعُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا» ) .
следующие страницы →