← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 21714

اجتماع الجيوش الإسلامية - ت المعتق

ابن القيم

Полный текст (300 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

[قَوْلُ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] " قَوْلُ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ": قَالَ الْأَثْرَمُ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْسِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ يَقُولُ: إِنَّمَا يُرِيدُ الْجَهْمِيَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ. قَالَ: وَقُلْتُ لِسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي الْجَهْمِيَّةِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقُولُ إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ. [ذِكْرُ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى] [قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ] ذِكْرُ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى " قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْفَقِيهُ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَصْرٍ (قَالَ) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى (قَالَ: سَمِعْتُ نُعَيْمَ بْنَ حَمَّادٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ نُوحًا بْنَ أَبِي مَرْيَمَ أَبَا عِصْمَةَ يَقُولُ كُنَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوَّلَ مَا ظَهَرَ إِذْ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ تِرْمِذَ كَانَتْ تُجَالِسُ جَهْمًا فَدَخَلَتِ الْكُوفَةَ، فَقِيلَ

стр. 107

لَهَا إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا قَدْ نَظَرَ فِي الْمَعْقُولِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو حَنِيفَةَ، فَأْتِيهِ فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: أَنْتَ الَّذِي تُعَلِّمَ النَّاسَ الْمَسَائِلَ وَقَدْ تَرَكْتَ دِينَكَ؟ أَيْنَ إِلَهُكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ؟ فَسَكَتَ عَنْهَا ثُمَّ مَكَثَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَا يُجِيبُهَا ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَقَدْ وَضَعَ كِتَابًا إِنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] قَالَ هُوَ كَمَا تَكْتُبُ لِلرَّجُلِ إِنِّي مَعَكَ وَأَنْتَ عَنْهُ غَائِبٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَقَدْ أَصَابَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا نَفَى عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ مِنَ الْكَوْنِ فِي الْأَرْضِ وَفِيمَا ذَكَرَ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ، وَتَبِعَ مُطْلَقَ السَّمْعِ فِي قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَفِي كِتَابِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي رَوَوْهُ بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي مُطِيعٍ الْبَلْخِيِّ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ قَالَ: لَا تُكَفِّرْ أَحَدًا بِذَنْبٍ وَلَا تَنْفِ أَحَدًا مِنَ الْإِيمَانِ وَتَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَلَا تَتَبَرَّأْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا تُوَالِي أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ وَأَنْ تَرُدَّ أَمْرَ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵄ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْفِقْهُ الْأَكْبَرُ فِي الدِّينِ خَيْرٌ مِنَ الْفِقْهِ فِي الْعِلْمِ، وَلَأَنْ يَتَفَقَّهَ الرَّجُلُ كَيْفَ يَعْبُدُ رَبَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَجْمَعَ الْعِلْمَ الْكَثِيرَ قَالَ أَبُو مُطِيعٍ قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَفْضَلِ الْفِقْهِ؟ قَالَ: يَتَعَلَّمُ الرَّجُلُ الْإِيمَانَ وَالشَّرَائِعَ، وَالسُّنَنَ، وَالْحُدُودَ، وَاخْتِلَافَ الْأَئِمَّةِ. وَذَكَرَ مَسَائِلَ فِي الْإِيمَانِ ثُمَّ ذَكَرَ مَسَائِلَ فِي الْقَدَرِ. . . ثُمَّ

стр. 108

قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَتْبَعُهُ عَلَى ذَلِكَ أُنَاسٌ فَيَخْرُجُ مِنَ الْجَمَاعَةِ، هَلْ تَرَى ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: وَلِمَ؟ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﵌ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَهُوَ فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ. فَقَالَ: هُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ مَا يُفْسِدُونَ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُونَ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَاسْتِحْلَالِ الْحَرَامِ وَذَكَرَ الْكَلَامَ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ إِلَى أَنْ قَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ رَبِّي فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ فَقَدْ كَفَرَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ (قُلْتُ) : فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ وَلَكِنَّهُ يَقُولُ: لَا أَدْرِي الْعَرْشَ فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ قَالَ: هُوَ كَافِرٌ ; لِأَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فِي السَّمَاءِ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَأَنَّهُ يُدْعَى مِنْ أَعْلَى لَا مِنْ أَسْفَلَ، وَفِي لَفْظٍ سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَمَّنْ يَقُولُ: لَا أَدْرِي رَبِّي فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ قَالَ: قَدْ كَفَرَ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ قَالَ: فَإِنَّهُ يَقُولُ: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وَلَكِنَّهُ لَا يَدْرِي الْعَرْشَ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ، قَالَ إِذَا أَنْكَرَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَقَدْ كَفَرَ. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ فِي كِتَابِهِ (الْفَارُوقِ) بِإِسْنَادِهِ. قَالَ

стр. 109

شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَفِي هَذَا الْكَلَامِ الْمَشْهُورِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ كَفَّرَ الْوَاقِفَ الَّذِي يَقُولُ: لَا أَعْرِفُ رَبِّي فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ الْجَاحِدُ النَّافِي الَّذِي يَقُولُ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي الْأَرْضِ؟ وَاحْتَجَّ عَلَى كُفْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قَالَ: وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] دَلَّ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَأَنَّ الِاسْتِوَاءَ عَلَى الْعَرْشِ دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِنَفْسِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ ثُمَّ أَرْدَفَ ذَلِكَ بِكُفْرِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وَلَكِنْ تَوَقَّفَ فِي كَوْنِ الْعَرْشِ فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ. قَالَ: لِأَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فِي السَّمَاءِ وَأَنَّ اللَّهَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَأَنَّهُ يُدْعَى مِنْ أَعْلَى لَا مِنْ أَسْفَلَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَأَنَّهُ يُدْعَى مِنْ أَعْلَى لَا مِنْ أَسْفَلَ. وَكُلٌّ مِنْ هَاتَيْنِ الْحُجَّتَيْنِ فِطْرِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ فَإِنَّ الْقُلُوبَ مَفْطُورَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ فِي الْعُلُوِّ وَعَلَى أَنَّهُ يُدْعَى مِنْ أَعْلَى لَا مِنْ أَسْفَلَ وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، كَأَبِي يُوسُفَ وَهِشَامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَسَانِيدِهِمَا أَنَّ هِشَامَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ صَاحِبَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَاضِي الرَّيِّ حَبَسَ رَجُلًا فِي التَّجَهُّمِ فَتَابَ فَجِيءَ بِهِ إِلَى هِشَامٍ لِيَمْتَحِنَهُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى التَّوْبَةِ، فَامْتَحَنَهُ هِشَامٌ فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ وَلَا أَدْرِي مَا

стр. 110

بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. فَقَالَ: رُدُّوهُ إِلَى الْحَبْسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتُبْ، وَسَيَأْتِي قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ عِنْدَ أَقْوَالِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. [قَوْلُ إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] " قَوْلُ إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ": ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (قَالَ) حَدَّثَنِي أَبِي (قَالَ) حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ (قَالَ) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ (لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ) قَالَ: وَقِيلَ لِمَالِكٍ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (اسْتِوَاؤُهُ مَعْقُولٌ وَكَيْفِيَّتُهُ مَجْهُولَةٌ وَسُؤَالُكَ عَنْ هَذَا بِدْعَةٌ وَأَرَاكَ رَجُلَ سُوءٍ) . وَكَذَلِكَ أَئِمَّةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ مِنْ بَعْدِهِ. [قَوْلُ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ مَالِكٍ مِنْ بَعْدِهِ] قَالَ يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الطُّلَيْطِيُّ فِي كِتَابِ سِيَرِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ غَزِيرُ الْعِلْمِ

стр. 111

حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ قَوْلَ الرَّجُلِ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ وَكَانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُ هُوَ الدَّهْرُ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ قَوْلَ الرَّجُلِ: رُغْمَ (أَنْفِي لِلَّهِ) ، وَإِنَّمَا يُرْغَمُ أَنْفُ الْكَافِرِ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ قَوْلَ الرَّجُلِ: لَا وَالَّذِي خَاتَمُهُ عَلَى فَمِي، وَإِنَّمَا يُخْتَمُ عَلَى فَمِ الْكَافِرِ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ قَوْلَ الرَّجُلِ: وَاللَّهِ حَيْثُ كَانَ أَوْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ مَكَانٍ. قَالَ أَصْبَغُ: وَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ وَبِكُلِّ مَكَانِ عِلْمُهُ وَإِحَاطَتُهُ وَأَصْبَغُ مِنْ أَجَلِّ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَفْقَهِهِمْ [ذِكْرُ قَوْلِ أَبِي عَمْرٍو الطَّلَمَنْكِيِّ] " ذِكْرُ قَوْلِ أَبِي عَمْرٍو الطَّلَمَنْكِيِّ ": قَالَ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِذَاتِهِ. وَقَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا عَلَى الْمَجَازِ ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ عَنْ مَالِكٍ قَوْلَهُ: اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ثُمَّ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ: وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا﴾ [الحديد: ٤] وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ: أَنَّ ذَلِكَ عِلْمُهُ وَأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ بِذَاتِهِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَيْفَ شَاءَ، وَهَذَا لَفْظُهُ فِي كِتَابِهِ.

стр. 112

[ذِكْرُ قَوْلِ بُخَارِيِّ الْغَرْبِ الْإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إِمَامِ السُّنَّةِ فِي زَمَانِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] " ذِكْرُ قَوْلِ بُخَارِيِّ الْغَرْبِ الْإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إِمَامِ السُّنَّةِ فِي زَمَانِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ": قَالَ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الثَّامِنِ لِابْنِ شِهَابٍ عَنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلْثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» هَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي صِحَّتِهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ كَمَا قَالَتِ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ حُجَّتُهُمْ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَلَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]

стр. 113

وَقَالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَهَذَا مِنَ الْعُلُوِّ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَ ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] وَ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥] وَ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وَالْجَهْمِيُّ يَقُولُ إِنَّهُ أَسْفَلُ وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وَقَالَ لِعِيسَى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وَقَالَ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وَقَالَ ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ [فصلت: ٣٨] وَقَالَ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٢] وَالْعُرُوجُ هُوَ الصُّعُودُ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] فَمَعْنَاهُ مَنْ عَلَى السَّمَاءِ يَعْنِي عَلَى الْعَرْشِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي بِمَعْنَى عَلَى أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] أَيْ: عَلَى الْأَرْضِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وَهَذَا كُلُّهُ يُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] . وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِمَّا تَلَوْنَا مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا وَاضِحَاتٌ فِي إِبْطَالِ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَمَّا ادِّعَاؤُهُمُ الْمَجَازَ فِي الِاسْتِوَاءِ وَقَوْلُهُمْ فِي تَأْوِيلِ اسْتَوَى: اسْتَوْلَى فَلَا مَعْنَى لَهُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي اللُّغَةِ وَمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ فِي اللُّغَةِ الْمُغَالَبَةُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُغَالِبُهُ وَلَا يَعْلُوهُ أَحَدٌ،

стр. 114

وَهُوَ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ. وَمِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، حَتَّى تَتَّفِقَ الْأُمَّةُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمَجَازُ إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى اتِّبَاعِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا تَعَالَى إِلَّا عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُوَجَّهُ كَلَامُ اللَّهِ عَلَى الْأَشْهَرِ وَالْأَظْهَرِ مِنْ وُجُوهِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ لَهُ التَّسْلِيمُ، وَلَوْ سَاغَ ادِّعَاءُ الْمَجَازِ لِكُلِّ مُدَّعٍ مَا ثَبَتَ شَيْءٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَجَلَّ اللَّهُ أَنْ يُخَاطِبَ إِلَّا بِمَا تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ مِنْ مَعْهُودِ مُخَاطِبَاتِهَا مِمَّا يَصِحُّ مَعْنَاهُ عِنْدَ السَّامِعِينَ، وَالِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ فِي اللُّغَةِ مَفْهُومٌ، وَهُوَ: الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ عَلَى الشَّيْءِ وَالِاسْتِقْرَارُ وَالتَّمَكُّنُ فِيهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قَالَ: عَلَا، قَالَ: وَتَقُولُ الْعَرَبُ: اسْتَوَيْتُ فَوْقَ الدَّابَّةِ وَاسْتَوَيْتُ فَوْقَ الْبَيْتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: اسْتَوَى أَيِ اسْتَقَرَّ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] أَيِ انْتَهَى شَبَابُهُ وَاسْتَقَرَّ فَلَمْ يَكُنْ فِي شَبَابِهِ مَزِيدٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالِاسْتِوَاءُ الِاسْتِقْرَارُ فِي الْعُلُوِّ وَبِهَذَا خَاطَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] . وَقَالَ الشَّاعِرُ: فَأَوْرَدْتَهُمْ مَاءً بِفَيْفَاءَ قَفْرَةٍ ... وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ الْيَمَانِيُّ فَاسْتَوَى

стр. 115

وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَوَّلَ فِيهِ أَحَدٌ اسْتَوْلَى. لِأَنَّ النَّجْمَ لَا يَسْتَوْلِي وَقَدْ ذَكَرَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا جَلِيلًا فِي عِلْمِ الدِّيَانَةِ وَاللُّغَةِ قَالَ: حَدَّثَنِي الْخَلِيلُ وَحَسْبُكَ بِالْخَلِيلِ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا رَبِيعَةَ الْأَعْرَابِيَّ وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ مَا رَأَيْتُ فَإِذَا هُوَ عَلَى سَطْحٍ فَسَلَّمْنَا فَرَدَّ عَلَيْنَا السَّلَامَ وَقَالَ لَنَا. . اسْتَوُوا. فَبَقِينَا مُتَحَيِّرِينَ وَلَمْ نَدْرِ مَا قَالَ. فَقَالَ لَنَا أَعْرَابِيٌّ إِلَى جَنْبِهِ إِنَّهُ أَمَرَكُمْ أَنْ تَرْفَعُوا، فَقَالَ الْخَلِيلُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] فَصَعِدْنَا إِلَيْهِ. قَالَ: وَأَمَّا نَزْعُ مَنْ نَزَعَ مِنْهُمْ بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قَالَ: اسْتَوْلَى عَلَى جَمِيعِ بَرِّيَّتِهِ فَلَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ. فَالْجَوَابُ: إِنَّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَنَقَلَتُهُ مَجْهُولُونَ وَضُعَفَاءُ، فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ: فَضَعِيفَانِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ، وَهُمْ لَا يَقْبَلُونَ أَخْبَارَ الْآحَادِ الْعُدُولِ فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُمْ الِاحْتِجَاجُ

стр. 116

بِمِثْلِ هَذَا مِنَ الْحَدِيثِ لَوْ عَقَلُوا وَأَنْصَفُوا، أَمَا سَمِعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُوسَى ﵊ كَانَ يَقُولُ إِنَّ إِلَهِيَ فِي السَّمَاءِ وَفِرْعَوْنُ يَظُنُّهُ كَاذِبًا. وَقَالَ الشَّاعِرُ: فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يُقِّدُرُ الْخَلْقُ قَدْرَهُ ... وَمَنْ هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّتِهِ تَعْنُوا الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ وَهَذَا الشِّعْرُ لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ وَفِيهِ يَقُولُ فِي وَصْفِ الْمَلَائِكَةِ: وَسَاجِدُهُمْ لَا يَرْفَعُ الدَّهْرَ رَأْسَهُ ... يُعَظِّمُ رَبًّا فَوْقَهُ وَيُمَجِّدُ قَالَ: فَإِنِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وَبُقُولِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الْآيَةَ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِنَفْسِهِ وَذَاتِهِ ﵎ جَدُّهُ. قِيلَ لَهُمْ: لَا خِلَافَ بَيْنِنَا وَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ دُونَ السَّمَاءِ بِذَاتِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى الْمَعْنَى الصَّحِيحِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ مَعْبُودٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ مَعْبُودٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ

стр. 117

وَظَاهِرُ التَّنْزِيلِ يَشْهَدُ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ فَالِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ سَاقِطٌ وَأَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ مَنْ سَاعَدَهُ الظَّاهِرُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فَالْإِجْمَاعُ وَالِاتِّفَاقُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مَعْبُودٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ قَاطِعٌ. وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا فِي أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ أَنَّ الْمُوَحِّدِينَ أَجْمَعِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ إِذَا كَرَبَهُمْ أَمْرٌ، أَوْ نَزَلَتْ بِهِمْ شِدَّةٌ رَفَعُوا وُجُوهَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ وَنَصَبُوا أَيْدِيَهُمْ رَافِعِينَ مُشِيرِينَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ يَسْتَغِيثُونَ اللَّهَ رَبَّهُمْ ﵎ وَهَذَا أَشْهَرُ وَأَعْرَفُ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى " أَكْثَرَ مِنْ " حِكَايَتِهِ لِأَنَّهُ اضْطِرَارٌ لَمْ يُوقِعْهُمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ مُسْلِمٌ، وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأَمَةِ الَّتِي أَرَادَ مَوْلَاهَا عِتْقَهَا إِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً فَاخْتَبَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِأَنْ قَالَ لَهَا أَيْنَ اللَّهُ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ لَهَا مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: " أَنْتَ " رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» فَاكْتَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مِنْهَا بِرَفْعِهَا رَأَسَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَاسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَمَّا سِوَاهُ قَالَ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا ﴿يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّ عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ حُمِلَ عَنْهُمُ التَّأْوِيلُ فِي الْقُرْآنِ قَالُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ عَلَى الْعَرْشِ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمَا خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَذَكَرَ سُنَيْدٌ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قَالَ هُوَ عَلَى عَرْشِهِ، وَعِلْمُهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مِثْلُهُ

стр. 118

قَالَ سُنَيْدٌ وَحَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: اللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى الْأُخْرَى مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى الْكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ الْكُرْسِيِّ إِلَى الْمَاءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَالْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ وَاللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ وَذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فِي كِتَابِ الِاسْتِذْكَارِ. [ذِكْرُ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ الصَّغِيرِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ] قَالَ فِي خُطْبَةِ رِسَالَتِهِ الْمَشْهُورَةِ: بَابُ مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَتَعْتَقِدُهُ الْأَفْئِدَةُ مِنْ وَاجِبِ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ وَمِنْ ذَلِكَ الْإِيمَانُ بِالْقَلْبِ وَالنُّطْقُ بِاللِّسَانِ أَنَّ اللَّهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ

стр. 119

وَلَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ لَهُ وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا شَرِيكَ لَهُ، لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ وَلَا لِآخِرِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ وَلَا يَبْلُغُ كُنْهَ صِفَتِهِ الْوَاصِفُونَ وَلَا يُحِيطُ بِأَمْرِهِ الْمُتَفَكِّرُونَ يَعْتَبِرُ الْمُتَفَكِّرُونَ بِآيَاتِهِ وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَاهِيَّةِ ذَاتِهِ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ الْمُدَبِّرُ الْقَدِيرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ وَأَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ الْمَجِيدُ بِذَاتِهِ وَهُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِعِلْمِهِ. لِذَلِكَ ذَكَرَ مِثْلَ هَذَا فِي نَوَادِرِهِ وَغَيْرِهَا مَنْ كُتُبِهِ (وَذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الْمُفْرَدِ فِي السُّنَّةِ تَقْرِيرَ الْعُلُوِّ) وَاسْتِوَاءِ الرَّبِّ تَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ بِذَاتِهِ أَتَمَّ تَقْرِيرٍ فَقَالَ: (فَصْلٌ) فِيمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَةِ " وَ " مِنَ السُّنَنِ الَّتِي خِلَافُهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ: أَنَّ اللَّهَ اسْمُهُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلَى لَمْ يَزَلْ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ قَائِمٌ وَهُوَ سُبْحَانُهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّ لَهُ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَإِرَادَةً وَمَشِيئَةً أَحَاطَ عِلْمًا بِجَمِيعِ مَا بَدَأَ قَبْلَ كَوْنِهِ فَطَرَ الْأَشْيَاءَ بِإِرَادَتِهِ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وَأَنَّ كَلَامَهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فَيَبِيدُ، وَلَا صِفَةٍ لِمَخْلُوقٍ فَيَنْفَدُ، وَأَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى ﵊ بِذَاتِهِ وَأَسْمَعُهُ كَلَامَهُ لَا كَلَامًا قَامَ فِي غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ يَسْمَعُ وَيَرَى وَيَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَأَنَّ يَدَيْهِ مَبْسُوطَتَانِ

стр. 120

﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وَأَنَّ يَدَيْهِ غَيْرُ نِعْمَتِهِ فِي ذَلِكَ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَأَنَّهُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ جَائِيًا: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا لِعَرْضِ الْأُمَمِ وَحِسَابِهَا وَعِقَابِهَا وَثَوَابِهَا فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَأَنَّهُ يَرْضَى عَنِ الطَّائِعِينَ وَيُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيَسْخَطُ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِهِ وَيَغْضَبُ فَلَا يَقُومُ شَيْءٌ لِغَضَبِهِ وَأَنَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ دُونَ أَرْضِهِ وَأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِعِلْمِهِ وَأَنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ كُرْسِيًّا كَمَا قَالَ : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَكَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَضَعُ كُرْسِيَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَقُولُونَ مَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ. وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَرَاهُ أَوْلِيَاؤُهُ فِي الْمَعَادِ بِأَبْصَارِهِمْ لَا يُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] هُوَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَأَنَّهُ يُكَلِّمُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَاسِطَةٌ وَلَا تُرْجُمَانٍ وَأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ دَارَانِ قَدْ خُلِقَتَا وَأُعِدَّتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنِينَ وَالنَّارُ لِلْكَافِرِينَ الْجَاحِدِينَ. لَا تَفْنَيَانِ وَلَا تَبِيدَانِ وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قَدَّرَهُ رَبُّنَا وَأَحْصَاهُ عِلْمُهُ، وَأَنَّ مَقَادِيرَ الْأُمُورِ بِيَدِهِ وَمَصْدَرَهَا عَنْ قَضَائِهِ تَفَضَّلَ عَلَى مَنْ أَطَاعَهُ فَوَفَّقَهُ وَحَبَّبَ الْإِيمَانَ إِلَيْهِ وَزَيَّنَهُ فِي قَلْبِهِ فَيَسَّرَهُ لَهُ وَشَرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وَنَوَّرَ بِهِ قَلْبَهُ فَهَدَاهُ وَ ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الأعراف: ١٧٨] . وَخَذَلَ مَنْ عَصَاهُ وَكَفَرَ بِهِ فَأَسْلَمَهُ وَيَسَّرَهُ

стр. 121

لِذَلِكَ فَحَجَبَهُ وَأَضَلَّهُ: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] وَكَلٌّ يَنْتَهِي إِلَى سَابِقِ عِلْمِهِ لَا مَحِيصَ لِأَحَدٍ عَنْهُ وَأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَإِخْلَاصٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ يَزِيدُ " ذَلِكَ " بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ نَقْصًا عَنْ حَقَائِقِ الْكَمَالِ لَا مُحْبِطَ لِلْإِيمَانِ وَلَا قَوْلَ إِلَّا بِعَمَلٍ، وَلَا قَوْلَ وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَا قَوْلَ وَلَا عَمَلَ وَلَا نِيَّةَ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا وَلَا يُحْبِطُ الْإِيمَانَ غَيْرُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَأَنَّ عَلَى الْعِبَادِ حَفَظَةً يَكْتُبُونَ أَعْمَالَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وَأَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ كُلَّهَا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى مَتَى شَاءَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] وَأَنَّ الْخَلْقَ مَيِّتُونَ بِآجَالِهِمْ فَأَرْوَاحُ أَهْلِ السَّعَادَةِ بَاقِيَةٌ نَاعِمَةٌ إِلَى يَوْمٍ يَبْعَثُونَ وَأَرْوَاحُ أَهْلِ الشَّقَاءِ فِي سِجِّينٍ مُعَذَّبَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَأَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَيُضْغَطُونَ وَيُسْأَلُونَ وَيُثَبِّتُ اللَّهُ مَنْطِقَ مِنْ أَحَبَّ تَثْبِيتَهُ وَأَنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ كَمَا بَدَأَهُمْ يَعُودُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا وَأَنَّ الْأَجْسَادَ الَّتِي أَطَاعَتْ أَوْ عَصَتْ هِيَ الَّتِي تُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِتُجَازَى، وَالْجُلُودَ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا وَالْأَلْسِنَةَ وَالْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ الَّتِي تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ تَشْهَدُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ

стр. 122

وَتُنْصَبُ الْمُوَازِينُ لِوَزْنِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ فَأَفْلَحَ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، وَخَابَ " وَخَسِرَ " مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ. وَيُؤْتَوْنَ صَحَائِفَهُمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ حُوسِبَ حِسَابًا يَسِيرًا وَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشَمَالِهِ فَأُولَئِكَ يَصْلَوْنَ سَعِيرًا، وَأَنَّ الصِّرَاطَ جِسْرٌ مَوْرُودٌ يَجُوزُهُ الْعِبَادُ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فَنَاجُونَ مُتَفَاوِتُونَ فِي سُرْعَةِ النَّجَاةِ عَلَيْهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَقَوْمٌ أَوْبَقَتْهُمْ أَعْمَالُهُمْ فِيهَا يَتَسَاقَطُونَ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ الشَّفَاعَةَ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمٌ مِنْ أُمَتِّهِ بَعْدَ أَنْ صَارُوا " فِيهَا " حُمَمًا فَيُطْرَحُونَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. وَالْإِيمَانُ بِحَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرِدْهُ أُمَّتُهُ لَا يَظْمَأُ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ، وَيُذَادُ عَنْهُ مَنْ غَيَّرَ وَبَدَّلَ. وَالْإِيمَانُ بِمَا جَاءَ مِنْ خَبَرِ الْإِسْرَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى السَّمَاوَاتِ عَلَى مَا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ وَأَنَّهُ ﷺ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى، وَبِمَا ثَبَتَ مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ﵊ حَكَمًا عَدَلًا، وَقَتْلِهِ لِلدَّجَّالَ، وَبِالْآيَاتِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجِ الدَّابَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ، وَنُصَدِّقُ بِمَا جَاءَنَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَ " مَا " ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَخْبَارِهِ

стр. 123

يُوجِبُ الْعَمَلَ بِمُحْكَمِهِ " وَنُؤْمِنُ " وَنُقِرُّ بِنَصِّ مُشْكَلِهِ وَمُتَشَابِهِهِ وَنَكِلُ مَا غَابَ عَنَّا مِنْ حَقِيقَةِ تَفْسِيرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ مِنْ كِتَابِهِ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ مُشْكَلَهُ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْكِتَابُ، وَأَنَّ أَفْضَلَ الْقُرُونِ قَرْنُ الصَّحَابَةِ ﵃ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَنَّ أَفْضَلَ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِّيٌّ وَقِيلَ ثُمَّ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَنَكُفُّ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ يُفَضِّلُ أَحَدَهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَرَأَى الْكَفَّ عَنْهُمَا وَرُوِيَ عَنْهُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَعَنْ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الْعَشَرَةِ ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ثُمَّ مِنَ الْأَنْصَارِ وَمِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ عَلَى قَدْرِ الْهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَكُلُّ مَنْ صَحِبَهُ وَلَوْ سَاعَةً أَوْ " رَآهُ " وَلَوْ مَرَّةً فَهُوَ بِذَلِكَ أَفْضَلُ مِنَ التَّابِعِينَ وَالْكَفُّ عَنْ ذِكْرِ

стр. 124

أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِخَيْرِ مَا يُذْكَرُونَ بِهِ، وَأَنَّهُمْ أَحَقُّ أَنْ نَنْشُرَ مَحَاسِنَهُمْ وَيُلْتَمَسُ لَهُمْ أَفْضَلُ الْمَخَارِجِ وَنَظُنُّ بِهِمْ أَحْسَنَ الْمَذَاهِبِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُؤْذُونِي فِي أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أَحَدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» . وَقَالَ ﷺ : «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا» . قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا يُذْكَرُونَ إِلَّا بِأَحْسَنِ ذِكْرٍ، وَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَكُلِّ مَنْ وَلِيَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ رِضَى أَوْ عَنْ غَلَبَةٍ وَاشْتَدَّتْ وَطْأَتُهُ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجَرٍ فَلَا يُخْرَجُ عَلَيْهِ جَارَ أَوْ عَدَلَ، وَنَغْزُو مَعَهُ الْعَدُوَّ وَنَحُجُّ مَعَهُ الْبَيْتَ، وَدَفْعُ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِمْ مُجْزِيَةٌ إِذَا طَلَبُوهَا وَنُصَلِّي خَلْفَهُمُ الْجُمْعَةَ وَالْعِيدَيْنِ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا نُصَلِّي خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ نَخَافَهُ فَنُصَلِّي. وَاخْتُلِفَ فِي الْإِعَادَةِ، وَلَا بَأْسَ بِقِتَالِ مَنْ دَافَعَكَ مِنَ الْخَوَارِجِ وَاللُّصُوصِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ عَنْ نَفْسِكَ وَمَالِكَ، وَالتَّسْلِيمُ لِلسُّنَنِ لَا تُعَارِضْ بِرَأْيٍ وَلَا تُدَافِعْ بِقِيَاسٍ، وَمَا تَأَوَّلَهُ مِنْهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ تَأَوَّلْنَاهُ، وَمَا عَمِلُوا بِهِ عَمِلْنَاهُ، وَمَا تَرَكُوهُ تَرْكْنَاهُ، وَيَسَعَنَا أَنْ نُمْسِكَ عَمَّا أَمْسَكُوا وَنَتَّبِعَهُمْ فِيمَا بَيَّنُوا وَنَقْتَدِيَ بِهِمْ فِيمَا اسْتَنْبَطُوهُ وَرَأَوْهُ فِي الْحَوَادِثِ وَلَا نَخْرُجُ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أَوْ فِي تَأْوِيلِهِ، وَكُلُّ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةِ النَّاسِ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ، وَكُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ فَمِنْهُ مَنْصُوصٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْهُ مَعْلُومٌ مِنْ مَذْهَبِهِ، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَتِهِ وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ لِأَحَدٍ تَبْدِيلُهَا وَلَا تَغْيِيرُهَا وَلَا النَّظَرُ فِيمَا خَالَفَهَا، مَنِ اهْتَدَى بِهَا هُدِيَ وَمَنِ اسْتَنْصَرَ بِهَا نُصِرَ، وَمَنْ تَرَكَهَا وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، قَالَ مَالِكٌ: أَعْجَبَنِي

стр. 125

عَزْمَ عُمَرَ ﵁ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُدَوَّنَةِ: وَأَنَّهُ تَعَالَى فَوْقَ عَرْشِهِ بِذَاتِهِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ دُونَ أَرْضِهِ ﵁ مَا كَانَ أَصْلَبَهُ فِي السَّنَةِ وَأَقْوَمَهُ بِهَا. [قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مَوْهِبٍ الْمَالِكِيِّ شَارِحِ رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنَ الْمَشْهُورِينَ فِي الْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] (قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مَوْهِبٍ الْمَالِكِيِّ شَارِحِ رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنَ الْمَشْهُورِينَ فِي الْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) : قَالَ فِي شَرْحِهِ لِلرِّسَالَةِ وَمَعْنَى " فَوْقَ " " وَعَلَا " وَاحِدٌ بَيْنَ جَمِيعِ الْعَرَبِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ تَصْدِيقُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَقَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ خَوْفِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ، «وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لِلْأَعْجَمِيَّةِ: أَيْنَ اللَّهُ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ» ، «وَوَصَفَ النَّبِيُّ ﵌ أَنَّهُ عُرِجَ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ (ثُمَّ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ) إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ثُمَّ إِلَى مَا فَوْقَهَا حَتَّى قَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ وَلَمَّا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ جَعَلَ كُلَّمَا هَبَطَ مِنْ مَكَانِهِ تَلَقَّاهُ مُوسَى

стр. 126

عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَعْضِ السَّمَاوَاتِ وَأَمَرَهُ بِسُؤَالِ التَّخْفِيفِ عَنْ أُمَّتِهِ فَرَجَعَ صَاعِدًا مُرْتَفِعًا إِلَى اللَّهِ فَسَأَلَهُ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ» وَسَنَذْكُرُ تَمَامَ كَلَامِهِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قُرْبٍ. [قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ خَلَفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِيِّ الْأَنْدَلُسِيِّ ﵀] قَالَ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الِاهْتِدَاءِ لِأَهْلِ الْحَقِّ وَالِاقْتِدَاءِ مِنْ تَصْنِيفِهِ مِنْ شَرْحِ الْمُلَخَّصِ لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَالِكٍ " عَنْ " ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حَتَّى يَبْقَى ثُلْثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّةٍ وَلَا تَكْيِيفَ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَدَلِيلُ قَوْلِهِمْ أَيْضًا مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥] وَقَوْلُهُ تَعَالَى:

стр. 127

﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِعِيسَى ﵊: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ - مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ - تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٢ - ٤] وَالْعُرُوجُ هُوَ الصُّعُودُ، (وَ) قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: إِنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ لَا يَخْلُو مِنْ عِلْمِهِ مَكَانٌ يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِقَوْلِهِ فِي السَّمَاءِ: عَلَى السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] أَيْ: مَنْ عَلَى السَّمَاءِ يَعْنِي عَلَى الْعَرْشِ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢] أَيْ عَلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ لِمَالِكٍ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . كَيْفَ اسْتَوَى، قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِقَائِلِهِ: اسْتِوَاؤُهُ مَعْقُولٌ، وَكَيْفِيَّتُهُ مَجْهُولَةٌ، وَسُؤَالُكَ عَنْ هَذَا بِدْعَةٌ وَأَرَاكَ رَجُلَ سُوءٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أَيْ: عَلَا، قَالَ: وَتَقُولُ الْعَرَبُ: اسْتَوَيْتُ فَوْقَ الدَّابَّةِ وَفَوْقَ الْبَيْتِ، وَكُلُّ مَا قَدَّمْتُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ فِي إِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْمَجَازِ فِي الِاسْتِوَاءِ، وَأَنَّ اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ فِي اللُّغَةِ الْمُغَالَبَةُ وَأَنَّهُ لَا يُغَالِبُهُ أَحَدٌ وَمِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ حَتَّى تَتَّفِقَ الْأُمَّةُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمَجَازُ إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى اتِّبَاعِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا إِلَّا عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُوَجَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْأَشْهَرِ وَالْأَظْهَرِ مِنْ وُجُوهِهِ مَا

стр. 128

لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ لَهُ التَّسْلِيمُ وَلَوْ سَاغَ ادِّعَاءُ الْمَجَازِ لِكُلِّ مُدَّعٍ مَا ثَبَتَ شَيْءٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَجَلَّ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَنْ يُخَاطِبَ إِلَّا بِمَا تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ مِنْ مَعْهُودِ مُخَاطِبَاتِهَا مِمَّا يَصِحُّ مَعْنَاهُ عِنْدَ السَّامِعِينَ. وَالِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ وَالتَّمَكُّنُ فِي الشَّيْءِ. وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا فِي أَنَّ اللَّهَ عَلَى الْعَرْشِ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ أَنَّ الْمُوَحِّدِينَ أَجْمَعِينَ إِذَا كَرَبَهُمْ أَمْرٌ رَفَعُوا وُجُوهَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ يَسْتَغِيثُونَ اللَّهَ رَبَّهُمْ «وَقَوْلُهُ ﵌ لِلْأَمَةِ الَّتِي أَرَادَ مَوْلَاهَا عِتْقَهَا: أَيْنَ اللَّهُ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ لَهَا: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: " أَنْتَ " رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» . فَاكْتَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مِنْهَا بِرَفْعِ رَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَدَلَّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَدَلِيلُ قَوْلِنَا أَيْضًا قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي وَصْفِ الْمَلَائِكَةِ: وَسَاجِدُهُمْ لَا يَرْفَعُ الدَّهْرَ رَأْسَهُ ... يُعَظِّمُ رَبًّا فَوْقَهُ وَيُمَجِّدُ فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يُقَدِّرُ الْخَلْقُ قَدْرَهُ ... وَمَنْ هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّتِهِ تَعْنُوا الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ

стр. 129

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُوسَى ﵊ كَانَ يَقُولُ: إِلَهِي فِي السَّمَاءِ وَفِرْعَوْنُ يَظُنُّهُ كَاذِبًا، فَإِنِ احْتَجَّ " أَحَدٌ " عَلَيْنَا فِيمَا قَدَّمْنَاهُ وَقَالَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَشْبَهَ الْمَخْلُوقَاتِ لَأَنَّ مَا أَحَاطَتْ بِهِ الْأَمْكِنَةُ وَاحْتَوَتْهُ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، فَشَيْءٌ لَا يَلْزَمُ وَلَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا يُقَاسُ بِشَيْءٍ مِنْ بَرِّيَّتِهِ " وَ " لَا يُدْرَكُ بِقِيَاسٍ وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ كَانَ قَبْلَ الْأَمْكِنَةِ وَيَكُونُ بَعْدَهَا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ وَكُلُّ ذِي لُبٍّ أَنَّهُ لَا يَعْقِلُ كَائِنٌ إِلَّا فِي مَكَانٍ مَا وَمَا لَيْسَ فِي مَكَانٍ فَهُوَ عَدَمٌ وَقَدْ صَحَّ فِي الْعُقُولِ وَثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَزَلِ لَا فِي مَكَانٍ وَلَيْسَ بِمَعْدُومٍ فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ؟ أَوْ يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ تَمْثِيلٌ أَوْ تَشْبِيهٌ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. (فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ) : إِذَا وَصَفْنَا رَبَّنَا تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَزَلِ لَا فِي مَكَانٍ ثُمَّ خَلَقَ الْأَمَاكِنَ فَصَارَ فِي مَكَانٍ وَفِي ذَلِكَ إِقْرَارٌ مِنَّا بِالتَّغْيِيرِ وَالِانْتِقَالِ إِذْ زَالَ عَنْ صِفَتِهِ فِي الْأَزَلِ وَصَارَ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ. قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ " زَعَمْتَ " أَنْتَ أَنَّهُ كَانَ لَا فِي مَكَانٍ ثُمَّ صَارَ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَنَقَلَ صِفَتَهُ مِنَ الْكَوْنِ لَا فِي مَكَانٍ إِلَى صِفَةٍ هِيَ الْكَوْنُ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَقَدْ تَغَيَّرَ عِنْدَكَ مَعْبُودٌ وَانْتَقَلَ مِنْ لَا مَكَانَ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ فِي الْأَزَلِ فِي كُلِّ مَكَانٍ كَمَا هُوَ الْآنَ فَقَدْ أَوْجَبَ

стр. 130

الْأَمَاكِنَ وَالْأَشْيَاءَ مَوْجُودَةً مَعَهُ فِي أَزَلِيَّتِهِ وَهَذَا فَاسِدٌ. (فَإِنْ قَالَ) : فَهَلْ يَجُوزُ عِنْدَكَ أَنْ يَنْتَقِلَ مَنْ لَا مَكَانَ فِي الْأَزَلِ إِلَى مَكَانٍ. قِيلَ لَهُ: أَمَّا الِانْتِقَالُ وَتَغَيُّرُ الْحَالِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى إِطْلَاقِ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ كَوْنَهُ فِي الْأَزَلِ لَا يُوجِبُ مَكَانًا وَكَذَلِكَ نَقْلَتُهُ لَا تُوجِبُ مَكَانًا وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ كَالْخَلْقِ لِأَنَّ كَوْنَ مَا كَوْنُهُ يُوجِبُ " مَكَانًا " مِنَ الْخَلْقِ وَنَقْلَتُهُ تُوجِبُ مَكَانًا وَيَصِيرُ مُنْتَقِلًا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ كَذَلِكَ. . . وَلَكِنَّا نَقُولُ: اسْتَوَى مِنْ لَا مَكَانَ إِلَى مَكَانٍ وَلَا نَقُولُ: انْتَقَلَ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَاحِدًا. كَمَا نَقُولُ: لَهُ عَرْشٌ وَلَا نَقُولُ: لَهُ سَرِيرٌ، وَنَقُولُ: هُوَ الْحَكِيمُ وَلَا نَقُولُ: هُوَ الْعَاقِلُ، وَنَقُولُ: خَلِيلُ إِبْرَاهِيمَ وَلَا نَقُولُ: صَدِيقُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَاحِدًا لِأَنَّا لَا نُسَمِّيهِ وَلَا نَصِفُهُ وَلَا نُطْلِقُ عَلَيْهِ إِلَّا مَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَا نَدْفَعُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ دَفْعٌ لِلْقُرْآنِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وَلَيْسَ مَجِيئُهُ حَرَكَةً وَلَا زَوَالًا وَلَا انْتِقَالًا لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الْجَائِيُ جِسْمًا أَوْ جَوْهَرًا فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ حَرَكَةً وَلَا نَقْلَةً، وَلَوِ اعْتَبَرْتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ جَاءَتْ فُلَانًا قِيَامَتُهُ، وَجَاءَهُ الْمَوْتُ، وَجَاءَهُ الْمَرَضُ، وَشِبْهُ ذَلِكَ (مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ نَازِلٌ بِهِ وَلَا مَجِيءَ، لَبَانَ لَكَ وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْتَوِيًا عَلَى مَكَانٍ إِلَّا مَقْرُونًا بِالْكَيْفِ قِيلَ لَهُ: قَدْ يَكُونُ الِاسْتِوَاءُ وَاجِبًا وَالتَّكْيِيفُ مُرْتَفِعٌ وَلَيْسَ رَفْعُ التَّكْيِيفِ يُوجِبُ رَفْعَ الِاسْتِوَاءِ وَلَوْ لَزِمَ هَذَا لَزِمَ التَّكْيِيفُ فِي الْأَزَلِ " لِأَنَّهُ " لَا يَكُونُ كَائِنًا فِي مَكَانٍ وَلَا مَقْرُونًا بِالتَّكْيِيفِ. فَإِنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ وَلَا مَكَانَ وَهُوَ غَيْرُ مَقْرُونٍ بِالتَّكْيِيفِ وَقَدْ

стр. 131

عَقَلْنَا وَأَدْرَكْنَا بِحَوَاسِّنَا أَنَّ لَنَا أَرْوَاحًا فِي أَبْدَانِنَا وَلَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ وَلَيْسَ جَهْلُنَا بِكَيْفِيَّةِ الْأَرْوَاحِ يُوجِبُ أَنْ لَيْسَ لَنَا أَرْوَاحٌ وَكَذَلِكَ لَيْسَ جَهْلُنَا بِكَيْفِيَّتِهِ عَلَى عَرْشِهِ يُوجِبُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى عَرْشِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا ﵎ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ قَالَ كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ» . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْعَمَاءُ: مَمْدُودٌ وَهُوَ السَّحَابُ، وَالْعَمَى مَقْصُورٌ: الظُّلْمَةُ، وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ فَمَنْ رَوَاهُ بِالْمَدِّ فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ كَانَ فِي عَمَاءِ سَحَابٍ مَا تَحْتَهُ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ عَلَى الْعَمَاءِ وَمَنْ رَوَاهُ بِالْقَصْرِ فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ كَانَ فِي عَمَى عَنْ خَلْقِهِ لِأَنَّهُ مِنْ عَمِيَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ أَظْلَمَ عَنْهُ. قَالَ سُنَيْدٌ بِسَنَدِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّ بَيْنَ الْعَرْشِ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ لَسَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ وَحِجَابًا مِنْ ظُلْمَةٍ، وَرَوَى أَيْضًا سُنَيْدٌ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى الْأُخْرَى مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى الْكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، " وَمَا بَيْنَ الْكُرْسِيِّ إِلَى الْمَاءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ "، وَالْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ وَاللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ وَيَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَيْضًا: إِنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: يُرِيدُ فَوْقَ الْعَرْشِ، لِأَنَّ الْعَرْشَ آخِرُ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَ فَوْقَهُ مَخْلُوقٌ وَاللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ دُونَ تَكْيِيفٍ وَلَا مُمَاسَّةٍ وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا إِلَّا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنِ الْأَحْنَفِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ إِلَى سَحَابَةٍ فَقَالَ مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ قَالُوا: السَّحَابُ، قَالَ: وَالْمُزْنُ. قَالُوا: وَالْمُزْنُ. قَالَ: وَالْعَنَانُ. قَالُوا: وَالْعَنَانُ قَالَ: كَمْ تَرَوْنَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ؟ قَالُوا لَا نَدْرِي، قَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ إِمَّا وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَالسَّمَاءُ فَوْقَهَا كَذَلِكَ بَيْنَهُمَا مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ

стр. 132

السَّابِعَةِ بَحْرٌ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ بَيْنَ أَظْلَافِهِمْ وَرُكَبِهِمْ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ عَلَى ظُهُورِهِمُ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ ثُمَّ اللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ ذَلِكَ» ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. [قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى الْمَالِكِيِّ الْمَشْهُورِ بِابْنِ أَبِي زَمَنِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] (قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى الْمَالِكِيِّ الْمَشْهُورِ بِابْنِ أَبِي زَمَنِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) : قَالَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي أُصُولِ السُّنَّةِ: بَابُ الْإِيمَانِ بِالْعَرْشِ قَالَ: وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ وَاخْتَصَّهُ بِالْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ فَوْقَ جَمِيعِ مَا خَلَقَ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَيْهِ كَيْفَ شَاءَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد: ٤] وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: قُلْتُ «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ قَالَ كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ» : ثُمَّ ذَكَرَ الْآثَارَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَالَ: بَابُ الْإِيمَانِ بِالْحُجُبِ قَالَ: وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ مُحْتَجِبٌ عَنْهُمْ بِالْحُجُبِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] إِلَى أَنْ قَالَ: بَابُ الْإِيمَانِ

стр. 133

بِالنُّزُولِ، قَالَ: وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَذَكَرَ حَدِيثَ النُّزُولِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ فِي السَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ وَهُوَ أَيْضًا بَيِّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَفِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالَ اللَّهُ : ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥] ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وَسَاقَ الْآيَاتِ فِي الْعُلُوِّ وَذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْجَارِيَةِ أَيْنَ اللَّهُ؟ ثُمَّ قَالَ: وَالْأَحَادِيثُ مِثْلُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. [قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ إِمَامِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْعِرَاقِ] (قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ إِمَامِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْعِرَاقِ) : مِنْ كِبَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِذَاتِهِ، نَقَلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى. [ذِكْرُ قَوْلِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ] (ذِكْرُ قَوْلِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ) : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدَّسَ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ

стр. 134

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْإِمَامِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ وَأَبُو ثَوْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: الْقَوْلُ فِي السُّنَّةِ الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا وَرَأَيْتُ أَصْحَابَنَا عَلَيْهَا أَهْلَ الْحَدِيثِ الَّذِينَ رَأَيْتُهُمْ وَأَخَذْتُ عَنْهُمْ مِثْلَ سُفْيَانَ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا الْإِقْرَارُ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ فِي سَمَائِهِ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ شَاءَ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كَيْفَ شَاءَ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَمَا يُؤْمِنُ بِهِ فَقَالَ: لِلَّهِ تَعَالَى أَسْمَاءٌ وَصَفَاتٌ جَاءَ بِهَا كِتَابُهُ وَأَخْبَرَ بِهَا نَبِيُّهُ أُمَّتَهُ لَا يَسَعُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ رَدُّهَا ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِهَا وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ الْقَوْلُ " بِهَا " فِيمَا رَوَى عَنْهُ الْعُدُولُ فَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ فَهُوَ كَافِرٌ أَمَّا قَبْلَ ثُبُوتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ فَمَعْذُورٌ بِالْجَهْلِ لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَلَا بِالرَّوِيَّةِ وَالْقَلْبِ وَلَا نُكَفِّرُ بِالْجَهْلِ بِهَا أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ انْتِهَاءِ الْخَبَرِ إِلَيْهِ بِهَا وَتَثْبِيتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَنَنْفِي عَنْهَا التَّشْبِيهَ كَمَا نَفَى التَّشْبِيهَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وَصَحَّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: خِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ " حَقٌّ " قَضَاهَا اللَّهُ فِي سَمَائِهِ وَجَمَعَ عَلَيْهَا قُلُوبَ أَصْحَابِ نَبِيِّهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْضِيَّ فِي الْأَرْضِ وَالْقَضَاءَ فِعْلُهُ الْمُتَضَمِّنُ لِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَقَالَ فِي خُطْبَةِ رِسَالَتِهِ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَفَوْقَ مَا يَصِفُهُ بِهِ خَلْقُهُ) فَجَعَلَ صِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا تُتَلَقَّى بِالسَّمْعِ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ﵁، الْأَصْلُ قُرْآنٌ وَسُنَّةٌ فَإِنْ

стр. 135

لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَيْهِمَا وَإِذَا اتَّصَلَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَصَحَّ الْإِسْنَادُ مِنْهُ فَهُوَ سُنَّةٌ، وَالْإِجْمَاعُ أَكْبَرُ مِنَ الْخَبَرِ الْمُفْرَدِ، وَالْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِذَا احْتَمَلَ الْمَعَانِي فَمَا أَشْبَهَ مِنْهَا ظَاهَرَهُ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ، قَالَ الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى فَذَكَرَهُ بِهِ. [قَوْلُ صَاحِبِهِ إِمَامِ الشَّافِعِيَّةِ فِي وَقْتِهِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى الْمُزَنِيِّ] (قَوْلُ صَاحِبِهِ إِمَامِ الشَّافِعِيَّةِ فِي وَقْتِهِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى الْمُزَنِيِّ) : فِي رِسَالَتِهِ فِي السُّنَّةِ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ وَنَحْنُ نَسُوقُهَا كُلَّهَا بِلَفْظِهَا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِالتَّقْوَى وَوَفَّقَنَا وَإِيَّاكُمْ لِمُوَافَقَةِ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ سَأَلْتَنِي أَنْ أُوَضِّحَ لَكَ مِنَ السُّنَّةِ أَمْرًا تُبَصِّرُ نَفْسَكَ عَلَى التَّمَسُّكِ " بِهِ " وَتَدْرَأُ بِهِ عَنْكَ شُبَهَ الْأَقَاوِيلِ وَزَيْغَ مُحْدَثَاتِ الضَّالِّينَ فَقَدْ شَرَحْتُ " لَكَ " مِنْهَاجًا وَاضِحًا لَمْ آلُ نَفْسِي وَإِيَّاكَ فِيهِ نُصْحًا، بَدَأْتُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ ذِي الرُّشْدِ وَالتَّسْدِيدِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ أَحَقِّ مَا بُدِأَ، وَأَوْلَى مَنْ شُكِرَ، وَعَلَيْهِ أُثْنِي، الْوَاحِدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ جَلَّ عَنِ الْمَثَلِ فَلَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا عَدِيلَ السَّمِيعِ الْبَصِيرِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ الْمَنِيعِ الرَّفِيعِ، عَالٍ عَلَى عَرْشِهِ وَهُوَ دَانٍ بِعِلْمِهِ مِنْ خَلْقِهِ أَحَاطَ عِلْمُهُ

стр. 136

بِالْأُمُورِ وَأَنْفَذَ فِي خَلْقِهِ سَابِقَ الْمَقْدُورِ، (وَ) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، فَالْخَلْقُ عَامِلُونَ بِسَابِقِ عِلْمِهِ وَنَافِذُونَ لِمَا خَلَقَهُمْ لَهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الطَّاعَةِ وَلَا يَجِدُونَ إِلَى صَرْفِ الْمَعْصِيَةِ عَنْهَا دَفْعًا، خَلَقَ الْخَلْقَ بِمَشِيئَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كَانَتْ بِهِ، فَخَلَقَ الْمَلَائِكَةَ جَمِيعًا لِطَاعَتِهِ وَجَبَلَهُمْ عَلَى عِبَادَتِهِ، فَمِنْهُمْ مَلَائِكَةٌ بِقُدْرَتِهِ لِلْعَرْشِ حَامِلُونَ، وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ حَوْلَ عَرْشِهِ يَسْبَحُونَ، وَآخَرُونَ بِحَمْدِهِ يُقَدِّسُونَ، وَاصْطَفَى مِنْهُمْ رُسُلًا إِلَى رُسُلِهِ، وَبَعْضٌ مُدَبِّرُونَ لِأَمْرِهِ. ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَقَبْلَ ذَلِكَ لِلْأَرْضِ خَلَقَهُ وَنَهَاهُ عَنْ شَجَرَةٍ قَدْ نَفَذَ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ بِأَكْلِهَا ثُمَّ ابْتَلَاهُ بِمَا نَهَاهُ عَنْهُ مِنْهَا ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِ عَدُوَّهُ فَأَغْوَاهُ عَلَيْهَا وَجَعَلَ أَكْلَهُ " إِلَى الْهُبُوطِ " إِلَى الْأَرْضِ سَبَبًا فَمَا وَجَدَ إِلَى تَرْكِ أَكْلِهَا سَبِيلًا وَلَا عَنْهُ لَهَا مَذْهَبًا. ثُمَّ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَهْلًا فَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ؟ بِمَشِيئَتِهِ عَامِلُونَ وَبِقُدْرَتِهِ وَبِإِرَادَتِهِ يُنَفِّذُونَ. وَخَلَقَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ لِلنَّارِ أَهْلًا فَخَلَقَ لَهُمْ أَعْيُنًا لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَآذَانًا لَا يَسْمَعُونَ بِهَا وَقُلُوبًا لَا يَفْقَهُونَ بِهَا فَهُمْ بِذَلِكَ عَنِ الْهُدَى مَحْجُوبُونَ وَهُمْ بِأَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ بِسَابِقِ قَدَرِهِ يَعْمَلُونَ، وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَهُمَا شَيْئَانِ وَنِظَامَانِ وَقَرِينَانِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ; لَا إِيمَانَ إِلَّا بِعَمَلٍ وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِإِيمَانٍ. وَالْمُؤْمِنُونَ فِي الْإِيمَانِ يَتَفَاضَلُونَ وَبِصَالِحِ الْأَعْمَالِ هُمْ مُتَزَايَدُونَ وَلَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْإِيمَانِ بِالذُّنُوبِ وَلَا يُكَفَّرُونَ بِرُكُوبِ كَبِيرَةٍ وَلَا عِصْيَانٍ وَلَا يُوجَبُ لِمُحْسِنِهِمْ بِغَيْرِ مَا أَوْجَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﵌، وَلَا يُشْهَدُ عَلَى مُسِيئِهِمْ بِالنَّارِ.

стр. 137

وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَمِنَ اللَّهِ، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فَيَبِيدُ وَقُدْرَةُ اللَّهِ وَنِعْمَتُهُ وَصِفَاتُهُ كُلُّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَاتٍ دَائِمَاتٌ أَزَلِيَّةٌ لَيْسَتْ بِمُحْدَثَاتٍ وَلَا كَانَ رَبُّنَا نَاقِصًا فَيَزِيدُ جَلَّتْ صِفَاتُهُ عَنْ شَبَهِ الْمَخْلُوقِينَ وَقَصُرَتْ عَنْ فِطَنِ الْوَاصِفِينَ قَرِيبٌ بِالْإِجَابَةِ عِنْدَ السُّؤَالِ بَعِيدٌ بِالتَّعْزِيزِ لَا يُنَالُ عَالٍ عَرْشُهُ بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمَعْدُومٍ وَلَا مَفْقُودٍ، وَالْخَلْقُ مَيِّتُونَ بِآجَالِهِمْ عِنْدَ نَفَادِ أَرْزَاقِهِمْ وَانْقِطَاعِ آثَارِهِمْ. ثُمَّ هُمْ بَعْدَ الضَّغْطَةِ فِي الْقُبُورِ مَسْئُولُونَ. وَبَعْدَ الْبِلَى مَنْشُورُونَ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى رَبِّهِمْ مَحْشُورُونَ وَعِنْدَ الْعَرْضِ عَلَيْهِ مُحَاسَبُونَ بِحَضْرَةِ الْمَوَازِينِ وَنَشْرِ صُحُفِ الدَّوَاوِينِ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ لَوْ كَانَ غَيْرُ اللَّهِ الْحَاكِمَ بَيْنَ خَلْقِهِ، فَاللَّهُ يَلِي الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ بِعَدْلِهِ بِمِقْدَارِ الْقَائِلَةِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ كَمَا بَدَأَهُمْ، مَنْ لَهُ شَقَاوَةٌ وَسَعَادَةٌ. يَوْمَئِذٍ تَعُودُونَ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ يَنْعَمُونَ وَبِصُنُوفِ اللَّذَّاتِ يَتَلَذَّذُونَ وَبِأَفْضَلِ الْكَرَامَةِ يُحْبَرُونَ، فَهُمْ حِينَئِذٍ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْظُرُونَ، لَا يُمَارُونَ فِي النَّظَرِ وَلَا يَشْكُونَ فَوُجُوهُهُمْ بِكَرَامَتِهِ نَاضِرَةٌ وَأَعْيُنُهُمْ بِفَضْلِهِ إِلَيْهِ نَاظِرَةٌ فِي نَعِيمٍ دَائِمٍ مُقِيمٍ ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥] . وَأَهَلُ الْجَحْدِ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ مَحْجُوبُونَ وَفِي النَّارِ مُسْجَرُونَ ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠] لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ إِخْرَاجَهُ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ مِنْهَا، وَالطَّاعَةُ لِأُولِي الْأَمْرِ فِيمَا كَانَ عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيًّا وَاجْتِنَابُ مَا كَانَ مُسْخَطًا وَتَرْكُ الْخُرُوجِ عِنْدَ تَعَدِّيهِمْ وَجَوْرِهِمْ وَالتَّوْبَةُ إِلَى اللَّهِ كَيْمَا يَعْطِفْ بِهِمْ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ وَالْإِمْسَاكُ عَنْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَالْبَرَاءَةُ

стр. 138

مِنْهُمْ فِيمَا أَحْدَثُوا مَا لَمْ يَبْتَدِعُوا ضَلَالَةً، فَمَنِ ابْتَدَعَ مِنْهُمْ ضَلَالَةً كَانَ عَنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ خَارِجًا وَمِنَ الدِّينِ مَارِقًا وَيُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ، وَنَهْجُرُ وَنَتَجَنَّبُ غُرَّتَهُ فَهِيَ أَعْدَى مِنْ غِرَّةِ الْحَرْبِ. وَيُقَالُ يُفَضَّلُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ ثُمَّ عُمَرُ فَهُمَا وَزِيرَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَضَجِيعَاهُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ ﵃ أَجْمَعِينَ ثُمَّ الْبَاقِينَ مِنَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ أَوْجَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَنَّةَ وَيُخْلَصُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَنِ الْمَحَبَّةِ بِقَدْرِ الَّذِي أَوْجَبَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّفْضِيلِ ثُمَّ لِسَائِرِ أَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَيُقَالُ بِفَضْلِهِمْ، وَيُذْكَرُونَ بِمَحَاسِنِ أَفْعَالِهِمْ، وَيُمْسَكُ عَنِ الْخَوْضِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ وَهُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ نَبِيِّهِمُ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ وَجَعَلَهُمْ أَنْصَارًا لِدِينِهِ فَهُمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَأَعْلَامُ الْمُسْلِمِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَلَا نَتْرُكُ حُضُورَ صَلَاةِ الْجُمْعَةِ وَصَلَاتَهَا مَعَ بَرِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفَاجِرِهَا مَا كَانَ مِنَ الْبِدْعَةِ بَرِيًّا، وَالْجِهَادُ مَعَ كُلِّ إِمَامٍ عَادِلٍ أَوْ جَائِرٍ وَالْحَجُّ وَإِقْصَارُ الصَّلَاةِ فِي الْأَسْفَارِ وَالتَّخْيِيرُ فِيهِ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْإِفْطَارِ، هَذِهِ مَقَالَاتٌ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا الْمَاضُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَبِتَوْفِيقِ اللَّهِ اعْتَصَمَ بِهَا التَّابِعُونَ قُدْوَةً وَرِضَا وَجَانَبُوا التَّكَلُّفَ فِيمَا كَفُّوا فَسَدَّدُوا بِعَوْنِ اللَّهِ وَوُفِّقُوا لَمْ يَرْغَبُوا عَنْ الِاتِّبَاعِ فَيُقَصِّرُوا وَلَمْ يُجَاوِزُوهُ فَيَعْتَدُوا فَنَحْنُ بِاللَّهِ وَاثِقُونَ وَعَلَيْهِ مُتَوَكِّلُونَ وَإِلَيْهِ فِي اتِّبَاعِ آثَارِهِمْ رَاغِبُونَ. فَهَذَا شَرْحُ السُّنَّةِ تَحَرَّيْتُ كَشْفَهَا وَأَوْضَحْتُهُ، فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلْقِيَامِ بِمَا أَبَنْتُهُ مَعَ مَعُونَتِهِ لَهُ بِالْقِيَامِ عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِهِ بِالِاحْتِيَاطِ فِي النَّجَاسَاتِ وَإِسْبَاغِ الطِّهَارَاتِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَأَدَاءِ الصَّلَوَاتِ عَلَى الِاسْتِطَاعَاتِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى أَهْلِ الْجِدَاتِ وَالْحَجِّ عَلَى أَهْلِ الْجِدَةِ

стр. 139

وَالِاسْتِطَاعَاتِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِأَهْلِ الصِّحَّاتِ، وَخَمْسِ صَلَوَاتٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَلَاةِ الْوَتْرِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ وَالِاحْتِرَازِ مِنَ النَّمِيمَةِ وَالْكَذِبِ وَالْغَيْبَةِ وَالْبَغْيِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تَقُولَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُ، كُلُّ هَذِهِ كَبَائِرُ مُحَرَّمَاتٌ وَالتَّحَرِّي فِي الْمَكَاسِبِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَحَارِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَاجْتِنَابِ الشَّهَوَاتِ فَإِنَّهَا دَاعِيَةٌ لِرُكُوبِ الْمُحَرَّمَاتِ فَمَنْ رَعَى حَوْلَ الْحِمَى فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَ فِي الْحِمَى فَمَنْ يُسِّرَ لِهَذَا فَإِنَّهُ مِنَ الدِّينِ عَلَى هُدَى وَمِنَ الرَّحْمَنِ عَلَى رَجَاءٍ. وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ إِلَى سَبِيلِهِ الْأَقْوَمِ بِمَنِّهِ الْجَزِيلِ الْأَقْدَمِ وَجَلَالِهِ الْعَلِيِّ الْأَكْرَمِ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَعَلَى مَنْ قَرَأَ عَلَيْنَا السَّلَامَ وَلَا يَنَالُ سَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى الضَّالُّونَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [قَوْلُ إِمَامِ الشَّافِعِيَّةِ فِي وَقْتِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] ذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ سَعْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّنْجَانِيُّ فِي جَوَابَاتِ الْمَسَائِلِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا بِمَكَّةَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى وَعَلَى الْأَخْيَارِ الطَّيِّبِينَ مِنَ الْأَصْحَابِ وَالْآلِ، سَأَلْتَ أَيَّدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَوْفِيقِهِ بَيَانَ مَا صَحَّ لَدَيَّ وَتَأَدَّى حَقِيقَتُهُ إِلَى مَنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَصَالِحِي الْخَلَفِ فِي الصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ وَالسُّنَّةِ الْمَنْقُولَةِ بِالطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ بِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِوَجِيزٍ

стр. 140

مِنَ الْقَوْلِ وَاخْتِصَارٍ فِي الْجَوَابِ فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ وَأَجَبْتُ عَنْهُ بِجَوَابِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا السُّؤَالِ فَقَالَ: أَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، حَرَامٌ عَلَى الْعُقُولِ أَنْ تُمَثِّلَ اللَّهَ ، وَعَلَى الْأَوْهَامِ أَنْ تَحُدَّهُ، وَعَلَى الظُّنُونِ أَنْ تَقْطَعَ، وَعَلَى الضَّمَائِرِ أَنْ تَعْمُقَ، وَعَلَى النُّفُوسِ أَنَّ تُفَكِّرَ، وَعَلَى الْأَفْكَارِ أَنْ تُحِيطَ وَعَلَى الْأَلْبَابِ أَنْ تَصِفَ إِلَّا مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ وَقَدْ صَحَّ وَتَقَرَّرَ وَاتَّضَحَ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الدِّيَانَةِ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنَ السَّلَفِ الْمَاضِينَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ الرَّاشِدِينَ الْمَشْهُورِينَ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا: أَنَّ جَمِيعَ الْآيِ الْوَارِدَةِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَالْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ (الصَّادِرَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي اللَّهِ وَفِي صِفَاتِهِ) الَّتِي صَحَّحَهَا أَهْلُ النَّقْلِ وَقَبِلَهَا النُّقَّادُ الْأَثْبَاتُ. يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ الْمُؤْمِنِ الْمُوَقِنِ الْإِيمَانَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُ، كَمَا وَرَدَ وَتَسْلِيمُ أَمْرِهِ إِلَى اللَّهِ كَمَا أَمَرَ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وَنَظَائِرُهَا مِمَّا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ كَالْفَوْقِيَّةِ وَالنَّفْسِ وَالْيَدَيْنِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ وَالْعَيْنِ وَالنَّظَرِ وَالْإِرَادَةِ وَالرِّضَى وَالْغَضَبِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْعِنَايَةِ وَالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَالسُّخْطِ وَالِاسْتِحْيَاءِ وَالدُّنُوِّ كَقَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى وَصُعُودِ الْكَلَامِ الطَّيِّبِ " إِلَيْهِ " وَعُرُوجِ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ إِلَيْهِ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ مِنْهُ وَنِدَائِهِ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ السَّلَامُ وَقَوْلِهِ لِلْمَلَائِكَةِ وَقَبْضِهِ وَبَسْطِهِ وَعِلْمِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَصَمَدِيَّتِهِ وَفَرْدَانِيَّتِهِ وَأَوَّلِيَّتِهِ وَآخِرِيَّتِهِ وَظَاهِرِيَّتِهِ وَبَاطِنِيَّتِهِ وَحَيَاتِهِ وَبَقَائِهِ وَأَزَلِيَّتِهِ وَأَبَدِيَّتِهِ وَنُورِهِ وَتَجَلِّيهِ وَالْوَجْهِ وَخَلْقِ آدَمَ ﵇ بِيَدِهِ، وَنَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 141

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وَسَمَاعِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَسَمَاعِ غَيْرِهِ مِنْهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي كِتَابِهِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَجَمِيعِ مَا لَفَظَ بِهِ الْمُصْطَفَى ﷺ مِنْ صِفَاتِهِ كَغَرْسِهِ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ بِيَدِهِ وَشَجَرَةَ طُوبَى بِيَدِهِ وَخَطِّ التَّوْرَاةِ بِيَدِهِ وَالضَّحِكِ وَالتَّعَجُّبِ وَوَضْعِهِ الْقَدَمَ عَلَى النَّارِ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وَذِكْرِ الْأَصَابِعِ، وَالنُّزُولِ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَلَيْلَةَ الْجُمْعَةِ وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَكَغَيْرَتِهِ وَفَرَحِهِ بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ وَاحْتِجَابِهِ بِالنُّورِ وَبِرِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَأَنَّهُ يُعْرِضُ عَمَّا يَكْرَهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَأَنَّ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ وَاخْتِيَارِ آدَمَ قَبْضَتَةُ الْيُمْنَى وَحَدِيثِ الْقَبْضَةِ وَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا وَكَذَا نَظْرَةٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَأَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْثُو ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ. . . فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ وَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ ﵊ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَقَبَضَ قَبْضَةً فَقَالَ: هَذِهِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي أَصْحَابَ الْيَمِينِ، وَقَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى وَقَالَ: هَذِهِ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي أَصْحَابَ الشِّمَالِ ثُمَّ رَدَّهُمْ فِي صُلْبِ آدَمَ، وَحَدِيثِ الْقَبْضَةِ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا مِنَ النَّارِ قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ عَادُوا حُمَمًا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرٍ مِنَ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: (نَهْرُ) الْحَيَاةِ، وَحَدِيثُ خَلْقِ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَقَوْلِهِ: «لَا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ

стр. 142

صُورَةِ الرَّحْمَنِ» ، وَإِثْبَاتِ الْكَلَامِ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ وَبِاللُّغَاتِ وَبِالْكَلِمَاتِ وَبِالسُّوَرِ وَكَلَامِهِ تَعَالَى لِجِبْرِيلَ وَالْمَلَائِكَةَ وَلِمَلَكِ الْأَرْحَامِ وَلِلرَّحِمِ وَلِمَلَكِ الْمَوْتِ وَلِرِضْوَانَ وَلِمَالِكٍ وَلِآدَمَ وَلِمُوسَى وَلِمُحَمَّدٍ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْحِسَابِ، وَفِي الْجَنَّةِ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَكُوْنِ الْقُرْآنِ فِي الْمَصَاحِفِ وَمَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ وَقَوْلِهِ: «لَلَّهُ أَشُدُّ أَذَنًا لِقَارِيءِ الْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِهِ وَأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ» ، وَفَرَغَ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ، وَالْأَجْلِ. وَحَدِيثِ ذَبْحِ الْمَوْتِ وَمُبَاهَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصُعُودِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَرْوَاحِ إِلَيْهِ. وَحَدِيثِ مِعْرَاجِ الرَّسُولِ ﷺ بِبَدَنِهِ وَنَفْسِهِ وَنَظَرِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَبُلُوغِهِ إِلَى الْعَرْشِ إِلَى أَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا حِجَابُ الْعِزَّةِ وَعَرْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَعَرْضِ أَعْمَالِ الْأُمَّةِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ هَذَا مِمَّا صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَشَابِهَةِ الْوَارِدَةِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَا بَلَغَنَا وَمَا لَمْ يَبْلُغْنَا مِمَّا صَحَّ عَنْهُ اعْتِقَادُنَا فِيهِ، وَفِي الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَقْبَلَهَا وَلَا نَرُدَّهَا وَلَا نَتَأَوَّلَهَا بِتَأْوِيلِ الْمُخَالِفِينَ وَلَا نَحْمِلُهَا عَلَى تَشْبِيهِ الْمُشَبِّهِينَ وَلَا نَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا نَنْقُصُ مِنْهَا وَلَا نُفَسِّرُهَا، وَلَا نَكْفِيهَا وَلَا نُتَرْجِمُ عَنْ صِفَاتِهِ بِلُغَةٍ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا نُشِيرُ إِلَيْهَا بِخَوَاطِرِ الْقُلُوبِ وَلَا بِحَرَكَاتِ الْجَوَارِحِ بَلْ نُطْلِقُ مَا أَطْلَقَهُ اللَّهُ وَنُفَسِّرُ مَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ وَالْأَئِمَّةُ الْمَرْضِيُّونَ مِنَ السَّلَفِ الْمَعْرُوفِينَ بِالدِّينِ وَالْأَمَانَةِ وَنَجْمَعُ عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَنُمْسِكُ عَنْ مَا أَمْسَكُوا عَنْهُ، وَنُسَلِّمُ الْخَبَرَ الظَّاهِرَ وَالْآيَةَ الظَّاهِرِ تَنْزِيلُهَا لَا نَقُولُ

стр. 143

بِتَأْوِيلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُلْحِدَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ وَالْمُشَبِّهَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ بَلْ نَقْبَلُهَا بِلَا تَأْوِيلٍ، وَنُؤْمِنُ بِهَا بِلَا تَمْثِيلٍ، وَنَقُولُ: الْإِيمَانُ بِهَا وَاجِبٌ وَالْقَوْلُ بِهَا سُنَّةٌ وَابْتِغَاءُ تَأْوِيلِهَا بِدْعَةٌ. آخِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ سَعِيدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيُّ فِي أَجْوِبَتِهِ ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْمَسَائِلِ وَأَجْوِبَتَهَا.

стр. 144

[قَوْلُ الْإِمَامِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّافِعِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْحَدَّادِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّكَ وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْلِ السَّدَادِ وَهَدَاكَ سُبُلَ الرَّشَادِ، سَأَلْتَنِي عَنْ الِاعْتِقَادِ الْحَقِّ وَالْمَنْهَجِ الصِّدْقِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَعْتَقِدَهُ وَيَلْتَزِمَهُ فَأَقُولُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ: الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ اعْتِقَادُهُ وَيَلْزَمُهُ فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ اعْتِمَادُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﵌ وَإِجْمَاعُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَأَئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَامُ الدِّينِ وَقُدْوَةُ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ وَيُقِرَّ وَيَعْتَرِفَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ أَحَدٌ، فَرْدٌ صَمَدٌ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، لَا إِلَهَ سِوَاهُ وَلَا مَعْبُودَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا وَزِيرَ لَهُ وَلَا ظَهِيرَ لَهُ وَلَا سَمِيَّ لَهُ وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا وَلَدَ لَهُ قَدِيمٌ أَبَدِيٌّ (أَزَلِيٌّ) أَوَّلٌ مِنْ غَيْرِ بِدَايَةٍ، وَآخِرٌ مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ، مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْبَقَاءِ وَالْبَهَاءِ وَالْجَمَالِ وَالْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ وَالْمَنِّ وَالْإِفْضَالِ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَآفَةٍ وَمُقَدَّسٌ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَعَاهَةٍ، الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الْبَاعِثُ الْوَارِثُ الْأَوَّلُ الْآخَرُ الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ الطَّالِبُ الْغَالِبُ الْمُثِيبُ الْمُعَاقِبُ الْغَفُورُ الشَّكُورُ قَدَّرَ

стр. 145

كُلَّ شَيْءٍ فَقَضَاهُ وَأَبْرَمَهُ وَأَمْضَاهُ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَنَفْعٍ وَضُرٍّ وَطَاعَةٍ وَعِصْيَانٍ، وَعَمْدٍ وَنِسْيَانٍ، وَعَطَاءٍ وَحِرْمَانٍ، لَا يَجْرِي فِي مُلْكِهِ مَالَا يُرِيدُ، عَدْلٌ فِي أَقْضِيَتِهِ غَيْرُ ظَالِمٍ لِبَرِّيَّتِهِ. لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ. إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] نَصِفُهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵌ الْكَرِيمِ لَا نُجَاوِزُ ذَلِكَ وَلَا نَزِيدُ بَلْ نَقِفُ عِنْدَهُ وَنَنْتَهِي إِلَيْهِ وَلَا نَدْخُلُ فِيهِ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ، لِبُعْدِهِ عَنِ الْأَشْكَالِ وَالْأَجْنَاسِ، ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨] وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ وَفَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا جَاءَ مِنَ الصِّفَاتِ نُمِرُّهُ كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ مَزِيدٍ عَلَيْهِ، وَنَقْتَدِي فِي ذَلِكَ بِعُلَمَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَنَسْكُتُ عَمَّا سَكَتُوا عَنْهُ وَنَتَأَوَّلَ مَا تَأَوَّلُوا وَهُمُ الْقُدْوَةُ فِي هَذَا الْبَابِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨] ، وَنُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ ، لَا مُعَقِّبَ لِمَا حَكَمَ وَلَا نَاقِضَ لِمَا أَبْرَمَ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ حَسَنَهَا وَسَيِّئَهَا خَلْقُ اللَّهِ وَمَقْدِرَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ لَا خَالِقَ لَهَا سِوَاهُ وَلَا مُقَدِّرَ لَهَا إِلَّا إِيَّاهُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] ، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَإِنَّهُ عَدْلٌ فِي ذَلِكَ غَيْرُ جَائِرٍ لَا يَظْلِمَهُمْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) وَكَذَلِكَ الْأَرْزَاقُ وَالْآجَالُ مُقَدَّرَةٌ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ،
следующие страницы →