Полный текст (2 628 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْجِهَادِ وَالْمَغَازِي وَالسَّرَايَا وَالْبُعُوثِ] [ الْجِهَادُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْجِهَادِ وَالْمَغَازِي وَالسَّرَايَا وَالْبُعُوثِ
لَمَّا كَانَ الْجِهَادُ ذِرْوَةَ سَنَامِ الْإِسْلَامِ وَقُبَّتَهُ، وَمَنَازِلُ أَهْلِهِ أَعْلَى الْمَنَازِلِ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا لَهُمُ الرِّفْعَةُ فِي الدُّنْيَا، فَهُمُ الْأَعْلَوْنَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الذِّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنْهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى أَنْوَاعِهِ كُلِّهَا فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ بِالْقَلْبِ وَالْجِنَانِ وَالدَّعْوَةِ وَالْبَيَانِ وَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، وَكَانَتْ سَاعَاتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى الْجِهَادِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ. وَلِهَذَا كَانَ أَرْفَعَ الْعَالَمِينَ ذِكْرًا، وَأَعْظَمَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا.
وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْجِهَادِ مِنْ حِينِ بَعْثِهِ، وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١] [الْفُرْقَانِ: ٥٢] ، فَهَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ أَمَرَ فِيهَا بِجِهَادِ الْكُفَّارِ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ وَتَبْلِيغِ الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ جِهَادُ الْمُنَافِقِينَ إِنَّمَا هُوَ بِتَبْلِيغِ الْحُجَّةِ، وَإِلَّا فَهُمْ تَحْتَ قَهْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣] [التَّوْبَةِ: ٧٣] فَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ أَصْعَبُ مِنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ، وَهُوَ جِهَادُ خَوَاصِّ الْأُمَّةِ وَوَرَثَةِ الرُّسُلِ، وَالْقَائِمُونَ بِهِ أَفْرَادٌ فِي الْعَالَمِ، وَالْمُشَارِكُونَ فِيهِ وَالْمُعَاوِنُونَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانُوا هُمُ الْأَقَلِّينَ عَدَدًا فَهُمُ الْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا.
وَلَمَّا كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ قَوْلُ الْحَقِّ مَعَ شِدِّةِ الْمُعَارِضِ، مِثْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهِ عِنْدَ مَنْ تَخَافُ سَطْوَتَهُ وَأَذَاهُ، كَانَ لِلرُّسُلِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - مِنْ ذَلِكَ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ، وَكَانَ لِنَبِيِّنَا - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - مِنْ ذَلِكَ أَكْمَلُ الْجِهَادِ وَأَتَمُّهُ.
وَلَمَّا كَانَ جِهَادُ أَعْدَاءِ اللَّهِ فِي الْخَارِجِ فَرْعًا عَلَى جِهَادِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ
стр. 912
اللَّهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» ) كَانَ جِهَادُ النَّفْسِ مُقَدَّمًا عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ فِي الْخَارِجِ، وَأَصْلًا لَهُ، فَإِنَّهُ مَا لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ أَوَّلًا لِتَفْعَلَ مَا أُمِرَتْ بِهِ وَتَتْرُكَ مَا نُهِيَتْ عَنْهُ وَيُحَارِبُهَا فِي اللَّهِ لَمْ يُمْكِنْهُ جِهَادُ عَدُوِّهِ فِي الْخَارِجِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ جِهَادُ عَدُوِّهِ وَالِانْتِصَافُ مِنْهُ وَعَدُوُّهُ الَّذِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَاهِرٌ لَهُ مُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ لَمْ يُجَاهِدْهُ وَلَمْ يُحَارِبْهُ فِي اللَّهِ، بَلْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إِلَى عَدُوِّهِ حَتّى يُجَاهِدَ نَفْسَهُ عَلَى الْخُرُوجِ.
فَهَذَانِ عَدُوَّانِ قَدِ امْتُحِنَ الْعَبْدُ بِجِهَادِهِمَا، وَبَيْنَهُمَا عَدُوٌّ ثَالِثٌ لَا يُمْكِنُهُ جِهَادُهُمَا إِلَّا بِجِهَادِهِ، وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَهُمَا يُثَبِّطُ الْعَبْدَ عَنْ جِهَادِهِمَا، وَيُخَذِّلُهُ وَيُرْجِفُ بِهِ، وَلَا يَزَالُ يُخَيِّلُ لَهُ مَا فِي جِهَادِهِمَا مِنَ الْمَشَاقِّ وَتَرْكِ الْحُظُوظِ وَفَوْتِ اللَّذَّاتِ وَالْمُشْتَهَيَاتِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجَاهِدَ ذَيْنِكَ الْعَدُوَّيْنِ إِلَّا بِجِهَادِهِ، فَكَانَ جِهَادُهُ هُوَ الْأَصْلَ لِجِهَادِهِمَا، وَهُوَ الشَّيْطَانُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] [فَاطِرٍ: ٦] ، وَالْأَمْرُ بِاِتِّخَاذِهِ عَدُوًّا تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي مُحَارَبَتِهِ، وَمُجَاهَدَتِهِ، كَأَنَّهُ عَدُوٌّ لَا يَفْتُرُ وَلَا يُقَصِّرُ عَنْ مُحَارَبَةِ الْعَبْدِ عَلَى عَدَدِ الْأَنْفَاسِ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَعْدَاءٍ، أُمِرَ الْعَبْدُ بِمُحَارَبَتِهَا وَجِهَادِهَا، وَقَدْ بُلِيَ بِمُحَارَبَتِهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَسُلِّطَتْ عَلَيْهِ امْتِحَانًا مِنَ اللَّهِ لَهُ وَابْتِلَاءً، فَأَعْطَى اللَّهُ الْعَبْدَ مَدَدًا وَعُدَّةً وَأَعْوَانًا وَسِلَاحًا لِهَذَا الْجِهَادِ، وَأَعْطَى أَعْدَاءَهُ مَدَدًا وَعُدَّةً وَأَعْوَانًا وَسِلَاحًا، وَبَلَا أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ بِالْآخَرِ، وَجَعَلَ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً لِيَبْلُوَ أَخْبَارَهُمْ، وَيَمْتَحِنَ مَنْ يَتَوَلَّاهُ وَيَتَوَلَّى رُسُلَهُ مِمَّنْ يَتَوَلَّى الشَّيْطَانَ وَحِزْبَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] [الْفُرْقَانِ: ٢٠] .
стр. 913
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] [مُحَمَّدٍ: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] [مُحَمَّدٍ: ٣١] فَأَعْطَى عِبَادَهُ الْأَسْمَاعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْعُقُولَ وَالْقُوَى، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وَأَمَدَّهُمْ بِمَلَائِكَتِهِ وَقَالَ لَهُمْ: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] [الْأَنْفَالِ: ١٢] ، وَأَمَرَهُمْ مِنْ أَمْرِهِ بِمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعَوْنِ لَهُمْ عَلَى حَرْبِ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ إِنِ امْتَثَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ لَمْ يَزَالُوا مَنْصُورِينَ عَلَى عَدُوِّهِ وَعَدُوِّهِمْ، وَأَنَّهُ إِنْ سَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ فَلِتَرْكِهِمْ بَعْضَ مَا أُمِرُوا بِهِ وَلِمَعْصِيَتِهِمْ لَهُ، ثُمَّ لَمْ يُؤَيِّسْهُمْ وَلَمْ يُقَنِّطْهُمْ، بَلْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا أَمْرَهُمْ، وَيُدَاوُوا جِرَاحَهُمْ، وَيَعُودُوا إِلَى مُنَاهَضَةِ عَدُوِّهِمْ، فَيَنْصُرَهُمْ عَلَيْهِ، وَيُظَفِّرَهُمْ بِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مَعَ الْمُتَّقِينَ مِنْهُمْ، وَمَعَ الْمُحْسِنِينَ وَمَعَ الصَّابِرِينَ وَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ يُدَافِعُ عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا لَا يُدَافِعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، بَلْ بِدِفَاعِهِ عَنْهُمُ انْتَصَرُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَلَوْلَا دِفَاعُهُ عَنْهُمْ لَتَخَطَّفَهُمْ عَدُوُّهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ.
وَهَذِهِ الْمُدَافَعَةُ عَنْهُمْ بِحَسْبِ إِيمَانِهِمْ وَعَلَى قَدْرِهِ، فَإِنْ قَوِيَ الْإِيمَانُ قَوِيَتِ الْمُدَافَعَةُ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.
وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُجَاهِدُوا فِيهِ حَقَّ جِهَادِهِ، كَمَا أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَكَمَا أَنَّ حَقَّ تُقَاتِهِ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ، فَحَقُّ جِهَادِهِ أَنْ يُجَاهِدَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ لِيُسْلِمَ قَلْبَهُ وَلِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ لِلَّهِ، فَيَكُونُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَبِاللَّهِ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا بِنَفْسِهِ، وَيُجَاهِدُ شَيْطَانَهُ بِتَكْذِيبِ وَعْدِهِ، وَمَعْصِيَةِ أَمْرِهِ، وَارْتِكَابِ نَهْيِهِ، فَإِنَّهُ يَعِدُ الْأَمَانِيَّ وَيُمَنِّي الْغُرُورَ، وَيَعِدُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ،
стр. 914
وَيَنْهَى عَنِ التُّقَى وَالْهُدَى وَالْعِفَّةِ وَالصَّبْرِ، وَأَخْلَاقِ الْإِيمَانِ كُلِّهَا، فَجَاهِدْهُ بِتَكْذِيبِ وَعْدِهِ، وَمَعْصِيَةِ أَمْرِهِ، فَيَنْشَأُ لَهُ مِنْ هَذَيْنِ الْجِهَادَيْنِ قُوَّةٌ وَسُلْطَانٌ، وَعُدَّةٌ يُجَاهِدُ بِهَا أَعْدَاءَ اللَّهِ فِي الْخَارِجِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَمَالِهِ؛ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.
وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي حَقِّ الْجِهَادِ:
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ اسْتِفْرَاغُ الطَّاقَةِ فِيهِ، وَأَلَّا يَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. وَقَالَ مقاتل: اعْمَلُوا لِلَّهِ حَقَّ عَمَلِهِ، وَاعْبُدُوهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هُوَ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَالْهَوَى. وَلَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْآيَتَيْنِ مَنْسُوخَتَانِ، لِظَنِّهِ أَنَّهُمَا تَضَمَّنَتَا الْأَمْرَ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَحَقُّ تُقَاتِهِ وَحَقُّ جِهَادِهِ: هُوَ مَا يُطِيقُهُ كُلُّ عَبْدٍ فِي نَفْسِهِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ وَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ. فَحَقُّ التَّقْوَى وَحَقُّ الْجِهَادِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَادِرِ الْمُتَمَكِّنِ الْعَالِمِ شَيْءٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَاجِزِ الْجَاهِلِ الضَّعِيفِ شَيْءٌ، وَتَأَمَّلْ كَيْفَ عَقَّبَ الْأَمْرَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] [الْحَجِّ: ٧٨] وَالْحَرَجُ: الضِّيقُ، بَلْ جَعَلَهُ وَاسِعًا يَسَعُ كُلَّ أَحَدٍ، كَمَا جَعَلَ رِزْقَهُ يَسَعُ كُلَّ حَيٍّ، وَكَلَّفَ الْعَبْدَ بِمَا يَسَعُهُ الْعَبْدُ، وَرَزَقَ الْعَبْدَ مَا يَسَعُ الْعَبْدَ، فَهُوَ يَسَعُ تَكْلِيفَهُ وَيَسَعُهُ رِزْقُهُ، وَمَا جَعَلَ عَلَى عَبْدِهِ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ بِوَجْهٍ مَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» ) أَيْ: بِالْمِلَّةِ، فَهِيَ حَنِيفِيَّةٌ فِي التَّوْحِيدِ، سَمْحَةٌ فِي الْعَمَلِ.
وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ غَايَةَ التَّوْسِعَةِ فِي دِينِهِ وَرِزْقِهِ وَعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، وَبَسَطَ عَلَيْهِمُ التَّوْبَةَ مَا دَامَتِ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ، وَفَتَحَ لَهُمْ بَابًا لَهَا لَا يُغْلِقُهُ عَنْهُمْ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَجَعَلَ لِكُلِّ سَيِّئَةٍ كَفَّارَةً تُكَفِّرُهَا مِنْ تَوْبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ حَسَنَةٍ مَاحِيَةٍ أَوْ مُصِيبَةٍ مُكَفِّرَةٍ، وَجَعَلَ بِكُلِّ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ عِوَضًا مِنَ الْحَلَالِ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْهُ وَأَطْيَبَ وَأَلَذَّ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ لِيَسْتَغْنِيَ الْعَبْدُ
стр. 915
عَنِ الْحَرَامِ، وَيَسَعُهُ الْحَلَالُ فَلَا يَضِيقُ عَنْهُ، وَجَعَلَ لِكُلِّ عُسْرٍ يَمْتَحِنُهُمْ بِهِ يُسْرًا قَبْلَهُ وَيُسْرًا بَعْدَهُ، " فَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ "، فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُ سُبْحَانَهُ مَعَ عِبَادِهِ فَكَيْفَ يُكَلِّفُهُمْ مَا لَا يَسَعُهُمْ، فَضْلًا عَمَّا لَا يُطِيقُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ في مَرَاتِبُ الْجِهَادِ]
[فَصْلٌ في مَرَاتِبُ جِهَادِ النَّفْسِ]
فَصْلٌ مَرَاتِبُ جِهَادِ النَّفْسِ
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَالْجِهَادُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: جِهَادُ النَّفْسِ، وَجِهَادُ الشَّيْطَانِ، وَجِهَادُ الْكُفَّارِ، وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ.
فَجِهَادُ النَّفْسِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ أَيْضًا:
إِحْدَاهَا: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى تَعَلُّمِ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ الَّذِي لَا فَلَاحَ لَهَا وَلَا سَعَادَةَ فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا إِلَّا بِهِ، وَمَتَى فَاتَهَا عِلْمُهُ شَقِيَتْ فِي الدَّارَيْنِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْعِلْمِ بِلَا عَمَلٍ إِنْ لَمْ يَضُرَّهَا لَمْ يَنْفَعْهَا.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وَتَعْلِيمِهِ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ، وَإِلَّا كَانَ مِنَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَلَا يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَشَاقِّ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَأَذَى الْخَلْقِ، وَيَتَحَمَّلُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ. فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَ صَارَ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ، فَإِنَّ السَّلَفَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى رَبَّانِيًّا حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ وَيَعْمَلَ بِهِ وَيُعَلِّمَهُ، فَمَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلَّمَ فَذَاكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.
стр. 916
[فَصْلٌ في مَرَاتِبُ جِهَادِ الشَّيْطَانِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا جِهَادُ الشَّيْطَانِ فَمَرْتَبَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: جِهَادُهُ عَلَى دَفْعِ مَا يُلْقِي إِلَى الْعَبْدِ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالشُّكُوكِ الْقَادِحَةِ فِي الْإِيمَانِ.
الثَّانِيَةُ: جِهَادُهُ عَلَى دَفْعِ مَا يُلْقِي إِلَيْهِ مِنَ الْإِرَادَاتِ الْفَاسِدَةِ وَالشَّهَوَاتِ، فَالْجِهَادُ الْأَوَّلُ يَكُونُ بَعْدَهُ الْيَقِينُ، وَالثَّانِي: يَكُونُ بَعْدَهُ الصَّبْرُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] [السَّجْدَةِ: ٢٤] فَأَخْبَرَ أَنَّ إِمَامَةَ الدِّينِ إِنَّمَا تُنَالُ بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، فَالصَّبْرُ يَدْفَعُ الشَّهَوَاتِ وَالْإِرَادَاتِ الْفَاسِدَةَ، وَالْيَقِينُ يَدْفَعُ الشُّكُوكَ وَالشُّبُهَاتِ.
[فَصْلٌ في مَرَاتِبُ جِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا جِهَادُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فَأَرْبَعُ مَرَاتِبَ: بِالْقَلْبِ، وَاللِّسَانِ، وَالْمَالِ، وَالنَّفْسِ، وَجِهَادُ الْكُفَّارِ أَخَصُّ بِالْيَدِ، وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ أَخَصُّ بِاللِّسَانِ.
[فَصْلٌ في جِهَادُ أَرْبَابِ الظُّلْمِ وَالْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ]
فَصْلٌ
وَأَمَّا جِهَادُ أَرْبَابِ الظُّلْمِ وَالْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ فَثَلَاثُ مَرَاتِبَ، الْأُولَى: بِالْيَدِ إِذَا قَدَرَ، فَإِنْ عَجَزَ انْتَقَلَ إِلَى اللِّسَانِ، فَإِنْ عَجَزَ جَاهَدَ بِقَلْبِهِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَرْتَبَةً مِنَ الْجِهَادِ، وَ ( «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ» ) .
[فَصْلٌ في شَرْطُ الْجِهَادِ]
فَصْلٌ
وَلَا يَتِمُّ الْجِهَادُ إِلَّا بِالْهِجْرَةِ، وَلَا الْهِجْرَةُ وَالْجِهَادُ إِلَّا بِالْإِيمَانِ، وَالرَّاجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ قَامُوا بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] [الْبَقَرَةِ: ٢١٨] .
стр. 917
وَكَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ هِجْرَتَانِ فِي كُلِّ وَقْتٍ: هِجْرَةٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّوْبَةِ، وَهِجْرَةٌ إِلَى رَسُولِهِ بِالْمُتَابَعَةِ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ، وَالتَّصْدِيقِ بِخَبَرِهِ، وَتَقْدِيمِ أَمْرِهِ وَخَبَرِهِ عَلَى أَمْرِ غَيْرِهِ وَخَبَرِهِ: ( «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» ) . وَفَرَضَ عَلَيْهِ جِهَادَ نَفْسِهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَجِهَادَ شَيْطَانِهِ، فَهَذَا كُلُّهُ فَرْضُ عَيْنٍ لَا يَنُوبُ فِيهِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ.
وَأَمَّا جِهَادُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فَقَدْ يُكْتَفَى فِيهِ بِبَعْضِ الْأُمَّةِ إِذَا حَصَلَ مِنْهُمْ مَقْصُودُ الْجِهَادِ.
[فَصْلٌ أَكْمَلُ الْخَلْقِ مَنْ كَمَّلَ مَرَاتِبَ الْجِهَادِ]
فَصْلٌ
وَأَكْمَلُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَمَّلَ مَرَاتِبَ الْجِهَادِ كُلَّهَا، وَالْخَلْقُ مُتَفَاوِتُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَفَاوُتُهُمْ فِي مَرَاتِبِ الْجِهَادِ، وَلِهَذَا كَانَ أَكْمَلُ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ خَاتِمَ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، فَإِنَّهُ كَمَّلَ مَرَاتِبَ الْجِهَادِ، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَشَرَعَ فِي الْجِهَادِ مِنْ حِينَ بُعِثَ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١] [الْمُدَّثِّرِ: ١ - ٤] شَمَّرَ عَنْ سَاقِ الدَّعْوَةِ، وَقَامَ فِي ذَاتِ اللَّهِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَدَعَا إِلَى اللَّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَسِرًّا وَجِهَارًا، وَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] [الْحِجْرِ: ٩٤] فَصَدَعَ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا تَأْخُذُهُ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَدَعَا إِلَى اللَّهِ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالْأَحْمَرَ وَالْأَسْوَدَ وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ.
وَلَمَّا صَدَعَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَصَرَّحَ لِقَوْمِهِ بِالدَّعْوَةِ، وَنَادَاهُمْ بِسَبِّ آلِهَتِهِمْ،
стр. 918
وَعَيْبِ دِينِهِمْ، اشْتَدَّ أَذَاهُمْ لَهُ، وَلِمَنِ اسْتَجَابَ لَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَنَالُوهُ وَنَالُوهُمْ بِأَنْوَاعِ الْأَذَى، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] [فُصِّلَتْ: ٤٣] وَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] [الْأَنْعَامِ: ١١٢] وَقَالَ: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ - أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] [الذَّارِيَاتِ: ٥٢- ٥٣] .
فَعَزَّى سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ بِذَلِكَ، وَأَنَّ لَهُ أُسْوَةً بِمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَعَزَّى أَتْبَاعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] [الْبَقَرَةِ: ٢١٤] .
وَقَوْلِهِ: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] أَمْ ﴿حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ - مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ - وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ - وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ - وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٤ - ١٠] [الْعَنْكَبُوتِ: ١ - ١١] .
стр. 919
فَلْيَتَأَمَّلِ الْعَبْدُ سِيَاقَ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْعِبَرِ وَكُنُوزِ الْحِكَمِ، فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمِ الرُّسُلُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: آمَنَّا، وَإِمَّا أَلَّا يَقُولَ ذَلِكَ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَى السَّيِّئَاتِ وَالْكُفْرِ، فَمَنْ قَالَ: آمَنَّا امْتَحَنَهُ رَبُّهُ وَابْتَلَاهُ وَفَتَنَهُ، وَالْفِتْنَةُ الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ لِيَتَبَيَّنَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ آمَنَّا فَلَا يَحْسِبْ أَنَّهُ يُعْجِزُ اللَّهَ وَيَفُوتُهُ وَيَسْبِقُهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَطْوِي الْمَرَاحِلَ فِي يَدَيْهِ.
وَكَيْفَ يَفِرُّ الْمَرْءُ عَنْهُ بِذَنْبِهِ ... إِذَا كَانَ تُطْوَى فِي يَدَيْهِ الْمَرَاحِلُ
فَمَنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ وَأَطَاعَهُمْ عَادَاهُ أَعْدَاؤُهُمْ وَآذَوْهُ فَابْتُلِيَ بِمَا يُؤْلِمُهُ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِمْ وَلَمْ يُطِعْهُمْ عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَحَصَلَ لَهُ مَا يُؤْلِمُهُ، وَكَانَ هَذَا الْمُؤْلِمُ لَهُ أَعْظَمَ أَلَمًا وَأَدْوَمَ مِنْ أَلَمِ اتِّبَاعِهِمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الْأَلَمِ لِكُلِّ نَفْسٍ آمَنَتْ أَوْ رَغِبَتْ عَنِ الْإِيمَانِ، لَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يَحْصُلُ لَهُ الْأَلَمُ فِي الدُّنْيَا ابْتِدَاءً، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْمُعْرِضُ عَنِ الْإِيمَانِ تَحْصُلُ لَهُ اللَّذَّةُ ابْتِدَاءً، ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى الْأَلَمِ الدَّائِمِ. وَسُئِلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَيُّمَا أَفْضَلُ لِلرَّجُلِ، أَنْ يُمَكَّنَ أَوْ يُبْتَلَى؟ فَقَالَ: لَا يُمَكَّنُ حَتَّى يُبْتَلَى، وَاللَّهُ تَعَالَى ابْتَلَى أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَمَّا صَبَرُوا مَكَّنَهُمْ، فَلَا يَظُنُّ أَحَدٌ أَنَّهُ يَخْلُصُ مِنَ الْأَلَمِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يَتَفَاوَتُ أَهْلُ الْآلَامِ فِي الْعُقُولِ، فَأَعْقَلُهُمْ مَنْ بَاعَ أَلَمًا مُسْتَمِرًّا عَظِيمًا بِأَلَمٍ مُنْقَطِعٍ يَسِيرٍ، وَأَشْقَاهُمْ مَنْ بَاعَ الْأَلَمَ الْمُنْقَطِعَ الْيَسِيرَ بِالْأَلَمِ الْعَظِيمِ الْمُسْتَمِرِّ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَخْتَارُ الْعَاقِلُ هَذَا؟ قِيلَ: الْحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا النَّقْدُ وَالنَّسِيئَةُ.
والنَّفْسُ مُوَكَّلَةٌ بِحُبِّ الْعَاجِلِ
﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠] [الْقِيَامَةِ: ٢٠] ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧] [الدَّهْرِ: ٢٧] ، وَهَذَا يَحْصُلُ لِكُلِّ أَحَدٍ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَعِيشَ مَعَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ لَهُمْ إِرَادَاتٌ وَتَصَوُّرَاتٌ، فَيَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ آذَوْهُ وَعَذَّبُوهُ، وَإِنْ
стр. 920
وَافَقَهُمْ، حَصَلَ لَهُ الْأَذَى وَالْعَذَابُ، تَارَةً مِنْهُمْ وَتَارَةً مِنْ غَيْرِهِمْ، كَمَنْ عِنْدَهُ دِينٌ وَتُقًى حَلَّ بَيْنَ قَوْمٍ فُجَّارٍ ظَلَمَةٍ وَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ فُجُورِهِمْ وَظُلْمِهِمْ إِلَّا بِمُوَافَقَتِهِ لَهُمْ، أَوْ سُكُوتِهِ عَنْهُمْ، فَإِنْ وَافَقَهُمْ أَوْ سَكَتَ عَنْهُمْ سَلِمَ مِنْ شَرِّهِمْ فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِ بِالْإِهَانَةِ وَالْأَذَى أَضْعَافَ مَا كَانَ يَخَافُهُ ابْتِدَاءً لَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَخَالَفَهُمْ، وَإِنْ سَلِمَ مِنْهُمْ فَلَا بُدَّ أَنْ يُهَانَ وَيُعَاقَبَ عَلَى يَدِ غَيْرِهِمْ، فَالْحَزْمُ كُلُّ الْحَزْمِ فِي الْأَخْذِ بِمَا قَالَتْ عائشة أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ لمعاوية: (مَنْ أَرْضَى اللَّهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ لَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) .
وَمَنْ تَأَمَّلَ أَحْوَالَ الْعَالَمِ رَأَى هَذَا كَثِيرًا، فِيمَنْ يُعِينُ الرُّؤَسَاءَ عَلَى أَغْرَاضِهِمِ الْفَاسِدَةِ، وَفِيمَنْ يُعِينُ أَهْلَ الْبِدَعِ عَلَى بِدَعِهِمْ هَرَبًا مِنْ عُقُوبَتِهِمْ، فَمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ وَوَقَاهُ شَرَّ نَفْسِهِ امْتَنَعَ مِنَ الْمُوَافَقَةِ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ، وَصَبَرَ عَلَى عُدْوَانِهِمْ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا كَانَتْ لِلرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ كَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَمَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ وَصَالِحِي الْوُلَاةِ وَالتُّجَّارِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَلَمَّا كَانَ الْأَلَمُ لَا مَحِيصَ مِنْهُ الْبَتَّةَ، عَزَّى اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - مَنِ اخْتَارَ الْأَلَمَ الْيَسِيرَ الْمُنْقَطِعَ عَلَى الْأَلَمِ الْعَظِيمِ الْمُسْتَمِرِّ، بِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] [الْعَنْكَبُوتِ: ٥] فَضَرَبَ لِمُدَّةِ هَذَا الْأَلَمِ أَجَلًا، لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ، وَهُوَ يَوْمُ لِقَائِهِ، فَيَلْتَذَّ الْعَبْدُ أَعْظَمَ اللَّذَّةِ
стр. 921
بِمَا تَحَمَّلَ مِنَ الْأَلَمِ مِنْ أَجْلِهِ وَفِي مَرْضَاتِهِ، وَتَكُونُ لَذَّتُهُ وَسُرُورُهُ وَابْتِهَاجُهُ بِقَدْرِ مَا تَحَمَّلَ مِنَ الْأَلَمِ فِي اللَّهِ وَلِلَّهِ، وَأَكَّدَ هَذَا الْعَزَاءَ وَالتَّسْلِيَةَ بِرَجَاءِ لِقَائِهِ لِيَحْمِلَ الْعَبْدُ اشْتِيَاقَهُ إِلَى لِقَاءِ رَبِّهِ وَوَلِيِّهِ عَلَى تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الْأَلَمِ الْعَاجِلِ، بَلْ رُبَّمَا غَيَّبَهُ الشَّوْقُ إِلَى لِقَائِهِ عَنْ شُهُودِ الْأَلَمِ وَالْإِحْسَاسِ بِهِ، وَلِهَذَا سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِهِ، فَقَالَ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي رَوَاهُ أحمد وَابْنُ حِبَّانَ: ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي إِذَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَى بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَأَسْأَلُكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» ) .
فَالشَّوْقُ يَحْمِلُ الْمُشْتَاقَ عَلَى الْجِدِّ فِي السَّيْرِ إِلَى مَحْبُوبِهِ، وَيُقَرِّبُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَيَطْوِي لَهُ الْبَعِيدَ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِ الْآلَامَ وَالْمَشَاقَّ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى عَبْدِهِ، وَلَكِنْ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ أَقْوَالٌ وَأَعْمَالٌ هُمَا السَّبَبُ الَّذِي تُنَالُ بِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ سَمِيعٌ لِتِلْكَ الْأَقْوَالِ، عَلِيمٌ بِتِلْكَ الْأَفْعَالِ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِمَنْ يَصْلُحُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَيَشْكُرُهَا وَيَعْرِفُ قَدْرَهَا وَيُحِبُّ الْمُنْعِمَ عَلَيْهِ،
стр. 922
فَتَصْلُحُ عِنْدَهُ هَذِهِ النِّعْمَةُ، وَيَصْلُحُ بِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] [الْأَنْعَامِ: ٥٣] ، فَإِذَا فَاتَتِ الْعَبْدَ نَعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ رَبِّهِ فَلْيَقْرَأْ عَلَى نَفْسِهِ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] .
ثُمَّ عَزَّاهُمْ تَعَالَى بِعَزَاءٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ جِهَادَهُمْ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَثَمَرَتُهُ عَائِدَةٌ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، وَمَصْلَحَةُ هَذَا الْجِهَادِ تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ لَا إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُدْخِلُهُمْ بِجِهَادِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ فِي زُمْرَةِ الصَّالِحِينَ.
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ الدَّاخِلِ فِي الْإِيمَانِ بِلَا بَصِيرَةٍ، وَأَنَّهُ إِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ لَهُ كَعَذَابِ اللَّهِ، وَهِيَ أَذَاهُمْ لَهُ، وَنَيْلُهُمْ إِيَّاهُ بِالْمَكْرُوهِ وَالْأَلَمِ الَّذِي لَا بُدَّ أَنْ يَنَالَهُ الرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ مِمَّنْ خَالَفَهُمْ، جَعَلَ ذَلِكَ فِي فِرَارِهِ مِنْهُمْ وَتَرْكِهِ السَّبَبَ الَّذِي نَالَهُ كَعَذَابِ اللَّهِ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْإِيمَانِ، فَالْمُؤْمِنُونَ لِكَمَالِ بَصِيرَتِهِمْ فَرُّوا مِنْ أَلَمِ عَذَابِ اللَّهِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَتَحَمَّلُوا مَا فِيهِ مِنَ الْأَلَمِ الزَّائِلِ الْمُفَارِقِ عَنْ قَرِيبٍ، وَهَذَا لِضَعْفِ بَصِيرَتِهِ فَرَّ مِنْ أَلَمِ عَذَابِ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ، فَفَرَّ مِنْ أَلَمِ عَذَابِهِمْ إِلَى أَلَمِ عَذَابِ اللَّهِ، فَجَعَلَ أَلَمَ فِتْنَةِ النَّاسِ فِي الْفِرَارِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ أَلَمِ عَذَابِ اللَّهِ، وَغُبِنَ كُلَّ الْغَبْنِ إِذِ اسْتَجَارَ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ، وَفَرَّ مِنْ أَلَمِ سَاعَةٍ إِلَى أَلَمِ الْأَبَدِ، وَإِذَا نَصَرَ اللَّهُ جُنْدَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا انْطَوَى عَلَيْهِ صَدْرُهُ مِنَ النِّفَاقِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَمْتَحِنَ النُّفُوسَ وَيَبْتَلِيَهَا، فَيُظْهِرُ بِالِامْتِحَانِ طَيِّبَهَا مِنْ خَبِيثِهَا، وَمَنْ يَصْلُحُ لِمُوَالَاتِهِ وَكَرَامَاتِهِ وَمَنْ لَا يَصْلُحُ، وَلِيُمَحِّصَ النُّفُوسَ الَّتِي تَصْلُحُ لَهُ، وَيُخَلِّصَهَا بِكِيرِ الِامْتِحَانِ، كَالذَّهَبِ الَّذِي لَا يَخْلُصُ وَلَا يَصْفُو مِنْ غِشِّهِ إِلَّا بِالِامْتِحَانِ، إِذِ النَّفْسُ فِي الْأَصْلِ جَاهِلَةٌ ظَالِمَةٌ، وَقَدْ حَصَلَ لَهَا بِالْجَهْلِ وَالظُّلْمِ مِنَ الْخُبْثِ مَا يَحْتَاجُ
стр. 923
خُرُوجُهُ إِلَى السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ، فَإِنْ خَرَجَ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَإِلَّا فَفِي كِيرِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا هُذِّبَ الْعَبْدُ وَنُقِّيَ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ.
[فَصْلٌ في ذِكْرُ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ]
فَصْلٌ
وَلَمَّا دَعَا ﷺ إِلَى اللَّهِ اسْتَجَابَ لَهُ عِبَادُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، فَكَانَ حَائِزَ قَصَبِ سَبْقِهِمْ صِدِّيقُ الْأُمَّةِ وَأَسْبَقَهَا إِلَى الْإِسْلَامِ أبو بكر ﵁، فَآزَرَهُ فِي دِينِ اللَّهِ، وَدَعَا مَعَهُ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَاسْتَجَابَ لِأَبِي بَكْرٍ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ.
وَبَادَرَ إِلَى الِاسْتِجَابَةِ لَهُ ﷺ صِدِّيقَةُ النِّسَاءِ: خديجة بنت خويلد، وَقَامَتْ بِأَعْبَاءِ الصِّدِّيقِيِّةِ وَقَالَ لَهَا: ( «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ لَهُ: أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا» ) ثُمَّ اسْتَدَلَّتْ بِمَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ وَالْأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يُخْزَى أَبَدًا، فَعَلِمَتْ بِكَمَالِ عَقْلِهَا وَفِطْرَتِهَا أَنَّ الْأَعْمَالَ الصِّالِحَةَ وَالْأَخْلَاقَ الْفَاضِلَةَ وَالشِّيَمَ الشِّرِيفَةَ تُنَاسِبُ أَشْكَالَهَا مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَلَا تُنَاسِبُ الْخِزْيَ وَالْخِذْلَانَ، وَإِنَّمَا يُنَاسِبُهُ أَضْدَادُهَا، فَمَنْ رَكَّبَهُ اللَّهُ عَلَى أَحْسَنِ الصِّفَاتِ، وَأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ إِنَّمَا يَلِيقُ بِهِ كَرَامَتُهُ وَإِتْمَامُ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، وَمَنْ رَكَّبَهُ عَلَى أَقْبَحِ الصِّفَاتِ وَأَسْوَأِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ إِنَّمَا يَلِيقُ بِهِ مَا يُنَاسِبُهَا، وَبِهَذَا الْعَقْلِ وَالصِّدِّيقِيِّة اسْتَحَقَّتْ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا رَبُّهَا بِالسَّلَامِ مِنْهُ مَعَ رَسُولَيْهِ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ ﷺ .
стр. 924
[فَصْلٌ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ وَزَيْدٌ]
فَصْلٌ
وَبَادَرَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَكَانَ ابْنَ ثَمَانِ سِنِينَ، وَقِيلَ: أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ فِي كَفَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَخَذَهُ مِنْ عَمِّهِ أبي طالب إِعَانَةً لَهُ فِي سَنَةِ مَحْلٍ.
«وَبَادَرَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ غُلَامًا لخديجة، فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا، وَقَدِمَ أَبُوهُ وَعَمُّهُ فِي فِدَائِهِ، فَسَأَلَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقِيلَ: هُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ، فَقَالَا: يَا ابن عبد المطلب، يَا ابن هاشم، يَا ابْنَ سَيِّدِ قَوْمِهِ، أَنْتُمْ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وَجِيرَانِهِ، تَفُكُّونَ الْعَانِيَ وَتُطْعِمُونَ الْأَسِيرَ، جِئْنَاكَ فِي ابْنِنَا عِنْدَكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا وَأَحْسِنْ إِلَيْنَا فِي فِدَائِهِ، قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالُوا: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَهَلَّا غَيْرَ ذَلِكَ، قَالُوا: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَدْعُوهُ فَأُخَيِّرُهُ، فَإِنِ اخْتَارَكُمْ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِنِ اخْتَارَنِي فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَى مَنِ اخْتَارَنِي أَحَدًا، قَالَا: قَدْ رَدَدْتَنَا عَلَى النَّصَفِ، وَأَحْسَنْتَ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ ، قَالَ: هَذَا أَبِي، وَهَذَا عَمِّي، قَالَ: فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ وَرَأَيْتَ، وَعَرَفْتَ صُحْبَتِي لَكَ، فَاخْتَرْنِي أَوِ اخْتَرْهُمَا، قَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَيْكَ أَحَدًا أَبَدًا، أَنْتَ مِنِّي مَكَانَ الْأَبِ وَالْعَمِّ، فَقَالَا: وَيْحَكَ يَا زيد أَتَخْتَارُ الْعُبُودِيَّةَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَعَلَى أَبِيكَ وَعَمِّكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ؟ ، قَالَ: نَعَمْ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَيْهِ أَحَدًا أَبَدًا، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ إِلَى الْحِجْرِ فَقَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّ زيدا ابْنِي يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُوهُ وَعَمُّهُ طَابَتْ نَفُوسُهُمَا فَانْصَرَفَا، وَدُعِيَ زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَنَزَلَتْ ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] [الْأَحْزَابِ: ٥]
стр. 925
فَدُعِيَ مِنْ يَوْمِئِذٍ: زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ» . قَالَ معمر فِي " جَامِعِهِ " عَنِ الزُّهْرِيِّ: مَا عَلِمْنَا أَحَدًا أَسْلَمَ قَبْلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ أَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ رَسُولُهُ، وَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ.
وَأَسْلَمَ الْقَسُّ ورقة بن نوفل، وَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ جَذَعًا إِذْ يُخْرِجُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَوْمُهُ، وَفِي " جَامِعِ الترمذي " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ( «رَآهُ فِي الْمَنَامِ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ» ) ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: أَنَّهُ رَآهُ فِي ثِيَابِ بَيَاضٍ.
وَدَخَلَ النَّاسُ فِي الدِّينِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَقُرَيْشٌ لَا تُنْكِرُ ذَلِكَ، حَتَّى بَادَأَهُمْ بِعَيْبِ دِينِهِمْ وَسَبِّ آلِهَتِهِمْ، وَأَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَحِينَئِذٍ شَمَّرُوا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ عَنْ سَاقِ الْعَدَاوَةِ، فَحَمَى اللَّهُ رَسُولَهُ بِعَمِّهِ أبي طالب؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَرِيفًا مُعَظَّمًا فِي قُرَيْشٍ مُطَاعًا فِي أَهْلِهِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ لَا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى مُكَاشَفَتِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَذَى.
стр. 926
وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ بَقَاؤُهُ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الَّتِي تَبْدُو لِمَنْ تَأَمَّلَهَا.
وَأَمَّا أَصْحَابُهُ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَشِيرَةٌ تَحْمِيهِ امْتَنَعَ بِعَشِيرَتِهِ، وَسَائِرُهُمْ تَصَدَّوْا لَهُ بِالْأَذَى وَالْعَذَابِ، مِنْهُمْ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَأُمُّهُ سمية، وَأَهْلُ بَيْتِهِ عُذِّبُوا فِي اللَّهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ بِهِمْ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ يَقُولُ: ( «صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ» ) .
وَمِنْهُمْ: بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، فَإِنَّهُ عُذِّبَ فِي اللَّهِ أَشَدَّ الْعَذَابِ، فَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللَّهِ، وَكَانَ كُلَّمَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ، فَيَمُرُّ بِهِ ورقة بن نوفل فَيَقُولُ: إِي وَاللَّهِ يَا بلال، أَحَدٌ أَحَدٌ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَأَتَّخِذَنَّهُ حَنَانًا.
[اشتداد أذى المشركين على من أسلم]
فَصْلٌ
وَلَمَّا اشْتَدَّ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَفُتِنَ مِنْهُمْ مَنْ فُتِنَ حَتَّى يَقُولُوا لِأَحَدِهِمْ: اللَّاتُ وَالْعُزَّى إِلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَحَتَّى إِنَّ الْجُعَلَ لَيَمُرُّ بِهِمْ فَيَقُولُونَ: وَهَذَا إِلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَمَرَّ عَدُوُّ اللَّهِ أبو جهل
стр. 927
بسمية أم عمار بن ياسر وَهِيَ تُعَذَّبُ وَزَوْجُهَا وَابْنُهَا، فَطَعَنَهَا بِحَرْبَةٍ فِي فَرْجِهَا حَتَّى قَتَلَهَا.
كَانَ الصِّدِّيقُ إِذَا مَرَّ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَبِيدِ يُعَذَّبُ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ وَأَعْتَقَهُ، مِنْهُمْ: بلال، وعامر بن فهيرة، وأم عبيس، وزنيرة، والنهدية، وَابْنَتُهَا، وَجَارِيَةٌ لِبَنِي عَدِيٍّ كَانَ عمر يُعَذِّبُهَا عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، وَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ أَرَاكَ تَعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا، فَلَوْ أَنَّكَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَعْتَقْتَ قَوْمًا جُلْدًا يَمْنَعُونَكَ، فَقَالَ لَهُ أبو بكر: (إِنِّي أُرِيدُ مَا أُرِيدُ) .
فَلَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ الْأُولَى إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ رقية بنت رسول الله ﷺ ، وَكَانَ أَهْلُ هَذِهِ الْهِجْرَةِ الْأُولَى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعَ نِسْوَةٍ: عثمان وَامْرَأَتُهُ، وأبو حذيفة وَامْرَأَتُهُ سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة وَامْرَأَتُهُ أم سلمة هند بنت أبي أمية، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَامْرَأَتُهُ ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم، وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرٍو، وسهيل بن وهب، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
وَخَرَجُوا مُتَسَلِّلِينَ سِرًّا فَوَفَّقَ اللَّهُ لَهُمْ سَاعَةَ وُصُولِهِمْ إِلَى السَّاحِلِ سَفِينَتَيْنِ لِلتُّجَّارِ، فَحَمَلُوهُمْ فِيهِمَا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ مَخْرَجُهُمْ فِي رَجَبٍ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْمَبْعَثِ، وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى جَاءُوا الْبَحْرَ فَلَمْ يُدْرِكُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، ثُمَّ بَلَغَهُمْ أَنَّ قُرَيْشًا قَدْ كَفُّوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَجَعُوا، فَلَمَّا كَانُوا دُونَ مَكَّةَ بِسَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ بَلَغَهُمْ أَنَّ قُرَيْشًا أَشَدُّ مَا كَانُوا عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلَ مَنْ دَخَلَ بِجِوَارٍ، وَفِي تِلْكَ الْمَرَّةِ دَخَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ حَتَّى قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ( «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» ) هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَزَعَمَ ابن
стр. 928
سعد وَجَمَاعَةٌ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَدْخُلْ وَأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الْحَبَشَةِ حَتَّى قَدِمَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ مَنْ قَدِمَ، وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ شَهِدَ بَدْرًا، وَأَجْهَزَ عَلَى أبي جهل، وَأَصْحَابُ هَذِهِ الْهِجْرَةِ إِنَّمَا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ بَعْدَ بَدْرٍ بِأَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ.
قَالُوا: فَإِنْ قِيلَ: بَلْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابن سعد يُوَافِقُ قَوْلَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: ( «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] [الْبَقَرَةِ: ٢٣٨] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ» ) ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ، وَحِينَئِذٍ فَابْنُ مَسْعُودٍ سَلَّمَ عَلَيْهِ لَمَّا قَدِمَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى سَلَّمَ، وَأَعْلَمَهُ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ، فَاتَّفَقَ حَدِيثُهُ وَحَدِيثُ ابن أرقم.
قِيلَ: يُبْطِلُ هَذَا شُهُودُ ابْنِ مَسْعُودٍ بَدْرًا، وَأَهْلُ الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ إِنَّمَا قَدِمُوا عَامَ خَيْبَرَ مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، وَلَوْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِمَّنْ قَدِمَ قَبْلَ بَدْرٍ لَكَانَ لِقُدُومِهِ ذِكْرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ قُدُومَ مُهَاجِرِي الْحَبَشَةِ إِلَّا فِي الْقَدْمَةِ الْأَوْلَى بِمَكَّةَ، وَالثَّانِيَةُ عَامَ خَيْبَرَ مَعَ جعفر، فَمَتَى قَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ وَمَعَ مَنْ؟ وَبِنَحْوِ
стр. 929
الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَبَلَغَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ خَرَجُوا إِلَى الْحَبَشَةِ إِسْلَامُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَقْبَلُوا لَمَّا بَلَغَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ مَكَّةَ بَلَغَهُمْ أَنَّ إِسْلَامَ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ بَاطِلًا، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِجِوَارٍ أَوْ مُسْتَخْفِيًا. فَكَانَ مِمَّنْ قَدِمَ مِنْهُمْ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، فَذَكَرَ مِنْهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ؟ قِيلَ: قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُ قَدْ ثَبَتَ بِمَكَّةَ ثُمَّ أُذِنَ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ نُهِيَ عَنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَانَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَادَتِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيُ، فَلَمَّا بَلَغَهُمُ انْتَهَوْا، وَزَيْدٌ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى حِينِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ لَكَانَ وَهْمًا مِنْهُ.
ثُمَّ اشْتَدَّ الْبَلَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى مَنْ قَدِمَ مِنْ مُهَاجِرِي الْحَبَشَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَطَتْ بِهِمْ عَشَائِرُهُمْ، وَلَقُوا مِنْهُمْ أَذًى شَدِيدًا، فَأَذِنَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخُرُوجِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَكَانَ خُرُوجُهُمُ الثَّانِي أَشَقَّ عَلَيْهِمْ وَأَصْعَبَ، وَلَقُوا مِنْ قُرَيْشٍ تَعْنِيفًا شَدِيدًا وَنَالُوهُمْ بِالْأَذَى، وَصَعُبَ عَلَيْهِمْ مَا بَلَغَهُمْ عَنِ النَّجَاشِيِّ مِنْ حُسْنِ جِوَارِهِ لَهُمْ، وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ خَرَجَ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، إِنْ كَانَ فِيهِمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَإِنَّهُ يُشَكُّ فِيهِ، قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَمِنَ النِّسَاءِ تِسْعَ عَشْرَةَ امْرَأَةً.
قُلْتُ: قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَجَمَاعَةٌ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا وَهْمًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قَدْمَةٌ أُخْرَى قَبْلَ بَدْرٍ فَيَكُونُ لَهُمْ ثَلَاثُ قَدَمَاتٍ: قَدْمَةٌ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَقَدْمَةٌ قَبْلَ بَدْرٍ، وَقَدْمَةٌ عَامَ خَيْبَرَ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابن سعد وَغَيْرُهُ: إِنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا مُهَاجَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَمِنَ النِّسَاءِ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِمَكَّةَ، وَحُبِسَ بِمَكَّةَ سَبْعَةٌ، وَشَهِدَ بَدْرًا مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا.
стр. 930
فَلَمَّا كَانَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوِّلِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا إِلَى النّجَاشِيِّ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، فَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ أَسْلَمَ، وَقَالَ لَئِنْ قَدَرْتُ أَنْ آتِيَهُ لَآتِيَنَّهُ» .
وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ أم حبيبة بنت أبي سفيان وَكَانَتْ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا عبيد الله بن جحش، فَتَنَصَّرَ هُنَاكَ وَمَاتَ، فَزَوَّجَهُ النَّجَاشِيُّ إِيَّاهَا وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ الَّذِي وَلِيَ تَزْوِيجَهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيَحْمِلَهُمْ، فَفَعَلَ وَحَمَلَهُمْ فِي سَفِينَتَيْنِ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضَّمْرِيِّ، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ فَوَجَدُوهُ قَدْ فَتَحَهَا، فَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُدْخِلُوهُمْ فِي سِهَامِهِمْ فَفَعَلُوا.
стр. 931
وَعَلَى هَذَا فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ الَّذِي بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَيَكُونُ ابْنُ مَسْعُودٍ قَدِمَ فِي الْمَرَّةِ الْوُسْطَى بَعْدَ الْهِجْرَةِ قَبْلَ بَدْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْعَهْدُ حَدِيثًا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَيَكُونُ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِالْمَدِينَةِ لَا بِمَكَّةَ، وَهَذَا أَنْسَبُ بِالنَّسْخِ الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّغْيِيرُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، كَجَعْلِهَا أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ، وَوُجُوبِ الِاجْتِمَاعِ لَهَا.
فَإِنْ قِيلَ: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ جَمْعٍ وَأَثْبَتَهُ لَوْلَا أَنَّ محمد بن إسحاق قَدْ قَالَ: مَا حَكَيْتُمْ عَنْهُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الْحَبَشَةِ حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَهَذَا يَدْفَعُ مَا ذُكِرَ.
قِيلَ: إِنْ كَانَ محمد بن إسحاق قَدْ قَالَ هَذَا فَقَدْ قَالَ محمد بن سعد فِي " طَبَقَاتِهِ ": إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَكَثَ يَسِيرًا بَعْدَ مَقْدَمِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَحْمِيهِ، وَمَا حَكَاهُ ابن سعد قَدْ تَضَمَّنَ زِيَادَةَ أَمْرٍ خَفِيَ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ، وابن إسحاق لَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَدَّثَهُ، ومحمد بن سعد أَسْنَدَ مَا حَكَاهُ إِلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، فَاتَّفَقَتِ الْأَحَادِيثُ، وَصَدَّقَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَزَالَ عَنْهَا الْإِشْكَالُ، ولِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي هَذِهِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ أبا موسى الأشعري عبد الله بن قيس، وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَهْلُ السِّيَرِ، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَقَالُوا: كَيْفَ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ أَوْ عَلَى مَنْ دُونَهُ؟ .
قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى عَلَى مَنْ دُونَ محمد بن إسحاق فَضْلًا عَنْهُ، وَإِنَّمَا نَشَأَ الْوَهْمُ أَنَّ أبا موسى هَاجَرَ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى عِنْدِ جعفر وَأَصْحَابِهِ لَمَّا سَمِعَ بِهِمْ، ثُمَّ قَدِمَ مَعَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي " الصَّحِيحِ " فَعَدَّ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ لأبي موسى هِجْرَةً، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِ.
стр. 932
[فَصْلٌ مُحَاوَلَةُ الْمُشْرِكِينَ رَدَّ النَّجَاشِيِّ الْمُهَاجِرِينَ]
فَصْلٌ
فَانْحَازَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى مَمْلَكَةِ أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ آمِنِينَ، فَلَمَّا عَلِمَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ بَعَثَتْ فِي أَثَرِهِمْ عبد الله بن أبي ربيعة وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بِهَدَايَا وَتُحَفٍ مِنْ بَلَدِهِمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِيَرُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَشَفَعُوا إِلَيْهِ بِعُظَمَاءِ بِطَارِقَتِهِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، فَوَشَوْا إِلَيْهِ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي عِيسَى قَوْلًا عَظِيمًا، يَقُولُونَ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَاسْتَدْعَى الْمُهَاجِرِينَ إِلَى مَجْلِسِهِ، وَمُقَدَّمُهُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا أَرَادُوا الدُّخُولَ عَلَيْهِ قَالَ جعفر: يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ حِزْبُ اللَّهِ، فَقَالَ لِلْآذِنِ: ( «قُلْ لَهُ يُعِيدُ اسْتِئْذَانَهُ، فَأَعَادَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى؟ فَتَلَا عَلَيْهِ جعفر صَدْرًا مِنْ سُورَةِ " كهيعص " فَأَخَذَ النَّجَاشِيُّ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ: مَا زَادَ عِيسَى عَلَى هَذَا وَلَا هَذَا الْعُودَ، فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي، مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ» ) وَالسُّيُومُ: الْآمِنُونَ فِي لِسَانِهِمْ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّسُولَيْنِ: لَوْ أَعْطَيْتُمُونِي دَبَرًا مِنْ ذَهَبٍ، يَقُولُ: جَبَلًا مِنْ ذَهَبٍ، مَا أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْكُمَا، ثُمَّ أَمَرَ فَرُدَّتْ عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، وَرَجَعَا مَقْبُوحَيْنِ.
[فَصْلٌ مُقَاطَعَةُ قُرَيْشٍ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ]
فَصْلٌ
ثُمَّ أَسْلَمَ حمزة عَمُّهُ وَجَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ، وَفَشَا الْإِسْلَامُ فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَمْرَ
стр. 933
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْلُو وَالْأُمُورُ تَتَزَايَدُ، أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَتَعَاقَدُوا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ، وَلَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُكَلِّمُوهُمْ، وَلَا يُجَالِسُوهُمْ، حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَعَلَّقُوهَا فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ يُقَالُ: كَتَبَهَا: منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم، وَيُقَالُ: النضر بن الحارث، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ بغيض بن عامر بن هاشم، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَشُلَّتْ يَدُهُ، فَانْحَازَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ إِلَّا أبا لهب، فَإِنَّهُ ظَاهَرَ قُرَيْشًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ فِي الشِّعْبِ شِعْبِ أبي طالب لَيْلَةَ هِلَالِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْبَعْثَةِ، وَعُلِّقَتِ الصَّحِيفَةُ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَبَقُوا مَحْبُوسِينَ وَمَحْصُورِينَ مُضَيَّقًا عَلَيْهِمْ جِدًّا مَقْطُوعًا عَنْهُمُ الْمِيرَةُ وَالْمَادَّةُ نَحْوَ ثَلَاثِ سِنِينَ، حَتَّى بَلَغَهُمُ الْجَهْدُ وَسُمِعَ أَصْوَاتُ صِبْيَانِهِمْ بِالْبُكَاءِ مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ، وَهُنَاكَ عَمِلَ أبو طالب قَصِيدَتَهُ اللَّامِيَّةَ الْمَشْهُورَةَ، أَوَّلُهَا:
جَزَى اللَّهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا ... عُقُوبَةَ شَرٍّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلِ
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ رَاضٍ وَكَارِهٍ، فَسَعَى فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ مَنْ كَانَ كَارِهًا لَهَا، وَكَانَ الْقَائِمُ بِذَلِكَ هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك، مَشَى فِي ذَلِكَ إِلَى المطعم بن عدي وَجَمَاعَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى أَمْرِ صَحِيفَتِهِمْ، وَأَنَّهُ أَرْسَلَ عَلَيْهَا الْأَرَضَةَ فَأَكَلَتْ جَمِيعَ مَا فِيهَا مِنْ جَوْرٍ وَقَطِيعَةٍ وَظُلْمٍ إِلَّا ذِكْرَ اللَّهَ ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَمَّهُ، فَخَرَجَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ ابْنَ أَخِيهِ قَدْ قَالَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا خَلَّيْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا رَجَعْتُمْ عَنْ قَطِيعَتِنَا وَظُلِمْنَا، قَالُوا: قَدْ أَنْصَفْتَ، فَأَنْزَلُوا الصَّحِيفَةَ، فَلَمَّا رَأَوُا الْأَمْرَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ازْدَادُوا كُفْرًا إِلَى
стр. 934
كُفْرِهِمْ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الشِّعْبِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: بَعْدَ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ مِنَ الْمَبْعَثِ، وَمَاتَ أبو طالب بَعْدَ ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَمَاتَتْ خديجة بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ في مَوْتَ أَبِي طَالِبٍ وَمَوْتَ خَدِيجَةَ والْخُرُوجُ إِلَى الطَّائِفِ]
فَصْلٌ
فَلَمَّا نُقِضَتِ الصَّحِيفَةُ وَافَقَ مَوْتَ أَبِي طَالِبٍ وَمَوْتَ خَدِيجَةَ، وَبَيْنَهُمَا يَسِيرٌ، فَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ، وَتَجَرّءُوا عَلَيْهِ فَكَاشَفُوهُ بِالْأَذَى، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ رَجَاءَ أَنْ يُؤْوُوهُ وَيَنْصُرُوهُ عَلَى قَوْمِهِ وَيَمْنَعُوهُ مِنْهُمْ، وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَلَمْ يَرَ مَنْ يُؤْوِي، وَلَمْ يَرَ نَاصِرًا، وَآذَوْهُ مَعَ ذَلِكَ أَشَدَّ الْأَذَى، وَنَالُوا مِنْهُ مَا لَمْ يَنَلْهُ قَوْمُهُ، وَكَانَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ، فَأَقَامَ بَيْنَهُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَا يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِلَّا جَاءَهُ وَكَلَّمَهُ، فَقَالُوا: اخْرُجْ مِنْ بَلَدِنَا، وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ، فَوَقَفُوا لَهُ سِمَاطَيْنِ، وَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَقِيهِ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَصَابَهُ شِجَاجٌ فِي رَأْسِهِ، فَانْصَرَفَ رَاجِعًا مِنَ الطَّائِفِ إِلَى مَكَّةَ مَحْزُونًا، وَفِي مَرْجِعِهِ ذَلِكَ دَعَا بِالدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ دُعَاءِ الطَّائِفِ: ( «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أَوْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُكَ أَوْ أَنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.
стр. 935
فَأَرْسَلَ رَبُّهُ ﵎ إِلَيْهِ مَلَكَ الْجِبَالِ يَسْتَأْمِرُهُ أَنْ يُطْبِقَ الْأَخْشَبَيْنِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَهُمَا جَبَلَاهَا اللَّذَانِ هِيَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: لَا، بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» ) .
فَلَمَّا نَزَلَ بِنَخْلَةَ مَرْجِعَهُ، قَامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَصُرِفَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَاسْتَمَعُوا قِرَاءَتَهُ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ - قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ - يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] [الْأَحْقَافِ: ٢٩ - ٣٢] .
стр. 936
( «وَأَقَامَ بِنَخْلَةَ أَيَّامًا، فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: كَيْفَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ أَخْرَجُوكَ؟ يَعْنِي قُرَيْشًا، فَقَالَ يَا زيد: إِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرٌ دِينَهُ وَمُظْهِرٌ نَبِيَّهُ» ) .
ثُمَّ انْتَهَى إِلَى مَكَّةَ فَأَرْسَلَ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ إِلَى مطعم بن عدي: أَدْخُلُ فِي جِوَارِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَدَعَا بَنِيهِ وَقَوْمَهُ فَقَالَ: الْبِسُوا السِّلَاحَ، وَكُونُوا عِنْدَ أَرْكَانِ الْبَيْتِ فَإِنِّي قَدْ أَجَرْتُ مُحَمَّدًا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحِرَامِ، فَقَامَ المطعم بن عدي عَلَى رَاحِلَتِهِ فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ مُحَمَّدًا، فَلَا يَهِجْهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَانْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَانْصَرَفَ إِلَى بَيْتِهِ، والمطعم بن عدي وَوَلَدُهُ مُحْدِقُونَ بِهِ بِالسِّلَاحِ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ.
[فَصْلٌ في الْإِسْرَاءُ وَالْمِعْرَاجُ]
فَصْلٌ
ثُمَّ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِجَسَدِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، رَاكِبًا عَلَى الْبُرَاقِ، صُحْبَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَنَزَلَ
стр. 937
هُنَاكَ، وَصَلَّى بِالْأَنْبِيَاءِ إِمَامًا، وَرَبَطَ الْبُرَاقَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْمَسْجِدِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ نَزَلَ بِبَيْتِ لَحْمٍ وَصَلَّى فِيهِ، وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُ الْبَتَّةَ.
«ثُمَّ عُرِجَ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ لَهُ جِبْرِيلُ فَفُتِحَ لَهُ، فَرَأَى هُنَالِكَ آدَمَ أَبَا الْبَشَرِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ﵇، وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، وَأَرَاهُ اللَّهُ أَرْوَاحَ السُّعَدَاءِ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَرْوَاحَ الْأَشْقِيَاءِ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ لَهُ، فَرَأَى فِيهَا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَلَقِيَهُمَا وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا، فَرَدَّا عَلَيْهِ وَرَحَّبَا بِهِ، وَأَقَرَّا بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَرَأَى فِيهَا يُوسُفَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَرَأَى فِيهَا إِدْرِيسَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَرَحَّبَ بِهِ وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَرَأَى فِيهَا هَارُونَ بْنَ عِمْرَانَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَلَقِيَ فِيهَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، فَلَمَّا جَاوَزَهُ بَكَى مُوسَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ مِنْ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَلَقِيَ فِيهَا إِبْرَاهِيمَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَرَحَّبَ بِهِ وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ رُفِعَ لَهُ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ ﷻ ، فَدَنَا مِنْهُ حَتَّى كَانَ
стр. 938
﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٩] ، وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً. فَرَجَعَ حَتَّى مَرَّ عَلَى مُوسَى فَقَالَ لَهُ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قَالَ: بِخَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَالْتَفَتَ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَعَلَا بِهِ جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى بِهِ الْجَبَّارَ ﵎، وَهُوَ فِي مَكَانِهِ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ أَنْزَلَ حَتَى مَرَّ بِمُوسَى فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسَى وَبَيْنَ اللَّهِ حَتَى جَعَلَهَا خَمْسًا، فَأَمَرَهُ مُوسَى بِالرُّجُوعِ وَسُؤَالِ التَّخْفِيفِ، فَقَالَ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، فَلَمَّا بَعُدَ نَادَى مُنَادٍ: قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» .
стр. 939
وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ: هَلْ رَأَى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَمْ لَا؟ فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (رَآهُ بِفُؤَادِهِ) .
وَصَحَّ عَنْ عائشة وَابْنِ مَسْعُودٍ إِنْكَارُ ذَلِكَ، وَقَالَا: إِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٣] [النَّجْمِ: ١٣] إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ.
وَصَحَّ عَنْ ( «أبي ذر أَنَّهُ سَأَلَهُ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» ) ، أَيْ: حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ رُؤْيَتِهِ النُّورُ، كَمَا قَالَ فِي لَفْظٍ آخَرَ: (رَأَيْتُ نُورًا) .
وَقَدْ حَكَى عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ اتّفَاقَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن تيمية قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: وَلَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: " إِنَّهُ رَآهُ " مُنَاقِضًا لِهَذَا، وَلَا قَوْلُهُ: (رَآهُ بِفُؤَادِهِ) ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «رَأَيْتُ رَبِّي ﵎» " وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي الْإِسْرَاءِ، وَلَكِنْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ
стр. 940
لَمَّا احْتُبِسَ عَنْهُمْ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ ﵎ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي مَنَامِهِ، وَعَلَى هَذَا بَنَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ وَلَا بُدَّ، وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ يَقَظَةً، وَمَنْ حَكَى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ وَهِمَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ قَالَ مَرَّةً: رَآهُ، وَمَرَّةً قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، فَحُكِيَتْ عَنْهُ رِوَايَتَانِ، وَحُكِيَتْ عَنْهُ الثَّالِثَةُ مِنْ تَصَرُّفِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ: أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وَهَذِهِ نُصُوصُ أحمد مَوْجُودَةٌ، لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ اسْتِنَادُهُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] [النِّجْمِ: ١١] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] [النَّجْمِ: ١٣] وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّ هَذَا الْمَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا هُوَ مُسْتَنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي قَوْلِهِ: (رَآهُ بِفُؤَادِهِ) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] [النَّجْمِ: ٨] فَهُوَ غَيْرُ الدُّنُوِّ وَالتَّدَلِّي فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ، فَإِنَّ الَّذِي فِي (سُورَةِ النَّجْمِ) هُوَ دُنُوُّ جِبْرِيلَ وَتَدَلِّيهِ، كَمَا قَالَتْ عائشة وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] [النَّجْمِ: ٥] وَهُوَ جِبْرِيلُ: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى - وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى - ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٦ - ٨] [النَّجْمِ: ٦ - ٨] فَالضَّمَائِرُ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى هَذَا الْمُعَلِّمِ الشَّدِيدِ الْقُوَى، وَهُوَ ذُو الْمِرَّةِ، أَيْ: الْقُوَّةُ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَوَى بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، وَهُوَ الَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَمَّا الدُّنُوُّ وَالتَّدَلِّي الَّذِي فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ دُنُوُّ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَدَلِّيهِ، وَلَا تَعَرُّضَ فِي (سُورَةِ النَّجْمِ) لِذَلِكَ، بَلْ فِيهَا أَنَّهُ رَآهُ نَزْلَةً
стр. 941
أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهَذَا هُوَ جِبْرِيلُ، رَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلَى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً فِي الْأَرْضِ، وَمَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ في إِخْبَارُهُ ﷺ لِقُرَيْشٍ بِالْإِسْرَاءِ]
فَصْلٌ
فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْمِهِ أَخْبَرَهُمْ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ الْكُبْرَى، فَاشْتَدَّ تَكْذِيبُهُمْ لَهُ، وَأَذَاهُمْ وَضَرَاوَتُهُمْ عَلَيْهِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَجَلَّاهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى عَايَنَهُ، فَطَفِقَ يُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ شَيْئًا.
وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ عِيرِهِمْ فِي مَسْرَاهُ وَرُجُوعِهِ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ وَقْتِ قُدُومِهَا، وَأَخْبَرَهُمْ عَنِ الْبَعِيرِ الَّذِي يَقْدُمُهَا، وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ
стр. 942
إِلَّا نُفُورًا، وَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا.
[فِصَلٌ في الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ قَالَ كَانَ الْإِسْرَاءُ بِالرُّوحِ وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا]
فِصَلٌ
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عائشة ومعاوية أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّمَا كَانَ الْإِسْرَاءُ بِرُوحِهِ، وَلَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ عَظِيمٌ، وعائشة ومعاوية لَمْ يَقُولَا: كَانَ مَنَامًا، وَإِنَّمَا قَالَا: أُسْرِيَ بِرُوحِهِ، وَلَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ قَدْ يَكُونُ أَمْثَالًا مَضْرُوبَةً لِلْمَعْلُومِ فِي الصُّوَرِ الْمَحْسُوسَةِ، فَيَرَى كَأَنَّهُ قَدْ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ ذُهِبَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ وَأَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَرُوحُهُ لَمْ تَصْعَدْ وَلَمْ تَذْهَبْ، وَإِنَّمَا مَلَكُ الرُّؤْيَا ضَرَبَ لَهُ الْمِثَالَ، وَالَّذِينَ قَالُوا: عُرِجَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَائِفَتَانِ: طَائِفَةٌ قَالَتْ: عُرِجَ بِرُوحِهِ وَبَدَنِهِ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: عُرِجَ بِرُوحِهِ وَلَمْ يَفْقِدْ بَدَنَهُ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُرِيدُوا أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ مَنَامًا، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّ الرُّوحَ ذَاتَهَا أُسْرِيَ بِهَا وَعُرِجَ بِهَا حَقِيقَةً، وَبَاشَرَتْ مِنْ جِنْسِ مَا تُبَاشِرُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ، وَكَانَ حَالُهَا فِي ذَلِكَ كَحَالِهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ فِي صُعُودِهَا إِلَى السَّمَاوَاتِ سَمَاءً سَمَاءً حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَتَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، فَيَأْمُرُ فِيهَا بِمَا يَشَاءُ، ثُمَّ تَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ، وَالَّذِي كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَكْمَلُ مِمَّا يَحْصُلُ لِلرُّوحِ عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ فَوْقَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَقَامِ خَرْقِ الْعَوَائِدِ حَتَّى شُقَّ بَطْنُهُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَتَأَلَّمُ بِذَلِكَ عُرِجَ بِذَاتِ رُوحِهِ الْمُقَدَّسَةِ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ إِمَاتَةٍ، وَمَنْ سِوَاهُ لَا يَنَالُ بِذَاتِ رُوحِهِ الصُّعُودَ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمُفَارَقَةِ، فَالْأَنْبِيَاءُ إِنَّمَا اسْتَقَرَّتْ أَرْوَاحُهُمْ هُنَاكَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ
стр. 943
الْأَبْدَانِ، وَرُوحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَعِدَتْ إِلَى هُنَاكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ثُمَّ عَادَتْ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى مَعَ أَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمَعَ هَذَا فَلَهَا إِشْرَافٌ عَلَى الْبَدَنِ وَإِشْرَاقٌ وَتَعَلُّقٌ بِهِ، بِحَيْثُ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا التَّعَلُّقِ رَأَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، وَرَآهُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَجْ بِمُوسَى مِنْ قَبْرِهِ، ثُمَّ رُدَّ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَقَامُ رُوحِهِ وَاسْتِقْرَارِهَا، وَقَبْرُهُ مَقَامُ بَدَنِهِ وَاسْتِقْرَارُهُ إِلَى يَوْمِ مَعَادِ الْأَرْوَاحِ إِلَى أَجْسَادِهَا، فَرَآهُ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، وَرَآهُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، كَمَا أَنَّهُ ﷺ فِي أَرْفَعِ مَكَانٍ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى مُسْتَقَرًّا هُنَاكَ، وَبَدَنُهُ فِي ضَرِيحِهِ غَيْرُ مَفْقُودٍ، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ الْمُسَلِّمُ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ ﵇، وَلَمْ يُفَارِقِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، وَمَنْ كَثُفَ إِدْرَاكُهُ وَغَلُظَتْ طِبَاعُهُ عَنْ إِدْرَاكِ هَذَا فَلْيُنْظَرْ إِلَى الشَّمْسِ فِي عُلُوِّ مَحِلِّهَا، وَتَعَلُّقِهَا وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَرْضِ، وَحَيَاةِ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ بِهَا، هَذَا وَشَأْنُ الرُّوحِ فَوْقَ هَذَا فَلَهَا شَأْنٌ، وَلِلْأَبْدَانِ شَأْنٌ، وَهَذِهِ النَّارُ تَكُونُ فِي مَحِلِّهَا وَحَرَارَتُهَا تُؤَثِّرُ فِي الْجِسْمِ الْبَعِيدِ عَنْهَا، مَعَ أَنَّ الِارْتِبَاطَ وَالتَّعَلُّقَ الَّذِي بَيْنَ الرُّوحِ وَالْبَدَنِ أَقْوَى وَأَكْمَلُ مِنْ ذَلِكَ وَأَتَمُّ، فَشَأْنُ الرُّوحِ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ وَأَلْطَفُ.
فَقُلْ لِلْعُيُونِ الرُّمْدِ إِيَّاكِ أَنْ تَرَيْ ... سَنَا الشَّمْسِ فَاسْتَغْشِي ظَلَامَ اللَّيَالِيَا
فَصْلٌ
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: «عُرِجَ بِرُوحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِلَى السَّمَاءِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَنَةٍ» . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ: كَانَ بَيْنَ الْإِسْرَاءِ وَالْهِجْرَةِ سَنَةٌ وَشَهْرَانِ انْتَهَى.
وَكَانَ الْإِسْرَاءُ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَقِيلَ: مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً يَقَظَةً، وَمَرَّةً مَنَامًا، وَأَرْبَابُ
стр. 944
هَذَا الْقَوْلِ كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ حَدِيثِ شريك، وَقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ، وَبَيْنَ سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ كَانَ هَذَا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً قَبْلَ الْوَحْيِ؛ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ شريك: " وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ "، وَمَرَّةً بَعْدَ الْوَحْيِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ. مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ: مَرَّةً قَبْلَ الْوَحْيِ، وَمَرَّتَيْنِ بَعْدَهُ، وَكُلُّ هَذَا خَبْطٌ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ضُعَفَاءِ الظَّاهِرِيَّةِ مِنْ أَرْبَابِ النَّقْلِ الَّذِينَ إِذَا رَأَوْا فِي الْقِصَّةِ لَفْظَةً تُخَالِفُ سِيَاقَ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ جَعَلُوهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَكُلَّمَا اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الرِّوَايَاتُ عَدَّدُوا الْوَقَائِعَ، وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّقْلِ أَنَّ الْإِسْرَاءِ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً بِمَكَّةَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ.
وَيَا عَجَبًا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ مِرَارًا، كَيْفَ سَاغَ لَهُمْ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تُفْرَضُ عَلَيْهِ الصّلَاةُ خَمْسِينَ، ثُمَّ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ رَبِّهِ وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى تَصِيرَ خَمْسًا، ثُمَّ يَقُولُ: " «أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» "، ثُمَّ يُعِيدُهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ إِلَى خَمْسِينَ، ثُمَّ يَحُطُّهَا عَشْرًا عَشْرًا، وَقَدْ غَلَّطَ الْحُفُّاظُ شريكا فِي أَلْفَاظٍ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، ومسلم أَوْرَدَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ وَزَادَ وَنَقَصَ، وَلَمْ يَسْرُدِ الْحَدِيثَ، فَأَجَادَ ﵀.
[فَصْلٌ في دَعْوَتُهُ ﷺ الْقَبَائِلَ]
فَصْلٌ
فِي مَبْدَأِ الْهِجْرَةِ الَّتِي فَرَّقَ اللَّهُ فِيهَا بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، وَجَعَلَهَا مَبْدَأً لِإِعْزَازِ دِينِهِ، وَنَصْرِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ:
стр. 945
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي محمد بن صالح عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ويزيد بن رومان وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ أَوِّلِ نُبُوَّتِهِ مُسْتَخْفِيًا، ثُمَّ أَعْلَنَ فِي الرَّابِعَةِ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَشْرَ سِنِينَ، يُوَافِي الْمَوْسِمَ كُلَّ عَامٍ، يَتَّبِعُ الْحَاجَّ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِعُكَاظٍ، وَمَجَنَّةَ، وَذِي الْمَجَازِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلَا يُجِيبُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْأَلُ عَنِ الْقَبَائِلِ وَمَنَازِلِهَا قَبِيلَةً قَبِيلَةً، وَيَقُولُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَا اللَّهُ تُفْلِحُوا، وَتَمْلِكُوا بِهَا الْعَرَبَ، وَتَذِلُّ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ، فَإِذَا آمَنْتُمْ، كُنْتُمْ مُلُوكًا فِي الْجَنَّةِ " وأبو لهب وَرَاءَهُ يَقُولُ: لَا تُطِيعُوهُ، فَإِنَّهُ صَابِئٌ كَذَّابٌ، فَيَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقْبَحَ الرَّدِّ وَيُؤْذُونَهُ، وَيَقُولُونَ: أُسْرَتُكَ وَعَشِيرَتُكَ أَعْلَمُ بِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هَكَذَا، قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ يُسَمَّى لَنَا مِنَ الْقَبَائِلِ الَّذِينَ أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَعَاهُمْ وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ: بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَمُحَارِبُ بْنُ حَصَفَةَ، وَفَزَارَةُ، وَغَسَّانُ، وَمُرَّةُ، وَحَنِيفَةُ، وَسُلَيْمٌ، وَعَبْسٌ، وَبَنُو النَّضْرِ، وَبَنُو الْبَكَّاءِ، وَكِنْدَةُ، وَكَلْبٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ، وَعُذْرَةُ، وَالْحَضَارِمَةُ، فَلَمْ يَسْتَجِبْ مِنْهُمْ أَحَدٌ» ) .
[فَصْلٌ في لُقْيَاهُ ﷺ لِمَنْ قَدِمَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ]
فَصْلٌ
( «وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ حُلَفَائِهِمْ
стр. 946
مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَبْعُوثٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ سَيَخْرُجُ فَنَتَّبِعُهُ وَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمٍ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّهُ دُونَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا رَأَى الْأَنْصَارُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى اللَّهِ ، وَتَأَمَّلُوا أَحْوَالَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ يَا قَوْمِ أَنَّ هَذَا الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ. وَكَانَ سويد بن الصامت مِنَ الْأَوْسِ قَدْ قَدِمَ مَكَّةَ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُبْعِدْ وَلَمْ يُجِبْ حَتَّى قَدِمَ أنس بن رافع أبو الحيسر فِي فِتْيَةٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَطْلُبُونَ الْحِلْفَ، فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ إياس بن معاذ وَكَانَ شَابًّا حَدَثًا: يَا قَوْمِ، هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْنَا لَهُ، فَضَرَبَهُ أبو الحيسر وَانْتَهَرَهُ، فَسَكَتَ ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ لَهُمُ الْحِلْفُ، فَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ» ) .
[فَصْلٌ في لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ الْخَزْرَجِ]
فَصْلٌ
( «ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ فِي الْمَوْسِمِ سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كُلُّهُمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وجابر بن عبد الله بن رئاب، فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا» ) .
ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَفَشَا الْإِسْلَامُ فِيهَا حَتَى لَمْ يَبْقَ دَارٌ إِلَّا وَقَدْ دَخَلَهَا الْإِسْلَامُ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، جَاءَ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، السِّتَّةُ الْأُوَلُ خَلَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَعَهُمْ معاذ بن الحارث بن رفاعة أَخُو عوف الْمُتَقَدِّمِ، وذكوان بن عبد القيس، وَقَدْ أَقَامَ ذكوان بِمَكَّةَ حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، ويزيد بن ثعلبة، وَأَبُو
стр. 947
الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وعويمر بن مالك هُمُ اثْنَا عَشَرَ.
وَقَالَ أبو الزبير: عَنْ جابر ( «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَتَّبِعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْمَوَاسِمِ، وَمَجَنَّةَ، وَعُكَاظٍ، يَقُولُ: مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي؟ حَتَى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلَا يُؤْوِيهِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْحَلُ مِنْ مُضَرَ أَوِ الْيَمَنِ إِلَى ذِي رَحِمِهِ، فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ لَهُ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنْكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَيَأْتِيهِ الرُّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، وَبَعَثَنَا اللَّهُ إِلَيْهِ، فَائْتَمَرْنَا وَاجْتَمَعْنَا وَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُطَرَّدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ، فَرَحَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ، فَوَاعَدَنَا بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ، فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ العباس: يَا ابْنَ أَخِي مَا أَدْرِي مَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ جَاءُوكَ، إِنِّي ذُو مَعْرِفَةٍ بِأَهْلِ يَثْرِبَ، فَاجْتَمَعْنَا عَنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ، فَلَمَّا نَظَرَ العباس فِي وُجُوهِنَا قَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا نَعْرِفُهُمْ، هَؤُلَاءِ أَحْدَاثٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: " تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا تَأْخُذْكُمْ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ، فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ فَخُذُوهُ، وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ، فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالُوا: يَا أسعد أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ، وَلَا نَسْتَقِيلُهَا، فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا،
стр. 948
فَأَخَذَ عَلَيْنَا وَشَرَطَ، يُعْطِينَا بِذَلِكَ الْجَنَّةَ» ) .
ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَمُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ يُعَلِّمَانِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْقُرْآنَ، وَيَدْعُوَانِ إِلَى اللَّهِ ، فَنَزَلَا عَلَى أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، وَكَانَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يَؤُمُّهُمْ، (وَجَمَعَ بِهِمْ لَمَّا بَلَغُوا أَرْبَعِينَ) ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِمَا بَشَرٌ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ: أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِمَا يَوْمَئِذٍ جَمِيعُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، إِلَّا أصيرم عمرو بن ثابت بن وقش فَإِنَّهُ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى يَوْمِ أُحُدٍ، وَأَسْلَمَ حِينَئِذٍ وَقَاتَلَ فَقُتِلَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً، فَأُخْبِرَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ( «عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا» ) .
стр. 949
وَكَثُرَ الْإِسْلَامُ بِالْمَدِينَةِ وَظَهَرَ، ثُمَّ رَجَعَ مصعب إِلَى مَكَّةَ، وَوَافَى الْمَوْسِمَ ذَلِكَ الْعَامَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَزَعِيمُ الْقَوْمِ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْعَقَبَةِ الثُّلُثَ الْأَوَّلَ مِنَ اللَّيْلِ تَسَلَّلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ، فَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خِفْيَةً مِنْ قَوْمِهِمْ وَمِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ، عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَأُزُرَهُمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ لَيْلَتَئِذٍ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، وَكَانَتْ لَهُ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ، إِذْ أَكَّدَ الْعَقْدَ وَبَادَرَ إِلَيْهِ، وَحَضَرَ العباس عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَكِّدًا لِبَيْعَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، وَاخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، وَهُمْ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، ورافع بن مالك، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، وَكَانَ إِسْلَامُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، والمنذر بن عمرو، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَهَؤُلَاءِ تِسْعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَوْسِ: أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، ورفاعة بن عبد المنذر. وَقِيلَ: بَلْ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التّيِّهَانِ مَكَانَهُ.
وَأَمَّا الْمَرْأَتَانِ: فأم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو، وَهِيَ الَّتِي قَتَلَ مسيلمة ابْنَهَا حبيب بن زيد، وأسماء بنت عمرو بن عدي.
فَلَمَّا تَمَّتْ هَذِهِ الْبَيْعَةُ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَمِيلُوا عَلَى أَهْلِ الْعَقَبَةِ بِأَسْيَافِهِمْ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَصَرَخَ الشَّيْطَانُ عَلَى الْعَقَبَةِ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ سُمِعَ: يَا أَهْلَ الْجَبَاجِبِ هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى
стр. 950
حَرْبِكُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ، هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ، أَمَا وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ» ) .
ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَنْفَضُّوا إِلَى رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الْقَوْمُ غَدَتْ عَلَيْهِمْ جِلَّةُ قُرَيْشٍ وَأَشْرَافُهُمْ حَتَّى دَخَلُوا شِعْبَ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، إِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ لَقِيتُمْ صَاحِبَنَا الْبَارِحَةَ وَوَاعَدْتُمُوهُ أَنْ تُبَايِعُوهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَايْمُ اللَّهِ، مَا حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ أَبْغَضَ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ يَنْشَبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ الْحَرْبُ مِنْكُمْ، فَانْبَعَثَ مَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنَ الْخَزْرَجِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، يَحْلِفُونَ لَهُمْ بِاللَّهِ: مَا كَانَ هَذَا وَمَا عَلِمْنَا، وَجَعَلَ عبد الله بن أبي بن سلول يَقُولُ: هَذَا بَاطِلٌ، وَمَا كَانَ هَذَا، وَمَا كَانَ قَوْمِي لِيَفْتَاتُوا عَلَيَّ مِثْلَ هَذَا، لَوْ كُنْتُ بِيَثْرِبَ مَا صَنَعَ قَوْمِي هَذَا حَتَّى يُؤَامِرُونِي، فَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَرَحَلَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، فَتَقَدَّمَ إِلَى بَطْنِ يَأْجَجَ، وَتَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَطَلَّبَتْهُمْ قُرَيْشٌ، فَأَدْرَكُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ بِنِسْعِ رَحْلِهِ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ وَيَجُرُّونَهُ وَيَجْذِبُونَهُ بِجُمَّتِهِ حَتَّى أَدْخَلُوهُ مَكَّةَ، فَجَاءَ مطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فَخَلَّصَاهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَتَشَاوَرَتِ الْأَنْصَارُ حِينَ فَقَدُوهُ أَنْ يَكِرُّوا إِلَيْهِ، فَإِذَا سعد قَدْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ، فَوَصَلَ الْقَوْمُ جَمِيعًا إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَادَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَامْرَأَتُهُ أم
следующие страницы →