← Сира

Сира · id 21713

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Полный текст (2 628 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قُرَادَهُ عَنْهُ. وَقِيلَ: هُوَ دُعَاءٌ لَهُ بِثَبَاتِهِ عَلَى قَوَائِمِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّوَامِتِ وَهِيَ الْقَوَائِمُ. وَقِيلَ: هُوَ تَشْمِيتٌ لَهُ بِالشَّيْطَانِ، لِإِغَاظَتِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْعُطَاسِ، وَمَا حَصَلَ لَهُ بِهِ مِنْ مَحَابِّ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ، فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللَّهَ وَحَمِدَهُ، سَاءَ ذَلِكَ الشَّيْطَانَ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: نَفْسُ الْعُطَاسِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَحَمْدُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَدُعَاءُ الْمُسْلِمِينَ لَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَدُعَاؤُهُ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ، وَإِصْلَاحُ الْبَالِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ غَائِظٌ لِلشَّيْطَانِ، مُحْزِنٌ لَهُ، فَتَشْمِيتُ الْمُؤْمِنِ بِغَيْظِ عَدُوِّهِ وَحُزْنِهِ وَكَآبَتِهِ، فَسُمِّيَ الدُّعَاءُ لَهُ بِالرَّحْمَةِ تَشْمِيتًا لَهُ، لِمَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ شَمَاتَتِهِ بِعَدُوِّهِ، وَهَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ إِذَا تَنَبَّهَ لَهُ الْعَاطِسُ وَالْمُشَمِّتُ انْتَفَعَا بِهِ وَعَظُمَتْ عِنْدَهُمَا مَنْفَعَةُ نِعْمَةِ الْعُطَاسِ فِي الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ، وَتَبَيَّنَ السِّرُّ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ الَّذِي هُوَ أَهْلُهُ كَمَا يَنْبَغِي لِكَرِيمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ. [فَصْلٌ آدَابُ الْعُطَاسِ] فَصْلٌ وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِي الْعُطَاسِ مَا ذَكَرَهُ أبو داود، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ أَوْ غَضَّ بَهْ صَوْتَهُ» ) قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَيُذْكَرُ عَنْهُ ﷺ : ( «إِنَّ التَّثَاؤُبَ الشَّدِيدَ، وَالْعَطْسَةَ الشَّدِيدَةَ مِنَ الشَّيْطَانِ» ) وَيُذْكَرُ عَنْهُ ( «إِنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالتَّثَاؤُبِ وَالْعُطَاسِ» ) .

стр. 877

وَصَحَّ عَنْهُ: ( «إِنَّهُ عَطَسَ عِنْدَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: " يَرْحَمُكَ اللَّهُ ". ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى، فَقَالَ: الرَّجُلُ مَزْكُومٌ» ) . هَذَا لَفْظُ مسلم أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا الترمذي: فَقَالَ فِيهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: ( «عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا شَاهِدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " يَرْحَمُكَ اللَّهُ "، ثُمَّ عَطَسَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ» ) . قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَى أبو داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا، فَمَا زَادَ، فَهُوَ زُكَامٌ) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ سعيد، قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنَّهُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَاهُ. قَالَ أبو داود: رَوَاهُ أبو نعيم، عَنْ موسى بن قيس، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سعيد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى. وموسى بن قيس هَذَا الَّذِي رَفَعَهُ هُوَ الحضرمي الكوفي يعرف بعصفور الجنة. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: ثِقَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَذَكَرَ أبو داود، عَنْ عبيد بن رفاعة الزرقي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «تُشَمِّتُ الْعَاطِسَ ثَلَاثًا، فَإِنْ شِئْتَ فَشَمِّتْهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَكُفَّ» ) ، وَلَكِنْ لَهُ عِلَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا: إِرْسَالُهُ فَإِنَّ عبيدا هَذَا لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ فِيهِ أبا خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ.

стр. 878

وَفِي الْبَابِ حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ ( «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشَمِّتْهُ جَلِيسُهُ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَهُوَ مَزْكُومٌ، وَلَا تُشَمِّتْهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ» ) وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ حَدِيثُ أبي داود الَّذِي قَالَ فِيهِ: رَوَاهُ أبو نعيم، عَنْ موسى بن قيس، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سعيد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ بَهْ زُكَامٌ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُدْعَى لَهُ مِمَّنْ لَا عِلَّةَ بِهِ؟ قِيلَ: يُدْعَى لَهُ كَمَا يُدْعَى لِلْمَرِيضِ، وَمَنْ بِهِ دَاءٌ وَوَجَعٌ. وَأَمَّا سُنَّةُ الْعُطَاسِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَهُوَ نِعْمَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَى خِفَّةِ الْبَدَنِ، وَخُرُوجِ الْأَبْخِرَةِ الْمُحْتَقِنَةِ، فَإِنَّمَا يَكُونُ إِلَى تَمَامِ الثَّلَاثِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا يُدْعَى لِصَاحِبِهِ بِالْعَافِيَةِ. وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: (الرَّجُلُ مَزْكُومٌ) تَنْبِيهٌ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُ بِالْعَافِيَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكْمَةَ عِلَّةٌ، وَفِيهِ اعْتِذَارٌ مِنْ تَرْكِ تَشْمِيتِهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ لِيَتَدَارَكَهَا وَلَا يُهْمِلَهَا، فَيَصْعُبُ أَمْرُهَا، فَكَلَامُهُ ﷺ كُلُّهُ حِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ، وَعِلْمٌ وَهُدًى. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْعَاطِسَ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ فَسَمِعَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ دُونَ بَعْضٍ، هَلْ يُسَنُّ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ تَشْمِيتُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُشَمِّتُهُ إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ سَمَاعَ الْمُشَمِّتِ لِلْحَمْدِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ نَفْسُ حَمْدِهِ، فَمَتَى تَحَقَّقَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ التَّشْمِيتُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشَمِّتُ أَخْرَسَ وَرَأَى حَرَكَةَ شَفَتَيْهِ بِالْحَمْدِ. ( «وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: فَإِنْ حَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ» ) هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. الثَّانِيَةُ: إِذَا تَرَكَ الْحَمْدَ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَهُ أَنْ يُذَكِّرَهُ الْحَمْدَ؟ قَالَ ابن العربي: لَا يُذَكِّرُهُ، قَالَ: وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ. وَقَالَ النووي: أَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ

стр. 879

ذَلِكَ، بَلْ يُذَكِّرُهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. قَالَ: وَهُوَ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَظَاهِرُ السُّنَّةِ يُقَوِّي قَوْلَ ابن العربي لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُشَمِّتِ الَّذِي عَطَسَ، وَلَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ، وَلَمْ يُذَكِّرْهُ وَهَذَا تَعْزِيرٌ لَهُ وَحِرْمَانٌ لِبَرَكَةِ الدُّعَاءِ لَمَّا حَرَمَ نَفْسَهُ بَرَكَةَ الْحَمْدِ، فَنَسِيَ اللَّهَ، فَصَرَفَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْسِنَتَهُمْ عَنْ تَشْمِيتِهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ، وَلَوْ كَانَ تَذْكِيرُهُ سُنَّةً، لَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْلَى بِفِعْلِهَا وَتَعْلِيمِهَا، وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهَا. فَصْلٌ وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ ( «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَهُ، يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَكَانَ يَقُولُ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» ) [أنواع أخرى من الأذكار] [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي أَذْكَارِ السَّفَرِ وَآدَابِهِ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي أَذْكَارِ السَّفَرِ وَآدَابِهِ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي، وَعَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، وَبَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُهُ شَرًّا لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي، وَعَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ،

стр. 880

ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ " قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» ) ، قَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَعَوَّضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ، عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ زَجْرِ الطَّيْرِ وَالِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ الَّذِي نَظِيرُهُ هَذِهِ الْقُرْعَةُ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا إِخْوَانُ الْمُشْرِكِينَ، يَطْلُبُونَ بِهَا عِلْمَ مَا قُسِمَ لَهُمْ فِي الْغَيْبِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ ذَلِكَ اسْتِقْسَامًا، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْقَسْمِ، وَالسِّينُ فِيهِ لِلطَّلَبِ وَعَوَّضَهُمْ بِهَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ تَوْحِيدٌ وَافْتِقَارٌ، وَعُبُودِيَّةٌ، وَتَوَكُّلٌ، وَسُؤَالٌ لِمَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ الَّذِي لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَصْرِفُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا هُوَ الَّذِي إِذَا فَتَحَ لِعَبْدِهِ رَحْمَةً لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ حَبْسَهَا عَنْهُ، وَإِذَا أَمْسَكَهَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ إِرْسَالَهَا إِلَيْهِ مِنَ التَّطَيُّرِ وَالتَّنْجِيمِ وَاخْتِيَارِ الطَّالِعِ وَنَحْوِهِ. فَهَذَا الدُّعَاءُ، هُوَ الطَّالِعُ الْمَيْمُونُ السَّعِيدُ، طَالِعُ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالتَّوْفِيقِ، الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى، لَا طَالِعُ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالشَّقَاءِ وَالْخِذْلَانِ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. فَتَضَمَّنَ هَذَا الدُّعَاءُ الْإِقْرَارَ بِوُجُودِهِ سُبْحَانَهُ، وَالْإِقْرَارَ بِصِفَاتِ كَمَالِهِ مِنْ كَمَالِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَالْإِقْرَارَ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَتَفْوِيضَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وَالْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَةِ نَفْسِهِ، وَالتَّبَرِّي مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إِلَّا بِهِ، وَاعْتِرَافَ الْعَبْدِ بِعَجْزِهِ عَنْ عِلْمِهِ بِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَإِرَادَتِهِ لَهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِيَدِ وَلِيِّهِ وَفَاطِرِهِ وَإِلَهِهِ الْحَقِّ. وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللَّهِ وَرِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ

стр. 881

تَرْكُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ، وَسَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ» ) . فَتَأَمَّلْ كَيْفَ وَقَعَ الْمَقْدُورُ مُكْتَنِفًا بِأَمْرَيْنِ: التَّوَكُّلِ الَّذِي هُوَ مَضْمُونُ الِاسْتِخَارَةِ قَبْلَهُ، وَالرِّضَى بِمَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ بَعْدَهُ، وَهُمَا عِنْوَانُ السَّعَادَةِ. وَعِنْوَانُ الشَّقَاءِ أَنْ يَكْتَنِفَهُ تَرْكُ التَّوَكُّلِ وَالِاسْتِخَارَةِ قَبْلَهُ، وَالسَّخَطُ بَعْدَهُ، وَالتَّوَكُّلُ قَبْلَ الْقَضَاءِ. فَإِذَا أُبْرِمَ الْقَضَاءُ وَتَمَّ، انْتَقَلَتِ الْعُبُودِيَّةُ إِلَى الرِّضَى بَعْدَهُ، كَمَا فِي " الْمُسْنَدِ "، وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي الدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ: ( «وَأَسْأَلُكَ الرِّضَى بَعْدَ الْقَضَاءِ» ) . وَهَذَا أَبْلَغُ مِنَ الرِّضَى بِالْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَزْمًا فَإِذَا وَقَعَ الْقَضَاءُ، تَنْحَلُّ الْعَزِيمَةُ، فَإِذَا حَصَلَ الرِّضَى بَعْدَ الْقَضَاءِ، كَانَ حَالًا أَوْ مَقَامًا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ تَوَكُّلٌ عَلَى اللَّهِ وَتَفْوِيضٌ إِلَيْهِ وَاسْتِقْسَامٌ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ، وَحُسْنُ اخْتِيَارِهِ لِعَبْدِهِ، وَهِيَ مِنْ لَوَازِمِ الرِّضَى بِهِ رَبًّا، الَّذِي لَا يَذُوقُ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَإِنْ رَضِيَ بِالْمَقْدُورِ بَعْدَهَا، فَذَلِكَ عَلَامَةُ سَعَادَتِهِ. وَذَكَرَ البيهقي وَغَيْرُهُ عَنْ أنس ﵁ قَالَ: «لَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ ﷺ سَفَرًا قَطُّ إِلَّا قَالَ حِينَ يَنْهَضُ مِنْ جُلُوسِهِ: (اللَّهُمَّ بِكَ انْتَشَرْتُ، وَإِلَيْكَ تَوَجَّهْتُ، وَبِكَ اعْتَصَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي، وَأَنْتَ رَجَائِي، اللَّهُمَّ اكْفِنِي مَا أَهَمَّنِي وَمَا لَا أَهْتَمُّ لَهُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ زَوِّدْنِي التَّقْوَى، وَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَجِّهْنِي لِلْخَيْرِ أَيْنَمَا تَوَجَّهْتُ) ، ثُمَّ يَخْرَجُ» .

стр. 882

[فَصْلٌ الذِّكْرُ عِنْدَ رُكُوبِ الرَّاحِلَةِ] فَصْلٌ ( «وَكَانَ إِذَا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ. ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا، وَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا. وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» ) . وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ( «أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الضِّبْنَةِ فِي السَّفَرِ، وَالْكَآبَةِ فِي الْمُنْقَلَبِ، اللَّهُمَّ اقْبِضْ لَنَا الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ. وَإِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ قَالَ: آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. وَإِذَا دَخَلَ أَهْلَهُ قَالَ: تَوْبًا تَوْبًا، لِرَبِّنَا أَوْبًا، لَا يُغَادِرُ عَلَيْنَا حَوْبًا» ) . وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": «أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَافَرَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَمِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَمِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَمِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» ) .

стр. 883

[توديع المسافر] فَصْلٌ «وَكَانَ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ لِرُكُوبِ دَابَّتِهِ، قَالَ: " بِسْمِ اللَّهِ " فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا، قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ " ثَلَاثًا " اللَّهُ أَكْبَرُ " ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: " سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ " ثُمَّ يَقُولُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ " ثَلَاثًا، " اللَّهُ أَكْبَرُ " ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: " سُبْحَانَ اللَّهِ " ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: " لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» ". «وَكَانَ إِذَا وَدَّعَ أَصْحَابَهُ فِي السَّفَرِ يَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: (أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ» ) . «وَجَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي أُرِيدُ سَفَرًا، فَزَوِّدْنِي. فَقَالَ:

стр. 884

(زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: وَغَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ» ) . «وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي أُرِيدُ سَفَرًا، فَقَالَ (أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ " فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ " اللَّهُمَّ ازْوِ لَهُ الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ) .» وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إِذَا عَلَوُا الثَّنَايَا، كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا، فَوُضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ أنس: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَلَا شَرَفًا مِنَ الْأَرْضِ أَوْ نَشْزًا، قَالَ (اللَّهُمَّ لَكَ الشَّرَفُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَمْدٍ» ) وَكَانَ سَيْرُهُ فِي حَجِّهِ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً رَفَعَ السَّيْرَ فَوْقَ ذَلِكَ، وَكَانَ

стр. 885

يَقُولُ: ( «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ» ) . وَكَانَ يَكْرَهُ لِلْمُسَافِرِ وَحْدَهُ أَنْ يَسِيرَ بِاللَّيْلِ فَقَالَ: ( «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا سَارَ أَحَدٌ وَحْدَهُ بِلَيْلٍ» ) . بَلْ كَانَ يَكْرَهُ السَّفَرَ لِلْوَاحِدِ بِلَا رُفْقَةٍ، وَأَخْبَرَ: ( «أَنَّ الْوَاحِدَ شَيْطَانٌ، وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» ) وَكَانَ يَقُولُ: ( «إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ» ) . وَلَفْظُ مسلم: ( «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» ) . وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَزَا أَوْ سَافَرَ فَأَدْرَكَهُ اللَّيْلُ قَالَ: ( «يَا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَشَرِّ مَا دَبَّ

стр. 886

عَلَيْكِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ، وَحَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ، وَمِنْ شَرِّ سَاكِنِ الْبَلَدِ، وَمِنْ شَرِّ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» ) . وَكَانَ يَقُولُ: ( «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ، فَبَادِرُوا نِقْيَهَا» ) . وَفِي لَفْظٍ: ( «فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ، فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ، فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» ) . «وَكَانَ إِذَا رَأَى قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا قَالَ حِينَ يَرَاهَا: (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيحِ وَمَا ذَرَيْنَ، إِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا» ) . «وَكَانَ إِذَا بَدَا لَهُ الْفَجْرُ فِي السَّفَرِ قَالَ: (سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا، رَبَّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ» )

стр. 887

( «وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ» ) . وَكَانَ يَنْهَى الْمَرْأَةَ أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَوْ مَسَافَةَ بَرِيدٍ. ( «وَكَانَ يَأْمُرُ الْمُسَافِرَ إِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ، أَنْ يُعَجِّلَ الْأَوْبَةَ إِلَى

стр. 888

أَهْلِهِ» ) . «وَكَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِهِ، يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ) . ( «وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا إِذَا طَالَتْ غَيْبَتُهُ عَنْهُمْ» .

стр. 889

وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": ( «كَانَ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً» ) . ( «وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ يُلَقَّى بِالْوِلْدَانِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. قَالَ عبد الله بن جعفر: وَإِنَّهُ قَدِمَ مَرَّةً مِنْ سَفَرٍ، فَسُبِقَ بِي إِلَيْهِ، فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فاطمة، إِمَّا حسن وَإِمَّا حسين، فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ. قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ» ) . وَكَانَ يَعْتَنِقُ الْقَادِمَ مِنْ سَفَرِهِ، وَيُقَبِّلُهُ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ عروة، عَنْ عائشة: ( «قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُرْيَانًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ» ) .

стр. 890

قَالَتْ عائشة: «لَمَّا قَدِمَ جعفر وَأَصْحَابُهُ، تَلَقَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ» . قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا. ( «وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» ) [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي أَذْكَارِ النِّكَاحِ] ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: ( «الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا

стр. 891

عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَقْرَأُ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢] ، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] [النِّسَاءِ: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] ) [الْأَحْزَابِ: ٧٠ - ٧١] . قَالَ شعبة: قُلْتُ لأبي إسحاق: هَذِهِ فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ، أَوْ فِي غَيْرِهَا؟ قَالَ: فِي كُلِّ حَاجَةٍ» . وَقَالَ: ( «إِذَا أَفَادَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً أَوْ خَادِمًا، أَوْ دَابَّةً فَلْيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا، وَلْيَدْعُ اللَّهَ بِالْبَرَكَةِ وَيُسَمِّي اللَّهَ وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ» ) «وَكَانَ يَقُولُ لِلْمُتَزَوِّجِ: (بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ» ) .

стр. 892

وَقَالَ ( «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا» ) [فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِيمَا يَقُولُ مَنْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ] يُذْكَرُ عَنْ أنس عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فِي أَهْلٍ، وَلَا مَالٍ، أَوْ وَلَدٍ، فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَيَرَى فِيهِ آفَةً دُونَ الْمَوْتِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] » )) [الْكَهْفِ ٣٩] . [فَصْلٌ فِيمَا يَقُولُ مَنْ رَأَى مُبْتَلًى] صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَا مِنْ رَجُلٍ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي

стр. 893

عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا إِلَّا لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ كَائِنًا مَا كَانَ» ) . [فَصْلٌ فِيمَا يَقُولُهُ مَنْ لَحِقَتْهُ الطِّيَرَةُ] ذُكِرَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: (أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ وَلَا تَرُدَّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَيْتَ مِنَ الطِّيَرَةِ مَا تَكْرَهُ فَقُلِ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» ) . وَكَانَ كعب يَقُولُ: (اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا رَبَّ غَيْرُكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَرَأْسُ التَّوَكُّلِ، وَكَنْزُ الْعَبْدِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا يَقُولُهُنَّ عَبْدٌ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَمْضِي إِلَّا لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ) .

стр. 894

[فَصْلٌ فِيمَا يَقُولُهُ مَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُهُ] صَحَّ عَنْهُ ﷺ : ( «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا يَكْرَهُ مِنْهَا شَيْئًا، فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا. وَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً، فَلْيَسْتَبْشِرْ، وَلَا يُخْبِرْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ» ) . ( «وَأَمَرَ مَنْ رَأَى مَا يَكْرَهُهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ» ) فَأَمَرَهُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَنْ يَنْفُثَ عَنْ يَسَارِهِ، وَأَنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَنْ لَا يُخْبِرَ بِهَا أَحَدًا، وَأَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَقُومَ يُصَلِّي، وَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تَضُرَّهُ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةُ، بَلْ هَذَا يَدْفَعُ شَرَّهَا. وَقَالَ: ( «الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ وَلَا يَقُصُّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ» ) .

стр. 895

(وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، إِذَا قُصَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ خَيْرًا فَلَنَا، وَإِنْ كَانَ شَرًّا، فَلِعَدُوِّنَا) وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «مَنْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ رُؤْيَا، فَلْيَقُلْ لِمَنْ عَرَضَ عَلَيْهِ خَيْرًا» ) وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ ( «كَانَ يَقُولُ لِلرَّائِي قَبْلَ أَنْ يَعْبُرَهَا لَهُ: خَيْرًا رَأَيْتَ، ثُمَّ يَعْبُرُهَا» ) . وَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنْ أيوب، عَنِ ابْنِ سيرين، قَالَ: (كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْبُرَ رُؤْيَا، قَالَ: إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ، يَكُونُ كَذَا وَكَذَا) [فَصْلٌ فِيمَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ مَنِ ابْتُلِيَ بِالْوَسْوَاسِ] ِ، وَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْوَسْوَسَةِ رَوَى صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ

стр. 896

ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ: ( «إِنَّ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِقَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةً، وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةً، فَلَمَّةُ الْمَلَكِ إِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ وَرَجَاءُ صَالِحِ ثَوَابِهِ، وَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ إِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَقُنُوطٌ مِنَ الْخَيْرِ، فَإِذَا وَجَدْتُمْ لَمَّةَ الْمَلَكِ، فَاحْمَدُوا اللَّهَ وَسَلُوهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَإِذَا وَجَدْتُمْ لَمَّةَ الشَّيْطَانِ فَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ فَاسْتَغْفِرُوهُ» ) «وَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، قَالَ: (ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ، فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا» ) «وَشَكَا إِلَيْهِ الصَّحَابَةُ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ - يُعَرِّضُ بِالشَّيْءِ - لَأَنْ يَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فَقَالَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» ) .

стр. 897

( «وَأَرْشَدَ مَنْ بُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ وَسْوَسَةِ التَّسَلْسُلِ فِي الْفَاعِلِينَ، إِذَا قِيلَ لَهُ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ أَنْ يَقْرَأَ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] » )) [الْحَدِيدِ: ٣] . كَذَلِكَ ( «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لأبي زميل سماك بن الوليد الحنفي، وَقَدْ سَأَلَهُ: مَا شَيْءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ بِهِ. قَالَ فَقَالَ لِي: أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ لِي: مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] [يُونُسَ: ٩٤] قَالَ: فَقَالَ لِي: فَإِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا، فَقُلْ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] » ) فَأَرْشَدَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى بُطْلَانِ التَّسَلْسُلِ الْبَاطِلِ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ، وَأَنَّ سِلْسِلَةَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي ابْتِدَائِهَا تَنْتَهِي إِلَى أَوَّلَ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، كَمَا تَنْتَهِي فِي آخِرِهَا إِلَى آخِرٍ لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، كَمَا أَنَّ ظُهُورَهُ هُوَ الْعُلُوُّ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وَبُطُونَهُ هُوَ الْإِحَاطَةُ الَّتِي لَا يَكُونُ دُونَهُ فِيهَا شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ قَبْلَهُ شَيْءٌ يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ لَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الرَّبَّ الْخَلَّاقَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى خَالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ وَغَنِيٍّ عَنْ غَيْرِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَوْجُودٌ بِهِ. قَدِيمٌ لَا أَوَّلَ لَهُ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَوُجُودُهُ بَعْدَ عَدَمِهِ بَاقٍ بِذَاتِهِ، وَبَقَاءُ كُلِّ شَيْءٍ بِهِ فَهُوَ الْأَوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، الظَّاهِرُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، الْبَاطِنُ الَّذِي لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ. وَقَالَ ﷺ : ( «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولَ قَائِلُهُمْ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ

стр. 898

وَلْيَنْتَهِ) ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦] » [فُصِّلَتْ ٣٦] . وَلَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٍ يُرَى عِيَانًا، وَهُوَ شَيْطَانُ الْإِنْسِ، وَنَوْعٍ لَا يُرَى، وَهُوَ شَيْطَانُ الْجِنِّ، أَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَكْتَفِيَ مِنْ شَرِّ شَيْطَانِ الْإِنْسِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ، وَالْعَفْوِ، وَالدَّفْعِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَمِنْ شَيْطَانِ الْجِنِّ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَالْعَفْوِ، وَجَمَعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَسُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَسُورَةِ فُصِّلَتْ، وَالِاسْتِعَاذَةِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ أَبْلَغُ فِي دَفْعِ شَرِّ شَيَاطِينِ الْجِنِّ، وَالْعَفْوُ وَالْإِعْرَاضُ وَالدَّفْعُ بِالْإِحْسَانِ أَبْلَغُ فِي دَفْعِ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ. قَالَ: فَمَا هُوَ إِلَّا الِاسْتِعَاذَةُ ضَارِعًا ... أَوِ الدَّفْعُ بِالْحُسْنَى هُمَا خَيْرُ مَطْلُوبِ فَهَذَا دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ شَرِّ مَا يُرَى ... وَذَاكَ دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ شَرِّ مَحْجُوبِ [فَصْلٌ فِيمَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ مَنِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ] أَمَرَهُ ﷺ أَنْ يُطْفِئَ عَنْهُ جَمْرَةَ الْغَضَبِ بِالْوُضُوءِ، وَالْقُعُودِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، وَالِاضْطِجَاعِ إِنْ كَانَ قَاعِدًا، وَالِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَلَمَّا كَانَ الْغَضَبُ وَالشَّهْوَةُ جَمْرَتَيْنِ مِنْ نَارٍ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَمَرَ أَنْ يُطْفِئَهُمَا بِالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:

стр. 899

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٤٤] . وَهَذَا إِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ شِدَّةُ الشَّهْوَةِ فَأَمَرَهُمْ بِمَا يُطْفِئُونَ بِهَا جَمْرَتَهَا، وَهُوَ الِاسْتِعَانَةُ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، وَأَمَرَ تَعَالَى بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ عِنْدَ نَزَغَاتِهِ. وَلَمَّا كَانَتِ الْمَعَاصِي كُلُّهَا تَتَوَلَّدُ مِنَ الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ، وَكَانَ نِهَايَةُ قُوَّةِ الْغَضَبِ الْقَتْلَ، وَنِهَايَةُ قُوَّةِ الشَّهْوَةِ الزِّنَا، جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالزِّنَا، وَجَعَلَهُمَا قَرِينَيْنِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَسُورَةِ الْإِسْرَاءِ، وَسُورَةِ الْفُرْقَانِ، وَسُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَرْشَدَ عِبَادَهُ إِلَى مَا يَدْفَعُونَ بِهِ شَرَّ قُوَّتَيِ الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالِاسْتِعَاذَةِ. [الدُّعَاءُ لِرُؤْيَةِ مَا يُحِبُّ وَمَا يَكْرَهُ] فَصْلٌ ( «وَكَانَ ﷺ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ، قَالَ " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ. وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ " الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» ) . [مَا يَفْعَلُ مَعَ مَنْ صَنَعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفًا] فَصْلٌ وَكَانَ ﷺ يَدْعُو لِمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِمَا يُحِبُّ وَبِمَا يُنَاسِبُ ( «فَلَمَّا وَضَعَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَضُوءَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» )

стр. 900

وَلَمَّا ( «دَعَّمَهُ أَبُو قَتَادَةَ فِي مَسِيرِهِ بِاللَّيْلِ لَمَّا مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَ: حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ» ) وَقَالَ ( «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» ) ( «وَاسْتَقْرَضَ مِنْ عبد الله بن أبي ربيعة مَالًا، ثُمَّ وَفَّاهُ إِيَّاهُ، وَقَالَ: " بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ» ) ( «وَلَمَّا أَرَاحَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ: صَنَمِ دَوْسٍ، بَرَّكَ عَلَى خَيْلِ قَبِيلَتِهِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ» ) [الْإِثَابَةُ عَلَى الْهَدِيَّةِ] وَكَانَ ﷺ إِذَا أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ هَدِيَّةٌ فَقَبِلَهَا، كَافَأَ عَلَيْهَا بِأَكْثَرَ

стр. 901

مِنْهَا، وَإِنْ رَدَّهَا اعْتَذَرَ إِلَى مُهْدِيهَا، ( «كَقَوْلِهِ ﷺ للصعب بن جثامة لَمَّا أَهْدَى إِلَيْهِ لَحْمَ الصَّيْدِ: " إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الذكر عند نهيق الحمار والذِّكْرُ فِي الْمَجْلِسِ] فَصْلٌ وَأَمَرَ ﷺ أُمَّتَهُ إِذَا سَمِعُوا نَهِيقَ الْحِمَارِ أَنْ يَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَإِذَا سَمِعُوا صِيَاحَ الدِّيَكَةِ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ. وَيُرْوَى عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ ( «أَمَرَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ عَنْدَ رُؤْيَةِ الْحَرِيقِ» ) فَإِنَّ التَّكْبِيرَ يُطْفِئُهُ. وَكَرِهَ ﷺ لِأَهْلِ الْمَجْلِسِ أَنْ يُخْلُوا مَجْلِسَهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَقَالَ ( «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ الْحِمَارِ» )

стр. 902

وَقَالَ: ( «مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ» ) ، وَالتِّرَةُ الْحَسْرَةُ. وَفِي لَفْظٍ: ( «وَمَا سَلَكَ أَحَدٌ طَرِيقًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ، إِلَّا كَانَتْ عَلَيْهِ تِرَةٌ» ) . وَقَالَ ﷺ ( «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» ) وَفِي " سُنَنِ أبي داود " وَ " مُسْتَدْرَكِ الحاكم " «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلًا مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى. قَالَ (ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ» ) [فَصْلٌ الدُّعَاءُ عِنْدَ الْأَرَقِ والفزع] ( «وَشَكَا إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْأَرَقَ بِاللَّيْلِ فَقَالَ لَهُ: " إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظَلَّتْ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقَلَّتْ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ، كُنْ لِي جَارًا مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ كُلِّهِمْ جَمِيعًا مِنْ أَنْ يَفْرُطَ

стр. 903

أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَيَّ، أَوْ أَنْ يَطْغَى عَلَيَّ، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» ) . «وَكَانَ ﷺ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ مِنَ الْفَزَعِ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَمِنْ شَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ شَرِّ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضُرُونِ) » وَيُذْكَرُ (أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَيْهِ ﷺ أَنَّهُ يَفْزَعُ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ: " إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ. .. " ثُمَّ ذَكَرَهَا، فَقَالَهَا فَذَهَبَ عَنْهُ) [فَصْلٌ فِي أَلْفَاظٍ كَانَ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ تُقَالَ] فَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ خَبُثَتْ نَفْسِي، أَوْ جَاشَتْ نَفْسِي، وَلْيَقُلْ: لَقِسَتْ. وَمِنْهَا: أَنْ يُسَمِّيَ شَجَرَ الْعِنَبِ كَرْمًا، نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ ( «لَا تَقُولُوا: الْكَرْمُ وَلَكِنْ قُولُوا: الْعِنَبُ وَالْحَبَلَةُ» ) . وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ. وَقَالَ: " «إِذَا قَالَ ذَلِكَ فَهُوَ

стр. 904

أَهْلَكُهُمْ» . وَفِي مَعْنَى هَذَا: فَسَدَ النَّاسُ، وَفَسَدَ الزَّمَانُ وَنَحْوُهُ. وَنَهَى أَنْ يُقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ، وَشَاءَ فُلَانٌ بَلْ يُقَالُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ. ( «فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ. فَقَالَ: أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» ) . وَفِي مَعْنَى هَذَا: لَوْلَا اللَّهُ وَفُلَانٌ، لَمَا كَانَ كَذَا، بَلْ وَهُوَ أَقْبَحُ وَأَنْكَرُ، وَكَذَلِكَ: أَنَا بِاللَّهِ وَبِفُلَانٍ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ وَبِفُلَانٍ، وَأَنَا فِي حَسْبِ اللَّهِ وَحَسْبِ فُلَانٍ، وَأَنَا مُتَّكِلٌ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى فُلَانٍ، فَقَائِلُ هَذَا، قَدْ جَعَلَ فُلَانًا نِدًّا لِلَّهِ . وَمِنْهَا: أَنْ يُقَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، بَلْ يَقُولُ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ. صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» ) .

стр. 905

وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ فِي حَلِفِهِ: هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ كَافِرٌ إِنْ فَعَلَ كَذَا. وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ: يَا كَافِرُ. وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ لِلسُّلْطَانِ: مَلِكُ الْمُلُوكِ. وَعَلَى قِيَاسِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ: السَّيِّدُ لِغُلَامِهِ وَجَارِيَتِهِ: عَبْدِي، وَأَمَتِي، وَيَقُولَ: الْغُلَامُ لِسَيِّدِهِ: رَبِّي، وَلْيَقُلِ السَّيِّدُ: فَتَايَ وَفَتَاتِي، وَلْيَقُلِ الْغُلَامُ: سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي. وَمِنْهَا: سَبُّ الرِّيحِ إِذَا هَبَّتْ، بَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَيَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ. وَمِنْهَا: سَبُّ الْحُمَّى، نَهَى عَنْهُ، وَقَالَ ( «إِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» ) .

стр. 906

وَمِنْهَا: النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الدِّيكِ، صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ» ) . وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَالتَّعَزِّي بِعَزَائِهِمْ، كَالدُّعَاءِ إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَصَبِيَّةِ لَهَا وَلِلْأَنْسَابِ، وَمِثْلُهُ التَّعَصُّبُ لِلْمَذَاهِبِ، وَالطَّرَائِقِ، وَالْمَشَايِخِ، وَتَفْضِيلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْهَوَى وَالْعَصَبِيَّةِ، وَكَوْنُهُ مُنْتَسِبًا إِلَيْهِ، فَيَدْعُو إِلَى ذَلِكَ وَيُوَالِي عَلَيْهِ، وَيُعَادِي عَلَيْهِ، وَيَزِنُ النَّاسَ بِهِ، كُلُّ هَذَا مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ. وَمِنْهَا: تَسْمِيَةُ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ تَسْمِيَةً غَالِبَةً يُهْجَرُ فِيهَا لَفْظُ الْعِشَاءِ. وَمِنْهَا: النَّهْيُ عَنْ سِبَابِ الْمُسْلِمِ، وَأَنْ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ. وَأَنْ تُخْبِرَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا بِمَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى. وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ وَارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ ".

стр. 907

وَمِنْهَا: الْإِكْثَارُ مِنَ الْحَلِفِ. وَمِنْهَا: كَرَاهَةُ أَنْ يَقُولَ: قَوْسُ قُزَحَ لِهَذَا الَّذِي يُرَى فِي السَّمَاءِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا بِوَجْهِ اللَّهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يُسَمِّيَ الْمَدِينَةَ بِيَثْرِبَ. وَمِنْهَا: أَنْ يُسْأَلَ الرَّجُلُ فِيمَ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ إِلَّا إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ. وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ: صُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ أَوْ قُمْتُ اللَّيْلَ كُلَّهُ.

стр. 908

فَصْلٌ وَمِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَكْرُوهَةِ الْإِفْصَاحُ عَنِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَنْبَغِي الْكِنَايَةُ عَنْهَا بِأَسْمَائِهَا الصَّرِيحَةِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، وَأَدَامَ أَيَّامَكَ، وَعِشْتَ أَلْفَ سَنَةٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ الصَّائِمُ: وَحَقِّ الَّذِي خَاتَمُهُ عَلَى فَمِ الْكَافِرِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ لِلْمُكُوسِ: حُقُوقًا. وَأَنْ يَقُولَ لِمَا يُنْفِقُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ: غَرِمْتُ أَوْ خَسِرْتُ كَذَا وَكَذَا: وَأَنْ يَقُولَ أَنْفَقْتُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَالًا كَثِيرًا. وَمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ الْمُفْتِي: أَحَلَّ اللَّهُ كَذَا، وَحَرَّمَ اللَّهُ كَذَا فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَقُولُهُ فِيمَا وَرَدَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يُسَمِّيَ أَدِلَّةَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ظَوَاهِرَ لَفْظِيَّةً وَمَجَازَاتٍ، فَإِنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ تُسْقِطُ حُرْمَتَهَا مِنَ الْقُلُوبِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ تَسْمِيَةَ شُبَهِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ قَوَاطِعَ عَقْلِيَّةً، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَمْ حَصَلَ بِهَاتَيْنِ التَّسْمِيَتَيْنِ مِنْ فَسَادٍ فِي الْعُقُولِ وَالْأَدْيَانِ، وَالدُّنْيَا وَالدِّينِ. فَصْلٌ وَمِنْهَا: أَنْ يُحَدِّثَ الرَّجُلُ بِجِمَاعِ أَهْلِهِ، وَمَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا،

стр. 909

كَمَا يَفْعَلُهُ السَّفَلَةُ. وَمِمَّا يُكْرَهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ: زَعَمُوا وَذَكَرُوا، وَقَالُوا، وَنَحْوُهُ. وَمِمَّا يُكْرَهُ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ لِلسُّلْطَانِ: خَلِيفَةُ اللَّهِ أَوْ نَائِبُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، فَإِنَّ الْخَلِيفَةَ وَالنَّائِبَ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ غَائِبٍ، وَاللَّهُ خَلِيفَةُ الْغَائِبِ فِي أَهْلِهِ، وَوَكِيلُ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ. فَصْلٌ وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ طُغْيَانِ " أَنَا "، " وَلِي "، " وَعِنْدِي "، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ ابْتُلِيَ بِهَا إِبْلِيسُ وفرعون، وقارون، (فَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) لِإِبْلِيسَ، وَ ﴿لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١] لفرعون، وَ ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] لقارون. وَأَحْسَنُ مَا وُضِعَتْ " أَنَا " فِي قَوْلِ الْعَبْدِ: أَنَا الْعَبْدُ الْمُذْنِبُ، الْمُخْطِئُ، الْمُسْتَغْفِرُ، الْمُعْتَرِفُ وَنَحْوِهِ. " وَلِي "، فِي قَوْلِهِ: لِيَ الذَّنْبُ، وَلِيَ الْجُرْمُ، وَلِيَ الْمَسْكَنَةُ، وَلِيَ الْفَقْرُ

стр. 910

وَالذُّلُّ: " وَعِنْدِي " فِي قَوْلِهِ: " اغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلَّ ذَلِكَ عِنْدِي ".

стр. 911

[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْجِهَادِ وَالْمَغَازِي وَالسَّرَايَا وَالْبُعُوثِ] [ الْجِهَادُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْجِهَادِ وَالْمَغَازِي وَالسَّرَايَا وَالْبُعُوثِ لَمَّا كَانَ الْجِهَادُ ذِرْوَةَ سَنَامِ الْإِسْلَامِ وَقُبَّتَهُ، وَمَنَازِلُ أَهْلِهِ أَعْلَى الْمَنَازِلِ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا لَهُمُ الرِّفْعَةُ فِي الدُّنْيَا، فَهُمُ الْأَعْلَوْنَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الذِّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنْهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى أَنْوَاعِهِ كُلِّهَا فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ بِالْقَلْبِ وَالْجِنَانِ وَالدَّعْوَةِ وَالْبَيَانِ وَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، وَكَانَتْ سَاعَاتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى الْجِهَادِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ. وَلِهَذَا كَانَ أَرْفَعَ الْعَالَمِينَ ذِكْرًا، وَأَعْظَمَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا. وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْجِهَادِ مِنْ حِينِ بَعْثِهِ، وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١] [الْفُرْقَانِ: ٥٢] ، فَهَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ أَمَرَ فِيهَا بِجِهَادِ الْكُفَّارِ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ وَتَبْلِيغِ الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ جِهَادُ الْمُنَافِقِينَ إِنَّمَا هُوَ بِتَبْلِيغِ الْحُجَّةِ، وَإِلَّا فَهُمْ تَحْتَ قَهْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣] [التَّوْبَةِ: ٧٣] فَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ أَصْعَبُ مِنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ، وَهُوَ جِهَادُ خَوَاصِّ الْأُمَّةِ وَوَرَثَةِ الرُّسُلِ، وَالْقَائِمُونَ بِهِ أَفْرَادٌ فِي الْعَالَمِ، وَالْمُشَارِكُونَ فِيهِ وَالْمُعَاوِنُونَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانُوا هُمُ الْأَقَلِّينَ عَدَدًا فَهُمُ الْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا. وَلَمَّا كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ قَوْلُ الْحَقِّ مَعَ شِدِّةِ الْمُعَارِضِ، مِثْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهِ عِنْدَ مَنْ تَخَافُ سَطْوَتَهُ وَأَذَاهُ، كَانَ لِلرُّسُلِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - مِنْ ذَلِكَ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ، وَكَانَ لِنَبِيِّنَا - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - مِنْ ذَلِكَ أَكْمَلُ الْجِهَادِ وَأَتَمُّهُ. وَلَمَّا كَانَ جِهَادُ أَعْدَاءِ اللَّهِ فِي الْخَارِجِ فَرْعًا عَلَى جِهَادِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ

стр. 912

اللَّهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» ) كَانَ جِهَادُ النَّفْسِ مُقَدَّمًا عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ فِي الْخَارِجِ، وَأَصْلًا لَهُ، فَإِنَّهُ مَا لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ أَوَّلًا لِتَفْعَلَ مَا أُمِرَتْ بِهِ وَتَتْرُكَ مَا نُهِيَتْ عَنْهُ وَيُحَارِبُهَا فِي اللَّهِ لَمْ يُمْكِنْهُ جِهَادُ عَدُوِّهِ فِي الْخَارِجِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ جِهَادُ عَدُوِّهِ وَالِانْتِصَافُ مِنْهُ وَعَدُوُّهُ الَّذِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَاهِرٌ لَهُ مُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ لَمْ يُجَاهِدْهُ وَلَمْ يُحَارِبْهُ فِي اللَّهِ، بَلْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إِلَى عَدُوِّهِ حَتّى يُجَاهِدَ نَفْسَهُ عَلَى الْخُرُوجِ. فَهَذَانِ عَدُوَّانِ قَدِ امْتُحِنَ الْعَبْدُ بِجِهَادِهِمَا، وَبَيْنَهُمَا عَدُوٌّ ثَالِثٌ لَا يُمْكِنُهُ جِهَادُهُمَا إِلَّا بِجِهَادِهِ، وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَهُمَا يُثَبِّطُ الْعَبْدَ عَنْ جِهَادِهِمَا، وَيُخَذِّلُهُ وَيُرْجِفُ بِهِ، وَلَا يَزَالُ يُخَيِّلُ لَهُ مَا فِي جِهَادِهِمَا مِنَ الْمَشَاقِّ وَتَرْكِ الْحُظُوظِ وَفَوْتِ اللَّذَّاتِ وَالْمُشْتَهَيَاتِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجَاهِدَ ذَيْنِكَ الْعَدُوَّيْنِ إِلَّا بِجِهَادِهِ، فَكَانَ جِهَادُهُ هُوَ الْأَصْلَ لِجِهَادِهِمَا، وَهُوَ الشَّيْطَانُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] [فَاطِرٍ: ٦] ، وَالْأَمْرُ بِاِتِّخَاذِهِ عَدُوًّا تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي مُحَارَبَتِهِ، وَمُجَاهَدَتِهِ، كَأَنَّهُ عَدُوٌّ لَا يَفْتُرُ وَلَا يُقَصِّرُ عَنْ مُحَارَبَةِ الْعَبْدِ عَلَى عَدَدِ الْأَنْفَاسِ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَعْدَاءٍ، أُمِرَ الْعَبْدُ بِمُحَارَبَتِهَا وَجِهَادِهَا، وَقَدْ بُلِيَ بِمُحَارَبَتِهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَسُلِّطَتْ عَلَيْهِ امْتِحَانًا مِنَ اللَّهِ لَهُ وَابْتِلَاءً، فَأَعْطَى اللَّهُ الْعَبْدَ مَدَدًا وَعُدَّةً وَأَعْوَانًا وَسِلَاحًا لِهَذَا الْجِهَادِ، وَأَعْطَى أَعْدَاءَهُ مَدَدًا وَعُدَّةً وَأَعْوَانًا وَسِلَاحًا، وَبَلَا أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ بِالْآخَرِ، وَجَعَلَ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً لِيَبْلُوَ أَخْبَارَهُمْ، وَيَمْتَحِنَ مَنْ يَتَوَلَّاهُ وَيَتَوَلَّى رُسُلَهُ مِمَّنْ يَتَوَلَّى الشَّيْطَانَ وَحِزْبَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] [الْفُرْقَانِ: ٢٠] .

стр. 913

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] [مُحَمَّدٍ: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] [مُحَمَّدٍ: ٣١] فَأَعْطَى عِبَادَهُ الْأَسْمَاعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْعُقُولَ وَالْقُوَى، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وَأَمَدَّهُمْ بِمَلَائِكَتِهِ وَقَالَ لَهُمْ: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] [الْأَنْفَالِ: ١٢] ، وَأَمَرَهُمْ مِنْ أَمْرِهِ بِمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعَوْنِ لَهُمْ عَلَى حَرْبِ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ إِنِ امْتَثَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ لَمْ يَزَالُوا مَنْصُورِينَ عَلَى عَدُوِّهِ وَعَدُوِّهِمْ، وَأَنَّهُ إِنْ سَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ فَلِتَرْكِهِمْ بَعْضَ مَا أُمِرُوا بِهِ وَلِمَعْصِيَتِهِمْ لَهُ، ثُمَّ لَمْ يُؤَيِّسْهُمْ وَلَمْ يُقَنِّطْهُمْ، بَلْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا أَمْرَهُمْ، وَيُدَاوُوا جِرَاحَهُمْ، وَيَعُودُوا إِلَى مُنَاهَضَةِ عَدُوِّهِمْ، فَيَنْصُرَهُمْ عَلَيْهِ، وَيُظَفِّرَهُمْ بِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مَعَ الْمُتَّقِينَ مِنْهُمْ، وَمَعَ الْمُحْسِنِينَ وَمَعَ الصَّابِرِينَ وَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ يُدَافِعُ عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا لَا يُدَافِعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، بَلْ بِدِفَاعِهِ عَنْهُمُ انْتَصَرُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَلَوْلَا دِفَاعُهُ عَنْهُمْ لَتَخَطَّفَهُمْ عَدُوُّهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ. وَهَذِهِ الْمُدَافَعَةُ عَنْهُمْ بِحَسْبِ إِيمَانِهِمْ وَعَلَى قَدْرِهِ، فَإِنْ قَوِيَ الْإِيمَانُ قَوِيَتِ الْمُدَافَعَةُ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ. وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُجَاهِدُوا فِيهِ حَقَّ جِهَادِهِ، كَمَا أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَكَمَا أَنَّ حَقَّ تُقَاتِهِ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ، فَحَقُّ جِهَادِهِ أَنْ يُجَاهِدَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ لِيُسْلِمَ قَلْبَهُ وَلِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ لِلَّهِ، فَيَكُونُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَبِاللَّهِ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا بِنَفْسِهِ، وَيُجَاهِدُ شَيْطَانَهُ بِتَكْذِيبِ وَعْدِهِ، وَمَعْصِيَةِ أَمْرِهِ، وَارْتِكَابِ نَهْيِهِ، فَإِنَّهُ يَعِدُ الْأَمَانِيَّ وَيُمَنِّي الْغُرُورَ، وَيَعِدُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ،

стр. 914

وَيَنْهَى عَنِ التُّقَى وَالْهُدَى وَالْعِفَّةِ وَالصَّبْرِ، وَأَخْلَاقِ الْإِيمَانِ كُلِّهَا، فَجَاهِدْهُ بِتَكْذِيبِ وَعْدِهِ، وَمَعْصِيَةِ أَمْرِهِ، فَيَنْشَأُ لَهُ مِنْ هَذَيْنِ الْجِهَادَيْنِ قُوَّةٌ وَسُلْطَانٌ، وَعُدَّةٌ يُجَاهِدُ بِهَا أَعْدَاءَ اللَّهِ فِي الْخَارِجِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَمَالِهِ؛ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا. وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي حَقِّ الْجِهَادِ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ اسْتِفْرَاغُ الطَّاقَةِ فِيهِ، وَأَلَّا يَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. وَقَالَ مقاتل: اعْمَلُوا لِلَّهِ حَقَّ عَمَلِهِ، وَاعْبُدُوهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هُوَ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَالْهَوَى. وَلَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْآيَتَيْنِ مَنْسُوخَتَانِ، لِظَنِّهِ أَنَّهُمَا تَضَمَّنَتَا الْأَمْرَ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَحَقُّ تُقَاتِهِ وَحَقُّ جِهَادِهِ: هُوَ مَا يُطِيقُهُ كُلُّ عَبْدٍ فِي نَفْسِهِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ وَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ. فَحَقُّ التَّقْوَى وَحَقُّ الْجِهَادِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَادِرِ الْمُتَمَكِّنِ الْعَالِمِ شَيْءٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَاجِزِ الْجَاهِلِ الضَّعِيفِ شَيْءٌ، وَتَأَمَّلْ كَيْفَ عَقَّبَ الْأَمْرَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] [الْحَجِّ: ٧٨] وَالْحَرَجُ: الضِّيقُ، بَلْ جَعَلَهُ وَاسِعًا يَسَعُ كُلَّ أَحَدٍ، كَمَا جَعَلَ رِزْقَهُ يَسَعُ كُلَّ حَيٍّ، وَكَلَّفَ الْعَبْدَ بِمَا يَسَعُهُ الْعَبْدُ، وَرَزَقَ الْعَبْدَ مَا يَسَعُ الْعَبْدَ، فَهُوَ يَسَعُ تَكْلِيفَهُ وَيَسَعُهُ رِزْقُهُ، وَمَا جَعَلَ عَلَى عَبْدِهِ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ بِوَجْهٍ مَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» ) أَيْ: بِالْمِلَّةِ، فَهِيَ حَنِيفِيَّةٌ فِي التَّوْحِيدِ، سَمْحَةٌ فِي الْعَمَلِ. وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ غَايَةَ التَّوْسِعَةِ فِي دِينِهِ وَرِزْقِهِ وَعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، وَبَسَطَ عَلَيْهِمُ التَّوْبَةَ مَا دَامَتِ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ، وَفَتَحَ لَهُمْ بَابًا لَهَا لَا يُغْلِقُهُ عَنْهُمْ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَجَعَلَ لِكُلِّ سَيِّئَةٍ كَفَّارَةً تُكَفِّرُهَا مِنْ تَوْبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ حَسَنَةٍ مَاحِيَةٍ أَوْ مُصِيبَةٍ مُكَفِّرَةٍ، وَجَعَلَ بِكُلِّ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ عِوَضًا مِنَ الْحَلَالِ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْهُ وَأَطْيَبَ وَأَلَذَّ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ لِيَسْتَغْنِيَ الْعَبْدُ

стр. 915

عَنِ الْحَرَامِ، وَيَسَعُهُ الْحَلَالُ فَلَا يَضِيقُ عَنْهُ، وَجَعَلَ لِكُلِّ عُسْرٍ يَمْتَحِنُهُمْ بِهِ يُسْرًا قَبْلَهُ وَيُسْرًا بَعْدَهُ، " فَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ "، فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُ سُبْحَانَهُ مَعَ عِبَادِهِ فَكَيْفَ يُكَلِّفُهُمْ مَا لَا يَسَعُهُمْ، فَضْلًا عَمَّا لَا يُطِيقُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ في مَرَاتِبُ الْجِهَادِ] [فَصْلٌ في مَرَاتِبُ جِهَادِ النَّفْسِ] فَصْلٌ مَرَاتِبُ جِهَادِ النَّفْسِ إِذَا عُرِفَ هَذَا فَالْجِهَادُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: جِهَادُ النَّفْسِ، وَجِهَادُ الشَّيْطَانِ، وَجِهَادُ الْكُفَّارِ، وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ. فَجِهَادُ النَّفْسِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ أَيْضًا: إِحْدَاهَا: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى تَعَلُّمِ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ الَّذِي لَا فَلَاحَ لَهَا وَلَا سَعَادَةَ فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا إِلَّا بِهِ، وَمَتَى فَاتَهَا عِلْمُهُ شَقِيَتْ فِي الدَّارَيْنِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْعِلْمِ بِلَا عَمَلٍ إِنْ لَمْ يَضُرَّهَا لَمْ يَنْفَعْهَا. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وَتَعْلِيمِهِ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ، وَإِلَّا كَانَ مِنَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَلَا يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. الرَّابِعَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَشَاقِّ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَأَذَى الْخَلْقِ، وَيَتَحَمَّلُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ. فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَ صَارَ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ، فَإِنَّ السَّلَفَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى رَبَّانِيًّا حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ وَيَعْمَلَ بِهِ وَيُعَلِّمَهُ، فَمَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلَّمَ فَذَاكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.
следующие страницы →