Полный текст (300 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فِيهَا قَدَمَهُ، وَحَدِيثَ: «الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ،» وَحَدِيثَ: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» . وَغَيْرَهَا مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ مُحْتَجًّا بِهَا (وَ) غَيْرَ مُؤَوِّلٍ لَهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا لِمَضْمُونِهَا لَفَعَلَ بِهَا مَا فَعَلَ الْمُتَأَوِّلُونَ حِينَ ذَكَرُوهَا.
[قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ هَنَّادٍ الْبُوشْنَجِيِّ]
(قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ هَنَّادٍ الْبُوشْنَجِيِّ) : الْحَافِظِ أَحَدِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي وَقْتِهِ: ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَخْبَرَكُمْ جَدُّكُمْ مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْأَشْرَفِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ هَنَّادِ الْبُوشْنَجِيُّ قَالَ: هَذَا مَا رَأَيْنَا عَلَيْهِ أَهْلَ الْأَمْصَارِ وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُهُمْ فِيهِ، وَإِيضَاحُ مِنْهَاجِ الْعُلَمَاءِ وَطُرُقِ الْفُقَهَاءِ، وَصِفَةِ السُّنَّةِ وَأَهْلِهَا أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَعَلِمِهُ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ بِكُلِّ مَكَانٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
[قَوْلُ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ]
(قَوْلُ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي جَامِعِهِ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَوْ
стр. 212
أَدْلَى أَحَدُكُمْ بِحَبْلٍ لَهَبَطَ عَلَى اللَّهِ» . قَالَ: مَعْنَاهُ لَهَبَطَ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ، قَالَ: وَعِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ» . . .) قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الصِّفَاتِ وَنُزُولِ الرَّبِّ ﵎ (كُلَّ لَيْلَةٍ) إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالُوا: قَدْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا وَيُؤْمَنُ بِهَا وَلَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ؟ ، هَكَذَا رُوِيَ (عَنْ) مَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، وَقَالُوا: هَذَا تَشْبِيهٌ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْيَدَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ فَتَأَوَّلَتِ الْجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الْآيَاتِ وَفَسَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَا فَسَّرَ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ آدَمَ بِيَدِهِ وَإِنَّمَا مَعْنَى الْيَدُ هَاهُنَا الْقُوَّةُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: إِنَّمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ: يَدٌ كَيْدِي أَوْ مِثْلُ يَدِي أَوْ سَمْعٌ كَسَمْعِي فَهَذَا التَّشْبِيهُ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ، يَدٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ وَلَا يَقُولُ: كَيْفَ وَلَا (يَقُولُ) : مِثْلُ سَمْعٍ وَلَا كَسَمْعٍ. فَهَذَا لَا يَكُونُ تَشْبِيهًا (عِنْدَهُ) (وَهُوَ كَمَا) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 213
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] هَذَا كُلُّهُ كَلَامُهُ وَقَدْ ذَكَرَهُ عَنْهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفَارُوقِ بِإِسْنَادِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَأَمَّلَ تَبْوِيبَ ابْنِ مَاجَهْ فِي السُّنَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ، وَتَبْوِيبَ أَبِي دَاوُدَ فِيمَا ذَكَرَ فِي الْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلِمَ مَضْمُونَ قَوْلِهِمْ وَأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَوْلٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ بَوَّبَ وَتَرْجَمَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْحَدِيثِ غَيْرَ التَّرَاجِمِ وَالْأَبْوَابِ، وَبَعْضُهُمْ زَادَ التَّقْرِيرَ وَإِبْطَالَ قَوْلِ الْمُخَالِفِ، وَبَعْضُهُمْ سَرَدَ الْأَحَادِيثَ وَلَمْ يُتَرْجِمْ لَهَا، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ أَبْطَلَ حَقَائِقَهَا وَحَرَّفَهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا وَسَمَّى تَحْرِيفَهَا تَأْوِيلًا كَمَا فَعَلَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ، بَلِ الَّذِي بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْجَهْمِيَّةِ مِنَ الْحَرْبِ أَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ عَسْكَرِ الْكُفْرِ وَعَسْكَرِ الْإِسْلَامِ، وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ فِي أَوَّلِ سُنَنِهِ: بَابُ مَا أَنْكَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ ثُمَّ رَوَى أَحَادِيثَ الرُّؤْيَةِ، وَحَدِيثَ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا، وَحَدِيثَ جَابِرٍ: «بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ مِنْ فَوْقِهِمْ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِذَا الْجَبَّارُ ﷻ قَدْ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ» . وَحَدِيثَ الْأَوْعَالِ الَّذِي فِيهِ: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ» . وَحَدِيثَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَضْحَكُ إِلَى ثَلَاثَةٍ» . وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ.
[قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ]
(قَوْلُ الْحَافِظِ) : أَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ إِمَامِ عَصْرِهِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ قَالَ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ
стр. 214
بَابُ التَّحْذِيرِ مِنْ مَذْهَبِ الْحُلُولِيَّةِ: الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ أَحَاطَ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى وَبِجَمِيعِ مَا خَلَقَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ تُرْفَعُ إِلَيْهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ؟ قِيلَ لَهُ: عَلِمُهُ مَعَهُمْ وَاللَّهُ عَلَى عَرْشِهِ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِهِمْ. كَذَا فَسَّرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَالْآيَةُ يَدُلُّ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا عَلَى أَنَّهُ الْعِلْمُ وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ هَذَا قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ.
[قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي الشَّيْخِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ الْأَصْبِهَانِيِّ]
(قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي الشَّيْخِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ الْأَصْبِهَانِيِّ) : (قَالَ) فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ: ذَكَرَ عَرْشَ الرَّبِّ ﵎ وَكُرْسِيَّهُ وَعِظَمَ خَلْقِهِمَا وَعُلُوَّ الرَّبِّ ﷻ فَوْقَ عَرْشِهِ ثُمَّ سَاقَ كَثِيرًا مِنْ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ بِإِسْنَادِهِ.
[قَوْلُ الْحَافِظِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيِّ إِمَامِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ]
(قَوْلُ الْحَافِظِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيِّ إِمَامِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ) : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيُّ قَالَ: قَالَ أَبِي: الْقَوْلُ فِي السُّنَّةِ الَّتِي رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَصْحَابَنَا أَهْلَ الْحَدِيثِ الَّذِينَ لَقِينَاهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ فِي سَمَائِهِ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ
стр. 215
كَيْفَ شَاءَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الِاعْتِقَادِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ: أَخَذَ عَنِ الرَّبِيعِ وَالْمُزَنِيِّ وَلَهُ كِتَابُ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ، وَكِتَابُ عِلَلِ الْحَدِيثِ وَهُوَ شَيْخُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ.
[ذِكْرُ مَا حَكَاهُ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ]
ِ، قَالَ: وَأَئِمَّتُنَا كَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْفُضَيْلِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ وَأَنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ مَكَانٍ.
стр. 216
[قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّابُونِيِّ]
(قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّابُونِيِّ) : إِمَامِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ فِي وَقْتِهِ قَالَ فِي رِسَالَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي السُّنَّةِ: وَأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ سَاقَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: نَعْرِفُ رَبَّنَا ﵎ بِأَنَّهُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: أَنَّهُ هَاهُنَا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ: مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ اسْتَوَى فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِرَبِّهِ حَلَالُ الدَّمِ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَأُلْقِيَ عَلَى بَعْضِ الْمَزَابِلِ حَتَّى لَا يَتَأَذَّى الْمُسْلِمُونَ وَلَا الْمُعَاهَدُونَ بِنَتِنِ رَائِحَةِ جِيفَتِهِ، وَكَانَ مَالُهُ فَيْئًا وَلَا يَرِثُهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِذِ الْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ يَرِثُ الْمُسْلِمَ.
[قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ إِمَامِ الْحَنَفِيَّةِ]
(قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ إِمَامِ الْحَنَفِيَّةِ) : فِي وَقْتِهِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَمَعْرِفَةِ أَقْوَالِ السَّلَفِ قَالَ فِي بَعْضِ الْعَقِيدَةِ الَّتِي لَهُ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: ذِكْرُ بَيَانِ (عَقِيدَةِ أَهْلِ) السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى مَذْهَبِ فُقَهَاءِ الْمِلَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ. . . وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ. . . نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقَدِينَ. . . أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا شَيْءَ مِثْلَهُ. . . مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ. . . وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مِنْهُ بَدَأَ بِلَا كَيْفِيَّةٍ قَوْلًا، وَأُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ وَحَيًّا
стр. 217
وَصَدَّقَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى ذَلِكَ حَقًّا وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ. . . فَمَنْ سَمِعَهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ كَلَامُ الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ. . . وَالرُّؤْيَةُ حَقٌّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ إِحَاطَةٍ وَلَا كَيْفِيَّةٍ. . . وَكُلُّ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا أَرَادَ، لَا نَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُتَأَوِّلِينَ بِآرَائِنَا. . . وَلَا يَثْبُتُ قَدَمُ الْإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِسْلَامِ، وَمَنْ رَامَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُهُ وَلَمْ يَقْنَعْ بِالتَّسْلِيمِ فَهْمُهُ حَجَبَهُ مَرَامُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ. . . وَصَحِيحِ الْإِيمَانِ. . . وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ وَالتَّشْبِيهَ زَلَّ وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ. . . إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ كَمَا بَيْنَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ ﷻ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دُونَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَفَوْقَهُ وَذَكَرَ سَائِرَ الِاعْتِقَادِ.
стр. 218
[قَوْلُ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ] [ قَوْلُ إِمَامِهِمْ تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄]
وَهَذَا بَابٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُ لِكَثْرَةِ مَا يُوجَدُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي التَّفْسِيرِ وَهُوَ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ وَإِنَّمَا نَذْكُرُ طَرَفًا مِنْهُ يَسِيرًا يَكُونُ مُنَبِّهًا عَلَى مَا وَرَاءَهُ وَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَهَذِهِ تَفَاسِيرُ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ مَوْجُودَةٌ فَمَنْ طَلَبَهَا وَجَدَهَا.
(قَوْلُ إِمَامِهِمْ تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ : ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قَالَ: اسْتَقَرَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ إِبْلِيسَ: (ثُمَّ ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] قَالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقُولَ مِنْ فَوْقِهِمْ ; عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مِنْ فَوْقِهِمْ. وَتَقَدَّمَ حِكَايَةُ قَوْلِهِ أَنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى عَرْشِهِ. . . وَكَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ. . . (وَإِنَّمَا) يَجْرِي النَّاسُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ. رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْهُ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أَجِدُ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ؛ أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ. . .: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] فَذَكَرَ. . . خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] فَذَكَرَ هُنَا خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ. . . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧]
стр. 219
فَإِنَّهُ خَلَقَ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ فَدَحَاهَا. . . وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: (ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ) لَيْسَتْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَهِيَ صَحِيحَةٌ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ (أَحْمَدَ) بْنِ عُثْمَانَ فِي رِسَالَتِهِ فِي الْعُلُوِّ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ لِيُوسُفَ إِنِّي كَثِيرَةُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ فَأُعْطِيكَ ذَلِكَ حَتَّى تُنْفِقَ فِي مَرْضَاةِ سَيِّدِكِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. . وَعَنْ ذَكْوَانَ حَاجِبِ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَمُوتُ فَقَالَ لَهَا: كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يُحِبُّ إِلَّا طَيِّبًا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ جَاءَ بِهَا جِبْرَائِيلُ فَأَصْبَحَ لَيْسَ مَسْجِدٌ مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ يُذْكَرُ فِيهِ اللَّهُ إِلَّا وَهِيَ تُتْلَى آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَأَصْلُ الْقِصَّةِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥] قَالَ: يَعْنِي مِنْ ثِقَلِ الرَّحْمَنِ وَعَظَمَتِهِ ﷻ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ تَلَقَّاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ
стр. 220
وَقَتَادَةُ، فَقَالَ سَعِيدُ عَنْ قَتَادَةَ: يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ (قَالَ) : مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: تَشَقَّقُ بِاللَّهِ. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مِنْ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ أَوَّلَ مَا خَلَقَ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ قُلْتُ: وَهَذَا فِي تَفْسِيرِ الضَّحَّاكِ، وَفِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَأَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قَالَ: قَعَدَ.
[قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ ﵁]
(قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ ﵁ : رَوَى أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْحَاقَّةُ؟ قَالَ: يَوْمَ يَنْزِلُ الرَّبُّ ﵎ عَلَى عَرْشِهِ»
стр. 221
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي (كِتَابِ) خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] قَالَ: الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَلَقَّاهُنَّ مَلَكٌ فَعَرَجَ بِهِنَّ إِلَى اللَّهِ فَلَا يَمُرُّ بِمَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفَرُوا لِقَائِلِهِنَّ حَتَّى يَجِيءَ بِهِنَّ وَجْهَ الرَّحْمَنِ. أَخْرَجَهُ الْعَسَّالُ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ بِإِسْنَادٍ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ، نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ، وَإِنَّ مِقْدَارَ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِكُمْ عِنْدَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمْ بِالْأَمْسِ أَوَّلَ النَّهَارِ الْيَوْمَ فَيَنْظُرُ فِيهَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ فَيَطَّلِعُ فِيهَا عَلَى مَا يَكْرَهُ فَيُغْضِبُهُ ذَلِكَ فَأَوَّلُ مَنْ يَعْلَمُ بِغَضَبِهِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ يَجِدُونَهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ فَيُسَبِّحُهُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَسُرَادِقَاتُ الْعَرْشِ وَالْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَسَائِرُ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ أَطْوَلُ مِنْ هَذَا. وَصَحَّ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ وَأَبِي صَالِحٍ عَنِ
стр. 222
ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ عَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] وَأَنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى عَرْشِهِ عَلَى الْمَاءِ وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا قَبْلَ الْمَاءِ. . . الْحَدِيثَ. وَفِيهِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ مَا أَحَبَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا حَدِيثَ " «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ» " لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَوَّلِيَّةَ رَاجِعَةٌ إِلَى كِتَابَتِهِ لَا إِلَى خَلْقِهِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ: ( «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ) قَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلُ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ بَعْدَ خَلْقِ الْعَرْشِ، فَإِنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ قَبْلَهُ فِي أَصَحِّ قَوْلَيِ السَّلَفِ حَكَاهُمَا الْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرُّهَاوِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَى سَبْقِ خَلْقِ الْعَرْشِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ: «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» . وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ حِينَ خَلْقَ الْقَلَمَ قَدَّرَ بِهِ الْمَقَادِيرَ
стр. 223
كَمَا فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ، «قَالَ: اكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ» . فَهَذَا هُوَ التَّقْدِيرُ الْمُؤَقَّتُ قَبْلَ خَلْقِ الْعَالَمِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَثَبَتَ أَنَّ الْعَرْشَ سَابِقٌ عَلَى الْقَلَمِ، وَالْعَرْشُ كَانَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ لَا تُنَاقِضُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ، وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَهُمُّ بِالْأَمْرِ مِنَ التِّجَارَةِ أَوِ الْإِمَارَةِ حَتَّى إِذَا تَيَسَّرَ لَهُ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: اصْرِفُوهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ إِنْ يَسَّرْتُهُ لَهُ أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» . وَقَدْ سَبَقَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا. وَذَكَرَ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: « (مَا) بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَمَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى الْكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَالْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ وَاللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعَرْشِ وَيَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ» . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ارْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ
стр. 224
السَّائِبِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَلَأَ الْعَرْشَ حَتَّى إِنَّ لَهُ أَطِيطًا كَأَطِيطِ الرَّحْلِ. . . رَوَاهُ حَرْبٌ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ رُوحٍ عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ عَنْ حَمَّادٍ.
[قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ]
(قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ) : رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ شِبْلٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] قَالَ: بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الْعَرْشِ سَبْعُونَ أَلْفَ
стр. 225
حِجَابٍ فَمَا زَالَ يُقَرِّبُ مُوسَى حَتَّى كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَاحِدٌ فَلَمَّا رَأَى مَكَانَهُ وَسَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ قَالَ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ارْتَفَعَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اسْتَوَى عَلَا عَلَى الْعَرْشِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] قَالَ: هُمْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ يَتَرَاكَبُونَ كَمَا تَتَرَاكَبُ الْحُمُرُ وَالْأَنْعَامُ فِي الطُّرُقِ وَلَا يَسْتَحْيُونَ النَّاسَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يَخَافُونَ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ. رَوَاهُ الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ فِي كِتَابِ تَحْرِيمِ اللِّوَاطِ.
[قَوْلُ قَتَادَةَ]
(قَوْلُ قَتَادَةَ) : قَدْ تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ عَنْهُ فِي كِتَابِ النَّقْضِ قَالَ: قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: يَا رَبِّ أَنْتَ فِي السَّمَاءِ وَنَحْنُ فِي الْأَرْضِ فَكَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْرِفَ رِضَاكَ وَغَضَبَكَ؟ قَالَ: إِذَا رَضِيَتُ عَلَيْكُمُ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ خِيَارَكُمْ وَإِذَا غَضِبْتُ عَلَيْكُمُ اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ.
وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
[قَوْلُ عِكْرِمَةَ]
(قَوْلُ عِكْرِمَةَ) : صَحَّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ يَأْذَنُ لِي لَزَرَعْتُ فَلَا يَعْلَمُ إِلَّا وَالْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ جَنَّتِهِ فَيَقُولُونَ:
стр. 226
سَلَامٌ عَلَيْكَ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: تَمَنَّيْتَ شَيْئًا فَقَدْ عَلِمْتُهُ، وَقَدْ بَعَثَ مَعَنَا الْبَذْرَ يَقُولُ (لَكَ) : ابْذُرْ فَيَخْرُجُ أَمْثَالُ الْجِبَالِ فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ: كُلْ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ لَا يَشْبَعُ. وَلَهُ شَاهِدٌ مَرْفُوعٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.
[قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ]
(قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) : رَوَى عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ قَالَ: قَحِطَ النَّاسُ فِي زَمَنِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ الْمَلِكُ لَيُرْسِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا السَّمَاءَ أَوْ لَنُؤْذِيَنَّهُ، فَقَالَ جُلَسَاؤُهُ: فَكَيْفَ تَقْدِرُ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ؟ فَقَالَ: أَقْتُلُ أَوْلِيَاءَهُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّمَاءَ.
[قَوْلُ الضَّحَّاكِ]
(قَوْلُ الضَّحَّاكِ) قَدْ تَقَدَّمَ " عَنْهُ " فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قَالَ: هُوَ عَلَى عَرْشِهِ وَعِلْمُهُ مَعَهُمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّةَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْعَسَّالُ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ، وَلَفْظُهُ قَالَ: هُوَ فَوْقَ عَرْشِهِ وَعِلْمُهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ نُوحِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ مُقَاتِلٍ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: هُوَ عَلَى الْعَرْشِ وَعِلْمُهُ مَعَهُمْ. وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى ذَلِكَ.
стр. 227
[قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ]
(قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ) : قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ عِمْرَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَقْبَلَ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ فَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي أَوَّلِ دَرَجَةٍ فَيَرُدُّونَ ﵇ قَالَ الْقُرَظِيُّ: فَهَذَا فِي الْقُرْآنِ: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فَيَقُولُ: سَلُونِي؟ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ فِي دَرَجِهِمْ حَتَّى يَسْتَوِيَ عَلَى عَرْشِهِ، ثُمَّ يَأْتِيهِمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِلَيْهِمْ.
[قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ]
(قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ) : ذَكَرَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قَدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ " إِثْبَاتُ (صِفَةِ) الْعُلُوِّ " عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ: سَمِعَ يُونُسُ ﵇ تَسْبِيحَ الْحَصَا وَالْحِيتَانِ فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: يَا سَيِّدِي فِي السَّمَاءِ مَسْكَنُكَ وَفِي الْأَرْضِ قُدْرَتُكَ وَعَجَائِبُكَ إِلَهِي فِي الظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ حَبَسْتَنِي. . . فَلَمَّا كَانَ تَمَامُ الْأَرْبَعِينَ (يَوْمًا) وَأَصَابَهُ الْغَمُّ ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَيْسَ شَيْءٌ عِنْدَ رَبِّكَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ إِسْرَافِيلَ، وَذَكَرَ ابْنُ مَنْدَهْ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ
стр. 228
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ اللَّهُ : لَمَّا خَلَقْتُ خَلْقِي وَاسْتَوَيْتُ عَلَى عَرْشِي كَتَبْتُ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي وَلَوْلَا ذَلِكَ لَهَلَكُوا.
[قَوْلُ مَسْرُوقٍ]
(قَوْلُ مَسْرُوقٍ) : صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللَّهِ الْمُبَرَّأَةُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ.
[قَوْلُ مُقَاتِلٍ]
(قَوْلُ مُقَاتِلٍ) : قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] قَالَ: هُوَ عَلَى الْعَرْشِ وَهُوَ مَعَهُمْ بِعِلْمِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ.
[قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ]
(قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) : ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: يَنْزِلُ الرَّبُّ شَطْرَ اللَّيْلِ إِلَى السَّمَاءِ فَيَقُولُ: مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ حَتَّى إِذَا كَانَ الْفَجْرُ صَعِدَ الرَّبُّ .
[قَوْلُ كَعْبِ الْأَحْبَارِ]
(قَوْلُ كَعْبِ الْأَحْبَارِ) : رَوَى أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ حَدِّثْنِي عَنِ الْجَبَّارِ ﷻ . فَأَعْظَمَ الْقَوْمُ ذَلِكَ فَقَالَ كَعْبٌ: دَعُوا الرَّجُلَ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ جَاهِلًا تَعَلَّمَ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا ازْدَادَ عِلْمًا ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ: أُخْبِرُكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، ثُمَّ جَعَلَ مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضِ، وَجَعَلَ كِثْفَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَفَعَ الْعَرْشَ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ، فَمَا فِي السَّمَاوَاتِ سَمَاءٌ إِلَّا لَهَا أَطِيطٌ
стр. 229
كَأَطِيطِ الرَّحْلِ فِي أَوَّلِ مَا يَرْتَحِلُ مِنْ ثِقَلِ الْجَبَّارِ فَوْقَهُنَّ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِهِ (حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ) بِإِسْنَادٍ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: (لِلذِّكْرِ حَوْلَ الْعَرْشِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ بِذِكْرِ صَاحِبِهِ) وَذَكَرَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ ثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: (مَا نَظَرَ اللَّهُ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا قَالَ طِيبِي لِأَهْلِكِ فَزَادَتْ طِيبًا عَلَى مَا كَانَتْ وَمَا مِنْ يَوْمٍ كَانَ عِيدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا يَخْرُجُونَ فِي مِقْدَارِهِ إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ تَسْفِي عَلَيْهِمُ الرِّيحُ بِالْمِسْكِ فَلَا يَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُمْ فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا عَمَّا كَانُوا مِنَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ سَبْعُونَ ضِعْفًا) .
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا اللَّهُ فَوْقَ عِبَادِي وَعَرْشِي فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِي وَأَنَا عَلَى عَرْشِي أُدَبِّرُ أُمُورَ عِبَادِي لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ عِبَادِي فِي سَمَائِي وَلَا فِي أَرْضِي وَإِنْ حُجِبُوا عَنِّي فَلَا يَغِيبُ عَنْهُمْ عِلْمِي وَإِلَيَّ مَرْجِعُ كُلِّ خَلْقِي، فَأُثِيبُهُمْ بِمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ عِلْمِي أَغْفِرُ لِمَنْ شِئْتُ مِنْهُمْ بِمَغْفِرَتِي وَأُعَذِّبُ مَنْ شِئْتُ بِعِقَابِي.
[قَوْلُ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ شَيْخِ إِسْحَاقَ]
(قَوْلُ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ شَيْخِ إِسْحَاقَ) عَنْ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَقِيَهُمْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ارْتَفَعَ.
стр. 230
[قَوْلُ نَوْفٍ الَبِكَالِيِّ]
(قَوْلُ نَوْفٍ الَبِكَالِيِّ) : رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: ادْعُوا لِي عِبَادِي فَقَالُوا: يَا رَبِّ فَكَيْفَ وَالسَّمَاوَاتُ السَّبْعُ دُونَهُمْ وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ، قَالَ: إِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدِ اسْتَجَابُوا لِي، رَوَاهُ (الدَّارِمِيُّ) عَنْهُ.
[قَوْلُ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ]
(قَوْلُ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ) : قَالَ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي عِيسَى: أَنَّ مَلَكًا لَمَّا اسْتَوَى الرَّبُّ عَلَى عَرْشِهِ سَجَدَ فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ وَلَا يَرْفَعُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رَفْعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ) وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ. وَرَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ الْعَسَّالُ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ وَأَبُو عِيسَى هُوَ يَحْيَى بْنُ رَافِعٍ مِنْ قُدَمَاءِ التَّابِعِينَ ذَكَرْنَاهُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالتَّفْسِيرِ.
[قَوْلُ عَبَّاسٍ الْعَمِّيِّ]
(قَوْلُ عَبَّاسٍ الْعَمِّيِّ) : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالتَّفْسِيرِ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي
стр. 231
كِتَابِ الْعَرْشِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ دَاوُدَ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: " سُبْحَانَكَ " اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي تَعَالَيْتَ فَوْقَ عَرْشِكَ وَجَعَلْتَ خَشْيَتَكَ عَلَى مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
[قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْإِمَامِ فِي الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْمَغَازِي]
(قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْإِمَامِ فِي الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْمَغَازِي) قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى بُخْتَنَصَّرَ قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وَغِلْظُهَا مِثْلُ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ ذَكَرَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ قَالَ: وَفَوْقَهُمُ الْعَرْشُ عَلَيْهِ مَلِكُ الْمُلُوكِ ﵎، أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ فَأَنْتَ تَطَّلِعُ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْبَعُوضَةَ فَقَتَلَتْهُ. . .) رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ إِلَى ابْنِ إِسْحَاقَ.
[قَوْلُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ]
(قَوْلُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ) قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَقَدْ قَالَ فِي تَفْسِيرِهِ فِي قَوْلِهِ : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] أَيْ: عَلَا وَارْتَفَعَ.
[قَوْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَسْعُودٍ الْبَغَوِيِّ]
(قَوْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَسْعُودٍ الْبَغَوِيِّ) مُحْيِي السُّنَّةِ الَّذِي اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَلَقِّي تَفْسِيرِهِ بِالْقَبُولِ وَقِرَاءَتِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، قَدْ أَسْلَفْنَا قَوْلَهُ عِنْدَ ذِكْرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَإِنْكَارَهُ عَلَى مَنْ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] بِمَعْنَى اسْتَوْلَى وَأَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.
стр. 232
[قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيِّ الْمَالِكِيِّ صَاحِبِ التَّفْسِيرِ الْمَشْهُورِ]
(قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيِّ الْمَالِكِيِّ صَاحِبِ التَّفْسِيرِ الْمَشْهُورِ) قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) هَذِهِ مَسْأَلَةُ الِاسْتِوَاءِ وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا كَلَامٌ وَذَكَرَ قَوْلَ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِذَا وَجَبَ تَنْزِيهُ الْبَارِي عَنِ الْحَيِّزِ فَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ تَنْزِيهُهُ عَنِ الْجِهَةِ فَلَيْسَ بِجِهَةِ فَوْقَ عِنْدَهُمْ، لِمَا يَلْزَمُ عَنِ الْحَيِّزِ وَالْمَكَانِ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالتَّغْيِيرِ وَالْحُدُوثِ قَالَ: هَذَا قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الْأَوَّلُ ﵃ لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَةِ وَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّةُ بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ كَمَا نَطَقَ كِتَابُهُ وَأَخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِوَاءِ فَإِنَّهُ لَا تُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ يَعْنِي فِي اللُّغَةِ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْ هَذَا بِدْعَةٌ. هَذَا لَفْظُهُ فِي تَفْسِيرِهِ وَهُوَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَمِنْ عُلَمَائِهِمْ.
стр. 233
[أَقْوَالُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِمْ] [ ذِكْرُ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى]
ذِكْرُ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى: ذَكَرَ الْبَغَوِيُّ عَنْهُ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: صَعِدَ. وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
[قَوْلُ يَحْيَى بْنِ زِيَادٍ الْفَرَّاءِ]
(قَوْلُ يَحْيَى بْنِ زِيَادٍ الْفَرَّاءِ) إِمَامِ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أَيْ صَعِدَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: فَهُوَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ كَانَ قَاعِدًا فَاسْتَوَى قَائِمًا وَكَانَ قَائِمًا فَاسْتَوَى قَاعِدًا ذَكَرُهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. قُلْتُ: مُرَادُ الْفَرَّاءِ اعْتِدَالُ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ فِي صُعُودِهِ عَلَى الْأَرْضِ.
[قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٍ]
(قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٍ) : رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ الْكِلَابِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ
стр. 234
ثَعْلَبًا يَقُولُ: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ: عَلَا. وَاسْتَوَى الْوَجْهُ: اتَّصَلَ، وَاسْتَوَى الْقَمَرُ: امْتَلَأَ، وَاسْتَوَى زَيْدٌ وَعَمْرٌو: تَشَابَهَا، وَاسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ: أَقْبَلَ، هَذَا الَّذِي نَعْرِفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ.
[قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ]
(قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقَالَ: هُوَ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ. فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّمَا مَعْنَاهُ اسْتَوْلَى فَقَالَ: اسْكُتْ. لَا يُقَالُ: اسْتَوْلَى عَلَى الشَّيْءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مُضَادٌّ فَإِذَا غَلَبَ أَحَدُهُمَا قِيلَ: اسْتَوْلَى، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
إِلَّا لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ ... سَبْقَ الْجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَدِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ: سَمِعْتُ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ صَاحِبَ اللُّغَةِ يَقُولُ: أَرَادَنِي ابْنُ أَبِي دَاوُدَ أَنْ
стр. 235
أَطْلُبُ لَهُ فِي بَعْضِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَمَعَانِيهَا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ مَا يَكُونُ هَذَا وَلَا وَجَدْتُهُ.
[قَوْلُ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ شَيْخِ سِيبَوَيْهِ]
(قَوْلُ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ شَيْخِ سِيبَوَيْهِ) ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ فِي التَّمْهِيدِ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ: ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ.
[قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ النَّحْوِيِّ الْمَعْرُوفِ بِنِفْطَوَيْهِ]
(قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ النَّحْوِيِّ الْمَعْرُوفِ بِنِفْطَوَيْهِ) : لَهُ كِتَابٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ أَنْكَرَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى، وَحَكَى فِيهِ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ مَا قَدَّمْنَا حِكَايَتَهُ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: وَسَمِعْتُ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: كَانَ الْمِرِّيسِيُّ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَسْفَلِ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ وَرَدٌّ لِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ ; إِذْ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وَرَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ لَيَّنَ الْقَوْلَ فِي الْمِرِّيسِيِّ صَاحِبِ هَذَا التَّسْبِيحِ وَلَقَدْ كَانَ جَدِيرًا بِمَا هُوَ أَلْيَقُ بِهِ
стр. 236
مِنَ الْجَهْلِ.
[قَوْلُ الْأَخْفَشِ]
(قَوْلُ الْأَخْفَشِ) : قَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي كِتَابِ التَّهْذِيبِ لَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قَالَ الْأَخْفَشُ: اسْتَوَى أَيْ عَلَا. يُقَالُ: اسْتَوَيْتُ فَوْقَ الدَّابَّةِ وَعَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ أَيْ عَلَوْتُهُ.
стр. 237
[أَقْوَالُ الزُّهَّادِ وَالصُّوفِيَّةِ أَهْلِ الْإِتْبَاعِ وَسَلَفِهِمْ] [ قَوْلُ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ شَيْخِ الزُّهَّادِ]
(قَوْلُ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ شَيْخِ الزُّهَّادِ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ فِي رِسَالَتِهِ: صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ دَاوُدُ ﵇ يُطِيلُ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَقُولُ: إِلَيْكَ رَفَعْتُ رَأْسِي نَظَرَ الْعَبِيدِ إِلَى أَرْبَابِهَا يَا سَاكِنَ السَّمَاءِ. وَرَوَاهُ اللَّالَكَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي كِتَابِ الزُّهْدِ، وَهَذَا الرَّفْعُ إِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ فِي شَرْعِنَا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهُوَ جَائِزٌ كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ .
[قَوْلُ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ]
(قَوْلُ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ) : قَدْ أَسْلَفْنَا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: خُذُوا فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَقُولُ: اسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ الصَّادِقِ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْهُ قَالَ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ خَيْرِي إِلَيْكَ يَنْزِلُ وَشَرُّكَ يَصْعَدُ إِلَيَّ، وَأَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ، وَتَتَبَغَّضُ إِلَيَّ بِالْمَعَاصِي، وَلَا يَزَالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ يَعْرُجُ إِلَيَّ مِنْكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ.
[قَوْلُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ]
(قَوْلُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ) : قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ قَالَ: - ضَمْرَةُ بْنُ
стр. 238
رَبِيعَةَ عَنْ صَدَقَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ -: لَوْ سُئِلْتُ أَيْنَ اللَّهُ؟ لَقُلْتُ: فِي السَّمَاءِ، وَلَوْ سُئِلْتُ: أَيْنَ كَانَ الْعَرْشُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ؟ لَقُلْتُ: عَلَى الْمَاءِ، وَلَوْ سُئِلْتُ: أَيْنَ كَانَ عَرْشُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْمَاءَ؟ لَقُلْتُ: لَا أَدْرِي.
[قَوْلُ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ]
(قَوْلُ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ) : رَوَى عَنْهُ أَبُو الشَّيْخِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ارْتَفَعَ إِلَيْكَ ثَنَاءُ التَّسْبِيحِ وَصَعِدَ إِلَيْكَ وَقَارُ التَّقَدُّسِ، سُبْحَانَكَ ذَا الْجَبَرُوتِ، بِيَدِكَ الْمَلِكُ وَالْمَلَكُوتُ وَالْمَفَاتِيحُ وَالْمَقَادِيرُ.
[قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ]
(قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) : رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لَهُ مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: يَنْزِلُ الرَّبُّ شَطْرَ اللَّيْلِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ حَتَّى إِذَا كَانَ الْفَجْرُ صَعِدَ الرَّبُّ .
[قَوْلُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ]
(قَوْلُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ) : قَالَ الْأَثْرَمُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ يَعْنِي
стр. 239
الْعُبَادِيَّ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْعَثِ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ صَاحِبُ الْفُضَيْلِ سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَوَهَّمَ فِي اللَّهِ كَيْفَ وَكَيْفَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ وَصَفَ نَفْسَهُ فَأَبْلَغَ فَقَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] فَلَا صِفَةَ أَبْلَغُ مِمَّا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، وَكَذَا النُّزُولُ وَالضَّحِكُ وَالْمُبَاهَاتُ وَالِاطِّلَاعُ كَمَا شَاءَ أَنْ يَنْزِلَ وَكَمَا شَاءَ أَنْ يُبَاهِيَ (وَكَمَا شَاءَ أَنْ يَطَّلِعَ) وَكَمَا شَاءَ أَنْ يَضْحَكَ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَوَهَّمَ كَيْفَ وَكَيْفَ، وَإِذَا قَالَ لَكَ الْجَهْمِيُّ: أَنَا كَفَرْتُ بِرَبٍّ يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ فَقُلْ أَنْتَ: أَنَا أُؤْمِنُ بِرَبٍّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ الْأَخِيرَ عَنِ الْفُضَيْلِ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ فَقَالَ: وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ إِذَا قَالَ لَكَ الْجَهْمِيُّ. . . فَذَكَرَهُ.
[قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ]
ِّ: قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعَرْشِ بَائِنٌ مِنَ الْخَلْقِ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِمَا وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا وَلَا يَشُكُّ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ إِلَّا جَهْمِيٌّ رَدِيءٌ ضَلِيلٌ وَهَالِكٌ مُرْتَابٌ يَقُولُ: يُمْزَجُ اللَّهَ بِخَلْقِهِ، وَيَخْلِطُ الذَّاتَ بِالْأَقْذَارِ وَالْأَنْتَانِ.
[قَوْلُ عَطَاءٍ السَّلِيمِيِّ]
(قَوْلُ عَطَاءٍ السَّلِيمِيِّ) : ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ ، وَمِنْ هَذَا نَهْيُ النَّبِيِّ ﵌ الْمُصَلِّيَ عَنْ رَفْعِ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ تَأَدُّبًا مَعَ اللَّهِ عَزَّ
стр. 240
وَجَلَّ وَإِطْرَاقًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَإِجْلَالًا لَهُ كَمَا يَقِفُ الْعَبِيدُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ وَلَا يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ إِلَيْهِمْ إِجْلَالًا لَهُمْ، فَإِذَا ضُمَّ هَذَا إِلَى رَفْعِ الْأَيْدِي فِي الرَّغَبَاتِ وَالرَّهَبَاتِ وَتَوَجُّهِ الْقُلُوبِ إِلَى الْعُلُوِّ دُونَ الْيَمْنَةِ وَالْيَسْرَةِ وَالْخَلْفِ وَالْأَمَامِ أَفَادَ الْعِلْمُ بِأَنَّ هَذَا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.
[قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْخَوَّاصِّ]
(قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْخَوَّاصِّ) : ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ مَكَثَ كَذَا وَكَذَا سَنَةً لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ.
[قَوْلُ بِشْرٍ الْحَافِيِّ]
(قَوْلُ بِشْرٍ الْحَافِيِّ) : صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَرْفَعُ يَدَيَّ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ أَرُدُّهُمَا وَأَقُولُ: إِنَّمَا يَفْعَلُ هَذَا مَنْ لَهُ جَاهٌ (عِنْدَ اللَّهِ) .
[قَوْلُ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ]
(قَوْلُ ذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ) : رَوَى أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ قَالَ: أَشْرَقَتْ لِنُورِهِ السَّمَاوَاتُ وَأَنَارَ بِوَجْهِهِ الظُّلُمَاتُ وَحُجِبَ جَلَالُهُ عَنِ الْعُيُونِ وَنَاجَاهُ عَلَى عَرْشِهِ أَلْسِنَةُ الصُّدُورِ. (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ نَقَلَ الْقُشَيْرِيُّ عَنْ ذِي النُّونِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 241
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقَالَ: أَثْبَتَ ذَاتَهُ وَنَفَى مَكَانَهُ فَهُوَ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ وَالْأَشْيَاءُ مَوْجُودَةٌ بِحِكْمَتِهِ كَمَا شَاءَ، قِيلَ: الْقُشَيْرِيُّ لَمْ يَذْكُرْ لِهَذِهِ الْحِكَايَةِ إِسْنَادًا وَمَا ذَكَرْنَاهُ مُسْنَدٌ عَنْهُ، وَفِي كُتُبِ التَّصَوُّفِ مِنَ الْحِكَايَاتِ الْمَكْذُوبَةِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا النَّقْلُ بَاطِلٌ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَيْسَ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ لِلْآيَةِ بَلْ هُوَ مُنَاقِضٌ لَهَا فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ تَتَضَمَّنْ إِثْبَاتَ ذَاتِهِ وَنَفْيَ مَكَانِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَكَيْفَ يُفَسَّرُ بِذَلِكَ؟ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ هُوَ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ وَالْأَشْيَاءُ مَوْجُودَةٌ بِحُكْمِهِ فَحَقٌّ وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ.
[قَوْلُ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيِّ]
(قَوْلُ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيِّ) : قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] فَهَذِهِ وَغَيْرُهَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] هَذَا يُوجِبُ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ فَوْقَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مُتَنَزِّهٌ عَنِ الدُّخُولِ فِي خَلْقِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ
стр. 242
مِنْهُمْ خَافِيَةٌ لِأَنَّهُ أَبَانَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ بِنَفْسِهِ فَوْقَ عِبَادِهِ ; لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] يَعْنِي فَوْقَ الْعَرْشِ وَالْعَرْشُ عَلَى السَّمَاءِ لِأَنَّ مَنْ (قَدْ) كَانَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى السَّمَاءِ، فِي السَّمَاءِ وَقَدْ قَالَ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] أَيْ عَلَى الْأَرْضِ لَا يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي جَوْفِهَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] يَعْنِي: عَلَى الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] يَعْنِي: فَوْقَهَا عَلَيْهَا، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: " فَبَيَّنَ " عُرُوجَ الْأَمْرِ وَعُرُوجَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ وَصَفَ وَقْتَ عُرُوجِهَا بِالِارْتِفَاعِ صَاعِدَةً إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فَذَكَرَ صُعُودَهَا إِلَيْهِ وَوُصُولَهَا (بِقَوْلِهِ) إِلَيْهِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: اصْعَدْ إِلَى فُلَانٍ فِي لَيْلَةٍ أَوْ يَوْمٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْعُلُوِّ وَأَنْ صُعُودَكَ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ فَإِذَا صَعِدُوا إِلَى الْعَرْشِ فَقَدْ صَعِدُوا إِلَى اللَّهِ ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَرَوْهُ وَلَمْ يُسَاوُوهُ فِي الِارْتِفَاعِ فِي عُلُوِّهِ فَإِنَّهُمْ صَعِدُوا مِنَ الْأَرْضِ وَعَرَجُوا بِالْأَمْرِ إِلَى الْعُلُوِّ الَّذِي اللَّهُ تَعَالَى فَوْقَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وَلَمْ يَقُلْ: عِنْدَهُ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ - أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] ثُمَّ اسْتَأْنَفَ وَقَالَ: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧] يَعْنِي: فِيمَا قَالَ أَنَّ إِلَهَهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ فِرْعَوْنَ ظَنَّ بِمُوسَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا قَالَ لَهُ، وَعَمَدَ إِلَى طَلَبِهِ، حَيْثُ قَالَ لَهُ مَعَ الظَّنِّ بِمُوسَى أَنَّهُ كَاذِبٌ وَلَوْ أَنَّ مُوسَى قَالَ إِنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِذَاتِهِ لَطَلَبَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ حُشِّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا " وَلَمْ
стр. 243
يُجْهِدُ نَفْسَهُ بِبِنَاءِ الصَّرْحِ ".
[قَوْلُ إِمَامِ الصُّوفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ الْإِمَامُ الْعَارِفُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْمَكِّيُّ]
(قَوْلُ إِمَامِ الصُّوفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ) : الْإِمَامُ الْعَارِفُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْمَكِّيُّ قَالَ فِي كِتَابِهِ آدَابِ الْمُرِيدِينَ وَالتَّعَرُّفِ بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ. . . فِي بَابِ مَا يَجِيءُ بِهِ الشَّيْطَانُ " لِلتَّائِبِينَ " مِنَ الْوَسْوَسَةِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ الَّذِي يَأْتِي بِهِ النَّاسُ إِذَا هُمُ امْتَنَعُوا عَلَيْهِ وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ فَإِنَّهُ يُوَسْوِسُ لَهُمْ فِي أَمْرِ الْخَالِقِ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِمْ أُصُولَ التَّوْحِيدِ، وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا إِلَى أَنْ قَالَ: فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُوَسْوِسُ بِهِ فِي التَّوْحِيدِ بِالتَّشْكِيكِ، وَفِي صِفَاتِ الرَّبِّ بِالتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ أَوْ بِالْجَحْدِ لَهَا وَالتَّعْطِيلِ، وَأَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِمْ مَقَايِيسَ عَظَمَةِ الرَّبِّ بِقَدْرِ عُقُولِهِمْ فَيَهْلِكُوا (إِنْ قَبِلُوا) أَوْ يُضَعْضِعَ أَرْكَانَهُمْ إِلَّا أَنْ يَلْجَئُوا فِي ذَلِكَ إِلَى الْعِلْمِ وَتَحْقِيقِ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ مِنْ حَيْثُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَوَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ فَهُوَ تَعَالَى الْقَائِلُ: أَنَا اللَّهُ، لَا الشَّجَرَةُ الْجَائِي هُوَ لَا أَمْرُهُ الْمُسْتَوِي عَلَى عَرْشِهِ بِعَظَمَةِ جَلَالِهِ دُونَ كُلِّ مَكَانٍ، الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيمًا فَسَمِعَ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ الْوَارِثِ لِخَلْقِهِ السَّمِيعِ لِأَصْوَاتِهِمُ النَّاظِرِ بِعَيْنِهِ إِلَى أَجْسَامِهِمْ يَدَاهُ، مَبْسُوطَتَانِ وَهُمَا غَيْرُ نِعْمَتِهِ وَقُدْرَتِهُ، وَخَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ ثُمَّ سَاقَ
стр. 244
كَلَامًا طَوِيلًا فِي السُّنَّةِ وَهُوَ ﵀ مِنْ نُظَرَاءِ الْجُنَيْدِ وَأَعْيَانِ مَشَايِخِ الْقَوْمِ تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَادَ.
[قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ الْهَمْدَانِيِّ الصُّوفِيِّ]
(قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ الْهَمْدَانِيِّ الصُّوفِيِّ) ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ الْمَقْدِسِيُّ مُحَدِّثُ الصُّوفِيَّةِ فِي كِتَابِهِ عَنْهُ أَنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ اللَّهُ وَلَا عَرْشَ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. . . وَكَلَامًا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى. فَقَالَ: يَا شَيْخُ دَعْنَا مِنْ ذِكْرِ الْعَرْشِ وَأَخْبِرْنَا عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُهَا فِي قُلُوبِنَا؛ فَإِنَّهُ مَا قَالَ عَارِفٌ قَطُّ يَا اللَّهُ إِلَّا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ الْعُلُوَّ وَلَا يَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً فَكَيْفَ نَدْفَعُ هَذِهِ الضَّرُورَةَ عَنْ قُلُوبِنَا؟ قَالَ: فَصَرَخَ أَبُو الْمَعَالِي وَلَطَمَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: حَيَّرَنِي الْهَمْدَانِيُّ حَيَّرَنِي الْهَمْدَانِيُّ.
стр. 245
[قَوْلُ الْإِمَامِ الْعَارِفِ مَعْمَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيِّ]
(قَوْلُ الْإِمَامِ الْعَارِفِ مَعْمَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيِّ) شَيْخِ الصُّوفِيَّةِ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ قَالَ فِي رِسَالَةٍ: أَحْبَبْتُ أَنْ أُوصِيَ أَصْحَابِي بِوَصِيَّةٍ مِنَ السُّنَّةِ وَمَوْعِظَةٍ مِنَ الْحِكْمَةِ وَأَجْمَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصَوُّفِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ فِيهَا: وَإِنَّ اللَّهَ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، وَالِاسْتِوَاءُ مَعْقُولٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَأَنَّهُ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَالْخَلْقُ بَائِنُونَ مِنْهُ بِلَا حُلُولٍ وَلَا مُمَازَجَةٍ وَلَا اخْتِلَاطٍ وَلَا مُلَاصَقَةٍ ; لِأَنَّهُ الْفَرْدُ الْبَائِنُ مِنَ الْخَلْقِ الْوَاحِدُ الْغَنِيُّ عَنِ الْخَلْقِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَلِيمٌ خَبِيرٌ يَتَكَلَّمُ وَيَرْضَى وَيَسْخَطُ وَيَضْحَكُ وَيَعْجَبُ وَيَتَجَلَّى لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَاحِكًا وَيَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كَيْفَ شَاءَ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ. وَنُزُولُ الرَّبِّ إِلَى السَّمَاءِ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، فَمَنْ أَنْكَرَ النُّزُولَ أَوْ تَأَوَّلَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ.
[قَوْلُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَارِفِ قُدْوَةِ الْعَارِفِينَ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيِّ]
(قَوْلُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَارِفِ قُدْوَةِ الْعَارِفِينَ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيِّ) قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ " تُحْفَةُ الْمُتَّقِينَ وَسَبِيلِ الْعَارِفِينَ " فِي بَابِ اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَفِي ذِكْرِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْوَقْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] إِلَى أَنْ قَالَ وَاللَّهُ تَعَالَى بِذَاتِهِ عَلَى الْعَرْشِ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ مَكَانٍ وَالْوَقْفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 246
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا الْوَقْفُ حَسَنٌ لِمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فَوْقِ الْعَرْشِ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَوَقَفَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُنْكِرِي اسْتِوَاءِ الرَّبِّ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَابْتَدَءُوا بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [طه: ٥] يُرِيدُونَ بِذَلِكَ نَفِيَ الِاسْتِوَاءِ الَّذِي وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَهَذَا خَطَأٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بِذَاتِهِ. وَقَالَ فِي كِتَابِهِ " الْغُنْيَةُ ": أَمَّا مَعْرِفَةُ الصَّانِعِ بِالْآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ فَهُوَ: أَنْ تَعْرِفَ وَتَتَيَقَّنَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ أَحَدٌ إِلَى أَنْ قَالَ وَهُوَ بِجِهَةِ الْعُلُوِّ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ مُحْتَوٍ عَلَى الْمُلْكِ مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِالْأَشْيَاءِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ، (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) .
فَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بَلْ يُقَالُ: إِنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَسَاقَ آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي إِطْلَاقُ صِفَةِ الِاسْتِوَاءِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَأَنَّهُ اسْتِوَاءُ الذَّاتِ عَلَى الْعَرْشِ ثُمَّ قَالَ: وَكَوْنُهُ عَلَى الْعَرْشِ مَذْكُورٌ فِي كُلِّ كِتَابٍ أُنْزِلَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ بِلَا كَيْفٍ. هَذَا نَصُّ كَلَامِهِ فِي الْغُنْيَةِ.
[قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيفِ الشِّيرَازِيِّ]
(قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيفِ الشِّيرَازِيِّ) إِمَامِ الصُّوفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ قَالَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ
стр. 247
اعْتِقَادَ التَّوْحِيدِ بِإِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، قَالَ فِي آخِرِ خُطْبَتِهِ: فَاتَّفَقَتْ أَقْوَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَمَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَشَرْطًا ظَاهِرًا، وَهُمُ الَّذِينَ نَقَلُوهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ ذَلِكَ حِينَ قَالَ: ( «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» ) فَكَانَتْ كَلِمَةُ الصَّحَابَةِ عَلَى الِاتِّفَاقِ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ وَهُمُ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِالْأَخْذِ عَنْهُمْ، إِذْ لَمْ يَخْتَلِفُوا بِحَمْدِ اللَّهِ فِي أَحْكَامِ التَّوْحِيدِ وَأُصُولِ الدِّينِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْفُرُوعِ وَلَوْ كَانَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ لَنُقِلَ إِلَيْنَا كَمَا نُقِلَ إِلَيْنَا سَائِرُ الِاخْتِلَافِ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا رِجْلَهُ، وَحَدِيثَ: الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الصُّورِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ قَبَضَ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَمِمَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ فَيَبْسُطُ يَدَيْهِ وَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ الْحَدِيثَ. وَلَيْلَةَ النِّصْفِ (مِنْ شَعْبَانَ) وَعَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ (وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّى حِسَابَ الْخَلْقِ بِنَفْسِهِ) وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ خَصَّ مُحَمَّدًا ﵌ بِالرُّؤْيَةِ وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا.
[قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ]
(قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ) صَاحِبِ كِتَابِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ
стр. 248
وَالْفَارُوقِ وَذَمِّ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ بِلَفْظِ الذَّاتِ فِي الْعُلُوِّ وَأَنَّهُ اسْتَوَى بِذَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ قَالَ: وَلَمْ تَزَلْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ تُصَرِّحُ بِذَلِكَ، وَمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ صَلَابَتِهِ فِي السُّنَّةِ وَالْإِثْبَاتِ فَلْيُطَالِعْ كِتَابَيْهِ الْفَارُوقَ وَذَمَّ الْكَلَامِ.
[قَوْلُ شَيْخِ الصُّوفِيَّةِ وَالْمُحَدِّثِينَ أَبِي نُعَيْمٍ صَاحِبِ كِتَابِ حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ]
(قَوْلُ شَيْخِ الصُّوفِيَّةِ وَالْمُحَدِّثِينَ أَبِي نُعَيْمٍ صَاحِبِ كِتَابِ حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ) قَالَ فِي عَقِيدَتِهِ: وَأَنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ بَصِيرٌ عَلِيمٌ خَبِيرٌ يَتَكَلَّمُ وَيَرْضَى وَيَسْخَطُ وَيَضْحَكُ وَيَعْجَبُ وَيَتَجَلَّى لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَاحِكًا وَيَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كَيْفَ يَشَاءُ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَنُزُولُ الرَّبِّ تَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، فَمَنْ أَنْكَرَ النُّزُولَ أَوْ تَأَوَّلَ فَهُوَ مُبْتَدَعٌ ضَالٌّ، وَسَائِرُ الصَّفْوَةِ الْعَارِفِينَ عَلَى هَذَا. ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّ اللَّهَ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، فَالِاسْتِوَاءُ مَعْقُولٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَخَلْقُهُ بَائِنُونَ مِنْهُ بِلَا حُلُولٍ وَلَا مُمَازَجَةٍ وَلَا اخْتِلَاطٍ وَلَا مُلَاصَقَةٍ ; لِأَنَّهُ الْفَرْدُ الْبَائِنُ مِنَ الْخَلْقِ وَالْوَاحِدُ الْغَنِيُّ عَنِ الْخَلْقِ. وَقَالَ أَيْضًا: طَرِيقُنَا طَرِيقُ السَّلَفِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَسَاقَ ذِكْرَ اعْتِقَادِهِمْ ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّ مِمَّا اعْتَقَدُوهُ أَنَّ اللَّهَ فِي سَمَائِهِ دُونَ أَرْضِهِ وَسَاقَ بَقِيَّتَهُ.
[قَوْلُ الْإِمَامِ يَحْيَى بْنِ عَمَّارٍ السِّجْزِيِّ]
(قَوْلُ الْإِمَامِ يَحْيَى بْنِ عَمَّارٍ السِّجْزِيِّ) : شَيْخِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ إِمَامِ الصُّوفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ قَالَ فِي رِسَالَتِهِ فِي السُّنَّةِ بَعْدَ كَلَامٍ: بَلْ نَقُولُ هُوَ بِذَاتِهِ عَلَى الْعَرْشِ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَقُدْرَتُهُ مُدْرِكَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] وَرِسَالَتُهُ
стр. 249
مَوْجُودَةٌ مَشْهُورَةٌ.
[قَوْلُ عُتْبَةَ الْغُلَامِ]
ِ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَهْدٍ الْمَدِينِيُّ كَانَ عُتْبَةُ يُصَلِّي هَذَا اللَّيْلَ الطَّوِيلَ فَإِذَا فَرَغَ رَفْعَ رَأَسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: سَيِّدِي إِنْ تُعَذِّبْنِي فَإِنِّي أُحِبُّكَ وَإِنْ تَعْفُ عَنِّي فَإِنِّي أُحِبُّكَ.
[أَقْوَالُ الشَّارِحِينَ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى]
[قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِهِ]
[أَقْوَالُ الشَّارِحِينَ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى]
(قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِهِ) قَالَ: وَقَدْ كَانَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ لَا يَنْفُونَ الْجِهَةَ بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّةُ بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ كِتَابُهُ وَأَخْبَرَ رَسُولُهُ ﵌ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً، وَخُصَّ الْعَرْشُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَخْلُوقَاتِهِ، وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِوَاءِ فَإِنَّهُ لَا تُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالسُّؤَالُ عَنِ الْكَيْفِ بِدَعَةٌ. وَكَذَلِكَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ فِي رِسَالَتِهِ الَّتِي سَمَّاهَا بِالْإِيمَاءِ إِلَى مَسْأَلَةِ الِاسْتِوَاءِ، وَحِكَايَتُهُ عَنِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهُ اسْتِوَاءٌ الذَّاتِ عَلَى الْعَرْشِ وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ بْنِ الطَّيِّبِ الْأَشْعَرِيِّ
стр. 250
كَبِيرِ الطَّائِفَةِ وَأَنَّ الْقَاضِي عَبْدَ الْوَهَّابِ نَقَلَهُ عَنْهُ نَصًّا وَأَنَّهُ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ فُورَكَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالطَّلَمَنْكِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا: وَأَظْهَرُ (هَذِهِ) الْأَقْوَالِ مَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْآيُ وَالْأَخْبَارُ، (وَقَالَ (جَمِيعُ) الْفُضَلَاءِ الْأَخْيَارِ) : إِنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ بِلَا كَيْفٍ، بَائِنٌ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، هَذَا مَذْهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِيمَا نَقَلَ عَنْهُمُ الثِّقَاتُ.
следующие страницы →