← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

من جمع الدنيا لا سيما من غير حلها ويمنع ذا الحق حقه يهلك في الآخرة بدخوله النار وفي الدنيا بأذى الناس له وحسدهم إياه وغير ذلك من أنواع الأذى، وإسناد الإنبات للربيع مجاز على رأي الشيخ عبد القاهر الجرجاني إذ السند إليه ملابس للفعل وليس فاعلاً حقيقيًا له إذ الفاعل هو الله تعالى، والسكاكي يرى أن الإسناد ليس مجازيًا وأن المجاز في الربع فجعله استعارة بالكناية على أن المراد به الفاعل الحقيقي بقرينة نسبة الإسناد إليه (إلا) بالتشديد (آكلة الخضراء)، بفتح الخاء وسكون الضاد المعجمتين وألف ممدودة بعد الراء، وللكشميهني والمستملي: الخضر بكسر الضاد والراء من غير ألف، وآكلة بمد الهمزة والاستثناء مفرغ، والأصل مما ينبت الربع ما يقتل آكله إلا آكل الخضراء وقال الطيبي: الأظهر أنه منقطع لوقوعه في الكلام المثبت وهو غير جائز عند الزمخشري إلا بالتأويل، ويجوز أن يكون متصلاً لكن يجب التأويل في المستثنى، والمعنى أن من جملة ما ينبت الربيع شيئًا يقتل آكله إلا الخضر منه إذا اقتصد فيه آكله وتحرى دفع ما يؤديه إلى الهلاك. وفي بعض النسخ: ألا بتخفيف اللام وفتح الهمزة على أنها استفتاحية كأنه قال: ألا انظروا آكلة الخضراء واعتبروا شأنها (أكلت) وفي بعض النسخ: فإنها أكلت أي فإن آكلة الخضراء أكلت (حتى إذا امتدّت خاصرتاها) أي جنباها أي امتلأت شبعًا وعظم جنباها ثم أقلعت عنه سريعًا (استقبلت عين الشمس) تستمرئ بذلك ما أكلت وتجترّه (فثلطت) بفتح المثلثة واللام أي ألقت السرقين سهلاً رقيقًا (وبالت) فيزول عنها الحبط، وإنما تحبط الماشية لأنها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول فتنتفخ بطونها فيعرض لها المرض فتهلك (ورتعت). اتسعت في المرعى. وهذا مثل المقتصد في جمع الدنيا المؤدّي حقها الناجي من وبالها كما نجت آكلة الخضر الذي ليس من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره فتحسن وتنعم ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تسمرئها وقيل الربيع قد ينبت أحرار العشب والكلأ فهي كلها خير في نفسها، وإنما يأتي الشر من قبل آكل مستلذ مفرط منهمك فيها بحيث تنتفخ أضلاعه منه وتمتلئ خاصرتاه ولا يقلع عنه فيهلكه سريعًا، فهذا مثل للكافر ومن ثم أكد القتل بالحبط أي يقتل قتلاً حبطًا، والكافر هو الذي تحبط أعماله أو من قبل آكل كذلك فيشرفه إلى الهلاك، وهذا مثال للمؤمن الظالم لنفسه المنهمك في المعاصي أو من آكل مسرف حتى تنتفخ خاصرتاه ولكنه يتوخى إزالة ذلك ويتحيل في دفع مضرته حتى يهضم ما أكل، وهذا مثال المقتصد أو من آكل غير مفرط ولا مسرف يأكل منها ما يسدّ جوعه ولا يسرف فيه حتى يحتاج إلى دفعه، وهذا مثال السابق الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة لكن هذا ليس صريحًا في الحديث لكنه ربما يفهم منه. (وإن هذا المال) زهرة الدنيا (خضرة) من حيث المنظر (حلوة)، من حيث الذوق وخضرة بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين آخره تاء تأنيث وأنث مع أن المال مذكر باعتبار أنه زهرة الدنيا أو باعتبار البقلة أي: إن هذا المال كالبقلة الخضرة أو الفاكهة فالتأنيث وقع على التشبيه أو أن التاء للمبالغة كراوية وعلامة، وخص الأخضر لأنه أحسن الألوان، ولما ذكر لهم ﷺ ما يخاف عليهم من فتنة المال أخذ يعرفهم دواء داء تلك الفتنة بقوله: (فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل- أو كما قال النبي ﷺ ¬) - شك من يحيى. وفي الجهاد من طريق فليح بلفظ: فجعله في سبيل الله واليتامى والمساكين وابن السبيل، (وإنه من يأخذه) أي المال (بغير حقه) بأن يجمعه من الحرام أو من غير احتياج إليه ولم يخرج منه حقه الواجب فيه فهو (كالذي يأكل ولا يشبع)، لأنه كلما نال منه شيئًا ازدادت رغبته واستقل ما عنده ونظر إلى ما فوقه (ويكون) ماله (شهيدًا عليه يوم القيامة) بأن ينطق الله الصامت منه بما فعل به أو يمثل مثاله أو يشهد عليه

стр. 1052

الموكلون بكتب الكسب والإنفاق. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والسماع، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الرقاق ومسلم في الزكاة وكذا النسائي. ٤٨ - باب الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الْحَجْرِ. قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - (باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر). بفتح الحاء وكسرها (قاله) أي ما ذكره في الترجمة (أبو سعيد) الخدري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) كما سبق موصولاً في باب الزكاة على الأقارب. ١٤٦٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄. قَالَ فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بِمِثْلِهِ سَوَاءً قَالَتْ: "كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ. وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا. فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي. فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيَّ ﷺ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي. وَقُلْنَا: لَا تُخْبِرْ بِنَا. فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنْ هُمَا؟ قَالَ زَيْنَبُ: قَالَ: أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: نَعَمْ، ولَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ". وبالسند قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق قال: (حدَّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدَّثني) بالإفراد (شقيق) أبو وائل (عن عمرو بن الحرث) بفتح العين وسكون الميم ابن أبي ضرار بكسر الضاد المعجمة الخزاعي له صحبة وهو أخو جويرية بنت الحرث أم المؤمنين (عن زينب) بنت معاوية أو بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب الثقفية وتسمى أيضًا برايطة (امرأة عبد الله) بن مسعود (﵄، قال:) الأعمش: (فذكرته) أي الحديث (لإبراهيم) بن يزيد النخعي (فحدَّثني) بالإفراد (إبراهيم) النخعي (عن أبي عبيدة) بضم العين وفتح الموحدة عامر بن عبد الله بن مسعود (عن عمرو بن الحرث عن زينب امرأة عبد الله) بن مسعود (بمثله) أي بمثل هذا الحديث (سواء قالت: كنت في المسجد) النبوي (فرأيت النبي ﷺ فقال:) يا معشر النساء. (تصدقن ولو من حليكن). بضم الحاء وكسر اللام وتشديد المثناة التحتية جمعًا كذا في الفرع وأصله، ويجوز فتح الحاء وسكون اللام مفردًا (وكانت زينب تنفق على) زوجها (عبد الله) بن مسعود (وأيتام في حجرها). لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمهم (فقالت:) ولغير أبي ذر، وابن عساكر. قال: فقالت: (لعبد الله) زوجها (سل رسول الله- ﷺ أيجزئ) بضم الياء وآخره همزة، وفي بعض الأصول وهو الذي في اليونينية: أيجزي بفتح الياء أي هل يكفي (عني أن أنفق عليك وعلى أيتامي) بياء الإضافة ولأبي ذر على أيتام (في حجري من الصدقة) الواجبة أو أعلم. (فقال) ابن مسعود (سلي أنت رسول الله ﷺ ¬). قالت زينب: (فانطلقت إلى النبي) ولأبي ذر: إلى رسول الله (¬ ﷺ فوجدت امرأة من الأنصار) هي زينب امرأة أبي مسعود يعني عقبة بن عمرو الأنصاري كما عند ابن الأثير في أسد الغابة، وفي رواية الطيالسي: فإذا امرأة من الأنصار يقال لها زينب (على الباب حاجتها مثل حاجتي فمرّ علينا بلال) المؤذن (فقلنا) له: (سل النبي ﷺ أبجزئ) بضم الياء أو فتحها (عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري). بإفراد الضمير فيها، وكان الظاهر أن يقال عنا وننفق وكذا باقيها. وأجاب الكرماني: بأن المراد كل واحدة منا أو اكتفت في الحكاية بحال نفسها، لكن قال البرماوي فيه نظر، وفي رواية النسائي على أزواجنا وأيتام في حجورنا، وللطيالسي: أنهم بنو أخيها وبنو أختها، وللنسائي أيضًا من طريق علقمة لإحداهما فضل مال وفي حجرها بنو أخ لها أيتام وللأخرى فضل مال وزوج خفيف ذات اليد أي فقير. (وقلنا) أي السائلتان. وللحموي والمستملي والكشميهني: فقلنا بالفاء بدل الواو لبلال (لا تخبر بنا) بجزم الراء أي لا تعين اسمنا بل قل تسألك امرأتان (فدخل) بلال على رسول الله ﷺ (فسأله) عن ذلك (فقال) ﵊: (من هما؟) المرأتان (قال) بلال معينًا لإحداهما لوجوبه عليه بطلب الرسول ﵊ هي (زينب. قال:) ﵊ (أي الزيانب)؟ أيَ أيّ زينب منهن فعرف باللام مع كونه علمًا لما نكر حتى جمع (قال) بلال: زينب (امرأة عبد الله) بن مسعود ولم يذكر بلال في الجواب معها زينب امرأة أبي مسعود الأنصاري اكتفاء باسم من هي أكبر وأعظم. (قال:) ﵊، ولأبوي ذر، والوقت: فقال (نعم). يجزي عنها (ولها أجران: أجر القرابة) أي صلة الرحم (وأجر الصدقة) أي ثوابها. قال المازري: الأظهر حمله على الصدقة الواجبة لسؤالها عن الإجزاء، وهذا اللفظ إنما يستعمل في

стр. 1053

الواجبة انتهى. وعليه يدل تبويب البخاري لكن ما ذكره من أن الإجزاء إنما يستعمل في الواجب إن أراد قولاً واحدًا فليس كذلك لأن الأصوليين اختلفوا في المسألة، فذهب قوم إلى أن الإجزاء يعم الواجب والمندوب وخصه آخرون بالواجب ومنعوه في المندوب، واعتمده المازري ونصره القرافي والأصفهاني واستبعده الشيخ تقي الدين السبكي وقال: إن كلام الفقهاء يقتضي أن المندوب يوصف بالإجزاء كالفرض، وقد تعقب القاضي عياض المازري بأن قوله: ولو من حليكن، وقوله فيما ورد في بعض الروايات عند الطحاوي وغيره أنها كانت امرأة صنعاء اليدين فكانت تنفق عليه وعلى ولده يدلان على أنها صدقة تطوّع وبه جزم النووي وغيره. وتأوّلوا قوله: أتجزئ عني أي في الوقاية من النار كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا تحصل لها المراد. وقد سبق الحديث في باب الزكاة على الأقارب وفيه أنها شافهت النبي ﷺ بالسؤال وشافهها وهاهنا لم تقع مشافهة فقيل: تحمل الأولى على المجاز وإنما هي على لسان بلال: والظاهر أنهما قضيتان: إحداهما في سؤالها عن تصدّقها بحليها على زوجها وولده، والأخرى في سؤالها عن النفقة. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، ورواته كلهم كوفيون إلا عمرو بن الحرث، وفيه رواية صحاب عن صحابية وتابعي عن تابعي عن صحابيّ، وفي الطريق الثانية أربعة من التابعين وهم: الأعمش وشقيق وإبراهيم وأبو عبيدة، وأخرجه مسلم في الزكاة، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجة في الزكاة. ١٤٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. فَقَالَ: أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ". [الحديث ١٤٦٧ - طرفه في: ٥٣٦٩]. وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة بفتح المعجمة واسمه إبراهيم وعثمان أخو أبي بكر بن أبي شيبة قال: (حدّثنا عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن سليمان (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن زينب) برة بفتح الموحدة وتشديد الراء (ابنة) ولأبي ذر: بنت (أم سلمة) بفتح السين واللام أم المؤمنين وهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية ربيبة رسول الله ﷺ ، ولدت بأرض الحبشة وحفظت عن النبي ﷺ وروت عنه وعن أزواجه. وذكرها العجلي في ثقات التابعين قال في الإصابة: كأنه كان يشترط للصحبة البلوغ، وذكرها ابن سعد فيمن لم يرو عن النبي ﷺ شيئًا وروى عن أزواجه (قالت:) أي زينب، ولأبي ذر: عن أم سلمة وهو الصواب كما لا يخفى، وأم سلمة هي أم المؤمنين هند قالت (قلت يا رسول الله ألي) بفتح الياء أي هل لي (أجر أن أنفق على بني أبي سلمة)؟ ابن عبد الأسد، وكان تزوّجها النبي ﷺ بعده ولها من أبي سلمة سلمة وعمر ومحمد وزينب ودرة (إنما هم بني) منه بفتح الموحدة وكسر النون وتشديد الياء وأصله بنون، فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون الجمع فصار بنوي فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الواو بعد قلبها ياء في الياء فصار بني بضم النون وتشديد الياء ثم أبدل من ضمة النون كسرة لأجل الياء فصار بني (فقال) ﵊: (أنفقي عليهم)، بفتح الهمزة وكسر الفاء (فلك أجر ما أنففت عليهم) بإضافة أجر لتاليه فما موصولة، وجوّز بعضهم التنوين فتكون ما ظرفية قال في فتح الباري: وليس في الحديث تصريح بأن الذي كانت تنفقه عليهم من الزكاة فكان القدر المشترك من الحديث حصول الإنفاق على الأيتام انتهى. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، ورواته ما بين كوفي ومدني، وفيه رواية تابعي عن تابعي هشام وأبوه وصحابية عن صحابية زينب وأمها. ٤٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَيُعْطِي فِي الْحَجِّ وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ جَازَ، وَيُعْطِي فِي الْمُجَاهِدِينَ وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ تَلَا ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيَةَ، فِي أَيِّهَا أَعْطَيْتَ أَجْزَأَتْ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ خَالِدًا احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لَاسٍ: "حَمَلَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ" (باب قول الله تعالى: ﴿وفي الرقاب والغارمين﴾) أي: وللصرف في فك الرقاب بأن يعاون المكاتب الذي ليس له ما يفي بالنجوم بشيء من الزكاة على أداء النجوم، وقيل بأن تباع الرقاب فتعتق، وبه قال مالك في المشهور، وإليه مال البخاري وابن المنذر واحتج له بأن شراء الرقيق ليعتق أولى من إعانة المكاتب لأنه قد يعان ولا يعتق ولأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم والزكاة لا تصرف للعبد، والأول مذهب الشافعي، والليث والكوفيين وأكثر أهل العلم. ورواه ابن وهب عن مالك

стр. 1054

وقال المرداوي من الحنابلة في مقنعه: وللمكاتب الأخذ أي من الزكاة قبل حلول نجم ويجزئ أن يشتري منها رقبة لا تعتق عليه فيعتقها ولا يجزئ عتق عبده ومكاتبه عنها، وهو موافق لما رواه ابن أبي حاتم وأبو عبيد في الأموال بسند صحيح عن الزهري أنه كتب لعمر بن عبد العزيز أن سهم الرقاب يجعل نصفين: نصف لكل مكاتب يدعي الإسلام ونصف يشتري به رقاب من صلّى وصام وعدل من اللام إلى في قوله: ﴿وفي الرقاب﴾ للدلالة على أن الاستحقاق للجهة لا للرقاب، وقيل للإيذان بأنهم أحق بها (﴿وفي سبيل الله﴾) [التوبة: ٦٠] أي وللصرف في الجهاد بالإنفاق على المتطوّعة به ولو كانوا أغنياء لقوله ﵊: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله" وخصه أبو حنيفة بالمحتاج، وعن أحمد الحج من سبيل الله. (ويذكر) بضم أوله وفتح ثالثه (عن ابن عباس ﵄) مما وصله أبو عبيد في كتاب الأموال عن مجاهد عنه: (يعتق) الرجل بضم التحتية وكسر الفوقية (من زكاة ماله) الرقبة (ويعطي) منها (في الحج) المفروض للفقير، وبه قال أحمد محتجًّا بقول ابن عباس هذا مع عدم ما يدفعه، ثم رجع عنه كما في رواية الميموني لاضطرابه لكونه اختلف في إسناده على الأعمش، ومن ثم لم يجزم به المؤلّف بل أورده بصيغة التمريض لكن جزم المرداوي بصحته في العتق والحج وعلى قوله الفتوى عند الحنابلة. (وقال الحسن): البصري (إن اشترى أباه من الزكاة جاز) هذا بمفرده وصله ابن أبي شيبة بلفظ: سئل الحسن عن رجل اشترى أباه من الزكاة فأعتقه، قال: اشترى خير الرقاب (ويعطي في المجاهدين) في سبيل الله (والذي لم يحج) إذا كان فقيرًا (ثم تلا) الحسن قوله تعالى: (﴿إنما الصدقات للفقراء﴾) [التوبة: ٦٠] ومفهوم تلاوته للآية أنه يرى أن اللام في للفقراء لبيان المصرف لا للتمليك فلو صرف الزكاة في صنف واحد كفى (وفي أيها) أي أيّ مصرف من المصارف الثمانية (أعطيت أجزأت) بسكون الهمزة وفتح التاء، ولأبي ذر: أجزأت بفتح الهمزة وسكون التاء، وفي بعض النسخ أجزت بغير همزة مع تسكين التاء أي قضت عنه، وفي بعضها أجرت بضم الهمزة وسكون الراء من الأجر. (وقال النبي ﷺ ¬): مما يأتي موصولاً في هذا الباب إن شاء الله تعالى: (إن خالدا احتبس أدراعه في سبيل الله) بفتح الراء وألف بعدها، ولأبي ذر: أدرعه بضمها من غير ألف (ويذكر) بصيغة التمريض (عن أبي لاس) بسين مهملة منوّنة بعد ألف مسبوقة بلام، ولأبي الوقت زيادة: الخزاعى. قال في فتح الباري؛ وتبعه العيني: اختلف في اسمه فقيل عبد الله، وقيل زياد بن عنمة بمهملة ونون مفتوحتين وكذا قال في الإصابة، وقال في المقدمة يقال اسمه عبد الله بن عنمة ولا يصح، وقال في تقريب التهذيب والصواب أنه غيره انتهى. ولأبي لاس هذا صحبة وحديثان. هذا أحدهما وقد وصله ابن خزيمة والحاكم (حملنا النبي ﷺ على إبل الصدقة للحج) ولفظ أحمد على إبل من إبل الصدقة ضعاف للحج فقلنا يا رسول الله ما نرى أن تحمل هذه فقال: "إنما يحمل الله" الحديث ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته، وأورده المؤلّف بصيغة التمريض. ١٤٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهْيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا". تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ "هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا". وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حُدِّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ بِمِثْلِهِ. وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (قال: حدَّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة)، الواجبة أو صدقة التطوّع، ورجحه بعضهم تحسينًا للظن بالصحابة إذ لا يظن بهم منع الواجب، وعلى هذا فعذر خالد واضح لأنه أخرج ماله في سبيل الله فما بقي له مال يحتمل المواساة، وتعقب بأنهم ما منعوه جحدًا ولا عنادًا، أما ابن جميل فقد قيل إنه كان منافقًا ثم تاب بعد كما حكاه المهلب. قيل وفيه نزلت ﴿وما نقموا﴾ الآية إلى قوله: ﴿فإن يتوبوا يك خيرًا لهم﴾ [التوبة: ٧٤] فقال استتابني الله، فتاب وصلح حاله والمشهور نزولها في غيره، وأما خالد فكان متأوّلاً بإجزاء ما حبسه عن الزكاة فالظاهر أنها الصدقة

стр. 1055

الواجبة لتعريف الصدقة باللام العهدية. وقال النووي: إنه الصحيح المشهور ويؤيده ما في رواية مسلم من طريق ورقاء عن أبي الزناد بعث رسول الله ﷺ عمر ساعيًا على الصدقة فهو مشعر بأنها صدقة الفرض لأن صدقة التطوّع لا تبعث عليها السعاة. ولأبي ذر: بصدقة (فقيل): القائل عمر ﵁ لأنه المرسل (منع ابن جميل) بفتح الجيم وكسر الميم. قال ابن منده: لم يعرف اسمه ومنهم من سماه حميدًا، وقيل عبد الله. وذكره الذهبي فيمن عرف بأبيه ولم يسم (وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب) بالرفع في عباس عطفًا على وخالد المعطوف على ابن جميل المرفوع على الفاعلية. زاد في رواية أبي عبيد: أن يعطوا وهو مقدّر هنا لأن منع يستدعي مفعولاً. وقوله: أن يعطوا في محل نصب على المفعولية وكلمة أن مصدرية أي منع هؤلاء الإعطاء، (فقال النبي ﷺ ¬) بيان لوجه الامتناع ومن ثم عبر بالفاء: (ما ينقم ابن جميل) بكسر القاف مضارع نقم بالفتح أي ما يكره وينكر (إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله)، من فضله بما أفاء الله على رسوله وأباح لأمته من الغنائم ببركته ﵊ والاستثناء مفرغ، فمحل أن وصلتها نصب على المفعول به أو على أنه مفعول لأجله والمفعول به حينئذٍ محذوف. ومعنى الحديث كما قاله غير واحد أنه ليس ثم شيء ينقم ابن جميل فلا، موجب للمنع، وهذا مما تقصد العرب في مثله تأكيد النفي والمبالغة فيه بإثبات شيء وذلك الشيء لا يقتضي إثباته فهو منتف أبدًا، ويسمى مثل ذلك عند البيانيين تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس، فمن الأوّل نحو قول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهنّ فلول من قراع الكتائب ومن الثاني هذا الحديث وشبهه أي: ما ينبغي لابن جميل أن ينقم شيئًْا إلا هذا وهذا لا يوجب له أن ينقم شيئًا فليس ثم شيء ينقمه، فينبغي أن يعطي مما أعطاه الله ولا يكفر بأنعمه. (وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا)، عبر بالظاهر دون أن يقول تظلمونه بالضمير على الأصل تفخيمًا لشأنه وتعظيمًا لأمره نحو: ﴿وما أدراك ما الحاقة﴾ [الحاقة: ٣] والمعنى تظلمونه بطلبكم منه زكاة ما عنده فإنه (قد احتبس) أي وقف قبل الحول (أدراعه) جمع درع بكسر الدال وهو الزردية (وأعتده) التي كانت للتجارة على المجاهدين (في سبيل الله)، فلا زكاة عليه فيها، وتاء أعتده مضمومة جمع عتد بفتحتين ما يعدّه الرجل من السلاح والدواب وآلات الحرب، ولأبي ذر: وأعتده بكسرها. قيل، ورواه بعض رواة البخاري: وأعبده بالموحدة جمع عبد حكاه عياض وهو موافق لرواية واحتبس رقيقه، ويحتمل أنه ﵊ لم يقبل قول من أخبره بمنع خالد حملاً على أنه لم يصرّح بالمنع وإنما نقله عنه بناء على ما فهمه، ويكون قوله ﵊: تظلمون خالدًا أي بنسبتكم إياه إلى المنع وهو لم يمنع وكيف يمنع الفرض وقد تطوّع بوقف خيله وسلاحه، أو يكون ﵊ احتسب له ما فعله من ذلك من الزكاة لأنه في سبيل الله وذلك من مصار الزكاة لكن يلزم منه إعطاء الزكاة لصنف واحد وهو قول مالك وغيره خلافًا للشافعي في وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية. وقد سبق استدلال البخاري به على إخراج العروض في الزكاة، واستشكله ابن دقيق العيد: بأنه إذا حبس على جهة معينة تعين صرفه إليها واستحقه أهل تلك الصفة مضافًا إلى جهة الحبس فإن كان قد طلب من خالد زكاة ما حبسه فكيف يمكن ذلك مع تعين ما حبسه لصرفه؟ وإن كان طلب منه زكاة المال الذي لم يحبسه من العين والحرث والماشية فكيف يحاسب بما وجب عليه في ذلك وقد تعين صرف ذلك المحبس إلى جهته؛ ثم انفصل عن ذلك باحتمال أن يكون المراد بالتحبيس الإرصاد لذلك لا الوقف فيزول الإشكال، لكن هذا الإشكال إنما يتأتى على القول بأن المراد بالصدقة

стр. 1056

المفروضة، أما على القول بأن المراد التطوّع فلا إشكال كما لا يخفى. (وأما العباس بن عبد المطلب فعمّ رسول الله ﷺ ¬) وللحموي والكشميهني: عم بغير فاء وفي وصفه بأنه عمه تنبيه على تفخيمه واستحقاق إكرامه، ودخول اللام على عباس مع كونه علمًا للمح الصفة (فهي) أي الصدقة المطلوبة منه (عليه صدقة) ثابتة سيتصدق بها (ومثلها معها) أي ويضيف إليها مثلها كرمًا منه فيكون النبي ﷺ ألزمه بتضعيف صدقته ليكون ذلك أرفع لقدره وأنبه لذكره وأنفى للذب عنه، أو المعنى أن أمواله كالصدقة عليه لأنه استدان في مفاداة نفسه وعقيل فصار من الغارمين الذين لا تلزمهم الزكاة. وهذا التأويل على تقدير ثبوت لفظة صدقة، واستبعدها البيهقي لأن العباس من بني هاشم فتحرم عليهم الصدقة. أي: وظاهر هذا الحديث أنها صدقة عليه ومثلها معها فكأنه أخذها منه وأعطاها له، وحمل غيره على أن ذلك كان قبل تحريم الصدقة على آله ﵊. وفي رواية مسلم من طريق ورقاء: وأما العباس فهي عليّ ومثلها ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه؟ فلم يقل فيه صدقة بل فيه دلالة على أنه ﷺ التزم بإخراج ذلك عنه لقوله: فهي عليّ ويرجحه قوله: إن عم الرجل صنو أبيه أي مثله ففي هذه اللفظة إشعار بما ذكرنا فإن كون صنو الأب يناسب أن يحمل عنه أي هي عليّ إحسانًا إليه وبرًّا به هي عندي فرض لأني استلفت منه صدقة عامين. وقد ورد ذلك صريحًا في حديث عليّ عند الترمذي لكن في إسناده مقال، وفي حديث ابن عباس عند الدارقطني بإسناد فيه ضعف: بعث النبي- ﷺ -عمر ساعيًا فأتى العباس فأغلظ له فأخبر النبي ﷺ فقال: إن العباس قد استلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل. وعن الحكم بن عقبة (تابعه) أي تابع شعيبًا (ابن أبي الزناد) عبد الرحمن (عن أبيه) أبي الزناد عبد الله بن ذكوان على ثبوت لفظ الصدقة وهذا وصله أحمد وغيره وذلك يرد على الخطابي حيث قال: إن لفظ الصدقة لم يتابع عليها شعيب بن أبي حمزة كما ترى، وكذا تابعه موسى بن عقبة فيما رواه النسائي. (وقال ابن إسحاق): محمد إمام المغازي فيما وصله الدارقطني (عن أدب الزناد) عبد الله بن ذكوان (هي عليه ومثلها معها) من غير ذكر الصدقة. (وقال ابن جريج): عبد الملك (حدثت) بضم الحاء مبنيًا للمفعول (عن الأعرج) عبد الرحمن (بمثله) ولأبي ذر، وابن عساكر: مثله رواية ابن إسحاق بدون لفظ الصدقة وهي أولى لأن العباس لا تحل له الصدقة كما مرّ، ورواية ابن جريج هذه وصلها عبد الرزاق في مصنفه لكنه خالف الناس في ابن جميل فجعل مكانه أبا جهم بن حذيفة. ٥٠ - باب الاِسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ (باب الاستعفاف عن المسألة) في غير المصالح الدينية. ١٤٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ "أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ". [الحديث ١٤٦٩ - طرفه في: ٦٤٧٠]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عطاء بن يزيد الليثي) بالمثلثة ويزيد من الزيادة (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن ناسًا من الأنصار). قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف اسمهم لكن في حديث النسائي ما يدل على أن أبا سعيد المذكور منهم (سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم) زاد أبو ذر: ثم سألوه فأعطاهم (حتى نفد) بكسر الفاء وبالدال المهملة أي فرغ وفني (ما عنده فقال): (ما يكون عندي من خير) ما موصولة متضمنة معنى الشرط وجوابه (فلن أدخره عنكم) بتشديد الدال المهملة أي لن أجعله ذخيرة لغيركم أو لن أحبسه وأخبأه وأمنعكم إياه (ومن يستعفف) بفاءين، وللحموي والمستملي: ومن يستعف بفاء واحدة مشددة أي ومن طلب العفة عن السؤال (يعفه الله) بنصب الفاء أي يرزقه الله العفة أي الكف عن الحرام، ولأبي ذر: يعفه الله برفع الفاء (ومن يستغن) يظهر الغنى (يغنه الله ومن يتصبر) يعالج الصبر ويتكلفه على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا. قال في شرح المشكاة قوله يعفه الله يريد أن من طلب من نفسه العفة عن السؤال ولم يظهر الاستغناء يعفه الله أي يصيره عفيفًا ومن ترقى من هذه المرتبة إلى ما هو أعلى من

стр. 1057

إظهار الاستغناء عن الخلق لكن إن أعطي شيئًا لم يردّه يملأ الله قلبه غنى ومن فاز بالقدح المعلى وتصبر وإن أعطي لم يقبل فهو هو إذ الصبر جامع لمكارم الأخلاق. (يصبره الله) يرزقه الله الصبر (وما أُعطيَ أحد) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول وأحد رفع نائب عن الفاعل (عطاء) نصب مفعول ثان لأعطي (خيرًا) صفة عطاء (وأوسع) عطف على خيرًا (من الصبر) لأنه جامع لكارم الأخلاق أعطاهم ﷺ لحاجتهم ثم نبههم على موضع الفضيلة. ١٤٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ». [الحديث ١٤٧٠ - أطرافه في: ١٤٨٠، ٢٠٧٤، ٢٣٧٤]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (و) الله (الذي نفسي بيده) إنما حلف لتقوية الأمر وتأكيده (لأن يأخذ) بلام التأكيد (أحدكم حبله) وفي رواية أحبله بالجمع (فيحتطب) بتاء الافتعال. وفي مسلم فيحطب بغير تاء أي فإن يحتطب أي يجمع الحطب (على ظهره) فهو (خير له) وليست خير هنا من أفعل التفضيل بل هي كقوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] (من أن يأتي رجلاً) أعطاه الله من فضله (فيسأله، أعطاه) فحمله ثقل المنة مع ذل السؤال (أو منعه) فاكتسب الذل والخيبة والحرمان أعاذنا الله من كل سوء. ١٤٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ». [الحديث ١٤٧١ - طرفاه في: ٢٠٧٥، ٣٣٧٣]. وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة (عن الزبير) أبيه (ابن العوّام ﵁ عن النبي ﷺ قال): (لأن يأخذ أحدكم حبله) بالإفراد أيضًا واللام في لأن ابتدائية أو جواب قسم محذوف (فيأتي بحزمة الحطب) بالتعريف وحزمة بضم المهملة وسكون الزاي، ولأبي ذر: بحزمة حطب (على ظهره فيبيعها فيكفّ) بنصب الفعلين (الله) أي فيمنع الله (بها وجهه)، من أن يريق ماءه بالسؤال قاله المظهري، ومن فوائد الاكتساب الاستغناء والتصديق كما في مسلم فيتصدق به ويستغني عن الناس فهو (خير له من أن يسأل الناس) أي من سؤال الناس ولو كان الاكتساب بعمل شاق كالاحتطاب، وقد روي عن عمر فيما ذكره ابن عبد البر مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس (أعطوه) ما سأل (أو منعوه). وفي الحديث فضيلة الاكتساب بعمل اليد وقد ذكر بعضهم أنه أفضل المكاسب. وقال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصناعة. قال: ومذهب الشافعي أن التجارة أطيب والأشبه عندي أن الزراعة أطيب لأنها أقرب إلى التوكل. قال النووي في شرح المهذّب في صحيح البخاري، عن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ قال: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده" الحديث. فالصواب ما نص عليه الرسول ﷺ وهو عمل اليد، فإن كان زراعًا فهو أطيب المكاسب وأفضلها لأنه عمل يده ولأن فيه توكلاً كما ذكره الماوردي ولأن فيه نفعًا عامًّا للمسلمين والدواب، ولأنه لا بد في العادة أن يؤكل منه بغير عوض فيحصل له أجره وإن لم يكن ممن يعمل بيده بل يعمل له غلمانه وأجزاؤه فاكتسابه بالزراعة أفضل لما ذكرنا. وقال في الروضة، بعد حديث المقدام هذا: فهذا صريح في ترجيح الزراعة والصنعة لكونهما من عمل يده، ولكن الزراعة أفضلهما لعموم النفع بها للآدمي وغيره وعموم الحاجة إليها والله أعلم. وغاية ما في هذا الحديث تفضيل الاحتطاب على السؤال وليس فيه أنه أفضل المكاسب فلعله ذكره لتيسره لا سيما في بلاد الحجاز لكثرة ذلك فيها. ١٤٧٢ - وَحَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ. الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَىْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ". [الحديث ١٤٧٢ - أطرافه في: ٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١]. وبه قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن) ابن شهاب (الزهري عن عروة بن الزبير) بن العوام (وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام) بفتح الحاء المهملة في الأول وكسرها في الثاني وتخفيف الزاي المعجمة (﵁ قال: سألت رسول الله

стр. 1058

ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني) بتكرير الإعطاء ثلاثًا (ثم قال): (يا حكيم، إن هذا المال) في الرغبة والميل إليه وحرص النفوس عليه كالفاكهة التي هي (خضرة) في النظر (حلوة)، في الذوق وكل منهما يرغب فيه على انفراده فكيف إذا اجتمعا. وقال في التنقيح: تأنيث الخبر تنبيه على أن المبتدأ مؤنث، والتقدير: أن صورة هذا المال أو يكون التأنيث للمعنى لأنه اسم جامع لأشياء كثيرة، والمراد بالخضرة الروضة الخضراء أو الشجرة الناعمة والحلوة المستحلاة الطعم. قال في المصابيح: إذا كان قوله خضرة صفة للروضة أو المراد بها نفس الروضة الخضرة لم يكن ثم إشكال البتة، وذلك أن توافق المبتدأ والخبر في التأنيث إنما يجب إذا كان الخبر صفة مشتقة غير سببية نحو هند حسنة أو في حكمها كالمنسوب أما في الجوامد فيجوز نحو هذه الدار مكان طيب وزيد نسمة عجيبة انتهى. (فمن أخذه) أي المال وللحموي: فمن أخذ (بسخاوة نفس) من غير حرص عليه أو بسخاوة نفس المعطي (بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس) أي مكتسبًا له بطلب النفس وحرصها عليه وتطلعها إليه (لم يبارك له) أي الآخذ (فيه) أي في المعطى (وكان) أي الآخذ (كالذي يأكل ولا يشبع) أي كذي الجوع الكاذب بسبب سقم من غلبة خلط سوداوي أو آفة، ويسمى جوع الكلب كلما ازداد أكلاً ازداد جوعًا فلا يجد شبعًا ولا ينجع فيه الطعام. وقال في شرح المشكاة: لما وصف المال بما تميل إليه النفس الإنسانية بجبلتها رتب عليه بالفاء أمرين: أحدهما: تركه مع ما هي مجبولة عليه من الحرص والشره والميل إلى الشهوات وإليه أشار بقوله: ومن أخذه بإشراف نفس. وثانيهما: كفها عن الرغبة فيه إلى ما عند الله من الثواب، وإليه أشار بقوله: بسخاوة نفس، فكنى في الحديث بالسخاوة عن كف النفس عن الحرص والشره كما كنى في الآية بتوقي النفس من الشح والحرص المجبولة عليه من السخاء لأن من توقى من الشح يكون سخيًا مفلحًا في الدارين ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [التغابن: ١٦] وسقط من اليونينية كما نبه عليه بحاشية فرعها لفظة: وكان. فإما أن يكون سهوًا أو الرواية كذلك (اليد العليا) المنفقة (خير من اليد السفلى) السائلة (فقال حكيم: فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الزاي وضم الهمزة أي لا أنقص (أحدًا بعدك) أي بعد سؤالك أو لا أرزأ غيرك (شيئًا) من ماله أي لا آخذ من أحد شيئًا بعدك. وفي رواية إسحاق قلت فوالله لا تكون يدي بعدك تحت أيدي العرب (حتى أفارق الدنيا فكان أبو بكر) الصديق (﵁ يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى) أي يمتنع (أن يقبله منه) خوف الاعتياد فتتجاوز به نفسه إلى ما يريد ففطمها عن ذلك وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه (ثم إن عمر) بن الخطاب (﵁ دعاه ليعطيه فأبى) أي امتنع (أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر) لمن حضره مبالغة في براءة سيرته العادلة من الحيف والتخصيص والحرمان بغير مستند: (إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه) فيه أنه لا يستحق من بيت المال شيئًا إلا بإعطاء الإمام، ولا يجبر احد على الأخذ وإنما أشهد عمر على حكيم لما مرّ (فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى توفي) لعشر سنين من إمارة معاوية مبالغة في الاحتراز إذ مقتضى الجبلة الإشراف والحرص والنفس سراقة ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. قال النووي: اتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين: أصحهما أنها حرام لظاهر الأحاديث، والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط أن لا يذل نفسه ولا يلح في السؤال ولا يؤذي المسؤول فإن فقد واحد من هذه الشروط فحرام بالاتفاق انتهى. وقد مثل القاضي أبو بكر بن العربي للواجب بالمريدين في ابتداء أمرهم ونازعه العراقي بأنه

стр. 1059

لا يطلق على سؤال المريدين في ابتدائهم اسم الوجوب، وإنما جرت عادة الشيوخ في تهذيب أخلاق المبتدئين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك إصلاحهم، فأما الوجوب الشرعي فلا. وفي حديث ابن الفراسي مما رواه أبو داود والنسائي أنه قال: يا رسول الله أسأل؟ فقال: لا وإن كنت سائلاً لا بدّ فاسأل الصالحين أي من أرباب الأموال الذين لا يمنعون ما عليهم من الحق وقد لا يعلمون المستحق من غيره، فإذا عرفوا بالسؤال المحتاج أعطوه مما عليهم من حقوق الله أو المراد من يتبرك بدعائهم وترجى إجابتهم، وحيث جاز السؤال فيجتنب فيه الإلحاح والسؤال بوجه الله لحديث المعجم الكبير عن أبي موسى بإسناد حسن عنه ﷺ أنه قال: "ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله" فمنع سائله ما لم يسأل هجرًا. وفي حديث الباب التحديث والإخبار والعنعنة وثلاثة من التابعين، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الوصايا وفي الخمس والرقاق، ومسلم في الزكاة، والترمذي في الزهد، والنسائي في الزكاة. ٥١ - باب مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] (باب من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة ولا إشراف نفس) فليقبله (﴿وفي أموالهم﴾) أي المتقين المذكورين قبل هذه الآية (﴿حق للسائل والمحروم﴾) [الذاريات: ١٩] المتعفف الذي لا يسأل. رواه الطبري من طريق ابن شهاب، وفي رواية المستملي تقديم الآية وسقطت للأكثر كذا قاله في الفتح، والذي في الفرع وأصله باب: من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة ولا إشراف نفس وفي هامشها لأبي ذر عن المستملي باب بالتنوين: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. ١٤٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: خِذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَىْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ". [الحديث ١٤٧٣ - طرفاه في: ٧١٦٣، ٧١٦٤]. وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن) ابن شهاب (الزهري عن سالم أن) أباه (عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت) أبي (عمر) بن الخطاب ﵁ (يقول: كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء) أي بسبب العمالة كما في مسلم لا من الصدقات فليست من جهة الفقر (فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني) عبر بأفقر ليفيد نكتة حسنة وهى كون الفقير هو الذي يملك شيئًا ما لأنه إنما يتحقق فقير وأفقر إذا كان الفقير له شيء يقل ويكثر، أما لو كان الفقير هو الذي لا شيء له البتة كان الفقراء كلهم سواء ليس فيهم أفقر قاله صاحب المصابيح (فقال) ﵊: (خذه) أي بالشرط المذكور بعد، وزاد في رواية شعيب عن الزهري في الأحكام: فتموّله وتصدق به أي أقبله وأدخله في ملكك ومالك، وهو يدل على أنه ليس من أموال الصدقات لأن الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصدقات ما يتخذه مالاً (إذا جاءك من هذا المال شيء) أي من جنس المال (وأنت غير مشرف) بسكون الشين المعجمة بعد الميم المضمومة، والجملة حالية أي غير طامع، والإشراف أن يقول مع نفسه يبعث إلي فلان بكذا (ولا سائل)، أي ولا طالب له وجواب الشرط في قوله إذا جاءك قوله (فخذه) وأطلق الأخذ أولاً وعلقه ثانيًا بالشرط فحمل المطلق على المقيد وهو مقيد أيضًا بكونه حلالاً، فلو شك فيه فالاحتياط الرد وهو الورع. نعم يجوز أخذه عملاً بالأصل وقد رهن الشارع ﵊ درعه عند يهودي مع علمه بقوله تعالى في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] وكذلك أخذ منهم الجزية مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخنزير والخمر والمعاملة الفاسدة. وقيل: يجب أن يقبل من السلطان دون غيره لحديث سمرة المروي في السنن: إلا أن يسأل ذا سلطان (وما لا) يكون على هذه الصفة بأن لم يجيء إليك ومالت نفسك إليه (فلا تتبعه نفسك) في الطلب واتركه. وأخرجه المؤلّف أيضًا ومسلم في الزكاة وكذا النسائي. ٥٢ - باب مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا (باب من سأل الناس تكثرًا) نصب على المصدر أي سؤال تكثر أي مستكثر المال بسؤاله لا يريد به سدّ الخلة قاله في التنقيح، أو نصب على الحال إما بأن يجعل المصدر نفسه حالاً على جهة المبالغة نحو: زيد عدل أو بأن يقدر مضاف أي ذا تكثر، ويجوز أن يكون منصوبًا على المصدر التأكيدي لا النوعي أي يتكثر تكثرًا، والجملة الفعلية حال أيضًا قاله في المصابيح، وجواب الشرط محذوف أي من سأل لأجل التكثر فهو مذموم.

стр. 1060

١٤٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عبيد الله بن أبي جعفر) بضم العين وفتح الموحدة مصغرًا واسم أبي جعفر يسار (قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر) بالحاء المهملة والزاي وعمر بضم العين وفتح الميم (قال: سمعت) أبي (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (ما يزال الرجل يسأل الناس) أي تكثرًا وهو غني. (حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم) بل كله عظم ومزعة بضم الميم وسكون الزاي وفتح العين المهملة. وزاد في القاموس كسر الميم. وحكى ابن التين فتح الميم والزاي القطعة من اللحم أو النتفة منه وخص الوجه لمشاكلة العقوبة في موضع الجناية من الأعضاء لكونه أذل وجهه بالسؤال أو أنه يأتي ساقط القدر والجاه، وقد يؤيده حديث مسعود بن عمرو عند الطبراني والبزار مرفوعًا: لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه فلا يكون له عند الله وجه. وقال التوربشتي قد عرفنا الله تعالى أن الصور في الدار الآخرة تختلف باختلاف المعاني قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فالذي يبذل وجهه لغير الله في الدنيا من غير بأس وضرورة بل للتوسع والتكثر يصيبه شين في وجهه بإذهاب اللحم عنه ليظهر للناس عنه صورة المعنى الذي خفي عليهم منه انتهى. ولفظ الناس يعم المسلم وغيره فيؤخذ منه جواز سؤال غير المسلم، وكان بعض الصالحين إذا احتاج يسأل ذميًا لئلا يعاقب المسلم بسببه لو رده قاله ابن أبي جمرة. وظاهر قوله: ما يزال الرجل يسأل إلى آخره الوعيد لمن سأل سؤالاً كثيرًا، والمؤلف فهم أنه وعيد لمن سأل تكثرًا، والفرق بينهما ظاهر فقد يسأل الرجل دائمًا وليس متكثرًا لدوام افتقاره واحتياجه، لكن القواعد تبين أن المتوعد هو السائل عن غنى وكثرة لأن سؤال الحاجة مباح وربما ارتفع عن هذه الدرجة، وعلى هذا أنزل البخاري الحديث قاله في المصابيح وسبقه إليه ابن المنير في الحاشية. ١٤٧٥ - وَقَالَ "إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ. فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ". وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ «فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ. فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ». وَقَالَ مُعَلًّى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةَ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْأَلَةِ. [الحديث ١٤٧٥ - طرفه في: ٤٧١٨]. (وقال) ﵊ (إن الشمس تدنو) أي تقرب (يوم القيامة) فيسخن الناس من دنوها فيعرقون (حتى يبلغ العرق نصف الأذن). فإن قلت: ما وجه اتصال قوله إن الشمس الخ بما سبق؟ أجيب: بأن الشمس إذا دنت يكون أذاها لمن لا لحم له في وجهه أكثر وأشد من غيره. (فبينا هم كذلك) أصله بين فزيدت الألف بإشباع فتحة النون وهو ظرف بمعنى المفاجأة ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى وهو هنا قوله: (استغاثوا بآدم ثم) استغاثوا (بموسى، ثم) استغاثوا (بمحمد ﷺ ¬). فيه اختصار إذ يستغاث أيضًا بغير من ذكر من الأنبياء كما لا يخفى. (وزاد عبد الله) بن صالح كاتب الليث، أو عبد الله بن وهب فيما ذكره ابن شاهين فيما وصله البزار والطبراني في الأوسط وابن منده في الإيمان له: (حدّثني) بالإفراد (الليث) ابن سعد (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (ابن أبي جعفر) عبيد الله بتصغير عبد (فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب) بسكون لام حلقة والمراد حلقة باب الجنة، (فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا) هو مقام الشفاعة العظمى (يحمده أهل الجمع) أي أهل المحشر (كلهم). وحديث الباب أخرجه مسلم والنسائي. (وقال معلى) بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللام منوّنًا عند أبي ذر بن أسد مما وصله البيهقي: (حدّثنا وهيب) تصغير وهب (عن النعمان بن راشد عن عبد الله بن مسلم أخي) محمد بن مسلم بن شهاب (الزهري عن حمزة) بن عبد الله بن عمر أنه (سمع ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ في المسألة) أي في الجزء الأول من الحديث دون الزيادة وآخره: مزعة لحم. ٥٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] وَكَمِ الْغِنَى، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَلَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ» ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ -إِلَى قَوُلِهِ- ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. (باب قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي إلحاحًا وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه من قولهم لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده، ومعناه أنهم لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا، وقيل: هو نفي للسؤال والإلحاح كقوله: على لاحب لا يهتدى بمناره فمراده لا منار ولا اهتداء به ولا ريب أن نفي السؤال والإلحاح

стр. 1061

أدخل في التعفف (وكم الغنى)، أي مقداره المانع للرجل من السؤال، وليس في الباب ما فيه تصريح بالقدر إما لكونه لم يجد ما هو على شرطه أو اكتفاء بما يستفاد من قوله في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى، ولا يجد أي الرجل غنى يغنيه. وعن سهل ابن الحنظلية مرفوعًا: من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار. قال النفيلي أحد رواته، قالوا: وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه رواه أبو داود وعند ابن خزيمة أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم. قال الخطابي: اختلف الناس في تأويل حديث سهل، فقيل: من وجد غداء يومه وعشاءه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث، وقيل: إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة حرمت عليه المسألة. وقيل: إنه منسوخ بالأحاديث التي فيها تقدير الغنى بملك خمسين درهمًا أو قيمتها، أو بملك أوقية أو قيمتها. وعورض بأن ادعاء النسخ مشترك بينهما لعدم العلم بسبق أحدهما على الآخر. (وقول النبي ﷺ ¬) بجر قول أي في حديث أبي هريرة الآتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى (ولا يجد) أي الرجل (غنى يغنيه) بكسر غين غنى والقصر ضد الفقر زاد أبو ذر: لقول الله تعالى: (﴿للفقراء﴾) متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء أو اجعلوا ما تنفقون للفقراء أو صدقاتكم للفقراء (﴿الذين أحصروا في سبيل الله﴾) أحصرهم الجهاد ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي ذهابًا فيها للتجارة والكسب، وقيل: هم أهل الصفة كانوا نحوًا من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صفة المسجد يستغرقون أوقاتهم في التعلم والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله ﷺ ووصفهم بعدم استطاعة الضرب في الأرض يدل على عدم الغنى، إذ من استطاع ضربًا فيها فهو واجد لنوع من الغنى. (إلى قوله: ﴿فإن الله به عليم﴾) ترغيب في الإنفاق خصوصًا على هؤلاء. وسقط قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ في غير رواية أبي ذر. ١٤٧٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا». [الحديث ١٤٧٦ - طرفاه في: ١٤٧٩، ٤٥٣٩]. وبالسند قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم السلمي البصري الأنماطي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال): (ليس المسكين) بكسر الميم وقد تفتح أي الكامل في المسكنة (الذي ترده الأكلة والأكلتان)، عند طوافه على الناس للسؤال لأنه قادر على تحصيل قوته. وربما يقع له زيادة عليه، وليس المراد نفي المسكنة عن الطواف بل نفي كمالها لأنهم أجمعوا على أن السائل الطوّاف المحتاج مسكين وهمزة الأكلة والأكلتان مضمومة أي اللقمة واللقمتان كما صرح به في الرواية الأخرى تقول: أكلت أكلة واحدة أي لقمة وأما بالفتح فالأكل مرة واحدة حتى يشبع (ولكن المسكين) الكامل بتخفيف نون لكن، فالمسكين مرفوع وبتشديدها فالمسكين منصوب والأخيرة لأبي ذر (الذي ليس له غنى) بكسر الغين مقصور أي يسار، وزاد الأعرج يغنيه وهي صفة له وهو قدر زائد على اليسار إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغنى به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، واللفظ محتمل لأن يكون المراد نفي أصل اليسار ولأن يكون المراد نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار وعلى الاحتمال الثاني ففيه: إن المسكين هو الذي يقدر على مال أو كسب يقع موقعًا من حاجته ولا يكفيه كثمانية من عشرة وهو حينئذ أحسن حالاً من الفقير فإنه الذي لا مال له أصلاً أو يملك ما لا يقع موقعًا من كفايته كثلاثة من عشرة واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة لكنها لا تقوم بجميع حاجتهم (ويستحيي)، بياءين أو بياء واحدة زاد همام أن يسأل الناس، وزاد الأعرج ولا يفطن له (أو لا يسأل الناس إلحافًا) نصب على الحال أي ملحفًا أو صفة مصدر محذوف أي سؤال الإلحاف أو عامله محذوف أي ولا يلحف إلحافًا. ١٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: "كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَىَّ بِشَىْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ". وبه قال: (حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم)

стр. 1062

الدورقي قال: (حدّثنا إسماعيل بن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم وعلية بضم العين وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية اسم أمه قال: (حدّثنا خالد الحذاء) بفتح الحاء المهملة وتشديد الذال المعجمة ممدود البصري (عن ابن أشوع) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الواو آخره عين مهملة غير منصرف، واسمه سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني قاضي الكوفة ونسب لجده وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وإسحاق بن راهويه، ورماه الجوزجاني بالتشيع لكن احتج به الشيخان والترمذي. له عنده حديثان أحدهما متابعة، ولأبي ذر عن الكشميهني: ابن الأشوع (عن الشعبي) بفتح المعجمة عامر بن شراحيل (قال: حدَّثني) بالإفراد (كاتب المغيرة بن شعبة) ومولاه وراد بفتح الواو وتشديد الراء بالدال المهملة آخره (قال: كتب معاوية) بن أبي سفيان ﵄ (إلى المغيرة بن شعبة) ﵁ (أن اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله) ولأبي ذر وابن عساكر: من النبي (¬ ﷺ إليه سمعت النبي ﷺ يقول): (إن الله كره لكم ثلاثًا قيل وقال) يجوز أن يكونا ماضيين وأن يكونا مصدرين وكتبا بغير ألف على لغة ربيعة، والمراد المقاولة بلا ضرورة وقصد ثواب فإنها تقسي القلوب، أو المراد ذكر الأقوال الواقعة في الدين كأن يقول قال الحكماء كذا. وقال أهل السنة: كذا من غير بيان ما هو الأقوى ويقلد من سمعه من غير أن يحتاط. وقال في المحكم: القول في الخير والقيل والقال في الشر خاصة. وقال في المصابيح: قيل وما بعدها بدل من ثلاثًا. فإن قلت: كره لا يتسلط على قيل وقال ضرورة أن كلاًّ منهما فعل ماض فلا يصح وقوعه: مفعولاً به، فكيف صح البدل بالنسبة إليهما؟ قلت: لا نسلم أن واحدًا منهما فعل بل كل منهما اسم مسماه الفعل الذي هو قيل أو قال، وإنما فتح آخره على الحكاية وذلك مثل قولك: ضرب فعل ماض ولهذا أخبر عنه والإخبار عنه باعتبار مسماه وهو ضرب الذي يدل على الحدث والزمان، وغاية الأمر أن هذا لفظ مسماه لفظ ولا نكير فيه كأسماء السور حروف المعجم قال: وقول ابن مالك إن الإسناد اللفظي يكون في الكلم الثلاث، والذي يختص به الاسم هو الإسناد المعنوي ضعيف اهـ. (و) كره الله لكم (إضاعة المال) بإنفاقه في المعاصي والإسراف فيه كدفعه لغير رشيد أو تركه من غير حافظ أو يتركه حتى يفسد أو يموّه أوانيه بالذهب أو يذهب سقف بيته أو غير ذلك. وللحموي والمستملي: وإضاعة الأموال (وكثرة السؤال) للناس في أخذ أموالهم صدقة لهذا موضع الترجمة، ويحتمل أن يكون المراد السؤال عن المشكلات التي تعبدنا بظاهرها أو عما لا حاجة للسائل به لكن حمله على المعنى الأعم أولى. ١٤٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ رَجُلاً لَمْ يُعْطِهِ -وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ- فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ: أَوْ مُسْلِمًا. قَالَ فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ: أَوْ مُسْلِمًا. قَالَ فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ: أَوْ مُسْلِمًا. يَعْنِي فَقَالَ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ". وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ هَذَا فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ "فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي ثُمَّ قَالَ: أَقْبِلْ أَىْ سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﴿فَكُبْكِبُوا﴾: قُلِبُوا. ﴿مُكِبًّا﴾: أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ قُلْتَ: كَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا. وبه قال: (حدّثنا محمد بن غرير) بضم الغين المعجمة وفتح الراء الأولى مصغرًا ابن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني (الزهري) قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم عن أبيه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني نزيل بغداد (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (عامر بن سعد) بسكون العين (عن أبيه) سعد بن أبي وقاص ﵁ (قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطًا) هو دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة وحذف مفعول أعطى الثاني ليعم (وأنا جالس فيهم)، في الرهط والجملة حالية (قال: فترك رسول الله ﷺ منهم) أي من الرهط ولأبي ذر فيهم (رجلاً) هو جعيل بن سراقة فيما ذكره الواقدي الضمري أو الغفاري أو الثعلبي فيما ذكره أبو موسى. وروى ابن إسحاق في مغازيه عن محمد بن إبراهيم التيمي قال قيل يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة. وتركت جعيلاً. قال: والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلائع الأرض مثل عيينة والأقرع ولكني أتألفهما وأكل جعيلاً إلى إيمانه. وهذا مرسل حسن لكن له شاهد

стр. 1063

موصول. روى الروياني وابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق بكر بن سوادة عن أبي سالم الجيشاني عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ قال له: كيف ترى جعيلاً؟ قلت: مسكينًا كشكله من الناس. قال: وكيف ترى فلانًا؟ قلت سيدًا من السادات. قال: فجعيل خير من ملء الأرض مثل هذا. قال: قلت يا رسول الله ففلان هكذا وتصنع به ما تصنع؟ قال: إنه رأس قومه فأتألفهم. وإسناده صحيح، وأخرجه ابن حبان من وجه آخر عن أبي ذر، لكن لم يسم جعيلاً. وأخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد فأبهم جعيلاً وأبا ذر؛ قاله في الإصابة. (لم يعطه وهو أعجبهم) أي أفضل الرهط وأصلحهم (إلي) أي في اعتقادي. قال في المصابيح: أضاف أفعل التفضيل إلى ضمير الرهط المعطين وأوقعه على الرجل الذي لم يعط وأفعل التفضيل إذا قصدت به الزيادة على من أضيف إليه كما قاله ابن الحاجب اشترط أن يكون منهم، وقد بينا أنه ليس من الرهط ضرورة كونه لم يعط فيمتنع كما يمتنع يوسف أحسن إخوته مع إرادة هذا المعنى والمخلص من ذلك أعجب الرهط الحاضرين الذين منهم المعطى والمتروك. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المقصود بأفعل التفضيل زيادة مطلقة والإضافة للتخصيص والتوضيح فينتفي المحذور فيجوز التركيب كما أجازوا يوسف أحسن إخوته بهذا الاعتبار. قلت: المراد بالزيادة المطلقة أن يقصد تفضيله على كل ما سواه مطلقًا لا على المضاف إليه وحده وظاهر أن هذا المعنى غير مراد هنا انتهى. قال سعد: (فقمت إلى رسول الله ﷺ فساررته فقلت: ما لك عن فلان) أي أي شيء حصل لك أعرضت به عن فلان فلا تعطيه (والله إني لأراه مؤمنًا) بضم الهمزة أي لأظنه وفي غير الفرع بفتح الهمزة أي أعلمه. قال النووي: ولا يضم على معنى أظنه لأنه قال: غلبني ما أعلم ولأنه راجع النبي ﷺ ، مرارًا فلو لم يكن جازمًا لما كرر المراجعة وتعقب بأن ما أعلم معناه ما أظن كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] والمراجعة لا تدل على الجزم لأن الظن يلزم اتباعه اتفافًا وحلف على غلبة ظنه. (قال) ﵊: (أو مسلمًا) بإسكان الواو على الإضراب عن قوله والحكم بالظاهر كأنه قال: بل مسلمًا ولا تقطع بإيمانه فإن الباطن لا يطلع عليه إلا الله فالأولى أن يعبر بالإسلام وليس حكمًا بعدم إيمانه بل نهي عن الحكم بالقطع به. (قال) سعد: (فسكت) سكوتًا (قليلاً ثم غلبني ما أعلم فيه فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان والله إني لأراه) أظنه (مؤمنًا قال) ﵊: (أو مسلمًا) كذا لأبي ذر في حاشية الفرع وفيه: والله إني لأراه مؤمنًا أو قال مسلمًا. (قال: فسكت) سكوتًا (قليلاً ثم غلبني ما أعلم فيه) ولأبي ذر: منه بالميم والنون بدل الفاء والياء (فقلت يا رسول الله: ما لك عن فلان والله إني لأراه) أظنه (مؤمنًا. قال) ﵊: (أو مسلمًا) كذا لأبي ذر في حاشية الفرع وفيه: والله إني لأراه مؤمنًا أو قال مسلمًا (يعني فقال) وهاتان الكلمتان ساقطتان عند أبي ذر (إني لأعطي الرجل) مفعوله الثاني محذوف أي الشيء (وغيره أحب إلي منه) مبتدأ وخبره في موضع الحال (خشية) نصب مفعول له لقوله لأعطي أي لأجل خشية (أن يكب) بضم أوّله وفتح الكاف (في النار على وجهه). وهذا الحديث سبق في باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة من كتب الإيمان (وعن أبيه) عطفًا على السابق أي قال يعقوب بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم (عن صالح) هو ابن كيسان (عن إسماعيل بن محمد أنه قال: سمعت أبي) محمد بن سعد بن أبي وقاص (يحدث هذا) الحديث، ولأبي ذر: بهذا فهو مرسل لأنه لم يذكر سعدًا، لكن قال الكرماني إن الإشارة في قوله هذا إلى قول سعد فهو متصل (فقال: في) جملة (حديثه فضرب رسول الله ﷺ بيده فجمع بين عنقي وكتفي) فجمع بالفاء والفعل الماضي كذا في اليونينية، وفي بعض الأصول بجمع بالباء الجارة وضم الجيم وسكون الميم أي ضرب بيده حال كونها مجموعة وبين اسم لا ظرف. كقوله تعالى:

стр. 1064

﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] على قراءة الرفع. (ثم قال:) ﵊ (أقبل) بكسر الموحدة فعل أمر من الإقبال، ولأبي ذر والأصيلى أقبل بفتح الموحدة فعل أمر من القبول فهمزته همزة وصل تكسر في الابتداء كأنه لما قال له ذلك تولى ليذهب فأمره بالإقبال ليبين له وجه الإعطاء والمنع (أي سعد) منادى مفرد مبني على الضم وأي نداء (إني لأعطي الرجل) الحديث (قال أبو عبد الله:) البخاري جريًا على عادته في إيراد تفسير اللفظة الغريبة إذا وافق ما في الحديث ما في القرآن (﴿فكبكبوا﴾) في سورة الشعراء أي (قلبوا) بضم القاف وكسر اللام وضم الموحدة، ولأبي ذر: فكبوا بضم الكاف من الكب وهو الإلقاء على الوجه، وقوله تعالى في سورة الملك (﴿مكبًّا﴾) بكسر الكاف لأبي ذر يقال: (أكب الرجل إذا كان فعله غير واقع على أحد) أي لازمًا (فإذا وقع الفعل) أي إذا كان متعديًا (قلت: كبه الله لوجهه، وكببته أنا) يريد أن أكب لازم وكب متعد وهو غريب أن يكون القاصر بالهمزة والمتعدي بحذفها. ١٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ». وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) هو ابن أبي أويس المدني ابن أخت الإمام مالك (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (ليس المسكين) الكامل (الذي يطوف على الناس) ليسألهم صدقة عليه (ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان) بالمثناة الفوقية فيهما (ولكن المسكين) الكامل في المسكنة (الذي لا يجد غنى يغنيه) أي شيئًا يقع موقعًا من حاجته (ولا يفطن به) بضم الياء وفتح الطاء أي لا يعلم بحاله، ولأبي ذر: له باللام بدل الموحدة (فيتصدق عليه) بضم الياء مبنيًّا للمفعول (ولا يقوم فيسأل الناس) برفع المضارع الواقع بعد الفاء في الموضعين عطفًا على المنفي المرفوع فينسحب النفي عليه. أي: لا يفطن له فلا يتصدق عليه ولا يقوم فلا يسأل الناس وبالنصب فيهما بأن مضمرة وجوبًا لوقوعه في جواب النفي بعد الفاء وقد يستدل بقوله: ولا يقوم فيسأل الناس على أحد محملي قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أن معناه نفي السؤال أصلاً، وقد يقال لفظة يقوم تدل على التأكيد في السؤال فليس فيه نفي أصل السؤال والتأكيد هو الإلحاف. ١٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ ثُمَّ يَغْدُوَ -أَحْسِبُهُ قَالَ إِلَى الْجَبَلِ- فَيَحْتَطِبَ فَيَبِيعَ فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) بكسر الغين آخره مثلثة قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا أبو صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁ عن النبى ﷺ ¬) أنه (قال): (لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو-) يذهب قال أبو هريرة: (أحسبه) أي أظنه (قال إلى الجبل) - موضع الحطب (فيحتطب فيبيع فيأكل ويتصدق) بواو العطف ليدل على أنه يجمع بين البيع والصدقة وبالفاء في الأولين لأن الاحتطاب يكون عقب الغدو إلى الجبل، والبيع يكون عقب الاحتطاب (خير له من أن يسأل الناس) أعطوه أو منعوه وفيه الاكتساب بالمباحات كالحطب والحشيش النابتين في موات. (قال: أبو عبد الله) البخاري (صالح بن كيسان أكبر) سنًا (من الزهري وهو قد أدرك ابن عمر) بن الخطاب يعني أدرك السماع منه، وأما الزهري فاختلف في لقيه له، والصحيح أنه لم يلقه وإنما يروي عن ابنه سالم عنه، وعند أبي ذر: تقديم قال أبو عبد الله الخ. على قوله حدثنا إسماعيل. ٥٤ - باب خَرْصِ التَّمْرِ (باب) مشروعية (خرص التمر) بالمثناة وسكون الميم ولأبي ذر الثمر بالمثلثة وفتح الميم، والخرص بفتح الخاء المعجمة وقد تكسر وسكون الراء بعدها صاد مهملة هو حزر ما على النخل من الرطب تمرًا ليحصى على مالكه ويعرف مقدار عشره فيثبت على مالكه ويخلى بينه وبين التمر، فإذا جاء وقت الجداد أخذ العشر والخرص سنة عند الشافعية. وفي قول جزم به الماوردي أنه واجب وأنكره الحنفية. وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها وإيثار الأهل والجيران والفقراء لأن في منعهم منها تضييقًا

стр. 1065

لا يخفى وخرج بالتمر الحب لاستتاره ولأنه يؤكل غالبًا رطبًا بخلاف التمر. ١٤٨١ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ الْقُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: اخْرُصُوا، وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ: أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ. فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ. وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ. فَلَمَّا أَتَى وَادِيَ الْقُرَى قَالَ لِلْمَرْأَةِ: كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ؟ قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ. فَلَمَّا -قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا- أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: هَذِهِ طَابَةُ. فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ أَوْ دُورُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ - يَعْنِي - خَيْرًا". [الحديث ١٤٨١ - أطرافه في: ١٨٧٢، ٣١٦١، ٣٧٩١، ٤٤٢٢]. وبالسند قال: (حدّثنا سهل بن بكار) بفتح الموحدة وتشديد الكاف أبو بشر الدارمي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد (عن عمرو بن يحيى) بسكون الميم المازني (عن عباس) بتشديد الموحدة آخره سين مهملة ابن سهل (الساعدي عن أبي حميد) المنذر أو عبد الرحمن (الساعدي) ﵁ (قال: غزونا مع النبي ﷺ غزوة تبوك) غير منصرف وكانت في رجب سنة تسع، (فلما جاء وادي القرى) بضم القاف مدينة قديمة بين المدينة والشام (إذا امرأة) لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمها (في حديقة لها)، مبتدأ وخبر، قال ابن مالك في التوضيح: لا يمتنع الابتداء بالنكرة المحضة على الإطلاق بل إذا لم تحصل فائدة نحو: رجل يتكلم إذ لا تخلو الدنيا من رجل متكلم، فلو اقترن بالنكرة قرينة تحصل بها الفائدة جاز الابتداء بها ومن تلك القرائن الاعتماد على إذا الفجائية نحو: انطلقت فإذا سبع في الطريق والحديقة بفتح الحاء المهملة والقاف. قال ابن سيده: هي من الرياض كل أرض استدارت وقيل البستان (فقال النبي ﷺ : لأصحابه): (اخرصوا) بضم الراء. زاد سليمان بن بلال عند مسلم فخرصنا. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم من خرص منهم، (وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق فقال لها: أحصي) بفتح الهمزة من الإحصاء وهو العد احفظي قدر (ما يخرج منها) كيلاً (فلما أتينا تبوك قال) ﵊: (أما) بتخفيف الميم (إنها) بكسر الهمزة إن جعلت أما بمعنى حقًا وبفتحها إن جعلت استفتاحية (ستهب الليلة) زاد سليمان: عليكم (ريح شديدة فلا يقومن أحد)، منكم (ومن كان معه بعير فليعقله) أي يشده بالعقال وهو الحبل (فعقلناها) ولغير أبي ذر: ففعلنا من الفعل (وهبت ريح شديدة فقام رجل فألقته بجبل طيئ). بتشديد الياء بعدها همزة، وفي رواية الكشميهني: جبلي بالتثنية واسم أحدهما أجأ بفتح الهمزة والجيم ثم همزة على وزن فعل وقد لا يهمز فيكون بوزن عصا واسم الآخر سلمى. (وأهدى) يوحنا بضم المثناة التحتية وفتح الحاء المهملة وتشديد النون ابن روبة واسم أمه العلماء بفتح العين وسكون اللام وبالمدّ (ملك أيلة) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية بعدها لام مفتوحة بلدة قديمة بساحل البحر (للنبي ﷺ بغلة بيضاء) واسمها كما جزم به النووي دلدل وقال: لكن ظاهر اللفظ هنا أهداها للنبي- ﷺ في غزوة تبوك وكانت سنة تسع من الهجرة، وقد كانت هذه البغلة عند النبي ﷺ قبل ذلك وحضر عليها غزوة حنين كما هو مشهور في الحديث، وكانت حنين عقب فتح مكة سنة ثمان. قال القاضي: ولم يرو أنه كان له ﷺ بغلة غيرها فيحمل قوله على أنه أهداها له قبل ذلك، وقد عطف الإهداء على المجيء بالواو وهي لا تقتضي الترتيب انتهى كلام النووي. وتعقبه الجلال البلقيني بأن البغلة التي كان عليها يوم حنين غير هذه، ففي مسلم أنه كان ﵊ على بغلة بيضاء أهداها له فروة الجذامي وهذا يدل على المغايرة. قال وفيما قاله القاضي من التوحيد نظر فقد قيل: إنه كان له من البغال دلدل وفضة والتي أهداها ابن العلماء والأيلية وبغلة أهداها له كسرى وأخرى من دومة الجندل وأخرى من عند النجاشي كذا في السيرة لمغلطاي قال: وقد وهم في تفريقه بين بغلة ابن العلماء والأيلية فإن ابن العلماء هو صاحب أيلة، ونقص ذكر البغلة التي أهداها له فروة الجذامي. (وكساه) النبي ﷺ (بردًا) الضمير المنصوب عائد على ملك أيلة وهو المكسو، (وكتب) ﵊ (له) أي لملك أيلة (ببحرهم) أي ببلدهم، والمراد أهل بحرهم لأنهم كانوا سكانًا بساحل البحر، والمعنى أنه أقره عليهم بما التزمه من الجزية، ولفظ الكتاب كما ذكره ابن إسحاق بعد البسملة هذه أمنة من الله، ومحمد النبي رسول الله ليوحنا بن روبة وأهل أيلة أساقفتهم

стр. 1066

وسائرهم في البر والبحر لهم ذمة النبي ومن كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وأنه طيب لمن أخذه من الناس وأنه لا يحل أن يمنعوه ماء يردونه من برّ وبحر. وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله ﷺ . (فلما أتى) ﷺ (وادي القرى) المدينة السابق ذكرها قريبًا (قال للمرأة) صاحبة الحديقة المذكورة قبل: (كم جاءت) وفي نسخة: جاء بإسقاط تاء التأنيث وجاء هنا بمعنى كان أي كم كان (حديقتك) أي ثمرها، ولمسلم: فسأل المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها (قالت: عشرة أوسق) بنصب عشرة على نزع الخافض أي بمقدار عشرة أوسق أو على الحال. وتعقبه في المصابيح بأنه ليس المعنى على أن ثمر الحديقة جاء في حال كونه عشرة أوسق بل لا معنى له أصلاً انتهى. (خرص رسول الله ﷺ ¬) مصدر منصوب بدل من عشرة أو عطف بيان لها، ولأبي ذر: خرص بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هي خرص ويجوز رفع عشرة، وخرص على تقدير الحاصل عشرة أوسق وهي خرص رسول الله ﷺ كذا قاله الكرماني والبرماوي وابن حجر والعيني والزركشي، وتعقبه الدماميني بأنه مناف لتقديره أولاً جاءت بمقدار عشرة أوسق. (فقال النبي ﷺ : إني متعجل إلى المدينة فمن أراد منكم أن يتعجل) إليها (معي فليتعجل) وفي تعليق سليمان بن بلال الآتي قريبًا الوصول عند أبي علي بن خزيمة أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا دنا من المدينة أخذ طرق غراب لأنها أقرب إلى المدينة وترك الأخرى. قال في الفتح: ففيه بيان قوله إني متعجل إلى المدينة أي إني سالك الطريق القريبة فمن أراد فليأت معي يعني ممن له اقتدار على ذلك دون بقية الجيش. قال ابن بكار شيخ المؤلّف (فلما) بالفاء وتشديد الميم قال المؤلّف: (قال ابن بكار كلمة) مقول ابن بكار، ولأبي ذر: كلمة بالرفع خبره مبتدأ محذوف (معناها) ولأبي ذر: معناه (أشرف على المدينة قال:) ﵊: (هذه طابة) غير منصرفة (فلما رأى أُحدًا قال: جبيل) بضم الجيم وفتح الموحدة مصغرًا، وللأربعة: جبل (يحبنا ونحبه) حقيقة ولا ينكر وصف الجماد أنه يحب الرسول كما حنت الأسطوانة على مفارقته ﷺ حتى سمع القوم حنينها حتى سكنها، وكما أخبر أن حجرًا كان يسلم عليه قبل الوحي فلا ينكر أن يكون جبل أُحد وجميع أجزاء المدينة تحبه وتحن إلى لقائه حال مفارقته إياها. وقال الخطابي: أراد به أهل المدينة وسكانها كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ أي أهلها فيكون على حذف مضاف وأهل المدينة الأنصار، ثم قال ﵇ لمن كان معه من أصحابه: (ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟) ألا للتنبيه ودور جمع دار يريد بها القبائل الذين يسكنون الدور وهي المحال. (قالوا: بلى) أخبرنا (قال) ﵊: خيرهم (دور بني النجار)، بفتح النون والجيم المشددة تيم بن ثعلبة وسمي بالنجار فيما قيل لأنه اختتن بقدوم (ثم دور بني عبد الأشهل) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الهاء بعدها لام (ثم دور بني ساعدة) بكسر العين المهملة (أو دور بني الحارث بن الخزرج) بفتح الخاء وسكون الزاي المعجمتين وفتح الراء بعدها جيم. (وفي كل دور الأنصار يعني خيرًا) أي كأن لفظ خير محدوف من كلام الرسول ﷺ وهو مراد، ولأبوي ذر والوقت: خير بالرفع. ١٤٨٢ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنِي عَمْرٌو «ثُمَّ دَارُ بَنِي الْحَارِثِ ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يَقُلْ حَدِيقَةٌ. (وقال سليمان بن بلال) القرشي التيمي (حدَّثني) بالإفراد (عمرو) يعني ابن يحيى المازني بالسند المذكور وهو موصول في فضائل الأنصار (ثم دار بني الحارث ثم) دار (بني ساعدة) فقدم بني الحارث على بني ساعدة. (وقال سليمان) بن بلال المذكور أيضًا مما وصله أبو علي بن خزيمة في فوائده: (عن سعد بن سعيد) بسكون العين في الأول الأنصاري أخي يحيى بن سعيد، (عن عمارة بن غزية) بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتية وعمارة بضم العين وتخفيف الميم المازني الأنصاري

стр. 1067

(عن عباس) بالموحدة آخره سين مهملة (عن أبيه) سهل بن سعد وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة (﵁، عن النبي ﷺ قال): (أُحد جبل يحبنا ونحبه) فخالف عمارة بن غزية عمرو بن يحيى في إسناد الحديث فقال: عمرو عن عباس عن أبي حميد كما سبق أولاً. وقال عمارة عن عباس عن أبيه فيحتمل كما قاله في الفتح أن يسلك طريق الجمع بأن يكن عباس أخذ القدر المذكور وهو أُحد جبل يحبنا ونحبه عن أبيه وعن أبي حميد معًا أو حمُل الحديث عنهما معًا أو كله عن أبي حميد ومعظمه عن أبيه، وكان يحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، ولذلك كان لا يجمعهما. (وقال أبو عبد الله) أي البخاري وفي نسخة. وقال أبو عبيد بضم العين وفتح الموحدة مصغرًا وعليها شرح الحافظ ابن حجر وقال كغيره: إنه القاسم بن سلام الإمام المشهور صاحب الغريب مفسرًا لما سبق من قوله الحديقة (كل بستان عليه حائط فهو حديقة وما لم يكن عليه حائط لم يقل) فيه (حديقة). وقال في القاموس: الحديقة الروضة ذات الشجر أو القطعة من النخل، وفي هذا الحديث مشروعية الخرص، واختلف هل يختص بالنخل أو يلحق به العنب أو يعم كل ما ينتفع به رطبًا وجافًا، فقال بالأول شريح القاضي وبعض أهل الظاهر، وبالثاني الجمهور وإلى الثالث نحا البخاري، وهل يكفي خارص واحد أهل للشهادات عارف بالخرص أو لا بد من اثنين قولان للشافعي والجمهور على الأول حديث أبي داود بإسناد حسن أنه ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر خارصًا. وفي حديث الباب التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الحج والمغازي وفي فضل الأنصار ببعضه ومسلم في فضل النبي ﷺ والحج وأبو داود في الخراج. ٥٥ - باب الْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَبِالْمَاءِ الْجَارِي وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْعَسَلِ شَيْئًا (باب) أخذ (العشر فيما يسقى من ماء السماء) وهو المطر (وبالماء الجاري) كماء العيون والآبار، ولفظ سنن أبي داود: فيما سقت السماء والأنهار والعيون، ولأبي ذر: والماء بإسقاط الموحدة (ولم ير عمر بن عبد العزيز) ﵀ (في العسل شيئًا) من الزكاة وهذا وصله مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: جاء كتاب من عمر بن عبد العزيز إلى أبي وهو بمنى: أن لا يأخذ من الخيل ولا من العسل صدقة، وحديث إن في العسل العشر ضعفه الشافعي. ١٤٨٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ لأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأَوَّلِ، يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ "وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ" وَبَيَّنَ فِي هَذَا وَوَقَّتَ. وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَمِ إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ، كَمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ". وَقَالَ بِلَالٌ "قَدْ صَلَّى" فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ وَتُرِكَ قَوْلُ الْفَضْلِ. وبالسند قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم أبو محمد الجمحي بالولاء قال: (حدّثنا عبد الله بن وهب) بفتح الواو وسكون الهاء القرشي المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس بن يزيد) الأيلي (عن الزهري) ولأبي ذر: عن ابن شهاب الزهري (عن سالم بن عبد الله عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب (﵁ عن النبي ﷺ أنه قال): (فيما سقت السماء) من باب ذكر المحل وإرادة الحال أي المطر (والعيون أو كان عثريًا) بفتح العين المهملة والمثلثة المخففة وكسر الراء وتشديد التحتية ما يسقى بالسيل الجاري في حفر وتسمى الحفرة عاثوراء لتعثر المار بها إذا لم يعلمها قاله الأزهري، وهو المسمى بالبعلي في الرواية الأخرى (العشر) مبتدأ خبره فيما سقت السماء أي العشر واجب فيما سقت السماء (وما سقي بالنضح) بفتح النون وسكون المعجمة بعدها مهملة ما سقي من الآبار بالغرب أو بالسانية فواجبه (نصف العشر) والفرق ثقل المؤنة هنا وخفتها في الأول، والناضح: اسم لما يسقى عليه من بعير أو بقرة ونحوهما. (قال: أبو عبد الله) أي البخاري (هذا) أي حديث الباب (تفسير) الحديث (الأول) وهو حديث أبي سعيد السابق في باب: ما أدي زكاته فليس بكنز، واللاحق لهذا الباب ولفظه: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة (لأنه لم يوقت) بكسر القاف، ولأبي ذر: يوقت بفتحها (في) الحديث (الأول) يريد لم يحدد بالعشر أو نصفه وكان الأصل أن يقول لأنه لم يوقت فيه، لكنه عبّر بالظاهر موضع المضمر (يعني) أي البخاري بقوله هذا (حديث ابن عمر فيما سقت السماء العشر)

стр. 1068

جملة معترضة من كلام الراوي بين قوله لأنه لم يوقت في الأول وبين قوله: (وبين في هذا) أي في حديث ابن عمر ما يجب فيه العشر أو نصفه، (ووقت) أي حدد به هذا ما ظهر لي من شرح هذا القول، والذي مشى عليه الكرماني وغيره من الشراح ممن علمته أن مراده أن حديث أبي سعيد مفسر لحديث ابن عمر والزيادة والتوقيت تعيين النصاب، وفي هذا نظر لا يخفى لأنه يصير المعنى. قال أبو عبد الله هذا تفسير الأول يعني حديث أبي سعيد السابق لأنه لم يوقت في الأول الذي هو حديث أبي سعيد وهو خلاف المدعى فليتأمل. نعم، حديث ابن عمر هذا بعمومه ظاهر في عدم اشتراط النصاب، فحديث أبي سعيد مقيد لإطلاقه، كما أن حديث ابن عمر مقيد لإطلاق حديث أبي سعيد فكل منهما مفسر للآخر بما فيه من الزيادة (والزيادة) من الثقة (مقبولة، والمفسر) بفتح السين (يقضي على المبهم) بفتح الهاء أي الخاص يقضي على العام بالتخصيص لأن قوله: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة يشمل ما يسقى بمؤنة وغير مؤنة. وقوله فيما سقت السماء خاص (إذا رواه أهل الثبت) بسكون الموحدة في فرع اليونينية. وقال الحافظ ابن حجر كالكرماني وغيره بفتحها وإذا رواه متعلق بقوله مقبولة. وقال التيمي والإسماعيلي: إن هذا القول في نسخة الفربري إنما هو عقب حديث أبي سعيد في الباب التالي لهذا الباب وإن وقوعه هنا غلط من الناسخ، ويشكل عليه ثبوته في الأصول المعتمدة في كل من البابين عقب حديث ابن عمر، وفي رواية عن أبي ذر وابن عساكر عقب حديث أبي سعيد: وإن اختلف بعض اللفظ فيهما على أن نسبة الغلط للناسخ إنما تتأتى على تقدير إرادة المؤلّف أن حديث أبي سعيد مفسر لحديث ابن عمر، وقد مرّ ما في ذلك. أما على ما ذكرته من أن حديث الباب مفسر لحديث أبي سعيد فلا، وحينئذٍ فالمصير إلى ما ذكرته أولى من العكس على ما لا يخفى، وفي رواية غير أبي ذر قال أبو عبد الله هذا الأول لأنه لم يوقت في الأول فأسقط لفظ تفسير، لكن في اليونينية ضبب على لفظة الأول الأولى وكتب في الهامش صوابه أولى أو المفسر للأولى بفتح الهمزة وسكون الواو من الأولوية والمفسر بكسر السين. قلت: ومعناه حديث الباب أولى من حديث أبي سعيد السابق لما فيه من زيادة التمييز بين ما يسقى بمؤنة وبغير مؤنة أو هو المفسر لحديث أبي سعيد حيث بين فيه كما مرّ، وهو يؤيد ما شرحته فليتأمل. (كما روى الفضل بن عباس) ﵄ فيما وصله أحمد (أن النبي ﷺ لم يصل في الكعبة) يوم فتح مكة. (وقال بلال) المؤذن فيما وصله المؤلّف في الحج (قد صلّى) فيها يومئذٍ (فأخذ بقول بلال) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول لما معه من الزيادة (وترك قول الفضل) بضم تاء ترك مبنيًا للمفعول كأخذ وليس قول بلال منافيًا لقول الفضل لم يصل بل مراده أنه لم يره لاشتغاله بالدعاء ونحوه في ناحية من نواحي البيت غير التي صلّى فيها النبي ﷺ . ٥٦ - باب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ هذا (باب) بالتنوين (ليس فيما دون خمسة أوسق) من المقتات في حال الاختيار وهو من الثمار الرطب والعنب ومن الحب الحنطة والشعير والسلت والأرز والعدس والحمص والباقلاء والدخن والذرة واللوبيا والماش والجلبان ونحوها (صدقة) والوسق ستون صاعًا والصاع أربعة أمداد والمد رطل وثلث بالبغدادي، فالأوسق الخمسة ألف وستمائة رطل بالبغدادي والأصح اعتبار الكيل لا الوزن إذا اختلفا، وإنما قدّر بالوزن استظهارًا. قال القمولي: وقدر النصاب بأردب مصر ستة أرادب وربع بجعل القدحين صاعًا كزكاة الفطر وكفارة اليمين. وقال السبكي: خمسة أرادب ونصف وثلث فقد اعتبرت القدح المصري بالمد الذي حررته فوسع مدّين وسبعًا تقريبًا، فالصاع قدحان إلا سبعي مد وكل خمسة عشر مدًا سبعة أقداح وكل خمسة عشر صاعًا ويبة ونصف وربع فثلاثون صاعًا ثلاث ويبات ونصف وثلاثمائة صاع خمسة وثلاثون ويبة وهي خمسة أرادب ونصف وثلث، فالنصاب، على قوله خمسمائة وستون قدحًا وعلى قول القمولي ستمائة. ١٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا مَالِكٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ إِذَا قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي الْعِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا. وبالسند

стр. 1069

قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) القطان قال: (حدّثنا مالك) الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه) عبد الله (عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال): (ليس فيما أقل) ما: زائدة وأقل مجرور بفي بالفتحة لأنه لا ينصرف بدليل قوله بعد ولا في أقل، وقيده بعضهم فيما حكاه في التنقيح بالرفع قال في اللامع والمصابيح واللفظ له فتكون موصولة حذف صدر صلتها وهو المبتدأ الذي أقل خبره أي فيما هو أقل وجاز الحذف هنا لطول صلة ذلك بمتعلق الخبر (من خمسة أوسق صدقة) بفتح الهمزة وضم السين جمع وسق وتقدم الكلام فيه (ولا في أقل من خمسة من الإبل الذود صدقة ولا في أقل من خمس أواق) بغير ياء كجوار، ولأبي ذر: خمسة أواقي بتاء التأنيث في خمس وأواقي بالياء المشددة (من الورق) أي الفضة (صدقة) أي زكاة. (قال: أبو عبد الله): البخاري (هذا) الحديث (تفسير) حديث ابن عمر (الأول) المذكور في الباب السابق (إذا) بألف بعد الذال كذا في الفرع وأصله: والنسخة المقروءة على الميدومي وجميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة إذا بألف بعد المعجمة ولعلها سبق قلم، وإلا فالمراد إذ التعليلية ولا وقفت على أن إذا ترد بمعنى إذ التعليلية بعد الفحص التام، نعم يحتمل أن تكون ظرفية أي حين (قال) في حديث أبي سعيد (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) لكونه لم يبين في حديث ابن عمر قدر النصاب (ويؤخذ أبدًا في العلم بما زاد أهل الثبت أو بينوا) وسقط من قوله: قال أبو عبد الله إلى آخر قوله: أو بينوا في رواية أبي ذر وابن عساكر. ٥٧ - باب أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْل وَهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَةِ؟ (باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل) بكسر الصاد المهملة أي الجذاذ والقطاف عند أوان إدراكه (و) باب (هل يترك الصبي) بضم الياء من يترك مبنيًا للمفعول أي: هل يترك ولي الصبي الصبي (فيمس تمر الصدقة)؟ بنصب فيمس جواب الاستفهام، والذي في اليونينية فيمس بالرفع ولم يجزم بالحكم لاحتمال أن يكون النهي خاصًّا بمن لا يحل له تناول الصدقة. ١٤٨٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الأَسَدِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ، فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ، حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ﵄ يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً فَجَعَلَهُ فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ". [الحديث ١٤٨٥ - طرفاه في: ١٤٩١، ٣٠٧٢]. وبالسند قال: (حدّثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسدي) بفتح السين المهملة المعروف بابن التل بفتح المثناة الفوقية وتشديد اللام. قال النسائي وأبو حاتم صدوق ووثقه الدارقطني وغيره، وقال ابن حبان: في حديثه إذا حدّث بعض المناكير، وضعف يعقوب الفسوي أباه محمدًا وقال العقيلي لا يتابع، وقال ابن عدي لم أر بحديثه بأسًا، لكن الذي رواه البخاري عن عمر عن أبيه حديثان: أحدهما هذا وهو عنده بمتابعة شعبة عن محمد بن زياد يعني في باب: ما يذكر في الصدقة للنبي ﷺ ، والحديث الثاني في المناقب عن حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن عائشة: ما غرت على امرأة وهو عنده بمتابعة حميد بن عبد الرحمن والليث وغيرهما عن هشام. وروى له أبو داود والنسائي قال: (حدّثنا أبي) محمد بن الحسن قال: (حدّثنا إبراهيم بن طهمان) بفتح الطاء وسكون الهاء (عن محمد بن زياد) بكسر الزاي وتخفف الياء (عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله يؤتى بالتمر عند صرام النخل)، أي قطع التمر عنه (فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره)، من بيانية وعبر في الأولى بتمره بالموحدة. قال الكرماني: لأن في الأول ذكر المجيء به، وفي الثاني المجيء منه وهما متلازمان وإن تغايرًا مفهومًا (حتى يصير عنده كوفًا من تمر) بفتح الكاف، ولأبي ذر: بضمها وسكون والواو والنصب خبر يصير واسمها ضمير عائد إلى التمر أي حتى يصير التمر عنده كوفًا وهو ما اجتمع كالعرمة، ولأبي ذر: كوم بالرفع اسم يصير على أنها تامة فلا تحتاج إلى خبر، وقال في المصابيح: الخبر عنده ومن في قوله من تمر للبيان (فجعل الحسن والحسين) ابنا فاطمة (¬﵄¬) وعنها (يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما) وهو الحسن بفتح الخاء (تمرة فجعله) أي المأخوذ، وللكشميهني: فجعلها أي التمرة (في فيه فنظر إليه رسول الله ﷺ - ﷺ فأخرجها من فيه، فقال) ﵊: (أما علمت) بهمزة الاستفهام، وفي

стр. 1070

بعض النسخ: ما علمت بحذفها. قال ابن مالك: وقد كثر حذف الهمزة إذا كان معنى ما حذفت منه لا يستقيم إلا بتقديرها، وذكر مثلاً قال في المصابيح: وقد وقع في كلام سيبويه ما يقتضي أن حذفها من الضرائر وذلك أنه قال وزعم الخليل أن قول الأخطل: كذبتك عينك أم رأيت بواسط … غلس الظلام من الرباب خيالا كقوله أنها لا بل أم شاء، ويجوز في الشعر أن يريد بكذبتك الاستفهام وحذفت الألف هذا كلامه. وقال ابن أم قاسم في الجنى الداني المختار اطراد حذفها إذا كان بعدها أم المتصلة لكثرته نظمًا ونثرًا انتهى (أن آل محمد) هم بنو هاشم وبنو المطلب عند الشافعي، وعند أبي حنيفة ومالك بنو هاشم فقط، وقيل قريش كلها. زاد أبو ذر: ﷺ (لا يأكلون الصدقة) بالتعريف، ولأبي ذر: صدقة وظاهره يعم الفرض والنفل، لكن السياق يخصها بالفرض لأن الذي يحرم على آله إنما هو الواجب. وفي الحديث: أن الطفل يجنب الحرام كالكبير ويعرّف لأي شيء نهي عنه لينشأ على العلم فيأتي عليه وقت التكليف وهو على علم من الشريعة. ٥٨ - باب مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ أَوْ نَخْلَهُ أَوْ أَرْضَهُ أَوْ زَرْعَهُ وَقَدْ وَجَبَ فِيهِ الْعُشْرُ أَوِ الصَّدَقَةُ فَأَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ بَاعَ ثِمَارَهُ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» فَلَمْ يَحْظُرِ الْبَيْعَ بَعْدَ الصَّلَاحِ عَلَى أَحَدٍ، وَلَمْ يَخُصَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ (باب من باع ثماره أو) باع (نخله) التي عليها الثمار (أو) باع (أرضه) التي عليها الزرع (أو) باع (زرعه و) الحال أنه (قد وجب فيه العشر أو الصدقة) أي الزكاة وهو تعميم بعد تخصيص وفيه إشارة إلى الردّ على من جعل في الثمار العشر مطلقًا من غير اعتبار نصاب (فأدّى الزكاة من غيره) أي من غير ما ذكر (أو باع ثماره ولم تجب فيه الصدقة) أي جاز بيعه فيها، فجواب الشرط محذوف وإنما جوزوا ذلك لأنه إذا باع بعد وجوب الزكاة فقد فعل أمرًا جائزًا فتعلقت الزكاة بذمته فله أن يعطيها من غيره، (و) باب (قول النبي ﷺ ¬): مما سيأتي إن شاء الله تعالى موصولاً قريبًا: (لا تبيعوا الثمرة) بدون النخل (حتى يبدو) يظهر (صلاحها) قال البخاري (فلم يحظر البيع) بالظاء المعجمة أي لم يمنع النبي ﷺ البيع (بعد) بدوّ (الصلاح على أحد، ولم يخص) ﵊ (من وجب عليه الزكاة ممن لم تجب) عليه لعموم قوله: حتى يبدو صلاحها وهو وقت الزكاة ولم يقيد الجواز بتزكيتها من عينها بل عمم وأطلق في سياق البيان وهذا أحد القولين في هذه المسألة. والقول الثاني وهو مذهب الشافعي لا يجوز لأنه باع ما يملك وما لا يملك وهو نصيب المساكين فتفسد الصفقة، وهذا إذا لم يضمن الخارص المالك التمر فلو ضمنه بصريح اللفظ كأن يقول: ضمنتك نصيب المستحقين من الرطب بكذا تمرًا وقبل المالك ذلك التضمين جاز له التصرف بالبيع والأكل وغيرهما، إذ بالتضمين انتقل الحق إلى ذمته ولا يكفي الخرص بل لا بدّ من تصريح الخارص بتضمين المالك، فإن انتفى الخرص أو التضمين أو القبول لم يمدّ تصرف المالك في الكل بل فيما عدا الواجب شائعًا لبقاء حق المستحقين في العين ولا يجوز له أكل شيء منه. ١٤٨٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قال سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا". وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ: "حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ". [الحديث ١٤٨٦ - أطرافه في: ٢١٨٣، ٢١٩٤، ٢١٩٩، ٢٢٤٧، ٢٢٤٩]. وبه قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن منهال قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر) بن الخطاب (﵄) يقول (نهى النبي ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدو) بالواو من غير همز يظهر (صلاحها وكان) أي ابن عمر كما في مسلم (إذا سئل عن صلاحها قال): (حتى تذهب عاهته) أي آفته والتذكير باعتبار الثمر، ولأبي ذر عن الكشميهني: عاهتها أي الثمرة أي فتصير على الصفة المطلوبة كظهور النضج ومبادئ الحلاوة بأن يتلوّن ويلين أو يتلون بحمرة أو صفرة أو سواد أو نحوه فإنه حينئذ يأمن من العاهة وقبل ذلك ربما يتلف لضعفه فلم يبق شيء في مقابلة الثمن فيكون من أكل أموال الناس بالباطل، لكن يخص من عموم ذلك ما إذا شرط القطع فإنه جائز إجماعًا. وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وهو من رباعيات البخاري. ١٤٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا". [الحديث ١٤٨٧ - أطرافه في: ٢١٨٩، ٢١٩٦، ٢٣٨١]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد

стр. 1071

الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (خالد بن يزيد) من الزيادة (عن عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء والموحدة آخره مهملة (عن جابر بن عبد الله ﵄) قال: (نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو) يظهر (صلاحها). ١٤٨٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ. قَالَ حَتَّى تَحْمَارَّ". [الحديث ١٤٨٨ - أطرافه في: ٢١٩٥، ٢١٩٧، ٢١٩٨، ٢٢٠٨]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد الثقفي (عن مالك) هو ابن أنس الإمام (عن حميد) الطويل (عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهي) بضم أوله وكسر الهاء (قال: حتى تحمار) بفتح المثناة الفوقية وسكون المهملة وبعد الميم ألف ثم راء مشدّدة. قال في القاموس: زهى النخل طال كأزهى والبسر تلوّن كأزهى وزهي. وقال غيره: زهي النخل ظهرت ثمرته وأزهى احمر أو اصفر. وقال الأصمعي: لا يقال أزهى بل زهي. وقال الجوهري: وأزهى لغة حكاها أبو زيد ولم يعرفها الأصمعي. وقال ابن الأثير: منهم من أنكر يزهى ومنهم من أنكر يزهو. وقال الكرماني: الحديث الصحيح يبطل قول من أنكر الإزهاء وقوله تحمار أي أو تصفر أو تسود فهو للتمثيل. ٥٩ - باب هَلْ يَشْتَرِي صَدَقَتَهُ؟ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ غَيْرُهُ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا نَهَى الْمُتَصَدِّقَ خَاصَّةً عَنِ الشِّرَاءِ وَلَمْ يَنْهَ غَيْرَهُ هذا (باب) بالتنوين (هل يشتري) الرجل (صدقته) فيه خلاف (ولا بأس أن يشتري صدقته غيره) ولأبي ذر: صدقة غيره (لأن النبي ﷺ إنما نهى المتصدق خاصة عن الشراء ولم ينه غيره) هذا يوضحه حديث بريرة: هو لها صدقة ولنا هدية لأنه إذا كان هذا جائزًا مع خلوّه من العوض فبالعوض أولى بالجواز. ١٤٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْمَرَهُ فَقَالَ: لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ. فَبِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلاَّ جَعَلَهُ صَدَقَةً". [الحديث ١٤٨٩ - أطرافه في: ٢٧٧٥، ٢٩٧١، ٣٠٠٢]. وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري. قال ابن عدي: هو أثبت الناس في الليث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال مسلمة: تكلم في سماعه عن مالك وضعفه النسائي مطلقًا. وقال البخاري في تاريخه الصغير ما روى يحيى بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني انتقيته، وهذا الحديث يدل على أنه ينتقي حديث شيوخه، ولهذا ما أخرج له عن مالك سوى خمسة أحاديث مشهورة متابعة. ومعظم ما أخرج له عن الليث قال: (حدّثنا الليث) بن سعد (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف مصغرًا هو ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سالم أن) أباه (عبد الله بن عمر ﵄، كان يحدث: (أن) أباه (عمر بن الخطاب تصدق بفرس) أي حمل عليه رجلاً في الغزو، والمعنى أنه ملكه له ليغزو عليه (في سبيل الله) وليس المراد أنه وقفه بدليل قوله: (فوجده) أي أصابه حال كونه (يباع)، بضم الياء مبنيًا للمفعول إذ لو وقفه لما صح أن يبتاعه (فأراد أن يشتريه): بإثبات ضمير المفعول، ولأبي ذر عن الكشميهني: أن يشتري (ثم أتى النبي ﷺ فاستأمره) أي استشاره (فقال) له ﵊: (لا تعد) أي لا ترجع (في صدقتك) واقطع طمعك منها ولا ترغب فيها (فبذلك) أي فبسبب ذلك (كان ابن عمر) عبد الله (﵄ لا يترك أن يبتاع شيئًا تصدّق به إلا جعله صدقة) أي إذا اتفق له أن يشتري شيئًا مما تصدق به لا يتركه في ملكه حتى يتصدق به ثانيًا، فكأنه فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو لمن أراد أن يتملكها لا لمن يردها صدقة. وقال الكرماني وتبعه البرماوي والعيني: الترك بمعنى التخلية وكلمة من مقدرة أي لا يخلو الشخص من أن يبتاعه في حال الصدقة أو لغرض من أغراض الصدقة اهـ. وهذه رواية أبي ذر كما قاله في فتح الباري وغيره، ولغير أبي ذر: بحذف حرف النفي. ١٤٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ -وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ- فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ". [الحديث ١٤٩٠ - أطرافه في: ٢٦٢٣، ٢٦٣٦، ٢٩٧٠، ٣٠٠٣]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك بن أنس) الإمام، وسقط لأبي ذر ابن أنس (عن زيد بن أسلم) العدوي المدني (عن أبيه) أسلم المخضرم مولى عمر المتوفى سنة ستين وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة (قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول حملت) رجلاً (على فرس في سبيل الله)، أي جعلته حمولة من لم تكن له حمولة من المجاهدين ملكه إياه، وكان اسم الفرس فيما ذكره ابن سعد في الطبقات الورد وكان لتميم الداري فأهداه للنبي ﷺ فأعطاه لعمر ولم يعرف الحافظ ابن حجر اسم الرجل (فأضاعه) الرجل (الذي

стр. 1072

كان عنده)، بترك القيام عليه بالخدمة والعلف والسقي وإرساله للرعي حتى صار كالشيء الهالك، (فأردت أن أشتريه فظننت) وفي نسخة: وظننت بالواو بدل الفاء: (أنّه يبيعه برخص فسألت النبي ﷺ ¬) عن ذلك (فقال): (لا تشتر) بحذف ضمير المفعول، ولأبي ذر، وابن عساكر: لا تشتره بإثباته، ولابن عساكر: لا تشتريه بإشباع كسرة الراء والياء، وظاهر النهي التحريم لكن الجمهور على أنه للتنزيه فيكره لمن تصدق بشيء أو أخرجه فى زكاة أو كفارة أو نذر أو نحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه أو يتهبه أو يتملكه باختياره منه، فأما إذا ورثه منه كراهة فيه. وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة. وحكى الحافظ العراقي في شرح الترمذي كراهة شرائه من ثالث انتقل إليه من المتصدق به عليه عن بعضهم لرجوعه فيما تركه لله، كما حرم على المهاجرين سكنى مكة بعد هجرتهم منها لله تعالى، وأشار ﵊ إلى العلة في نهيه عن الابتياع بقوله: (ولا تعد في صدقتك) أي لا تعد في صدقتك بطريق الابتياع ولا غيره فهو من عطف العام على الخاص (وإن أعطاكه بدرهم) متعلق بقوله: لا تشتره أي لا ترغب فيه البتة ولا تنظر إلى رخصه ولكن انظر إلى أنه صدقتك، وقد أورد ابن المنير هنا سؤالاً وهو أن الاغياء في النهي عادته أن يكون بالأخف أو الأدنى. كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولا خفاء أن إعطاءه إياه بدرهم أقرب إلى الرجوع في الصدقة مما إذا باعه بقيمته وكلام رسول الله ﷺ هو الحجة في الفصاحة. وأجاب: بأن المراد لا تغلب الدنيا على الآخرة وإن وفرها معطيها فإذا زهد فيها وهي موفرة فلأن يزهد فيها وهي مقترة أحرى وأولى وهذا على وفق القاعدة اهـ. (فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه) الفاء للتعليل أي كما يقبح أن يقيء ثم يأكل كذلك يقبح أن يتصدق بشيء ثم يجره إلى نفسه بوجه من الوجوه. وفي رواية للشيخين كالكلب يعود في قيئه فشبه بأخس الحيوان في أخس أحواله تصويرًا للتهجين وتنفيرًا منه. قال في المصابيح: وفي ذلك دليل على المنع من الرجوع في الصدقة لما اشتمل عليه من التنفير التشديد من حيث شبه الراجع بالكلب والمرجوع فيه بالقيء والرجوع في الصدقة برجوع الكلب في قيئه اهـ. وجزم بعضهم بالحرمة قال: لا نعلم القيء إلا حرامًا والصحيح أنه للتنزيه لأن فعل الكلب لا يوصف بتحريم إذ لا تكليف عليه فالمراد التنفير من العود بتشبيهه بهذا المستقذر. ٦٠ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ - (باب ما يذكر) من الحرمة (في الصدقة) مطلقًا الفرض والتطوّع (للنبي ﷺ ¬) وهل تحريم الصدقة عليه من خصائصه دون الأنبياء أو الحكم شامل لهم أيضًا؟ ولأبي ذر زيادة: وآله أي تحرم عليهم الصدقة أيضًا لأنها مطهرة كما قال تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بها﴾ [التوبة: ١٠٣] ولمسلم: إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد وآل محمد منزهون عن أوساخ الناس وصيانة لمنصبه الشريف لأنها تنبئ عن ذل الآخذ وعز المأخوذ منه لقوله ﵊: "اليد العليا خير من اليد السفلى" وأبدل بها الفيء الذي يؤخذ على سبيل القهر والغلبة المنبئ عن عز الآخذ وذل المأخوذ منه. وتعقب ابن المنير التعليل بأنها مذلة بأن مقتضاه تحريم الهبة عليهم ولا قائل به ولأن الواهب أيضًا له اليد العليا. وقد جاء في بعض الطرق: اليد العليا هي المعطية ولم يقل المتصدقة فتدخل الهبات، والأصح عند أصحابنا أن المحرم على الآل الفرض دون التطوّع لقول جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة فقيل له: أتشرب من الصدقة؟ فقال: إنما حرّم علينا الصدقة المفروضة. رواه الشافعي والبيهقي وهو الصحيح عند الحنابلة، وبه قال الحنفية وأصبغ عن ابن القاسم في العتبية. ١٤٩١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كِخٍ، كِخٍ، لِيَطْرَحَهَا. ثُمَّ قَالَ: أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ"؟ وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا محمد بن زياد) الجمحي مولاهم (قال: سمعت أبا هريرة ﵁، قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة

стр. 1073

فجعلها في فيه) زاد أبو مسلم الكجي فلم يفطن له النبي ﷺ حتى قام ولعابه يسيل فضرب النبي ﷺ شدقه (فقال النبي ﷺ ¬): (كخ، كخ، ليطرحها). بفتح الكاف وكسرها وبسكون الخاء مثقلاً ومخففًا وبكسرها منوّنة وغير منونة فهي ست لغات، ورواية أبي ذر: كخ كخ بكسر الكاف وسكون الخاء مخففة. قال ابن مالك في التسهيل: إنها من أسماء الأفعال وفي التحفة إنها من أسماء الأصوات، وبه قطع ابن هشام في حواشيه على التسهيل، وقيل: هي عربية، وقيل عجمية. وزعم الداودي أنها معربة، وأوردها البخاري في باب: من تكلم بالفارسية في آخر الجهاد والثانية تأكيد للأولى وهي كلمة تقال عند زجر الصبي عن تناول شيء وعند التقذر من شيء. (ثم قال) ﵊ له: (أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة) لحرمتها علينا لما ذكر. ٦١ - باب الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ - (باب الصدقة على موالي أزواج النبي ﷺ ¬) أي عتقائهن. ١٤٩٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبِّاسٍ ﵄ قَالَ: "وَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ. قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا". [الحديث ١٤٩٢ - أطرافه في: ٢٢٢١، ٥٥٣١، ٥٥٣٢]. وبالسند قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله (عن يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري قال: (حدّثني) بالإفراد (عبيد الله بن عبد الله) بتصغير عبد الأول ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة (عن ابن عباس ﵄ قال: وجد النبي ﷺ شاة ميتة أعطيتها مولاة) لم تسم هذه المولاة وهمزة أعطيتها مضمومة مبنيًّا لما لم يسم فاعله ومولاة رفع نائب عن الفاعل أي عتيقة (لميمونة) أم المؤمنين ﵂ (من الصدقة)، متعلق بأعطيت أو صفة لشاة، وهذا موضع الترجمة لأن مولاة ميمونة أعطيت صدقة فلم ينكر عليها النبي ﷺ ، فدلّ على أن موالي أزواجه ﵊ تحل لهم الصدقة كهن لأنهن لسن من جملة الآل. ونقل ابن بطال الاتفاق عليه لكن فيه نظر فقد روى الخلال فيما ذكره ابن قدامة من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ قالت: إنّا آل محمد لا تحل لنا الصدقة. قال ابن قدامة: وهذا يدل على تحريمها وإسناده حسن، وأخرجه ابن أبي شيبة نعم هي حرام على مواليه صلوات الله وسلامه عليه وموالي آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب لأنه ﷺ لما سئل عن ذلك قال: إن الصدقة لا تحل لنا وإن مولى القوم من أنفسهم. رواه الترمذي وقال: حسن صحيح وإنما لم يترجم المؤلّف لأزواجه لأنه لم يثبت عنده في ذلك شيء (قال) ولأبي ذر: فقال؟ (النبي ﷺ ¬): (هلا انتفعتم بجلدها؟ قالوا: إنها ميتة قال: إنما حرم أكلها) أي اللحم حرام لا الجلد. ١٤٩٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. قَالَتْ: وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ". وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا الحكم) بفتحتين ابن عتيبة (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد (عن عائشة ﵂ أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق) بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى (وأراد مواليها) ساداتها بنو هلال أو أهل بيت من الأنصار (أن يشترطوا) على عائشة (ولاءها) أن يكون لهم وواو ولاءها مفتوحة مع المد مأخوذة من الولي بفتح الواو وسكون اللام وهو القرب، والمراد به هنا وصف حكمي ينشأ عنه ثبوت حق الإرث من العتيق الذي لا وارث له من جهة نسب أو زوجية أو الفاضل عن ذلك وحق العقل عنه إذا جنى والتزويج للأنثى بشروط ذلك كله وانتفاء مانعه، فلذلك قال الشافعي: إن المسلم إذا أعتق النصراني وبالعكس حق الولاء ثابت ولا إرث لاختلاف الدينين، وقد قال ﵊: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ووجود مانع الإرث لا يلزم منه عدم المقتضى بدليل الأب القاتل أو الرقيق أو مخالف في الدين فإن عدم إرثه لا يقدح في أبوته فلم يخرج عن كونه أباه فكذا هنا لا يخرج عن كونه مولاه هذا تقرير الشافعي في الأم وغيرها من كتبه فتأمله فإنه نفيس جدًّا، وقد كانت العرب تبيع هذا الحق وتهبه فنهى الشرع عنه لأن الولاء كالنسب ولحمة كلحمة النسب فلا يقبل الزوال

стр. 1074

بالإزالة والمولى يطلق على المعتق من أعلى وعلى العتيق أيضًا لكن من أسفل وهل ذلك حقيقة فيهما أو في الأعلى أو في الأسفل؟ أقوال مشهورة. وذكر ابن الأثير في النهاية أن اسم المولى يقع على معان كثيرة وذكر منها ستة عشر معنى وهي: الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمنعم عليه والمعتق. قال: وأكثرها قد جاء في الحديث فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه وكل من ولي أمرًا وقام به فهو مولاه ووليه، وتختلف مصادر هذه الأسماء فالولاية بالفتح في النسب والنصرة والعتق والولاية بالكسر في الإمارة والولاء في العتق والموالاة من والى القوم (فذكرت عائشة) ﵂ (للنبي ﷺ ¬) حذف المفعول أي ذلك (فقال لها النبي ﷺ ¬): (اشتريها)، منهم على ما يقصدون من اشتراط كون الولاء لهم، واستشكل هذا لأن المقرر أنه لو شرط مع العتق الولاء لم يصح البيع لمخالفته نص الشارع أن الولاء لمن أعتق. وأجيب: بأن الشرط لم يقع في العقد وبأنه خاص بقصة عائشة هذه لمصلحة قطع عادتهم كما خص فسخ الحج إلى العمرة بالصحابة لمصلحة بيان جوازها في أشهره (فإنما الولاء لمن أعتق) أي فلا تبالي سواء شرطيته أم لا فإنه شرط باطل وكلمة "إنما" هنا للحصر لأنها لو لم تكن للحصر لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عمن لم يعتق، لكن هذه الكلمة ذكرت في الحديث لبيان نفيه عمن لم يعتق فدل على أن مقتضاها الحصر قاله ابن دقيق العيد. (قالت:) عائشة ﵂ (وأتي النبي ﷺ ¬) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول النبي رفع نائب عن الفاعل (بلحم، فقلت: هذا ما) ولأبي الوقت: مما (تصدق به) بضم أوله وثانيه (على بريرة، فقال) ﵊: (هو) أي اللحم المتصدق به على بربرة (لها صدقة ولنا هدية). قال ابن مالك: يجوز في صدقة الرفع على أنه خبر هو ولها صفة قدّمت فصارت حالاً كقوله: والصالحات عليها مغلقًا باب فلو قصد بقاء الوصفية لقيل والصالحات عليها باب مغلق، وكذا الحديث لو قصدت فيه الوصفية بلها لقيل هو صدقة لها ويجوز النصب فيها على الحال والخبر لها اهـ. والصدقة منحة لثواب الآخرة والهدية تمليك الغير شيئًا تقربًا إليه إكرامًا له ففي الصدقة نوع ذل للآخذ فلذلك حرمت الصدقة عليه ﷺ دون الهدية، وقيل لأن الهدية يثاب عليها في الدنيا فتزول المنة والصدقة يراد بها ثواب الآخرة فتبقى المنة ولا ينبغي لنبي أن يمن عليه غير الله. وقال البيضاوي: إذا تصدق على المحتاج بشيء ملكه وصار له كسائر ما يملكه فله أن يهدي به غيره كما له أن يهدي سائر أمواله بلا فرق. وهذا موضع الترجمة لأن بريرة من جملة موليات عائشة وتصدق عليها. وهذا الحديث قد سبق في باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد، وقد أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الكفارت وفي الطلاق والفرائض، والنسائي في الزكاة والطلاق. ٦٢ - باب إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ هذا (باب) بالتنوين (إذا تحولت الصدقة) أي عن كونها صدقة بأن دخلت في ملك المتصدق عليه يجوز تناول الهاشمي لها، ولأبي ذر: إذا حولت بضم الحاء وحذف التاء مبنيًا للمفعول. ١٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَىْءٌ؟ فَقَالَتْ: لَا، إِلاَّ شَىْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتَ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا". وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي وفتح الراء مصغرًا ويزيد من الزيادة قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن حفصة بنت سيرين) أخت محمد بن سيرين سيدة التابعيات (عن أم عطية) نسيبة (الأنصارية ﵂) أنها (قالت: دخل النبي ﷺ على عائشة ﵂ فقال): (هل عندكم شيء) من الطعام؟ (فقالت: لا) شيء من الطعام عندنا (إلا شيء بعثت به إلينا) أم عطية (نسيبة) بضم النون وفتح السين المهملة والموحدة بينهما تحتية ساكنة، والجملة من فعل وفاعل صفة لشيء وكلمة "من" في قوله (من الشاة) للبيان والدلالة على التبعيض (التي بعثت بها) أتت لها (من الصدقة. فقال) ﵊ (إنها) أي الصدقة (قد بلغت محلها) بكسر الحاء أي وصلت إلى الموضع الذي تحل وذلك أنه لما تصدق بها على نسيبة صارت ملكًا لها فصح لها

стр. 1075

التصرف البيع وغيره، فلما أهدتها له ﵊ انتقلت عن حكم الصدقة فجاز له القبول والأكل. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة ورواته كلهم بصريون، وفيه رواية التابعية عن الصحابية، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الزكاة والهبة ومسلم في الزكاة. ١٤٩٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ". وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعَ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [الحديث ١٤٩٥ - طرفه في: ٢٥٧٧]. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن موسى) المعروف بخت بمعجمة مفوحة فمثناة فوقية مشددة قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي بضم الراء وهمزة ثم مهملة الكوفي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) هو ابن مالك (﵁ أن النبي ﷺ أتي بلحم تصدق به على بريرة فقال): (هو) أي اللحم (عليها صدقة وهو لنا هدية) قدم لفظ عليها على المبتدأ لإفادة الاختصاص أي لا علينا لزوال وصف الصدقة وحكمها لكونها صارت ملكًا لبريرة ثم صارت هدية فالتحريم ليس لعين اللحم كما لا يخفى. (وقال أبو داود) الطيالسي مما أخرجه في مسنده: (أنبأنا) خصها المتأخرون بالإجازة (شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة أنه (سمع أنسًا ﵁ عن النبي ﷺ ¬) ساق السند دون المتن لتصريح قتادة فيه بالسماع لأنه مدلس فزال توهم تدليسه في السند السابق حيث عنعن فيه. ٦٣ - باب أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، وَتُرَدَّ فِي الْفُقَرَاءِ حَيْثُ كَانُوا (باب أخذ الصدقة) المفروضة (من الأغنياء وترد) بالرفع كما في الفرع وغيره مما وقفت عليه من الأصول المعتمدة. وقال العيني بالنصب بتقدير أن فيكون في حكم المصدر ويكون التقدير: وأن تردّ وهو الذي في اليونينية فقط أي والرد (في الفقراء حيث كانوا) ظاهره أن المؤلّف يختار جواز نقل الزكاة من بلد المال قاله ابن المنير وهو مذهب الحنفية والأصح عند الشافعية والمالكية عدم الجواز. نعم، لو نقل أجرأ عند المالكية لكن لو نقل لدون أهل بلد الوجوب في الحاجة لم يجزه وهو المشهور عندهم ولم يجز النقل عند الشافعية إلا عند فقد المستحقين. ١٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ". وبالسند قال: (حدّثنا محمد) ولأبي ذر محمد بن مقاتل المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا زكريا بن إسحاق) المكي (عن يحيى بن عبد الله بن صيفي) بفتح الصاد المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر الفاء (عن أبي معبد) نافد بالنون والفاء والدال المهملة أو المعجمة (مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵄) أنه (قال:) وفي رواية إسماعيل بن أمية عند المؤلّف في التوحيد عن يحيى أنه سمع أبا معبد يقول، سمعت ابن عباس يقول: (قال رسول الله ﷺ :) ولمسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم عن وكيع، وقال فيه عن ابن عباس عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ ، وعلى هذا يكون الحديث من مسند معاذ لكنه في جميع الطرق من مسند ابن عباس كما عند المؤلّف وليس حضور ابن عباس لذلك ببعيد لأنه كان في أواخر حياة النبي ﷺ وهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة قاله الحافظ ابن حجر (لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن) واليًا كما عند العسكري أو قاضيًا كما عند ابن عبد البر. (إنك ستأتي قومًا أهل كتاب)، بنصب أهل بدلاً من قوم لا صفة وهذا كالتوطئة للوصية لتقوى همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، ولذا خصهم بالذكر تفضيلاً لهم على غيرهم من عبدة الأوثان، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أهل الكتاب بالتعريف (فإذا جئتهم) عبر بإذا دون إن تفاؤلاً بالوصول إليهم (فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) بدأ بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما، واستدلّ به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله حتى يضيف الشهادة لمحمد بالرسالة وهو قول الجمهور، (فإن هم أطاعوا) أي شهدوا وانقادوا (لك بذلك) وعدى أطاع باللام وإن كان يتعدى بنفسه لتضمنه معنى انقاد، ولابن خزيمة: فإن هم أجابوا لذلك (فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك) بأن أقروا بوجوب

стр. 1076

الخمس عليهم وفعلوها (فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة) في أموالهم (تؤخذ من أغنيائهم) يأخذها الإمام أو نائبه (فترد على فقرائهم) خصهم بالذكر وإن كان مستحق الزكاة أصنافًا أخر لمقابلة الأغنياء ولأن الفقراء هم الأغلب، والضمير في فقرائهم يعود على أهل اليمن فلا يجوز النقل لغير فقراء أهل بلد الزكاة كما سبق أول الزكاة، (فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم) أي نفائس (أموالهم) بنصب كرائم بفعل مضمر لا يجوز إظهاره للقرينة الدالة عليه. وقال ابن قتيبة: لا يجوز حذف واو وكرائم اهـ. وعلل بأنها حرف عطف فيختل الكلام بالحذف. (واتق دعوة المظلوم)، أي تجنب جميع أنواع الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم وإنما ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم للإشارة إلى أن أخذها ظلم (فإنه ليس بينه) أي المظنوم، ولأبي ذر عن الكشميهني والأصيلي: فإنها ليس بينها أي دعوة المظلوم (وبين الله حجاب) وإن كان المظلوم عاصيًا لحديث أحمد عن أبي هريرة بإسناد حسن مرفوعًا: دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه وليس لله حجاب يحجبه عن خلقه. فإن قلت: إن بعث معاذ كان بعد فرض الصوم والحج فلم لم يذكرهما؟ أجيب: بأنه اختصار من بعض الرواة، وقيل: إن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر ولذا كررا في القرآن فمن ثم لم يذكرهما في هذا الحديث. وقال الإمام البلقيني: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منها بشيء كحديث ابن عمر: بني الإسلام على خمس فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفي بالأركان الثلاثة الشهادة والصلاة والزكاة ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥] في، موضعين من براءة مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعًا، والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة: اعتقادي وهو الشهادة، وبدني وهو الصلاة، وماليّ وهو الزكاة فاقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها لتفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدني محض والحج بدني ومالي. وهذا الحديث قد مرّ في أول باب وجوب الزكاة. ٦٤ - باب صَلَاةِ الإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ، وَقَوْلِهِ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] (باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة) كأن يقول: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت ونحو ذلك، والمراد من الصلاة معناها اللغوي وهو الدعاء، وعطف الدعاء على الصلاة ليبين أن لفظ الصلاة ليس بحتم بل غيره من الدعاء ينزل منزلته قاله ابن المنير، ويؤيده ما في حديث وائل بن حجر عند النسائي أنه ﷺ قال في رجل بعث بناقة حسناء في الزكاة: "اللهم بارك فيه وفي إبله" (وقوله) تعالى بالجر عطفًا على المجرور السابق: (﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾) من الذنوب (﴿وتزكيهم بها﴾) وتنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين (﴿وصل عليهم﴾) أي ادع لهم. رواه ابن أبي حاتم وغيره بإسناد صحيح عن السدي (﴿إن صلواتك﴾) وفي بعض الأصول إن صلاتك بالإفراد كقراءة حمزة والكسائي وحفص (﴿سكن لهم﴾) [التوبة: ٢ - ٣] تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم وجمعها لتعدد المدعو لهم، ولأبي ذر: (تطهرهم) إلى قوله: ﴿سكن لهم﴾. ١٤٩٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ. فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى". [الحديث ١٤٩٧ - أطرافه في: ٤١٦٦، ٦٣٣٢، ٦٣٥٩]. وبالسند قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) بفتح العين وسكون الميم ابن مرة بضم الميم وتشديد الراء ابن عبد الله بن طارق الكوفي التابعي الصغير (عن عبد الله بن أبي أوفى) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الفاء مقصورًا اسمه علقمة بن خالد بن الحرث الأسلمي وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة سنة سبع وثمانين، وفي المغازي عند المؤلّف سمعت ابن أبي أوفى ﵄ (قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم) أي بزكاة أموالهم (قال): (اللهم صل على فلان) أي اغفر له وارحمه، ولغير أبي ذر: على آل فلان يريد أبا أوفى نفسه لأن الآل يطلق على ذات الشيء كما قال ﵊ عن أبي موسى الأشعري: "لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود" يريد داود نفسه (فأتاه أبي) أبو أوفى (بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى) امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وصل عليها﴾ وهذا من خصائصه

стр. 1077

ﷺ إذ يكره لنا كراهة تنزيه على الصحيح الذي عليه الأكثرون كما قاله النووي إفراد الصلاة على غير الأنبياء لأنه صار شعارًا لهم إذا ذكروا فلا يلحق غيرهم، فلا يقال أبو بكر ﷺ وإن كان المعنى صحيحًا كما لا يقال قال محمد وإن كان عزيرًا جليلاً لأن هذا من شعار ذكر الله تعالى. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في المغازي والدعوات، ومسلم في الزكاة، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجة. ٦٥ - باب مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَيْسَ الْعَنْبَرُ بِرِكَازٍ، هُوَ شَىْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ الْخُمُسُ: فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسَ، لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي الْمَاءِ. (باب) حكم (ما يستخرج من البحر) بسهولة كالموجود بساحله أو بصعوبة كالمستخرج بالغوص عليه ونحو ذلك هل تجب فيه زكاة أم لا؟ (وقال ابن عباس ﵄): مما وصله الشافعي ورواه البيهقي من طريقه (ليس العنبر بركاز)، بفتح العين والموحدة بينهما نون ساكنة نوع من الطيب. قال في القاموس: روث دابة بحرية أو نبع عين فيه اهـ. وقيل: هو زبد البحر أو نبات في قعره يأكله بعض دوابه ثم يقذفه رجيعًا، لكن قال ابن سينا: وما يحكى أنه روث دوابه أو قيئها أو من زبد البحر بعيد، وقيل هو نبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر، وقيل إنه شجر ينبت في البحر فينكسر فيلقيه الموج إلى الساحل. وقال الشافعي في كتاب السلم من الأم: أخبرني عدد ممن أثق بخبرهم أنه نبات يخلقه الله تعالى في جنبات البحر (هو شيء دسره البحر) بفتح المهملات أي دفعه ورمى به إلى الساحل. (وقال الحسن) البصري مما وصله ابن أبي شيبة (في العنبر واللؤلؤ) وهو قطر الربيع يقع في الصدق (الخمس) قال البخاري رادًا على قوله هذا: (فإنما) كذا في اليونينية، وفي غيرها: وإنما (جعل النبي ﷺ ¬) الحديث الذي سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى موصولاً (في الركاز) الذي هو من دفين الجاهلية في الأرض (الخمس، ليس في الذي يصاب في الماء) لأن الذي يستخرج من البحر لا يسمى في لغة العرب ركازًا. ١٤٩٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ، فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا -فَذَكَرَ الْحَدِيثَ- فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ». [الحديث ١٤٩٨ - أطرافه في: ٢٠٦٣، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٣٤، ٦٢٦١]. (وقال الليث) بن سعد مما وصله المؤلّف في البيوع (حدّثني) بالإفراد (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل المصري (عن عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي) ولأبي ذر: عن رسول الله (¬ ﷺ ¬). (أن رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل بأن) ولأبي ذر: أن (يسلفه) بضم أوله من أسلف (ألف دينارًا) زاد في باب الكفالة في القرض والدّيون فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم. قال: كفى بالله شهيدًا. قال: فائتني بالكفيل قال كفى بالله كفيلاً. قال: صدقت (فدفعها إليه) وزاد أيضًا فيه إلى أجل مسمى (فخرج في البحر فلم يجد مركبًا) بفتح الكاف أي سفينة يركب عليها ويجيء إلى صاحبه أو يبعث فيها قضاء دينه (فأخذ خشبة فنقرها) قوّرها (فأدخل فيها ألف دينار) زاد أيضًا في الكفالة وصحيفة منه إلى صاحبه (فرمى بها): أي بالخشبة (في البحر) بقصد أن الله تعالى يوصلها لرب المال (فخرج الرجل الذي كان أسلفه) الألف دينار (فإذا بالخشبة) أي: فإذا هو مفاجأ بالخشبة (فأخذها لأهله حطبًا) نصب على أن أخذ من أفعال المقاربة فتعمل عمل كان أو بفعل مقدر أي يستعملها استعمال الحطب في الوقود (فذكر الحديث) بتمامه، ويأتي إن شاء الله تعالى في باب الكفالة في القرض (فلما نشرها) أي قطع الخشبة بالمنشار (وجد المال) الذي كان أسلفه. وموضع الترجمة قوله: فإذا بالخشبة فأخذها لأهله حطبًا وأدنى الملابسة في التطابق كاف. وقال ابن المنير: موضع الاستشهاد إنما هو أخذ الخشبة على أنها حطب فدلّ على إباحة مثل ذلك مما يلفظه البحر إما مما ينشأ فيه كالعنبر أو مما سبق فيه ملك وعطب وانقطع ملك صاحبه منه على اختلاف بين العلماء في تمليك هذا مطلقًا أو مفصلاً وإذا جاز تملك الخشبة وقد تقدم عليها ملك متملك فنحو العنبر الذي لم يتقدم عليه ملك أولى. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الكفالة والاستقراض واللقطة والشروط والاستئذان والنسائي في اللقطة، وتأتي بقية مباحثه إن شاء الله تعالى في محاله بعون الله

стр. 1078

وقوته. ٦٦ - باب فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ: الرِّكَازُ دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ، فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الْخُمُسُ، وَلَيْسَ الْمَعْدِنُ بِرِكَازٍ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَعْدِنِ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ. وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَفِيهِ الْخُمُسُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ. وَإِنْ وَجَدْتَ اللُّقَطَةَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَعَرِّفْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْعَدُوِّ فَفِيهَا الْخُمُسُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ الْمَعْدِنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ، لأَنَّهُ يُقَالُ: أَرْكَزَ الْمَعْدِنُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَىْءٌ. قِيلَ لَهُ: قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَىْءٌ أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ أَرْكَزْتَ. ثُمَّ نَاقَضَ وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّيَ الْخُمُسَ. هذا (باب) بالتنوين (في الركاز الخمس)، بالرفع مبتدأ مؤخر، والركاز: بكسر الراء وتخفيف الكاف آخره زاي هو من دفين الجاهلية كأنه ركز في الأرض ركزًا أي غرز وإنما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه. (وقال مالك): هو ابن أنس إمام دار الهجرة مما رواه أبو عبيد في كتاب الأموال (وابن إدريس) هو الشافعي الإمام الأعظم صاحب المذهب كما جزم به أبو زيد المروزي أحد الرواة عن الفربري، وتابعه البيهقي وجمهور الأئمة وعبارة البيهقي كما رأيته في كتابه معرفة السنن والآثار قد حكى محمد بن إسماعيل البخاري مذهب مالك والشافعي في الركاز والمعدن في كتاب الزكاة من الجامع، وقال مالك وابن إدريس يعني الشافعي، وقيل المراد بابن إدريس عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي: (الركاز دفن الجاهلية) بكسر الدال وسكون الفاء أي الشيء المدفون كذبح بمعنى مذبوح وبالفتح المصدر ولا يراد هنا كذا قاله ابن حجر كالزركشي. وتعقبه في المصابيح بأنه يصح الفتح على أن يكون مصدرًا أريد به المفعول مثل الدرهم ضرب الأمير وهذا الثوب نسج اليمن (في قليله وكثيره الخمس) بضمتين وقد تسكن الميم وهذا قوم أبي حنيفة ومالك وأحمد وبه قال إمامنا الشافعي في القديم، وشرط في الجديد النصاب فلا تجب الزكاة فيما دونه إلا إذا كان في ملكه من جنس النقد الموجود، (وليس المعدن) بكسر الدال أي المكان من الأرض يخرج منه شيء من الجواهر والأجساد كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والكبريت وغير ذلك مأخوذ من عدن بالمكان إذا أقام به يعدن بالكسر عدونًا سمي بذلك لعدون ما أنبته الله فيه قاله الأزهري. وقال في القاموس: والمعدن كمجلس منبت الجواهر من ذهب ونحوه لإقامة أهله فيه دائمًا أو لإنبات الله إياه فيه (بركاز): لأنه لا يدخل تحت اسم الركاز ولا له حكمه، (وقد قال النبي ﷺ :) كما وصله في آخر الباب من حديث أبي هريرة (في المعدن جبار) بضم الجيم وتخفيف الموحدة آخره راء يعني إذا حفر معدنًا في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص ومات أو استأجره لعمل في المعدن فهلك لا يضمنه بل دمه هدر، وليس المراد أنه لا زكاة فيه (وفي الركاز) دفن الجاهلية (الخمس)، ففرق بينهما وجعل لكل منهما حكمًا ولو كانا بمعنى واحد بينهما فلما فرق بينهما دل على التغاير. (وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعادن) وهي المستخرجة من موضع خلقها (من كل مائتين) من الدراهم (خمسة) منها وهي ربع العشر، وفي قول الخمس كالركاز بجامع الخفاء في الأرض. وهذا التعليق وصله أبو عبيد في كتاب الأموال. (وقال الحسن) البصري مما وصله ابن أبي شيبة بمعناه (مما كان من ركاز) دفن الجاهلية (في أرض الحرب ففيه الخمس وما كان في أرض السلم) بكسر السين وسكون اللام أي الصلح، ولأبي الوقت: وما كان من أرض السلم (ففيه الزكاة). المعهودة وهي ربع العشر. قال ابن المنذر: لا أعرف أحدًا فرق هذه التفرقة غير الحسن (وإن وجدت اللقطة) بضم الواو مبنيًا للمفعول واللقطة بضم اللام المشددة وفتح القاف وسكونها وهذا من قول الحسن، ولأبي الوقت: وجدت لقطة (في أرض العدوّ فعرّفها) لاحتمال أن تكون للمسلمين وفي الفرع كأصله وإن وجدت بفتح الواو مبنيًّا للفاعل اللقطة مفعول (وإن كانت من العدوّ) أي من ماله فلا حاجة إلى تعريفها لأنها صارت ملكه (ففيها الخمس. وقال بعض الناس) هو الإمام أبو حنيفة وهذا أوّل موضع ذكره فيه المؤلّف بهذه الصيغة، ويحتمل أن يكون أراد أبا حنيفة وغيره من الكوفيين ممن قال بذلك (المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية)، بكسر الدال وفتحها على ما مر فيجب فيه أيضًا الخمس. قال الزهري وأبو عبيد: الركاز المال المدفون والمعدن جميعًا (لأنه يقال:) مما سمع من العرب (أركز المعدن) بفتح الهمزة فعل ماض مبني للفاعل والضمير في لأنه للشأن واللام للتعليل (إذا خرج منه شيء) بفتح الخاء المعجمة بغير همزة

стр. 1079

قبلها، ولأبي ذر: أخرج بهمزة مضمومة (قيل له:) أي لبعض الناس (قد يقال لمن وهب له شيء) بضم الواو وكسر الهاء مبنيًّا للمفعول شيء رفع نائب عن الفاعل (أو ربح ربحًا كثيرًا أو كثر ثمره أركزت). بتاء الخطاب أي: فيلزم أن يقال لكل واحد من الموهوب والربح والثمر ركاز، ويقال لصاحبه أركزت ويجب فيه الخمس لكن الإجماع على خلافه وإنه ليس فيه الأربع العشر فالحكم مختلف وإن اتفقت التسمية، واعترضه بعضهم بأنه لم ينقل عن بعض الناس ولا عن العرب أنهم قالوا: أركز المعدن وإنما قالوا أركز الرجل فإذا لم يكن هذا صحيحًا فكيف يتوجه الإلزام بقول القائل قد يقال لمن وهب الخ. ومعنى أركز الرجل صار له ركاز من قطع الذهب ولا يلزم منه أنه إذا وهب له شيء أن يقال له أركزت بالخطاب، وكذا إذا ربح ربحًا كثيرًا أو أكثر ثمره ولو علم المعترض أن معنى أفعل هنا ما هو لما اعترض ولا أفحش فيه، ومعنى أفعل هنا للصيرورة يعني لصيرورة الشيء منسوبًا إلى ما اشتق منه الفعل كأغدّ البعير أي صار ذا غدّة ومعنى أركز الرجل صار له ركاز من قطع الذهب كما مر ولا يقال إلا بهذا القيد لا مطلقًا (ثم ناقض) أي بعض الناس لأنه قال المعدن ركاز ففيه الخمس (وقال:) ثانيًا (لا بأس أن يكتمه) عن الساعي (فلا يؤدي الخمس) في الزكاة وهو عنده شامل للمعدن. وقد اعترض ابن بطال المؤلّف في هذه المناقضة بأن الذي أجاز أبو حنيفة كتمانه إنما هو إذا كان محتاجًا إليه بمعنى أنه يتأول أن له حقًا في بيت المال ونصيبًا في الفيء فأجاز له أن يأخذ الخمس لنفسه عوضًا عن ذلك لا أنه أسقط الخمس عن المعدن بعدما أوجبه فيه. ١٤٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ». [الحديث ١٤٩٩ - أطرافه في: ٢٣٥٥، ٦٩١٢، ٦٩١٣]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بفتح لام سلمة كلاهما (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (العجماء) بفتح العين المهملة وسكون الجيم والمد أي البهيمة لأنها لا تتكلم (جبار) بضم الجيم وتخفيف الموحدة أي هدر غير مضمون، ولمسلم جرحها جبار ولا بد في رواية البخاري من تقدير إذ لا معنى لكون العجماء نفسها هدرًا، وقد دلت رواية مسلم على أن ذلك المقدر هو الجرح فوجب المصير له لكن الحكم غير مختص به بل هو مثال نبه به على غيره، ولو لم تكن رواية أخرى على تعيين ذلك المقدّر لم يكن لرواية البخاري عموم في جميع المقدرات التي يستقيم الكلام بتقدير واحد منها هذا هو الصحيح في الأصول أن المقتضي لا عموم له، والمراد أنها إذا انفلتت وصدمت إنسانًا فأتلفته أو أتلفت مالاً غرم على مالكها أما إذا كان معها فعليه ضمان ما أتلفته سواء أتلفته ليلاً أو نهارًا وسواء كان سائقها أو راكبها أو قائدها وسواء كان مالكها أو أجيره أو مستأجرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو عضها أو ذنبها. وقال مالك: القائد والراكب والسائق كلهم ضامنون لما أصابت الدابة إلا أن ترمح الدابة من غير أن يفعل بها شيء ترمح له. وقال الحنفية: إن الراكب والقائد لا يضمنان ما نفحت الدابة برجلها أو ذنبها إلا إن أوقفها في الطريق واختلفوا في السائق فقال القدوري وآخرون: إنه ضامن لما أصابت بيدها ورجلها لأن النفحة بمرأى عينه فأمكنه الاحتراز عنها، وقال أكثرهم: لا يضمن النفحة أيضًا وإن كان يراها إذ ليس على رجلها ما يمنعها به فلا يمكنه التحرز عنه بخلاف الكدم لإمكان كبحها بلجامها، وصححه صاحب الهداية وكذا قال الحنابلة: إن الراكب لا يضمن ما تتلفه البهيمة برجلها (والبئر) يحفرها الرجل في ملكه أو في موات فيسقط فيها رجل أو تنهار على من استأجره لحفرها فيهلك (جبار) لا ضمان أما إذا حفرها في طريق المسلمين أو في ملك غيره بغير إذنه فتلف فيها إنسان وجب ضمانه على عاقلة حافرها والكفارة في مال الحافر، وإن تلف بها غير الآدمي وجب ضمانه في مال الحافر (والمعدن) إذا حفره في ملكه أو في موات أيضًا لاستخراج

стр. 1080

ما فيه فوقع فيه إنسان أو انهار على حافره (جبار) لا ضمان فيه أيضًا (وفي الركاز) دفن الجاهلية (الخمس) في عطف الركاز على المعدن دلالة على تغايرهما وأن الخمس في الركاز لا في المعدن، واتفق الأئمة الأربعة وجمهور العلماء على أنه سواء كان في دار الإسلام أو في دار الحرب خلافًا للحسن حيث فرق كما مر وشرطه النصاب والنقدان لا الحول، ومذهب أحمد أنه لا فرق بين النقدين فيه وغيرهما كالنحاس والحديد والجواهر لظاهر هذا الحديث وهو مذهب الحنفية أيضًا، لكنهم أوجبوا الخمس وجعلوه فيئًا والحنابلة أوجبوا ربع العشر وجعلوه زكاة، وعن مالك روايتان كالقولين وحكي كل منهما عن ابن القاسم. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحدود، والنسائي في الزكاة، وأورده البخاري في الأحكام. ٦٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] وَمُحَاسَبَةِ الْمُصَدِّقِينَ مَعَ الإِمَامِ (باب قول الله تعالى ﴿والعاملين عليها﴾ [التوبة: ٦٠] أي على الصدقات وهم السعاة الذين يبعثهم الإمام لقبضها (ومحاسبة المصدقين مع الإمام). ١٥٠٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: "اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ". وبالسند قال: (حدّثنا يوسف بن موسى) بن راشد القطان قال: (حدّثنا أبو أسامة) بضم الهمزة حماد بن أسامة قال: (أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن أبي حميد) عبد الرحمن أو المنذر (الساعدي ﵁ قال): (استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من الأسد) بفتح الهمزة وسكون السين ويقال الأزد بالزاي (على صدقات بني سليم) بضم السين وفتح اللام (يدعى ابن اللتبية) بضم اللام وسكون المثناة الفوقية وفي بعض الأصول بفتحها، وحكاه المنذري وقيل بفتح اللام والمثناة حكاه في الفتح اسمه عبد الله وكان من بني لتب حيّ من الأزد وقيل اللتبية أمه، (فلما جاء) من عمله (حاسبه) ﵊ لما وجد معه من جنس مال الصدقة وادعى أنه أهدي إليه كما يظهر من مجموع طرق الحديث، ويأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في الأحكام وترك الحيل، وأخرجه مسلم في المغازي وأبو داود في الخراج. ٦٨ - باب اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ (باب) جواز (استعمال إبل الصدقة و) شرب (ألبانها لأبناء السبيل) دون غيرهم خلافًا للشافعي حيث قال: يجب استيعاب الأصناف الثمانية. ١٥٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ "أَنَّ نَاسًا مِنْدَ. فَأَرْسَ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا. فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَعَضُّونَ الْحِجَارَةَ". تَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدٌ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثني) بالإفراد (يحيى) القطان (عن شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁): (أن ناسًا) ثمانية (من عرينة) بضم العين وفتح الراء المهملتين وسكون المثناة التحتية وفتح النون قبيلة، وعند المؤلّف في المغازي من عكل وعرينة بواو العطف وسبق في باب أبوال الإبل من الطهارة بلفظ: من عكل أو عرينة بالشك. (اجتووا المدينة) بسكون الجيم وفتح الفوقية والواو الأولى من باب الافتعال أي كرهوا المقام بها لما فيها من الوخم أو أصابهم الجوى وهو داء الجوف إذا تطاول، (فرخص لهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة) وكانت خمس عشرة كما عند ابن سعد (فيشربوا من ألبانها وأبوالها) تمسك به من قال: إن بول ما أكل طاهر ودفع بأن الدواء يبيح ما كان حرامًا وهذا موضع الترجمة. قال ابن بطال والحجة يعني للمؤلّف للترجمة بحديث الباب قاطعة لأنه ﵊ أفرد أبناء السبيل بإبل الصدقة وألبانها دون غيرهم انتهى. وعورض باحتمال أن يكون ما أباح لهم من الانتفاع إلا بما هو قدر حصتهم على أنه ليس في الخبر أيضًا أنه ملكهم رقابها وإنما فيه أنه أباح لهم شرب ألبان الإبل للتداوي. واستنبط منه المؤلّف جواز استعمالها في بقية المنافع إذ لا فرق، وأما تمليك رقابها فلم يقع وغاية ما يفهم من حديث الباب أن للإمام أن يخص بمنفعة مال الزكاة دون الرقبة صنفًا دون صنف بحسب الاحتياج على أنه ليس في الخبر أيضًا تصريح بأنه لم يصرف من ذلك شيئًا لغير العرينيين فليست الدلالة منه لذلك ظاهرة أصلاً قاله في فتح الباري. (فقتلوا) أي فلما شربوا منهما وصحوا قتلوا (الراعي) يسارًا النوبي (واستاقوا الذود) سوقًا عنيفًا. وفي نسخة واستاقوا الإبل (فأرسل رسول الله ﷺ ¬) سرية عشرين نفسًا وكان أميرهم كرز بن جابر أو سعيد بن سعيد فأدركوهم في ذلك اليوم (فأتي بهم) بضم الهمزة (فقطع) بتشديد الطاء. وفي نسخة

стр. 1081

بتخفيفها أي فأمر فقطع (أيديهم) جمع يد فإما أن يراد أقل الجميع وهو اثنان لأن لكل منهم يدين، وإما أن يريد التوزيع عليهم، بأن تقطع من كل واحد منهم يد واحدة والجمع في مقابلة الجمع يفيد التوزيع (وأرجلهم) من خلاف (وسمر أعينهم) بفتح السين والميم مخففة أي كحلها بمسامير محمية لأنهم فعلوا ذلك بالراعي، ولأبي ذر، وسمر بتشديد الميم والأول أشهر وأوجه كما نبه عليه المنذري، (وتركهم بالحرّة) بفتح الحاء وتشديد الراء المهملتين أرض ذات حجارة سود (يعضون الحجارة) بفتح الياء والعين المهملة. (تابعه) أي تابع قتادة (أبو قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي فيما وصله المؤلّف في كتاب الطهارة (وحميد) الطويل فيما وصله النسائي وأبو داود وابن ماجة وابن خزيمة (وثابت) البناني فيما وصله المؤلّف في كتاب الطب (عن أنس) ﵁. ٦٩ - باب وَسْمِ الإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ (باب وسم الإمام إبل الصدقة) بالكي ونحوه (بيده). ١٥٠٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ". [الحديث ١٥٠٢ - طرفاه في: ٥٥٤٢، ٥٨٢٤]. وبالسند قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي بالحاء المهملة والزاي القرشي الأسدي قال: (حدّثنا الوليد) بن مسلم القرشي قال: (حدّثنا أبو عمرو) عبد الرحمن (الأوزاعي) قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) اسمه زيد بن سهل الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (أنس بن مالك ﵁ قال): (غدوت) أي رحت أول النهار (إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة) هو أخو أنس لأمه وهو صحابي. وقال النووي: تابعي. قال البرماوي كالكرماني هو سهو (ليحنكه) تبركًا به وبريقه ويده ودعائه وهو أن يمضع التمرة ويجعلها في فم الصبي ويحك بها في حنكه بسبابته حتى تتحلل في حنكه (فوافيته) أي أتيته في مربد الغنم (في يده الميسم) بكسر الميم وفتح السين المهملة حديدة يكوى بها (يسم) يعلّم (إبل الصدقة) لتتميز عن الأموال المملوكة وليردها من أخذها ومن التقطها وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تصدق بها مثلاً لئلا يعود في صدقته فهو مخصوص من عموم النهي عن تعذيب الحيوان، وقد نقل ابن الصباغ من الشافعية إجماع الصحابة على أنه يستحب أن يكتب في ماشية الزكاة زكاة أو صدقة، وسيأتي في الذبائح إن شاء الله تعالى عن أنس أنه رآه يسم غنمًا في آذانها ولا يسم في الوجه للنهي عنه. وفي هذا الحديث التحديث بالإفراد والجمع والقول، وأخرجه مسلم في اللباس. ٧٠ - باب فَرْضِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَرَأَى أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَرِيضَةً (باب فرض صدقة الفطر). أي من رمضان فأضيفت الصدقة للفطر لكونها تجب بالفطر منه أو مأخوذة من الفطرة التي هي الخلقة المرادة بقوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وهذا قاله ابن قتيبة، والمعنى أنها وجبت على الخلقة تزكية للنفس أي تطهيرًا لها وتنمية لعملها، ويقال للمخرج في زكاة الفطر فطرة بضم الفاء كما في الكفاية وهو غريب، والذي في شرح المهذّب وغيره كسر الفاء لا غير قال: وهي مولدة لا عربية ولا معرّبة بل اصطلاحية للفقهاء انتهى. فتكون حقيقة شرعية على المختار كالصلاة ويقال لها صدقة الفطر وزكاة رمضان وزكاة الصوم وصدقة الرؤوس وزكاة الأبدان، ولأبي ذر عن المستملي: أبواب صدقة الفطر باب فرض صدقة الفطر وكان فرضها في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان قبل العيد بيومين. (ورأى أبو العالية) رفيع بن مهران الرياحي بالمثناة التحتية (وعطاء) هو ابن أبي رباح (وابن سيرين) محمد فيما وصله عنه، وعن الأول ابن أبي شيبة من طريق عاصم الأحول وعبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء (صدقة الفطر فريضة) وهو مذهب الشافعية والجمهور، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك لكنه معارض بأن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرض وهو مقتضى قاعدتهم في أن الواجب ما ثبت بدليل ظني، وقال المرداوي من الحنابلة في تنقيحه: وهي واجبة وتسمى أيضًا فرضًا نصًّا، ونقل المالكية عن أشهب أنها سنة مؤكدة، قال بهرام: وروي ذلك عن مالك وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية وحملوا فرض في الحديث على التقدير كقولهم: فرض

стр. 1082

القاضي نفقة اليتيم وهو ضعيف مخالف للظاهر، وقال إبراهيم بن علية وأبو بكر بن كيسان الأصم نسخ وجوبها، واستدل لهما بحديث النسائي عن قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله، لكن في إسناده راوٍ مجهول وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ لأن الزيادة في جنس العبادة لا توجب نسخ الأصل المزيد عليه غير أن محل سائر الزكوات الأموال ومحل زكاة الفطر الرقاب كما نبه عليه الخطابي. ١٥٠٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ". [الحديث ١٣٠٥ - أطرافه في: ١٥٠٤، ١٥٠٧، ١٥٠٩، ١٥١١، ١٥١٢]. وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن محمد بن السكن) بفتح السين والكاف آخره نون البزار بالزاي المعجمة ثم الراء المهملة القرشي قال: (حدّثنا محمد بن جهضم) بفتح الجيم والضاد المعجمة بينهما هاء ساكنة آخره ميم ابن عبد الله الثقفي قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري (عن عمر بن نافع) بضم العين وفتح الميم (عن أبيه) نافع مولى عبد الله بن عمر (عن ابن عمر ﵄، قال): (فرض) أي أوجب (رسول الله ﷺ ¬) وما أوجبه فبأمر الله وما كان ينطق عن الهوى (زكاة الفطر) من صوم رمضان ووقت وجوبها غروب الشمس ليلة العيد لكونه أضافها إلى الفطر وذلك وقت الفطر، وهذا قول الشافعي في الجديد وأحمد بن حنبل وإحدى الروايتين عن مالك. وقال أبو حنيفة: طلوع الفجر يوم العيد وهو قول الشافعي في القديم (صاعًا من تمر) بنصب صاعًا على التمييز أو هو مفعول ثان وهو خمسة أرطال وثلث رطل بالبغدادي وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وعلماء الحجاز، وهو مائة وثلاثون درهمًا على الأصح عند الرافعي، ومائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم على الأصح عند النووي. فالصاع على الأول ستمائة درهم وثلاثة وتسعون درهمًا وثلث درهم، وعلى الثاني ستمائة درهم وخمسة وثمانون درهمًا وخمسة أسباع درهم والأصل الكيل وإنما قدر بالوزن استظهارًا. قال في الروضة: وقد يشكل ضبط الصاع بالأرطال فإن الصاع المخرج به في زمن النبي ﷺ مكيال معروف ويختلف قدره وزنًا باختلاف جنس ما يخرج كالذرة والحمص وغيرهما، والصواب ما قاله الدارمي إن الاعتماد على الكيل بصاع معاير بالصاع الذي كان يخرج به في عصر النبي ﷺ ومن لم يجده لزمه إخراج قدر يتيقن أنه لا ينقص عنه وعلى هذا فالتقدير بخمسة أرطال وثلث تقريب، وقال جماعة من العلماء: الصاع أربع حفنات بكفي رجل معتدل الكفّين حكاه النووي في الروضة، وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه ثمانية أرطال بالرطل المذكور، وكان أبو يوسف يقول كقولهما ثم رجع إلى قول الجمهور لما تناظر مع مالك بالمدينة فأراه الصيعان التي توارثها أهل المدينة عن أسلافهم من زمن النبي ﷺ : (أو صاعًا من شعير) ظاهره أنه يخرج من أيهما شاء صاعًا ولا يجزئ غيرهما، وبذلك قال ابن حزم لكن ورد في روايات أخرى ذكر أجناس أخر تأتي إن شاء الله تعالى (على العبد والحر) وظاهره أن العبد يخرج عن نفسه وهو قول داود الظاهري منفردًا به، ويرده قوله ﵊: ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر وذلك يقتضي أنها ليست عليه بل على سيده. وقال القاضي البيضاوي: وجعل وجوب زكاة الفطر على السيد كالوجوب على العبد مجازًا إذ ليس هو أهلاً لأن يكلف بالواجبات المالية، ويؤيد ذلك عطف الصغير عليه (والذكر والأنثى) والخنثى (والصغير) أي: وإن كان يتيمًا خلافًا بن الحسن وزفر (والكبير من المسلمين) دون الكفار لأنها طهرة والكفار ليسوا من أهلها. نعم لا زكاة على أربعة من لا يفضل عن منزله وخادم يحتاج إليهما ويليقان به وعن قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه ما يخرجه فيها وامرأة غنية لها زوج معسر وهي في طاعته فلا يلزمها إخراج فطرتها بخلاف ما إذا لم تكن في طاعته وبخلاف الأمة فإن فطرتها تلزم سيدها، والفرق تسليم الحرة نفسها بخلاف الأمة بدليل أن لسيدها أن يسافر بها ويستخدمها والمكاتب لا تجب فطرته عليه لضعف ملكه

стр. 1083

ولا على سيده لأنه معه كالأجنبي والمغصوب أو الآبق لتعطيل فائدتهما على السيد، لكن الأصح وجوب الإخراج عليه عنهما تبعًا لنفقتهما وعن منقطع الخبر إذا لم تمض مدة لا يعيش في مثلها لأن الأصل بقاؤه حيًّا فإن مضت مدة لا يعيش في مثلها لم تجب فطرته، ويستثنى أيضًا عبد بيت المال والعبد الموقوف فلا تجب فطرتهما إذ ليس لهما مالك معين يلزم بها، (وأمر) ﵊ (بها) أي بالفطرة (أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) أي صلاة العيد. تنبيه قوله: "من المسلمين" ذكر غير واحد أن مالكًا تفرد بها من بين الثقات وفيه نظر، فقد رواها جماعة ممن يعتمد على حفظهم منهم: عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان، وكثير بن فرقد، والمعلى بن إسماعيل، ويونس بن يزيد، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمري وأخوه عبيد الله بن عمر، وأيوب السختياني على اختلاف عنهما في زيادتها، فأما رواية عمر بن نافع فأخرجها البخاري في صحيحه، وأما رواية الضحاك بن عثمان فأخرجها مسلم في صحيحه، وأما رواية كثير بن فرقد فرواها الدارقطني في سننه والحاكم، وأما رواية المعلى بن إسماعيل فرواها ابن حبان في صحيحه، وأما رواية يونس بن يزيد فرواها الطحاوي في بيان المشكل، وأما رواية ابن أبي ليلى وعبد الله بن عمر العمري وأخيه عبيد الله التي فيها بزيادة قوله من المسلمين فرواها الدارقطني في السنن، وأما رواية أيوب السختياني فذكرها الدارقطني، وهذه الزيادة تدل على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر، ومقتضى ذلك أنه لا تجب على الكافر زكاة الفطر لا عن نفسه ولا عن غيره فأما عن نفسه فمتفق عليه وأما عن غيره من عبد وقريب فمختلف فيه. وللشافعية وجهان مبنيان على أنها تجب على المؤدي ابتداء أو على المؤدى عنه ثم يتحملها المؤدي والأصح الوجوب بناء على الأصح وهو وجوبها على المؤدى عنه ثم يتحملها المؤدي وهو المحكي عن أحمد، أما عكسه وهو إخراج المسلم عن قريبه وعبده الكافرين فلا تجب عند مالك والشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة بالوجوب. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث صحيح. ٧١ - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (باب) وجوب (صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين) اختلف هل تجب على العبد ابتداء ثم يتحملها السيد عنه أو تجب على السيد ابتداء؟ وجهان للشافعية وإلى الأول نحا البخاري، قاله في الفتح. وقال ابن بطال: إنه يقول بمذهب أهل الظاهر أنها تلزم العبد في نفسه وعلى سيده تمكينه من اكتساب ذلك وإخراجه عن نفسه. وتعقبه في المصابيح بأن البخاري لم يرد هذا وإنما أراد التنبيه على اشتراط الإسلام فيمن تؤدى عنه زكاة الفطر لا غير، ولذا لم يترجم ترجمة أخرى على اشتراط الإسلام، وعبّر "بعلى" دون "عن" ليطابق لفظ الحديث، وقد سقط لفظ "المسلمين" لابن عساكر. ١٥٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام الأعظم (عن نافع عن ابن عمر) بن الخطاب (﵄ أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر) من صوم رمضان (صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد) قال القاضي أبو الطيب وغيره: "على" بمعنى "عن" لأن العبد لا يطالب بأدائها. وأجيب: بأنه لا يلزم من فرض شيء على شخص مطالبته به بدليل الفطرة المتحملة عن غير من لزمته، والدية الواجبة بقتل الخطأ أو شبهه (ذكر أو أنثى) أخذ بظاهره أبو حنيفة فأوجب زكاة الفطرة على الأنثى سواء كان لها زوج أم لا. وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن المتزوجة تجب فطرتها على زوجها بالقياس على النفقة، واستأنسوا بحديث ابن عمر أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون رواه الدارقطني والبيهقي وقال: إسناده غير قوي. قال في المجموع: والحاصل أن هذه اللفظة ممن تمونون ليست بثابتة (من المسلمين) فلا تجب على المسلم فطرة عبده الكافر، قال في شرح المشكاة: من المسلمين حال من العبد وما عطف عليه وتنزيلها على المعاني المذكورة على ما يقتضيه علم البيان أن المذكورات جاءت مزدوجة على التضاد للاستيعاب

стр. 1084

لا للتخصيص لئلا يلزم التداخل فيكون المعنى فرض رسول الله ﷺ على جميع الناس من المسلمين، أما كونها فيم وجبت وعلى من وجبت فيعلم من نصوص أخرى. وقال في المصابيح: هو نص ظاهر في أن قوله من المسلمين صفة لما قبله من النكرات المتعاطفات بأو فيندفع قول الطحاوي بأنه خطاب متوجه معناه إلى السادة يقصد بذلك الاحتجاج لمن ذهب إلى إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر. ٧٢ - باب صَدَقَةُ الفطرِ صاعٌ (باب صدقة الفطر صاع من شعير) برفع صاع خبر مبتدأ محذوف أي هي صاع، ولغير أبي ذر باب صاع من شعير وفي بعض الأصول صاعًا بالنصب خبر كان محذوفة أو حكاية عما في الحديث. ١٥٠٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نُطْعِمُ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ". [الحديث ١٥٠٥ - أطرافه في: ١٥٠٦، ١٥٠٨، ١٥١٠]. وبالسند قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة، ولأبي ذر: قبيصة بن عقبة بضم العين وسكون القاف العامري قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن زيد بن أسلم) مولى عمر بن الخطاب (عن عياض بن عبد الله) العامري (عن أبي سعيد) الخدري (﵁ قال):. (كنا نطعم الصدقة) أي زكاة الفطر فأل للعهد (صاعًا من شعير) من بيانية، والحديث أخرجه الستّة وله حكم الرفع على الصحيح كما قطع به الحاكم والجمهور لأن الظاهر أنه ﷺ في اطلع على ذلك وأقره ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي. ٧٣ - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ (باب صدقة الفطر) هي (صاع من طعام) ولغير أبي ذر: صاعًا بالنصب خبر كان كما مرّ. ١٥٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام (عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح) بسكون عين سعد وراء سرح (العامري أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول): (كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام) هو البر لقوله: (أو صاعًا من شعير) قال التوربشتي: والبر أعلى ما كانوا يقتاتونه في الحضر والسفر فلولا أنه أراد بالطعام البر لذكره عند التفصيل، وحكى المنذري في حواشي السنن عن بعضهم اتفاق العلماء على أنه المراد هنا. وقال بعضهم: كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل اذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق القمح، وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه لأن ما غلب استعمال اللفظ فيه كان خطوره عند الإطلاق أقرب. وتعقبه ابن المنذر بما في حديث أبي سعيد الآتي إن شاء الله تعالى في باب: صاع من زبيب فلما جاء معاوية وجاءت السمراء لأنه يدل على أنها لم تكن قوتًا لهم قبل هذا ثم قال: ولا نعلم في القمح خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ نعتمد عليه، ولم يكن البرّ يومئذٍ بالمدينة إلا الشيء اليسير منه فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودًا؟. وأما ما أخرجه ابن خزيمة والحاكم في صحيحهما من طريق إسحاق عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيد وذكروا عنده صدقة رمضان فقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط. فقال له رجل من القوم: أو مدّين من قمح، فقال: لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها. فقال ابن خزيمة بعد أن ذكره ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم. وقوله: فقال رجل الخ. دال على أن ذكر الحنطة في أوّل القصة خطأ إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها على عهد رسول الله ﷺ صاعًا لما كان الرجل يقول له أو مدّين من قمح وقد أشار أبو داود إلى رواية ابن إسحاق هذه وقال: إن ذكر الحنطة فيها غير محفوظ (أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط) وهو لبن جامد فيه زبدة فإن أفسد الملح جوهره لم يجز وإن ظهر عليه ولم يفسده وجب بلوغ خالصه صاعًا (أو صاعًا من زبيب). ٧٤ - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ (باب صدقة الفطر صاعًا) وفي نسخة صاع (من تمر). ١٥٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ". وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (أن عبد الله قال): ولأبي ذر: أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (أمر النبي ﷺ بزكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير قال عبد الله) بن عمر ﵄ (فجعل الناس) أي معاوية ومن معه كما صرح به

стр. 1085

في الرواية الأخرى (عدله) قال في القاموس: العدل أي بالفتح المثل والنظير كالعدل أي بالكسر، والعديل الجمع أعدال وعدلاء والكيل اهـ. وقال الأخفش بالكسر المثل وبالفتح مصدر، وقال الفراء بالفتح ما عادل الشيء من غير جنسه وبالكسر المثل، وقال غيره بالعكس (مدّين) تثنية مدّ وهو ربع الصاع (من حنطة) وظاهره أنه فعل ذلك بالاجتهاد بناء على أن قيم ما عدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن لكن يلزم عليه أن تعتبر القيمة في كل زمان فيختلف الحال ولا ينضبط وربما لزم في بعض الأحيان إخراج آصع من الحنطة، ويدل على أنهم لحظوا ذلك ما روى جعفر الفريابي في كتاب صدقة الفطر أن ابن عباس لما كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر وبين لهم أنها صاع من تمر إلى أن قال: أو نصف صاع من بر. قال: فلما جاء عليّ ورأى رخص أسعارهم قال اجعلوها صاعًا من كل فدلّ على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك قاله في فتح الباري، لكن في حديث ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ "زكاة الفطر صاع من بر أو قمح عن كل اثنين" رواه أبو داود أي مجزئ عنهما وهذا نص صريح ولا اجتهاد مع النص وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ كما مرّ، لكن حديث ثعلبة فيه النعمان بن راشد لا يحتج به وقال البخاري فيه يتهم كثيرًا وقال أحمد ليس حديثه بصحيح. وبقية مباحث هذا الحديث تأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. ٧٥ - باب صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ (باب صاع من زبيب) في صدقة الفطر مجزئ. ١٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ الْعَدَنِيَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ قَالَ أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون الزاهد المروزي أنه (سمع يزيد العدني) بفتح العين والدال المهملتين، ولأبي ذر: يزيد بن أبي حكيم بفتح الحاء وكسر الكاف العدني (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (عن زيد بن أسلم قال: حدّثني) بالإفراد (عياض بن عبد الله بن أبي سرح) بسكون الراء بعد السين المهملة المفتوحة آخره حاء مهملة (عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال): (كنا نعطيها) أي زكاة الفطر (في زمان النبي ﷺ ¬) هذا له حكم الرفع لإضافته إلى زمان النبي ﷺ (صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب فلما جاء معاوية) بن أبي سفيان وزاد مسلم في روايته فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجًّا أو معتمرًا فكلم الناس على المنبر، وزاد ابن خزيمة وهو يومئذٍ خليفة (وجاءت السمراء) أي كثرت الحنطة الشامية ورخصت (قال: أرى) بضم الهمزة أي أظن ولأبي ذر: أرى (مدًّا) واحدًا (من هذا) الحب أو القمح (يعدل مدّين) من سائر الحبوب وبهذا ونحوه تمسك أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- وأجيب بأنه قال في أول الحديث صاعًا من طعام وهو في الحجاز الحنطة فهو صريح في أن الواجب منها صاع، وقد عدّد الأقوات فذكر أفضلها قوتًا عندهم وهو البر لا سيما وعطفت بأو الفاصلة فالنظر إلى ذواتها لا قيمتها ومعاوية إنما صرح بأنه رأيه فلا يكون حجة على غيره اهـ. لكن نازع ابن المنذر في كون المراد بالطعام الحنطة كما مرّ قريبًا وقد زاد مسلم قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه أبدًا ما عشت، وله من طريق ابن عجلان عن عياض فأنكر ذلك أبو سعيد وقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ ، ولابن خزيمة والحاكم والدارقطني فقال له رجل: مدّين من قمح. فقال: لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها، فدلّ على أنه لم يوافق على ذلك وحينئذٍ فليس في المسألة إجماع سكوتي. قال النووي: وكيف يكون ذلك وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة وأعلم بأحوال النبي ﷺ . ٧٦ - باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْعِيدِ (باب) استحباب إخراج (الصدقة) أي صدقة الفطر (قبل) خروج الناس إلى صلاة (العيد) وقد صرح بذلك الفقهاء من المذاهب الأربعة بل زاد الحنابلة فقالوا بكراهة تأخيرها عن الصلاة. ١٥٠٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ". وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا حفص بن ميسرة) ضد الميمنة الصنعاني. نزيل الشأم قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر:

стр. 1086

حدّثني (موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر) بن الخطاب (﵄): (أن النبي ﷺ أمر بزكاة الفطر) أن تخرج (قبل خروج الناس إلى الصلاة) أي قبل صلاة العيد وبعد صلاة الفجر عن عمرو بن دينار عن عكرمة فيما قاله ابن عيينة في تفسيره يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥] والأمر هنا للندب فيجوز تأخيرها إلى غروب شمس يوم العيد. نعم يحرم تأخير أدائها عنه بلا عذر كغيبة ماله أو الآخذ لأن القصد إغناء الفقراء عن الطلب فيه. وفي حديث ابن عمر عند سعيد بن منصور: أغنوهم يعني المساكين عن طواف هذا اليوم ويلزم قضاؤها على الفور والتعبير بالصلاة جرى على الغالب من فعلها أوّل النهار، فإن أخرت أي الصلاة استحب الأداء قبلها أوّل النهار للتوسعة على المستحقين. ١٥١٠ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ -وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ- وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ". وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة المخففة قال: (حدّثنا أبو عمر) بضم العين ولأبي ذر أبو عمر حفص بن ميسرة (عن زيد) ولأبي ذر زيد بن أسلم (عن عياض بن عبد الله بن سعد) بسكون العين ابن أبي سرح (عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال): (كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر) صادق بجميعه فلذا حمل الإمام الشافعي التقييد في الحديث السابق بقبل صلاة العيد على الاستحباب (صاعًا من طعام وقال أبو سعيد) الخدري مفسرًا ما أجمله في قوله من طعام: (وكان طعامنا الشعير) بالنصب خبر كان، وفي رواية غير أبي ذر: طعامنا الشعير بنصب طعام ورفع الشعير اسم كان مؤخرًا (والزبيب والأقط والتمر) عطف على الشعير زاد الطحاوي من طريق أخرى عن عياض فلا نخرج غيره، وهو يؤيد تغليط ابن المنذر لمن قال إن قوله صاعًا من طعام حجة لمن قال صاعًا من حنطة كما سبق تقريره، وحمل البرماوي كالكرماني الطعام هنا على اللغوي الشامل لكل مطعوم قال: ولا ينافي تخصيص الطعام فيما سبق بالبر لأنه قد عطف عليه الشعير فدلّ على التغاير وهذا كالوعد فإنه عام في الخير والشر، وإذا عطف عليه الوعيد خص بالخير وليس هو من عطف الخاص على العام نحو: فاكهة ونخل وملائكته وجبريل فإن ذلك إنما هو فيما إذا كان الخاص أشرف وهنا بالعكس اهـ. فليتأمل مع ما سبق عن ابن المنذر وغيره. ٧٧ - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الْمَمْلُوكِينَ لِلتِّجَارَةِ: يُزَكَّى فِي التِّجَارَةِ، وَيُزَكَّى فِي الْفِطْرِ (باب) وجوب (صدقة الفطر على الحرّ والمملوك) سبق قبل خمسة أبواب باب صدقة الفطر على العبد وغيره لكنه قيدها في رواية غير ابن عساكر بالمسلمين وأسقط ذلك هنا. قال الزين المنير: غرضه من الترجمة الأولى أن الصدقة لا تخرج عن كافر ولذا قيدها بقوله من المسلمين، وغرضه من هذه تمييز من تجب عليه أو عنه بعد وجود الشرط المذكور وهو الإسلام ولذا استغنى عن ذكره هنا فيها. (قال: الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (في المملوكين) بكسر الكاف حال كونهم (للتجارة: يزكي) بفتح الكاف مبنيًا للمفعول أو بكسرها مبنيًا للفاعل أي يؤدي الزكاة (في التجارة)، زكاة قيمتهم آخر الحول (ويزكي) بفتح الكاف أو بكسرها كما مرّ أيضًا (في) زكاة (الفطر) زكاة أبدانهم وهذا قول الجمهور. وقال الحنفية: لا يلزم السيد زكاة الفطر عن عبيد التجارة إذ لا يلزم في مال واحد زكاتان. قال الحافظ ابن حجر: وهذا التعليق وصله ابن المنذر ولم أقف على إسناده وذكر بعضه أبو عبيد في كتاب الأموال. ١٥١١ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ -أَوْ قَالَ: رَمَضَانَ- عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِي التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ فَأَعْطَى شَعِيرًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيَّ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا. وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضلَ السدوسيّ البصري الملقب بعارم بالعين والراء المهملتين قال: (حدّثنا حماد بن زيد) هو ابن درهم الجهضمي قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر) بن الخطاب (﵄ قال: فرض النبي ﷺ صدقة الفطر -أو قال-:) صدقة (رمضان) شك الراوي في المقول منهما وكلاهما صحيح لتعليق الصدقة بهما، وفي رواية في الصحيحين الجمع بينهما وهي فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان (على الذكر والأنثى والحر والمملوك) قنا كان أو مدبرًا أو أم ولد أو معلق العتق

стр. 1087

بصفة ولو آبقًا ومغصوبًا ومؤجرًا ومرهونًا يؤدّيها السيد عنه (صاعًا من تمر وصاعًا من شعير)، أما المكاتب فلا فطرة عليه لضعف ملكه ولا على سيده عنه لنزوله منه منزلة الأجنبي، وأما المبعض فقال الشافعي: يخرج هو من الصاع بقدر حريته وسيده بقدر رقه وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والمشهور عند المالكية أن على المالك بقدر نصيبه ولا شيء على العبد، وقال أبو حنيفة: لا شيء فيه عليه ولا على السيد (فعدل الناس به) أي بصاع التمر أي جعلوا مثله (نصف صاع من برّ)، ولما كان الكلام متضمنًا ترك المعدول عنه أدخل الباء عليه لأنها تدخل على المتروك ففي الباء معنى البدلية، والمراد بالناس معاوية ومن معه كما مرّ لا جميع الناس حتى يكون إجماعًا كما نقل عن أبي حنيفة أنه استدلّ به وقد مر ما فيه، (فكان ابن عمر يعطي التمر) وفي رواية مالك في الموطأ عن نافع: كان ابن عمر لا يخرج إلا التمر في زكاة الفطر إلا مرة واحدة فإنه أخرج شعيرًا (فأعوز) بفتح الهمزة والواو بينهما عين مهملة ساكنة آخره زاي أي احتاج، ولأبي ذر: فأعوز بضم الهمزة وكسر الواو (أهل المدينة من التمر) فلم يجدوه (فأعطى شعيرًا) وهو يدل على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر، ومذهب الشافعية أن الواجب جنس القوت المعشر وكذا الأقط لحديث أبي سعيد السابق وفي معناه اللبن والجبن فيجزئ كل من الثلاثة لمن هو قوته ولا يجزئ المخيض والمصل والسمن والجبن المنزوع الزبد لانتفاء الاقتيات بها ولا المملح من الأقط الذي أفسد كثرة الملح جوهره، ويجب من غالب قوت بلده فأوفى قوله في الحديث صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير ليست للتخيير بل لبيان الأنواع التي يخرج منها وذكرًا لأنهما الغالب في قوت أهل المدينة، وجاءت أحاديث أخرى بأجناس أخرى فعند الحاكم: أو صاعًا من قمح، ولأبي داود والنسائي: أو سلت، وللمؤلّف وغيره كما سبق: أو زبيب أو أقط وكلها محمولة على أنها غالب أقوات المخاطبين بها ويجزئ الأعلى عن الأدنى ولا عكس، والاعتبار بزيادة الاقتيات في الأصح فالبرّ خير من التمر والأرز، والشعير خير من التمر لأنه أبلغ في الاقتيات، والتمر خير من الزبيب. وقال الحنفية: يتخير بين البرّ والدقيق والسويق والزبيب والتمر، والدقيق أولى من البرّ، والدراهم أولى من الدقيق فيما يروى عن أبي يوسف. وقال المالكية: من أغلب قوت المزكي أو قوت البلد الذي هو فيه من معشر وهو القمح والشعير والأرز والذرة والدخن والتمر والزبيب والأقط غير العلس إلا أن يقتات غير المعشر والأقط كالتين والقطاني والسويق واللحم واللبن فإنه يخرج منه على المشهور. قال نافع: (فكان ابن عمر) ﵄ (يعطي) زكاة الفطر (عن الصغير والكبير حتى إن كان يعطي) الفطرة (عن بني) بفتح الموحدة وكسر النون وتشديد التحتية أي الذين رزقهم وهو في الرق أو بعد أن أعتق على سبيل التبرع أو كان يرى وجوبها على جميع من يمونه ولو لم تكن نفقته واجبة عليه، وهمزة إن مكسورة ومفتوحة فقال الكرماني: شرط المكسورة اللام في الخبر أي نحو: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] والمفتوحة قد ونحوه وأجاب بأنهما مقدّرتان أو تجعل أن مصدرية وكان زائدة اهـ. وتعقبه العينى فقال: هذا تعسف والأوجه أن يقال: إن أن مخففة من الثقيلة وأصله حتى أنه كان أي حتى أن ابن عمر كان يعطي. وأجاب في المصابيح عن اللام بأنه إذا دل على قصد الإثبات جاز تركها كقوله: إن كنت قاضي نحبي يوم بينكم … لو لم تمنوا بوعد يوم توديع إذ المعنى فيه لا يستقيم إلا على إرادة الإثبات، والدليل في الحديث موجود لأنه قال: وكان ابن عمر يعطى عن الصغير والكبير وغياه بقوله: حتى إن كان يعطي عن بني ولا تأتي الغاية مع قصد النفي أصلاً انتهى. لكن ثبت في رواية أبي ذر كما في اليونينية: ليعطي باللام ولم يضبط الهمزة إلا بالكسر وصحح عليها. قال نافع: "وكان ابن عمر ﵄ يعطيها) أي زكاة الفطر (الذين يقبلونها) أي

стр. 1088

الذين تجتمع عندهم ويتولون تفرقتها صبيحة العيد لأنه السنة قاله ابن بطال أو الذين يدّعون الفقر من غير أن يتجسس، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يقبلون بإسقاط ضمير المفعول (وكانوا) أي الناس (يعطون) بضم أوّله وثالثه أي صدقة الفطر (قبل) يوم (الفطر بيوم أو يومين) فيه جواز تقديمها قبل يوم العيد فله تعجيلها من أوّل رمضان ليلاً والصحيح منعه قبل رمضان لأنه تقديم على السبب. ٧٨ - باب صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ (باب) وجوب (صدقة الفطر على الصغير والكبير). ١٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ". وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) القطان (عن عبيد الله) بن عمر العمري (قال: حدّثني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر ﵄، قال): (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر على) ولي (الصغير) الذي لم يحتلم إن كان له مال أو على من تلزمه نفقته، وبه قال الأئمة الأربعة والجمهور خلافًا لمحمد بن الحسن حيث قال: على الأب مطلقًا (والكبير والحر والمملوك). تنبيه لا فطرة على جنين خلافًا لابن حزم حيث قال بوجوبها مستدلاً بقوله: أو صاعًا من التمر على الصغير قال: لأن الجنين في بطن أمه يقع عليه اسم صغير فإذا أكمل مائة وعشرين يومًا في بطن أمه قبل انصداع الفجر من ليلة العيد وجب أن تؤدى عنه صدقة الفطر، واستدلّ بما رواه بكر بن عبد الله المزني وقتادة أن عثمان ﵁ كان يعطي صدقة الفطر عن الصغير والكبير حتى عن الحمل في بطن أمه، وعورض بأن ما ذكر عن عثمان لا حجة فيه لأنه منقطع فإن بكرًا وقتادة روايتهما عن عثمان مرسلة. وأما قوله: على الصغير والكبير فلم يفهم عاقل منه إلا الموجودين في الدنيا وأما المعدوم فلا نعلم أحد أوجب عليه والله أعلم. وهذا آخر كتاب الزكاة والله أسأل بوجهه الكريم وبنبيه العظيم عليه أفضل الصلاة والتسليم أن يمن عليّ بإكماله وتحريره على ما يحبه تعالى ويرضاه وينفعني به والمسلمين في عافية بلا محنة. استودع الله تعالى ذلك فإنه لا تخيب ودائعه وكذا جميع مآربي، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كبيرًا. ولما فرغ المؤلّف من الزكاة عقبها بالحج لما بينهما من المناسبة لأن كلاًّ منهما عبادة مالية فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٥ - كتاب الحج (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ١ - باب وُجُوبِ الْحَجِّ وَفَضْلِهِ. وقول الله [آل عمران: ٩٧]: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (باب وجوب الحج وفضله). ولأبي ذر: تقديم البسملة على كتاب، وسقط لغيره البسملة وباب. نعم ثبت لفظ باب لابن عساكر في اليونينية، وفي نسخة تقديم البسملة، وللأصيلي فيما حكاه في فتح الباري كتاب المناسك. والحج: بفتح الحاء وكسرها وبهما قرئ بالفتح لغة أهل العالية والكسر لغة نجد، وفرق سيبويه بينهما فجعل المكسور مصدرًا واسمًا للفعل والمفتوح مصدرًا فقط. وقال ابن السكيت بالفتح القصد وبالكسر القوم الحجاج، وقال الجوهري: والحجة بالكسر المرة الواحدة وهو من الشواذ لأن القياس بالفتح وهو مبني على اختياره أنه بالفتح الاسم ومعنى الحج في اللغة القصد وفي الشرع عبادة يلزمها وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة وطواف ذي طهر اختص بالبيت عن يساره سبعًا. والمناسك: جمع منسك بفتح السين وكسرها والنسك العبادة والناسك العابد واختص بأعمال الحج، والمناسك مواقف النسك وأعمالها والنسيكة مختصة بالذبيحة. (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه، وسقط ذلك لغير أبي ذر: (﴿ولله﴾) فرض واجب (﴿على الناس حج البيت﴾) قصده للزيارة على الوجه المخصوص الآتي بيانه إن شاء الله تعالى (﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾) [آل عمران: ٩٧] بدل من الناس مخصص له، والضمير في إليه للبيت أو للحج وكل مأتي إلى الشيء فهو سبيله وحذف الرابط لفهمه أي من استطاع منهم كذا أعربه جمهور المعربين، لكن قال البدر الدماميني: يلزم عليه فصل البدل والمبدل منه بالمبتدأ وفيه نظر انتهى. وقال ابن هشام: زعم ابن

стр. 1089

السيد أن فاعل بالمصدر، ويردّه أن المعنى حينئذ ولله على الناس أن يحج المستطيع فيلزم إثم جميع الناس إذا تخلف المستطيع، وتعقبه في المصابيح بأنه بناه على الألف واللام لاستغراق الجنس وهو ممنوع لجواز كونها للعهد الذكري، والمراد حينئذ بالناس من جرى ذكره وهم المستطيعون وذلك لأن حج البيت مبتدأ والخبر قوله: لله على الناس والمبتدأ مقدم على الخبر رتبة وإن تأخر لفظًا، فإذا قدّمت المبتدأ وما هو من متعلقاته كان التقدير يرجح البيت المستطيعون حق ثابت لله على الناس أي هؤلاء المذكورين، ويدل عليه أنك لو أتيت بالضمير سد مسد أل ومصحوبها وهو علامة الأداة التي للعهد الذكري بل جعلها كذلك مقدم على جعلها للعموم، فقد صرح كثيرون بأنه إذا احتمل كون أل للعهد وكونها لغيره كالجنس أو العموم فإنا نحملها على العهد للقرينة المرشدة إليه. ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة ولهذه الآية وهو أحد أركان الإسلام الخمس ولا يتكرر وجوبه إلا لعارض نذر أو قضاء عارض. روى مسلم حديث أبي هريرة خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: يا رسول الله أكل عام؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا. فقال النبي ﷺ "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) أي أتأمرنا أن نحج كل عام؟ وهذا يدل على أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار ولا المرة وإلاّ لما صح الاستفهام، وإنما سكت ﷺ حتى قالها ثلاثًا زجرًا له عن السؤال فإن التقدم بين يدي رسول الله ﷺ منهي عنه لقوله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] لأنه ﷺ مبعوث لبيان الشرائع وتبليغ الأحكام، فلو وجب الحج كل سنة لبينه ﵊ لهم لا محالة ولا يقتصر على الأمر مطلقًا سواء سئل عنه أو لم يسأل عنه فيكون استعجالاً ضائعًا، ثم لما رأى أنه لا يزجر به ولا يقنع إلا بالجواب الصريح أجاب عنه بقوله: لو قلت نعم لوجبت كل عام حجة فأفاد به أنه لا يجيب في كل عام لما في لو من الدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره وأنه لم يتكرر لما فيه من الحرج والكلف الشاقة قاله البيضاوي. وتعقبه الطيبي بأن الاستدلال بسؤال الرجل على أن الأمر لا يفيد التكرار ولا المرة ضعيف لأن الإنكار وارد على السؤال الذي لم يقع موقعه ولهذا زجره وقال: ذروني ما تركتكم يعم الخطاب يعني اقتصروا على ما أمرتكم به على قدر استطاعتكم، فقد علم أن الرجل لو لم يسأل لم يفد غير المرة وأن التكرار يفتقر إلى دليل خارجي انتهى. ثم إن الحج مطلقًا إما فرض عين أو فرض كفاية أو تطوع واستشكل تصويره. وأجيب: بأنه يتصور في العبيد والصبيان لأن الفرضين لا يتوجهان إليهما وبأن في حج من ليس عليه فرض عين جهتين جهة تطوع من حيث أنه ليس عليه فرض عين وجهة فرض كفاية من حيث إحياء الكعبة. قال الزركشي: وفيه التزام السؤال إذ لم يخلص لنا حج تطوع على حدته وفي الأول التزامه بالنسبة للمكلفين ثم إنه لا يبعد وقوعه من غيرهم فرضًا ويسقط به فرض الكفاية عن المكلفين كما في الجهاد وصلاة الجنازة انتهى. واختلف هل هو على الفور أو على التراخي؟ فعند الشافعية على التراخي لأن الحج فرض سنة خمس كما جزم به الرافعي في كتاب الحج أو سنة ست كما صححه في السير، وتبعه عليه في الروضة ونقله في شرح المهذّب عن الأصحاب وعليه الجمهور لأنه نزل فيها قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيده ما أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي أنهم قرؤوا وأقيموا الحج، وقيل المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع وهو يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك وقد أخره ﷺ إلى سنة عشر من غير مانع فدلّ على التراخي، وإليه ذهب اللخمي وصاحب المقدمات والتلمساني من المالكية، وحكى ابن القصار عن مالك أنه على الفور، وتابعه العراقيون، وشهره صاحب الذخيرة وصاحب العدة وابن بزيزة، لكن القول بالتراخي مقيد بعدم

стр. 1090

خوف الفوات. والاستطاعة الزاد والراحلة كما فسره، ﷺ وهو يؤيد قول الشافعي: إنها بالمال ولذلك أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه. وقال مالك: بالبدن فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطريق، وقال أبو حنيفة: بمجموع الأمرين ثم إن اليهود حين أمروا بالحج قالوا: ما وجب علينا؟ فنزل قوله تعالى: (﴿ومن كفر﴾) أي جحد فريضة الحج (﴿فإن الله غني عن العالمين﴾) [آل عمران: ٩٧] فلا يضره كفرهم ولا ينفعه إيمانهم. قال البيضاوي: وضع كفر موضع من لم يحج تأكيد الوجوب به وتغليطًا على تاركه، ولذلك قال ﵊: "من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيّا" وقد أكد أمر الحج في هذه الآية من وجوه الدلالة على وجوبه بصيغة الخبر وإبرازه في الصورة الاسمية وإيراده على وجه يفيد أنه حق واجب لله في رقاب الناس وتعميم الحكم أولاً وتخصيصه ثانيًا فإنه كإيضاح بعد إبهام وتثنية وتكرير للمراد، وتسمية ترك الحج كفرًا من حيث أنه فعل الكفرة وذكر الاستغناء عنه بالبرهان والأشعار بعظم السخط لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس وأتعاب البدن وصرف المال والتجرد عن الشهوات والإقبال على الله انتهى. وهذا أخذه من قول الزمخشري لكن عبارته: جعل ومن كفر عوضًا عن ومن لم يحج تغليطًا إلى آخر الحديث، واستشكله ابن المنير بأن تاركه لا يكفر بمجرد تركه فتعين حمله على تاركه جاحدًا لوجوبه فالكفر يرجع إلى الاعتقاد قال: والزمخشري سهل عليه ذلك لأنة يعتقد أن تارك الحج يخرج عن الإيمان ويخلد في النار، ويحتمل أن يكون قوله: ومن كفر استئناف وعيد للكافرين. ١٥١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ". [الحديث ١٥١٣ - أطرافه في: ١٨٥٤، ١٨٥٥، ٤٣٩٩، ٦٢٢٨]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن سليمان بن يسار) ضد اليمين (عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: كان الفضل) اختلف على الزهري في هذا الإسناد، فرواه ابن جريج كما في باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة عنه عن سليمان بن يسار عن ابن عباس عن الفضل بن عباس، وروى ابن ماجة من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس أخبرني حصين بن عوف عن الخثعمي قال: قلت: يا رسول الله إن أبي، وسأل الترمذي البخاري عنه فقال: أصح شيء فيه ما روى ابن عباس عن الفضل. قال فيحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة انتهى. قال في الفتح وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردف النبي ﷺ حينئذ، وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والفضل هو شقيق عبد الله أمهما أم الفضل لبابة الكبرى (رديف رسول الله ﷺ ¬)، راكبًا خلفه على الدابة "فجاءت امرأة من خثعم" بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة وفتح العين المهملة غير منصرف. قال البرماي كالزركشي للعملية ووزن الفعل حي من بجيلة من قبائل اليمن، وتعقبه في المصابيح فقال: إن لم يحمل هذا على سبق قلم من المصنف أو الغلط من الناسخ فهو عجيب إذ ليس فيه وزن الفعل المعتبر عندهم، ولو قيل بأنه على وزن دحرج للزم منع صرف جعفر وهو باطل بالإجماع انتهى. (فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه) وفي رواية شعيب الآتية في الاستئذان إن شاء الله تعالى، وكان الفضل رجلاً وضيئًا أي جميلاً وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة وطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها (وجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر) بكسر الشين وفتح الخاء (فقالت:) أي المرأة (يا رسول الله وإن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي) حال كونه (شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة) صفة لشيخًا أو حال متداخلة للتي قبلها أي وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ كبير أو حصل له المال في هذه الحالة والأول أوجه كما قاله الطيبي. واختلفت طرق الأحاديث في السائل عن ذلك هل هو امرأة أو رجل وفي المسؤول عنه أيضًا أن يحج عنه هل هو أب أو أم أو أخ؟ فأكثر طرق الأحاديث الصحيحة دالة على أن السائل امرأة سألت عن
следующие страницы →