← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 21714

اجتماع الجيوش الإسلامية - ت المعتق

ابن القيم

Полный текст (300 стр.). Показаны 281–300 · переход к 286.

стр. 281

سَمِيعٌ بَصِيرٌ لَا نَشُكُّ مُدَبِّرٌ وَمِنْ دُونِهِ عَبْدٌ ذَلِيلٌ مُدَبَّرُ ... يَدَا رَبِّنَا مَبْسُوطَتَانِ كِلَاهُمَا تَسُحَّانِ وَالْأَيْدِي مِنَ الْخَلْقِ تَقْتُرُ وَسَاقَ الْقَصِيدَةَ وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ الْقَصَائِدِ لَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، بَلْ أَثْنَوْا عَلَى نَاظِمِهَا وَمَدَحُوهُ. [قَوْلُ حَسَّانَ السُّنَّةِ فِي وَقْتِهِ يَحْيَى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورٍ الصَّرْصَرِيِّ الْأَنْصَارِيِّ] (قَوْلُ حَسَّانَ السُّنَّةِ فِي وَقْتِهِ) الْمُتَّفَقِ عَلَى قَبُولِهِ، الَّذِي سَارَ شِعْرُهُ مَسِيرَةَ الشَّمْسِ فِي الْآفَاقِ، وَاتَّفَقَ عَلَى قَبُولِهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ أَيَّ اتِّفَاقٍ، وَلَمْ يَزَلْ يُنْشَدُ فِي الْجَوَامِعِ الْعِظَامِ وَلَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَحْيَى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورٍ الصَّرْصَرِيِّ الْأَنْصَارِيِّ الْإِمَامِ فِي اللُّغَةِ وَالْفِقَهِ وَالسُّنَّةِ وَالزُّهْدِ وَالتَّصَوُّفِ قَالَ فِي قَصِيدَتِهِ الْعَيْنِيَّةِ الَّتِي أَوُّلَهَا شِعْرًا: تَوَاضَعْ لِرَبِّ الْعَرْشِ عَلَّكَ تُرْفَعُ ... فَقَدْ فَازَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمِنِ يَخْضَعُ وَدَاوِ بِذِكْرِ اللَّهِ قَلْبَكَ إِنَّهُ ... لَأَعْلَى دَوَاءٍ لِلْقُلُوبِ وَأَنْفَعُ وَخُذْ مِنْ تُقَى الرَّحْمَنِ أَمْنًا ... وَعُدَّةً لِيَوْمٍ بِهِ غَيْرُ التَّقِيِّ مُرَوَّعُ إِلَى أَنْ قَالَ: سَمِيعٌ بَصِيرٌ مَا لَهُ فِي صِفَاتِهِ ... شَبِيهٌ يَرَى مِنْ فَوْقِ سَبْعٍ وَيَسْمَعُ قَضَى خَلْقَهُ ثُمَّ اسْتَوَى فَوْقَ عَرْشِهِ ... وَمِنْ عِلْمِهِ لَمْ يَخْلُ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعُ

стр. 282

وَقَالَ فِي لَامِيَّتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا: أَلَذُّ وَأَحْلَى مِنْ شُمُولٍ وَشَمْأَلِ ... وَأَلْيَقُ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ وَيَوْمَ يُنَادِي الْعَالَمِينَ فَيُسْمِعُ ... الْقَصِيَّ كَدَانٍ فِي الْمَقَالِ الْمُطْوِلِ أَنَا الْمَلِكُ الدَّيَّانُ وَالنَّقْلُ ثَابِتٌ ... فَهَلْ هَاهُنَا يَنْسَاغُ تَأْوِيلُ جُهَّلِ وَيَنْظُرُهُ أَهْلُ الْبَصَائِرِ فِي غَدٍ ... بِأَبْصَارِهِمْ لَا رَيْبَ فِيهِ لِمُجْتَلِي كَمَا يَنْظُرُونَ الشَّمْسَ مَا حَالَ دُونَهَا ... سَحَابٌ أَلَا بُعْدًا لِأَهْلِ التَّعَزُّلِ تَوَحَّدَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَالْخَلْقُ دُونَهُ ... وَأَحْكَمَ مَا سِوَاهُ إِحْكَامَ مُكَمَّلِ وَقَالَ فِي قَصِيدَتِهِ تُحْفَةِ الْمُرِيدِينَ الَّتِي أَوَّلُهَا: أَسِيرُ وَقَلْبِي فِي رُبَاكَ أَسِيرُ ... فَهَلْ لِيَ مِنْ جَوْرِ الْفِرَاقِ مُجِيرُ وَأَسْتَجْلِبُ السَّلْوَى وَفِي الْقَلْبِ حَسْرَةٌ ... فَيَرْتَدُّ عَنْكَ الطَّرْفُ وَهْوَ حَسِيرُ وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنْ فِيكَ لِنَاظِرِي بَدَا ... غُصْنٌ غَضُّ النَّبَاتِ نَضِيرُ إِذَا مَا تَجَلَّى سَافِرًا فَجَمَالُهُ ... إِلَى الْقَلْبِ مِنْ جَيْشِ الْغَرَامِ سَفِيرُ إِذَا مَا اجْتَمَعْنَا وَالْتَفَى الشَّمْلُ فَالتُّقَى ... رَقِيبٌ عَلَيْنَا وَالْعَفَافُ غَيُورُ

стр. 283

يُؤَكِّدُ عَقْدَ الْوُدِّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ اعْتِقَادٌ عَلَيْهِ لِلْهِدَايَةِ نُورُ ... كِلَانَا مُحِبٌّ لِلْإِمَامِ ابْنِ حَنْبَلٍ لِأَسْيَافِنَا فِي شَانِئِيهِ هَبِيرُ إِلَى أَنْ قَالَ: نُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ ﷻ ... سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ الْعِبَادِ بَصِيرُ وَيَطْوِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى بِيَمِينِهِ ... وَذَلِكَ فِي وَصْفِ الْقَوِيِّ يَسِيرُ وَخَاطَبَ مُوسَى بِالْكَلَامِ مُكَلِّمًا ... فَخَرَّ صَرِيعًا إِذْ تَقَطَّعَ طُورُ وَخَطَّ لَهُ التَّوْرَاةَ فِيهَا مَوَاعِظٌ ... فَلَاحَتْ عَلَى الْأَلْوَاحِ مِنْهُ دُسُورُ وَأَنَّ قُلُوبَ الْخَلْقِ بَيْنَ أَصَابِعِ ... الْإِلَهِ فَمِنْهَا ثَابِتٌ وَنَفُورُ وَنُثْبِتُ فِي الْأُخْرَى لِرُؤْيَةِ رَبِّنَا ... حَدِيثًا رَوَاهُ فِي الصَّحِيحِ جَرِيرُ وَأَيُّ نَعِيمٍ فِي الْجِنَانِ لِأَهْلِهَا ... وَأَنَّى لَهُمْ لَوْ لَمْ يَرَوْهُ سُرُورُ إِلَى أَنْ قَالَ: وَنُؤْمِنُ أَنَّ الْعَرْشَ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةٍ ... تَطُوفُ بِهِ أَمْلَاكُهُ وَتَدُورُ قَضَى خَلْقَهُ ثُمَّ اسْتَوَى فَوْقَ عَرْشِهِ ... تَقَدَّسَ كُرْسِيٌّ لَهُ وَسَرِيرُ هُوَ اللَّهُ رَبِّي فِي السَّمَاءِ مُحَجَّبٌ ... وَلَيْسَ كَمَخْلُوقٍ حَوَتْهُ قُصُورُ إِلَيْهِ تَعَالَى طَيِّبُ الْقَوْلِ صَاعِدٌ ... وَيَنْزِلُ مِنْهُ بِالْقَضَاءِ أُمُورُ

стр. 284

لَقَدْ صَحَّ إِسْلَامُ الْجُوَيْرِيَةِ الَّتِي ... بِأُصْبُعِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ تُشِيرُ وَقَالَ ﵀ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَنَامِيَّةِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي النَّوْمِ مَرَّةً ... فَقَبَّلْتُ فَاهُ الْعَذْبَ تَقْبِيلَ مُشْتَاقِ وَلَوْ أَنَّنِي أُوتِيتُ رُشْدِيَ نَائِمًا ... لَقَبَّلْتُ مَمْشَاهُ الْكَرِيمَ بِآمَاقِي فَبَشَّرَنِي مِنْهُ بِأَزْكَى شَهَادَةٍ بِهَا ... جَبْرُ كَسْرِي يَوْمَ فَقْرِي وَإِمْلَاقِي بِمَوْتٍ سَعِيدٍ فِي كِتَابٍ وَسُنَّةٍ ... فَلَانَتْ لِبُشْرَاهُ شَرَاسَةُ أَخْلَاقِي وَهَا أَنَا ذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ ... مُقِرٌّ لِبُشْرَاهُ بِأَثْبَتِ مِصْدَاقِ بِأَنِّي عَلَى حُسْنِ اعْتِقَادِ ابْنِ حَنْبَلٍ ... مُقِيمٌ وَإِنْ قَامَ الْعِدَى لِي عَلَى سَاقِ أُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ ... يُقَدِّرُ آجَالًا وَيَقْضِي بِأَرْزَاقِ سَمِيعٌ بَصِيرٌ لَيْسَ شَيْءٌ كَمِثْلِهِ ... قَدِيمُ الصِّفَاتِ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْبَاقِي أُمِرُّ أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ كَمَا أَتَتْ ... أُتَابِعُ فِيهَا كُلَّ أَزْهَرَ سَبَّاقِ وَلَسْتُ إِلَى التَّشْبِيهِ يَوْمًا بِجَانِحٍ ... وَلَا قَائِلٍ تَأْوِيلَ أَشْدَقَ نَهَّاقِ وَقَالَ ﵀ فِي قَصِيدَتِهِ اللَّامِيَّةِ الَّتِي نَظَمَ فِيهَا اعْتِقَادَ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَوَّلُهَا: أَيَشْعُرُ حِزْبُ الْجَهْمِ ذَاكَ الْمُضَلِّلِ ... بِأَنِّيَ حَرْبٌ لِلْعِدَى غَيْرُ أَنْكَلِ تَشُنُّ عَلَيْهِمْ غَيْرَتِي وَحَمِيَّتِي ... لِدِينِ الْهُدَى غَارَاتِ أَشْوَسَ مُقْبِلِ لَوَقْعُ قَرِيضِي فِي صَمِيمِ قُلُوبِهِمْ ... أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ سِنَانٍ وَمُنْصَلِ

стр. 285

أُفَرِّقُ مِنْهُ حِينَ أَنْظُرُ نَحْوَهُمْ ... مَقَاتِلَ تُصْمِي مِنْهُمُ كُلَّ مَقْتَلِ هُمُ انْحَرَفُوا عَنْ مَنْهَجِ الْحَقِّ سَالِكِي ... مَهَالِكَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَالتَّأَوُّلِ لَقَدْ بَرِئَ الْحَبْرُ ابْنُ إِدْرِيسَ مِنْهُمُ ... بَرَاءَةَ مُوسَى مَنْ يَهُودٍ مُحَوَّلِ وَتُعْقَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَمِينُ مَنْ ... غَدَا حَالِفًا بِالْمُصْحَفِ الْمُتَقَبَّلِ وَهَذَا دَلِيلٌ مِنْهُ إِذْ كَانَ لَا يَرَى ... انْعِقَادًا لِمَخْلُوقٍ بِخَلْقٍ مُؤَتَّلِ وَمَذْهَبُهُ فِي الِاسْتِوَاءِ كَمَالِكٍ ... وَكَالسَّلَفِ الْأَبْرَارِ أَهْلِ التَّفَضُّلِ وَقُلْ مُسْتَوٍ بِالذَّاتِ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ ... وَلَا تَقُلِ اسْتَوْلَى فَمَنْ قَالَ يُبْطِلِ فَذَاكَ الَّذِي ضِدٌّ يُقَابِلُ قَسْوَةً ... لِذِي خَطَلٍ رَاوٍ لِغَثٍّ وَأَخْطَلِ وَقَدْ بَانَ مِنْهُ خَلْقُهُ وَهْوَ بَائِنٌ ... مِنَ الْخَلْقِ مَحْضٌ لِلْخَفِيِّ وَلِلْجَلِي وَأَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ مُفَسَّرًا ... وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ بِالْعِلْمِ فَاعْقِلِ عَلَا فِي السَّمَاءِ اللَّهُ فَوْقَ عِبَادِهِ ... دَلِيلُكَ فِي الْقُرْآنِ غَيْرُ مُقَلَّلِ وَإِثْبَاتُ إِيمَانِ الْجُوَيْرِيَةِ اتَّخِذْ ... دَلِيلًا عَلَيْهِ مُسْنَدٌ غَيْرُ مُرْسَلِ وَقَالَ ﵀ فِي قَصِيدَتِهِ اللَّامِيَّةِ يَهْجُو ابْنَ خَنْفَرٍ الْجَهْمِيَّ الْخَبِيثَ، أَوَّلُهَا: أَطِعِ الْهُدَى لَا مَا يَقُولُ الْعُذَّلُ ... فَالْحُبُّ ذُو مُرٍّ يَجُورُ وَيَعْدِلُ

стр. 286

وَاتْبَعْ لِسَلْمَى مَا اسْتَطَعْتَ مُسَالِمًا ... فَالْحُسْنُ يَنْصُرُهَا وَصَبْرُكَ يَخْذُلُ بَيْضَاءُ دُونَ مَرَامِهَا لِمُحِبِّهَا ... بِيضُ الصَّوَارِمِ وَالرِّمَاحُ الذُّبَّلُ تَخْفَى فَيَعْرِفُهَا الْوُشَاةُ بِعَرْفِهَا ... وَتُضِيءُ وَالظَّلْمَاءُ سِتْرٌ مُسْبَلُ تَضْحَى الدِّمَاءُ بُحُورُهَا هَدْرًا وَهَلْ ... يَخْشَى قِصَاصَ الْقَتْلِ طَرْفٌ أَكْحَلُ كَيْفَ الْبَقَاءُ لِعَاشِقٍ أَوْدَى بِهِ ... سَهْمُ اللِّحَاظِ وَقَدْ أُصِيبَ الْمَقْتَلُ نَبَذَ الْكِتَابَ وَرَاءَ ظَهْرٍ وَاقْتَدَى ... شَيْخَ الضَّلَالَةِ لِلصِّفَاتِ يُعَطِّلُ الْحَقُّ أَثْبَتَهَا تَعَالَى جَدُّهُ ... وَالتَّيْسُ يُنْكِرُهَا فَجِنٌّ يُقْبِلُ وَعَقِيدَةُ الْمَلْعُونِ أَنَّ الْمُصْحَفَ ... الْمَكْتُوبَ مَنْبُوذٌ تَطُوهُ الْأَرْجُلُ مَا قَالَتِ الْكُفَّارُ مِثْلَ مَقَالِهِ ... وَكَذَا الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى الضُّلَّلُ آلَ الْجَحُودُ بِهِ إِلَى وَادٍ لَظَى ... لِلْغَايَةِ السُّفْلَى فَبِئْسَ الْمَوْئِلُ وَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَنْبَلِيَّ مُجَسِّمٌ ... حَاشَا لِمِثْلِ الْحَنْبَلِيِّ يُمَثِّلُ بَلْ يُورِدُ الْأَخْبَارَ إِذْ كَانَتْ تُصَحِّحُهَا ... الرُّوَاةُ عَنِ الثِّقَاتِ وَتَنْقُلُ إِنَّ الْمُهَيْمِنَ لَيْسَ تَمْضِيَ لَيْلَةٌ ... إِلَّا وَفِي الْأَسْحَارِ فِيهَا يَنْزِلُ قَدْ قَالَهَا خَيْرُ الْوَرَى فِي سَادَةٍ ... لَمْ يُنْكِرُوا هَذَا وَلَمْ يَتَأَوَّلُوا وَتَقَبَّلُوهَا مَعْ غَزَارَةِ عَلِمِهِمْ ... أَفَأَنْتَ أَمْ تِلْكَ الْعِصَابَةُ أَعْقَلُ وَقَالَ ﵀ فِي دَالِيَّتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا: وَاهًا لِفَرْطِ حَرَارَةٍ لَا تَبْرُدُ ... وَلَوَاعِجٍ بَيْنَ الْحَشَا تَتَوَقَّدُ

стр. 287

فِي كُلِّ يَوْمٍ سُنَّةٌ مَدْرُوسَةٌ ... بَيْنَ الْأَنَامِ وَبِدْعَةٌ تَتَجَدَّدُ صَدَقَ النَّبِيُّ وَلَمْ يَزَلْ مُتَسَرْبِلًا ... بِالصِّدْقِ إِذْ يَعِدُ الْجَمِيلَ وَيُوعِدُ إِذْ قَالَ تَفْتَرِقُ الضُّلَالُ ثَلَاثَةً ... زِيدَتْ عَلَى السَبْعِينَ قَوْلًا يُسْنَدُ وَقَضَى بِأَسْبَابِ النَّجَاةِ لِفِرْقَةٍ ... تَسْعَى بَسُنَّتِهِ إِلَيْهِ وَتَحْفِدُ فَإِنِ ابْتَغَيْتَ إِلَى النَّجَاةِ وَسِيلَةً ... فَاقْبَلْ مَقَالَةَ نَاصِحٍ يَتَقَلَّدُ إِيَّاكَ وَالْبِدَعَ الْمُضِلَّةَ إِنَّهَا ... تَهْدِي إِلَى نَارِ الْجَحِيمِ وَتُورِدُ وَعَلَيْكَ بِالسُّنَنِ الْمُنِيرَةِ فَاقْفُهَا ... فَهْيَ الْمَحَجَّةُ وَالطَّرِيقُ الْأَقْصَدُ فَالْأَكْثَرُونَ بِمُبْدِعَاتِ عُقُولِهِمْ نَبَذُوا ... الْهُدَى فَتَنَصَّرُوا وَتَهَوَّدُوا مِنْهُمْ أُنَاسٌ فِي الضَّلَالِ تَجَمَّعُوا ... وَبِسَبِّ أَصْحَابِ النَّبِيِّ تَفَرَّدُوا قَدْ فَارَقُوا جَمْعَ الْهُدَى وَجَمَاعَةَ ... الْإِسْلَامِ وَاجْتَنَبُوا التُّقَى وَتَمَرَّدُوا بِاللَّهِ يَا أَنْصَارَ دِينِ مُحَمَّدٍ نُوحُوا ... عَلَى الدِّينِ الْحَنِيفِ وَعَدِّدُوا لَعِبَتْ بِدِينِكُمُ الرَّوَافِضُ جَهْرَةً ... وَتَأَلَّفُوا فِي دَحْضِهِ وَتَحَشَّدُوا نَصَبُوا حَبَائِلَهُمْ بِكُلِّ مَكِيدَةٍ ... وَتَغَلْغَلُوا فِي الْمُعْضِلَاتِ وَشَدَّدُوا وَرَمَوْا خِيَارَ الْخَلْقِ بِالْكَذِبِ الَّذِي ... هُمْ أَهْلُهُ لَا مَنْ رَمَوْهُ وَأَفْسَدُوا نَقَضُوا مَرَاتِبَ هُنَّ أَشْرَفُ مَنْصِبٍ ... فِي الْفَخْرِ مِنْ أُفْقِ السَّمَاءِ وَأَمْجَدُ الرُّتْبَةَ الصِّدِّيقِ جَفَّ لِسَانُهُمْ ... يَبْغُونَ وَهْيَ مِنَ التَّنَاوُلِ أَبْعَدُ أَوْ مَا هُوَ السَّبَّاقُ فِي عُرْفِ الْعُلَى ... وَلَقَدْ زَكَى مِنْ قَبْلُ مِنْهُ الْمَحْتِدُ وَلَقَدْ أَشَارَ بِذِكْرِهِ رَبُّ الْعُلَى ... فَثَنَاؤُهُ فِي الْمَكْرُمَاتِ مُشَيَّدُ

стр. 288

نَطَقَ الْكِتَابُ بِمَجْدِهِ الْأَعْلَى فَفِي ... آيِ الْحَدِيدِ مَنَاقِبٌ لَا تُنْقَدُ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ وَفِيهَا مُقْنِعٌ ... وَاللَّيْلُ يُثْبِتُ فَضْلَهُ وَيُؤَكِّدُ وَبَرَاءَةٌ تُثْنِي بِصُحْبَتِهِ وَهَلْ ... يُوهِي رَفِيعَ عُلَاهُ إِلَّا مُلْحِدُ أَوْ مَا هُوَ الْأَتْقَى الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَى ... الْإِخْلَاصِ طَارِفُ مَالِهِ وَالْمُتْلَدُ لَمَّا مَضَى لِسَبِيلِهِ خَيْرُ الْوَرَى ... وَحَوَى شَمَائِلَهُ صَفِيحٌ مُلْحِدُ مَنَعَ الْأَعَارِيبُ الزَّكَاةَ لِفَقْدِهِ ... وَارْتَدَّ مِنْهُمْ حَائِرٌ مُتَرَدِّدُ وَتَوَقَّدَتْ نَارُ الضَّلَالِ وَخَالَطَتْ ... إِبْلِيسَ أَطْمَاعٌ كَوَامِنُ رُصَّدُ فَرَمَى أَبُو بَكْرٍ بِصِدْقِ عَزِيمَةٍ ... وَثَبَاتِ إِيمَانٍ وَرَأْيٍ يُحْمَدُ فَتَمَزَّقَتْ عُصَبُ الضَّلَالِ وَأَشْرَقَتْ ... شَمْسُ الْهُدَى وَتَقَوَّمَ الْمُتَأَوِّدُ أَمْ رُتْبَةُ الْفَارُوقِ فِي إِظْهَارِهِ ... لِلدِّينِ تِلْكَ فَضِيلَةٌ لَا تُجْحَدُ وَهُوَ الْمُوَفَّقُ لِلصَّوَابِ كَأَنَّمَا ... مَلَكٌ يُصَوِّبُ قَوْلَهُ وَيُسَدِّدُ بِوِفَاقِهِ آيُ الْكِتَابِ تَنَزَّلَتْ ... وَبِفَضْلِهِ نَطَقَ الْمُشَفَّعُ أَحْمَدُ لَوْ كَانَ مِنْ بَعْدِي نَبِيًّا كُنْتَهُ ... خَبَرًا صَحِيحًا فِي الرِّوَايَةِ يُسْنَدُ وَبِعَدْلِهِ الْأَمْثَالُ تُضْرَبُ فِي الْوَرَى ... وَفُتُوحُهُ فِي كُلِّ قُطْرٍ تُوجَدُ وَتَمَامُ فَضْلِهِمَا جِوَارُ الْمُصْطَفَى ... فِي تُرْبَةٍ فِيهَا الْمَلَائِكُ تُحْشَدُ وَتَعَمَّقُوا فِي سَبِّ عُثْمَانَ الَّذِي ... أَلْفَاهُ كُفُوًا لِابْنَتَيْهِ مُحَمَّدُ وَلِبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ مَدَّ شِمَالَهُ ... عِوَضَ الْيَمِينِ وَهْيَ مِنْهُ أَوْكَدُ وَحَبَاهُ فِي بَدْرٍ بِسَهْمِ مُجَاهِدٍ ... إِذْ فَاتَهُ بِالْعُذْرِ ذَاكَ الْمَشْهَدُ مَنْ هَذِهِ مِنْ بَعْضِ غُرِّ صِفَاتِهِ ... مَا ضَرَّهُ مَا قَالَ فِيهِ الْحُسَّدُ

стр. 289

ثُمَّ ادَّعَوْا حُبَّ الْإِمَامِ الْمُرْتَضَى ... هَيْهَاتَ مَطْلَبُهُ عَلَيْهِمْ يَبْعُدُ أَنَّى وَقَدْ جَحَدُوا الَّذِينَ بِفَضْلِهِمْ ... أَثْنَى أَبُو الْحَسَنِ الْإِمَامُ السَّيِّدُ مَا فِي عُلَاهُ مَقَالَةٌ لِمُخَالِفٍ ... فَمَسَائِلُ الْإِجْمَاعِ فِيهِ تُعْقَدُ وَلَنَحْنُ أَوْلَى بِالْإِمَامِ وَحُبِّهِ ... عَقْدٌ نَدِينُ بِهِ الْإِلَهَ مُؤَكَّدُ وَوَلَاؤُهُ لَا يَسْتَقِيمُ بِبُغْضِهِمْ ... وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا يَغِيظُ وَيُكْمِدُ مَثَلَ الَّذِي جَحَدَ ابْنَ مَرْيَمَ وَادَّعَى ... حُبَّ الْكَلِيمِ وَتِلْكَ دَعْوَى تَفْسُدُ وَبِقَذْفِ عَائِشَةَ الطَّهُورِ تَجَشَّمُوا ... أَمْرًا تَظَلُّ لَهُ الْفَرَائِصُ تُرْعَدُ تَنْزِيهُهَا فِي سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً ... وَالرَّافِضِيُّ بِضِدِّ ذَلِكَ يَشْهَدُ لَوْ أَنَّ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمُ ... لَمْ يَبْقَ فِي هَذِي الْبَسِيطَةِ مَسْجِدُ وَلَوِ اسْتَطَاعُوا لَا سَعَتْ بِمَرَامِهِمْ ... قَدَمٌ وَلَا امْتَدَّتْ بِكَفِّهِمُ يَدُ لَمْ يَبْقَ لِلْإِسْلَامِ مَا بَيْنَ الْوَرَى ... عَلَمٌ يَسُودُ وَلَا لِوَاءٌ يُعْقَدُ عَلِقُوا بِحَبَلِ الْكُفْرِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ ... وَالْعَالِقُونَ بِحَبْلِهِ لَمْ يُسْعَدُوا وَأَشَدُّهُمْ كُفْرًا جَهُولٌ يَدَّعِي ... عِلْمَ الْأُصُولِ وَفَاسِقٌ مُتَزَهِّدُ فَهُمَا وَإِنْ وَهِنَا أَشَدُّ مَضَرَّةً ... فِي الدِّينِ مِنْ فَأْرِ السَّفِينِ وَأَفْسَدُ وَإِذَا سَأَلْتَ فَقِيهَهُمْ عَنْ مَذْهَبٍ ... قَالَ اعْتِزَالٌ فِي الشَّرِيعَةِ يُلْحِدُ كَالْخَائِضِ الرَّمْضَاءَ أَقْلَقَهُ اللَّظَى ... مِنْهَا فَفَرَّ إِلَى جَحِيمٍ تُوقَدُ إِنَّ الْمَقَالَ بِالِاعْتِزَالِ لَخُطَّةٌ ... عَمْيَاءُ حَلَّ بِهَا الْغُوَاةُ الْمُرَّدُ هَجَمُوا عَلَى سُبُلِ الْهُدَى بِعُقُولِهِمْ ... لَيْلًا فَعَاثُوا فِي الدِّيَارِ وَأَفْسَدُوا صُمٌّ إِذَا ذُكِرَ الْحَدِيثُ لَدَيْهِمُ ... نَفَرُوا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعُوهُ وَعَرَّدُوا وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَمِيرِ إِذَا رَأَتْ ... أُسْدَ الْعَرِينِ فَهُنَّ مِنْهُمْ شُرِّدُوا

стр. 290

إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْجَاحِدُ الْجَهْمِيُّ أَسَوَأُ مِنْهُمَا ... حَالًا وَأَخْبَثُ فِي الْقِيَاسِ وَأَفْسَدُ أَمْسَى لِرَبِّ الْعَرْشِ قَالَ مُنَزِّهًا ... مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ رَبٌّ يُعْبَدُ وَنَفَى الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ وَالْمُصْحَفُ ... الْأَعْلَى الْمُطَهَّرُ عِنْدَهُ يُتَوَسَّدُ وَإِذَا ذَكَرْتَ لَهُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ... قَالَ هُوَ اسْتَوْلَى يَحِيدُ وَيَخْلُدُ فَإِلَى مَنِ الْأَيْدِي تُمَدُّ تَضَرُّعًا ... وَبِأَيِّ شَيْءٍ فِي الدُّجَى يُتَهَجَّدُ وَمَنِ الَّذِي هُوَ لِلْقَضَاءِ مَنَزِّلٌ ... وَإِلَيْهِ أَعْمَالُ الْبَرِّيَّةِ تَصْعَدُ وَبِمَا يُنَزِّلُ جِبْرَائِيلُ مُصَدِّقًا ... وَلِأَيِّ مُعْجِزَةِ الْخُصُومِ تَبَلَّدُ وَمَنِ الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَيْهِ بِقَهْرِهِ ... إِنْ كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ ضِدٌّ أَيِّدُ جَلَّتْ صِفَاتُ الْحَقِّ عَنْ تَأْوِيلِهِمْ ... وَتَقَدَّسَتْ عَمَّا يَقُولُ الْمُلْحِدُ لَمَّا بَغَوْا تَنْزِيهَهُ بِقِيَاسِهِمْ ... ضَلُّوا وَفَاتَهُمُ الطَّرِيقُ الْأَرْشَدُ وَيَقُولُ لَا سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ وَلَا ... وَجْهٌ لِرَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَلَا يَدُ مَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ لِإِلَهِهِ ... فَأُرَاهُ لِلْأَصْنَامِ سِرًّا يَسْجُدُ الْحَقُّ أَثْبَتَهَا بِنَصِّ كِتَابِهِ ... وَرَسُولُهُ وَغَدَا الْمُنَافِقُ يَجْحَدُ فَمَنِ الَّذِي أَوْلَى بِأَخْذِ كَلَامِهِ ... جَهْمٌ أَمِ الرَّحْمَنُ قُولُوا وَارْشُدُوا وَالصَّحْبُ لَمْ يَتَأَوَّلُوا لِسَمَاعِهَا ... فَهُمُ إِلَى التَّأْوِيلِ أَمْ هُوَ أَرْشَدُ هُوَ مُشْرِكٌ وَيَظُنُّ جَهْلًا أَنَّهُ ... فِي نَفْيِ أَوْصَافِ الْإِلَهِ مُوَحِّدُ يَدْعُو مَنِ اتَّبَعَ الْحَدِيثَ مُشَبِّهًا ... هَيْهَاتَ لَيْسَ مُشَبِّهًا مَنْ يُسْنِدُ لَكِنَّهُ يَرْوِي الْحَدِيثَ كَمَا أَتَى ... مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا يَتَرَدَّدُ وَإِذَا الْعَقَائِدُ بِالضَّلَالِ تَخَالَفَتْ ... فَعَقِيدَةُ الْمَهْدِيِّ أَحْمَدَ أَحْمَدُ

стр. 291

هِيَ حُجَّةُ اللَّهِ الْمُنِيرَةُ فَاعْتَصِمْ ... بِحِبَالِهَا لَا يُلْهِيَنَّكَ مُفْسِدُ إِنَّ ابْنَ حَنْبَلٍ اهْتَدَى لَمَّا اقْتَدَى ... وَمُخَالِفُوهُ لِزَيْفِهِمْ لَمْ يَهْتَدُوا مَا زَالَ أَحْمَدُ يَقْتَفِي أَثَرَ الْهُدَى ... وَيَرُومُ أَسْبَابَ النَّجَاةِ وَيَجْهَدُ حَتَّى ارْتَقَى فِي الدِّينِ أَشْرَفَ ذِرْوَةٍ ... مَا فَوْقَهَا لِأَخِي ارْتِقَاءٍ مَصْعَدُ نَصَرَ الْهُدَى إِذْ لَمْ يَقُلْ مَا لَمْ يُقَلْ ... فِي فِتْنَةٍ نِيرَانُهَا تَتَوَقَّدُ مَا صَدَّهُ ضَرْبُ السِّيَاطِ وَلَا ثَنَى ... عَزَمَاتِهِ مَاضِي الْغِرَارِ مُهَنَّدُ فَهَوَاهُ حُبًّا لَيْسَ فِيهِ تَعَصُّبٌ ... لَكِنْ مَحَبَّةُ مُخْلِصٍ يَتَوَدَّدُ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ جِدًّا لَا يَتَّسِعُ لِذِكْرِهِ مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ، وَيَكْفِي أَنَّ شُعَرَاءَ الْجَاهِلِيَّةِ مُقِرَّةٌ بِهِ عَلَى فِطْرَتِهِمُ الْأُولَى كَمَا قَالَ عَنْتَرَةُ فِي قَصِيدَتِهِ: يَا عَبْلُ أَيْنَ مِنَ الْمَنِيَّةِ مَهْرَبِي ... إِذْ كَانَ رَبِّي فِي السَّمَاءِ قَضَاهَا [ذِكْرُ أَقْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْحُكَمَاءِ الْأَوَّلِينَ] [ذِكْرُ أَقْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْحُكَمَاءِ الْأَوَّلِينَ] : فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُثْبِتِينَ لِمَسْأَلَةِ الْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ مُخَالِفِينَ لِأَرِسْطُو وَشِيعَتِهِ، وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِكَلَامِهِمْ وَأَشَدُّهُمُ اعْتِنَاءً بِمَقَالَاتِهِمُ ابْنُ

стр. 292

رُشْدٍ الْحَفِيدُ قَالَ فِي كِتَابِهِ " مَنَاهِجِ الْأَدِلَّةِ ": الْقَوْلُ فِي الْجِهَةِ: وَأَمَّا هَذِهِ الصِّفَةُ فَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يُثْبِتُونَهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ حَتَّى نَفَتْهَا الْمُعْتَزِلَةُ ثُمَّ تَبِعَهُمْ عَلَى نَفْيِهَا مُتَأَخِّرُو الْأَشْعَرِيَّةِ كَأَبِي الْمَعَالِي وَمَنِ اقْتَدَى بِقَوْلِهِ، وَظَوَاهِرُ الشَّرْعِ كُلُّهَا تَقْتَضِي إِثْبَاتَهَا لِلَّهِ تَعَالَى مِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي إِنْ سُلِّطَ التَّأْوِيلُ عَلَيْهَا عَادَ الشَّرْعُ كُلُّهُ مُتَأَوَّلًا، وَإِنْ قِيلَ فِيهَا إِنَّهَا مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ عَادَ الشَّرْعُ كُلُّهُ مُتَشَابِهًا لِأَنَّ الشَّرَائِعَ كُلَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ وَأَنْ مِنْهَا تَتَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ بِالْوَحْيِ إِلَى النَّبِيِّينَ، وَأَنَّ مِنَ السَّمَاءِ نَزَلَتِ الْكُتُبُ وَإِلَيْهَا كَانَ الْإِسْرَاءُ بِالنَّبِيِّ ﵌ حَتَّى قَرُبَ مِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. قَالَ وَجَمِيعُ الْحُكَمَاءِ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَالْمَلَائِكَةَ فِي السَّمَاءِ كَمَا اتَّفَقَتْ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ عَلَى ذَلِكَ وَالشُّبْهَةُ الَّتِي قَادَتْ نُفَاةَ الْجِهَةِ إِلَى نَفْيِهَا هِيَ أَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ إِثْبَاتَ

стр. 293

الْجِهَةِ يُوجِبُ إِثْبَاتَ الْمَكَانِ، وَإِثْبَاتَ الْمَكَانِ يُوجِبُ إِثْبَاتَ الْجِسْمِيَّةِ. قَالَ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ فَإِنَّ الْجِهَةَ غَيْرُ الْمَكَانِ وَذَلِكَ أَنَّ الْجِهَةَ هِيَ إِمَّا سَطْحُ نَفْسِ الْجِسْمِ الْمُحِيطِ بِهِ وَهِيَ سِتَّةٌ، وَبِهَذَا نَقُولُ أَنَّ لِلْحَيَوَانِ فَوْقًا وَسَفْلًا وَيَمِينًا وَشِمَالًا وَأَمَامًا وَخَلْفًا، وَإِمَّا سُطُوحُ جِسْمٍ آخَرَ مُحِيطٌ بِالْجِسْمِ مِنَ الْجِهَاتِ السِّتِّ، فَأَمَّا الْجِهَاتُ الَّتِي هِيَ سُطُوحُ الْجِسْمِ نَفْسِهِ فَلَيْسَتْ بِمَكَانٍ لِلْجِسْمِ أَصْلًا وَأَمَّا سُطُوحُ الْجِسْمِ الْمُحِيطِ بِهِ فَهِيَ لَهُ مَكَانٌ مِثْلُ سُطُوحِ الْهَوَى الْمُحِيطِ بِالْإِنْسَانِ، وَسُطُوحِ الْفَلَكِ الْمُحِيطَةِ بِسُطُوحِ الْهَوَى هِيَ أَيْضًا مَكَانُ الْهَوَى، وَهَذِهِ الْأَفْلَاكُ بَعْضُهَا مُحِيطٌ بِبَعْضٍ وَمَكَانٌ لَهُ وَأَمَّا سَطْحُ الْفَلَكِ الْخَارِجُ فَقَدْ بُرْهِنَ أَنَّهُ لَيْسَ خَارِجَهُ جِسْمٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَارِجَ فَلَكِ الْجِسْمِ أَيْضًا جِسْمٌ آخَرُ، وَيَمُرُّ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَإِذًا سَطْحُ آخِرِ أَجْسَامِ الْعَالَمِ لَيْسَ مَكَانًا أَصْلًا إِذْ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ جِسْمٌ، فَإِذَا قَامَ الْبُرْهَانُ عَلَى وُجُودِ مَوْجُودٍ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ جِسْمٍ، فَالَّذِي يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ هُنَاكَ هُوَ عَكْسُ مَا ظَنَّهُ الْقَوْمُ وَهُوَ مَوْجُودٌ، هُوَ جِسْمٌ لَا مَوْجُودٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا أَنَّ خَارِجَ الْعَالِمِ خَلَاءٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْخَلَاءَ قَدْ تَبَيَّنَ فِي الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ امْتِنَاعُهُ لِأَنَّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَلَاءِ لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ أَكْثَرَ مِنْ أَبْعَادٍ لَيْسَ فِيهَا جِسْمٌ أَعْنِي طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا؛ لِأَنَّهُ إِنْ رُفِعَتِ الْأَبْعَادُ عَنْهُ عَادَ عَدَمًا وَإِنْ أُنْزِلَ الْخَلَاءَ مَوْجُودٌ

стр. 294

لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَعْرَاضٌ مَوْجُودَةٌ فِي غَيْرِ جِسْمٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَبْعَادَ هِيَ أَعْرَاضٌ مِنْ بَابِ الْكَمِّيَّةِ وَلَا بُدَّ، وَلَكِنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي الْآرَاءِ السَّالِفَةِ الْقَدِيمَةِ وَالشَّرَائِعِ الْغَابِرَةِ أَنَّ ذَلِكَ " الْمَوْضِعَ " هُوَ مَسْكَنُ الرُّوحَانِيِّينَ وَيُرِيدُونَ اللَّهَ وَالْمَلَائِكَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَيْسَ بِمَكَانٍ وَلَا (يَجُوزُ) أَنْ يَحْوِيَهُ زَمَانٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ كُلُّ مَا يَحْوِيهِ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ فَاسِدًا فَقَدْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَا هُنَالِكَ غَيْرَ فَاسِدٍ وَلَا كَائِنٍ. وَقَدْ تَبَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا أَقُولُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هَاهُنَا شَيْءٌ يُدْرَكُ إِلَّا هَذَا الْمَوْجُودَ الْمَحْسُوسَ أَوِ الْعَدَمَ، وَكَانَ مِنَ الْمَعْرُوفِ بِنَفْسِهِ أَنَّ الْمَوْجُودَ (بِنَفْسِهِ) إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَى الْوُجُودِ أَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ فِي الْوُجُودِ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: مَوْجُودٌ فِي الْعَدَمِ، فَإِنْ كَانَ هَاهُنَا مَوْجُودٌ فَهُوَ أَشْرَفُ الْمَوْجُودَاتِ، فَوَاجِبٌ إِلَى أَنْ يُنْسَبَ مِنَ الْمَوْجُودِ الْمَحْسُوسِ إِلَى الْجُزْءِ الْأَشْرَفِ وَهُوَ السَّمَاوَاتُ، وَلِشَرَفِ هَذَا الْجُزْءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وَهَذَا كُلُّهُ يَظْهَرُ عَلَى التَّمَامِ لِلْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، قَالَ: فَقَدْ ظَهَرَ لَكَ مِنْ هَذَا أَنَّ إِثْبَاتَ الْجِهَةِ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَأَنَّهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ وَانْبَنَى عَلَيْهِ، وَأَنَّ إِبْطَالَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ إِبْطَالٌ لِلشَّرَائِعِ ثُمَّ سَاقَ تَقْرِيرَ ذَلِكَ إِلَى آخِرِهِ فَهَذَا كَلَامُ فَيْلَسُوفِ الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ أَخْبَرُ بِمَقَالَاتِ الْفَلَاسِفَةِ

стр. 295

وَالْحُكَمَاءِ وَأَكْثَرُ اطِّلَاعًا عَلَيْهَا مِنِ ابْنِ سِينَا، وَنَقْلًا لِمَذَاهِبِ الْحُكَمَاءِ وَكَانَ لَا يَرْضَى بِنَقْلِ ابْنِ سِينَا وَيُخَالِفُهُ نَقْلًا وَبَحْثًا. [ذِكْرُ قَوْلِ الْجِنِّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُثْبِتِينَ] [ذِكْرُ قَوْلِ الْجِنِّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُثْبِتِينَ] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١] ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى حِكَايَةً عَنْهُمْ لَمَّا وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] . فَأَخْبَرُوا أَنَّهُ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ وَإِلَى الْحَقِّ، وَأَعْظَمُ الرُّشْدِ وَالْحَقِّ الَّذِي يَهْدِي إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَإِثْبَاتُ صِفَاتِهِ وَعُلُوِّهُ عَلَى خَلْقِهِ وَمُبَايَنَتِهِ لَهُمْ؛ إِذْ بِذَلِكَ يَتِمُّ الِاعْتِرَافُ بِهِ وَإِثْبَاتُهُ، وَنَفْيُ ذَلِكَ نَفْيٌ لَهُ وَلِصِفَاتِهِ وَكَذَلِكَ سَمِعَهُ الْمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ) حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ مَاسِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ قَالَ: خَرَجْتُ يَوْمًا فَإِذَا الْحَمَّامُ قَدْ فُتِحَ سَحَرًا فَقُلْتُ لِلْحَمَّامِيِّ أَدَخَلَ أَحَدٌ الْحَمَّامَ؟ قَالَ: لَا فَدَخَلْتُ " الْحَمَّامَ " فَسَاعَةَ فَتَحْتُ الْبَابَ قَالَ لِي قَائِلٌ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَسْلِمْ تَسَلَمْ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: لَكَ الْحَمْدُ إِمَّا عَلَى نِعْمَةٍ ... وَإِمَّا عَلَى نِقْمَةٍ تُدْفَعُ تَشَاءُ وَتَفْعَلُ مَا شِئْتَهُ ... وَتَسْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَا يُسْمَعُ

стр. 296

" قَالَ " فَبَادَرْتُ فَخَرَجْتُ وَأَنَا جَزِعٌ فَقُلْتُ لِلْحَمَّامِيِّ: أَلَيْسَ زَعَمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَمَّامِ أَحَدٌ؟ فَقَالَ لِي: هَلْ سَمِعْتَ شَيْئًا؟ قَالَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ فَقَالَ " لِي: إِنْ " ذَلِكَ جِنِّيٌّ يَتَرَاءَى فِي كُلِّ حِينٍ وَيُنْشِدُنَا الشِّعْرَ فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شِعْرِهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَنْشَدَنِي: أَيُّهَا الْمُذْنِبُ الْمُفْرِطُ مَهْلَا ... كَمْ تُمَادِي وَتَكَسِبُ الذَّنْبَ جَهْلَا كَمْ وَكَمْ تُسْخِطُ الْجَلِيلَ بِفِعْلٍ ... سَمِجٍ وَهْوَ يُحْسِنُ الصُّنْعَ فَضْلَا كَيْفَ تَهْدَا جُفُونُ مَنْ لَيْسَ يَدْرِي ... أَرَضِيَ عَنْهُ مَنْ عَلَى الْعَرْشِ أَمْ لَا وَرُوِّينَا فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمِصِّيصِيِّ قَالَ: «دَخَلْتُ طَرْسُوسَ فَقِيلَ لِي: هَاهُنَا امْرَأَةٌ رَأَتِ الْجِنَّ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَأَتَيْتُهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُسْتَلْقِيَةٌ عَلَى ظَهْرِهَا فَقُلْتُ: أَرَأَيْتِ أَحَدًا مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: نَعَمْ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَمْحَجٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ

стр. 297

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَالَ: كَانَ فِي نُورٍ» . [ذِكْرُ قَوْلِ النَّمْلِ] (ذِكْرُ قَوْلِ النَّمْلِ) : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [النمل: ١٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩] فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ النَّمْلِ أَنَّهُ رَكَّبَ فِيهِ مِثْلَ هَذَا الشُّعُورِ وَالنُّطْقِ وَلَاسِيَّمَا هَذِهِ النَّمْلَةُ الَّتِي جَمَعَتْ فِي هَذَا الْخِطَابِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالتَّعْيِينِ وَالتَّنْبِيهِ وَالتَّخْصِيصِ وَالْأَمْرِ، وَإِضَافَةِ الْمَسَاكِنِ إِلَى أَرْبَابِهَا وَالْتِجَائِهِمْ إِلَى مَسَاكِنِهِمْ فَلَا يَدْخُلُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ مَسَاكِنَهُمْ، وَالتَّحْذِيرِ وَالِاعْتِذَارِ بِأَوْجَزِ خِطَابٍ وَأَعْذَبِ لَفْظٍ. وَلِذَلِكَ حَمَلَ سُلَيْمَانَ ﵇ التَّعَجُّبُ مِنْ قَوْلِهَا عَلَى التَّبَسُّمِ وَأَحْرَى بِهَذِهِ النَّمْلَةِ وَأَخَوَاتِهَا مِنَ النَّمْلِ أَنْ يَكُونُوا أَعْرَفَ بِاللَّهِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ. وَقَدْ دَلَّ هَذَا عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَسْتَسْقُونَ فَرَأَى نَمْلَةً قَائِمَةً رَافِعَةً أَحَدَ قَوَائِمِهَا تَسْتَسْقِي فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: ارْجِعُوا لَقَدْ سُقِيتُمْ إِنَّ هَذِهِ النَّمْلَةَ اسْتَسْقَتْ فَاسْتُجِيبَ لَهَا، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ قَالَ: خَرَجَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ

стр. 298

يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ فَمَرَّ عَلَى نَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى قَفَاهَا رَافِعَةٍ قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ رِزْقِكَ فَإِمَّا أَنْ تَسْقِيَنَا أَوْ تُهْلِكَنَا قَالَ سُلَيْمَانُ ﵇ لِلنَّاسِ ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ قَالَ: خَرَجَ سُلَيْمَانُ ﵇ يَسْتَسْقِي فَمَرَّ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةٍ قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاكَ وَرِزْقِكَ اللَّهُمَّ فَإِمَّا أَنْ تَسْقِيَنَا وَإِمَّا أَنْ تُهْلِكَنَا، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ، هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، وَلَفْظُ الطَّحَاوِيِّ فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى رِجْلِهَا رَافِعَةٍ يَدَيْهَا تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ لَا غِنَى بِنَا عَنْ رِزْقِكَ فَلَا تُهْلِكْنَا بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِأَصْحَابِهِ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ (بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ) ، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ خَرَجَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَسْتَسْقِي فَمَرَّ بِنَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةٍ يَدَيْهَا إِلَى السَّمَاءِ تَسْتَسْقِي فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ.» وَفِي هَذَا الْبَابِ قِصَّةُ حُمُرِ الْوَحْشِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهَا انْتَهَتْ إِلَى الْمَاءِ لِتَرِدَهُ فَوَجَدَتِ النَّاسَ حَوْلَهُ فَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ فَلَمَّا جَهَدَهَا الْعَطَشُ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَجَأَرَتْ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ فَأَرْسَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهَا السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ حَتَّى شَرِبَتْ وَانْصَرَفَتْ. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْهَرَوِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ:

стр. 299

أَكْرِمُوا الْبَقَرَ فَإِنَّهَا لَمْ تَرْفَعْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ مُنْذُ عُبِدَ الْعِجْلُ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَكْرِمُوا الْبَقَرَ فَإِنَّهَا سَيِّدَةُ الْبَهَائِمِ، مَا رَفَعَتْ طَرْفَهَا إِلَى السَّمَاءِ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ مُنْذُ عُبِدَ الْعِجْلُ» ، قُلْتُ: وَلَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ فَإِنَّ أَبَا هِنْدٍ مَجْهُولٌ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذِهِ فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا الْحَيَوَانَ وَغَيْرَهُ، حَتَّى أَبْلَدِ الْحَيَوَانَاتِ الَّذِي نَضْرِبُ بِبَلَادَتِهِ الْمَثَلَ وَهُوَ الْبَقَرُ. فَصْلٌ: وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: كَيْفَ يُحْتَجُّ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَقْوَالِ مَنْ حَكَيْتُ قَوْلَهُ مِمَّنْ لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً فَأَجْلَبْتَ. . . بِهَا، ثُمَّ لَمْ تَقْنَعْ بِذَلِكَ حَتَّى ذَكَرْتَ أَقْوَالَ الشُّعَرَاءِ، ثُمَّ لَمْ يَكْفِكَ ذَلِكَ حَتَّى جِئْتَ (بِأَقْوَالِ) الْجِنِّ ثُمَّ لَمْ تَقْتَصِرْ حَتَّى اسْتَشْهَدْتَ بِالنَّمْلِ وَحُمُرِ الْوَحْشِ، فَأَيْنَ الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؟ وَجَوَابُ هَذَا الْقَائِلِ أَنْ نَقُولَ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﵌ وَسَائِرِ أَنْبِيَائِهِ ﵈ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ لَيْسَ حُجَّةً عِنْدَكُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذْ غَايَةُ أَقْوَالِهِمْ عِنْدَهُمْ أَنْ تَكُونَ ظَوَاهِرُ سَمْعِيَّةٌ وَأَدِلَّةٌ لَفْظِيَّةٌ مَعْزُولَةً عَنِ الْيَقِينِ، مُتَوَاتِرُهَا يُدْفَعُ بِالتَّأْوِيلِ وَآحَادُهَا يُقَابَلُ بِالتَّكْذِيبِ فَنَحْنُ لَمْ نَحْتَجَّ عَلَيْكُمْ بِمَا حَكَيْنَاهُ وَإِنَّمَا كَتَبْنَاهُ لِأُمُورٍ مِنْهَا أَنْ يُعْلَمَ بَعْضُ مَا فِي الْوُجُودِ وَيَعْلَمَ الْحَالَ مَنْ هُوَ بِهَا جَاهِلٌ،

стр. 300

وَمِنْهَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ أَهْلَ الْإِثْبَاتِ أَوْلَى بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرَسُولِهِ ﵌ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَطَبَقَاتِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالَّذِينَ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، وَمِنْهَا أَنْ نُعَرِّفَ الْجَهْمِيَّ النَّافِي لِمَنْ خَالَفَ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَعَلَى مَنِ اسْتَحَلَّ بِالتَّكْفِيرِ وَعَرْضِ مِنْ مَزَّقَ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَمِنْهَا أَنْ نُعَرِّفَ عَسَاكِرَ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ وَأُمَرَاءَهَا وَعَسَاكِرَ الْبِدَعِ وَالتَّجَهُّمِ لِيَتَحَيَّزَ الْمُقَاتِلُ إِلَى إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢] وَمِنْهَا أَنْ نُعَرِّفَ الْجَهْمِيَّ النَّافِي لِمَنْ قَدْ بَارَزَ بِالْعَدَاوَةِ وَبِغَى الْغَوَائِلَ وَأَسْعَرَ نَارَ الْحَرْبِ، وَنَصَبَ الْقِتَالَ، أَفَيَظُنُّ أَفْرَاخُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَخَانِيثُ الْجَهْمِيَّةِ وَمُقَلِّدُو الْيُونَانِ أَنْ يَضَعُوا لِوَاءً رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُنَكِّسُوا عَلَمًا نَصَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَهْدِمُوا بِنَاءً شَادَهُ اللَّهُ وَرَفَعَهُ وَيُقْلِقُوا جِبَالًا رَاسِيَاتٍ شَادَهَا وَأَرْسَاهَا، وَيَطْمِسُوا كَوَاكِبَ نَيِّرَاتٍ أَنَارَهَا وَأَعْلَاهَا هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ بِئْسَمَا سَوَّلَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] . ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] ، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] وَلَوْ شِئْنَا لَأَتَيْنَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَلْفِ دَلِيلٍ، وَلَكِنَّ هَذِهِ نُبْذَةٌ يَسِيرَةٌ وَجُزْءٌ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا يُقَالُ لَهُ قَلِيلٌ: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الإسراء: ٩٧] ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] .