← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 21714

اجتماع الجيوش الإسلامية - ت المعتق

ابن القيم

Полный текст (300 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يَزْعُمُونَ أَنَّ الرُّوحَ الَّذِي فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ رُوحُ اللَّهِ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ أَمْرًا دَخَلَ فِي بَعْضِ خَلْقِهِ فَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهِ فَيَأْمُرُ بِمَا يَشَاءُ وَيَنْهَى عَمَّا يَشَاءُ وَهُوَ رُوحٌ غَائِبٌ عَنِ الْأَبْصَارِ، فَاسْتَدْرَكَ الْجَهْمُ حَجَّةً مِثْلَ هَذِهِ الْحِجَّةِ فَقَالَ لِلسُّمَنِيِّ: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ فِيكَ رُوحًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ رَأَيْتَ رُوحَكَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ فَهَلْ سَمِعْتَ كَلَامَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ وَجَدْتَ لَهُ مِجَسًّا أَوْ حِسًّا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَكَذَلِكَ اللَّهُ لَا يُرَى لَهُ وَجْهٌ وَلَا يُسْمَعُ لَهُ صَوَّتٌ وَلَا يُشُمُّ لَهُ رَائِحَةٌ وَهُوَ غَائِبٌ عَنِ الْأَبْصَارِ وَلَا يَكُونُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، وَوَجَدَ ثَلَاثَ آيَاتٍ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فَبَنَى أَصْلَ كَلَامِهِ عَلَى هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ وَتَأَوَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَكَذَّبَ أَحَادِيثَ النَّبِيِّ ﵌ فَزَعَمَ أَنَّ مَنْ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابٍ أَوْ حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ كَانَ كَافِرًا أَوْ كَانَ مِنَ الْمُشَبِّهَةِ. فَأَضَلَّ بَشَرًا كَثِيرًا وَتَبِعَهُ عَلَى قَوْلِهِ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَأَصْحَابِ فُلَانٍ وَوَضَعَ دِينَ الْجَهْمِيَّةِ فَإِذَا سَأَلَهُمُ النَّاسُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] مَا تَفْسِيرُهُ؟ يَقُولُونَ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ كَمَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ لَا

стр. 177

يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَلَا هُوَ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ وَلَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يُكَلِّمُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَحَدٌ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُوَصَفُ، وَلَا يُعْرَفُ بِصِفَةٍ، وَلَا يُعْقَلُ وَلَا لَهُ غَايَةٌ وَلَا مُنْتَهًى وَلَا يُدْرَكُ بِعَقْلٍ وَهُوَ وَجْهٌ كُلُّهُ وَهُوَ عِلْمٌ كُلُّهُ وَهُوَ سَمْعٌ كُلُّهُ وَهُوَ بَصَرٌ كُلُّهُ وَهُوَ نُورٌ كُلُّهُ وَهُوَ قُدْرَةٌ كُلُّهُ لَا يُوصَفُ بِوَصْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ وَلَا مَعْقُولٍ وَكُلُّ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِكَ أَنَّهُ شَيْءٌ تَعْرِفُهُ فَهُوَ عَلَى خِلَافِهِ فَقُلْنَا لَهُمْ فَمَنْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: نَعْبُدُ مَنْ يُدَبِّرُ أَمْرَ هَذَا الْخَلْقِ. قُلْنَا: فَالَّذِي يُدَبِّرُ أَمْرَ هَذَا الْخَلْقِ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ بِصَفِّهٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قُلْنَا: قَدْ عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّكُمْ لَا تُثْبِتُونَ شَيْئًا إِنَّمَا تَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِكُمُ الشُّنْعَةَ بِمَا تُظْهِرُونَ، ثُمَّ قُلْنَا لَهُمْ: هَذَا الَّذِي يُدَبِّرُ هُوَ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى؟ قَالُوا: لَمْ يُكَلِّمْ وَلَا يَتَكَلَّمُ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِجَارِحَةٍ وَالْجَوَارِحُ مَنْفِيَّةٌ عَنِ اللَّهِ ، فَإِذَا سَمِعَ الْجَاهِلُ قَوْلَهُمْ ظَنَّ أَنَّهُمْ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ كَلَامَهُمْ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ فَلَعَنَهُمُ اللَّهُ، قَالَ الْخَلَّالُ: كَتَبْتُ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ خَطِّ عَبْدِ اللَّهِ وَكَتَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ خَطِّ أَبِيهِ. وَاحْتَجَّ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِهِ (إِبْطَالُ التَّأْوِيلِ) بِمَا نَقَلَهُ مِنْهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِهِ بَعْضَ مَا فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ، وَنَقَلَ

стр. 178

مِنْهُ أَصْحَابُهُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَنَقَلَ مِنْهُ الْبَيْهَقِيُّ وَعَزَاهُ إِلَى أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ أَحْمَدَ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ وَلَا مُتَأَخِّرِيهِمْ طَعْنٌ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْكِتَابُ يَرْوِيهِ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ غُلَامُ الْخَلَّالِ عَنِ الْخَلَّالِ عَنِ الْخَضِرِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ مَعْرُوفُونَ إِلَّا الْخَضِرَ بْنَ الْمُثَنَّى فَإِنَّهُ مَجْهُولٌ. فَكَيْفَ تُثْبِتُونَ هَذَا الْكِتَابَ عَنْ أَحْمَدَ بِرِوَايَةٍ مَجْهُولَةٍ، فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْخَضِرَ هَذَا قَدْ عَرَفَهُ الْخَلَّالُ وَرَوَى عَنْهُ كَمَا رَوَى كَلَامَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ أَصْحَابِهِ وَلَا يَضُرُّ جَهَالَةُ غَيْرِهِ لَهُ. الثَّانِي: أَنَّ الْخَلَّالَ قَدْ قَالَ كَتَبْتُهُ مِنْ خَطِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ وَكَتَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ خَطِّ أَبِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخَلَّالَ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنِ الْخَضِرِ لِأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلَ السَّنَدِ عَلَى طَرِيقِ أَهْلِ النَّقْلِ وَضَمَّ ذَلِكَ إِلَى الْوِجَادَةِ، وَالْخَضِرُ كَانَ صَغِيرًا حِينَ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُعَمَّرِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ وَلَا هُوَ مِنَ الشُّيُوخِ وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ عَنْهُ غَيْرَ هَذَا فِي جَامِعِهِ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مِنَ الْجَامِعِ: دَفَعَ إِلَيَّ الْخَضِرُ بْنُ الْمُثَنَّى بِخَطِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ أَجَازَ لِي أَنْ أَرْوِيَ عَنْهُ، قَالَ الْخَضِرُ: حَدَّثَنَا مُهَنَّا، قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ الرَّجُلِ يَبْزُقُ عَنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلَاةِ (وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) فَقَالَ يُكْرَهُ أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ (فِي الصَّلَاةِ وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ يُكْرَهُ أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ) فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ عَنْ يَمِينِهِ الْمَلَكُ؟ فَقُلْتُ: وَعَنْ

стр. 179

يَسَارِهِ أَيْضًا مَلَكٌ، فَقَالَ: الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ، وَالَّذِي عَنْ يَسَارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ. (قَالَ الْخَلَّالُ) : وَأَخْبَرَنَا الْخَضِرُ بْنُ الْمُثَنَّى الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: قَالَ أَبِي لَا بَأْسَ بِأَكْلِ ذَبِيحَةِ الْمُرْتَدِّ إِذَا كَانَ ارْتِدَادُهُ إِلَى يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ وَلَمْ يَكُنْ إِلَى مَجُوسِيَّةٍ، قُلْتُ: وَالْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِهِ خِلَافُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَأَنَّ ذَبِيحَةَ الْمُرْتَدِّ حَرَامٌ، رَوَاهَا عَنْهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ غَيْرَهَا. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْكِتَابِ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، فَقَالَ: قَرَأْتُ فِي كِتَابِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ هَذَا الْكِتَابَ، وَقَالَ: هَذَا كِتَابٌ عَمِلَهُ أَبِي فِي

стр. 180

مَجْلِسِهِ رَدًّا عَلَى مَنِ احْتَجَّ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَتَرَكَ مَا فَسَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَمَا يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ. (وَقَالَ الْخَلَّالُ) فِي كِتَابِ السُّنَّةِ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْبَلٍ أَخْبَرَنِي أَبِي حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ عَمِّي: يَعْنِي: أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كَيْفَ شَاءَ وَكَمَا يَشَاءُ بِلَا حَدٍّ وَلَا صِفَةٍ يَبْلُغُهَا وَاصِفٌ أَوْ يَحُدُّهُ أَحَدٌ فَصِفَاتُ اللَّهِ لَهُ وَمِنْهُ وَهُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ بِحَدٍّ وَلَا غَايَةٍ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَعَلَّامُ الْغُيُوبِ. (قَالَ الْخَلَّالُ) : وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى أَنَّ حَنْبَلًا حَدَّثَهُمْ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُرْوَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَأَنَّ اللَّهَ يُرَى، وَأَنَّ اللَّهَ يَضَعُ قَدَمَهُ وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: نُؤْمِنُ بِهَا، وَنُصَدِّقُ بِهَا. . .، وَلَا نَرُدُّ مِنْهَا شَيْئًا، وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ حَقٌّ إِذَا كَانَتْ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ وَلَا نَرُدُّ عَلَى اللَّهِ قَوْلَهُ وَلَا يُوصَفُ بِأَكْثَرَ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ بِلَا حَدٍّ وَلَا غَايَةٍ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]

стр. 181

(وَقَالَ حَنْبَلٌ) فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ أَحْمَدَ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي ذَاتِهِ كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، قَدْ أَجْمَلَ اللَّهُ ﵎ الصِّفَةَ لِنَفْسِهِ فَحَدَّ لِنَفْسِهِ صِفَةً لَيْسَ يُشَبِهُهُ شَيْءٌ، وَصِفَاتُهُ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ وَلَا مَعْلُومَةٍ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فَهُوَ سُمَيْعٌ بَصِيرٌ بِلَا حَدٍّ وَلَا تَقْدِيرٍ، وَلَا يَبْلُغُ الْوَاصِفُونَ صِفَتَهُ، وَلَا نَتَعَدَّى الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ فَنَقُولُ كَمَا قَالَ، وَنَصِفُهُ بِمَا وَصَفَ (بِهِ) نَفْسَهُ وَلَا نَتَعَدَّى ذَلِكَ وَلَا يَبْلُغُ صِفَتَهُ الْوَاصِفُونَ. نُؤْمِنُ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ مُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ وَلَا نُزِيلُ عَنْهُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ لِشَنَاعَةٍ شُنِّعَتْ، وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ كَلَامٍ وَنُزُولٍ وَخَلْوَةٍ بِعَبْدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَضْعِهِ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَالتَّحْدِيدُ فِي هَذَا كُلِّهِ بِدَعَةٌ وَالتَّسْلِيمُ فِيهِ لِلَّهِ بِغَيْرِ صِفَةٍ وَلَا حَدٍّ إِلَّا مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا عَالِمًا غَفُورًا عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ عَلَّامَ الْغُيُوبِ فَهَذِهِ صِفَاتٌ وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ لَا تُدْفَعُ وَلَا تُرَدُّ وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ بِلَا حَدٍّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] كَيْفَ شَاءَ، الْمَشِيئَةُ إِلَيْهِ وَالِاسْتِطَاعَةُ إِلَيْهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ كَمَا (وَصَفَ نَفْسَهُ) سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِلَا حَدٍّ وَلَا تَقْدِيرٍ لَا نَتَعَدَّى الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. . . تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ، وَالْمُشَبِّهَةُ، قُلْتُ (لَهُ) : وَالْمُشَبِّهُ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: مَنْ قَالَ: بَصَرٌ كَبَصَرِي وَيَدٌ كَيَدِي وَقَدَمٌ كَقَدَمِي فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِخَلْقِهِ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي

стр. 182

هَذَا كَثِيرٌ فَإِنَّهُ امْتُحِنَ بِالْجَهْمِيَّةِ، وَجَمِيعُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى مِثْلِ مِنْهَاجِهِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ دَخَلَ فِي نَوْعٍ مِنَ الْبِدْعَةِ الَّتِي أَنْكَرَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَلَكِنَّ الرَّعِيلَ الْأَوَّلَ مِنْ أَصْحَابِهِ كُلِّهِمْ وَجَمِيعَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ قَوْلُهُمْ قَوْلُهُ. [أَقْوَالُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ رَفَعَ اللَّهُ مَنَازِلَهُمْ فِي الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ] [ذِكْرُ قَوْلِ إِمَامِهِمْ وَشَيْخِهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁] أَقْوَالُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ رَفَعَ اللَّهُ مَنَازِلَهُمْ فِي الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (ذِكْرُ قَوْلِ إِمَامِهِمْ وَشَيْخِهِمْ) : الَّذِي رَوَى لَهُ كُلُّ مُحَدِّثٍ: أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ رَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْهُ فِي كِتَابِ النَّقْضِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ: لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ فِي النَّارِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ فِي السَّمَاءِ وَاحِدٌ وَأَنَا فِي الْأَرْضِ وَاحِدٌ أَعْبُدُكَ. [ذِكْرُ قَوْلِ إِمَامِ الشَّامِ فِي وَقْتِهِ أَبِي عُمَرَ الْأَوْزَاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] (ذِكْرُ قَوْلِ إِمَامِ الشَّامِ فِي وَقْتِهِ) : أَحَدِ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا الْأَرْبَعَةِ: أَبِي عُمَرَ الْأَوْزَاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ فِي الصِّفَاتِ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا وَالتَّابِعُونَ مُتَوَافِرِينَ نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ وَنُؤْمِنُ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ صِفَاتِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكَايَةُ ذَلِكَ عَنْهُ. [ذِكْرُ قَوْلِ إِمَامِ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي وَقْتِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] (ذِكْرُ قَوْلِ إِمَامِ (أَهْلِ) الدُّنْيَا فِي وَقْتِهِ) : عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صِحَّةً

стр. 183

قَرِيبَةً مِنَ التَّوَاتُرِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ بِمَاذَا نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: بِأَنَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ؛ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَبْلَهُ الْحَاكِمُ وَقَبْلَهُ عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ (وَقَدْ تَقَدَّمَ) . [قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ إِمَامِ وَقْتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] (قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ إِمَامِ وَقْتِهِ) : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نُقَدِّمُ عَنْهُ قَوْلَهُ فِي الْجَهْمِيَّةِ: إِنَّمَا يُحَاوِلُونَ أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ. [قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ] (قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ) : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّحْمَنَ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى عَلَى خِلَافِ مَا تَقَرَّرَ فِي قُلُوبِ الْعَامَّةِ فَهُوَ جَهْمِيٌّ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالَّذِي تَقَرَّرَ فِي قُلُوبِ الْعَامَّةِ هُوَ مَا فَطَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ الْخَلِيقَةَ مِنْ تَوَجُّهِهَا إِلَى رَبِّهَا تَعَالَى عِنْدَ النَّوَازِلِ وَالشَّدَائِدِ وَالدُّعَاءِ وَالرَّغَبَاتِ إِلَيْهِ تَعَالَى: نَحْوُ الْعُلُوِّ، لَا يُلْتَفَتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً مِنْ غَيْرِ مَوْقِفٍ وَقَفَهُمْ عَلَيْهِ (وَ) لَكِنْ " ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] "، وَمَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَهُوَ يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ حَتَّى يُجَهِّمَهُ وَيَنْقُلَهُ إِلَى التَّعْطِيلِ مَنْ يُقَيَّضُ لَهُ. [قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ] (قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ) : ﵀ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ

стр. 184

الْجَهْمِيَّةَ أَرَادُوا أَنْ يَنْفُوا أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى وَأَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَرْشِ أَرَى أَنْ يُسْتَتَابُوا فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: لَوْ حُلِّفْتُ لَحَلَفْتُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ أَنِّي مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ. [قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ عَامِرِ الضُّبَعِيِّ] (قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ عَامِرِ الضُّبَعِيِّ) : إِمَامِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْجَهْمِيَّةُ فَقَالَ: هُمْ شَرٌّ قَوْلًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَلَى الْعَرْشِ وَقَالُوا هُمْ: لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ شَيْءٌ. [قَوْلُ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ] (قَوْلُ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ) : أَحَدِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بِوَاسِطَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: كَلَّمْتُ بِشْرًا الْمَرِيسِيَّ

стр. 185

وَأَصْحَابَهُ فَرَأَيْتُ آخِرَ كَلَامِهِمْ. . . يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ، أَرَى وَاللَّهِ أَنْ لَا يُنَاكَحُوا وَلَا يُوَارَثُوا. [قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ] (قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ) : شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ بَيَانُ بْنُ أَحْمَدَ: كُنَّا عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ فَسَمِعَ رَجُلًا مِنَ الْجَهْمِيَّةِ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] اسْتَوْلَى. فَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ: مَنْ لَا يُوقِنُ أَنَّ الرَّحْمَنَ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كَمَا تَقَرَّرَ فِي قُلُوبِ الْعَامَّةِ فَهُوَ جَهْمِيٌّ؟ قَالَ الْبُخَارِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَقَدْ تَقَدَّمَ. [قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ شَيْخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى] (قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ شَيْخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى) صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَلَدًا أَكْفَرَ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَقَالَ احْذَرُوا مِنَ الْمَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ فَإِنَّ كَلَامَهُمُ الزَّنْدَقَةُ، وَأَنَا كَلَّمْتُ أُسْتَاذَهُمْ فَلَمْ يُثْبِتْ أَنَّ فِي السَّمَاءِ إِلَهًا، حَكَاهُ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي السُّنَّةِ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمِ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي فَاسْتَأْذَنَ

стр. 186

عَلَيْهِ الْمَرَيْسِيُّ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ مِثْلُ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكَ! فَقَالَ وَمَالَهُ: فَقُلْتُ: إِنَّهُ يَقُولُ: " إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَيَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ فِي الْأَرْضِ، ذَكَرْتُهُ فَمَا رَأَيْتُهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ مَعَهُ فِي الْأَرْضِ، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ. [قَوْلُ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] (قَوْلُ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) : صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَرَأْيَ جَهْمٍ، فَإِنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ أَنْ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ وَمَا هُوَ إِلَّا مِنْ وَحْيِ إِبْلِيسَ وَمَا هُوَ إِلَّا الْكُفْرُ. حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْحَافِظُ فِي رِسَالَتِهِ فِي السُّنَّةِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ " خَلْقِ الْأَفْعَالِ " وَقَالَ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ الْجَهْمِيَّةُ الزَّنَادِقَةُ إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى. [قَوْلُ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ أَحَدِ شُيُوخِ النَّبِيلِ] (قَوْلُ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ أَحَدِ شُيُوخِ النَّبِيلِ) : شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ حَدَّثَ عَنْ شُعْبَةَ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ. وَاللَّيْثِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْخَطِيبُ وَجَّهَ

стр. 187

الْمُعْتَصِمُ مَنْ يَحْزَرُ مَجْلِسَهُ فِي جَامِعِ الرَّصَافَةِ وَكَانَ عَاصِمٌ يَجْلِسُ عَلَى سَطْحِ الرَّحْبَةِ وَيَجْلِسُ النَّاسُ فِي الرَّحْبَةِ وَمَا يَلِيهَا فَعَظُمَ الْجَمْعُ مَرَّةً جِدًّا حَتَّى قَالَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَرَّةً حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالنَّاسُ لَا يَسْمَعُونَ لِكَثْرَتِهِمْ فَحَزَرَ الْمَجْلِسَ فَكَانَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ أَلْفِ رَجُلٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِيهِ: هُوَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ عَاصِمٌ: نَاظَرْتُ جَهْمِيًّا فَتَبَيَّنَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَنَّ فِي السَّمَاءِ رَبًّا، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: كَانَ الْجَهْمِيَّةُ يَدُورُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُونُوا يُصَرِّحُونَ بِهِ لِوُفُورِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَكَثْرَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَلَمَّا بَعُدَ الْعَهْدُ وَانْقَرَضَ الْأَئِمَّةُ صَرَّحَ أَتْبَاعُهُمْ بِمَا كَانَ أُولَئِكَ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ وَيَدُورُونَ حَوْلَهُ، قَالَ: وَهَكَذَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ كُلَّمَا طَالَ الْأَمْرُ وَبَعُدَ الْعَهْدُ اشْتَدَّ أَمْرُهَا وَتَغَلَّظَتْ. قَالَ: وَأَوَّلُ بِدْعَةٍ ظَهَرَتْ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةُ الْقَدَرِ وَالْإِرْجَاءِ ثُمَّ بِدْعَةُ التَّشَيُّعِ

стр. 188

إِلَى أَنِ انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى الِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ وَأَمْثَالِهِمَا. [قَوْلُ الْإِمَامِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى الْكِنَانِيِّ] (قَوْلُ الْإِمَامِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى الْكِنَانِيِّ) : صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ كِتَابٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ قَالَ فِيهِ: بَابُ قَوْلِ الْجَهْمِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] زَعَمَتِ الْجَهْمِيَّةُ أَنَّ مَعْنَى اسْتَوَى: اسْتَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ اسْتَوَى فُلَانٌ عَلَى مِصْرَ يُرِيدُونَ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ يَكُونُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَتَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَيْسَ بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ؟ فَإِذَا قَالَ: لَا. قِيلَ لَهُ: فَمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ. فَيُقَالُ لَهُ: يَلْزَمُكَ أَنْ تَقُولَ أَنَّ الْعَرْشَ أَتَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَيْسَ اللَّهُ بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْعَرْشَ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

стр. 189

ثُمَّ اسْتَوَى عَلَيْهِ بَعْدَ خَلْقِهِنَّ. . . فَيَلْزَمُكَ أَنْ تَقُولَ: الْمُدَّةُ الَّتِي كَانَ " عَلَى " الْعَرْشِ " فِيهَا " قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ فِيهَا ثُمَّ ذَكَرَ، كَلَامًا طَوِيلًا فِي تَقْرِيرِ الْعُلُوِّ وَالِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِ. [ذِكْرُ قَوْلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ] (ذِكْرُ قَوْلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ) شَيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: كَلَامُ الْجَهْمِيَّةِ أَوَّلُهُ عَسَلٌ وَآخِرُهُ سُمٌّ وَإِنَّمَا يُحَاوِلُونَ أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ. [ذِكْرُ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيِّ] (ذِكْرُ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيِّ) : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدِ شُيُوخِ النَّبِيلِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ إِمَامِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فِي وَقْتِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ رَجُلٍ افْتَتَحَ بِهِ الْبُخَارِيُّ صَحِيحِهُ قَالَ: وَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ لَا نَزِيدُ فِيهِ وَلَا نُفَسِّرُهُ، وَنَقِفُ عَلَى مَا وَقَفَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَنَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وَمَنْ

стр. 190

زَعَمَ غَيْرَ هَذَا فَهُوَ مُبْطِلٌ جَهْمِيٌّ. وَلَيْسَ مَقْصُودُ السَّلَفِ بِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ لَفْظَ الْقُرْآنِ يَكُونُ جَهْمِيًّا مُبْتَدِعًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ كَافِرًا زِنْدِيقًا وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُمْ مَنْ أَنْكَرَ مَعْنَاهُ وَحَقِيقَتَهُ. [قَوْلُ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ] (قَوْلُ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ) الْخُزَاعِيِّ أَحَدِ شُيُوخِ النَّبِيلِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] مَعْنَاهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ بِعِلْمِهِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] أَرَادَ أَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَنْكَرَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَيْسَ مَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَفْسَهُ وَلَا رَسُولَهُ ﷺ تَشْبِيهًا. [قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ] (قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ) : رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ صَالِحُ بْنُ الضُّرَيْسِ: جَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ (الرَّزِايِّ) يَضْرِبُ قَرَابَةً لَهُ بِالنَّعْلِ عَلَى رَأْسِهِ يَرَى رَأْيَ جَهْمٍ وَيَقُولُ: لَا حَتَّى تَقُولَ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ.

стр. 191

[قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي مَعْمَرِ الْقُطَيْعِيِّ] (قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي مَعْمَرِ الْقُطَيْعِيِّ) : ﵀، ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ كَلَامِ الْجَهْمِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ. [قَوْلُ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى] (قَوْلُ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى) : رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ: جَاءَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى أَبِي يُوسُفَ فَقَالَ لَهُ: تَنْهَانِي عَنْ كَلَامٍ وَبِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ وَعَلِيٌّ الْأَحْوَلُ وَفُلَانٌ يَتَكَلَّمُونَ فَقَالَ وَمَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. فَبَعَثَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ عَلَيَّ بِهِمْ فَانْتَهَوْا إِلَيْهِمْ وَقَدْ قَامَ بِشْرٌ فَجِيءَ بَعَلِيٍّ الْأَحْوَلِ وَالشَّيْخِ الْآخَرِ فَنَظَرَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى الشَّيْخِ وَقَالَ لَوْ أَنَّ فِيكَ مَوْضِعَ أَدَبٍ لَأَوْجَعْتُكَ وَأَمَرَ بِهِ إِلَى الْحَبْسِ، وَضُرِبَ عَلِيٌّ الْأَحْوَلُ وَطِيْفَ بِهِ، وَقَدِ اسْتَتَابَ أَبُو يُوسُفَ بِشْرًا الْمَرِيسِيَّ لَمَّا أَنْكَرَ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ وَهِيَ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ، وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُتَقَدِّمُونَ عَلَى هَذَا، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ﵀ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الثِّقَاتُ عَنِ الرَّسُولِ ﵌ فِي صِفَاتِ الرَّبِّ مِنْ

стр. 192

غَيْرِ تَفْسِيرٍ وَلَا وَصْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ، فَمَنْ فَسَّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﵌ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَصِفُوا وَلَمْ يُفَسِّرُوا وَلَكِنْ آمَنُوا بِمَا فِي الْكُتُبِ وَالسُّنَّةِ ثُمَّ سَكَتُوا، فَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ جَهْمٍ فَقَدْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ ; لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ لَا شَيْءَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَتْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَهْبِطُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَنَحْوِ هَذَا، هَذِهِ الْأَحَادِيثُ قَدْ رَوَاهَا الثِّقَاتُ فَنَحْنُ نَرْوِيهَا وَنُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نُفَسِّرُهَا، ذَكَرَ ذَلِكَ (عَنْهُ) أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ جَهْمٍ فَقَدْ فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ. [قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ ﵀] (قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ ﵀ : (وَقَدْ) ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي اعْتِقَادِ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مَا يُوَافِقُ هَذَا، وَأَنَّهُمْ أَبْرَأُ النَّاسِ مِنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّجَهُّمِ، فَقَالَ فِي عَقِيدَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ: وَأَنَّهُ تَعَالَى مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ، وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلَقَهُ. [قَوْلُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] (قَوْلُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) : ذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ:

стр. 193

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] صَعِدَ. [قَوْلُ خَالِدِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَبِي مُعَاذٍ الْبَلْخِيِّ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] (قَوْلُ خَالِدِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَبِي مُعَاذٍ الْبَلْخِيِّ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) : رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: كَانَ جَهْمٌ عَلَى مَعْبَرِ تِرْمِذَ، وَكَانَ فَصِيحَ اللِّسَانِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ وَلَا مُجَالَسَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَكَلَّمَهُ السُّمَنِيَّةُ فَقَالُوا: صِفْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ فَدَخَلَ الْبَيْتَ لَا يَخْرُجُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ أَيَّامٍ فَقَالَ: هُوَ هَذَا الْهَوَى مَعَ كُلِّ شَيْءٍ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ (وَ) لَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْءٌ، قَالَ أَبُو مُعَاذٍ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، وَهَذَا صَحِيحٌ عَنْهُ وَأَوَّلُ مَنْ عُرِفَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنْكَارُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ هُوَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَقَبْلَهُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، وَلَكِنَّ الْجَهْمَ هُوَ الَّذِي دَعَا إِلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَقَرَّرَهَا وَعَنْهُ أُخِذَتْ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي كِتَابَيْهِمَا فِي السُّنَّةِ عَنْ شُجَاعِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ - أَبِي نَعِيْمِ الْبَلْخِيِّ - وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ جَهْمًا قَالَ: كَانَ لِجَهْمٍ صَاحِبٌ يُكْرِمُهُ وَيُقَدِّمُهُ

стр. 194

عَلَى غَيْرِهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ وَقَعَ بِهِ فَصِيحَ بِهِ وَبُدِرَ بِهِ وَقِيلَ لَهُ: لَقَدْ كَانَ يُكْرِمُكَ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ جَاءَ مِنْهُ مَا لَا يُحْتَمَلُ، بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ طه وَالْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ فَلَمَّا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُ السَّبِيلَ إِلَى أَنَّ أَحُكَّهَا مِنَ الْمُصْحَفِ لَفَعَلْتُ، فَاحْتُمِلَتُ هَذِهِ، ثُمَّ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ آيَةً إِذْ قَالَ: مَا أَظْرَفَ مُحَمَّدًا حِينَ قَالَهَا، ثُمَّ بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ: (طسم) الْقَصَصَ وَالْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ إِذْ مَرَّ بِذِكْرِ مُوسَى ﵊ فَدَفَعَ الْمُصْحَفَ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالَ: أَيَّ شَيْءٍ هَذَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا فَلَمْ يُتِمَّ ذِكْرُهُ، فَهَذَا شَيْخُ النَّافِينَ لِعُلُوِّ الرَّبِّ عَلَى عَرْشِهِ وَمُبَايَنَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: قَدِمَتِ امْرَأَةُ جَهْمٍ فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهَا: اللَّهُ عَلَى عَرْشِهِ. فَقَالَتْ: مَحْدُودٌ عَلَى مَحْدُودٍ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ كَافِرَةٌ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ. فَهَذِهِ الْمَقَالَةُ إِمَامَاهَا هَذَا الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ، وَمَا أَوَّلَاهُ بِأَنْ ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ - وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٣ - ٤] .

стр. 195

[قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ إِمَامِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، نَظِيرِ أَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى] قَالَ حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكِرْمَانِيُّ صَاحِبُ أَحْمَدَ: قُلْتُ لِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] كَيْفَ تَقُولُ (فِيهِ) ؟ قَالَ: حَيْثُ مَا كُنْتَ فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وَهُوَ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. . . ثُمَّ قَالَ: وَأَعْلَى شَيْءٍ فِي ذَلِكَ وَأَبْيَنُهُ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . (وَقَالَ الْخَلَّالُ) فِي كِتَابِ السُّنَّةِ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ النَّيْسَابُورِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْخَفَّافُ قَالَ: قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ اللَّهُ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] إِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ اسْتَوَى وَيَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْفَلَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ وَفِي قُعُورِ الْبِحَارِ. . . وَرُءُوسِ الْجِبَالِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَمَا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا دُونُ الْعَرْشِ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَلَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا

стр. 196

يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إِلَّا قَدْ عَرَفَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَأَحْصَاهُ، لَا يُعْجِزُهُ مَعْرِفَةُ شَيْءٍ عَنْ مَعْرِفَةِ غَيْرِهِ. وَقَالَ السَّرَّاجُ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ يَقُولُ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعِنْدَهُ مَنْصُورُ بْنُ طَلْحَةَ فَقَالَ لِي مَنْصُورٌ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ تَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ قُلْتُ لَهُ: وَنُؤْمِنُ بِهِ: إِذْ أَنْتَ لَا تُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَسْأَلَنِي فَقَالَ لَهُ طَاهِرُ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا الشَّيْخِ؟ . [ذِكْرُ قَوْلِ حَافِظِ الْإِسْلَامِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] رَوَى ابْنُ بَطَّةَ عَنْهُ فِي الْإِبَانَةِ بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: إِذَا قَالَ لَكَ الْجَهْمِيُّ كَيْفَ يَنْزِلُ؟ فَقُلْ كَيْفَ

стр. 197

يَصْعَدُ؟ . [قَوْلُ الْإِمَامِ حَافِظِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَشَيْخِ الْأَئِمَّةِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ الدَّارِمِيِّ ﵀] قَالَ فِيهِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْفُرَاتِ " مَا رَأَيْتُ مِثْلَ عُثْمَانَ بْنَ سَعِيدٍ وَلَا رَأَى عُثْمَانُ مِثْلَ نَفْسِهِ، أَخْذَ الْأَدَبَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، وَالْفِقْهَ عَنِ الْبُوَيْطِيِّ، وَالْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، صَاحِبِ كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالنَّقْضِ عَلَى بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ، قَالَ فِي كِتَابِهِ " النَّقْضُ عَلَى بِشْرٍ ": وَقَدِ اتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ وَأَنَّهُ لَا يَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَى الْأَرْضِ. . . وَلَمْ يَشُكُّوا أَنَّهُ يَنْزِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ عِبَادِهِ وَيُحَاسِبَهُمْ وَيُثِيبَهُمْ وَتَشَقَّقُ السَّمَاوَاتُ يَوْمَئِذٍ لِنُزُولِهِ وَتَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] كَمَا قَالَ اللَّهُ (بِهِ) سُبْحَانَهُ وَرَسُولُهُ ﷺ ، فَلَمَّا لَمْ يَشُكَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا عَلِمُوا يَقِينًا أَنَّ مَا يَأْتِي النَّاسَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ إِنَّمَا هُوَ مَنْ أَمْرِهِ وَعَذَابِهِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] إِنَّمَا هُوَ أَمْرُهُ وَعَذَابُهُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَقَدْ ذَكَرَ

стр. 198

الْحُلُولَ: وَيْحَكَ، هَذَا الْمَذْهَبُ أَنْزَهُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ السُّوءِ أَمْ مَذْهَبُ مَنْ يَقُولُ هُوَ بِكَمَالِهِ وَجَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَبَهَائِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَفَوْقَ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ فِي أَعْلَى مَكَانٍ وَأَظْهَرِ مَكَانٍ حَيْثُ لَا خَلْقَ هُنَاكَ (مِنْ) إِنْسٍ وَلَا جَانٍّ. . . فَأَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَبِمَكَانِهِ وَأَشَدُّ تَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا لَهُ. وَقَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ عِلْمُهُ بِهِمْ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مُحِيطٌ، وَبَصَرُهُ فِيهِمْ نَافِذٌ، وَهُوَ بِكَمَالِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَمَسَافَةُ مَا بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي الْأَرْضِ، فَهُوَ كَذَلِكَ مَعَهُمْ رَابِعُهُمْ وَخَامِسُهُمْ وَسَادِسُهُمْ. . . وَإِنَّمَا يُعْرَفُ فَضْلُ الرُّبُوبِيَّةِ وَعِظَمُ الْقُدْرَةِ بِأَنَّ اللَّهَ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ وَمَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْضِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْكِتَابِ: وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ خَرَجَ مِنْهُ كَمَا شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ وَاللَّهُ بِكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَهُوَ بِكَمَالِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ ذَكَرَ حَدِيثَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ الطَّوِيلَ فِي شَأْنِ الرُّوحِ وَقَبْضِهَا وَنَعِيمِهَا وَعَذَابِهَا، وَفِيهِ «فَيُصْعَدُ بِرُوحِهِ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا، - إِلَى أَنْ قَالَ - حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ» - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - ثُمَّ قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ السَّمَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فَوْقَ السَّمَاءِ لَمَا

стр. 199

عُرِجَ بِالْأَرْوَاحِ وَالْأَعْمَالِ إِلَى السَّمَاءِ وَلَمَا غُلِّقَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ عَنْ قَوْمٍ وَفُتِّحَتْ لِآخَرِينَ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ حِينَ حَمَلُوا الْعَرْشَ وَفَوْقَهُ الْجَبَّارُ ﷻ فِي عِزَّتِهِ وَبَهَائِهِ ضَعُفُوا عَنْ حَمْلِهِ وَاسْتَكَانُوا وَجَثَوْا عَلَى رُكَبِهِمْ حَتَّى لُقِّنُوا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَاسْتَقَلُّوا بِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ ثُمَّ سَاقَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ: أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ حِينَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ حَمَلَةَ الْعَرْشِ فَقَالُوا: رَبَّنَا لِمَ خَلَقْتَنَا؟ فَقَالَ: خَلَقْتُكُمْ لِحَمْلِ عَرْشِي فَقَالُوا: رَبَّنَا وَمَنْ يَقْوَى عَلَى حَمْلِ عَرْشِكَ وَعَلَيْهِ جَلَالُكَ، وَعَظَمَتُكَ وَوَقَارُكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي خَلَقْتُكُمْ لِذَلِكَ، قَالَ: فَيَقُولُونَ ذَلِكَ مِرَارًا، قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَكِنَّا نَقُولُ رَبٌّ عَظِيمٌ وَمَلِكٌ كَبِيرٌ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَلَى عَرْشٍ عَظِيمٍ (مَخْلُوقٍ) فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ دُونَ مَا سِوَاهَا مِنَ الْأَمَاكِنِ، مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِذَلِكَ كَانَ كَافِرًا بِهِ وَبِعَرْشِهِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي حَدِيثِ الْحُصَيْنِ كَمْ تَعْبُدُ؟ فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﵌ عَلَى الْحُصَيْنِ إِذْ عَرَفَ أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِينَ فِي السَّمَاءِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَحُصَيْنٌ ﵁ قَبْلَ إِسْلَامِهِ كَانَ أَعْلَمَ بِاللَّهِ الْجَلِيلِ مِنَ الْمَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ مَعَ مَا يَنْتَحِلُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِذْ مَيَّزَ بَيْنَ الْإِلَهِ الْخَالِقِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَبَيْنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ الْمَخْلُوقَةِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ، قَالَ: وَقَدِ اتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي السَّمَاءِ وَعَرَّفُوهُ بِذَلِكَ إِلَّا الْمَرِيسِيَّ وَأَصْحَابَهُ، حَتَّى الصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ. وَقَالَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْأَمَةِ أَيْنَ اللَّهُ؟ تَكْذِيبٌ لِمَنْ يَقُولُ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِأَيْنَ ; لِأَنَّ شَيْئًا لَا

стр. 200

يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ أَيْنَ هُوَ؟ فَاللَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِذَلِكَ لَمْ يَعْرِفِ الْإِلَهَ الَّذِي يَعْبُدُهُ، وَكِتَابَاهُ مِنْ أَجَلِّ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي السُّنَّةِ وَأَنْفَعِهَا، وَيَنْبَغِي لِكُلِّ طَالِبِ سُنَّةٍ مُرَادُهُ الْوُقُوفُ عَلَى (مَا كَانَ) عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالْأَئِمَّةُ أَنْ يَقْرَأَ كِتَابَيْهِ، وَكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ يُوصِي بِهَذَيْنَ الْكِتَابَيْنِ أَشَدَّ الْوَصِيَّةِ وَيُعَظِّمُهُمَا جَدًّا، وَفِيهِمَا مِنْ تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِمَا. [قَوْلُ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ] (قَوْلُ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ) : الْإِمَامِ الْحَافِظِ أَحَدِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَحُفَّاظِ الْحَدِيثِ مِنْ شُيُوخِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ تَجَمَّلُوا بِالْحَدِيثِ عَنْهُ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: هَذَا قَوْلُ الْأَئِمَّةِ فِي الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ نَعْرِفُ رَبَّنَا سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَقَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: نَعْرِفُ رَبَّنَا فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .

стр. 201

[قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ] (قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ) أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ، أَثْنَى عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ، وَقِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ مَنْ نَسْأَلُ بَعْدَكَ؟ فَقَالَ: عَبْدَ الْوَهَّابِ. وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ النَّبِيلِ (قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ) وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى كُرْسِيِّهِ سَبْعَةُ آلَافِ نُورٍ وَهُوَ فَوْقَ ذَلِكَ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ هَاهُنَا فَهُوَ جَهْمِيٌّ خَبِيثٌ، إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ، حَكَاهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ فِي رِسَالَتِهِ فِي الْفَوْقِيَّةِ وَقَالَ: ثِقَةٌ حَافِظٌ رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ. [قَوْلُ خَارِجَةَ بْنِ مُصْعَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] (قَوْلُ خَارِجَةَ بْنِ مُصْعَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ - أَبُو جَعْفَرٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ خَارِجَةَ بْنَ مُصْعَبٍ يَقُولُ: الْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ أَبْلِغْ نِسَاءَهُمْ أَنَّهُنَّ طَوَالِقُ لَا يَحْلِلْنَ لَهُمْ، لَا تَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَلَا

стр. 202

تَشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ ثُمَّ تَلَا: طه إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . [قَوْلُ إِمَامَيْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى] (قَوْلُ إِمَامَيْ أَهْلِ الْحَدِيثِ) : أَبِي زُرْعَةَ، وَأَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ سَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَمَا أَدْرَكَا عَلَيْهِ أَئِمَّةَ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ. . . فَقَالَا: أَدْرَكْنَا الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ حِجَازًا وَعِرَاقًا وَمِصْرًا وَشَامًا وَيَمَنًا فَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِمُ الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِجَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَالْقَدَرُ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مِنَ اللَّهِ ، وَخَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵃، وَأَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا وَصَفَ نَفْسِهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ بِلَا كَيْفٍ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُرَى فِي الْآخِرَةِ ; يَرَاهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِأَبْصَارِهِمْ وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ كَيْفَ شَاءَ وَكَمَا شَاءَ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَهُمَا مَخْلُوقَتَانِ لَا يَفْنَيَانِ أَبَدًا. . . وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ مِمَّنْ يَفْهَمُ وَلَا يَجْهَلُهُ فَهُوَ كَافِرٌ. . . وَمَنْ وَقَفَ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ جَهْمِيٌّ. . . وَمَنْ قَالَ لَفْظِيٌّ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ. . . فَهُوَ جَهْمِيٌّ، أَوْ قَالَ الْقُرْآنُ بِلَفْظِيٍّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ جَهْمِيٌّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَعِلْمُهُ وَأَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ لَيْسَ

стр. 203

بِمَخْلُوقٍ بِجِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ، وَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ أَبِي زُرْعَةٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَغَضِبَ وَقَالَ تَفْسِيرُهَا كَمَا تُقْرَأُ هُوَ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ. وَهَذَانَ الْإِمَامَانِ إِمَامَا أَهْلِ الرَّأْيِ، وَهُمَا مِنْ نُظَرَاءِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. [قَوْلُ حَرْبٍ الْكِرْمَانِيِّ] (قَوْلُ حَرْبٍ الْكِرْمَانِيِّ) : صَاحِبِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَهُ مَسَائِلُ جَلِيلَةٌ عَنْهُمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ عَمَّارٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عِصْمَةَ (قَالَ) : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: وَالْمَاءُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَالْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ، وَاللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ، قُلْتُ هَذَا لَفْظُهُ فِي مَسَائِلِهِ وَحَكَاهُ إِجْمَاعًا لِأَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ. [قَوْلُ إِمَامِ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ] (قَوْلُ إِمَامِ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ) : شَيْخِ الْبُخَارِيِّ بَلْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ قَالَ الْبُخَارِيُّ: عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ قِيلَ لَهُ: مَا قَوْلُ الْجَمَاعَةِ فِي الِاعْتِقَادِ؟ قَالَ يُثْبِتُونَ الْكَلَامَ وَالرُّؤْيَةَ وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى. . . عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ؟ فَقَالَ: اقْرَأْ أَوَّلَ الْآيَةِ يَعْنِي بِالْعِلْمِ لِأَنَّ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [المجادلة: ٧] . . . قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ، وَقَالَ

стр. 204

ابْنُ الْمَدِينِيِّ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: مَا اسْتَصْغَرْتُ نَفْسِي بَيْنَ يَدَيْ أَحَدٍ إِلَّا بَيْنَ يَدَيْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ: أَهْلُ الْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِالرُّؤْيَةِ وَبِالْكَلَامِ وَأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، فَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الْآيَةَ، فَقَالَ: اقْرَأْ مَا قَبْلَهُ يَعْنِي عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى. [قَوْلُ سُنَيْدِ بْنِ دَاوُدَ] (قَوْلُ سُنَيْدِ بْنِ دَاوُدَ) : شَيْخِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى الطَّرَسُوسِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِسُنَيْدِ بْنِ دَاوُدَ هُوَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] . [قَوْلُ إِمَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ ﵀] (قَوْلُ إِمَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ ﵀ : قَالَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]

стр. 205

قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ارْتَفَعَ فَسَوَّاهُنَّ: خَلَقَهُنَّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اسْتَوَى: عَلَا عَلَى الْعَرْشِ ثُمَّ سَاقَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَفْتَخِرُ عَلَى نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وَذَكَرَ تَرَاجِمَ أَبْوَابِ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي تَرْجَمَهُ بِكِتَابِ التَّوْحِيدِ وَالرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ رَدًّا عَلَى أَقْوَالِ الْجَهْمِيَّةِ الَّتِي خَالَفُوا بِهَا الْأُمَّةَ فَمِنْ تَرَاجِمِ أَبْوَابِ هَذَا الْكِتَابِ بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] . وَمِنْ أَبْوَابِهِ أَيْضًا بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وَذَكَرَ أَحَادِيثَ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] ، وَ ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ مُسْتَدِلًّا (بِهَا) عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ الْعِلْمِ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ السَّلَامُ» ثُمَّ (سَاقَ) حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا الْمَلِكُ» . ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]

стр. 206

﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨] وَذَكَرَ أَحَادِيثَ (فِي ذَلِكَ) ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣] ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ﵁: (. . . «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا - تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا» . . .) ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ [الأنعام: ٦٥] ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ فِي إِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﵌ فِي حَلِفِهِ لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ اسْمٍ إِلَّا وَاحِدًا» ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ السُّؤَالِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهَا وَمَقْصُودُهُ بِذَلِكَ أَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَعَاذُ بِمَخْلُوقٍ وَلَا يُسْأَلُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ وَأَسَامِي اللَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ ﵁ " «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ» "، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وَقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الدَّجَّالِ: «إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤] . ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ فِي إِثْبَاتِ الْيَدَيْنِ ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ

стр. 207

لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] فَسَمَّى اللَّهَ نَفْسَهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ أَحَادِيثِ الْفَوْقِيَّةِ، ثُمَّ قَرَّرَهَا بِتَرْجَمَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] ثُمَّ سَاقَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ فِي إِثْبَاتِ صِفَةِ الْفَوْقِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ثُمَّ ذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ فِي إِثْبَاتِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] ثُمَّ سَاقَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَ الْحَبْرِ الَّذِي فِيهِ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ» - الْحَدِيثَ. ثُمَّ قَالَ: بَابُ مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْخَلَائِقِ وَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ وَأَمْرُهُ فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ وَفَعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَكَلَامِهِ هُوَ الْخَالِقُ الْمُكَوِّنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ، وَأَمْرُهُ وَتَخْلِيقُهُ وَتَكْوِينُهُ فَهُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ مِنْ أَدَلِّ شَيْءٍ عَلَى دِقَّةِ عِلْمِهِ وَرُسُوخِهِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ فَصْلٌ فِي مَسْأَلَةِ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ وَقِيَامِ أَفْعَالِ الرَّبِّ بِهِ وَأَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَأَنَّ الْمَخْلُوقَ هُوَ الْمُنْفَصِلُ عَنْهُ الْكَائِنُ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَفَصَلَ النِّزَاعَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَحْسَنَ فَصْلٍ وَأَبْيَنَهُ وَأَوْضَحَهُ إِذْ فَرَّقَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ وَمَا يَقُومُ بِالرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَمَا

стр. 208

لَا يَقُومُ بِهِ وَبَيَّنَ أَنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى كَصِفَاتِهِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ لَيْسَتْ مُنْفَصِلَةً خَارِجَةً مُكَوَّنَةً. بَلْ بِهَا يَقَعُ التَّكْوِينُ فَجَزَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ بَلْ جَزَاهُمَا عَنْهُ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَجَعَلَهُ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ نِزَاعًا إِلَّا عَنِ الْجَهْمِيَّةِ وَذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ إِجْمَاعًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَصَرَّحَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مَخْلُوقٍ وَأَنَّ أَفْعَالَهُ وَصِفَاتَهُ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ فِي الْقَدَرِ وَإِثْبَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ فِي إِثْبَاتِ تَكَلُّمِ الرَّبِّ ﷻ ، ثُمَّ قَالَ بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وَمَقْصُودُهُ إِثْبَاتُ صِفَةِ الْكَلَامِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صِفَةِ الْخَلْقِ ثُمَّ قَالَ: بَابٌ فِي الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ، ثُمَّ سَاقَ آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣] قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀: وَلَمْ يَقُولُوا: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ؟ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ

стр. 209

عَنْهُ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ، وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ وَعَلْقَمَةَ: «فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ» . وَمَقْصُودُهُ أَنَّ هَذَا النِّدَاءَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ. فَالْمُنَادِي بِذَلِكَ هُوَ اللَّهُ الْقَائِلُ أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ. ثُمَّ قَالَ: بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ تَعَالَى مَعَ جِبْرَائِيلَ ﵊ وَنِدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرَائِيلَ» ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِهِ : ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ فِي نُزُولِ الْقُرْآنِ مِنَ السَّمَاءِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَصْلَيْنِ؛ فَوْقِيَّةِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَتَكَلُّمِهِ بِالْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ فِي تَكَلُّمِ الرَّبِّ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، وَحَدِيثَ «مَا مِنْكُمْ " مِنْ " أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ» ، وَحَدِيثَ «يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ» ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ فِي تَكْلِيمِ اللَّهِ لِمُوسَى، ثُمَّ قَالَ: بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ تَعَالَى مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَيْنِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] وَذَكَرَ آيَاتٍ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ (فِي ذَلِكَ) «أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ

стр. 210

لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» ، وَغَرَضُهُ بِهَذَا التَّبْوِيبِ الرَّدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ فَأَضَافَ الْجَعْلَ إِلَيْهِمْ فَهُوَ كَسْبُهُمْ وَفِعْلُهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ فِي هَذَا الْبَابِ نَفْسِهِ وَمَا ذَكَرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ (وَاكْتِسَابِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] فَأَثْبَتَ خَلْقَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ) وَأَنَّهَا أَفْعَالُهُمْ وَأَكْسَابُهُمْ فَتَضَمَّنَتْ تَرْجَمَتُهُ مُخَالَفَتَهُ لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] وَقَصْدُهُ بِهَذَا أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الصَّوْتَ وَالْحَرَكَةَ الَّتِي يُؤَدَّى بِهَا الْكَلَامُ كَسْبُ الْعَبْدِ وَفِعْلُهُ وَعَمَلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبْوَابًا فِي إِثْبَاتِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، ثُمَّ خَتَمَ الْكِتَابَ بِإِثْبَاتِ الْمِيزَانِ. [قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ] (قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ) : يُعْرَفُ قَوْلُهُ فِي السُّنَّةِ مِنْ سِيَاقِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَلَمْ يَتَأَوَّلْهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا التَّرَاجِمَ كَمَا فَعَلَ الْبُخَارِيُّ وَلَكِنْ سَرَدَهَا بِلَا أَبْوَابٍ وَلَكِنْ تُعْرَفُ التَّرَاجِمُ مِنْ ذِكْرِهِ لِلشَّيْءِ مَعَ نَظِيرِهِ، فَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ كَثِيرًا مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ كَحَدِيثِ الْإِتْيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَا فِيهِ مِنَ التَّجَلِّي وَكَلَامِ الرَّبِّ لِعِبَادِهِ وَرُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ وَذَكَرَ حَدِيثَ الْجَارِيَةِ وَأَحَادِيثَ النُّزُولِ وَذَكَرَ حَدِيثَ " «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ» " وَحَدِيثَ يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدَيْهِ، وَأَحَادِيثَ الرُّؤْيَةِ، وَحَدِيثَ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ

стр. 211

فِيهَا قَدَمَهُ، وَحَدِيثَ: «الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ،» وَحَدِيثَ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» . وَغَيْرَهَا مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ مُحْتَجًّا بِهَا (وَ) غَيْرَ مُؤَوِّلٍ لَهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا لِمَضْمُونِهَا لَفَعَلَ بِهَا مَا فَعَلَ الْمُتَأَوِّلُونَ حِينَ ذَكَرُوهَا. [قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ هَنَّادٍ الْبُوشْنَجِيِّ] (قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ هَنَّادٍ الْبُوشْنَجِيِّ) : الْحَافِظِ أَحَدِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي وَقْتِهِ: ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَخْبَرَكُمْ جَدُّكُمْ مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْأَشْرَفِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ هَنَّادِ الْبُوشْنَجِيُّ قَالَ: هَذَا مَا رَأَيْنَا عَلَيْهِ أَهْلَ الْأَمْصَارِ وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُهُمْ فِيهِ، وَإِيضَاحُ مِنْهَاجِ الْعُلَمَاءِ وَطُرُقِ الْفُقَهَاءِ، وَصِفَةِ السُّنَّةِ وَأَهْلِهَا أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَعَلِمِهُ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ بِكُلِّ مَكَانٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. [قَوْلُ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ] (قَوْلُ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي جَامِعِهِ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَوْ

стр. 212

أَدْلَى أَحَدُكُمْ بِحَبْلٍ لَهَبَطَ عَلَى اللَّهِ» . قَالَ: مَعْنَاهُ لَهَبَطَ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ، قَالَ: وَعِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ» . . .) قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الصِّفَاتِ وَنُزُولِ الرَّبِّ ﵎ (كُلَّ لَيْلَةٍ) إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالُوا: قَدْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا وَيُؤْمَنُ بِهَا وَلَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ؟ ، هَكَذَا رُوِيَ (عَنْ) مَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، وَقَالُوا: هَذَا تَشْبِيهٌ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْيَدَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ فَتَأَوَّلَتِ الْجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الْآيَاتِ وَفَسَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَا فَسَّرَ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ آدَمَ بِيَدِهِ وَإِنَّمَا مَعْنَى الْيَدُ هَاهُنَا الْقُوَّةُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: إِنَّمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ: يَدٌ كَيْدِي أَوْ مِثْلُ يَدِي أَوْ سَمْعٌ كَسَمْعِي فَهَذَا التَّشْبِيهُ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ، يَدٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ وَلَا يَقُولُ: كَيْفَ وَلَا (يَقُولُ) : مِثْلُ سَمْعٍ وَلَا كَسَمْعٍ. فَهَذَا لَا يَكُونُ تَشْبِيهًا (عِنْدَهُ) (وَهُوَ كَمَا) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

стр. 213

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] هَذَا كُلُّهُ كَلَامُهُ وَقَدْ ذَكَرَهُ عَنْهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفَارُوقِ بِإِسْنَادِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَأَمَّلَ تَبْوِيبَ ابْنِ مَاجَهْ فِي السُّنَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ، وَتَبْوِيبَ أَبِي دَاوُدَ فِيمَا ذَكَرَ فِي الْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلِمَ مَضْمُونَ قَوْلِهِمْ وَأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَوْلٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ بَوَّبَ وَتَرْجَمَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْحَدِيثِ غَيْرَ التَّرَاجِمِ وَالْأَبْوَابِ، وَبَعْضُهُمْ زَادَ التَّقْرِيرَ وَإِبْطَالَ قَوْلِ الْمُخَالِفِ، وَبَعْضُهُمْ سَرَدَ الْأَحَادِيثَ وَلَمْ يُتَرْجِمْ لَهَا، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ أَبْطَلَ حَقَائِقَهَا وَحَرَّفَهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا وَسَمَّى تَحْرِيفَهَا تَأْوِيلًا كَمَا فَعَلَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ، بَلِ الَّذِي بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْجَهْمِيَّةِ مِنَ الْحَرْبِ أَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ عَسْكَرِ الْكُفْرِ وَعَسْكَرِ الْإِسْلَامِ، وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ فِي أَوَّلِ سُنَنِهِ: بَابُ مَا أَنْكَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ ثُمَّ رَوَى أَحَادِيثَ الرُّؤْيَةِ، وَحَدِيثَ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا، وَحَدِيثَ جَابِرٍ: «بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ مِنْ فَوْقِهِمْ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِذَا الْجَبَّارُ ﷻ قَدْ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ» . وَحَدِيثَ الْأَوْعَالِ الَّذِي فِيهِ: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ» . وَحَدِيثَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَضْحَكُ إِلَى ثَلَاثَةٍ» . وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ. [قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ] (قَوْلُ الْحَافِظِ) : أَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ إِمَامِ عَصْرِهِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ قَالَ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ

стр. 214

بَابُ التَّحْذِيرِ مِنْ مَذْهَبِ الْحُلُولِيَّةِ: الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ أَحَاطَ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى وَبِجَمِيعِ مَا خَلَقَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ تُرْفَعُ إِلَيْهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ؟ قِيلَ لَهُ: عَلِمُهُ مَعَهُمْ وَاللَّهُ عَلَى عَرْشِهِ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِهِمْ. كَذَا فَسَّرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَالْآيَةُ يَدُلُّ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا عَلَى أَنَّهُ الْعِلْمُ وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ هَذَا قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ. [قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي الشَّيْخِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ الْأَصْبِهَانِيِّ] (قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي الشَّيْخِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ الْأَصْبِهَانِيِّ) : (قَالَ) فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ: ذَكَرَ عَرْشَ الرَّبِّ ﵎ وَكُرْسِيَّهُ وَعِظَمَ خَلْقِهِمَا وَعُلُوَّ الرَّبِّ ﷻ فَوْقَ عَرْشِهِ ثُمَّ سَاقَ كَثِيرًا مِنْ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ بِإِسْنَادِهِ. [قَوْلُ الْحَافِظِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيِّ إِمَامِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ] (قَوْلُ الْحَافِظِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيِّ إِمَامِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيُّ قَالَ: قَالَ أَبِي: الْقَوْلُ فِي السُّنَّةِ الَّتِي رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَصْحَابَنَا أَهْلَ الْحَدِيثِ الَّذِينَ لَقِينَاهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ فِي سَمَائِهِ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ

стр. 215

كَيْفَ شَاءَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الِاعْتِقَادِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ: أَخَذَ عَنِ الرَّبِيعِ وَالْمُزَنِيِّ وَلَهُ كِتَابُ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ، وَكِتَابُ عِلَلِ الْحَدِيثِ وَهُوَ شَيْخُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ. [ذِكْرُ مَا حَكَاهُ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ] ِ، قَالَ: وَأَئِمَّتُنَا كَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْفُضَيْلِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ وَأَنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ مَكَانٍ.
следующие страницы →