Полный текст (2 628 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْعَقِيقَةِ]
فِي " الْمُوَطَّأِ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: (لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ» ) كَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ ذَكَرَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ مَا ذَكَرَهُ عبد الرزاق: أَنْبَأَ داود بن قيس، قَالَ:
стр. 772
سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: (لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ» ) ، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ ( «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَنْسُكُ أَحَدُنَا عَنْ وَلَدِهِ؟ فَقَالَ مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» ) .
وَصَحَّ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ عائشة ﵂ ( «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» ) .
[مَعْنَى كُلِّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ]
وَقَالَ: ( «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى» )
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ عَنِ الشَّفَاعَةِ فِي أَبَوَيْهِ، وَالرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ الْحَبْسُ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] [الْمُدَّثِّرِ ٣٨] ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَهِينَةٌ فِي نَفْسِهِ مَمْنُوعٌ مَحْبُوسٌ عَنْ خَيْرٍ يُرَادُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ حُبِسَ بِتَرْكِ أَبَوَيْهِ الْعَقِيقَةَ عَمَّا يَنَالُهُ مَنْ عَقَّ عَنْهُ أَبَوَاهُ، وَقَدْ يَفُوتُ الْوَلَدَ خَيْرٌ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ الْأَبَوَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَسْبِهِ كَمَا أَنَّهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ إِذَا سَمَّى أَبُوهُ لَمْ يَضُرَّ الشَّيْطَانُ وَلَدَهُ، وَإِذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَلَدِ هَذَا الْحِفْظُ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَازِمَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا، فَشَبَّهَ لُزُومَهَا وَعَدَمَ
стр. 773
انْفِكَاكِ الْمَوْلُودِ عَنْهَا بِالرَّهْنِ. وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا مَنْ يَرَى وُجُوبَهَا كَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[هَلِ التَّدْمِيَةُ مِنَ الْعَقِيقَةِ صَحِيحَةٌ أَوْ غَلَطٌ]
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ فِي رِوَايَةِ همام عَنْ قتادة فِي هَذَا الْحَدِيثِ ": وَيُدَمَّى " قَالَ همام: سُئِلَ قتادة عَنْ قَوْلِهِ: وَ " يُدَمَّى " كَيْفَ يَصْنَعُ بِالدَّمِ؟ فَقَالَ: إِذَا ذُبِحَتِ الْعَقِيقَةُ أُخِذَتْ مِنْهَا صُوفَةٌ، وَاسْتُقْبِلَتْ بِهَا أَوْدَاجُهَا، ثُمَّ تُوضَعُ عَلَى يَافُوخِ الصَّبِيِّ حَتَّى تَسِيلَ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلَ الْخَيْطِ ثُمَّ يُغْسَلُ رَأْسُهُ بَعْدُ وَيُحْلَقُ.
قِيلَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَمِنْ قَائِلٍ: هَذَا مِنْ رِوَايَةِ الحسن عَنْ سمرة، وَلَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ عَنْهُ، وَمِنْ قَائِلٍ: سَمَاعُ الحسن عَنْ سمرة حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ هَذَا صَحِيحٌ، صَحَّحَهُ الترمذي وَغَيْرُهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: اذْهَبْ فَسَلِ الحسن مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ؟ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ سمرة.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي التَّدْمِيَةِ بَعْدُ، هَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ أَوْ غَلَطٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَقَالَ أبو داود فِي " سُنَنِهِ ": هِيَ وَهْمٌ مِنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى. وَقَوْلُهُ وَيُدَمَّى، إِنَّمَا هُوَ " وَيُسَمَّى " وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ فِي لِسَانِ همام لُثْغَةٌ فَقَالَ: " وَيُدَمَّى " وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُسَمَّى، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ هماما وَإِنْ كَانَ وَهِمَ فِي اللَّفْظِ وَلَمْ يُقِمْهُ لِسَانُهُ، فَقَدْ حَكَى عَنْ قتادة صِفَّةَ التَّدْمِيَةِ وَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا، فَأَجَابَ بِذَلِكَ، وَهَذَا لَا تَحْتَمِلُهُ اللُّثْغَةُ بِوَجْهٍ. فَإِنْ كَانَ لَفْظُ التَّدْمِيَةِ هُنَا وَهْمًا، فَهُوَ مِنْ قتادة، أَوْ مِنَ الحسن، وَالَّذِينَ أَثْبَتُوا لَفْظَ التَّدْمِيَةِ قَالُوا: إِنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الْعَقِيقَةِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الحسن وقتادة، وَالَّذِينَ مَنَعُوا التَّدْمِيَةَ كمالك، وَالشَّافِعِيِّ، وأحمد وإسحاق، قَالُوا: " وَيُدَمَّى " غَلَطٌ، وَإِنَّمَا هُوَ " وَيُسَمَّى " قَالُوا: وَهَذَا كَانَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبْطَلَهُ الْإِسْلَامُ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أبو داود، عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ قَالَ: ( «كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً، وَلَطَّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ كُنَّا نَذْبَحُ
стр. 774
شَاةً، وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ» ) .
قَالُوا: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، فَإِذَا انْضَافَ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «أَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» ) ، وَالدَّمُ أَذًى، فَكَيْفَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُلَطِّخُوهُ بِالْأَذَى؟
قَالُوا: وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَنِ الحسن والحسين بِكَبْشٍ كَبْشٍ، وَلَمْ يُدَمِّهِمَا، وَلَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ هَدْيِهِ وَهَدْيِ أَصْحَابِهِ قَالُوا: وَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ سُنَّتِهِ تَنْجِيسُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ، وَأَيْنَ لِهَذَا شَاهِدٌ، وَنَظِيرٌ فِي سُنَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَلِيقُ هَذَا بِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ.
[هَلْ عَقِيقَةُ الْغُلَامِ شَاتَانِ]
فَصْلٌ
فَإِنْ قِيلَ: عَقُّهُ عَنِ الحسن والحسين بِكَبْشٍ كَبْشٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَدْيَهُ أَنَّ عَلَى الرَّأْسِ رَأْسًا، وَقَدْ صَحَّحَ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وأنس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ( «عَقَّ عَنِ الحسن بِكَبْشٍ، وَعَنِ الحسين بِكَبْشٍ» ) وَكَانَ مَوْلِدُ الحسن عَامَ أُحُدٍ، والحسين فِي الْعَامِ الْقَابِلِ مِنْهُ.
стр. 775
وَرَوَى الترمذي مِنْ حَدِيثِ علي ﵁ قَالَ: «عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحسن شَاةً، وَقَالَ: (يَا فاطمة احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً، فَوَزَنَّاهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا، أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ» ) وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُ مُتَّصِلًا فَحَدِيثُ أنس وَابْنِ عَبَّاسٍ يَكْفِيَانِ.
قَالُوا: لِأَنَّهُ نُسُكٌ فَكَانَ عَلَى الرَّأْسِ مِثْلُهُ كَالْأُضْحِيَّةِ وَدَمِ التَّمَتُّعِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ أَحَادِيثَ الشَّاتَيْنِ عَنِ الذَّكَرِ، وَالشَّاةِ عَنِ الْأُنْثَى أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا لِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: كَثْرَتُهَا، فَإِنَّ رُوَاتَهَا: عائشة وعبد الله بن عمرو، وأم كرز الكعبية، وأسماء.
فَرَوَى أبو داود عَنْ أم كرز قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» ) .
قَالَ أبو داود: وَسَمِعْتُ أحمد يَقُولُ: مُكَافِئَتَانِ مُسْتَوِيَتَانِ أَوْ مُقَارِبَتَانِ، قُلْتُ: هُوَ مُكَافَأَتَانِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَمُكَافِئَتَانِ بِكَسْرِهَا، وَالْمُحَدِّثُونَ يَخْتَارُونَ الْفَتْحَ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَافَأْتَهُ، فَقَدْ كَافَأَكَ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهَا تَرْفَعُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا» ) .
стр. 776
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ( «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، لَا يَضُرُّكُمْ أَذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إِنَاثًا» ) وَعَنْهَا أَيْضًا تَرْفَعُهُ ( «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» ) ، وَقَالَ الترمذي حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّهِ فِي ذَلِكَ، وَعَنْ عائشة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُمْ ( «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» ) . قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ ثابت بن عجلان، عَنْ مجاهد عَنْ أسماء عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «يُعَقُّ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» ) . قَالَ مُهَنَّا: قُلْتُ لأحمد: مَنْ أسماء؟ فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أسماء بنت أبي بكر.
وَفِي كِتَابِ الخلال قَالَ مُهَنَّا: قُلْتُ لأحمد: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَيُّوبَ بْنَ مُوسَى حَدَّثَهُ أَنَّ يزيد بن عبد المزني حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «يُعَقُّ عَنِ الْغُلَامِ وَلَا يُمَسُّ رَأْسُهُ بِدَمٍ» ) ، وَقَالَ: ( «فِي الْإِبِلِ الْفَرَعُ، وَفِي الْغَنَمِ الْفَرَعُ» ) ، فَقَالَ
стр. 777
أحمد: مَا أَعْرِفُهُ، وَلَا أَعْرِفُ عبد بن يزيد المزني، وَلَا هَذَا الْحَدِيثَ. فَقُلْتُ لَهُ: أَتُنْكِرُهُ؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ، وَقِصَّةُ الحسن والحسين ﵄ حَدِيثٌ وَاحِدٌ.
الثَّانِي: أَنَّهَا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَحَادِيثُ الشَّاتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ، وَقَوْلُهُ عَامٌّ، وَفِعْلُهُ يَحْتَمِلُ الِاخْتِصَاصَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِزِيَادَةٍ، فَكَانَ الْأَخَذُ بِهَا أَوْلَى.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْقَوْلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالْأَخَذُ بِهِمَا مُمْكِنٌ، فَلَا وَجْهَ لِتَعْطِيلِ أَحَدِهِمَا.
الْخَامِسُ: أَنَّ قِصَّةَ الذَّبْحِ عَنِ الحسن والحسين كَانَتْ عَامَ أُحُدٍ وَالْعَامَ الَّذِي بَعْدَهُ، وأم كرز سَمِعَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَا رَوَتْهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ بَعْدَ الذَّبْحِ عَنِ الحسن والحسين، قَالَهُ النَّسَائِيَّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ.
السَّادِسُ: أَنَّ قِصَّةَ الحسن والحسين يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا بَيَانُ جَنْسِ الْمَذْبُوحِ، وَأَنَّهُ مِنَ الْكِبَاشِ لَا تَخْصِيصُهُ بِالْوَاحِدِ كَمَا قَالَتْ عائشة: «ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً، وَكُنَّ تِسْعًا» ، وَمُرَادُهَا: الْجَنْسُ لَا التَّخْصِيصُ بِالْوَاحِدَةِ.
السَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَضَّلَ الذَّكَرَ عَلَى الْأُنْثَى، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] [آلِ عِمْرَانَ ٣٧] ، وَمُقْتَضَى هَذَا التَّفَاضُلِ تَرْجِيحُهُ عَلَيْهَا فِي الْأَحْكَامِ، وَقَدْ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِهَذَا التَّفْضِيلِ فِي جَعْلِ الذَّكَرِ كَالْأُنْثَيَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ وَالْمِيرَاثِ وَالدِّيَةِ، فَكَذَلِكَ أُلْحِقَتِ الْعَقِيقَةُ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ.
الثَّامِنُ: أَنَّ الْعَقِيقَةَ تُشْبِهُ الْعِتْقَ عَنِ الْمَوْلُودِ، فَإِنَّهُ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ، فَالْعَقِيقَةُ تَفُكُّهُ وَتُعْتِقُهُ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَقَّ عَنِ الذَّكَرِ بِشَاتَيْنِ، وَعَنِ الْأُنْثَى بِشَاةٍ، كَمَا أَنَّ عِتْقَ الْأُنْثَيَيْنِ يَقُومُ مَقَامَ عِتْقَ الذَّكَرِ. كَمَا فِي " جَامِعِ الترمذي " وَغَيْرِهِ عَنْ أبي أمامة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، كَانَ فِكَاكَهُ مِنْ
стр. 778
النَّارِ يُجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُمَا عُضْوًا مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنَ النَّارِ، يُجْزِي كُلُّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهَا» ) ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
فَصْلٌ
ذَكَرَ أبو داود فِي " الْمَرَاسِيلِ " عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْعَقِيقَةِ الَّتِي عَقَّتْهَا فاطمة عَنِ الحسن والحسين ﵄، (أَنِ ابْعَثُوا إِلَى بَيْتِ الْقَابِلَةِ بِرِجْلٍ، وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا، وَلَا تَكْسِرُوا مِنْهَا عَظْمًا» ) .
[هَلْ عَقَّ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ]
فَصْلٌ
وَذَكَرَ ابن أيمن مِنْ حَدِيثِ أنس ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهُ النُّبُوَّةُ» ) ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَالَ أبو داود فِي " مَسَائِلِهِ ": سَمِعْتُ أحمد حَدَّثَهُمْ بِحَدِيثِ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ، عَنْ عبد الله بن المثنى، عَنْ ثمامة، عَنْ أنس «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ» ) ، فَقَالَ أحمد عبد الله بن محرر، عَنْ قتادة، عَنْ أنس «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ» ) ، قَالَ مُهَنَّا: قَالَ أحمد: هَذَا مُنْكَرٌ، وَضَعَّفَ عبد الله بن المحرر.
[الْأَذَانُ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ]
فَصْلٌ
ذَكَرَ أبو داود «عَنْ أبي رافع قَالَ: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الحسن بن علي
стр. 779
حِينَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فاطمة ﵂ بِالصَّلَاةِ) » .
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ وَخِتَانِهِ]
قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ قتادة عَنِ الحسن عَنْ سمرة فِي الْعَقِيقَةِ ( «تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُسَمَّى» ) ، قَالَ الميموني: تَذَاكَرْنَا لِكَمْ يُسَمَّى الصَّبِيُّ؟ قَالَ لَنَا أبو عبد الله: يُرْوَى عَنْ أنس أَنَّهُ يُسْمَى لِثَلَاثَةٍ، وَأَمَّا سمرة فَقَالَ: يُسَمَّى فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ.
فَأَمَّا الْخِتَانُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الْغُلَامَ حَتَّى يُدْرِكَ. قَالَ الميموني: سَمِعْتُ أحمد يَقُولُ: كَانَ الحسن يَكْرَهُ أَنْ يُخْتَنَ الصَّبِيُّ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَقَالَ حنبل: إِنَّ أبا عبد الله قَالَ: وَإِنْ خُتِنَ يَوْمَ السَّابِعِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنَّمَا كَرِهَ الحسن ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَشَبَّهَ بِالْيَهُودِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ.
قَالَ مكحول: خَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ إِسْحَاقَ لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَخَتَنَ إِسْمَاعِيلَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ذَكَرَهُ الخلال. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن تيمية: فَصَارَ خِتَانُ إِسْحَاقَ سُنَّةً فِي وَلَدِهِ، وَخِتَانُ إِسْمَاعِيلَ سُنَّةً فِي وَلَدِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي خِتَانِ النَّبِيِّ ﷺ مَتَى كَانَ ذَلِكَ.
стр. 780
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْأَسْمَاءِ وَالْكُنَى]
ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ» ) .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ» )
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «لَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا وَلَا رَبَاحًا وَلَا نَجِيحًا وَلَا أَفْلَحَ؛ فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّتَ هُوَ؟ فَلَا يَكُونُ، فَيُقَالُ: لَا» ) .
стр. 781
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ ( «غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ، وَقَالَ: أَنْتِ جَمِيلَةٌ» ) وَكَانَ اسْمُ جويرية بَرَّةً، فَغَيَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاسْمِ جويرية. وَقَالَتْ زينب بنت أم سلمة: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ، فَقَالَ: ( «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمُ اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ» ) .
( «وَغَيَّرَ اسْمَ أَصْرَمَ بِزُرْعَةَ» ) ، ( «وَغَيَّرَ اسْمَ أَبِي الْحَكَمِ بِأَبِي شُرَيْحٍ» ) ، ( «وَغَيَّرَ اسْمَ حَزْنٍ جَدِّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَجَعَلَهُ سَهْلًا، فَأَبَى وَقَالَ: " السَّهْلُ يُوطَأُ وَيُمْتَهَنُ» ) .
قَالَ أبو داود: ( «وَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ الْعَاصِ وَعَزِيزٍ وَعَتَلَةَ وَشَيْطَانٍ وَالْحَكَمِ وَغُرَابٍ وَحُبَابٍ وَشِهَابٍ، فَسَمَّاهُ هِشَامًا، وَسَمَّى حَرْبًا سَلْمًا، وَسَمَّى الْمُضْطَجِعَ الْمُنْبَعِثَ وَأَرْضًا تُسَمَّى عَفْرَةً سَمَّاهَا خَضِرَةً، وَشَعْبَ الضَّلَالَةِ سَمَّاهُ شَعْبَ الْهُدَى، وَبَنُو الزِّنْيَةِ سَمَّاهُمْ بَنِي الرِّشْدَةِ، وَسَمَّى بَنِي مُغْوِيَةَ بَنِي رِشْدَةَ» ) .
стр. 782
[اخْتِيَارُ الْأَسْمَاءِ الْحَسَنَةِ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ قَوَالِبُ لِلْمَعَانِي]
فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذَا الْبَابِ
لَمَّا كَانَتِ الْأَسْمَاءُ قَوَالِبَ لِلْمَعَانِي، وَدَالَّةً عَلَيْهَا، اقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا ارْتِبَاطٌ وَتَنَاسُبٌ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَعْنَى مَعَهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ الْمَحْضِ الَّذِي لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَا، فَإِنَّ حِكْمَةَ الْحَكِيمِ تَأْبَى ذَلِكَ، وَالْوَاقِعُ يَشْهَدُ بِخِلَافِهِ، بَلْ لِلْأَسْمَاءِ تَأْثِيرٌ فِي الْمُسَمَّيَاتِ، وَلِلْمُسَمَّيَاتِ تَأَثُّرٌ عَنْ أَسْمَائِهَا فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ، وَاللَّطَافَةِ وَالْكَثَافَةِ كَمَا قِيلَ:
وَقَلَّمَا أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ ... إِلَّا وَمَعْنَاهُ إِنْ فَكَّرْتَ فِي لَقَبِهْ
( «وَكَانَ ﷺ يَسْتَحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنِ، وَأَمَرَ إِذَا أَبْرَدُوا إِلَيْهِ بَرِيدًا أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الِاسْمِ حَسَنَ الْوَجْهِ» )
وَكَانَ يَأْخُذُ الْمَعَانِيَ مِنْ أَسْمَائِهَا فِي الْمَنَامِ وَالْيَقَظَةِ كَمَا ( «رَأَى أَنَّهُ وَأَصْحَابَهُ فِي دَارِ عقبة بن رافع، فَأُتُوا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابَ، فَأَوَّلَهُ بِأَنَّ لَهُمُ الرِّفْعَةَ فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ الدِّينَ الَّذِي قَدِ اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُمْ قَدْ أَرْطَبَ وَطَابَ، وَتَأَوَّلَ سُهُولَةَ أَمْرِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ مَجِيءِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو إِلَيْهِ» ) .
стр. 783
( «وَنَدَبَ جَمَاعَةً إِلَى حَلْبِ شَاةٍ، فَقَامَ رَجُلٌ يَحْلُبُهَا، فَقَالَ: " مَا اسْمُكَ؟ " قَالَ: " مرة فَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: " مَا اسْمُكَ؟ " قَالَ: أَظُنُّهُ حرب، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: " مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ: يعيش، فَقَالَ: " احْلُبْهَا» ) .
وَكَانَ يَكْرَهُ الْأَمْكِنَةَ الْمُنْكَرَةَ الْأَسْمَاءِ وَيَكْرَهُ الْعُبُورَ فِيهَا، كَمَا مَرَّ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَسَأَلَ عَنِ اسْمَيْهِمَا، فَقَالُوا: فَاضِحٌ وَمُخْزٍ، فَعَدَلَ عَنْهُمَا، وَلَمْ يَجُزْ بَيْنَهُمَا.
وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَالْمُسَمَّيَاتِ مِنَ الِارْتِبَاطِ وَالتَّنَاسُبِ وَالْقَرَابَةِ مَا بَيْنَ قَوَالِبِ الْأَشْيَاءِ وَحَقَائِقِهَا، وَمَا بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ عَبَرَ الْعَقْلُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ كَمَا كَانَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُ يَرَى الشَّخْصَ، فَيَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَلَا يَكَادُ يُخْطِئُ، وَضِدُّ هَذَا الْعَبُورُ مِنَ الِاسْمِ إِلَى مُسَمَّاهُ كَمَا سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ رَجُلًا عَنِ اسْمِهِ، فَقَالَ: جمرة، فَقَالَ: وَاسْمُ أَبِيكَ؟ قَالَ: شهاب، قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنَ الْحُرَقَةِ، قَالَ: فَمَنْزِلُكَ؟ قَالَ: بِحَرَّةِ النَّارِ، قَالَ: فَأَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قَالَ: بِذَاتِ لَظَى، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدِ احْتَرَقَ مَسْكَنُكَ، فَذَهَبَ فَوَجَدَ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، فَعَبَرَ عمر مِنَ الْأَلْفَاظِ إِلَى أَرْوَاحِهَا وَمَعَانِيهَا، كَمَا عَبَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اسْمِ سُهَيْلٍ إِلَى سُهُولَةِ أَمْرِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ بِتَحْسِينِ أَسْمَائِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ يَوْمَ
стр. 784
الْقِيَامَةِ بِهَا، وَفِي هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - تَنْبِيهٌ عَلَى تَحْسِينِ الْأَفْعَالِ الْمُنَاسِبَةِ لِتَحْسِينِ الْأَسْمَاءِ؛ لِتَكُونَ الدَّعْوَةُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بِالِاسْمِ الْحَسَنِ، وَالْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ لَهُ.
وَتَأَمَّلْ كَيْفَ اشْتُقَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَصْفِهِ اسْمَانِ مُطَابِقَانِ لِمَعْنَاهُ، وَهُمَا أَحْمَدُ وَمُحَمَّدٌ، فَهُوَ لِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ مُحَمَّدٌ، وَلِشَرَفِهَا وَفَضْلِهَا عَلَى صِفَاتِ غَيْرِهِ أَحْمَدُ، فَارْتَبَطَ الِاسْمُ بِالْمُسَمَّى ارْتِبَاطَ الرُّوحِ بِالْجَسَدِ، وَكَذَلِكَ تَكْنِيَتُهُ ﷺ لأبي الحكم بن هشام بأبي جهل، كُنْيَةٌ مُطَابِقَةٌ لِوَصْفِهِ وَمَعْنَاهُ، وَهُوَ أَحَقُّ الْخَلْقِ بِهَذِهِ الْكُنْيَةِ، وَكَذَلِكَ تَكْنِيَةُ اللَّهِ لعبد العزى بأبي لهب؛ لَمَّا كَانَ مَصِيرُهُ إِلَى نَارٍ ذَاتِ لَهَبٍ كَانَتْ هَذِهِ الْكُنْيَةُ أَلْيَقَ بِهِ وَأَوْفَقَ، وَهُوَ بِهَا أَحَقُّ وَأَخْلَقُ.
وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَاسْمُهَا يَثْرِبُ لَا تُعْرَفُ بِغَيْرِ هَذَا الِاسْمِ غَيَّرَهُ بِطَيْبَةَ؛ لَمَّا زَالَ عَنْهَا مَا فِي لَفْظِ يَثْرِبَ مِنَ التَّثْرِيبِ بِمَا فِي مَعْنَى طَيْبَةَ مِنَ الطِّيبِ، اسْتَحَقَّتْ هَذَا الِاسْمَ، وَازْدَادَتْ بِهِ طِيبًا آخَرَ، فَأَثَّرَ طِيبُهَا فِي اسْتِحْقَاقِ الِاسْمِ، وَزَادَهَا طِيبًا إِلَى طِيبِهَا.
وَلَمَّا كَانَ الِاسْمُ الْحَسَنُ يَقْتَضِي مُسَمَّاهُ وَيَسْتَدْعِيهِ مِنْ قُرْبٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَعْضِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ: ( «يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَسَّنَ اسْمَكُمْ وَاسْمَ أَبِيكُمْ» ) ، فَانْظُرْ كَيْفَ دَعَاهُمْ إِلَى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ بِحُسْنِ اسْمِ أَبِيهِمْ
стр. 785
وَبِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلدَّعْوَةِ، وَتَأَمَّلْ أَسْمَاءَ السِّتَّةِ الْمُتَبَارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَيْفَ اقْتَضَى الْقَدَرُ مُطَابَقَةَ أَسْمَائِهِمْ لِأَحْوَالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَكَانَ الْكُفَّارُ شيبة وعتبة والوليد، ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مِنَ الضَّعْفِ، فالوليد لَهُ بِدَايَةُ الضَّعْفِ، وشيبة لَهُ نِهَايَةُ الضَّعْفِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] [الرُّومِ: ٥٤] ، وعتبة مِنَ الْعَتَبِ، فَدَلَّتْ أَسَمَاؤُهُمْ عَلَى عَتَبٍ يَحِلُّ بِهِمْ، وَضَعْفٍ يَنَالُهُمْ، وَكَانَ أَقْرَانُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ علي، وعبيدة، والحارث ﵃، ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ تُنَاسِبُ أَوْصَافَهُمْ وَهِيَ الْعُلُوُّ، وَالْعُبُودِيَّةُ، وَالسَّعْيُ الَّذِي هُوَ الْحَرْثُ، فَعَلَوْا عَلَيْهِمْ بِعُبُودِيَّتِهِمْ وَسَعْيِهِمْ فِي حَرْثِ الْآخِرَةِ.
وَلَمَّا كَانَ الِاسْمُ مُقْتَضِيًا لِمُسَمَّاهُ وَمُؤَثِّرًا فِيهِ كَانَ أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ مَا اقْتَضَى أَحَبَّ الْأَوْصَافِ إِلَيْهِ كَعَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ إِضَافَةُ الْعُبُودِيَّةِ إِلَى اسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ الرَّحْمَنِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ إِضَافَتِهَا إِلَى غَيْرِهِمَا، كَالْقَاهِرِ وَالْقَادِرِ، فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ عَبْدِ الْقَادِرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ عَبْدِ رَبِّهِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ التَّعَلُّقَ الَّذِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ الْعُبُودِيَّةُ الْمَحْضَةُ، وَالتَّعَلُّقُ الَّذِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ بِالرَّحْمَةِ الْمَحْضَةِ، فَبِرَحْمَتِهِ كَانَ وُجُودُهُ وَكَمَالُ وُجُودِهِ، وَالْغَايَةُ الَّتِي أَوْجَدَهُ لِأَجْلِهَا أَنْ يَتَأَلَّهَ لَهُ وَحْدَهُ مَحَبَّةً وَخَوْفًا، وَرَجَاءً وَإِجْلَالًا وَتَعْظِيمًا، فَيَكُونُ عَبْدًا لِلَّهِ، وَقَدْ عَبَدَهُ لِمَا فِي اسْمِ اللَّهِ مِنْ مَعْنَى الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِ، وَلَمَّا غَلَبَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ وَكَانَتِ الرَّحْمَةُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْغَضَبِ، كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ عَبْدِ الْقَاهِرِ.
فَصْلٌ
وَلَمَّا كَانَ كُلُّ عَبْدٍ مُتَحَرِّكًا بِالْإِرَادَةِ، وَالْهَمُّ مَبْدَأُ الْإِرَادَةِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى إِرَادَتِهِ حَرَكَتُهُ، وَكَسْبُهُ، كَانَ أَصْدَقَ الْأَسْمَاءِ اسْمُ هَمَّامٍ وَاسْمُ حَارِثٍ؛ إِذْ لَا يَنْفَكُّ مُسَمَّاهُمَا
стр. 786
عَنْ حَقِيقَةِ مَعْنَاهُمَا، وَلَمَّا كَانَ الْمُلْكُ الْحَقُّ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَلَا مَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ كَانَ أَخْنَعَ اسْمٍ، وَأَوْضَعَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَغْضَبَهُ لَهُ اسْمُ " شَاهَانْ شَاهْ " أَيْ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَسُلْطَانُ السَّلَاطِينِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ فَتَسْمِيَةُ غَيْرِهِ بِهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْبَاطِلَ.
وَقَدْ أَلْحَقَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا " قَاضِي الْقُضَاةِ "، وَقَالَ: لَيْسَ قَاضِي الْقُضَاةِ إِلَّا مَنْ يَقْضِي الْحَقَّ، وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ الَّذِي إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ. وَيَلِي هَذَا الِاسْمَ فِي الْكَرَاهَةِ وَالْقُبْحِ وَالْكَذِبِ سَيِّدُ النَّاسِ، وَسَيِّدُ الْكُلِّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً كَمَا قَالَ: ( «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» ) فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ قَطُّ أَنْ يَقُولَ عَنْ غَيْرِهِ: إِنَّهُ سَيِّدُ النَّاسِ، وَسَيِّدُ الْكُلِّ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ.
فَصْلٌ
وَلَمَّا كَانَ مُسَمَّى الْحَرْبِ وَالْمُرَّةِ أَكْرَهَ شَيْءٍ لِلنُّفُوسِ، وَأَقْبَحَهَا عِنْدَهَا، كَانَ أَقْبَحُ الْأَسْمَاءِ حَرْبًا، وَمُرَّةَ، وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا حَنْظَلَةُ وَحَزْنٌ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا، وَمَا أَجْدَرَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ بِتَأْثِيرِهَا فِي مُسَمَّيَاتِهَا، كَمَا أَثَّرَ اسْمُ " حَزْنٍ " الْحُزُونَةَ فِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ.
стр. 787
فَصْلٌ
وَلَمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ سَادَاتِ بَنِي آدَمَ، وَأَخْلَاقُهُمْ أَشْرَفَ الْأَخْلَاقِ، وَأَعْمَالُهُمْ أَصَحَّ الْأَعْمَالِ، كَانَتْ أَسَمَاؤُهُمْ أَشْرَفَ الْأَسْمَاءِ، فَنَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ إِلَى التَّسَمِّي بِأَسْمَائِهِمْ، كَمَا فِي " سُنَنِ أبي داود "، وَالنَّسَائِيِّ عَنْهُ ( «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ» ) ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ إِلَّا أَنَّ الِاسْمَ يُذْكَرُ بِمُسَمَّاهُ وَيَقْتَضِي التَّعَلُّقَ بِمَعْنَاهُ لَكَفَى بِهِ مَصْلَحَةً مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَذِكْرِهَا، وَأَنْ لَا تُنْسَى، وَأَنْ تُذْكَرَ أَسَمَاؤُهُمْ بِأَوْصَافِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ.
[فَصْلٌ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِيَسَارٍ وَأَفْلَحَ وَنَجِيحٍ وَرَبَاحٍ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَةِ الْغُلَامِ بِ: يَسَارٍ وَأَفْلَحَ وَنَجِيحٍ وَرَبَاحٍ، فَهَذَا لِمَعْنًى آخَرَ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ( «فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّتَ هُوَ؟ فَيُقَالُ: لَا» ) - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - هَلْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ تَمَامِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَوْ مُدْرَجَةٌ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ؟ وَبِكُلِّ حَالٍ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَمَّا كَانَتْ قَدْ تُوجِبُ تَطَيُّرًا تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ، وَيَصُدُّهَا عَمَّا هِيَ بِصَدَدِهِ كَمَا إِذَا قُلْتَ لِرَجُلٍ: أَعِنْدَكَ يَسَارٌ أَوْ رَبَاحٌ أَوْ أَفْلَحُ؟ قَالَ: لَا، تَطَيَّرْتَ أَنْتَ وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَعُ الطِّيَرَةُ لَا سِيَّمَا عَلَى الْمُتَطَيِّرِينَ، فَقَلَّ مَنْ تَطَيَّرَ إِلَّا وَوَقَعَتْ بِهِ طِيَرَتُهُ، وَأَصَابَهُ طَائِرُهُ كَمَا قِيلَ:
تَعَلَّمْ أَنَّهُ لَا طَيْرَ إِلَّا ... عَلَى مُتَطَيِّرٍ فَهُوَ الثُّبُورُ
стр. 788
اقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّارِعِ الرَّءُوفِ بِأُمَّتِهِ الرَّحِيمِ بِهِمْ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ أَسِبَابٍ تُوجِبُ لَهُمْ سَمَاعَ الْمَكْرُوهِ أَوْ وُقُوعَهُ، وَأَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا إِلَى أَسْمَاءٍ تُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ مِنْ غَيْرِ مَفْسَدَةٍ، هَذَا أَوْلَى، مَعَ مَا يَنْضَافُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَعْلِيقِ ضِدِّ الِاسْمِ عَلَيْهِ بِأَنْ يُسَمَّى يَسَارًا مَنْ هُوَ مِنْ أَعْسَرِ النَّاسِ، وَنَجِيحًا مَنْ لَا نَجَاحَ عِنْدَهُ، وَرَبَاحًا مَنْ هُوَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَيَكُونُ قَدْ وَقَعَ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ وَعَلَى اللَّهِ. وَأَمْرٌ آخَرُ أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ يُطَالَبَ الْمُسَمَّى بِمُقْتَضَى اسْمِهِ فَلَا يُوجَدُ عِنْدَهُ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ سَبَبًا لِذَمِّهِ وَسَبِّهِ كَمَا قِيلَ:
سَمَّوْكَ مِنْ جَهْلِهِمْ سَدِيدًا ... وَاللَّهِ مَا فِيكَ مِنْ سَدَادِ
أَنْتَ الَّذِي كَوْنُهُ فَسَادًا ... فِي عَالَمِ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ
فَتَوَصَّلَ الشَّاعِرُ بِهَذَا الِاسْمِ إِلَى ذَمِّ الْمُسَمَّى بِهِ. وَلِي مِنْ أَبْيَاتٍ:
وَسَمَّيْتُهُ صَالِحًا فَاغْتَدَى ... بِضِدِّ اسْمِهِ فِي الْوَرَى سَائِرًا
وَظَنَّ بِأَنَّ اسْمَهُ سَاتِرٌ ... لِأَوْصَافِهِ فَغَدَا شَاهِرًا
وَهَذَا كَمَا أَنَّ مِنَ الْمَدْحِ مَا يَكُونُ ذَمًّا وَمُوجِبًا لِسُقُوطِ مَرْتَبَةِ الْمَمْدُوحِ عِنْدَ النَّاسِ فَإِنَّهُ يُمْدَحُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَتُطَالِبُهُ النُّفُوسُ بِمَا مُدِحَ بِهِ وَتَظُنُّهُ عِنْدَهُ فَلَا تَجِدُهُ كَذَلِكَ فَتَنْقَلِبُ ذَمًّا، وَلَوْ تُرِكَ بِغَيْرِ مَدْحٍ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ وَيُشْبِهُ حَالُهُ حَالَ مَنْ وَلِيَ وِلَايَةً سَيِّئَةً، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا، فَإِنَّهُ تَنْقُصُ مَرْتَبَتُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ، وَيَنْقُصُ فِي نَفُوسِ النَّاسِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَهَا، وَفِي هَذَا قَالَ الْقَائِلُ:
إِذَا مَا وَصَفْتَ امْرَأً لِامْرِئٍ ... فَلَا تَغْلُ فِي وَصْفِهِ وَاقْصِدْ
فَإِنَّكَ إِنْ تَغْلُ تَغْلُ الظُّنُونُ ... فِيهِ إِلَى الْأَمَدِ الْأَبْعَدِ
فَيَنْقُصُ مِنْ حَيْثُ عَظَّمْتَهُ ... لِفَضْلِ الْمَغِيبِ عَنِ الْمَشْهَدِ
وَأَمْرٌ آخَرُ: وَهُوَ ظَنُّ الْمُسَمَّى وَاعْتِقَادُهُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ كَذَلِكَ فَيَقَعُ فِي تَزْكِيَةِ
стр. 789
نَفْسِهِ وَتَعْظِيمِهَا، وَتَرَفُّعِهَا عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي نَهَى النَّبِيُّ ﷺ لِأَجْلِهِ أَنْ تُسَمَّى " بَرَّةً "، وَقَالَ: ( «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمُ اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ» ) ، وَعَلَى هَذَا فَتُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ بِ: التَّقِيِّ وَالْمُتَّقِي، وَالْمُطِيعِ وَالطَّائِعِ وَالرَّاضِي، وَالْمُحْسِنِ وَالْمُخْلِصِ وَالْمُنِيبِ وَالرَّشِيدِ وَالسَّدِيدِ. وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْكُفَّارِ بِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ التَّمْكِينُ مِنْهُ وَلَا دُعَاؤُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَلَا الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ بِهَا، وَاللَّهُ يَغْضَبُ مِنْ تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ.
[الْكُنْيَةُ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْكُنْيَةُ فَهِيَ نَوْعُ تَكْرِيمٍ لِلْمَكْنِيِّ، وَتَنْوِيهٌ بِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
أَكْنِيهِ حِينَ أُنَادِيهِ لِأُكْرِمَهُ ... وَلَا أُلَقِّبُهُ وَالسَّوْءَةُ اللَّقَبُ
( «وَكَنَّى النَّبِيُّ ﷺ صهيبا بأبي يحيى، وَكَنَّى عليا ﵁ بأبي تراب إِلَى كُنْيَتِهِ بأبي الحسن، وَكَانَتْ أَحَبَّ كُنْيَتِهِ إِلَيْهِ، وَكَنَّى أَخَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ صَغِيرًا دُونَ الْبُلُوغِ بأبي عمير» ) .
وَكَانَ هَدْيُهُ ﷺ تَكْنِيَةُ مَنْ لَهُ وَلَدٌ، وَمَنْ لَا وَلَدَ لَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ كُنْيَةٍ إِلَّا الْكُنْيَةَ بِأَبِي الْقَاسِمِ، فَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» ) فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ.
стр. 790
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَفْرَدَهَا عَنِ اسْمِهِ أَوْ قَرَنَهَا بِهِ، وَسَوَاءٌ مَحْيَاهُ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، وَعُمْدَتُهُمْ عُمُومُ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَإِطْلَاقُهُ، وَحَكَى البيهقي ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، قَالُوا: لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْكُنْيَةِ وَالتَّسْمِيَةِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ ﷺ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ( «وَاللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» ) قَالُوا: وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَّةَ لَيْسَتْ عَلَى الْكَمَالِ لِغَيْرِهِ. وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي جِوَازِ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ بِقَاسِمٍ، فَأَجَازَهُ طَائِفَةٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ، وَالْمُجِيزُونَ نَظَرُوا إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ عَدَمُ مُشَارَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْكُنْيَةِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الِاسْمِ، وَالْمَانِعُونَ نَظَرُوا إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي نَهَى عَنْهُ فِي الْكُنْيَةِ مَوْجُودٌ مِثْلُهُ هُنَا فِي الِاسْمِ سَوَاءٌ، أَوْ هُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، قَالُوا: وَفِي قَوْلِهِ ( «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ» ) إِشْعَارٌ بِهَذَا الِاخْتِصَاصِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ، فَإِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، فَلَا بَأْسَ. قَالَ أبو داود: بَابٌ: مَنْ رَأَى أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أبي الزبير عَنْ جابر أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي فَلَا يَتَكَنَّ بِكُنْيَتِي، وَمَنْ تَكَنَّى بِكُنْيَتِي فَلَا يَتَسَمَّ بِاسْمِي» ) وَرَوَاهُ الترمذي وَقَالَ حَدِيثٌ
стр. 791
حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الترمذي أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَفْظُهُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْمَعَ أَحَدٌ بَيْنَ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ» ، وَيُسَمِّي مُحَمَّدًا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ: فَهَذَا مُقَيِّدٌ مُفَسِّرٌ لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ نَهْيِهِ عَنِ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ قَالُوا: وَلِأَنَّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مُشَارَكَةٌ فِي الِاخْتِصَاصِ بِالِاسْمِ وَالْكُنْيَةِ، فَإِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ زَالَ الِاخْتِصَاصُ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ، جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مالك، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا رَوَاهُ أبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، «عَنْ علي ﵁ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ وُلِدَ لِي وَلَدٌ مِنْ بَعْدِكَ أُسَمِّيهِ بِاسْمِكَ وَأُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قَالَ " نَعَمْ» قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي " سُنَنِ أبي داود " «عَنْ عائشة قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، إِنِّي وَلَدْتُ غُلَامًا فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّيْتُهُ أَبَا الْقَاسِمِ فَذُكِرَ لِي أَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: (مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي) » أَوْ " مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي " قَالَ هَؤُلَاءِ: وَأَحَادِيثُ الْمَنْعِ مَنْسُوخَةٌ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: إِنَّ التَّكَنِّيَ بِأَبِي الْقَاسِمِ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ جَائِزٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ، قَالُوا: وَسَبَبُ النَّهْيِ إِنَّمَا كَانَ مُخْتَصًّا بِحَيَاتِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " مِنْ حَدِيثِ أنس قَالَ: «نَادَى رَجُلٌ بِالْبَقِيعِ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ إِنَّمَا دَعَوْتُ فُلَانًا، فَقَالَ
стр. 792
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» ) قَالُوا: وَحَدِيثُ علي فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِنْ وُلِدَ لِي مِنْ بَعْدِكَ وَلَدٌ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَمَّنْ يُولَدُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَلَكِنْ قَالَ علي ﵁ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " وَكَانَتْ رُخْصَةً لِي " وَقَدْ شَذَّ مَنْ لَا يُؤْبَهُ لِقَوْلِهِ، فَمَنَعَ التَّسْمِيَةَ بِاسْمِهِ ﷺ قِيَاسًا عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ التَّسَمِّيَ بِاسْمِهِ جَائِزٌ، وَالتَّكَنِّيَ بِكُنْيَتِهِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، وَالْمَنْعُ فِي حَيَاتِهِ أَشَدُّ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ، وَحَدِيثُ عائشة غَرِيبٌ لَا يُعَارَضُ بِمِثْلِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، وَحَدِيثُ علي ﵁ فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِيهِ نَوْعُ تَسَاهُلٍ فِي التَّصْحِيحِ، وَقَدْ قَالَ علي: إِنَّهَا رُخْصَةٌ لَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْمَنْعِ لِمَنْ سِوَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[التَّكَنِّي بِأَبِي عِيسَى]
فَصْلٌ
وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ الْكُنْيَةَ بِأَبِي عِيسَى، وَأَجَازَهَا آخَرُونَ، فَرَوَى أبو داود عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ضَرَبَ ابْنًا لَهُ يُكْنَى أبا عيسى، وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ تَكَنَّى بأبي عيسى، فَقَالَ لَهُ عمر: (أَمَا يَكْفِيكَ أَنْ تُكْنَى بأبي عبد الله؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَنَّانِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَإِنَّا لَفِي جَلْجَتِنَا، فَلَمْ يَزَلْ يُكَنَّى بأبي عبد الله حَتَّى هَلَكَ» )
стр. 793
وَقَدْ ( «كَنَّى عائشة بأم عبد الله» ) وَكَانَ لِنِسَائِهِ أَيْضًا كُنًى كأم حبيبة وأم سلمة.
[النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا]
فَصْلٌ
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا وَقَالَ: ( «الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ» ) وَهَذَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْخَيْرِ وَالْمَنَافِعِ فِي الْمُسَمَّى بِهَا، وَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ دُونَ شَجَرَةِ الْعِنَبِ، وَلَكِنْ: هَلِ الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ تَخْصِيصِ شَجَرَةِ الْعِنَبِ بِهَذَا الِاسْمِ، وَأَنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِالْكَرْمِ، كَمَا قَالَ فِي " الْمِسْكِينِ " وَ " الرَّقُوبِ " وَ " الْمُفْلِسِ " أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ
стр. 794
تَسْمِيَتَهُ بِهَذَا مَعَ اتِّخَاذِ الْخَمْرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهُ وَصْفٌ بِالْكَرْمِ وَالْخَيْرِ وَالْمَنَافِعِ لِأَصْلِ هَذَا الشَّرَابِ الْخَبِيثِ الْمُحَرَّمِ، وَذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إِلَى مَدْحِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَهْيِيجِ النُّفُوسِ إِلَيْهِ؟ هَذَا مُحْتَمَلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِهِ ﷺ ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُسَمَّى شَجَرُ الْعِنَبِ كَرْمًا.
[هَلْ تَجُوزُ تَسْمِيَةُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِصَلَاةِ الْعَتَمَةِ]
فَصْلٌ
قَالَ ﷺ : ( «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا وَإِنَّهَا الْعِشَاءُ وَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ» ) وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ ( «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» ) فَقِيلَ هَذَا نَاسِخٌ لِلْمَنْعِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَالصَّوَابُ خِلَافُ
стр. 795
الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالتَّارِيخِ مُتَعَذَّرٌ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْعَتَمَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ أَنْ يُهْجَرَ اسْمُ الْعِشَاءِ، وَهُوَ الِاسْمُ الَّذِي سَمَّاهَا اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَيَغْلِبَ عَلَيْهَا اسْمُ الْعَتَمَةِ، فَإِذَا سُمِّيَتِ الْعِشَاءَ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا أَحْيَانًا الْعَتَمَةُ، فَلَا بَأْسَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَهَذَا مُحَافَظَةً مِنْهُ ﷺ عَلَى الْأَسْمَاءِ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ بِهَا الْعِبَادَاتِ، فَلَا تُهْجَرُ وَيُؤَثِّرُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا، كَمَا فَعَلَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي هِجْرَانِ أَلْفَاظِ النُّصُوصِ، وَإِيثَارِ الْمُصْطَلَحَاتِ الْحَادِثَةِ عَلَيْهَا، وَنَشَأَ بِسَبَبِ هَذَا مِنَ الْجَهْلِ وَالْفَسَادِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، وَهَذَا كَمَا كَانَ يُحَافِظُ عَلَى تَقْدِيمِ مَا قَدَّمَهُ اللَّهُ، وَتَأْخِيرِ مَا أَخَّرَهُ، كَمَا بَدَأَ بِالصَّفَا، وَقَالَ ( «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ) وَبَدَأَ فِي الْعِيدِ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ جَعَلَ النَّحْرَ بَعْدَهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّ ( «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَهَا، فَلَا نُسُكَ لَهُ» ) تَقْدِيمًا لِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وَبَدَأَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِالْوَجْهِ، ثُمَّ الْيَدَيْنِ، ثُمَّ الرَّأْسِ، ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ تَقْدِيمًا لِمَا قَدَّمَهُ اللَّهُ، وَتَأْخِيرًا لِمَا أَخَّرَهُ، وَتَوْسِيطًا لِمَا وَسَّطَهُ، وَقَدَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ تَقْدِيمًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤] [الْأَعْلَى: ١٣] وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي حِفْظِ الْمَنْطِقِ وَاخْتِيَارِ الْأَلْفَاظِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي حِفْظِ الْمَنْطِقِ وَاخْتِيَارِ الْأَلْفَاظِ
كَانَ يَتَخَيَّرُ فِي خِطَابِهِ وَيَخْتَارُ لِأُمَّتِهِ أَحْسَنَ الْأَلْفَاظِ وَأَجْمَلَهَا، وَأَلْطَفَهَا، وَأَبْعَدَهَا مِنْ أَلْفَاظِ أَهْلِ الْجَفَاءِ وَالْغِلْظَةِ وَالْفُحْشِ، فَلَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا
стр. 796
صَخَّابًا وَلَا فَظًّا.
وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ الشَّرِيفُ الْمَصُونُ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ الْمَهِينُ الْمَكْرُوهُ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ.
[كَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الشَّرِيفِ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ]
فَمِنَ الْأَوَّلِ مَنْعُهُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُنَافِقِ " يَا سَيَّدَنَا " وَقَالَ ( «فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيَّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ » ) وَمَنْعُهُ أَنْ تُسَمَّى شَجَرَةُ الْعِنَبِ كَرْمًا، وَمَنْعُهُ تَسْمِيَةَ أبي جهل بأبي الحكم، وَكَذَلِكَ تَغْيِيرُهُ لِاسْمِ أبي الحكم مِنَ الصَّحَابَةِ بأبي شريح، وَقَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ» )
وَمِنْ ذَلِكَ نَهْيُهُ لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَقُولَ لِسَيِّدِهِ أَوْ لِسَيِّدَتِهِ: رَبِّي وَرَبَّتِي، وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَقُولَ لِمَمْلُوكِهِ: عَبْدِي، وَلَكِنْ يَقُولُ الْمَالِكُ فَتَايَ وَفَتَاتِي، وَيَقُولُ الْمَمْلُوكُ سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي، وَقَالَ لِمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ طَبِيبٌ: ( «أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ، وَطَبِيبُهَا الَّذِي خَلَقَهَا» ) وَالْجَاهِلُونَ يُسَمُّونَ الْكَافِرَ الَّذِي لَهُ عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّبِيعَةِ حَكِيمًا، وَهُوَ مِنْ أَسْفَهِ الْخَلْقِ.
стр. 797
وَمِنْ هَذَا «قَوْلُهُ لِلْخَطِيبِ الَّذِي قَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى (بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ» )
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ( «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ مَا شَاءَ فُلَانٌ» ) وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ ( «مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» )
وَفِي مَعْنَى هَذَا الشِّرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَوْلُ مَنْ لَا يَتَوَقَّى الشِّرْكَ: أَنَا بِاللَّهِ وَبِكَ، وَأَنَا فِي حَسْبِ اللَّهِ وَحَسْبِكَ، وَمَا لِي إِلَّا اللَّهُ وَأَنْتَ، وَأَنَا مُتَوَكِّلٌ عَلَى اللَّهِ وَعَلَيْكَ، وَهَذَا مِنَ اللَّهِ وَمِنْكَ، وَاللَّهُ لِي فِي السَّمَاءِ وَأَنْتَ لِي فِي الْأَرْضِ، وَوَاللَّهِ وَحَيَاتِكَ، وَأَمْثَالُ هَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَجْعَلُ فِيهَا قَائِلُهَا الْمَخْلُوقَ نِدًّا لِلْخَالِقِ، وَهِيَ أَشَدُّ مَنْعًا وَقُبْحًا مِنْ قَوْلِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ.
فَأَمَّا إِذَا قَالَ أَنَا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ ( «لَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ» ) وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ الْإِذْنُ أَنْ يُقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ.
стр. 798
[كَرَاهَةُ إِطْلَاقِ أَلْفَاظِ الذَّمِّ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا]
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تُطْلَقَ أَلْفَاظُ الذَّمِّ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، فَمِثْلُ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ وَقَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ( «يَقُولُ اللَّهُ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ فَيَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ( «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ» )
فِي هَذَا ثَلَاثُ مَفَاسِدَ عَظِيمَةٌ.
إِحْدَاهَا: سَبُّهُ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسَبَّ، فَإِنَّ الدَّهْرَ خَلْقٌ مُسَخَّرٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، مُنْقَادٌ لِأَمْرِهِ مُذَلَّلٌ لِتَسْخِيرِهِ، فَسَابُّهُ أَوْلَى بِالذَّمِّ وَالسَّبِّ مِنْهُ.
الثَّانِيَةُ أَنَّ سَبَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلشِّرْكِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا سَبَّهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ظَالِمٌ قَدْ ضَرَّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الضَّرَرَ، وَأَعْطَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَطَاءَ، وَرَفَعَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الرِّفْعَةَ، وَحَرَمَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْحِرْمَانَ، وَهُوَ عِنْدَ شَاتِمِيهِ مِنْ أَظْلَمِ الظَّلَمَةِ، وَأَشْعَارُ هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةِ الْخَوَنَةِ فِي سَبِّهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَكَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ يُصَرِّحُ بِلَعْنِهِ وَتَقْبِيحِهِ.
стр. 799
الثَّالِثَةُ: أَنَّ السَّبَّ مِنْهُمْ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الَّتِي لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ فِيهَا أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَإِذَا وَقَعَتْ أَهْوَاؤُهُمْ حَمِدُوا الدَّهْرَ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ. وَفِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، فَرَبُّ الدَّهْرِ تَعَالَى هُوَ الْمُعْطِي الْمَانِعُ، الْخَافِضُ الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ، وَالدَّهْرُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَمَسَبَّتُهُمْ لِلدَّهْرِ مَسَبَّةٌ لِلَّهِ ، وَلِهَذَا كَانَتْ مُؤْذِيَةً لِلرَّبِّ تَعَالَى، كَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ( «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ» ) فَسَابُّ الدَّهْرِ دَائِرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا. إِمَّا سَبَّهُ لِلَّهِ، أَوِ الشِّرْكُ بِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الدَّهْرَ فَاعِلٌ مَعَ اللَّهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَسُبُّ مَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ سَبَّ اللَّهَ.
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ ﷺ : ( «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإِنَّهُ يَتَعَاظَمُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ، فَيَقُولُ: بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَتَصَاغَرُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ» )
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ( «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ الشَّيْطَانَ يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَلْعَنُ مُلْعَنًا» )
وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ الْقَائِلِ: أَخْزَى اللَّهُ الشَّيْطَانَ، وَقَبَّحَ اللَّهُ الشَّيْطَانَ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُفْرِحُهُ، وَيَقُولُ عَلِمَ ابْنُ آدَمَ أَنِّي قَدْ نِلْتُهُ بِقُوَّتِي، وَذَلِكَ مِمَّا يُعِينُهُ عَلَى إِغْوَائِهِ، وَلَا يُفِيدُهُ شَيْئًا، فَأَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ مَسَّهُ شَيْءٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَذْكُرَ اسْمَهُ وَيَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ وَأَغْيَظُ لِلشَّيْطَانِ.
стр. 800
[النَّهْيُ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا]
فَصْلٌ
مِنْ ذَلِكَ " نَهْيُهُ ﷺ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي " وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ؛ أَيْ: غَثَّتْ نَفْسِي، وَسَاءَ خُلُقُهَا، فَكَرِهَ لَهُمْ لَفْظَ الْخُبْثِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْقُبْحِ وَالشَّنَاعَةِ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْحَسَنِ، وَهِجْرَانِ الْقَبِيحِ، وَإِبْدَالِ اللَّفْظِ الْمَكْرُوهِ بِأَحْسَنَ مِنْهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَمْرِ: (لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: «إِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» ) وَأَرْشَدَهُ إِلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: ( «قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ» ) وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَوْ كُنْتُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، لَمْ يَفُتْنِي مَا فَاتَنِي، أَوْ لَمْ أَقَعْ فِيمَا وَقَعْتُ فِيهِ، كَلَامٌ لَا يُجْدِي عَلَيْهِ فَائِدَةً الْبَتَّةَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِمَا اسْتَدْبَرَ مِنْ أَمْرِهِ، وَغَيْرُ مُسْتَقِيلٍ عَثْرَتَهُ بِ " لَوْ " وَفِي ضِمْنِ " لَوِ " ادِّعَاءُ أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ كَمَا قَدَّرَهُ فِي نَفْسِهِ لَكَانَ غَيْرَ مَا قَضَاهُ اللَّهُ وَقَدَّرَهُ وَشَاءَهُ، فَإِنَّ مَا وَقَعَ مِمَّا يَتَمَنَّى خِلَافَهُ، إِنَّمَا وَقَعَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَإِذَا قَالَ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا، لَكَانَ خِلَافَ مَا وَقَعَ فَهُوَ مُحَالٌ، إِذْ خِلَافُ الْمُقَدَّرِ الْمَقْضِيِّ مُحَالٌ، فَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ كَذِبًا وَجَهْلًا وَمُحَالًا، وَإِنْ سَلِمَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ، لَمْ يَسْلَمْ مِنْ مُعَارَضَتِهِ بِقَوْلِهِ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا، لَدَفَعْتُ مَا قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيَّ.
стр. 801
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي هَذَا رَدٌّ لِلْقَدَرِ وَلَا جَحْدٌ لَهُ، إِذْ تِلْكَ الْأَسْبَابُ الَّتِي تَمَنَّاهَا أَيْضًا مِنَ الْقَدَرِ، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ وَقَفْتُ لِهَذَا الْقَدَرِ لَانْدَفَعَ بِهِ عَنِّي ذَلِكَ الْقَدَرُ، فَإِنَّ الْقَدَرَ يُدْفَعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، كَمَا يُدْفَعُ قَدَرُ الْمَرَضِ بِالدَّوَاءِ، وَقَدَرُ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ، وَقَدَرُ الْعَدُوِّ بِالْجِهَادِ، فَكِلَاهُمَا مِنَ الْقَدَرِ.
قِيلَ: هَذَا حَقٌّ، وَلَكِنَّ هَذَا يَنْفَعُ قَبْلَ وُقُوعِ الْقَدَرِ الْمَكْرُوهِ، وَأَمَّا إِذَا وَقَعَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى دَفْعِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى دَفْعِهِ أَوْ تَخْفِيفِهِ بِقَدَرٍ آخَرَ، فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: لَوْ كُنْتُ فَعَلْتُهُ، بَلْ وَظِيفَتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ فِعْلَهُ الَّذِي يَدْفَعُ بِهِ، أَوْ يُخَفِّفَ أَثَرَ مَا وَقَعَ، وَلَا يَتَمَنَّى مَا لَا مَطْمَعَ فِي وُقُوعِهِ، فَإِنَّهُ عَجْزٌ مَحْضٌ، وَاللَّهُ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَيُحِبُّ الْكَيْسَ وَيَأْمُرُ بِهِ
وَالْكَيْسُ: هُوَ مُبَاشَرَةُ الْأَسْبَابِ الَّتِي رَبَطَ اللَّهُ بِهَا مُسَبِّبَاتِهَا النَّافِعَةَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، فَهَذِهِ تَفْتَحُ عَمَلَ الْخَيْرِ، وَأَمَّا الْعَجْزُ، فَإِنَّهُ يَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَمَّا يَنْفَعُهُ، وَصَارَ إِلَى الْأَمَانِي الْبَاطِلَةِ بِقَوْلِهِ: لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَوْ فَعَلْتُ كَذَا، يَفْتَحُ عَلَيْهِ عَمَلَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ بَابَهُ الْعَجْزُ وَالْكَسَلُ، وَلِهَذَا اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمَا، وَهُمَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ، وَيَصْدُرُ عَنْهُمَا الْهَمُّ، وَالْحَزَنُ وَالْجُبْنُ، وَالْبُخْلُ وَضَلَعُ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةُ الرِّجَالِ، فَمَصْدَرُهَا كُلُّهَا عَنِ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَعُنْوَانُهَا " لَوْ " فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «فَإِنَّ " لَوْ " تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» ) فَالْمُتَمَنِّي مِنْ أَعْجَزِ النَّاسِ وَأَفْلَسِهِمْ، فَإِنَّ التَّمَنِّيَ رَأْسُ أَمْوَالِ الْمَفَالِيسِ، وَالْعَجْزُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ.
وَأَصْلُ الْمَعَاصِي كُلِّهَا الْعَجْزُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَعْجِزُ عَنْ أَسْبَابِ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ، وَعَنِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُبْعِدُهُ عَنِ الْمَعَاصِي، وَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَيَقَعُ فِي الْمَعَاصِي، فَجَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ فِي اسْتِعَاذَتِهِ ﷺ أُصُولَ الشَّرِّ وَفُرُوعَهُ، وَمَبَادِيَهُ وَغَايَاتِهِ، وَمَوَارِدَهُ وَمَصَادِرَهُ، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى ثَمَانِي خِصَالٍ، كُلُّ خَصْلَتَيْنِ مِنْهَا قَرِينَتَانِ، فَقَالَ: ( «أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ» ) وَهُمَا قَرِينَانِ فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ الْوَارِدَ
стр. 802
عَلَى الْقَلْبِ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ سَبَبِهِ إِلَى قِسْمَيْنِ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ أَمْرًا مَاضِيًا، فَهُوَ يُحْدِثُ الْحَزَنَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَوَقُّعُ أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَهُوَ يُحْدِثُ الْهَمَّ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْعَجْزِ، فَإِنَّ مَا مَضَى لَا يُدْفَعُ بِالْحُزْنِ؛ بَلْ بِالرِّضَى، وَالْحَمْدِ وَالصَّبْرِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ، وَقَوْلِ الْعَبْدِ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ.
وَمَا يُسْتَقْبَلُ لَا يُدْفَعُ أَيْضًا بِالْهَمِّ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ، فَلَا يَعْجِزُ عَنْهُ، وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ، فَلَا يَجْزَعُ مِنْهُ، وَيَلْبَسُ لَهُ لِبَاسَهُ، وَيَأْخُذُ لَهُ عُدَّتَهُ، وَيَتَأَهَّبُ لَهُ أُهْبَتَهُ اللَّائِقَةَ بِهِ، وَيَسْتَجِنُّ بِجُنَّةٍ حَصِينَةٍ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَكُّلِ، وَالِانْطِرَاحِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَالِاسْتِسْلَامِ لَهُ وَالرِّضَى بِهِ رَبًّا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يَرْضَى بِهِ رَبًّا فِيمَا يُحِبُّ دُونَ مَا يَكْرَهُ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا، لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَا يَرْضَاهُ الرَّبُّ لَهُ عَبْدًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَالْهَمُّ وَالْحَزَنُ لَا يَنْفَعَانِ الْعَبْدَ الْبَتَّةَ، بَلْ مَضَرَّتُهُمَا أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَتِهِمَا، فَإِنَّهُمَا يُضْعِفَانِ الْعَزْمَ، وَيُوهِنَانِ الْقَلْبَ، وَيَحُولَانِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الِاجْتِهَادِ، فِيمَا يَنْفَعُهُ وَيَقْطَعَانِ عَلَيْهِ طَرِيقَ السَّيْرِ، أَوْ يُنَكِّسَانِهِ إِلَى وَرَاءٍ، أَوْ يَعُوقَانِهِ وَيَقِفَانِهِ، أَوْ يَحْجُبَانِهِ عَنِ الْعِلْمِ الَّذِي كُلَّمَا رَآهُ شَمَّرَ إِلَيْهِ، وَجَدَّ فِي سَيْرِهِ، فَهُمَا حِمْلٌ ثَقِيلٌ عَلَى ظَهْرِ السَّائِرِ، بَلْ إِنْ عَاقَهُ الْهَمُّ وَالْحَزَنُ عَنْ شَهَوَاتِهِ وَإِرَادَاتِهِ الَّتِي تَضُرُّهُ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ انْتَفَعَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، أَنْ سَلَّطَ هَذَيْنِ الْجُنْدَيْنِ عَلَى الْقُلُوبِ الْمُعْرِضَةِ عَنْهُ، الْفَارِغَةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ،
стр. 803
وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالْأُنْسِ بِهِ، وَالْفِرَارِ إِلَيْهِ، وَالِانْقِطَاعِ إِلَيْهِ؛ لِيَرُدَّهَا بِمَا يَبْتَلِيهَا بِهِ مِنَ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ، وَالْأَحْزَانِ وَالْآلَامِ الْقَلْبِيَّةِ، عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مَعَاصِيهَا وَشَهَوَاتِهَا الْمُرْدِيَةِ، وَهَذِهِ الْقُلُوبُ فِي سِجْنٍ مِنَ الْجَحِيمِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْخَيْرُ، كَانَ حَظُّهَا مِنْ سِجْنِ الْجَحِيمِ فِي مَعَادِهَا، وَلَا تَزَالُ فِي هَذَا السِّجْنِ حَتَّى تَتَخَلَّصَ إِلَى فَضَاءِ التَّوْحِيدِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ، وَالْأُنْسِ بِهِ
وَجَعْلِ مَحَبَّتِهِ فِي مَحِلِّ دَبِيبِ خَوَاطِرِ الْقَلْبِ وَوَسَاوِسِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ ذِكْرُهُ تَعَالَى وَحُبُّهُ، وَخَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ، وَالْفَرَحُ بِهِ وَالِابْتِهَاجُ بِذِكْرِهِ، هُوَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْقَلْبِ، الْغَالِبُ عَلَيْهِ، الَّذِي مَتَى فَقَدَهُ فَقَدَ قُوتَهُ، الَّذِي لَا قِوَامَ لَهُ إِلَّا بِهِ، وَلَا بَقَاءَ لَهُ بِدُونِهِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى خَلَاصِ الْقَلْبِ مِنْ هَذِهِ الْآلَامِ، الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ أَمْرَاضِهِ، وَأَفْسَدُهَا لَهُ، إِلَّا بِذَلِكَ، وَلَا بَلَاغَ إِلَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُوصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَصْرِفُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إِلَّا هُوَ، وَإِذَا أَرَادَ عَبْدَهُ لِأَمْرٍ، هَيَّأَهُ لَهُ، فَمِنْهُ الْإِيجَادُ، وَمِنْهُ الْإِعْدَامُ، وَمِنْهُ الْإِمْدَادُ، وَإِذَا أَقَامَهُ فِي مَقَامِ، أَيِّ مَقَامٍ كَانَ، فَبِحَمْدِهِ أَقَامَهُ فِيهِ، وَبِحِكْمَتِهِ أَقَامَهُ فِيهِ، وَلَا يَلِيقُ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَا يَصْلُحُ لَهُ سِوَاهُ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، وَلَا يَمْنَعُ عَبْدَهُ حَقًّا هُوَ لِلْعَبْدِ، فَيَكُونُ بِمَنْعِهِ ظَالِمًا لَهُ؛ بَلْ إِنَّمَا مَنَعَهُ لِيَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ بِمَحَابِّهِ لِيَعْبُدَهُ، وَلِيَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ، وَيَتَذَلَّلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَتَمَلَّقَهُ، وَيُعْطِي فَقْرُهُ إِلَيْهِ حَقَّهُ، بِحَيْثُ يَشْهَدُ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِهِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، فَاقَةً تَامَّةً إِلَيْهِ، عَلَى تَعَاقُبِ الْأَنْفَاسِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهُ الْعَبْدُ، فَلَمْ يَمْنَعِ الرَّبُّ عَبْدَهُ مَا الْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، بُخْلًا مِنْهُ، وَلَا نَقْصًا مِنْ خَزَائِنِهِ، وَلَا اسْتِئْثَارًا عَلَيْهِ بِمَا هُوَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ؛ بَلْ مَنَعَهُ لِيَرُدَّهُ إِلَيْهِ، وَلِيُعِزَّهُ بِالتَّذَلُّلِ لَهُ، وَلِيُغْنِيَهُ بِالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ، وَلِيَجْبُرَهُ بِالِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلِيُذِيقَهُ بِمَرَارَةِ الْمَنْعِ حَلَاوَةَ الْخُضُوعِ لَهُ، وَلَذَّةَ الْفَقْرِ إِلَيْهِ، وَلِيُلْبِسَهُ خِلْعَةَ الْعُبُودِيَّةِ، وَيُوَلِّيهِ بِعَزْلِهِ أَشْرَفَ الْوِلَايَاتِ، وَلِيُشْهِدَهُ حِكْمَتَهُ فِي قُدْرَتِهِ وَرَحْمَتَهُ فِي عِزَّتِهِ، وَبِرَّهُ وَلُطْفَهُ فِي قَهْرِهِ.
وَأَنَّ مَنْعَهُ عَطَاءٌ، وَعَزْلَهُ تَوْلِيَةٌ، وَعُقُوبَتَهُ تَأْدِيبٌ، وَامْتِحَانَهُ مَحَبَّةٌ وَعَطِيَّةٌ، وَتَسْلِيطَ أَعْدَائِهِ عَلَيْهِ سَائِقٌ يَسُوقُهُ بِهِ إِلَيْهِ.
стр. 804
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَلِيقُ بِالْعَبْدِ غَيْرُ مَا أُقِيمَ فِيهِ، وَحِكْمَتُهُ وَحَمْدُهُ أَقَامَاهُ فِي مَقَامِهِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ سِوَاهُ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَتَخَطَّاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ مَوَاقِعَ عَطَائِهِ وَفَضْلِهِ، وَ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] [الْأَنْعَامِ: ٥٣] فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَوَاقِعِ الْفَضْلِ، وَمَحَالِّ التَّخْصِيصِ، وَمَحَالِّ الْحِرْمَانِ، فَبِحَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ أَعْطَى، وَبِحَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ حَرَمَ، فَمَنْ رَدَّهُ الْمَنْعُ إِلَى الِافْتِقَارِ إِلَيْهِ، وَالتَّذَلُّلِ لَهُ، وَتَمَلُّقِهِ، انْقَلَبَ الْمَنْعُ فِي حَقِّهِ عَطَاءً، وَمَنْ شَغَلَهُ عَطَاؤُهُ، وَقَطَعَهُ عَنْهُ انْقَلَبَ الْعَطَاءُ فِي حَقِّهِ مَنْعًا، فَكُلُّ مَا شَغَلَ الْعَبْدَ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ مَشْئُومٌ عَلَيْهِ
وَكُلُّ مَا رَدَّهُ إِلَيْهِ فَهُوَ رَحْمَةٌ بِهِ، وَالرَّبُّ تَعَالَى يُرِيدُ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَفْعَلَ، وَلَا يَقَعُ الْفِعْلُ حَتَّى يُرِيدَ سُبْحَانَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُعِينَهُ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ مِنَّا الِاسْتِقَامَةَ دَائِمًا، وَاتِّخَاذَ السَّبِيلِ إِلَيْهِ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ هَذَا الْمُرَادَ لَا يَقَعُ حَتَّى يُرِيدَ مِنْ نَفْسِهِ إِعَانَتَنَا عَلَيْهَا، وَمُشِيئَتَهُ لَنَا، فَهُمَا إِرَادَتَانِ: إِرَادَةٌ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَفْعَلَ وَإِرَادَةٌ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُعِينَهُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْفِعْلِ إِلَّا بِهَذِهِ الْإِرَادَةِ، وَلَا يَمْلِكُ مِنْهَا شَيْئًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] [التَّكْوِيرِ: ٢٩] فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَبْدِ رُوحٌ أُخْرَى، نِسْبَتُهَا إِلَى رُوحِهِ، كَنِسْبَةِ رُوحِهِ إِلَى بَدَنِهِ، يَسْتَدْعِي بِهَا إِرَادَةَ اللَّهِ مِنْ نَفْسِهِ، أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا يَكُونُ بِهِ الْعَبْدُ فَاعِلًا، وَإِلَّا فَمَحَلُّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْعَطَاءِ، وَلَيْسَ مَعَهُ إِنَاءٌ يُوضَعُ فِيهِ الْعَطَاءُ، فَمَنْ جَاءَ بِغَيْرِ إِنَاءٍ رَجَعَ بِالْحِرْمَانِ، وَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَاذَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَهُمَا قَرِينَانِ، وَمِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَهُمَا قَرِينَانِ، فَإِنْ تَخَلَّفَ كَمَالُ الْعَبْدِ وَصَلَاحُهُ عَنْهُ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَهُوَ عَجْزٌ، أَوْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يُرِيدُ، فَهُوَ كَسَلٌ، وَيَنْشَأُ عَنْ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ فَوَاتُ كُلِّ خَيْرٍ، وَحُصُولُ كُلِّ شَرٍّ، وَمِنْ ذَلِكَ الشَّرِّ تَعْطِيلُهُ عَنِ النَّفْعِ بِبَدَنِهِ، وَهُوَ الْجُبْنُ، وَعَنِ النَّفْعِ بِمَالِهِ وَهُوَ الْبُخْلُ، ثُمَّ يَنْشَأُ لَهُ بِذَلِكَ غَلَبَتَانِ. غَلَبَةٌ بِحَقٍّ، وَهِيَ غَلَبَةُ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةٌ بِبَاطِلٍ، وَهِيَ غَلَبَةُ الرِّجَالِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ ثَمَرَةُ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِلرَّجُلِ الَّذِي
стр. 805
قَضَى عَلَيْهِ، فَقَالَ ( «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ) فَقَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ) فَهَذَا قَالَ ( «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ) بَعْدَ عَجْزِهِ عَنِ الْكَيْسِ، الَّذِي لَوْ قَامَ بِهِ، لَقُضِيَ لَهُ عَلَى خَصْمِهِ، فَلَوْ فَعَلَ الْأَسْبَابَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا كَيِّسًا، ثُمَّ غُلِبَ فَقَالَ: ( «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ) لَكَانَتِ الْكَلِمَةُ قَدْ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا، كَمَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ، لَمَّا فَعَلَ الْأَسْبَابَ الْمَأْمُورَ بِهَا، وَلَمْ يَعْجِزْ بِتَرْكِهَا، وَلَا بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْهَا، ثُمَّ غَلَبَهُ عَدُوُّهُ، وَأَلْقَوْهُ فِي النَّارِ، قَالَ فِي تِلْكَ الْحَالِ: ( «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ) فَوَقَعَتِ الْكَلِمَةُ مَوْقِعَهَا، وَاسْتَقَرَّتْ فِي مَظَانِّهَا، فَأَثَّرَتْ أَثَرَهَا، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا مُقْتَضَاهَا.
[التَّوَكُّلُ]
وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ، يَوْمَ أُحُدٍ، لَمَّا قِيلَ لَهُمْ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنْ أُحُدٍ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فَتَجَهَّزُوا وَخَرَجُوا لِلِقَاءِ عَدُوِّهِمْ، وَأَعْطَوْهُمُ الْكَيْسَ مِنْ نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ قَالُوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فَأَثَّرَتِ الْكَلِمَةُ أَثَرَهَا، وَاقْتَضَتْ مُوجَبَهَا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢] [الطَّلَاقِ: ٢] فَجَعَلَ التَّوَكُّلَ بَعْدَ التَّقْوَى الَّذِي هُوَ قِيَامُ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا، فَحِينَئِذٍ إِنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ، فَهُوَ حَسْبُهُ، وَكَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١] [الْمَائِدَةِ: ١١] فَالتَّوَكُّلُ وَالْحَسْبُ بِدُونِ قِيَامِ
стр. 806
الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا عَجْزٌ مَحْضٌ، فَإِنْ كَانَ مَشُوبًا بِنَوْعٍ مِنَ التَّوَكُّلِ، فَهُوَ تَوَكُّلُ عَجْزٍ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ تَوَكُّلَهُ عَجْزًا، وَلَا يَجْعَلَ عَجْزَهُ تَوَكُّلًا، بَلْ يَجْعَلُ تَوَكُّلَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا الَّتِي لَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ إِلَّا بِهَا كُلِّهَا.
وَمِنْ هَاهُنَا غَلِطَ طَائِفَتَانِ مِنَ النَّاسِ: إِحْدَاهُمَا: زَعَمَتْ أَنَّ التَّوَكُّلَ وَحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ كَافٍ فِي حُصُولِ الْمُرَادِ، فَعُطِّلَتْ لَهُ الْأَسْبَابُ الَّتِي اقْتَضَتْهَا حِكْمَةُ اللَّهِ الْمُوصِلَةُ إِلَى مُسَبِّبَاتِهَا، فَوَقَعُوا فِي نَوْعِ تَفْرِيطٍ وَعَجْزٍ، بِحَسَبِ مَا عَطَّلُوا مِنَ الْأَسْبَابِ، وَضَعُفَ تَوَكُّلُهُمْ مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا قُوَّتَهُ بِانْفِرَادِهِ عَنِ الْأَسْبَابِ، فَجَمَعُوا الْهَمَّ كُلَّهُ، وَصَيَّرُوهُ هَمًّا وَاحِدًا، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ قُوَّةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَفِيهِ ضَعْفٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَكُلَّمَا قَوِيَ جَانِبُ التَّوَكُّلِ بِإِفْرَادِهِ أَضْعَفَهُ التَّفْرِيطُ فِي السَّبَبِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ التَّوَكُّلِ، فَإِنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الْأَسْبَابُ، وَكَمَالُهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ فِيهَا، وَهَذَا كَتَوَكُّلِ الْحَرَّاثِ الَّذِي شَقَّ الْأَرْضَ، وَأَلْقَى فِيهَا الْبِذْرَ، فَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ فِي زَرْعِهِ وَإِنْبَاتِهِ، فَهَذَا قَدْ أَعْطَى التَّوَكُّلَ حَقَّهُ، وَلَمْ يَضْعُفْ تَوَكُّلُهُ بِتَعْطِيلِ الْأَرْضِ، وَتَخْلِيَتِهَا بُورًا، وَكَذَلِكَ تَوَكُّلُ الْمُسَافِرِ فِي قَطْعِ الْمَسَافَةِ مَعَ جِدِّهِ فِي السَّيْرِ، وَتَوَكُّلُ الْأَكْيَاسِ مِنَ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَالْفَوْزِ بِثَوَابِهِ، مَعَ اجْتِهَادِهِمْ فِي طَاعَتِهِ، فَهَذَا هُوَ التَّوَكُّلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، وَيَكُونُ اللَّهُ حَسْبَ مَنْ قَامَ بِهِ.
وَأَمَّا تَوَكُّلُ الْعَجْزِ وَالتَّفْرِيطِ، فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، وَلَيْسَ اللَّهُ حَسْبَ صَاحِبِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا يَكُونُ حَسْبَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ إِذَا اتَّقَاهُ، وَتَقْوَاهُ فِعْلُ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا، لَا إِضَاعَتُهَا.
وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: الَّتِي قَامَتْ بِالْأَسْبَابِ، وَرَأَتِ ارْتِبَاطَ الْمُسَبِّبَاتِ بِهَا شَرْعًا وَقَدَرًا، وَأَعْرَضَتْ عَنْ جَانِبِ التَّوَكُّلِ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ وَإِنْ نَالَتْ بِمَا فَعَلَتْهُ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا نَالَتْهُ، فَلَيْسَ لَهَا قُوَّةُ أَصْحَابِ التَّوَكُّلِ، وَلَا عَوْنُ اللَّهِ لَهُمْ وَكِفَايَتُهُ إِيَّاهُمْ وَدِفَاعُهُ عَنْهُمْ، بَلْ هِيَ مَخْذُولَةٌ عَاجِزَةٌ، بِحَسَبِ مَا فَاتَهَا مِنَ التَّوَكُّلِ.
فَالْقُوَّةُ كُلُّ الْقُوَّةِ فِي التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، فَالْقُوَّةُ مَضْمُونَةٌ لِلْمُتَوَكِّلِ، وَالْكِفَايَةُ وَالْحَسْبُ وَالدَّفْعُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَنْقُصُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَنْقُصُ مِنَ التَّقْوَى وَالتَّوَكُّلِ، وَإِلَّا
стр. 807
فَمَعَ تَحَقُّقِهِ بِهِمَا، لَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونُ اللَّهُ حَسْبَهُ وَكَافِيَهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْشَدَ الْعَبْدَ إِلَى مَا فِيهِ غَايَةُ كَمَالِهِ، وَنَيْلُ مَطْلُوبِهِ، أَنْ يَحْرِصَ عَلَى مَا يَنْفَعُهُ، وَيَبْذُلَ فِيهِ جَهْدَهُ، وَحِينَئِذٍ يَنْفَعُهُ التَّحَسُّبُ، وَقَوْلُ ( «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ) بِخِلَافِ مَنْ عَجَزَ وَفَرَّطَ، حَتَّى فَاتَتْهُ مَصْلَحَتُهُ، ثُمَّ قَالَ ( «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ) فَإِنَّ اللَّهَ يَلُومُهُ، وَلَا يَكُونُ فِي هَذَا الْحَالِ حَسْبَهُ، فَإِنَّمَا هُوَ حَسْبُ مَنِ اتَّقَاهُ وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في الأذكار والأدعية]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الذِّكْرِ
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْمَلَ الْخَلْقِ ذِكْرًا لِلَّهِ ، بَلْ كَانَ كَلَامُهُ كُلُّهُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَكَانَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَتَشْرِيعُهُ لِلْأُمَّةِ ذِكْرًا مِنْهُ لِلَّهِ، وَإِخْبَارُهُ عَنْ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ، وَأَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بِآلَائِهِ، وَتَمْجِيدُهُ وَحَمْدُهُ، وَتَسْبِيحُهُ ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ، وَسُؤَالُهُ وَدُعَاؤُهُ إِيَّاهُ، وَرَغْبَتُهُ وَرَهْبَتُهُ ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ، وَسُكُوتُهُ وَصَمْتُهُ ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ بِقَلْبِهِ، فَكَانَ ذَاكِرًا لِلَّهِ فِي كُلِّ أَحْيَانِهِ، وَعَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَكَانَ ذِكْرُهُ لِلَّهِ يَجْرِي مَعَ أَنْفَاسِهِ، قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى جَنْبِهِ، وَفِي مَشْيِهِ وَرُكُوبِهِ، وَمَسِيرِهِ وَنُزُولِهِ، وَظَعْنِهِ وَإِقَامَتِهِ.
«وَكَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» )
стр. 808
[الذِّكْرُ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنَ اللَّيْلِ]
وَقَالَتْ عائشة: ( «كَانَ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ، كَبَّرَ اللَّهَ عَشْرًا، وَحَمِدَ اللَّهَ عَشْرًا، وَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَشْرًا، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ عَشْرًا، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ عَشْرًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا، وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) عَشْرًا، ثُمَّ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ» .
وَقَالَتْ أَيْضًا: «كَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ، اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» ) ذَكَرَهُمَا أبو داود.
وَأَخْبَرَ أَنَّ «مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ]_ ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي _ أَوْ دَعَا بِدُعَاءٍ آخَرَ، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» ) ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
стр. 809
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْهُ ﷺ لَيْلَةَ مَبِيتِهِ عِنْدَهُ: إِنَّهُ ( «لَمَّا اسْتَيْقَظَ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ مِنْ سُورَةِ (آلِ عِمْرَانَ) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] . .. إِلَى آخِرِهَا.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» )
وَقَدْ قَالَتْ عائشة ﵂ «كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: (اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ،
стр. 810
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» ) وَرُبَّمَا قَالَتْ: ( «كَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِذَلِكَ. وَكَانَ إِذَا أَوْتَرَ خَتَمَ وِتْرَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ بِقَوْلِهِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ) ثَلَاثًا، وَيَمُدُّ بِالثَّالِثَةِ صَوْتَهُ» .
[الذِّكْرُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْبَيْتِ]
«وَكَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ ﷺ : «مَنْ قَالَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ» )
следующие страницы →