Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
من غير مباشرة كالاحتلام وهذا بخلاف الإنزال باللمس أو القبلة أو المضاجعة فإنه يفسده لأنه إنزال بمباشرة.
٢٤ - باب الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ
١٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ ضَحِكَتْ".
(باب) بيان حكم (القبلة للصائم) وسقط الباب والترجمة لأبي ذر (وقال جابر بن زيد إن نظر فأمنى يتم صومه) كذا ثبت هذا الأثر هنا في غير رواية أبي ذر وثبت في روايته في آخر الباب السابق مع إِسقاط الباب والترجمة كما مرّ، ومناسبته للبابين من جهة التفرقة بين من يقع منه الإنزال باختياره ومن يقع منه بغير اختياره.
وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي الزمن البصري قال: (حدّثنا) بالجمع، ولابن عساكر: حدثني (يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) ﵂ (عن النبي ﷺ ح) للتحويل.
(وحدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن هشام عن أبيه) عروة (عن عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول الله ﷺ ¬) إن مخففة من الثقيلة دخلت على الجملة الفعلية فيجب إهمالها واللام في قوله (ليقبل) للتأكيد وهي مفتوحة (بعض أزواجه) هي عائشة نفسها كما في مسلم أو أم سلمة كما في البخاري (وهو صائم) جملة حالية (ثم ضحكت) تنبيهًا على أنها صاحبة القصة ليكون ذلك أبلغ في الثفة بها أو تعجبًا ممن خالفها في ذلك أو تعجبت من نفسها إذ حدثت بمثل هذا مما يستحيا من ذكر النساء مثله للرجال، ولكنها ألجأتها الضرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك أو سرورًا بمكانها من رسول الله ﷺ ومحبته لها، وقد روى ابن أبي شيبة عن شريك عن هشام فضحكت وظننا أنها هي.
١٩٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا ﵄ قَالَتْ: "بَيْنَمَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمِيلَةِ إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ: مَا لَكِ، أَنُفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ، وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ".
وبه قال (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام بن أبي عبد الله) سنبر بمهملة مفتوحة فنون ساكنة فموحدة مفتوحة وزن جعفر الدستوائي بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح (المثناة الفوقية ممدودًا قال: (حدّثنا يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن زينب ابنة أم سلمة) الصحابية (عن أمها) أم سلمة هند بنت أبي أمية أم المؤمنين (﵂ قالت: بينما) بالميم (أنا مع رسول الله ﷺ في الخميلة) بفتح الخاء المعجمة ثوب من صوف له علم (إذ حضت) جواب بينما (فانسلك) ذهبت في خفية لئلا يصيبه ﵊ شيء من دمها أو تقذرت نفسها أن تضاجعه وهى بهذه الحالة (فأخذت
ثياب حيضتي)، بكسر الحاء. قال النووي: وهو الصحيح المشهور أي ثيابي التي أعددتها لألبسها حالة الحيض (فقال) ﵊:
(ما لك أنفست) بفتح النون، ولأبي ذر: أنفست بضمها أي أحضت (قلت نعم) حضت زاد في باب من سمى النفاس حيضًا من كتاب الحيض فدعاني (فدخلت معه في الخميلة. وكانت هي ورسول الله ﷺ يغتسلان من إناء واحد)، وكلاهما جنب (وكان) ﵊ (يقبلها وهو صائم) لأن ذلك لا يؤثر فيه لشدة تقواه وورعه فكل من أمن على نفسه الإنزال أو الجماع كان في معناه فليلتحق به في حكمه ومن ليس في معناه فهو مغاير له في هذا الحكم وهذا أرجح الأقوال، وقد أجمع العلماء على أن من كره القبلة لم يكرهها لنفسها وإنما كرهها خشية ما تؤول إليه من الإنزال ومن بديع ما روي في ذلك حديث عمر بن الخطاب أنه قال: هششت فقبلت وأنا صائم فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا فقبلت وأنا صائم. قال: أو رأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم قلت لا بأس قال فمه. رواه أبو داود والنسائي قال النسائي منكر وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. قال المازري: فأشار إلى فقه بديع وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم وهي أول الشرب ومفتاحه كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع فكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا تفسد الصوم فكذلك أوائل الجماع، ولو قبّل فأمذى بالذال المعجمة لم يكن عليه شيء عند الشافعية والحنفية. وقال مالك: عليه القضاء وقال متأخرو أصحابه البغداديون القضاء هنا استحباب، وحكى ابن قدامة الفطر فيه
стр. 1367
عن أحمد ثم إن المتبادر إلى الفهم من القبلة تقبيل الفم، لكن قال النووي في شرح المهذّب سواء قبل الفم أو الخدّ أو غيرهما.
وهذا الحديث قد سبق في باب من سمى النفاس حيضًا.
٢٥ - باب اغْتِسَالِ الصَّائِمِ
وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ ﵄ ثَوْبًا فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ.
وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ الْحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أَوِ الشَّىْءَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ فَلْيُصْبِحْ دَهِينًا مُتَرَجِّلاً.
وَقَالَ أَنَسٌ: إِنَّ لِي أَبْزَنَ أَتَقَحَّمُ فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ. وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اسْتَاكَ وَهُوَ صَائِمٌ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَسْتَاكُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ وَلَا يَبْلَعُ رِيقَهُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنِ ازْدَرَدَ رِيقَهُ لَا أَقُولُ يُفْطِرُ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ. قِيلَ: لَهُ طَعْمٌ. قَالَ: وَالْمَاءُ لَهُ طَعْمٌ وَأَنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ وَلَمْ يَرَ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ بِالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا.
(باب اغتسال الصائم. وبلّ ابن عمر) بن الخطاب (﵄) فيما رواه ابن أبي شيبة (ثوبًا) بالماء (فألقاه عليه وهو صائم) ولابن عساكر وأبي ذر عن الحموي والمستملي: فألقي عليه مبنيًّا للمفعول وكأنه أمر غيره فألقاه عليه.
ووجه المطابقة أن الثوب المبلول إذا ألقي على البدن بله فيشبه ما إذا صب عليه الماء.
(ودخل الشعبي) عامر بن شراحيل (الحمام وهو صائم). رواه ابن أبي شيبة موصولاً. (وقال ابن عباس) ﵄: (لا بأس أن يتطعم القدر) بكسر القاف ما يطبخ فيه أي من طعام القدر (أو الشيء) من المطعومات فهو من عطف العام على الخاص وهذا وصله ابن أبي شيبة ورواه البيهقي.
ووجه المطابقة من حيث أن التطعم من الشيء هو إدخال الطعام في الفم من غير بلع ولا يضر الصوم فإيصال الماء إلى البشرة بالطريق الأولى لا يضر.
(وقال الحسن) البصري: (لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم). قال العيني مطابقته للترجمة من حيث أن المضمضة جزء من الغسل، وقال في فتح الباري: وصله عبد الرزاق بمعناه (وقال ابن مسعود: إذا كان صوم) ولأبي ذر: إذا كان يوم صوم (أحدكم فليصبح دهينًا) أي مدهونًا فعيلاً بمعنى مفعول (مترجلاً) من الترجل وهو تسريح الشعر وتنظيفه وقول الحافظ ابن حجر في وجه المطابقة هي أن المانع من الاغتسال لعله سلك به مسلك استحباب التقشف في الصيام كما ورد مثله في الحج فالادهان والترجل في مخالفة التقشف كالاغتسال. تعقبه العيني بأن الترجمة في جواز الاغتسال لا في منعه وكذلك أثر ابن مسعود في الجواز لا في المنع فكيف يجعل الجواز مناسبًا للمنع اهـ.
وقال ابن المنير الكبير أراد البخاري الرد على من كره الاغتسال للصائم لأنه إن كرهه خشية وصول الماء حلقه فالعلة باطلة بالمضمضة والسواك وبذوق القدر ونحو ذلك، وإن كرهه للرفاهية فقد استحب السلف للصائم الترفه والتجمل بالترجل والادّهان والكحل ونحو ذلك ولذلك ساق هذه الآثار. قال العيني: وهذا أقرب إلى القبول.
(وقال أنس): هو ابن مالك ﵁ مما وصله قاسم بن ثابت في غريب الحديث له (إن لي أبزن) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الزاي آخره نون. وقال عياض بكسم الهمزة أيضًا وفي القاموس بتثليثها. وقال الكرماني. وفي بعضها بقصر الهمزة. قال البرماوي: وهو يدل على أنه بالمد والقصر منسوب على أنه اسم إن، ولأبي ذر: أبزن بالرفع. قال الزركشي على أنه اسم إن ضمير
الشأن والجملة بعدها مبتدأ وخبر في موضع رفع على أنها خبر إن وضعفه في المصابيح والروايتان في الفرع منوّنتان وفي غيره بغير تنوين لأنه فارسي فلذلك لم يصرف. قال الكرماني: هي كلمة مركبة من آب وهو الماء ومن زن وهو المرأة لأن ذلك تتخذه النساء غالبًا وحيث عرّب أعرب. قال في القاموس: هو حوض يغتسل فيه وقد يتخذ من نحاس اهـ.
(أتقحم) بفتح الهمزة والفوقية والمهملة المشددة بعدها ميم أي ألقي نفسي (فيه وأنا صائم). إذا وجدت الحر أتبرد بذلك (ويذكر) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول (عن النبي ﷺ أنه استاك وهو صائم) رواه أبو داود وغيره من حديث عامر بن ربيعة عن أبيه وحسنه الترمذي، لكن قال النووي في الخلاصة: مداره على عاصم بن عبيد الله وقد ضعفه الجمهور فلعله اعتضد.
ومطابقة الحديث للترجمة قيل من حيث إن السواك مطهرة للفم كما أن الاغتسال مطهر للبدن وسقط قوله ويذكر الخ عند ابن عساكر.
(وقال ابن عمر) مما وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (يستاك) الصائم (أوّل النهار وآخره) ولأبي ذر: ونسبه في الفتح لنسخة الصغاني ولا يبلع ريقه وهو ساقط عند ابن عساكر (وقال عطاء) هو ابن أبي رباح (إن ازدرد) أي ابتلع (ريقه لا أقول يفطر) به إذا كان طاهرًا صرفًا ولم ينفصل من معدته
стр. 1368
لعسر التحرز عنه وخرج بالطاهر النجس كما لو دميت لثته وإن صفا وبالصرف المخلوط بغيره وإن كان طاهرًا فلو نزل معه شيء من بين أسنانه إلى جوفه بطل صومه إن أمكنه مجه لكونه غير صرف. وقال الحنفية: إذا ابتلع قدرًا يسيرًا من الطعام من بين أسنانه ذاكرًا لصومه لا يفسد عندنا لأنه لا يمكن الاحتراز عنه عادة فصار بمنزلة ريقه والكثير يمكن الاحتراز عنه وسقط قوله، وقال عطاء الخ في رواية ابن عساكر.
(وقال ابن سيرين): محمد مما وصله ابن أبي شيبة بمعناه (لا بأس) أن يتسوّك (بالسواك الرطب. قيل له طعم. قال): ابن سيرين (والماء له طعم وأنت تمضمض به) فاك بضم الفوقية وكسر الميم الثانية، ولأبي ذر: تمضمض بفتح الفوقية والميم (ولم ير أنس) هو ابن مالك الصحابي ﵁ مما وصله أبو داود (والحسن) البصري مما وصله عبد الرزاق بإسناد صحيح (وإبراهيم) النخعي مما رواه سعيد بن منصور (بالكحل للصائم بأسًا) ولو تشربته المسام لأنه لم يصل في منفذ مفتوح كما لا يبطله الانغماس في الماء وإن وجد أثره بباطنه وهذا مذهب الشافعية والحنفية. وقال المالكية والحنابلة: إن اكتحل بما يتحقق معه الوصول إلى حلقه من كحل أو صبر أو قطور أو ذرور أو إثمد كثير أو يسير مطيب أفطر.
١٩٣٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَأَبِي بَكْرٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ".
وبالسند قال (حدّثنا أحمد بن صالح) المصري المعروف بابن الطبراني قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الإيلي (عن ابن شهاب) محمد بن سلم الزهري (عن عروة) بن الزبير بن العوام (وأبي بكر) هو ابن عبد الرحمن بن الحرث أنهما قالا (قالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يدركه الفجر جنبًا في رمضان من) جنابة (غير حلم) بضمتين ويجوز سكون اللام وأسقط الموصوف وهو جنابة اكتفاء بالصفة عنه لظهوره وقولها من غير حلم لا يلزم منه أنه ﵊ يحتلم بل هو صفة لازمة مثل ويقتلون النبيين بغير حق والاحتلام من نلاعب الشيطان فلا يجوز على الأنبياء (فيغتسل ويصوم). وهذا موضع الترجمة وهذا الحديث سبق قريبًا.
١٩٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: "كُنْتُ أَنَا وَأَبِي، فَذَهَبْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُهُ".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس الأصبحي (قال حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن سمي) بضم السين وفتح الميم وتشديد الياء التحتية (مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيرة أنه سمع) مولاه (أبا بكر بن عبد الرحمن) يقول: (كنت أنا وأبي فذهبت معه حتى دخلنا على عائشة ﵂ قالت: أشهد على رسول الله ﷺ وإن كان ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصومه) أي اليوم الذي يصبح فيه جنبًا.
١٩٣٢ - ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ.
(ثم دخلنا على أم سلمة فقالت مثل ذلك) القول الذي قالته عائشة ﵂، وزاد في باب: الصائم يصبح جنبًا ثم يغتسل وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة.
٢٦ - باب الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا
وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنِ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ دَخَلَ حَلْقَهُ الذُّبَابُ فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: إِنْ جَامَعَ نَاسِيًا فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.
(باب) حكم (الصائم إذا أكل أو شرب) حال كونه (ناسيًا وقال عطاء): هي ابن أبي رباح مما وصله ابن أبي شيبة (إن استنثر فدخل الماء) من خياشيمه (في حلقه لا بأس به) ليس هو جواب الشرط إلا لكان بالفاء بل هو مفسر لجوابه المحذوف والجملة الشرطية وهي قوله (إن لم يملك) جزاء
لقوله إن استنثر، وقوله: إن لم يملك أي دفعه بل دخل في حلقه غلبة فإن ملك دفعه فلم يدفعه حتى دخل أفطر وسقط لفظة أن في رواية أبي ذر وابن عساكر كما في الفرع وأصله. وقال الحافظ ابن حجر والنسفيّ بدل ابن عساكر وحينئذٍ فهي جملة مستأنفة كالتعليل لقوله لا بأس والفاء في لا بأس محذوفة كقوله:
من يفعل الحسنات الله يشكرها.
(وقال الحسن) البصري مما وصله ابن أبي شيبة (إن دخل حلقه) أي الصائم (الذباب فلا شيء عليه). ومن فطر ولا غيره وهو مذهب الأئمة الأربعة. (وقال الحسن) أيضًا مما وصله عبد الرزاق (ومجاهد): مما وصله أيضًا عبد الرزاق (إن جامع) حال كونه (ناسيًا فلا شيء عليه) من فطر ولا غيره كالأكل ناسيًا فلو تعمد بطل إجماعًا. وقال الحنابلة: يفطر وعليه القضاء والكفارة عامدًا كان أو ناسيًا. قال المرداوي: نقله الجماعة عن الإمام
стр. 1369
أحمد وعليه أكثر الأصحاب قال الزركشي الحنبلي وهو المشهور عن أحمد وهو المختار لعامة أصحابه وهو من مفردات المذهب وعنه لا يكفر واختاره ابن بطة. قال الزركشي: ولعله مبني على أن الكفارة ماحية ومع النسيان لا إثم يمحى وعنه ولا يقضى أيضًا.
١٩٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».
[الحديث ١٩٣٣ - طرفه في: ٦٦٦٩].
وبالسند قال (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي البصري الأصل قال (أخبرنا يزيد بن زريع) مصغرًا قال (حدّثنا هشام) هو القردوسي كما صرح به مسلم في صحيحه لا الدستوائي وإن قاله الحافظ ابن حجر قال: (حدّثنا ابن سيرين) محمد (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إذا نسي) الصائم (فأكل وشرب) سواء كان قليلاً أو كثيرًا كما رجحه النووي لظاهر إطلاق الحديث وقد روى عبد الرزاق عن عمرو بن دينار أن إنسانًا جاء إلى أبي هريرة ﵁ فقال أصبحت صائمًا فنسيت فطعمت فقال لا بأس. قال: ثم دخلت إلى إنسان فنسيت فطعمت وشربت. قال: لا بأس الله أطعمك وسقاك. قال: ثم دخلت على آخر فنسيت فطعمت فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعوّد الصيام، ويروى أو شرب واقتصر عليهما دون باقي المفطرات لأنهما الغالب.
(فليتم صومه)، بفتح الميم ويجوز كسرها على التقاء الساكنين وسمى الذي يتم صومًا وظاهره حمله على الحقيقة الشرعية وإذا كان صومًا وقع مجزئًا ويلزم من ذلك عدم وجوب القضاء قاله ابن
دقيق العيد، وهذا الحديث دليل على الإمام مالك حيث قال: إن الصوم يبطل بالنسيان ويجب القضاء.
وأجيب: بأن المراد من هذا الحديث إتمام صورة الصوم، وأجيب بما سبق من حمل الصوم على الحقيقة الشرعية وإذا دار اللفظ بين حمله على المعنى اللغوي والشرعي كان حمله على الشرعي أولى، وقد أخرج ابنا خزيمة وحبان والحاكم والدارقطني من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة فصرح بإسقاط القضاء والكفارة. قال الدارقطني: تفرد به محمد بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري.
وأجيب: بأن ابن خزيمة أخرجه أيضًا عن إبراهيم بن محمد الباهلي وبأن الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرازي كلاهما عن الأنصاري فهو المنفرد به كما قال البيهقي وهو ثقة وحينئذٍ، فقول ابن دقيق العيد أن قول مالك بوجوب القضاء هو القياس فإن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثر في باب المأمورات فيه نظر فإن القياس شرطه عدم مخالفة النص قاله البرماوي في شرح العمدة ثم علل كون الناسي لا يفطر بقوله:
(فإنما أطعمه الله وسقاه) ليس له فيه مدخل وقال الطيبي "إنما" للحصر أي ما أطعمه أحد ولا سقاه إلا الله فدلّ على أن هذا النسيان من الله تعالى ومن لطفه في حق عباده تيسيرًا عليهم ودفعًا للحرج، وقال الخطابي: النسيان ضرورة والأفعال الضرورية غير مضافة في الحكم إلى فاعلها ولا يؤاخذ بها والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
٢٧ - باب سِوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ لِلصَّائِمِ
وَيُذْكَرُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أُحْصِي أَوْ أَعُدُّ".
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ».
وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَخُصَّ الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ». وَقَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: يَبْتَلِعُ رِيقَهُ.
(باب) حكم استعمال (السواك الرطب واليابس للصائم) بتعريف السواك والرطب واليابس صفتان له، ولغير الكشميهني: باب سواك الرطب واليابس أي سواك الشجر الرطب كقولهم مسجد الجامع أي مسجد الموضع الجامع بتقدير موصوف لأن الصفة لا تضاف إلى موصوفها.
وأجيب: بأن مذهب الكوفيين في هذا أن الصفة يذهب بها مذهب الجنس ثم يضاف الموصوف إليه كما يضاف بعض الجنس إليه نحو خاتم حديد وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تقدير محذوف.
(ويذكر) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عن عامر بن ربيعة) مما وصله أبو داود والترمذي أنه (قال: رأيت النبي ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعد) شك من الراوي ومداره على عاصم بن عبيد الله قال البخاري: منكر الحديث لكن حسنه الترمذي فلعله اعتضد، ومن ثم ذكره المؤلّف بصيغة التمريض، وفي الحديث إشعار
стр. 1370
بملازمة السواك ولم يخص رطبًا من يابس.
(وقال أبو هريرة) ﵁ مما وصله النسائي (عن النبي ﷺ ¬): (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) أعم من أن يكون السواك رطبًا أو يابسًا في رمضان أو غيره قبل الزوال أو بعده، واستدلّ به الشافعي على أن السواك ليس بواجب قال لأنه لو كان واجبًا أمرهم به شق عليهم أو لم يشق (ويروى نحوه) أي نحو حديث أبي هريرة (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري مما وصله أبو نعيم في كتاب السواك من طريق عبد الله بن عقيل عنه بلفظ مع كل صلاة وعبد الله مختلف فيه (وزيد بن خالد) الجهني مما وصله أحمد وأصحاب السنن بلفظ عند كل صلاة (عن النبي ﷺ ¬).
قال البخاري (ولم يخص) النبي ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة وجابر وزيد بن خالد (الصائم من غيره) أي ولا السواك اليابس من غيره وهذا على طريقة المؤلّف في أن المطلق يسلك به مسلك العموم أو أن العام في الأشخاص عام في الأحوال.
(وقالت عائشة) ﵂ مما وصله أحمد والنسائي وابنا خزيمة وحبان: (عن النبي ﷺ ¬) (السواك مطهرة للفم) بفتح الميم وكسرها مصدر ميمي يحتمل أن يكون بمعنى الفاعل أي مطهر للفم أو بمعنى الآلة (مرضاة للرب). بفتح الميم مصدر ميمي بمعنى الرضا. قال المظهري: ويجوز أن يكون بمعنى المفعول أي مرضي الرب. وقال الطيبي يمكن أن يقال أنها مثل الولد مبخلة مجبنة أي السواك مظنة للطهارة والرضا أي يحمل السواك الرجل على الطهارة ورضا الرب وعطف مرضاة يحتمل الترتيب بأن تكون الطهارة به علة للرضًا وأن يكونا مستقلين في العلية.
(وقال عطاء) هو ابن أبي رباح مما وصله سعيد بن منصور (وقتادة) بن دعامة مما وصله عبد بن حميد في التفسير عن ابن جريج عنه (يبتلع ريقه) بتاء مثناة فوقية بعد الموحدة من باب الافتعال قال في الفتح وللمستملي: يبلغ بغير مثناة أي من البلع، وللحموي: يتبلّع بتقديم المثناة على الموحدة وتشديد اللام مفتوحة من باب التفعل الدال على التكلف، وقد وقع في رواية غير أبي ذر في هذه التعاليق تقديم وتأخير وعلى هذا الترتيب مشى في الأصل وفرعه إلا أنه رقم على قوله. وقال أبو هريرة ميم مع علامة أبي ذر ثم كذلك على قوله. وقالت عائشة وذلك علامة التقديم والتأخير فليعلم.
١٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حُمْرَانَ: "رَأَيْتُ عُثْمَانَ ﵁ تَوَضَّأَ: فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَىْءٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
وبالسند قال (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة قال (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال (أخبرنا معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد الأزدي (قال: حدثني) بالإفراد (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عطاء بن يزيد) الليثي المدني نزيل الشأم (عن حمران) بضم الحاء المهملة وسكون الميم ابن أبان مولى عثمان بن عفان أنه (قال: رأيت عثمان ﵁ توضأ) وضوءًا كاملاً جامعًا للسنن كالمضمضة والاستنشاق والسواك (فأفرغ) الفاء للتفسير أي صب (على يديه) إفراغًا (ثلاثًا، ثم تمضمض) ولأبي ذر وابن عساكر في نسخة ثم مضمض بحذف التاء (واستنثر)، أي أخرج الماء من أنفه بعد الاستنشاق (ثم غسل وجهه) غسلاً (ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى إلى) أي مع (المرفق) بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس غسلاً (ثلاثًا ثم غسل يده اليسرى إلى) أي مع (المرفق) غسلاً (ثلاثًا، ثم مسح برأسه)، هل الباء للتبعيض أو الاستعانة
أو غير ذلك خلاف مشهور يترتب عليه ما مر في الوضوء من كون الواجب مسح الكل أو البعض، ولأبي ذر: ثم مسح رأسه بحذف الباء ولم يذكر في المسح تثليثًا وهو مذهب الأئمة الثلاثة واحتج الشافعي بحديث أبي داود عن عثمان أنه ﷺ مسح برأسه ثلاثًا (ثم غسل رجله اليمنى) غسلاً (ثلاثًا، ثم) غسل رجله (اليسرى) غسلاً (ثلاثًا) وحذف غسل رجله لدلالة السابق عليه (ثم قال رأيت رسول الله ﷺ توضأ) وضوءًا (نحو وضوئي هذا) وعند المؤلّف في الرقاق مثل وضوئي وهو ينفي ما قرره النووي من التفرقة بين
стр. 1371
مثل ونحو وسبق مبحث ذلك في الوضوء (ثم قال):
(من توضأ نحو وضوئي هذا ثم يصلّي ركعتين) وفي الوضوء: صلّى بلفظ الماضي (لا يحدث نفسه) من باب التفعيل المقتضي للتكسب من حديث النفس وهذا دفعه ممكن بخلاف ما يهجم فإنه معفو عنه لتعذره (فيهما) أي في الركعتين (بشيء). وفي مسند أحمد والطبراني في الأوسط لا يحدث نفسه فيهما إلا بخير أي كمعاني المتلو من القرآن والذكر والدعاء الحاضر من نفسه أو إمامه أما فيما لا يتعلق بالصلاة أو لا يتعلق بقراءة أو ذكر أو دعاء حاضر بل في الجملة فلا كما قرره ابن عبد السلام وغيره، وفي بعض الروايات كما عند الترمذي الحكيم في كتاب الصلاة له لا يحدث فيهما نفسه بشيء من الدنيا (غفر له ما تقدم من ذنبه). من الصغائر، وهذا الحديث ليس فيه شيء من أحكام الصيام لكن أدخله في هذا الباب لمعنى لطيف وذلك أنه أخذ شرعية السواك للصائم
بالدليل الخاص ثم انتزعه من الأدلة العامة التي تناولت أحوال متناول السواك وأحوال عود السواك من رطوبة ويبوسة ثم انتزع ذلك من أعم من ذلك وهو المضمضة إذ هي أبلغ من السواك من رطوبة ويبوسة ثم انتزع ذلك من أعم من ذلك وهو المضمضة إذ هي أبلغ من السواك الرطب، وأصل هذا الانتزاع لابن سيرين حيث قال محتجًا على السواك الأخضر والماء له طعم اهـ.
وقد كره مالك الاستياك بالرطب للصائم لما يتحلل منه والشافعي وأحمد بعد الزوال. قال ابن دقيق العيد: ويحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت يخص به عموم حديث الصحيحين عند كل صلاة ورواية النسائي وغيره عند كل وضوء وهو حديث الخلوف وعبارة الشافعي أحب السواك عند كل وضوء بالليل والنهار إلا أني أكرهه للصائم آخر النهار من أجل الحديث في خلوف فم الصائم اهـ.
وليس في هذه العبارة تقييد ذلك بالزوال فلذا قال الماوردي: لم يحد الشافعي الكراهية بالزوال وإنما ذكر العشي فحده الأصحاب بالزوال اهـ.
واسم العشي صادق بدخول أوّل النصف الأخير من النهار وقيل لا يؤقت بحد معين بل يترك متى عرف أن تغير فمه ناشئ عن الصيام وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس وباختلاف بعد عهده عن الطعام وقرب عهده به لكونه لم يستحر أو تسحر، وفرق بعض أصحابنا بين الفرض والنفل فكرهه في الفرض بعد الزوال ولم يكرهه في النفل لأنه أبعد من الرياء، وقد أخذ مالك وأبو حنيفة بعموم الحديث استحبابه للصائم قبل الزوال وبعده، وقال النووي في شرح المهذّب: أنه المختار، وقال بعضهم: السواك مطهرة للفم فلا يكره كالمضمضة للصائم لا سيما وهي رائحة تتأذى بها الملائكة فلا تترك هنالك، وأما الخبر ففائدته عظيمة بديعة وهي أن النبي ﷺ إنما مدح الخلوف نهيًا للناس عن تقذر مكالمة الصائمين بسبب الخلوف لا نهيًا للصوَّام عن السواك والله غني عن وصول الرائحة الطيبة إليه فعلمناه يقينًا أنه لم يرد بالنهي استبقاء الرائحة وإنما يراد نهي الناس عن كراهتها قال وهذا التأويل أولى لأن فيه إكرامًا للصائم ولا تعرض فيه للسواك فيذكر أو يتأوّل.
وحديث الباب قد سبق في باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا.
٢٨ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ الْمَاءَ». وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ إِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَلْقِهِ، وَيَكْتَحِلُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ تَمَضْمَضَ ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ الْمَاءِ لَا يَضِيرُهُ إِنْ لَمْ يَزْدَرِدْ رِيقَهُ، وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ؟ وَلَا يَمْضَغُ الْعِلْكَ، فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكِ لَا أَقُولُ إِنَّهُ يُفْطِرُ وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ فَإِنِ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ لَا بَأْسَ، لَمْ يَمْلِكْ.
(باب) ما جاء في (قول النبي) (إذا توضأ) أحدكم (فليستنشق بمنخره الماء) بفتح الميم وكسر الخاء وقد تكسر الميم اتباعًا للخاء وهذا طرف من حديث أخرجه مسلم قال المؤلّف (ولم يميز) ﵊ في حديث مسلم المذكور (بين الصائم وغيره) بل ذكره على العموم ولو كان بينهما فرق لميزه ﵊. نعم وقع في حديث عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه التمييز بين الصائم وغيره ولفظه أن النبي ﷺ قال له بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا رواه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة.
(وقال الحسن) البصري مما وصله ابن أبي شيبة بنحوه: (لا بأس بالسعوط) بفتح السين وقد تضم ما يصب من الدواء من الأنف (للصائم إن لم يصل) أي السعوط (إلى حلقه) أو ما يسمى جوفًا فإن وصل أفطر وقضى يومًا (ويكتحل) أي الصائم وهو من كلام الحسن.
(وقال عطاء): مما وصله سعيد بن منصور (إن تمضمض) الصائم (ثم أفرغ ما في فيه من الماء لا يضيره) بمثناة
стр. 1372
تحتية بعد الضاد المعجمة المكسورة من ضاره يضيره ضيرًا بمعنى ضره، ولابن عساكر لم بدل لا، ولابن عساكر في نسخة وأبي ذر عن الكشميهني: لا يضره من ضره بالتشديد (إن لم يزدرد) أي يبتلع (ريقه)، وهذا يقتضي أنه إن ازدرده ضر وفيه نظر لأنه بعد الإِفراغ يصير الريق خالصًا ولا فطر به، ولأبي الوقت: لا يضيره أن يزدرد ريقه فأسقط لم وفتح الهمزة ونصب يزدرد أي لا يضره أن يبتلع ريقه خاصة لأنه لا ماء فيه بعد تفريغه له ولذا قال: (وماذا) أي وأي شيء (بقي في فيه)؟ في فمه بعد أن يمج الماء إلا أثر الماء فإذا بلع ريقه لم يضره، ولأبي ذر وابن عساكر كما في الفرع: وما بقي فأسقط لفظة ذا، وحينئذٍ فما موصولة ولفظة ذا ثابتة عند سعيد بن منصور وعبد الرزاق. قال في الفتح: ووقع في أصل البخاري وما بقي أي بإسقاط ذا. قال ابن بطال: وظاهره إباحة الازدراد لما بقي من الفم من ماء المضمضة وليس كذلك لأن عبد الرزاق رواه بلفظ وماذا يقي فكأن ذا سقطت من رواية البخاري اهـ. ولعله لم يقف على الرواية المثبتة لها.
(ولا يمضغ) أي لا يلوك الصائم (العلك) بكسر العين المهملة وسكون اللام كالمصطكي وقوله يمضغ بفتح الصاد وضمها وبالفتح عند أبي ذر وللمستملي كما في الفتح، ولابن عساكر كما في الفرع: ويمضع العلك بإسقاط لا والرواية الأولى أولى (فإن ازدرد ريق) فمه مع ما تحلب من (العلك لا أقول إنه يفطر ولكن ينهى عنه) الجمهور وبه قال الشافعي أنه إن تحلب منه شيء فازدرده أفطر ورخص الأكثرون في الذي لا يتحلب منه شيء. نعم كرهه الشافعي من جهة كونه يجفف ويعطش، (فإن استنثر) أي استنشق في الوضوء (فدخل الماء حلقه لا بأس، لأنه لم يملك) منع دخول الماء في حلقه، وسقط في رواية أبي ذر وابن عساكر قوله: فإن استنثر الخ.
٢٩ - باب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ
الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ". وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ: يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا جامع) الصائم (في) نهار شهر (رمضان) عامدًا وجبت عليه الكفارة (ويذكر) مبنيًا للمفعول (عن أبي هريرة) حال كونه (رفعه) أي الحديث الآتي إلى النبي ﷺ وهو (من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر) ولأبي ذر من غير علة (ولا مرض لم يقضه صيام الدهر). قال المظهري: يعني لم يجد فضيلة الصوم المفروض بصوم النافلة وليس معناه أن صيام الدهر بنية قضاء يوم من رمضان لا يسقط عنه قضاء ذلك اليوم بل يجزئه قضاء يوم بدلاً عن يوم، وقال شارح المشكاة: هو من باب التشديد والمبالغة ولذلك أكده بقوله؛ (وإن صامه) حق الصيام ولم يقصر فيه وبذل جهده وزاد في المبالغة حيث أسند القضاء إلى الصوم إسنادًا مجازيًا، وأضاف الصوم إلى الدهر إجراء للظروف مجرى المفعول به إذ الأصل لم يقض هو في الدهر كله إذا صامه. وقال ابن المنير: يعني أن القضاء لا يقوم مقام الإداء، ولو صام عوض اليوم دهرًا، ويقال بموجبه فإن الإثم لا يسقط بالقضاء ولا سبيل إلى اشتراك القضاء والأداء في كمال الفضيلة فقوله: لم يقضه صيام الدهر أي في وصفه الخاص به وهو الكمال وإن كان يقضي عنه في وصفه العام المنحط عن كمال الأداء هذا هو اللائق بمعنى الحديث ولا يحمل على نفي القضاء بالكلية ولا تعهد عبادة واجبة مؤقتة لا تقبل القضاء إلا الجمعة لأنها لا تجتمع بشروطها إلا في يومها وقد فات أو في مثله وقد اشتغلت الذمة بالحاضرة فلا تسع الماضية اهـ.
قال في فتح الباري: ولا يخفى تكلفه وسياق أثر ابن مسعود الآتي إن شاء الله تعالى يردّ هذا التأويل، وهذا الحديث قد وصله أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن خزيمة من طريق سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت عن عمارة بن عمير عن أبي المطوّس بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الواو المفتوحة عن أبيه عن أبي هريرة نحوه. قال الترمذي: سألت محمدًا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال أبو المطوّس: اسمه يزيد بن المطوّس لا أعرف له غير هذا الحديث، وقال في التاريخ أيضًا تفرد أبو المطوّس بهذا الحديث ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا اهـ.
واختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافًا كثيرًا
стр. 1373
فحصلت فيه ثلاث علل الاضطراب والجهل بحال أبي المطوّس والشك في سماع أبيه من أبي هريرة (وبه) أي بما دل عليه حديث أبي هريرة (قال ابن مسعود) ﵁ مما وصله البيهقي من طريق المغيرة بن عبد الله اليشكري قال: حدثت أن عبد الله بن مسعود قال من أفطر يومًا من رمضان من غير علة لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه وذكر ابن حزم من طريق ابن المبارك بإسناد له فيه انقطاع أن أبا بكر الصديق قال لعمر بن الخطاب فيما أوصاه به من صام شهر رمضان من غيره لم يقبل منه ولو صام الدهر أجمع (وقال سعيد بن المسيب) التابعي فيما وصله مسدد وغيره عنه في قصة
المجامع (والشعبي) عامر بن شراحيل مما وصله ابن أبي شيبة (وابن جبير) سعيد مما وصله ابن أبي شيبة أيضًا (وإبراهيم) النخعي مما وصله ابن أبي شيبة أيضًا (وقتادة) بن دعامة مما وصله عبد الرزاق (وحماد): هو ابن أبي سليمان مما وصله عبد الرزاق عن أبي حنيفة عنه (يفضي يومًا مكانه).
١٩٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ أَخْبَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: "إِنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ إِنَّهُ احْتَرَقَ، قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ. فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى الْعَرَقَ. فَقَالَ: أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا".
[الحديث ١٩٣٥ - طرفه في: ٦٨٢٢].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون الزاهد أنه (سمع يزيد بن هارون) من الزيادة أبا خالد يقول (حدّثنا) ولابن عساكر أخبرنا (يحيى هو ابن سعيد) أي الأنصاري (أن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ (أخبره عن محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام بن خويلد عن عباد بن عبد الله بن الزبير) أنه (أخبره أنه سمع عائشة ﵂ تقول: أن رجلاً أتى النبي ﷺ ¬) قيل الرجل هو سلمة بن صخر رواه ابن أبي شيبة وابن الجارود وبه جزم عبد الغني وانتقد بأن ذلك هو المظاهر في رمضان أتى أهله في الليل رأى خلخالاً لها في القمر وفي تمهيد ابن عبد البر عن ابن المسيب أن المجامع في رمضان سلمان بن صخر أحد بني بياضة قال: وأظنه وهمًا أتى من الرواة أي لأن ذلك إنما هو في المظاهر وأما المجامع فأعرابي فهما واقعتان فإن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائمًا وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلاً كما عند الترمذي فافترقا واجتماعهما في كونهما من بني بياضة وفي صفة الكفارة وكونها مرتبة وفي كون كل منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها كما سيأتي إن شاء الله تعالى لا يقتضي اتحاد القصتين (فقال): أي الرجل له ﵊ (إنه احترق)، أطلق على نفسه أنه احترق لاعتقاده أن مرتكب الإثم يعذب بالنار فهو مجاز عن العصيان أو المراد أنه يحترق يوم القيامة فجعل المتوقع كالواقع وعبر عنه بالماضي ورواية الاحتراق هذه تفسر رواية الهلاك الآتية إن شاء الله تعالى في الباب اللاحق وفي رواية البيهقي جاء رجل وهو ينتف شعره ويدق صدره ويقول هلك الأبعد (قال): له ﵊ (ما لك): بفثح اللام أي ما شأنك (قال: أصبت أهلي) أي جامعت زوجتي (في رمضان). ولابن عساكر في نهار رمضان (فأتى النبي ﷺ ¬) بضم الهمزة وكسر التاء مبنيًا للمفعول (بمكتل) بكسر الميم وفتح المثناة الفوقية شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا (يدعى العرق)، بفتح الراء وقد تسكن وهو ما نسخ من الخوض فيه تمر (فقال): ﵊ (أين المحترق)؟ أثبت له ﵊ وصف الاحتراق إشارة إلى أنه لو أصر
على ذلك لاستحق ذلك (قال): الرجل (أنا. قال:) ﵊ (تصدّق بهذا) المكتل على ستين مسكينًا كما في باقي الروايات لكل مسكين مدّ وهو ربع صاع وهذا إنما هو بعد العجز عن العتق وصيام الشهرين فقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن الحرث عن محمد بن جعفر بن الزبير بهذا الإسناد ولفظه كان النبي ﷺ جالسًا في ظل فارع بالفاء والمهملة فجاءه رجل من بني بياضة فقال: احترقت وقعت بأمرأتي في رمضان فقال: أعتق رقبة قال لا أجدها قال أطعم ستين مسكينًا قال ليس عندي الحديث أخرجه أبو داود ووقع هنا مختصرًا وفيه وجوب الكفارة على المجامع عمدًا لأنه ﷺ قال أين المحترق وقد
стр. 1374
خرج بالعمد من جامع ناسيًا أو مكرهًا أو جاهلاً وبقوله في رمضان غيره كقضاء ونذر وتطوّع لورود النص في رمضان وهو مختص بفضائل لا يشاركه فيها غيره وبالجماع غيره كالاستمناء والأكل لورود النص في الجماع، وهو أغلظ من غيره، وأوجب بعض المالكية والحنابلة الكفارة على الناسي متمسكين بترك استفساره ﵊ عن جماعه هل كان عن عمد أو عن نسيان وتركه الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في المقال.
وأجيب: بأنه قد تبين الحال من قوله احترقت وهلكت فدلّ على أنه كان عامدًا عالمًا بالتحريم، واستدلّ أيضًا بحديث الباب لمالك حيث جزم في كفارة الجماع في رمضان بالإطعام دون غيره ولا حجة فيه لأن الحديث مختصر من المطوّل والقصة واحدة وقد حفظها أبو هريرة وقصها على وجهها وأوردها بعض الرواة مختصرة عن عائشة، وقد رواها عبد الرحمن بن الحرث بتمامها كما تقدم ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
وفي هذا الحديث التحديث والإخبار والسماع وأربعة من التابعين يحيى وعبد الرحمن ومحمد بن جعفر وعباد، وأخرجه أيضًا في المحاربين ومسلم في الصوم وكذا أبو داود والنسائي.
٣٠ - باب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَىْءٌ فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ
هذا (باب) بالتنوين (إذا جامع) الصائم (في) نهار شهر (رمضان و) الحال أنه (لم يكن له شيء) يعتق به ولا يستطيع الصوم ولا شيء يتصدق به (فتصدق عليه) بقدر ما يجزئه (فليكفر) به لأنه صار واجدًا.
١٩٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ، قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ
بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ -وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ- قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا. قَالَ: خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا -يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ".
[الحديث ١٩٣٦ - أطرافه في: ١٩٣٧، ٢٦٠٠، ٥٣٦٨، ٦٠٨٧، ٦١٦٤، ٦٧٠٩، ٦٧١٠، ٦٧١١، ٦٨٢١].
وبالسند قال (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف (أن أبا هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند) ولأبي الوقت كما في الفرع: ونسبها في فتح الباري للكشميهني مع (النبي ﷺ ¬) وقوله: بينما بالميم وتضاف إلى الجملة الاسمية والفعلية وتحتاج إلى جواب يتم به المعنى والأفصح في جوابها أن لا يكون فيه إذ وإذا ولكن كثر مجيئها كذلك ومنه قوله (إذ جاءه رجل) سبق في الباب قبله أنه قيل أنه سلمة بن صخر أو سلمان بن صخر أو أعرابي (فقال: يا رسول الله هلكت)، وفي بعض طرق هذا الحديث هلكت وأهلكت أي فعلت ما هو سبب لهلاكي وهلاك غيري وهو زوجته التي وطئها (قال): ﵊ له:
(ما لك): بفتح اللام وما استفهامية محلها رفع بالابتداء أي أي شيء كائن لك أو حاصل لك وفي رواية عقيل عند ابن خزيمة ويحك ما شأنك، ولابن أبي حفصة عند أحمد وما الذي أهلكك (قال: وقعت على امرأتي) وفي رواية ابن إسحاق عند البزار أصبت أهلي وفي حديث عائشة وطئت امرأتي (وأنا) أي والحال أني (صائم) قال في فتح الباري: يؤخذ منه أنه لا يشترط في إطلاق اسم المشتق بقاء المعنى المشتق منه حقيقة لاستحالة كونه صائمًا مجامعًا في حالة واحدة فعلى هذا قوله وطئت أي شرعت في الوطء أو أراد جامعت بعد إذ أنا صائم (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(هل تجد رقبة تعتقها)؟ أي تقدر فالمراد الوجود الشرعي ليدخل فيه القدر بالشراء ونحوه ويخرج عنه مالك الرقبة المحتاج إليها بطريق معتبر شرعًا وفي رواية ابن أي حفصة عند أحمد أتستطيع أن تعتق رقبة (قال): الرجل (لا) أجد رقبة، وفي رواية ابن إسحاق ليس عندي، وفي رواية ابن مسافر عند الطحاوي فقال: لا والله وفي حديث ابن عمر فقال: والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط؟ (قال): ﵊ (فهل تستطيع أن تصوم شهرن متتابعين)؟ (قال: لا). وفي حديث سعد قال: لا يقدر، وفي رواية ابن إسحاق عند البزار وهل لقيت إلا من الصيام (فقال): ﵊، ولأبي ذر وابن عساكر: قال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينًا)؟ (قال: لا) والمسكين مأخوذ من السكون لأن المعدم ساكن الحال عن أمور الدنيا والمراد بالمسكين هنا أعم من الفقير لأن كلاً منهما حيث أفرد يشمل الآخر وإنما يفترقان عند اجتماعهما نحو إنما الصدقات للفقراء والمساكين والخلاف في معناها حينئذ معروف.
قال ابن دقيق العيد قوله إطعام ستين مسكينًا يدل على وجوب إطعام
стр. 1375
هذا العدد لأنه أضاف
الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين فلا يكون ذلك موجودًا في حق من أطعم عشرين مسكينًا ثلاثة أيام مثلاً ومن أجاز ذلك فكأنه استنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفية الأجزاء حتى لو أطعم الجميع مسكينًا واحدًا في ستين يومًا كفى اهـ.
وفي رواية ابن أبي حفصة: أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ وفي حديث ابن عمر قال: والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي والحكمة في ترتيب هذه الكفارة على ما ذكر أن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه، وقد صح من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، وأما الصيام فإنه كالمقاصة بجنس الجناية وكونه شهرين لأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر على الولاء فلما أفسد منه يومًا كان كمن أفسد الشهر كله من حيث أنه عبادة واحدة بالنوع وكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده، وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة لأنه مقابل كل يوم إطعام مسكين، وإذا ثبتت هذه الخصال الثلاث في هذه الكفارة فهل هي على الترتيب أو التخيير، قال البيضاوي: رتب الثاني بالفاء على فقد الأول ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني فدلّ على عدم التخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السؤال فينزل منزلة الشرط للحكم وقال مالك بالتخيير.
(قال): أي أبو هريرة (فمكث) بضم الكاف وفتحها (عند النبى ﷺ ¬) وفي رواية ابن عيينة فقال له النبي ﷺ : أجلس قيل وإنما أمره بالجلوس لانتظار الوحي في حقه أو كان عرف أنه سيؤتى بشيء يعينه به (فبينا) بغير ميم (نحن على ذلك) وجواب بينا قوله (أتي النبي ﷺ ¬) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول ولم يسم الآتي، لكن عن المؤلّف في الكفارات فجاء رجل من الأنصار (بعرق) بفتح العين والراء (فيه تمر) -ولأبي ذر فيها بالتأنيث على معنى القفة قال القاضي عياض المكتل والقفة والزنبيل سواء وزاد ابن أبي حفصة فيه خمسة عشر صاعًا. وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة فأتي بعرق فيه عشرون صاعًا وفي مرسل عطاء عند مسدد فأمر له ببعضه وهو يجمع بين الروايات فمن قال عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة قال أبو هريرة أو الزهري أو غيره (والعرق المكتل) بكسر الميم وفتح الفوقية الزنبيل الكبير يسع خمسة عشر صاعًا (قال: ﵊ ولابن عساكر: فقال:
(أين السائل) زاد ابن مسافر آنفًا وسماه سائلاً لأن كلامه متضمن للسؤال فإن مراده هلكت فما ينجيني أو ما يخلصني مثلاً (فقال): الرجل (أنا. قال) (خذها) أي القفة (فتصدق به). أي بالتمر الذي فيها ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: خذ هذا فتصدق به (فقال الرجل): أتصدق به (على) شخص (أفقر مني يا رسول الله) بالاستفهام التعجبي وحذف الفعل لدلالة تصدق به عليه. وفي حديث ابن عمر عند البزار والطبراني إلى من أدفعه؟ قال: إلى أفقر من تعلم، وفي رواية إبراهيم بن سعد أعلى أفقر من أهلي، ولابن مسافر عند الطحاوي: أعلى أهل بيت أفقر مني، وللأوزاعي على غير أهلي، ولمنصور أعلى أحوج منا، ولابن إسحاق وهل الصدقة إلا لي وعلي (فوالله ما بين لابتيها-)
بغير همزة تثنية لابة قال بعض رواته (يريد) باللابتين (الحرتين-) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء أرض ذات حجارة سود والمدينة بين حرتين (أهل بيت أفقر من أهل بيتي). برفع أهل اسم ما ونصب أفقر خبرها إن جعلت ما حجازية وبالرفع إن جعلتها تميمية قاله الزركشي وغيره. وقال البدر الدماميني: وكذا إن جعلناها حجازية ملغاة من عمل النصب بناء على أن قوله ما بين لابتيها خبر مقدم وأهل بيت مؤخر وأفقر صفة له. وفي رواية عقيل: ما أحد أحق به من أهلي ما أحد أحوج إليه مني، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة ما لنا عشاء ليلة. (فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه) تعجبًا من حال الرجل في كونه جاء أولاً هالكًا محترقًا خائفًا على نفسه راغبًا في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع أن يأكل
стр. 1376
ما أعطيه في الكفارة والأنياب جمع ناب وهي الأسنان الملاصقة للرباعيات وهي أربعة والضحك غير التبسم وقد ورد أن ضحكه كان تبسمًا أي في غالب أحواله.
(ثم قال): ﵊ له (أطعمه) أي ما في الكتل من التمر (أهلك) من تلزمك نفقته أو زوجتك أو مطلق أقاربك، ولابن عيينة في الكفارات أطعمه عيالك، وفي رواية أبي قرة عن ابن جريج قال: كله، ولابن إسحاق: خذها وكلها وأنفقها على عيالك أي لا عن الكفارة بل هو تمليك مطلق بالنسبة إليه وإلى عياله وأخذهم إياه بصفة الفقر وذلك لأنه لما عجز عن أعتق لإعساره وعن الصيام لضعفه فلما حضر ما يتصدق به ذكر أنه وعياله محتاجون فتصدق به ﵊ عليه وكان من مال الصدقة وصارت الكفارة في ذمته وليس استقرارها في ذمته مأخوذًا من هذا الحديث.
وأما حديث عليّ بلفظ فكله أنت وعيالك فقد كفر الله عنك فضعيف لا يحتج به، وقد ورد الأمر بالقضاء في رواية أبي أويس وعبد الجبار وهشام بن سعد كلهم عن الزهري، وأخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الليث عن الزهري وحديث ابن سعد في الصحيح عن الزهري نفسه بغير هذه الزيادة، وحديث الليث عن الزهري في الصحيحين بدونها، ووقعت الزيادة أيضًا في مرسل سعيد بن المسيب ونافع بن جبير والحسن ومحمد بن كعب وبمجموع هذه الطرق يعرف أن لهذه الزيادة أصلاً ويؤخذ من قوله: صم يومًا عدم اشتراط الفورية للتنكير في قوله يومًا. قال: البرماوي كالكرماني وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث ألف مسألة وأكثر اهـ.
فمن ذلك أن من ارتكب معصية لا حدّ فيها وجاء مستفتيًا أنه لا يعاقب لأن النبي ﷺ لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية لأن معاقبة المستفتي تكون سببًا لترك الاستفتاء من الناس عند وقوعهم في ذلك وهذه مفسدة عظيمة يجب دفعها.
وفي هذا الحديث التحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواه ما ينيف على أربعين نفسًا عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة يطول ذكرهم، وقد أخرجه المؤلّف أيضًا في الصوم والأدب والنفقات والنذور والمحاربين ومسلم في الصوم وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
٣١ - باب الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ؟
(باب) حكم الصائم (المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج؟) أم لا؟ قال الحافظ ابن حجر: ولا منافاة بين هذه الترجمة والتي قبلها لأن التي قبلها آذنت بأن الإعسار بالكفارة لا يسقطها عن الذمة لقوله فيها إذا جامع ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر والثانية تردّدت هل المأذون له بالتصرف فيه نفس الكفارة أم لا وعلى هذا يتنزل لفظ الترجمة.
١٩٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ الأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ -وَهُوَ الزَّبِيلُ- قَالَ: أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ، قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا؟ قَالَ: فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ".
وبالسند قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) نسبه لجده وأبوه محمد وهو أخي أبي بكر بن أبي شيبة قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن الزهري) هو محمد بن مسلم (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري (عن أبي هريرة ﵁) أنه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ -فقال: إن الأخر) بقصر الهمزة وكسر الخاء المعجمة بوزن كتف أي من هو في آخر القوم (وقع على امرأته) أي جامعها (في) نهار (رمضان، فقال): ﵇ له:
(أتجد ما تحرر) أي تعتق به (رقبة؟) بالنصب ومفعول تحرر (قال): الرجل (لا). أجد (قال): ﵊ (أفتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين) (قال) الرجل (لا) أستطيع (قال): ﵊: (أفتجد ما تطعم به ستين مسكينًا) وسقط لأبوي ذر والوقت وابن عساكر لفظ: به (قال): الرجل (لا): أجد (قال) أبو هريرة (فأتي النبي ﷺ ¬) بضم الهمزة وكسر الفوقية مبنيًّا للمفعول (بعرق فيه تمر-) من تمر الصدقة (وهو) أي العرق (الزبيل-) بفتح الزاي وكسر الموحدة المخففة القفة، وفي نسخة الزنبيل بالنون (قال): ﵊ للرجل (أطعم هذا) التمر (عنك) ولابن إسحاق: فتصدق به عن نفسك. واستدلّ به على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة إذ لم يؤمر بها هو مع الحاجة إلى البيان ولنقصان صومها بتعرضه للبطلان بعروض الحيض أو نحوه فلم تكمل حرمته حتى
стр. 1377
تتعلق به الكفارة ولأنها غرم مالي يتعلق بالجماع فيختص بالرجل الواطئ كالمهر فلا يجب على الموطوءة.
وقال المالكية: إذا وطئ أمته في نهار رمضان وجبت عليه كفارتان: إحداهما عن نفسه والأخرى عن الأمة وإن طاوعته، لأن مطاوعته كالإكراه للرق، وكذلك يكفر عن الزوجة إن أكرهها على الجماع وتكفيره عنها بطريق النيابة عنهما لا بطريق الأصالة فلذلك لا يكفر عنهما إلا بما يجزئهما في التكفير فيكفر عن الأمة بالإطعام لا بالعتق إذ لا ولاء لها ولا بالصوم لأن الصوم لا يقبل النيابة، ويكفر عن الزوجة الحرة بالعتق أو الإطعام فإن أعسر كفرت الزوجة عن نفسها ورجع عليه إذا أيسر بالأقل من قيمة الرقبة التي أعتقت أو مكيلة الطعام، وأوجبها الحنفية على المرأة المطاوعة لأنها شاركت الرجل في الإفساد فتشاركه في وجوب الكفارة أي سواء كانت زوجة أو أمة. وقال الحنابلة: ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر. قال المرداوي: نص عليه وعليه أكثر الأصحاب وعنه تكفر وترجع بها على الزوج اختاره بعض الأصحاب وهو الصواب اهـ.
وأما حديث الدارقطني عن أبي ثور قال: حدّثنا معلى بن منصور قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: هلكت وأهلكت الحديث. فقد تفرد به أبو ثور عن معلى بن منصور عن ابن عيينة بقوله: وأهلكت. وأخرجه البيهقي عن جماعة عن الأوزاعي عن الزهري به وفيه: وأهلكت. وقال: ضعف شيخنا أبو عبد الله الحاكم هذه اللفظة، وكافة أصحاب الأوزاعي رووه دونها، واستدلّ الحاكم على أنها خطأ بأنه نظر في كتاب الصوم تصنيف المعلى بن منصور فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة وأن كافة أصحاب سفيان رووه دونها.
(قال): الرجل أتصدق به (على أحوج منا) بحذف همزة الاستفهام والفعل الذي يتعلق به الجار لدلالة قوله أطعم هذا عنك وهو استفهام تعجبي أي ليس أحد أفقر منا حتى أتصدق به عليه (ما بين لابتيها) وفي الرواية السابقة فوالله ما بين لابتيها (أهل بيت أحوج منا قال): ﵊ (فأطعمه أهلك) قيل أراد بهم من لا تلزمه نفقتهم من أقاربه وهو قول بعض الشافعية ورد بقوله في الرواية الأخرى عيالك وبالأخرى المصرحة بالإذن له في أكل من ذلك وقيل هو خاص بهذا الرجل، وإليه نحا إمام إلحرمين، وعورض بأن الأصل عدم الخصوصية، وقيل هو منسوخ ولم يبين قائله ناسخه. وقال الشافعي في الأم: يحتمل أنه لما أخبره بفقره صرفه له صدقة أو أنه ملكه إياه أو أمره بالتصدق به، فلما أخبره بفقره أذن له في صرفه لهم للإعلام بأنه إنما تجب بعد الكفاية أو أنه تطوّع بالتكفير عنه وسوّغ له صرفها لأهله للإعلام بأن لغير المكفر التطوّع بالتكفير عنه بإذنه وأن له صرفها لأهل المكفر عنه فأما الشخص يكفر عن نفسه ويصرف إلى أهله فلا.
٣٢ - باب الْحِجَامَةِ وَالْقَىْءِ لِلصَّائِمِ
وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁: إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ: الصَّوْمُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ. وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى لَيْلاً. وَيُذْكَرُ عَنْ سَعْدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأُمِّ سَلَمَةَ احْتَجَمُوا صِيَامًا. وَقَالَ بُكَيْرٌ عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ: كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَا تَنْهَى. وَيُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مَرْفُوعًا "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ". وَقَالَ لِي عَيَّاشٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ، قِيلَ لَهُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ.
(باب) حكم (الحجامة والقيء للصائم).
قال المؤلّف بالسند السابق: (وقال لي يحيى بن صالح) الوحاظي الحمصي (حدّثنا معاوية بن سلام) بتشديد اللام قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن أبي كثير (عن عمر) بضم العين وفتح الميم (ابن الحكم) بفتح الحاء والكاف (ابن ثوبان) بالمثلثة والموحدة المفتوحتين المدني أنه (سمع أبا هريرة ﵁) يقول؛ (إذا قاء) الصائم بغير اختياره بأن غلبه (فلا يفطر)، لأن القيء (إنما يخرج) من الخروج (ولا يولج). من الإيلاج يعني أن الصيام لا ينقض إلا بشيء يدخل وللكشميهني مما في الفتح أنه أي القيء يخرج ولا يولج وهذا منقوض بالمني فإنه يخرج وهو موجب للقضاء والكفارة.
(ويذكر) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول (عن أبي هريرة) ﵁ (أنه يفطر)، أي إذا تعمد القيء وإن لم يعد شيء منه إلى جوفه فهو محمول على حديثه المرفوع المروي عند المؤلّف في تاريخه الكبير بلفظ: من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض لكن ضعفه المؤلّف، ورواه أصحاب السنن الأربعة. وقال الترمذي: والعمل عند أهل العلم
стр. 1378
عليه، وبه يقول الشافعي وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وقد صححه الحاكم وقال على شرط الشيخين وابن حبان. وقال الحنفية: ولا يجب القضاء بغلبة القيء عليه وخروجه من فمه قل أو أكثر لا تعمده فإنه يفسده وعليه القضاء ويعتبر أبو يوسف في إفساده امتلاء الفم في التعمد وفي عوده إلى الداخل سواء أعاده أو لم يعده لوجوب القضاء لأنه إذا كان ملء الفم يعدّ خارجًا لانتقاض الطهارة به فيفسد الصوم، وإذا عاد حال كونه ملء الفم يعدّ داخلاً لسبق اتصافه بالخروج حكمًا ولا كذلك إذا لم يملأه فلا يفسد واعتبر محمد بن الحسن قصد الصائم وفعله في ابتداء القيء وفي عوده سواء كان ملء الفم أو لم يكن لقوله ﵇: "من استقاء عمدًا فعليه القضاء من غير فصل بين القليل والكثير وإذا أعاده يوجد منه الصنع في الإدخال إلى الجوف فيفسد به صومه وإن قل القيء، وخلاصة المفهوم مما سبق أن في صورة الاستقاءة يفسد الصوم عند أبي يوسف إذا كان ملء الفم سواء عاد القيء بعده أو لم يعد أو أعاده لاتصافه بالخروج. وعند محمد: يفسد على كل الأحوال لوجود التعمد فيه، وأما إذا غلبه القيء فإن كان ملء الفم يفسد عند أبي يوسف عاد أو أعاده لما مر، وعند محمد لا يفسد إذا عاد
أو لم يعد لانعدام الصنع منه ويفسد إذا أعاد وإن لم يكن ملء الفم لا يفسد إذا عاد أو لم يعد اتفاقًا ويفسد عند محمد إذا أعاده، (والأول) القائل أنه لا يفطر (أصح).
(وقال ابن عباس وعكرمة) ﵄ مما وصله ابن أبي شيبة (الصوم) أي الإمساك واجب (مما دخل) في الجوف (وليس مما خرج) ولأبي ذر وابن عساكر في نسخة: الفطر بدل قوله الصوم.
(وكان ابن عمر ﵄) مما وصله مالك في الموطأ (يحتجم وهو صائم، ثم تركه فكان يحتجم) وهو صائم (بالليل). لأجل الضعف، (واحتجم أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري فيما وصله ابن أبي شيبة (ليلاً).
(ويذكر) مبنيًّا للمفعول (عن سعد) بسكون العين ابن أبي وقاص أحد العشرة مما وصله مالك في موطئه وفيه انقطاع لكن ذكره ابن عبد البر من وجه آخر (وزيد بن أرقم) الأنصاري مما وصله عبد الرزاق (وأم سلمة) أم المؤمنين مما وصله ابن أبي شيبة أنهم الثلاثة (احتجموا) حال كونهم (صيامًا).
(وقال بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف ابن عبد الله بن الأشج (عن أم علقمة) مرجانة كما سماها البخاري وذكرها ابن حبان في الثقات ووصل هذا المؤلّف في تاريخه أنها قالت: (كنا نحتجم عند عائشة) ﵂ أي ونحن صيام (فلا تنهى) عائشة عن ذلك، ولأبوي ذر والوقت: فلا ننهى بضم النون الأولى التي للمتكلم ومعه غيره وسكون الثانية على صيغة المجهول.
(ويروى) مبنيًّا للمفعول (عن الحسن) البصري (عن غير واحد) من الصحابة وهم شداد بن أوس وأسامة بن زيد وأبو هريرة وثوبان ومعقل بن يسار ويحتمل أنه سمعه من كلهم (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ (فقال): بالفاء وفي بعض الأصول وقال ولأبي ذر إسقاطهما (أفطر الحاجم والمحجوم) وصله النسائي من طرق عن أبي حرة عن الحسن، وقال عليّ بن المديني: رواه يونس عن الحسن وقد أخذ بظاهره أحمد ﵀ أنهما يفطران وعليه جماهير أصحابه وهو من المفردات وعنه: إن علما بالنهي أفطرا وإلاّ فلا. وقال: في الفروع: ظاهر كلام أحمد والأصحاب أنه لا فطر إن لم يظهر دم قال وهو متجه، واختاره شيخنا وضعف خلافه وو خرج الدم بنفسه لغير التداوي بدل الحجامة لم يفطر اهـ.
وقال الأئمة الثلاثة: لا يفطر لما سيأتي وحملوا الحديث كما قال البغوي على معنى أنهما تعرضا للإفطار المحجوم للضعف والحاجم لأنه لا يأمن أن يصل إلى جوفه شيء بمص المحجم، لكن الحديث قد تكلم فيه فقال الدارقطني في العلل: اختلف على عطاء بن السائب في الصحابي وكذا اختلف على يونس أيضًا.
قال المؤلّف: (وقال لي عياش): بمثناة تحتية ومعجمة ابن الوليد الرقام البصري (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي القرشي البصري قال: (حدّثنا يونس) هو ابن عبيد بن دينار البصري التابعي
стр. 1379
(عن الحسن) البصري التابعي (مثله) أي مثل السابق أفطر الحاجم والمحجوم.
وقد أخرجه المؤلّف في تاريخه والبيهقي في طريقه (قيل له): أي للحسن (عن النبي ﷺ ¬): الذي يحدّث به أفطر الحاجم والمحجوم (قال) (نعم) عنه ﷺ (ثم قال): مترددًا بعد الجزم (الله أعلم).
١٩٣٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهْوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهْوَ صَائِمٌ".
وبالسند قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وتشديد اللام العمي أخو بهز بن أسد البصري قال: (حدّثنا وهيب) هو ابن خالد (عن أيوب) السختياني (عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ احتجم) ولابن عساكر قال: احتجم النبي ﷺ (وهو محرم، واحتجم) أيضًا (وهو صائم) وهذا ناسخ لحديث "أفطر الحاجم والمحجوم" لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع وسبق إلى ذلك الشافعي، ولفظ البيهقي في كتاب المعرفة له بعد حديث ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم. قال الشافعي في رواية أبي عبد الله: وسماع ابن عباس عن رسول الله ﷺ عام الفتح ولم يكن يومئذ محرمًا ولم يصحبه محرمًا قبل حجة الإسلام، فذكر ابن عباس حجامة النبي ﷺ عام حجة الإسلام سنة عشر. وحديث أفطر الحاجم والمحجوم في الفتح سنة ثمان قبل حجة الإسلام بسنتين فإن كانا ثابتين فحديث ابن عباس ناسخ وحديث أفطر الحاجم والمحجوم منسوخ اهـ.
وقال ابن حزم: صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد أرخص النبي ﷺ الحجامة للصائم وإسناده صحيح فوجب الأخذ به لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة فدلّ على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجمًا أو محجومًا.
قال في الفتح: والحديث المذكور أخرجه النسائي وابن خزيمة والدارقطني ورجاله ثقات، ولكن اختلف في رفعه ووقفه وله شاهد من حديث أنس أخرجه الدارقطني ولفظه: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمرّ به رسول الله ﷺ فقال: أفطر هذا ثم رخص رسول الله ﷺ بعد في الحجامة للصائم.
١٩٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ".
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو المنقري القعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التميمي البصري قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: احتجم النبي ﷺ وهو صائم) وهذا طريق آخر لحديث ابن عباس، وقد أخرجه الطحاوي من عشر طرق، وأخرجه أبو داود نحو رواية البخاري، وأخرجه الإسماعيلي ولم يذكر ابن عباس، واختلف على حماد في وصله وإرساله وهو صحيح بلا شك، وقد سقط حديث معمر هذا عند أبي ذر وابن عساكر كما في فرع اليونينية.
١٩٤٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ قَالَ: "سُئِلَ أَنَسُ بْنَ مَالِكٍ ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لَا. إِلاَّ مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ". وَزَادَ شَبَابَةُ: "حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي اياس) بكسر الهمزة وتخفيف الياء قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت ثابتًا البناني) بضم الموحدة (يسأل أنس بن مالك ﵁) بلفظ المضارع في قوله يسأل قال الحافظ ابن حجر: وهذا غلط فإن شعبة ما حضر سؤال ثابت لأنس، وقد سقط منه رجل بين شعبة وثابت، فرواه الإسماعيلي وأبو نعيم عن البيهقي من طريق جعفر بن محمد القلانسي وأبي قرصافة محمد بن عبد الوهاب وإبراهيم بن حسن بن ديزيل كلهم عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري فيه فقال عن شعبة عن حميد قال: سمعت ثابتًا وهو يسأل أنس بن مالك فذكره، وأشار الإسماعيلي والبيهقي إلى أن الرواية التي وقعت للبخاري خطأ وأنه سقط منه حميد، ولأبي ذر كما في الفرع: سئل أنس بن مالك بضم السين مبنيًّا للمفعول وهو كذلك في أصول البخاري ونسب الأولى في الفتح لأبي الوقت (أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا إلا من أجل الضعف) للبدن وحينئذ فيندب تركها كالفصد ونحوه تحرزًا عن إضعاف البدن وخروجًا من الخلاف في الفطر بذلك وإن كان منسوخًا.
(وزاد شبابة) بالمعجمة والموحدتين المفتوحات ابن سوار الفزاري قال: (حدّثنا شعبة): بن الحجاج (على عهد النبي ﷺ ¬) قال الحافظ ابن حجر:
стр. 1380
وهذا يشعر بأن رواية شبابة موافقة لرواية آدم في الإسناد والمتن إلا أن شبابة زاد فيه ما يؤكد رفعه، وقد أخرج ابن منده في غرائب شعبة طريق شبابة فقال: محمد بن أحمد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن روح، حدّثنا شبابة، حدّثنا شعبة عن قتادة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، وبه عن شعبة عن حميد عن أنس نحوه، وهذا يؤكد صحة ما اعترض به الإسماعيلي ومن تبعه ويشعر بأن الخلل فيه من غير البخاري إذ لو كان إسناد شبابة عنده مخالفًا لإسناد آدم لبينه وهذا واضح لا خفاء به والله أعلم.
٣٣ - باب الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَالإِفْطَارِ
(باب) حكم (الصوم في السفر و) حكم (الإفطار) فيه.
١٩٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ لِرَجُلٍ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ، ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَا هُنَا ثُمَّ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ".
تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ".
[الحديث ١٩٤١ - أطرافه في: ١٩٥٥، ١٩٥٦، ١٩٥٨، ٥٢٩٧].
وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن أبي إسحاق) سلمان بن أبي سليمان فيروز (الشيباني) أنه (سمع ابن أبي أوفى) عبد الله (﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ ¬) ولابن عساكر مع النبي (¬ ﷺ ¬) أي وهو صائم (في سفر)، في شهر رمضان كما في مسلم في غزوة الفتح لا في بدر لأن ابن أبي أوفى لم يشهدها (فقال لرجل): هو بلال كما في رواية أبي داود وابن بشكوال، ولمسلم فلما غابت الشمس وللبخاري فلما غربت الشمس قال: (أنزل فاجدح لي)، بهمزة وصل بعد الفاء وسكون الجيم وفتح الدال وبعدها حاء مهملتين أمر من الجدح وهو الخلط أي اخلط السويق بالماء أو اللبن بالماء وحركه لأفطر عليه وقول الداودي أن معناه أحلب ردّه عياض (قال): بلال (يا رسول الله الشمس)، باقية أي نورها أو الشمس رفع خبر مبتدأ محذوف أي هذه الشمس، ولغير أبي ذر: الشمس بالنصب أي انظر الشمس ظن أن بقاء النور وإن غاب القرص مانع من الإفطار (قال) ﵊.
(أنزل فاجدح لي)، لأفطر قال بلال (يا رسول الله الشمس) بالرفع والنصب (قال): ﵊ (انزل فاجدح لي) (فنزل فجدح له) ﵊ (فشرب)، وكرر انزل فاجدح لي ثلاث مرات وتكرير المراجعة من بلال للرسول ﷺ لغلبة اعتقاده أن ذلك نهار يحرم فيه الأكل مع تجويزه أن النبي ﷺ لم ينظر إلى ذلك الضوء نظرًا تامًّا، فقصد زيادة الإعلام فأجابه ﵊ بأن ذلك لا يضر وأعرض عن الضوء واعتبر غيبوبة الجرم ثم بين ما يعتبره من لم يتمكن من رؤية جرم الشمس كما حكاه الراوي عنه بقوله:
(ثم رمى) أي أشار ﵊ (بيده هاهنا) أي إلى الشرق وإنما أشار إليه لأن أول الظلمة لا تقبل منه إلا وقد سقط القرص (ثم قال): ﵊: (إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا) أي من جهة المشرق (فقد أفطر الصائم) أي دخل وقت إفطاره.
واستنبط من هذا الحديث أن صوم رمضان في السفر أفضل من الإفطار لأنه ﷺ كان صائمًا في شهر رمضان في السفر ولقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٤] ولبراءة الذمة وفضيلة الوقت، وفارق ذلك أفضلية القصر في السفر بأن في القصر براءة الذمة
ومحافظة على فضيلة الوقت بخلاف الفطر وبأن فيه خروجًا من الخلاف وليس هنا خلاف يعتدّ به في إيجاب الفطر فكان الصوم أفضل. نعم إن خاف من الصوم ضررًا في الحال أو الاستقبال فالفطر أفضل، وعليه يحمل الحديث الآتي إن شاء الله تعالى بعد باب بلفظ: كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحامًا ورجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم. فقال: ليس من البر الصوم في السفر.
وقال المالكية يجوز الفطر في سفر القصر إذا شرع في السفر قبل الفجر ولم ينو الصيام في السفر وقد خرج بقولهم شرع فيه قبل الفجر ما إذا سافر بعده فإن فطره ذلك اليوم لا يجوز عندهم إذا نوى الصوم قبل خروجه وبقولهم: ولم ينو الصيام في السفر ما إذا نوى الصوم في السفر فإن فطره لا يجوز فإن خالف في الوجهين فأفطر لزمه القضاء، ولو كان صومه تطوّعًا ولا كفارة عليه في المسالة الأولى بخلاف الثانية.
وقال الحنابلة: يستحب له الفطر. قال المرداوي: وهذا هو المذهب وعليه الأصحاب ونص عليه وهو من
стр. 1381
المفردات سواء وجد مشقة أم لا. وفي وجه إن الصوم أفضل.
وهذا الحديث من الرباعيات وأخرجه أيضًا في الصوم والطلاق ومسلم في الصوم وكذا أبو داود والنسائي.
(تابعه) أي تابع سفيان بن عيينة في أصل الحديث (جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد مما وصله في الطلاق (و) تابعه أيضًا (أبو بكر بن عياش) بالشين المعجمة ابن سالم الأسدي الكوفي المقري مما وصله في تعجيل الإفطار كلاهما (عن الشيباني) أي أبي إسحاق المذكور (عن ابن أبي أوفى قال: كنت مع النبي ﷺ مع في سفر).
١٩٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ".
[الحديث ١٩٤٢ - طرفه في: ١٩٤٣].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام قال: حدثني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة) أم المؤمنين ﵂ (أن حمزة بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم (الأسلمي قال: يا رسول الله إني أسرد الصوم) أي أتابعه ففيه أن صوم الدهر لا يكره لمن لا يتضرر به، وإنما أنكر على عبد الله بن عمرو بن العاص صوم الدهر لعلمه أنه سيضعف عن ذلك بخلاف حمزة هذا فإنه وجد فيه القوة.
ومطابقته للترجمة من حيث إن سرد الصوم يتناول الصوم في السفر أيضًا كما هو الأصل في الحضر، وقد أخرج الحديث من طريقين هذه والتالية لها.
١٩٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ -وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ- فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن حمزة بن عمرو الأسلمي) ﵁ (قال للنبي: ﷺ أأصوم في السفر)؟ بهمزتين الأولى همزة الاستفهام والأخرى همزة المتكلم (وكان) حمزة (-كثير الصيام- فقال): ﵊ له:
(إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر) بهمزة قطع وعند مسلم من رواية أبي مراوح أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه، وهذا مشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة لأن الرخصة إنما تطلق في مقابلة الواجب.
وأصرح من ذلك ما رواه أبو داود والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنه قال يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأجدني أن أصوم أهون عليّ من أن أؤخره فيكون دينًا عليّ؟ فقال أي ذلك شئت يا حمزة.
٣٤ - باب إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا صام) شخص (أيامًا من رمضان ثم سافر) هل يباح له الفطر.
١٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ.
[الحديث ١٩٤٤ - أطرافه في: ١٩٤٨، ٢٩٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٧، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (عن ابن عباس ﵄) (أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في) غزوة الفتح يوم الأربعاء بعد العصر لعشر مضين من (رمضان فصام، حتى بلغ الكديد) بفتح الكاف وكسر الدال الأولى وهو موضع بينه وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها وبينه وبين مكة نحو مرحلتين (أفطر فأفطر الناس" معه وكان بعد العصر كما في مسلم من طريق الدراوردي عن جعفر بن محمد بن عليّ عن
أبيه عن جابر في هذا الحديث ولفظه فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينتظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر ففيه أن المسافر له أن يصوم بعض رمضان ويفطر بعضه ولا يلزمه بصوم بعضه تمامه، وأنه إذا نوى السفر ليلاً فإنه يباح له الفطر لدوام العذر ولا يكره كما في المجموع، وكذا يباح له الفطر إذا كان مقيمًا ونوى ليلاً لم حدث له السفر قبل الفجر فلو حدث بعده فلا تغليبًا للحضر.
وقال الحنابلة: إن نوى الحاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر قال: في الإنصاف وهذا هو المذهب مطلقًا وعليه الأصحاب سواء كان طوعًا أو كرهًا وهو من مفردات المذهب، ولكن لا يفطر قبل خروجه وعنه لا يجوز له الفطر مطلقًا، ولو نوى الصوم في سفره فله الفطر
стр. 1382
وهذا هو المذهب مطلقًا وعليه الأصحاب وعنه لا يجوز له الفطر بالجماع لأنه لا يقوي على السفر، فعلى الأول قال أكثر الأصحاب لأن من له الأكل له الجماع، وذكر جماعة من الأصحاب أنه يفطر بنية الفطر فيقع الجماع بعد الفطر فعلى هذا لا كفارة بالجماع اهـ.
وهذا الحديث فيه التحديث والإخبار والعنعنة. وقال القابسي أنه من مرسلات الصحابة لأن ابن عباس كان في هذه السفرة مقيمًا مع أبويه بمكة فلم يشاهد هذه القصة فكأنه سمعها من غيره من الصحابة، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الجهاد والمغازي ومسلم في الصوم وكذا النسائي.
(قال أبو عبد الله): المؤلّف: (والكديد) بفتح الكاف (ما بين عسفان) بضم العين وسكون السين المهملتين وفتح الفاء قرية جامعة بينها وبين مكة ثمانية وأربعون ميلاً (و) بين (قديد) بضم القاف وفتح الدال الأولى مصغرًا وسقط في رواية غير المستملي قوله قال أبو عبد الله، ووقع في اليونينية نسبة سقوطه لابن عساكر فقط، وسيأتي إن شاء الله تعالى في المغازي من وجه آخر موصولاً هذا التفسير في نفس الحديث.
٣٥ - باب
هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة للأكثر وسقط من رواية النسفيّ ومن اليونينية.
١٩٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ، إِلاَّ مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنِ رَوَاحَةَ".
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف)، التنيسي قال: (حدّثنا يحيى بن حمزة) الدمشقي المتوفى سنة ثلاث وثمانين ومائة (عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) الشامي (أن إسماعيل بن
عبيد الله) بضم العين مصغرًا (حدثه عن أم الدرداء) الصغرى واسمها هجيمة التابعية وليست الكبرى المسماة خيرة الصحابية وكلتاهما زوجتا أبي الدرداء (عن أبي الدرداء) عويمر بن مالك الأنصاري الخزرجي (﵁) أنه (قال: خرجنا مع النبي) ولابن عساكر: مع رسول الله (¬ ﷺ في بعض أسفاره) زاد مسلم من طريق سعيد بن عبد العزيز: في شهر رمضان وليس ذلك في غزوة الفتح لأن عبد الله بن رواحة المذكور في هذا الحديث أنه كان صائمًا استشهد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف ولا في غزوة بدر لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلم (في يوم حار) ولمسلم في حر شديد (حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم، إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة) عبد الله وهذا مما يؤيد أن هذه السفرة لم تكن في غزوة الفتح لأن الذين استمروا على الصيام من الصحابة كانوا جماعة، وفي هذا أنه ابن رواحة وحده.
ومطابقة هذا الحديث للترجمة من جهة أن الصوم والإفطار لو لم يكونا مباحين في السفر لما صام النبي ﷺ وابن رواحة وأفطر الصحابة.
ورواته كلهم شاميون إلا شيخ المؤلّف وقد دخل الشام، وأخرجه مسلم وأبو داود في الصوم.
٣٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»
(باب قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه) بشيء له ظل (واشتد الحر) جملة فعلية حالية (ليس من البر
الصوم في السفر).
١٩٤٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلاً قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: " لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ".
وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة (الأنصاري قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحسن بن علي) بفتح العين وسكون الميم من عمرو وفتح الحاء من الحسن وجده أبو طالب (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵃ قال: كان رسول الله ﷺ في سفر) في غزوة الفتح كما في الترمذي (فرأى زحامًا) بكسر الزاي اسم للزحمة والمراد هنا الوصف لمحذوف أي فرأى قومًا مزدحمين (ورجلاً) قيل: وأبو إسرائيل العامري واسمه قيس، وعزاه مغلطاي لمبهمات الخطيب ونوزع في نسبة ذلك للخطيب (فقد ظلل عليه) أي جعل عليه شيء يظلله من الشمس لما حصل له من شدة العطش
وحرارة الصوم وقوله: ظلل بضم الظاء مبنيًّا للمفعول والجملة حالية (فقال): ﵊:
(ما هذا) وللنسائي: ما بال صاحبكم هذا؟ (فقالوا) أي من حضر من الصحابة، ولابن عساكر قالوا بإسقاط الفاء (صائم فقال): ﵊ (ليس من البر) بكسر الباء أي ليس من الطاعة والعبادة (الصوم في السفر) إذا بلغ بالصائم هذا المبلغ من المشقّة ولا تمسك بهذا الحديث لبعض الظاهرية القائلين بأنه لا ينعقد الصوم في السفر لأنه عام
стр. 1383
خرج على سبب.
فإن قيل: بقصره عليه لم تقم به حجة وإن لم يقل بقصره عليه حمل على من حاله مثل حال الرجل وبلغ به ذلك المبلغ، وحديث صومه ﷺ حتى بلغ الكديد، وحديث فمنا الصائم ومنا المفطر يرد عليهم، وقول الزركشي وتبعه صاحب جمع العدّة لفهم العمدة من في قوله ليس من البر زائدة لتأكيد النفي، وقيل للتبعيض وليس بشيء تعقبه البدر الدماميني فقال: هذا عجيب لأنه أجاز ما المانع منه قائم ومنع ما لا مانع منه، وذلك أن من شروط زيادة من أن يكون مجرورها نكرة وهو في الحديث معرفة، وهذا هو المذهب المعوّل عليه وهو مذهب البصريين خلافًا للأخفش والكوفيين، وأما كونها للتبعيض فلا يظهر لمنعه وجه إذ المعنى أن الصوم في السفر ليس معدودًا من أنواع البر، وأما رواية ليس من امبرامصيام في امسفر بإبدال اللام ميمًا في لغة أهل اليمن فهي في مسند الإمام أحمد لا في البخاري، وحديث الباب رواه مسلم في الصوم وكذا أبو داود والنسائي.
٣٧ - باب لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لم يعب أصحاب النبي ﷺ بعضهم بعضًا في الصوم والأفطار) في السفر.
١٩٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ".
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن حميد الطويل عن أنس بن مالك) ﵁ (قال): (كنا نسافر مع النبي ﷺ ، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) أصل لم يعب يعيب فلما سكن للجزم التقى ساكنان فحذفت الياء، وفيه رد على من أبطل صوم المسافر لأن تركهم لإنكار الصوم والفطر يدل على أن ذلك عندهم من التعارف الذي تجب الحجة به. وفي حديث أبي سعيد عند مسلم: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم يرون أن من وجد قوّة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن، وهذا التفصيل هو المعتمد وهو نص رافع للنزاع قاله في الفتح. وحديث الباب أخرجه مسلم أيضًا.
٣٨ - باب مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ
(باب من أفطر في السفر ليراه الناس) فيقتدوا به ويفطروا بفطره.
١٩٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ".
وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) بفتح العين والواو الوضاح اليشكري (عن منصور عن مجاهد) هو ابن جبر الإمام في التفسير (عن طاوس) هو ابن كيسان اليماني (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال) (خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة) في غزوة الفتح (فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه) أي الماء منتهيًا (إلى) أقصى حدّ (يديه) بالتثنية، ولأبي ذر وابن عساكر في نسخة يده بالإفراد، ولابن عساكر كما في الفرع وأصله: إلى فيه، وعزاها في فتح الباري لأبي داود عن مسدد عن أبي عوانة بالإسناد المذكور في البخاري قال: وهذا أوضح فلعلها تصحفت. وعزاها الزركشي والبرماوي لرواية ابن السكن قال: وهو الأظهر إلا أن تؤول لفظة "إلى" في رواية الأكثرين بمعنى "على" ليستقيم الكلام. وتعقبه في المصابيح بأنه لا يعرف أحدًا ذكر أن "إلى" بمعنى "على" قال: والكلام مستقيم بدون هذا التأويل وذلك أن إلى لانتهاء الغاية على بابها، والمعنى فرفع الماء ممن أتى به رفعًا قصد به رؤية الناس له فلا بدّ أن يقع ذلك على وجه يتمكن فيه الناس من رؤيته ولا حاجة مع ذلك إلى إخراج إلى عن بابها. وقال الكرماني كالطيبي: أو فيه تضمين أي انتهى الرفع إلى أقصى غايتها "ليراه الناس" بفتح التحتية والراء والناس فاعله والضمير المنصوب فيه مفعوله واللام للتعليل. قال ابن حجر: كذا للأكثر، وللمستملي: ليريه بضم التحتية الناس نصب على أنه مفعول ثان ليريه لأنه من الإراءة وهي تستدعي مفعولين، ونسب في اليونينية الأولى لابن عساكر، ولأبي ذر عن الكشميهني ورقم على الأخرى علامة ابن عساكر في نسخة.
وقضية هذا الحديث أنه ﷺ خرج إلى مكة للفتح في رمضان فصام الناس فقيل له إن الصوم شق عليهم وهم ينظرون إلى فعلك فدعا بماء فرفعه حتى ينظر الناس فيقتدوا به في الإفطار وكان لا يأمن الضعف عن القتال
стр. 1384
عند لقاء عدوهم. (فأفطر) ﵊ (حتى قدم مكة، وذلك في رمضان، فكان) بالفاء ولأبي ذر وابن عساكر وكان (ابن عباس) ﵄ (يقول: قد صام رسول الله ﷺ ¬) أي في السفر (وأفطر)، (فمن شاء صام ومن شاء أفطر) وابن عباس لم يشاهد هذه القصة لأنه كان بمكة حينئذٍ فهو يرويها عن غيره من الصحابة كما تقدم.
٣٩ - باب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ: نَسَخَتْهَا ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ "نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَنَسَخَتْهَا ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ".
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه حكم قوله تعالى: (﴿وعلى الذين يطيقونه) أي على الأصحاء المقيمين المطيقين للصوم إن أفطروا (﴿فدية﴾) طعام مسكين عن كل يوم وهذا كان في ابتداء الإسلام إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم وهذه الآية كما (قال ابن عمر) فيما وصله في آخر الباب (وسلمة بن الأكوع) ﵃ فيما وصله المؤلّف في التفسير (نسختها) الآية التي أولها (﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾) جملة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا ثم نزل منجمًا إلى الأرض، وشهر رمضان مبتدأ وما بعده خبره أو صفته والخبر فمن شهد (﴿هدى للناس﴾) أي هادئًا (﴿وبينات﴾) آيات واضحات (﴿من الهدى﴾) مما يهدي إلى الحق (﴿والفرقان﴾) يفرق بين الحق والباطل (﴿فمن شهد﴾) حضر ولم يكن مسافرًا (﴿منكم الشهر﴾) أي فيه (﴿فليصمه﴾)، أي فيه (﴿ومن كان مريضًا﴾) مرضًا يشق عليه فيه الصيام أو على سفر (﴿فعدة من أيام أخر﴾)، قوله: (﴿فمن شهد منكم الشهر﴾) إلى آخره ناسخ للآية الأولى المتضمنة للتخيير وحينئذ فلا تكرار (﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾) فلذلك أباح الفطر للسفر والمرض (﴿ولتكملوا العدة﴾) عطف على اليسر أو على محذوف تقديره (﴿يريد الله بكم اليسر﴾) ليسهل عليكم والمعنى ولتكملوا عدة أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في المرض والسفر (﴿ولتكبروا الله﴾) لتعظموه (﴿على ما هداكم﴾)، أرشدكم إليه من وجوب الصوم ورخصة الفطر بالعذر أو المراد تكبيرات ليلة الفطر (﴿ولعلكم تشكرون﴾) [البقرة: ١٨٥] الله على نعمه أو على رخصة الفطر، ولفظ رواية ابن عساكر ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ إلى قوله: ﴿لعلكم تشكرون﴾ وزاد أبو ذر: على ما هداكم.
(وقال ابن نمير) بضم النون وفتح الميم وفتح عبد الله مما وصله البيهقي وأبو نعيم في مستخرجه (حدّثنا) ولابن عساكر: أخبرنا (الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا عمرو بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء وعمرو بفتح العين وسكون الميم قال: (حدّثنا ابن أبي ليلى) عبد الرحمن قال: (حدّثنا أصحاب محمد ﷺ ¬) ورضي عنهم وقد أرى كثيرًا منهم كعمر وعثمان وعليّ، ولا يقال لمثل
هذا رواية عن مجهول لأن الصحابة كلهم عدول (نزل رمضان) أي صومه (فشق عليهم)، صومه (فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك) بضم الراء مبنيّا للمفعول (فنسختها) أي آية الفدية قوله تعالى: (﴿وأن تصوموا خيرٌ لكم﴾) [البقرة: ١٨٤].
(فأمروا بالصوم).
واستشكل وجه نسخ هذه الآية السابقة لأن الخيرية لا تقتضي الوجوب وأجاب الكرماني بأن معناه أن الصوم خير من التطوّع بالفدية والتطوّع بها سنة بدليل أنه خير والخير من السنة لا يكون إلا واجبًا.
١٩٤٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "قَرَأَ ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾. قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ".
[الحديث ١٩٤٩ - طرفه في: ٤٥٠٦].
وبه قال (حدّثنا عياش) بالمثناة التحتية والمثلثة آخره ابن الوليد الرقام البصري قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى البصري السامي بالمهملة قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا العمري المدني (عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (قرأ) قوله تعالى: (﴿فدية طعام مسكين﴾) بتنوين فدية ورفع طعام وجمع مساكين وفتح نونه من غير تنوين لمقابلة الجمع بالجمع وهذه قراءة هشام عن ابن عامر، ولابن عساكر: مسكين بالتوحيد وكسر النون مع تنوين فدية ورفع طعام وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. ففدية: مبتدأ خبره الجار قبله وطُعام بدل من فدية وتوحيد مسكين لمراعاة أفراد العموم أي وعلى كل واحد ممن يطيق الصوم لكل يوم يفطره إطعام مسكين، وتبين من إفراد المسكين أن الحكم لكل يوم يفطر فيه إطعام مسكين ولا يفهم ذلك من الجمع.
(وقال)
стр. 1385
أي ابن عمر (هي) أي آية الفدية (منسوخة) وهذا مذهب الجمهور خلافًا لابن عباس حيث قال: إنها ليست بمنسوخة وهي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما مكان كل يوم مسكينًا. وهذا الحكم باق وهو حجة للشافعي ومن وافقه في أن من عجز عن الصوم لهرم أو زمانة أو اشتدت عليه مشقته سقط عنه الصوم لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] ولزمته الفدية خلافًا لمالك ومن وافقه. ومذهب الشافعية أن الحامل والمرضع ولو لولد غيرها بأجرة أو دونها إذا أفطرتا يجب على كل واحدة منهما مع القضاء الفدية من مالهما لكل يوم مد إن خافتا على الطفل وإن كانتا مسافرتين أو مريضتين لما روى البيهقي وأبو داود بإسناد حسن عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقوله فدية﴾ [البقرة: ١٨٤] أنه نسخ حكمه إلا في حقهما حينئذٍ ويستثنى المتحيرة فلا فدية عليها على الأصح في الروضة للشك، وهو ظاهر فيما إذا أفطرت ستة عشر يومًا فأقل، فإن زادت عليها فينبغي وجوب الفدية عن الزائد لعلمنا بأنه
يلزمها صومه ولا تتعدد الفدية بتعدد الولد لأنها بدل عن الصوم بخلاف العقيقة تتعدد بتعددهم لأنها فداء عن كل واحد وإن خافتا على أنفسهما ولو مع ولديهما فلا فدية. ويجب الفطر لإنقاذ محترم أشرف على الهلاك بغرق أو نحوه بقاء لمهجته مع القضاء والفدية كالمرضع لأنه فطر ارتفق به شخصان كالجماع لأنه تعلق به مقصود الرجل والمرأة فلذا تعلق به القضاء والكفارة.
٤٠ - باب مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ؟
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ: لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَعَامًا. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلاً، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ الإِطْعَامَ، إِنَّمَا قَالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
هذا (باب) بالتنوين (متى يقضى) أي متى يؤدى (قضاء رمضان)؟ والقضاء يجيء بمعنى الأداء قال تعالى: (فإذا قضيت الصلاة) أي فإذا أديت الصلاة، (وقال ابن عباس): ﵄ فيما وصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري (لا بأس أن يفرّق)، قضاء رمضان (لقول الله تعالى ﴿فعدّة من أيام أخر﴾ لصدقها على المتتابعة والمتفرقة.
(وقال سعيد بن المسيب) ﵀ فيما وصله ابن أبي شيبة (في صوم العشر): الأوّل من ذي الحجة لما سئل عن صومه والحال أن على الذي سأله قضاء من رمضان (لا يصلح حتى يبدأ برمضان). أي بقضاء صومه، وهذا لا يدل على المنع بل على الأولوية والقياس التتابع إلحاقًا لصفة القضاء بصفة الأداء وتعجيلاً لبراءة الذمة ولم يجب لإطلاق الآية كما مرّ. وروى الدارقطني بإسناد ضعيف أنه ﷺ سئل عن قضاء رمضان فقال "إن شاء فرقه وإن شاء تابعه" قال في المهمات: وقد يجب بطريق العرض وذلك في صورتين ضيق الوقت وتعمد الترك وردّ بمنع تسمية هذا موالاة إذ لو وجبت لزم كونها شرطًا في الصحة كصوم الكفارة وإنما يسمى هذا واجبًا مضيقًا. ولصاحب المهمات أن يمنع الملازمة ويسند المنع بأن الموالاة قد تجب ولا تكون شرطًا كما في صوم رمضان ولا يمنع من تسمية ذلك موالاة تسميته واجبًا مضيقًا.
(وقال إبراهيم) النخعي مما وصله سعيد بن منصور: (إذا فرّط) من عليه قضاء رمضان (حتى جاء) من المجيء، ولأبي ذر عن الكشميهني: حتى جاز بزاي بدل الهمزة من الجواز، وفي نسخة: حان بمهملة ونون من الحين (رمضان آخر) بتنوين رمضان لأنه نكرة (يصومهما)، وفي بعض الأصول حتى جاء رمضان بغير تنوين أمر بصومهما من الأمر والموحدة بدل التحتية. قال البخاري: (ولم ير) أي إبراهيم (عليه طعامًا). وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
(ويذكر) بضم أوله مبنيًا للمفعول (عن أبي هريرة) ﵁ حال كونه (مرسلاً)، فيما وصله عبد الرزاق وأخرجه الدارقطني مرفوعًا من طريق مجاهد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ولم يسمع مجاهد من أبي هريرة كما ذكره البرديجي فلذا سماه البخاري مرسلاً (و) يذكر أيضًا (عن ابن عباس) ﵄ مما وصله سعيد بن منصور والدارقطني (أنه يطعم) عن كل يوم مسكينًا مدا أو يصوم ما أدركه وما فاته قيل عطف ابن عباس على أبي هريرة يقتضي أن يكون المذكور عن ابن عباس أيضًا مرسلاً.
وأجيب: بأنه اختلف في أن القيد في المعطوف عليه هل هو قيد في المعطوف أم لا؟ فقيل: ليس بقيد والأصح اشتراكهما
стр. 1386
وكذلك، اختلف الأصوليون في عطف المطلق على المقيد هل هو مقيد للمطلق أم لا؟
قال المؤلّف (ولم يذكر الله الإطعام إنما قال تعالى) (﴿فعدة من أيام أخر﴾) وسكت عن الإطعام وهو الفدية لتأخير القضاء لكن لا يلزم عن عدم ذكره في القرآن أن لا يثبت بالسنة ولم يثبت فيه شيء مرفوع. نعم ورد عن جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وابن عباس كما مرّ وعمر بن الخطاب فيما ذكره عبد الرزاق وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية كما مرّ. قال الماوردي: وقد أفتى بالإطعام ستة من الصحابة ولا مخالف لهم فإن لم يمكنه القضاء لعذر بأن استمر مسافرًا أو مريضًا حتى دخل رمضان آخر فلا شيء عليه بالتأخير لأن تأخير الأداء بهذا العذر جائز فتأخير القضاء أولى بالجواز، ثم إن المد يتكرر بتكرر السنين إذ الحقوق المالية لا تتداخل.
١٩٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: "كَانَ يَكُونُ عَلَىَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلاَّ فِي شَعْبَانَ" قَالَ يَحْيَى الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ ".
وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله اليربوعي التميمي قال: (حدّثنا زهير) هو ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي قال (حدّثنا يحيى) قال الحافظ ابن حجر: هو ابن سعيد الأنصاري لا ابن أبي كثير كما وهم الكرماني تبعًا لابن التين (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (قال: سمعت عائشة ﵂ نقول: كان يكون عليّ الصوم من رمضان) وسقط لفظ من رمضان لابن عساكر وتكرير الكون لتحقيق القضية وتعظيمها والتقدير كان الشأن يكون كذا والتعبير بلفظ الماضي في الأول والمضارع في الثاني لإرادة الاستمرار وتكرار الفعل (فما أستطيع أن أقضي) ما فاتني من رمضان (إلا في شعبان. قال يحيى) بن سعيد المذكور بالسند السابق: (الشغل) بالرفع فاعل فعل محذوف أي قالت عائشة يمنعني الشغل أي أوجب ذلك الشغل، أو أن يحيى قال الشغل هو المانع لها فهو مبتدأ محذوف الخبر (من النبي) أي من أجله. وفي بعض الأصول قال يحيى: ذاك
عن الشغل من النبي (أو بالنبي ﷺ ¬) لأنها كانت مهيئة نفسها له ﷺ مترصدة لاستمتاعه في جميع
أوقاتها إن أراد ذلك، وأما في شعبان فإنه ﷺ كان يصومه فتتفرغ عائشة ﵂ فيه لقضاء صومها. وقوله قال يحيى إلخ. فيه بيان أنه ليس من قول عائشة بل مدرج من قول غيرها، لكن وقع في مسلم مدرجًا لم يقل فيه قال يحيى فصار كأنه من قولها ولفظه: فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله ﷺ فهو نص في كونه من قولها. قال في اللامع: وفيه نظر لأنه ليس فيه تصريح بأنه من قولها فالاحتمال باق، وقد كان ﵊ له تسع نسوة يقسم لهن ويعدل فما تأتي نوبة الواحدة إلا بعد ثمانية أيام فكان يمكنها أن تقضي في تلك الأيام.
وأجيب: بأن القسم لم يكن واجبًا عليه فهن يتوقعن حاجته في كل الأوقات قاله القرطبي وتبعه العلاء بن العطار، والصحيح عند الشافعية وجوبه عليه فيحتمل أن يقال كانت لا تصوم إلا بإذنه ولم يكن يأذن لاحتمال احتياجه إليها فإذا ضاق الوقت أذن لها.
وفي هذا الحديث أن القضاء موسع ويصير في شعبان مضيقًا وإن حق الزوج من العشرة والخدمة مقدم على سائر الحقوق ما لم يكن فرضًا مضيقًا، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة في الصوم.
٤١ - باب الْحَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ، فَمَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنِ اتِّبَاعِهَا، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ.
(باب الحائض تترك الصوم والصلاة) لمنع الشارع لها من مباشرتهما. (وقال أبو الزناد): عبد الله بن ذكوان (أن السنن) جمع سنة (ووجوه الحق) الأمور الشرعية (لتأتي) بفتح اللام للتأكيد (كثيرًا على خلاف الرأي)، العقل والقياس (فما يجد المسلمون بُدًّا) أي افتراقًا وامتناعًا (من اتباعها) ويوكل الأمر فيها إلى الشارع ويتعبد بها من غير اعتراض كان يقال لم كان كذا: (من) جملة (ذلك) الذي أتى على خلاف الرأي (أن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة) ومقتضى الرأي أن يكونا متساويين في الحكم لأن كلاًّ منهما عبادة تركت لعذر، لكن الأمور الشرعية الآتية على خلاف القياس لا يطلب فيها وجه الحكمة بل يوكل أمرها إلى الله تعالى لأن أفعال الله تعالى
стр. 1387
لا تخلو عن حكمة ولكن غالبها يخفى على الناس ولا تدركها العقول، لكن فرق الفقهاء بعدم تكرر الصوم فلا حرج في قضائه بخلاف الصلاة، وقيل غير ذلك. وقال إمام الحرمين: كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف.
١٩٥١ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدٌ عَنْ عِيَاضٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا».
وبالسند قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: أخبرنا (محمد بن جعفر) الأنصاري (قال: حدثني) بالإفراد، ولأبي الوقت: أخبرني بالإفراد (زيد) هو ابن أسلم المدني (عن عياض) هو عبد الله بن أبي سرح (عن أبي سعيد) الخدري (﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) وفي نسخة: لا تصلي ولا تصوم (فلذلك نقصان دينها) ولأبي ذر وابن عساكر: من نقصان دينها وكاف ذلك مفتوحة وهذا مختصر من الحديث السابق في ترك الحائض الصوم.
٤٢ - باب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلاً يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ.
(باب من مات وعليه صوم. وقال الحسن) البصري مما وصله الدارقطني في كتاب المدبج فيمن مات وعليه صوم ثلاثين يومًا (إن صام عنه ثلاثون رجلاً يومًا واحدًا جاز) ولأبي ذر عن الكشميهني: في يوم واحد. قال النووي في شرح المهذّب: وهذه المسألة لم أر فيها نقلاً في المذهب وقياس المذهب الإجزاء اهـ.
وقيد ابن حجر المسألة بصوم لم يجب فيه التتابع لفقد التتابع في الصورة المذكورة.
١٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
تَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرٍو. وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ.
وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن خالد) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الذهلي كما جزم به الكلاباذي وصنيع المزي يوافقه وهو الراجح وعلى هذا فقد نسبه المؤلّف إلى جد أبيه قاله في الفتح قال: (حدّثنا محمد بن موسى بن أعين) بفتح الهمزة والتحتية بينهما مهملة ساكنة وآخره نون الجزري قال: (حدّثنا أبي) موسى بن أعين (عن عمرو بن الحرث) بفتح العين الأنصاري المؤدب. (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن أبي جعفر) يسار الأموي (أن محمد بن جعفر) هو ابن الزبير بن العوّام (حدثه عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال):
(من مات) من المكلفين (وعليه صيام) الواو للحال (صام عنه وليه) ولو بغير إذنه أو أجنبي بالإذن من الميت أو من القريب بأجرة أو دونها وهذا مذهب الشافعي القديم، وصوبه النووي بل قال: يسن له ذلك ويسقط وجوب الفدية، والجديد وهو مذهب مالك وأبي حنيفة عدم الجواز لأنه
عبادة بدنية ولا يسقط وجوب الفدية. قال النووي: وليس للجديد حجة والحديث الوارد الإطعام ضعيف ومع ضعفه فالإطعام لا يمتنع عند القائل بالصوم وهل المعتبر على القديم الولاية كما في الحديث أم مطلق القرابة أم يشترط الإرث أم العصوبة فيه احتمالات للإمام قال الرافعي: والأشبه اعتبار الإرث، وقال النووي: المختار اعتبار مطلق القرابة وصححه في المجموع. قال: وقوله ﷺ في خبر مسلم لامرأة قالت له إن أمي ماتت وعليها صوم نذر فأصوم عنها صومي عن أمك يبطل احتمال ولاية المال والعصوبة اهـ.
وأجاب المالكية عن حديث الباب بدعوى عمل أهل المدينة واحتج الحنفية على القول بعدم الاحتجاج بهذين الحديثين بأن عائشة سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم قالت يطعم عنها. وعنها أنها قالت: لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم أخرجه البيهقي، وعن ابن عباس قال في رجل مات وعليه رمضان قال: يطعم عنه ثلاثين مسكينًا أخرجه عبد الرزاق. وعن ابن عباس: لا يصوم أحد عن أحد أخرجه النسائي فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه دل ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه لأن فتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ ونسخ الحكم يدل على إخراج المناط عن الاعتبار. وقال الحنابلة ولا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر من غير عذر، فإن فعل فعليه القضاء وإطعام مسكين لكل يوم ولا يصام عنه على المذهب وهو الصحيح وعليه الأصحاب وإن مات وعليه صوم منذور ولم يصم منه شيئًا سن لوليه فعله ويجوز لغيره فعله بإذنه وبغيره ويجوز صوم جماعة عنه في يوم واحد.
وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الصوم.
(تابعه) أي تابع والد محمد بن موسى (ابن وهب)
стр. 1388
عبد الله فيما وصله مسلم وغيره (عن عمرو). هو ابن الحرث المذكور في السند السابق (ورواه) أي الحديث المذكور (يحيى بن أيوب) الغافقي فيما أخرجه البيهقي وأبو عوانة والدارقطني والبزار (عن ابن أبي جعفر) عبيد الله المذكور بسنده السابق وزاد البزار في آخر المتن إن شاء الله.
١٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى". قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَالَ الْحَكَمُ وَسَلَمَةُ وَنَحْنُ جَمِيعًا جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَا: سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي خَالِدٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنِ الْحَكَمِ وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ". وَقَالَ يَحْيَى وَأَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ". وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ
عَنِ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ". وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحيم) الحافظ المعروف بصاعقة قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) بسكون الميم الأزدي ويعرف بابن الكرماني من قدماء شيوخ البخاري حدث عنه بغير واسطة في كتاب الجمعة وحدث عنه هنا وفي الجهاد والصلاة بواسطة قال: (حدّثنا زائدة) بن قدامة الثقفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن مسلم البطين) بفتح الموحدة وكسر المهملة وسكون التحتية ثم نون (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال): ولابن عساكر: أنه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ ¬) لم يسم الرجل (فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر فأقضيه)؟ ولابن عساكر: أفأقضيه (عنها؟ قال): ﵊:
(نعم) اقضه (قال: فدين الله) ولأبي ذر وابن عساكر قال: نعم فدين الله (أحق أن يقضى) أي حق العبد يقضى فحق الله أحق.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم، وأبو داود في الإيمان والنذور، والترمذي في الصوم وكذا النسائي وابن ماجة.
(قال سليمان) بن مهران الأعمش بالإسناد السابق (فقال) ولأبي الوقت: قال بغير فاء (الحكم) بفتحتين ابن عتيبة مصغرًا (وسلمة) بن كهيل مصغرًا الحضرمي الكوفي (ونحن) أي الثلاثة (جميعًا جلوس) جملة اسمية وقعت حالاً (حيث حدث مسلم) البطين (بهذا الحديث قالا): أي الحكم وسلمة (سمعنا مجاهدًا) هو ابن جبر (يذكر هذا) الحديث (عن ابن عباس) ﵄، وحاصل هذا أن الأعمش سمع هذا الحديث من ثلاثة أنفس في مجلس واحد من مسلم البطين أولاً عن سُعيد بن جبير، ثم من الحكم، وسلمة عن مجاهد.
(ويذكر) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (عن أبي خالد) الأحمر ضد الأبيض واسمه سليمان بن حيان بالمثناة التحتية المشددة وآخره نون أنه قال: (حدّثنا الأعمش عن الحكم و) عن (مسلم البطين و) عن (سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير وعطاء) هو ابن أبي رباح (ومجاهد) الثلاثة أعني سعيد بن جبير وعطاء ومجاهدًا (عن ابن عباس) وفيه: أن الأعمش روى عن الشيوخ الثلاثة وكل من الثلاثة عن الثلاثة ويحتمل كما قال في الفتح أن يكون من باب اللف والنشر غير المرتب، فيكون شيخ الحكم عطاء، وشيخ البطين ابن جبير، وشيخ سلمة مجاهدًا. ويؤيده أن النسائي أخرجه من طريق عبد الرحمن بن مغراء عن الأعمش مفصلاً هكذا (قالت امرأة للنبي ﷺ إن أختي ماتت) ووصله الترمذي أيضًا من طريق أبي خالد بلفظ: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين.
(وقال يحيى) بن سعيد (وأبو معاوية) محمد بن خازم بالمعجمتين مما رواه النسائي وغيره (حدّثنا الأعمش عن مسلم) البطين (عن سعيد) ولابن عساكر زيادة ابن جبير فوافقا زائدة على أن شيخ مسلم البطين فيه سعيد بن جبير (عن ابن عباس) ﵄ أنه قال (قالت امرأة للنبي ﷺ إن أمي ماتت).
(وقال عبيد الله) بضم أوله مصغرًا ابن عمر وبسكون الميم الرقي مما وصله مسلم (عن زيد بن أبي أنيسة) بضم الهمزة وفتح النون وسكون التحتية (عن الحكم) بن عتيبة المذكور (عن سعيد بن جبير) وسقط في رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر ابن جبير (عن ابن عباس) ﵄ أنه قال: (قالت امرأة للنبي ﷺ إن أمي ماتت وعليها صوم نذر) بالإضافة، وقد بين أبو بشر في روايته عند أحمد سبب النذر ولفظه: أن امرأة ركبت البحر فنذرت أن تصوم شهرًا فماتت قبل أن تصوم وهذا ظاهر في أنه غير رمضان.
(وقال أبو حريز): بفتح الحاء المهملة وكسر الراء آخره زاي عبد الله بن الحسين قاضي سجستان مما وصله ابن خزيمة وغيره (حدّثنا) بالجمع ولأبي الوقت: حدثني بالإفراد
стр. 1389
(عكرمة عن ابن عباس) ﵄ أنه قال: (قالت امرأة للنبي ﷺ ماتت أمي وعليها صوم خمسة عشر يومًا) وهذا الاختلاف من قوله امرأة ورجل وشهر وشهران وخمسة عشر يومًا يحمل على اختلاف وقائع وفيه جواز الصوم عن الميت.
٤٣ - باب مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ؟ وَأَفْطَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ
هذا (باب) بالتنوين (متى يحل فطر الصائم؟.
وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس) من غير مزيد على ذلك وهذا وصله سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة.
١٩٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».
وبالسند قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا هشام بن عروة قال: سمعت أبي) عروة بن الزبير بن العوام (يقول سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه) عمر (﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إذا أقبل الليل من هاهنا)، أي من جهة المشرق (وأدبر النهار من هاهنا)، أي من المغرب
(وغربت الشمس) قيد بالغروب إشارة إلى اشتراط تحقق الإقبال والإدبار وأنهما بواسطة الغروب لا بسبب آخر فالأمور الثلاثة وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة بل لوجود شيء يغطي الشمس وكذلك إدبار النهار فلذا قيد بالغروب (فقد أفطر الصائم) أي دخل وقت إفطاره أو صار مفطرًا حكمًا لأن الليل ليس ظرفًا للصوم الشرعي. وفي رواية شعبة: فقد حل الإفطار وهي تؤيد التفسير الأول، ورجحه ابن خزيمة وعلل بأن قوله فقد أفطر الصائم لفظه خبر ومعناه الإنشاء أي فليفطر الصائم ثم قال: ولو كان المراد فقد صار مفطرًا كان فطر جميع الصوام واحد ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنى.
وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي في الصوم.
١٩٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْمِ: يَا فُلَانُ قُمْ فَاجْدَحْ لَنَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ. قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ أَمْسَيْتََ قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا. فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ".
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن شاهين (الواسطي) قال: (حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحاوي الواسطي (عن الشيباني) أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان (عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁) أنه (قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر) في شهر رمضان في غزوة الفتح (وهو صائم فلما غربت الشمس) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: فلما غابت الشمس (قال لبعض القوم):
(يا فلان) هو بلال (قم فاجدح لنا) بهمزة وصل وسكون الجيم وفتح الدال وآخره حاء مهملتين أي حرك السويق بالماء أو باللبن (فقال) بلال: (يا رسول الله لو أمسيت) لكنت متمًا للصوم فجواب لو الشرطية محذوف أو هي للتمني (قال) ﵊ يا بلال (أنزل فاجدح لنا) (قال: يا رسول الله فلو أمسيت) بزيادة الفاء (قال) (انزل فاجدح لنا) (قال: إن عليك نهارًا) لعله رأى كثرة الضوء من شدة الصحو فظن أن الشمس لم تغرب أو غطاها نحو جبل أو كان هناك غيم فلم يتحقق الغروب ولو تحققه ما توقف لأنه يكون حينئذٍ معاندًا وإنما توقفه احتياطًا واستكشافًا عن حكم المسألة (قال) ﵊: (أنزل فاجدح لنا) (فنزل فجدح لهم فشرب النبي) ولأبي ذر وابن عساكر: رسول الله (¬ ﷺ ¬) مما جدحه (ثم قال) ﵊: (إذا رأيتم الليل) أي ظلامه (قد أقبل من هاهنا) من جهة المشرق (فقد أفطر الصائم) ولم يذكر هاهنا ما في الأول من الإدبار والغروب فيحتمل أن ينزل على حالين فحيث ذكر ذلك، ففي حال الغيم مثلاً وحيث لم يذكر
ففي حال الصحو أو كانا في حالة واحدة وحفظ أحد الراويين ما لم يحفظ الآخر. وهذا الحديث سبق في باب الصوم في السفر.
٤٤ - باب يُفْطِرُ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ بِالْمَاءِ أو غَيْرِهِ
هذا (باب) بالتنوين (يفطر) الصائم (بما تيسر عليه بالماء وغيره) وسقط لابن عساكر لفظ عليه وللكشميهني من الماء.
١٩٥٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: "سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا، فَنَزَلَ فَجَدَحَ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ. وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال (حدّثنا عبد الواحد) بن زيادة قال (حدّثنا الشيباني) أبو إسحاق ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: الشيباني سليمان فزاد اسمه (قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم) في رمضان (فلما غربت الشمس قال):
стр. 1390
(انزل فاجدح لنا) وفي رواية شعبة عن الشيباني عن أحمد فدعا صاحب شرابه بشراب، وهو يؤيد كونه بلالاً فإنه هو المعروف بخدمته ﵊ لا سيما وفي رواية أبي داود بلفظ: يا بلال انزل فاجدح لنا (قال يا رسول الله وأمسيت؟ قال): (أنزل فاجدح لنا) (قال يا رسول الله أن عليك نهارًا قال): (انزل فاجدح لنا) (فنزل) ولأبي الوقت قال فنزل (فجدح) زاد في الباب السابق فشرب النبي ﷺ (ثم قال): (إذا رأيتم الليل يقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم) (وأشار) ﵊ (بإصبعه قبل المشرق) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة المشرق.
ومطابقته للترجمة من جهة أن الجدح تحريك السويق بالماء وهو مشتمل على الماء وغيره، وفي الترمذي وغيره وصححوه: إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التمر فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإنه طهور.
وروى الترمذي وحسنه أنه ﷺ كان يفطر قبل أن يصلّي على رطبات فإن لم يكن على تمرات فإن لم يكن حسا حسوات من ماء وقضيته تقديم الرطب على التمر وهو على الماء والقصد بذلك كما قاله المحب الطبري أن يدخل جوفه أولاً ما مسته النار، ويحتمل أن يراد هذا مع قصد الحلاوة تفاؤلاً قال: ومن كان بمكة سنّ له أن يفطر على ماء زمزم لبركته ولو جمع بينه وبين التمر فحسن اهـ.
وردّ هذا بأنه مخالف للأخبار وللمعنى الذي شرع الفطر على التمر لأجله وهو حفظ البصر أو أن التمر إذا نزل إلى المعدة فإن وجدها خالية حصل الغذاء وإلا أخرج ما هناك من بقايا الطعام وهذا لا يوجد في ماء زمزم وعن بعضهم الأولى في زماننا أن يفطر على ماء يأخذه بكفّه من النهر ليكون أبعد عن الشبهة. قال في المجموع: وهذا شاذ والمذهب وهو الصواب فطره على تمر ثم ماء.
٤٥ - باب تَعْجِيلِ الإِفْطَارِ
(باب) استحباب (تعجيل الإفطار) للصائم بتحقيق الغروب.
١٩٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ».
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي حازم) بالحاء الجملة والزاي سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) أي إذا تحققوا الغروب بالرؤية أو بإخبار عدلين أو عدل على الأرجح، وما ظرفية أي مدة فعلهم ذلك امتثالاً للسنة واقفين عند حدودها غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدها، وزاد أبو هريرة في حديثه لأن اليهود والنصارى يؤخرون أخرجه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما وتأخير أهل الكتاب له أمد وهو ظهور النجم، وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضًا: لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم، ويكره له أن يؤخره إن قصد ذلك ورأى أن فيه فضيلة وإلا فلا بأس به نقله في المجموع عن نص الأم وعبارته تعجيل الفطر مستحب ولا يكره تأخيره إلا لمن تعمده ورأى أن الفضل فيه، ومقتضاه أن التأخير لا يكره مطلقًا وهو كذلك إذ لا يلزم من كون الشيء مستحبًا أن يكون نقيضه مكروهًا مطلقًا، وخرج بقيد تحقق الغروب ما إذا ظنه فلا يسن له تعجيل الفطر به وما إذا شكه فيحرم به وأما ما يفعله الفلكيون أو بعضهم من التمكين بعد الغروب بدرجة فمخالف للسنة فلذا قل الخير والله يوفقنا إلى سواء السبيل.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة.
١٩٥٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَصَامَ حَتَّى أَمْسَى، قَالَ لِرَجُلٍ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، قَالَ: لَوِ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسِيَ. قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، إِذَا رَأَيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ".
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله وهو كوفي قال: (حدّثنا أبو
بكر) هو ابن عياش القارئ (عن سليمان) الشيباني (عن ابن أبي أوفى) عبد الله (﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فصام حتى أمسى) دخل في المساء (قال لرجل):
(أنزل فاجدح لي) (قال: لو انتظرت حتى تمسي قال): (انزل فاجدح لي إذا رأيت الليل) أي ظلامه (قد أقبل من هاهنا) أي من جهة المشرق (فقد أفطر الصائم) خبر بمعنى الأمر أو أفطر حكمًا وإن لم يفطر حسا، فيدل على أنه يستحيل الصوم بالليل شرعًا. قال ابن بزيزة: وقع ببغداد أن رجلاً حلف لا يفطر على حار ولا بارد فأفتى الفقهاء بحنثه إذ لا شيء مما يؤكل أو يشرب إلا وهو حار أو بارد، وأفتى الشيرازي
стр. 1391
بعدم حنثه فإنه ﷺ جعله مفطرًا بدخول الليل وليس بحار ولا بارد وهذا تعلق باللفظ والأيمان إنما تبنى على المقاصد ومقصود الحالف المطعومات.
٤٦ - باب إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا أفطر) الصائم (في رمضان)، ظانًا غروب الشمس (ثم طلعت الشمس) أي ظهرت هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟
١٩٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: "أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: بُدٌّ مِنْ قَضَاءٍ؟ وَقَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ هِشَامًا يَقُولُ: لَا أَدْرِي أَقْضَوْا أَمْ لَا".
وبالسند قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثي (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام (عن) زوجته وابنة عمه (فاطمة) بنت المنذر (عن أسماء بنت أبي بكر) ولابن عساكر: زيادة الصديق (﵄) أنها (قالت أفطرنا على عهد النبي) ولأبي الوقت: على عهد رسول الله (¬ ﷺ ¬) أي على زمنه وأيام حياته (يوم غيم) بنصب يوم على الظرفية، ولأبي داود وابن خزيمة: في يوم غيم (ثم طلعت الشمس، قيل لهشام): هو ابن عروة المذكور والقائل له هو أبو أسامة كما عند أبي داود وابن أيى شيبة في مصنفه وأحمد في مسنده (فأمروا) من جهة الشارع (بالقضاء؟ قال: بد من قضاء)؟ هل بدّ من قضاء؟ فحرف الاستفهام مقدر، ولأبي ذر لا بدّ من قضاء، وهذا مذهب الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة وعليه أن يمسك بقية النهار لحرمة الوقت ولا كفارة عليه. وحكى في الرعاية من كتب الحنابلة أنه لا قضاء على من جامع يعتقده ليلاً فبان نهارًا لكن الصحيح من مذهبهم، وجزم به الأكثر أنه يجب القضاء والكفارة.
(وقال معمر) بسكون العين المهملة وفتح الميمين ابن راشد مما وصله عبد بن حميد (سمعت هشامًا) أي ابن عروة يقول: (لا أدري أقضوا) ذلك اليوم (أم لا) وقد روى عن مجاهد وعطاء
وعروة بن الزبير عدم القضاء وجعلوه بمنزلة من أكل ناسيًا وعن عمر يقضي وفي آخر لا رواهما البيهقي وضعفت الثانية النافية، وفي هذا الحديث كما قاله ابن المنير أن المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر فإذا اجتهدوا فأخطأوا فلا حرج عليهم في ذلك وقد أخرجه أبو داود وابن ماجة في الصوم.
٤٧ - باب صَوْمِ الصِّبْيَانِ
وَقَالَ عُمَرَ ﵁ لِنَشْوَانٍ فِي رَمَضَانَ: وَيْلَكَ، وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ. فَضَرَبَهُ.
(باب) حكم (صوم الصبيان) هل يشرع أم لا؟ والمراد الجنس الصادق بالمذكور والإناث، ومذهب الشافعية أنهم يؤمرون به لسبع إذا أطاقوا ويضربون على تركه لعشر قياسًا على الصلاة، ويجب على الوليّ أن يأمرهم به ويضربهم على تركه، لكن نظر بعضهم في القياس بأن الضرب عقوبة فيقتصر فيها على محل ورودها وهو مشهور مذهب المالكية فيفرقون بين الصلاة والصيام فيضربون على الصلاة ولا يكلفون الصيام وهو مذهب المدونة. وعن أحمد في رواية أنه يجب على من بلغ عشر سنين وأطاقه، والصحيح من مذهبه عدم وجوبه عليه وعليه جماهير أصحابه، لكن يؤمر به إذا أطاقه ويضرب عليه ليعتاده قالوا: وحيث قلنا بوجوب الصوم على الصبي فإنه يعصي بالفطر ويلزمه الإمساك والقضاء كالبالغ.
(وقال عمر) بن الخطاب (﵁) فيما وصله سعيد بن منصور والبغوي في الجديات (لنشوان) بفتح النون وسكون الشين المعجمة غير مصروف لأن الاسم يمنع من الصرف للصفة وزيادة الألف والنون بشرط أن لا يكون المؤنث في ذلك بتاء تأنيث نحو: نشوان وعطشان تقول هذا نشوان ورأيت نشوان ومررت بنشوان فتمنعه من الصرف للصفة وزيادة الألف والنون والشرط موجود فيه لأنك لا تقول للمؤنث نشوانة إنما تقول نشوى، لكن حكى الزمخشري في مؤنثه نشوانة وحينئذٍِ فيجوز صرفه، والمعنى قال عمر لرجل سكران (في رمضان: ويلك) بفتح اللام مفعول فعله لازم الحذف أي شربت الخمر (وصبياننا) الصغار (صيام). بالياء، ولغير أبي ذر وابن عساكر: صوّام بضم الصاد وتشديد الواو (فضربه) الحدّ ثمانين سوطًا ثم سيره إلى الشام وهذا من أحسن ما يتعقب به على المالكية لأن أكثر ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها ولا عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر ﵁ مع شدة تحريه ووفور الصحابة في زمانه وقد قال لهذا الرجل كيف وصبياننا صيام.
١٩٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: "أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ. قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ".
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد)
стр. 1392
قال: (حدّثنا بشر بن المفضل) بالضاد المعجمة المشددة المفتوحة من التفضيل قال: (حدّثنا خالد بن ذكوان) أبو الحسن (عن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية آخره عين مهملة (بنت معوذ) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الواو المكسورة آخره ذال معجمة الأنصارية من المبايعات تحت الشجرة ابن عفراء أنها (قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار) زاد مسلم التي حول المدينة (من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه ومن أصبح صائمًا فليصم) أي فليستمر على صومه (قالت): أي الربيع (فكنا) ولأبي الوقت: كنا (نصومه) أي عاشوراء (بعد ونصوّم صبياننا) زاد مسلم الصغار ونذهب بهم إلى المسجد وهذا تمرين للصبيان على الطاعات وتعويدهم العبادات، وفي حديث رزينة بفتح الراء وكسر الزاي عند ابن خزيمة بإسناد لا بأس به أن النبي ﷺ كان يأمر برضعائه في عاشوراء ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهم أن لا يرضعن إلى الليل وهو يردّ على القرطبي حيث قال في حديث الربيع: هذا أمر فعله النساء بأولادهن ولم يثبت علمه ﵊ بذلك وبعيد أن يأمر بتعذيب صغير بعبادة شاقة اهـ.
ومما يقوى الرد عليه أيضًا أن الصحابي إذا قال فعلنا كذا في عهده ﷺ كان حكمه الرفع لأن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك وتقريرهم عليه مع توفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فما فعلوه إلا بتوقيف.
(ونجعل لهم اللعبة) بضم اللام ما يلعب به (من العهن). الصوف المصبوغ كما سيأتي إن شاء الله قريبًا (فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك) الذي جعلناه من العهن ليلتهي به (حتى يكون عند الإفطار) زاد في رواية ابن عساكر والمستملي قال أي المصنف: العهن الصوف وقد أخرج هذا الحديث مسلم أيضًا في الصوم.
٤٨ - باب الْوِصَالِ، وَمَنْ قَالَ لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ، لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ، وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ
(باب) حكم (الوصال) وهو أن يصوم فرضًا أو نفلاً يومين فأكثر ولا يتناول بالليل مطعومًا عمدًا بلا عذر قاله في شرح المهذّب، وقضيته أن الجماع والاستقاءة وغيرهما من المفطرات لا يخرجه عن الوصال. قال الأسنوي في المهمات: وهو ظاهر من جهة المعنى لأن النهي عن الوصال إنما هو لأجل الضعف والجماع ونحوه يزيده أو لا يمنع حصوله، لكن قال الروياني في البحر: هو أن يستديم جميع أوصاف الصائمين. وقال الجرجاني في الشافي: أن يترك ما أبيح له من غير إفطار. قال الأسنوي أيضًا: وتعبيرهم بصوم يومين يقتضي أن المأمور بالإمساك كتارك النية لا يكون امتناعه بالليل من تعاطي المفطرات وصالاً لأنه ليس بين صومين إلا أن الظاهر أن ذلك جرى على الغالب.
(و) باب (من قال ليس في الليل صيام) أي ليس محلاً له (لقوله تعالى) ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنه آخر وقته.
وفي حديث أبي سعيد الخير عند الترمذي في جامعه وابن السكن وغيره في الصحابة والدولابي في الكنى مرفوعًا: أن الله لم يكتب الصيام بالليل فمن صام فقد تعنى ولا أجر له. قال ابن منده: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الترمذي: سألت البخاري عن فقال: ما أرى عبادة سمع من أبي سعيد الخير، وعند الإمام أحمد والطبراني وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في تفسيرهما بإسناد صحيح إلى ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه وقال يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى: ﴿وأتموا الصيام إلى الليل﴾ فإذا كان الليل فأفطروا. (ونهى النبي ﷺ ¬) فيما وصله المؤلّف قريبًا من حديث عائشة (عنه) أي عن الوصال (رحمة لهم) أي الأمة (وإبقاء عليهم) أي حفظًا لهم في بقاء أبدانهم على قوّتهم، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن رجل من الصحابة قال: نهى النبي ﷺ عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه.
(و) باب (ما يكره من التعمق)
стр. 1393
وهو المبالغة في تكلف ما لم يكلف به.
١٩٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُوَاصِلُوا، قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى. أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى».
[الحديث ١٩٦١ - طرفه في: ٧٢٤١].
وبالسند قال (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدثني) بالتوحيد (يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج (قال: حدثني) بالتوحيد أيضًا (قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال) لأصحابه:
(لا تواصلوا) نهي يقتضي الكراهة وهل هي للتنزيه أو للتحريم والأصح عند الشافعية التحريم قال الرافعي: وهو ظاهر نص الشافعي وكرهه مالك. قال الأبيّ: ولو إلى السحر واختار اللخمي جوازه إلى السحر لحديث من واصل فليواصل إلى السحر وقول أشهب من واصل أساء ظاهره التحريم. وقال ابن قدامة في المغني: يكره للتنزيه لا للتحريم ويدل للتحريم قوله في رواية ابن خزيمة من طريق شعبة بهذا الإسناد إياكم والوصال.
(قالوا إنك تواصل)، لم يسم القائلون، وفي رواية أبي هريرة الآتية إن شاء الله تعالى أول الباب اللاحق فقال رجل من المسلمين: وكأن القائل واحد ونسب إلى الجميع لرضاهم به وفيه دليل على استواء المكلفين في الأحكام وأن كل حكم ثبت في حقه ﵊ ثبت في حق أمته إلا ما استثنى فطلبوا الجمع بين قوله في النهي وفعله الدال على الإباحة، فأجابهم باختصاصه به
حيث (قال) ﵊: (لست) ولابن عساكر: إني لست (كأحد منكم) ولأبي ذر عن الكشميهني: كأحدكم (إني أطعم وأسقى) بضم الهمزة فيها (أو) قال (إني أبيت أطعم وأسقى) حقيقة فيؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صومه وردّ بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً والجمهور على أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال: يعطيني قوّة الآكل والشارب أو أن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب فلا يحس بجوع ولا عطش والفرق بينه وبين الأول أنه على الأول يعطى القوة من غير شبع ولا ريّ بل مع الجوع والظمأ، وعلى الثاني يعطى القوّة مع الشبع والريّ. ورجح الأول فإن الثاني ينافي في حال الصائم ويفوّت المقصود من الصوم والوصال لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها.
١٩٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله-) أصحابه (عن الوصال)، سبق في باب بركة السحور من غير إيجاب من طريق جويرية عن نافع ذكر السبب ولفظه: أن النبي ﷺ واصل فواصل الناس فشق عليهم فنهاهم (قالوا) ولابن عساكر قال قالوا: (إنك تواصل قال):
(إني لست مثلكم)، وفي حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عند مسلم لستم في ذلك مثلي أي لستم على صفتي أو منزلتي من ربي (إني أطعم وأسقى) قال ابن القيم: يحتمل أن يكون المراد ما يغذيه الله تعالى به من معارفه وما يفيضه على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه ونعيمه بحبه قال: ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني ولا سيما الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه.
١٩٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ".
[الحديث ١٩٦٣ - طرفه في: ١٩٦٧].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدثني) بالإفراد (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة الليثي (عن عبد الله بن خباب) بالخاء المعجمة المفتوحة والموحدة المشددة الأنصاري (عن أبي سعيد) الخدري (﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول):
(لا تواصلوا فأيكم إذا أراد) وسقط لفظ إذا لأبي ذر (أن يواصل فليواصل حتى السحر) بالجر بحتى الجارة التي بمعنى "إلى" وفيه رد على من قال: إن الإمساك بعد الغروب لا يجوز (قالوا فإنك) بالفاء (تواصل يا رسول الله قال):
(إني لست كهيئتكم) أي لست مثل حالتكم وصفتكم في أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله (إني أبيت) حال كوني (لي مطعم) حال كونه (يطعمني و) لي (ساق) حال كونه (يسقين) بحذف الياء في الفرع
стр. 1394
كالمصحف العثماني في الشعراء. وفي بعض الأصول يسقيني بإثباتها كقراءة يعقوب الحضرمي في الآية حالة الوصل والوقف مراعاة للأصل والحسن البصري في الوصل فقط مراعاة للأصل والرسم.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود من رواية ابن الهاد ولم يخرجه مسلم، ووهم صاحب العمدة فعزاه له وإنما هو من أفراد البخاري كما قاله عبد الحق في الجمع بين الصحيحين وكذا صاحب المنتقى وصاحب الضياء في المختارة بل والحافظ عبد الغني بن سرور في عمدته الكبرى عزا ذلك للبخاري فقط فلعله وقع له في عمدته الصغرى سبق قلم والله أعلم.
١٩٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدٌ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ "رَحْمَةً لَهُمْ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدثني بالإفراد وفي نسخة: أخبرنا (عثمان بن أبي شيبة) أخو أبو بكر بن أبي شيبة (ومحمد) هو ابن سلام (قالا: أخبرنا عبدة) بن سليمان (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة ﵂ قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم)، نصب على التعليل أي لأجل الرحمة، وتمسك به من قال النهي ليس للتحريم كنهيه لهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم، وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير أنه كان يواصل خمسة عشر يومًا، ويأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى أنه ﷺ واصل بأصحابه بعد النهي فلو كان النهي للتحريم لما أقرهم عليه فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة.
وأجيب: بأن قوله رحمة لهم لا يمنع التحريم فإن من رحمته لهم أن حرمه عليهم، وأما مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرًا بل تقريعًا وتنكيلاً فاحتمل ذلك لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم لأنهم إذا باشروه وظهرت لهم حكمة النهي فكان ذلك أدعى إلى قبولهم لما يترتب عليه من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشديد ينافي ذلك. وفرق بعضهم بين من يشق عليه فيحرم ومن لم يشق عليه فيباح.
(فقالوا: إنك تواصل، قال): (إني لست كهيئتكم إني يطعمني رب ويسقين) بحذف الياء وإثباتها كما مرّ والياء في يطعمني بالضم وفي يسقين بالفتح، والصحيح أن هذا ليس على ظاهره لأنه لو كان على الحقيقة لم يكن مواصلاً، وقيل: إنه كان يؤتى بطعام وشراب في النوم فيستيقظ وهو يجد الريّ والشبع. وقال النووي في شرح المهذّب: معناه محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب والحب البالغ يشغل عنهما وآثر اسم الرب دون اسم الذات المقدسة في قوله: يطعمني ربي دون أن يقول الله لأن التجلي باسم الربوبية أقرب إلى العباد من الألوهية لأنها تجلي عظمة لا طاقة للبشر بها وتجلي الربوبية تجلي رحمة وشفقة وهي أليق بهذا المقام.
(قال أبو عبد الله) البخاري كذا لأبوي ذر والوقت وسقط لغيرهما (لم يذكر عثمان) بن أبي شيبة في الحديث المذكور قوله (رحمة لهم) فدلّ على أنها من رواية محمد بن سلام وحده.
وأخرجه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة جميعًا وفيه رحمة لهم ولم يبين أنها ليست في رواية عثمان، وقد أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان في مسنديهما عن عثمان وليس فيه رحمة لهم.
وأخرجه الجوزقي من طريق محمد بن حاتم عن عثمان وفيه رحمة لهم فيحتمل أن يكون عثمان تارة يذكرها وتارة يحذفها وقد رواها الإسماعيلي عن جعفر الفريابي عن عثمان فجعل ذلك من قول النبي ﷺ ولفظه قالوا: إنك تواصل، قال: (إنما هي رحمة رحمكم الله بها إني لست كهيئتكم) قاله في فتح الباري.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الإيمان ومسلم في الصوم وكذا النسائي.
٤٩ - باب التَّنْكِيلِ لِمَنْ أَكْثَرَ الْوِصَالَ. رَوَاهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب التنكيل) من النكال أي العقوبة من النبي ﷺ (لمن أكثر الوصال). في صومه (رواه) أي التنكيل (أنس عن النبي ﷺ ¬) مما وصله في كتاب التمني.
١٩٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ. فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ. كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا".
[الحديث ١٩٦٥ - أطرافه في: ١٩٦٦، ٦٨٥١، ٧٢٤٢، ٧٢٩٩].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال: حدثني) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر
стр. 1395
أخبرني بالإفراد فيهما (أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ ¬) أصحابه (عن الوصال في الصوم) فرضًا أو نفلاً (فقال له رجل من المسلمين) لم يسم، وفي رواية عقيل في التعزيز فقال له رجال: (إنك تواصل يا رسول الله) أي ووصلك دال على إباحته فأجابهم ﵊ بأن ذلك من خصائصه حيث قال:
(وأيكم) وفي نسخة: فأيكم (مثلي) استفهام يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد (إني أبيت يطعمني ربي وشقين) بحذف الياء وثبوتها كما سبق تقريره (فلما أبوا) أي امتنعوا (أن ينتهوا عن الوصال) لظنهم أن نهيه ﵊ نهي تنزيه لا تحريم، وللكشميهني كما في الفتح من الوصال بالميم بدل العين (واصل بهم) ﵊ (يومًا ثم يومًا) أي يومين لأجل المصلحة ليبين لهم الحكمة في ذلك (ثم رأوا الهلال فقال) ﵊ (لو تأخر) الشهر (لزدتكم) في الوصال إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا التخفيف منه بالترك (كالتنكيل لهم) وفي رواية معمر في التمني كالمنكل لهم ووقع فيها عند المستملي كالمنكر لهم بالراء وسكون النون من الإنكار، وللحموي كالمنكي بتحتية ساكنة قبلها كاف مكسورة خفيفة من الإنكاء والأول هو الذي تضافرت به الروايات خارج هذا الكتاب (حين أبوا) أي امتنعوا (أن ينتهوا) أي عن الانتهاء عن الوصال، وهذا الحديث أخرجه أيضًا النسائي.
١٩٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ، مَرَّتَيْنِ. قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ، فَاكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ».
وبه قال (حدّثنا يحيى) غير منسوب، ولأبي ذر كما في الفتح يحيى بن موسى وهو المعروف بخت قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنغاني (عن معمر) هو ابن راشد (عن همام) بن منبه الصنعاني (أنه سمع أبا هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إياكم والوصال) نصب على التحذير أي احذروا الوصال (مرتين) وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة بلفظ إياكم والوصال ثلاث مرات (قيل إنك تواصل قال): ﵊: (إني أبيت) وفي حديث أنس في باب التمني إني أظل وهو محمول على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ لأن المتحدث عنه هو الإمساك ليلاً لا نهارًا، وأكثر الروايات إنما هو بلفظ: أبيت فكأن بعض الرواة عبر عنها بلفظ أظل نظرًا إلى اشتراكهما في مطلق الكون قال تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا﴾ [النحل: ٥٨] فالمراد به مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل (يطعمني ربي ويسقين) جملة حالية (فاكلفوا) بهمزة وصل وسكون
الكاف وفتح اللام من كلفت بهذا الأمر أكلف به من باب علم يعلم أن تكلفوا (من العمل ما تطيقون) أي تطيقونه فحذف العائد أي الذي تقدرون عليه ولا تتكلفوا فوق ما تطيقونه فتعجزوا.
٥٠ - باب الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ
(باب) جواز (الوصال إلى السحر) أطلق عليه وصالاً لمشابهته له في الصورة وإلا فحقيقة الوصال أن يمسك جميع الليل كالنهار، لكن يحتاج إلى ثبوت الدعوى بأن الوصال إنما هو حقيقة في إمساك جميع الليل، فقد ورد أنه ﷺ كان يواصل من سحر إلى سحر رواه أحمد وعبد الرزاق عن علي.
١٩٦٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ».
وبالسند قال (حدّثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي ابن محمد بن حمزة بن مصعب بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي الزبيري المدني قال: (حدثني) بالإفراد (ابن أبي حازم) هو عبد العزيز (عن يزيد) بن عبد الله بن الهاد (عن عبد الله بن خباب) بمعجمة وموحدتين الأولى مثقلة المدني من موالي الأنصار وثقه أبو حاتم وغيره (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول).
(لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) بالجر بحتى الجارة وهو قول اللخمي من المالكية ونقل عن أحمد وعبارة الوداوي في تنقيحه ويكره الوصال ولا يكره إلى السحر نصًا وتركه أولى انتهى. وقال به أيضًا ابن خزيمة من الشافعية وطائفة من أهل الحديث (قالوا فإنك تواصل يا رسول الله قال): (لست) ولابن عساكر قال: إني لست (كهيئتكم إني أبيت) حال كوني
стр. 1396
(لي مطعم) حال كونه (يطعمني و) لي (ساق) حال كونه (يسقين) بفتح أوله وحذف الياء وإثباتها كما تقدم، وهذا لا يعارضه حديث أبي صالح عن أبي هريرة المروي عند ابن خزيمة من طريق عبيدة بن حميد عن الأعمش عنه بلفظ: كان رسول الله ﷺ يواصل إلى السحر ففعل بعض أصحابه ذلك فنهاه الحديث لأن المحفوظ في حديث أبي صالح إطلاق النهي عن الوصال بغير تقييد بالسحر، فرواية عبيدة هذه شاذة. وقد خالفه أبو معاوية وهو أضبط أصحاب الأعمش فلم يذكر ذلك أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية وتابعه عبد الله بن نمير عن الأعمش كما سبق، وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة محفوظة فقد جمع ابن خزيمة بينهما باحتمال أن يكون نهي ﷺ عن الوصال أولاً مطلقًا سواء جميع الليل أو بعضه، وعلى هذا يحمل حديث أبي صالح ثم خص النهي بجميع الليل فأباح الوصال
إلى السحر، وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد، وقيل يحمل النهي في حديث أبي صالح على كراهة التنزيه، وفي حديث أبي سعيد على ما فوق السحر على كراهة التحريم قاله في الفتح.
ثم شرع المؤلّف في أبواب التطوّع بالصوم فقال:
٥١ - باب مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ
(باب من أقسم) حلف (على أخيه) وكان صائمًا (ليفطر) والحال أنه كان (في) صوم (التطوع ولم ير عليه) أي على هذا المفطر (قضاء) عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه (إذا كان) الإفطار (أوفق له) بالواو في الفرع وغيره. وقال الحافظ ابن حجر: ويروى أرفق بالراء بدل الواو والضمير في له للمقسم عليه أي إذا كان المقسم عليه معذورًا بفطره ومفهومه عدم الجواز ووجوب القضاء على من تعمد بغير سبب ويأتي البحث في هذه المسألة آخر الباب إن شاء الله تعالى. وقال البرماوي كالكرماني: المعنى يفطر إذا كان الإفطار أرفق للمقسم الذي هو صاحب الطعام فإذا متعلقة بما استلزمه قوله لم ير عليه قضاء من جواز إفطاره.
قال الشافعية في باب وليمة العرس ولا تسقط إجابة بصوم فإن شق على الداعي صوم نفل فالفطر أفضل من إتمام الصوم وإن لم يشق عليه فالإتمام أفضل أما صوم الفرض فلا يجوز الخروج منه مضيقًا كان أو موسعًا كالنذر المطلق ولابن عساكر في نسخة إذ كان بسكون الذال يعني حين كان.
١٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. قَالَ: فَأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ. ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ سَلْمَانُ".
[الحديث ١٩٦٨ - طرفه في: ٦١٣٩].
وبالسند قال: (حدثنا محمد بن بشار) بالمعجمة المشددة بعد الموحدة العبدي البصري بندار قال: (حدّثنا جعفر بن عون) المخزومي القرشي قال: (حدّثنا أبو العميس) بضم العين المهملة وفتح الميم وإسكان التحتية آخره سين مهملة اسمه عتبة بن عبد الله بن مسعود (عن عون بن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وإسكان المثناة التحتية وفتح الفاء (عن أبيه) أبي جحيفة وهب بن
عبد الله السوائي أنه (قال: آخى النبي ﷺ بين سليمان) بن عبد الله الفارسي ويقال له سلمان ابن الإسلام وسلمان الخير أصله من رامهرمز وقيل من أصبهان عاش فيما رواه أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين ثلاثمائة وخمسين سنة ويقال إنه أدرك عيسى ابن مريم، وقيل بل أدرك وصي عيسى وكان أول مشاهده الخندق، وقال ابن عبد البر يقال أنه شهد بدرًا (و) بين (أبي الدرداء)، عويمر أو عامر بن قيس الأنصاري أول مشاهده أحد (فزار سلمان أبا الدرداء) في عهده ﷺ وكان أبو الدرداء غائبًا (فرأى) سلمان (أم الدرداء) هي خيرة بفتح الخاء المعجمة بنت أبي حدرد الأسلمية الصحابية الكبرى وليست أم الدرداء الصغرى المسماة هجيمة (متبذّلة) بضم الميم وفتح المثناة الفوقية والموحدة وكسر المعجمة المشددة أي لابسة ثياب البذلة بكسر الموحدة وسكون المعجمة أي المهنة وزنًا ومعنى أي تاركة للباس الزينة وللكشميهني مبتذلة بميم مضمومة فموحدة ساكنة ففوقية مفتوحة فمعجمة مكسورة.
(فقال) سلمان (لها: ما شأنك)؟ يا أم الدرداء مبتذلة (قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا) وللدارقطني: من وجه آخر عن محمد بن عون في نساء الدنيا وزاد ابن خزيمة يصوم النهار ويقوم الليل، (فجاء أبو الدرداء) زاد الترمذي
стр. 1397
فرحب بسلمان (فصنع له (طعامًا) وقربه إليه ليأكل (فقال): سلمان لأبي الدرداء (كُل قال): أبو الدرداء (فإني صائم) وفي رواية الترمذي فقال: كُل فإني صائم، وعلى هذا فالقائل أبو الدرداء والمقول له سلمان (قال) سلمان لأبي الدرداء (ما أنا بآكل) من طعامك (حتى تأكل). أراد سلمان أن يصرف أبا الدرداء عن رأيه فيما يصنعه من جهد نفسه في العبادة وغير ذلك مما شكته إليه زوجته (قال: فأكل)، أبو الدرداء معه.
فإن قلت: لم يذكر في هذا الحديث قسمًا من سلمان حتى تقع المطابقة بينه وبين الترجمة حيث قال من أقسم على أخيه؟ قلت أجاب ابن المنير بأنه إما لأنه في طريق آخر وإما لأن القسم في هذا السياق مقدر قبل لفظ ما أنا بآكل كما قدر في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١] وتعقبه في المصابيح بأنه يحتاج إلى إثبات الطريق الذي وقع فيه القسم والاحتمال ليس كافيًا في ذلك، وتقدير قسم هنا تقدير ما لا دليل عليه فلا يصار إليه انتهى.
وقد وقع في رواية البزار عن محمد بن بشار شيخ المؤلّف كما أفاده في الفتح فقال: أقسمت عليك لتفطرن، وكذا رواه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى والدارقطني من طريق علي بن مسلم وغيره والطبراني من طريق أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة والعباس بن عبد العظيم، وابن حبان من طريق أبي خيثمة كلهم عن جعفر بن عون به، فكأن محمد بن بشار لم يذكر هذه الجملة لما حدث به المؤلّف وبلغ المؤلّف ذلك من غيره فاستعمل هذه الزيادة في الترجمة.
(فلما كان الليل) أي أوله (ذهب أبو الدرداء) حال كونه (يقوم) يعني يصلّي. وقد روى الطبراني هذا الحديث من وجه آخر عن محمد بن سيرين مرسلاً فعين الليلة التي بات سلمان فيها عند
أبي الدرداء ولفظه كان أبو الدرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها. (قال) سلمان له (نم فنام) أبو الدرداء (ثم ذهب يقوم، فقال) له سلمان: (نم فلما كان من آخر الليل) عند السحر (قال) له (سلمان. قم الآن) فقام أبو الدرداء وسلمان وتوضأ (فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا) زاد الترمذي وابن خزيمة وإن لضيفك عليك حقًا (فأعط كل ذي حق حقه). بقطع همزة فأعط وللدارقطني فصم وأفطر ونم وائت أهلك (فأتى) أبو الدرداء (النبى ﷺ فذكر ذلك) الذي قاله سلمان (له) ﵊ (فقال النبي ﷺ ¬):
(صدق سلمان) وللترمذي فأتيا بالتثنية وفيه: أنه لا يجب إتمام صوم التطوع إذا شرع فيه كصلاته واعتكافه لئلا يغير الشروع حكم المشروع فيه ولحديث الترمذي وصححه الحاكم: الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ويقاس بالصوم الصلاة ونحوها، لكن يكره الخروج منه لظاهر قوله: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد ﷺ : ٣٣] وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى إلا بعذر كمساعدة ضيف في أكل إذا عز عليه امتناع مضيفه منه أو عكسه فلا يكره الخروج منه، بل يستحب لحديث الباب مع زيادة الترمذي: وإن لضيفك عليك حقًا أما إذا لم يعز على أحدهما امتناع الآخر من ذلك فالأفضل عدم خروجه منه ذكره في المجموع، وإذا خرج منه قال المتولي: لا يثاب على ما مضى لأن العبادة لم تتم، وحكي عن الشافعي أنه يثاب عليه وهو الوجه إن خرج منه بعذر ويستحب قضاؤه سواء خرج بعذر أو بغيره وهذا مذهب الشافعية والحنابلة والجمهور، وقال المالكية: يجب البقاء في صوم النفل بالفطر إذا كان عمدًا حرامًا فلا قضاء على من أفطر ناسيًا ولا على من أفطر لعذر من مرض أو غيره، فلو شرع في صوم نفل وجب عليه إتمامه وحرم عليه الفطر من غير عذر ولو حلف عليه شخص بالطلاق الثلاث فإنه يحنثه ولا يفطر فإن أفطر وجب عليه القضاء إلا في كوالد وشيخ وإن لم يحلفا.
وفي حكايات أهل الطريق أن بعض الشيوخ حضر دعوة فعرض الطعام على تلميذه فقال: إني على نيّة وأبى أن يأكل فقال له الشيخ: كُلْ وأنا أضمن لك أجر سنة فأبى، فقال الشيخ: دعوه فإنه سقط من عين الله فنسأل الله العافية.
وقال الحنفية يلزمه القضاء مطلقًا أفسد عن قصد أو غير قصد بأن عرض الحيض للصائمة المتطوعة لا خلاف بين
стр. 1398
أصحابنا في ذلك وإنما اختلاف الرواية في نفس الإفساد هل يباح أو لا؟ ظاهر الرواية لا إلاّ لعذر، ورواية المنتقى يباح بلا عذر، ثم اختلف المشايخ على ظاهر الرواية هل الضيافة عذر أو لا؟ قيل: نعم، وقيل لا، وقيل عذر قبل الزوال لا بعده إلا إذا كان في عدم الفطر بعده عقوق لأحد الوالدين لا غيرهما حتى لو حلف عليه رجل بالطلاق الثلاث لتفطرن لا يفطر لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] وقوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾ [الحديد: ٢٧] الآية سبقت في معرض ذمهم
على عدم رعاية ما التزموه من القرب التي لم تكتب عليهم والقدر المؤدي عمل كذلك فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النصين فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا عن الإبطال.
وأجيب: بأن المراد لا تحبطوا الطاعات بالكبائر أو بالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها وهذا غير الإبطال الوجب للقضاء، وقد قال ابن المنير من المالكية في الحاشية: ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ إلا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان ونحوه، فمذهب الشافعية في هذه المسألة أظهر.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما ذكرته مما يطول استقصاؤه ولا يخفى على متأمل، وأخرجه المؤلّف في الأدب وكذا الترمذي.
٥٢ - باب صَوْمِ شَعْبَانَ
(باب) فضل (صوم شعبان).
١٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ".
[الحديث ١٩٦٩ - طرفاه في: ١٩٧٠، ٦٤٦٥].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي النضر) بفتح النون وسكون المعجمة سالم بن أبي أمية (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن عائشة ﵂) أنها (قالت) (كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم)، أي ينتهي صومه إلى غاية نقول إنه لا يفطر ويفطر فينتهي إفطاره إلى غاية حتى نقول إنه لا يصوم (فما) بالفاء ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: وما (رأيت رسول الله) ولأبوي ذر والوقت: النبي (¬ ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان) وإنما لم يستكمل شهرًا غير رمضان لئلا يظن وجوبه "وما رأيته صيامًا منه في شعبان" بنصب صيامًا. قال البرماوي كالزركشي وروي بالخفض.
قال السهيلي: وهو وهم كأنه بناه على كتابتها بغير ألف على لغة من يقف على المنصوب المنون بلا ألف فتوهمه مخفوضًا لا سيما وصيغة أفعل تضاف كثيرًا فتوهمها مضافة، ولكن الإضافة هنا ممتنعة قطعًا ووجه تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكون أعمال العباد ترفع فيه ففي النسائي من حديث أسامة قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من المشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم، فبين ﷺ وجه صيامه لشعبان دون غيره من المشهور بقوله: إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما
فصار مغفولاً عنه، وكثير من الناس من يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس كذلك، وقيل في تخصيصه شعبان غير ذلك.
وحديث الباب أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الصيام.
١٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا. وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ. وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا".
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (أن عائشة ﵂ حدثته قالت): (لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان فإنه كان يصوم شعبان كله)، واستشكل هذا مع قوله في الرواية الأولى وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان.
وأجيب: بأن الرواية الأولى مفسرة لهذه ومبينة بأن المراد بكله غالبه، وقيل كان يصومه في وقت وبعضه في آخر، وقيل كان يصوم تارة من أوّله وتارة من وسطه وتارة من آخره ولا يترك منه شيئًا بلا صيام، لكن في أكثر من سنة كذا قاله غير واحد كالزركشي
стр. 1399
وتعقبه في المصابيح بأن الثلاثة كلها ضعيفة فأما الأول إطلاق الكل على الأكثر مع الإتيان به توكيدًا غير معهود اهـ.
وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال صام الشهر كله، ويقال قام فلان ليله أجمع ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره. قال الترمذي: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك فالمراد الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال واستبعده أيضًا فقال كل توكيد لإرادة الشمول ورفع أتجوّز من احتمال البعض فتفسيره بالبعض مناف له اهـ.
وتعقبه أيضًا الحافظ زين الدين العراقي بأن في حديث أم سلمة عند الترمذي قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان فعطف رمضان عليه يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه والعطف يقتضي المشاركة فيما عطف عليه وإن مشى ذلك فإنما يمشي على رأي من يقول أن اللفظ الواحد يحمل على حقيقته ومجازه وفيه خلاف لأهل الأصول. قال في عمدة القارئ: ولا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضًا لأن من قال ذلك قاله في اللفظ الواحد وهنا لفظان شعبان ورمضان اهـ.
فلينظر هذا مع قول ابن المبارك أنه جائز في كلام العرب، قال في المصابيح. وأما الثاني فلأن قولها كان يصوم شعبان كله يقتضي تكرار الفعل وأن ذلك عادة له على ما هو المعروف في مثل هذه العبارة اهـ.
واختلف في دلالة كان على التكرار وصحح ابن الحاجب أنها تقتضيه قال: وهذا استفدناه من قولهم كان حاتم يقري الضيف، وصحح الإمام فخر الدين في المحصول أنها لا تقتضيه لا لغة ولا عرفًا. وقال النووي في شرح مسلم: إنه المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين، وذكر ابن دقيق العيد أنها تقتضيه عرفًا اهـ.
قال في المصابيح: وأما الثالث فلأن أسماء المشهور إذا ذكرت غير مضاف إليها لفظ شهر كان العمل عامًا لجميعها لا تقول سرت المحرم وقد سرت بعضًا منه ولا تقول صمت رمضان وإنما صمت بعضه، فإن أضفت الشهر إليه لم يلزم التعميم هذا مذهب سيبويه وتبعه عليه غير واحد. قال الصفار: ولم يخالف في ذلك إلا الزجاج، ويمكن أن يقال إن قولها وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان لا ينفي صيامه لجميعه، فإن المراد أكثرية صيامه فيه على صيامه في غيره من المشهور التي لم يفرض فيها الصوم وذلك صادق بصومه لكله لأنه إذا صامه جميعه صدق أن الصوم الذي أوقعه فيه أكثر من الصوم الذي أوقعه في غيره ضرورة أنه لم يصم غيره مما عدا رمضان كاملاً.
وأما قولها: لم يستكمل صيام شهر إلا رمضان فيحمل على الحذف أي إلا رمضان وشعبان بدليل قولها في الطريق الأخرى فإنه كان يصوم شعبان كله وحذف المعطوف والعاطف جميعًا ليس بعزيز كلامهم ففي التنزيل ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ [الحديد: ١٠] أي ومن أنفق من بعده وفيه سرابيل تقيكم الحر أي والبرد. قال: ويمكن الجمع بطريق أخرى وهي أن يكون قولها وكان يصوم شعبان كله محمولاً على حذف أداة الاستثناء والمستثنى أي إلا قليلاً منه، ويدل عليه حديث عبد الرزاق بلفظ: ما رأيت رسول الله ﷺ أكثر صيامًا منه في شعبان فإنه كان يصومه كله إلا قليلاً.
فإن قلت: قد ورد في حديث مسلم أن أفضل الصيام بعد رمضان المحرم فكيف أكثر ﵊ منه في شعبان دون المحرم؟ أجيب: باحتمال أنه ﷺ لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر حياته قبل التمكن من صومه أو لعله كان يعرض له فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه.
(وكان) ﵊ (يقول) (خذوا من العمل ما تطيقون) المداومة عليه بلا ضرر (فإن الله) (لا يمل) بفتح الياء التحتية والميم. قال النووي: الملل السآمة وهو بالمعنى المتعاف في حقنا محال في حق الله تعالى فيجب تأويله، فقال المحققون: أي لا يعاملكم معاملة الملل فيقطع عنكم ثوابه وفضله ورحمته (حتى تملوا). بفتح الأول والثاني أي تقطعوا أعمالكم وقال الكرماني هو إطلاق مجازي عن ترك الجزاء
стр. 1400
وقال بعضهم: معناه لا تتكلفوا حتى تملوا فإن الله ﷻ منزه عن الملالة ولكنكم تملون قبول فيض الرحمة. (وأحب الصلاة إلى النبي ﷺ ¬) ولابن عساكر: وأحب الصلاة إلى الله (ما دووم عليه) بضم الدال وسكون الواو الأولى وكسر الثانية مبنيًا للمفعول من الداومة من باب الفاعلة، وفي نسخة ما ديم مبنيًا للمفعول أيضًا من دام والأول من
داوم، (وإن قلت وكان إذا صلّى صلاة داوم عليها) وفي الإدامة والمواظبة فوائد منها تخلق النفس واعتيادها ولله در القائل:
هي النفس ما عودتها تتعوّد
والمواظب يتعرض لنفحات الرحمة قال ﵊: إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها.
٥٣ - باب مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِفْطَارِهِ
(باب ما يذكر من صوم النبي ﷺ ¬) التطوّع (وإفطاره) في خلال صومه.
١٩٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "مَا صَامَ النَّبِيُّ ﷺ شَهْرًا كَامِلاً قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يَصُومُ".
وبالسند قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدثني بالإفراد (موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن أبي بشر) جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري (عن سعيد) ولأبي الوقت: سعيد بن جبير (عن ابن عباس ﵄) ولمسلم من طريق عثمان بن حكيم سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب فقال: سمعت ابن عباس (قال) "ما صام النبي ﷺ شهرًا كاملاً قط غير رمضان" هو كقول عائشة لم يستكمل صيام شهر إلا رمضان ويعارضه ظاهر قولها كان يصوم شعبان كله فإما أن يحمل على الأكثرية أو على أنه لم يره يستكمل إلا رمضان فأخبر على حسب اعتقاده (ويصوم) ولمسلم: وكان يصوم (حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم). ومطابقته للترجمة ظاهرة، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه في الصوم.
١٩٧٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا: وَكَانَ لَا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ". وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْمِ ح.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى القرشي العامري الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد (محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير المدني (عن حميد) الطويل (أنه سمع أنسًا ﵁ يقول): (كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه) بفتح همزة أن ونصب يصوم ورفعه لأن أن إما ناصبة ولا نافية وإما مفسرة، ولا ناهية ونظن بنون الجمع كما
في اليونينية وزاد في فتح الباري يظن بالمثناة التحتية المضمومة وفتح المعجمة مبنيًّا للمفعول وتظن بالمثناة الفوقية على المخاطبة قال: ويؤيده قوله بعد ذلك إلا رأيته فإنه روى بالضم والفتح معًا (ويصوم) من الشهر (حتى نظن أن لا يفطر منه شيئًا: وكان لا تشاء تراه من الليل مصليًا إلا رأيته) أي مصليًا (ولا) تشاء تراه من الليل (نائمًا، إلا رأيته) أي نائمًا يعني أنه كان تارة يقوم من أول الليل وتارة من وسطه وتارة من آخره كما كان يصوم تارة من أو الشهر وتارة من وسطه وتارة من آخره فكان من أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائمًا أو في وقت من أوقات الشهر صائمًا فراقبه المرة بعد المرة فلا بد أن يصادفه قائمًا على وفق ما أراد أن يراه وليس المراد أنه كان يسرد الصوم ولا أنه كان يستوعب الليل قائمًا. وأما قول عائشة وكان إذا صلّى صلاة داوم عليها فالمراد به ما اتخذه راتبًا لا مطلق النافلة فلا تعارض قاله في فتح الباري:
(وقال): وسقطت الواو في رواية أبي الوقت (سليمان) بن حيان الأحمر مما وصله المؤلّف في الباب (عن حميد) الطويل (أنه سأل أنسًا في الصوم).
١٩٧٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مُفْطِرًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مِنَ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ، وَلَا نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ، وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد) ولأبي ذر: هو ابن سلام قال: (أخبرنا أبو خالد) سليمان بن حيان (الأحمر) قال: (أخبرنا حميد) الطويل (قال: سألت أنسًا ﵁ عن صيام النبي ﷺ فقال): (ما كنت أحب أن أراه) أي ما كنت أحب رؤيته (من الشهر) حال كونه (صائمًا إلا رأيته) صائمًا (ولا) كنت أحب أن أراه من الشهر حال كونه (مفطرًا إلا رأيته) مفطرًا (ولا) كنت أحب أن أراه (من الليل) حال كونه (قائمًا إلا رأيته) قائمًا (ولا) كنت أحب أن أراه من الليل حال كونه (نائمًا إلا رأيته) نائمًا (ولا مسست) بفتح الميم
стр. 1401
وكسر السين الأولى على الأفصح وسكون الثانية (خزة) بفتح الخاء والزاي المشددة المعجمتين هو في الأصل اسم دابة ثم سمي الثوب المتخذ من وبره خزا (ولا حريرة) وفي نسخة ولا حرير (ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت) بكسر الميم الأولى. وقول ابن درستويه والعامة يخطئون في فتحها. تعقبه في المصابيح بأنها لغة حكاها الفراء قال: ومضارع المكسور أشم بفتح الشين والآخر أشم بضمها (مِسْكة ولا عبيرة) بالموحدة المكسورة والتحتية الساكنة والعبير طيب معمول من أخلاط ولابن عساكر ولا عنبرة بنون ساكنة فموحدة مفتوحة القطعة من العنبر المعروف (أطيب رائحة من رائحة) وللكشميهني كما في الفتح من ريح (رسول الله ﷺ ¬) فقد كان ﵊ على أكمل الصفات خلقًا وخلقًا فهو كل الكمال وجملة الجمال.
وفي حديثي الباب أنه ﵊ لم يصم الدهر ولا قام كل الليل ولعله إنما ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على أمته وإن كان قد أعطي من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى فصام وأفطر وقام ونام ليقتدي به العابدون ﷺ كثيرًا.
٥٤ - باب حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ
(باب حق الضيف في الصوم) أي في صوم المضيف.
١٩٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: "دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، يَعْنِي «إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ».
وبه قال (حدّثنا إسحاق) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا هارون بن إسماعيل) الخزاز قال: (حدّثنا علي) وفي نسخة: علي بن المبارك أي الهنائي قال: (حدّثنا يحيى) بن أبي كثير (قال: حدثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ قال: دخل عليّ رسول الله ﷺ فذكر الحديث) هكذا أورده مختصرًا ثم ذكر ما يشهد لما ترجم له فقال (يعني):
(إن لزورك) بفتح الزاي وسكون الواو. قال في التنقيح كالنهاية: وهو في الأصل مصدر وضع موضع الاسم كصوم ونوم بمعنى صائم ونائم وقد يكون اسم جمع له واحد من اللفظ وهو زائر كراكب وركب أي أن لضيفك (عليك حقًا) أي فتفطر لأجله إيناسًا له وبسطًا (وإن لزوجك عليك حقًا) وحقها هنا الوطء فإذا سر الزوج الصوم ووالى قيام الليل ضعف عن حقها قال عبد الله بن عمرو بن العاصي، (فقلت): بالفاء، ولابن عساكر: قلت: (وما صوم داود)؟ في الباب التالي قال: فصم صيام نبي الله داود ﵇ ولا تزد عليه قلت وما كان صيام نبي الله داود؟ (قال): (نصف الدهر) وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا النسائي.
٥٥ - باب حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ
(باب حق الجسم في الصوم) على المتطوّع بأن يرفق به لئلا يضعف فيعجز عن أداء الفرائض.
١٩٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ "قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟
فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ. فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَىَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇؟ قَالَ: نِصْفَ الدَّهْرِ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ ﷺ ".
وبالسند قال: (حدّثنا ابن مقاتل) ولأبي الوقت: محمد بن مقاتل أي المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال (أخبرني الأوزاعي) بالزاي عبد الرحمن بن عمرو (قال: حدثني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (أبو سلمة بن عبد الرحمن قال حدثني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄) أنه قال (قال لي رسول الله ﷺ ¬):
(يا عبد الله، ألم أخبر) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة مبنيًا للمفعول وهمزة ألم للاستفهام (أنك تصوم النهار وتقوم الليل)؟ أي فيه (فقلت: بلى يا رسول الله) زاد مسلم ولم أرد إلا الخير (قال) (فلا) ولابن عساكر لا (تفعل) زاد بعد بابين فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين (صم وأفطر)، بهمزة قطع (وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا)، بأن ترعاه وترفق به ولا تضره حتى تقعد عن القيام بالفرائض ونحوها وقد ذم الله قومًا أكثروا من العبادة ثم تركوا بقوله تعالى ورهبانية ابتدعوها إلى قوله فما رعوها حق رعايتها (وإن لعينك عليك حقًا) بالإفراد في الفرع ولغير الكشميهني لعينيك بالتثنية (وإن لزوجك عليك حقًا)، في الوطء (وإن لزورك) أي لضيفك (عليك حقًا) في البسط والمؤانسة وغيرهما (وإن بحسبك) بسكون السين المهملة وفي اليونينية بفتحها. قال البرماوي كالزركشي بفتح السين وحكى إسكانها والباء فيه
стр. 1402
زائدة أي كافيك (أن تصوم كل شهر) في محل رفع خبر أن. قال في المصابيح: وينبغي أن يكون هذا الإعراب متعينًا ويؤخذ منه صحة ما ذهب إليه ابن مالك في قولك بحسبك زيد أن حسبك مبتدأ وزيد خبر وأنه من باب الإخبار بالمعرفة عن النكرة لأن حسبك لا يتعرف بالإضافة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من كل شهر، وله عن الكشميهني في كل شهر (ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر فإذن بالنون في الفرع وأصله وفي غيرهما بالألف منوّنة وعليه الجمهور ورسم المصحف وقال بالأوّل المازني والمبرد، وقال الفراء: إن عملت كتبت بالألف وإلا كتبت بالنون للفرق بينها وبين إذا وتبعه ابن خروف. قال في القاموس: ويحذفون الهمزة فيقولون ذن والأكثر أن تكون جوابًا لأن أو لو ظاهرتين أو مقدرتين والمقدر هنا أن أي أن صمتها فإذا (ذلك صيام الدهر كله) قال الحافظ ابن حجر وغيره: إذا بغير تنوين للمفاجأة. قال العيني: تقديره إن صمت ثلاثة أيام من كل شهر
فاجأت عشر أمثالها كما في قوله تعالى: ﴿ثم إذا دعاكم﴾ [الروم: ٢٥] الآية تقديره ثم إذا دعاكم فاجأتم الخروج في ذلك الوقت قال عبد الله: (فشددت) على نفسي (فشدد عليّ) بضم الشين مبنيًّا للمفعول (قلت: يا رسول الله إني أجد قوّة) على أكثر من ذلك (قال) ﵊: إن كنت تجد قوّة. (فصم صيام نبي الله داود ﵇ ولا تزد عليه) (قلت وما كان صيام نبي الله داود ﵊؟ قال) ﵊: كان صيامه (نصف) صوم (الدهر) وهو أن يفطر يومًا ويصوم يومًا. (وكان عبد الله) بن عمرو بن العاصي (يقول بعد ما كبر): بكسر الموحدة أي وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه وشق عليه (يا ليتني قبلت رخصة ﷺ ¬) وأخذت بالأخف.
٥٦ - باب صَوْمِ الدَّهْرِ
(باب) بيان حكم (صوم الدهر) هل هو مشروع أم لا؟ ومذهب الشافعية استحبابه لإطلاق الأدلة ولأنه- ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد بيده" أخرجه أحمد والنسائي وابنا خزيمة وحبان والبيهقي أي عنه فلم يدخلها. قال الغزالي: لأنه لما ضيق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرقها بالعبادة فإن خاف ضررًا أو فوت حق كره صومه وهل المراد الواجب أو المندوب؟ قال السبكي: ويتجه أن يقال أنه إن علم أنه يفوّت حقًا واجبًا حرم وإن علم أنه يفوت حقًا مندوبًا أولى من الصيام كره وإن كان يقوم مقامه فلا.
١٩٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: "أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ: فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهْوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ. فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاصي (قال: أخبر رسول الله ﷺ ¬) بضم الهمزة وسكون المعجمة وكسر الموحدة مبنيًا للمفعول ورسول الله رفع نائب عن الفاعل (إني أقول: والله لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ما عشت)، أي مدة حياتي. (فقلت له): ﵊ فيه
كلام مطويّ تقديره فقال لي ﵊: أنت تقول والله لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ما عشت، ولمسلم: أنت الذي تقول ذلك فقلت له: (قد) ولأبي الوقت: فقد (قلته بأبي أنت وأمي) أي أفديك بهما (قال) ﵊.
(فإنك لا تستطيع ذلك) الذي قلته من صيام النهار وقيام الليل لحصول المشقة وإن لم يتعذر الفعل أو بأن تبلغ من العمر ما يتعذر معه ذلك وعلمه ﵊ بطريق ما أو المراد لا تستطيع ذلك مع القيام ببقية المصالح الشرعية شرعًا (فصم وأفطر)، بهمزة قطع (وقم ونم)، ثم بين ما أجمل فقال (وصم من الشهر ثلاثة أيام) لم يعينها ثم علل وجه كونها ثلاثة بقوله (فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر) استشكل هذا من جهة أن القواعد تقتضي أن المقدر لا يكون كالمحقق وأن الأجور تتفاوت
стр. 1403
بحسب تفاوت المصالح أو المشقّة في الفعل فكيف يوازي من له حسنة واحدة في كل يوم جميع السنة من له عشر فيه وكيف يتساوى العامل وغيره في الأجر؟ وأجيب: بأن المراد هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل من الفعل فالمثلية لا تقتضي المساواة من كل وجه. نعم يصدق على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازًا قال عبد الله (قلت): يا رسول الله (إني أطيق أفضل من
ذلك) أكثر من صيام ثلاثة أيام من كل شهر (قال): ﵊: (فصم يومًا وأفطر يومين) بالإفراد في الأول والتثنية في الآخر وفي رواية حسين المعلم في الأدب فصم من كل جمعة ثلاثة أيام. وفي رواية أبي المليح الآتية إن شاء الله تعالى في باب صوم داود: أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ قال، قلت يا رسول الله. قال: خمسًا قلت: يا رسول الله. قال: سبعًا. قلت يا رسول الله. قال: تسعًا قلت يا رسول الله قال: إحدى عشرة (قلت إني أطيق أفضل) أكثر (من ذلك قال): (فصم يومًا وأفطر يومًا فذلك صيام داود ﵇ وهو أفضل الصيام) وفي قيام الليل من طريق عمرو بن أوسٍ عن عبد الله بن عمرو أحب الصيام إلى الله صيام داود، وهذا يقتضي ثبوت الأفضلية مطلقًا ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة (فقلت: إني أطيق أفضل) أكثر (من ذلك، فقال النبي ﷺ ¬): (لا) صوم (أفضل من ذلك) فهو يفضل من صوم الدهر كما قاله المتولي وغيره: ويترجج من حيث المعنى بأن صيام الدهر قد يفوّت بعض الحقوق وبأن من اعتاده فإنه لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهارًا ويألف تناوله في الليل بحيث يتجدد له طبع زائد بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنه ينتقل من فطر إلى صوم ومن صوم إلى فطر، وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصوم ويأمن مع ذلك من تفويت الحقوق، وعند سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن ابن مسعود أنه قيل له: إنك لتقل الصيام. فقال: إني أخاف أن يضعفني عن القراءة والقراءة أحب إلي من الصيام، لكن في فتاوى ابن عبد السلام أن صوم الدهر أفضل لأنه أكثر عملاً فيكون أكثر أجرًا وما كان أكثر أجرًا كان أكثر ثوابًا وبذلك جزم الغزالي أولاً وقيده بشرط أن لا يصوم الأيام المنهي عنها وأن لا يرغب عن السنة بأن يجعل الصوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن فالصوم من أفضل الأعمال فالاستكثار منه زيادة في الفضل.
وقوله في الحديث: لا أفضل من ذلك أي لك وذلك لما علم من حاله ومنتهى قوته وأن ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن الفرائض ويقعد به عن الحقوق والمصالح، ويلتحق به من في معناه. لكن تعقبه ابن دقيق العيد بأن الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد وليس كل ذلك معلومًا لنا ولا مستحضرًا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فمقدار تأثير كل واحدة منها في الحث أو المنع غير محقق لنا فالطريق حينئذ أن نفوّض الأمر إلى صاحب الشرع ونجري على ما دل عليه ظاهر الشرع من قوة الظاهر هنا، وأما زيادة العمل واقتضاء العادة لزيادة الأجر بسببه فيعارضه اقتضاء العادة والجبلة للتقصير في حقوق يعارضها الصوم الدائم ومقادير ذلك الفائت مع أن مقادير الحاصل من الصوم غير معلومه لنا.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: وذلك مثل صيام الدهر.
٥٧ - باب حَقِّ الأَهْلِ فِي الصَّوْمِ، رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب حق الأهل) الأولاد والقرابة (في الصوم رواه) أي حق الأهل (أبو جحيفة) وهب بن عبد الله السوائي فيما سبق في قصة سلمان وأبي الدرداء (عن النبي ﷺ ¬) حيث قال سلمان لأبي الدرداء: وأن لأهلك عليك حقًا، وأقره ﷺ عليه.
١٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَطَاءً أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ يَقُولُ: "بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَىَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي وَلَا تَنَامُ؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا. قَالَ: إِنِّي لأَقْوَى لِذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ﵇ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى. قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ" قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ». مَرَّتَيْنِ.
وبالسند قال (حدّثنا عمرو بن علي) الباهلي الصيرفي الفلاس البصري قال: (أخبرنا) ولابن عساكر: حدّثنا (أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكي قال: (سمعت عطاء) هو ابن أبي رباح المكي (أن أبا العباس) السائب الأعمى (الشاعر) المكي (أخبره أنه سمع عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: بلغ النبي ﷺ ¬) أي من أبيه عمرو بن العاص
стр. 1404
(إني أُسرد الصوم)، بضم الراء أي أصوم متتابعًا ولا أفطر (وأصلي الليل) كله (فإما أرسل) ﵊ (إليّ وإما لقيته) ﵊ من غير إرسال (فقال):
(ألم أخبر) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة (إنك تصوم ولا تفطر وتصلي)؟ أي الليل (ولا تنام فصم وأفطر) بهمزة قطع (وقم ونم، فإن لعينك) بالإِفراد ولغير السرخسي والكشميهني
كما في الفتح: لعينيك بالتثنية (عليك حظًا) بالظاء المعجمة بدل القاف أي نصيبًا من النوم (وإن لنفسك وأهلك عليك حظًا) بالظاء المعجمة أيضًا وحق النفس الرفق بها والأهل في الكسب والقيام بنفقتهم ولا يدئب نفسه بحيث يضعف عن القيام بما يجب من ذلك (قال) عبد الله (إني لأقوى لذلك) أي لسرد الصوم دائمًا ولابن عساكر إني لأقوى ذلك كذا في اليونينية بإسقاط حرف الجر وفي نسخة على ذلك (قال): ﵊: (فصم صيام داود ﵇ (قال) عبد الله يا رسول الله (وكيف)؟ أي صيام داود كما في مسلم (قال): ﵊ (كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر) أي لا يهرب (إذا لاقى) العدو أشار به إلى أن الصوم على هذا الوجه لا ينهك البدن بحيث يضعف عن لقاء العدو بل يستعان بفطر يوم على صيام يوم فلا يضعف عن الجهاد وغيره من الحقوق. (قال) عبد الله (من لي بهذه) الخصلة الأخيرة وهي عدم الفرار أي من يتكفل لي بها (يا نبي الله. قال عطاء): هو ابن أبي رباح بالإسناد السابق (لا أدري كيف ذكر) بفتحات (صيام الأبد) أي لا أحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصة إلا أني أحفظ أنه (قال النبي ﷺ ¬): (لا صام من صام الأبد مرتين) استدلّ به من قال بكراهة صوم الدهر لأن قوله: لا صام يحتمل الدعاء ويحتمل الخبر.
قال ابن العربي: إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي ﷺ ، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه ﷺ أنه لم يصم وإذا لم يصم شرعًا فلم يكتب له ثواب لوجوب صدق قوله ﵊ لأنه نفى عنه الصوم وقد نفى عنه الفضل كما تقدم فكيف يطلب الفضل فيما نفاه ﷺ ، وأجيب بأجوبة:
أحدها: أنه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيد والتشريق. قال النووي: وبهذا أجابت عائشة اهـ.
وهو اختيار ابن المنذر وطائفة، وتعقب بأنه ﵊ قال جوابًا لمن سأله عن صوم الدهر لا صام ولا أفطر وهو يؤذن بأنه لا أجر ولا إثم، ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المحرمة يكون قد فعل مستحبًا وحرامًا، وأيضًا فإن الأيام المحرمة مستثناة في الشرع غير قابلة للصوم شرعًا فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض فلم تدخل في السؤال عند من علم بتحريمها ولا يصلح الجواب بقوله: لا صام ولا أفطر لمن لم يعلم بتحريمها قاله في فتح الباري.
الثاني: أنه محمول على من تضرر به أو فوت به حقًا ويؤيده أن النهي كان خطابًا لعبد الله بن عمرو بن العاصي، وقد ذكر مسلم عنه أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرخصة.
الثالث: أن معناه الخبر عن كونه لم يجد من المشقّة ما يجد غيره لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد في صومه مشقة، وتعقبه الطيبي بأنه مخالف لسياق الحديث ألا تراه كيف نهاه أولاً عن صيام الدهر كله ثم حثه على صوم داود ﵊ والأولى أن يكون خبرًا عن أنه لم يمتثل أمر الشرع.
٥٨ - باب صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ
(باب صوم يوم وإفطار يوم).
١٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَقَالَ اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كلِّ شَهْرٍ، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ، فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: فِي ثَلَاثٍ".
وبالسند قال (حدّثنا محمد بن بشار) بتشديد المعجمة قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن مغيرة) بن مقسم الضبي الكوفي (قال: سمعت مجاهدًا عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال) له:
(صم من الشهر ثلاثة أيام) زاد في باب صيام الدهر وذلك مثل صيام الدهر (قال) إني (أطيق أكثر من ذلك) فما زال حتى قال: (صم يومًا وأفطر يومًا) زاد في الباب المذكور فذلك صيام داود وهو أفضل
стр. 1405
الصيام (فقال): ﵊ (اقرأ القرآن في كل شهر)، (قال) عبد الله: (إني أطيق أكثر)، من ذلك (فما زال) ﵊ (حتى قال): ﵊ اقرأه (في ثلاث) أي ثلاث ليال.
ولمسلم من طريق أبي سلمة قال عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة قال: فإما ذكر للنبي ﷺ ، وإما أرسل إليّ فأتيته فقال: ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟ فقلت: بلى يا نبي الله الحديث وفيه قال: اقرأ القرآن في كل شهر. قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل عشرين. قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل عشر. قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في سبع ولا تزد. قال في المصابيح: ولهذا منع كثير من العلماء الزيادة على السبع. قال النووي: وقد كان بعضهم يختم في كل شهر وهو أقله وأما أكثره فثمان ختمات في اليوم والليلة على ما بلغنا اهـ.
وفي سنة سبع وستين وثمانمائة رأيت بالقدس الشريف شيخًا يدعى بأبي الطاهر من أصحاب الشيخ ابن رسلان قيل: إنه جاوز العشر في اليوم والليلة فالله أعلم، بل أخبرني شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف المقدسي أمتع الله بحياته عنه أنه يقرأ خمس عشرة ختمة، وفي الصفوة عن منصور بن زاذان أنه كان يختم بين المغرب والعشاء ختمتين ويبلغ في الختمة الثالثة إلى الطواسين.
٥٩ - باب صَوْمِ دَاوُدَ ﵇
(باب صوم داود ﵊ عقبه بسابقه إشارة إلى الاقتداء بداود ﵊ في صوم يوم وإفطار يوم.
١٩٧٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمَكِّيَّ -وَكَانَ شَاعِرًا، وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ. قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇: كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى».
وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا حبيب بن أبي ثابت) الأسدي الأعور. (قال: سمعت أبا العباس المكي وكان شاعرًا) والشاعر قد يتهم فيما يحدث به لما تقتضيه صناعته من المبالغة في الإطراء (و) لكن هذا (كان لا يتهم في حديثه) مرويه من الحديث وغيره وقد وثقه أحمد وابن معين وغيرهما وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الجهاد وآخر في المغازي وأعادهما في الأدب (قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ قال: قال لي النبي ﷺ ¬):
(إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل)، (فقلت: نعم، قال): ﵊ (إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين) بفتح الهاء والجيم أي غارت وضعف بصرها (ونفهت) بفتح النون وكسر الفاء أي تعبت وكلت (له النفس) وفي رواية النسفيّ كما في الفتح: نثهت بالمثلثة بدل الفاء واستغربها ابن التين، وقال ابن حجر: وكأنها أبدلت من الفاء فإنها تبدل منها كثيرًا. قال العيني: لم يذكر لذلك مثالاً ولا نسبه إلى أحد من أهل العربية ولم يذكر هذا أحد في الحروف التي يبدل بعضها من بعض فإن كان يوجد فربما يوجد في لسان ذي لثغة فلا يبنى عليه شيء اهـ.
قلت: وقد وقع إبدال الثاء بالفاء في قوله تعالى: ﴿فومها﴾ أي ثومها فلا وجه لإنكار ذلك ولأبي الوقت وابن عساكر: نهثت بنون فهاء فمثلثة مفتوحات، وللكشميهني: نهكت بهاء بعد النون ثم كاف بفتحات في بعض الأصول وفي بعضها بكسر الهاء وفي الفرع كشط الضبط. قال في فتح الباري: أي هزلت وضعفت. قال العيني: ولا وجه له إلا إذا ضم النون من نهكته الحمى إذا أضنته اهـ
وقال الأبي: وضبطه بعضهم بضم النون وكسر الهاء وفتح الكاف وهو ظاهر كلام عياض.
وقال في القاموس: نهكه كمنعه نهاكة غلبة والحمى أضنته وهزلته وجهدته كنهكته كفرح نهكًا ونهكًا ونهكة ونهاكة أو النهك المبالغة في كل شيء ونهكه السلطان كسمعه نهكًا ونهكة بالغ في نهكته عقوبته كأنهكه (لا صام من الدهر)، لأن منه العيد والتشريق والصوم فيها حرام قال الخطابي يحتمل أنه دعاء ويحتمل أن لا بمعنى لم نحو فلا صدق ولا صلّى اهـ.
فهو على هذا التقدير خبر لأن لم تخلص للمضي، وقد تقدم ما فيه من البحث قريبًا في سابق سابقه (صوم ثلاثة أيام) أي من كل شهر (صوم الدهر كله). أي بالتضعيف كما مرّ فإن الحسنة بعشر أمثالها. قال عبد الله
следующие страницы →