← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

الحمصي (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب) ولأبي الوقت عن سعيد بن السيب (أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول): (يتركون المدينة) بالمثناة التحتية في يتركون في فرع اليونينية وبالفوقية على الخطاب في غيره. قال الحافظ ابن حجر: الأكثر على الخطاب والمراد بذلك غير المخاطبين لكنهم من أهل البلد أو من نسل المخاطبين أو من نوعهم. قال: وروي بياء الغيبة ورجحه القرطبي قال في المصابيح: وفي كلام القرطبي إشعار ما بأن رواية البخاري ليست بتاء الخطاب اهـ. وقد ثبت بتاء الخطاب فلا عبرة بما يشعره كلام القرطبي. (على خير ما كانت) من العمارة وكثرة الأثمار وحسنها وفي أخبار المدينة لعمر بن شبة أن ابن عمر أنكر على أبي هريرة قوله خير ما كانت وقال: إنما قال ﷺ أعمر ما كانت وأن أبا هريرة صدقه على ذلك (لا يغشاها) بالغين المعجمة لا يسكنها (إلا العواف) بفتح العين المهملة والواو وآخره فاء من غير ياء جمع عافية التي تطلب أقواتها، ولأبي ذر الأعوافي بحذف أل وبالمثناة التحتية بعد الفاء (يريد عوافي السباع والطير) بنصب ياء عوافي. قال القاضي عياض: هذا جرى في العصر الأول وانقضى، وقد تركت المدينة على ما أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة منها إلى الشأم وذلك خير ما كانت للدين لكثرة العلماء بها وللدنيا لعمارتها واتساع حال أهلها. وذكر الإخباريون في بعض الفتن التي جرت في المدينة أنه رحل عنها أكثر الناس وبقيت أكثر ثمارها للعوافي وخلت مدّة ثم تراجع الناس إليها. وقال النووي: المختار أن هذا الترك يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة ويوضحه قصة الراعيين فقد وقع عند مسلم ثم يحشر راعيان، وفي البخاري أنهما آخر من يحشر، وقال أبو عبد الله الأبي: وهذا لمن يقع ولو وقع لتواتر بل الظاهر أنه لم يقع بعد، ودليل المعجزة يوجب القطع بوقوعه في المستقبل إن صح الحديث وأن الظاهر أنه بين يدي نفخة الصعق كما يدل عليه موت الراعيين اهـ. ومراده بالراعيين المذكوران في قوله (وآخر من يحشر) بضم أوله وفتح ثالثه أي آخر من يموت فيحشر لأن الحشر بعد الموت، ويحتمل أن يتأخر حشرهما لتأخر موتهما ويحتمل آخر من يحشر إلى المدينة أي يساق إليها كما في لفظ رواية مسلم (راعيان من مزينة) بضم الميم وفتح الزاي المعجمة قبيلة من مضر (يريدان المدينة ينعقان) بكسر العين المهملة وبعدها قاف ماضي نعق بفتحها أي يصيحان (بغنمهما) ليسوقاها وذلك عند قرب الساعة وصعقة الموت (فيجدانها) أي يجدان المدينة (وحوشًا) بالجمع أي ذات وحوش لخلوّها من سكانها ولغير الأربعة وحشًا بالإِفراد أي خالية ليس بها أحد والوحش من الأرض الخلاء وقد يكون وحشًا بمعنى وحوش، وأصل الوحش كل شيء توحش من الحيوان وجمعه وحوش وقد يعبر بواحده عن جمعه، وحينئذٍ فالضمير للمدينة. وعن ابن المرابط: أنه للغنم أي انقلبت الغنم وحوشًا والقدرة صالحة أو المعنى أن الغنم صارت متوحشة تنفر من أصوات الرعاة وأنكره القاضي وصوّب النووي الأول. (حتى إذا بلغا) أي الراعيان (ثنية الوداع) التي كان يشيع إليها ويودّع عندها وهي من جهة الشأم (خرًا) بفتح المعجمة وتشديد الراء أي سقطا (على وجوههما) ميتين ثم إن قوله: وآخر من يحشر الخ يحتمل أن يكون حديثًا آخر غير الأوّل لا تعلق له به وأن يكون من بقيته وعليهما يترتب الاختلاف السابق عن عياض والنووي والله أعلم. وقد أخرج الحديث مسلم. ١٨٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن) أخيه (عبد الله بن الزبير) بن العوام (عن سفيان بن أبي زهير) بضم الزاي وفتح الهاء مصغرًا الأزدي من أزد شنوأة بفتح المعجمة وضم النون وبعد الواو همزة النمري ويلقب بابن القرد بفتح القاف وكسر الراء وبعدها دال مهملة صحابي يعدّ في أهل

стр. 1332

المدينة (﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول): (تفتح اليمن) بضم الفوقية وسكون الفاء وفتح الفوقية مبنيًا للمفعول واليمن رفع نائب فاعل وسمي اليمن لأنه عن يمين القبلة أو عن يمين الشمس أو بيمن بن قحطان (فيأتي قوم) من الذين حضروا فتحها وأعجبهم حسنها ورخاؤها (يبسون) بفتح المثناة التحتية وكسر الموحدة وتشديد المهملة ثلاثيًا. وعن ابن القاسم بضم الموحدة فهو من باب ضرب يضرب، ومن باب نصر ينصر وبضم التحتية مع كسر الموحدة أيضًا من الثلاثي المزيد أي يسوقون دوابهم إلى المدينة سوقًا لينًا (فيتحملون)، منها أي المدينة (بأهليهم ومن أطاعهم) من الناس راحلين إلى اليمن (والمدينة خير لهم) منها لأنها حرم الرسول ﷺ وجواره مهبط الوحي ومنول البركات (لو كانوا يعلمون) بما فيها من الفضانل كالصلاة في مسجدها وثواب الإقامة فيها وغير ذلك من الفوائد الدنيوية والأخروية التي يستحقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها ما ارتحلوا منها. وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وظاهره أن الذين يتحملون غير الذين يبسون فكأن الذي حضر الفتح أعجبه حُسن اليمن ورخاؤه فدعا قريبه إلى المجيء إليه، فيحتمل المدعوّ بأهله وأتباعه، لكن صوّب النووي أن في حديث الباب الإخبار عمن خرج من المدينة متحملاً بأهله بأسًا في سيره مسرعًا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة. وفي رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة في هذا الحديث ما يؤيده ولفظه: تفتح الشام فيخرج الناس إليها يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. ويوضح ذلك حديث جابر عند البزار مرفوعًا: ليأتين على أهل المدينة زمان ينطلق الناس منها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء فيجدون رخاء ثم يتحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. وقال المنذري: رجاله رجال الصحيح، والأرياف جمع ريف بكسر الراء وهو ما قارب المياه في أرض العرب، وقيل: هو الأرض التي فيها الزرع والخصب، وقيل غير ذلك. (وتفتح الشام) بضم أوّله مبنيًّا لما لم يسم فاعله وسمي بالشام لأنه عن شمال الكعبة (فيأتي قوم يبسون) بفتح أوله وضمه وكسر الموحدة وضمها (فيتحملون) من المدينة (بأهليهم ومن أطاعهم) من الناس راحلين إلى الشام (والمدينة خير لهم) منها لما ذكر (لو كانوا يعلمون) بفضلها فالجواب محذوف كما في السابق واللاحق دلّ عليه ما قبله، وإن كانت "لو" بمعنى "ليت" فلا جواب لها وعلى كلا التقديرين ففيه تجهيل لمن فارقها لتفويته على نفسه خيرًا عظيمًا، (وتفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم) من المدينة (ومن أطاعهم) من الناس راحلين إلى العراق (والمدينة خير لهم) من العراق (لو كانوا يعلمون). والواو في قوله والمدينة في الثلاثة للحال وهذا من أعلام نبوّته ﷺ حيث أخبر ﵊ بفتح هذه الأقاليم، وأن الناس يتحملون بأهاليهم ويفارقون المدينة فكان ما قاله ﵊ على الترتيب المذكور في الحديث، لكن في حديث عند مسلم وغيره تفتح الشام ثم اليمن ثم العراق، والظاهر أن اليمن فتح قبل فتح الشام للاتفاق على أنه لم يفتح شيء من الشام في حياته ﷺ ، فتكون رواية تقديم الشام على اليمن معناها استيفاء فتح اليمن إنما كان بعد الشام وأما قول المظهري إنه ﵊ أخبر في أوّل الهجرة إلى المدينة بأنه سيفتح اليمن فيأتي قوم من اليمن إلى المدينة حتى يكثر أهل المدينة خير لهم من غيرها، فتعقبه الطيبي بأن تنكير قوم ووصفه بيبسون ثم توكيده بقوله: لو كانوا يعلمون لا يساعد ما قاله لأن تنكير قوم لتحقيرهم وتوهين أمرهم ثم الوصف بيبسون وهو سوق الدواب يشعر بركاكة عقولهم وأنهم ممن ركن إلى الحظوظ البهيمية وحطام الدنيا الفانية العاجلة وأعرضوا عن الإقامة في جوار

стр. 1333

الرسول ﵊ ولذلك كرر قومًا وصفه في كل قرينة بيبسون استحقارًا لتلك الهيئة القبيحة. قال: والذي يقتضيه هذا المقام أن ينزل يعلمون منزلة اللازم لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلية، ولو ذهب مع ذلك إلى معنى التمني لكان أبلغ لأن التمني طلب ما لا يمكن حصوله أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظًا وتشديدًا. ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أن هؤلاء القوم المذكورين تفرقوا في البلاد بعد الفتوحات ورغبوا عن الإقامة في المدينة، ولو صبروا على الإقامة فيها لكان خيرًا لهم، أما من خرج لحاجة كجهاد أو تجارة فليس داخلاً في معنى الحديث. ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون إلا شيخه، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والسماع والقول، ورواية تابعي عن تابعي لأن هشامًا لقي بعض الصحابة وصحابي عن صحابي، وأخرجه مسلم في الحج وكذا النسائي. ٦ - باب الإِيمَانُ يَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ هذا (باب) بالتنوين (الإيمان يأرز إلى المدينة) بهمزة ساكنة وراء مكسورة ثم زاي كضرب يضرب أي ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض فيها. وحكى القابسي فتح الراء من باب علم يعلم وحكى ضمها من باب نصر ينصر. ١٨٧٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا». وبالسند قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) هو إبراهيم بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة الحزامي قال: (حدّثنا أنس بن عياض) أبو ضمرة الليثي المدني (قال: حدثني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر العمري (عن) خاله (خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى (عن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (إن الإيمان ليأرز) اللام في ليأرز للتوكيد أي أن أهل الإيمان لتنضم وتجتمع (إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها) أي كما تنتشر الحية من حجرها في طلب ما تعيش به فإذا راعها شيء رجعت إلى حجرها كذلك الإيمان انتشر من المدينة فكل مؤمن له من نفسه سائق إليها لمحبته في ساكنها صلوات الله وسلامه عليه، وهذا شامل لجميع الأزمنة. أما زمنه ﷺ فللتعلم منه، وأما زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم فللاقتداء بهديهم، وأما بعدهم فلزيارة قبره المنيف، والصلاة في مسجده الشريف، والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه رزقني الله ذلك، والممات على محبته هنالك. يا سيدي يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربك في ذلك وفي جميع أموري، اللهم شفّعه فيّ وفي سلفي. وهذا الحديث رواه مسلم في الإيمان وابن ماجة في الحج والله أعلم. ٧ - باب إِثْمِ مَنْ كَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ (باب إثم من كاد أهل المدينة) أي أراد بهم سوءًا. ١٨٧٧ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ عَنْ جُعَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ -هي بنتُ سَعْدٍ- قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلاَّ انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ». وبالسند قال: (حدّثنا حسين بن حريث) بضم الحاءين وآخر الثاني مثلثة مصغرين المروزي مولى عمران بن الحصين الخزاعي قال: (أخبرنا الفضل) بن موسى السيناني بكسر السين المهملة وسكون التحتية وبالنونين المروزي (عن جعيد) بضم الجيم وفتح العين وسكون التحتية مصغرًا ابن عبد الرحمن بن أوس (عن عائشة) زاد في رواية غير ابن عساكر وأبي ذر: هي بنت سعد بسكون العين أي ابن وقاص (قالت: سمعت سعدًا) تعني أباها (﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول): (لا يكيد أهل المدينة أحد) أي لا يفعل بهم كيدًا من مكر وحرب وغير ذلك من وجوه الضرر بغير حق (إلا انماع) بسكون النون بعد ألف الوصل آخره مهملة أي ذاب (ما ينماع) يذوب (الملح في الماء) وفي حديث مسلم في رواية: ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء، وهذا صريح في الترجمة لأنه لا يستحق هذا العذاب إلا من ارتكب إثمًا عظيمًا. ٨ - باب آطَامِ الْمَدِينَةِ (باب آطام المدينة) بالمد جمع أطم بضمتين وهي الحصون التي تبنى بالحجارة. ١٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ بن عبد الله حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ سَمِعْتُ أُسَامَةَ ﵁ قَالَ: "أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ". تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. [الحديث ١٨٧٨ - أطرافه في: ٢٤٦٧، ٣٥٩٧، ٧٠٦٠]. وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني وسقط في غير رواية أبي ذر بن عبد الله قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال (حدّثنا ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (قال: سمعت أسامة) بن زيد (﵁ قال: أشرف النبي ﷺ ¬) نظر من مكان مرتفع (على أطم من آطام المدينة) بضم الهمزة والطاء

стр. 1334

في الأول وفتحهما ممدودًا في الثاني (فقال): (هل ترون ما أرى إني لأرى) بالبصر (مواقع) أي مواضع سقوط (الفتن خلال بيوتكم) أي نواحيها بأن تكون الفتن مثلت له حتى رآها (كمواقع القطر) وهذا كما مثلت له الجنة والنار في القبلة حتى رآهما وهو يصلّي أو تكون الرؤية بمعنى العلم، وشبه سقوط الفتن وكثرتها بالمدينة بسقوط القطر في الكثرة والعموم، وقد وقع ما أشار إليه ﷺ من قتل عثمان وهلم جرًا، ولا سيما يوم الحرّة وهذا من أعلام النبوة. وقد أخرج المؤلّف هذا الحديث في المظالم وفي علامات النبوة وفي الفتن ومسلم في الفتن. (تابعه) أي تابع سفيان (معمر) هو ابن راشد مما وصله المؤلّف في الفتن (وسليمان بن كثير) العبدي الواسطي مما رواه مسلم (عن الزهري). ٩ - باب لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ الْمَدِينَةَ هذا (باب) بالتنوين (لا يدخل الدجال المدينة). ١٨٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ». [الحديث ١٨٧٩ - طرفاه في: ٧١٢٥، ٧١٢٦]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعد عن أبيه) سعد بن إبراهيم الزهري القرشي (عن جده) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي بكرة) نفيع بن الحرث بن كلدة الثقفي (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال) بضم الراء أي ذعره وخوفه والدجال من الدجل وهو الكذب والخلط لأنه كذاب خلاط وإذا لم يدخل رعبه فالأولى أن لا يدخل (لها) أي للمدينة (يومئذ سبعة أبواب على كل باب) وللكشميهني لكل باب (ملكان) يحرسانها منه. ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون وفيه تابعي والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في الفتن وهو من أفراده. ١٨٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ». [الحديث ١٨٨٠ - طرفاه في: ٥٧٣١، ٧١٣٣]. وبه قال: (حدثنا إسماعيل) بن أبي أويس عبد الله المدني (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نعيم بن عبد الله المجمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية بينهما جيم ساكنة آخره راء مولى آل عمر المدني (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (على أنقاب المدينة) جمع نقب بفتح النون وسكون القاف وهو جمع قلة وجمع الكثرة نقاب، وسيأتي أيضًا إن شاء الله تعالى. قال ابن وهب يعني مداخل المدينة وهي أبوابها وفوّهات طرقها التي يدخل إليها منها كما جاء في الحديث الآخر: على كل باب منها ملك، وقيل طرقها والنقب بفتح النون وضمها وسكون القاف. قال في القاموس: الطريق في الجبل (ملائكة) يحرسونها (لا يدخلها الطاعون) الموت الذريع الفاشي أي لا يكون بها مثل الذي يكون بغيرها كالذي وقع في طاعون عمواس والجارف، وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله فلم ينقل قط أنه دخلها الطاعون وذلك ببركة دعائه ﷺ اللهم صححها لنا: (ولا) يدخلها (الدجال) قال الطيبي: وجملة لا يدخلها مستأنفة بيان لموجب استقرار الملائكة على الأنقاب. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الفتن والطب، ومسلم في الحج، والنسائي في الطب والحج. ١٨٨١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلاَّ سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلاَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلاَّ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا. ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ». [الحديث ١٨٨١ - أطرافه في: ٧١٢٤، ٧١٣٤، ٧٤٧٣]. وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي بالزاي قال: (حدّثنا الوليد) بن مسلم الدمشقي القرشي ثقة لكنه كثير التدليس قال: (حدّثنا أبو عمرو) بفتح العين هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي قال: (حدّثنا إسحاق) بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري المدني قال: (حدثني) بالإفراد (أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (ليس من بلد) أي من البلدان يسكن الناس فيه وله شأن (إلا سيطؤه) سيدخله (الدجال) قال الحافظ ابن حجر: هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم فقال: المراد لا يدخله بعثه وجنوده وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته وغفل عما ثبت في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر السنة اهـ. قال العيني: يحتمل أن يكون إطلاق قدر السنة على بعض أيامه ليس على حقيقته بل لكون الشدة العظيمة الخارجة عن الحد فيه أطلق عليه كأنه قدر السنة. (إلا مكة والمدينة) لا يطؤهما وهو مستثنى من المستثنى لا من بلد أي في اللفظ وإلاّ ففي المعنى منه لأن الضمير في سيطؤه عائد على البلد

стр. 1335

وعند الطبري من حديث عبد الله بن عمر: وإلا الكعبة وبيت المقدس، وزاد أبو جعفر الطحاوي ومسجد الطور، وفي بعض الروايات فلا يبقى له موضع إلا ويأخذه غير مكة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطور فإن الملائكة تطرده عن هذه المواضع (ليس له) سقط لأبي الوقت: له (من نقابها) بكسر النون أي من نقاب المدينة (نقب إلا عليه الملائكة) حال كونهم (صافين) حال كونهم (يحرسونها) منه وهو من الأحوال المتداخلة وسقط في رواية أبي الوقت لفظ له ونقب (ثم ترجف المدينة) أي تزلزل (بأهلها) الباء يحتمل أن تكون سببية أي تزلزل وتضطرب بسبب أهلها التنفض إلى الدجال الكافر والمنافق وأن تكون حالاً أي ترجف متلبسة بأهلها. وقال المظهري ترجف المدينة بأهلها أي تحركهم وتلقي ميل الدجال في قلب من ليس بمؤمن خالص فعلى هذا فالباء صلة الفعل (ثلاث رجفات) بفتحات (فيخرج الله) في الثالثة منها (كل كافر ومنافق) ويبقى بها المؤمن الخالص فلا يسلط عليه الدجال، وللحموي والكشميهني: فيخرج الله إلى الدجال كل كافر ومنافق، وهذا لا يعارضه ما في حديث أبي بكرة الماضي أنه لا يدخل المدينة رعب الدجال لأن المراد بالرعب ما يحصل من الفزع من ذكره والخوف من عتوّه لا الرجفة التي تقع بالزلزلة لإخراج من ليس بمخلص. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم في الفتن والنسائي في الحج. ١٨٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: "حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا طَوِيلاً عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَنْ قَالَ: يَأْتِي الدَّجَّالُ -وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ- بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ -أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ- فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ. فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ. فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَقْتُلُهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ". [الحديث ١٨٨٢ - طرفه في: ٧١٣٢]. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري ثقة في الليث وتكلموا في سماعه من مالك قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بضم العين في الأول مصغرًا وسكون الفوقية في الثالث بعد الضم ابن مسعود الهذلي المدني (إن أبا سعيد الخدري ﵁ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ حديثًا طويلاً عن الدجال) عن حاله وفعله وسقط في رواية أبي الوقت قوله حديثًا (فكان فيما حدّثنا به أن قال): أن مصدرية أي قوله: (يأتي الدجال -وهو محرّم عليه أن يدخل) أي دخوله (نقاب المدينة ينزل) جملة مستأنفة كأن قائلاً قال إذا كان الدخول عليه حرامًا فكيف يفعل قال ينزل: (بعض السباخ التي بالمدينة)، بكسر السين جمع سبخة وهي الأرض تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت شيئًا والمعنى أنه ينزل خارج المدينة على أرض سبخة من سباخها وسقط في رواية أبي ذر عن الكشميهني قوله ينزل (فيخرج إليه) أي إلى الدجال (يومئذ رجل هو خير الناس -أو من خير الناس-) شك من الراوي وذكر إبراهيم بن سفيان الراوي عن مسلم كما في صحيحه أنه يقال إنه الخضر وكذا حكاه معمر في جامعه، وهذا إنما يتم على القول ببقاء الخضر كما لا يخفى (فيقول): الرجل (أشهد أنك الدجال الذي حدّثنا عنك رسول الله ﷺ حديثه) (فيقول الدجال): لمن معه من أوليائه (أرأيت) أي أخبرني (إن قتلت هذا) الرجل (ثم أحييته هل تشكون في الأمر؟ فيقولون لا) أي اليهود ومن يصدقه من أهل الشقاوة أو العموم يقولون ذلك خوفًا منه لا تصديقًا له أو يقصدون بذلك عدم الشك في كفره وأنه دجال (فيقتله ثم يحييه) بقدرة الله تعالى ومشيئته. وفي مسلم: فيأمر الدجال به فيشج فيقول خذوه فيوسع ظهره وبطنه ضربًا فيقول: أو ما تؤمن بي؟ قال فيقول: أنت المسيح الكذاب فيؤشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له قم فيستوي قائمًا (فيقول: حين يحييه والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم) لأن النبي ﷺ أخبر بأن علامة الدجال أنه يحيي المقتول فزادت بصيرته بتلك العلامة. وفي بعض النسخ: أشد مني بصيرة اليوم فالمفضل والمفضل عليه كلاهما هو نفس المتكلم لكنه مفضل باعتبار غيره (فيقول الدجال أقتله فلا يسلط عليه) أي على قتله لأن الله يعجزه بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره

стр. 1336

وحينئذ يبطل أمره. وفي مسلم ثم يقول أي الرجل: يا أيها الناس أنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس قال فيأخذه الدجال حتى يذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسًا فلا يستطيع إليه سبيلاً قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس أنه قذفه إلى النار وإنما ألقي في الجنة فقال رسول الله ﷺ "هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين". وحديث الباب أخرجه المؤلّف في الفتن وكذا مسلم وأخرجه النسائي في الحج. ١٠ - باب الْمَدِينَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ هذا (باب) بالتنوين (المدينة تنفي الخبث). ١٨٨٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُومًا فَقَالَ أَقِلْنِي، فَأَبَى -ثَلَاثَ مِرَارٍ- فَقَالَ: الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا". [الحديث ١٨٨٣ - أطرافه في: ٧٢٠٩، ٧٢١١، ٧٢١٦، ٧٣٢٢]. وبالسند قال: (حدّثنا عمرو بن عباس) بفتح العين وسكون الميم وعباس بالموحدة وبعد الألف مهملة الباهلي البصري أو هو الأهوازي قال: (حدّثنا عبد الرحمن) بن مهدي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن محمد بن المنكدر عن جابر) السلمي بفتح السين المهملة واللام (﵁) أنه (قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ¬) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في ربيع الأبرار أنه قيس بن أبي حازم وهو مشكل لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي ﷺ قد مات، فإن كان محفوظًا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي الذيل لأبي موسى في الصحابة قيس بن حازم المنقري فيحتمل أن يكون هو هذا. (فبايعه على الإسلام فجاء من الغد) حال كونه (محمومًا فقال): للنبي ﷺ (أقلني) قال عياض من المبايعة على الإسلام، وقال غيره إنما استقالته على الهجرة ولم يرد الارتداد عن الإسلام. قال ابن بطال بدليل أنه لم يرد حل ما عقده إلا بموافقة النبي ﷺ على ذلك، ولو أراد الردة ووقع فيها لقتله إذ ذاك، وحمله بعضهم على الإقالة من المقام بالمدينة (فأبى) النبي- ﷺ أن يقيله (ثلاث مرار) تنازعه الفعلان قبله وهما قوله فقال، وقوله فأبى أي قال ذلك ثلاث مرات وهو- ﷺ يأبى من إقالته وإنما لم يقله بيعته لأنها إن كانت بعد الفتح فهي على الإسلام فلم يقله إذ لا يحل الرجوع إلى الكفر وإن كانت قبله فهي على الهجرة والمقام معه بالمدينة ولا يحل للمهاجر أن يرجع إلى وطنه، (فقال): ﵊: (المدينة كالكير) بكسر الكاف المنفخ الذي تنفخ به النار أو الموضع المشتمل عليها (تنفي خبثها) بمعجمة فموحدة مفتوحتين ومثلثة ما تبرزه النار من الوسخ والقذر (وينصع طيبها) بفتح الطاء وتشديد التحتية وبالرفع فاعل ينصع وهو بفتح التحتية وسكون النون وفتح الصاد المهملة آخره عين مهملة من النصوع وهو الخلوص، ولأبي ذر عن المحموي والمستملي: وتنصع بالمثناة الفوقية أي المدينة طيبها بكسر الطاء وسكون التحتية منصوب على المفعولية كذا في اليونينية والرواية الأولى في طيبها. قال أبو عبد الله الأبي: هي الصحيحة وهي أقوم معنى وأي مناسبة بين الكير والطيب اهـ. وهذا تشبيه حسن لأن الكير بشدة نفخه ينفي عن النار السخام والدخان والرماد حتى لا يبقى إلا خالص الجمر، وهذا إن أريد بالكير المنفخ الذي ينفخ به النار، وإن أريد به الموضع فيكون المعنى إن ذلك الموضع لشدة حرارته ينزع خبث الحديد والفضة والذهب ويخرج خلاصة ذلك والمدينة كذلك تنفي شرار الناس بالحمى والوصب وشدة العيش وضيق الحال التي تخلص النفس من الاسترسال في الشهوات وتطهر خيارهم وتزكيهم، وليس الوصف عامًا لها في جميع الأزمنة بل هو خاص بزمن النبي ﷺ لأنه لم يكن يخرج عنها رغبة في عدم الإقامة معه إلا من لا خير فيه، وقد خرج منها بعده جماعة من خيار الصحابة وقطنوا غيرها وماتوا خارجًا عنها. كابن مسعود، وأبي موسى، وعلي، وأبي ذر، وعمار، وحذيفة، وعبادة بن الصامت، وأبي عبيدة، ومعاذ، وأبي الدرداء وغيرهم. فدلّ على أن ذلك خاص بزمنه ﷺ بالقيد المذكور. ١٨٨٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ يَقُولُ: "لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَقْتُلُهُمْ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا نَقْتُلُهُمْ فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينِ فِئَتَيْنِ﴾ [انساء: ٨٨] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ". [الحديث ١٨٨٤ - طرفاه في: ٤٠٥٠، ٤٥٨٩]. وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عديّ بن ثابت) الأنصاري الصحابي (عن عبد الله بن يزيد) من الزيادة الخطمي الأنصاري الصحابي أنه (قال: سمعت زيد بن ثابت ﵁ يقول: لما خرج النبي) ولأبي ذر: رسول الله (-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 1337

وَسَلَّمَ- إلى) غزوة (أحد) وكانت سنة ثلاث من الهجرة (رجع ناس من أصحابه) ﵊ من الطريق وهم عبد الله بن أبي ومن تبعه (فقالت فرقة) من المسلمين (نقتلهم) أي نقتل الراجعين، (وقالت فرقة): منهم (لا نقتلهم) لأنهم مسلمون (فنزلت) لما اختلفوا ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ [النساء: ٨٨] أي تفرقتم في أمرهم فرقتين حال عاملها لكم وفي المنافقين متعلق بما دل عليه فئتين أي متفرقين فيهم، (وقال النبي ﷺ ¬): (إنها) أي المدينة (تنفي الرجال) جمع رجل والألف واللام للعهد أي شرارهم وأخساءهم أي تميز وتظهر شرار الرجال من خيارهم، ولأبي ذر عن الكشميهني: تنفي الدجال بالدال وتشديد الجيم. قال في الفتح: وهو تصحيف، وفي غزوة أحد تنفي الذنوب، وفي تفسير سورة النساء تنفي الخبث، وأخرجه في هذه المواضع كلها من طريق شعبة، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من رواية غندر عن شعبة باللفظ الذي أخرجه في التفسير من طريق غندر وغندر يثبت الناس في شعبة وروايته توافق رواية حديث جابر الذي قبله حيث قال فيه: تنفي خبثها، وكذا أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة تنفي الناس، والرواية التي هنا تنفي الرجال لا تنافي الرواية التي بلفظ الخبث بل هي مفسرة للرواية المشهورة بخلاف تنفي الذنوب، ويحتمل أن يكون فيه حذف تقديره أهل الذنوب فتلتئم مع باقي الروايات اهـ. (كما تنفي النار خبث الحديد) وتبقي الطيب أزكى ما كان وأخلص وكذلك المدينة. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي والتفسير ومسلم في المناسك وفي ذكر المنافقين والترمذي والنسائي في التفسير. باب هذا (باب) بالتنوين بلا ترجمة فهو بمعنى الفصل من الباب وفيه حديثان فمناسبة الأول لما سبق من جهة أن تضعيف البركة وتكثيرها يلزم منه تقليل ما يضادها فناسب نفي الخبث ومناسبة الثاني من جهة أن حب الرسول ﷺ للمدينة يناسب طيب ذاتها وأهلها، وسقط لفظ باب لأبي ذر. ١٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي سَمِعْتُ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَىْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ». تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ يُونُسَ. وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبوي ذر والوقت حدثني (عبد الله بن محمد) المسندي بفتح النون أو بكسرها قال: (حدّثنا وهب بن جرير) بفتح الجيم قال: (حدّثنا أبي) جرير بن حازم قال: (سمعت يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس) هو ابن مالك (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (اللهم اجعل بالمدينة ضعفي) تثنية ضعف بالكسر، قال في القاموس مثله وضعفاه مثلاه أو الضعف المثل إلى ما زادوا يقال لك ضعفه يريدون مثليه وثلاثة أمثاله لأنه زيادة غير محصورة وقول الله تعالى: ﴿يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: ٣٠] أي ثلاثة أعذبة ومجاز يضاعف أي يجعل إلى الشيء شيئان حتى يصير ثلاثة اهـ. وقال الفقهاء في الوصية بضعف نصيب ابنه مثلاه وبضعفيه ثلاثة أمثاله عملاً بالعرف في الوصايا وكذا في الأقارير نحو له على ضعف درهم فيلزمه درهمان لا العمل باللغة والمعنى هنا اللهم اجعل بالمدينة مثلي (ما جعلت بمكة من البركة) أي الدنيوية إذ هو مجمل فسره الحديث الآخر اللهم بارك لنا في صاعنا ومدّنا فلا يقال أن مقتضى إطلاق البركة أن يكون ثواب صلاة المدينة ضعفي ثواب الصلاة بمكة، أو المراد عموم البركة، لكن خصت الصلاة ونحوها بدليل خارجي فاستدلّ به على تفضيل المدينة على مكة وهو ظاهر من هذه الجهة لكن لا يلزم من حصول أفضلية المفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية على الإطلاق وأيضًا لا دلالة في تضعيف الدعاء للمدينة على فضلها على مكة إذ لو كان كذلك للزم أن يكون الشأم واليمن أفضل من مكة لقوله في الحديث الآخر: اللهم بارك لنا في شأمنا ويمننا أعادها ثلاثًا وهو باطل لما لا يخفى فالتكرير للتأكيد والمعنى واحد قال الأبي: ومعنى ضعف ما بمكة أن المراد ما أشبع بغير مكة رجلاً أشبع بمكة رجلين وبالمدينة ثلاثة فالأظهر في الحديث أن البركة إنما هي في الاقتيات. وقال النووي في نفس المكيل بحيث يكفي المد فيها من لا يكفيه في غيرها وهذا أمر محسوس عند

стр. 1338

من سكنها. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحج. (تابعه) أي تابع جرير بن حازم (عثمان بن عمر) بضم العين البصري مما وصله الذهلي في الزهريات (عن يونس) بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب. ١٨٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا، مِنْ حُبِّهَا". وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري الزرقي (عن حميد) بضم الحاء وفتح الميم مصغرًا ابن أبي حميد الطويل البصري (عن أنس ﵁): (أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة) بضم الجيم والدال جمع جدار جمع سلامة (أوضع) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالضاد المعجمة أي حمل (راحلته) على السير السريع (وإن كان على دابة حركها من حبها) أي حرك الدابة من حب المدينة وقد استجاب الله تعالى دعاء نبيه ﷺ حيث دعا اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد حتى كان يحرك دابته إذا رآها من حبها اللهم حببها إلينا وحبب صالحي أهلها فينا واجعل لنا بها قرارًا ورزقًا وتوفنا بها في عافية بلا محنة. ١١ - باب كَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَةُ (باب كراهية النبي ﷺ أن تعرى المدينة) بضم التاء من تعرى أي تخلو وأعريت المكان جعلته خاليًا ولأبي ذر أن تعرى بفتحها أي تخلو وتصير عراء وهو الفضاء من الأرض الذي لا سترة به. ١٨٨٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَةُ، وَقَالَ: يَا بَنِي سَلِمَةَ أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟ فَأَقَامُوا". وبالسند قال: (حدّثنا) ولأبي ذر وابن عساكر حدثني بالإفراد (ابن سلام) بتخفيف اللام محمد السلمي مولاهم البخاري البيكندي قال: (أخبرنا الفزاري) بفتح الفاء وتخفيف الزاي وبعدها راء مروان بن معاوية (عن حميد الطويل عن أنس ﵁ قال: أراد بنو سلمة) بكسر اللام بطن كبير من الأنصار (أن يتحولوا) من منازلهم (إلى قرب المسجد) لأنها كانت بعيدة منه (فكره رسول الله ﷺ أن تعرى المدينة) بضم أول تعرى ولأبي ذر تعرى بفتحه (وقال): ﵊: (يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم؟) أي ألا تعدون الأجر في خطاكم إلى المسجد فإن لكل خطوة أجرًا (فأقاموا) في منازلهم وأراد ﵊ أن تبقى جهات المدينة عامرة بساكنيها ليعظم المسلمون في أعين المنافقين والمشركين إرهابًا لهم وغلظة عليهم. فإن قلت: لم ترك ﵊ التعليل بذلك وعلل بمزيد الأجر لبني سلمة؟ أجيب: بأنه ذكر لهم المصلحة الخاصة بهم ليكون ذلك أدعى لهم على الموافقة وأبعث على نشاطهم إلى البقاء في ديارهم، وعلى هذا فهمه البخاري، ولذا ترجم عليه ترجمتين: إحداهما في صلاة الجماعة باب احتساب الآثار، والأخرى كراهة الرسول أن تعرى المدينة. ١٢ - باب هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة فهو كالفصل مما قبله. ١٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي». وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) بالسين المهملة بعد الميم المضمومة وتشديد المهملة الأولى ابن مسرهد (عن يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله بن عمر) بضم العين وفتح الموحدة مصغرًا العمري (قال: حدثني) بالإفراد (خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى وهو خال عبيد الله (عن حفص بن عاصم) أي ابن عمر بن الخطاب (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) حقيقة بأن يكون مقتطعًا منها كما أن الحجر الأسود والنيل والفرات منها أو مجازًا بأن يكون من إطلاق اسم المسبب على السبب فإن ملازمة ذلك المكان للعبادة سبب في نيل الجنة وهذا فيه نظر إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة على غيرها أو هي كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة أو أن تلك البقعة تنقل بعينها فتكون روضة من رياض الجنة ولا مانع من الجمع فهي من الجنة، والعمل فيها يوجب لصاحبه روضة في الجنة وتنقل هي أيضًا إلى الجنة. وفي رواية ابن عساكر: وقبري بدل بيتي. قال الحافظ ابن حجر: وهو خطأ فقد تقدم هذا الحديث في كتاب الصلاة قبيل الجنائز بهذا الإسناد بلفظ بيتي وكذلك هو في مسند مسدد شيخ البخاري فيه، نعم وقع في

стр. 1339

حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات، وعند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ القبر، فعلى هذا المراد بالبيت في قوله بيتي أحد بيوته لا كلها وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره. وقد ورد الحديث بلفظ ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة أخرجه الطبراني في الأوسط اهـ. (ومنبري) يوضع بعينه يوم القيامة (على حوضي) والقدرة صالحة لذلك وقيل يوضع له هناك منبر وقيل ملازمة منبره للأعمال الصالحة تورد صاحبها الحوض وهو الكوثر فيشرب منه واستدلّ به على أن المدينة أفضل من مكة لأنه أثبت أن الأرض التي بين البيت والمنبر من الجنة، وقد قال في الحديث الآخر: "لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها". وأجيب: بأن قوله من الجنة مجاز ولو كانت من الجنة حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة بقوله تعالى: ﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى﴾ [طه: ١١٨] سلمنا أنه على الحقيقة، لكن لا نسلم أن الفضل لغير تلك البقعة. وهذا الحديث قد سبق في آخر كتاب الصلاة في باب فضل ما بين القبر والمنبر. ١٨٨٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً … بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ … وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ قَالَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ. قَالَتْ: وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهْيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ، قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلاً. تَعْنِي مَاءً آجِنًا". [الحديث ١٨٨٩ - أطرافه في: ٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧، ٦٣٧٢]. وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين واسمه في الأصل عبد الله القرشي الكوفي الهباري قال: (حدّثنا أبو أسامة) بضم الهمزة حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة ﵂ قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة) يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول كما جزم به النووي في كتاب السير من الروضة (وعك) بضم الواو وكسر العين المهملة أي حمّ (أبو بكر) الصديق (وبلال) ﵄ (فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول): (كل امرئ مصبح) بضم الميم وفتح الصاد المهملة والموحدة المشددة أي يقال له أنعم صباحًا أو يسقي صبوحه وهو شرب الغداة (في أهله). (والموت أدنى) أقرب (من الشراك نعله). بكسر الشين المعجمة وسكون الهاء فيهما في اليونينية أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. (وكان بلال) ﵁ (إذا أقلع) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول ولأبي ذر أقلع بفتحها أي كف (عنه الحمى يرفع عقيرته) بفتح العين وكسر القاف وسكون التحتية فعيلة بمعنى مفعولة أي صوته باكيًا حال كونه (يقول): (ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة). (بواد) ويروى بفج (وحولي) مبتدأ خبره (إذخر) بكسر الهمزة وبمعجمتين الحشيش المعروف (وجليل). بفتح الجيم وكسر اللام الأولى نبت ضعيف وهو الثمام والجملة حالية وأنشده الجوهري في مادة جلل بمكة حولي بلا واو وهو أيضًا حال: (وهل أردن) بالنون الخفيفة (يومًا مياه مجنة). بفتح الميم وكسرها وفتح الجيم والنون المشددة موضع على أميال يسيرة من مكة بناحية مرّ الظهران. وقال الأزرقي: على بريد من مكة وهو سوق هجر (وهل يبدون) بالنون الخفيفة أي يظهرن (لي شامة) بالشين المعجمة (وطفيل). بفتح المهملة وكسر الفاء جبلان على نحو ثلاثين ميلاً من مكة أو الأول جبل من حدود هرشى مشرف هو وشامة على مجنة أو عينان. قيل: وليس هذان البيتان لبلال بل لبكر بن غالب بن عامر بن الحرث بن مضاض الجرهمي أنشدهما عندما نفتهم خزاعة من مكة. وتأمل كيف تعزى أبو بكر ﵁ أخذ الحمى بما ينزل به من الموت الشامل للأهيل والغريب، وبلال ﵁ تمنى الرجوع إلى وطنه على عادة الغرباء يظهر لك فضل أبي بكر على غيره من الصحابة ﵃. (قال): أي بلال، وفي نسخة: وقال بواو العطف، وسقط ذلك في رواية أبي ذر وابن عساكر واقتصر على قوله: (اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا) أي اللهم أبعدهم من رحمتك كما أبعدونا (من أرضنا) مكة (إلى أرض الوباء) بالهمزة والمد وقد يقصر الموت الذريع يريد المدينة (ثم قال رسول الله ﷺ ¬): (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد) حبًا من حبنا لمكة (اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا) صاع المدينة وهو كيل يسع

стр. 1340

أربعة أمداد والمدّ رطل وثلث عند أهل الحجاز ورطلان في غيرها. والثاني قول أبي حنيفة، وقيل يحتمل أن ترجع البركة إلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها (وصححها) أي المدينة (لنا) من الأمراض (وانقل حماها إلى الجحفة) بضم الجيم وسكون المهملة ميقات أهل مصر وخصها لأنها كانت إذ ذاك دار شرك ليشتغلوا بها عن معونة أهل الكفر فلم نزل من يومئذ أكثر الله حمى لا يشرب أحد من مائها إلاَّ حمَّ. قال عروة بالسند السابق: (قالت): عائشة ﵂ (وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله) بهمزة مضمومة آخر أوبأ على وزن أفعل التفضيل أي أكثر وباء وأشد من غيرها (قالت): عائشة أيضًا ﵂ (فكان بطحان) بضم الموحدة وسكون الطاء وفتح الحاء المهملتين وبعد الألف نون واد في صحراء المدينة (يجري نجلاً) بفتح النون وسكون الجيم ماء يجري على وجه الأرض. قال الراوي: (تعني) عائشة (ماء آجنًا) بفتح الهمزة الممدودة وكسر الجيم بعدها نون أي متغيرًا، وغرض عائشة بذلك بيان السبب في كثرة الوباء بالمدينة لأن الماء الذي هذا صفته يحدث عنه المرض. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الحج. ١٨٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ زُرَيْعٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵄ قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ … نَحْوَهُ. وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) المصري بالميم قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن خالد بن يزيد) من الزيادة (عن سعيد بن أبي هلال) الليثي المدني (عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم مولى ابن عمر بن الخطاب (عن عمر ﵁) أنه (قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك) قد استجيبت دعوته فقتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين فحصل له ثواب الشهادة لأنه قتل ظلمًا (واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ ¬) فتوفي بها من ضربة أبي لؤلؤة في خاصرته، ودفن عند أبي بكر ﵁ عند النبي ﷺ فالثلاثة في بقعة واحدة وهي أشرف البقاع على الإطلاق. ومناسبة هذا الأثر لما ترجم به في طلبه الموت بالمدينة إظهارًا لمحبته إياها كمحبته مكة وأعلى. (وقال ابن زريع): يزيد مما وصله الإسماعيلي (عن روح بن القاسم) بفتح الراء (عن زيد بن أسلم عن أمه) وفي الأولى قال عن أبيه وفي نسخة بالفرع عن أبيه (عن حفصة) بنت عمر ﵄ قالت: (سمعت عمر يقول نحوه). ولفظ الإسماعيلي: اللهم قتلاً في سبيلك ووفاة في بلد نبيك قالت: فقلت: وأنى يكون هذا؟ قال: يأتي به الله إذا شاء. (وقال هشام): هو ابن سعد القرشي مما وصله ابن سعد (عن زيد) هو ابن أسلم (عن أبيه عن حفصة) أنها قالت: (سمعت عمر ﵁) يقول فذكر مثله وفي آخره أن الله يأتي بأمره إن شاء. وأراد المؤلّف بهذين التعليقين بيان الاختلاف فيه على زيد بن أسلم فاتفق هشام بن سعد وسعيد بن أبي هلال على أنه عن زيد عن أبيه أسلم عن عمر. وتابعهما حفص بن ميسرة عن زيد عند عمر بن شبة وانفرد روح بن القاسم عن زيد بقوله عن أمه. تم كتاب الحج ولله الحمد. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٠ - كتاب الصوم (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا في فرع اليونينية وفي غيرها بتقديم البسملة. (كتاب الصوم) وفي رواية النسفيّ كما في فتح الباري كتاب الصيام بكسر الصاد والياء بدل الواو وهما مصدران لصام، -وثبتت البسملة- للجميع وذكر الصوم متأخرًا عن الحج أنسب من ذكره عقب الزكاة لاشتمال كل منهما على بذل المال، فلم يبق للصوم موضع إلا الأخير وهو ربع الإيمان لقوله ﷺ : "الصوم نصف الصبر" وقوله "الصبر نصف الإيمان". وشرعه سبحانه لفوائد أعظمها كسر النفس وقهر الشيطان فالشبع نهر في النفس يرده الشيطان والجوع نهر في الروح ترده الملائكة. ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره على ما منع منه كثير من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقّة له بذلك يتذكر به من منع ذلك

стр. 1341

على الإطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله تعالى عليه بالغنى ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك. وهو لغة الإمساك ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم ﵍: ﴿إني نذرت للرحمن صومًا﴾ [مريم: ٢٦] أي إمساكًا وسكوتًا عن الكلام وقول النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة … تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وشرعًا إمساك عن المفطر على وجه مخصوص. وقال الطيبي: إمساك المكلف بالنية من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين والاستمناء والاستقاء فهو وصف سلبيّ وإطلاق العمل عليه تجوّز. ١ - باب وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] (باب وجوب صوم) شهر (رمضان) وكان في شعبان من السنة الثانية من الهجرة ورمضان مصدر رمض إذا احترق لا ينصرف للعلمية والألف والنون، وإنما سموه بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش أو لارتماض الذنوب فيه، أو لوقوعه أيام رمض الحر حيث نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر أو من رمض الصائم اشتد حر جوفه أو لأنه يحرق الذنوب. ورمضان إن صح أنه من أسماء الله تعالى فغير مشتق أو راجع إلى معنى الغافر أي يمحو الذنوب ويمحقها. وقد روى أبو أحمد بن عدي الجرجاني من حديث نجيح أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى" وفيه أبو معشر ضعيف لكن قالوا يكتب حديثه. (وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على سابقه (﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾) يعني الأنبياء والأمم من لدن آدم وفيه توكيد للحكم وترغيب للفعل وتطييب للنفس (﴿لعلكلم تتقون﴾) [البقرة: ١٨٣] المعاصي فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدؤها كما قال ﵊ فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء، وهل صيام رمضان من خصائص هذه الأمة أم لا؟ إن قلنا إن التشبيه الذي يدل عليه كاف كما في قوله: (﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾) على حقيقته فيكون رمضان كتب على من قبلنا. وذكر ابن أبي حاتم عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم وفي إسناده مجهول، وإن قلنا: المراد مطلق الصوم دون قدره ووقته فيكون التشبيه واقعًا على مطلق الصوم وهو قول الجمهور. ١٨٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: "أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ. قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ. أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ". وبالسند قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المدني (عن أبي سهيل) بضم السين وفتح الهاء مصغرًا نافع (عن أبيه) مالك بن أبي عامر أبي أنس الأصبحي المدني جدّ مالك الإمام (عن طلحة بن عبيد الله) أحد العشرة المبشرة بالجنة. (أن أعرابيًّا) تقدم في الإيمان أنه ضمام بن ثعلبة (جاء إلى رسول الله ﷺ ¬): حال كونه (ثائر الرأس) بالمثلثة أي منتفش شعر الرأس (فقال يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصلاة؟) بالإفراد (فقال): رسول الله ﷺ هو (الصلوات الخمس) في اليوم والليلة ولأبي ذر: الصلوات الخمس بالنصب بتقدير فرض زاد في الإيمان فقال هل عليّ غيرها؟ فقال: لا. (إلا أن تطوّع شيئًا؟) بتشديد الطاء وقد تخفف وهل الاستثناء منقطع أو متصل، فعلى الأول يكون المعنى لكن التطوّع مستحب لك وحينئذ لا تلزم النوافل بالشروع فيها، وقد روى النسائي وغيره أن النبي ﷺ كان أحيانًا ينوي صوم التطوّع ثم يفطر فدلّ على أن الشروع في النفل لا يستلزم الإتمام فهذا نص في الصوم وبالقياس في الباقي، وقال الحنفية: متصل واستدلوا به على أن الشروع في التطوّع يلزم إتمامه لأنه نفى وجوب شيء آخر إلا تطوّع به والاستثناء من النفي إثبات والمنفي وجوب شيء آخر فيكون المثبت بالاستثناء وجوب ما تطوّع به وهو المطلوب، وهذا مغالطة لأن هذا الاستثناء من وادي قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] أي لا يجب عليك شيء قط إلا أن تطوّع، وقد علم أن

стр. 1342

التطوع ليس بواجب فيلزم (فقال) الأعرابي (أخبرني) يا رسول الله (ما) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: بما (فرض الله عليّ من الصيام؟) (فقال): ﵊: فرض الله عليك (شهر رمضان) زاد في الإيمان فقال: هل عليّ غيره؟ فقال: لا. (إلا أن تطوع شيئًا فقال): الأعرابي (أخبرني ما فرض الله عليّ من الزكاة فقال): ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: قال: (فأخبره رسول الله) بشرائع الإسلام الشاملة لنصب الزكاة ومقاديرها والحج وأحكامه أو كان الحج لم يفرض أو لم يفرض على الأعرابي السائل وبهذا يزول الإشكال عن الإخبار بفلاحه لتناوله جميع الشرائع، وفي رواية غير أبي ذر وابن عساكر شرائع بحذف باء الجر والنصب على المفعولية. (قال) الأعرابي (و) الله (الذي أكرمك) زاد الكشميهني بالحق (لا أتطوّع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئًا فقال رسول الله ﷺ : أفلح) أي ظفر وأدرك بغيته دنيا وأخرى (إن صدق. أو دخل الجنة)، ولأبي ذر أو أدخل الجنة (إن صدق). والشك من الراوي. فإن قلت: مفهومه أنه إذا تطوع لا يفلح أو لا يدخل الجنة؟ أجيب: بأنه مفهوم مخالفة ولا عبرة به ومفهوم الموافقة مقدم عليه فإذا تطوّع يكون مفلحًا بالطريق الأولى. وفي الحديث دلالة على أنه لا فرض في الصوم إلا رمضان وسبق في كتاب الإيمان كثير من مباحثه. ١٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "صَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَصُومُهُ إِلاَّ أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ". [الحديث ١٨٩٢ - طرفاه في: ٢٠٠٠، ٤٥٠١]. وبه قال (حدّثنا مسدد) قال (حدّثنا إسماعيل) بن علية (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄ قال): (صام النبي ﷺ عاشوراء)، بالمد ويقصر العاشر من المحرم أو هو التاسع منه مأخوذ من اظماء الإبل فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الورد ربعًا وكذا باقيها على هذه النسبة فيكون التاسع عشرًا والأول هو الصحيح. (وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك) صوم عاشوراء واستدل به الحنفية على أنه كان فرضًا ثم نسخ بفرض رمضان وهو وجه عند الشافعية والمشهور عندهم أنه لم يجب قط صوم قبل رمضان ويدل لذلك حديث معاوية مرفوعًا لم يكتب الله عليكم صيامه. (وكان عبد الله) بن عمر راوي الحديث (لا يصومه) أي عاشوراء مخافة ظن وجوبه أو أن يعظم في الإسلام كالجاهلة وإلاّ فهو سنة كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى: (إلا أن يوافق صومه). الذي كان يعتاده فيصومه على عادته لا لتنفله بعاشوراء. ١٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ". وبه قال (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد بن أبي حبيب) المصري أبي رجاء واسم أبيه سويد (أن عراك بن مالك) بكسر العين وتخفيف الراء وبعد الألف كاف (حدثه أن عروة) بن الزبير بن العوّام (أخبره عن عائشة ﵂): (أن قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية) وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية (ثم أمر رسول الله ﷺ ¬) الناس (بصيامه) لما قدم المدينة وصامه معهم (حتى فرض رمضان، وقال رسول الله ﷺ : من شاء فليصمه) أي عاشوراء ولأبي ذر عن الكشميهني فليصم بحذف ضمير المفعول (ومن شاء أفطر) بحذف الضمير ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أفطره بإثباته وقال: في بلفظ الأمر وفي الإفطار أفطر إشعارًا بأن جانب الصوم أرجح. وهذا الحديث أخرجه مسلم وأخرجه النسائي في الحج والتفسير. ٢ - باب فَضْلِ الصَّوْمِ (باب فضل الصوم) اعلم أن الصوم لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار والمقربين. ١٨٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ. وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ -مَرَّتَيْنِ- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا». [الحديث ١٨٩٤ - أطرافه في: ١٩٠٤، ٥٩٢٧، ٧٤٩٢، ٧٥٣٨]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (الصيام جنة) بضم الجيم وتشديد النون أي وقاية وسترة قيل من المعاصي لأنه يكسر الشهوة ويضعفها وقيل من النار لأنه إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بالشهوات وعند الترمذي

стр. 1343

وسعيد بن منصور جنة من النار ولأحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح الصيام جنة ما لم يخرقها وزاد الدارمي بالغيبة وفيه تلازم الأمرين لأنه إذا كف نفسه عن المعاصي في الدنيا كان سترًا له من النار (فلا يرفث) بالمثلثة وبتثليث الفاء أي لا يفحش الصائم في الكلام (ولا يجهل). أي لا يفعل فعل الجهال كالصياح والسخرية أو يسفه على أحد وعند سعيد بن منصور فلا يرفث ولا يجادل وهذا ممنوع في الجملة على الإطلاق لكنه يتأكد بالصوم كما لا يخفى (وإن امرؤ قاتله أو شاتمه) قال عياض: قاتله أي دافعه ونازعه ويكون بمعنى شاتمه ولاعنه، وقد جاء القتل بمعنى اللعن وفي رواية أبي صالح فإن سابه أحد أو قاتله، ولسعيد بن منصور من طريق سهيل فإن سابه أحد أو ماراه يعني جادله، وقد استشكل ظاهره لأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين فإنه مأمور بأن يكف نفسه عن ذلك. وأجيب: بأن المراد بالمفاعلة التهيؤ لها يعني إن تهيأ أحد لمقاتلته أو مشاتمته. (فليقل) له بلسانه كما رجحه النووي في الأذكار أو بقلبه كما جزم به المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة (إني صائم مرتين) فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكف عنه وإلاّ دفعه بالأخف والظاهر كما قاله في المصابيح أن هذا القول علة لتأكيد المنع فكأنه يقول لخصمه إني صائم تحذيرًا وتهديدًا بالوعيد الموجه على من انتهك حرمة الصائم وتذرع إلى تنقيص أجره بإيقاعه بالمشاتمة أو يذكر نفسه شديد المنبع المعلل بالصوم ويكون من إطلاق القول على الكلام النفسي، وظاهر كون الصوم جنّة أن يقي صاحبه من أن يؤذي كما يقيه أن يؤذى. (و) الله (الذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم) بضم المعجمة واللام على الصحيح المشهور وضبطه بعضهم بفتح الخاء وخطاه الخطابي وقال في المجموع أنه لا يجوز أي تغير رائحة فم الصائم لخلاء معدته من الطعام (أطيب عند الله من ريح المسك)، وفي لفظ لمسلم والنسائي: أطيب عند الله يوم القيامة، وقد وقع خلاف بين ابن الصلاح وابن عبد السلام في أن طيب رائحة الخلوف هل هو في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط؟ فذهب ابن عبد السلام إلى أنه في الآخرة واستدلّ برواية مسلم والنسائي هذه. وروى أبو الشيخ بإسناد فيه ضعف عن أنس مرفوعًا: يخرج الصائمون من قبورهم يعرفون بريح أفواههم أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك، وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا واستدلّ بحديث جابر مرفوعًا: وأما الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك واستشكل هذا من جهة أن الله تعالى منزه عن استطابة الروائح الطيبة واستقذار الروائح الخبيثة فإن ذلك من صفات الحيوان. وأجيب: بأنه مجاز واستعارة لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك لتقريبه من الله تعالى. وقال ابن بطال: أي أزكى عند الله إذ هو تعالى لا يوصف بالشم. قال ابن المنير: لكنه يوصف بأنه تعالى عالم بهذا النوع من الإدراك وكذلك بقية المدركات المحسوسات يعلمها تعالى على ما هي عليه لأنه خالقها ألا يعلم من خلق وهذا مذهب الأشعري، وقيل إنه تعالى يجزيه في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك أو أن صاحب الخلوف ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا. فإن قلت: لم كان خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ودم الشهيد ريحه ريح المسك مع ما فيه من المخاطرة بالنفس وبذل الروح؟ أجيب: بأنه إنما كان أثر الصوم أطيب من أثر الجهاد لأن الصوم أحد أركان الإسلام المشار إليها بقوله ﵊: بني الإسلام على خمس وبأن الجهاد فرض كفاية والصوم فرض عين وفرض العين أفضل من فرض الكفاية كما نص عليه الشافعي. وروى الإمام أحمد في السند أنه ﷺ قال: دينار تنفقه على أهلك ودينار تنفقه في سبيل الله أفضلهما الذي تنفقه على أهلك. وجه الدليل أن النفقة على الأهل التي هي فرض عين أفضل من النفقة في سبيل الله وهو الجهاد الذي هو فرض كفاية، ولا يعارض هذا ما رواه أبو داود الطيالسي

стр. 1344

من حديث أبي قتادة قال: خطب النبي ﷺ فذكر الجهاد وفضله على سائر الأعمال إلا المكتوبة، فإنه يحتمل أن يكون ذلك قبل وجوب الصوم، وأما قول إمام الحرمين وجماعة: إن فرض الكفاية أفضل من فرض العين فمخالف لنص الشافعي فلا يعوّل عليه، وقد قال ﵊ للرجل الذي سأله عن أفضل الأعمال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له. زاد الإمام أحمد عن إسحاق بن الطباع عن مالك يقول الله تعالى: (يترك) الصائم (طعامه وشرابه وشهوته) أي شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب أو من عطف العام على الخاص لكن وقع عند ابن خزيمة ويدع زوجته من أجلي فهو صريح في الأول وأصرح منه ما وقع عند الحافظ سمويه من الطعام والشراب والجماع (من أجلي. الصيام لي) من بين سائر الأعمال ليس للصائم فيه حظ أو لم يتعبد به أحد غيري أو هو سرّ بيني وبين عبدي يفعله خالصًا لوجهي وفي الموطأ فالصيام بفاء السببية أي بسبب كونه لي أنه يترك شهوته لأجلي أو أن فيه صفة الصمدانية وهي التنزيه عن الغذاء (وأنا أجزي) صاحبه (به) وقد علم أن الكريم إذا تولى الإعطاء بنفسه كان في ذلك شارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه ففيه مضاعفة الجزاء من غير عدد ولا حساب (و) سائر الأعمال (الحسنة بعشر أمثالها) زاد في رواية في الموطأ إلى سبعمائة ضعف، واتفقوا على أن المراد بالصائم هنا من سلم صيامه من المعاصي وحديث الغيبة تفطر الصائم على ما في الإحياء. قال العراقي ضعيف بل قال أبو حاتم كذب، نعم يأثم ويمنع ثوابه إجماعًا ذكره السبكي في شرح وفيه نظر لمشقة الاحتراز لكن إن توجهت المقالة لا نصحًا وتظلمًا ونحوهما لحاكم ونحوه، وأدنى درجات الصوم الاقتصار على الكف عن المفطرات، وأوسطها أن يضم إليه كف الجوارح عن الجرائم، وأعلاها أن يضم إليهما كف القلب عن الوساوس. وقال بعضهم: معناه الصوم ليس لا لك أي أنا الذي لا ينبغي لي أن أطعم وأشرب وإذا كان بهذه المثابة وكان دخولك فيه كوني شرعته لك فأنا أجري به كأنه يقول: أنا جزاؤه لأن صفة التنزيه عن الطعام والشراب تطلبي وقد تلبست بها وليست لك لكنك اتصفت بها في حال صومك فهي تدخلك عليّ فإن الصبر حبس النفس وقد حبستها بأمري عما تعطيه حقيقتها من الطعام والشراب، فلهذا قال: للصائم فرحتان عند فطره وتلك الفرحة لروحه الحيواني لا غير، وفرحة عند لقاء ربه وتلك الفرحة لنفسه الناطقة الطبيعية الربانية فأورثه الصوم لقاء الله وهو المشاهدة. وهذا الحديث أخرجه أبو داود وكذا النسائي والترمذي. ٣ - باب الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ هذا (باب) بالتنوين (الصوم كفارة). ١٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا جَامِعٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: "قَالَ عُمَرُ ﵁: مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ. قَالَ: لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ هذِهِ، إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ قَالَ حُذَيْفَةُ: وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: فَيُفْتَحُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ. قَالَ: ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ، أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ". وبالسند قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا جامع) هو ابن راشد الصيرفي الكوفي (عن أبي وائل) بالهمز شقيق ابن سلمة (عن حذيفة) بن اليماني أنه (قال: قال عمر) بن الخطاب (﵁: من يحفظ حديثًا عن النبي) ولأبي الوقت: من يحفظ حديث النبي (¬ ﷺ في الفتنة) المخصوصة (قال: حذيفة أنا سمعته) ﷺ (يقول): (فتنة الرجل في أهله) بأن يأتي بسببهم بغير جائز (وماله) بأن يأخذه من غير حله ويصرفه في غير مصرفه، وزاد في باب الصلاة وولده (وجاره) بأن يتمنى سعة كسعته كلها (تكفرها الصلاة والصيام والصدقة). وهذا موضع الترجمة. قال في الفتح وقد يقال هذا لا يعارضه ما عند أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رفعه: كل العمل كفارة إلا الصوم الصوم لي وأنا أجزي به، لأنه يحمل في الإثبات على كفارة شيء مخصوص وفي النفي على كفارة شيء آخر، وقد حمله المصنف في موضع آخر على تكفير مطلق الخطيئة فقال في الزكاة باب الصدقة تكفر الخطيئة، ثم أورد هذا الحديث بعينه، ويؤيد الإطلاق ما ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن ما اجتنبت الكبائر، ولابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعًا: من صام رمضان وعرف حدوده كفر ما قبله وعلى

стр. 1345

هذا فقوله كل العمل كفارة إلا الصيام يحتمل أن يكون المراد إلا الصيام فإنه كفارة وزيادة ثواب على الكفارة ويكون المراد بالصيام الذي هذا شأنه ما وقع خالصًا سالمًا من الرياء والشوائب اهـ. (قال) عمر لحذيفة ﵄: (ليس أسأل عن هذه)، بكسر الذال المعجمة وكسر الهاء في الفرع وأصله في غيرهما بالسكون وهي هاء السكت ويجوز فيها الاختلاس والسكون والإشباع واسم ليس ضمير الشأن، (إنما أسأل عن) الفتنة الكبرى (التي تموج كما يموج البحر). أي تضطرب كاضطرابه (قال) حذيفة زاد في الصلاة: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين (وإن دون ذلك) ولابن عساكر قال: إن دون ذلك (بابًا مغلقًا) بالنصب صفة لبابًا أي لا يخرج شيء من الفتن في حياتك (قال) عمر: (فيفتح) الباب (أو يكسر؟ قال): حذيفة: (يكسر. قال) عمر: (ذاك) أي الكسر (أجدر) أولى من الفتح، وفي نسخة أخرى: (أن لا يغلق إلى يوم القيامة). أي إذا وقعت الفتنة فالظاهر أنها لا تسكن قط. قال شقيق (فقلنا لمسروق): هو ابن الأجدع (سله) أي حذيفة (أكان عمر يعلم من الباب؟ فسأله) أي سأل مسروق حذيفة عن ذلك (فقال: نعم). يعلمه (كما يعلم أن دون غد الليلة) أي أن الليلة أقرب من الغد، ولأبي ذر عن المستملي: إن غدًا دون الليلة قيل وإنما علمه عمر من قوله ﵊ لما كان والعمران وعثمان على حراء إنما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان، وكان عمر هو الباب، وكانت الفتنة بقتل عثمان وانخرق بسببها ما لا يغدق إلى يوم القيامة. وهذا الحديث سبق في باب الصلاة كفارة، ويأتي إن شاء الله تعالى في علامات النبوّة والفتن. ٤ - باب الرَّيَّانُ لِلصَّائِمِينَ (باب الريان للصائمين) ولأبي ذر: باب بالتنوين الريان للصائمين والريان بفتح الراء وتشديد المثناة التحتية اسم علم على باب من أبواب الجنة يختص بدخول الصائمين منه. ١٨٩٦ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ». [الحديث ١٨٩٦ - طرفه في: ٣٢٥٧]. وبالسند قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم وسكون المعجمة البجلي الكوفي قال: (حدّثنا سليمان بن بلال) التيمي المدنيّ (قال: حدثني) بالإفراد (أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج القاص المدنيّ (عن سهل) هو ابن سعد الساعدي (﵁ عن النبي ﷺ قال): (إن في الجنة بابًا يقال له الريان)، نقيض العطشان وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه بأنه مشتق من الريّ وهو مناسب لحال الصائمين لأنهم بتعطيشهم أنفسهم في الدنيا يدخلون من باب الريان ليأمنوا من العطش. وقال ابن المنير: إنما قال في الجنة ولم يقل الجنة ليشعر أن في الباب المذكور من النعم والراحة ما في الجنة فيكون أبلغ في التشويق إليه، وزاد النسائي وابن خزيمة: من دخل شرب ومن شرب لا يظمأ أبدًا (يدخل منه الصائمون يوم القيامة) إلى الجنة (لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا) منه (أغلق)، الباب (فلم يدخل منه أحد) عبّر بلم يدخل للماضي وكان القياس فلا يدخل لكنه عطف على قوله لا يدخل فيكون في حكم المستقبل، وكرر نفي دخول غيرهم منه للتأكيد. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحج. ١٨٩٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ". [الحديث ١٨٧٩ - أطرافه في: ٢٨٤١، ٣٢١٦، ٣٦٦٦]. وبالسند قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي بالزاي (قال حدثني) بالإفراد (معن) بفتح الميم وسكون المهملة ابن عيسى بن يحيى القزاز المدني (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): ولابن عساكر: قال رسول الله ﷺ : (من أنفق زوجين) اثنين من أي شيء كان صنفين أو متشابهين وقد جاء مفسرًا مرفوعًا بعيرين شاتين حمارين درهمين، وزاد إسماعيل القاضي عن أبي مصعب عن مالك من ماله (في سبيل الله) عام في أنواع الخير أو خاص بالجهاد (نودي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير) من الخيرات وليس المراد به أفعل التفضيل والتنوين للتعظيم (ممن كان من أهل الصلاة) المؤدّين للفرائض المكثرين من النوافل وكذا ما يأتي فيما قيل (دعي

стр. 1346

من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام) أي الذي الغالب عليه الصيام وإلا فكل المؤمنين أهل للكل (دعي من باب الريان)، وعند أحمد: لكل أهل عمل باب يدعون منه بذلك العمل فلأهل الصيام باب يدعون منه يقال له الريان (ومن كان من أهل الصدقة) المكثرين منها (دعي من باب الصدقة). وفي نسخة: دعي من أبواب الصدقة بجمع باب وليس هذا تكرار لما في صدر الحديث حيث قال: من أنفق زوجين لأن الإنفاق ولو بالقليل خير من الخيرات العظيمة وذاك حاصل من كل أبواب الجنة وهذا استدعاء خاص. وفي نوادر الأصول من أبواب الجنة باب محمد ﷺ وهو باب الرحمة وهو باب التوبة وسائر الأبواب مقسومة على أعمال البر باب الزكاة باب الحج باب العمرة. وعند عياض باب الكاظمين الغيظ الراضين الباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه. وعند الآجريّ عن أبي هريرة مرفوعًا: إن في الجنة بابًا يقال له الضحى فإذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الذين كانوا يديمون صلاة الضحى هذا بابكم فادخلوا منه. وفي الفردوس عن ابن عباس يرفعه: للجنة باب يقال له الفرح لا يدخل منه إلا مفرح الصبيان. وعند الترمذي باب للذكر. وعند ابن بطال باب الصابرين. والحاصل أن كل من أكثر نوعًا من العبادة خص بباب يناسبها ينادى منه جزاء وفاقًا وقل من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوّعات، ثم إن من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد وهو باب العمل الذي يكون أغلب عليه. (فقال أبو بكر ﵁: بأبي أنت) أي مفدي بأبي (وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة)، أي ليس على المدعوّ من كل الأبواب ضرر بل له تكرمة وإعزاز. وقال ابن المنير وغيره: يريد من أحد تلك الأبواب خاصة دون غيره من الأبواب فيكون أطلق الجمع وأراد الواحد. وقال ابن بطال: يريد أن من لم يكن إلا من أهل خصلة واحدة من هذه الخصال ودعي من بابها لا ضرر عليه لأن الغاية المطلوبة دخول الجنة. وقال في شرح المشكاة: لما خص كل باب بمن أكثر نوعًا من العبادة وسمع الصديق ﵁ رغب في أن يدعى من كل باب وقال ليس على من دعي من تلك الأبواب ضرر بل شرف وإكرام ثم سأل فقال: (فهل يدعى أحد من تلك الأبواب) ويختص بهذه الكرامة (كلها؟ قال) ﵊: (نعم) يدعى منها كلها على سبيل التخيير في الدخول من أيها شاء لاستحالة الدخول من الكل معًا (وأرجو أن تكون منهم) الرجاء منه ﷺ واجب، ففيه أن الصديق من أهل هذه الأعمال كلها. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في فضائل أبي بكر، ومسلم في الزكاة، والترمذي في المناقب، والنسائي فيه وفي الزكاة والصوم والجهاد. ٥ - باب هَلْ يُقَالُ رَمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ». وَقَالَ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ». هذا (باب) بالتنوين (هل يقال) مبني للمفعول وللسرخسي والمستملي كما في الفتح هل يقول أي هل يجوز للإنسان أن يقول (رمضان) بدون شهر (أو) يقال (شهر رمضان، ومن رأى كله واسعًا) أي جائزًا بالإضافة وبغيرها، وللكشميهني مما في الفتح: ومن رآه بزيادة الضمير. قال البيضاوي كالزمخشري: رمضان مصدر رمض إذا احترق فأضيف إليه الشهر وجعل علمًا فصرح كما قال الدماميني بأن مجموع المضاف والمضاف إليه هو العلم ويجمع رمضان على رمضانات ورماضين وأرمضة وأرمضاء، وسمي بذلك لرمض الحر وشدة وقوعه فيه حال التسمية لأنهم لما نقلوا أسماء المشهور من اللغة القديمة سموها باسم الأزمنة التي وقعت فيها فصادف هذا الشهر أيام رمض الحر أي شدته. وقال القاضي أبو الطيب: سمي بذلك لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها وله أسماء غير هذا أنهوها إلى ستين ذكرها الطالقاني في كتابه حظائر القدس منها شهر الله وشهر الآلاء وشهر القرآن وشهر النجاة، وقول الأكثرين يكره أن يقال رمضان بدون شهر ردّه النووي

стр. 1347

في المجموع بأن الصواب خلافه كما ذهب إليه المحققون لعدم ثبوت نهي فيه بل ثبت ذكره بدون شهر كما أشار إليه المؤلّف بقوله: (وقال النبي ﷺ ¬) مما وصله المؤلّف في الباب التالي: (من صام رمضان) (وقال) ﵊ مما وصله من حديث أبي هريرة (لا تقدموا رمضان) فلم يقل شهر رمضان، واعتذر الزمخشري وتبعه البيضاوي عن هذا ونحوه بناء على أن مجموع شهر رمضان هو العلم بأنه من باب الحذف لا من باب الإلباس كما قال: بما أعيا النطاسي حذيمًا أراد ابن حذيم. قال في المصابيح: يشير إلى ما أنشده في المفصل من قول الشاعر: فهل لكما فيما إليّ فإنني … طبيب بما أعيا النطاسيّ حذيما وقد عدّه في المفصل من الحذف الملبس نظرًا إلى أنه لا يعلم أن اسم الطبيب حذيم أو ابن حذيم وعده هنا من باب الحذف لا من باب الإلباس نظرًا إلى المشتهر فيما بين البعض كرمضان عند من يعلم أن الاسم شهر رمضان، أو جعله نظيرًا لمجرد الحذف مما هو كالعلم وجاز الحذف من الإعلام وإن كان من قبيل حذف بعض الكلمة لأنهم أجروا مثل هذا العلم مجرى المضاف والمضاف إليه حيث أعربوا الجزأين، وقوله: تقدموا بفتح التاء والدال أصله تتقدموا فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا أي: لا تتقدموا الشهر بصوم تعدّونه منه احتياطًا، ويأتي مبحث هذا إن شاء الله تعالى في بابه. ١٨٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ». [الحديث ١٨٩٨ - طرفاه في: ١٨٩٩، ٣٢٧٧]. وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري مولى رزيق المؤدّب (عن أبي سهيل) نافع (عن أبيه) مالك بن أبي عمر التابعي الكبير (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (إذا جاء رمضان) بدون شهر، واحتج به المؤلّف لجواز ذلك، لكن رواه الترمذي بذكر الشهر وزيادة الثقة مقبولة فتكون رواية البخاري مختصرة منه فلا تبقى له حجة فيه على إطلاقه بدون شهر (فتحت) بضم الفاء وتخفيف المثناة الفوقية في الفرع وفي غيره: فتحت بتشديدها (أبواب الجنة) حقيقة لمن مات فيه أو عمل عملاً لا يفسد عليه أو هو علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين. قال ابن العربي وهو يدل على أنها كانت مغلقة ويدل عليه أيضًا حديث: نأتي باب الجنة، فنقعقع فيقول الخازن: من؟ فأقول محمد. فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لاحد قبلك. قال: وزعم بعضهم أنها مفتحة دائمًا من قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧٣] وهذا اعتداء على كتاب الله وغلط إذ هو جواب للجزاء اهـ. وتعقبه أبو عبد الله الأبي بأنه إنما يكون جوابًا إذا كانت الواو زائدة وكذا أعربه الكوفيون. وقال المبرد: الجواب محذوف تقديره سعدوا والواو للحال ولم يشك أن الحال لا تقتضي أنها مفتوحة دائمًا ولا يستقيم مع الحديث المذكور، إلا أن يقال تفتح له أوّلاً ثم يأتون فيجدونها مفتوحة اهـ. أو مجازًا لأن العمل يؤدّي إلى ذلك أو لكثرة الثواب والمغفرة والرحمة بدليل رواية مسلم فتحت أبواب الرحمة إلا أن يقال الرحمة من أسماء الجنة. وهذا الحديث أخرجه هنا مختصرًا، وقد أخرجه مسلم والنسائي من هذا الوجه بتمامه مثل رواية الزهري الثانية. ورواة الحديث مدنيون إلا شيخه فبلخي، وأخرجه المؤلّف في الصوم وفي صفة إبليس ومسلم في الصوم وكذا النسائي. ١٨٩٩ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي أَنَسٍ مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». وبه قال: (حدثني) ولأبي ذر: وحدثني بواو العطف، وفي نسخة: أخبرني بالإفراد في الثلاثة (يحيى بن بكير) القعنبي (قال): (حدثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين مصغرًا ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) ولأبي ذر وابن عساكر: حدثني بالإفراد فيهما (ابن أبي أنس) أبو سهيل نافع (مولى التيميين) أي بني تيم وكان نافع هذا أخو أنس بن مالك بن أبي عامر عمّ مالك بن أنس الإمام حليف عثمان بن عبيد الله التيمي (أن أباه) مالك بن أبي عامر (حدثه أنّه سمع أبا هريرة) ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (إذا دخل رمضان) ولغير أبي ذر

стр. 1348

وابن عساكر: شهر رمضان (فتحت) بتشديد التاء ويجوز تخفيفها (أبواب السماء)، قيل هذا من تصرف الرواة، والأصل أبواب الجنة، وكذا وقع في باب: صفة إبليس وجنوده من بدء الخلق بلفظ أبواب الجنة في غير رواية أبي ذر وله أبواب السماء. وقال ابن بطال: المراد من السماء الجنة بقرينة قوله: (وغلقت أبواب جهنم)، يحتمل أن يكون الفتح على ظاهره وحقيقته. وقال التوربشتي: هو كناية عن تنزيل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم عبارة عن تنزيه أنفس الصوام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث على المعاصي بقمع الشهوات. فإن قيل: ما منعكم أن تحملوه على ظاهر المعنى؟ قلنا: لأنه ذكر على سبيل المنّ على الصوّام وإتمام النعمة عليهم فيما أمروا به وندبوا إليه حتى صار الجنان في هذا الشهر كأن أبوابها فتحت ونعيمها هيئ والنيران كأن أبوابها غلقت وأنكالها عطلت، وإذا ذهبنا إلى الظاهر لم تقع المنة موقعها وتخلّوا عن الفائدة لأن الإنسان ما دام في هذه الدار فإنه غير ميسر لدخول إحدى الدارين، ورجح القرطبي حمله على ظاهره إذ لا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره. قال الطيبي: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين وأنه من الله بمنزلة عظيمة ويؤيده حديث عمر أن الجنة لتزخرف لرمضان الحديث. (وسلسلت الشياطين) أي شدت بالسلاسل حقيقة والمراد مسترقو السمع منهم وإن تسلسلهم يقع في أيام رمضان دون لياليه لأنهم كانوا منعوا زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ أو هو مجاز على العموم، والمراد أنهم لا يصلون من إفساد المسلمين إلى ما يصلون إليه في غيره لاشتغالهم فيه بالصيام الذي فيه قمع الشيطان وإن وقع شيء من ذلك فهو قليل بالنسبة إلى غيره وهذا أمر محسوس. ١٩٠٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا. فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ". وَقَالَ غَيْرُهُ عَنِ اللَّيْثِ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ وَيُونُسُ "لِهِلَالِ رَمَضَانَ". [الحديث ١٩٠٠ - طرفاه في: ١٩٠٦، ١٩٠٧]. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) القعنبي (قال: حدثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم، أن) ولأبوي ذر والوقت: سالم بن عبد الله بن عمر أن (ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول): (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا). الضمير راجع إلى الهلال وإن لم يسبق له ذكر لدلالة السياق عليه، ويأتي التصريح به إن شاء الله تعالى في الرواية المعلقة في هذا الباب وبعده في الموصول (فإن غمّ عليكم) بضم الغين المعجمة وتشديد الميم مبنيًّا للمفعول من غممت الشيء إذا غطيته وفيه ضمير الهلال أي غطي الهلال بغيم (فاقدروا له) بهمزة وصل وضم الدال ويجوز كسرها أي قدّروا له تمام العدد ثلاثين يومًا لأنه من التقدير. (وقال غيره) أي غير يحيى بن بكير وأراد به عبد الله بن صالح كاتب الليث (عن الليث): بن سعد قال: (حدثني) بالإفراد (عقيل) هو ابن خالد مما رواه الإسماعيلي (ويونس) بن يزيد مما أورده الذهلي في الزهريات أن رسول الله ﷺ قال: (لهلال رمضان) إذا رأيتموه فصوموا و (إذا رأيتموه فأفطروا) .. ومراده أن عقيلاً ويونس أظهرًا ما كان مضمرًا. ٦ - باب مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ». (باب من صام رمضان) حال كونه صيامه (إيمانًا) تصديقًا بوجوبه (واحتسابًا) طلبًا للأجر (ونية) عطف على احتسابًا لأن الصوم إنما يكون لأجل التقرب إلى الله تعالى والنية شرط في وقوعه قربة. (وقالت عائشة ﵂¬) مما وصله المؤلّف تامًا في أوائل البيوع (عن النبي ﷺ ¬) بلفظ يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم ثم (يبعثون على نياتهم) يعني في الآخرة لأنه كان في الجيش المذكور المكره والمختار فإذا بعثوا على نياتهم وقعت المؤاخذة على المختار دون المكره. ١٩٠١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وبالسند قال (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي القصاب البصري قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة ﵁ عن

стр. 1349

النبي ﷺ قال): (من قام ليلة القدر) حال كون قيامه (إيمانًا) تصديقًا (واحتسابًا) طلبًا للأجر (غفر له ما تقدم من ذنبه). وعند أحمد في مسنده برجال ثقات لكن فيه انقطاع من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: "ليلة القدر في العشر البواقي من قامهنّ ابتغاء حسبتهن فإن الله ﵎ يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" الحديث. (ومن صام رمضان) حال كون صيامه (إيمانًا) مصدّقًا بوجوبه (واحتسابًا) قال الخطابي: أي عزيمة وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة به نفسه غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه (غفر له ما تقدم من ذنبه) زاد الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة (وما تأخر) وقد رواه جماعة منهم مسلم وليس فيه: وما تأخر، لكن رواه النسائي في السنن الكبرى من طريق قتيبة بن سعيد بلفظ: قام شهر رمضان وفيه وما تأخر ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وقد تابع قتيبة جماعة وقوله من ذنبه اسم جنس مضاف فيعم جميع الذنوب إلا أنه مخصوص عند الجمهور بالصغائر. ٧ - باب أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكُونُ فِي رَمَضَانَ هذا (باب) بالتنوين (أجود ما كان النبي ﷺ يكون في رمضان). قال ابن الحاجب في أمالي المسائل المتفرقة: الرفع في أجود هو الوجه لأنك إن جعلت في كان ضميرًا يعود إلى النبي ﷺ لم يكن أجود بمجرده خبرًا لأنه مضاف إلى ما يكون فهو كون ولا يستقيم الخبر بالكون عما ليس بكون. ألا ترى إنك لا تقول زيد أجود ما يكون فيجب أن يكون إما مبتدأ خبره قوله في رمضان من باب قولهم أخطب ما يكون الأمير قائمًا وأكثر شربي السويق في يوم الجمعة فيكون الخبر الجملة بكمالها كقولك كان زيد أحسن ما يكون في يوم الجمعة، وإما بدلاً من الضمير في كان فيكون من بدل الاشتمال كما تقول كان زيد علمه حسنًا، وإن جعلته ضمير الشأن تعين رفع أجود على الابتداء والخبر وإن لم تجعل في كان ضميرًا تعين الرفع على أنه اسمها والخبر محذوف وقامت الحال مقامه على ما تقرر في باب أخطب ما يكون الأمير قائمًا وإن شئت جعلت في رمضان هو الخبر كقولهم: ضربي في الدار لأن المعنى الكون الذي هو أجود الأكوان حاصل في هذا الوقت فلا يتعين أن يكون من باب أخطب ما يكون الأمير قائمًا اهـ. ١٩٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ". وبالسند قال (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني نزيل بغداد قال: (أخبرنا ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بضم عين الأول مصغرًا والثالث مع سكون الفوقية ابن مسعود الهذلي المدني (أن ابن عباس ﵄ قال): (كان النبي ﷺ أجود الناس)، أسخاهم (بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان) لأنه شهر يتضاعف فيه ثواب الصدقة وما مصدرية أي أجود أكوانه يكون في رمضان (حين يلقاه جبريل) ﵊ وهو أفضل الملائكة وأكرمهم (وكان جبريل ﵊ يلقاه كل ليلة) ولابن عساكر: في كل ليلة (في رمضان) منذ أنزل عليه أو من فترة الوحي إلى آخر رمضان الذي توفي بعده رسول الله ﷺ (حتى ينسلخ. يعرض عليه النبي ﷺ القرآن) بعضه أو معظمه (فإذا لقيه) ﷺ (جبريل ﵊ كان أجود بالخير من الريح المرسلة) يحتمل أن يكون زيادة الجود بمجرد لقاء جبريل ومجالسته، ويحتمل أن يكون بمدارسته إياه القرآن وهو يحث على مكارم الأخلاق، وقد كان القرآن له ﷺ خلقًا بحيث يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ويسارع إلى ما حث عليه ويمتنع مما زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في هذا الشهر لقرب عهده بمخالطة جبريل وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم ولا شك أن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقًا من المخالط، لكن إضافة آثار ذلك إلى القرآن كما قال ابن المنير آكد من إضافتها إلى جبريل ﵊ بل جبريل إنما تميز

стр. 1350

بنزوله بالوحي فالإضافة إلى الحق أولى من الإضافة إلى الخلق لا سيما والنبي ﷺ على المذهب الحق أفضل من جبريل فما جالس الأفضل إلا المفضول فلا يقاس على مجالسة الآحاد للعلماء. وفي هذا الحديث تعظيم شهر رمضان لاختصاصه بابتداء نزول القرآن ثم معارضة ما نزل منه فيه وأن ليله أفضل من نهاره وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم لأن الليل مظنة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض، وأن فضل الزمان إنما يحصل بزيادة العبادة وأن مداومة التلاوة توجب زيادة الخير واستحباب تكثير العبادة في أواخر العمر. وهذا الحديث قد سبق في كتاب الوحي. ٨ - باب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ (باب من لم يدع قول الزور) أي من لم يترك الكذب والميل عن الحق (والعمل به) أي بمقتضاه مما نهى الله عنه (في الصوم) كذا في الفرع زيادة في الصوم، ونسبها الحافظ ابن حجر لنسخة الصغاني. ١٩٠٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». [الحديث ١٩٠٣ - طرفه في: ٦٠٥٧]. وبالسند قال (حدّثنا آدم بن أبي إياس) العسقلاني الخراساني الأصل قال (حدّثنا ابن أبى ذئب) محمد بن عبد الرحمن قال: (حدّثنا سعيد المقبري عن أبيه) كيسان الليثي (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله) ولأبي ذر وابن عساكر: قال النبي (¬ ﷺ ¬): (من لم يدع) من لم يترك (قول الزور والعمل به) زاد المؤلّف في الأدب عن أحمد بن يونس عن أبي ذئب والجهل، وفي رواية ابن وهب والجهل في الصوم، ولابن ماجة من طريق ابن المبارك: من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به. فالضمير في به يعود على الجهل لكونه أقرب مذكور أو على الزور فقط وإن بعد لاتفاق الروايات عليه أو عليهما وإفراد الضمير لاشتراكهما في تنقيص الصوم قاله العراقي، وفي الأولى يعود على الزور فقط والمعنى متقارب، وفي الأوسط للطبراني بسند رجاله ثقات: من لم يدع الخنا والكذب، والجمهور على أن الكذب والغيبة والنميمة لا تفسد الصوم، وعن الثوري مما في الإحياء أن الغيبة تفسده قال: وروى ليث عن مجاهد خصلتان تفسدان الصوم الغيبة والكذب هذا لفظه، والمعروف عن مجاهد خصلتان من حفظهما سلم له صومه الغيبة والكذب رواه ابن أبي شيبة والصواب الأول. نعم هذه الأفعال تنقص الصوم. وقول بعضهم أنها صغائر تكفر باجتناب الكبائر. أجاب عنه الشيخ تقي الدين السبكي بأن في حديث الباب والذي مضى في أول الصوم دلالة قوية لذلك لأن الرفث والصخب وقول الزور والعمل به مما علم النهي عنه مطلقًا والصوم مأمور به مطلقًا فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتأثر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطة به معنى نفهمه فلما ذكرت في هذين الحديثين نبهتنا على أمرين: أحدهما زيادة قبحها في الصوم على غيره، والثاني الحث على سلامة الصوم عنها وأن سلامته منها صفة كمال فيه وقوة الكلام تقتضي أن يقبح ذلك لأجل الصوم فمقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة عنها فإذا لم يسلم عنها نقص، ثم قال: ولا شك أن التكاليف قد ترد بأشياء وينبه بها على أخرى بطريق الإشارة وليس المقصود من الصوم العدم المحض كما في المنهيات لأنه يشترط له النية بالإجماع ولعل القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لما كان ذلك يشق خفف الله وأمر بالإمساك عن المفطرات ونبه العاقل بذلك على الإمساك عن المخالفات وأرشد إلى ذلك ما تضمنته أحاديث المبين عن الله مراده فيكون اجتناب المفطرات واجبًا واجتناب ما عداها من المخالفات من المكملات نقله في فتح الباري. (فليس لله حاجة في أن يدع) يترك (طعامه وشرابه) هو مجاز عن عدم الالتفات والقبول فنفى السبب وأراد المسبب وإلا فالله لا يحتاج إلى شيء قاله البيضاوي مما نقله الطيبي في شرح المشكاة، وقول ابن بطال وغيره معناه ليس لله إرادة في صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة فيه إشكال لأنه لو لم يرد الله تركه لطعامه وشرابه لم يقع الترك ضرورة أن كل واقع تعلقت الإرادة بوقوعه ولولا ذلك لم يقع، وليس المراد الأمر بترك صيامه إذا لم يترك الزور وإنما معناه التحذير من قول الزور فهو كقوله ﵊ "من باع الخمر فليشقص الخنازير" أي يذبحها ولم يأمره

стр. 1351

بشقصها ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر، وكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به ليتم له أجر صيامه. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الأدب وأبو داود، وأخرجه الترمذي في الصوم وكذا النسائي وابن ماجة. ٩ - باب هَلْ يَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ هذا (باب) بالتنوين (هل يقول) الشخص (إني صائم إذا شتم). ١٩٠٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ لِصَوْمِهِ». وبالسند قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني اليماني قاضيها (عن ابن جريج) عبد الملك (قال أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح (عن أبي صالح) ذكوان (الزيات أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬) (قال الله) (كل عمل ابن آدم له)، فيه حظ ومدخل لاطلاع الناس عليه فهو يتعجل به ثوابًا من الناس ويجوز به حظًا من الدنيا وزاد في رواية كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف (إلا الصيام فإنّه) خالص (لي) لا يعلم ثوابه المترتب عليه غيري أو وصف من أوصافي لأنه يرجع إلى صفة الصمدية لأن الصائم لا يأكل ولا يشرب فتخلق باسم الصمد أو أن كل عمل ابن آدم مضاف له لأنه فاعله إلا الصوم فإنه مضاف لي لأني خالقه له على سبيل التشريف والتخصيص فيكون كتخصيص آدم بإضافته إليه أن خلقه بيده وكل مخلوق بالحقيقة مضاف إلى الخالق، لكن إضافة التشريف خاصة بمن شاء الله أن يخصه بها أو كأنه تعالى يقول هو لي فلا يشغلك ما هو لك عما هو لي، ولأن فيه مجمع العبادات لأن مدارها على الصبر والشكر وهما حاصلان فيه، ولما كان ثواب الصيام لا يحصيه إلا الله تعالى لم يكله تعالى إلى ملائكته بل تولى جزاءه تعالى بنفسه قال: (وأنا أجزي به) بفتح الهمزة وفيه دلالة على أن ثواب الصوم أفضل من سائر الأعمال لأنه تعالى أسند إعطاء الجزاء إليه وأخبر أنه يتولى ذلك والله تعالى إذا تولى شيئًا بنفسه دل على عظم ذلك الشيء وخطره قدره وهذا كما روي أن من أدمن قراءة آية الكرسي عقب كل صلاة فإنه لا يتولى قبض روحه إلا الله تعالى (والصيام جنة)، وقاية من المعاصي ومن النار (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث) بتثليث الفاء وآخره ثاء مثلثة لا يفحش في الكلام (ولا يصخب)، بالصاد المهملة والخاء المعجمة المفتوحة، ويجوز إبدال الصاد سينًا أي لا يصح ولا يخاصم (فإن سابه أحد) وزاد سعيد بن منصور من طريق سهيل أو ماراه يعني جادله (أو قاتله) يعني إن تهيأ أحد لمشاتمته أو مقاتلته (فليقل) له بلسانه إني صائم ليكف خصمه عنه أو بقلبه ليكف هو عن خصمه، ورجح الأول النووي في الأذكار وبالثاني جزم المتولي، ونقله الرافعي عن الأئمة وتعقب بأن القول حقيقة إنما هو باللسان وأجيب بأنه لا يمتنع المجاز، وقال النووي في المجموع: كل منهما حسن والقول باللسان أقوى ولو جمعهما لكان حسنًا. قال في الفتح: ولهذا الترد أتى البخاري في ترجمته لهذا الباب بالاستفهام فقال: هل يقول إني صائم إذا شتم. وقال الروياني: إن كان رمضان فليقل بلسانه وإن كان غيره فليقل في نفسه: (إني امرؤ صائم) قال في الرواية السابقة في باب فضل الصوم مرتين (و) الله (الذي نفس محمد بيده لخلوف) بضم الخاء على الصواب ولأبي ذر عن الكشميهني: لخلف بضم الخاء واللام وحذف الواو جمع خلفة بالكسر أي تغير رائحة (فم الصائم) لخلاء معدته من الطعام ولأبي ذر في نسخة: في الصائم بغير ميم بعد الفاء (أطيب عند الله) يوم القيامة كما في مسلم أو في الدنيا لحديث فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله (من ريح المسك). وفيه إشارة إلى أن رتبة الصوم علية على غيره لأن مقام العندية في الحضرة المقدسية أعلى المقامات السنية، وإنما كان الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك لأن الصوم من أعمال السر التي بين الله تعالى وبين عبده ولا يطلع على صحته غيره، فجعل الله رائحة صومه تنم عليه في الحشر بين الناس، وفي ذلك إثبات الكرامة والثناء الحسن له وهذا كما قال ﵊ في المحرم: فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا وفي الشهيد: يبعث وأوداجه تشخب دمًا تشهد له بالقتل في

стр. 1352

سبيل الله ويبعث الإنسان على ما عاش عليه. قال السمرقندي: يبعث الزامر وتتعلق زمارته في يده فيلقيها فتعود إليه ولا تفارقه، ولما كان الصائم يتغير فمه بسبب العبادة في الدنيا والنفوس تكره الرائحة الكريهة في الدنيا جعل الله تعالى رائحة فم الصائم عند الملائكة أطيب من ريح المسك في الدنيا وكذا في الدار الآخرة، فمن عبد الله تعالى وطلب رضاه في الدنيا فنشأ من عمله آثار مكروهة في الدنيا فإنها محبوبة له تعالى وطيبة عنده لكونها نشأت عن طاعته واتباع مرضاته، ولذلك كان دم الشهيد ريحه يوم القيامة كريح المسك، وغبار المجاهدين في سبيل الله ذريرة أهل الجنة كما ورد في حديث مرسل. (للصائم فرحتان) خبر مقدم ومبتدأ مؤخر (يفرحهما) أي يفرح بهما فحذف الجار توسعًا كقوله تعالى فليصمه أي فيه (إذا أفطر فرح)، زاد مسلم بفطره أي لزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر وهذا الفرح الطبيعي، أو من حيث إنه تمام صومه وخاتمة عبادته وفرح كل أحد بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك، (وإذا لقي ربه) (فرح بصومه) أي بجزائه وثوابه أو بلقاء ربه وعلى الاحتمالين فهو مسرور بقبوله. ١٠ - باب الصَّوْمِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُزُوبَةَ (باب) مشروعية (الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة) أي ما ينشأ عنها من إرادة الوقوع في العنت ولأبي ذر العزبة بضم العين وسكون الزاي وحذف الواو. ١٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ". [الحديث ١٩٠٥ - طرفاه في: ٥٠٦٥، ٥٠٦٦]. وبالسند قال: (حدّثنا عبدان) لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزدي العتكي المروزي البصري الأصل (عن أبي حمزة) بحاء مهملة وزاي محمد بن ميمون السكري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي أنه (قال): (بينا) بغير ميم (أنا أمشي مع عبد الله) يعني ابن مسعود (﵁) وجواب بينا قوله (فقال: كنا مع النبي ﷺ فقال: من استطاع) منكم (الباءة) بالمد على الأفصح لغة الجماع والمراد به هنا ذلك، وقيل مؤن النكاح والقائل بالأول رده إلى معنى الثاني إذ التقدير عنده: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤن النكاح (فليتزوج، فإنه) أي التزوج (أغض) بالغين والضاد المعجمتين (للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع) أي الباءة لعجزه عن المؤن (فعليه بالصوم)، وإنما قدروه بذلك لأن من لم يستطع الجماع لعدم شهوته لا يحتاج إلى الصوم لدفعها، وهذا فيه كلام للنحاة فقيل من إغراء الغائب وسهله تقدم المغري به في قوله: من استطاع منكم الباءة فكان كإغراء الحاضر قاله أبو عبيدة. وقال ابن عصفور: الباء زائدة في المبتدأ ومعناه الخبر لا الأمر أي فعليه الصوم. وقال ابن خروف: من إغراء المخاطب أي أشيروا عليه بالصوم فحذف فعل الأمر وجعل عليه عوضًا منه وتولى من العمل ما كان الفعل يتولاه واستتر فيه ضمير المخاطب الذي كان متصلاً بالفعل. ورجح بعضهم رأي ابن عصفور بأن زيادة الباء في المبتدأ أوسع من إغراء الغائب ومن إغراء المخاطب من غير أن ينجز ضميره بالظرف أو حرف الجر الموضوع مع ما خفضه موضع فعل الأمر. (فإنه) أي فإن الصوم (له) للصائم (وجاء) بكسر الواو والمد أي قاطع للشهوة واستشكل بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك مما يثير الشهوة. وأجيب: بأن ذلك إنما يكون في مبدأ الأمر فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك. قال في الروضة: فإن لم تنكسر به لم يكسرها بكافور ونحوه بل ينكح. قال ابن الرفعة نقلاً عن الأصحاب لأنه نوع من الاختصاء. ١١ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ: "مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ". (باب قول النبي ﷺ ¬) في حديث مسلم: (إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا) بهمزة قطع. (وقال صلة) بن زفر بضم الزاي وفتح الفاء المخففة وصلة بكسر الصاد بوزن عدة العبسي الكوفي التابعي الكبير مما وصله أصحاب السنن (عن عمار) هو ابن ياسر (من صام يوم الشك) الذي تحدّث الناس فيه برؤية الهلال ولم تثبت رؤيته (فقد عصى أبا القاسم ﷺ ¬) وذكر الكنية الشريفة دون الاسم إشارة إلى أنه يقسم أحكام الله بين عباده واستدلّ به على تحريم صوم يوم الشك لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه

стр. 1353

فهو من قبيل المرفوع والمعنى فيه القوة على صوم رمضان، وضعفه السبكي بعدم كراهة صوم شعبان على أن الأسنوي قال: إن المعروف المنصوص الذي عليه الأكثرون الكراهة لا التحريم. ١٩٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام، ولابن عساكر: حدّثنا مالك (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄) (أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال)، أي إذا لم يكمل شعبان ثلاثين يومًا (ولا تفطروا) من صومه (حتى تروه)، أي الهلال. وليس المراد رؤية جميع الناس بحيث يحتاج كل فرد إلى رؤيته بل المعتبر رؤية بعضهم وهو العدد الذي تثبت به الحقوق وهو عدلان إلا أنه يكتفي في ثبوت هلال رمضان بعدل واحد يشهد عند القاضي. وقالت طائفة منهم البغوي: ويجب الصوم أيضًا على من أخبره موثوق به بالرؤية وإن لم يذكره عند القاضي ويكفي في الشهادة: أشهد أني رأيت الهلال لا أن يقول غدًا من رمضان لأنه قد يعتقد دخوله بسبب لا يوافقه عليه المشهود عنده بأن يكون أخذه من حساب أو يكون حنفيًا يرى إيجاب الصوم ليلة الغيم أو غير ذلك. واستدلّ لقبول الواحد بحديث ابن عباس عند أصحاب السنن قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال فقال "أتشهد أن لا إله إلا الله أتشهد أن محمدًا رسول الله"؟ قال: نعم، قال: يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدًا. وروى أبو داود وابن حبان عن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه وهذا أشهر قولي الشافعي عند أصحابه وأصحهما، لكن آخر قوليه أنه لا بد من عدلين. قال في الأم: لا يجوز على هلال رمضان إلا شاهدان، لكن قال الصيمري: إن صح أن النبي ﷺ قبل شهادة الأعرابي وحده أو شهادة ابن عمر وحده قبل الواحد وإلا فلا يقبل أقل من اثنين، وقد صح كل منهما. وعندي أن مذهب الشافعي قبول الواحد وإنما رجع إلى الاثنين بالقياس لما لم يثبت عنده في المسألة سنّة فإنه تمسك للواحد بأثر عن عليّ، ولهذا قال قي المختصر: ولو شهد برؤيته عدل واحد رأيت أن أقبله للأثر فيه. (فإن غُمَّ عليكم) بضم الغين المعجمة وتشديد الميم أي إن حال بينكم وبين من الهلال غيم في صومكم أو فطركم (فاقدروا له) بهمزة وصل وضم الدال وهو تأكيد لقوله لا تصوموا حتى تروا الهلال إذ المقصود حاصل منه، وقد أورثت هذه الزيادة المؤكدة عند المخالف شبهة بحسب تفسيره لقوله: فاقدروا له فالجمهور قالوا معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا أي انظروا في أول الشهر واحسبوا ثلاثين يومًا كما جاء مفسرًا في الحديث اللاحق، ولذا أخره المؤلّف لأنه مفسر. وقال آخرون: ضيقوا له وقدروه تحت الحساب وهو مذهب الحنابلة، وقال آخرون: قدروه بحساب المنازل. قال الشافعية: ولا عبرة بقول المنجم فلا يجب به الصوم ولا يجوز، والمراد بآية ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل: ١٦] الاهتداء في أدلة القبلة، ولكن له أن يعمل بحسابه كال صلاة ولظاهر هذه الآية. وقيل ليس له ذلك وصحح في المجموع أن له ذلك وأنه لا تجزئه عن فرضه وصحح في الكفاية أنه إذا جاز أجزأه ونقله عن الأصحاب وصوّبه الزركشي تبعًا للسبكي قال: وصرح به في الروضة في الكلام على أن شرط النية الجزم. قال: والحاسب وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره في معنى المنجم، وهو من يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني وقد صرح بهما معًا في المجموع. ١٩٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال): (الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه)، أي الهلال (فإن غَُمَّ عليكم) في صومكم (فأكملوا العدّة) عدة شعبان (ثلاثين) يومًا هذا مفسر ومبين لقوله في الحديث السابق: فاقدروا له وأولى ما فسر الحديث بالحديث. ١٩٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، وَخَنَسَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ". [الحديث ١٩٠٨ - طرفاه في: ١٩١٣، ٥٣٠٢]. وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطياسي قال (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن جبلة) بفتح

стр. 1354

الجيم والموحدة واللام (ابن سحيم) بضم السين وفتح الحاء المهملتين الكوفي المتوفى زمن الوليد بن يزيد (قال سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال النبي ﷺ ¬): (الشهر هكذا وهكذا)، أشار بيديه الكريمتين ناشرًا أصابعه مرتين فهذه عشرون (وخنس الإبهام) بفتح الخاء المعجمة والنون المخففة آخره مهملة أي قبض أصبعه الإبهام ونشر بقية أصابعه (في) المرة (الثالثة) فهي تسعة والجملة تسعة وعشرون يومًا، ولأبي ذر عن الكشميهني: وحبس الإبهام بالحاء المهملة ثم الموحدة أي منعها من الإرسال، والحاصل أن العبرة بالهلال فتارة يكون ثلاثين وتارة تسعة وعشرين وقد لا يرى فيجب إكمال العدد ثلاثين وقد يقع النقص متواليًا في شهرين وثلاثة ولا يقع في أكثر من أربعة أشهر. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الطلاق، ومسلم والنسائي في الصوم. ١٩٠٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ». وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا محمد بن زياد) بكسر الزاي وتخفيف التحتية القرشي الجمحي المدني الأصل سكن البصرة التابعي الثقة (قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ -أو قال: قال أبو القاسم ﷺ ¬) بالشك من الراوي. (صوموا) أي انووا الصيام وبيتوا على ذلك أو صوموا إذا دخل وقت الصوم وهو من فجر الغد (لرؤيته) الضمير للهلال وإن لم يسبق له ذكر لدلالة السياق عليه واللام للتوقيت كهي في قوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] أي وقت دلوكها. وقال ابن مالك وابن هشام: بمعنى بعد أي بعد زوالها وبعد رؤلة الهلال. (وافطروا لرؤيته)، بهمزة قطع (فإن غُبّيَ عليكم) بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة المكسورة مبنيًا للمفعول، وللحموي: فإن، غبي بفتح المعجمة وكسر الموحدة كعلم. وقال عياض: غبي بفتح الغين وتخفيف الباء لأبي ذر، وعند القابسي بضم الغين وشد الباء المكسورة وكذا قيده الأصيلي والأول أبين ومعناه خفي عليكم وهو من الغباوة وهو عدم الفطنة استعارة لخفاء الهلال، وللكشميهني: أغمي بضم الهمزة وزيادة ياء مبنيًا للمفعول من الإغماء يقال: أغمي عليه الخبر إذا استعجم، وللمستملي: غَُمَّ بضم المعجمة وتشديد الميم. قال في القاموس: حال دونه غيم رقيق. (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) فيه تصريح بأن عدة الثلاثين المأمور بها في حديث ابن عمر تكون من شعبان. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا النسائي. ١٩١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا -أَوْ رَاحَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا". [الحديث: ١٩١٠ - طرفه في: ٥٢٠٢]. وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن يحيى بن عبد الله بن صيفي) بصاد مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة وفاء اسم بلفظ النسبة (عن عكرمة بن عبد الرحمن) بن الحرث المخزومي (عن أم سلمة) أم المؤمنين (﵂): (أن النبي ﷺ آلى من نسائه) بمد الهمزة من آلى أي حلف لا يدخل عليهن (شهرًا)، وفي مسلم من حديث عائشة: أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهرًا ففيه التصريح بأن حلفه ﵊ كان على الامتناع من الدخول عليهن شهرًا فتبين أن المراد بقوله هنا آلى: حلف لا يدخل ولم يرد الحلف على الوطء والروايات يفسر بعضها بعضًا فإن الإيلاء في اللغة مطلق الحلف ويستعمل في عرف الفقهاء في حلف مخصوص وهو الحلف على الامتناع من وطء زوجته مطلقًا أو مدة تزيد على أربعة أشهر، وتعديته بمن فى قوله: من نسائه تدل على ذلك لأنه راعى المعنى وهو الامتناع من الدخول وهو يتعدى بمن. (فلما مضى تسعة وعشرون يومًا) وفي حديث عائشة عند مسلم: فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليّ واستشكل لأن مقتضاه أنه دخل في اليوم التاسع والعشرين فلم يَكن كن ثم شهر لا على الكمال ولا النقصان. وأجيب بأن المراد تسع وعشرون ليلة بأيامها فإن العرب تؤرخ بالليالي وتكون الأيام تابعة لها، ويدل له حديث أم سلمة هذا فلما مضى تسعة وعشرون يومًا (غدًا). بالغين المعجمة ذهب أول النهار (أو راح) ذهب آخره

стр. 1355

والشك من الراوي (فقيل له): وفي مسلم من حديث عائشة بدأ بي فقلت يا رسول الله (إنك حلفت أن لا تدخل) علينا (شهرًا فقال) ﵊: (إن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا) ولأبي ذر: وعشرون بالرفع. وهذا محمول عند الفقهاء على أنه ﵊ أقسم على ترك الدخول على أزواجه شهرًا بعينه بالهلال وجاء ذلك الشهر ناقصًا فلو تم ذلك الشهر ولم ير الهلال فيه ليلة الثلاثين لمكث ثلاثين يومًا أما لو حلف على ترك الدخول عليهن شهرًا مطلقًا لم يبر إلا بشهر تام بالعدد. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النكاح ومسلم في الصوم والنسائي في عشرة النساء وابن ماجة في الطلاق. ١٩١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ". وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي القرشي المدني قال: (حدّثنا سليمان بن بلال) التيمي المدني (عن حميد) الطويل (عن أنس ﵁ قال): (آلى رسول الله ﷺ من نسائه)، بمد الهمزة وفتح اللام أي حلف لا يدخل عليهن شهرًا (وكانت) بالواو وفي نسخة: فكانت "انفكت رجله، فأقام في مشربة" بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتحها بالموحدة غرفة (تسعًا وعشرين ليلة) وفي نسخة بالفرع كأصله لم يعزها تسعة وعشرين (ثم نزل) من المشربة ودخل على عائشة (فقالوا): وعند مسلم: قالت عائشة: فقلت: (يا رسول الله) إنك (آليت) حلفت أن لا تدخل (شهرًا، فقال) ﵊ (إن الشهر يكون تسعًا وعشرين) يومًا وللكشميهني والحموي والمستملي وابن عساكر: تسعة وعشرين. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الإيمان والنذور والنكاح. ١٢ - باب شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ إِسْحَاقُ: وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فَهْوَ تَمَامٌ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجْتَمِعَانِ كِلَاهُمَا نَاقِصٌ. هذا (باب) بالتنوين (شهرا عيد) رمضان وذو الحجة (لا ينقصان). (قال أبو عبد الله) البخاري (إسحاق): هو ابن راهويه أو ابن سويد بن هبيرة العدوي (وإن كان) كل واحد من شهري العيد (ناقصًا) في العدد والحساب (فهو تام). في الأجر والثواب. (وقال محمد) هو ابن سيرين أو المؤلّف نفسه (لا يجتمعان كلاهما ناقص) كلاهما مبتدأ وناقص خبره والجملة حال من ضمير الاثنين. قال أحمد بن حنبل: إن نقص رمضان تم ذو الحجة وإن نقص ذو الحجة تم رمضان، وذكر قاسم في الدلائل أنه سمع البزار يقول: لا ينقصان جميعًا في سنة واحدة قال: ويدل له رواية زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب مرفوعًا: شهرًا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يومًا. وقال آخرون: يعني لا يكاد يتفق نقصانهما جميعًا في سنة واحدة غالبًا وإلا فلو حمل الكلام على عمومه اختل ضرورة أن اجتماعهما ناقصين في سنة واحدة قد وجد، بل قال الطحاوي قد وجدناهما ينقصان معًا في أعوام وهذا الوجه أعدل مما قبله ولا يجوز حمله على ظاهره ويكفي في ردّه قوله ﵊ "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة" فإنه لو كان رمضان أبدًا ثلاثين لم يحتج إلى هذا، وقيل لا ينقصان في ثواب العمل فيهما كما سيأتي إن شاء الله تعالى وسقط من قوله قال أبو عبد الله إلى آخره قوله ناقص من رواية أبي ذر وابن عساكر. ١٩١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ، شَهْرَا عِيدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الْحَجَّةِ». وبالسند قال (حدّثنا مسدد) بالمهملة ابن مسرهد قال: (حدّثنا معتمر) هو ابن سليمان البصري (قال: سمعت إسحاق يعني ابن سويد) وسقط لفظ يعني لأبي الوقت والجملة لم لأبي ذر وابن عساكر وإسحاق هذا هو العدوي (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه) أبي بكرة نفيِع (عن النبي ﷺ ¬). ولم يسق المؤلّف متن هذا الإسناد وهو عند أبي نعيم في مستخرجه من طريق أبي خليفة وأبي مسلم الكجي جميعًا عن مسدد بهذا الإسناد بلفظ لا ينقص رمضان ولا ينقص ذو الحجة قال المؤلّف: (ح). (وحدثني) بالإفراد (مسدد قال: حدّثنا معتمر عن خالد الحذاء قال: أخبرني) بالإفراد ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: حدثني بالإفراد أيضًا (عبد الرحمن بن أبي بكرة ﷺ أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال): (شهران لا ينقصان)، مبتدأ وخبر. قال الزين بن المنير: المراد أن النقص الحسي باعتبار العدد ينجبر بأن كلاً منهما شهر عيد

стр. 1356

عظيم فلا ينبغي وصفهما بالنقصان بخلاف غيرهما من الشهور. وقال البيهقي في المعرفة: إنما خصهما بالذكر لتعلق حكم الصوم والحج بهما، وبه جزم النووي وقال إنه الصواب المعتمد وأن كل ما ورد عنهما من الفضائل والأحكام حاصل سواء كان رمضان ثلاثين أو تسعًا وعشرين سواء صادف الوقوف اليوم التاسع أو غيره. ولا يخفى أن محل ذلك ما إذا لم يحصل تقصير في ابتغاء الهلال. وفائدة الحديث رفع ما يقع في القلوب من شك لمن صام تسعًا وعشرين أو وقف في غير يوم عرفة. وقال الطيبي: ظاهر سياق الحديث في بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في سائرها وليس المراد أن ثواب الطاعة في سائرها قد ينقص دونهما، وإنما المراد رفع الحرج عما عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم لاختصاصهما بالعيدين وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما ومن ثم لم يقتصر على قوله رمضان وذو الحجة بل قال: (شهرا عيد) خبر مبتدأ محذوف أي هما شهرا عيد أو رفع على البدلية أحدهما "رمضان" بغير صرف للعلمية والألف والنون (و) الآخر (ذو الحجة) وهذا لفظ متن السند الثاني وهو موافق للفظ الترجمة وأطلق على رمضان أنه شهر عيد لقربه من العيد أو لكون هلال العيد. ربما (رئي في اليوم الأخير من رمضان قاله الأثرم والأول أولى ونظيره قوله ﷺ : "المغرب وتر النهار" أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر وصلاة المغرب ليلية جهرية وأطلق كونها وتر النهار لقربها منه وفيه إشارة إلى أن وقتها يقع أوّل ما تغرب الشمس. واستشكل ذكر الحجة لأنه إنما يقع الحج في العشر الأول منه فلا دخل لنقصان الشهر وتمامه. وأجيب: بأنه مؤول بأن الزيادة والنقص إذا وقعا في القعدة يلزم منهما نقص عشر ذي الحجة الأول أو زيادته فيقفون الثامن أو العاشر فلا ينقص أجر وقوفهم عما لا غلط فيه قاله الكرماني، لكن قال البرماوي: وقوف الثامن غلطًا لا يعتبر على الأصح. ١٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ» (باب قول النبي ﷺ لا نكتب ولا نحسب) بالنون فيهما. ١٩١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا. يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ". وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا الأسود بن قيس) الكوفي التابعي الصغير قال: (حدّثنا سعيد بن عمرو) بفتح العين ابن سعيد بن العاصي المدني سكن دمشق ثم الكوفة (أنه سمع ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال): (إنا) أي العرب أو نفسه المقدسة (أمة) جماعة قريش (أمية) بلفظ النسبة إلى الأم أي باقون على الحالة التي ولدتنا عليها الأمهات (لا نكتب) بيان لكونهم كذلك أو المراد النسبة إلى أمة العرب لأنهم ليسوا أهل كتاب والكاتب منهم نادر (ولا نحسب)، بضم السين لا نعرف حساب النجوم وتسييرها فلم نكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة لائحة يستوي في معرفتها الحساب وغيرهم، ثم تمم ﵊ هذا المعنى بإشارته بيده من غير لفظ إشارة يفهمها الأخرس والأعجمي (الشهر هكذا وهكذا). قال الراوي (يعني) ﵊ (مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين). قال في الفتح هكذا ذكره آدم شيخ المؤلّف مختصرًا ورواه غندر عن شعبة تامًّا أخرجه مسلم عن ابن المثنى وغيره عنه بلفظ الشهر هكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين أي أشار أولاً بأصابع يديه العشر جميعًا مرتين وقبض الإبهام في المرة الثالثة، وهذا هو المعبر عنه بقوله: تسع وعشرون وأشار بهما مرة أخرى ثلاث مرات وهو المعبر عنه بقوله ثلاثون. وحديث الباب أخرجه مسلم في الصوم وكذا أبو داود والنسائي. ١٤ - باب لَا يُتَقَدَّمُ رَمَضَانُ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ هذا (باب) بالتنوين وبغيره (لا يتقدّمن) بنون التوكيد الثقيلة ويجوز تخيفها ولأبي ذر وابن عساكر: لا يتقدم أي الكلف (رمضان) وقال الحافظ ابن حجر: لا يتقدم بضم أوله وفتح ثانيه يعني مبنيًّا للمفعول رمضان رفع نائب عن الفاعل ثم قال: ويجوز فتحهما أي أوّل

стр. 1357

يتقدم وثانيه ولم يعزه لأحد (بصوم يوم ولا) ولابن عساكر: أو (يومين) بعدّ منه بقصد الاحتياط له فإن صومه مرتبط بالرؤية فلا حاجة إلى التكلف. ١٩١٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ». وبالسند قال (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي البصري قال: (حدثنا هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا يحيى بن أبي كثير) اليمامي أحد الثقات الأثبات إلا أنه كان كثير الإرسال والتدليس رأى أنسًا ولم يسمع منه واحتج به الأئمة (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال): (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين) أي بنية الرمضانية احتياطًا ولكراهة التقدم معان. أحدها: خوفًا من أن يزاد في رمضان ما ليس منه كما نهي عن صيام يوم العيد لذلك حذرا مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم وخرّج الطبراني عن عائشة أن ناسًا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] ولهذا نهي عن صوم يوم الشك. والمعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنفل فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع، ولذا حرم صيام يوم العيد ونهى رسول الله ﷺ أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام خصوصًا سنة الفجر، وفي المسند أنه ﷺ فعله وهذا فيه نظر لأنه يجوز لمن له عادة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. والمعنى الثالث: أنه للتقوّي على صيام رمضان فإن مواصلة الصيام تضعف عن صيام الفرض، فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوى على صيام رمضان فيه نظر لأن معنى الحديث أنه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام فصاعدًا جاز. المعنى الرابع: أن الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم (إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه) المعتاد من ورد كأن اعتاد صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم أو يوم معين كالاثنين فصادفه أو نذر أو قضاء، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يصوم صومًا (فليصم ذلك اليوم) فإنه مأذون له فيه ويجب عليه النذر وما بعده فهو مستثنى بالأدلة القطعية ولا يبطل القطعي بالظني، ومفهوم الحديث الجواز إذا كان التقدم بأكثر من يومين، وقيل يمتد المنع لما قبل ذلك وبه قطع كثير من الشافعية. وأجابوا عن الحديث بأن المراد منه التقدم بالصوم فحيث وجد منع، وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك، وقالوا أمد المنع من أوّل السادس من شعبان لحديث إذا انتصف شعبان فلا تصوموا رواه أبو داود وغيره وظاهره أنه يحرم الصوم إذا انتصف وإن وصله بما قبله وليس مرادًا حفظًا لأصل مطلوبية الصوم، وقد قال النووي في المجموع: إذا انتصف شعبان حرم الصوم بلا سبب إن لم يصله بما قبله على الصحيح. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ١٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ﴿البقرة: ١٨٧]. (باب قول الله جلّ ذكره) (﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) كناية عن الجماع وعدّى بإلى لتضمنه معنى الإِفضاء ثم بين سبب الإحلال فقال: (﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾) لأن الرجل والمرأة يتضاجعان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه شبه باللباس أو لأن كلاًّ منهما يستر حال صاحبه ويمنعه عن الفجور (﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾) تجامعون النساء وتأكلون وتشربون في الوقت الذي كان حرامًا عليكم (﴿فتاب عليكم﴾) لما تبتم مما اقترفتموه (﴿وعفا عنكم﴾)، ومحا عنكم أثره (﴿فالآن باشروهن﴾) أي جامعوهن فقد نسخ عنكم التحريم (﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾) [البقرة: ١٨٧] واطلبوا ما قدّره لكم وأثبته ففي اللوح المحفوظ من الولد والمعنى أن المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد فإنه الحكمة في خلق الشهوة وشرع النكاح ولفظ رواية أبي ذر (﴿أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾) إلى قوله (﴿ما كتب الله لكم﴾). ١٩١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ. وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾. [الحديث ١٩١٥ - طرفه في: ٤٥٠٨]. وبالسند

стр. 1358

قال (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغرًا العبسي الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله (عن البراء) بن عازب (﵁ قال: كان أصحاب محمد ﷺ ¬) في أول ما افترض الصيام (إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي). وفي رواية زهير عند النسائي كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئًا ولا يشرب ليلته ويومه حتى تغرب الشمس، ولأبي الشيخ من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق: كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلى مثلها، وقد بين السدي أن هذا الحكم كان على وفق ما كتب على أهل الكتاب كما أخرجه ابن جرير من طريق السدي بلفظ: كتب على النصارى الصيام وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النوم وكتب على المسلمين أولاً مثل ذلك. (وإن قيس بن صرمة) بكسر الصاد المصلة وسكون الراء (الأنصاري) قال في الإصابة: وقع عند أبي داود من هذا الوجه صرمة بن قيس، وفي رواية النسائي أبو قيس بن عمرو فإن حل هذا الاختلاف على تعدد أسماء من وقع له ذلك وإلاّ فيمكن الجمع برد جميع الروايات إلى واحد، فإنه قيل فيه صرمة بن قيس وصرمة بن مالك وصرمة بن أنس وصرمة بن أبي أنس، وقيل فيه قيس بن صرمة وأبو قيس بن صرمة وأبو قيس بن عمرو فيمكن أن يقال: إن كان اسمه صرمة بن قيس فمن قال فيه قيس بن صرمة قلبه وإنما اسمه صرمة وكنيته أبو قيس أو العكس، وأما أبوه فاسمه قيس أو صرمة على ما تقرر من القلب وكنيته أبو أنس، ومن قال فيه أن حذف أداة الكنية ومن قال فيه ابن مالك نسبه إلى جدّ له والعلم عند الله تعالى (كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته) لم تسم (فقال لها: أعندك طعام)، بهمزة الاستفهام وكسر الكاف (قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك)، وظاهره أنه لم يجيء معه بشيء، لكن في مرسل السدي أنه أتاها بتمر فقال استبدلي به طحينًا واجعليه سخينًا فإن التمر أحرق جوفي. وفي مرسل ابن أبي ليلى فقال لأهله: أطعموني فقالت حتى أجعل لك شيئًا سخينًا. ووصله أبو داود من طريق ابن أبي داود (وكان يومه) بالنصب (بعمل). أي في أرضه كما صرح به أبو داود في روايته (فغلبته عيناه)، فنام (فجاءته امرأته) ولأبي ذر عن الكشميهني: عينه فجاءت امرأته بالإفراد وحذف الضمير من فجاءته (فلما رأته) نائمًا (قالت خيبة لك)، حرمانًا منصوب على أنه مفعول مطلق حذف عامله وجوبًا قال بعض النحاة: إذا كان بدون لام وجب نصبه أو معها جاز النصب وفي مرسل السدي فأيقظته فكره أن يعصي الله وأبى أن يأكل وزاد في رواية أحمد هنا فأصبح صائمًا (فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي- ﷺ ¬) بضم الذال وكسر الكاف مبنيًّا للمفعول، وزاد الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل، وكان عمر أصاب النساء بعدما نام، ولابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر من عند النبي ﷺ وقد سمر عنده فأراد امرأته فقالت: إني قد نمت. فقال: ما نمت ووقع عليها وصنع كعب بن مالك مثل ذلك (فنزلت هذه الآية) ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ التي تصبحون منها صائمين (﴿الرفث إلى نسائكم﴾) [البقرة: ١٨٧] (﴿ففرحوا فرحًا شديدًا ونزلت) ولابن عساكر: فنزلت بالفاء بدل الواو (﴿وكلوا واشربوا﴾) جميع الليل (﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض﴾) بياض الصبح (﴿من الخيط الأسود﴾) [البقرة: ١٨٧] من سواد الليل قال الكرماني لما صار الرفث وهو الجماع هنا حلالاً بعد أن كان حرامًا كان الأكل والشرب بطريق الأولى فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرخصة. هذا وجه مطابقة ذلك لقصة

стр. 1359

أبي قيس ثم لما كان حلهما بطريق المفهوم نزل بعد ذلك قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾ ليعلم بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم تصريحًا أو المراد نزول الآية بتمامها. قال في فتح الباري: وهذا هو المعتمد وبه جزم السهيلي وقال: إن الآية نزلت في الأمرين معًا فقدم ما يتعلق بعمر ﵁ لفضله اهـ. ووقع في رواية أبي داود فنزلت ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ إلى قوله: ﴿من الفجر﴾ فهذا يبين أن محل قوله ففرحوا بها بعد قوله: ﴿الخيط الأسود﴾ وقد وقع ذلك صريحًا في رواية زكريا بن أبي زائدة ولفظه فنزلت: ﴿أحل لكم﴾ إلى قوله: ﴿من الفجر﴾ ففرح المسلمون بذلك. وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الصوم والترمذي في التفسير. ١٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فِيهِ الْبَرَاءُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - (باب قول الله تعالى) مخاطبًا للمسلمين (﴿وكلوا واشربوا﴾) بعد أن كنتم ممنوعين منهما بعد النوم في رمضان (﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾)، بيان للخيط الأبيض (﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾) [البقرة ١٨٧] فإنه آخر وقته. وحتى للغاية واستشكل بأنه يلزم منه أن يؤكل جزء من النهار. وأجيب: بأن الغاية غايتان غاية مدّ وهي التي لو لم تذكر لم يدخل ما بعدها حال ذكرها في حكم ما قبلها، وغاية إسقاط وهي التي لم تذكر لكان ما بعدها داخلاً في حكم ما قبلها فالأول ﴿أتموا الصيام إلى الليل﴾ والثاني ﴿إلى المرافق﴾ أي: واتركوا ما بعد المرافق ويأتي مثل هذا في قوله ﷺ "حتى يؤذن ابن أم مكتوم" ولفظ رواية ابن عساكر: وكلوا واشربوا إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ (فيه) أي في الباب حديث رواه (البراء) في الباب السابق موصولاً ولابن عساكر عن البراء (عن النبي ﷺ ¬). ١٩١٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي. فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ". [الحديث ١٩١٦ - طرفاه في: ٤٥٠٩، ٤٥١٠]. وبالسند قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) السلمي الأنماطي، ولابن عساكر: الحجاج بن منهال قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة ابن بشير بضم الموحدة وفتح المعجمة مصغرين السلمي (قال: أخبرني) بالإفراد (حصين بن عبد الرحمن) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين السلمي أيضًا (عن الشعبى) بفتح المعجمة وسكون المهملة عامر بن شراحيل (عن عدي بن حاتم) الصحابي (﵁ قال: لما نزلت) (﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ثم قدمت فأسلمت وتعلمت الشرائع، ولأحمد من طريق مجالد: علمني رسول الله ﷺ -الصلاة والصيام وقال: صل كذا وصم كذا فإذا غابت الشمس فكل حتى ﴿يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ (عمدت) بفتح الميم (إلى عقال) بكسر العين حبل (أسود وإلى عقال أبيض فجعلتها تحت وسادتي، فجعلت أنظر) إليهما (في الليل فلا يستبين لي) فلا يظهر لي، وفي رواية مجالد: فلا أستبين الأبيض من الأسود (فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك) ولغير أبي الوقت فذكرت ذلك له (فقال) ﵊: (إنما ذلك) المذكور في قوله حتى ﴿يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ (سواد الليل وبياض النهار) وفي التفسير قلت: يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين. ثم قال: لا بل هما سواد الليل وبياض النهار. وحديث الباب أخرجه أيضًا في التفسير ومسلم في الصوم وكذا أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. ١٩١٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ح. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: "أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ". [الحديث ١٩١٧ - طرفه في: ٤٥١١]. وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي قال: (حدّثنا ابن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي عبد العزيز (عن أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين الساعدي (ح) لتحويل السند. (وحدثني) بالإفراد (سعيد بن أبي مريم) قال (حدّثنا أبو غسان) بالغين المعجمة والمهملة المشددة (محمد بن مطرّف) ولفظ المتن له (قال: حدثني) بالإفراد (أبو حازم) سلمة (عن سهل بن سعد قال: أنزلت) (﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) (ولم ينزل) قوله تعالى: (﴿من الفجر﴾) فكان بالفاء ولأبي الوقت: وكان (رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله) بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت

стр. 1360

رجليه (الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: ولا يزال (يأكل حتى يتبين له) بالمثناة التحتية ثم الفوقية والموحدة وتشديد المثناة التحتية ولأبي ذر: تتبين بمثناتين فوقيتين قبل الموحدة، وللكشميهني: حتى يستبين له بسين مهملة ساكنة مع التخفيف (رؤيتهما) أي الخيطين (فأنزل الله) قوله: (﴿من الفجر﴾) قال البيضاوي شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل بخيطين أبيض وأسود واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله من الفجر عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه وبذلك خرجا من الاستعارة إلى التمثيل، ويجوز أن تكون من للتبعيض فإن ما يبدو بعض الفجر وما روي أنها نزلت ولم ينزل من الفجر، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط فنزلت لعله كان قبل دخول رمضان وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز واكتفي أولاً باشتهارهما في ذلك ثم صرح بالبيان لما التبس على بعضهم، وذكر في الفتح والعمدة والتنقيح والمصابيح أن حديث عدي يقتضي نزول قوله تعالى: ﴿من الفجر﴾ متصلاً بقوله: ﴿من الخيط الأسود﴾ وحديث سهل بن سعد صريح في أنه لم ينزل إلا منفصلاً فإن حمل على واقعتين في وقتين فلا إشكال وإلاّ احتمل أن يكون حديث عدي متأخرًا عن حديث سهل فإنما سمع الآية مجردة فحملها على ما وصل إليه فهمه حتى يتبين له الصواب، وعلى هذا يكون ﴿من الفجر﴾ متعلقًا بيتبين، وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال متعلقًا بمحذوف اهـ. وليس في حديث عدي هنا عند المؤلّف بل ولا في التفسير ذكر من الفجر أصلاً فليتأمل نعم ثبت ذكره في روايته عند مسلم في صحيحه (فعلموا) أي الرجال (إنه إنما يعني) بقوله: ﴿الخيط الأبيض والخيط الأسود﴾ (الليل والنهار) ولابن عساكر: من النهار. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير وكذا النسائي. ١٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ» (باب قول النبي ﷺ ¬) فيما رواه مسلم من حديث سمرة: (لا يمنعنكم) بنون التوكيد الثقيلة، ولأبي ذر عن الكشميهني: لا يمنعكم بإسقاطها وجزم العين (من سحوركم) بفتح السين اسم ما يتسحر به (أذان بلال). ١٩١٨ و ١٩١٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ بِلَالاً كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ". قَالَ الْقَاسِمُ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلاَّ أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا". وبالسند قال (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) وكان اسمه عبد الله الهباري القرشي (عن أبي أسامة) حماد بن أسامة (عن عبيد الله) بن عمر العمري (عن نافع عن ابن عُمر، والقاسم بن محمد) أي ابن أبي بكر الصديق المتوفى سنة ست ومائة على الصحيح (عن عائشة ﵂) والقاسم جر عطفًا على نافع لا على ابن عمر لأن عبيد الله رواه عن نافع عن ابن عمر، وعن القاسم عن عائشة. والحاصل أن لعبيد الله فيه شيخين يروي عنهما وهما نافع والقاسم بن محمد (﴿أن بلالاً كان يؤذن﴾) للفجر (بليل)، ليستعد لها بالتطهير وغيره. وقال أبو حنيفة والثوري: للسحور وردّ بأنه إنما أخبر عن عادته في الأذان دائمًا (فقال رسول الله ﷺ ¬): (كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، عمرو بن قيس العامري وأم مكتوم اسمها عاتكة بنت عبد الله، وزاد في باب أذان الأعمى كالموطأ وكان أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت أي قاربت الصباح، وقيل على ظاهره من ظهور الصباح والأول أرجح وعليه يحمل قوله هنا (فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) أي حتى يقارب طلوع الفجر، والمعنى في الجميع أن بلالاً كان يؤذن قبل الفجر ثم يتربص بعد للدعاء ونحوه ثم يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعًا نزل فأخبر ابن أم مكتوم فيتطهر ويرقى ويشرع في الأذان إذا قارب الصباح حوطة للفجر فأذانه علم على الوقت الذي يمتنع فيه الأكل، ولعل بتمام أذانه يتضح الفجر وتصح الصلاة على التأويل الآخر في أصبحت أصبحت فيكون جمعًا بين الأمرين قاله الأبي وسبق في الباب الذي قبل هذا أن حتي هنا لغاية المد. (قال القاسم): بن محمد (ولم يكن بين أذانهما) بكسر النون من غير ياء (إلا أن يرقى) بفتح القاف أي يصعد (ذا) ابن أم مكتوم (وينزل) بالنصب عطفًا على يرقي (ذا) بلال

стр. 1361

ولم يشاهد ذلك القاسم بن محمد، وقول الداودي هذا يدل على أن ابن أم مكتوم كان يراعي قرب طلوع الفجر أو طلوعه لأنه لم يكن يكتفي بأذان بلال في علم الوقت لأن بلالاً فيما يدل عليه الحديث كان تختلف أوقاته وإنما حكى من قال يرقى ذا وينزل ذا ما شهد في بعض الأوقات، ولو كان فعله لا يختلف لاكتفى به النبي ﷺ ولم يقل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، ولقال فإذا فرغ بلال فكفوا. تعقبه ابن المنير بأن الراوي إنما أراد أن يبين اختصارهم في السحور إنما كان باللقمة والتمرة ونحوها بقدر ما ينزل هذا ويصعد هذا وإنما كان يصعد قبيل الفجر بحيث إذا وصل إلى فوق طلع الفجر ولا يحتاج هذا إلى حمله على اختلاف أوقات بلال بل ظاهر الحديث أن أوقاتهما كانت على رتبة ممهدة وقاعدة مطردة اهـ. ١٨ - باب تَأْخِيرِ السَّحُورِ (باب تأخر السحور) إلى قرب طلوع الفجر الصادق ولأبي ذر: تعجيل السحور خوفًا من طلوع الفجر في أول الشروع. قال الزين بن المنير: التعجيل من الأمور النسبية فإن نسب إلى أول الوقت كان معناه التقديم، وإن نسب إلى آخره كان معناه التأخير، وإنما سماه البخاري تعجيلاً إشارة منه إلى أن الصحابي كان يسابق بسحور الفجر عند خوف طلوعه وخوف فوات الصلاة بمقدار وصوله إلى المسجد. قال الزركشي: فعلى هذا يقرأ بضم السين إذ المراد تعجيل الأكل، وقول الحافظ ابن حجر: أنه لم ير في شيء من نسخ البخاري تأخير السحور لا يلزم منه العدم، فقد ثبت في اليونينية تأخير السحور، ولأبي ذر بلفظ: تعجيل السحور على ما مرّ. ١٩٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: "كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". وبالسند قال (حدّثنا محمد بن عبيد الله) بضم العين مصغرًا مضافًا المدني قال (حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أبي حازم) سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد ﵁) أنه (قال: كنت أتسحر في أهلي، ثم تكون سرعتي أن أدرك السجود) بالدال أي صلاة الصبح (مع رسو الله ﷺ ¬) وللكشميهني كما في الفتح: أن أدرك السحور بالراء والصواب الأول. وهذا الحديث من أفراد البخاري، وقد أخرجه في باب: وقت الفجر من الصلاة وفيه تأخير السحور ومحله ما لم يشك في طلوع الفجر فإن شك لم يسن التأخير بل الأفضل تركه لحديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". ١٩ - باب قَدْرِ كَمْ بَيْنَ السَّحُورِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ (باب قدر كم بين) انتهاء (السحور و) إيتاء (صلاة الفجر) من الزمان. ١٩٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: "تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً". وبالسند قال (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس عن زيد بن ثابت ﵁) أنه (قال): (تسحرنا مع النبي ﷺ ثم قام إلى الصلاة). قال أنس (قلت): لزيد (كم كان بين الأذان والسحور؟ قال): زيد هو (قدر خمسين آية) أي قدر قراءتها. وهذا الحديث سبق في باب وقت الفجر. ٢٠ - باب بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ وَاصَلُوا وَلَمْ يُذْكَرِ السَّحُورُ (باب بركة السحور من غير إيجاب) في محل نصب على الحال أي من غير أن يكون واجبًا ثم علل عدم الوجوب بقوله (لأن النبي ﷺ وأصحابه) ﵃ (واصلوا) في صومهم من غير إفطار بالليل (ولم يذكر السحور) بضم الياء وفتح الكاف مبنيًّا للمفعول وفي نسخة ولم يذكر السحور مبنيًا للفاعل، وللكشميهني والنسفي فيما قاله في فتح الباري ولم يذكر سحور بدون الألف واللام، وفي بعض الأصول المعتمدة باب من ترك السحور الخ. ١٩٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاصَلَ، فَوَاصَلَ النَّاسُ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُمْ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ أُطْعَمُ وَأُسْقَى". [الحديث ١٩٢٢ - طرفه في: ١٩٦٢]. وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال (حدّثنا جويرية) ابن أسماء الضبعي البصري (عن نافع عن عبد الله) بن عمر (﵁ أن النبي ﷺ واصل)، بين الصومين من غير إفطار بالليل (فواصل الناس)، أيضًا تبعًا له ﷺ (فشق عليهم)، أي الوصال لمشقة الجوع والعطش (فنهاهم)، عن الوصال لما رأى من المشقّة عليهم نهي إرشاد أو تحريم وهو المرجح عند الشافعية (قالوا: إنك) ولابن عساكر: فإنك (تواصل، قال:) ﵊: (لست كهيئتكم) أي ليست حالي كحالتكم أو لفظ الهيئة زائد والمراد لست كأحدكم (إني أظل) بفتح الهمزة والظاء المعجمة المشالة (أطعم وأسقى) بضم الهمزة فيهما مبنيين

стр. 1362

للمفعول أي أعطى قوة الطاعم والشارب فليس المراد الحقيقة إذ لو أكل حقيقة لم يبق وصال. وفي هذا الحديث مباحث تأتي إن شاء الله تعالى في موضعها. ١٩٢٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». وبه قال (حدّثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة وتخفيف الياء قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا عبد العزيز بن صهيب) بضم الصاد المهملة وفتح الهاء مصغرًا (قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي) ولابن عساكر: رسول الله (¬ ﷺ ¬). (تسحروا)، هو تفعل من السحر وهو قبيل الصبح، وقال في الروضة. كأصلها ويدخل وقته بنصف الليل. قال السبكي: وفيه نظر لأن السحر لغة قبيل الفجر ومن ثم خصه ابن أبي الصيف اليمني بالسدس الأخير، والمراد الأكل في ذلك الوقت وذلك على معنى أن التفعل هنا في الزمن المصوغ من لفظه فإنه من معاني تفعل كما ذكره ابن مالك في التسهيل أو الأخذ في الأمر شيئًا فشيئًا ويحصل السحور بقليل المطعوم وكثيره والأمر به للندب (فإن في السحور) بفتح السين اسم لما يتسحر به وبالضم الفعل (بركة) بالنصب اسم أن وفي معنى كونه بركة وجوه أن يبارك في اليسير منه بحيث تحصل به الإعانة على الصوم. وفي حديث عليّ عند ابن عدي مرفوعًا "تسحروا ولو بشربة من ماء" زاد في حديث أبي أمامة عند الطبراني مرفوعًا "ولو بتمرة، ولو بحبات زبيب" الحديث. ويكون ذلك بالخاصية كما بورك في الثريد والاجتماع على الطعام، أو المراد بالبركة نفي التبعة. وفي حديث أبي هريرة مما ذكره في الفردوس: ثلاثة لا يحاسب عليها العبد أكلة السحور وما أفطر عليه وما أكل مع الإخوان أو المراد بها التقوى على الصيام وغيره من أعمال النهار. وفي حديث جابر عند ابن ماجة والحاكم مرفوعًا: استعينوا بطعام السحر على صيام النهار بالقيلولة على قيام الليل ويحصل به النشاط ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع أو المراد بها الأمور الأخروية فإن إقامة السنة توجب الأجر وزيادة. وقال القاضي عياض: قد تكون هذه البركة ما يتفق للمتسحر من ذكر أو صلاة أو استغفار وغير ذلك من زيادات الأعمال التي لولا القيام للسحور لكان الإنسان نائمًا عنها وتاركًا وتجديد النية للصوم ليخرج من خلاف من أوجب تجديدها إذا نام بعدها. وقال ابن دقيق العيد: ومما يعلل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب لأنه ممتنع عندهم وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخروية. تنبيه إن قلنا أن المراد بالبركة الأجر والثواب فالسحور بالضم لأنه مصدر بمعنى التسحر وإن قلنا التقوية فبالفتح. وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٢١ - باب إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا لَا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا. وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ ﵃. هذا (باب) بالتنوين (إذا نوى) الإنسان (بالنهار صومًا) فرضًا أو نفلاً هل يصح أو لا (وقالت أم الدرداء): خيرة مما وصله ابن أبي شيبة (كان أبو الدرداء) عويمر الأنصاري (يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا لا، قال: فإني صائم يومي هذا وفعله) أي ما فعل أبو الدرداء (أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري مما وصله عبد الرزاق (و) كذا فعله (أبو هريرة) مما وصله البيهقي (و) كذا (ابن عباس) مما وصله الطحاوي (و) كذا (حذيفة ﵃) مما وصله عبد الرزاق وهذا كله في النفل قبل الزوال ويدل له قوله في أثر أم الدرداء عند ابن أبي شيبة كان أبو الدرداء يغدو أحيانًا فيسأل الغداء، وفي أثر أبي طلحة عند عبد الرزاق كان يأتي أهله فيقول هل من غداء، وقول ابن عباس لقد أصبحت وما أريد الصوم وما أكلت من طعام ولا شراب ولأصومن يومي هذا إذ الغداء بفتح الغين اسم لما يؤكل قبل الزوال وهذا مذهب الشافعية، واستدل له أيضًا بأنه ﷺ قال لعائشة يومًا: "هل عندكم من غداء؟ " قالت: لا. قال: "فإني أصوم" رواه الدارقطني وصحح إسناده ويحكم بالصوم في ذلك من أول النهار فيثاب على جميعه. وفي أثر حذيفة عند عبد الرزاق أنه قال: من بدا له الصيام بعدما تزول الشمس فليصم، وإليه ذهب جماعة سواء كان قبل الزوال أو بعده وهو مذهب الحنابلة. وعبارة المرداوي في تنقيحه: ويصح صوم نفل بنية من النهار مطلقًا نصًّا ويحكم بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية نصًّا. وقال مالك: لا يصوم في النافلة

стр. 1363

إلا أن يبيت لقوله ﵊ "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" ولحديث "الأعمال بالنيات" فالإمساك أول النهار عمل بلا نيّة وقياسًا على الصلاة إذ نفلها وفرضها في النية سواء. ١٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلاً يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: أَنْ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ". [الحديث ١٩٢٤ - طرفاه في: ٢٠٠٧، ٧٢٦٥]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل (عن يزيد بن أبي عبيد) يزيد من الزيادة وعبيد مصغرًا مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع) واسم الأكوع سنان بن عبد الله (﵁) (أن النبي ﷺ بعث رجلاً) هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلمي كما عند أحمد وابن أبي خيثمة (ينادي في الناس يوم عاشوراء، أن) بفتح الهمزة وفي اليونينية بسكون النون مع فتح الهمزة ولأبي ذر أن بكسرها مع تشديد النون (من أكل فليتم) بسكون اللام ويجوز كسرها بلفظ الأمر للغائب والميم مفتوحة تخفيفًا أي ليمسك بقية يومه حرمة للوقت كما يمسك لو أصبح يوم الشك مفطرًا ثم ثبت أنه من رمضان - (أو) قال (فليصم)، شك من الراوي (ومن لم يأكل فلا يأكل). واستدلّ به أبو حنيفة على أن الفرض يجوز بنية من النهار لأن صوم عاشوراء كان فرضًا، وردّ بأنه إمساك لا صوم وبأن عاشوراء لم يكن فرضًا عند الجمهور وبأنه ليس منه أنه لا قضاء عليهم بل في أبي داود أنهم أتموا بقية اليوم وقضوه. واستدلّ الجمهور لاشتراط النية في صوم الفرض من الليل بحديث حفصة عند أصحاب السنن أن النبي ﷺ قال "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له" وهذا لفظ النسائي، ولأبي داود والترمذي: من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له، واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الترمذي والنسائي الموقوف وعمل بظاهر الإسناد جماعة فصححوا الحديث المذكور منهم ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وروى له الدارقطني طريقًا أخرى وقال: رجالها ثقات وظاهره العموم في الصوم نفلاً أو فرضًا وهو محمول على الفرض بقرينة حديث عائشة السابق وهو قوله ﵊ لها يومًا: هل عندكم من غداء؟ قالت: لا. قال: فإني إذن أصوم. قالت: وقال لي يومًا آخر: أعندكم شيء قلت: نعم. قال: إذن أفطر وإن كنت فرضت الصوم رواه الدارقطني وصحح إسناده فلا تجزئ النية مع طلوع الفجر لظاهر الحديث ولا تختص بالنصف الأخير من الليل لإطلاقه ولو شك في تقدمها الفجر لم يصح صومه لأن الأصل عدم التقدم ولا بد من التبييت لكل يوم لظاهر الحديث ولأن صوم كل يوم عبادة لتخلل اليومين ما يناقض الصوم كالصلاتين يتخللهما السلام. وقال المالكية: المشهور الاكتفاء بنية واحدة في أوّل ليلة من رمضان لجميعه في حق الحاضر الصحيح وأما المسافر والمريض فلا بدّ لكل منهما من التبييت في كل ليلة ولا بد عند الشافعية من كونها جازمة معينة كالصلاة بخلاف الحنفية فلم يشترطوا التعيين. وهذا الحديث من الثلاثيات، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصيام وفي خبر الواحد ومسلم والنسائي في الصوم. ٢٢ - باب الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبًا (باب الصائم) حال كونه (يصبح جنبًا) هل يصح صومه أم لا. ١٩٢٥، ١٩٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: "كُنْتُ أَنَا وَأَبِي حِينَ دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ح. ١٩٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتَاهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. وَقَالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقَرِّعَنَّ بِهَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. ثُمَّ قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ -وَكَانَتْ لأَبِي هُرَيْرَةَ هُنَالِكَ أَرْضٌ- فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا، وَلَوْلَا مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَىَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ. فَذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: كَذَلِكَ حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَهُنَّ أَعْلَمُ"، وَقَالَ هَمَّامٌ وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِالْفِطْرِ" وَالأَوَّلُ أَسْنَدُ. [الحديث ١٩٢٥ - طرفاه في: ١٩٣٠، ١٩٣١]. [الحديث ١٩٢٦ - طرفه في: ١٩٣٢]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن سمي) بضم السين وفتح الميم وتشديد التحتية (مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيرة) القرشي (أنه سمع) مولاه (أبا بكر بن عبد الرحمن) راهب قريش (قال: كنت أنا وأبي) عبد الرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم القرشي المخزومي ابن عم عكرمة بن أبي جهل بن هشام (حين) ولأبي ذر: حتى (دخلنا على عائشة وأم سلمة) هند بنت أبي أمية (ح) للتحويل. (حدّثنا) ولأبي ذر وحدّثنا (أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب،) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن قصي الأموي القرشي ولد بعد الهجرة بسنتين ولم يصح له سماع من النبي ﷺ ولي الخلافة تسعة

стр. 1364

أشهر وتوفي في رمضان سنة خمس وستين (أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو) أي والحال أنه (جنب من) جماع (أهله)، وفي رواية يونس عن ابن شهاب عن عروة وأبي بكر بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: كان يدركه الفجر في رمضان من غير حلم، وللنسائي عنها من غير احتلام وفي لفظ له: كان يصبح جنبًا مني (ثم يغتسل ويصوم). بيانًا للجواز، وإلاّ فالأفضل الغسل قبل الفجر والاحتلام يطلق على الإنزال وقد يقع الإنزال من غير رؤية شيء في المنام وأرادت بالتقييد بالجماع من غير احتلام المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدًا مفطر. (وقال) ولابن عساكر فقال (مروان) بن الحكم (لعبد الرحمن بن الحارث أقسم بالله لتقرعن) بفتح القاف وتشديد الراء من التقريع وهو التعنيف ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لتفزعن بالفاء الساكنة والزاي المكسورة من الإفزاع أي لتخوفن (بها) أبي بالمقالة المذكورة (أبا هريرة)، وذلك لأن أبا هريرة كان يرى أن من أصبح جنبًا من جماع لا يصح صومه لحديث الفضل بن عباس في مسلم، وحديث أسامة في النسائي عن النبي ﷺ : من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم، وفي النسائي عن أبي هريرة أنه قال: لا ورب هذا البيت ما أنا قلت من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصوم محمد ورب الكعبة قاله (ومروان يومئذٍ) حاكم (على المدينة)، من قبل معاوية بن أبي سفيان (فقال أبو بكر: فكره ذلك) أي فعل ما قاله مروان من تقريع أبي هريرة وتعنيفه مما كان يراه أبي (عبد الرحمن. ثم) بعد ذلك (قدّرنا أن نجتمع) بأبي هريرة (بذي الحليفة). ميقات أهل المدينة (وكانت لأبي هريرة هنالك أرض فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: إني ذاكر لك أمرًا)، وللكشميهني كما قاله الحافظ ابن حجر: إني أذكر بصيغة المضارع (ولولا مروان أقسم عليّ فيه لم أذكره لك). وللكشميهني كما في الفتح: لم أذكر ذلك (فذكر) عبد الرحمن له (قول عائشة وأم سلمة) وفي رواية معمر عن ابن شهاب فتلوّن وجه أبي هريرة (فقال: كذلك) أي الذي رأيته من كون من أدركه الفجر جنبًا لا يصوم (حدثني) بالإفراد (الفضل بن عباس وهو أعلم). بما روى والعهدة في ذلك عليه لا عليّ. وفي رواية النسفيّ عن البخاري كما قاله الحافظ ابن حجر وهن أعلم أي أزواج النبي ﷺ وكذا في رواية معمر، وفي رواية ابن جريج فقال أبو هريرة: أهما قالتاه؟ قال: نعم. قال: هما أعلم، وهذا يرجح رواية النسفيّ. وزاد ابن جريج في روايته فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك وترك حديث الفضل وأسامة ورآه منسوخًا وفي قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ [البقرة: ١٨٧] دلالة وإشارة إليه وحديث عائشة وأم سلمة يرجح على غيرهما لأنهما ترويان ذلك عن مشاهدة بخلاف غيرهما. وفي هذا الحديث أربعة من التابعين أبو بكر وأبوه والزهري ومروان. (وقال همام) هو ابن منبه مما وصله أحمد وابن حبان (وابن عبد الله بن عمر) قيل هو سالم، وقيل عبد الله، وقيل عبيد الله بالتكبير والتصغير مما وصله عبد الرزاق (عن أبي هريرة) (كان النبي ﷺ يأمر بالفطر) ولابن عساكر: يأمرنا بالفطر. قال المؤلّف (والأول) أي حديث عائشة وأم سلمة (أسند) أي أظهر اتصالاً. وقال في الفتح يقوى إسنادًا من حيث الرجحان لأنه جاء عنهما من طرق كثيرة جدًّا بمعنى واحد حتى قال ابن عبد البر أنه صح وتواتر، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتي به ولم يسمع ذلك من النبي ﷺ إنما سمعه عنه بواسطة الفضل وأسامة، وأما حلفه أن النبي ﷺ قاله، كما مرّ فكأنه لشدة وثوقه بخبرهما يحلف على ذلك وقد رجع عن ذلك. ٢٣ - باب الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَحْرُمُ عَلَيْهِ فَرْجُهَا. (باب) حكم (المباشرة للصائم). أي لمس بشرة الرجل بشرة المرأة ونحو ذلك لا الجماع (وقالت عائشة ﵂): مما وصله الطحاوى (يحرم عليه) أي على الصائم (فرجها) أي فرج امرأته. ١٩٢٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ". وَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿مَآرِبُ﴾: حَاجَةٌ. قَالَ طَاوُسٌ ﴿أُولِي الإِرْبَةِ﴾: الأَحْمَقُ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ. وقال جابرُ بنُ زيدٍ: إن نَظَرَ فأمْنى يُتمُّ صَومَهُ. [الحديث ١٩٢٧ - طرفه في: ١٩٢٨]. وبالسند قال: (حدّثنا سليمان بن حرب قال عن شعبة) بن الحجاج وسقط. لفظ

стр. 1365

قال لأبي ذر وابن عساكر ولأبي ذرّ عن الكشميهني: عن سعيد بدل شعبة. قال الحافظ ابن حجر: وهو غلط فاحش فليس في شيوخ سليمان بن حرب أحد اسمه سعيد حدثه عن الحكم، وكذا وقع عند الإسماعيلي عن يوسف القاضي عن سليمان بن حربِ عن شعبة (عن الحكم) بن عتيبة مصغرًا (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد خال إبراهيم (عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقبل) بعض أزواجه (ويباشر) بعضهم من عطف العام على الخاص لأن المباشرة أعم من التقبيل والمراد غير الجماع كما مر (وهو صائم، وكان) ﵊ (أملككم لإربه) بكسر الهمزة وإسكان الراء في الفرع وغيره أي عضوه وعنت الذكر خاصة للقرينة الدالة عليه ويروى بفتح الهمزة والراء وقدمه في فتح الباري وقال: إنه أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري بما أورده من التفسير أي أغلبكم لهواه وحاجته. وقال التوربشتي حمل الإرب ساكن الراء على العضو في هذا الحديث غير سديد لا يغتر به إلا جاهل بوجوه حسن الخطاب مائل عن سنن الأدب ونهج الصواب. وأجاب الطيبي: بأنها ذكرت أنواع الشهوة ومترقية من الأدنى إلى الأعلى فبدأت بمقدّمتها التي هي القبلة ثم ثنت بالمباشرة من نحو المداعبة والمعانقة وأرادت أن تعبر عن الجامعة فكنت عنها بالإرب وأي عبارة أحسن منها اهـ. وفي الموطأ رواية عبيد الله أيكم أملك لنفسه، وبذلك فسره الترمذي في جامعه فقال: ومعنى لإربه لنفسه. قال الحافظ الزين العراقي: وهو أولى الأقوال بالصواب لأن أولى ما فسر به الغريب ما ورد في بعض طرق الحديث، وقد أشارت عائشة ﵂ بقولها: وكان أملككم لإربه إلى أنه تباح القبلة والمباشرة بغير الجماع لمن يكون مالكًا لإربه دون من لا يأمن من الإنزال أو الجماع وظاهره أنها أعتقدت خصوصية النبي ﷺ بذلك لكن ثبت عنها صريحًا إباحة ذلك حيث قالت فيما سبق أول الباب يحل له كل شيء إلا الجماع فيحمل النهي هنا عنه على كراهة التنزيه لأنها لا تنافي الإباحة. وفي كتاب الصيام ليوسف القاضي بلفظ سئلت عائشة عن المباشرة للصائم فكرهتها وكان هذا هو السرّ في تصدير البخاري بالأثر الأول عنها لأنه يفسر مرادها بما ذكرته مما يدل على الكراهة ويدل على أنها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص ما في الموطأ أن عائشة بنت طلحة كانت عند عائشة فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها قال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم. ولا يخفى أن محل هذا مع الأمن فإن حرك ذلك شهوة حرم لأن فيه تعريضًا لإفساد العبادة، ولحديث الصحيحين: "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه". وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ أنه ﷺ رخص في القبلة للشيخ وهو صائم ونهى عنها الشاب وقال: الشيخ يملك إربه والشاب يفسد صومه ففهمنا من التعليل أنه دائر مع تحريك الشهوة بالمعنى المذكور والتعبير بالشيخ والشاب جرى على الأغلب من أحوال الشيوخ في انكسار شهوتهم ومن أحوال الشباب في قوّة شهوتهم فلو انعكس الأمر انعكس الحكم، ولو ضم المرأة إلى نفسه بحائل فأنزل لا يفطر إذ لا مباشرة كالاحتلام وخرج بالحائل ضمها بدونه فيبطل ولو لم شعرها فأنزل قال في المجموع قال المتولي: ففي فطره وجهان بناء على انتقاض الوضوء بلمسه ولو أنزل عضوها المبان لم يفطر قاله في البحر. (وقال) المؤلّف: (قال ابن عباس) ﵄ مما وصله ابن أبي حاتم (مآرب) بفتح الهمزة ممدودة أي (حاجة). بالإفراد، ولأبي ذر عن الكشميهني: حاجات بالجمع، وللحموي والمستملي: مأرب بسكون الهمزة حاجة. (قال طاوس) في تفسير قوله: (﴿أولي الأربة﴾): ولأبي ذر غير أولي الإربة (الأحمق لا حاجة له في النساء) وهذا وصله عبد الرزاق في تفسيره، ووقع في رواية أبي ذر هنا زيادة كما نبه عليها الحافظ ابن حجر وهي (وقال جابر بن زيد) أبو الشعثاء مما وصله ابن أبي شيبة (إن نظر فأمنى يتم صومه) ولا يبطل لأنه إنزال

стр. 1366

من غير مباشرة كالاحتلام وهذا بخلاف الإنزال باللمس أو القبلة أو المضاجعة فإنه يفسده لأنه إنزال بمباشرة. ٢٤ - باب الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ١٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ ضَحِكَتْ". (باب) بيان حكم (القبلة للصائم) وسقط الباب والترجمة لأبي ذر (وقال جابر بن زيد إن نظر فأمنى يتم صومه) كذا ثبت هذا الأثر هنا في غير رواية أبي ذر وثبت في روايته في آخر الباب السابق مع إِسقاط الباب والترجمة كما مرّ، ومناسبته للبابين من جهة التفرقة بين من يقع منه الإنزال باختياره ومن يقع منه بغير اختياره. وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي الزمن البصري قال: (حدّثنا) بالجمع، ولابن عساكر: حدثني (يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) ﵂ (عن النبي ﷺ ح) للتحويل. (وحدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن هشام عن أبيه) عروة (عن عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول الله ﷺ ¬) إن مخففة من الثقيلة دخلت على الجملة الفعلية فيجب إهمالها واللام في قوله (ليقبل) للتأكيد وهي مفتوحة (بعض أزواجه) هي عائشة نفسها كما في مسلم أو أم سلمة كما في البخاري (وهو صائم) جملة حالية (ثم ضحكت) تنبيهًا على أنها صاحبة القصة ليكون ذلك أبلغ في الثفة بها أو تعجبًا ممن خالفها في ذلك أو تعجبت من نفسها إذ حدثت بمثل هذا مما يستحيا من ذكر النساء مثله للرجال، ولكنها ألجأتها الضرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك أو سرورًا بمكانها من رسول الله ﷺ ومحبته لها، وقد روى ابن أبي شيبة عن شريك عن هشام فضحكت وظننا أنها هي. ١٩٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا ﵄ قَالَتْ: "بَيْنَمَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمِيلَةِ إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ: مَا لَكِ، أَنُفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ، وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ". وبه قال (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام بن أبي عبد الله) سنبر بمهملة مفتوحة فنون ساكنة فموحدة مفتوحة وزن جعفر الدستوائي بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح (المثناة الفوقية ممدودًا قال: (حدّثنا يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن زينب ابنة أم سلمة) الصحابية (عن أمها) أم سلمة هند بنت أبي أمية أم المؤمنين (﵂ قالت: بينما) بالميم (أنا مع رسول الله ﷺ في الخميلة) بفتح الخاء المعجمة ثوب من صوف له علم (إذ حضت) جواب بينما (فانسلك) ذهبت في خفية لئلا يصيبه ﵊ شيء من دمها أو تقذرت نفسها أن تضاجعه وهى بهذه الحالة (فأخذت ثياب حيضتي)، بكسر الحاء. قال النووي: وهو الصحيح المشهور أي ثيابي التي أعددتها لألبسها حالة الحيض (فقال) ﵊: (ما لك أنفست) بفتح النون، ولأبي ذر: أنفست بضمها أي أحضت (قلت نعم) حضت زاد في باب من سمى النفاس حيضًا من كتاب الحيض فدعاني (فدخلت معه في الخميلة. وكانت هي ورسول الله ﷺ يغتسلان من إناء واحد)، وكلاهما جنب (وكان) ﵊ (يقبلها وهو صائم) لأن ذلك لا يؤثر فيه لشدة تقواه وورعه فكل من أمن على نفسه الإنزال أو الجماع كان في معناه فليلتحق به في حكمه ومن ليس في معناه فهو مغاير له في هذا الحكم وهذا أرجح الأقوال، وقد أجمع العلماء على أن من كره القبلة لم يكرهها لنفسها وإنما كرهها خشية ما تؤول إليه من الإنزال ومن بديع ما روي في ذلك حديث عمر بن الخطاب أنه قال: هششت فقبلت وأنا صائم فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا فقبلت وأنا صائم. قال: أو رأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم قلت لا بأس قال فمه. رواه أبو داود والنسائي قال النسائي منكر وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. قال المازري: فأشار إلى فقه بديع وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم وهي أول الشرب ومفتاحه كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع فكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا تفسد الصوم فكذلك أوائل الجماع، ولو قبّل فأمذى بالذال المعجمة لم يكن عليه شيء عند الشافعية والحنفية. وقال مالك: عليه القضاء وقال متأخرو أصحابه البغداديون القضاء هنا استحباب، وحكى ابن قدامة الفطر فيه

стр. 1367

عن أحمد ثم إن المتبادر إلى الفهم من القبلة تقبيل الفم، لكن قال النووي في شرح المهذّب سواء قبل الفم أو الخدّ أو غيرهما. وهذا الحديث قد سبق في باب من سمى النفاس حيضًا. ٢٥ - باب اغْتِسَالِ الصَّائِمِ وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ ﵄ ثَوْبًا فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ. وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ الْحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أَوِ الشَّىْءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ فَلْيُصْبِحْ دَهِينًا مُتَرَجِّلاً. وَقَالَ أَنَسٌ: إِنَّ لِي أَبْزَنَ أَتَقَحَّمُ فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ. وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اسْتَاكَ وَهُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَسْتَاكُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ وَلَا يَبْلَعُ رِيقَهُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنِ ازْدَرَدَ رِيقَهُ لَا أَقُولُ يُفْطِرُ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ. قِيلَ: لَهُ طَعْمٌ. قَالَ: وَالْمَاءُ لَهُ طَعْمٌ وَأَنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ وَلَمْ يَرَ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ بِالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا. (باب اغتسال الصائم. وبلّ ابن عمر) بن الخطاب (﵄) فيما رواه ابن أبي شيبة (ثوبًا) بالماء (فألقاه عليه وهو صائم) ولابن عساكر وأبي ذر عن الحموي والمستملي: فألقي عليه مبنيًّا للمفعول وكأنه أمر غيره فألقاه عليه. ووجه المطابقة أن الثوب المبلول إذا ألقي على البدن بله فيشبه ما إذا صب عليه الماء. (ودخل الشعبي) عامر بن شراحيل (الحمام وهو صائم). رواه ابن أبي شيبة موصولاً. (وقال ابن عباس) ﵄: (لا بأس أن يتطعم القدر) بكسر القاف ما يطبخ فيه أي من طعام القدر (أو الشيء) من المطعومات فهو من عطف العام على الخاص وهذا وصله ابن أبي شيبة ورواه البيهقي. ووجه المطابقة من حيث أن التطعم من الشيء هو إدخال الطعام في الفم من غير بلع ولا يضر الصوم فإيصال الماء إلى البشرة بالطريق الأولى لا يضر. (وقال الحسن) البصري: (لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم). قال العيني مطابقته للترجمة من حيث أن المضمضة جزء من الغسل، وقال في فتح الباري: وصله عبد الرزاق بمعناه (وقال ابن مسعود: إذا كان صوم) ولأبي ذر: إذا كان يوم صوم (أحدكم فليصبح دهينًا) أي مدهونًا فعيلاً بمعنى مفعول (مترجلاً) من الترجل وهو تسريح الشعر وتنظيفه وقول الحافظ ابن حجر في وجه المطابقة هي أن المانع من الاغتسال لعله سلك به مسلك استحباب التقشف في الصيام كما ورد مثله في الحج فالادهان والترجل في مخالفة التقشف كالاغتسال. تعقبه العيني بأن الترجمة في جواز الاغتسال لا في منعه وكذلك أثر ابن مسعود في الجواز لا في المنع فكيف يجعل الجواز مناسبًا للمنع اهـ. وقال ابن المنير الكبير أراد البخاري الرد على من كره الاغتسال للصائم لأنه إن كرهه خشية وصول الماء حلقه فالعلة باطلة بالمضمضة والسواك وبذوق القدر ونحو ذلك، وإن كرهه للرفاهية فقد استحب السلف للصائم الترفه والتجمل بالترجل والادّهان والكحل ونحو ذلك ولذلك ساق هذه الآثار. قال العيني: وهذا أقرب إلى القبول. (وقال أنس): هو ابن مالك ﵁ مما وصله قاسم بن ثابت في غريب الحديث له (إن لي أبزن) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الزاي آخره نون. وقال عياض بكسم الهمزة أيضًا وفي القاموس بتثليثها. وقال الكرماني. وفي بعضها بقصر الهمزة. قال البرماوي: وهو يدل على أنه بالمد والقصر منسوب على أنه اسم إن، ولأبي ذر: أبزن بالرفع. قال الزركشي على أنه اسم إن ضمير الشأن والجملة بعدها مبتدأ وخبر في موضع رفع على أنها خبر إن وضعفه في المصابيح والروايتان في الفرع منوّنتان وفي غيره بغير تنوين لأنه فارسي فلذلك لم يصرف. قال الكرماني: هي كلمة مركبة من آب وهو الماء ومن زن وهو المرأة لأن ذلك تتخذه النساء غالبًا وحيث عرّب أعرب. قال في القاموس: هو حوض يغتسل فيه وقد يتخذ من نحاس اهـ. (أتقحم) بفتح الهمزة والفوقية والمهملة المشددة بعدها ميم أي ألقي نفسي (فيه وأنا صائم). إذا وجدت الحر أتبرد بذلك (ويذكر) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول (عن النبي ﷺ أنه استاك وهو صائم) رواه أبو داود وغيره من حديث عامر بن ربيعة عن أبيه وحسنه الترمذي، لكن قال النووي في الخلاصة: مداره على عاصم بن عبيد الله وقد ضعفه الجمهور فلعله اعتضد. ومطابقة الحديث للترجمة قيل من حيث إن السواك مطهرة للفم كما أن الاغتسال مطهر للبدن وسقط قوله ويذكر الخ عند ابن عساكر. (وقال ابن عمر) مما وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (يستاك) الصائم (أوّل النهار وآخره) ولأبي ذر: ونسبه في الفتح لنسخة الصغاني ولا يبلع ريقه وهو ساقط عند ابن عساكر (وقال عطاء) هو ابن أبي رباح (إن ازدرد) أي ابتلع (ريقه لا أقول يفطر) به إذا كان طاهرًا صرفًا ولم ينفصل من معدته

стр. 1368

لعسر التحرز عنه وخرج بالطاهر النجس كما لو دميت لثته وإن صفا وبالصرف المخلوط بغيره وإن كان طاهرًا فلو نزل معه شيء من بين أسنانه إلى جوفه بطل صومه إن أمكنه مجه لكونه غير صرف. وقال الحنفية: إذا ابتلع قدرًا يسيرًا من الطعام من بين أسنانه ذاكرًا لصومه لا يفسد عندنا لأنه لا يمكن الاحتراز عنه عادة فصار بمنزلة ريقه والكثير يمكن الاحتراز عنه وسقط قوله، وقال عطاء الخ في رواية ابن عساكر. (وقال ابن سيرين): محمد مما وصله ابن أبي شيبة بمعناه (لا بأس) أن يتسوّك (بالسواك الرطب. قيل له طعم. قال): ابن سيرين (والماء له طعم وأنت تمضمض به) فاك بضم الفوقية وكسر الميم الثانية، ولأبي ذر: تمضمض بفتح الفوقية والميم (ولم ير أنس) هو ابن مالك الصحابي ﵁ مما وصله أبو داود (والحسن) البصري مما وصله عبد الرزاق بإسناد صحيح (وإبراهيم) النخعي مما رواه سعيد بن منصور (بالكحل للصائم بأسًا) ولو تشربته المسام لأنه لم يصل في منفذ مفتوح كما لا يبطله الانغماس في الماء وإن وجد أثره بباطنه وهذا مذهب الشافعية والحنفية. وقال المالكية والحنابلة: إن اكتحل بما يتحقق معه الوصول إلى حلقه من كحل أو صبر أو قطور أو ذرور أو إثمد كثير أو يسير مطيب أفطر. ١٩٣٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَأَبِي بَكْرٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ". وبالسند قال (حدّثنا أحمد بن صالح) المصري المعروف بابن الطبراني قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الإيلي (عن ابن شهاب) محمد بن سلم الزهري (عن عروة) بن الزبير بن العوام (وأبي بكر) هو ابن عبد الرحمن بن الحرث أنهما قالا (قالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يدركه الفجر جنبًا في رمضان من) جنابة (غير حلم) بضمتين ويجوز سكون اللام وأسقط الموصوف وهو جنابة اكتفاء بالصفة عنه لظهوره وقولها من غير حلم لا يلزم منه أنه ﵊ يحتلم بل هو صفة لازمة مثل ويقتلون النبيين بغير حق والاحتلام من نلاعب الشيطان فلا يجوز على الأنبياء (فيغتسل ويصوم). وهذا موضع الترجمة وهذا الحديث سبق قريبًا. ١٩٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: "كُنْتُ أَنَا وَأَبِي، فَذَهَبْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُهُ". وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس الأصبحي (قال حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن سمي) بضم السين وفتح الميم وتشديد الياء التحتية (مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيرة أنه سمع) مولاه (أبا بكر بن عبد الرحمن) يقول: (كنت أنا وأبي فذهبت معه حتى دخلنا على عائشة ﵂ قالت: أشهد على رسول الله ﷺ وإن كان ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصومه) أي اليوم الذي يصبح فيه جنبًا. ١٩٣٢ - ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ. (ثم دخلنا على أم سلمة فقالت مثل ذلك) القول الذي قالته عائشة ﵂، وزاد في باب: الصائم يصبح جنبًا ثم يغتسل وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة. ٢٦ - باب الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنِ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ دَخَلَ حَلْقَهُ الذُّبَابُ فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: إِنْ جَامَعَ نَاسِيًا فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ. (باب) حكم (الصائم إذا أكل أو شرب) حال كونه (ناسيًا وقال عطاء): هي ابن أبي رباح مما وصله ابن أبي شيبة (إن استنثر فدخل الماء) من خياشيمه (في حلقه لا بأس به) ليس هو جواب الشرط إلا لكان بالفاء بل هو مفسر لجوابه المحذوف والجملة الشرطية وهي قوله (إن لم يملك) جزاء لقوله إن استنثر، وقوله: إن لم يملك أي دفعه بل دخل في حلقه غلبة فإن ملك دفعه فلم يدفعه حتى دخل أفطر وسقط لفظة أن في رواية أبي ذر وابن عساكر كما في الفرع وأصله. وقال الحافظ ابن حجر والنسفيّ بدل ابن عساكر وحينئذٍ فهي جملة مستأنفة كالتعليل لقوله لا بأس والفاء في لا بأس محذوفة كقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها. (وقال الحسن) البصري مما وصله ابن أبي شيبة (إن دخل حلقه) أي الصائم (الذباب فلا شيء عليه). ومن فطر ولا غيره وهو مذهب الأئمة الأربعة. (وقال الحسن) أيضًا مما وصله عبد الرزاق (ومجاهد): مما وصله أيضًا عبد الرزاق (إن جامع) حال كونه (ناسيًا فلا شيء عليه) من فطر ولا غيره كالأكل ناسيًا فلو تعمد بطل إجماعًا. وقال الحنابلة: يفطر وعليه القضاء والكفارة عامدًا كان أو ناسيًا. قال المرداوي: نقله الجماعة عن الإمام

стр. 1369

أحمد وعليه أكثر الأصحاب قال الزركشي الحنبلي وهو المشهور عن أحمد وهو المختار لعامة أصحابه وهو من مفردات المذهب وعنه لا يكفر واختاره ابن بطة. قال الزركشي: ولعله مبني على أن الكفارة ماحية ومع النسيان لا إثم يمحى وعنه ولا يقضى أيضًا. ١٩٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ». [الحديث ١٩٣٣ - طرفه في: ٦٦٦٩]. وبالسند قال (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي البصري الأصل قال (أخبرنا يزيد بن زريع) مصغرًا قال (حدّثنا هشام) هو القردوسي كما صرح به مسلم في صحيحه لا الدستوائي وإن قاله الحافظ ابن حجر قال: (حدّثنا ابن سيرين) محمد (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (إذا نسي) الصائم (فأكل وشرب) سواء كان قليلاً أو كثيرًا كما رجحه النووي لظاهر إطلاق الحديث وقد روى عبد الرزاق عن عمرو بن دينار أن إنسانًا جاء إلى أبي هريرة ﵁ فقال أصبحت صائمًا فنسيت فطعمت فقال لا بأس. قال: ثم دخلت إلى إنسان فنسيت فطعمت وشربت. قال: لا بأس الله أطعمك وسقاك. قال: ثم دخلت على آخر فنسيت فطعمت فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعوّد الصيام، ويروى أو شرب واقتصر عليهما دون باقي المفطرات لأنهما الغالب. (فليتم صومه)، بفتح الميم ويجوز كسرها على التقاء الساكنين وسمى الذي يتم صومًا وظاهره حمله على الحقيقة الشرعية وإذا كان صومًا وقع مجزئًا ويلزم من ذلك عدم وجوب القضاء قاله ابن دقيق العيد، وهذا الحديث دليل على الإمام مالك حيث قال: إن الصوم يبطل بالنسيان ويجب القضاء. وأجيب: بأن المراد من هذا الحديث إتمام صورة الصوم، وأجيب بما سبق من حمل الصوم على الحقيقة الشرعية وإذا دار اللفظ بين حمله على المعنى اللغوي والشرعي كان حمله على الشرعي أولى، وقد أخرج ابنا خزيمة وحبان والحاكم والدارقطني من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة فصرح بإسقاط القضاء والكفارة. قال الدارقطني: تفرد به محمد بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري. وأجيب: بأن ابن خزيمة أخرجه أيضًا عن إبراهيم بن محمد الباهلي وبأن الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرازي كلاهما عن الأنصاري فهو المنفرد به كما قال البيهقي وهو ثقة وحينئذٍ، فقول ابن دقيق العيد أن قول مالك بوجوب القضاء هو القياس فإن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثر في باب المأمورات فيه نظر فإن القياس شرطه عدم مخالفة النص قاله البرماوي في شرح العمدة ثم علل كون الناسي لا يفطر بقوله: (فإنما أطعمه الله وسقاه) ليس له فيه مدخل وقال الطيبي "إنما" للحصر أي ما أطعمه أحد ولا سقاه إلا الله فدلّ على أن هذا النسيان من الله تعالى ومن لطفه في حق عباده تيسيرًا عليهم ودفعًا للحرج، وقال الخطابي: النسيان ضرورة والأفعال الضرورية غير مضافة في الحكم إلى فاعلها ولا يؤاخذ بها والله أعلم. وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٢٧ - باب سِوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ لِلصَّائِمِ وَيُذْكَرُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِي أَوْ أَعُدُّ". وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ». وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ». وَقَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: يَبْتَلِعُ رِيقَهُ. (باب) حكم استعمال (السواك الرطب واليابس للصائم) بتعريف السواك والرطب واليابس صفتان له، ولغير الكشميهني: باب سواك الرطب واليابس أي سواك الشجر الرطب كقولهم مسجد الجامع أي مسجد الموضع الجامع بتقدير موصوف لأن الصفة لا تضاف إلى موصوفها. وأجيب: بأن مذهب الكوفيين في هذا أن الصفة يذهب بها مذهب الجنس ثم يضاف الموصوف إليه كما يضاف بعض الجنس إليه نحو خاتم حديد وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تقدير محذوف. (ويذكر) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عن عامر بن ربيعة) مما وصله أبو داود والترمذي أنه (قال: رأيت النبي ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعد) شك من الراوي ومداره على عاصم بن عبيد الله قال البخاري: منكر الحديث لكن حسنه الترمذي فلعله اعتضد، ومن ثم ذكره المؤلّف بصيغة التمريض، وفي الحديث إشعار

стр. 1370

بملازمة السواك ولم يخص رطبًا من يابس. (وقال أبو هريرة) ﵁ مما وصله النسائي (عن النبي ﷺ ¬): (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) أعم من أن يكون السواك رطبًا أو يابسًا في رمضان أو غيره قبل الزوال أو بعده، واستدلّ به الشافعي على أن السواك ليس بواجب قال لأنه لو كان واجبًا أمرهم به شق عليهم أو لم يشق (ويروى نحوه) أي نحو حديث أبي هريرة (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري مما وصله أبو نعيم في كتاب السواك من طريق عبد الله بن عقيل عنه بلفظ مع كل صلاة وعبد الله مختلف فيه (وزيد بن خالد) الجهني مما وصله أحمد وأصحاب السنن بلفظ عند كل صلاة (عن النبي ﷺ ¬). قال البخاري (ولم يخص) النبي ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة وجابر وزيد بن خالد (الصائم من غيره) أي ولا السواك اليابس من غيره وهذا على طريقة المؤلّف في أن المطلق يسلك به مسلك العموم أو أن العام في الأشخاص عام في الأحوال. (وقالت عائشة) ﵂ مما وصله أحمد والنسائي وابنا خزيمة وحبان: (عن النبي ﷺ ¬) (السواك مطهرة للفم) بفتح الميم وكسرها مصدر ميمي يحتمل أن يكون بمعنى الفاعل أي مطهر للفم أو بمعنى الآلة (مرضاة للرب). بفتح الميم مصدر ميمي بمعنى الرضا. قال المظهري: ويجوز أن يكون بمعنى المفعول أي مرضي الرب. وقال الطيبي يمكن أن يقال أنها مثل الولد مبخلة مجبنة أي السواك مظنة للطهارة والرضا أي يحمل السواك الرجل على الطهارة ورضا الرب وعطف مرضاة يحتمل الترتيب بأن تكون الطهارة به علة للرضًا وأن يكونا مستقلين في العلية. (وقال عطاء) هو ابن أبي رباح مما وصله سعيد بن منصور (وقتادة) بن دعامة مما وصله عبد بن حميد في التفسير عن ابن جريج عنه (يبتلع ريقه) بتاء مثناة فوقية بعد الموحدة من باب الافتعال قال في الفتح وللمستملي: يبلغ بغير مثناة أي من البلع، وللحموي: يتبلّع بتقديم المثناة على الموحدة وتشديد اللام مفتوحة من باب التفعل الدال على التكلف، وقد وقع في رواية غير أبي ذر في هذه التعاليق تقديم وتأخير وعلى هذا الترتيب مشى في الأصل وفرعه إلا أنه رقم على قوله. وقال أبو هريرة ميم مع علامة أبي ذر ثم كذلك على قوله. وقالت عائشة وذلك علامة التقديم والتأخير فليعلم. ١٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حُمْرَانَ: "رَأَيْتُ عُثْمَانَ ﵁ تَوَضَّأَ: فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَىْءٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". وبالسند قال (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة قال (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال (أخبرنا معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد الأزدي (قال: حدثني) بالإفراد (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عطاء بن يزيد) الليثي المدني نزيل الشأم (عن حمران) بضم الحاء المهملة وسكون الميم ابن أبان مولى عثمان بن عفان أنه (قال: رأيت عثمان ﵁ توضأ) وضوءًا كاملاً جامعًا للسنن كالمضمضة والاستنشاق والسواك (فأفرغ) الفاء للتفسير أي صب (على يديه) إفراغًا (ثلاثًا، ثم تمضمض) ولأبي ذر وابن عساكر في نسخة ثم مضمض بحذف التاء (واستنثر)، أي أخرج الماء من أنفه بعد الاستنشاق (ثم غسل وجهه) غسلاً (ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى إلى) أي مع (المرفق) بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس غسلاً (ثلاثًا ثم غسل يده اليسرى إلى) أي مع (المرفق) غسلاً (ثلاثًا، ثم مسح برأسه)، هل الباء للتبعيض أو الاستعانة أو غير ذلك خلاف مشهور يترتب عليه ما مر في الوضوء من كون الواجب مسح الكل أو البعض، ولأبي ذر: ثم مسح رأسه بحذف الباء ولم يذكر في المسح تثليثًا وهو مذهب الأئمة الثلاثة واحتج الشافعي بحديث أبي داود عن عثمان أنه ﷺ مسح برأسه ثلاثًا (ثم غسل رجله اليمنى) غسلاً (ثلاثًا، ثم) غسل رجله (اليسرى) غسلاً (ثلاثًا) وحذف غسل رجله لدلالة السابق عليه (ثم قال رأيت رسول الله ﷺ توضأ) وضوءًا (نحو وضوئي هذا) وعند المؤلّف في الرقاق مثل وضوئي وهو ينفي ما قرره النووي من التفرقة بين
следующие страницы →