← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وكسر السين الأولى على الأفصح وسكون الثانية (خزة) بفتح الخاء والزاي المشددة المعجمتين هو في الأصل اسم دابة ثم سمي الثوب المتخذ من وبره خزا (ولا حريرة) وفي نسخة ولا حرير (ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت) بكسر الميم الأولى. وقول ابن درستويه والعامة يخطئون في فتحها. تعقبه في المصابيح بأنها لغة حكاها الفراء قال: ومضارع المكسور أشم بفتح الشين والآخر أشم بضمها (مِسْكة ولا عبيرة) بالموحدة المكسورة والتحتية الساكنة والعبير طيب معمول من أخلاط ولابن عساكر ولا عنبرة بنون ساكنة فموحدة مفتوحة القطعة من العنبر المعروف (أطيب رائحة من رائحة) وللكشميهني كما في الفتح من ريح (رسول الله ﷺ ¬) فقد كان ﵊ على أكمل الصفات خلقًا وخلقًا فهو كل الكمال وجملة الجمال. وفي حديثي الباب أنه ﵊ لم يصم الدهر ولا قام كل الليل ولعله إنما ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على أمته وإن كان قد أعطي من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى فصام وأفطر وقام ونام ليقتدي به العابدون ﷺ كثيرًا. ٥٤ - باب حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ (باب حق الضيف في الصوم) أي في صوم المضيف. ١٩٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: "دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، يَعْنِي «إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ». وبه قال (حدّثنا إسحاق) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا هارون بن إسماعيل) الخزاز قال: (حدّثنا علي) وفي نسخة: علي بن المبارك أي الهنائي قال: (حدّثنا يحيى) بن أبي كثير (قال: حدثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ قال: دخل عليّ رسول الله ﷺ فذكر الحديث) هكذا أورده مختصرًا ثم ذكر ما يشهد لما ترجم له فقال (يعني): (إن لزورك) بفتح الزاي وسكون الواو. قال في التنقيح كالنهاية: وهو في الأصل مصدر وضع موضع الاسم كصوم ونوم بمعنى صائم ونائم وقد يكون اسم جمع له واحد من اللفظ وهو زائر كراكب وركب أي أن لضيفك (عليك حقًا) أي فتفطر لأجله إيناسًا له وبسطًا (وإن لزوجك عليك حقًا) وحقها هنا الوطء فإذا سر الزوج الصوم ووالى قيام الليل ضعف عن حقها قال عبد الله بن عمرو بن العاصي، (فقلت): بالفاء، ولابن عساكر: قلت: (وما صوم داود)؟ في الباب التالي قال: فصم صيام نبي الله داود ﵇ ولا تزد عليه قلت وما كان صيام نبي الله داود؟ (قال): (نصف الدهر) وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا النسائي. ٥٥ - باب حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْمِ (باب حق الجسم في الصوم) على المتطوّع بأن يرفق به لئلا يضعف فيعجز عن أداء الفرائض. ١٩٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ "قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ. فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَىَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇؟ قَالَ: نِصْفَ الدَّهْرِ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ ﷺ ". وبالسند قال: (حدّثنا ابن مقاتل) ولأبي الوقت: محمد بن مقاتل أي المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال (أخبرني الأوزاعي) بالزاي عبد الرحمن بن عمرو (قال: حدثني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (أبو سلمة بن عبد الرحمن قال حدثني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄) أنه قال (قال لي رسول الله ﷺ ¬): (يا عبد الله، ألم أخبر) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة مبنيًا للمفعول وهمزة ألم للاستفهام (أنك تصوم النهار وتقوم الليل)؟ أي فيه (فقلت: بلى يا رسول الله) زاد مسلم ولم أرد إلا الخير (قال) (فلا) ولابن عساكر لا (تفعل) زاد بعد بابين فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين (صم وأفطر)، بهمزة قطع (وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا)، بأن ترعاه وترفق به ولا تضره حتى تقعد عن القيام بالفرائض ونحوها وقد ذم الله قومًا أكثروا من العبادة ثم تركوا بقوله تعالى ورهبانية ابتدعوها إلى قوله فما رعوها حق رعايتها (وإن لعينك عليك حقًا) بالإفراد في الفرع ولغير الكشميهني لعينيك بالتثنية (وإن لزوجك عليك حقًا)، في الوطء (وإن لزورك) أي لضيفك (عليك حقًا) في البسط والمؤانسة وغيرهما (وإن بحسبك) بسكون السين المهملة وفي اليونينية بفتحها. قال البرماوي كالزركشي بفتح السين وحكى إسكانها والباء فيه

стр. 1402

زائدة أي كافيك (أن تصوم كل شهر) في محل رفع خبر أن. قال في المصابيح: وينبغي أن يكون هذا الإعراب متعينًا ويؤخذ منه صحة ما ذهب إليه ابن مالك في قولك بحسبك زيد أن حسبك مبتدأ وزيد خبر وأنه من باب الإخبار بالمعرفة عن النكرة لأن حسبك لا يتعرف بالإضافة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من كل شهر، وله عن الكشميهني في كل شهر (ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر فإذن بالنون في الفرع وأصله وفي غيرهما بالألف منوّنة وعليه الجمهور ورسم المصحف وقال بالأوّل المازني والمبرد، وقال الفراء: إن عملت كتبت بالألف وإلا كتبت بالنون للفرق بينها وبين إذا وتبعه ابن خروف. قال في القاموس: ويحذفون الهمزة فيقولون ذن والأكثر أن تكون جوابًا لأن أو لو ظاهرتين أو مقدرتين والمقدر هنا أن أي أن صمتها فإذا (ذلك صيام الدهر كله) قال الحافظ ابن حجر وغيره: إذا بغير تنوين للمفاجأة. قال العيني: تقديره إن صمت ثلاثة أيام من كل شهر فاجأت عشر أمثالها كما في قوله تعالى: ﴿ثم إذا دعاكم﴾ [الروم: ٢٥] الآية تقديره ثم إذا دعاكم فاجأتم الخروج في ذلك الوقت قال عبد الله: (فشددت) على نفسي (فشدد عليّ) بضم الشين مبنيًّا للمفعول (قلت: يا رسول الله إني أجد قوّة) على أكثر من ذلك (قال) ﵊: إن كنت تجد قوّة. (فصم صيام نبي الله داود ﵇ ولا تزد عليه) (قلت وما كان صيام نبي الله داود ﵊؟ قال) ﵊: كان صيامه (نصف) صوم (الدهر) وهو أن يفطر يومًا ويصوم يومًا. (وكان عبد الله) بن عمرو بن العاصي (يقول بعد ما كبر): بكسر الموحدة أي وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه وشق عليه (يا ليتني قبلت رخصة ﷺ ¬) وأخذت بالأخف. ٥٦ - باب صَوْمِ الدَّهْرِ (باب) بيان حكم (صوم الدهر) هل هو مشروع أم لا؟ ومذهب الشافعية استحبابه لإطلاق الأدلة ولأنه- ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد بيده" أخرجه أحمد والنسائي وابنا خزيمة وحبان والبيهقي أي عنه فلم يدخلها. قال الغزالي: لأنه لما ضيق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرقها بالعبادة فإن خاف ضررًا أو فوت حق كره صومه وهل المراد الواجب أو المندوب؟ قال السبكي: ويتجه أن يقال أنه إن علم أنه يفوّت حقًا واجبًا حرم وإن علم أنه يفوت حقًا مندوبًا أولى من الصيام كره وإن كان يقوم مقامه فلا. ١٩٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: "أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ: فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهْوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ. فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاصي (قال: أخبر رسول الله ﷺ ¬) بضم الهمزة وسكون المعجمة وكسر الموحدة مبنيًا للمفعول ورسول الله رفع نائب عن الفاعل (إني أقول: والله لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ما عشت)، أي مدة حياتي. (فقلت له): ﵊ فيه كلام مطويّ تقديره فقال لي ﵊: أنت تقول والله لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ما عشت، ولمسلم: أنت الذي تقول ذلك فقلت له: (قد) ولأبي الوقت: فقد (قلته بأبي أنت وأمي) أي أفديك بهما (قال) ﵊. (فإنك لا تستطيع ذلك) الذي قلته من صيام النهار وقيام الليل لحصول المشقة وإن لم يتعذر الفعل أو بأن تبلغ من العمر ما يتعذر معه ذلك وعلمه ﵊ بطريق ما أو المراد لا تستطيع ذلك مع القيام ببقية المصالح الشرعية شرعًا (فصم وأفطر)، بهمزة قطع (وقم ونم)، ثم بين ما أجمل فقال (وصم من الشهر ثلاثة أيام) لم يعينها ثم علل وجه كونها ثلاثة بقوله (فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر) استشكل هذا من جهة أن القواعد تقتضي أن المقدر لا يكون كالمحقق وأن الأجور تتفاوت

стр. 1403

بحسب تفاوت المصالح أو المشقّة في الفعل فكيف يوازي من له حسنة واحدة في كل يوم جميع السنة من له عشر فيه وكيف يتساوى العامل وغيره في الأجر؟ وأجيب: بأن المراد هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل من الفعل فالمثلية لا تقتضي المساواة من كل وجه. نعم يصدق على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازًا قال عبد الله (قلت): يا رسول الله (إني أطيق أفضل من ذلك) أكثر من صيام ثلاثة أيام من كل شهر (قال): ﵊: (فصم يومًا وأفطر يومين) بالإفراد في الأول والتثنية في الآخر وفي رواية حسين المعلم في الأدب فصم من كل جمعة ثلاثة أيام. وفي رواية أبي المليح الآتية إن شاء الله تعالى في باب صوم داود: أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ قال، قلت يا رسول الله. قال: خمسًا قلت: يا رسول الله. قال: سبعًا. قلت يا رسول الله. قال: تسعًا قلت يا رسول الله قال: إحدى عشرة (قلت إني أطيق أفضل) أكثر (من ذلك قال): (فصم يومًا وأفطر يومًا فذلك صيام داود ﵇ وهو أفضل الصيام) وفي قيام الليل من طريق عمرو بن أوسٍ عن عبد الله بن عمرو أحب الصيام إلى الله صيام داود، وهذا يقتضي ثبوت الأفضلية مطلقًا ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة (فقلت: إني أطيق أفضل) أكثر (من ذلك، فقال النبي ﷺ ¬): (لا) صوم (أفضل من ذلك) فهو يفضل من صوم الدهر كما قاله المتولي وغيره: ويترجج من حيث المعنى بأن صيام الدهر قد يفوّت بعض الحقوق وبأن من اعتاده فإنه لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهارًا ويألف تناوله في الليل بحيث يتجدد له طبع زائد بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنه ينتقل من فطر إلى صوم ومن صوم إلى فطر، وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصوم ويأمن مع ذلك من تفويت الحقوق، وعند سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن ابن مسعود أنه قيل له: إنك لتقل الصيام. فقال: إني أخاف أن يضعفني عن القراءة والقراءة أحب إلي من الصيام، لكن في فتاوى ابن عبد السلام أن صوم الدهر أفضل لأنه أكثر عملاً فيكون أكثر أجرًا وما كان أكثر أجرًا كان أكثر ثوابًا وبذلك جزم الغزالي أولاً وقيده بشرط أن لا يصوم الأيام المنهي عنها وأن لا يرغب عن السنة بأن يجعل الصوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن فالصوم من أفضل الأعمال فالاستكثار منه زيادة في الفضل. وقوله في الحديث: لا أفضل من ذلك أي لك وذلك لما علم من حاله ومنتهى قوته وأن ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن الفرائض ويقعد به عن الحقوق والمصالح، ويلتحق به من في معناه. لكن تعقبه ابن دقيق العيد بأن الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد وليس كل ذلك معلومًا لنا ولا مستحضرًا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فمقدار تأثير كل واحدة منها في الحث أو المنع غير محقق لنا فالطريق حينئذ أن نفوّض الأمر إلى صاحب الشرع ونجري على ما دل عليه ظاهر الشرع من قوة الظاهر هنا، وأما زيادة العمل واقتضاء العادة لزيادة الأجر بسببه فيعارضه اقتضاء العادة والجبلة للتقصير في حقوق يعارضها الصوم الدائم ومقادير ذلك الفائت مع أن مقادير الحاصل من الصوم غير معلومه لنا. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: وذلك مثل صيام الدهر. ٥٧ - باب حَقِّ الأَهْلِ فِي الصَّوْمِ، رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - (باب حق الأهل) الأولاد والقرابة (في الصوم رواه) أي حق الأهل (أبو جحيفة) وهب بن عبد الله السوائي فيما سبق في قصة سلمان وأبي الدرداء (عن النبي ﷺ ¬) حيث قال سلمان لأبي الدرداء: وأن لأهلك عليك حقًا، وأقره ﷺ عليه. ١٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَطَاءً أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ يَقُولُ: "بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَىَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي وَلَا تَنَامُ؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا. قَالَ: إِنِّي لأَقْوَى لِذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ﵇ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى. قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ" قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ». مَرَّتَيْنِ. وبالسند قال (حدّثنا عمرو بن علي) الباهلي الصيرفي الفلاس البصري قال: (أخبرنا) ولابن عساكر: حدّثنا (أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكي قال: (سمعت عطاء) هو ابن أبي رباح المكي (أن أبا العباس) السائب الأعمى (الشاعر) المكي (أخبره أنه سمع عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: بلغ النبي ﷺ ¬) أي من أبيه عمرو بن العاص

стр. 1404

(إني أُسرد الصوم)، بضم الراء أي أصوم متتابعًا ولا أفطر (وأصلي الليل) كله (فإما أرسل) ﵊ (إليّ وإما لقيته) ﵊ من غير إرسال (فقال): (ألم أخبر) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة (إنك تصوم ولا تفطر وتصلي)؟ أي الليل (ولا تنام فصم وأفطر) بهمزة قطع (وقم ونم، فإن لعينك) بالإِفراد ولغير السرخسي والكشميهني كما في الفتح: لعينيك بالتثنية (عليك حظًا) بالظاء المعجمة بدل القاف أي نصيبًا من النوم (وإن لنفسك وأهلك عليك حظًا) بالظاء المعجمة أيضًا وحق النفس الرفق بها والأهل في الكسب والقيام بنفقتهم ولا يدئب نفسه بحيث يضعف عن القيام بما يجب من ذلك (قال) عبد الله (إني لأقوى لذلك) أي لسرد الصوم دائمًا ولابن عساكر إني لأقوى ذلك كذا في اليونينية بإسقاط حرف الجر وفي نسخة على ذلك (قال): ﵊: (فصم صيام داود ﵇ (قال) عبد الله يا رسول الله (وكيف)؟ أي صيام داود كما في مسلم (قال): ﵊ (كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر) أي لا يهرب (إذا لاقى) العدو أشار به إلى أن الصوم على هذا الوجه لا ينهك البدن بحيث يضعف عن لقاء العدو بل يستعان بفطر يوم على صيام يوم فلا يضعف عن الجهاد وغيره من الحقوق. (قال) عبد الله (من لي بهذه) الخصلة الأخيرة وهي عدم الفرار أي من يتكفل لي بها (يا نبي الله. قال عطاء): هو ابن أبي رباح بالإسناد السابق (لا أدري كيف ذكر) بفتحات (صيام الأبد) أي لا أحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصة إلا أني أحفظ أنه (قال النبي ﷺ ¬): (لا صام من صام الأبد مرتين) استدلّ به من قال بكراهة صوم الدهر لأن قوله: لا صام يحتمل الدعاء ويحتمل الخبر. قال ابن العربي: إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي ﷺ ، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه ﷺ أنه لم يصم وإذا لم يصم شرعًا فلم يكتب له ثواب لوجوب صدق قوله ﵊ لأنه نفى عنه الصوم وقد نفى عنه الفضل كما تقدم فكيف يطلب الفضل فيما نفاه ﷺ ، وأجيب بأجوبة: أحدها: أنه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيد والتشريق. قال النووي: وبهذا أجابت عائشة اهـ. وهو اختيار ابن المنذر وطائفة، وتعقب بأنه ﵊ قال جوابًا لمن سأله عن صوم الدهر لا صام ولا أفطر وهو يؤذن بأنه لا أجر ولا إثم، ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المحرمة يكون قد فعل مستحبًا وحرامًا، وأيضًا فإن الأيام المحرمة مستثناة في الشرع غير قابلة للصوم شرعًا فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض فلم تدخل في السؤال عند من علم بتحريمها ولا يصلح الجواب بقوله: لا صام ولا أفطر لمن لم يعلم بتحريمها قاله في فتح الباري. الثاني: أنه محمول على من تضرر به أو فوت به حقًا ويؤيده أن النهي كان خطابًا لعبد الله بن عمرو بن العاصي، وقد ذكر مسلم عنه أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرخصة. الثالث: أن معناه الخبر عن كونه لم يجد من المشقّة ما يجد غيره لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد في صومه مشقة، وتعقبه الطيبي بأنه مخالف لسياق الحديث ألا تراه كيف نهاه أولاً عن صيام الدهر كله ثم حثه على صوم داود ﵊ والأولى أن يكون خبرًا عن أنه لم يمتثل أمر الشرع. ٥٨ - باب صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ (باب صوم يوم وإفطار يوم). ١٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَقَالَ اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كلِّ شَهْرٍ، قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ، فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: فِي ثَلَاثٍ". وبالسند قال (حدّثنا محمد بن بشار) بتشديد المعجمة قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن مغيرة) بن مقسم الضبي الكوفي (قال: سمعت مجاهدًا عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال) له: (صم من الشهر ثلاثة أيام) زاد في باب صيام الدهر وذلك مثل صيام الدهر (قال) إني (أطيق أكثر من ذلك) فما زال حتى قال: (صم يومًا وأفطر يومًا) زاد في الباب المذكور فذلك صيام داود وهو أفضل

стр. 1405

الصيام (فقال): ﵊ (اقرأ القرآن في كل شهر)، (قال) عبد الله: (إني أطيق أكثر)، من ذلك (فما زال) ﵊ (حتى قال): ﵊ اقرأه (في ثلاث) أي ثلاث ليال. ولمسلم من طريق أبي سلمة قال عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة قال: فإما ذكر للنبي ﷺ ، وإما أرسل إليّ فأتيته فقال: ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟ فقلت: بلى يا نبي الله الحديث وفيه قال: اقرأ القرآن في كل شهر. قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل عشرين. قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل عشر. قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في سبع ولا تزد. قال في المصابيح: ولهذا منع كثير من العلماء الزيادة على السبع. قال النووي: وقد كان بعضهم يختم في كل شهر وهو أقله وأما أكثره فثمان ختمات في اليوم والليلة على ما بلغنا اهـ. وفي سنة سبع وستين وثمانمائة رأيت بالقدس الشريف شيخًا يدعى بأبي الطاهر من أصحاب الشيخ ابن رسلان قيل: إنه جاوز العشر في اليوم والليلة فالله أعلم، بل أخبرني شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف المقدسي أمتع الله بحياته عنه أنه يقرأ خمس عشرة ختمة، وفي الصفوة عن منصور بن زاذان أنه كان يختم بين المغرب والعشاء ختمتين ويبلغ في الختمة الثالثة إلى الطواسين. ٥٩ - باب صَوْمِ دَاوُدَ ﵇ (باب صوم داود ﵊ عقبه بسابقه إشارة إلى الاقتداء بداود ﵊ في صوم يوم وإفطار يوم. ١٩٧٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمَكِّيَّ -وَكَانَ شَاعِرًا، وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ. قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇: كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى». وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا حبيب بن أبي ثابت) الأسدي الأعور. (قال: سمعت أبا العباس المكي وكان شاعرًا) والشاعر قد يتهم فيما يحدث به لما تقتضيه صناعته من المبالغة في الإطراء (و) لكن هذا (كان لا يتهم في حديثه) مرويه من الحديث وغيره وقد وثقه أحمد وابن معين وغيرهما وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الجهاد وآخر في المغازي وأعادهما في الأدب (قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ قال: قال لي النبي ﷺ ¬): (إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل)، (فقلت: نعم، قال): ﵊ (إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين) بفتح الهاء والجيم أي غارت وضعف بصرها (ونفهت) بفتح النون وكسر الفاء أي تعبت وكلت (له النفس) وفي رواية النسفيّ كما في الفتح: نثهت بالمثلثة بدل الفاء واستغربها ابن التين، وقال ابن حجر: وكأنها أبدلت من الفاء فإنها تبدل منها كثيرًا. قال العيني: لم يذكر لذلك مثالاً ولا نسبه إلى أحد من أهل العربية ولم يذكر هذا أحد في الحروف التي يبدل بعضها من بعض فإن كان يوجد فربما يوجد في لسان ذي لثغة فلا يبنى عليه شيء اهـ. قلت: وقد وقع إبدال الثاء بالفاء في قوله تعالى: ﴿فومها﴾ أي ثومها فلا وجه لإنكار ذلك ولأبي الوقت وابن عساكر: نهثت بنون فهاء فمثلثة مفتوحات، وللكشميهني: نهكت بهاء بعد النون ثم كاف بفتحات في بعض الأصول وفي بعضها بكسر الهاء وفي الفرع كشط الضبط. قال في فتح الباري: أي هزلت وضعفت. قال العيني: ولا وجه له إلا إذا ضم النون من نهكته الحمى إذا أضنته اهـ وقال الأبي: وضبطه بعضهم بضم النون وكسر الهاء وفتح الكاف وهو ظاهر كلام عياض. وقال في القاموس: نهكه كمنعه نهاكة غلبة والحمى أضنته وهزلته وجهدته كنهكته كفرح نهكًا ونهكًا ونهكة ونهاكة أو النهك المبالغة في كل شيء ونهكه السلطان كسمعه نهكًا ونهكة بالغ في نهكته عقوبته كأنهكه (لا صام من الدهر)، لأن منه العيد والتشريق والصوم فيها حرام قال الخطابي يحتمل أنه دعاء ويحتمل أن لا بمعنى لم نحو فلا صدق ولا صلّى اهـ. فهو على هذا التقدير خبر لأن لم تخلص للمضي، وقد تقدم ما فيه من البحث قريبًا في سابق سابقه (صوم ثلاثة أيام) أي من كل شهر (صوم الدهر كله). أي بالتضعيف كما مرّ فإن الحسنة بعشر أمثالها. قال عبد الله

стр. 1406

(قلت) يا رسول الله (فإني أطيق أكثر من ذلك قال): ﵊ (فصم صوم داود ﵇ كان) ولابن عساكر: وكان (يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى) العدو لأنه يستعين بيوم فطره على يوم صومه فلم يضعفه ذلك عن لقاء عدوه. ١٩٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَلِيحِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي، فَدَخَلَ عَلَىَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ وَصَارَتِ الْوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَقَالَ: أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ … قَالَ: خَمْسًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ … قَالَ: سَبْعًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ … قَالَ: تِسْعًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ … قَالَ: إِحْدَى عَشْرَةَ. ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ ﵇: شَطْرَ الدَّهْرِ، صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا". وبه قال: (حدّثنا إسحاق الواسطي) ولأبوي ذر والوقت: إسحاق بن شاهين الواسطي قال: (حدّثنا خالد) هو الطحان الواسطي ولأبي ذر وابن عساكر: خالد بن عبد الله (عن خالد) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: زيادة الحذاء (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (قال أخبرني) ولأبي الوقت: حدثني بالإفراد فيهما (أبو المليح) بفتح الميم وكسر اللام وسكون المثناة التحتية آخره حاء مهملة اسمه عامر أو زيد بن أسامة بن عمير الهذلي (قال: دخلت مع أبيك) زيد بن عمرو الجرمي فالخطاب لأبي قلابة (على عبد الله بن عمرو) هو ابن العاصي (فحدّثنا) أي والد أبي قلابة (أن رسول الله ﷺ ¬) بفتح المثلثة (ذكر له صومي) بضم الذال مبنيًّا للمفعول (فدخل عليّ) ﷺ (فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف فجلس على الأرض) تواضعًا وتركًا للاستئثار على عادته الشريفة ﷺ وزاده شرفًا (وصارت الوسادة بيني وبينه فقال): لي. (أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام) (قال) عبد الله (قلت) لا يكفيني الثلاث من كل شهر (يا رسول الله قال): ﵊: صم (خمسًا) من كل شهر، ولأبي ذر عن الكشميهني: خمسة بالتأنيث على إرادة الأيام والأول على إرادة الليالي وفيه تجوّز (قلت) لا تكفيني الخمسة (يا رسول الله، قال) ﵊ صم (سبعًا) أي من كل شهر ولأبي ذر عن الكشميهني: سبعة بالتأنيث كما مر قال عبد الله: (قلت) لا تكفيني السبعة (يا رسول الله قال): ﵊ صم (تسعًا) من كل شهر وللكشميهني تسعة كما سبق قال عبد الله: (قلت) لا تكفيني (يا رسول الله قال): ﵊ صم: (إحدى عشرة) بكسر الهمزة وسكون الحاء والشين من عشرة وآخره هاء تأنيث وللكشميهني أحد عشر (ثم قال النبي ﷺ ¬) (لا صوم) أي لا فضل ولا كمال في صوم التطوّع (فوق صوم داود ﵇: وفيه ما مر من كونه أفضل من صوم الدهر أو الخطاب خاص بعبد الله ويلحق به من في معناه ممن يضعفه عن الفرائض والحقوق (شطر الدهر)، أي: نصفه وهو بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هو شطر الدهر والجر بدل من قوله صوم داود، وهذان الوجهان رواية أبي ذر كما في الفرع ولغيره شطر بالنصب على أنه مفعول فعل مقدّر أي هاك أو خذ أو نحو ذلك (صم يومًا وأفطر يومًا) وفي رواية عمر بن عون: صيام يوم وإفطار يوم ويجوز فيه الأوجه الثلاثة السابقة. ٦٠ - باب صِيَامِ أَيَّامِ الْبِيضِ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ (باب صيام أيام) الليالي (البيض): وسقط لأبي الوقت وابن عساكر لفظ أيام وفي الفتح أنه رواية الأكثر وإثبات أيام رواية الكشميهني والأول هو الذي في الفرع والبيض صفة لمحذوف وهو الليالي وسميت بذلك لأنها مقمرة لا ظلمة فيها وهي (ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) ليلة البدر وما قبلها وما بعدها يكون القمر فيها من أول الليل إلى آخره، ولأبي ذر عن الكشميهني: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر وهذا باعتبار الأيام والأول باعتبار الليالي ولا يقال البيض صفة للأيام كما لا يخفى. وأما قوله في الفتح: إن اليوم الكامل هو النهار بليلته وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض فصح قوله الأيام البيض على الوصف فتعقبه في عمدة القاري بأن قوله أن اليوم الكامل هو النهار بليلته غير صحيح لأن اليوم الكامل في اللغة من طلوع الشمس إلى غروبها وفي الشرع من طلوع الفجر الصادق وليس لليلة دخل في حد النهار، وأما قوله ونهارها أبيض فيقتضي أن بياض نهار أيام البيض من بياض الليلة وليس كذلك لأن صيام الأيام كلها بالذات وأيام الشهر كلها بيض فسقط قوله وليس في الشهر يوم أبيض كله إلا هذه الأيام اهـ. وهذا الذي قاله في الفتح سبقه إليه

стр. 1407

ابن المنير فقال: وأنكر بعض اللغوين أن يقال الأيام البيض وقال: إنما هي الليالي البيض وإلاّ فالأيام كلها بيض وهذا وهم منه، والحديث يرد عليه أي ما ذكره ابن بطال عن شعبة عن أنس بن سيرين عن عبد الملك بن المنهال عن أبيه قال أمرني النبي ﷺ بالأيام البيض وقال هو صوم الدهر. قال: واليوم اسم يدخل فيه الليل والنهار وما كل يوم أبيض بجملته إلا هذه الأيام فإن نهارها أبيض وليلها أبيض فصارت كلها بيضًا وأظنه سبق إلى وهمه أن اليوم هو النهار خاصة اهـ. قال في المصابيح: الظاهر أن مثل هذا ليس بوهم فإن اليوم وإن كان عبارة عن الليل والنهار جميعًا لكنه بالنسبة إلى الصوم إنما هو النهار خاصة وعليه فكل يوم يصام هو أبيض لعموم الضوء فيه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس اهـ. وقال في الأنصاف: سميت بيضًا لابيضاضها ليلاً بالقمر ونهارًا بالشمس، وقيل لأن الله تعالى تاب فيها على آدم وبيض صحيفته. ١٩٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَىِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما عبد الله بن عمرو المنقري المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سهل التميمي قال: (حدّثنا أبو التياح) بفتح المثناة الفوقية وتشديد التحتية آخره حاء مهملة يزيد بن حميد الضبعي (قال: حدثني) بالإفراد (أبو عثمان) هو عبد الرحمن النهدي (عن أبي هريرة ﵁ قال): (أوصاني خليلي) رسول الله (¬ ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر)، بجر صيام بدل من ثلاث ولم يعين الأيام بل أطلقها. واستشكلت المطابقة بين الترجمة والحديث، وأجيب: بأن المؤلّف جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث عند النسائي وصححه ابن حبان من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ بأرنب قد شواها فأمرهم أن يأكلوأ وأمسك الأعرابيّ فقال: ما منعك أن تأكل؟ قال: إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر قال: إن كنت صائمًا فصم الغر آي البيض وهذا الحديث اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا بينه وبين الدارقطني. وفي بعض طرقه عند النسائي إن كنت صائمًا فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وعنده أيضًا من حديث جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر وأيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وإسناده صحيح، وفي رواية أيام البيض بغير واو ففيه استحباب صوم الثلاثة التي أولها الثالث، والمعنى فيه أن الحسنة بعشر أمثالها فصومها كصوم الشهر ومن ثم سن صوم ثلاثة أيام من كل شهر ولو غير أيام البيض كما في البحر وغيره لإطلاق حديث الباب وغيره. قال السبكي: والحاصل أنه يسن صوم ثلاثة أيام من كل شهر وأن تكون أيام البيض فإن صامها أتى بالسنتين وتترجح البيض بكونها وسط الشهر ووسط الشيء أعدله ولأن الكسوف غالبًا يقع فيها وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع. وسئل الحسن البصري: لم صام الناس الأيام البيض وأعرابي يسمع؟ فقال الأعرابي: لأنه لا يكون الكسوف إلا فيهن ويحب الله أن لا تكون في السماء آية إلا كان في الأرض عبادة، والاحتياط صوم الثاني عشر مع أيام البيض لأن في الترمذي أنها الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر، ورجح بعضهم صيام الثلاثة في أول كل شهر لأن المرء لا يدري ما يعرض له من الموانع. وفي حديث ابن مسعود عند أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة أن النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقال بعضهم: يصوم من أول كل عشرة أيام يومًا. وفي حديث عبد الله بن عمر وعند النسائي: صم من كل عشرة أيام يومًا. وروى أبو داود والنسائي من حديث حفصة: كان النبي ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى. وروى الترمذي عن عائشة: كان النبي ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس، وقد جمع البيهقي بين ذلك وبين ما قبله بما في مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر

стр. 1408

ثلاثة أيام ما يبالي من أي الشهر صام قال: فكل من رآه فعل نوعًا ذكره وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت. وروى أبو داود عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرتي أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الاثنين والخميس، والمعروف من قول مالك كراهة تعيين أيام النفل أو يجعل لنفسه شهرًا أو يومًا يلتزم صومه، وروي عنه كراهة تعمد صيام الأيام البيض وقال: ما كان ببلدنا. وروي عنه أنه كان يصومها وأنه كتب إلى الرشيد يحضه على صومها. قال ابن رشد: وإنما كرهها لسرعة أخذ الاسم بمذهبه فيظن الجاهل وجوبها، والمشهور من مذهبه استحباب ثلاثة أيام من كل شهر وكراهة كونها البيض لأنه كان يفر من التحديد. وقال الماوردي: ويسن صوم أيام السود الثامن والعشرين وتالييه، وينبغي أيضًا أن يصام معها السابع والعشرون احتياطًا، وخصت أيام البيض وأيام السود بذلك لتعميم ليالي الأولى بالنور وليالي الثانية بالسواد فناسب صوم الأولى شكرًا والثانية لطلب كشف السواد، ولأن الشهر ضيف قد أشرف على الرحيل فناسب تزويده بذلك والحاصل مما سبق أقوال. أحدها: استحباب ثلاثة أيام من الشهر غير معينة. الثاني: استحباب الثالث عشر وتالييه وهو مذهب الشافعي وأصحابه وابن حبيب من المالكية وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد. الثالث: استحباب الثاني عشر وتالييه وهو في الترمذي. الرابع: استحباب ثلاثة أيام من أوّل الشهر. الخامس: السبت والأحد والاثنين من أول شهر ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من أوّل الشهر الذي يليه. السادس: استحبابها في آخر الشهر. السابع: أولها الخميس والاثنين والخميس. الثامن: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى. التاسع: أن يصوم من أوّل كل عشرة أيام يومًا. (وركعتي الضحى) عطف على السابق أي: قال أبو هريرة: وأوصاني خليلي ﵊ بصلاة ركعتي الضحى، وزاد أحمد في كل يوم (وأن أوتر) أي وبالوتر (قبل أن أنام) وليست الوصية بذلك خاصة بأبي هريرة، فقد وردت وصيته ﵊ بالثلاث أيضًا لأبي ذر كما عند النسائي، ولأبي الدرداء كما عند مسلم، وقيل في تخصيص الثلاثة بالثلاثة لكونهم فقراء لا مال لهم فوصاهم بما يليق بهم وهو الصوم والصلاة وهما من أشرف العبادات البدنية. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، ورواته الأول بصريون، وأبو عثمان كوفي نزل البصرة، وقد مضى في باب: صلاة الضحى في السفر. ٦١ - باب مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ (باب من زار قومًا) وهو صائم في التطوّع (فلم يفطر عندهم). ١٩٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ "دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ. ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا. فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي خُوَيْصَةً، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ. فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلاَّ دَعَا لِي بِهِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالاً وَوَلَدًا، وَبَارِكْ لَهُ. فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الأَنْصَارِ مَالاً. وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ". قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [الحديث ١٩٨٢ - أطرافه في: ٦٣٣٤، ٦٣٤٤، ٦٣٧٨، ٦٣٨٠]. وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري الزمن (قال: حدثني) بالإفراد ولأبي الوقت حدّثنا (خالد هو ابن الحرث) بينه لرفع الإيهام لاشتراك من يسمى خالدًا في الرواية عن حميد الآتي ممن يمكن أن يروي عنه ابن المثنى وخالد هذا هو الهجيمي قال: (حدّثنا حميد) الطويل البصري (عن أنس ﵁) أنه قال: (دخل النبي ﷺ على أم سليم)، والدة أنس المذكور واسمها الغميصاء بالغين المعجمة والصاد المهملة أو الرميصاء بالراء بدل المعجمة وقيل اسمها سهلة. وعند أحمد من طريق حماد عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ دخل على أم حرام وهي خالة أنس لكن في بقية الحديث ما يدل على أنهما معًا كانتا مجتمعتين (فأتته) أم سليم (بتمر وسمن) على سبيل الضيافة (قال) ﵊: (أعيدوا سمنكم في سقائه) بكسر السين ظرف الماء من الجلد وربما جعل فيه السمن والعسل (و) أعيدوا (تمركم في وعائه فإني صائم) (ثم قام إلى ناحية من البيت فصلّى غير المكتوبة). وفي رواية أحمد عن ابن أبي عدي عن حميد فصلّى ركعتين وصلينا معه (فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله إن لي خويصة) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون المثناة التحتية وتشديد الصاد المهملة تصغير خاصة وهو مما اغتفر فيه التقاء الساكنين أي الذي يختص بخدمتك (قال) ﵊: (ما هي)

стр. 1409

الخويصة (قالت) هو (خادمك أنس). فادع له دعوة خاصة وصغرته لصغر سنه، وقولها أنس رفع عطف بيان أو بدل، ولأحمد من رواية ثابت المذكورة أن لي خويصة خويدمك أنس ادع الله له قال أنس: (فما ترك خير آخرة ولا) خير (دنيا إلا دعا لي به). قال في الكشاف في قوله تعالى: ﴿إنما صنعوا كيد ساحر﴾ [طه: ٦٩]. فإن قلت: فلم نكر أوّلاً وعرّف ثانيًا؟ قلت: إنما نكر من أجل تنكير المضاف لا من أجل تنكيره في نفسه كقول العجاج: يوم ترى النفوس ما أعدّت … في سعي دنيا طالما قد مدّت وفي حديث عمر ﵁: لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة أراد تنكير الأمر كأنه قيل: إنما صنعوا كيد سحري وفي سعي دنيوي وأمر دنيوي وأخروي اهـ. فتنكير الآخرة هنا القصد به تنكير خير المضاف إليهما أي: ما ترك خيرًا من خيور الآخرة ولا خيرًا من خيور الدنيا إلا دعا لي به، لكن تعقب أبو حيان في البحر الزمخشري بأن قول العجاج في سعي دنيا محمول على الضرورة إذ دنيا تأنيث الأدنى ولا يستعمل تأنيثه إلا بالألف واللام أو بالإضافة. قال: وأما قول عمر فيحتمل أن يكون من تحريف الرواة اهـ. وعند أحمد من رواية عبيدة بن حميد عن حميد فكان من قوله أي النبي ﷺ "اللهم أرزقه مالاً وولدًا وبارك له" وزاد أبو ذر وابن عساكر ونسبها الحافظ ابن حجر للكشميهني فيه بالتوحيد باعتبار المذكور، ولأحمد فيهم بالجمع اعتبارًا بالمعنى (فإني لمن أكثر الأنصار مالاً) نصب على التمييز، وفاء فإني لتفسير معنى البركة في ماله، واللام في قوله لمن للتأكيد، ولم يذكر الراوي ما دعا له به من خير الآخرة اختصارًا، ويدل له ما رواه ابن سعد بإسناد صحيح عن الجعد عن أنس قال: اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره واغفر ذنبه أو أن لفظ بارك إشارة إلى خير الآخرة أو المال والولد الصالحان من جلة خير الآخرة لأنهما يستلزمانها قاله البرماوي كالكرماني. قال أنس: (وحدثتني ابنتي أمينة) بضم الهمزة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية وفتح النون ثم هاء تأنيث تصغير آمنة (أنه دفن) بضم الدال مبنيًا للمفعول من ولدي (لصلبي) أي غير أسباطه وأحفاده (مقدم) مصدر وسمي بالنصب على نزع الخافض أي أن الذي مات من أول أولاده إلى مقدم (حجاج) ولأبي ذر: مقدم الحجاج أي ابن يوسف الثقفي (البصرة) سنة خمس وسبعين وكان عمر أنس إذ ذاك نيفًا وثمانين سنة (بضع وعشرون ومائة) بكسر الموحدة وقد تفتح ما بين الثلاث إلى التسع والبصرة نصب بمقدم بمعنى قدوم ويقدر قلبه زمان قدومه البصرة إذ لو جعل مقدم اسم زمان لم ينصب مفعولاً قاله البرماوي كالكرماني. ورواة هذا الحديث كلهم بصريون. وبه قال (حدّثنا) ولأبوي ذر والوقت: قال (ابن أبي مريم) سعيد الجمحي المصري فعلى الأول يكون موصولاً (أخبرنا يحيى) ولأبوي ذر والوقت: يحيى بن أيوب الغافقي المصري (قال: حدثني) بالإفراد (حميد) الطويل أنه (سمع أنسًا ﵁ عن النبي ﷺ ¬). وفائدة ذكر هذه الطريق بيان سماع حميد لهذا الحديث من أنس لما اشتهر من أن حميدًا كان ربما دلس على أنس وقد طرح زائدة حديثه لدخوله في شيء من أمر الخلفاء، وقد اعتنى البخاري في تخريجه لأحاديث حميد بالطرق التي فيها تصريحه بالسماع بذكرها متابعة وتعليقًا وروى له الباقون. ٦٢ - باب الصَّوْمِ من آخِر الشَّهْرِ (باب الصوم آخر الشهر) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: من آخر الشهر. ١٩٨٣ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ عَنْ غَيْلَانَ، وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . أَنَّهُ سَأَلَهُ -أَوْ سَأَلَ رَجُلاً وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ- فَقَالَ: يَا أَبَا فُلَانٍ أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ قَالَ: يَظُنُّهُ قَالَ يَعْنِي رَمَضَانَ، قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ، لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ثَابِثٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ». (حدّثنا الصلت بن محمد) أبو همام الخاركي بخاء معجمة قال (حدّثنا مهدي) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدال ابن ميمون المعولي الأزدي بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو البصري (عن غيلان) بالغين المعجمة ابن جرير المعولي الأزدي البصري أيضًا قال المؤلّف: (ح). (وحدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا مهدي بن ميمون) المعولي قال: (حدّثنا غيلان بن جرير) المعولي (عن مطرف) بضم الميم وكسر الراء مشددة ابن عبد الله بن الخير بكسر الشين والخاء المشدّدتين المعجمتين آخره

стр. 1410

راء العامري (عن عمران بن حصين) أسلم عام خيبر وتوفي سنة اثنتين وخمسين (﵄ عن النبي ﷺ أنه) ﷺ (سأله) أي عمران (أو سأل رجلاً) شك من مطرف وزاد أبو عوانة في مستخرجه من أصحابه (وعمران يسمع) جملة حالية (فقال): (يا أبا فلان) قال الحافظ ابن حجر كذا في نسخة من رواية أبي ذر بأداة الكنية وللأكثر يا فلان بإسقاطها "أما" بالتخفيف (صمت سرر هذا الشهر) بفتح السين وكسرها وحكى القاضي عياض ضمها وقال: هو جمع سرة ويقال سرار الشهر وسراره بكسر السين وفتحها ذكره ابن السكيت وغيره قيل: والفتح أفصح قاله الفراء، واختلف في تفسيره والمشهور أنه آخر الشهر وهو قول الجمهور من أهل اللغة والغريب والحديث، وسمي بذلك لاستسرار القمر فيها وهي ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين يعني استتاره وهذا موافق لما ترجم له هنا. واستشكل بقوله ﵊ في حديث أبي هريرة عند الشيخين السابق: لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا من كان يصوم يومًا فليصمه. وأجيب: بأن الرجل كان معتادًا لصيام سرر الشهر أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقالت طائفة: سرر الشهر أوّله وبه قال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز فيما حكاه أبو داود. وأجيب: بأنه لا يصح أن يفسر سرر الشهر وسراره بأوّله لأن أوّل الشهر يشتهر فيه الهلال ويرى من أوّل الليل ولذلك سمي الشهر شهرًا لاشتهاره وظهوره عند دخوله فتسمية ليالي الاشتهار ليالي السرار قلب للغة والعرف، وقد أنكر العلماء ما رواه أبو داود عن الأوزاعي منهم الخطابي وقيل: السرر وسطه وحكاه أبو داود أيضًا ورجحه بعضهم، ووجهه بأن السرر جمع سرة وسرة الشيء وسطه وأيدوه بما ورد من استحباب صوم أيام البيض. وفي رواية مسلم من حديث عمران بن حصين المذكور هل صمت من سرة هذا الشهر وفسر بالأيام البيض. وأجيب: بأن الأظهر أنه الآخر كما قال الأكثر لقوله فإذا أفطرت فصم يومين من سرر هذا الشهر والمشار إليه شعبان ولو كان السرر أوّله أو وسطه لم يفته. (قال) أبو النعمان (أظنه قال: يعني رمضان)، لم يقل الصلت ذلك لكن روى الجوزقي من طريق أحمد بن يوسف السلمي عن أبي النعمان بدون ذلك قال الحافظ ابن حجر: وهو الصواب. (قال الرجل: لا يا رسول الله) ما صمته (قال) (فإذا أفطرت) أي من رمضان كما في مسلم (فصم يومين) بعد العيد عوضًا عن سرر شعبان (لم يقل الصلت أظنه يعني رمضان قال أبو عبد الله): أي البخاري وسقط ذلك في رواية ابن عساكر، (وقال ثابت) فيما وصله مسلم (عن مطرف) المذكور (عن عمران) بن حصين (عن النبي ﷺ ¬): (من سرر شعبان) وليس هو برمضان كما ظنه أبو النعمان ونقل الحميدي عن البخاري أنه قال شعبان أصح، وقال الخطابي ذكر رمضان هنا وهم لأن رمضان يتعين صوم جميعه. ورواة الحديث الأول بصريون وأضاف رواية أبي النعمان إلى الصلت لما وقع فيها من تصريح مهدي بالتحديث عن غيلان، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. ٦٣ - باب صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ (باب صوم يوم الجمعة، فإذا) بالفاء ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: وإذا (أصبح صائمًا يوم الجمعة فعليه أن يفطر) زاد في رواية أبوي ذر والوقت: يعني إذا لم يصم قبله ولا يريد أن يصوم بعده. قال الحافظ ابن حجر: وهذه الزيادة تشبه أن تكون من الفربري أو ممن دونه فإنها لم تقع في رواية النسفي عن البخاري، ويبعد أن يعبر البخاري عما يقوله بلفظ يعني ولو كان ذلك من كلامه لقال أعني بل كان يستغني عنها أصلاً ورأسًا، واعترضه العيني بأن عدم وقوع الزيادة في رواية النسفيّ لا يستلزم وقوعها من غيره وليس قوله يعني ببعيد فكأنه جعل قوله: وإذا أصبح صائمًا فعليه أن يفطر لغيره بطريق التجريد ثم أوضحه بقوله: يعني فافهم فإنه دقيق اهـ. فليتأمل ما فيه من التكلف. ١٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: "سَأَلْتُ جَابِرًا ﵁: أنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ". زَادَ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ "يَعْنِي أَنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عبد الحميد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة مصغرًا ولأبي

стр. 1411

ذر زيادة ابن شيبة وهو ابن عثمان بن طلحة الحجبي (عن محمد بن عباد) بفتح العين وتشديد الموحدة المخزومي (قال: سألت جابرًا) هو ابن عبد الله الأنصاري (﵁) زاد مسلم وغيره وهو يطوف بالبيت (نهى) بحذف همزة الاستفهام ولأبوي ذر والوقت: (أنهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم) زاد مسلم ورب هذا البيت، وللنسائي: ورب الكعبة، وعزاها في العمدة لمسلم فوهم والظاهر أنه نقله بالمعنى قال البخاري: (زاد غير أبي عاصم) النبيل من الشيوخ وهو فيما جزم به البيهقي يحيى بن سعيد القطان (أن ينفرد) يوم الجمعة (بصوم) ولأبوي ذر والوقت: يعني أن ينفرد بصومه والحكمة في كراهة إفراده بالصوم خوف أن يضعف إذا صامه عن الوظائف المطلوبة منه فيه، ومن ثم خصصه البيهقي والماوردي وابن الصباغ والعمراني نقلاً عن مذهب الشافعي بمن يضعف به عن الوظائف وتزول الكراهة بجمعه مع غيره، لكن التعليل بأن الصوم يضعف عن الوظائف المطلوبة يوم الجمعة يقتضي أنه لا فرق بين الإفراد والجمع. وأجاب في شرح المهذّب بأنه إذا جمع الجمعة حصل له بفضيلة صوم غيره ما يجبر ما حصل فيها من النقص، وقيل، الحكمة فيه أنه لا يتشبه باليهود في إفرادهم صوم يوم الاجتماع في معبدهم. وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة في الصوم. ١٩٨٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ». وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) النخعي الكوفي قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن الحرث بن ثعلبة قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا أبو صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول): (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة) ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي: لا يصوم. وقال الحافظ ابن حجر: للأكثر لا يصوم بلفظ النفي والمراد به النهي وللكشميهني: لا يصومن بلفظ النهي المؤكد (إلا) أن يصوم (يومًا قبله) وهو يوم الخميس (أو) يصوم يومًا (بعده) وهو السبت. وفي المستدرك من حديث أبي هريرة مرفوعًا يوم الجمعة عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده وقال: صحيح الإسناد إلا أن أبا بشر لم أقف له على اسم فقيل العلة كونه عيدًا كما في الحديث. وعند ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علّي: من كان منكم متطوّعًا من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب. وذكر لمسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش: لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده، وله أيضًا من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة: لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم. وهذه الأحاديث تفيد النهي المطلق في حديث جابر، والزيادة السابقة من تقييد الإطلاق بالإفراد ويؤخذ من الاستثناء الوارد في حديث مسلم جوازه لمن اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كأن اعتاد صوم يوم وفطر يوم فوافق صومه يوم الجمعة فلا كراهة كما في صوم يوم الشك. واستشكل زوال الكراهة بتقدم صوم قبله أو بعده بكراهة صوم يوم عرفة فإن كراهة صومه أو كونه على خلاف الأولى على ما رجحه محققو أصحابنا لا يزول بصوم قبله. وأجيب: بأن في اليوم قبله اشتغالاً بالتروية والإحرام بالحج لمن لم يكن محرمًا ففيه شيء من معنى يوم عرفة، واختلف في صوم يوم الجمعة على أقوال: كراهته مطلقًا وإباحته مطلقًا من غير كراهة وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وكراهة إفراده وهو مذهب الشافعية، والرابع أن النهي مخصوص بمن يتحرى صيامه ويخصه دون غيره فمتى صام مع صومه يومًا غيره فقد خرج عن النهي، وهذا يردّه قوله ﵊ لجويرية أصمت أمس الحديث الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى، والخامس: أنه يحرم إلا لمن صام قبله أو بعده أو وافق عادته وهو قول ابن حزم لظواهر الأحاديث ويكره أيضًا إفراد يوم السبت أو الأحد بالصوم لحديث الترمذي وحسنه والحاكم وصححه على شرط الشيخين لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض

стр. 1412

عليكم ولأن اليهود تعظم يوم السبت والنصارى يوم الأحد ولا يكره جمع السبت مع الأحد لأن المجموع لم يعظمه أحد. وهذا الحديث أخرجه مسلم وابن ماجه في الصوم. ١٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ ح. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهْيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ: أَصُمْتِ أَمْسِ؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَأَفْطِرِي". وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ سَمِعَ قَتَادَةَ حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ: "أَنَّ جُوَيْرِيَةَ حَدَّثَتْهُ فَأَمَرَهَا فَأَفْطَرَتْ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج (ح) مهملة لتحويل السند. (وحدثني) بالإفراد (محمد) غير منسوب وجزم أبو نعيم في مستخرجه أنه ابن بشار الذي يقال له بندار قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أبي أيوب) الأنصاري (عن جويرية) تصغير جارية (بنت الحرث) المصطلقية زوج النبي ﷺ وليس لها في البخاري من روايتها سوى هذا الحديث (﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة) جملة حالية (فقال) لها: (أصمت أمس)؟ بهمزة الاستفهام وكسر سين أمس على لغة الحجاز أي يوم الخميس (قالت) جويرية: (لا. قال) ﵊ (تريدين أن تصومين غدًا)؟ أي يوم السبت، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: أن تصومي بإسقاط النون على الأصل (قال: لا. قال) ﵊: (فأفطري) بقطع الهمزة، وزاد أبو نعيم في روايته إذًا. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي في الصوم. (وقال حماد بن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة الهذلي البصري صعيف، وقال أبو حاتم ليس بحديثه بأس وليس له في البخاري غير هذا الموضع ووصله البغوي في جمع حديث هدبة بن خالد أنه (سمع قتادة) يقول (حدثني) بالإِفراد (أبو أيوب أن جويرية حدثته) وقال في آخره (فأمرها) ﵊ (فأفطرت). ٦٤ - باب هَلْ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ هذا (باب) بالتنوين (هل يخص) الشخص الذي يريد الصيام (شيئًا من الأيام) ولابن عساكر: هل يخص شيء بضم الياء وفتح الخاء مبنيًّا للمفعول وشيء رفع نائب عن الفاعل. ١٩٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ "قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْتَصُّ مِنَ الأَيَّامِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُطِيقُ"؟ [الحديث ١٩٨٧ - طرفه في: ٦٤٦٦]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) قال (حدّثنا يحيى) القطان (عن سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي وهو خال إبراهيم المذكور أنه قال (قلت لعائشة ﵂، هل كان رسول الله ﷺ يختص) بتاء بعد الخاء وفي رواية جرير عن منصور في الرقائق هل يخص (من الأيام شيئًا)؟ بالصوم كالسبت مثلاً (قالت: لا)، ويشكل عليه صوم الاثنين والخميس الوارد عند أبي داود والترمذي والنسائي وصححه ابن حبان عنها. وأجيب: بأنه استثناء من عموم قول عائشة: لا. وأجاب في فتح الباري باحتمال أن يكون المراد بالأيام المسؤول عنها الثلاثة من كل شهر فكان السائل لما سمع أنه ﵊ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر سأل عائشة هل كان يختصها بالبيض فقالت: لا، (كان عمله ديمة) بكسر الدال وسكون المثناة التحتية أي دائمًا (وأيكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق)؟ وفي رواية جرير: وأيكم يستطيع في الموضعين. ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون إلا الأوّلين فبصريان وإسناده مما عدوه من أصح الأسانيد، وأخرجه المؤلّف في الرقاق، ومسلم في الصوم، وأبو داود في الصلاة. ٦٥ - باب صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ (باب) حكم (صوم يوم عرفة). ١٩٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرٌ مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ حَدَّثَتْهُ. ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ "أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ". وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) قال (حدّثنا يحيى) القطان (عن مالك) الإمام (قال: حدثني) بالإفراد (سالم) هو أبو النضر (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (عمير) تصغير عمر (مولى أم الفضل) لبابة أم ابن عباس (أن أم الفضل حدثته. ح)، قال المؤلّف: (وحدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك عن أبي النضر) بالضاد المعحمة سالم المذكور وهو (مولى عمر بن عبيد الله) بالتصغير (عن عمير مولى عبد الله بن العباس) الألف واللام، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: ابن عباس نسبة أولاً لأم عبد الله أم الفضل باعتبار الأصل، وثانيًا لولدها عبد الله باعتبار ما آل إليه حاله (عن أم الفضل بنت الحرث) بن حزن الهلالة أخت ميمونة بنت الحرث أم المؤمنين، (أن ناسًا تماروا) أي اختلفوا (عندها يوم

стр. 1413

عرفة في صوم النبي ﷺ فقال بعضهم هو صائم): على جاري عادته في سرد الصوم في الحضر، (وقال بعضهم: ليس بصائم) لكونه مسافرًا (فأرسلت) أي أم الفضل، لكن في الحديث التالي أن أختها ميمونة هي المرسلة ويأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى (إليه) ﵊ (بقدح لبن وهو واقف) أي راكب (على بعيره) بعرفات (فشربه) زاد في حديث ميمونة: والناس ينظرون. وهذا الحديث سبق في باب صوم يوم عرفة من كتاب الحج، ومقتضاه أن صوم يوم عرفة غير مستحب، لكن في حديث قتادة عند مسلم أنه يكفر سنة آتية وسنة ماضية. قال الإمام: والمكفر الصغائر والجمع بينه وبين حديثي الباب أن يحمل على غير الحاج، أما الحاج فلا يستحب له صومه وإن كان قومًا لأنه ﵊ أفطر حينئذٍ، وتعقب بأن فعله المجرد لا يدل على نفي الاستحباب إذ قد يترك الشيء المستحب لبيان الجواز ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ، لكن روى أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم أن أبا هريرة حدثهم أنه ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة، وقد أخذ بظاهره قوم منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري فقال: يجب فطره للحاج والجمهور على استحباب فطره حتى، قال عطاء: من أفطر ليتقوّى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم فصومه له خلاف الأولى، بل في نكت التنبيه للنووي أنه مكروه وفي شرح المهذّب أنه يستحب صومه لحاج لم يصل عرفة إلا ليلاً لفقد العلة، وهذا كله في غير المسافر والمريض أما هما فيستحب لهما فطره مطلقًا كما نص عليه الشافعي في الإملاء. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الحج وكذا أبو داود. ١٩٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ -أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ- قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ "أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلَابٍ وَهْوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ". وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) الجعفي قدم مصر قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرني بالإفراد (ابن وهب) -عبدا- (أو قرئ عليه) - شك من يحيى في أن الشيخ قرأ أو قرئ على الشيخ (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن الحرث (عن بكير) هو ابن عبد الله بن الأشج (عن كريب) هو ابن أبي مسلم القرشي مولى عبد الله بن عباس (عن ميمونة) بنت الحرث أم المؤمنين (﵂ أن الناس شكوا) بتشديد الكاف (في صيام النبي ﷺ يوم عرفة) فقال قوم: صائم وقال آخرون غير صائم، (فأرسلت إليه) ﷺ (بحلاب) بكسر الحاء المهملة وتخفيف اللام الإناء الذي يحلب فيه اللبن أو هو اللبن المحلوب (وهو واقف في الموقف)، جملة حالية (فشرب منه والناس ينظرون) إليه ﷺ ، وقد علم أن المرسلة في هذا الحديث ميمونة وفي الأول أم الفضل أختهما، فيحمل على التعدد أو أنهما أرسلتا معًا فنسب ذلك إلى كل منهما فتكون ميمونة أرسلت بسؤال أم الفضل لها بذلك لكشف الحال ويحتمل العكس، ولم يسم الرسول في طرق حديث أم الفضل. نعم في النسائي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ما يدل على أنه كان الرسول بذلك. وفي هذا الحديث التحيل على الاطّلاع على الحكم بغير سؤال وفيه فطنة السائلة لاستكشافها عن الحكم الشرعي بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال لأن ذلك كان في يوم حرّ بعد الظهيرة ونصف إسناده الأوّل مصريون والآخر مدنيون، وأخرجه مسلم في الصوم والله أعلم. ٦٦ - باب صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ (باب) حكم (صوم يوم الفطر). ١٩٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ: "شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ". [الحديث ١٩٩٠ - طرفه في: ٥٥٧١]. قال أبو عبدِ اللهِ: قال ابنُ عُيَينةَ مَن قَالَ مَوْلَى ابنِ أَزْهَر فَقَد أَصَابَ، ومَن قَالَ مَولَى عبدِ الرحمنِ بنِ عَوفٍ فَقَد أصابَ. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي عبيد) بالتصغير من غير إضافة اسمه سعد (مولى ابن أزهر) هو عبد الرحمن بن الأزهر بن عبد عوف وللكشميهني كما في الفتح مولى بني أزهر (قال: شهدت العيد) زاد يونس عن الزهري في روايته في الأضاحي يوم الأضحى (مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال): (هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما) أحدهما (يوم فطركم من صيامكم واليوم الآخر) بفتح الخاء (تأكلون فيه) خير لليوم (من نسككم) بضم السين ويجوز سكونها أي

стр. 1414

أضحيتكم. قال في فتح الباري: وفائدة وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما وهي الفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه، ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لأنه يستلزم النحر، وقوله هذان فيه التغليب وذلك أن الحاضر يشار إليه بهذا والغائب يشار إليه بذاك فلما أن جمعهما اللفظ قال: هذان تغليبًا للحاضر على الغائب، وزاد في رواية أبي ذر وابن عساكر: هنا. قال أبو عبد الله أي البخاري قال ابن عيينة فيما حكاه عنه علي بن المديني في العلل من قال أي في أبي عبيد مولى ابن أزهر فقد أصاب، ومن قال مولى عبد الرحمن بن عوف فقد أصاب أيضًا لأنه يحتمل أنهما اشتركا في ولائه أو أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز بملازمة أحدهما للخدمة أو للأخذ عنه. ١٩٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَعَنِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ". وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد البصري قال: (حدّثنا عمرو بن يحيى) هو المازني (عن أبيه) يحيى (عن أبي سعيد) الخدري (﵁ قال): (نهى النبي) ولأبي ذر: نهى رسول الله (¬ ﷺ عن صوم يوم الفطر و) صوم يوم (النحر وعن الصماء) بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم والمدّ. قال الفقهاء: أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه، وتعقب هذا التفسير بأنه لا يشعر به لفظ الصماء، والمطابق له ما نقل عن الأصمعي وهو أن يشتمل بالثوب يستر به جميع بدنه بحيث لا يترك فرجة يخرج منها يده حتى لا يتمكن من إزالة شيء يؤذيه بيديه (وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد) زاد الإسماعيلي لا يواري فرجه بشيء "وعن صلاة" ولابن عساكر والحموي والمستملي. ١٩٩٢ - وَعَنْ صَلَاةٍ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ. وعن الصلاة (بعد) صلاة (الصبح) حتى ترتفع الشمس (و) بعد صلاة (العصر) حتى تغيب الشمس إلا لسبب. وهذا الحديث سبق الكلام عليه في باب ما يستر من العورة وفي المواقيت. ٦٧ - باب الصَّوْمِ يَوْمَ النَّحْرِ (باب) حكم (الصوم يوم النحر) ولابن عساكر والحموي والمستملي: صوم يوم النحر. ١٩٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ قَالَ: سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "يُنْهَى عَنْ صِيَامَيْنِ وَبَيْعَتَيْنِ: الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ". وبالسند قال: (قال إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء الرازي المعروف بالصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالتوحيد (عمرو بن دينار عن عطاء بن ميناء) بكسر الميم وسكون المثناة التحتية وبالنون ممدودًا كعطاء إلا أن الأول منصرف حذف تنوينه والثاني غير منصرف وهو مدني (قال) أي عمرو بن دينار (سمعته) أي عطاء بن ميناء (يحدث عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: ينهى) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عن صيامين و) عن (بيعتين الفطر والنحر والملامسة والمنابذة) بالجرّ في الأربعة بدلاً من السابق وفيه لف ونشر مرتب، فالفطر والنحر يرجعان إلى صيامين والآخران إلى بيعتين والملامسة بضم الميم الأولى مفاعلة من اللمس وهي أن يلمس ثوبًا مطويًا أو في ظلمة ثم يشتريه على أنه لا خيار له إذا رآه اكتفاء بلمسه عن رؤيته، أو يقول إذا لسته فقد بعتك اكتفاء بلمسه عن الصيغة أو يبيعه شيئًا على أنه متى لمسه لزم البيع وانقطع الخيار اكتفاء بلمسه عن الإلزام بتفرق أو تخاير. والمنابذة بضم الميم وبالذال المعجمة بأن ينبذ كل منهما ثوبه على أن كلاً منهما مقابل بالآخر ولا خيار لهما إذا عرفا الطول والعرض، وكذا لو نبذه إليه بثمن معلوم اكتفاء بذلك عن الصيغة. وتأتي مباحث ذلك في البيع إن شاء الله تعالى، والنهي هنا للتحريم فلا يصح الصوم ولا البيع والبطلان في الأخيرين من حيث المعنى لعدم الرؤية أو عدم الصيغة أو للشرط الفاسد وفي الأوّلين أن الله تعالى أكرم عباده فيهما بضيافته فمن صامهما فكأنه رد هذه الكرامة، وهذا المعنى وإن كان لمن يصوم رمضان ومن ينسك لكنه عام لعموم الكرم. وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع. ١٩٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُعَاذٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ: رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ الاِثْنَيْنِ فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ". [الحديث ١٩٩٤ - طرفاه في: ٦٧٠٥، ٦٧٠٦]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى)

стр. 1415

العنزي البصري الزمن قال: (حدّثنا معاذ) هو ابن معاذ العنبري قال: (أخبرنا ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أرطبان البصري (عن زياد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة ابن حيّة بفتح المهملة وتشديد المثناة التحتية الثقفي أنه (قال جاء رجل) لم يسم (إلى ابن عمر) بن الخطاب (﵄) ولابن عساكر: جاء رجل ابن عمر بإسقاط إلى ونصب ابن (فقال): أي الجائي لابن عمر (رجل نذر أن يصوم يومًا قال أظنه قال الاثنين) أي قال الجائي أظن الرجل الذي نذر قال إنه نذر صوم يوم الاثنين (فوافق) يوم الاثنين المنذور (يوم عيد) ولأبي ذر عن المستملي: فوافق ذلك يوم عيد، وفي رواية يزيد بن زريع عن يونس بن عبيد الله عند المصنف في النذر فوافق يوم النحر (فقال ابن عمر أمر الله بوفاء النذر) أي في قوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩] (ونهى النبي ﷺ عن صوم هذا اليوم) إنما توقف ابن عمر عن الجزم بالفتيا لتعارض الأدلة عنده وهذا قاله الزركشي في آخرين، وتعقبه البدر الدماميني فقال: ليس كما ظنه بل نبه ابن عمر على أن أحدهما وهو الوفاء بالنذر عام والآخر وهو المنع من صوم العيد خاص، فكأنه أفهمه أنه يقضي بالخاص على العام اهـ. وهذا الذي ذكره هو قول ابن المنير في الحاشية، وقد تعقبه أخوه بأن النهي عن صوم العيد فيه أيضًا عموم للمخاطبين ولكل عيد فلا يكون من حمل الخاص على العام اهـ. وقيل: ويحتمل أنه عرّض للسائل بأن الاحتياط لك القضاء فيجمع بين أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، وقيل إذا التقى الأمر والنهي في موضع قدّم النهي، وعند الشافعية إذا نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان صح نذره في الأظهر لإمكان العلم بقدومه قبل يومه فيبيت النية، والثاني قال: لا يمكن الوفاء به لانتفاء تبييت النية لانتفاء العلم بقدومه فإن قدم ليلاً أو يوم عيد أو نحوه أو في رمضان انحل النذر ولا شيء عليه لعدم قبول ما عدا الأخير للصوم والأخير لصوم غيره. ١٩٩٥ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ: سَمِعْتُ أَرْبَعًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي، قَالَ: لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إِلاَّ وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا". وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم وسكون النون السلمي الأنماطي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا عبد الملك بن عمير) بضم العين وفتح الميم ابن سويد اللخمي الكوفي ويقال له الفرسي بفتح الفاء والراء نسبة إلى فرس له سابق (قال: سمعت قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة ابن يحيى البصري (قال: سمعت أبا سعيد) سعد بن مالك (الخدري ﵁ وكان غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة) وكان قد استصغر بأحد واستشهد أبوه مالك بن سنان بها وغزا هو ما بعدها (قال: سمعت أربعًا من النبي) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر عن النبي (¬ ﷺ فأعْجَبْنَنِي)، بسكون الموحدة بلفظ صيغة الجمع للمؤنث أحدها (قال): (لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا معها زوجها) بالواو كما في رواية أبوي ذر والوقت في باب فضل مسجد بيت المقدس (أو ذو محرم) عاقل بالغ (و) ثانيها (لا صوم في يومين: الفطر والأضحى) لأنهما غير قابلين للصوم لحرمته فيهما فلا يصح نذر صومهما وكذا حكم صوم أيام التشريق كما سيأتي بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى ومذهب أبي حنيفة لو نذر صوم يوم النحر أفطر وقضى يومًا مكانه (و) ثالثها (لا صلاة بعد) صلاة (الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد) صلاة (العصر حتى تغرب) الشمس (و) رابعها (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد الحرام) بمكة (ومسجد الأقصى) بالقدس (ومسجدي هذا) بطيبة. وهذا الحديث قد سبق في باب مسجد القدس في أواخر الصلاة. ٦٨ - باب صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (باب صيام أيام التشريق) وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهذا قول ابن عمر وأكثر العلماء. وروي عن ابن عباس وعطاء أنها أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وسماها عطاء أيام التشريق والأول أظهر، وقد قال النبي ﷺ "أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه" أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث عبد الرحمن بن يعمر، وهذا صريح في أنها أيام التشريق وأفضلها أولها وهو يوم القر بفتح القاف وتشديد الراء لأن أهل منى يستقرون فيه

стр. 1416

ولا يجوز فيه النفر وهي الأيام المعدودات وأيام منى، وسميت بأيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرّق فيها أي تنشر في الشمس. ١٩٩٦ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي: "كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَصُومُ أَيَّامَ مِنًى، وَكَانَ أَبُوهَا يَصُومُهَا". وبالسند قال: (قال أبو عبد الله): كذا لأبوي ذر والوقت وسقط لغيرهما (وقال لي محمد بن المثنى) الزمن وكأنه لم يصرح بالتحديث لكونه موقوفًا على عائشة كما عرف من عادته بالاستقراء كذا قاله الحافظ ابن حجر، وتعقبه العيني بأنه إنما ترك التحديث لأنه أخذه عن ابن المثنى مذاكرة قال: وهذا هو المعروف من عادته (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام قال: أخبرني) بالتوحيد (أبي) عروة بن الزبير قال: (كانت عائشة ﵂ تصوم أيام منى) ولأبي ذر عن المستملي: أيام التشريق بمنى. قال عروة: (وكان أبوها) أبو بكر الصدّيق ﵁ (يصومها) أيضًا، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: وكان أبوه أي أبو هشام وهو عروة والقائل يحيى القطان، ونسب ابن حجر الأولى لرواية كريمة. ١٩٩٧ و ١٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسَى عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَا: "لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ". وبالسند قال (حدثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة والمشدّدة البصري المنقب ببندار قال: (حدّثنا غندر) بضم الغين المعجمة وفتح المهملة آخره راء محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (سمعت عبد الله بن عيسى) الأنصاري، ولأبي ذر عن الكشميهني: زياد بن أبي ليلى وهو ثقة لكن فيه تشيع (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة، وعن سالم) هو من رواية الزهري عن سالم فهو موصول (عن ابن عمر) والد سالم (﵃ قالا) أي عائشة وابن عمر: (لم يرخص) بضم أوّله وفتح ثالثه المشدد مبنيًا للمفعول ولم يضيفاه إلى الزمن النبوي فهو موقوف كما جزم به ابن الصلاح في نحوه مما لم يضف والمعنى حينئذٍ لم يرخص من له مقام الفتوى في الجملة، لكن جعله الحاكم أبو عبد الله من المرفوع. قال النووي في شرح المهذّب: وهو القوي يعني من حيث المعنى وهو ظاهر استعمال كثير من المحدّثين وأصحابنا في كتب الفقه، واعتمده الشيخان في صحيحيهما وأكثر منه البخاري. وقال التاج ابن السبكي: إنه الأظهر وإليه ذهب الإمام فخر الدين. وقال ابن الصباغ في العدة: إنه الظاهر والمعنى هنا لم يرخص النبي ﷺ (في أيام التشريق) وهي الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر (أن يصمن) أي يصام فيهن فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير، ولذا بعث النبي ﷺ من ينادي أنها أيام أكل وشرب وذكر لله فلا يصومن أحد رواه أصحاب السنن. وروى أبو داود عن عقبة بن عامر مرفوعًا: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب. وفي حديث عمرو بن العاصي عند أبي داود وصححه ابن خزيمة والحاكم أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق إنها الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صومهن وأمر بفطرهن وقد قال الطحاوي بعد أن أخرج أحاديث النهي عن ستة عشر صحابيًّا، فلما ثبت بهذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ النهي عن صيام أيام التشريق وكان نهيه عن ذلك بمنى والحاج مقيمون بها وفيهم المتمتعون والقارنون ولم يستثن منهم متمتعًا ولا قارنًا دخل المتمتعون والقارنون في ذلك اهـ. وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بأكل والشرب سرّ حسن وهو أن الله تعالى لما علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاق السفر وتعب الإحرام وجهاد النفوس على قضاء المناسك شرع لهم الاستراحة عقب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده وأمرهم بالأكل فيها من لحوم الأضاحي فهم في ضيافة الله تعالى فيها لطفًا من الله تعالى بهم ورحمة، وشاركهم أيضًا أهل الأمصار في ذلك لأن أهل الأمصار شاركوهم في النصب لله تعالى والاجتهاد في عشر ذي الحجة بالصوم والذكر والاجتهاد في العبادات وفي التقرب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحي وفي حصول المغفرة فشاركوهم في أعيادهم واشترك الجميع في الراحة بالأكل والشرب، فصار المسلمون كلهم في ضيافة الله تعالى في هذه الأيام يأكلون من رزقه ويشكرونه على فضله، ولما كان الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه

стр. 1417

نهوا عن صيامها (إلا لمن لم يجد الهدي) وفي رواية أبي عوانة عن عبد الله بن عيسى عند الطحاوي إلا لمتمتع أو محصر أي فيجوز له صيامها وهذا مذهب مالك وهو الرواية الثانية عن أحمد واختاره ابن عبدوس في تذكرته وصححه في الفائق وقدمه في المحرر والرعاية الكبرى. وقال ابن منجا في شرحه أنه المذهب وهو قول الشافعي القديم لحديث الباب قال في الروضة: وهو الراجح دليلاً والصحيح من مذهب الشافعي وهو القول الجديد ومذهب الحنفية أنه يحرم صومها لعموم النهي وهو الرواية الأولى عن أحمد. قال الزركشي الحنبلي: وهي التي ذهب إليها أحمد أخيرًا. قال في المبهج وهي الصحيحة اهـ. وأما قول الحافظ ابن حجر أن الطحاوي قال إن قول ابن عمر وعائشة لم يرخص الخ أخذاه من عموم قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ [البقرة: ١٩٦] لأن قوله في الحج يعم ما قبل يوم النحر وما بعده فتدخل أيام التشريق. قال في الفتح: وعلى هذا فليس بمرفوع بل هو بطريق الاستنباط عما فهماه من عموم الآية، وقد ثبت نهيه ﷺ عن صوم أيام التشريق وهو عام في حق المتمتع وغيره، وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن وعموم الحديث المشعر بالنهي وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعًا فكيف وفي كونه مرفوعًا نظر، فعلى هذا يترجح القول بالجواز وإلى هذا جنح البخاري اهـ. والله أعلم. ففيه نظر لأن قوله لو كان الحديث مرفوعًا فكيف وفي كونه مرفوعًا نظر لا معنى له لأنه إن كان مراده به حديث النهي عن صوم أيام التشريق المروي في غير ما حديث فهو بلا شك مرفوع كما صرح هو به حيث قال: وقد ثبت نهيه ﷺ عن صوم أيام التشريق وإن كان مراده به حديث الباب فليس التعارض المذكور واقعًا بينه وبين عموم الآية، وكيف يكون ذلك؟ وقد ادّعى استنباطه منها فالظاهر أنه سهو، ولئن سلمنا التعارض بين حديث النهي والآية فالصحيح أنه مخصص لعمومها لكنا لا نسلم أن أيام التشريق من أيام الحج كما لا يخفى ونص عليه الشافعي وغيره على أن الطحاوي لم يجزم بأن ابن عمر وعائشة أخذاه من عموم الآية، وعبارته فقولهما ذلك يجوز أن يكونا عنيا بهذه الرخصة ما قال الله تعالى في كتابه ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ فعداها أيام التشريق من أيام الحج فقالا رخص للحاج المتمتع والمحصر في صوم أيام التشريق لهذه الآية ولأن هذه الأيام عندهما من أيام الحج وخفي عليهما ما كان من توقيف رسول الله ﷺ الناس من بعده على أن هذه الأيام ليست بداخلة فيما أباح الله صومه من ذلك اهـ فليتأمل. والعجب من العيني في كونه لم ينبه على ذلك ولم يعرج عليه كغيره من الشراح مع كثرة تعقبه على الحافظ في كثير من الواضحات. نعم تعقبه في قوله ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدارقطني والطحاوي بأن لفظ الحديث للدارقطني لا لفظ الطحاوي. ١٩٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى". وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: الصيام) ثلاثة أيام (لمن تمتع بالعمرة إلى الحج) عند فقد الهدي ينتهي (إلى يوم عرفة فإن لم يجد) وللحموي كما في الفتح فمن لم يجد (هديًا ولم يصم) حتى دخل يوم عرفة (صام أيام منى) وهي أيام التشريق كما مرّ (وعن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) ﵂ (مثله). أي مثل ما روى ابن شهاب عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر. (تابعه) ولابن عساكر: وتابعه أي وتابع مالكًا (إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني نزيل بغداد ثقة حجة تكلم فيه بلا قادح (عن ابن شهاب) الزهري، وهذا مما وصله إمامنا الشافعي فقال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة في المتمتع إذا لم يجد هديًا ولم يصم قبل عرفة فليصم أيام منى، وعن سالم عن أبيه مثله، ووصله الطحاوي من وجه آخر عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وعن سالم عن أبيه أنهما كانا يرخصان

стр. 1418

للمتمتع إذا لم يجد هديًا ولم يكن صام قبل عرفة أن يصوم أيام التشريق. وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث الزهري عن عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر نحوه. قال الحافظ ابن حجر: وهذا يرجح كونه موقوفًا لنسبة الترخيص إليهما فإنه يقوي أحد الاحتمالين في رواية عبد الله بن عيسى حيث قال: لم يرخص وأبهم الفاعل فيحتمل الوقف والرفع كما صرح به يحيى بن سلام لكنه ضعيف، وتصريح إبراهيم بن سعد وهو من الحفاظ بنسبة ذلك إلى ابن عمر وعائشة أرجح ويقوّيه رواية مالك وهو من حفاظ أصحاب الزهري فإنه مجزوم عنه بكونه موقوفًا اهـ. وسقط في رواية ابن عساكر قوله من ابنِ شهاب. ٦٩ - باب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاء (باب) حكم (صيام يوم عاشوراء) قال في القاموس العاشوراء والعشوراء ويقصران والعاشور عاشر المحرم أو تاسعه اهـ. والأول هو قول الخليل والاشتقاق يدل عليه وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وذهب ابن عباس ﵄ إلى الثاني وفي المصنف عن الضحاك عاشوراء يوم التاسع قيل لأنه مأخوذ من العشر بالكسر في أوراد الإبل تقول العرب: وردت الإبل عشرًا إذا وردت اليوم التاسع وذلك لأنهم يحسبون في الأظماء يوم الورد، فإذا قامت في الرعي يومين ثم وردت في الثالث قالوا وردت ربعًا، وإن رعت ثلاثًا وفي الرابع وردت قالوا وردت خمسًا لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي، وأول اليوم الذي ترد فيه بعده وعلى هذا القول يكون التاسع عاشوراء وهذا كقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ٩٧] على القول بأنها شهران وعشرة أيام. ٢٠٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنْ شَاءَ صَامَ». وبالسند قال: (حدّثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد (عن عمر بن محمد) بضم العين ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (عن) عم أبيه (سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر (﵁) وعن أبيه أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬). (يوم عاشوراء) بنصب يوم على الظرفية (إن شاء) المرء (صام) أي: وإن شاء أفطر، وقد ساقه مختصرًا وهو في صحيح ابن خزيمة عن أبي موسى عن أبي عاصم بلفظ إن اليوم يوم عاشوراء فمن شاء فليصمه ومن شاء فليفطره. ورواة حديث الباب كلهم مدنيون إلا شيخ المؤلّف فبصري، وأخرجه مسلم أيضًا في الصوم. ٢٠٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ". وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي أيضًا (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوام (أن عائشة ﵂ قالت): (كان رسول الله) ولأبي الوقت: كان النبي (¬ ﷺ أمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان) وكان فرضه في شعبان من السنة الثانية من الهجرة (كان من شاء صام) يوم عاشوراء (ومن شاء أفطر) والجمع بين هذا وحديث سالم السابق عن ابن عمر بالحمل على ثاني الحال. ٢٠٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ". وبه قال (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة) ولأبي الوقت أن عائشة (﵂ قالت) (كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية) يحتمل أنهم اقتدوا في صيامه بشرع سالف ولذا كانوا يعظمونه بكسوة البيت الحرام فيه (وكان رسول الله ﷺ يصومه) أي عاشوراء وزاد أبو الوقت وذر وابن عساكر: في الجاهلية (فلما قدم) ﵊ (المدينة) وكان قدومه بلا ريب في ربيع الأول (صامه) على عادته (وأمر) الناس (بصيامه)، في أول السنة الثانية (فلما فرض رمضان) أي صيامه في الثانية في شهر شعبان كما مرّ (ترك) ﵊ (يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه) فعلى هذا لم يقع الأمر بصومه إلا في سنة واحدة وعلى تقدير صحة القول فقد نسخ، ولم يرو عنه أنه ﵊ جدد للناس أمرًا بصيامه بعد فرض رمضان بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه فإن كان أمر ﵊ بصيامه قبل فرض صيام رمضان للوجوب فإنه

стр. 1419

يبنى على أن الوجوب إذا نسخ هل ينسخ الاستحباب أم لا؟ فيه اختلاف مشهور وإن كان أمره للاستحباب فيكون باقيًا على الاستحباب، وهذا الحديث أخرجه النسائي. ٢٠٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: "يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب الحارثي المدني القعنبي (عن مالك) إمام الأئمة ابن أنس الأصبحي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف (أنه سمع معاوية بن أبي سفيان ﵄) واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي وهو وأبوه من مسلمة الفتح، وقيل أسلم هو في عمرة القضاء وكتم إسلامه وكان أميرًا عشرين سنة وخليفة عشرين سنة وكان يقول أنا أول الملوك (يوم عاشوراء عام حج) وكان أول حجة حجها بعد أن استخلف في سنة أربع وأربعين وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين (على المنبر) زاد يونس عن الزهري بالمدينة، وقال: في روايته في قدمة قدمها (يقول يا أهل المدينة أين علماؤكم)؟ قال النووي: الظاهر أن معاوية قاله لما سمع من يوجبه أو يحرمه أو يكرهه فأراد إعلامهم بنفي الثلاثة اهـ. فاستدعاؤه لهم تنبيهًا لهم على الحكم أو استعانة بما عندهم على ما عنده. (سمعت رسول الله ﷺ يقول): (هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه) بضم أول يكتب وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول وصيامه رفع نائب عن الفاعل ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: ولم يكتب الله عليكم صيامه نصب على المفعولية، وهذا من كلام الشارع ﵊ كما عند النسائي، واستدلّ به الشافعية والحنابلة على أنه لم يكن فرضًا قط ولا نسخ برمضان، وتعقب بأن معاوية من مسلمة الفتح فإن كان سمع هذا بعد إسلامه فإنما يكون سمعه سنة تسع أو عشر فيكون ذلك بعد نسخه بإيجاب رمضان، ويكون المعنى لم يفرض بعد إيجاب رمضان جميعًا بينه وبين الأدلة الصريحة في وجوبه، وإن كان سمعه قبله فيجوز كونه قبل افتراضه، ونسخ عاشوراء برمضان في الصحيحين عن عائشة وكون لفظ أمر في قوله وأمر بصيامه مشتركًا بين الصيغة الطالبة ندبًا وإيجابًا ممنوع ولو سلم فقولها، فلما فرض رمضان قال من الخ دليل على أنه مستعمل هنا في الصيغة الموجبة للقطع أن التخيير ليس باعتبار الندب لأنه مندوب إلى الآن فكان باعتبار الوجوب. (وأنا صائم فمن شاء فليصم) ولابن عساكر في نسخة: فليصمه بضمير المفعول (ومن شاء فليفطر) بحذف ضمير المفعول. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا النسائي. ٢٠٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ". [الحديث ٢٠٠٤ - أطرافه في: ٣٣٩٧، ٣٩٤٣، ٤٦٨٠، ٤٧٣٧]. وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو المنقري المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدّثنا أيوب) السختياني قال: (حدّثنا عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة) فأقام إلى يوم عاشوراء من السنة الثانية (فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال): ﵊ لهم: (ما هذا) الصوم؟ (قالوا: هذا يوم صالح) وعند ابن عساكر تكرير هذا يوم صالح مرتين (هذا يوم نجى الله) يوم بغير تنوين في اليونينية مصحح عليه وفي غيرها منوّنًا (بني إسرائيل) ولمسلم موسى وقومه (من عدوهم) فرعون حيث أغرق في اليم (فصامه موسى)، زاد مسلم في روايته شكرًا لله تعالى فنحن نصومه، وعند المصنف في الهجرة ونحن نصومه تعظيمًا له، وزاد أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجوديّ فصامه نوح شكرًا. (قال): النبي ﷺ (فأنا أحق بموسى منكم فصامه) كما كان يصومه قبل ذلك (وأمر) الناس (بصيامه) فيه دليل لمن قال كان قبل النسخ واجبًا، لكن أجاب أصحابنا بحمل الأمر هنا على تأكد الاستحباب وليس صيامه ﵊ له تصديقًا لليهود بمجرد قولهم بل كان يصومه قبل ذلك كما وقع التصريح به في حديث عائشة، وجوّز المازري نزول الوحي على وفق قولهم أو تواتر عنده الخبر أو صامه باجتهاده أو أخبره من أسلم منهم كابن سلام. والأحقية باعتبار الاشتراك في الرسالة والأخوة في الدين والقرابة

стр. 1420

الظاهرة دونهم ولأنه ﵊ أطوع وأتبع للحق منهم. ورواة هذا الحديث الثلاثة الأول بصريون والثلاثة الأخر كوفيون، وأخرجه المؤلّف أيضًا في أحاديث الأنبياء، ومسلم وأبو داود والنسائي في الصوم. ٢٠٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: "كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَعُدُّهُ الْيَهُودُ عِيدًا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَصُومُوهُ أَنْتُمْ". [الحديث ٢٠٠٥ - طرفه في: ٣٩٤٢]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثي (عن أبي عميس) بضم العين المهملة وفتح الميم آخره سين مهملة واسمه عتبة بضم المهملة وسكون الفوقية ابن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي (عن قيس بن مسلم) الجدلي بفتح الجيم العدواني الكوفي ثقة رمي بالإرجاء (عن طارق بن شهاب) البجلي الأحمسي الكوفي الصحابي قال أبو داود: رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁ قال: كان من يوم عاشوراء تعده اليهود) أهل خيبر (عيدًا) تعظيمًا له والعيد لا يصام (قال النبي ﷺ ¬): (فصوموه أنتم) مخالفة لهم فالباعث على الصيام في هذا غير الباعث في حديث ابن عباس السابق إذ هو باعث على موافقته يهود المدينة على السبب وهو شكر الله تلى على نجاة موسى مع موافقة عادته أو الوحي كما مرّ تقريره، ويحتمل أن يكون من تعظيمه عند يهود خيبر في شرعهم صومه، وقد وقع التصريح بذلك عند مسلم من وجه آخر عن قيس بن مسلم قال: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدًا. وحديث الباب أخرجه المؤلّف في باب إتيان اليهود للنبي ﷺ ، ومسلم والنسائي في الصوم. ٢٠٠٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلاَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ". وبه قال (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغرًا أبو محمد العبسي مولاهم الكوفي (عن ابن عيينة) سفيان (عن عبيد الله بن أبي يزيد) من الزيادة المكي مولى آل قارظ بن شيبة (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال): (ما رأيت النبي ﷺ يتحرى) أي يقصد (صيام يوم فضله على غيره) وصيام شهر فضله على غيره بتشديد الضاد المعجمة جملة في موضع جر صفة ليوم (إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر) عطف على قوله هذا اليوم وهذا من اللف التقديري لأن المعطوف لم يدخل في لفظ المستثنى منه إلا بتقدير وصيام شهر فضله على غيره كما مرّ أو يعتبر في الشهر أيامه يومًا موصوفًا بهذا الوصف وحينئذ فلا يحتاج إلى تقدير وصيام شهر (يعني شهر رمضان) هو من قول الراوي، وهذا الحديث أخرجه النسائي. ٢٠٠٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ أبي عُبَيدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ". وبه قال (حدّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير الحنظلي قال: (حدّثنا يزيد بن أبي عبيد) الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع وسقط لغير أبي ذر لفظ ابن أبي عبيد (عن سلمة بن الأكوع) هو ابن عمرو بن الأكوع واسم الأكوع سنان بن عبد الله (﵁ قال): (أمر النبي ﷺ رجلاً من أسلم) هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلمي (أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم) أي فليمسك (بقية يومه) حرمة لليوم (ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء) استدلّ به على أن من تعين عليه صوم يوم ولم ينوه ليلاً أنه يجزئه بنيته نهارًا وهذا بناء على أن عاشوراء كان واجبًا، وقد منعه ابن الجوزي بحديث معاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول "هذا يوم عاشوراء لم يفرض علينا صيامه فمن شاء منكم أن يصوم فليصم" قال وبدليل أنه لم يأمر من أكل بالقضاء، وقد سبق البحث في ذلك عند ذكر حديث الباب في باب: إذا نوى بالنهار صومًا في أثناء كتاب الصيام. وهذا الحديث هو السادس من ثلاثيات المؤلّف ﵀، ويستحب صوم تاسوعاء أيضًا لقوله ﵊ المروي في مسلم "لئن عشت إلى قابل لأصومنّ التاسع" فإن لم يصم التاسع مع العاشر استحب له صوم الحادي عشر، ونص الشافعي في الأم والإملاء على استحباب صوم الثلاثة، ونقله عنه الشيخ أبو حامد وغيره، ويدل له حديث أحمد "صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود وصوموا قبله يومًا وبعده يومًا" وكذا يستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج وهو تاسع الحجة لأنه ﷺ سئل عنه فقال: "يكفر

стр. 1421

السنة الماضية والمستقبلة" رواه مسلم وتسع ذي الحجة رواه أبو داود والأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب لقوله ﷺ لمن تغيرت هيئته من الصوم "لم عذبت نفسك صم شهر الصبر ويومًا من كل شهر" قال: زدني قال: "صم يومين"، قال: زدني. قال: "صم ثلاثة أيام"، قال: زدني قال: "صم من المحرم والترك ثلاث مرات" وقال بأصابعه الثلاث رواه أبو داود وغيره. قال في شرح المهذّب: وإنما أمره بالترك لأنه كان يشق عليه إكثار الصوم فأما من لا يشق عليه فصوم جميعها فضيلة وأفضلها المحرم قال ﷺ "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم" رواه مسلم، وقال الحنابلة: يكره إفراد رجب بالصوم. قال في الإنصاف: وهو المذهب وعليه الأصحاب وقطع به كثير منهم وهو من مفردات المذهب. قال: وحكى الشيخ تقي الدين في تحريم إفراده وجهين قال في الفروع: ولعله أخذه من كراهة أحمد وتزول الكراهة عندهم بالفطر من رجب ولو يومًا أو بصوم شهر آخر من السنة قال المجد: وإن لم يله اهـ. وكذا يستحب صوم ستة من شوّال لقوله ﵊ من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوّال كان كصيام الدهر رواه مسلم، والأفضل تتابعها وكونها متصلة بالعيد مبادرة للعبادة، وكره مالك صيامها قال في الموطأ: لم أر أحدًا من أهل الفقه والعلم صامها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وأن أهل العلم يكرهون ذلك مخافة بدعته وأن يلحق أهل الجهالة والجفاء برمضان ما ليس منه، قال في المقدمات: وأما الرجل في خاصة نفسه فلا يكره له صيامها ونحوه في النوادر، وكذا يستحب صوم يوم لا يجد في بيته ما يأكله لحديث عائشة قالت: دخل عليّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: "هل عندكم شيء" قلنا: لا. قال: "إني إذًا صائم" رواه مسلم والنفل من الصوم غير محصور والاستكثار منه مطلوب والمكروه منه صوم المريض والمسافر والحامل والمرضع والشيخ الكبير إذا خافوا منه المشقّة الشديدة وقد ينتهي ذلك إلى التحريم، وصوم يوم عرفة بها للحاج لكن الصحيح أنه خلاف الأولى لا مكروه ويستحب له فطره سواء أضعفه الصوم عن العبادة أم لا. وقال المتولي: إن كان ممن لا يضعف بالصوم عن ذلك فالصوم أولى له وإلا فالفطر. ويكره أيضًا التطوّع بالصوم وعليه قضاء صوم من رمضان، وهذا إذا لم يتضيق وقته وإلاّ حرم التطوع وإفراد يوم الجمعة أو السبت وصوم الدهر لمن خاف ضررًا أو فوت حق ويحرم صوم العيدين وأيام التشريق وصوم الحائض والنفساء للإجماع صوم يوم الشك وصوم النصف الأخير من شعبان إذا لم يصله بما قبله على المختار، وصححه في المجموع وغيره لحديث "إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح إلا لقضاء أو موافقة نذر أو عادة فلا يحرم لم يصح مسارعة لبراءة الذمة ولأن له سببًا، فجاز كنظيره من الصلاة في الأوقات الكروهة، ولا يجوز للمرأة أن تصوم نفلاً وزوجها حاضر إلا بإذنه كل صومها حينئذ صحيح لأن تحريمه لا لمعنى يعود إلى الصوم فهو كالصلاة في أرض مغصوبة. وهذا آخر كتاب الصوم وكان الفراغ منه يوم الاثنين ثالث جمادى الآخرة سنة سبع وتسعمائة، والله أسأل أن يمن بإتمامه وينفع به ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، وحسبي الله ونعم الوكيل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣١ - كتاب صلاة التراويح (بسم الله الرحمن الرحيم). (كتاب صلاة التراويح) أي في ليالي رمضان جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة وهي في الأصل اسم للجلسة، وسميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح لأنهم كانوا أول ما اجتمعوا عليها يستريحون بين كل تسليمتين، وسقطت البسملة وما بعدها في رواية غير المستملى كما نبه عليه الحافظ ابن حجر وهو على هامش الفرع كأصله ومرقوم عليه علامة السقوط لابن عساكر. ١ - باب فَضْلِ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ (باب فضل من قام) في ليالي (رمضان) مصليًا ما يحصل به مطلق القيام. ٢٠٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِرَمَضَانَ: مَنْ قَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". وبالسند قال (حدّثنا يحيى بن بكير) هو ابن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري ونسبه إلى جده لشهرته به ثقة في الليث وتكلموا في سماعه من مالك قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام

стр. 1422

(عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قيل اسمه عبد الله وقيل إسماعيل (أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول): (لرمضان) أي لفضل رمضان أو لأجله أو اللام بمعنى عن أي يقول عن رمضان نحو: ﴿قال الذين كفروا للذين آمنوا﴾ [مريم: ٧٣] أو بمعنى في نحو: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي يقول في رمضان (من قامه) بصلاة التراوي أو بالطاعة في لياليه حال كون قيامه (إيمانًا) أي تصديقًا بأنه حق معتقدًا فضيلته (و) حال كونه (احتسابًا) طالبًا للأجر لا لقصد رياء ونحوه (غفر له ما تقدم من ذنبه) من الصغائر لا الكبائر كما قطع به إمام الحرمين، وقطع ابن المنذر بأنه يتناولهما والمعروف الأول ومذهب أهل السنة وزاد النسائي في السنن الكبرى من طريق قتيبة بن سعيد (وما تأخر) وقد تابع قتيبة على هذه الزيادة جماعة. واستشكل بأن المغفرة تستدعي سبق ذنب والمتأخر من الذنوب لم يأت بعد فكيف يغفر. وأجيب: بأن ذنوبهم تقع مغفورة، وقيل هو كناية عن حفظ الله إياهم في المستقبل كما قيل في قوله ﵊ في أهل بدر "إن الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وعورض الأخير بورود النقل بخلافه فقد شهد مسطح بدرًا ووقع منه ما وقع في حق عائشة ﵂ كما في الصحيح وقصة نعيمان أيضًا مشهورة. ٢٠٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ "فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵄". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف القرشي المدني (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (من قام رمضان) جميع لياليه أو بعضها عند عجزه ونيته القيام لولا المانع حال كون قيامه (إيمانًا و) حال كونه (احتسابًا) أي مؤمنًا محتسبًا بأن يكون مصدقًا به راغبًا في ثوابه طيب النفس به غير مستثقل لقيامه ولا مستطيل له (غفر له ما تقدم من ذنبه) الصغائر فإن الكبائر لا يكفرها غير التوبة. (قال ابن شهاب) الزهري (فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك) أي على ترك الجماعة في التراويح ولغير الكشميهني كما في الفتح والناس على ذلك، (ثم كان الأمر على ذلك) أيضًا (في خلافة أبي بكر) الصديق (وصدرًا من خلافة عمر ﵄). ٢٠١٠ - وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ. ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ. ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ -يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ- وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ". (وعن ابن شهاب) الزهري بالإسناد السابق (عن عروة بن الزبير) بن العوام (عن عبد الرحمن بن عبد القاري) بتنوين عبد والقاري بتشديد المثناة التحتية نسبة إلى قارة بن ديش بن محلم بن غالب المدني وكان عامل عمر على بيت مال المسلمين (إنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد) النبوي (فإذا الناس أوزاع متفرقون) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها زاي وبعد الألف عين مهملة جماعات متفرقون لا واحد له من لفظه، فقوله متفرقون في الحديث نعت لأوزاع على جهة التأكيد اللفظي مثل نعجة واحدة لأن الأوزاع الجماعات المتفرقة. وقال ابن فارس الجماعات، وكذا في القاموس والصحاح لم يقولوا متفرقون، فعلى هذا يكون النعت للتخصيص أراد أنهم كانوا يتنفلون في المسجد بعد صلاة العشاء متفرقين (يصلّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط). ما بين الثلاثة إلى العشرة وهذا بيان لما أجمل في قوله: فإذا الناس أوزاع متفرقون، (فقال عمر): ﵁ (إني أرى) من الري (لو جمعت هؤلاء) الذين يصلون (على قارئ واحد لكان) ذلك (أمثل). أي أفضل من تفرقهم لأنه أنشط لكثير من المصلين، واستنبط ذلك من تقرير النبي ﷺ من صلّى معه في تلك الليالي وإن كرهه لهم فإنما كرهه خشية افتراضه عليهم (ثم عزم) عمر على ذلك (فجمعهم) سنة أربع عشرة من الهجرة (على أبي بن كعب) يصلّي بهم إمامًا لكونه أقرأهم، وقد قال ﵊ "يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله" وعند سعيد بن منصور من طريق عروة: أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب

стр. 1423

فكان يصلّي بالرجال وكان تميم الداري يصلّي بالنساء، وعند البيهقي: وعلى النساء سليمان بن أبي حثمة وهو محمول على التعدد. قال عبد الرحمن بن عبد: (ثم خرجت معه) أي مع عمر (ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم) إمامهم فيه إشعار بأن عمر كان لا يواظب على الصلاة معهم ولعله كان يرى أن فعلها في بيته ولا سيما في آخر الليل أفضل. (قال عمر): لا رآهم (نعم البدعة هذه)، سماها بدعة لأنه ﷺ لم يسن لهم الاجتماع لها ولا كانت في زمن الصديق ولا أول الليل ولا كل ليلة ولا هذا العدد. وهي خمسة واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة. وحديث "كل بدعة ضلالة" من العام المخصوص، وقد رغب فيها عمر بقوله: نعم البدعة وهي كلمة تجمع المحاسن كلها كما أن بئس تجمع المساوئ كلها وقيام رمضان ليس بدعة لأنه ﷺ قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" وإذا أجمع الصحابة مع عمر على ذلك زال عنه اسم البدعة. (و) الفرقة (التي ينامون عنها) عن صلاة التراويح (أفضل من) الفرقة (التي يقومون- يريد آخر الليل) - هذا تصريح منه بأفضلية صلاتها في أول الليل على آخره لكن ليس فيه أن فعلها فرادى أفضل من التجميع (وكان الناس يقومون أوله) ولم يذكر في هذا الحديث عدد الركعات التي كان يصلّي بها أبي، والمعروف وهو الذي عليه الجمهور أنه عشرون ركعة بعشر تسليمات وذلك خمس ترويحات كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين غير الوتر وهو ثلاث ركعات. وفي سنن البيهقي بإسناد صحيح كما قال ابن العراقي في شرح التقريب عن السائب بن يزيد ﵁ قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة. وروى مالك في الموطأ عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمن عمر ﵁ بثلاث وعشرين، وفي رواية بإحدى عشرة، وجمع البيهقي بينها بأنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة ثم قاموا بعشرين وأوتروا بثلاث، وقد عدوا ما وقع في زمن عمر ﵁ كالإجماع. وفي مصنف ابن أبي شيبة وسنن البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يصلّي في رمضان في غير جماعة بعشرين ركعة والوتر، لكن ضعفه البيهقي وغيره برواية أبى شيبة جد ابن أبي شيبة. وأما قول عائشة الآتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى ما كان أي النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة فحمله أصحابنا على الوتر قال الحليمي والسرفي كونها عشرين أن الرواتب في غير رمضان عشر ركعات فضوعفت لأنه وقت جدّ وتشمير، وفهم مما سبق من أنها بعشر تسليمات أنه لو صلاها أربعًا بتسليمة لم يصح، وبه صرح في الروضة لشبهها بالفرض في طلب الجماعة فلا تغير عما ورد بخلاف نظيره في سنة الظهر والعصر، واختار مالك ﵀ أن تصلّى ستًا وثلاثين ركعة غير الوتر وقال: إن عليه العمل بالمدينة وقد قال المالكية كانت ثلاثًا وعشرين ثم جعلت تسعًا وثلاثين أي بالشفع والوتر فيهما، وذكر في النوادر عن ابن حبيب أنها كانت أولاً إحدى عشرة ركعة إلا أنهم كانوا يطيلون القراءة فثقل عليهم ذلك فزادوا في أعداد الركعات وخففوا القراءة وكانوا يصلون عشرين ركعة غير الشفع والوتر بقراءة متوسطة ثم خففوا القراءة وجعلوا عدد ركعاتها ستًا وثلاثين غير الشفع والوتر قال ومضى الأمر على ذلك اهـ. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن داود بن قيس قال: أدركت الناس بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلون ستًا وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث، وإنما فعل أهل المدينة هذا لأنهم أرادوا مساواة أهل مكة فإنهم كانوا يطوفون سبعًا بين كل ترويحتين فجعل أهل المدينة مكان كل سبع أربع ركعات، وقد حكى الولي بن العراقي أن والده الحافظ لما ولي إمامة مسجد المدينة أحيا سنتهم القديمة في ذلك مع مراعاة ما عليه الأكثر فكان يصلّي التراويح أول الليل بعشرين ركعة على المعتاد ثم يقوم آخر الليل في المسجد بست عشرة ركعة فيختم في الجماعة

стр. 1424

في شهر رمضان ختمتين واستمر على ذلك عمل أهل المدينة فهم عليه إلى الآن، فنسأل الله الكريم المنان، أن يبلغنا صلاتها كذلك في ذاك المكان، في عافية وأمان، استودعه تعالى ذلك ونعمة الإسلام. وقد قال النووي قال الشافعي والأصحاب ولا يجوز ذلك أي صلاتها ستًا وثلاثين ركعة لغير أهل المدينة لأن لأهلها شرفًا بهجرته ﷺ ، وهذا يخالفه قول الشافعي المروي عنه في المعرفة للبيهقي وليس في شيء من هذا ضيق ولا حدّ ينتهي إليه لأنه نافلة فإن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن وهذا أحب إليّ وإن أكثروا الرجوع والسجود فحسن، وقول الحليمي: ومن اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاين فحسن أيضًا لأنهم إنما أرادوا بما صنعوا الاقتداء بأهل مكة في الاستكثار من الفضل لا المنافسة كما ظن بعضهم، قال: والاقتصار على عشرين مع القراءة فيها بما يقرؤه غيره في ست وثلاثين ركعة أفضل لفضل طول القيام على كثرة الركوع والسجود. وعن الشافعي أيضًا فيما رواه عنه الزعفراني: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين وليس في شيء من ذلك ضيق اهـ. وقال الحنابلة: والتراويح عشرون ولا بأس بالزيادة نصًّا أي عن الإمام أحمد. ٢٠١١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ". وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس عبد الله بن أويس الأصبحي وهو ابن أخت الإمام مالك (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الأصبحي الإمام الأعظم (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوام (عن عائشة ﵂ زوج النبي) (أن رسول الله ﷺ صلّى، وذلك في رمضان). هذا الحديث ساقه هنا مختصرًا جدًّا فذكر كلمة من أوله وشيئًا من آخره كما ترى، وقد ساقه تامًّا في باب تحريض النبي ﷺ على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب من أبواب التهجد ولفظه: أن رسول الله ﷺ صلّى ذات ليلة في المسجد فصلّى بصلاته ناس، ثم صلّى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم فلما أصبح قال "قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" وذلك في رمضان. وقوله: قد رأيت الذي صنعتم أي من حرصكم على صلاة التراويح، وقوله: وذلك في رمضان هو من قول عائشة ﵂. واستدلّ به على الأفضل في قيام شهر رمضان أن يفعل في المسجد في جماعة لكونه ﷺ صلّى معه ناس في تلك الليالي وأقرهم على ذلك وإنما تركه لمعنى قد أمن بوفاته ﷺ وهو خشية الافتراض، وبهذا قال الشافعي: وجمهور أصحابه أبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية، وقد روى ابن أبي شيبة فعله عن عليّ وابن مسعود وأبي بن كعب وسويد بن غفلة وغيرهم وأمر به عمر بن الخطاب واستمر عليه عمل الصحابة ﵃ وسائر المسلمين وصار من الشعائر الظاهرة كصلاة العيد، وذهب آخرون إلى أن فعلها فرادى في البيت أفضل لكونه ﵊ واظب على ذلك، وتوفي والأمر على ذلك حتى مضى صدر من خلافة عمر، وقد اعترف عمر ﵁ بأنها مفضولة كما مرّ وبهذا قال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية. وأجيب: بأن ترك المواظبة على الجماعة فيها إنما كان لمعنى وقد زال وبأن عمر ﵁ لم يعترف بأنها مفضولة، وقوله: والتي ينامون عنها أفضل ليس فيه ترجيح الانفراد ولا ترجيح فعلها في البيت وإنما فيه ترجيح آخر الليل على أوله كما صرح به الراوي بقوله يريد آخر الليل، فرق بعضهم بين من يثق بانتباهه وبين من لا يثق به. ٢٠١٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فصلى فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَىَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا. فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ". وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر وابن عساكر: وحدثني بواو العطف والإفراد (يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا المخزومي المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم أوله وفتح ثانيه ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهريّ أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير بن العوّام (أن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ خرج) من حجرته إلى المسجد (ليلة) من ليالي رمضان (من جوف

стр. 1425

الليل فصلّى في المسجد وصلّى رجال بصلاته)، مقتدين به، وقوله فصلّى الأولى بالفاء والثانية بالواو (فأصبح الناس فتحدثوا)، أن النبي ﷺ صلّى في المسجد من جوف الليل (فاجتمع) في الليلة الثانية (أكثر منهم) برفع أكثر فاعل اجتمع (فصلوا معه) ﵊، ولأبي ذر: فصلّى فصلوا معه (فأصبح الناس فتحدثوا) بذلك (فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج) إليهم (رسول الله ﷺ فصلّى فصلوا بصلاته)، ولابن عساكر: فصلّى بصلاته فأسقط لفظ فصلوا، ولا ذر: فصلّى صلاته بضم الصاد مبنيًا للمفعول وأسقط فصلوا أيضًا (فلما كانت الليلة الرابعة ﷺ المسجد عن أهله) أي ضاق (حتى خرج) ﵊ (لصلاة الصبح فلما قضى الفجر) أي صلاته (أقبل على الناس) بوجهه الكريم (فتشهد) في صدر الخطبة (ثم قال): (أما بعد فإنه لم يخف عليّ مكانكم ولكني خشيت أن تفرض) أي صلاة التراويح في جماعة (عليكم فتعجزوا عنها) بكسر الجيم مضارع عجز بفتحها أي فتتركوها مع القدرة، وظاهر قوله: خشيت أن تكتب عليكم أنه ﵊ توقع ترتب افتراض قيام رمضان في جماعة على مواظبتهم عليه وفي ارتباط افتراض العبادة بالواظبة عليها إشكال. قال أبو العباس القرطبي: معناه تظنونه فرضًا للمداومة فيجب على من يظنه كذلك كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو تحريمه وجب عليه العمل بذلك، وقيل: إن النبي ﷺ كان حكمه أنه إذا ثبت على شيء من أعمال القرب واقتدى الناس به في ذلك العمل فرض عليهم ولذا قال: خشيت أن تفرض عليكم اهـ. واستبعد ذلك في شرح التقريب وأجاب: بأن الظاهر أن المانع له ﵊ أن الناس يستحلون متابعته ويستعذبونها ويستسهلون الصعب منها فإذا فعل أمرًا سهل عليهم فعله لمتابعته فقد يوجبه الله عليهم لعدم المشقّة عليهم فيه في ذلك الوقت، فإذا توفي ﵊ زال عنهم ذلك النشاط وحصل لهم الفتور فشق عليهم ما كانوا استسهلوه لا أنه يفرض عليهم ولا بدّ كما قال القرطبي وغايته أن يصير ذلك الأمر مرتقبًا متوقعًا قد يقع وقد لا يقع، واحتمال وقوعه هو الذي منعه ﵊ من ذلك قال: ومع هذا فالمسألة مشكلة ولم أر من كشف الغطاء في ذلك. وأجاب في الفتح: بأن المخوف افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطًا في صحة التنفل في الليل ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت: حتى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فمنعهم من التجمع في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم. قال الزهري: (فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك) أن كل أحد يصلّي قيام رمضان في بيته منفردًا حتى جمع عمر ﵁ الناس على أبي بن كعب فصلّى بهم جماعة واستمر العمل على ذلك. وهذا الحديث سبق في باب: من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد من كتاب الجمعة. ٢٠١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ: "سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهَا عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَىَّ تَنَامَانِ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي". وبه قال (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن سعيد) هو ابن أبي سعيد كيسان المدني (المقبري) كان جازًا للمقبرة فنسب إليها وثقه أحمد وابن المديني وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، وذكر الواقدي أنه اختلط قبل موته بأربع سنين ولم يتابع الواقدي على ذلك. نعم قال شعبة: حدّثناه سعيد بعدما كبر وعن يحيى بن معين أثبت الناس فيه ابن أبي ذئب وعن ابن خراش أثبت الناس فيه الليث بن سعد. قال ابن حجر: أكثر ما خرج له البخاري من حديث هذين عنه، وأخرج له أيضًا من حديث مالك وإسماعيل بن أمية وعبيد الله بن عمر العمري وغيرهم من الكبار وروى له الباقون لكن لم يخرجوا من حديث شعبة عنه شيئًا (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري أحد الأعلام اختلف في اسمه قال مالك اسمه كنيته (أنه سأل عائشة ﵂ كيف كانت صلاة

стр. 1426

رسول الله ﷺ في) ليالي (رمضان؟ فقالت: ما كان) ﵊ (يزيد في رمضان ولا في غيرها) من ليالي غيره، ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني: ولا في غيره أي في غير رمضان (على إحدى عشرة ركعة) وحديثها أنه ﷺ كان إذا دخل العشر يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره يحمل على التطويل في الركعات دون الزيادة في العدد نعم في رواية هشام بن عروة عن أبيه كان يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة، لكن أجيب بأن منها ركعتي الفجر كما صرح بذلك في رواية القاسم عنها (يصلّي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) أي هن في نهاية من كمال الحسن والطول مستغنيات لظهور حسنهن وطولهن عن الوصف (ثم يصلّي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلّي ثلاثًا) قالت (فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ قال): (يا عائشة إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي) وإنما كان قلبه الشريف لا ينام لأن القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن فافهم. وهذا الحديث قد سبق قيام النبي ﷺ بالليل في رمضان وغيره من أبواب التهجد. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٢ - كتاب فضل ليلةِ القدر ١ - باب فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ ﴿مَا أَدْرَاكَ﴾ فَقَدْ أَعْلَمَهُ، وَمَا قَالَ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ. (بسم الله الرحمن الرحيم). (باب فضل ليلة القدر) بفتح القاف وإسكان الدال سميت بذلك لعظم قدرها أي ذات القدر العظيم لنزول القرآن فيها، ووصفها بأنها خير من ألف شهر، أو لما يحصل لمحييها بالعبادة من القدر الجسيم، أو لأن الأشياء تقدر فيها وتقضى لقوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤] وتقدير الله تعالى سابق فهي ليلة إظهار الله تعالى ذلك التقدير للملائكة ويجوز فتح الدال على أنه مصدر قدر الله الشيء قدرًا وقدر لغتان كالنهر والنهر، وقال سهل بن عبد الله: لأن الله تعالى يقدر الرحمة فيها على عباده المؤمنين، وعن الخليل بن أحمد لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة من قوله: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧] وقد سقطت البسملة لغير أبي ذر (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه أي في بيان تفسير قول الله تعالى، ولا ذر وابن عساكر: وقال الله تعالى: (﴿إنا أنزلناه﴾) أي القرآن (﴿في ليلة القدر﴾) بإسكان الدال من غير خلاف بين القراء وكان إنزاله فيها جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع (﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾) تفخيم وتعظيم بلفظ الاستفهام (﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾) أي من ألف شهر ليس فيها تلك الليلة أو العمل في تلك الليلة أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وعند ابن أبي حاتم بسنده إني مجاهد مرسلاً ورواه البيهقي في سننه أن النبي ﷺ ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر قال: فعجب المسلمون من ذلك قال فأنزل الله تعالى: (﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر) [سورة القدر] التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر، وعند ابن أبي حاتم أيضًا بسنده إلى علي بن عروة ذكر رسول الله ﷺ يومًا أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله مائتي عام لم يعصوه طرفة عين فذكر أيوب وزكريا وحزقيل ويوشع بن نون، فعجب أصحاب رسول الله- ﷺ من ذلك فأتاه جبريل فقال: عجبت أمتك من عبادة ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عين فقد أنزل الله تعالى خيرًا من ذلك فقرأ عليه: ﴿إنّا أنزلناه في ليلة القدر﴾ هذا أفضل مما عجبت أمتك قال: فسرّ ذلك رسول الله ﷺ والناس معه. وعن مالك مما في الموطأ أنه قال: سمعت من أثق به يقول: إن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر إليه أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر وجعلها خيرًا من ألف شهر قال: وقد خص الله تعالى بها هذه الأمة فلم تكن لمن قبلهم على الصحيح المشهور وهل هي باقية أو رفعت؟ حكى الثاني المتولي في التتمة عن الروافض، وحكى الفاكهاني أنها خاصة بسنة واحدة ووقعت في زمنه ﵊ وهل هي ممكنة في جميع السنة؟ وهو

стр. 1427

قول مشهور عن الحنفية أو مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه. رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر بإسناد صحيح، ورواه عنه أبو داود مرفوعًا، ورجحه السبكي في شرح المنهاج، أو هي أول ليلة من رمضان رواه أبو عاصم من حديث أنس، أو ليلة النصف منه حكاه ابن الملقن في شرح العمدة. وفي قول حكاه القرطبي في المفهم أنها ليلة نصف شعبان أو هي ليلة سبع عشرة من رمضان رواه ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم، أو مبهمة في العشر الأوسط حكاه النووي، أو ليلة ثماني عشرة ذكره ابن الجوزي، أو ليلة تسع عشرة رواه عبد الرزاق عن علي، وأول ليلة من العشر الأخير وإليه مال الشافعي، أو هي ليلة اثنتين وعشرين أو ثلاث وعشرين رواه ابن العربي في العارضة، أو سبع وعشرين ورواه مسلم وغيره، أو تسع وعشرين أو ليلة الثلاثين أو في أوتار العشر أو تنتقل في العشر الأخير كله قاله أبو قلابة، وقيل غير ذلك. والحكمة في إخفائها ليحصل الاجتهاد في التماسها بخلاف ما لو عينت. (﴿تنزل الملائكة والروح﴾) أي جبريل أو ضرب من الملائكة أي يكثر تنزلهم (فيها) لكثرة بركتها (﴿بإذن ربهم﴾) فلا يمرون بمؤمن إلا سلموا عليه (﴿من كل أمر﴾) أي تنزل من أجل كل أمر قدر في تلك السنة (﴿سلام هي﴾) أي ليس إلا سلامة لا يقدر فيها شر وبلاء أو لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا أو ما هي إلا سلام لكثرة سلام الملائكة على أهل المساجد (﴿حتى مطلع الفجر﴾) [القدر: ١ - ٥] غاية بين تعميم السلامة أو السلام كل الليلة إلى وقت طلوعه، ولفظ رواية أبي ذر. (ما ليلة القدر) إلى آخر السورة. ولابن عساكر: الخ. (قال ابن عيينة) سفيان مما وصله محمد بن يحيى بن أبي عمر في كتاب الإيمان له (ما كان في القرآن ما) ولأبي ذر وابن عساكر: ﴿وما (أدراك﴾ فقد أعلمه) الله به (وما قال) ولابن عساكر: وما كان (وما يدريك فإنّه لم يعلمه) الله به، ولأبي ذر وابن عساكر: لم يعلم وتعقب هذا الحصر بقوله تعالى: ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ [عبس: ٣] فإنها نزلت في ابن أم مكتوم وقد علم ﷺ بحاله وإنه ممن تزكى ونفعته الذكرى. ٢٠١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ وَإِنَّمَا حَفِظَ مِنَ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وبالسند قال (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظناه) أي هذا الحديث (وإنما حفظ) بكسر الهمزة وكلمة إن التي أضيفت إليها كلمة ما للحصر وحفظ بفتح الحاء وكسر الفاء على صيغة الماضي أي قال علي بن عبد الله المديني: وإنما حفظ سفيان هذا الحديث (من الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب، ولأبي ذر: وأيما حفظ بهمزة مفتوحة ومثناة تحتية مشدّدة وحفظ بكسر الحاء وسكون الفاء مصدر حفظ يحفظ، وأي مرفوع بالابتداء مضاف إلى حفظ، وما زائدة والخبر حفظناه مقدرًا بعده أي وأي حفظ حفظناه من الزهري يدل عليه حفظناه الأول، ومن الزهري متعلق بحفظناه المذكور قبل، والمراد أنه يصف حفظه بكمال الأخذ وقوة الضبط لأن أحد معاني أيّ الكمال كما تقول: زيد رجل أيّ رجل أي كامل في صفات الرجال (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال): (من صام رمضان) في رواية مالك عن الزهري في الباب الذي قبل هذا من قام بدل من صام (إيمانًا واحتسابًا) أي تصديقًا وطلبًا لرضا الله وثوابه لا بقصد رؤية الناس ولا غيرهم مما ينافي الإخلاص (غفر له ما تقدم من ذنبه) من الصغائر، ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، (ومن قام ليلة القدر) زاد مسلم فيوافقها (إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) زاد النسائي في سننه الكبرى في رواية "وما تأخر". وفي مسند أحمد ومعجم الطبراني الكبير من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: فمن قامها إيمانًا واحتسابًا ثم وقفت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وحديثه حسن. وفي مسلم كما مرّ من يقم ليلة القدر فيوافقها قال النووي: يعني يعلم أنها ليلة القدر، وقال في شرح التقريب: إنما معنى توفيقها له

стр. 1428

أو موافقته لها أن يكون الواقع أن تلك الليلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي ليلة القدر في نفس الأمر وإن لم يعلم وذلك، وما ذكره النووي من أن معنى الموافقة العلم بأنها ليلة القدر مردود وليس في اللفظ ما يقتضي هذا ولا المعنى يساعده. وقال في فتح الباري: الذي يترجح في نظري ما قاله النووي ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر وإن لم يعلم بها ولم توفق له، وإنما الكلام على حصول الثواب المعين الموعود به فليأمل، وقد فرعوا على القول باشتراط العلم بها أنه يختص بها شخص دون شخص فتكشف لواحد ولا تكشف لآخر ولو كانا معًا في بيت واحد. (تابعه) أي تابع سفيان (سليمان بن كثير) العبدي في روايته (عن الزهري) وهذا مما وصله الذهلي في الزهريات. ٢ - باب الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ (باب التماس ليلة القدر) ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني: باب بالتنوين التمسوا ليلة القدر (في السبع الأواخر) من رمضان. ٢٠١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ ¬) لم يسم أحد منهم (أُوروا ليلة القدر) بضم الهمزة من أروا مبنيًا للمفعول تنصب مفعولين أحدهما النائب عن الفاعل والآخر قوله ليلة القدر أي أراهم الله ليلة القدر (في المنام في) ليالي (السبع الأواخر) جمع آخر بكسر الخاء. قال في المصابيح: ولا يجوز أخر لأنه جمع لأخرى وهي لا دلالة لها على المقصود وهو التأخير في الوجود، وإنما تقتضي المغايرة تقول: مررت بامرأة حسنة وامرأة أخرى مغايرة لها ويصح هذا التركيب سواء كان المرور بهذه المرأة المغايرة سابقًا أو لاحقًا وهذا عكس العشر الأول فإنه يصح لأنه جمع أولى ولا يصح الأوائل لأنه جمع أوّل الذي هو للمذكر وواحد العشر ليلة وهي مؤنثة فلا توصف بمذكر، وقول الكرماني قوله في السبع الأواخر ليس ظرفًا للإراءة معناه أنه صفة لقوله في المنام أي في المنام الواقع أو الكائن في السبع الأواخر، وقول الحافظ ابن حجر أي قيل لهم في المنام إنها في السبع الأواخر تعقبه العيني بأنه ليس بصحيح لأنه يقتضي أن ناسًا قالوا لهم إن ليلة القدر في السبع الأواخر وليس هذا تفسير قوله أروا ليلة القدر في المنام بل تفسيره أن ناسًا أروهم إياها فرأوا، وعلى تفسير هذا القائل أخبروا بأنها في السبع الأواخر ولا يستلزم هذا رؤيتهم اهـ. وظاهر الحديث أن رؤياهم كانت قبل دخول السبع الأواخر لقوله: فليتحرّها في السبع الأواخر، ثم يحتمل أنهم رأوا ليلة القدر وعظمتها وأنوارها ونزول الملائكة فيها وأن ذلك كان في ليلة من السبع الأواخر ويحتمل أن قائلاً قال لهم هي في كذا وعين ليلة من السبع الأواخر ونسيت أو قال أن ليلة القدر في السبع فهي ثلاث احتمالات (فقال رسول الله ﷺ ¬): (أرى) بفتح الهمزة والراء أي أعلم (رؤيكم) بالإفراد والمراد الجمع أي رؤاكم لأنها لم تكن رؤيا واحدة فهو مما عاقب الإفراد فيه الجمع لأمن اللبس، وقول السفاقسي أن المحدثين يروونه بالتوحيد وهو جائز وأفصح منه رؤاكم جمع رؤيا ليكون جمعًا في مقابلة جمع فيه نظر لأنه بإضافته إلى ضمير الجمع علم منه التعدد بالضرورة، وإنما عبّر بأرى لتجانس رؤياكم ومفعول أرى الأول رؤياكم والثاني قوله (قد تواطأت) بالهمزة. قال النووي: ولا بد من قراءته مهموزًا قال الله تعالى: ﴿ليواطئوا عدّة ما حرم الله﴾ [التوبة: ٣٧] وقال في شرح التقريب: وروي تواطت بترك الهمزة، وقال في المصابيح: ويجوز تركه أي توافقت (في) رؤيتها في ليالي (السبع الأواخر فمن كان متحرّيها) أي طالبها وقاصدها (فليتحرّها في) ليالي (السبع الأواخر) من رمضان من غير تعيين وهي التي تلي آخره أو السبع بعد العشرين، والحمل على هذا أولى لتناوله إحدى وعشرين وثلاثًا وعشرين بخلاف الحمل على الأول فإنهما لا يدخلان ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين على الثاني وتدخل على الأول. وفي حديث عليّ مرفوعًا عند أحمد فلا

стр. 1429

تغلبوا في السبع البواقي. ولمسلم من طريق عتبة بن حريث عن ابن عمر: التمسوها في العشر الأواخر فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي، وهذا السياق يرجح الاحتمال الأول من تفسير السبع، وظاهر الحديث أن طلبها في السبع مستنده الرؤيا وهو مشكل لأنه إن كان المعنى أنه قيل لكل واحد هي في السبع فشرط التحمل التمييز وهم كانوا نيامًا، وإن كان معناه أن كل واحد رأى الحوادث التي تكون فيها في منامه في السبع فلا يلزم منه أن تكون في السبع كما لو رئيت حوادث القيامة في المنام في ليلة، فإنه لا تكون تلك الليلة محلاً لقيامها. وأجيب: بأن الاستناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث الاستدلال بها على أمر وجودي غير مخالف لقاعدة الاستدلال، والحاصل أن الاستناد إلى الرؤيا هنا في أمر ثبت استحبابه مطلقًا وهو طلب ليلة القدر، وإنما ترجح السبع الأواخر بسبب الرؤى الدالة على كونها في السبع الأواخر وهو استدلال على أمر وجودي لزمه استحباب شرعي مخصوص بالتأكيد بالنسبة إلى هذه الليالي لا أنها ثبت بها حكم، أو أن الاستناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث إقراره ﷺ لها كأحد ما قيل في رؤيا الأذان. وهذا الحديث أحرجه مسلم في الصوم، والنسائي في الرؤيا. ٢٠١٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَكَانَ لِي صَدِيقًا- فَقَالَ: "اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا وَقَالَ: إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا -أَوْ نُسِّيتُهَا- فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَرْجِعْ. فَرَجَعْنَا، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ". وبه قال (حدّثنا) بالجمع: ولأبي ذر: وحدثني بواو العطف والتوحيد (معاذ بن فضالة) بفتح الفاء وتخفيف المعجمة الزهراني الطفاوي البصري قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (قال: سألت أبا سعيد) سعد بن مالك الخدري ﵁ (وكان لي صديقًا فقال: اعتكفنا) لم يذكر المسؤول عنه هنا، وفي رواية علي بن المبارك الآتية في باب الاعتكاف سألت أبا سعيد الخدري ﵁ قلت: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر ليلة القدر؟ قال: نعم اعتكفنا (مع النبي ﷺ العشر الأوسط من رمضان) ذكره وكان حقه أن يقول الوسطى بالتأنيث إما باعتبار لفظ العشر من غير نظر إلى مفرداته ولفظه مذكر فيصح وصفه بالأوسط، وإما باعتبار الوقت أو الزمان أي ليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر (فخرج) ﷺ (صبيحة عشرين فخطبنا) بفاء التعقيب وظاهر رواية مالك الآتية إن شاء الله تعالى في باب الاعتكاف حيث قال: حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه يخالف ما هنا إذ مقتضاه أن خطبته وقعت في أول اليوم الحادي والعشرين، وعلى هذا يكون أول ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين وهو مغاير لقوله في آخر الحديث: فبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبح يوم إحدى وعشرين فإنه ظاهر في أن الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين، ووقوع المطر في ليلة إحدى وعشرين وهو الموافق لبقية الطرق وعلى هذا فالمراد أي من الصبح الذي قبلها ويكون في إضافة الصبح إليها تجوّز، ويؤيده أن في رواية الباب الذي يليه فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه وهذا في غاية الإيضاح قاله في فتح الباري. (وقال) ﵊: (إني أريت ليلة القدر) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول من الرؤيا أي أعلمت بها أو من الرؤية أي أبصرتها وإنما أرى علامتها وهو السجود في الماء والطين كما في رواية همام عن يحيى في باب السجود في الماء والطين من صفة الصلاة بلفظ: حتى رأيت أثر الماء والطين على جبهة رسول الله ﷺ تصديق رؤيه (ثم أنسيتها) بضم الهمزة أي أنساه غيره إياها وكذا قوله (أو نسيتها). على رواية ضم النون وتشديد السين وهو الذي في اليونينية وغيرها، وفي بعضها بالفتح والتخفيف أن نسيها هو من غير واسطة والشك من الراوي، والمراد أنه أنسي علم تعيينها في تلك السنة لا رفع وجودها لأنه أمر بالتماسها حيث قال: (فالتمسوها) أي ليلة القدر (في العشر

стр. 1430

الأواخر في الوتر) أي في أوتار تلك الليالي وأولها ليلة الحادي والعشرين إلى آخر ليلة التاسع والعشرين لا ليلة إشفاعها، وهذا لا ينافي قوله: التمسوها في السبع الأواخر لأنه ﷺ لم يحدث بميقاتها جازمًا به (وإني رأيت) أي في منامي (أني أسجد) وللكشميهني كما في الفتح: أن أسجد (في ماء وطين فمن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ فليرجع) إلى معتكفه وفيه التفات إذ الأصل أن يقول اعتكف معي (فرجعنا) إلى معتكفنا (وما نرى في السماء قزعة) بفتح القاف والمعجمة أي قطعة رقيقة من السحاب، (فجاءت سحابة فمطرت) بفتحات (حتى سأل سقف المسجد) من باب ذكر المحل وإرادة الحال أي قطر الماء من سقفه، (وكان) السقف (من جريد النخل) سعفه الذي جرد عنه خوصه (وأقيمت الصلاة) صلاة الصبح (فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته) الشريفة ﷺ زاد في رواية همام في باب السجود على الأنف في الطين تصديق رؤياه، ومبحث السجود بأثر الطين قد سبق في الصلاة وحمله الجمهور على الأثر الخفيف والله أعلم. ٣ - باب تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ. فِيهِ عُبَادَةُ (باب تحري ليلة القدر في) ليالي (الوتر من العشر الأواخر) من رمضان ومحصله تعيينها في رمضان ثم في العشر الأخير منه ثم في أوتاره لا في ليلة منه بعينها (فيه) أي في هذا الباب (عبادة) بن الصامت، ولأبي ذر وابن عساكر عن عبادة وحديثه يأتي إن شاء الله تعالى في الباب اللاحق. ٢٠١٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ». [الحديث ٢٠١٧ - طرفاه في: ٢٠١٩، ٢٠٢٠]. وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المؤدب قال: (حدّثنا أبو سهيل) بضم السين وفتح الهاء مصغرًا نافع عم مالك بن أنس (عن أبيه) مالك بن أبي عامر الأصبحي (عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال): (تحروا) بفتح المثناة والمهملة والراء وإسكان الواو من التحري أي اطلبوا بالاجتهاد (ليلة القدر في) ليالي (الوتر من العشر الأواخر من رمضان). ٢٠١٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ الْعَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ، وَأَنَّهُ أَقَامَ فِي شَهْرٍ جَاوَرَ فِيهِ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا، فَخَطَبَ النَّاسَ فَأَمَرَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ، ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، فَابْتَغُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَابْتَغُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ. فَاسْتَهَلَّتِ السَّمَاءُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَأَمْطَرَتْ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَبَصُرَتْ عَيْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً". وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن حمزة) بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام الزبيري الأسدي المدني (قال: حدثني) بالإفراد (ابن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة بن دينار (والدراوردي) بفتح الدال والراء الأولى وبعد الألف واو مفتوحة فراء ساكنة فدال مكسورة فياء نسبة إلى قرية من قرى خراسان، واسمه عبد العزيز أيضًا ابن محمد كلاهما (عن يزيد) من الزيادة، ولأبى ذر زيادة: ابن الهاد وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي (عن محمد بن إبراهيم) بن الحرث التيمي القرشي (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي سعيد الخدري ﵁) أنه (قال: كان رسول الله ﷺ يجاور) أي يعتكف في المسجد (في رمضان العشر التي في وسط الشهر) وللكشميهني: التي وسط الشهر فأسقط لفظة في (فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي) بنصب حين على الظرفية ويعربها العيني والبرماوي كالكرماني حين بالرفع أيضًا اسم كان، والذي في اليونينية وغيرها الأول، وقوله تمضي بفتح المثناة الفوقية في موضع نصب صفة لقوله ليلة المنصوب على التمييز، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: تمضي بالمثناة التحتية وآخره نون الجمع (ويستقبل) ليلة (إحدى وعشرين) عطف على قوله يمسي لا على تمضي (رجع) ﵊ (إلى مسكنه ورجع من كان يجاور معه) إلى مساكنهم (وأنه) ﵊ (أقام في شهر جاور فيه) في معتكفه (الليلة التي كان يرجع فيها) إلى مسكنه (فخطب الناس فأمرهم ما شاء الله)، أن يأمرهم (ثم قال): (كنت أجاور هذه العشر) بتأنيث هذه (ثم قد بدا لي) ظهر لي بوحي أو اجتهاد (أن أجاور هذه العشر الأواخر فمن كان اعتكف معي) في رواية الباب السابق: فمن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ والذي هنا على الأصل وذاك من باب الالتفات كما سبق (فليثبت في معتكفه) من الثبوت واللام ساكنة، وفي رواية لمسلم فليبت من المبيت، وفي أخرى فليلبث من

стр. 1431

اللبث وهو في نسخة من البخاري أيضًا وكله صحيح وكاف معتكفه مفتوحة، (وقد أريت) بضم الهمزة (هذه الليلة ثم أنسيتها) بضم الهمزة (فابتغوها) بالموحدة والمعجمة أي اطلبوها (في) ليالي (العشر الأواخر وابتغوها) اطلبوها (في كل وتر) من أوتار ليالي العشر الأواخر (وقد رأيتني) بضم التاء للمتكلم وفيه عمل الفعل في ضميري الفاعل والمفعول وهو المتكلم وهو من خصائص فعال القلوب أي رأيت نفسي (أسجد في ماء وطين) علامة جعلت له يستدل بها عليها زاد في رواية الباب السابق: وما نرى في السماء قزعة (فاستهلت السماء في تلك الليلة) ولابن عساكر: فاستهلت السماء تلك الليلة بإسقاط في ونصب الليلة (فأمطرت) تأكيد لسابقه لأن استهلت يتضمن معنى أمطرت (فوكف المسجد) أي قطر ماء المطر من سقفه (في مصلّى النبي ﷺ ¬) موضع صلاته (ليلة إحدى وعشرين فبصرت) بضم الصاد (عيني) بالإفراد وهو تأكيد مثل قولك: أخذت بيدي، وإنما يقال في أمر يعز الوصول إليه إظهارًا للتعجب من تلك الحالة الغريبة (نظرت) بسكون الراء وتاء التكلم في الفرع وغيره وفي نسخة نظرت بفتح الراء وسكون التاء، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فبصرت عيني رسول الله ﷺ ونظرت بواو العطف (إليه انصرف من الصبح ووجهه) أي والحال أن وجهه (ممتلئ طيبًا) نصب على التمييز (وماء) عطف عليه. ٢٠١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْتَمِسُوا … ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (التمسوا) بحذف المفعول أي ليلة القدر وهو مفسر بما سيأتي إن شاء الله تعالى، ووقع هنا مختصرًا إحالة على الطريق الثاني وهي قوله بالسند السابق إليه. ٢٠٢٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَيَقُولُ: تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ". (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر وابن عساكر: وحدثني بواو العطف، وفي نسخة ح للتحويل وحدثني (محمد) هو ابن سلام البيكندي كما جزم به أبو نعيم في المستخرج أو هو ابن المثنى قال: (أخبرنا عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن سليمان الكوفي (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: كان رسول الله ﷺ يجاور) أي يعتكف (في العشر الأواخر من رمضان ويقول): (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) وقال في الطريق الأولى: "التمسوا" وكل منهما بمعنى الطلب والقصد، لكن معنى التحري أبلغ لكونه يقتضي الطلب بالجد والاجتهاد، ولم يقع في شيء من طرق هشام في هذا الحديث التقييد بالوتر، وكأن المؤلّف أشار بإدخاله في الترجمة إلى أن مطلقه يحمل على المقيد في رواية أبي سهيل. ٢٠٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى". [الحديث ٢٠٢١ - طرفه في: ٢٠٢٢]. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا وهيب) هو ابن خالد قال: (حدّثنا أيوب) السختياني، ولابن عساكر: عن أيوب (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال): (التمسوها) الضمير المنصوب مبهم يفسره قوله ليلة القدر كقوله تعالى: ﴿فسوّاهن سبع سماوات﴾ [البقرة: ٢٩] وهو غير ضمير الشأن إذ مفسره لا بد أن يكون جملة وهذا مفرد (في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر) بالنصب على البدل من الضمير في قوله التمسوها ويجوز رفعه خبر مبتدأ محذوف أي هي ليلة القدر (في تاسعة تبقى) بدل من قوله في العشر الأواخر، وقوله تبقى صفة لتاسعة وهي ليلة إحدى وعشرين لأن المحقق المقطوع بوجوده بعد العشرين تسعة أيام الإحتمال أن يكون الشهر تسعة وعشرين وليوافق الأحاديث الدالة على أنها في الأوتار (في سابعة تبقى) بدل وصفة أيضًا وهي ليلة ثلاث وعشرين (في خامسة تبقى) وهي ليلة خمس وعشرين، وإنما يصح معناه ويوافق ليلة القدر وترًا من الليالي على ما ذكر في الأحاديث إذا كان الشهر ناقصًا فأما إذا كان كاملاً فلا يكون إلا في شفع لأن الذي يبقى بعدها ثمان فتكون التاسعة الباقية ليلة اثنتين

стр. 1432

وعشرين والسابعة الباقية بعد ست ليلة أربع وعشرين والخامسة الباقية بعد أربع بال ليلة السادس والعشرين، وهذا على طريقة العرب في التاريخ إذا جاوزوا نصف الشهر فإنما يؤرخون بالباقي منه لا بالماضي منه. ٢٠٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَعِكْرِمَةَ، قَالَا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هِيَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي تِسْعٍ يَمْضِينَ أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ». تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ، وَعَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "الْتَمِسُوا فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ". يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن أبي الأسود) هو عبد الله بن محمد بن أبي الأسود واسمه حميد بن الأسود أبو بكر البصري الحافظ قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا عاصم) هو ابن سليمان الأحول البصري (عن أبي مجلز) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام آخره زاي واسمه حميد بن سعيد السدوسي البصري (وعكرمة قال ابن عباس ﵄) وفي نسخة: قالا أي أبو مجلز وعكرمة حدّثنا ابن عباس (قال رسول الله ﷺ ¬): (هي) أي ليلة القدر وفي رواية أحمد عن عفان والإسماعيلي من طريق محمد بن عقبة كلاهما عن عبد الواحد زيادة في أوله وهي قال عمر: من يعلم ليلة القدر؟ فقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : هي (في العشر) ولأبوي ذر والوقت: زيادة الأواخر (هي في تسع) بتقديم المثناة الفوقية على السين (يمضين) بكسر الضاد المعجمة من المضي وهو بيان للعشر أي هي في ليلة التاسع والعشرين (أو في سبع يبقين) بفتح التحتية والقاف بينهما موحدة ساكنة من البقاء أي في ليلة الثالث والعشرين أو مبهمة في ليالي السبع، وللكشميهني: يمضين فتكون ليلة السابع والعشرين (يعني ليلة القدر) (تابعه) أي تابع وهيبًا (عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي فيما وصله أحمد وابن أبي عمر في مسنديهما وفي رواية غير أبي ذر وابن عساكر قال عبد الوهاب (عن أيوب) السختياني موافقة لوهيب في إسناده ولفظه وزاد محمد بن نصر في قيام الليل أو آخر ليلة، وهذه المتابعة رقم عليها في الفرع علامة التقديم عند ابن عساكر عقب طريق وهيب عن أيوب وهي كذلك عند النسفيّ، والصواب وأصلحها ابن عساكر في نسخته كذلك وقعت عند الأكثرين من رواية الفربري عقب حديث عبد الله بن أبي الأسود (وعن خالد) الحذاء بالإسناد الأول، لكن جزم المزي بأنه معلق (عن عكرمة عن ابن عباس) ﵄ أنه قال: (التمسوا) أي ليلة القدر (في) ليلة (أربع وعشرين) من رمضان وهي ليلة إنزال القرآن، واستشكل إيراد هذا الحديث هنا لأن الترجمة للأوتار وهذا شفع. وأجيب: بأن أنسًا روى أنه ﵊ كان يتحرى ليلة ثلاث وعشرين وليلة أربع وعشرين أي يتحراها في ليلة من السبع البواقي، فإن كان الشهر تامًّا فهي ليلة أربع وعشرين وإن كان ناقصًا فثلاث، ولعل ابن عباس إنما قصد بالأربع الاحتياط، وقيل المراد التمسوها في تمام أربعة وعشرين وهي ليلة الخامس والعشرين على أن البخاري ﵀ كثيرًا ما يذكر توجمة ويسوق فيها ما يكون بينه وبين الترجمة أدنى ملابسة كالإِشعار بأن خلافه قد ثبت أيضًا. ٤ - باب رَفْعِ مَعْرِفَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِتَلَاحِي النَّاسِ (باب رفع معرفة) تعيين (ليلة القدر لتلاحي الناس) بالحاء المهملة أي لأجل مخاصمتهم: وسقطت هذه الترجمة مع الباب لغير أبوي ذر والوقت وزاد أبو ذر وابن عساكر يعني ملاحاة. ٢٠٢٣ - حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ". وبالسند قال (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني (محمد بن المثنى) العنزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (خالد بن الحرث) الهجيمي قال: (حدّثنا حميد) هو ابن أبي حميد واسم أبي حميد تير بكسر الفوقية وسكون التحتية آخره راء الخزاعي البصري ومعناه السهم وقيل تيرويه وقيل ترخان وقيل مهران وهو مشهور بحميد الصويل قيل: كان قصيرًا طويل اليدين وكان يقف عند الميت فتصل إحدى يديه إلى رأسه والأخرى إلى رجليه. وقال الأصمعي: رأيته ولم يكن بذلك الطول كان في جيرانه رجل يقال له حميد القصير فقيل له حميد الطويل للتمييز بينهما قال: (حدّثنا أنس) هو ابن مالك (عن عبادة بن الصامت) ﵁ (قال: خرج النبي ﷺ ¬) من حجرته (ليخبرنا بليلة القدر) أي بتعيينها (فتلاحى) بفتح الحاء المهملة أي تنازع وتخاصم (رجلان من المسلمين) قيل هما عبد الله بن حدرد وكعب بن مالك فيما ذكره ابن دحية لم يذكر له

стр. 1433

مستندًا (فقال) ﵊: (خرجت لأخبركم) بنصب الراء بأن مقدرة بعد لام التعليل وأخبر يقتضي ثلاثة مفاعيل الأول الكاف وقوله (بليلة القدر) سدّ مسدّ المفعول الثاني والثالث لأن التقدير أخبركم بأن ليلة القدر هي الليلة الفلانية (فتلاحى فلان وفلان) في المسجد وشهر رمضان اللذين هما محلان لذكر الله لا للغو (فرفعت) أي رفع بيانها أو عملها من قلبي بمعنى نسيتها كما وقع التصريح به في رواية مسلم، وقيل رفعت بركتها في تلك السنة، وقيل التاء في رفعت للملائكة لا لليلة. وفي حديث أبي هريرة عند مسلم أنه ﷺ قال: "أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها" وهذا يقتضي أن سبب الرفع النسيان لا الملاحاة. وأجيب: باحتمال أن يكون النسيان وقع مرتين عن سببين أو أن الرؤيا في حديث أبي هريرة منامًا فيكون سبب النسيان الإيقاظ والأخرى في اليقظة، فيكون سبب النسيان الملاحاة وحاصله الحمل على التعدد. (وعسى أن يكون) رفع تعيينها (خيرًا لكم) وجه الخيرية أن إخفاءها يستدعي قيام كل الشهر بخلاف ما لو بقيت معرفة تعيينها. واستنبط منه الشيخ تقي الدين السبكي -رحمه الله تعالى- استحباب كتمان ليلة القدر لمن رآها قال: وجه الدلالة أن الله تعالى قدر لنبيه أنه لم يخبر بها والخير كله فيما قدره له ويستحب اتباعه في ذلك قال: والحكمة فيه أنها كرامة والكرامة ينبغي كتمانها بلا خلاف عند أهل الطريق من جهة رؤية النفس فلا يأمن السلب، ومن جهة أنه لا يأمن الرياء، ومن جهة الأدب فلا يتشاغل عن الشكر لله بالنظر إليها وذكرها للناس، وإذا تقرر أن الذي ارتفع علم تعيينها تلك السنة فهل أعلم النبي ﷺ بعد ذلك بتعيينها فيه احتمال وشذ قوم فقالوا: أنها رفعت أصلاً وهو غلط منهم، ولو كان كذلك لم يقل النبي ﷺ بعد ذلك: (فالتمسوها) في اطلبوا ليلة القدر (في) الليلة (التاسعة) والعشرين (و) في الليلة (السابعة) والعشرين (و) في الليلة (الخامسة) والعشرين من شهر رمضان، وقد استفيد التقدير بالعشرين والليلة من روايات أخر كما لا يخفى ولو كان المراد رفع وجودها كما زعم الروافض لم يأمرهم بالتماسها، وقد أجمع من يعتد بها على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر وقد وقع الأمر بطلبها في هذه الأحاديث في أوتار العشر الأواخر وفي السبع الأواخر وبينهما تناف وإن اتفقا على أن محلها منحصر في العشر الأواخر، والأول وهو انحصارها في أوتار العشر الأخير قول حكاه القاضي عياض وغيره. قال الحنابلة: وتطلب في ليالي العشر الأخير وليالي الوتر آكد. قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: الوتر يكون باعتبار الماضي فتطلب ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين الخ ويكون باعتبار الباقي لقوله ﵊: لتاسعة تبقى فإن كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الإشفاع فليلة الثانية تاسعة تبقى وليلة الرابعة سابعة تبقى كما فسره أبو سعيد، وإن كان الشهر ناقصًا كان التاريخ بالباقي كالتاريخ بالماضي اهـ. وأما القول بانحصارها في السبع الأواخر فلا نعرف قائلاً به وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين لقوله ﵊ في حديث أبي سعيد السابق وفيه: فوكف المسجد في مصلّى النبي ﷺ ليلة إحدى وعشرين وحديث عبد الله بن أنيس عند مسلم أنه ﷺ قال: رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني في صبيحتها أسجد في ماء وطين قال: فمطرف ليلة ثلاث وعشرين، وعبارة الشافعي في الأم كما نقله البيهقي في المعرفة وتطلب ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان قال: وكأني رأيت والله أعلم أقوى الأحاديث فيه ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين. وقال الحنابلة: وأرجى الأوتار ليلة سبع وعشرين قال في الإنصاف: وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب وهو من المفردات اهـ. وبه جزم أبي بن كعب وحلف عليه كما في مسلم وفي حديث ابن عمر عند أحمد مرفوعًا: ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، وحكاه الشاشي من الشافعية في الحلية عن

стр. 1434

أكثر العلماء، واستدلّ ابن عباس على ذلك بأن الله خلق السماوات سبعًا والأرضين سبعًا والأيام سبعًا وأن الإنسان خلق من سبع وجعل رزقه في سبع ويسجد على سبعة أعضاء والطواف سبع والجمار سبع واستحسن ذلك عمر بن الخطاب، وقال ابن قدامة: إن ابن عباس استنبط ذلك من عدد كلمات السورة وفد وافقه أن قوله فيها هي سابع كلمة بعد العشرين، واستنبطه بعضهم من وجه آخر فقال: ليلة القدر تسعة أحرف، وقد أعيدت في السورة ثلاث مرات وذلك سبع وعشرون، واستدلّ أبي بن كعب على ذلك بطلوع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها ولفظ رواية مسلم أنه كان يحلف على ذلك ويقول بالآية والعلامة التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ : أن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها وقد جاء أن لليلة القدر علامات تظهر فقيل يرى كل شيء ساجدًا، وقيل ترى الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع الظلمة، وقيل يسمع سلامًا من الملائكة، وقيل علامتها استجابة دعاء من وقعت له. وفي كتاب فضائل رمضان لسلمة بن شبيب عن فرقد أن ناسًا من الصحابة كانوا في المسجد فسمعوا كلامًا من السماء ورأوا نورًا من السماء وبابًا من السماء وذلك في شهر رمضان فأخبروا رسول الله ﷺ بما رأوا فزعم أن رسول الله ﷺ قال: أما النور فنور رب العزة تعالى، وأما الباب فباب السماء، والكلام كلام الأنبياء. وهذا مرسل ضعيف ولا يلزم من تخلف العلامة عدمها فرب قائم فيها لم يحصل له منها إلا العبادة ولم ير شيئًا من كرامة علاماتها وهو عند الله أفضل ممن رآها وأي كرامة أفضل من الاستقامة التي هي عبارة عن اتباع الكتاب والسنّة وإخلاص النية. وعن مالك أنها تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وعن أبي حنيفة أنها في رمضان تتقدم وتتأخر، وعن أبي يوسف ومحمد لا تتقدم ولا تتأخر لكن غير معينة، وقيل هي عندهما في النصف الأخير من رمضان. وقال أبو بكر الرازي: هي غير مخصوصة بشهر من المشهور، وبه قال الحنفية وفي فتاوى قاضي خان المشهور عن أبي حنيفة أنها تدور في السنة كلها وقد تكون في رمضان وفي غيره، وصح ذلك عن ابن مسعود لكن في صحيح مسلم وغيره عن زر بن حبيش قال: سألت أبي بن كعب فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر. فقال ﵀: أراد أن لا يتكل الناس أما أنه علم أنها في رمضان وأنها في العشر الأواخر وأنها ليلة سبع وعشرين، وقيل أرجاها ليالي الجمع في الأوتار، وقيل أنها أول ليلة في رمضان، وقيل آخر ليلة منه، وقيل أنها تختص بإشفاع العشر الأخير على الإبهام، وقيل في كل ليلة من إشفاعه على التعيين، وقيل تكون في ليلة أربع عشرة، وقيل في سبع عشرة، وقيل ليلة تسع عشرة. وعن ابن خزيمة من الشافعية أنها تنتقل في كل سنة إلى ليلة من ليالي العشر الأخير، واختاره النووي في الفتاوى وشرح المهذّب، وقيل غير ذلك مما يطول استقصاؤه. وأما قول ابن العربي: الصحيح أنها لا تعلم فأنكره النووي بأن الأحاديث قد تظاهرت بإمكان العلم بها وأخبر به جماعة من الصالحين فلا معنى لإنكار ذلك. وقد جزم ابن حبيب من المالكية ونقله الجمهور وحكاه صاحب العدة من الشافعية ورجحه أن ليلة القدر خاصة بهذه الأمة ولم تكن في الأمم قبلهم، وهو معترض بحديث أبي ذر عند النسائي حيث قال فيه قلت: يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت؟ قال: بل هي باقية، وعمدتهم قول مالك السابق بلغني أن رسول الله ﷺ تقاصر أعمال أمته الخ. وهذا محتمل للتأويل فلا يدفع الصريح في حديث أبي ذر كما قاله الحافظان ابن حجر في فتح الباري، وابن كثير في تفسيره. ٥ - باب الْعَمَلِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ (باب) الاجتهاد في (العمل في العشر الأواخر من) وللحموي والمستملي: في (رمضان). ٢٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ". وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن أبي يعفور) بفتح المثناة التحتية وسكون العين المهملة وضم الفاء آخره راء منصرفًا عبد الرحمن بن عبيد البكائي العامري (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح مصغر صبح (عن مسروق) هو ابن

стр. 1435

الأجدع (عن عائشة ﵂ قالت): (كان النبي ﷺ إذا دخل العشر) أي الأخير كما صرح به حديث علي عند ابن أبي شيبة من رمضان (شد مئزره) بكسر الميم وسكون الهمزة أي إزاره، ولمسلم جدّ وشد المئزر قيل هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة كما يقال: فلان يشد وسطه ويسعى في كذا وهذا فيه نظر فإنها قالت: جد وشد المئزر فعطفت شد المئزر على الجد والعطف يقتضي التغاير، والصحيح أن المراد به اعتزاله للنساء وبذلك فسره السلف والأئمة المتقدمون، وجزم به عبد الرزاق عن الثوري واستشهد بقول الشاعر: قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم … عن النساء ولو باتت بأطهار ويحتمل أن يراد الاعتزال والتشمير معًا فلا ينافي شد المئزر حقيقة، وقد كان ﵊ يصيب من أهله في العشرين من رمضان، ثم يعتزل النساء ويتفرغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر. وعند ابن أبي عاصم بإسناد مقارب عن عائشة كان رسول الله ﷺ إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر شد المئزر واجتنب النساء. وفي حديث أنس عند الطبراني كان ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه واعتزل النساء. (وأحيا ليله)، استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها أو أحيا معظمه لقولها في الصحيح: ما علمته قام ليلة حتى الصباح. وقوله: أحيا ليله من باب الاستعارة شبه القيام فيه بالحياة في حصول الانتفاع التام أي أحيا ليله بالطاعة أو أحيا نفسه بالسهر فيه لأن النوم أخو الموت، وأضافه إلى الليل اتساعًا لأن النائم إذا حيى باليقظة حيى ليله بحياته وهو نحو قوله لا تجعلوا بيوتكم قبورًا أي لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور (وأيقظ أهله) أي للصلاة والعبادة. وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الصوم وأبو داود في الصلاة وكذا النسائي وأخرجه ابن ماجة في الصوم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٣ - أبواب الاعتكاف (بسم الله الرحمن الرحيم). (أبواب الاعتكاف) سقط لغير المستملي أبواب الاعتكاف وثبت له تأخير البسملة ولابن عساكر كتاب الاعتكاف بدل أبواب الاعتكاف. ١ - باب الاِعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالاِعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]. (باب الاعتكاف في العشر الأواخر) أي من رمضان وهو لغة اللبث والحبس والملازمة على الشيء خيرًا أو شرًّا قال تعالى: (﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾) [البقرة: ١٨٧] وقال : ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وشرعًا اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنيته (والاعتكاف) بالجر عطفًا على سابقه (في المساجد كلها) قيد بالمساجد إذ لا يصح في غيرها وجمع المساجد وأكدها بلفظ كلها ليعم جميعها خلافًا لمن خصه بالمساجد الثلاثة، ومن خصه بمسجد بني ومن خصه بمسجد تقام فيه الجمعة وهذا الأخير قول مالك في المدونة وهو مذهب الحنابلة. وقال في الإنصاف: لا يخلو المعتكف إما أن يأتي عليه في مدة اعتكافه فعل صلاة وهو ممن تلزمه الصلاة أولاً. فإن لم يأت عليه في مدة اعتكافه فعل صلاة فهذا يصح اعتكافه في كل مسجد، وإن أتى عليه في مدة اعتكافه فعل صلاة لم يصح إلا في مسجد تصلّى فيه الجماعة على الصحيح من المذهب. وعن أبي حنيفة لا يجوز إلا في مسجد تصلّى فيه الصلوات الخمس لأن الاعتكاف عبارة عن انتظار الصلاة فلابد من اختصاصه بمسجد تصلّى فيه الصلوات الخمس، والأول هو قول الشافعي في الجديد ومالك في الموطأ وهو المشهور من مذهبه، وبه قال محمد وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة لقوله تعالى: (﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾) [البقرة: ١٨٧] معتكفون فيها والمراد بالمباشرة الوطء لما تقدم من قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿فالآن باشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧] وقيل معناه ولا تلامسوهن بشهوة واستدلال المؤلّف بالآية على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد تعقب بأنه ربما يدعى دلالتها على أن الاعتكاف قد يكون في غير المسجد وإلا لم يكن للتقييد دلالة وأجيب بأنه لو لم يكن ذكر المساجد لبيان أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لزم اختصاص حرمة المباشرة

стр. 1436

باعتكاف يكون في المسجد وهو باطل اتفاقًا لأن الوطء العمد مفسد للاعتكاف بل يحرم به التقبيل واللمس بشهوة بالشروط السابقة في الصوم فإذا أنزل معهما أفسده كالاستمناء بخلاف ما إذا لم ينزل معهما أو أنزل معهما وكانا بلا شهوة كما في الصوم وسبب نزول هذه الآية ما روي عن قتادة أن الرجل كان إذا اعتكف خرج فباشر امرأته ثم رجع إلى المسجد فنهاهم الله عن ذلك وكذا قاله الضحاك ومجاهد (﴿تلك حدود الله﴾) أي الأحكام التي ذكرت (﴿فلا تقربوها﴾) أي فلا تغشوها (﴿كذلك﴾) مثل ذلك التبيين (﴿يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾) [البقرة: ١٨٧] مخالفة الأوامر والنواهي ولفظ رواية أبوي الوقت وذر فلا تقربوها إلى آخر الآية وسقط لابن عساكر من قوله: ﴿تلك حدود الله﴾ إلى آخر قوله للناس. ٢٠٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ". وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (أن نافعًا) مولى ابن عمر (أخبره عن عبد الله بن عمر ﵄ قال): (كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر من رمضان) زاد من هذا الوجه قال نافع: وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد. ٢٠٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ¬) (أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى) وفيه دليل على أنه لم ينسخ وأنه من السنن المؤكدة خصوصًا في العشر الأواخر من رمضان لطلب ليلة القدر. وروى أبو الشيخ ابن حيان من حديث الحسين بن عليّ مرفوعًا: اعتكاف عشر في رمضان بحجتين وعمرتين وهو ضعيف. (ثم اعتكف أزواجه من بعده) فيه دليل على أن النساء كالرجال في الاعتكاف، وقد كان ﵇ أذن لبعضهن وأما إنكاره عليهن الاعتكاف بعد الإذن كما في الحديث الصحيح فلمعنى آخر فقيل خوف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه أو ذهاب المقصود من الاعتكاف بكونهن معه في المعتكف أو لتضييقهن المسجد بأبنيتهن. وعند أبي حنيفة إنما يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الموضع المهيأ في بيتها لصلاتها. ٢٠٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ -وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ- قَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ. فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَاىَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ". وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن عبد الله بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن يزيد بن عبد الله بن الهاد) بغير ياء بعد الدال (عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان)، ذكره باعتبار لفظ العشر أو باعتبار الوقت أو الزمان، ورواه بعضهم الوسط بضم السين (فاعتكف عامًا)، مصدر عام إذا سبح يقال عام يعوم عومًا وعامًا فالإِنسان يعوم في دنياه على الأرض طول حياته حتى يأتيه الموت فيغرق فيها أي اعتكف في شهر رمضان في عام (حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين) بنصب ليلة في الفرع وغيره، وضبطه بعضهم بالرفع فاعلاً بكان التامة بمعنى ثبت ونحوه، والمراد حتى إذا كان استقبال ليلة إحدى وعشرين لأن المعتكف العشر الأوسط إنما يخرج قبل دخول ليلة الحادي والعشرين لأنها من العشر الأخير، وقد صرح به في رواية هشام في باب التماس ليلة القدر إنما كان في اليوم العشرين وقد مر تقريره هناك أيضًا (وهي الليلة التي يخرج صبيحتها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من صبيحتها (من اعتكافه قال) ﵊: (من كان اعتكف معي) أي في العشر الأوسط (فليعتكف العشر الأواخر وقد)، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فقد (أريت) بضم الهمزة (هذه الليلة) بالنصب مفعول به لا ظرف أي رأيت

стр. 1437

ليلة القدر (ثم أنسيتها) قال القال في العدة فيما حكاه الطبري ليس معناه أنه رأى الليلة أو الأنوار عيانًا ثم نسي في أي ليلة رأى ذلك لأن مثل هذا قل أن ينسى وإنما قيل له ليلة القدر ليلة كذا وكذا ثم نسي كيف قيل له، (وقد رأيتني) بضم التاء أي رأيت نفسي (أسجد في ماء وطين من صبيحتها) يحتمل أن تكون من بمعنى في كما في قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩] أو هي لابتداء الغاية الزمانية (فالتمسوها في العشر الأواخر)، من رمضان (والتمسوها في كل وتر) منه (فمطرت السماء) بفتح الميم والطاء (تلك الليلة) يقال في الليلة الماضية الليلة إلى أن تزول الشمس فيقال حينئذٍ البارحة، (وكان المسجد على عريش) أي مظللاً بجريد ونحوه مما يستظل به يريد أنه لم يكن له سقف يكن من المطر (فوكف المسجد)، أي سال ماء المطر من سقف المسجد (فبصرت عيناي) بضم الصاد (رسول الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين) أي تصديق رؤياه كما في رواية همام السابقة في الصلاة. ٢ - باب الْحَائِضُ تُرَجِّلُ رأسَ الْمُعْتَكِفَ (باب الحائض) ولأبي ذر: باب بالتنوين الحائض (ترجل المعتكف) أي تمشط وتسرّح شعر رأسه وتنظفه وتحسنه ولا دخل للدهن هنا. ٢٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْغِي إِلَىَّ رَأْسَهُ وَهْوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ". وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) الزمن قال: (حدثنا يحيى) القطان (عن هشام قال أخبرني أبي) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت) (كان النبي ﷺ يصغي) بضم أوّله وكسر الغين المعجمة أي يدني ويميل (إليّ رأسه) منصوب بيصغي (وهو مجاور) أي معتكف (في المسجد) والجملة حالية وعند أحمد كان يأتيني وهو معتكف في المسجد فيتكئ على باب حجرتي فأغسل رأسه وسائره في المسجد (فأرجله) أي فأمشط شعره وأسرحه (وأنا حائض) وفيه أن إخراج البعض لا يجري مجر الكل وينبني عليه ما لو حلف لا يدخل بيتًا فأدخل بعض أعضائه كرأسه لم يحنث، وبه صرح أصحابنا الشافعية. ٣ - باب لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ هذا (باب) بالتنوين (لا يدخل) المعتكف (البيت إلا لحاجة) لا بد له منها. ٢٠٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: "وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَىَّ رَأْسَهُ وَهْوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا". [الحديث ٢٠٢٩ - أطرافه في: ٢٠٣٣، ٢٠٣٤، ٢٠٤١، ٢٠٤٥]. وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد الثقفي البلخي قال: (حدّثنا ليث) هو ابن سعد الإمام (عن ابن شهاب) هو ابن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (وعمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة (أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: وإن) إن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن (كان رسول الله ﷺ ليدخل عليّ رأسه وهو في المسجد) معتكف وأنا في الحجرة (فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة) فسرها الزهري رواية بالبول والغائط واتفق على استثنائهما (إذا كان معتكفًا) فيه أن يخرج لحاجته قربت داره أو بعدت نعم يضر البعد الفاحش ولا يكلف فعل ذلك في سقاية المسجد لما فيه من خرم المروءة ولا في دار صديقه بجوار المسجد للمنة أما إذا فحش بعده فيقطعه خروجه لذلك. ٤ - باب غَسْلِ الْمُعْتَكِفِ (باب) جواز (غسل المعتكف) بكسر الكاف. قال البرماوي كالكرماني غسل بفتح الغين لا بضمها اهـ. نعم ثبت الرفع في رواية أبي ذر كما في اليونينية وغيرها. ٢٠٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ". وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي (عن عائشة ﵂) أنها (قالت) (كان النبي ﷺ يباشرني) أي يمس بشرتي من غير جماع (وأنا حائض). ٢٠٣١ - "وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ". (وكان يخرج) إليّ (رأسه من المسجد) وأنا في الحجرة (وهو معتكف فأغسله) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة (وأنا حائض) جملة حالية. ٥ - باب الاِعْتِكَافِ لَيْلاً (باب) جواز (الاعتكاف ليلاً). ٢٠٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ". [الحديث ٢٠٣٢ - أطرافه في: ٢٠٤٣، ٣١٤٤، ٤٣٢٠، ٦٦٩٧]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري قال: (أخبرني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر ﵄ أن عمر سأل النبي ﷺ ¬) بالجعرانة لما رجعوا من حنين كما في النذر (قال:

стр. 1438

كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام) أي حول الكعبة ولم يكن في عهده ﷺ ولا أبي بكر دار بل الدور حول البيت وبينها أبواب لدخول الناس فوسعه عمر ﵁ بدور اشتراها وهدمها واتخذها للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة ثم تتابع الناس على عمارته وتوسيعه (قال) ﵊ له: (أوف بنذرك) الذي نذرته في الجاهلية أي على سبيل الندب وليس الأمر للإيجاب، واستدلّ به على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، فلو كان شرطًا لأمره النبي ﷺ به لكن عند مسلم من حديث سعيد عن عبيد الله يومًا بدل ليلة فجمع ابن حبان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته، وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر صريحًا لكن إسنادها ضعيف، وقد زاد فيها أنه قال: له: "اعتكف وصم" أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الله بن بديل وهو ضعيف، وقد ذكر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار ورواية من روى يومًا شاذة، وقد وقع في رواية سليمان بن بلال الآتية إن شاء الله تعالى فاعتكف ليلة فدلّ على أنه لم يزده على نذره شيئًا وأن الاعتكاف لا صوم فيه قاله في فتح الباري وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. وعن أحمد أيضًا لا يصح بغير صوم والأول هو الصحيح عندهم وعليهم أصحابهم، وقال المالكية والحنفية: لا يصح إلا بصوم، وأحتجوا بأنه ﷺ لم يعتكف إلا بصوم وفيه نظر لما في الباب الذي بعده أنه اعتكف في شوال. واستشكل قوله نذرت في الجاهلية الخ إذ ظاهره أنه الوقت الذي كان هو فيه على الجاهلية لأن الصحيح أن نذر الكافر غير صحيح. وأجيب: بأن المراد أنه نذر بعد إسلامه في زمن لا يقدر أن يفي بنذره فيه لمنع الجاهلية للمسلمين من دخول مكة ومن الوصول إلى المحرم وهذا مردود بما أخرجه الدارقطني من طريق سعيد بن بشير عن عبد الله بلفظ: نذر عمر أن يعتكف في الشرك فهذا صريح في أن نذره كان قبل إسلامه في الجاهلية، فالمراد من قوله ﵊ له: (أوف بنذرك) على سبيل الندب لا على سبيل الوجوب لعدم أهلية الكافر للتقرب فحمله على الندب أولى إذ لا يحسن تركه بالإسلام ما عزم عليه في الكفر من الخير والله أعلم. وعند الحنابلة يصح النذر من الكافر وعبارة المرداوي في تنقيح المقنع النذر مكروه وهو إلزام مكلف مختار ولو كافرًا بعبادة نصًّا نفسه لله تعالى. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الاعتكاف، وأخرجه مسلم في الإيمان والنذور وكذا أبو داود والترمذي، وأخرجه النسائي فيه وفي الاعتكاف، وأخرجه ابن ماجة في الصيام. ٦ - باب اعْتِكَافِ النِّسَاءِ (باب) حكم (اعتكاف النساء). ٢٠٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ. فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً، فَأَذِنَتْ لَهَا فَضَرَبَتْ خِبَاءً. فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ رَأَى الأَخْبِيَةَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَأُخْبِرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : آلْبِرَّ تُرَوْنَ بِهِنَّ؟ فَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ". وبالسند قال (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) هو ابن درهم قال (حدّثنا يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن عمرة) بنت عبد الرحمن الأنصارية (عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان) والاعتكاف فيه آكد منه في غيره اقتداء به ﷺ وطلبًا لليلة القدر (فكنت أضرب له خباء) بكسر الخاء المعجمة ثم موحدة ممدودًا أي خيمة من وبر أو صوف لا من شعر وهو على عمودين أو ثلاثة (فيصلّى الصبح) في المسجد (ثم يدخله) أي الخباء (فاستأذنت حفصة) بنت عمر أم المؤمنين (عائشة) نصب مفعول حفصة (أن تضرب خباء) أي في ضرب خباء لها فأن مصدرية (فأذنت لها) عائشة. وفي رواية الأوزاعي الآتية إن شاء الله تعالى: فاستأذنته عائشة فأذن لها وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت (فضربت) أي حفصة (خباء) لها لتعتكف فيه (فلما رأته) أي الخباء (زينب ابنة) ولأبي ذر: بنت (جحش) أم المؤمنين (ضربت خباء آخر) زاد في رواية عمرو بن الحرث عند أبي عوانة: وكانت امرأة غيورًا

стр. 1439

(فلما أصبح النبي ﷺ رأى الأخبية) الثلاثة التي لأمهات المؤمنين (فقال): (ما هذا) الذي أراه من الأخبية (فأخبر). أي بأنها لأمهات المؤمنين (فقال النبي): (آلبر) بهمزة الاستفهام ممدودة على وجه الإنكار والنصب على أنه مفعول مقدم لقوله (ترون) بضم المثناة الفوقية وفتح الراء مبنيًّا للمفعول أي الطاعة تظنون (بهن)؟ أي متلبسًا بهن فالبر مفعول أول وبهن مفعول ثان وهما في الأصل مبتدأ وخبر والخطاب للحاضرين معه من الرجال وغيرهم، وفي رواية ابن عساكر: تردن بضم الفوقية وكسر الراء وسكون الدال من الإرادة بدل قوله تردن أي أمهات المؤمنين، وفي نسخة: آلبر بالرفع على الابتداء والخبر ما بعده وإلغاء الفعل الذي هو تردن لتوسطه بين المفعولين وهما البر وبهن، (فترك) ﵊ (الاعتكاف ذلك الشهر) مبالغة في الإنكار عليهن خشية أن يكن غير مخلصات في اعتكافهن بل الحامل لهن على ذلك الباهاة أو التنافس الناشئ عن الغيرة حرصًا على القرب منه خاصة فيخرج الاعتكاف عن موضوعه أو خاف تضييق المسجد على المصلين بأخبيتهن أو لأن المسجد يجمع الناس ويحضره الأعراب والمنافقون وهن محتاجات إلى الدخول والخروج فيبتذلن بذلك، (ثم اعتكف) ﵊ (عشرًا من شوال) قضاء عما تركه من الاعتكاف في رمضان على سبيل الاستحباب لأنه كان إذا عمل عملاً أثبته، ولو كان للوجوب لاعتكف معه نساؤه أيضًا في شوال، ولم ينقل وفي رواية أبي معاوية عند مسلم حتى اعتكف الأولى من شوّال. وقال الإسماعيلي: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن أول شوال هو يوم العيد وصومه حرام، واعترض بأن المعنى كان ابتداؤه في العشر الأول وهو صادق بما إذا ابتدأ باليوم الثاني فلا دليل فيه لما قاله. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا داود والترمذي، وأخرجه النسائي في الصلاة. ٧ - باب الأَخْبِيَةِ فِي الْمَسْجِدِ (باب الأخبية في المسجد). ٢٠٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ إِذَا أَخْبِيَةٌ: خِبَاءُ عَائِشَةَ، وَخِبَاءُ حَفْصَةَ، وَخِبَاءُ زَيْنَبَ، فَقَالَ آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ؟ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ، حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرة بنت عبد الرحمن) الأنصارية (عن عائشة ﵂¬) قال في الفتح: وسقط قوله عن عائشة في رواية النسفيّ والكشميهني وكذا هو في الموطآت كلها، وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق عبد الله بن يوسف شيخ المؤلّف فيه مرسلاً أيضًا، وجزم بأن البخاري أخرجه عن عبد الله بن يوسف موصولاً عن عائشة (أن النبي ﷺ أراد أن يعتكف) في العشر الأواخر من رمضان (فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف) زاد في نسخة فيه (إذا أخبية) مضروبة في المسجد أحدها (خباء عائشة و) الثاني (خباء حفصة و) الثالث (خاء زينب) بكسر الخاء المعجمة والمدّ فيها كما مرّ (فقال): ﵊: (آلبر) بالمدّ قال في الفتح وبغير مد (تقولون) أي تظنون (بهن)؟ فأجرى فعل القول مجرى فعل الظن على اللغة المشهورة والبر مفعول أول مقدم وبهن مفعول ثان أي أتظنون أنهن طلبن البر وخالص العمل، ويجوز رفع البر كما مرّ في الباب السابق وكان القياس أن يقال تقلن بلفظ جمع المؤنث ولكن الخطاب للحاضرين الشامل للنساء والرجال (ثم انصرف) ﵊ (فلم يعتكف) ذلك الشهر (حتى اعتكف عشرًا من شوال) أوله يوم العيد على ما مرّ مع ما فيه من نظر كما تقدم. ٨ - باب هَلْ يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ هذا (باب) بالتنوين (هل يخرج المعتكف) من معتكفه (لحوائجه إلى باب المسجد)؟ ٢٠٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵄: "أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ. فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا". [الحديث ٢٠٣٥ - أطرافه في: ٢٠٣٨، ٢٠٣٩، ٣١٠١، ٣٢٨١، ٦٢١٩، ٧١٧١]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن سلم (قال: أخبرني) بالتوحيد (عليّ بن الحسين) بن علي بن أبي طالب القرشي زين العابدين (﵄) ولابن عساكر: ابن حسين (أن صفية) بنت حييّ (زوج النبي ﷺ أخبرته: أنها جاءت رسول الله) ولأبي ذر

стр. 1440

جاءت إلى رسول الله (¬ ﷺ تزوره في اعتكافه) من الأحوال المقدرة وفي رواية معمر عند المؤلّف في صفة إبليس فأتيته أزوره ليلاً (في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة) زاد في الأدب: من العشاء (ثم قامت) أي صفية (تنقلب) أي تردّ إلى منزلها (فقام النبي ﷺ معها يقلبها) بفتح الياء وسكون القاف وكسر اللام أي يردّها إلى منزلها (حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مرّ رجلان من الأنصار). قال ابن العطار في شرح العمدة: هما أسيد بن حضير وعباد بن بشر ولم يذكر لذلك مستندًا، وفي رواية هشام الآتية وكان بيتها في دار أسامة فخرج النبي ﷺ معها فلقيه رجلان من الأنصار، وظاهره أنه ﵊ خرج من باب المسجد وإلا فلا فائدة في قوله لها في حديث هشام هذا لا تعجلي حتى أنصرف معك ولا فائدة لقلبها لباب المسجد فقط لأن قلبها إنما كان لبعد بيتها وفي رواية عبد الرزاق من طريق مروان بن سعيد بن المعلي فذهب معها حتى أدخلها في بيتها. (فسلما على رسول الله ﷺ ¬) وفي رواية معمر المذكورة فنظرا إلى النبي ﷺ ثم أجازا أي مضيا وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند ابن حبان فلما رأياه استحييا فرجعا (فقال لهما النبي): امشيا (على رسلكما) بكسر الراء وسكون السين المهملة أي على هينتكما فليس شيء تكرهانه (إنما هي صفية بنت حيي) بمهملة ثم مثناة تحتية مصغرًا ابن أخطب وكان أبوها رئيس خيبر (فقالا): أي هي صفية بنت حيي) بمهملة ثم مثناة تحتية مصغرًا ابن أخطب وكان أبوها رئيس خيبر (فقالا): أي الرجلان (سبحان الله يا رسول الله) أي تنزه الله عن أن يكون رسوله متهمًا بما لا ينبغي أو كناية عن التعجب من هذا القول (وكبُر عليهما) بضم الموحدة أي عظم وشق عليهما ما قال ﵊، وفي رواية هشيم فقالا: يا رسول الله وهل نظن بك إلا خيرًا؟ (فقال النبي ﷺ ¬): (إن الشيطان يبلغ من الإنسان) الرجال والنساء فالمراد الجنس (مبلغ الدم)، أي كمبلغ الدم ووجه الشبه شدة الاتصال وعدم المفارقة وهو كناية عن الوسوسة (وإني خشيت أن يقذف) الشيطان (في قلوبكما شيئًا) ولمسلم وأبي داود من حديث معمر شرًا ولم يكن النبي ﷺ نسبهما أنهما يظنان به سوءًا لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك لأنهما غير معصومين فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك فبادر إلى إعلامهما حسمًا للمادة وتعليمًا لمن بعده إذا وقع له مثل ذلك. وقد روى الحاكم أن الشافعي كان في مجلس ابن عيينة فسأله عن هذا الحديث فقال الشافعي: إنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنا به التهمة فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئًا يهلكان به. وفي طبقات العبادي أن الشافعي سئل عن خبر صفية فقال: إنه على سبيل التعليم علمنا إذا حدّثنا محارمنا أو نساءنا على الطريق أن نقول هي محرمي حتى لا نتهم. وقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على التحرز مما يقع في الوهم نسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدى بهم فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب ظن السوء بهم وإن كان لهم فيه مخلص لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم. ومطابقة الحديد للترجمة في قوله فقام النبي ﷺ يقلبها، وفي رواية هشام المذكورة الدلالة على جواز خروج المعتكف لحاجته من أكل وشرب وبول وغائط وأذان على منارة المسجد إذا كان راتبًا ومرض تشق الإقامة معه في المسجد وخوف سلطان وصلاة جمعة لكن الأظهر بطلانه بخروجه لها لأنه كان يمكنه الاعتكاف في الجامع ودفن ميت تعين عليه كغسله وأداء شهادة تعين أداؤها عليه وخوف عدوّ قاهر وغسل من احتلام. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الاعتكاف وفي الأدب وفي صفة إبليس وفي الأحكام، وأخرجه مسلم في الاستئذان، وأبو داود في الصوم وفي الأدب، والنسائي في الاعتكاف، وابن ماجة ابن لا نتهم اهـ.
следующие страницы →