← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 21714

اجتماع الجيوش الإسلامية - ت المعتق

ابن القيم

Полный текст (300 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا الْوَقْفُ حَسَنٌ لِمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فَوْقِ الْعَرْشِ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَوَقَفَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُنْكِرِي اسْتِوَاءِ الرَّبِّ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَابْتَدَءُوا بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [طه: ٥] يُرِيدُونَ بِذَلِكَ نَفِيَ الِاسْتِوَاءِ الَّذِي وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَهَذَا خَطَأٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بِذَاتِهِ. وَقَالَ فِي كِتَابِهِ " الْغُنْيَةُ ": أَمَّا مَعْرِفَةُ الصَّانِعِ بِالْآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ فَهُوَ: أَنْ تَعْرِفَ وَتَتَيَقَّنَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ أَحَدٌ إِلَى أَنْ قَالَ وَهُوَ بِجِهَةِ الْعُلُوِّ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ مُحْتَوٍ عَلَى الْمُلْكِ مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِالْأَشْيَاءِ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ، (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) . فَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بَلْ يُقَالُ: إِنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَسَاقَ آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي إِطْلَاقُ صِفَةِ الِاسْتِوَاءِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَأَنَّهُ اسْتِوَاءُ الذَّاتِ عَلَى الْعَرْشِ ثُمَّ قَالَ: وَكَوْنُهُ عَلَى الْعَرْشِ مَذْكُورٌ فِي كُلِّ كِتَابٍ أُنْزِلَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ بِلَا كَيْفٍ. هَذَا نَصُّ كَلَامِهِ فِي الْغُنْيَةِ. [قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيفِ الشِّيرَازِيِّ] (قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيفِ الشِّيرَازِيِّ) إِمَامِ الصُّوفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ قَالَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ

стр. 247

اعْتِقَادَ التَّوْحِيدِ بِإِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، قَالَ فِي آخِرِ خُطْبَتِهِ: فَاتَّفَقَتْ أَقْوَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَمَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَشَرْطًا ظَاهِرًا، وَهُمُ الَّذِينَ نَقَلُوهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ ذَلِكَ حِينَ قَالَ: ( «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» ) فَكَانَتْ كَلِمَةُ الصَّحَابَةِ عَلَى الِاتِّفَاقِ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ وَهُمُ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِالْأَخْذِ عَنْهُمْ، إِذْ لَمْ يَخْتَلِفُوا بِحَمْدِ اللَّهِ فِي أَحْكَامِ التَّوْحِيدِ وَأُصُولِ الدِّينِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْفُرُوعِ وَلَوْ كَانَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ لَنُقِلَ إِلَيْنَا كَمَا نُقِلَ إِلَيْنَا سَائِرُ الِاخْتِلَافِ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا رِجْلَهُ، وَحَدِيثَ: الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الصُّورِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ قَبَضَ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَمِمَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ فَيَبْسُطُ يَدَيْهِ وَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ الْحَدِيثَ. وَلَيْلَةَ النِّصْفِ (مِنْ شَعْبَانَ) وَعَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ (وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّى حِسَابَ الْخَلْقِ بِنَفْسِهِ) وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ خَصَّ مُحَمَّدًا ﵌ بِالرُّؤْيَةِ وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا. [قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ] (قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ) صَاحِبِ كِتَابِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ

стр. 248

وَالْفَارُوقِ وَذَمِّ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ بِلَفْظِ الذَّاتِ فِي الْعُلُوِّ وَأَنَّهُ اسْتَوَى بِذَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ قَالَ: وَلَمْ تَزَلْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ تُصَرِّحُ بِذَلِكَ، وَمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ صَلَابَتِهِ فِي السُّنَّةِ وَالْإِثْبَاتِ فَلْيُطَالِعْ كِتَابَيْهِ الْفَارُوقَ وَذَمَّ الْكَلَامِ. [قَوْلُ شَيْخِ الصُّوفِيَّةِ وَالْمُحَدِّثِينَ أَبِي نُعَيْمٍ صَاحِبِ كِتَابِ حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ] (قَوْلُ شَيْخِ الصُّوفِيَّةِ وَالْمُحَدِّثِينَ أَبِي نُعَيْمٍ صَاحِبِ كِتَابِ حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ) قَالَ فِي عَقِيدَتِهِ: وَأَنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ بَصِيرٌ عَلِيمٌ خَبِيرٌ يَتَكَلَّمُ وَيَرْضَى وَيَسْخَطُ وَيَضْحَكُ وَيَعْجَبُ وَيَتَجَلَّى لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَاحِكًا وَيَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كَيْفَ يَشَاءُ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَنُزُولُ الرَّبِّ تَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، فَمَنْ أَنْكَرَ النُّزُولَ أَوْ تَأَوَّلَ فَهُوَ مُبْتَدَعٌ ضَالٌّ، وَسَائِرُ الصَّفْوَةِ الْعَارِفِينَ عَلَى هَذَا. ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّ اللَّهَ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، فَالِاسْتِوَاءُ مَعْقُولٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَخَلْقُهُ بَائِنُونَ مِنْهُ بِلَا حُلُولٍ وَلَا مُمَازَجَةٍ وَلَا اخْتِلَاطٍ وَلَا مُلَاصَقَةٍ ; لِأَنَّهُ الْفَرْدُ الْبَائِنُ مِنَ الْخَلْقِ وَالْوَاحِدُ الْغَنِيُّ عَنِ الْخَلْقِ. وَقَالَ أَيْضًا: طَرِيقُنَا طَرِيقُ السَّلَفِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَسَاقَ ذِكْرَ اعْتِقَادِهِمْ ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّ مِمَّا اعْتَقَدُوهُ أَنَّ اللَّهَ فِي سَمَائِهِ دُونَ أَرْضِهِ وَسَاقَ بَقِيَّتَهُ. [قَوْلُ الْإِمَامِ يَحْيَى بْنِ عَمَّارٍ السِّجْزِيِّ] (قَوْلُ الْإِمَامِ يَحْيَى بْنِ عَمَّارٍ السِّجْزِيِّ) : شَيْخِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ إِمَامِ الصُّوفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ قَالَ فِي رِسَالَتِهِ فِي السُّنَّةِ بَعْدَ كَلَامٍ: بَلْ نَقُولُ هُوَ بِذَاتِهِ عَلَى الْعَرْشِ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَقُدْرَتُهُ مُدْرِكَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] وَرِسَالَتُهُ

стр. 249

مَوْجُودَةٌ مَشْهُورَةٌ. [قَوْلُ عُتْبَةَ الْغُلَامِ] ِ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَهْدٍ الْمَدِينِيُّ كَانَ عُتْبَةُ يُصَلِّي هَذَا اللَّيْلَ الطَّوِيلَ فَإِذَا فَرَغَ رَفْعَ رَأَسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: سَيِّدِي إِنْ تُعَذِّبْنِي فَإِنِّي أُحِبُّكَ وَإِنْ تَعْفُ عَنِّي فَإِنِّي أُحِبُّكَ. [أَقْوَالُ الشَّارِحِينَ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى] [قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِهِ] [أَقْوَالُ الشَّارِحِينَ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى] (قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِهِ) قَالَ: وَقَدْ كَانَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ لَا يَنْفُونَ الْجِهَةَ بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّةُ بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ كِتَابُهُ وَأَخْبَرَ رَسُولُهُ ﵌ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً، وَخُصَّ الْعَرْشُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَخْلُوقَاتِهِ، وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِوَاءِ فَإِنَّهُ لَا تُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالسُّؤَالُ عَنِ الْكَيْفِ بِدَعَةٌ. وَكَذَلِكَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ فِي رِسَالَتِهِ الَّتِي سَمَّاهَا بِالْإِيمَاءِ إِلَى مَسْأَلَةِ الِاسْتِوَاءِ، وَحِكَايَتُهُ عَنِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهُ اسْتِوَاءٌ الذَّاتِ عَلَى الْعَرْشِ وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ بْنِ الطَّيِّبِ الْأَشْعَرِيِّ

стр. 250

كَبِيرِ الطَّائِفَةِ وَأَنَّ الْقَاضِي عَبْدَ الْوَهَّابِ نَقَلَهُ عَنْهُ نَصًّا وَأَنَّهُ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ فُورَكَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالطَّلَمَنْكِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا: وَأَظْهَرُ (هَذِهِ) الْأَقْوَالِ مَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْآيُ وَالْأَخْبَارُ، (وَقَالَ (جَمِيعُ) الْفُضَلَاءِ الْأَخْيَارِ) : إِنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ بِلَا كَيْفٍ، بَائِنٌ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، هَذَا مَذْهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِيمَا نَقَلَ عَنْهُمُ الثِّقَاتُ.

стр. 251

[أَقْوَالُ أَئِمَّةِ الْكَلَامِ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ الْمُخَالِفِينَ لِلْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْمُعَطِّلَةِ] [ قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كِلَابٍ إِمَامِ الطَّائِفَةِ الْكِلَابِيَّةِ] (قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كِلَابٍ) إِمَامِ الطَّائِفَةِ الْكِلَابِيَّةِ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ لِلصِّفَاتِ وَالْفَوْقِيَّةِ وَعُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ مُنْكِرًا لِقَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عُرِفَ عَنْهُ إِنْكَارُ قِيَامِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَأَنَّ الْقُرْآنَ مَعْنًى قَائِمٌ بِالذَّاتِ وَهُوَ أَرْبَعُ مَعَانٍ: وَنَصَرَ طَرِيقَتَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ. وَخَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ وَلَكِنَّهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَالْفَوْقِيَّةِ وَعُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا سَيَأْتِي حِكَايَةُ كَلَامِهِ بِأَلْفَاظِهِ، قَالَ ابْنُ كِلَابٍ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: وَأُخْرِجَ مِنَ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ (قَوْلُ) مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ حَكَاهُ عَنْهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ الْكَلَامِيَّةِ وَحَكَى عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ - كَمَا قَالَ - وَأَنَّهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ هَذَا لَفْظُ حِكَايَةِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْهُ، وَحَكَى عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ فِيمَا جَمَعَهُ مِنْ مَقَالَاتِهِ فِي كِتَابِ الْمُجَرَّدِ، وَأُخْرِجَ مِنَ النَّظَرِ وَالْخَبَرِ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَا (هُوَ) فِي الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَ مِنْهُ فَنَفَاهُ نَفْيًا مُسْتَوِيًا ; لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ صِفْهُ بِالْعَدَمِ مَا قَدَرَ أَنْ يَقُولَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَرَدَّ أَخْبَارَ اللَّهِ نَصَّا وَقَالَ فِي ذَلِكَ مَا لَا يَجُوزُ فِي نَصٍّ وَلَا مَعْقُولَ، وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ، وَالنَّفْيُ

стр. 252

الْخَالِصُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْإِثْبَاتُ الْخَالِصُ، وَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ قَيَّاسُونَ، قَالَ: وَإِنْ قَالُوا هَذَا إِفْصَاحٌ مِنْكُمْ بِخُلُوِّ الْأَمَاكِنِ مِنْهُ وَانْفِرَادِ الْعَرْشِ بِهِ قِيلَ: إِنْ كُنْتُمْ تَعْنُونَ خُلُوَّ الْأَمَاكِنِ مِنْ تَدْبِيرِهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِمَا فَلَا، وَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ خُلُوَّهَا مِنِ اسْتِوَائِهِ عَلَيْهَا كَمَا اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فَنَحْنُ لَا نَحْتَشِمُ أَنْ نَقُولَ: اسْتَوَى اللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ وَنَحْتَشِمُ أَنْ نَقُولَ: اسْتَوَى عَلَى الْأَرْضِ، وَاسْتَوَى عَلَى الْجِدَارِ، وَفِي صَدْرِ الْبَيْتِ. قَالَ ابْنُ كِلَابٍ: يُقَالُ لَهُمْ (أَيْضًا) هُوَ فَوْقَ مَا خَلَقَ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ قِيلَ لَهُمْ: مَا تَعْنُونَ بِقَوْلِكُمْ: إِنَّهُ فَوْقَ مَا خَلَقَ؟ فَإِنْ قَالُوا بِالْقُدْرَةِ وَالْعِزَّةِ قِيلَ (لَهُمْ) : لَيْسَ هَذَا سُؤَالُنَا، وَإِنْ قَالُوا الْمَسْأَلَةُ خَطَأٌ قِيلَ لَهُمْ: فَلَيْسَ هُوَ فَوْقُ، فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، لَيْسَ هُوَ فَوْقُ قِيلَ لَهُمْ: وَلَيْسَ هُوَ تَحْتُ، فَإِنْ قَالُوا: (لَا فَوْقَ) وَلَا تَحْتَ، أَعْدَمُوهُ ; لِأَنَّ مَا كَانَ لَا تَحْتَ وَلَا فَوْقَ عَدَمٌ وَإِنْ قَالُوا: هُوَ تَحْتَ وَهُوَ فَوْقَ، قِيلَ لَهُمْ: فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ وَفَوْقَ، ثُمَّ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي اسْتِحَالَةِ نَفْيِ الْمُبَايِنَةِ وَالْمُمَاسَّةِ عَنْهُ بِالْعَقْلِ وَأَنَّ ذَلِكَ يُلْحِقُهُ بِالْعَدَمِ الْمَحْضِ. ثُمَّ قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَهُوَ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ - وَخِيرَتُهُ مِنْ بَرِيَّتِهِ وَأَعْلَمُهُمْ (جَمِيعًا بِهِ يُجِيزُ السُّؤَالَ) بِالْأَيْنَ وَاسْتَصْوَبَ قَوْلَ الْقَائِلِ إِنَّهُ فِي السَّمَاءِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْإِيمَانِ عِنْدَ ذَلِكَ، وَجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابُهُ لَا يُجِيزُونَ الْأَيْنَ بِزَعْمِهِمْ وَيُحِيلُونَ الْقَوْلَ بِهِ قَالَ: لَوْ كَانَ خَطَأً لَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَحَقَّ بِالْإِنْكَارِ لَهُ وَكَانَ

стр. 253

يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهَا لَا تَقُولِي ذَلِكَ، فَتَوَهَّمِي أَنَّهُ مَحْدُودٌ وَأَنَّهُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، وَلَكِنْ قُولِي: إِنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ; لِأَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ دُونَ مَا قُلْتِ، كَلَّا فَلَقَدْ أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا فِيهِ وَأَنَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ بَلِ الْأَمْرُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْإِيمَانُ لِقَائِلِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ شَهِدَ لَهَا بِالْإِيمَانِ حِينَ قَالَتْهُ. وَكَيْفَ يَكُونُ الْحَقُّ فِي خِلَافِ ذَلِكَ وَالْكِتَابُ نَاطِقٌ بِذَلِكَ وَشَاهِدٌ لَهُ؟ (قَالَ) وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ لِصِحَّةِ مَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ فِي هَذَا خَاصَّةً إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَكَانَ فِيهِ مَا يَكْفِي كَيْفَ (وَقَدْ) غُرِسَ فِي بِنْيَةِ الْفِطْرَةِ وَمَعَارِفِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا شَيْءَ أَبْيَنَ مِنْهُ وَلَا أَوْكَدَ؟ لِأَنَّكَ لَا تَسْأَلُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ عَنْهُ عَرَبِيًّا وَلَا عَجَمِيًّا وَلَا مُؤْمِنًا وَلَا كَافِرًا فَتَقُولُ أَيْنَ رَبُّكَ؟ إِلَّا قَالَ: فِي السَّمَاءِ (إِنْ) أَفْصَحَ، أَوْ أَوْمَأَ بِيَدِهِ أَوْ أَشَارَ بِطَرْفِهِ إِنْ كَانَ لَا يُفْصِحُ وَلَا يُشِيرُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَرْضٍ وَلَا سَهْلٍ وَلَا جَبَلٍ، وَلَا رَأَيْنَا أَحَدًا إِذَا عَنَّ لَهُ دُعَاءٌ إِلَّا رَافِعًا يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَلَا وَجَدْنَا أَحَدًا غَيْرَ الْجَهْمِيَّةِ يَسْأَلُ عَنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ: فِي كُلِّ مَكَانٍ كَمَا يَقُولُونَ وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَتَاهَتِ الْعُقُولُ وَسَقَطَتِ الْأَخْبَارُ وَاهْتَدَى جَهْمٌ وَخَمْسُونَ رَجُلًا مَعَهُمْ نُعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ. هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ. [قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ] (قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ) قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَلَمَّا رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ سَلَكَ طَرِيقَ ابْنِ كِلَابٍ وَمَالَ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَانْتَسَبَ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ كَمَا قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ كُلِّهَا كَالْإِبَانَةِ وَالْمُوجَزِ وَالْمَقَالَاتِ وَغَيْرِهَا وَكَانَ الْقُدَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ كَأَبِي

стр. 254

بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ التَّمِيمِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا يَذْكُرُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ عَلَى طَرِيقِ الْمُوَافِقِ لِلسُّنَّةِ فِي الْجُمْلَةِ وَيَذْكُرُونَ رَدَّهُ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَأَبْدَى تُنَاقُضَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا بَيْنَ الْأَشْعَرِيِّ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَبَيْنَ الْحَنَابِلَةِ مِنَ التَّآلُفِ، لَاسِيَّمَا بَيْنَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ وَبَيْنَ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ التَّمِيمِيِّ، حَتَّى كَانَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ يَكْتُبُ فِي أَجْوِبَتِهِ فِي الْمَسَائِلِ كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ الْحَنْبَلِيُّ وَيَكْتُبُ أَيْضًا الْأَشْعَرِيَّ قَالَ: وَعَلَى الْعَقِيدَةِ الَّتِي صَنَّفَهَا أَبُو الْفَضْلِ التَّمِيمِيُّ اعْتَمَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي مَنَاقِبِ أَحْمَدَ، لَمَّا ذَكَرَ عَقِيدَةَ أَحْمَدَ قَالَ: وَأَمَّا ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ بَطَّةَ وَغَيْرُهُمَا فَإِنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِأَصْلِ قَوْلِ ابْنِ كِلَابٍ قَالَ: وَالْأَشْعَرِيُّ وَأَئِمَّةُ

стр. 255

أَصْحَابِهِ كَأَبِي الْحَسَنِ الطَّبَرِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُجَاهِدِ، وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، مُتَّفِقُونَ عَلَى إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْقُرْآنِ كَالِاسْتِوَاءِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَإِبْطَالِ تَأْوِيلِهَا وَلَيْسَ لِلْأَشْعَرِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَصْلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، وَلَكِنْ لِأَتْبَاعِهِ قَوْلَانِ فِي ذَلِكَ وَلِأَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ فِي تَأْوِيلِهَا قَوْلَانِ: أَوَّلُهَا فِي الْإِرْشَادِ وَرَجَعَ عَنِ التَّأْوِيلِ فِي الرِّسَالَةِ النَّظَّامِيَّةِ وَحَرَّمَهُ وَنَقَلَ إِجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا جَائِزٍ. [قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيِّ] (قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيِّ) إِمَامِ الطَّائِفَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ، نَذْكُرُ كَلَامَهُ فِيمَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِهِ كَالْمُوجَزِ وَالْإِبَانَةِ وَالْمَقَالَاتِ وَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَعْظَمُ النَّاسِ انْتِصَارًا لَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي سَمَّاهُ تَبْيِينُ كَذِبِ الْمُفْتَرِي فِيمَا نُسِبَ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ. ذَكَرَ قَوْلَهُ فِي كِتَابِ الْإِبَانَةِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَةِ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ

стр. 256

عَسَاكِرَ: إِذَا كَانَ أَبُو الْحَسَنِ مُسْتَصْوَبَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَعْرِفَةِ وَالِانْتِقَادِ يُوَافِقُهُ فِي أَكْثَرِ مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَكَابِرُ الْعِبَادِ وَلَا يَقْدَحُ فِي مُعْتَقَدِهِ غَيْرُ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْعِنَادِ فَلَابُدَّ أَنْ نَحْكِيَ عَنْهُ مُعْتَقَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ بِالْأَمَانَةِ وَنَجْتَنِبُ أَنْ نَزِيدَ فِيهِ أَوْ نُنْقِصَ مِنْهُ تَرْكًا لِلْخِيَانَةِ ; لِتُعْلَمَ حَقِيقَةُ حَالِهِ فِي صِحَّةِ عَقِيدَتِهِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَةِ فَاسْمَعْ مَا ذَكَرَهُ فِي (أَوَّلِ) كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ (الْإِبَانَةُ) فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَحَدِ الْوَاحِدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِدِ الْمُتَفَرِّدِ بِالتَّوْحِيدِ الْمُتَمَجِّدِ بِالتَّمْجِيدِ الَّذِي لَا تَبْلُغُهُ صِفَاتُ الْعَبِيدِ وَلَيْسَ لَهُ مِثْلٌ وَلَا نَدِيدٌ وَهُوَ الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الصَّاحِبَةِ وَالْأَبْنَاءِ وَتَقَدَّسَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ، فَلَيْسَ لَهُ عِزَّةٌ تُنَالُ وَلَا حَدٌّ تُضْرَبُ فِيهِ الْأَمْثَالُ، لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ أَوَّلًا قَدِيرًا وَلَا يَزَالُ عَالِمًا خَبِيرًا، سَبَقَ الْأَشْيَاءَ عَلِمُهُ وَنَفَذَتْ فِيهَا إِرَادَتُهُ فَلَمْ تَعْزُبْ عَنْهُ خِفْيَاتُ الْأُمُورِ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ سَوَالِفُ صُرُوفِ الدُّهُورِ، وَلَمْ يَلْحَقْهُ فِي خَلْقِ شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ كَلَالٌ وَلَا تَعَبٌ وَلَا مَسَّهُ لُغُوبٌ وَلَا نَصَبٌ، خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِقُدْرَتِهِ وَدَبَّرَهَا بِمَشِيئَتِهِ وَقَهَرَهَا بِجَبَرُوتِهِ وَذَلَّلَهَا بِعِزَّتِهِ فَذَلَّ لِعَظَمَتِهِ الْمُتَكَبِّرُونَ وَاسْتَكَانَ لِعِظَمِ رُبُوبِيَّتِهِ الْمُتَعَظِّمُونَ، وَانْقَطَعَ دُونَ الرُّسُوخِ فِي عِلْمِهِ الْمُمْتَرُونَ، وَذَلَّتْ لَهُ الرِّقَابُ وَحَارَتْ فِي مَلَكُوتِهِ فِطَنُ ذَوِي الْأَلْبَابِ وَقَامَتْ بِكَلِمَتِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَاسْتَقَرَّتِ الْأَرْضُ الْمِهَادُ وَثَبَتَتِ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي وَجَرَتِ الرِّيَاحُ اللَّوَاقِحُ وَسَارَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ السَّحَابُ وَقَامَتْ عَلَى حُدُودِهَا الْبِحَارُ وَهُوَ إِلَهٌ قَاهِرٌ يَخْضَعُ لَهُ الْمُعْتَزُّونَ وَيَخْشَعُ لَهُ الْمُتَرَفِّعُونَ وَتُطِيعُ طَوْعًا وَكَرْهًا لَهُ الْعَالِمُونَ، نَحْمَدُهُ كَمَا حَمِدَ نَفْسَهُ وَكَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَمُسْتَحِقُّهُ وَنَسْتَعِينُهُ اسْتِعَانَةَ مَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ أَمَرَهُ وَأَقَرَّ أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ مُقِرٍّ بِذَنْبِهِ مُعْتَرِفٍ بِخَطِيئَتِهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِقْرَارًا بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَإِخْلَاصًا لِرُبُوبِيَّتِهِ وَأَنَّهُ الْعَالِمُ بِمَا تُبْطِنُهُ الضَّمَائِرُ وَتَنْطَوِي عَلَيْهِ السَّرَائِرُ وَمَا تُخْفِيهِ النُّفُوسُ وَمَا تُخَزِّنُ الْبِحَارُ وَمَا

стр. 257

تُوَارِي الْأَسْرَابُ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ، وَسَاقَ خُطْبَةً طَوِيلَةً بَيَّنَ فِيهَا مُخَالَفَةَ الْمُعْتَزِلَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﵌ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ إِلَى أَنْ قَالَ فِيهَا: وَدَافَعُوا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَجْهٌ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ يَدَانِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ عَيْنَانِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وَنَفَوْا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵌ مِنْ قَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ " كُلَّ لَيْلَةٍ " إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» . . . إِلَخْ وَأَنَا ذَاكِرٌ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَابًا بَابًا وَبِهِ الْمَعُونَةُ وَالتَّأْيِيدُ وَمِنْهُ التَّوْفِيقُ وَالتَّسْدِيدُ. (فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ) قَدْ أَنْكَرْتُمْ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُرْجِئَةِ فَعَرِّفُونَا قَوْلَكُمُ الَّذِي بِهِ

стр. 258

تَقُولُونَ؟ وَدِيَانَتَكُمُ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ؟ قِيلَ لَهُ: قَوْلُنَا الَّذِي بِهِ نَقُولُ وَدِيَانَتُنَا الَّتِي بِهَا نَدِينُ الْتَمَسَكُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﵌ وَمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَنَحْنُ بِذَلِكَ مُعْتَصِمُونَ وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَرَفَعَ دَرَجَتَهُ وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَهُ قَائِلُونَ وَلِمَنْ خَالَفَهُ مُخَالِفُونَ ; لِأَنَّهُ الْإِمَامُ الْفَاضِلُ وَالرَّئِيسُ الْكَامِلُ الَّذِي أَبَانَ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ عِنْدَ ظُهُورِ الضَّلَالِ وَأَوْضَحَ بِهِ الْمِنْهَاجَ وَقَمَعَ بِهِ بِدَعَ الْمُبْتَدِعِينَ وَزَيْغَ الزَّائِغَيْنِ وَشَكَّ الشَّاكِّينَ، فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ إِمَامٍ مُقَدَّمٍ وَكَبِيرٍ مُفَهَّمٍ وَعَلَى جَمِيعِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَجُمْلَةُ قَوْلِنَا أَنَّا نُقِرُّ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لَا نَرُدُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَأَنَّ اللَّهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ. أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. . وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ " وَأَنَّ " السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَأَنَّ لَهُ عَيْنَيْنِ بِلَا كَيْفٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اسْمَ اللَّهِ غَيْرُهُ كَانَ ضَالًّا، وَأَنْ لِلَّهِ عِلْمًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] وَنَثْبِتُ لِلَّهِ قُوَّةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وَنُثْبِتُ لِلَّهِ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ، وَلَا نَنْفِي ذَلِكَ كَمَا

стр. 259

نَفَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْخَوَارِجُ وَنَقُولُ: إِنَّ (الْقُرْآنَ) كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ تَكُونُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ اللَّهُ وَلَا يَسْتَغْنِيَ عَنِ اللَّهِ، وَلَا نَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ مَقْدُورَةٌ (لَهُ) كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وَأَنَّ الْعِبَادَ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَخْلُقُوا شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] الْآيَةَ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦] وَهَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ كَثِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ وَفَّقَ الْمُؤْمِنِينَ لِطَاعَتِهِ وَلَطَفَ بِهِمْ وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَأَصْلَحَهُمْ وَهَدَاهُمْ وَأَضَلَّ الْكَافِرِينَ وَلَمْ يَهْدِهِمْ وَلَمْ يَلْطُفْ بِهِمْ بِالْإِيمَانِ كَمَا زَعَمَ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالطُّغْيَانِ وَلَوْ لَطَفَ بِهِمْ وَأَصْلَحَ لَكَانُوا صَالِحِينَ وَلَوْ هَدَاهُمْ لَكَانُوا مُهْتَدِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨] وَأَنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ أَنْ يُصْلِحَ الْكَافِرِينَ وَيَلْطُفَ بِهِمْ

стр. 260

حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونُوا كَافِرِينَ كَمَا عَلِمَ، وَأَنَّهُ خَذَلَهُمْ وَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَأَنَّا نُؤْمِنُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَنَا لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَنَا وَمَا أَخْطَأْنَا لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَنَا، وَأَنَّا لَا نَمْلِكُ لِأَنْفُسِنَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، وَإِنَّا نُلْجِئُ أُمُورَنَا إِلَى اللَّهِ وَنُثْبِتُ الْحَاجَةَ وَالْفَقْرَ فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَيْهِ وَنَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَّ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ كَانَ كَافِرًا، وَنَدِينُ بِأَنَّ اللَّهُ يُرَى بِالْأَبْصَارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا يُرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَنَقُولُ إِنَّ الْكَافِرِينَ إِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ عَنْهُ مَحْجُوبُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] وَأَنَّ مُوسَى ﵇ سَأَلَ اللَّهَ الرُّؤْيَةَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى لِلْجَبَلِ فَجَعَلَهُ دَكًّا ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وَأَعْلَمَ بِذَلِكَ مُوسَى أَنَّهُ لَا يَرَاهُ فِي الدُّنْيَا، وَنَرَى أَنْ لَا نُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ يَرْتَكِبُهُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ كَمَا دَانَتْ بِذَلِكَ الْخَوَارِجُ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ بِذَلِكَ كَافِرُونَ، وَنَقُولُ: إِنَّ مَنْ عَمِلَ كَبِيرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ " كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ " وَمَا أَشْبَهَهَا مُسْتَحِلًّا لَهَا كَانَ كَافِرًا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِتَحْرِيمِهَا وَنَقُولُ: إِنَّ الْإِسْلَامَ أَوْسَعُ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَيْسَ كُلُّ إِسْلَامٍ إِيمَانًا، وَنَدِينُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَلِّبُ الْقُلُوبَ وَأَنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ وَأَنَّهُ يَضَعُ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ كَمَا جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَنِدِينُ بِأَنْ لَا نُنْزِلَ أَحَدًا مِنَ

стр. 261

الْمُوَحِّدِينَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالْإِيمَانِ جَنَّةً وَلَا نَارًا إِلَّا مَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِالْجَنَّةِ وَنَرْجُو الْجَنَّةَ لِلْمُذْنِبِينَ وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ مُعَذَّبِينَ، وَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ قَوْمًا بَعْدَمَا امْتَحَشُوا بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﵌ وَنُؤْمِنُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَقُولُ: إِنَّ الْحَوْضَ وَالْمِيزَانَ حَقٌّ وَالصِّرَاطَ حَقٌّ وَالْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ حَقٌّ وَأَنَّ اللَّهَ يُوقِفُ الْعِبَادَ بِالْمَوْقِفِ وَيُحَاسِبُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَنُسَلِّمُ بِالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ وَذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَاتُ عَدْلًا عَنْ عَدْلٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ الرِّوَايَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَنَدِينُ بِحُبِّ السَّلَفِ الَّذِي اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﵌ وَنُثْنِي عَلَيْهِمْ بِمَا أَثْنَى اللَّهُ (بِهِ) عَلَيْهِمْ وَنَتَوَلَّاهُمْ (أَجْمَعِينَ) وَنَقُولُ: إِنَّ الْإِمَامَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَبُو بَكْرٍ، وَأَنَّ اللَّهَ أَعَزَّ بِهِ الدِّينَ وَأَظْهَرَهُ عَلَى الْمُرْتَدِّينَ وَقَدَّمَهُ الْمُسْلِمُونَ لِلْإِمَامَةِ كَمَا قَدَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ ثُمَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَتَلَهُ قَاتِلُوهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ خِلَافَتُهُمْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ، وَنَشْهَدُ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِهَا، وَنَتَوَلَّى سَائِرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَنَكُفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ وَنَدِينُ لِلَّهِ بِأَنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ (خُلَفَاءُ) رَاشِدُونَ مَهْدِيُّونَ فُضَلَاءُ لَا يُوَازِيهِمْ فِي الْفَضْلِ غَيْرُهُمْ، وَنُصَدِّقُ جَمِيعَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي رَوَاهَا أَهْلُ النَّقْلِ مِنَ النُّزُولِ إِلَى

стр. 262

السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَأَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى يَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ وَسَائِرُ مَا نَقَلُوهُ وَأَثْبَتُوهُ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالتَّعْطِيلِ، وَنُعَوِّلُ فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ وَلَا نَبْتَدِعُ فِي دِينِ اللَّهِ بِدْعَةً لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهَا وَلَا نَقُولُ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُ وَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وَأَنَّ اللَّهَ يَقْرُبُ مِنْ عِبَادِهِ كَيْفَ شَاءَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى - فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨ - ٩] وَمِنْ دِينِنَا أَنْ نُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ وَالْأَعْيَادَ وَسَائِرَ الصَّلَوَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي خَلَفَ الْحَجَّاجِ وَأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ " سُنَّةٌ " فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَ (نَرَى) الدُّعَاءَ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّلَاحِ، وَالْإِقْرَارَ بِإِمَامَتِهِمْ وَتَضْلِيلَ مَنْ رَأَى الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ " إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ تَرْكُ الِاسْتِقَامَةِ، وَنَدِينُ بِتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ " وَتَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَنُقِرُّ بِخُرُوجِ الدَّجَّالِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَنُؤْمِنُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَمُسَاءَلَتِهِمَا لِلْمَدْفُونِينَ فِي قُبُورِهِمْ، وَنُصَدِّقُ بِحَدِيثِ الْمِعْرَاجِ وَنُصَحِّحُ كَثِيرًا مِنَ الرُّؤْيَا فِي الْمَنَامِ " وَنُقِرُّ " أَنَّ لِذَلِكَ تَأْثِيرًا، وَنَرَى الصَّدَقَةَ عَنْ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ وَالدُّعَاءَ لَهُمْ وَنُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ يَنْفَعُهُمْ

стр. 263

بِذَلِكَ وَنُصَدِّقُ بِأَنَّ فِي الدُّنْيَا سَحَرَةً (وَسِحْرًا) وَأَنَّ السِّحْرَ كَائِنٌ مَوْجُودٌ فِي الدُّنْيَا، وَنَدِيْنُ بِالصَّلَاةِ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُؤْمِنِهِمْ وَفَاجِرِهِمْ، وَنُوَارِثُهُمْ وَنُقِرُّ أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ وَأَنَّ مَنْ مَاتَ (أَوْ قُتِلَ) فَبِأَجَلِهِ مَاتَ أَوْ قُتِلَ. وَأَنَّ الْأَرْزَاقَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ يَرْزُقُهَا (اللَّهُ) عِبَادَهُ حَلَالًا وَحَرَامًا، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يُوَسْوِسُ لِلْإِنْسَانِ وَيُشَكِّكُهُ وَيَتَخَبَّطُهُ خِلَافًا لِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ - الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ - مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٤ - ٦] وَنَقُولُ: إِنَّ الصَّالِحِينَ يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّهُمُ اللَّهُ بِآيَاتٍ يُظْهِرُهَا عَلَيْهِمْ، وَقَوْلُنَا فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ اللَّهَ يُؤَجِّجُ لَهُمْ نَارًا فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُمُ: اقْتَحِمُوهَا كَمَا جَاءَتِ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ، وَنَدِينُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا الْعِبَادُ عَامِلُونَ وَإِلَى مَاهُمْ صَائِرُونَ وَأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ وَبِطَاعَةِ الْأَئِمَّةِ وَنَصِيحَةِ الْمُسْلِمِينَ وَنَرَى مُفَارَقَةَ كُلِّ دَاعِيَةٍ إِلَى بِدْعَةٍ وَمُجَانَبَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَسَنَحْتَجُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِنَا وَمَا بَقِيَ مِنْهُ مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ بَابًا بَابًا. قُلْتُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْأَبْوَابَ إِلَى أَنْ قَالَ: بَابُ " ذِكْرِ " الِاسْتِوَاءِ " عَلَى الْعَرْشِ " وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا تَقُولُونَ فِي الِاسْتِوَاءِ؟ قِيلَ لَهُ: " نَقُولُ ": إِنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]

стр. 264

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ - أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] كَذَّبَ " فِرْعَوْنُ " مُوسَى فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ وَقَالَ اللَّهُ : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] فَالسَّمَاوَاتُ فَوْقَهَا الْعَرْشُ فَلَمَّا كَانَ الْعَرْشِ فَوْقَ " السَّمَاوَاتِ قَالَ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] ; لِأَنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ الَّذِي فَوْقَ " السَّمَاوَاتِ وَكَانَ كُلُّ مَا عَلَا فَهُوَ سَمَاءٌ " فَالْعَرْشُ أَعْلَى السَّمَاوَاتِ " وَلَيْسَ إِذَا قَالَ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] يَعْنِي: جَمِيعَ السَّمَاوَاتِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْعَرْشَ الَّذِي هُوَ أَعْلَى السَّمَاوَاتِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ذَكَرَ السَّمَاوَاتِ فَقَالَ: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَمْلَأْهُنَّ جَمِيعًا. . . وَرَأَيْنَا الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إِذَا دَعَوْا نَحْوَ السَّمَاءِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ الَّذِي هُوَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْعَرْشِ لَمْ يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ نَحْوَ الْعَرْشِ. ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ دُعَاءِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إِذَا هُمْ رَغِبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَقُولُونَ: يَا سَاكِنَ الْعَرْشِ، وَمِنْ حَلِفِهِمْ يَقُولُونَ لَا وَالَّذِي احْتَجَبَ بِسَبْعٍ، وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى اسْتَوَى: اسْتَوْلَى وَمَلَكَ وَقَهَرَ، وَأَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَجَحَدُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: وَذَهَبُوا فِي الِاسْتِوَاءِ إِلَى الْقُدْرَةِ فَلَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا: كَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَرْشِ وَالْأَرْضِ السَّابِعَةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَالْأَرْضُ، فَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا وَعَلَى الْحُشُوشِ فَلَوْ كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى الْحُشُوشِ وَالْأَخْلِيَةِ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ الِاسْتِيلَاءُ، ثُمَّ بَسَطَ الْأَدِلَّةَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلِ وَلَوْلَا خَشْيَةُ الْإِطَالَةِ لَسُقْنَاهَا بِأَلْفَاظِهَا. وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ فِي كِتَابِ الْأَمَالِي " بَابُ الْقَوْلِ فِي الْأَمَاكِنِ زَعَمَتِ النَّجَّارِيَّةُ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ مَكَانٍ عَلَى مَعْنَى الصُّنْعِ

стр. 265

وَالتَّدْبِيرِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الصِّفَاتِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كِلَابٍ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ لَا فِي مَكَانٍ وَهُوَ الْيَوْمُ لَا فِي مَكَانٍ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: إِنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ عَالٍ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَامْتَدَحَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى بِمَعْنَى أَنَّهُ عَلَا عَلَيْهِ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَالِيًا رَفِيعًا قَبْلَ خَلْقِ الْأَشْيَاءِ وَقَبْلَ خَلْقِ الْعَرْشِ الَّذِي هُوَ عَالٍ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ. ذِكْرُ كَلَامِهِ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَقَدْ ذَكَرَ تَرْجَمَةَ هَذَا الْكِتَابِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ الْعُمْدَةَ فِي الرُّؤْيَةِ، فَقَالَ: وَأَلَّفْنَا كِتَابًا كَبِيرًا فِي الصِّفَاتِ تَكَلَّمْنَا عَلَى أَصْنَافِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ الْمُخَالِفِينَ لَنَا فِي نَفْيِهِمْ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتَهُ وَسَائِرَ صِفَاتِهِ، وَعَلَى أَبِي الْهُذَيْلِ وَمَعْمَرٍ، وَالنَّظَّامِ وَفِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ مِنْ فُنُونِ الصِّفَاتِ فِي إِثْبَاتِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَفِي إِثْبَاتِ اسْتِوَاءِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ عَلَى الْعَرْشِ ثُمَّ سَاقَ مَضْمُونَهُ، ذِكْرُ كَلَامِهِ فِي كِتَابِ جُمَلِ الْمَقَالَاتِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْعِزَّةِ وَالْإِفْضَالِ وَالْجُودِ وَالنَّوَالِ أَحْمَدُهُ عَلَى مَا خَصَّ وَعَمَّ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَأَسْأَلُهُ الصَّلَاةَ عَلَى خَاتَمِ رُسُلِهِ، أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ لَابُدَّ لِمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ الدِّيَانَاتِ وَالتَّمَيِيزِ بَيْنَهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَذَاهِبِ وَالْمَقَالَاتِ وَرَأَيْتُ النَّاسَ فِي حِكَايَةِ مَا يَحْكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْمَقَالَاتِ " وَيُصَنِّفُونَ " فِي النِّحَلِ وَالدِّيَانَاتِ مِنْ بَيْنِ مُقَصِّرٍ فِيمَا يَحْكِيهِ وَغَالِطٍ فِيمَا يُذْكُرُهُ مِنْ

стр. 266

قَوْلِ مُخَالِفِهِ، وَمِنْ بَيْنِ مُتَعَمِّدٍ الْكَذِبَ فِي الْحِكَايَةِ إِذَا أَرَادَ التَّشْنِيعَ عَلَى مَنْ يُخَالِفُهُ، وَمِنْ بَيْنِ تَارِكٍ التَّقَصِّي فِي رِوَايَتِهِ لِمَا يَرْوِيهِ مِنِ اخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ، وَمِنْ بَيْنِ مَنْ يُضِيفُ إِلَى قَوْلِ مُخَالِفِيهِ مَا يَظُنُّ أَنَّ الْحُجَّةَ تُلْزِمُهُمْ بِهِ وَلَيْسَ هَذَا سَبِيلَ الرَّبَّانِيِّينَ وَلَا سَبِيلَ الْفَطَنَةِ الْمُمَيَّزِينَ فَحَدَانِي مَا رَأَيْتُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى شَرْحِ مَا الْتُمِسَ شَرْحُهُ مِنْ أَمْرِ الْمَقَالَاتِ وَاخْتِصَارِ ذَلِكَ وَتَرْكِ الْإِطَالَةِ وَالْإِكْثَارِ وَأَنَا مُبْتَدِئٌ بِشَرْحٍ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ. وَسَاقَ حِكَايَةَ مَذَاهِبِ النَّاسِ إِلَى أَنْ قَالَ: هَذِهِ حِكَايَةُ جُمْلَةِ قَوْلِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ: جُمْلَةُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لَا يَرُدُّونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا (وَأَنَّ) اللَّهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَأَنَّ اللَّهَ لَهُ يَدَيْنِ بِلَا كَيْفٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وَأَنَّ لَهُ عَيْنَيْنِ بِلَا كَيْفٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] إِلَى أَنْ قَالَ: (وَيَقُولُونَ) إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالْكَلَامُ فِي الْوَقْفِ وَاللَّفْظِ مَنْ قَالَ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالْوَقْفِ فَهُوَ مُبْتَدَعٌ عِنْدَهُمْ، لَا يُقَالُ: اللَّفْظُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ وَلَا يُقَالُ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ يُرَى بِالْأَبْصَارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا يُرَى الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وَلَا يَرَاهُ الْكَافِرُونَ ; لِأَنَّهُمْ عَنِ اللَّهِ مَحْجُوبُونَ. وَأَنَّ مُوسَى سَأَلَ اللَّهَ الرُّؤْيَةَ فِي الدُّنْيَا

стр. 267

وَأَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى لِلْجَبَلِ فَجَعَلَهُ دَكًّا فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا ثُمَّ سَاقَ بَقِيَّةَ قَوْلِهِمْ. وَقَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ: وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا يُشْبِهُ الْأَشْيَاءَ وَأَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَلَا نَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فِي الْقَوْلِ بَلْ نَقُولُ: اسْتَوَى بِلَا كَيْفٍ، وَأَنَّهُ نُورٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَأَنَّ لَهُ عَيْنَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وَأَنَّهُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وَأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا إِلَّا مَا وَجَدُوهُ فِي الْكِتَابِ أَوْ جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّ اللَّهَ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِمَعْنَى اسْتَوْلَى هَذَا نَصُّ كَلَامِهِ. وَقَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا: وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] يَعْنِي: اسْتَوْلَى، قَالَ: وَتَأَوَّلَتِ الْيَدَ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] أَيْ

стр. 268

بِعِلْمِنَا، قَالَ وَأَمَّا الْوَجْهُ فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ قَالَتْ فِيهِ قَوْلَيْنِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: - وَهُوَ أَبُو الْهُذَيْلِ - وَجْهُ اللَّهِ هُوَ اللَّهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] أَيْ: وَيَبْقَى رَبُّكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ وَجْهًا، يُقَالُ: إِنَّهُ هُوَ اللَّهُ وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ فِيهِ، وَالْأَشْعَرِيُّ إِنَّمَا حَكَى تَأْوِيلَ الِاسْتِوَاءِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَصَرَّحَ بِخِلَافِهِ وَأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ تَابِعًا لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. [قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ الْبَاقِلَّانِيِّ الْأَشْعَرِيِّ] (قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ الْبَاقِلَّانِيِّ الْأَشْعَرِيِّ) قَالَ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَهُوَ مِنْ أَشْهَرِ كُتُبِهِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ تَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ؟ قِيلَ: مَعَاذَ اللَّهِ بَلْ هُوَ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وَقَالَ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَكَانٍ لَكَانَ فِي جَوْفِ الْإِنْسَانِ وَفِي فَمِهِ وَفِي الْحُشُوشِ وَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُرْغَبُ عَنْ ذِكْرِهَا، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَكَانٍ لَوَجَبَ أَنْ يَزِيدَ بِزِيَادَةِ الْأَمْكِنَةِ إِذَا خَلَقَ مِنْهَا مَا لَمْ يَكُنْ خَلَقَهُ، وَيَنْقُصَ بِنُقْصَانِهَا إِذَا بَطَلَ (مِنْهَا) مَا كَانَ، " وَلَصَحَّ " أَنْ يُرْغَبَ إِلَيْهِ نَحْوَ الْأَرْضِ وَإِلَى وَرَاءِ ظُهُورِنَا وَعَنْ أَيْمَانِنَا

стр. 269

وَعَنْ شَمَائِلِنَا، وَهَذَا قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى خِلَافِهِ وَتَخْطِئَةِ قَائِلِهِ. ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] الْمُرَادُ: أَنَّهُ إِلَهٌ عِنْدَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَإِلَهٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: فُلَانٌ نَبِيلٌ مُطَاعٌ فِي الْمُصْرَيْنِ أَيْ عِنْدِ أَهْلِهِمَا وَلَيْسَ يَعْنُونَ أَنَّ ذَاتَ الْمَذْكُورِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مَوْجُودَةٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] يَعْنِي: بِالْحِفْظِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ ذَاتَهُ مَعَهُمْ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] يَعْنِي: أَنَّهُ عَالِمٌ بِهِمْ وَبِمَا خَفِيَ مِنْ سِرِّهِمْ وَنَجْوَاهُمْ وَهَذَا إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ قِيَاسًا عَلَى هَذَا: إِنَّ اللَّهَ بِالْبَرْدَيْنِ مَدِينَةِ السَّلَامِ وَدِمَشْقَ، وَأَنَّهُ مَعَ الثَّوْرِ وَالْحِمَارِ وَأَنَّهُ مَعَ الْفُسَّاقِ وَالْمُجَّانِ وَمَعَ الْمُصْعَدِينَ إِلَى حُلْوَانَ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل: ١٢٨] فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ هُوَ اسْتِيلَاؤُهُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ هُوَ الْقُدْرَةُ وَالْقَهْرُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ قَادِرًا قَاهِرًا عَزِيزًا مُقْتَدِرًا وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ اسْتَوَى) يَقْتَضِي اسْتِفْتَاحُ هَذَا الْوَصْفِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ، ثُمَّ قَالَ: بَابُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَفَصِّلُوا لِي صِفَاتَ ذَاتِهِ مِنْ صِفَاتِ أَفْعَالِهِ لِأَعْرِفَ ذَلِكَ؟ قِيلَ لَهُ: صِفَاتُ ذَاتِهِ هِيَ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِهَا وَهِيَ الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلَامُ وَالْإِرَادَةُ وَالْبَقَاءُ وَالْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالْعَيْنَانِ وَالْغَضَبُ

стр. 270

وَالرِّضَا ; وَصِفَاتُ فِعْلِهِ هِيَ الْخَلْقُ وَالرِّزْقُ وَالْعَدْلُ وَالْإِحْسَانُ وَالتَّفَضُّلُ وَالْإِنْعَامُ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَالْحَشْرُ وَالنَّشْرُ وَكُلُّ صِفَةٍ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ فِعْلِهِ لَهَا. ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ. وَقَالَ فِي جَوَابَاتٍ لِلْمَسَائِلِ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْهَا أَهْلُ بَغْدَادَ فِي رِسَالَتِهِ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا اتِّفَاقَ الْحَنَابِلَةِ وَالْأَشَاعِرَةِ قَدْ عَرَفْتُ انْزِعَاجَكُمْ، وَاسْتِيجَاشَكُمْ، وَاهْتِمَامَكُمْ بِمَا أَفْشَاهُ قَوْمٌ مِنْ عَامَّةِ الْمُسَجِّلِينَ لِلسُّنَّةِ، وَأَتْبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُطَهَّرِينَ الْمُتَخَصِّصِينَ بِمَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مِنِ ادِّعَائِهِمْ مُخَالَفَةَ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي الْقُرْآنِ، وَمَا يُضِيفُونَهُ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ فِي إِكْفَارِ مَنْ يَقُولُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْبُخَارِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَلَا نَقْطَعُ بِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ. إِلَى أَنْ قَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّ مَذْهَبَنَا وَمَذْهَبَ أَبِي الْحَسَنِ الَّذِي سَطَّرَهُ فِي سَائِرِ كُتُبِهِ الْكِبَارِ وَالْمُخْتَصَرَاتِ هُوَ مَذْهَبُ الْجَمَاعَةِ وَسَلَفُ الْأُمَّةِ وَمَا مَضَى عَلَيْهِ الصَّالِحُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ غَيْرُ مُحْدَثٍ، وَلَا مَخْلُوقٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا، وَذَكَرَ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ: إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا فِي جَمِيعِ الْمَرْوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا ثَبَتَتْ بِذَلِكَ الرِّوَايَةُ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَجْهِ لَهُ، وَالْيَدَيْنِ، وَالْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ نَطَقَ بِهِمَا الْكِتَابُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وَقَالَ لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] ، وَقَالَ تَعَالَى:

стр. 271

﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] ، فَأَثْبَتَ لِنَفْسِهِ فِي نَصِّ كِتَابِهِ: الْوَجْهَ وَالْعَيْنَيْنِ، وَالْيَدَيْنِ. وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ الدَّجَّالَ وَأَنَّهُ أَعْوَرُ. وَقَالَ: " إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» "، فَأَثْبَتَ لَهُ الْعَيْنَيْنِ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ. وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ: فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمَشْهُورَةِ: " «وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» " ; يَعْنِي أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ بِإِحْدَاهُمَا مَا يَأْتِي بِالْأُخْرَى كَالَّذِي يَتَعَذَّرُ عَلَى الْأَيْسَرِ مَا يَأْتِي بِيَمِينِهِ، وَنَقُولُ أَنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: «هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى؟ ، أَوْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرَ لَهُ؟» ، الْحَدِيثَ. وَأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وَقَالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ دِينَنَا وَدِينَ الْأَئِمَّةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَمُرُّ كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَحْدِيدٍ، وَلَا تَجْسِيمٍ، وَلَا تَصْوِيرٍ، بَلْ كَمَا جَاءَ بِهَا الْحَدِيثُ، وَكَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابِ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي وُجُوبِ إِمْرَارِهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ. وَرَوَى الثِّقَاتُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.

стр. 272

فَمَنْ تَجَاوَزَ هَذَا الْمَرْوِيَّ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَكَيَّفَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْمَرْوِيَّةِ وَمَثَّلَهَا بِشَيْءٍ مِنْ جَوَارِحِنَا وَآلَاتِنَا فَقَدْ تَعَدَّى وَأَثِمَ وَضَلَّ وَأَبْدَعَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَمِيرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ، مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تَرْوُونَهُ: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» "، كَيْفَ يَنْزِلُ؟ فَقَالَ إِسْحَاقُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، لَا يُقَالُ لِأَمْرِ الرَّبِّ كَيْفَ. ذِكْرُ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْإِبَانَةِ لَهُ: ذَكَرَ صِفَةَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ وَأَثْبَتَهَا كَمَا ذَكَرَ فِي التَّمْهِيدِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ تَقُولُونَ إِنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ؟ قِيلَ لَهُ: مَعَاذَ اللَّهِ بَلْ هُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَدِلَّةَ عَلَى ذَلِكَ نَقْلًا وَعَقْلًا قَرِيبًا مِمَّا ذَكَرَ فِي التَّمْهِيدِ، وَقَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا: وَصِفَاتُ ذَاتِهِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِهَا هِيَ الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلَامُ وَالْإِرَادَةُ وَالْبَقَاءُ وَالْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالْعَيْنَانِ وَالْغَضَبُ وَالرِّضَى. ذِكْرُ قَوْلِهِ فِي رِسَالَةِ الْحَيْرَةِ قَالَ - فِي كَلَامٍ ذَكَرَهُ فِي الصِّفَاتِ - وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا وَيَدَيْنِ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ فَاسْتَوْلَى عَلَى خَلْقِهِ فَفَرَّقَ بَيْنَ الِاسْتِوَاءِ الْخَاصِّ وَبَيْنَ الِاسْتِيلَاءِ الْعَامِّ. [قَوْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَشْعَرِيِّ] (قَوْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَشْعَرِيِّ) : الْمُتَكَلِّمُ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ صَاحِبُ جَامِعِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، قَالَ فِي جَامِعِهِ الصَّغِيرِ: فَإِنْ قِيلَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى

стр. 273

عَلَى الْعَرْشِ بِذَاتِهِ؟ قُلْنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّ الْعَرَبَ يَقُولُونَ: اسْتَوَى فُلَانٌ عَلَى بَلَدِ كَذَا وَكَذَا إِذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَقَهَرَ؟ قُلْنَا لِأَصْحَابِنَا عَنْ هَذَا أَجْوِبَةً: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهِ الْعَرْشَ بِالِاسْتِوَاءِ مَعْنًى، لِأَنَّهُ مُسْتَوْلٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِهِ فَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْجَبَلِ اسْتَوَى وَهَذَا بَاطِلٌ. الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ لَا تُدْخِلُ ثُمَّ إِلَّا لِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ سَيَكُونُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ قَاهِرًا قَادِرًا مُسْتَوْلِيًا عَلَى الْأَشْيَاءِ فَلَمْ يَكُنْ بِزَعْمِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] مَعْنًى. الثَّالِثُ: أَنَّ الِاسْتِوَاءَ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ لَا يَكُونُ عِنْدَ الْعَرَبِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ مُغَالِبٌ يُغَالِبُهُ فَإِذَا غَلَبَهُ وَقَهَرَهُ قِيلَ: قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَعَ اللَّهِ مُغَالِبٌ لَمْ يَكُنْ مَعْنَى اسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ وَغَلَبَتِهِ، وَصَحَّ أَنَّ اسْتِوَاءَهُ (عَلَيْهِ) هُوَ عُلُوُّهُ وَارْتِفَاعُهُ عَلَيْهِ بِلَا حَدٍّ وَلَا كَيْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ. ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ وَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْعُلُوُّ وَالرِّفْعَةُ ; لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: اسْتَوَتِ الشَّمْسُ إِذَا تَعَالَتْ، وَاسْتَوَى الرَّجُلُ عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ إِذَا عَلَاهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] أَيِ: ارْتَفَعَتْ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] أَيِ: ارْتَفَعَ عَنْ حَالِ النُّقْصَانِ إِلَى حَالِ الْكَمَالِ، وَقَوْلُهُ: اسْتَوَى أَمْرُ فُلَانٍ أَيِ ارْتَفَعَ وَعَلَا عَنِ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنَ الضَّعْفِ وَسُوءِ الْحَالِ وَسَاقَ الْكَلَامَ. [ذِكْرُ قَوْلِ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ] (ذِكْرُ قَوْلِ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ) فِي آخِرِ كُتُبِهِ وَهُوَ كِتَابُ أَقْسَامِ اللَّذَّاتِ الَّذِي

стр. 274

صَنَّفَهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَهُوَ كِتَابٌ مُفِيدٌ ذَكَرَ فِيهِ أَقْسَامَ اللَّذَّاتِ وَبَيَّنَ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ: الْحِسِّيَّةُ: كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنِّكَاحِ وَاللِّبَاسِ. وَاللَّذَّةُ الْخَيَالِيَّةُ الْوَهْمِيَّةُ: كَلَذَّةِ الرِّيَاسَةِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّرَفُّعِ وَنَحْوِهَا. وَاللَّذَّةُ الْعَقْلِيَّةُ: كَلَذَّةِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ. وَتَكَلَّمَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا اللَّذَّةُ الْعَقْلِيَّةُ: فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهَا وَالتَّعَلُّقِ بِهَا فَلِهَذَا السَّبَبُ نَقُولُ: يَا لَيْتَنَا بَقِينَا عَلَى الْعَدَمِ الْأَوَّلِ، وَلَيْتَنَا مَا شَهِدْنَا هَذَا الْعَالَمَ، وَلَيْتَ النَّفْسَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهَذَا الْبَدَنِ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قُلْتُ: نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ ... وَأَكْثَرُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُ وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا ... وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ وَلَمْ نَسْتَفِدْ مَنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمُرِنَا ... سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا وَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ رِجَالٍ وَدَوْلَةٍ ... فَبَادُوا جَمِيعًا مُسْرِعِينَ وَزَالُوا وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتُهَا ... رِجَالٌ فَزَالُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ بَعْدَ التَّوَغُّلِ فِي هَذِهِ الْمَضَائِقِ وَالتَّعَمِيقِ فِي الِاسْتِكْشَافِ عَنْ أَسْرَارِ هَذِهِ الْحَقَائِقِ رَأَيْتُ الْأَصْوَبَ الْأَصْلَحَ فِي هَذَا الْبَابِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَالْفَرْقَانِ الْكَرِيمِ، وَهُوَ تَرْكُ التَّعَمُّقِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِأَقْسَامِ أَجْسَامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ عَلَى وُجُودِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعْظِيمِ مِنْ غَيْرِ خَوْضٍ فِي التَّفَاصِيلِ فَاقْرَأْ فِي التَّنْزِيهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨] وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، وَاقْرَأْ فِي الْإِثْبَاتِ قَوْلَهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] ، وَفِي تَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَنْبَغِي قَوْلَهُ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩]

стр. 275

الْآيَةَ وَعَلَى هَذَا الْقَانُونِ فَقِسْ وَخُتِمَ الْكِتَابُ. [قَوْلُ مُتَكَلِّمِ السُّنَّةِ إِمَامِ الصُّوفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُظَفَّرِيِّ] (قَوْلُ مُتَكَلِّمِ السُّنَّةِ إِمَامِ الصُّوفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُظَفَّرِيِّ) : الْمُخْتَارِ الرَّازِيِّ صَاحِبِ كِتَابِ فَرْعِ الصِّفَاتِ فِي تَقْرِيعِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ، وَهُوَ عَلَى صِغَرِ حَجْمِهِ كِتَابٌ جَلِيلٌ غَزِيرُ الْعِلْمِ قَالَ فِيهِ بَعْدَ حِكَايَةِ مَذَاهِبِ النَّاسِ: وَقَالَتِ الْحَنَابِلَةُ وَأَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ وَالسَّلَفُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى الْعَرْشِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا حُجَّةُ الْمُثْبِتِينَ فَمِنْ حَيْثُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالْمَعْقُولُ، ثُمَّ ذَكَرَ حُجَجَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ثُمَّ حَكَى كَلَامَ الصَّحَابَةِ إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ اخْتَلَفُوا فِي النَّبِيِّ ﵌ هَلْ رَأَى رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ أَمْ لَا؟ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الرُّؤْيَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَلَى الْعَرْشِ لِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتِهِ فَهُمْ فَرَّقُوا حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. قُلْتُ: مُرَادُهُ (أَنَّهُمْ) إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي رُؤْيَتِهِ لِرَبِّهِ لَيْلَةَ أَسْرَى بِهِ إِلَى عِنْدِهِ فَجَاوَزَ السَّبْعَ الطِّبَاقَ، وَلَوْلَا أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ لَكَانَ لَا فَرْقَ فِي الرُّؤْيَةِ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَغَيْرِهَا. ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ: أَحُدُهَا: إِطْبَاقُ النَّاسِ كَافَّةً وَإِجْمَاعُ الْخَلْقِ عَامَّةً مِنَ الْمَاضِينَ وَالْغَابِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ عَلَى رَفْعِ الْأَيْدِي إِلَى السَّمَاءِ عِنْدَ السُّؤَالِ وَالدُّعَاءِ بِخِلَافِ السُّجُودِ، فَإِنَّهُ تَوَاضُعٌ مُتَعَارَفٌ، وَبِخِلَافِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ تَعَبُّدٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ، أَمَّا رَفْعُ الْأَيْدِي بِالسُّؤَالِ نَحْوَ الْمَسْئُولِ فَأَمْرٌ مَعْقُولٌ مُتَعَارَفٌ، قَالَ: وَمَنْ نَظَرَ فِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَخْبَارِ الْأَوَائِلِ

стр. 276

الْقُدَمَاءِ وَأَنْبَاءِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ اتَّضَحَتْ لَهُ هَذِهِ الْمَعَانِي وَاسْتَحْكَمَتْ لَهُ هَذِهِ الْمَبَانِي ثُمَّ قَرَّرَ الْعُلُوَّ وَسَاقَ شُبَهَ النُّفَاةِ وَنَقَضَهَا نَقْضَ مَنْ يَقْلَعُ غُرُوسَهَا كُلَّ الْقَلْعِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. [قَوْلُ شُعَرَاءِ الْإِسْلَامِ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ] [قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ] [قَوْلُ شُعَرَاءِ الْإِسْلَامِ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ] (قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ) : شَاعِرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْحَافِظُ: صَحَّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ «عَنْ حَسَّانَ أَنَّهُ أَنْشَدَ النَّبِيَّ ﵌ شِعْرًا: شَهِدْتُ بِإِذْنِ اللَّهِ أَنَّ مُحَمَّدًا ... رَسُولُ الَّذِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مِنْ عَلُ وَأَنَّ أَبَا يَحْيَى وَيَحْيَى كِلَاهُمَا ... لَهُ عَمَلٌ مِنْ رَبِّهِ مُتَقَبَّلُ وَأَنَّ أَخَا الْأَحْقَافِ إِذْ قَامَ فِيهِمُ ... يَقُولُ بِذَاتِ اللَّهِ فِيهِمْ وَيَعْدِلُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: وَأَنَا أَشْهَدُ» ، وَقَالَ حَسَّانُ أَيْضًا فِي قَصِيدَتِهِ الدَّالِيَّةِ فِي مَدْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ شِعْرًا: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَبْدَهُ ... بِبُرْهَانِهِ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَمْجَدُ

стр. 277

وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ ... وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ ... أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ مِنَ اللَّهِ مَيْمُونٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ [قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ] (قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ) : قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: «صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ أَنَّ امْرَأَتَهُ رَأَتْهُ مَعَ جَارِيَتِهِ فَذَهَبَتْ لِتَأْخُذَ سِكِّينًا فَقَالَ: مَا فَعَلْتُ، فَقَالَتْ: بَلَى قَدْ رَأَيْتُكَ، قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَدْ نَهَى عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، قَالَتْ: فَاقْرَأْ فَقَالَ شِعْرًا: شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ كِرَامٌ ... مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوِّمِينَا فَقَالَتْ: صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَصَرِي، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَأَخْبَرَهُ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْحَافِظُ: رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مِنْ وُجُوهٍ (صِحَاحٍ) عَنِ ابْنِ رَوَاحَةَ.

стр. 278

[قَوْلُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ] (قَوْلُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ) : قَالَ عَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ: «لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفَدَ إِلَيْهِ الشُّعَرَاءُ فَأَقَالُوا بِبَابِهِ أَيَّامًا لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ مَرَّ بِهِمْ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ فَدَخَلَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: الشُّعَرَاءُ بِبَابِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا لِي وَلِلشُّعَرَاءِ؟ قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَدِ امْتُدِحَ (فَأَعْطَى) فَامْتَدَحَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيُّ فَأَعْطَاهُ حُلَّةً. قَالَ: أَوَتَرْوِي مِنْ شِعْرِهِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَنْشَدَهُ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ قَوْلَهُ لِلنَّبِيِّ ﵌: رَأَيْتُكَ يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا ... نَشَرْتَ كِتَابًا جَاءَ بِالْحَقِّ مُعْلِنَا شَرَعْتَ لَنَا دِينَ الْهُدَى بَعْدَ جَوْرِنَا ... عَنِ الْحَقِّ لَمَّا أَصْبَحَ الْحَقُّ مُظْلِمَا تَعَالَى عُلُوًّا فَوْقَ سَبْعٍ إِلَهُنَا ... وَكَانَ مَكَانُ اللَّهِ أَعْلَى وَأَعْظَمَا » [قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكٍ الْعَامِرِيِّ الشَّاعِرِ] (قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكٍ الْعَامِرِيِّ الشَّاعِرِ) أَحَدِ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ،

стр. 279

أَسْلَمَ وَصَحِبَ النَّبِيَّ ﵌ وَمِنْ شِعْرِهِ: لِلَّهِ نَافِلَةُ الْأَجَلِّ الْأَفْضَلِ ... وَلَهُ الْعُلَى وَأَثِيثُ كُلِّ مُؤَثَّلِ لَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ مَحْوَ كِتَابِهِ ... أَنَّى وَلَيْسَ قَضَاؤُهُ بِمُبَدَّلِ سَوَّى فَأَعْلَى دُونَ غُرَّةِ عَرْشِهِ ... سَبْعًا طِبَاقًا فَوْقَ فَرْعِ الْمَعْقَلِ وَالْأَرْضُ تَحْتَهُمُ مِهَادًا رَاسِيًا ... ثَبَتَتْ جَوَانِبُهَا بِصُمِّ الْجَنْدَلِ [ذِكْرُ مَا أَنْشَدَ النَّبِيُّ ﵌ مِنْ شَعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ] ِ الَّذِي شَهِدَ لِشِعْرِهِ بِالْإِيمَانِ وَلِقَلْبِهِ بِالْكُفْرِ: مَجِّدُوا اللَّهَ فَهْوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ ... رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرَا بِالْبِنَاءِ الْأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ الْخَلْقَ ... وَسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرَا شَرْجَعًا لَا يَنَالُهُ بَصَرُ ... الْعَيْنِ تُرَى دُونَهُ الْمَلَائِكُ صُورَا مَعْنَى شَرْجَعًا: أَيْ طَوِيلًا، وَصُورًا: جَمَعُ أَصْوَرَ وَهُوَ الْمَائِلُ الْعُنُقِ، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ فِي دَالِيَّتِهِ

стр. 280

الْمَشْهُورَةِ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ مِنْ شِعْرِهِ: لَكَ الْحَمْدُ وَالنَّعْمَاءُ وَالْمُلْكُ رَبَّنَا ... فَلَا شَيْءَ أَعْلَى مِنْكَ جَدًّا وَأَمْجَدُ مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ عَلَيْهِ حِجَابُ النُّورِ وَالنُّورُ حَوْلَهُ ... وَأَنْهَارُ نُورٍ حَوْلَهُ تَتَوَقَّدُ فَلَا بَشَرٌ يَسْمُو إِلَيْهِ بِطَرْفِهِ ... وَدُونَ حِجَابِ النُّورِ خَلْقٌ مُؤَيَّدُ وَفِيهَا وَصْفٌ فِي الْمَلَائِكَةِ: وَسَاجِدُهُمْ لَا يَرْفَعُ الدَّهْرَ ... رَأْسَهُ يُعَظِّمُ رَبًّا فَوْقَهُ وَيُمَجِّدُ [ذِكْرُ الْقَصِيدَةِ الَّتِي أَنْشَدَهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ فُلَانٍ التِّرْمِذِيُّ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مَحْبِسِهِ] ِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَعْلِيُّ: أَخَذْتُ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الْمَرُّوذِيِّ وَذَكَرَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ فُلَانٍ التِّرْمِذِيَّ قَالَهَا، وَأَنْشَدَهَا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ فِي سِجْنِ الْمِحْنَةِ: تَبَارَكَ مَنْ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ ... وَمَنْ لَمْ يَزَلْ يُثْنَى عَلَيْهِ وَيُذْكَرُ عَلَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى فَوْقَ عَرْشِهِ ... إِلَى خَلْقِهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يَنْظُرُ

стр. 281

سَمِيعٌ بَصِيرٌ لَا نَشُكُّ مُدَبِّرٌ وَمِنْ دُونِهِ عَبْدٌ ذَلِيلٌ مُدَبَّرُ ... يَدَا رَبِّنَا مَبْسُوطَتَانِ كِلَاهُمَا تَسُحَّانِ وَالْأَيْدِي مِنَ الْخَلْقِ تَقْتُرُ وَسَاقَ الْقَصِيدَةَ وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ الْقَصَائِدِ لَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، بَلْ أَثْنَوْا عَلَى نَاظِمِهَا وَمَدَحُوهُ. [قَوْلُ حَسَّانَ السُّنَّةِ فِي وَقْتِهِ يَحْيَى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورٍ الصَّرْصَرِيِّ الْأَنْصَارِيِّ] (قَوْلُ حَسَّانَ السُّنَّةِ فِي وَقْتِهِ) الْمُتَّفَقِ عَلَى قَبُولِهِ، الَّذِي سَارَ شِعْرُهُ مَسِيرَةَ الشَّمْسِ فِي الْآفَاقِ، وَاتَّفَقَ عَلَى قَبُولِهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ أَيَّ اتِّفَاقٍ، وَلَمْ يَزَلْ يُنْشَدُ فِي الْجَوَامِعِ الْعِظَامِ وَلَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَحْيَى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورٍ الصَّرْصَرِيِّ الْأَنْصَارِيِّ الْإِمَامِ فِي اللُّغَةِ وَالْفِقَهِ وَالسُّنَّةِ وَالزُّهْدِ وَالتَّصَوُّفِ قَالَ فِي قَصِيدَتِهِ الْعَيْنِيَّةِ الَّتِي أَوُّلَهَا شِعْرًا: تَوَاضَعْ لِرَبِّ الْعَرْشِ عَلَّكَ تُرْفَعُ ... فَقَدْ فَازَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمِنِ يَخْضَعُ وَدَاوِ بِذِكْرِ اللَّهِ قَلْبَكَ إِنَّهُ ... لَأَعْلَى دَوَاءٍ لِلْقُلُوبِ وَأَنْفَعُ وَخُذْ مِنْ تُقَى الرَّحْمَنِ أَمْنًا ... وَعُدَّةً لِيَوْمٍ بِهِ غَيْرُ التَّقِيِّ مُرَوَّعُ إِلَى أَنْ قَالَ: سَمِيعٌ بَصِيرٌ مَا لَهُ فِي صِفَاتِهِ ... شَبِيهٌ يَرَى مِنْ فَوْقِ سَبْعٍ وَيَسْمَعُ قَضَى خَلْقَهُ ثُمَّ اسْتَوَى فَوْقَ عَرْشِهِ ... وَمِنْ عِلْمِهِ لَمْ يَخْلُ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعُ

стр. 282

وَقَالَ فِي لَامِيَّتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا: أَلَذُّ وَأَحْلَى مِنْ شُمُولٍ وَشَمْأَلِ ... وَأَلْيَقُ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ وَيَوْمَ يُنَادِي الْعَالَمِينَ فَيُسْمِعُ ... الْقَصِيَّ كَدَانٍ فِي الْمَقَالِ الْمُطْوِلِ أَنَا الْمَلِكُ الدَّيَّانُ وَالنَّقْلُ ثَابِتٌ ... فَهَلْ هَاهُنَا يَنْسَاغُ تَأْوِيلُ جُهَّلِ وَيَنْظُرُهُ أَهْلُ الْبَصَائِرِ فِي غَدٍ ... بِأَبْصَارِهِمْ لَا رَيْبَ فِيهِ لِمُجْتَلِي كَمَا يَنْظُرُونَ الشَّمْسَ مَا حَالَ دُونَهَا ... سَحَابٌ أَلَا بُعْدًا لِأَهْلِ التَّعَزُّلِ تَوَحَّدَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَالْخَلْقُ دُونَهُ ... وَأَحْكَمَ مَا سِوَاهُ إِحْكَامَ مُكَمَّلِ وَقَالَ فِي قَصِيدَتِهِ تُحْفَةِ الْمُرِيدِينَ الَّتِي أَوَّلُهَا: أَسِيرُ وَقَلْبِي فِي رُبَاكَ أَسِيرُ ... فَهَلْ لِيَ مِنْ جَوْرِ الْفِرَاقِ مُجِيرُ وَأَسْتَجْلِبُ السَّلْوَى وَفِي الْقَلْبِ حَسْرَةٌ ... فَيَرْتَدُّ عَنْكَ الطَّرْفُ وَهْوَ حَسِيرُ وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنْ فِيكَ لِنَاظِرِي بَدَا ... غُصْنٌ غَضُّ النَّبَاتِ نَضِيرُ إِذَا مَا تَجَلَّى سَافِرًا فَجَمَالُهُ ... إِلَى الْقَلْبِ مِنْ جَيْشِ الْغَرَامِ سَفِيرُ إِذَا مَا اجْتَمَعْنَا وَالْتَفَى الشَّمْلُ فَالتُّقَى ... رَقِيبٌ عَلَيْنَا وَالْعَفَافُ غَيُورُ

стр. 283

يُؤَكِّدُ عَقْدَ الْوُدِّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ اعْتِقَادٌ عَلَيْهِ لِلْهِدَايَةِ نُورُ ... كِلَانَا مُحِبٌّ لِلْإِمَامِ ابْنِ حَنْبَلٍ لِأَسْيَافِنَا فِي شَانِئِيهِ هَبِيرُ إِلَى أَنْ قَالَ: نُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ ﷻ ... سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ الْعِبَادِ بَصِيرُ وَيَطْوِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى بِيَمِينِهِ ... وَذَلِكَ فِي وَصْفِ الْقَوِيِّ يَسِيرُ وَخَاطَبَ مُوسَى بِالْكَلَامِ مُكَلِّمًا ... فَخَرَّ صَرِيعًا إِذْ تَقَطَّعَ طُورُ وَخَطَّ لَهُ التَّوْرَاةَ فِيهَا مَوَاعِظٌ ... فَلَاحَتْ عَلَى الْأَلْوَاحِ مِنْهُ دُسُورُ وَأَنَّ قُلُوبَ الْخَلْقِ بَيْنَ أَصَابِعِ ... الْإِلَهِ فَمِنْهَا ثَابِتٌ وَنَفُورُ وَنُثْبِتُ فِي الْأُخْرَى لِرُؤْيَةِ رَبِّنَا ... حَدِيثًا رَوَاهُ فِي الصَّحِيحِ جَرِيرُ وَأَيُّ نَعِيمٍ فِي الْجِنَانِ لِأَهْلِهَا ... وَأَنَّى لَهُمْ لَوْ لَمْ يَرَوْهُ سُرُورُ إِلَى أَنْ قَالَ: وَنُؤْمِنُ أَنَّ الْعَرْشَ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةٍ ... تَطُوفُ بِهِ أَمْلَاكُهُ وَتَدُورُ قَضَى خَلْقَهُ ثُمَّ اسْتَوَى فَوْقَ عَرْشِهِ ... تَقَدَّسَ كُرْسِيٌّ لَهُ وَسَرِيرُ هُوَ اللَّهُ رَبِّي فِي السَّمَاءِ مُحَجَّبٌ ... وَلَيْسَ كَمَخْلُوقٍ حَوَتْهُ قُصُورُ إِلَيْهِ تَعَالَى طَيِّبُ الْقَوْلِ صَاعِدٌ ... وَيَنْزِلُ مِنْهُ بِالْقَضَاءِ أُمُورُ

стр. 284

لَقَدْ صَحَّ إِسْلَامُ الْجُوَيْرِيَةِ الَّتِي ... بِأُصْبُعِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ تُشِيرُ وَقَالَ ﵀ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَنَامِيَّةِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي النَّوْمِ مَرَّةً ... فَقَبَّلْتُ فَاهُ الْعَذْبَ تَقْبِيلَ مُشْتَاقِ وَلَوْ أَنَّنِي أُوتِيتُ رُشْدِيَ نَائِمًا ... لَقَبَّلْتُ مَمْشَاهُ الْكَرِيمَ بِآمَاقِي فَبَشَّرَنِي مِنْهُ بِأَزْكَى شَهَادَةٍ بِهَا ... جَبْرُ كَسْرِي يَوْمَ فَقْرِي وَإِمْلَاقِي بِمَوْتٍ سَعِيدٍ فِي كِتَابٍ وَسُنَّةٍ ... فَلَانَتْ لِبُشْرَاهُ شَرَاسَةُ أَخْلَاقِي وَهَا أَنَا ذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ ... مُقِرٌّ لِبُشْرَاهُ بِأَثْبَتِ مِصْدَاقِ بِأَنِّي عَلَى حُسْنِ اعْتِقَادِ ابْنِ حَنْبَلٍ ... مُقِيمٌ وَإِنْ قَامَ الْعِدَى لِي عَلَى سَاقِ أُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ ... يُقَدِّرُ آجَالًا وَيَقْضِي بِأَرْزَاقِ سَمِيعٌ بَصِيرٌ لَيْسَ شَيْءٌ كَمِثْلِهِ ... قَدِيمُ الصِّفَاتِ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْبَاقِي أُمِرُّ أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ كَمَا أَتَتْ ... أُتَابِعُ فِيهَا كُلَّ أَزْهَرَ سَبَّاقِ وَلَسْتُ إِلَى التَّشْبِيهِ يَوْمًا بِجَانِحٍ ... وَلَا قَائِلٍ تَأْوِيلَ أَشْدَقَ نَهَّاقِ وَقَالَ ﵀ فِي قَصِيدَتِهِ اللَّامِيَّةِ الَّتِي نَظَمَ فِيهَا اعْتِقَادَ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَوَّلُهَا: أَيَشْعُرُ حِزْبُ الْجَهْمِ ذَاكَ الْمُضَلِّلِ ... بِأَنِّيَ حَرْبٌ لِلْعِدَى غَيْرُ أَنْكَلِ تَشُنُّ عَلَيْهِمْ غَيْرَتِي وَحَمِيَّتِي ... لِدِينِ الْهُدَى غَارَاتِ أَشْوَسَ مُقْبِلِ لَوَقْعُ قَرِيضِي فِي صَمِيمِ قُلُوبِهِمْ ... أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ سِنَانٍ وَمُنْصَلِ

стр. 285

أُفَرِّقُ مِنْهُ حِينَ أَنْظُرُ نَحْوَهُمْ ... مَقَاتِلَ تُصْمِي مِنْهُمُ كُلَّ مَقْتَلِ هُمُ انْحَرَفُوا عَنْ مَنْهَجِ الْحَقِّ سَالِكِي ... مَهَالِكَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَالتَّأَوُّلِ لَقَدْ بَرِئَ الْحَبْرُ ابْنُ إِدْرِيسَ مِنْهُمُ ... بَرَاءَةَ مُوسَى مَنْ يَهُودٍ مُحَوَّلِ وَتُعْقَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَمِينُ مَنْ ... غَدَا حَالِفًا بِالْمُصْحَفِ الْمُتَقَبَّلِ وَهَذَا دَلِيلٌ مِنْهُ إِذْ كَانَ لَا يَرَى ... انْعِقَادًا لِمَخْلُوقٍ بِخَلْقٍ مُؤَتَّلِ وَمَذْهَبُهُ فِي الِاسْتِوَاءِ كَمَالِكٍ ... وَكَالسَّلَفِ الْأَبْرَارِ أَهْلِ التَّفَضُّلِ وَقُلْ مُسْتَوٍ بِالذَّاتِ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ ... وَلَا تَقُلِ اسْتَوْلَى فَمَنْ قَالَ يُبْطِلِ فَذَاكَ الَّذِي ضِدٌّ يُقَابِلُ قَسْوَةً ... لِذِي خَطَلٍ رَاوٍ لِغَثٍّ وَأَخْطَلِ وَقَدْ بَانَ مِنْهُ خَلْقُهُ وَهْوَ بَائِنٌ ... مِنَ الْخَلْقِ مَحْضٌ لِلْخَفِيِّ وَلِلْجَلِي وَأَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ مُفَسَّرًا ... وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ بِالْعِلْمِ فَاعْقِلِ عَلَا فِي السَّمَاءِ اللَّهُ فَوْقَ عِبَادِهِ ... دَلِيلُكَ فِي الْقُرْآنِ غَيْرُ مُقَلَّلِ وَإِثْبَاتُ إِيمَانِ الْجُوَيْرِيَةِ اتَّخِذْ ... دَلِيلًا عَلَيْهِ مُسْنَدٌ غَيْرُ مُرْسَلِ وَقَالَ ﵀ فِي قَصِيدَتِهِ اللَّامِيَّةِ يَهْجُو ابْنَ خَنْفَرٍ الْجَهْمِيَّ الْخَبِيثَ، أَوَّلُهَا: أَطِعِ الْهُدَى لَا مَا يَقُولُ الْعُذَّلُ ... فَالْحُبُّ ذُو مُرٍّ يَجُورُ وَيَعْدِلُ
следующие страницы →