Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
حيث قال: ليس في قصة المدبر بيع المزايدة فإن بيع المزايدة أن يعطي به واحد ثمنًا ثم يعطي به غيره زيادة. (فاشتراه نعيم بن عبد الله) بضم النون وفتح العين النحام بفتح النون والحاء المهملة المشددة العدوي القرشي، ووصف بالنحام لأن النبي ﷺ قال: "دخلت الجنة فسمعت نحمة نعيم فيها". والنحمة: السعلة أسلم قديمًا وأقام بمكة إلى قبيل الفتح وكان قومه يمنعونه من الهجرة لشرفه فيهم لأنه كان ينفق عليهم فقالوا: أقم عندنا على أيّ دين شئت. ولما قدم على النبي ﷺ اعتنقه وقبّله واستشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة. (بكذا وكذا) ثمانمائة درهم (فدفعه إليه) أي
دفع ﵊ الثمن الذي بيع به المدبر المذكور لمدبره أو دفع المدبر لمشتريه نعيم وقول العيني أي دفع الثمن إلى الرجل وهو نعيم بن عبد الله سهو لا يخفى، وقد وقع في رواية مسلم وأبي داود والنسائي من طريق أيوب عن أبي الزبير ما يعين أن الضمير للثمن ولفظه فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه. وفي رواية مسلم والنسائي من طريق الليث عن أبي الزبير فدفعها إليه ثم قال: ابدأ بنفسك فتصدق عليها. وفي رواية النسائي من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد ودفع ثمنه إلى مولاه، وأما ما وقع في رواية الترمذي فمات ولم يترك مالاً غيره فهو مما نسب فيه ابن عيينة إلى الخطأ ولم يكن سيده مات كما وقع مصرّحًا به في الأحاديث الصحيحة وفيه جواز بيع المدبر وهو قول الشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى المنع وتأتي إن شاء الله تعالى مباحث ذلك في موضعه بحول الله وقوته.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف في الاستقراض، وكذا أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
٦٠ - باب النَّجْشِ. وَمَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى: "النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ". وَهْوَ خِدَاعٌ بَاطِلٌ لَا يَحِلُّ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "الْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ".
(باب النجش) بفتح النون وسكون الجيم وفتحها وهو في اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد يقال: نجشت الصيد أنجشه بالضم نجشًا وفي الشرع أن يزيد في ثمن السلعة من غير رغبة ليوقع غيره فيها وقيد الإمام وغيره ذلك بالزيادة على ما يساويه المبيع، وقضيته أنه لو زاد عند نقص القيمة ولا رغبة له جاز وكلام الأصحاب يخالفه ولا خيار للمشتري لتفريطه حيث لم يتأمل ولم يراجع أهل الخبرة ويقع النجش أيضًا بمواطأة الناجش البائع فيشتركان في الإثم ويقع بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش وقد يختص به البائع كأن يقول: أعطيت في المبيع كذا والحال بخلافه أو أنه اشتراه أكثر مما اشتراه ليوقع غيره ولا خيار للمشتري.
(و) باب (من قال: لا يجوز ذلك البيع) الذي وقع بالنجش وهو مشهور مذهب الحنابلة إذا كان بمواطأة البائع أو صنعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، والأصح عند الشافعية وهو قول الحنفية صحة البيع مع الإثم والتحريم في جميع المناهي شرطه العلم بها إلا في النجش لأنه خديعة وتحريم الخديعة واضح لكل أحد وإن لم يعلم هذا الحديث بخصوصه بخلاف البيع على بيع أخيه إنما يعرف من الخبر الوارد فيه فلا يعرفه من لا يعرف الخبر. قال الرافعي: ولك أن تقول هو إضرار معلوم من العمومات والوجه تخصيص المعصية بمن عرف التحريم بعموم أو خصوص وأقرّه عليه النووي وهو ظاهر بل نقل البيهقي عن الشافعي أن النجش كغيره من المناهي.
(وقال ابن أبي أوفى) عبد الله في حديث أورده المؤلّف في الشهادات في باب قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] (الناجش أكل ربًا) أي كآكله، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: آكل الربا بالتعريف (خائن) لكونه غاشًّا وهو خبر بعد خبر. قال المؤلّف: (وهو خداع) بكسر الخاء المعجمة أي مخادعة (باطل) غير حق (لا يحل) فعله وهذا قاله المؤلّف تفقهًا وليس من كلام عبد الله بن أبي أوفى.
(قال النبي ﷺ الخديعة) أي صاحبها (في النار) رواه ابن عدي في كامله. وقال ﷺ فيما وصله المؤلّف في كتاب الصلح من حديث عائشة ﵂: (ومن عمل عملاً) بكسر الميم في الأول وفتحها في الثاني (ليس عليه أمرنا فهو ردّ) أي مردود عليه فلا يقبل منه.
٢١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّجْشِ".
[الحديث ٢١٤٢ - طرفه في: ٦٩٦٣].
وبه قال: (حدّثنا
стр. 1507
عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: نهى النبي ﷺ عن النجش) بسكون الجيم وفتحها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في ترك الحيل، ومسلم والنسائي في البيوع وابن ماجة في التجارات.
٦١ - باب بَيْعِ الْغَرَرِ، وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ
(باب بيع الغرر) بفتح الغين المعجمة وبراءين كالمسك في الفأرة والصوف على ظهر الغنم وهو شامل لبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه وكلها باطلة إلا إذا دعت حاجة كأس الدار وحشو الجبة فيجوز لدخول الحشو في مسمى الجبة والأس في مسمى الجدار فلا يضرّ ذكرهما لأنه تأكيد بخلاف نحو بيع الحامل وحملها أو ولبن ضرعها، فإنه لا يصح لجعله الحمل واللبن المجهول مبيعًا مع المعلوم بخلاف بيعها بشرط كونها حاملاً أو لبونًا لأنه جعل ذلك وصفًا تابعًا. (و) بيع (حبل الحبلة) بفتح المهملة والموحدة فيهما وقيل هو بسكون الموحدة في الأول وهو من عطف الخاص على العام ولشهرته في الجاهلية أفرد بالتنصيص عليه.
٢١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ: كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا".
[الحديث ٢١٤٣ - طرفاه في: ٢٢٥٦، ٣٨٤٣].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى) نهي تحريم (عن بيع حبل الحبلة) قال نافع أو ابن عمر كما جزم به ابن عبد البر: (وكان) بيع حبل الحبلة (بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية. كان الرجل) منهم (يبتاع الجزور) بفتح الجيم وضم الزاي هو البعير ذكرًا كان أو أُنثى وحكم الجزور كغيره (إلى أن تنتج الناقة) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول من الأفعال التي لم تسمع إلا كذلك نحو جن وزهي علينا أي تكبر والناقة مرفوع بإسناد تنتج إليها أي تضع ولدها فولدها نِتاج بكسر النون من تسمية المفعول بالمصدر. يقال: نتجت الناقة بالبناء للمفعول نتاجًا أي ولدت، (ثم تنتج التي في بطنها) ثم تعيش المولودة حتى تكبر ثم تلد وصفته كما قاله الشافعي ومالك وغيرهما أن يقول البائع بعتك هذه السلعة بثمن مؤجل إلى أن تنتج هذه النافة ثم تنتج التي في بطنها لأن الأجل
فيه مجهول، وقيل هو بيع ولد ولد الناقة في الحال بأن يقول إذا نتجت هذه الناقة ثم نتجت التي في بطنها فقد بعتك ولدها لأنه بيع ما ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه فيدخل في بيع الغرر، وهذا الثاني تفسير أهل اللغة وهو أقرب لفظًا وبه قال أحمد والأول أقوى لأنه تفسير الراوي وهو ابن عمر وهو أعرف وليس مخالفًا للظاهر فإن ذلك هو الذي كان في الجاهلية والنهي وارد عليه. قال النووي: ومذهب الشافعي ومحققي الأصوليين أن تفسير الراوي مقدّم إذا لم يخالف الظاهر.
وقال الطيبي، فإن قلت: تفسيره مخالف لظاهر الحديث فكيف يقال إذا لم يخالف الظاهر؟ وأجاب باحتمال أن يكون المراد بالظاهر الواقع فإن هذا البيع كان في الجاهلية بهذا الأجل فليس التفسير حلاًّ للفظ بل بيان للواقع، ومحصل الخلاف السابق كما قاله ابن التين هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها، وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع جنين الجنين فصارت أربعة أقوال انتهى.
ولم يذكر في الباب بيع الغرر صريحًا لكنه لما كان حديث الباب في النهي عن بيع حبل الحبلة وهو نوع من أنواع بيع الغرر ذكر الغرر الذي هو عامّ، ثم عطف عليه حبل الحبلة من عطف الخاص على العام كما مرّ لينبّه على أن أنواع الغرر كثيرة وإن لم يذكر منها إلا حبل الحبلة من باب التنبيه بنوع مخصوص معلول بعلة على كل نوع توجد فيه تلك العلة. وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن بيع الغرر من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عباس عند ابن ماجة وسهل بن سعد عند أحمد.
وحديث الباب أخرجه أبو داود والنسائي في البيوع.
٦٢ - باب بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ. وَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ -
(باب) حكم (بيع الملامسة) مفاعلة من اللمس ويأتي تفسيرها في حديث الباب إن شاء الله
تعالى. (قال أنس) مما وصله المؤلّف في بيع المخاضرة: (نهى عنه) أي عن بيع الملامسة (النبي
стр. 1508
ﷺ ¬) ولأبي ذر: نهى النبي ﷺ عنه.
٢١٤٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهْيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ. وَنَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُلَامَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ".
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين وفتح الفاء وبعد المثناة التحتية الساكنة راء ونسبه لجده لشهرته به واسم أبيه كثير المصري (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عامر بن سعد) بسكون العين ابن أبي وقاص (أن أبا سعيد) سعد بن مالك الخدري (﵁ أخبره):
(أن رسول الله ﷺ نهى) نهي تحريم (عن المنابذة) بضم الميم وبالذال المعجمة قال أبو سعيد الخدري (و) المنابذة (هي طرح الرجل ثوبه) لمن يريد شراءه (بالبيع) أي بسببه (إلى رجل) آخر (قبل أن يقلبه) ظهرًا لبطن (أو) قبل أن (ينظر إليه) ويتأمله. (ونهى) النبي ﵊ (عن الملامسة، والملامسة) هي (لمس الثوب لا ينظر) المستام (إليه).
وعند المؤلّف في اللباس من طريق يونس عن الزهري والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ إليه الآخر بثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراضٍ.
وللنسائي من حديث أبي هريرة: والملامسة أن يقول الرجل للرجل: أبيعك ثوبي بثوبك ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر ولكن يلمسه لمسًا، والمنابذة أن يقول أنبذ ما معي وتنبذ ما معك ليشتري كل واحد منهما من الآخر ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر ونحو ذلك.
ولمسلم من طريق عطاء بن مينا عن أبي هريرة: أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر لم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه، وهذا التفسير الذي في حديث أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة لأنهما كما مرّ مفاعلة فتستدعي وجود الفعل من الجانبين. وظاهر الطرق كلها أن التفسير من الحديث المرفوع. لكن وقع في رواية النسائي ما يشعر بأنه من كلام من دون النبي ﷺ ولفظه. وزعم أن الملامسة أن يقول الخ … فالأقرب أن يكون ذلك من كلام الصحابي لأنه يبعد أن يعبر الصحابي عن النبي ﷺ بهذا اللفظ.
واختلف في تفسير الملامسة على ثلاث صور:
إحداها: أن يكتفي باللمس عن النظر ولا خيار له بعده بأن يلمس ثوبًا لم يره ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه.
الثاني: أن يجعل اللمس بيعًا بأن يقول إذا لمسته فقد بعتكه اكتفاء بلمسه عن الصيغة.
الثالثة: أن يبيعه شيئًا على أنه متى لمسه لزم البيع وانقطع خيار المجلس وغيره اكتفاء بلمسه عن الإلزام بتفرّق أو تخاير وبطلان البيع المستفاد من النهي لعدم رؤية المبيع واشتراط نفي الخيار في الأولى ونفي الصيغة في عقد البيع في الثانية وشرط نفي الخيار في الثالثة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في اللباس ومسلم وأبو داود والنسائي في البيوع.
٢١٤٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نُهِيَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ: أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، ثُمَّ يَرْفَعَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ. وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: اللِّمَاسِ، وَالنِّبَاذِ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد الوهاب) الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة ﵁ قال):
(نهي) بضم أوله مبنيًّا للمفعول أي نهى النبي ﷺ (عن لبستين) بكسر اللام على الهيئة لا بالفتح على المرة إحداهما (أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ثم يرفعه على منكبه) كملة أن مصدرية والتقدير نهى عن احتباء الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء، ولم يذكر في حديث أبي هريرة ثاني اللبستين المنهي عنهما وهو اشتمال الصماء. قال البرماوي كالكرماني: اختصارًا من الراوي كأنه لشهرته. وقال ابن حجر: وقد وقع بيان الثانية عند أحمد من طريق هشام عن ابن سيرين ولفظه: أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء وأن يرتدي في ثوب يرفع طرفيه على عاتقيه.
(و) نهى ﷺ (عن بيعتين) تثنية بيعة بفتح الموحدة وكسرها والفرق بينهما أن الفعلة بالفتح للمرة وبالكسر
стр. 1509
للحالة والهيئة. قال البرماوي: والوجه الكسر لأن المراد الهيئة انتهى. والذي في الفرع الفتح إحداهما (اللماس و) الثانية (النباذ) بكسر الأول منهما مصدر لامس ونابذ.
وهذا الحديث مضى في الصلاة في باب: ما يستر من العورة.
٦٣ - باب بَيْعِ الْمُنَابَذَةِ
وَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ .
(باب) حكم (بيع المنابذة. وقال أنس) فيما وصله في باب بيع المخاضرة كما مر في الباب السابق (نهى عنه) أي عن بيع المنابذة (النبي ﷺ ¬) ولأبي ذر تأخير قوله عنه بعد قوله وسلم.
٢١٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ".
به قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان كلاهما (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁):
(أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة و) عن (المنابذة) ولم يذكر في شيء من طرق حديث أبي هريرة تفسيرهما والمنابذة أن يجعلا النبذ بيعًا اكتفاء به عن الصيغة فيقول أحدهما: أنبذ إليك ثوبي بعشرة فيأخذه الآخر، أو يقول بعتكه بكذا على أني إذا نبذته إليك لزم البيع وانقطع الخيار.
٦٤ - باب النَّهْيِ لِلْبَائِعِ أَنْ لَا يُحَفِّلَ الإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَكُلَّ مُحَفَّلَةٍ وَالْمُصَرَّاةُ الَّتِي صُرِّيَ لَبَنُهَا وَحُقِنَ فِيهِ وَجُمِعَ فَلَمْ يُحْلَبْ أَيَّامًا
وَأَصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ الْمَاءِ، يُقَالُ مِنْهُ: صَرَّيْتُ الْمَاءَ.
(باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم) بضم المثناة التحتية وفتح المهملة وتشديد الفاء المكسورة من الحفل وهو الجمع ومنه المحفل لمجمع الناس، ولا يحتمل أن تكون زائدة وأن تكون تفسيرية ولا يحفل بيانًا للنهي والتقييد بالبائع يخرج ما لو حفل المالك لجمع اللبن لولده أو عياله أو ضيفه (وكل محفلة) بفتح الفاء المشددة ونصب كل عطفًا على المفعول من عطف العام على الخاص أي وكل مصرّاة من شأنها أن تحفل فالنصوص وإن وردت في النعم لكن ألحق بها غيرها من مأكول اللحم للجامع بينهما وهو تغرير المشتري. نعم غير المأكول كالجارية والأتان وإن شارك في النهي وثبوت الخيار، ولكن الأصح أنه لا يردّ في اللبن صاعًا من تمر لعدم ثبوته ولأن لبن الآدميات لا يعتاض عنه غالبًا ولبن الأتان نجس لا عوض له، وبه قال الحنابلة في الأتان دون الجارية.
(والمصراة) بضم الميم وفتح الصاد المهملة وتشديد الراء مبتدأ خبره قوله (التي صري) بضم المهملة وتشديد الراء أي ربط (لبنها) أي ضرعها (وحقن فيه) أي في الثدي من باب العطف التفسيري لأن التصرية والحقن بمعنى واحد (وجمع) اللبن (فلم يحلب أيامًا) وهذا تفسير الشافعي (و) قال أبو عبيد وأكثر أهل اللغة (أصل التصرية حبس الماء يقال منه صرّيت الماء) بتشديد الراء وزاد أبو ذر إذا حبسته.
٢١٤٧ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عياش بن الوليد) بفتح العين المهملة وتشديد المثناة التحتية وبعد الألف شين معجمة الرقام البصري قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى البصري السامي قال: (حدّثنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عطاء بن يزيد) من الزيادة الليثي (عن أبي سعيد) الخدري (﵁) أنه (قال):
(نهى النبي ﷺ عن لبستين) بكسر اللام (وعن بيعتين) بفتح الموحدة (الملامسة والمنابذة) وسبق تفسيرهما وقيل المنابذة نبذ الحصاة والصحيح أنها غيره وتفسير اللبستين معلوم مما سبق واختصره الراوي.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الاستئذان، وأبو داود في البيوع، وأخرجه ابن ماجة في التجارات بالنهي عن البيعتين وفي اللباس بالنهي عن اللبستين.
٢١٤٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَين أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ». وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ وَمُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «صَاعَ تَمْرٍ». وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَهْوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا". وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: "صَاعًا مِنْ تَمْرٍ". وَلَمْ يَذْكُرْ "ثَلَاثًا"، وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ.
وبه قال: (حدّثنا ابن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف يحيى قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل بن حسنة المصري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز أنه قال: (قال أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬):
(لا تصروا الإبل والغنم) بضم التاء وفتح الصاد وتشديد الراء بوزن تزكوا من صرى يصري تصرية كزكى يزكي تزكية وأصله تصريوا فاستثقلت الضمة على الياء فسكنت فالتقى ساكنان فحذف أْولهما وضم ما قبل الواو للمناسبة، والإبل على هذا نصب على المفعولية وما بعده عطف عليه وهذه الرواية الصحيحة. وقال عياض: رويناه في غير مسلم عن
стр. 1510
بعضهم بفتح التاء وضم الصاد من صرّ يصرّ إذا ربط. قال: وعن بعضهم بضم التاء وفتح الصاد بغير واو بصيغة الإفراد على البناء للمجهول وهو من الصر أيضًا، والإبل مرفوع به، والغنم عطف عليه والمشهور الأوّل. قال أبو عبيد: لو كان من الصر لكانت مصرورة لم مصررة لا مصراة.
وأجيب: بأنه يحتمل أنها مصررة فأبدلت إحدى الراءين ألفًا نحو ﴿دسّاها﴾ [الشمس: ١٠] أصله دسسها فكرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس، وعلى هذا فلا مباينة بين تفسير الشافعي وبين رواية لا تصروا على ما صححوه على أنه قد سمع الأمران في كلام العرب، وذكر المؤلّف البقر في الترجمة ولم يقع له ذكر في الحديث إشارة إلى أنها في معنى الإبل والغنم في الحكم خلافًا لداود، وإنما اقتصر عليهما لغلبتهما عندهم.
(فمن ابتاعها) أي فمن اشترى المصراة (بعد) بضم الدال أي بعد التصريح، وقيل بعد العلم بهذا النهي، وقال الحافظ الشرف الدمياطي فيما نقله الزركشي: أي بعد أن يحلبها كذا رواه ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج وبه يصح المعنى. قال الزركشي: والبخاري رواه من جهة الليث عن جعفر بإسقاطها يعني بإسقاط زيادة بعد أن يحتلبها فأشكل المعنى، لكن رواه آخر الباب عن أبي الزناد عن الأعرج بلفظ: فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها فلا معنى لاستدراك الحافظ له من جهة ابن لهيعة وهو ليس من شرط الصحيح مع الاستغناء عنه بوجوده في الصحيح، وتعقب بأن قوله: إن إسقاط هذه الزيادة أوجب إشكال هذا المعنى فيه نظر وذلك أن نص حديث الليث كحديث أبي الزناد ولفظه.
(فإنه بخير النظرين) أي الرأيين (بين أن يحتلبها) كذا في الفرع بفتح همزة أن وإثبات الفوقية بعد الحاء وبين مرقوم عليها علامة الحموي مصحح عليها وتحت العلامة علامة السقوط. وفي الهامش مكتوب صوابه بعد أن يحتلبها أي وقت أن يحتلبها أي فالمشتري متلبس بخير النظرين في وقت حلبه لها. وقال العيني كالحافظ ابن حجر: أن يحتلبها كذا في الأصل بكسر إن على أنها شرطية وجزم يحتلبها لأنه فعل الشرط، ولابن خزيمة والإسماعيلي من طريق أسد بن موسى عن الليث بعد أن يحتلبها بفتح أن ونصب يحتلبها اهـ.
والذي رأيته في فرعين لليونينية وسائر ما وقفت عليه من الأصول بفتح الهمزة والنصب، وزاد عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد فهو بالخيار ثلاثة أيام أخرجه الطحاوي، وظاهر قوله: بعد أن يحتلبها أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار على الفور من الاطّلاع عليها لكن لما كانت التصرية لا تعلم غالبًا إلا بعد الحلب ذكره قيدًا في ثبوت الخيار فلو ظهرت التصرية بعد الحلب فالخيار ثابت.
(إن شاء أمسك) المصراة على ملكه (وإن شاء ردّها وصاع تمر) بالنصب على أن الواو بمعنى مع أو لمطلق الجمع ولا يكون مفعولاً معه لأن جمهور النحاة على أن شرط المفعول معه أن يكون فاعلاً نحو جئت أنا وزيدًا. وقوله: إن شاء أمسك الخ. جملتان شرطيتان عطفت الثانية على الأولى ولا محل لهما من الإعراب إذ هما تفسيريتان أُتي بهما لبيان المراد بالنظرين ما هو.
وهذا الحديث أخرجه بقية الأئمة الستة.
(ويذكر) بضم أوّله مبنيًا للمفعول (عن أبي صالح) ذكوان الزيات مما وصله مسلم (ومجاهد) مما وصله البزار والطبراني في الأوسط (والوليد بن رباح) بفتح الراء وتخفيف الموحدة وبعد الألف مهملة مما وصله أحمد بن منيع في مسنده (وموسى بن يسار) بالتحتية وتخفيف السين المهملة مما وصله مسلم والأربعة (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ صاع تمر) وقيل يكفي صاع قوت لحديث أبي داود: صاعًا من طعام، وهل يتخير بين الأقوات أو يتعين غالب قوت البلد؟ وجهان أصحهما الثاني، وعلى تعيين التمر وهو الصحيح عند الشافعية لو تراضيا على غيره من قوت أو غيره جاز ولو فقد التمر ردّ قيمته بالمدينة ذكره الماوردي وأقره الرافعي والنووي، ويتعين الصاع
стр. 1511
ولو قل اللبن فلا يختلف قدر التمر بقلّة اللبن وكثرته كما لا تختلف غرة الجنين باختلاف ذكورته وأُنوثته ولا أرش الموضحة باختلافها صغرًا أو كبرًا.
(وقال بعضهم) وصله مسلم عن قرّة (عن ابن سيرين) عن أبي هريرة مرفوعًا (صاعًا من طعام وهو بالخيار ثلاثًا) وهو وجه ضعيف عند الشافعية.
وأجيب عنه: بأنه محمول على الغالب وهو أن التصرية لا تظهر إلا بثلاثة أيام لا حالة نقص اللبن قبل تمامها على اختلاف العلف أو المأوى أو تبدل الأيدي أو غير ذلك وابتداء الثلاثة على القول بها من العقد وقيل من التفرق.
(وقال بعضهم) مما وصله مسلم أيضًا عن أيوب (عن ابن سيرين) عن أبي هريرة مرفوعًا أيضًا: (صاعًا من تمر ولم يذكر ثلاثًا والتمر أكثر) يعني أن الروايات الناصّة على التمر أكثر عددًا من الروايات التي لم تنص عليه أو أبدلته بذكر الطعام.
٢١٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا من تمر. وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُلَقَّى الْبُيُوعُ".
[الحديث ٢١٤٩ - طرفه في: ٢١٦٤].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا معتمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية (قال: سمعت أبي) سليمان بن طرخان حال كونه (يقول: حدّثنا أبو عثمان) عبد الرحمن بن مل بتشديد اللام النهدي بالنون أسلم في عهده ﷺ وأدّى إليه الصدقات (عن عبد الله بن مسعود ﵁¬) أنه (قال):
(من اشترى شاة محفلة) بفتح الفاء المشددة مصراة (فردّها) أي فأراد ردّها (فليردّ معها) إن كانت مأكولة وتلف لبنها (صاعًا) زاد أبو ذر: (من تمر) أي بدل اللبن الذي حلبه وإن زادت قيمته على قيمته ولو علم بها قبل الحلب ردّ ولا شيء عليه.
وهذا الحديث رواه الأكثرون عن معتمر بن سليمان موقوفًا، وأخرجه الإسماعيلي من طريق
عبيد الله بن معاذ عن معتمر بن سليمان مرفوعًا وذكر أن رفعه غلط. قال ابن مسعود بالسند السابق:
(ونهى النبي ﷺ أن تُلقى البيوع) بضم التاء وفتح اللام والقاف المشددة مبنيًّا للمفعول والبيوع رفع نائب عن الفاعل وأصله تتلقى فحذفت إحدى التاءين والمعنى تستقبل أصحاب البيوع، ولأبي ذر: أن تلقى البيوع بفتح التاء والعين كما في فرع اليونينية. وقال العيني: ويروى بالتخفيف.
ورجال الحديث كلهم بصريون إلا ابن مسعود، وفيه رواية الابن عن الأب والتابعي عن الصحابي، وأخرجه المؤلّف مفرقًا، وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة.
٢١٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
وبه قال: (حدّثنا: عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام دار الهجرة (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(لا تلقوا الركبان) بفتح التاء واللام والقاف وأصله لا تتلقوا فحذفت إحدى التاءين أي لا تستقبلوا الذين يحملون المتاع إلى البلد للاشتراء منهم قبل أن يقدموا الأسواق ويعرفوا الأسعار (ولا يبيع) بالرفع على أن لا نافية، ولأبي ذر: ولا يبع بالجزم على النهي (بعضكم على بيع بعض) في زمن الخيار (ولا تناجشوا) أصله تتناجشوا حذفت إحدى التاءين، وقد مرّ أنه الزيادة في الثمن بلا رغبة ليغرّ غيره (ولا يبيع) بالرفع، ولأبي ذر: ولا يبع بالجزم (حاضر لبادٍ) هو أن يقول الحاضر لمن يقدم من البادية بمتاع ليبيعه بسعر يومه اتركه عندي لأبيعه لك بأغلى (ولا تضروا الغنم) بضم أوّله وفتح ثانيه بوزن تزكوا والغنم نصب به وضبطه بعضهم بفتح أوّله وضم ثانيه من صرّ يصرّ إذا ربط وضبط آخر بضم أوّله وفتح ثانيه لكن بغير واو بصيغة الإفراد على البناء للمجهول وهو من الصر أيضًا، وعلى هذا فالغنم رفع والمشهور الأول كما مرّ.
وزاد في الرواية السابقة "الإبل" (ومن ابتاعها) أي المصراة (فهو) وفي السابقة فإنه (بخير النظرين بعد أن يحتلبها) بفوقية بعد الحاء المهملة وكسر اللام، ولأبي ذر: يحلبها: بإسقاط الفوقية وضم اللام (إن رضيها) أي المصراة (أمسكها وإن سخطها ردّها صاعًا من تمر) ولو اشترى مصراة بصاع من تمر ردّها وصاع تمر إن شاء واستردّ صاعه. قال القاضي وغيره: لأن الربا لا يؤثر في الفسوخ. قال الأذرعي: واسترداد الصاع من البائع إن كان
стр. 1512
باقيًا بيده فلو تلف وكان من نوع ما لزم
المشتري ردّه فيخرج من كلام الأئمة أنهما يقعان في التقاص إن جوّزناه في المثليات كما هو الأصح المنصوص خلافًا للرافعي وغيره، ولو ردّ غير المصراة بعد الحلب بعيب فهل يردّ بدل اللبن وجهان. أحدهما وبه جزم البغوي وصححه ابن أبي هريرة والقاضي وابن الرفعة نعم كالمصراة فيردّ صاع تمر.
وقال الماوردي: بل فيه اللبن لأن الصاع عوض لبن المصراة وهذا لبن غيرها.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضًا وكذا أبو داود والنسائي.
٦٥ - باب إِنْ شَاءَ رَدَّ الْمُصَرَّاةَ، وَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ
(باب) بالتنوين (إن شاء) مشتري المصراة ترك البيع (ردّ المصراة) بالنصب مفعول ردّ والجملة جواب الشرط (و) عليه (في حلبتها صاع من تمر) بسكون اللام في اليونينية وغيرها على أنه اسم الفعل ويجوز الفتح على أنه بمعنى المحلوب قاله العيني كفتح الباري. وقال في القاموس: الحلب ويحرّك استخراج ما في الضرع من اللبن كالحلاب والاحتلاب والحلب محركة والحليب اللبن المحلوب ما لم يتغير طعمه. وقال الجوهري: الحلب بالتحريك اللبن المحلوب والحلب أيضًا مصدر حلب الناقة يحلبها حلبًا واحتلبها فهو حالب، وحاصله إن أريد بالحلب اللبن فلامه مفتوحة فقط وإن أريد به المصدر فيجوز السكون والفتح، وعلى هذا فمفهوم قول البخاري وعليه في حلبتها بسكون اللام صاع من تمر أن الصاع في مقابلة الفعل وهو موافق لقول ابن حزم يجب ردّ التمر واللبن معًا لأن التمر في مقابلة الحلب لا في مقابلة اللبن، وهذا مخالف لما عليه الجمهور من أن التمر في مقابلة
اللبن وقد كان القياس ردّ عين اللبن أو مثله، لكن لما تعذر ذلك باختلاط ما حدث بعد البيع في ملك المشتري بالموجود حال العقد وإفضائه إلى الجهل بقدره عين الشارع له بدلاً يناسبه قطعًا للخصومة ودفعًا للتنازع في القدر الموجود عند العقد.
٢١٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عمرو) بفتح العين، وللمستملي في رواية عبد الرحمن الهمداني زيادة ابن جبلة وكذا قال أبو أحمد الجرجاني في روايته عن الفربري، وفي رواية أبي عليّ بن شبويه عن الفربري حدّثنا محمد بن عمرو يعني ابن جبلة وأهمله الباقون، وجزم الدارقطني بأنه محمد بن عمرو أبو غسان الرازي المعروف بزنيج بزاي ونون وجيم مصغرًا، وجزم الحاكم والكلاباذي بأنه محمد بن عمرو السوّاق البلخي. قال الحافظ ابن حجر في المقدمة: ويؤيده أن المكي شيخه بلخي وقال في الشرح والأوّل أولى. قال: (حدّثنا المكي) بن إبراهيم وهو من مشايخ المؤلّف قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (زياد) بزاي مكسورة ومثناة تحتية مخففة
ابن سعد بن عبد الرحمن الخراساني (أن ثابتًا) هو ابن عياض بن الأحنف (مولى عبد الرحمن بن زيد أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من اشترى غنمًا مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها) بسكون اللام (صاع من تمر) ظاهره أن الصاع في مقابلة المصراة سواء كانت واحدة أو أكثر لقوله: من اشترى غنمًا لأنه اسم مؤنث موضوع للجنس، ثم قال: ففي حلبتها صاع من تمر، ونقل ابن عبد البر عمن استعمل الحديث وابن بطال عن أكثر العلماء وابن قدامة عن الشافعية والحنابلة وعن أكثر المالكية يردّ عن كل واحدة صاعًا. وقال المازري: ومن المستبشع أن يغرم متلف لبن ألف شاة كما يغرم متلف لبن واحدة.
وأجيب: بأن ذلك مغتفر بالنسبة إلى ما تقدم من أن الحكمة في اعتبار الصاع قطع النزاع فجعل حدًّا يرجع إليه عند التخاصم فاستوى القليل والكثير، ومن المعلوم أن لبن الشاة الواحدة أو الناقة الواحدة يختلف اختلافًا متباينًا ومع ذلك فالمعتبر الصاع سواء قلّ اللبن أم كثر فكذلك هو معتبر سواء قلّت المصراة أم كثرت انتهى.
وقال الحنفية: لا يجوز للمشتري أن يرد ما اشتراه إذا وجدها مصراة مع لبنها ولا مع صاع تمر لفقده لأن الزيادة المنفصلة المتولدة عن المصراة وهو اللبن مانعة من ردها، وحديث أبي هريرة مخالف قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤].
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في البيوع.
٦٦ - باب بَيْعِ الْعَبْدِ الزَّانِي
وَقَالَ شُرَيْحٌ: إِنْ شَاءَ رَدَّ مِنَ الزِّنَا.
(باب)
стр. 1513
حكم (بيع العبد الزاني).
(وقال شريح) بمعجمة مضمومة وراء مفتوحة ابن الحرث الكندي القاضي فيما وصله سعيد بن منصور بإسناد صحيح من طريق ابن سيرين (إن شاء) المشتري (ردّ) الرقيق المبتاع ذكرًا كان أو أُنثى ولو صغيرًا (من الزنا) الصادر منهما قبل العقد وإن لم يتكرّر لنقص القيمة به ولو تاب لأن تهمة الزنا لا تزول، ومذهب الحنفية الزنا عيب في الأمة دون العبد فترد الأمة لأن الغالب أن الافتراش مقصود فيها وطلب الولد والزنا يخل بذلك، وفي الأمالي: الزنا في الجارية عيب وإن لم تعد عند المشترى للحوق العار بأولادها، وسقط قوله وقال شريح الخ في رواية الكشميهني والحموي.
٢١٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ».
[الحديث ٢١٥٢ - أطرافه في: ٢١٥٣، ٢٢٣٣، ٢٢٣٤، ٢٥٥٥، ٦٨٣٧، ٦٨٣٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد إلإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (سعيد المقبري عن أبيه) كيسان المدني مولى بني ليث (عن أبي هريرة ﵁ أنه سمعه يقول: قال النبي ﷺ ¬):
(إذا زنت الأمة فتبين زناها) بالبينة أو بالحمل أو بالإقرار (فليجلدها) سيدها ففيه أن السيد يقيم الحد على رقيقه خلافًا لأبي حنيفة، وزاد أيوب بن موسى الحد لكن قال أبو عمر: لا نعلم أحدًا ذكر فيه الحدّ غيره (ولا يثرب) بضم التحتية وفتح المثلثة وتشديد الراء المكسورة آخره موحدة أي يوبخها ولا يقرّعها بالزنا بعد الجلد لارتفاع اللوم بالحد. قال في المصابيح: وفيه نظر، وقال الخطابي: معناه أنه لا يقتصر على التثريب بل يقام عليها الحد (ثم وإن زنت) ثانيًا (فليجلدها ولا يثرب ثم إن زنت الثالثة فليبعها) استحبابًا أي بعد جلدها حد الزنا ولم يذكره اكتفاء بما قبله (ولو) كان البيع (بحبل من شعر) وهذا مبالغة في التحريض على بيعها وقيده بالشعر لأنه الأكثر في حبالهم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في البيوع ومسلم في الحدود والنسائي.
٢١٥٣ و ٢١٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ قَالَ: إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ.
[الحديث ٢١٥٤ - أطرافه في: ٢٢٣٣، ٢٥٥٦، ٦٨٣٨].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن ابن شهاب) محمد الزهري (عن عبيد الله بن عبد الله) بتصغير الأوّل ابن عتبة بن مسعود (عن أبي هريرة وزيد بن خالد) الجهني الصحابي المدني (﵄ أن رسول الله ﷺ سئل) بضم السين مبنيًّا للمفعول ولم أقف على اسم السائل (عن الأمة) أي عن حكمها (إذا زنت ولم تحصن) بضم أوّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه بإسناد الإحصان إليها لأنها تحصن نفسها بعفافها، ولأبي ذر: ولم تحصن بفتح الصاد بإسناد الإحصان إلى غيرها ويكون بمعنى الفاعل والمفعول وهو أحد الثلاثة التي جئن نوادر يقال: أحصن فهو محصن وأسهب فهو مسهب وألفج فهو ملفج. وقال العيني: ويروى ولم تحصن بضم التاء وفتح الحاء وتشديد الصاد من باب التفعيل (قال) ﵊:
(إن زنت فاجلدوها) ظاهره وجوب الرجم عليها إذا أحصنت والإجماع بخلافه.
وأجيب: بأنه لا اعتبار للمفهوم حيث نطق القرآن صريحًا بخلافه في قوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] فالحديث دل على جلد غير المحصن، والآية على جلد المحصن والرجم لا يتنصف فيجلدان عملاً بالدليلين أو يجاب بأن المراد بالإحصان هنا الحرية كما في قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات﴾ [النساء: ٢٥] أو التي لم تتزوّج أو لم تسلم كما في قوله تعالى: ﴿فإذا أحصن﴾ الآية قيل بمعنى أسلمن وقيل تزوّجن. وقول الطحاوي إن قوله ولم تحصن لم يذكرها أحد غير مالك أنكره عليه الحفاظ فقالوا لم ينفرد بها بل رواها ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب كما رواه مالك، وإنما أعاد الزنا في الجواب غير مقيد بالإحصان للتنبيه على أنه لا أثر له وأن الموجب في الأمة مطلق الزنا.
(ثم وإن زنت فاجلدوها ثم وإن زنت فبيعوها) بعد جلدها (ولو بضفير) فعيل بمعنى مفعول أي حبل مفتول أو منسوج من الشعر وهذا على جهة التزهيد فيها وليس من إضاعة المال بل هو حثّ لها على مجانبة الزنا.
واستشكله ابن المنير بأنه ﵊ نصح هؤلاء في إبعادها والنصيحة عامّة للمسلمين فيدخل فيها المشتري فينصح في إبعادها وأن لا يشتريها فكيف يتصوّر نصيحة الجانبين
стр. 1514
وكيف يقع البيع إذا انتصحا معًا؟ وأجاب: بأن المباعدة إنما توجهت على البائع لأنه الذي لدغ فيها مرة بعد أخرى ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ولا كذلك المشتري فإنه بعد لم يجرب منها سوءًا فليست وظيفته في المباعدة كالبائع انتهى. ولعلها أن تستعف عند المشتري بأن يزوّجها أو يعفها بنفسه أو يصونها بهيبته أو بالإحسان إليها.
(قال ابن شهاب) الزهري (لا أدري بعد الثالثة) ولأبي ذر عن الكشميهني: أبعد الثالثة بهمزة الاستفهام أي هل أراد أن بيعها يكون بعد الزنية الثالثة (أو الرابعة) وقد جزم أبو سعيد بأنه في الثالثة كما مرّ.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في المحاربين والعتق وفي البيوع أيضًا، وأخرجه مسلم في الحدود وكذا أبو داود، وأخرجه النسائي في الرجم وابن ماجة في الحدود والله أعلم.
٦٧ - باب الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ
(باب) حكم (البيع والشراء مع النساء) ولأبي ذر: الشراء والبيع بتقديم الشراء.
٢١٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: "دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اشْتَرِي وَأَعْتِقِي فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْعَشِيِّ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ
شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال (قال عروة بن الزبير) بن العوام (قالت عائشة ﵂: دخل عليّ رسول الله ﷺ فذكرت له) أي قصة بريرة المروية في غير ما موضع من البخاري ولفظ رواية عمرة عنها في باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد من الصلاة أتتها بريرة تسألها في كتابتها فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي، وقال أهلها إن شئت أعطيتها ما بقي، وقال سفيان إن شئت أعتقتها ويكون الولاء لنا فلما جاء رسول الله ﷺ ذكرت له ذلك (فقال رسول الله ﷺ ¬) لعائشة:
(اشتري وأعتقي) بهمزة قطع، وفي رواية عمرة ابتاعيها فأعتقيها أي بريرة (فإن الولاء) ولأبوي ذر والوقت: فإنما الولاء أي على العتيق (لمن أعتق) والولاء بفتح الواو والمراد به هنا حكمي ينشأ عنه ثبوت حق الإرث من العتيق الذي لا وارث له من جهة نسب أو زوجية أو الفاضل عن ذلك وحق العقل عنه إذا جبى والتزويج للأُنثى بشروطه، وقد كانت العرب تبيع هذا الحق وتهبه فنهى الشرع عنه لأن الولاء لُحمة كلُحْمة النسب فلا يقبل الزوال بالإزالة ويقال للمعتق بهذا الاعتبار المولى من أعلى وللعتيق أيضًا لكن من أسفل وهل هو حقيقة فيهما أو في الأعلى أو في الأسفل؟ أقوال مشهورة.
(ثم قام النبي ﷺ من العشي) وفي رواية عمرة: ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر، وقال سفيان مرة فصعد رسول الله ﷺ على المنبر (فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال) ﵊ (ما بال) ما شأن، وللكشميهني ثم قال: أما بعد ما بال (أناس) وحذف الفاء من فما على هذه الرواية على اللغة القليلة، ولأبي ذر: ما بال الناس، ولعمرة: ما بال أقوام (يشترطون شروطًا) وللكشميهني: شرطًا بالإفراد (ليس في كتاب الله) بالتذكير باعتبار الجنس أو باعتبار المذكور والمراد من كتاب الله حكم الله (من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل) وللنسائي لم يجز له (وإن اشترط مائة شرط) ذكر المائة للمبالغة في الكثرة (شرط الله) الذي شرعه (أحق وأوثق) أحكم وأقوى وما سواه واهٍ فأفعل التفضيل ليس على بابه.
وموضع الترجمة في اشترى يخاطب عائشة، والبيع والشراء كان في بريرة حيث اشترتها من أهلها وصدق البيع والشراء هنا من النساء مع الرجال قاله العيني، وهذا الحديث قد سبق في الصلاة كما مرّ، وفي باب الصدقة على موالي أزواج رسول الله ﷺ ، ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله تعالى في البيوع والعتق والمكاتبة والهبة والطلاق والفرائض والشروط والأطعمة وكفارة الإيمان.
٢١٥٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ ﵄: "أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ سَاوَمَتْ بَرِيرَةَ، فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ: إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهَا إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". قُلْتُ لِنَافِعٍ: حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا؟ فَقَالَ: مَا يُدْرِينِي
[الحديث ٢١٥٦ - أطرافه في: ٢١٦٩، ٢٥٦٢، ٦٧٥٢، ٦٧٥٧، ٦٧٥٩].
وبه قال: (حدّثنا حسان بن أبي عباد) بتشديد السين من حسان والموحدة من عباد مع فتح أوّلهما واسم أبي عباد حسان أيضًا قال ابن حجر كذا للمستملي ولأبي ذر كما في الفرع، ونسبها ابن حجر لغير المستملي حسان بن حسان وهو بصري سكن المدينة ومرّ ذكره في العمرة قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن يحيى
стр. 1515
(قال: سمعت نافعًا) مولى ابن عمر (يحدّث عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عائشة ﵂ ساومت بريرة) بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى. قال في المصابيح: ووقع في تهذيب الأسماء واللغات للنووي أنها بنت صفوان. قال الجلال البلقيني: لم يقله غيره وفيه نظر ظاهر، وقيل: كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل عتبة بن أبي لهب، وكانت قبطية وعاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية، والمراد ساومت أهل بريرة فأبوا عليها إلا أن يكون لهم الولاء فأرادت أن تخبر بذلك النبي ﷺ (فخرج) أي النبي ﷺ (إلى الصلاة فلما جاء) من الصلاة (قالت) له عائشة: (إنهم) أي أهل بريرة (أبوا) أي امتنعوا (أن يبيعوها إلا أن يشترطوا الولاء) لهم (فقال النبي ﷺ ¬):
(إنما الولاء لمن أعتق) قال همام بن يحيى المذكور (قلت لنافع) مولى ابن عمر (حرًّا كان زوجها أو عبدًا فقال: ما يدريني) أي ما يعلمني، وصنيع البخاري حيث ترجم في الطلاق بقوله: باب خيار الأمة تحت العبد مع سوقه لحديثها يقتضي ترجيح كونه عبدًا، وصرح به ابن عباس في حديثه في الباب المذكور حيث قال: رأيته عبدًا يعني زوج بريرة، لكن الحديث عند المؤلّف في الفرائض عن حفص بن عمر عن شعبة وفي آخره قال الحكم: وكان زوجها حرًّا ثم ذكره بعد من طريق منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة وفيه قال الأسود وكان زوجها حرًّا. قال البخاري قول الأسود منقطع وقول ابن عباس رأيته عبدًا أصح، وقال الدارقطني في العلل: لم يختلف على عروة عن عائشة أنه كان عبدًا وكان اسمه مغيثًا مولى أبي أحمد بن جحش الأسدي وجاءت تسميته من حديث عائشة كما في الترمذي.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الفرائض.
٦٨ - باب هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ؟ وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ؟
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ». وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ.
هذا. (باب) بالتنوين (هل) يجوز أنه (يبيع حاضر لبادٍ) سلعته التي أتى بها يريد بيعها (بغير
أجر) ويمتنع مع أخذه لأنه لا يكون غرضه في الغالب إلا تحصيل الأجرة لا نصح البائع والحاضر ساكن الحاضرة وهي المدن والقرى والريف وهو أرض فيها زرع وخصب والبادي ساكن البادية وهي خلاف الحاضرة (وهل يعينه أو ينصحه)؟
(وقال النبي ﷺ ¬) مما وصله الإمام أحمد من حديث عطاء بن السائب عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه مرفوعًا والبيهقي من طريق عبد الملك بن عمير عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا أيضًا: (إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له) وهو يؤيد جواز بيع الحاضر للبادي إذا كان بغير أجر لأنه من باب النصيحة التي أمر بها الشارع ﵊. (ورخّص فيه) في بيع الحاضر للبادي بغير أجرة (عطاء) هو ابن أبي رباح فيما وصله عبد الرزاق.
٢١٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ سَمِعْتُ جَرِيرًا ﵁ يَقُولُ: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن إسماعيل) بن أي خالد (عن قيس) هو ابن أبي حازم أنه (قال: سمعت جريرًا) هو ابن عبد الله (﵁ يقول) كذا للحموي والمستملي وللكشميهني قال (بايعت) أي عاهدت (رسول الله ﷺ على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة) المفروضة أصله إقامة الصلاة وإنما جاز حذف التاء لأن المضاف إليه عوض عنها (وإيتاء الزكاة) المكتوبة أي إعطائها (والسمع والطاعة والنصح لكل مسلم) وهذا الحديث قد سبق في آخر كتاب الإيمان، ومن لطائف إسناده هنا أن الثلاثة الأخيرة من رواته بجليون كوفيون يكنون بأي عبد الله وهو من النوادر.
٢١٥٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قَالَ: فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ"؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا.
[الحديث ٢١٥٨ - طرفاه في: ٢١٦٣، ٢٢٧٤].
وبه قال: (حدّثنا الصلت بن محمد) بفتح المهملة وسكون اللام الخاركي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي قال: (حدّثنا معمر) بسكون العين وفتح الميمين ابن راشد (عن عبد الله بن طاوس عن أبيه) طاوس بن كيسان (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تلقوا الركبان) أصله لا تتلقوا فحذفت إحداهما والركبان بضم الراء جمع راكب، وزاد الكشميهني للبيع (ولا يبيع) بالرفع على النفي ولأبي ذر ولا يبع بالجزم على النهي (حاضر لباد قال)
طاوس (فقلت لابن
стр. 1516
عباس) ﵄ (ما قوله) أي ما معنى قوله ﵊ (لا يبيع) بالرفع (حاضر لباد قال: لا يكون له سمسارًا) بكسر المهملة الأولى وبينهما ميم ساكنة أي دلالاً.
واستنبط المؤلّف منه تخصيص النهي عن بيع الحاضر للبادي إذا كان بالأجر وقوّى ذلك بعموم حديث النصح لكل مسلم وخصّه الحنفية بزمن القحط لأن فيه إضرارًا بأهل البلد فلا يكره زمن الرخص وتمسكوا بعموم قوله ﵊: "الدين النصيحة" وزعموا أنه ناسخ لحديث النهي، وحمل الجمهور حديث الدين النصيحة على عمومه إلا في بيع الحاضر للبادي فهو خاص يقضي على العام، وصورة بيع الحاضر للبادي عند الشافعية والحنابلة أن يمنع الحاضر البادي من بيع متاعه بأن يأمره بتركه عنده ليبيعه له على التدريج بثمن غال والمبيع مما تعم حاجة أهل البلد إليه فلو انتفى عموم الحاجة إليه كأن لم يحتج إليه إلا نادرًا أو عمت وقصد البدوي بيعه بالتدريج فسأله الحاضر أن يفوّضه إليه أو قصد بيعه بسعر يومه فقال له اتركه عندي لأبيعه كذلك لم يحرم لأنه لم يضر بالناس ولا سبيل إلى منع المالك منه لما فيه من الإضرار به، ولو قال البدوي للحاضر ابتداء أتركه
عندك لتبيعه بالتدريج لم يحرم أيضًا وجعل المالكية البداوة قيدًا فجعلوا الحكم منوطًا بالبادي ومن شاركه في معناه لكونه الغالب فألحق به من يشاركه في عدم معرفة السعر الحاضر فإضرار أهل البلد بالإشارة عليه بأن لا يبادر بالبيع وعن مالك لا يلتحق بالبدوي في ذلك إلا من كان يشبهه. قال فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان السلع والأسواق فليسوا داخلين في ذلك ولا يبطل البيع عند الشافعية وإن كان محرمًا لرجوع النهي فيه إلى معنى يقترن به لا إلى ذاته. وقال المالكية: إن باع حاضر لعمودي فسخ البيع وأدب الحاضر البائع للعمودي وهو المشهور وهو قول مالك وابن القاسم وأصبغ. وقال الحنابلة: لا يصح بيع حاضر لبادٍ بشروطه وهي خمسة أن يحضر البادي ليبيع سلعة بسعر يومها جاهلاً بسعرها ويقصده الحاضر ويكون بالمسلمين حاجة إليها في اجتماع هذه الشروط يحرم البيع ويبطل على المذهب فإن اختل منها شرط صح البيع على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب انتهى ولو استشار البدوي الحاضر فيما فيه حظه ففي وجوب إرشاده إلى الادّخار والبيع بالتدريج وجهان أحدهما نعم بذلاً للنصيحة والثاني لا توسيعًا على الناس. قال الأذرعي: والأول أشبه.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الإجارة، ومسلم وأبو داود في البيوع، والنسائي وابن ماجة في التجارات.
٦٩ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ
(باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر).
٢١٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ". وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
- وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن صباح) بفتح الصاد المهملة والموحدة المشدّدة وبعد الألف حاء مهملة وفي نسخة ابن الصباح بزيادة الألف واللام العطار البصري قال: (حدّثنا أبو علي) عبيد الله بالتصغير ابن عبد المجيد (الحنفي) نسبة إلى بني حنيفة (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار) صدوق في حديثه ضعف لكن حدّث عنه يحيى القطان وتكفيه رواية يحيى عنه، واحتج به البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) عبد الله بن دينار العدوي مولاهم المدني مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄) أنه (قال نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لبادٍ وبه) أي بقول: من كره بيع الحاضر للبادي. (قال ابن عباس) حيث فسر ذلك بالسمسار كما في حديثه السابق فهو مقيد لإطلاق حديث ابن عمر.
٧٠ - باب لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ، وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ بِعْ لِي ثَوْبًا، وَهْيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ.
هذا (باب) بالتنوين (لا يبيع حاضر لباد بالسمسرة) بمهملتين وجمعه سماسرة وهو القيم بالأمر الحافظ له ثم غلب استعماله فيمن يدخل بين البائع والمشتري في ذلك ولكن المراد به هنا أخص من ذلك وهو أن يدخل بين البائع البادي والمشتري الحاضر أو عكسه والسمسرة: البيع والشراء، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: لا يشتري بدل قوله لا يبيع فيكون قياسًا على البيع أو استعمالاً للفظ البيع في البيع والشراء.
стр. 1517
(وكرهه) أي كره البيع والشراء المذكورين (ابن سيرين) محمد فيما وصله أبو عوانة (وإبراهيم) النخعي (للبائع والمشتري) ولأبي ذر كما في الفرع: وللمشتري، ورواه أبو داود من طريق أبي هلال عن ابن سيرين عن أنس كان يقال: لا يبيع حاضر لبادٍ وهي كلمة جامعة لا يبيع له شيئًا ولا يبتاع له شيئًا قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف لإبراهيم النخعى على ذلك صريحًا، لكن (قال إبراهيم) مستدلاً لما ذهب إليه من التسوية في الكراهة بين بيع الحاضر للبادي وبين شرائه له (إن العرب تقول: بع لي ثوبًا وهي تعني) أي تقصد وتريد (الشراء) وللحموي والمستملي: وهو يعني. قال الكرماني: وهو صحيح على مذهب من جوّز استعمال اللفظ المشترك في معنييه اللهم إلا أن يقال إن البيع والشراء ضدّان فلا تصح إرادتهما معًا.
فإن قلت: فما وجهه؟ قلت: وجهه أن يحمل على عموم المجاز انتهى.
قال البرماوي: ولا تضادّ في استعمالهما كالقرء للطهر والحيض انتهى.
قال ابن حبيب من المالكية: الشراء للبادي مثل البيع لقوله ﷺ : "لا يبيع بعضكم على بيع بعض" فإن معناه الشراء. وعن مالك في ذلك روايتان. وقال أصحابنا الشافعية: ولو قدم البادى يريد الشراء فتعرض له حاضر يريد أن يشتري له رخيصًا وهو المسمى بالسمسار فهل يحرم عليه كما في البيع. تردد فيه في المطلب واختار البخاري المنع. وقال الأذرعي: ينبغي الجزم به.
٢١٦٠ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَبْتَاعُ الْمَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ».
وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) البلخيّ (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن جريج) بضم الجيم الأولى عبد الملك (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا يبتاع المرء) بالرفع على النفي، وللكشميهني: لا يبتع المرء بالجزم على النهي (على بيع أخيه ولا تناجشوا) أصله (تتناجشوا فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا وقد سبق أنه الزيادة في الثمن ليغرّ غيره (ولا يبيع) بالرفع، ولأبي ذر: ولا يبع بالجزم (حاضر لبادٍ) قال العيني: ولفظ السمسرة وإن لم يكن مذكورًا في الحديث فمتبادر إلى الذهن من اللام في قوله لبادٍ، وقال الكرماني من لفظ باع لغيره فليتأمل.
٢١٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُعَاذٌ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: "نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ".
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن المثنى) العنزي الزمن قال (حدّثنا معاذ) بضم الميم آخره ذال معجمة هو ابن معاذ قاضي البصرة قال: (حدّثنا ابن عون) بفتح العين المهملة وبعد الواو الساكنة نون عبد الله (عن محمد) هو ابن سيرين أنه قال: (قال أنس بن مالك ﵁ نهينا) بضم النون أي نهانا النبي ﷺ (أن يبيع حاضر لبادٍ) ووقع التصريح بالرفع في رواية مسلم والنسائي من وجه آخر، وهذه ثلاثة أبواب ساق فيها حديث لا يبيع حاضر لبادٍ، لكن في الأوّل استفهام بهل، وفي الثاني نص على الكراهة بالأجر، وفي الثالث نهي في صورة النفي مقيد بالسمسرة مستنبطًا لها وهو ترتيب حسن وخص كل باب يإسناد تكثيرًا للطرق وتقوية وتأكيدًا، وإسناد كل حكم إلى رواية الشيخ الذي استدلّ به عليه قاله الكرماني وغيره.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع وكذا أبو داود والنسائي.
٧١ - باب النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ لأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا، وَهُوَ خِدَاعٌ فِي الْبَيْعِ وَالْخِدَاعُ لَا يَجُوزُ
(باب النهي عن تلقي الركبان) لابتياع ما يحملونه إلى البلد قبل أن يقدموا الأسواق ويعرفوا السعر (وأن بيعه) أي متلقي الركبان (مردود) باطل (لأن صاحبه) أي صاحب التلقي (عاصٍ آثم إذا كان به) أي بالنهي (عالمًا) كما هو شرط لكل ما نهي عنه (وهو) أي التلقي (خداع) بكسرَ أوله (في البيع والخداع) حرام (لا يجوز) لكن لا يلزم من ذلك بطلان البيع لأن النهي لا يرجع إلى نفس العقد ولا يخل بشيء من أركانه وشرائطه وإنما هو لدفع الإضرار بالركبان، وجزم المؤلّف بأنه مردود بناء على أن النهي يقتضي الفساد، وتعقبه الإسماعيلي وألزمه التناقض ببيع المصراة فإن فيه خداعًا ومع ذلك لا يبطل البيع وبكونه فصل في بيع الحاضر للبادي بين أن يبيع بأجر أو بغير أجر، ومذهب الشافعية يحرم التلقي للشراء قطعًا وللبيع في أحد الوجهين والمعنى فيه الغبن والوجه الثاني
стр. 1518
لا يحرم، وصححه الأذرعي تبعًا لابن أبي عصرون ويصح كل من الشراء والبيع وإن ارتكب محرمًا لما سبق في بيع حاضر لبادٍ ولهم الخيار إذا عرفوا الغبن لحديث مسلم: فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار وحيث ثبت الخيار فهو على الفور قياسًا على خيار العيب وخرج بالتقييد بقبل دخول البلد التلقي بعد دخوله فلا يحرم لقوله في رواية البخاري: لا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق ولأنه إن وقع لهم غبن فالتقصير منهم لا من المتلقي، ولو التمسوا البيع منه ولو مع جهلهم بالسعر أو لم يغبنوا بأن اشتراه منهم بسعر البلد أو أكثر أو بدونه وهم عالمون به فلا خيار لهم لانتفاء المعنى السابق، ويؤخذ من كلامهم أنه لا يأثم وهو ظاهر إذ لا تغرير. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كان التلقي في أرض لا يضر بأهلها فلا بأس به وإن كان يضرهم فمكروه لحديث ابن عمر: كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى نبلغ به سوق الطعام. قال الطحاوي: في هذا الحديث إباحة التلقي وفي غيره النهي، وأولى بنا أن نحمل ذلك على غير التضار فيكون ما نهي عنه من التلقي لما فيه من الضرر على غير المتلقين المقيمين في السوق وما أبيح من التلقي هو ما لا ضرر عليهم فيه.
٢١٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة ابن عثمان العبدي البصري الملقب ببندار قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا عبيد الله) بالتصغير ابن عمر بن حفص بن عاصم (العمري) وسقط العمري لغير أبي ذر (عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري (عن أبي هريرة ﵁ قال):
(نهى النبي ﷺ ¬) نهي تحريم (عن التلقي) أي للقافلة (وأن يبيع حاضر لباد) وظاهره منع التلقي مطلقًا سواء كان قريبًا أو بعيدًا لأجل الشراء منهم أم لا وسيأتي البحث فيه قريبًا إن شاء الله تعالى.
٢١٦٣ - حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ فَقَالَ: لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا".
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولغير أبي ذر: حدّثني (عياش بن الوليد) بالمثناة التحتية والشين المعجمة الرقام البصري قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى قال: (حدّثنا معمر) هو ابن راشد (عن ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) أنه (قال: سألت ابن عباس ﵄ ما معنى قوله) ﷺ :
(لا يبيعن حاضر لبادٍ فقال لا يكن له سمسارًا) بالتحتية والجزم على النهي، ولأبي ذر والحموي والمستملي: لا يكون بالرفع على النفي، ولأبي الوقت: لا تكون بالمثناة الفوقية وليس للتلقي فيه ذكر ولعله أشار على عادته إلى أصل الحديث، وقد سبق قبل بابين في حديث آخر عن معمر وفي أوله: ولا تلقوا الركبان والتقييد بالركبان خرج مخرج الغالب في أن من جلب الطعام يكون عددًا ركبانًا ولا مفهوم له، بل لو كان الجلب عددًا مشاة أو واحدًا راكبًا لم يختلف الحكم.
٢١٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنِي التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "مَنِ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. قَالَ: وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَلَقِّي الْبُيُوعِ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي وفتح الراء (قال: حدّثني) بالإفراد (التيمي) هو سليمان بن طرخان (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل النهدي بالنون (عن عبد الله) هو ابن مسعود (﵁ قال: من اشترى محفلة) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الفاء المفتوحة مصراة (فليردّ معها صاعًا) أي من تمر بدل ما فسد من لبنها (قال) ابن مسعود بالسند: (ونهى النبي ﷺ عن تلقي البيوع) فيه تقييد لإطلاق حديث أبي هريرة السابق هنا.
٢١٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(لا يبيع) بالرفع (بعضكم على بيع بعض) عدّي بعلى لأنه ضمن معنى الاستعلاء (ولا تلقوا
السلع) أصله لا تتلقوا فحذفت إحدى التاءين والسلع بكسر السين جمع سلعة وهي المتاع (حتى يهبط) بضم أوله وفتح ثالثه أي ينزل (بها إلى السوق) ويأتي البحث في هذا إن شاء الله تعالى في الباب التالي.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في البيوع وكذا مسلم وأبو داود والنسائي وأخرجه ابن ماجة في التجارات.
٧٢ - باب مُنْتَهَى التَّلَقِّي
(باب) بيان (منتهى)
стр. 1519
جواز (التلقي) للركبان وابتدائه.
٢١٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِي مِنْهُمُ الطَّعَامَ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ سُوقُ الطَّعَامِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا فِي أَعْلَى السُّوقِ، ويُبَيِّنُهُ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) قال: (حدّثنا جويرية) تضعير جارية ابن أسماء بن عبيد الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة البصري (عن نافع عن عبد الله) أي ابن عمر (﵁) وعن أبيه أنه (قال):
(كنا نتلقى الركبان) داخل البلد أعلى السوق (فنشتري منهم الطعام فنهانا النبي ﷺ أن نبيعه) في مكان التلقي (حتى يبلغ به سوق الطعام) فإذا بلغناه نبيع وقوله يبلغ بضم التحتية وفتح اللام مبنيًّا للمفعول وسوق بالرفع نائب عن الفاعل كذا في الفرع، وفي نسخة: نبلغ بنون مفتوحة وضم اللام والسوق نصب على المفعولية.
(قال أبو عبد الله) أي البخاري -رحمه الله تعالى-: (هذا) أي التلقي المذكور في هذا الحديث كان (في أعلى السوق) بالبلد لا خارجها، وهو يدل على أن التلقي إلى أعلى السوق جائز لأن النهي إنما وقع على المتبايع لا على التلقي فلو خرج عن السوق ولم يخرج عن البلد فمذهب الشافعية الجواز لإمكان معرفتهم الأسعار من غير المتلقين وحد ابتداء التلقي عندهم من البلد، وقال المالكية: واختلف في الحد المنهي عنه فقيل الميل، وقيل الفرسخان، وقيل اليومان. وقال الباجي: يمنع قربًا وبعدًا وإذا وقع بيع التلقي على الوجه المنهي عنه لم يفسخ على المشهور، وتعرض على أهل السوق فإن لم يكن سوق فأهل البلد يشترك معه فيها من شاء منهم ومن مرت به سلعة ومنزله على نحو ستة أميال من المصر التي تجلب إليها تلك السلعة فإنه يجوز له شراؤها إذا كان محتاجًا إليها لا للتجارة انتهى.
(ويبينه) أي كون التلقي المذكور في أعلى السوق (حديث عبيد الله) بن عمر التالي لهذا
الحديث حيث قال فيه: كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق، ولأبي ذر تأخير قوله قال أبو عبد الله الخ عن الحديث اللاحق وكونه عقب حديث جويرية هو الصواب وسقطت الواو لغير أبي الوقت من ويبينه.
٢١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ فَيَبِيعُونَهُ فِي مَكَانِهِمْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين المهملة وتشديد الدال الأولى ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) القطان (عن عبيد الله) بالتصغير العمري (قال: حدّثني) بالإفراد (نافع عن عبد الله) أي ابن عمر (﵁) أنه (قال: كانوا يبتاعون) بموحدة ساكنة بين المثناتين التحتية والفوقية ولأبي الوقت يتبايعون بتأخيرها عنها وزيادة تحتية قبل العين (الطعام في أعلى السوق فيبيعونه في مكانهم) ولأبي ذر في مكانه الذي اشتروه فيه (فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه) أي يقبضوه ومفهومه أن التلقي خارج البلد هو المنهي عنه لا غير، وقد صرح مالك في روايته في الباب السابق عن نافع بقوله ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق فدلّ على أن التلقي الجائز إنما هو ما يبلغ به السوق والحديث يفسر بعضه بعضًا.
٧٣ - باب إِذَا اشْتَرَطَ شُرُوطًا فِي الْبَيْعِ لَا تَحِلُّ
هذا (باب) بالتنوين (إذا اشترط) الشخص (شروطًا في البيع لا تحل) هل يفسد البيع أم لا وتحل صفة لقوله شروطًا، ولأبي ذر: في البيع شروطًا بالتقديم والتأخير.
٢١٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ. فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن هشام بن
عروة) بن الزبير (عن أبيه عن عائشة ﵂) أنها (قالت: جاءتني بريرة) بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى مولاة قوم من الأنصار كما عند أبي نعيم، وقيل لآل أبي أحمد بن جحش وفيه نظر فإن زوجها مغيثًا هو الذي كان مولى أبي أحمد بن جحش، وقيل لآل عتبة وفيه نظر أيضًا لأن مولى عتبة سأل عائشة عن حكم هذه المسألة فذكرت له قصة بريرة أخرجه ابن سعد (فقالت: كاتبت أهلي) تعني مواليها (على تسع أواق) بفتح الهمزة بوزن جوار والأصل أواقي بتشديد الياء فحذفت إحدى الياءين تخفيفًا والثانية على طريق قاض (في كل عام وقية) بفتح الواو من غير همز وتشديد الياء، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: أوقية بهمزة مضمومة وهي على الأصح أربعون درهمًا أي إذا أدّتها فهي حرة ويؤخذ منه أن معنى الكتابة عتق رقيق بعوض مؤجل بوقتين فأكثر، (فأعينيني) بصيغة الأمر للمؤنث
стр. 1520
من الإعانة، وفي رواية الكشميهني في باب: استعانة المكاتب في الكتابة فأعيتني بصيغة الخبر الماضي من الإعياء والضمير للأواقي وهو متجه المعنى أي أعجزتني عن تحصيلها. قالت عائشة: (فقلت) لها (إن أحب أهلك) بكسر الكاف أو مواليك (أن أعدّها لهم) أي تسع الأواقي ثمنًا عنك وأعتقك (ويكون ولاؤك) الذي هو سبب الإرث (لي فعلت) ذلك، (فذهبت بريرة) أي من عند عائشة (إلى أهلها فقالت لهم) مقالة عائشة ﵂ لها (فأبوا عليها) أي امتنعوا، ولأبي ذر في نسخة: فأبوا ذلك عليها (فجاءت من عندهم) وللحموي والمستملي: من عندها إلى عائشة (ورسول الله ﷺ جالس) عندها (فقالت) لعائشة (إني عرضت) ولغير أبي ذر: إني قد عرضت (ذلك) الذي قلته وكاف ذلك بالفتح في الفرع. وقال في المصابيح بكسرها لأن الخطاب لعائشة (عليهم) وللكشميهني: من ذلك عليهم (فأبوا) فامتنعوا منه (إلا أن يكون الولاء لهم) استثناء مفرغ لأن في أبى معنى النفي. قال الزمخشري في قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ [التوبة: ٣١].
فإن قلت: كيف جاز أبى الله إلا كذا ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدًا؟ قلت: قد أجري أبى مجرى لم يرد. ألا ترى كيف قوبل: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم﴾ بقوله: ﴿ويأبى الله﴾ وكيف أوقع موقع ولا يريد الله إلا أن يتم نوره.
(فسمع النبي ﷺ ¬) ذلك من بريرة على سبيل الإجمال (فأخبرت عائشة ﵂ النبي ﷺ ¬) به على سبيل التفصيل زاد في الشروط فقال: ما شأن بريرة؟ ولمسلم من رواية أبي أسامة، ولابن خزيمه من رواية حماد بن سلمة وأحمد كلاهما عن هشام فجاءتني بريرة والنبي ﷺ جالس فقالت لي فيما بيني وبينها: ما ردّ أهلها. فقلت: لاها الله إذًا ورفعت صوتي وانتهرتها، فسمع ذلك النبي ﷺ فسألني فأخبرته (فقال) ﵊ لعائشة:
(خذيها) أي اشتريها منهم (واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق ففعلت عائشة) ﵂ ما أمرها به ﵊ من شرائها، وهذا صريح في أن كتابتها كانت موجودة قبل البيع فيكون دليلاً لقول الشافعي القديم بصحة بيع رقبة المكاتب ويملكه المشتري مكاتبًا ويعتق بأداء
النجوم إليه والولاء له، وأما على قوله الجديد: إنه لا يصح بيع رقبته فاستشكل الحديث.
وأجيب: بأنها عجزت نفسها ففسخ مواليها كتابتها. واستشكل الحديث أيضًا من حيث أن اشتراط البائع الولاء مفسد للعقد لمخالفته ما تقرر في الشرع من أن الولاء لمن أعتق، ولأنه شرط زائد على مقتضى العقد لا مصلحة فيه للمشتري فهو كاستثناء منفعته، ومن حيث أنها خدعت البائعين وشرطت لهم ما لا يصح، وكيف أذن لها النبي ﷺ في ذلك.
وأجيب: بأن راويه هشامًا تفرّد بقوله واشترطي لهم الولاء فيحمل على وهم وقع له لأنه ﷺ لا يأذن فيما لا يجوز وهذا منقول عن الشافعي في الأم ورأيته عنه في المعرفة للبيهقي، وأثبت الرواية آخرون وقالوا هشام ثقة حافظ والحديث متفق على صحته فلا وجه لردّه، وأجاب آخرون بأن لهم بمعنى عليهم كما في قوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧] وهذا مشهور عن المزني وجزم به عنه الخطابي وأسنده البيهقي في المعرفة من طريق أبي حاتم الرازي عن حرملة عن الشافعي، لكن قال النووي: تأويل اللام بمعنى على هنا ضعيف لأنه ﵊ أنكر الاشتراط ولو كانت بمعنى على لم ينكره، وأجاب آخرون بأنه خاص بقصة عائشة لمصلحة قطع عادتهم كما خص فسخ الحج إلى العمرة بالصحابة لمصلحة بيان جوازها في أشهره. قال النووي: وهذا أقوى الأجوبة، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل، وأجاب آخرون بأن الأمر فيه للإباحة وهو على وجه التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم فوجوده كعدمه فكأنه قال: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم، ويؤيد هذا قوله في رواية أيمن الآتية إن شاء الله
стр. 1521
تعالى في آخر أبواب المكاتب: اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاءوا، وقيل غير ذلك مما سيأتي إن شاء الله تعالى في محاله. واختلف هل يجوز بيع الكتابة؟ فقال المالكية: يجوز بيع جميعها أو جزء منها فإن وفى المكاتب ما عليه من نجوم الكتابة للمشتري عتق والولاء للأول لأنه قد انعقد له أولاً وإلا بأن عجز أو هلك قبل ذلك فهو رقيق للمشتري، وقال الشافعية: لا يصح.
(ثم قام رسول الله- ﷺ في الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أما بعد) أي بعد الحمد والثناء (ما بال رجال) ما حالهم وحذف الفاء في جواب أما دليل على جوازه ومثله ما سبق في الحج في باب طواف القارن حيث قال: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا بغير فاء لكنه نادر (يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله. ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) جواب ما الموصولة المتضمنة لمعنى الشرط (وإن كان) المشروط (مائة شرط) مبالغة وتأكيد (قضاء الله أحق) بالاتباع من الشروط المخالفة له (وشرط الله أوثق) باتباع حدوده التي حدها وليس أفعل التفضيل هنا على بابه إذ لا مشاركة بين الحق والباطل (وإنما الولاء لمن أعتق) وكلمة إنما للحصر فيستفاد منه إثبات الحكم للمذكور ونفيه عمّا عداه ولولا ذلك لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عن غيره.
٢١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله
عنهما -: "أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عائشة) ﵂ (أم المؤمنين) وفي رواية مسلم عن يحيى بن يحيى النيسابوري عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عائشة فصار من مسند عائشة، لكن يمكن أن تكون هنا عن لا يراد بها أداة الرواية بل في السياق شيء محذوف تقديره عن قصة عائشة في كونها (أرادت أن تشتري جارية) هي بريرة (فتعتقها) بالنصب عطفًا على المنصوب السابق (فقال أهلها) مواليها: (نبيعكها على أن ولاءها لنا فذكرت) عائشة (ذلك لرسول الله ﷺ فقال):
(لا يمنعك ذلك) بكسر الكاف ولأبي ذر في باب ما يجوز من شروط المكاتب لا يمنعنك بنون التأكيد وهو كقوله ابتاعي فاعتقي وليس في ذلك شيء من الإشكال الذي وقع في رواية هشام السابقة (فإنما الولاء لمن أعتق).
٧٤ - باب بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ
(باب بيع التمر بالتمر) بالمثناة وسكون الميم فيهما.
٢١٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ سَمِعَ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام، ولأبي ذر: ليث بإسقاط أداة التعريف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن مالك بن أوس) أنه (سمع ابن عمر) بضم العين (﵄) يقول (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(البر بالبر) بضم الموحدة بيع القمح بالقمح (ربًا إلا هاء وهاء) بالمد وفتح الهمزة وقيل بالكسر وقيل بالسكون والمعنى خذ وهات أي يقول كل واحد من المتعاقدين لصاحبه هاء فيتقابضان في المجلس (والشعير بالشعير) بفتح الشين على المشهور وحكي كسرها اتباعًا (ربًا إلا هاء وهاء). واستدلّ به على أن البر والشعير صنفان عند الجمهور خلافًا لمالك ﵀ فعنده أنهم صنف واحد (والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء). زاد مسلم من رواية أبي سعيد الخدري "والملح بالملح" ويقاس على ذلك سائر الطعام وهو ما قصد للطعم اقتياتًا أو تفكهًا أو تداويًا فإنه نص على البر والشعير، والمقصود منهما التقوت فألحق بهما ما يشاركهما في ذلك كالأرز والذرة وعلى التمر والمقصود منه التأدم والتفكّه فألحق به ما يشاكله في ذلك كالزبيب والتين، وعلى الملح المروي في مسلم والمقصود منه الإصلاح فألحق به ما يشاركه في ذلك كالمصطكى وغيرها من الأدوية فيشترط في بيع ذلك إذا كانا
جنسًا واحدًا ثلاثة أمور: الحلول والمماثلة والتقابض في المجلس قبل التفرّق. وإن كانا جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل واشترط الحلول والتقابض قبل التفرق، ويدل له حديث الباب مع حديث مسلم: الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء
стр. 1522
بسواء يدًا بيد فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد أي مقايضة. قال الرافعي: ومن لازمه الحلول ولا بدّ من القبض الحقيقي فلا تكفي الحوالة وإن حصل القبض بها في المجلس ويكفي قبض الوكيل في القبض عن العاقدين أو أحدهما وهما في المجلس وكذا قبض الوارث بعد موت مورثه.
٧٥ - باب بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ، وَالطَّعَامِ بِالطَّعَامِ
(باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام) من عطف العام على الخاص.
٢١٧١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ كَيْلاً".
[الحديث ٢١٧١ - أطرافه في: ٢١٧٢، ٢١٨٥، ٢٢٠٥].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس واسم أبي أُويس عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس الأصبحي ابن أُخت الإمام مالك وصهره على ابنته قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (مالك) إمام دار الهجرة ابن أنس الأصبحي (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄):
(أن رسول الله ﷺ نهى) نهي تحريم (عن المزابنة) بضم الميم وفتح الزاي والموحدة والنون مفاعلة من الزبن وهو الدفع الشديد، وسمي به هذا البيع المخصوص لأن كل واحد من المتعاقدين يدفع صاحبه عن حقه. وفي الجامع للقزاز: المزابنة كل بيع فيه غرر وهو كل جزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده، وأصله أن المغبون يريد أن يفسخ البيع ويريد الغابن أن لا يفسخه فيتزابنان عليه أي يتدافعان.
قال ابن عمر: (والمزابنة بيع الثمر) بالمثلثة وفتح الميم الرطب على النخل (بالتمر) بالمثناة الفوقية وسكون الميم الياب (كيلاً) نصب على التمييز أي من حيث الكيل، وذكر الكيل ليس قيدًا في هذه الصورة بل جرى على ما كان من عادتهم فلا مفهوم له أو له مفهوم ولكنه مفهوم موافقة لأن المسكوت عنه أولى بالمنع من المنطوق، (وبيع الزبيب بالكرم كيلاً) بفتح الكاف وسكون الراء شجر العنب والمراد العنب نفسه وإدخال حرف الجر على الكرم. قال الكرماني: من باب القلب وكان الأصل إدخالها على الزبيب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في البيوع وكذا مسلم والنسائي.
٢١٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ. قَالَ: وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ: إِنْ زَادَ فَلِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَىَّ".
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) هو ابن درهم الجهضمي (عن أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة).
(قال) ابن عمر: (والمزابنة أن يبيع الثمر) بالمثلثة وفتح الميم، وقوله: أن يبيع بيان لقوله المزابنة. وقال العيني: كلمة أن مصدرية في محل رفع على الخبرية وتقديره المزابنة بيع الثمر (بكيل) من التمر أو الزبيب قائلاً (إن زاد) التمر المخروص على ما يساوي الكيل (فلي وإن نقص فعليّ).
والمطابقة بين الحديث والترجمة مفهومة من النهي عن بيع الزبيب بالعنب أي: فيجوز بيع الزبيب بالزبيب كالبر بالبر ويقاس بيع الطعام بالطعام عليه قاله الكرماني. ومباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في بابه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي في البيوع.
٢١٧٣ - قَالَ وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا".
[الحديث ٢١٧٣ - أطرافه في: ٢١٨٤، ٢١٨٨، ٢١٩٢، ٢٣٨٠].
(قال) عبد الله بن عمر مما وصله أيضًا في البيوع: (وحدّثني) بالإفراد (زيد بن ثابت) الأنصاري ﵁ (أن النبي ﷺ رخص في العرايا) وهي بيع الرطب أو العنب على الشجر (بخرصها) بقدره من اليابس في الأرض كيلاً وهو مستثنى من بيع المزابنة المنهي عنه، والباء في بخرصها للسببية أي بسبب خرصها وهو بفتح الخاء المعجمة المصدر وبالكسر المخروص. قال النووي: والفتح أشهر، وقال القرطبي: الرواية الكسر كذا قاله البرماوي كالزركشي وكلامهما إنما هو على رواية مسلم، والذي في الفرع وغيره من الأصول التي وقفت عليها من البخاري: الفتح. ولا ينبغي أن ينقل كلام متعلق برواية مسلم إلى لفظ البخاري إلا بعد التثبت ويأتي الكلام على العرايا إن شاء الله تعالى بعون الله وقوّته.
٧٦ - باب بَيْعِ الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ
(باب بيع الشعير بالشعير).
٢١٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قال أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ "أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا، حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي، فَأَخَذَ
الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنَ الْغَابَةِ، وَعُمَرُ يَسْمَعُ ذَلِكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس إمام الأئمة (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن مالك بن أوس) بفتح الهمزة وسكون الواو آخره مهملة ابن الحدثان بفتح المهملتين والمثلثة المدني له رؤية أنه
стр. 1523
(أخبره أنه التمس صرفًا) بفتح الصاد المهملة من الدراهم (بمائة دينار) ذهبًا كانت معه (فدعاني طلحة بن عبيد الله) بالتصغير أحد العشرة (فتراوضنا) بضاد معجمة ساكنة أي تجارينا حديث البيع والشراء وهو ما بين المتبايعين من الزيادة والنقصان لأن كل واحد منهما يروض صاحبه، وقيل هي المواصفة بالسلعة بأن يصف كلٌّ منهما سلعته للآخر (حتى اصطرف مني) ما كان معي (فأخذ الذهب يقلبها في يده) ضمن الذهب معنى العدد المذكور وهو المائة فأنثه لذلك (ثم قال: حتى يأتي خازني) أي: اصبر حتى ويأتي خازني (من الغابة) بالغين المعجمة وبعد الألف موحدة وكان لطلحة بها مال من نخل وغيره وإنما قال ذلك لظنه جوازه كسائر البيوع وما كان بلغه حكم المسألة، (وعمر) بن الخطاب ﵁ (يسمع ذلك فقال) عمر لمالك بن أوس: (والله لا تفارقه حتى تأخذ منه) عوض الذهب، وفي رواية الليث: والله لتعطينه ورقه (قال رسول الله ﷺ ¬):
(الذهب بالذهب) ولأبي ذر في نسخة وصحح عليها في الفرع بالورق بفتح الواو وكسر الراء بالفضة (ربًا) في جميع الأحوال (إلا هاء وهاء) بالفتح والمد أو بالكسر أو بالسكون أي إلا حال الحضور والتقابض فكنى عن التقابض بقوله: هاء وهاء لأنه لازمه، وقد ضبب في الفرع على قوله بالذهب ورواية الورق مناسبة لسياق القصة (والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربًا إلاّ هاء وهاء والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء).
٧٧ - باب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ
(باب بيع الذهب بالذهب).
٢١٧٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ، إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْتُمْ».
[الحديث ٢١٧٥ - طرفه في: ٢١٨٢].
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) هو أبو الفضل المروزي قال: (أخبرنا إسماعيل ابن علية) بضم العين وفتح اللام وتشديد التحتية اسم أمه واسم أبيه إبراهيم (قال: حدّثني) بالإفراد، ولأبي الوقت: حدثنا (يحيى بن أبي إسحاق) مولى الحضارمة (قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة) بفتح الموحدة وسكون الكاف آخره هاء تأنيث (قال: قال أبو بكرة) نفيع مصغر نفع ابن الحرث الثقفي (﵁ قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تبيعوا الذهب بالذهب) مضروبًا كان أو غير مضروب (إلا سواء بسواء) أي إلا متساويين كطعام بطعام مع باقي الشروط وهما الحلول والتقابض قبل التفرق وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وعن مالك لا يجوز الصرف إلا عند الإيجاب بالكلام ولو تنقلا من ذلك الموضع إلى آخر لم يصح نقابضهما فلا يجوز عنده تراخي القبض في الصرف سواء كانا في المجلس أو تفرّقا، ولا يصح بيع مائتي دينار جيدة أو رديئة أو وسط بمائة دينار جيدة ومائة رديئة أو وسط بمائة رديئة ومائة وسط، وهذا من قاعدة مدّ عجوة ودرهم وهو أن تشتمل الصفقة على ربوي من الجانبين يعتبر فيه التماثل ومعه ولو من غير نوعه (و) لا تبيعوا (الفضة بالفضة) سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة (إلا سواء بسواء) متساويين مع الحلول والتقابض في المجلس (وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب) وغير ذلك مما يختلف فيه الجنس كحنطة بشعير (كيف شئتم) أي متساويًا ومتفاضلاً بعد التقابض في المجلس، والحاصل حلّ التفاضل فقط مع الحلول والتقابض، فلو اختلفت العلة في الربويين كالذهب والحنطة أو كان أحد العوضين أو كلاهما غير ربوي كذهب وثوب وعبد وثوب حل التفاضل والنسء والتفرق قبل القبض.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في البيوع وكذا مسلم والنسائي.
٧٨ - باب بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ
(باب بيع الفضة بالفضة).
٢١٧٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا عَمِّي حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ مِثْلَ ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ فِي الصَّرْفِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مِثْلاً بِمِثْلٍ».
[الحديث ٢١٧٦ - طرفاه في: ٢١٧٧، ٢١٧٨].
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (عبيد الله بن سعد) بضم العين في الأول مصغرًا وسكونها في الثاني ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري البغدادي قاضي أصبهان قال: (حدّثنا عمي) يعقوب بن إبراهيم المدني نزيل بغداد قال: (حدّثنا ابن
أخي الزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم (عن عمه) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (سالم بن عبد الله عن) أبيه (عبد الله بن عمر ﵄ أن أبا سعيد)
стр. 1524
زاد أبو الوقت الخدري ﵁ (حدّثه) حدّث عبد الله بن عمر (مثل ذلك حديثًا عن رسول الله ﷺ ¬) قال البرماوي كالكرماني: أي مثل حديث أي بكرة السابق في الباب قبل هذا في وجوب المساواة. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: أي مثل حديث عمر الماضي في باب بيع الشعير بالشعير في قصة طلحة بن عبيد الله في الصرف مستدلاً لذلك بما أخرجه الإسماعيلي من وجهين عن يعقوب بن إبراهيم شيخ شيخ المصنف فيه بلفظ: إن أبا سعيد حدّثه حديثًا مثل حديث عمر عن رسول الله ﷺ في الصرف فقال أبو سعيد فذكره (فلقيه عبد الله بن عمر) مرة أخرى غير مرة تحديثه له (فقال: يا أبا سعيد ما هذا الذي تحدّث) به (عن رسول الله ﷺ ¬) إنما قال له ذلك لأنه كان يعتقد قبل ذلك جواز المفاضلة: (فقال أبو سعيد في الصرف) أي في شأن الصرف وهو بيع النقدين أحدهما بالآخر (سمعت رسول الله ﷺ يقول الذهب بالذهب) بالرفع في اليونينية أي بيع الذهب فحذف المضاف للعلم به أو مبتدأ خبره محذوف أي الذهب يباع بالذهب، أو بإسناد الفعل المبني للمفعول إليه أي يباع الذهب، ويجوز النصب أي بيعوا الذهب بالذهب (مثلاً بمثل) أي حال كونهما متماثلين أي متساويين، وجوّز أبو البقاء فيما حكاه الزركشي عنه فيه وفي وزنًا بوزن وجهين: أن يكون مصدرًا في موضع الحال أي الذهب يباع بالذهب موزونًا بموزون، وأن يكون مصدرًا مؤكدًا أي بوزن وزنًا. قال: وكذلك الحكم في مثلاً بمثل، وتبعه في فتح الباري، وتعقبه العيني فقال: قوله مصدرًا ليس بصحيح على ما لا يخفى، ولأبوي ذر والوقت: مثل بالرفع على إسناد الفعل المبني للمفعول إليه أي يباع مثل بمثل. (و) يباع (الورق بالورق) أي الورق يباع بالورق حال كونهما (مثلاً بمثل).
فإن قلت: كيف يكون هذا صرفًا والصرف بيع الذهب بالفضة وبالعكس؟ أجيب: بأن مفهومه أنه إذا لم يكن بجنسه لا تشترط فيه المماثلة وأمثال هذه المفاهيم إنما يساعد عليها السياق، ولأبي ذر وحده مثل وتوجيهها كالسابق.
٢١٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي الكلاعي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل) أي إلا حال كونهما متماثلين أي متساويين أي ومع الحلول والتقابض في المجلس (ولا تشفوا) بضم المثناة الفوقية وكسر الشين المعجمة وضم الفاء
المشددة من الإشفاف أي: لا تفضلوا (بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق) بكسر الراء فيهما الفضة بالفضة (إلاّ) حال كونهما (مثلاً بمثل ولا تشفوا) أي لا تفضلوا (بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا) أي مؤجلاً (بناجز) بالنون والجيم والزاي أي بحاضر أي: فلا بدّ من التقابض في المجلس.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع وكذا الترمذي والنسائي.
٧٩ - باب بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ نَسْاءً
(باب بيع الدينار بالدينار) حال كونه (نساء) بفتح النون والمهملة ممدودًا وبسكون السين أي مؤجلاً.
٢١٧٨، ٢١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ الزَّيَّاتَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: "الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَقُولُهُ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي، وَلَكِنَّنِي أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا رِبًا إِلاَّ فِي النَّسِيئَةِ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا الضحاك بن مخلد) بفتح الميم وسكون المعجمة أبو عاصم وهو شيخ المؤلّف قال: (حدّثنا ابن جريح) عبد الملك (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو بن دينار) بفتح العين (أن أبا صالح) ذكوان (الزيات أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم) زاد مسلم من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار: مثلاً بمثل من زاد وازداد فقد أربى. قال أبو صالح: (فقلت له) أي لأبي سعيد الخدري (فإن ابن عباس) ﵄ (لا يقوله) أي لا يقول بأن الربا إنما هو فيما إذا كان أحد العوضين بالنسيئة، وأما إذا كانا متفاضلين فلا ربًا فيه أي لا يشترط عنده المساواة في العوضين بل يجوز بيع الدرهم بالدرهمين. (فقال أبو سعيد: سألته) ولمسلم: قد لقيت ابن عباس (فقلت) له (سمعته) بحذف
стр. 1525
همزة الاستفهام أي أسمعته (من النبي ﷺ أو وجدته في كتاب الله تعالى. قال) ولأبي ذر: فقال (كل ذلك لا أقول) برفع كل كما في الفرع أي لم يكن السماع ولا الوجدان، وفي بعض الأصول بالنصب. قال في الفتح كالتنقيح: على أنه مفعول مقدم وهو في المعنى نظير قوله ﵊ في حديث ذي اليدين كل ذلك لم يكن فالمنفي هو المجموع انتهى.
وحينئذ فيكون لسلب الكل بخلاف وجه الرفع فإنه لعموم السلب وهو أبلغ وأعم من سلب الكل على ما لا يخفى، وهو مراد ابن عباس لأنه ليس مراده نفي المجموع من حيث هو مجموع حتى
يكون البعض ثابتًا، وإذا نصبت "كل" كانت داخلة في حيز النفي ضرورة أن نصبها بأقوال الواقع بعد حرف النفي فيكون الترتيب هكذا لا أقول كل ذلك، فيكون المعنى بل أقول بعضه وليس هو المراد فتعين أن مراده نفي كل واحد من الأمرين أي: لم أسمعه من رسول الله ﷺ ولا وجدته في كتاب الله، ثم كيف يكون التركيب مع نصب كل نظير كل ذلك لم يكن والمنفي هنا في حيز كل وفي النصب هي في حيز النفي؟ نعم إن رفع كل من قوله كل ذلك لا أقول على أنه مبتدأ أو لا أقول خبره والعائد محذوف أي أقوله على حدّ قوله:
قد أصبحت أم الخيار تدعي … عليّ ذنبًا كله لم أصنع
برفع "كل" وحذف العائد أي لم أصنعه فحينئذ يكون نظير كل ذلك لم يكن ويكون المنفي كل فرد لا المجموع من حيث هو مجموع قاله في المصابيح، والنصب هو الذي في الفرع. وفي رواية مسلم فقال: لم أسمعه من رسول الله ﷺ ولا وجدته في كتاب الله تعالى.
(وأنتم أعلم برسول الله مني) أي لأنكم كنتم بالغين كاملين عند ملازمة رسول الله ﷺ وأنا كنت صغيرًا، (ولكنني) بنونين، ولأبوي ذر والوقت: ولكن (أخبرني أسامة) بن زيد ﵁ (أن النبي ﷺ قال):
(لا ربًا إلا في النسيئة) أي لا في التفاضل، وقد أجمع على ترك العمل بظاهره. وقيل: إنه محمول على الأجناس المختلفة فإن التفاضل فيها لا ربًا فيه ولكنه مجمل فبيّنه حديث أبي سعيد أو أنه منسوخ، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقال الخطابي: يحتمل أنه سمع كلمة من آخر الحديث ولم يذكر أوّله كان سئل عن التمر بالشعير أو الذهب بالفضة متفاضلاً فقال: إنما الربا في النسيئة وهو صحيح لاختلاف الجنس، وقد رجع ابن عباس عن ذلك فروى الحاكم من طريق حيان العدوي وهو بالحاء المهملة والتحتية قال: سألت أبا مجلز عن الصرف؟ فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره ما كان منه عينًا بعين يدًا بيد وكان يقول: إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد فذكر القصة والحديث وفيه: التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يدًا بيد مثلاً بمثل فمن زاد فهو ربًا. فقال ابن عباس ﵄: أستغفر الله وأتوب إليه فكان ينهى عنه أشد النهي.
وفي حديث الباب ثلاثة من الصحابة، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة في البيوع.
٨٠ - باب بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسِيئَةً
(باب بيع الورق) بفتح الواو وكسر الراء وقد تسكن الراء وقد تكسر الواو مع إسكان الراء فهي ثلاث لغات أي الدراهم المضروبة (بالذهب) حال كونه (نسيئة) على وزن كريمة ويجوز الإدغام فتكون على وزن برية وحذف الهمزة وكسر النون كجلسة.
٢١٨٠ و ٢١٨١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ قَالَ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ﵃ عَنِ الصَّرْفِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: هَذَا خَيْرٌ مِنِّي. فَكِلَاهُمَا يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا".
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (حبيب بن أبي ثابت) قيس ويقال هند بن دينار الأسدي مولى تيم الكوفي (قال: سمعت أبا المنهال) سيار بن سلامة الرياحي بالتحتية والمهملة البصري (قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵃ عن الصرف) وهو بيع أحد النقدين بالآخر (فكل واحد منهما) أي من البراء وزيد (يقول: هذا خير مني، فكلاهما يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينًا) أي غير حال حاضر في المجلس، ولا يقال لا مطابقة بين الحديث والترجمة لأنها بيع الورق بالذهب والحديث
стр. 1526
عكسها لأن العوضين إذا كانا نقدين فعلى أيهما دخلت الباء فالمعنى سواء، بخلاف ما إذا كان العوضان غير النقدين اللذين هما للثمينة فإنها لا تدخل على المثمن.
٨١ - باب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ يَدًا بِيَدٍ
(باب بيع الذهب بالورق) حال كونه (يدًا بيد) وهذه الترجمة عكس السابقة.
٢١٨٢ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَبْتَاعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا، وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا".
وبه قال: (حدّثنا عمران بن ميسرة) البصري يقال له صاحب الأديم قال: (حدّثنا عباد بن العوام) بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة والعوام بفتح العين وتشديد الواو ابن عمر الكلابي الواسطي قال: (أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق) الحضرمي مولاهم البصري النحوي وثّقه ابن معين واحتج به البخاري وغيره قال (حدّثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ قال):
(نهى النبي ﷺ عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء) أي متساويين وتسمى المراطلة (وأمرنا) أمر إباحة (أن نبتاع) بفتح النون أي نشتري (الذهب بالفضة) وللحموي والكشميهني في الفضة (كيف شئنا والفضة بالذهب) ولأبي ذر: في الذهب (كيف شئنا) ولم يقل فيه يدًا بيد ليطابق ما ترجم له.
وأجيب: باحتمال أنه أشار به إلى ما وقع في بعض طرقه فقد أخرجه مسلم عن أبي الربيع عن عباد بن العوّام الذي أخرجه المؤلّف من طريقه وفيه: فسأله رجل فقال يدًا بيد. فقال: هكذا
سمعت. واشتراط القبض في الصرف متفق عليه وإنما وقع الاختلاف في التفاضل بين الجنس الواحد وقد عدّ ﵊ أصولاً وصرّح بأحكامها وشروطها المعتبرة في بيع بعضها جنسًا واحدًا أو أجناسًا، وبيّن ما هو العلة في كل واحد منها ليتوصل المجتهد بالشاهد إلى الغائب فإنه ﵊ ذكر النقدين والطعومات، إيذانًا بأن علة الربا هي النقدية أو الطعم وإشعارًا بأن الربا إنما يكون في النوعين المذكورين وهما النقدان والمطعوم، واختلف في العلة التي هي سبب التحريم في الربا في الستة التي هي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فقال الشافعية: العلة في الذهب والفضة كونهما جنسًا للأثمان فلا يتعدّى الربا منهما إلى غيرهما من الموزونات كالحديد والنحاس وغيرهما لعدم المشاركة في المعنى، والعلة في الأربعة الباقية كونها مطعومة فيتعدّى الربا منها إلى كل مطعوم سواء كان اقتياتًا أو تفكهًا أو تداويًا كما مرّ، وقال أبو حنيفة: العلة في الذهب والفضة الوزن فيتعدّى إلى كل موزون من نحاس وحديد وغيره.
٨٢ - باب بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ، وَهْيَ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ، وَبَيْعُ الْعَرَايَا
قَالَ أَنَسٌ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ.
(باب بيع المزابنة) مفاعلة من الزبن وهو الدفع فإن كل واحد من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع عن نفسه وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع (وهي) في الشرع (بيع التمر) بالمثناة الفوقية وسكون الميم اليابس على الأرض (بالثمر) بالمثلثة وفتح الميم الرطب في رؤوس النخل وليس المراد كل الثمار فإن سائر الثمار يجوز بيعها بالتمر والذي في الفرع الثمر بالمثلثة وفتح الميم بالتمر بالمثناة وسكون الميم، (وبيع الزبيب بالكرم) بفتح الكاف وسكون الراء أي العنب على الكرم (وبيع العرايا) جمع عرية ويأتي تفسيرها إن شاء الله تعالى.
(قال أنس) مما وصله في بيع المخاضرة: (نهى النبي ﷺ عن المزابنة والمحاقلة) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الألف قاف فلام فهاء تأنيث مفاعلة من الحقل وهو الزرع وموضعه وهي بيع الحنطة بسنبلها بحنطة صافية من التبن، ووجه الفساد فيهما أنه يؤدّي إلى ربا الفضل لأن الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة من حيث إنه لم يتحقق فيها المساواة المشروطة في الربوي بجنسه وتزيد المحاقلة أن المقصود من المبيع فيها مستور بما ليس من صلاحه.
٢١٨٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه إلى جده لشهرته به واسم أبيه عبد الله المخزومي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتية (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (سالم بن عبد الله عن) أبيه (عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله
стр. 1527
ﷺ قال):
(لا تبيعوا الثمر) بالمثلثة وفتح الميم (حتى يبدو صلاحه) بغير ألف بعد واو يبدو للناصب أي يظهر، وبدوّ الصلاح في كل شيء هو صيرورته إلى الصفة التي تطلب فيه غالبًا، ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى فى باب: بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها (ولا تبيعوا الثمر بالتمر) الأول بالمثلثة والثاني بالمثناة.
٢١٨٤ - قَالَ سَالِمٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ. وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ".
(قال سالم) بالإسناد السابق: (وأخبرني) بالإفراد (عبد الله) بن عمر بن الخطاب (عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ رخص بعد ذلك) أي بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر (في بيع العرية) بكسر الراء وتشديد التحتية واحد العرايا وهي أن تخرص نخلات فيكون رطبها إذا جفّت ثلاثة أوسق مثلاً (بالرطب) على الأرض (أو بالتمر) بالمثناة (ولم يرخص في غيره) مقتضاه جواز بيع الرطب على النخل بالرطب على الأرض وهو وجه عند الشافعية فتكون "أو" للتخيير، والجمهور على المنع فيتأوّلون هذه الرواية بأنها من شك الراوي أيّهما قال النبي ﷺ ، وما في أكثر الروايات يدل على أنه إنما قال: "التمر" فلا يعول على غيره.
وقد وقع عند النسائي والطبراني من طريق صالح بن كيسان والبيهقي من طريق الأوزاعي عن الزهري حال يؤيد أن أو للتخيير لا للشك ولفظه: بالرطب وبالتمر وقيس العنب بالرطب بجامع أن كلاًّ منهما زكوي يمكن خرصه ويدّخر يابسه وكالرطب البسر بعد بدوّ صلاحه لأن الحاجة إليه كهي إلى الرطب ذكره الماوردي والروياني، وأما غير الرطب والعنب من الثمار التي تجفف كالمشمش وغيره فلا يجوز لأنها متفرقة مستورة بالأوراق فلا يتأتى الخرص فيها بخلاف ثمرة النخل والكرم فإنها متدلية ظاهرة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم.
٢١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ بَيعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام الأعظم (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة) قال ابن عمر: (والمزابنة اشتراء الثمر) بالمثلثة وفتح الميم وفي رواية مسلم ثمر النخل وهو المراد هنا (بالتمر) بالمثناة وسكون الميم (كيلاً) بالنصب على التمييز وليس قيدًا (وبيع الكرم) العنب (بالزبيب كيلاً) وفي رواية مسلم: وبيع العنب بالزبيب كيلاً.
وفي الحديث جواز تسمية العنب كرمًا وحديث النهي عن تسميته به محمول على التنزيه، وذكره هنا لبيان الجواز وهذا على تقدير أن تفسير المزابنة صادر عن الشارع صلوات الله وسلامه عليه أما على القول بأنه من الصحابي فلا حجة على الجواز ويحمل النهي على الحقيقة.
وهذا الحديث سبق في باب بيع الزبيب بالزبيب.
٢١٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) المذكور فيما مرّ قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام (عن داود بن الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين المدني مولى عمرو بن عثمان المتوفى سنة خمس وثلاثين ومائة (عن أبي سفيان) قيل اسمه قزمان بضم القاف وسكون الزاي (مولى ابن أبي أحمد) هو عبد الله بن أبي أحمد بن جحش الأسدي ابن أخي زينب بنت جحش أم المؤمنين (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ ¬):
(نهى عن المزابنة والمحاقلة والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر) الأول بالمثلثة (في رؤوس النخل) زاد ابن مهدي عن مالك عند الإسماعيلي كيلاً وهو موافق لحديث ابن عمر السابق، وزاد مسلم في آخر حديث أبي سعيد والمحاقلة كراء الأرض.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع وابن ماجة في الأحكام.
٢١٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالمهملة وتشديد الدال قال: (حدّثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (عن الشيباني) بفتح الشين المعجمة سليمان (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: نهى النبي ﷺ عن المحاقلة والمزابنة) والمزابنة في النخل والمحاقلة في الزرع.
وهذا الحديث من أفراده.
٢١٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا".
وبه قال: (حدّثنا
стр. 1528
عبد الله بن مسلمة) بفتح الميمين واللام ابن قعنب القعنبي قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت ﵃ أن رسول الله ﷺ أرخص لصاحب العرية) بفتح العين المهملة وتشديد التحتية الرطب أو العنب على الشجر (أن يبيعها بخرصها) بفتح الخاء المعجمة وبعد الراء الساكنة صاد مهملة بأن يقدّر ما فيها إذا صار تمرًا بتمر. زاد الطبراني عن علي بن عبد العزيز عن القعنبي شيخ المؤلّف فيه "كيلاً". ولمسلم من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد بلفظ: رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا يأكلونه رطبًا، ولا يجوز بيع ذلك بقدره من الرطب لانتفاء حاجة الرخصة إليه ولا بيعه على الأرض بقدره من اليابس لأن من جملة معاني بيع العرايا أكله طريًّا على التدريج وهو منتفٍ في ذلك، وأفهم قوله كيلاً أنه يمتنع بيعه بقدره يابسًا خرصًا وهو كذلك لئلا يعظم الغرر في البيع وإنما يصح بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق بتقدير الجفاف مثله كما سيأتي إن شاء الله تعالى ويشترط فيه التقابض قبل التفرق.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في البيوع وفي الشرب وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجة في التجارات.
٨٣ - باب بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
(باب بيع الثمر) بفتح المثلثة والميم الرطب حال كونه (على رؤوس النخل بالذهب والفضة) ولأبي ذر: أو الفضة.
٢١٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ، وَلَا يُبَاعُ شَىْءٌ مِنْهُ إِلاَّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إِلاَّ الْعَرَايَا".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) أبو سعيد الكوفي سكن مصر قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت: أخبرني بالإفراد (ابن جريح) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (وأبي الزبير) بضم الزاي وفتح الموحدة محمد بن مسلم بن تدرس بفتح التاء وسكون الدال وضم الراء آخره سين مهملة كلاهما (عن جابر ﵁) أنه (قال): (نهى النبي ﷺ عن بيع الثمر) بفتح المثلثة والميم وهو الرطب (حتى يطيب) ولابن عيينة عند مسلم: حتى يبدو صلاحه (ولا يباع شيء منه) أي من الثمر (إلا بالدينار والدرهم) وكذا يجوز
بالعروض بشرطه واقتصر على الذهب والفضة لأنهما جلّ ما يتعامل به قاله ابن بطال (إلا العرايا) زاد يحيى بن أيوب عند المؤلّف فإن رسول الله ﷺ رخص فيها أي فيجوز بيع الرطب فيها بعد أن يخرص ويعرف قدره بقدر ذلك من التمر.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في البيوع وابن ماجة في التجارات.
٢١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسَأَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ: أَحَدَّثَكَ دَاوُدُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ قَالَ: نَعَمْ".
[الحديث ٢١٩٠ - طرفه في: ٢٣٨٢].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) أبو محمد الحجبي (قال: سمعت مالكًا) هو إمام دار الهجرة ابن أنس الأصبحي (وسأله عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن الربيع) بفتح الراء وكان الربيع حاجب المنصور وهو والد الفضل وزير هارون الرشيد وفيه إطلاق السماع على ما قرئ على الشيخ وأقر به وقد استقر الاصطلاح على أن السماع مخصوص بما حدّث به الشيخ لفظًا (أحدّثك داود) بن الحصين (عن أبي سفيان) مولى ابن أبي أحمد (عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رخص) بتشديد الخاء المعجمة من الترخيص، وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني: أرخص بهمزة مفتوحة قبل الراء من الإرخاص (في بيع) تمر (العرايا) والعرايا النخل (في خمسة أوسق) جمع وسق بفتح الواو على الأفصح وهو ستون صاعًا والصاع خمسة أرطال وثلث بتقدير الجفاف بمثله (أو دون خمسة أوسق قال): مالك: (نعم) حدّثني داود ووقع في مسلم أن الشك من داود بن الحصين، وللمؤلّف في آخر الشرب من وجه آخر عن مالك مثله، وقد أخذ الشافعي ﵀ بالأقل لأن الأصل التحريم وبيع العرايا رخصة فيؤخذ بما يتحقق منه الجواز ويلغي ما وقع فيه الشك وهو قول الحنابلة فلا يجوز في الخمسة في صفقة ولا يخرج على تفريق الصفقة لأنه صار بالزيادة مزابنة فبطل في الجميع، والراجح عند المالكية الجواز في الخمسة فما دونها وسبب الخلاف أن النهي عن المزابنة وقع مقرونًا بالرخصة في بيع العرايا، فعلى الأول لا يجوز في الخمسة للشك في رفع التحريم، وعلى الثاني يجوز للشك في قدر التحريم.
٢١٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ سَمِعْتُ بُشَيْرًا قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا -وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً أُخْرَى: إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَبِيعُهَا أَهْلُهَا بِخَرْصِهَا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا- وَقَالَ: هُوَ سَوَاءٌ. قَالَ سُفْيَانُ فَقُلْتُ لِيَحْيَى وَأَنَا غُلَامٌ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا. فَقَالَ: وَمَا يُدْرِي أَهْلَ مَكَّةَ؟ قُلْتُ إِنَّهُمْ يَرْوُونَهُ
عَنْ جَابِرٍ. فَسَكَتَ. قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ". قِيلَ لِسُفْيَانَ: ألَيْسَ فِيهِ "نَهْيٌ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ"؟ قَالَ: لَا.
[الحديث ٢١٩١ - طرفه في: ٢٣٨٤].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال:
стр. 1529
(حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: قال يحيى بن سعيد) الأنصاري (سمعت بشيرًا) بضم الموحدة وفتح المعجمة ابن يسار ضد اليمين الأنصاري المدني (قال: سمعت سهل بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة وهو سهل بن عبد الله بن أبي حثمة واسمه عامر بن ساعدة الأنصاري ﵁:
(أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر) الرطب (بالتمر) اليابس (ورخص في العرية) بتشديد التحتية (أن تباع بخرصها يأكلها أهلها) المشترون الذين صاروا ملاك الثمرة (رطبًا) بضم الراء وفتح الطاء وليس التقييد بالأكل قيدًا بل لبيان الواقع.
قال علي بن المديني: (وقال سفيان) بن عيينة (مرة أخرى إلا أنه رخص في العرية يبيعها أهلها) البائعون (بخرصها يأكلونها رطبًا) بضم الراء وفتح الطاء (وقال هو سواء) أي مساوٍ للقول الأول وإن اختلفا لفظًا لأنهما في المعنى واحد (قال سفيان) بن عيينة بالإسناد المذكور (فقلت ليحيى) بن سعيد الأنصاري لما حدث به (وأنا غلام) جملة حالية والمراد الإشارة إلى قدم طلبه وأنه كان في زمن الصبا يناظر شيوخه ويباحثهم (إن أهل مكة يقولون: إن النبي ﷺ رخص لهم في بيع العرايا) أي من غير قيد (فقال) يحيى (وما يُدري) بضم أوله (أهل مكة) نصب بيدري قال سفيان: (قلت إنهم) أي أهل مكة (يروونه) أي هذا الحديث (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (فسكت) يحيى.
(قال سفيان) بالإسناد المذكور (إنما أردت) أي إنما كان الحامل لي على قولي ليحيى بن سعيد أنهم يروونه عن جابر (أن جابرًا من أهل المدينة) فرجع الحديث إلى أهل المدينة ومحل الخلاف بين رواية يحيى بن سعيد ورواية أهل مكة أن يحيى بن سعيد قيد الرخصة في بيع العرايا بالخرص وأن يأكلها أهلها رطبًا، وأما ابن عيينة في روايته عن أهل مكة فأطلق الرخصة في بيع العرايا ولم يقيدها بشيء مما ذكر أنهم يروونه عن جابر وكان ليحيى أن يقول لسفيان: وأهل المدينة رووا فيه التقييد، فيحمل المطلق على المقيد والتقييد بالخرص زيادة حافظ فتعين المصير إليها، وأما التقييد بالأكل فالذي يظهر أنه لبيان الواقع لا أنه قيد.
قال ابن المديني: (قيل لسفيان) بن عيينة قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسمية القائل، (أليس فيه) أي في هذا الحديث (نهى عن بيع الثمر) بالمثلثة (حتى يبدو صلاحه. قال) سفيان: (لا) أي وإن كان هو صحيحًا من رواية غيره.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الشرب ومسلم في البيوع وكذا أبو داود والترمذي والنسائي.
٨٤ - باب تَفْسِيرِ الْعَرَايَا
وَقَالَ مَالِكٌ: الْعَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ ثُمَّ يَتَأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: الْعَرِيَّةُ لَا تَكُونُ إِلاَّ بِالْكَيْلِ مِنَ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ، لَا يَكُونُ بِالْجِزَافِ. وَمِمَّا يُقَوِّيهِ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: بِالأَوْسُقِ الْمُوَسَّقَةِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: كَانَتِ الْعَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ فِي مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ. وَقَالَ يَزِيدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: الْعَرَايَا نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا رُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا بِمَا شَاءُوا مِنَ التَّمْرِ.
(باب تفسير العرايا) جمع عرية وهي لغة النخلة ووزنها فعيلة. قال الجمهور: بمعنى فاعلة لأنها عريت بإعراء مالكها أي إفراده لها من باقي النخل فهي عارية. وقال آخرون: بمعنى مفعولة من عراه يعروه إذا أتاه لأن مالكها يعروها أي يأتيها فهي معروّة وأصلها عريوة فقلبت الواو ياء وأدغمت فتسمية العقد بذلك على القولين مجاز عن أصل ما عقد عليه.
(وقال مالك) الإمام الأعظم ابن أنس الأصبحي مما وصله ابن عبد البرّ (العرية) بتشديد التحتية (أن يعري) بضم الياء من الإعراء أي يهب (الرجل الرجل نخلة) من نخلات بستانه فيملكها لأن عند الإمام مالك أن الهبة تلزم بنفس العقد أي يهبه ثمرها (ثم يتأذى) الواهب (بدخوله) أي بدخول الموهوب له (عليه) البستان لأجل الثمرة الموهوبة والتقاطها (فرخص) بضم الراء مبنيًّا للمفعول (له) أي للواهب (أن يشتريها منه) أي يشتري رطبها من الموهوب له (بتمر) يابس، ولا يجوز لغيره ذلك. ومثله قول أبي حنيفة ﵀ العرية أن يهبه نخلة ويشق عليه تردّد الموهوب له إلى بستانه ويكره أن يرجع في هبته وهذا بناء على مذهبه في أن الواهب الأجنبي يرجع في هبته متى شاء لكن يكره فيدفع إليه بدلها تمرًا ويكون هذا في معنى البيع لا أنه بيع حقيقة، وكِلا القولين بعيد عن لفظ الحديث لأن لفظ إرخاص العرية فيها عامّ وهما يقيدانها بصورة وأيضًا فقد صرّح بلفظ البيع فنفي كونه
стр. 1530
بيعًا مخالف لظاهر اللفظ وأيضًا الرخصة قيدت بخمسة أوسق أو ما دونها والهبة لا تتقيد.
(وقال ابن إدريس): الإمام أبو عبد الله محمد الشافعي وجزم به المزي في التهذيب، أو هو عبد الله بن إدريس الأودي ورجحه السفاقسي وتردّد ابن بطال ثم السبكي في شرح المهذّب (العرية) بالتشديد (لا تكون إلا بالكيل) أي فيما دون خمسة أوسق (من التمر) لتعلم المساواة (يدًا بيد) قبل التفرق لكن قبض الرطب على النخل بالتخلية وقبض التمر بالنقل كغيره (لا تكون بالجزاف) بكسر الجيم في الفرع وأصله: فيسلم المشتري التمر اليابس بالكيل ويخلي بينه وبين النخل، وعبارة الشافعي في الأم ونقلها عنه البيهقي في المعرفة من طريق الربيع عنه العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة
وأكثر بخرصه من التمر بأن يخرص الرطب ثم يقدّر كم ينقص إذا يبس ثم يشتري بخرصه تمرًا، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا فسد البيع انتهى. قال في الفتح: وهذا وإن غاير ما علقه البخاري لفظًا فهو يوافقه في المعنى لأن محصلهما أن لا يكون جزافًا ولا نسيئة.
(ومما يقويه) أي القول السابق بأن لا يكون جزافًا (قول سهل بن أبي حثمة) عند الطبري من طريق الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن سهل موقوفًا (بالأوسق الموسقة) وفائدة قوله الموسقة التأكيد كما في قوله: ﴿والقناطير المقنطرة﴾ [آل عمران: ١٤] وهو يعطي أنها المكيلة عند البيع.
(وقال ابن إسحاق): هو محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي مما وصله الترمذي (في حديثه عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه قال: (كانت العرايا أن يعري الرجل الرجل في ماله النخلة والنخلتين) وصله الترمذي بدون تفسير، وأما التفسير فوصله أبو داود عنه بلفظ: النخلات وزاد فيه فيشق عليه فيبيعها بمثل خرصها.
(وقال يزيد) هو ابن هارون الواسطي (عن سفيان بن حسين) الواسطي من أتباع التابعين مما وصله من حديثه الإمام أحمد عن الزهري عن سلم عن أبيه عن زيد بن ثابت مرفوعًا: في العرايا: قال سفيان بن حسين: (العرايا نخل كانت توهب للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها) أي إلى أن يصير رطبها تمرًا ولا يحبون أكلها رطبًا لاحتياجهم إلى التمر (فرخص لهم) بضم الراء مبنيًّا للمفعول (أن يبيعوها) بعد خرصها (بما شاؤوا من التمر) من الواهب أو من غيره يأخذونه معجلاً. وهذه إحدى صور العرية وهي صحيحة عند الشافعية كغيرها، وقد حكي عن الشافعي تقييدها بالمساكين على ما في هذا الحديث وهو اختيار المزني، والصحيح أنه لا يختص بالفقراء بل يجري في الأغنياء لإطلاق الأحاديث فيه، وما رواه الشافعي عن زيد بن ثابت: أن رجالاً محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبًا يأكلونه مع الناس وعندهم فضل قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر.
أجيب عنه: بأنه ضعيف وبتقدير صحته فهو حكمة المشروعية، ثم قد يعم الحكم كما في الرمل والاضطباع على أنه ليس فيه أكثر من أن قومًا بصفة سألوا فرخص لهم، واحتمل أن يكون سبب الرخصة فقرهم أو سؤالهم والرخصة عامّة فلما أطلقت في أحاديث أُخر تبين أن سببها السؤال كما لو سأل غيرهم، وإن ما بهم من الفقر غير معتبر إذ ليس في لفظ الشارع ﷺ ما يدل لاعتباره، وعند الحنابلة: لا تجوز العرية إلا لحاجة صاحب الحائط إلى البيع أو المشتري إلى الرطب.
٢١٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلاً". قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَالْعَرَايَا نَخَلَاتٌ مَعْلُومَاتٌ تَأْتِيهَا فَتَشْتَرِيهَا.
وبه قال: (حدّثنا محمد) زاد أبو ذر: هو ابن مقاتل المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله بن المبارك) قال: (أخبرنا موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف الأسدي (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر عن زيد بن ثابت ﵃ أن رسول الله ﷺ رخص في العرايا أن تباع) ثمرتها الرطب والعنب (بخرصها) بقدره من اليابس (كيلاً) نصب على التمييز أي من حيث الكيل.
(قال موسى بن عقبة) بالسند السابق (والعرايا نخلاف معلومات تأتيها فتشتريها) بتاء الخطاب فيهما كما في الفرع وأصله، وفي بعض الأصول بياء الغيبة، وفي آخر بالنون أي تشتري
стр. 1531
ثمرتها بتمر معلوم. قال في الفتح: وكأنه اختصره للعلم به ولم أجده في شيء من الطرق عنه إلا هكذا ولعله أراد أن يبين أنها مشتقة من عروت إذا أتيت وتردّدت إليه لا من العري الذي هو بمعنى التجرّد.
٨٥ - باب بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا
(باب) حكم (بيع الثمار) بالمثلثة المكسورة الشاملة للرطب وغيره (قبل أن يبدو) بغير همز أي يظهر (صلاحها) وبدو الصلاح في الأشياء صيرورتها إلى الصفة التي تطلب فيها غالبًا، ففي الثمار ظهور أوّل الحلاوة، ففي غير المتلوّن بأن يتموّه ويتليّن، وفي المتلوّن بانقلاب اللون كأن احمرّ أو اصفرّ أو اسودّ، وفي نحو القثاء بأن يجنى مثله غالبًا للأكل، وفي الحبوب اشتدادها، وفي ورق التوت بتناهيه.
٢١٩٣ - وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الأَنْصَارِيِّ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَانُ، أَصَابَهُ مُرَاضٌ، أَصَابَهُ قُشَامٌ -عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ: فَإِمَّا لَا فَلَا يَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ، كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ، وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَمْ يَكُنْ يَبِيعُ ثِمَارَ أَرْضِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا، فَيَتَبَيَّنَ الأَصْفَرُ مِنَ الأَحْمَرِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ حَدَّثَنَا حَكَّامٌ حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ سَهْلٍ عَنْ زَيْدٍ.
(وقال الليث) بن سعد الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (كان عروة بن الزبير) بن العوام ولأبي ذر عن عروة بن الزبير (يحدّث عن سهل بن أبي حثمة) بسكون هاء سهل والمثلثة من حثمة (الأنصاري من بني حارثة) بالحاء المهملة والمثلثة (أنه حدّثه عن زيد بن ثابت) الأنصاري (¬﵁¬) أنه (قال: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ ¬) في زمنه وأيامه (يبتاعون) بتقديم الموحدة الساكنة على الفوقية والذي في اليونينية يتبايعون (الثمار) بالمثلثة، (فإذا جدّ الناس) بفتح الجيم والدال
المهملة في اليونينية وفي غيرها من الأصول التي وقفت عليها. وقال الحافظ ابن حجر والعيني: بالمعجمة أي قطعوا ثمر النخل وهذا قاله في الصحاح في باب الذال المعجمة، وقال في باب الدال المهملة: وجدّ النخل يجده أي صرمه وأجدّ النخل حان له أن يجد وهذا زمن الجداد والجداد مثل الصرام والصرام. وقال في باب الميم صرمت الشيء صرمًا إذا قطعته، وصرم النخل أي جدّه، وأصرم النخل أي حان أن يصرم، وللحموي والمستملي: أجدّ بزيادة ألف. قال السفاقسي: أي دخلوا في الجداد كأظلم إذا دخل في الظلام قال وهو أكثر الروايات. (وحضر تقاضيهم) بالضاد المعجمة أي طلبهم (قال المبتاع) أي المشتري: (إنه أصاب الثمر) بالمثلثة والإفراد (الدمان) بضم الدال وتخفيف الميم وبعد الألف نون كذا في الفرع وغيره وهو رواية القابسي فيما قاله عياض وهو موافق لضبط الخطابي، وفي رواية السرخسي فيما قاله عياض الدمان بفتح الدال وهو موافق لضبط أبي عبيد والصغاني والجوهري وابن فارس في المجمل. وقال ابن الأثير: وكأن الضم أشبه لأنه ما كان من الأدواء والعاهات فهو بالضم كالسعال والزكام، وفسره أبو عبيد بأنه فساد الطلع وتعفنه وسواده، وقال القزاز فساد الخل قبل إدراكه وإنما يقع ذلك في الطلع يخرج قلب النخلة أسود معفونًا (أصابه مراض) بضم الميم وبعد الراء المخففة ألف ثم ضاد معجمة بوزن الصداع اسم لجميع الأمراض وهو داء يقع في الثمر فيهلك، وللكشميهني والمستملي كما في الفتح: مراض بكسر الميم، وللحموي والمستملي كما في الفرع: مرض (أصابه قشام) بضم القاف وتخفيف الشين المعجمة أي انتفض قبل أن يصير ما عليه بسرًا أو شيء يصيبه حتى لا يرطب كما زاده الطحاوي في روايته، وقوله: أصابه بدل من الثاني وهو بدل من الأول وهذه الأمور الثلاثة (عاهات) عيوب وآفات تصيب الثمر (يحتجون بها) قال البرماوي كالكرماني: جمع الضمير باعتبار جنس المبتاع الذي هو مفسره، وقال العيني: فيه نظر لا يخفى وإنما جمعه باعتبار المبتاع ومن معه من أهل الخصومات بقرينة يبتاعون، (فقال رسول الله ﷺ لما كثرت عنده الخصومة في ذلك):
(فإما لا) بكسر الهمزة وأصله فإن لا تتركوا هذه المبايعة فزيدت ما للتوكيد وأدغمت النون في الميم وحذف الفعل أي: افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره، وقد نطقت العرب بإمالة "لا" إمالة صغرى لتضمنها الجملة وإلاّ فالقياس أن لا تمال الحروف، وقد كتبها الصغاني فأمالي بلام وياء لأجل إمالتها، ومنهم من يكتبها بالألف على الأصل وهو أكثر ويجعل عليها فتحة محرفة علامة للإمالة، والعامّة تشبع إمالتها وهو خطأ (فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر) بأن يصير على الصفة التي تطلب (كالمشورة) بفتح الميم وضم الشين وإسكان الواو كذا في الفرع وغيره مما وقفت عليه، ويجوز
стр. 1532
سكون المعجمة وفتح الواو، بل قال ابن سيده: هي على وزن مفعلة لا على وزن فعولة لأنها مصدر والمصادر لا تجيء على مثال فعول، وزعم صاحب التثقيف والعلاّمة الحريري أن الإسكان من لحن العامة وفي ذلك نظر فقد ذكرها الجوهري وصاحب المحكم وغيرهما، والمراد بهذه المشورة أن لا يشتروا شيئًا حتى يتكامل صلاح جميع هذه الثمرة لئلا تقع المنازعة. قال في الفتح: وهذا التعليق لم
أره موصولاً من طريق الليث، وقد رواه سعيد بن منصور عن ابن أبي الزناد عن أبيه نحو حديث الليث، ولكن بالإسناد الثاني دون الأول، وأخرجه أبو داود والطحاوي من طريق يونس بن يونس عن أبي الزناد بالإسناد الأول دون الثاني، وأخرجه البيهقي من طريق يونس بالإسناد معًا. (يشير بها) عليهم (لكثرة خصومتهم).
قال أبو الزناد: (وأخبرني) بالإفراد (خارجة بن زيد بن ثابت) أحد الفقهاء السبعة والواو للعطف على سابقه (أن) أباه (زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا) النجم المعروف وهي تطلع مع الفجر أوّل فصل الصيف عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار، والمعتبر في الحقيقة النضج وطلوع النجم علامة له، وقد بيّنه بقوله: (فيتبين الأصفر من الأحمر) وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود مرفوعًا: إذا طلع النجم صباحًا رفعت العاهة عن كل بلد. وقوله: كالمشورة يشير بها قال الداودي الشارح تأويل بعض نقلة الحديث وعلى تقدير أن يكون من قول زيد بن ثابت فلعل ذلك كان في أوّل الأمر، ثم ورد الجزم بالنهي كما بينه حديث ابن عمر وغيره. وقال ابن المنير: أورد حديث زيد معلمًا وفيه إيماء إلى أن النهي لم يكن عزيمة وإنما كان مشورة، وذلك حي الجواز إلا أنه أعقبه بأن زيدًا راوي الحديث كان لا يبيعها حتى يبدوَ صلاحها.
وأحاديث النهي بعد هذا مبتوتة فكأنه قطع على الكوفيين احتجاجهم بحديث زيد بأن فعله يعارض روايته ولا يرد عليهم ذلك أن فعل أحد الجائزين لا يدل على منع الآخر، وحاصله أن زيدًا امتنع من بيع ثماره قبل بدوّ صلاحها ولم يفسر امتناعه هل كان لأنه حرام أو كان لأنه غير مصلحة في حقه انتهى.
(قال أبو عبد الله) البخاري (رواه) أي الحديث المذكور (علي بن بحر) بفتح الموحدة وسكون الحاء المهملة آخره راء القطان الرازي أحد شيوخ المصنف قال: (حدّثنا حكام) بفتح الحاء المهملة والكاف المشددة وبعد الألف ميم ابن سلم بسكون اللام أبو عبد الرحمن الرازي الكناني بنونين قال: (حدّثنا عنبسة) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الموحدة والسين المهملة ابن سعيد بن الضريس بضم الضاد المعجمة مصغرًا الكوفي الرازي (عن زكريا) بن خالد الرازي (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن عروة) بن الزبير (عن سهل) هو ابن أبي حثمة الأنصاري (عن زيد) هو ابن ثابت الأنصاري.
٢١٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار) منفردة عن النخل نهي تحريم (حتى يبدو صلاحها) ومقتضاه جرازه وصحته بعد بدوّه ولو بغير القطع بأن يطلق
أو يشترط إبقاءه أو قطعه، والمعنى الفارق بينهما أمن العاهة بعده غالبًا وقبله تسرع إليه لضعفه (نهى البائع) لئلا يأكل مال أخيه بالباطل (و) نهى (المبتاع) أي المشتري لئلا يضيع ماله، وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح وبعده ذهب الجمهور، وصحح أبو حنيفة ﵀ البيع حالة الإطلاق قبل بدوّ الصلاح وبعده وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده كذا صرّح به أهل مذهبه خلافًا لما نقله عنه النووي في شرح مسلم وبدو الصلاح في شجرة ولو في حبة واحدة يستتبع الكل إذا اتحد البستان والعقد والجنس فيتبع ما لم يبد صلاحه ما بدا صلاحه إذا اتحد فيهما الثلاثة، واكتفى ببدوّ صلاح بعضه لأن الله تعالى امتنّ علينا فجعل الثمار لا تطيب دفعة واحدة إطالة لزمن التفكّه، فلو اعتبرنا
стр. 1533
في البيع طيب الجميع لأدى إلى أن لا يباع شيء قبل كمال صلاحه أو تباع الحبة بعد الحبة وفي كلٌّ منهما حرج لا يخفى، ويجوز البيع قبل الصلاح بشرط القطع إذا كان المقطوع منتفعًا به كالحصرم إجماعًا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود.
٢١٩٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَعْنِي حَتَّى تَحْمَرَّ.
وبه قال: (حدّثنا ابن مقاتل) محمد المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا حميد الطويل) أبو عبيدة البصري الثقة المدلس (عن أنس ﵁) وفي الباب اللاحق من وجه آخر عن حميد قال: حدّثنا أنس (أن رسول الله ﷺ نهى) نهي تحريم (أن تباع ثمرة النخل) بالمثلثة (حتى تزهو) بالواو وفي رواية تزهي بالياء وصوّبها الخطابي. قال ابن الأثير: ومنهم من أنكر تزهي، ومنهم من أنكر تزهو والصواب الروايتان على اللغتين زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يزهي إذا احمرّ أو اصفر، وذكر النخل في هذه الطريق لكونه الغالب عندهم وأطلق في غيرها فلا فرق بين النخل وغيره في الحكم.
(قال أبو عبد الله) البخاري في قوله: حتى تزهو (يعني حتى تحمرّ). وهذا الحديث من أفراده.
٢١٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاء قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ. فَقِيلَ: مَا تُشَقِّحُ؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن سليم بن حيان) بفتح السين المهملة وكسر اللام وبعد التحتية ميم وحيان بفتح المهملة وتشديد المثناة التحتية الهذالي البصري قال: (حدّثنا سعيد بن ميناء) بكسر العين وميناء بكسر الميم وسكون التحتية وبعد النون همزة ممدودًا (قال: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ قال: نهى
النبي ﷺ أن تباع الثمرة حتى تشقح) بضم المثناة الفوقية وفتح الشين المعجمة وتشديد القاف المكسورة آخره حاء مهملة كذا في الفرع وغيره، وضبطه العيني كالبرماوي بسكون الشين المعجمة وتخفيف القاف. قال في الفتح: من الرباعي يقال أشقح ثمر النخلة يشقح إشقاحًا إذا احمرّ أو اصفرّ والاسم الشقحة بضم المعجمة وسكون القاف. وقال الكرماني: التشقيح بالمعجمة والقاف وبالمهملة تغير اللون إلى الصفرة أو الحمرة فجعله في الفتح من باب الأفعال والكرماني من باب التفعيل، وقال في التوضيح واللامع وضبطه أبو ذر بفتح القاف. قال القاضي عياض: فإن كان هذا فيجب أن تكون القاف مشددة والتاء مفتوحة تفعل منه.
(فقيل: وما تشقح)؟ بضم أوله وفتح ثانيه وبالمثناة الفوقية وسقطت الواو لغير أبي ذر (قال) سعيد أو جابر: (تحمارّ وتصفار) من باب الافعيلال من الثلاثي الذي زيدت فيه الألف والتضعيف لأن أصلهما حمر وصفر. قال الجوهري: احمر الشيء واحمارّ بمعنى، وقال في القاموس: احمرّ احمرارًا صار أحمر كاحمارّ، وفرّق المحققون بين اللون الثابت واللون العارض كما نقله في المصابيح كالتنقيح فقالوا: احمر فيما ثبتت حمرته واستقرت واحمارّ فيما تتحول حمرته ولا تثبت انتهى.
وقال الخطابي: أراد بالاحمرار والاصفرار ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن يشبع، وإنما يقال تفعال من اللون الغير المتمكن. قال العيني: وفيه نظر لأنهم إذا أرادوا في لفظ حمر مبالغة يقولون احمرّ فيزيدون على أصل الكلمة الألف والتضعيف، ثم إذا أرادوا المبالغة فيه يقولون احمارّ فيزيدون فيه ألفين والتضعيف، واللون الغير المتمكن هو الثلاثي المجرد أعني حمر فإذا تمكن يقال احمر وإذا ازداد في التمكن يقال: احمار لأن الزيادة تدل على التكثير والمبالغة، (ويؤكل منها) وهذا التفسير من قول سعيد بن ميناء كما بيّن ذلك أحمد في روايته لهذا الحديث عن بهز بن أسد عن سليم بن حيان أنه هو الذي سأل سعيد بن ميناء عن ذلك فأجابه بذلك ولفظ مسلم قال: قلت لسعيد ما تشقح؟ قال: تحمارّ وتصفار ويؤكل منها. وعند الإسماعيلي: أن السائل سعيد والمفسر جابر ولفظه: قلت لجابر ما تشقح؟ الحديث.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع وكذا أبو داود، وقد أفاد حديث زيد بن ثابت سبب النهي، وحديث ابن عمر التصريح بالنهي، وحديث أنس وجابر بيان الغاية التي ينتهي
стр. 1534
إليها النهي.
٨٦ - باب بَيْعِ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا
(باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها) قال الحافظ ابن حجر: هذه الترجمة معقودة لحكم بيع الأصول والتي قبلها لحكم بيع الثمار، وتعقبه العيني فقال: هذا كلام فاسد غير صحيح بل كلٌّ من الترجمتين معقود لبيع الثمار، أما الأولى فهي قوله باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ولم يذكر فيه النخل ليشمل ثمار جميع الأشجار المثمرة وهاهنا ذكر النخل والمراد ثمرته وليس المراد عين النخل لأن بيع النخل لا يحتاج أن يقيد ببدو الصلاح ولا بعدمه. ألا تراه قال في الحديث وعن النخل حتى
تزهو والزهو صفة الثمرة لا صفة عين النخل والتقدير وعن ثمر النخل. وأجاب الحافظ ابن حجر في انتقاض الاعتراض بأنه قد فات العيني أنه ينقسم إلى بيع النخل دون الثمرة أو الثمرة دون النخل أو هما معًا ففي الأول لا يتقيد بصلاح الثمرة دون الأخيرين.
٢١٩٧ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا مُعَلًّى حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ. قِيلَ: وَمَا يَزْهُو؟ قَالَ: يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (علي بن الهيثم) بفتح الهاء وبعد التحتية الساكنة مثلثة فميم البغدادي قال: (حدّثنا معلى) بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللام المفتوحة ولأبي ذر معلى بن منصور الرازي الحافظ وهو من شيوخ البخاري وإنما يروى عنه في هذا الجامع بواسطة قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة مصغرًا ابن بشير الواسطي قال: (أخبرنا حميد) الطويل قال: (حدّثنا أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ ¬):
(أنه نهى عن بيع الثمرة) بالمثلثة (حتى يبدو صلاحها وعن النخل) أي عن ثمره (حتى يزهو) وليس تكرارًا مع ما قبله لأن المراد بالأول غير ثمر النخل بقرينة عطفه عليه ولأن الزهو مخصوص بالرطب. (قيل: وما) معنى (يزهو)؟ بالمثناة التحتية فيهما في فرع اليونينية وفي بعض الأصول بالفوقية. (قال: يحمار أو يصفار) بألف قبل الواو ولم يسمّ السائل ولا المسؤول في هذه الرواية، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعد خمسة أبواب عن حميد فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر، وفي رواية مسلم من هذا الوجه فقلت لأنس هذا.
٨٧ - باب إِذَا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ
(باب) بالتنوين (إذا باع) الشخص (الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته) أي المبيع (عاهة فهو من البائع) أي من ضمانه ومفهومه القول بصحة البيع وإن لم يبد صلاحه لأنه إذا لم يفسد فالبيع صحيح وهو موافق لقول الزهري المذكور آخر الباب.
٢١٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ. فَقِيلَ لَهُ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ. فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ"؟
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن حميد) الطويل (عن أنس بن مالك ﵁):
(أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهي) بالياء من أزهى يزهي وصوّبها الخطابي ونفى تزهو بالواو وأثبت بعضهم ما نفاه فقال زها إذا طال واكتمل وأزهى إذا احمر واصفر (فقيل له: وما تزهي)؟ زاد النسائي والطحاوي يا رسول الله وهذا صريح في الرفع لكن رواه إسماعيل بن جعفر وغيره عن حميد موقوفًا على أنس كما سبق في الباب قبله (قال) ﵊ أو أنس (حتى تحمر) بتشديد الراء بغير ألف (فقال: أرأيت) أي أخبرني وهو من باب الكناية حيث استفهم وأراد الأمر، ولأبوي ذر والوقت، فقال رسول الله ﷺ : أرأيت (إذا منع الله الثمرة) بالمثلثة بأن تلفت (بِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه) بحذف ألف ما الاستفهامية عند دخول حرف الجر مثل قولهم فيم وعلام وحتام ولما كانت ما الاستفهامية متضمنة الهمزة ولها صدر الكلام ناسب أن يقدر أبِمَ والهمزة للإنكار فالمعنى لا ينبغي أن يأخذ أحدكم مال أخيه باطلاً لأنه إذا تلفت الثمرة لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفعه شيء وفيه إجراء الحكم على الغالب، لأن تطرّق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن وعدم تطرقه إلى ما لم يبد صلاحه ممكن فنِيطَ الحكم بالغالب في الحالين. واختلف في هذه الجملة هل هي مرفوعة أو موقوفة، فصرّح مالك بالرفع، وتابعه محمد بن عباد عن الدراوردي عن حميد، وقال الدارقطنى خالف مالكًا جماعة منهم ابن المبارك وهشيم ومروان بن معاوية ويزيد بن هارون فقالوا فيه قال أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة. قال الحافظ ابن حجر: وليس
стр. 1535
في جميع ما تقدم ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعًا لأن مع الذي رفعه زيادة علم على ما عند الذي وقفه وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه، وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر ما يقوي رواية الرفع من حديث أنس ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته عاهة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق".
٢١٩٩ - وقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: "لَوْ أَنَّ رَجُلاً ابْتَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ. أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ».
(قال) ولأبي الوقت: وقال (الليث) بن سعد الإمام مما وصله الذهلي في الزهريات (حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: لو أن رجلاً ابتاع) أي اشترى (ثمرًا) بالمثلثة (قبل أن يبدو صلاحه ثم أصابته عاهة) آفة (كان ما أصابه على ربه) أي واقعًا على صاحبه الذي باعه محسوبًا عليه. قال الزهري: (أخبرني) بالإفراد (سالم بن عبد الله عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(لا تتبايعوا) بإثبات التاءين (الثمرة) بالمثلثة وفتح الميم (حتى يبدو صلاحها) فاستنبط الزهري
مقالته من عموم هذا النهي (ولا تبيعوا الثمر) الرطب (بالتمر) اليابس وقد خصّ من عمومه العرايا كما مر.
٨٨ - باب شِرَاءِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ
(باب) حكم (شراء الطعام إلى أجل).
٢٢٠٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: "ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ".
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) الكوفي قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق بفتح الطاء وسكون اللام القاضي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: ذكرنا عند إبراهيم) النخعي (الرهن في السلف) قال الكرماني: أي في السلم. قال في اللامع: وفيه نظر فالمراد أعمّ من ذلك بدليل الحديث فإنه ليس سلمًا (فقال) إبراهيم: (لا بأس به) أي بالرهن في السلف، (ثم حدّثنا) أي إبراهيم (عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي المخضرم (عن عائشة ﵂):
(أن رسول الله) وفي الفرع أن النبي (¬ ﷺ اشترى طعامًا) عشرين صاعًا أو ثلاثين أو أربعين من شعير (من يهودي) اسمه أبو الشحم (إلى أجل فرهنه) على ذلك (درعه) بكسر الدال المهملة وسكون الراء وهي ذات الفضول كما في الجوهرة للتلمساني.
وهذا الحديث قد سبق في باب شراء النبي ﷺ ، بالنسيئة ويأتي إن شاء الله تعالى في البيوع أيضًا وفي الاستقراض والجهاد والشركة والمغازي، وفيه ثلاثة من التابعين الأعمش وإبراهيم والأسود، ورواية الرجل عن خاله وهو إبراهيم عن الأسود.
٨٩ - باب إِذَا أَرَادَ بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْرٍ مِنْهُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا أراد) الشخص (بيع تمر بتمر) بالمثناة الفوقية فيهما أي يابسين (خير منه) ماذا يصنع حتى يسلم من الربا.
٢٢٠١، ٢٢٠٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا".
[الحديث ٢٢٠١ - أطرافه في: ٢٣٠٢، ٤٢٤٤، ٤٢٤٦، ٧٣٥٠].
[الحديث ٢٢٠٢ - أطرافه في: ٢٣٠٣، ٤٢٤٥، ٤٢٤٧، ٧٣٥١].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد بن جميل بفتح الجيم الثقفي البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة (عن مالك) الإمام (عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن) بميم مفتوحة بعدها جيم وصحفها بعضهم فقال عبد الحميد بالحاء المهملة وسهيل بضم السين المهملة مصغرًا، ولأبي الوقت في نسخة زيادة ابن عون (عن سعيد بن المسيب) بفتح التحتية (عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل) أمر (رجلاً) هو سواد بن غزية بمعجمتين بوزن عطية وتخفيف واو سواد كما سماه أبو عوانة والدارقطني من طريق الدراوردي عن عبد المجيد (على خيبر فجاءه بتمر جنيب) بفتح الجيم وكسر النون وبعد التحتية الساكنة موحدة بوزن عظيم نوع جيد من أنواع التمر وقيل الصلب وقيل غير ذلك (فقال) له (رسول الله ﷺ ¬):
(أكُلّ تمر خيبر هكذا؟ قال) الرجل: (لا والله يا رسول الله إنّا لنأخذ الصاع من هذا) أي من الجنيب (بالصاعين) زاد سليمان بن بلال عن عبد المجيد عند المؤلّف في الاعتصام من الجمع بفتح الجيم وسكون الميم التمر الرديء (والصاعين) من الجنيب (بالثلاثة) من الجمع والثلاثة بتاء التأنيث للقابسي وللأكثر بالثلاث وهما جائزان لأن الصاع يذكر ويؤنث (فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل بع الجمع) أي التمر الرديء (بالدراهم ثم ابتع) اشتر (بالدراهم) تمرًا (جنيبًا) ليكونا صفقتين فلا يدخله الربا وبه استدلّ الشافعية على جواز الحيلة في
стр. 1536
بيع الربوي بجنسه متفاضلاً كبيع ذهب بذهب متفاضلاً بأن يبيعه من صاحبه بدراهم أو عرض ويشتري منه بالدراهم أو بالعرض الذهب بعد التقابض أو أن يقرض كلٌّ منهما صاحبه ويبرئه أو أن يتواهبا أو يهب الفاضل مالكه لصاحبه بعد شرائه منه ما عداه بما يساويه، وكل هذا جائز إذا لم يشترط في بيعه وإقراضه وهبته ما يفعله الآخر.
نعم هي مكروهة إذا نويا ذلك لأن كل شرط أفسد التصريح به العقد إذا نواه كره كما لو تزوجها بشرط أن يطلقها لم ينعقد أو يقصد ذلك كره، ثم إن الطرق ليست حيلاً في بيع الربوي بجنسه متفاضلاً لأنه حرام بل حيل في تمليكه لتحصيل ذلك ففي التعبير بذلك تسامح وقد زاد سليمان في روايته لهذا الحديث بعد قوله لا تفعل ولكن مثلاً بمثل أي بع المثل بالمثل وزاد في آخره وكذلك الميزان أي في بيع ما يوزن من المقتات بمثله.
قال ابن عبد البر كل من روى عن عبد المجيد هذا الحديث ذكر فيه الميزان سوى مالك وهو أمر مجمع عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه وقد أجمع على أن التمر بالتمر لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل وسواء فيه الطيب والدون وأنه كله على اختلاف أنواعه واحد وأما سكوت من سكت من الرواة عن فسخ البيع المذكور فلا يدل على عدم الوقوع وقد ورد الفسخ من طريق أخرى عند مسلم بلفظ فقال هذا الربا فردّوه ويحتمل تعدد القصة وإن التي لم يقع فيها الردّ كانت قبل تحريم ربا الفضل انتهى.
وقد احتج بحديث الباب من أجاز بيع الطعام من رجل نقدًا ويبتاع منه طعامًا قبل الافتراق وبعده لأنه ﷺ لم يخص فيه بائع الطعام ولا مبتاعه من غيره وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومنعه المالكية، وأجابوا عن الحديث بأن المطلق لا يشمل ولكن يشيع فإذا عمل به في صورة فقد سقط الاحتجاج به فيما عداها بإجماع من الأصوليين وبأنه ﵊ لم يقل وابتع ممن اشترى الجمع بل خرج الكلام غير متعرّض لعين البائع من هو فلا يدل والله أعلم.
هذا الحديث أخرجه في الوكالة أيضًا والمغازي والاعتصام ومسلم في البيوع وكذا النسائي.
٩٠ - باب مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ، أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً، أَوْ بِإِجَارَةٍ
(باب من) ولأبي ذر: قبض من (باع نخلاً) اسم جنس يذكّر ويؤنّث والجمع نخيل (قد أبرت) بضم الهمزة وتشديد الموحدة في الفرع يقال أبرتَ الشيء أؤبره تأبيرًا كعلمته أعلمه تعليمًا، وفي غيره أبرت بالتخفيف يقال أبرت النخل آبره أبرًا بوزن أكلت الشيء آكله أكلاً والجملة صفة لقوله نخلاً والتأبير التلقيح وهو أن يشق طلع الإناث ويؤخذ من طلع الفحول فيذر فيه ليكون ذلك بإذن الله أجود مما لم يؤبر وألحق بالنخل سائر الثمار وبتأبير كلها تأبير بعضها بتبعية غير المؤبر للمؤبر لما في تتبع ذلك من العسر والعادة الاكتفاء بتأبير البعض والباقي يتشقق بنفسه وينبث ريح المذكور إليه وقد لا يؤبر شيء ويتشقق الكل والحكم فيه كالمؤبر اعتبارًا بظهور المقصود وطلع المذكور يتشقق بنفسه ولا يشقق غالبًا (أو) باع (أرضًا مزروعة) زرعًا يؤخذ مرة واحدة كالبر والشعير (أو) أخذ (بإجارة) فثمرتها للبائع وإن قال بحقوقها لأنه ليس للدوام فأشبه منقولات الدار.
٢٢٠٣ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُخْبِرُ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ أُبِّرَتْ لَمْ يُذْكَرِ الثَّمَرُ فَالثَّمَرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحَرْثُ، سَمَّى لَهُ نَافِعٌ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَ".
[الحديث ٢٢٠٣ - أطرافه في: ٢٢٠٤، ٢٢٠٦، ٢٣٧٩، ٢٧١٦].
(قال أبو عبد الله) البخاري (وقال لي إبراهيم) أي على سبيل المذاكرة (أخبرنا هشام) قال المزي إبراهيم هو ابن المنذر وهشام هو ابن سليمان المخزومي قال لأن ابن المنذر لم يسمع من هشام بن يوسف، وقال الحافظ ابن حجر في المقدمة: ويحتمل أن يكون إبراهيم هو ابن موسى الرازي وهشام هو ابن يوسف الصنعاني وجزم به في الشرح، وقال البرماوي كالكرماني وغيره: هو إبراهيم بن موسى الفراء الرازي الصغير وهشام هو ابن يوسف الصنعاني قال: (أخبرنا ابن جريح) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: سمعت ابن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بن عبد الله بن جدعان ويقال اسم أبي مليكة زهير التميمي المدني (يخبر عن نافع مولى ابن عمر أن) بفتح الهمزة وسقط لفظ أن لأبي ذر وزاد الأصيلي بعد قوله مولى ابن عمر أنه
قال: (أيما نخل بيعت) بكسر
стр. 1537
الموحدة من غير ألف مبنيًّا للمفعول حال كونها (قد أبرت) بتشديد الموحدة وتخفيف كما مر مبنيًّا للمفعول والجملة التي قبلها صفة (لم يذكر الثمر) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول أيضًا والثمر نائب عن الفاعل والجملة حالية أيضًا أي والحال أنهم لم يتعرضوا للثمر بأن أطلقوا إذ لو اشترطوه للمشتري كان له لا للبائع وقوله أيما للشرط نحو ﴿أيًّا ما تدعو فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٥] أي أيّ نخل من النخيل بيعت فلذلك دخلت الفاء في جوابها في قوله (فالثمر للذي أبرها) لا للمشتري وذكر النخيل ليس بقيد وإنما ذكر لأن سبب ورود الحديث كان في النخل وفي معناه كل ثمر بارز كالعنب والتفاح إذا بيع أصله لم تدخل الثمرة إلا إن اشترطت.
وهذا الحديث رواه ابن جريح عن نافع موقوفًا، لكن قال البيهقي ونافع: ويروى حديث النخل عن ابن عمر عن النبي ﷺ :
(وكذلك العبد) إذا بيع وله مال على مذهب من يقول إنه يملك فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع أو إذا بيعت الأمة الحامل ولها ولد رقيق منفصل فهو للبائع وإن كان جنينًا لم يظهر بعد فهو للمشتري وهذا هو المناسب لما في الحديث من الثمرة، وهذا أيضًا موقوف على نافع. وقال البيهقي: وحديث العبد يرويه نافع عن ابن عمر عن عمر موقوفًا.
(و) كذلك (الحرث) بسكون الراء آخرهُ مثلثة أي الزرع فإنه للبائع إذا باع الأرض المزروعة (سمى له) أي لابن جريج (نافع هذه الثلاثة) الثمر والعبد والحرث وذلك موقوت على نافع كما ترى.
٢٢٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: من باع نخلاً قد أبرت) بضم الهمزة وتشديد الموحدة (فثمرتها للبائع) لا للمشتري وتترك في النخل إلى الجداد وعلى البائع السقي لحاجة الثمرة لأنها ملكه ويجبر عليه، ويمكن من الدخول للبستان لسقي ثمارها وتعهدها إن كان أمينًا وإلا نصب الحاكم أمينًا للسقي ومؤونته على البائع وتسقى بالماء المعد لسقي تلك الأشجار وإن كان للمشتري فيه حق كما نقله في المطلب عن ظاهر كلام الأصحاب، وقد جعل ﷺ الثمر ما دام مستكنًا في الطلع كالولد في بطن الحامل إذا بيعت كان الحمل تابعًا لها فإذا ظهر تميز حكمه، ومعنى ذلك أن كل ثمر بارز يرى في شجره إذا بيعت أصول الشجر لم تدخل هذه الثمار في البيع (إلا أن يشترط المبتاع) أي المشتري أن الثمرة تكون له ويوافقه البائع على ذلك فتكون للمشتري.
فإن قلت: اللفظ مطلق فمن أين يفهم أن المشتري اشترط الثمرة لنفسه؟ أجيب بأن تحقيق الاستثناء يبين المراد، وبأن لفظ الافتعال يدل أيضًا عليه يقال كسب لعياله واكتسب لنفسه، واستدل
بهذا الإطلاق على أنه يصح اشتراط بعض الثمرة كما يصح اشتراط كلها وكأنه قال: إلا أن يشترط المبتاع شيئًا من ذلك وهذه هي النكتة في حذف المفعول.
وقال ابن القاسم: لا يجوز له شرط بعضها. ومفهوم الحديث أنها إذا لم تؤبر تكون الثمرة للمشتري إلا أن يشترطها البائع وكونها في الأول للبائع صادق بأن يشترط له أو يسكت عن ذلك وكونها في الثاني للمشتري صادق بذلك. وقال أبو حنيفة ﵀: سواء أبرت أم لم تؤبر هي للبائع وللمشتري أن يطالبه بقلعها عن النخل في الحال ولا يلزمه أن يصبر إلى الجداد، فإذا اشترط البائع في البيع ترك الثمرة إلى الجداد فالبيع فاسد لأنه شرط لا يقتضيه العقد. قال أبو حنيفة: وتعليق الحكم بالإبار إما للتنبيه به على ما لم يؤبر أو لغير ذلك ولم يقصد به نفي الحكم عما سوى المذكور ولو اشترط المشتري الثمرة فهي له، وقال مالك: لا يجوز شرطها للبائع.
والحاصل أن مالكًا والشافعي استعملا الحديث لفظًا ودليلاً وأبا حنيفة استعمله لفظًا ومعقولاً لكن الشافعي يستعمل دلالته من غير تخصيص ويستعملها مالك مخصصة وبيان ذلك أن أبا حنيفة جعل الثمرة للبائع في الحالين وكأنه رأى أن ذكر الإبار تنبيه على ما قبل الإبار وهذا المعنى يسمى في الأصول معقول الخطاب، واستعمله مالك والشافعي على أن المسكوت عنه
стр. 1538
حكمه حكم المنطوق وهذا يسميه أهل الأصول دليل الخطاب قاله صاحب عمدة القاري ودلالة الحديث على القبض المذكور في الترجمة عن أبي ذر من حيث أن قبض المشتري للنخل صحيح، وإن كان ثمر البائع عليه ومعناه أن للبائع أن يقبض ثمر النخل إذا كان مؤبرًا.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الشروط وكذا مسلم وأبو داود وأخرجه النسائي في الشروط وابن ماجة في التجارات.
٩١ - باب بَيْعِ الزَّرْعِ بِالطَّعَامِ كَيْلاً
(باب) حكم (بيع الزرع بالطعام كيلاً) نصب على التمييز أي من حيث الكيل.
٢٢٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلاً بِتَمْرٍ كَيْلاً، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، أَوْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (قال نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة أن يبيع ثمر حائطه) بالمثلثة وفتح الميم رطب بستانه (إن كان) الحائط (نخلاً بتمر) بالمثناة يابس (كيلاً) وقوله: أن يبيع بدل من المزابنة والشروط تفصيل له (وإن كان) البستان (كرمًا) أي عنبًا نهى (أن يبيعه بزبيب كيلاً أو كان) ولأبي ذر أو إن كان (زرعًا) كحنطة نهى (أن يبيعه بكيل طعام) بالخفض على الإضافة لأنه بيع مجهول بمعلوم
وفي نسخة بكيل طعامًا بالنصب وهذا يسمى بالمحاقلة وأطلق عليه المزابنة تغليبًا أو تشبيهًا (ونهى عن ذلك) المذكور (كله) وموضع الترجمة من الحديث قوله: أو كان زرعًا الخ … وأما بيع رطب ذلك بيابسه بعد القطع وإمكان المماثلة فالجمهور لا يجيزون بيع شيء من ذلك بجنسه لا متفاضلاً ولا متماثلاً خلافًا لأبي حنيفة ﵀.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي في البيوع وابن ماجة في التجارات.
٩٢ - باب بَيْعِ النَّخْلِ بِأَصْلِهِ
(باب) حكم (بيع) ثمر (النخل بأصله) أي بأصل النخل.
٢٢٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرِئٍ أَبَّرَ نَخْلاً ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا فَلِلَّذِي أَبَّرَ ثَمَرُ النَّخْلِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال):
(أيما امرئ) بكسر الراء (أبر نخلاً) بتشديد الموحدة في الفرع وفي غيره آبر بتخفيفها أي شقق طلعه وكذا لو تشقق بنفسه (ثم باع أصلها) أي أصل النخل وليس المراد أرضها فالإضافة بيانية والنخل قد يؤنث قال تعالى: ﴿والنخل باسقات﴾ [ق: ١٠] فلذلك أنّث الضمير (فللذي أبر) وهو البائع (ثمر النخل) فلا يدخل في البيع بل هو مستمر على ملك البائع (إلا أن يشترطه) أي الثمر (المبتاع) المشتري لنفسه ولأبي ذر إلا أن يشترط بإسقاط الضمير وموضع الترجمة قوله: ثم باع أصلها.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة.
٩٣ - باب بَيْعِ الْمُخَاضَرَةِ
(باب) حكم (بيع المخاضرة) بالخاء والضاد المعجمتين بينهما ألف مفاعلة من الخضرة لأنهما تبايعا شيئًا أخضر وهو بيع الثمار والحبوب خضراء لم يبد صلاحها.
٢٢٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُخَاضَرَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَالْمُزَابَنَةِ".
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن وهب) بفتح الواو العلاف الواسطي قال: (حدّثنا عمر بن يونس) بن القاسم الحنفي اليماني قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) يونس (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا، ولأبى ذر: حدّثنا (إسحاق بن أبي طلحة) هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة واسمه زيد بن سهل (الأنصاري عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الألف قاف من الحقل جمع حقلة وهي الساحة الطيبة التي لا بناء فيها ولا شجر وهي بيع الحنطة في سنبلها بكيل معلوم من الحنطة الخالصة والمعنى فيه عدم العلم بالمماثلة وأن المقصود من المبيع مستور بما ليس من صلاحه (و) نهى ﵊ أيضًا عن (المخاضرة) بالخاء والضاد المعجمتين فلا يجوز بيع زرع لم يشتد حبه ولا بيع بقول وإن كانت تجذّ مرارًا إلا بشرط القطع أو القلع أو مع الأرض كالثمر مع الشجر، فإن اشتد حب الزرع لم يشترط القطع ولا القلع كالثمر بعد بدوّ صلاحه. قال الزركشي: وقياس ما مرّ من الاكتفاء في التأبير بطلع واحد وفي بدوّ الصلاح بحبة واحدة الاكتفاء هنا باشتداد سنبلة واحدة وكل ذلك مشكل انتهى. وكذا لا يصح بيع الجزر والفجل والثوم والبصل في الأرض لاستتار مقصودها ويجوز بيع ورقها الظاهر بشرط
стр. 1539
القطع كالبقول (و) نهى عن (الملامسة) بأن يلمس ثوبًا مطويًّا في ظلمة ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه أو يقول إذا لمسته فقد بعتكه (والمنابذة) بالمعجمة بأن يجعلا النبذ معًا (والمزابنة) بيع التمر اليابس بالرطب كيلاً وبيع الزبيب بالعنب كيلاً.
وهذا الحديث من أفراده.
٢٢٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ التَّمْرِ حَتَّى تَزْهُوَ. فَقُلْنَا لأَنَسٍ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ. أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ"؟.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) أي ابن أبي كثير أبو إبراهيم الأنصاري المدني (عن حميد) الطويل (عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع ثمر التمر) بالمثلثة وفتح الميم في الأولى والمثناة والسكون في الثانية مع الإضافة كذا في الفرع لكنه ضبب على الأولى. قال البرماوي كالكرماني: والإضافة مجازية انتهى. والظاهر أنه يريد بها إخراج غير ثمر النخل لأن الثمر هو حمل الشجر والشجر من النبات ما قام على ساق أو ما سما بنفسه دق أو جلّ قاوم الشتاء أو عجز عنه قاله في القاموس، فيدخل فيه شجر البلح وغيره فبيّن أن المراد ثمر النخل الرطب الذي سيصير تمرًا وفي بعض الأصول عن بيع الثمر بالمثلثة من غير إضافة (حتى يزهو) بالواو من زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته قال حميد (فقلنا) وفي رواية قيل (لأنس ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر) بتشديد الراء فيهما من غير ألف قال أنس: (أرأيت) أي أخبرني (إن) بكسر الهمزة (منع الله الثمرة) بالمثلثة وفتح الميم والتأنيث يعني لم تخرج ولأبوي ذر والوقت الثمر بالتذكير (بم تستحل) إذا
تلف الثمر (مال أخيك) هو بمعنى الإنكار وإنما اختص ذلك بما قبل الزهو مع إمكان تلفه بعده لأن ذلك أكثر وأغلب وأسرع كما مرّ، والظاهر أن التفسير موقوف على أنس ورواه معتمر بن سليمان وبشر بن المفضل عن حميد فقال فيه أرأيت الخ … قال فلا أدري أنس قال بِمَ تستحل أو حدّث به عن النبي ﷺ أخرجه الخطيب في المدرج. وقد سبق مزيد لذلك في باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة فهو من البائع.
٩٤ - باب بَيْعِ الْجُمَّارِ وَأَكْلِهِ
(باب) حكم (بيع الجمار) بضم الجيم وتشديد الميم قلب النخلة (و) حكم (أكله).
٢٢٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ يَأْكُلُ جُمَّارًا، فَقَالَ: مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ كَالرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَحْدَثُهُمْ، قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ".
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك) الطيالسي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن أبي بشر) بموحدة مكسورة فمعجمة ساكنة آخره راء جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس البصري (عن مجاهد) هو ابن جبر الإمام المشهور (عن ابن عمر ﵄¬) أنه (قال كنت عند النبي ﷺ وهو يأكل جمارًا) جملة حالية (فقال) ﵊:
(من الشجر) من جنسه (شجرة كالرجل المؤمن) في الصفة الحسنة زاد في كتاب العلم من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر فحدّثوني ما هي فوقع الناس في شجر البوادي.
قال عبد الله: (فأردت أن أقول هي النخلة) وسقط لأبوي ذر والوقت لفظ هي فالنخلة نصب على المفعولية أو رفع بتقدير الساقط (فإذا أنا أحدثهم) زاد في باب الفهم في العلم فسكت أي تعظيمًا للأكابر وفي الأطعمة فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم أي أصغرهم سنًّا وإذا للمفاجأة (قال) ﵊: (هي النخلة) وليس في الحديث ذكر بيع الجمار المترجم به لكن الأكل منه يقتضي جواز بيعه قاله ابن المنير.
والحديث قد سبق في كتاب العلم.
٩٥ - باب مَنْ أَجْرَى أَمْرَ الأَمْصَارِ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ فِي الْبُيُوعِ وَالإِجَارَةِ وَالْمِكْيَالِ وَالْوَزْنِ وَسُنَنِهِمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمِ الْمَشْهُورَةِ
وَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْغَزَّالِينَ: سُنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَا بَأْسَ الْعَشَرَةُ بِأَحَدَ عَشَرَ وَيَأْخُذُ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهِنْدٍ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ
بِالْمَعْرُوفِ". وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وَاكْتَرَى الْحَسَنُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْدَاسٍ حِمَارًا فَقَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِدَانَقَيْنِ، فَرَكِبَهُ؛ ثُمَّ جَاءَ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ الْحِمَارَ الْحِمَارَ، فَرَكِبَهُ وَلَمْ يُشَارِطْهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ.
(باب من أجرى أمر) أهل (الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسننهم) بضم المهملة وفتح النون الأولى مخففة (على) حسب (نياتهم) مقاصدهم (ومذاهبهم) طرائقهم (المشهورة) فيما لم يأتِ فيه نص من الشارع فلو وكل رجل آخر في بيع شيء فباعه بغير النقد الذي هو عرف الناس أو باع موزونًا أو مكيلاً بغير الكيل أو الوزن المعتاد لم يجز وقد قال القاضي حسين إن الرجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التي ينبني عليها الفقه.
(وقال شريح) بضم الشين المعجمة آخره حاء مهملة ابن الحرث الكندي القاضي مما وصله سعيد بن منصور (للغزالين) بالغين المعجمة والزاي المشددة البياعين للمغزولات لما
стр. 1540
اختصموا إليه في شيء كان بينهم فقالوا إن سُنّتنا بيننا كذا وكذا فقال: (سنّتكم) عادتكم (بينكم) أي جائزة في معاملتكم مبتدأ وخبر ويجوز النصب بتقدير الزموا ووقع في بعض النسخ هنا زيادة في غير رواية أبي ذر ربحًا بكسر الراء وسكون الموحدة وبحاء مهملة قال الحافظ ابن حجر وغيره: وهي زيادة لا معنى لها هنا وإنما محلها آخر الأثر الذي بعده.
(وقال عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي مما وصله ابن أبي شيبة عنه (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (لا بأس) أن تباع (العشرة بأحد عشر) ويجوز نصب عشرة بتقدير بع وظاهره أن ربح العشرة أحد عشر فتكون الجملة أحدًا وعشرين ولكن العرف فيه أن للعشرة دنانير دينارًا واحدًا فيقضى بالعرف على ظاهر اللفظ، وإذا ثبت الاعتماد على العرف مع مخالفته للظاهر فلا اعتماد عليه مطلقًا. قال ابن بطال: أصل هذا الباب بيع الصبرة على أن كل قفيز بدرهم من غير أن يعلم مقدار الصبرة أي بأن يقول: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فيصح البيع عند الشافعية والمالكية والحنابلة وأبي يوسف ومحمد في الكل لأن المبيع معلوم بالإشارة إلى المشار إليه فلا يضر بالجهل. وقال أبو حنيفة: يصح في واحد فقط ولو قال: اشتريت بمائة وقد بعتك بمائتين وربح درهم لكل عشرة جاز وكأنه قال بعتكه بمائتين وعشرين ويسمى ببيع المرابحة. (ويأخذ) البائع (للنفقة) أي لأجل النفقة على المبيع (ربحًا) فإن قال: بعت بما قام على دخل فيه مع الثمن أجرة الكيال والحمال والدلال والقصار وسائر مؤن الاسترباح كأجرة الحارس والصباغ وقيمة الصبغ حتى المكس. وقال مالك: لا يأخذ إلا فيما له تأثير في السلعة كالصبغ والخياطة وأما أجرة الدلال والشدّ والطي فلا، لكن إن أربحه المشتري على ما لا تأثير لة جاز إذا رضي بذلك ومناسبة هذا الأثر للترجمة الإشارة إلى أنه إذا كان في عرف البلد أن المشترى بعشرة دراهم يباع بأحد عشر فباعه المشتري على ذلك العرف لم يكن به بأس (وقال النبي ﷺ ¬) فيما وصله في الباب (لهند) هي بنت عتبة زوج أبي سفيان والد معاوية.
(خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) وهو عادة الناس (وقال) الله (تعالى: ﴿ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦] أباح تعالى للوصي الفقير أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف ما يسد به جوعته ويكتسي ما يستر عورته.
(واكترى الحسن) البصري فيما وصله سعيد بن منصور (من عبد الله بن مرداس) بكسر الميم (حمارًا فقال) له (بكم؟ قال) ابن مرداس (بدانقين) بفتح النون والقاف تثنية دانق بكسر النون وفتحها وصحح في الفرع على الفتح وهو سدس الدرهم فرضي الحسن بالدانقين ثم أخذ الحمار (فركبه ثم جاء مرة أخرى) إلى ابن مرداس (فقال) له (الحمار الحمار) كرره مرتين منصوب بتقدير أحضر الحمار أو اطلبه ويجوز الرفع أي الحمار مطلوب (فركبه ولم يشارطه) على الأجرة اعتمادًا على العادة السابقة فاستغنى بالعرف المعهود بينهما (فبعث إليه بنصف درهم) فزاد على الدانقين دانقًا آخر فضلاً وكرمًا.
٢٢١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "حَجَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام دار الهجرة (عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: حجم رسول الله ﷺ أبو طيبة) بفتح الطاء المهملة وسكون التحتية ثم موحدة واسمه قيل دينار وقيل نافع وقيل ميسرة مولى محيصة بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء وبالصاد المهملة ابن مسعود الأنصاري وكانت هذه الحجامة لسبع عشرة خلت من رمضان كما في حديث عند ابن الأثير في الطبراني أن ذلك كان بعد العصر في رمضان (فأمر له رسول الله ﷺ بصاع من تمر وأمر أهله) بني بياضة (أن يخففوا عنه من خراجه) بفتح الخاء المعجمة وهو ما يقرره السيد على عبده أن يؤدّيه إليه كل يوم وكان ثلاثة آصع فوضع عنه بهذه الشفاعة صاع.
ومطابقته للترجمة من حيث إنه ﷺ لم يشارط الحجام المذكور
стр. 1541
على أجرته اعتمادًا على العرف في مثله.
وهذا الحديث سبق في أوائل كتاب البيوع في باب ذكر الحجام وأخرجه أبو داود في البيوع.
٢٢١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "قَالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَىَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا؟ قَالَ: خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ".
[الحديث ٢٢١١ - أطرافه في: ٢٤٦٠، ٣٨٢٥، ٥٣٥٩، ٥٣٦٤، ٥٣٧٠، ٦٦٤١، ٧١٦١، ٧١٨٠].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال (حدّثنا سليمان) هو الثوري كما نص عليه المزي (عن هشام عن) أبيه (عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها قالت (قالت هند) بالصرف ودونه (أم معاوية) بن أبي سفيان ﵃ (لرسول الله ﷺ إن أبا سفيان رجل شحيح) بفتح الشين المعجمة وبالحاءين المهملتين بينهما تحتية ساكنة بخيل حريص (فهل عليّ جناح) بضم الجيم إثم (أن آخذ من ماله سرًّا) نصب على التمييز أي من حيث السر أو صفة لمصدر محذوف تقديره آخذ أخذًا سرًّا أي غير جهر وأن مصدرية (قال) ﵊:
(خذي أنت وبنوك) بالرفع عطفًا على الضمير المرفوع في خذي وإنما أُتي بلفظ أنت ليصح العطف عليه وفيه خلاف بين نحاة البصرة والكوفة ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر وبنيك بالنصب على المفعول معه (ما يكفيك) لنفسك ولبنيك (بالمعروف) واقتصر عليها لأنها الكافلة لأمورهم وأحالها ﵊ على العرف فيما ليس فيه تحديد شرعي وكان قوله ﵊ هذا فُتيا لا حكمًا لأن أبا سفيان كان بمكة فلا يستدل به على الحكم على الغائب بل قال السهيلي إنه كان حاضرًا سؤالها فقال أنت في حِلٍّ مما أخذت.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النفقات والأحكام.
٢٢١٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ح.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ فَرْقَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ "سَمِعَ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ الَّذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُ فِي مَالِهِ: إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ".
[الحديث ٢٢١٢ - طرفاه في: ٢٧٦٥، ٤٥٧٥].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحاق) هو ابن منصور كما جزم به خلف وغيره في الأطراف قال: (حدّثنا ابن نمير) بضم النون وفتح الميم عبد الله قال: (أخبرنا هشام ح) هو ابن عروة.
قال المؤلّف بالسند: (حدّثني) بالإفراد (محمد) زاد أبو ذر في روايته ابن سلام بتشديد اللام البيكندي وهو يردّ على من قال إنه محمد بن المثنى الزمن (قال: سمعت عثمان بن فرقد) بفتح الفاء والقاف بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة هو العطار وقد تكلم فيه لكن لم يخرج له المؤلّف موصولاً سوى هذا الحديث وقرنه بابن نمير وذكر له تعليقًا آخر في المغازي (قال: سمعت هشام بن عروة) بن الزبير (يحدّث عن أبيه أنه سمع عائشة ﵂ تقول) في قوله تعالى في سورة النساء: (﴿ومن كان غنيًّا") من الأوصياء (﴿فليستعفف﴾) عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئًا قال في الكشاف واستعف أبلغ من عف كأنه طلب زيادة العفّة. قال ابن المنير في الانتصاف يشير إلى أن استفعل بمعنى الطلب وهو بعيد فإن تلك متعدية وهذه قاصرة والظاهر أن هذا مما جاء فيه فعل
واستفعل بمعنى وردّه التفتازاني بأن كلاًّ من بابي فعل واستفعل يكون لازمًا ومتعديًا وكل من عفّ واستعفّ لازم (﴿ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾) [النساء: ٦] (أنزلت في والي اليتيم الذي يقيم) نفسه (عليه) أي يعتكف ويلازمه (ويصلح في ماله إن كان فقيرًا كل منه بالمعروف) بقدر قيامه.
وهذا موضع الترجمة منه. وهذا الحديث قد ذكره المؤلّف في تفسير سورة النساء عن إسحاق عن ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة بلفظ: أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرًا أنه يأكل بالمعروف منه مكان قيامه عليه بمعروف فظهر أن المسوق هنا لفظ رواية عثمان بن فرقد، وفي النسائي لفظ عبد الله بن نمير بلفظ في مال اليتيم بدل قوله هنا وفي الوصايا من طريق أبي أمامة عن هشام والي اليتيم لكنه سقط في الموضعين قوله في هذا الباب الذي يقيم عليه وهي بالمثناة التحتية بعد القاف كما في الفرع وغيره، وأما قول البرماوي ويقوم بالواو وفي بعضها يقيم فبدأ بالواويّ فلعله رآها في بعض الأصول من البخاري. نعم أخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن هشام بالواو وصوّبها السفاقسي قال لأنها من القيام لا من الإقامة وقد تقدّم توجيهها ولا يقضى برواية على أخرى فيما هذا سبيله.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير وأخرجه مسلم.
٩٦ - باب بَيْعِ الشَّرِيكِ مِنْ شَرِيكِهِ
(باب)
стр. 1542
حكم (بيع الشريك من شريكه).
٢٢١٣ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ ﵁: "جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ".
[الحديث ٢٢١٣ - أطرافه في: ٢٢١٤، ٢٢٥٧، ٢٤٩٥، ٢٤٩٦، ٦٩٧٦].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمود) هو ابن غيلان بالغين المعجمة قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن جابر) الأنصاري (﵁) أنه (قال: جعل رسول الله ﷺ الشفعة) بضم الشين المعجمة من شفعت الشيء إذا ضممته وسميت شفعة لضم نصيب إلى نصيب (في كل مال لم يقسم) عامّ مخصوص لأن المراد العقار المحتمل للقسمة وهذا كالإجماع وشذّ عطاء فأجرى الشفعة في كل شيء حتى في الثوب وأما ما لا يحتمل القسمة كالحمام ونحوه فلا شفعة فيه لأنه بقسمته تبطل المنفعة ولا شفعة إلا لشريك لم يقاسم فلا شفعة لجار خلافًا للحنفية واحتج لهم بما رواه الطحاوي بإسناد صحيح من حديث أنس مرفوعًا جار الدار أحق بالدار.
ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في بابه وفي رواية المستملي والكشميهني في كل ما لم يقسم.
(فإذا وقعت الحدود) أي صارت مقسومة (وصرفت الطرق) بضم الصاد المهملة وتشديد الراء المكسورة مبنيًّا للمجهول وفي بعض الأصول وصرفت بتخفيف الراء أي بينت مصارف الطرق وشوارعها (فلا شفعة) حينئذ لأنها بالقسمة تكون غير مشاعة قال ابن المنير أدخل في هذا الباب حديث الشفعة لأن الشريك يأخذ الشقص من المشتري قهرًا بالثمن فأخذه له من شريكه جائز قطعًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الباب الآتي وفي الشركة والشفعة وترك الحيل وأبو داود في البيوع والترمذي في الأحكام وكذا ابن ماجة.
٩٧ - باب بَيْعِ الأَرْضِ وَالدُّورِ وَالْعُرُوضِ مُشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ
(باب) حكم (بيع الأرض والدور) بالواو جمع دار قال الجوهري مؤنثة وأدنى العدد أدؤر فالهمزة فيه مبدلة من واو مضمومة ولك أن لا تهمز والكثير ديار مثل جبل وأجبل وجبال (و) بيع (العروض) جمع عرض أي المتاع حال كونه (مشاعًا غير مقسوم).
٢٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ".
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بِهَذَا وَقَالَ: "فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ". تَابَعَهُ هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: "فِي كُلِّ مَالٍ". رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن محبوب) بميم مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فموحدة مضمومة وبعد الواو موحدة أخرى قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) أنه (قال: قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل مال لم يقسم) عام يدخل فيه العقار وغيره لكنه مخصوص بالعقار وللمستملي والكشميهني ما لم يقسم (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق) بتشديد الراء وتخفف كما مر (فلا شفعة) لأنها تكون غير مشاعة.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد (بهذا) الحديث السابق (وقال) مسدد في روايته (في كل ما لم يقسم) وللحموي مال لم يقسم بلفظ العام.
(تابعه) أي تابع عبد الواحد فيما وصله المؤلّف في ترك الحيل (هشام) هو ابن يوسف اليماني
(عن معمر) هو ابن راشد في روايته في كل ما لم يقسم (قال عبد الرزاق) بن همام في روايته فيما وصله المؤلّف في الباب السابق (في كل مال) وكذا (رواه عبد الرحمن بن إسحاق) فيما وصله مسدد في مسنده عن بشر بن المفضل عنه (عن الزهري). قال الكرماني: الفرق بين الأساليب الثلاثة أن المتابعة أن يروي الراوي الآخر الحديث بعينه والرواية أعمّ منها والقول إنما يستعمل عند السماع على سبيل المذاكرة.
٩٨ - باب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَرَضِيَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا اشترى) أحد (شيئًا لغيره بغير إذنه) يعني بطريق الفضول (فرضي) ذلك الغير بذلك الشراء بعد وقوعه.
٢٢١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَرَجَ ثَلَاثَةٌ يَمْشُونَ فَأَصَابَهُمُ الْمَطَرُ، فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ. قَالَ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ادْعُوا اللَّهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ. فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى، ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلُبُ، فَأَجِيءُ بِالْحِلَابِ فَآتِي بِهِ أَبَوَىَّ فَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي. فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً فَجِئْتُ، فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ، قَالَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَالصِّبِيْةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَىَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. قَالَ: فَفُرِجَ عَنْهُمْ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ عَمِّي كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ، فَقَالَتْ لَا تَنَالُ ذَلِكَ مِنْهَا حَتَّى تُعْطِيَهَا مِائَةَ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ فِيهَا حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتِ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ وَتَرَكْتُهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً. قَالَ فَفَرَجَ عَنْهُمُ الثُّلُثَيْنِ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقٍ مِنْ ذُرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبَى ذَاكَ أَنْ يَأْخُذَ، فَعَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ حَتَّى اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: انْطَلِقْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَإِنَّهَا لَكَ. فَقَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي؟ قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، وَلَكِنَّهَا لَكَ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا. فَكُشِفَ عَنْهُمْ».
[الحديث ٢٢١٥ - أطرافه في: ٢٢٧٢، ٢٣٣٣، ٣٤٦٥، ٥٩٧٤].
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدورقي قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي المدني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄ عن
النبي ﷺ ¬) أنه (قال: خرج ثلاثة يمشون) ولأبي ذر عن الكشميهني ثلاثة نفر يمشون أي حال كونهم يمشون (فأصابهم المطر) عطفه بالفاء على خرج ثلاثة وفي باب المزارعة
стр. 1543
أصابهم بإسقاط الفاء لأنه جزاء بينهما (فدخلوا في غار) كهف وهو بيت منقور كائن (في جبل فانحطّت عليهم صخرة) على باب غارهم وفي باب المزارعة فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل (قال) ﵊.
(فقال بعضهم لبعض ادعوا الله) (بأفضل عمل عملتموه) في المزارعة فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله تعالى فادعوا الله بها لعله يفرّجها عنكم (فقال أحدهم اللهمَّ) هو كقوله لمن قال أزيد هنا اللهم نعم أو اللهم لا كأنه ينادي الله تعالى مستشهدًا على ما قال من الجواب (إني كان لي أبوان) أب وأم فغلب في التثنية وفي المزارعة اللهم إنه كان لي والدان (شيخان كبيران) زاد في المزارعة ولي صبية صغار (فكنت أخرج) إلى الرعى (فأرعى) غنمي (ثم أجيء) من الرعى (فأحلب) ما يحلب من الغنم (فأجيء بالحلاب) بكسر الحاء وتخفيف اللام الإناء الذي يحلب فيه ومراده هنا اللبن المحلوب فيه (فأُتي به) أي بالحلاب (أبويّ) أصله أبوان لي فلما أضافه إلى ياء المتكلم سقطت النون وانتصب على المفعولية قلبت ألف التثنية ياء وأدغمت الياء فأناولهما إياه (فيشربان ثم أسقي الصبية) بكسر الصاد المهملة وإسكان الموحدة جمع صبي وفي المزارعة فبدأت بوالدي أسقيهما قبل بنيّ (وأهلي وامرأتي) والمراد بالأهل هنا الأقارب كالأخ والأخت فلا يكون عطف امرأتي على أهلي من عطف الشيء على نفسه (فاحتبست) أي تأخرت (ليلة) من الليالي بسبب عارض عرض لي (فجئت) لهما (فإذا هما نائمان) مبتدأ وخبر فإذا للمفاجأة (قال فكرهت أن أوقظهما) وفي المزارعة فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما وأكره أن أسقي الصبية (والصبية يتضاغون) بالضاد والغين المعجمتين بوزن يتفاعلون أي يضجّون بالبكاء من الجوع (عند رجليّ) بالتثنية وفي المزارعة عند قدمي (فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما) أي شأني وشأنهما مرفوع اسم يزل وذلك خبر أو منصوب وهو الذي في اليونينية على أنه الخبر وذلك الاسم كما في قوله تعالى: ﴿فما زالت تلك دعواهم﴾ [الأنبياء: ١٥] (حتى طلع الفجر) واستشكل تقديم الأبوين على الأولاد مع أن نفقة الأولاد مقدمة وأجيب باحتمال أن يكون في شرعهم تقديم نفقة الأصول على غيرهم (اللهمَّ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك) أي طلبًا لمرضاتك وانتصاب ابتغاء على أنه مفعول له أي لأجل ابتغاء وجهك أي ذاتك (فافرج) بضم الراء فعل طلب ومعناه الدعاء من فرج يفرج من باب نصر ينصر (عنا فرجة) بضم الفاء وسكون الراء (نرى منها السماء قال ففرج عنهم) بقدر ما دعا فرجة ترى منها السماء وقوله ففرج بضم الفاء الثانية وكسر الراء.
- (وقال) بالواو ولأبي الوقت فقال (الآخر اللهمَّ إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء) الكاف زائدة أو أراد تشبيه محبته بأشد المحبات فأردتها على نفسها (فقالت لا تنال ذلك) باللام قبل الكاف ولأبي ذر ذاك بالألف بدل اللام (منها حتى تعطيها
مائة دينار) كان مقتضى السياق أن يقال لا تنال ذلك مني حتى تعطيني لكنه من باب الالتفات (فسعيت فيها) أي في المائة دينار (حتى جمعتها) وفي الفرع حتى جئتها من المجيء وعزي الأول لأبي الوقت (فلما) أعطيتها الدنانير وأمكنتني من نفسها (قعدت بين رجليها) لأطأها (قالت اتق الله) يا عبد الله (ولا تفض الخاتم) بفتح المثناة الفوقية وفتح الضاد المعجمة ويجوز كسرها وهو كناية عن إزالة بكارتها (إلا بحقه) أي لا تزل البكارة إلا بالنكاح الصحيح الحلال (فقمت) من بين رجليها (وتركتها) من غير فعل (فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك) الترك (ابتغاء وجهك) أي لأجل ذاتك (فافرج عنّا) بضم الراء (فرجة قال) ولأبي الوقت فقال (ففرج) بفتحات أي ففرج الله (عنهم الثلثين) من الموضع الذي عليه الصخرة.
(وقال الأخر): وهو الثالث (اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرًا) بلفظ الإفراد أي على عمل (بفرق) بفتح الفاء والراء مكيال يسع ثلاثة آصع
стр. 1544
(من ذرة) بضم الذال المعجمة وفتح الراء المخففة حب معروف (فأعطيته) الفرق الذرة (وأبى) أي امتنع (ذلك) الأجير (أن يأخذ) الفرق وفي المزارعة فلما قضى عمله قال أعطني حقي فعرضت عليه فرغب عنه وفي باب الإجارة استأجرت أُجَراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب (فعمدت) بفتح الميم أي قصدت (إلى ذلك الفرق فزرعته) وفي المزارعة فلم أزل أزرعه (حتى اشتريت منه بقرًا وراعيها) بالنصب عطفًا على المفعول السابق ولغير أبي ذر وراعيها بالسكون (ثم جاء) الأجير المذكور (فقال) لي (يا عبد الله أعطني حقي) بهمزة قطع (فقلت) له (انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك) وسقط لأبي ذر فإنها لك (فقال) لي (أتستهزئ بي قال فقلت) له وفي بعض الأصول قلت (ما أستهزئ بك ولكنها لك) وفي
أحاديث الأنبياء فساقها وفي المزارعة فخذه فأخذه وفي الإجارة فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك) الإعطاء (ابتغاء وجهك) ذاتك المقدّسة (فافرج عنّا) بضم الراء (فكشف عنهم) بضم الكاف وكسر المعجمة أي كشف الله عنهم باب الغار زاد في الإجارة فخرجوا يمشون.
وموضع الترجمة من هذا الحديث قوله إني استأجرت الخ فإن فيه تصرف الرجل في مال الأجير بغير إذنه فاستدلّ به المؤلّف -رحمه الله تعالى- على جواز بيع الفضولي وشرائه وطريق الاستدلال به ينبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا والجمهور على خلافه لكن تقرر أن النبي ﷺ ساقه سياق المدح والثناء على فاعله وأقره على ذلك ولو كان لا يجوز لبينه فبهذا التقرير يصح الاستدلال به لا بمجرد كونه شرع من قبلنا والقول بصحة بيع الفضولي هو مذهب المالكية وهو القول القديم للشافعي ﵁ فينعقد موقوفًا على إجازة المالك إن أجازه نفذ وإلاّ لغا والقول الجديد بطلانه لأنه ليس بمالك ولا وكيل ولا وليّ ويجري القولان فيما لو اشترى لغيره بلا إذن بعين ماله أو في ذمته وفيما لو زوّج أمة غيره أو ابنته أو طلّق منكوحته أو أعتق عبده أو آجر دابّته بغير إذنه وقد أجيب عمّا وقع هنا بأن الظاهر أن الرجل الأجير لم يملك الفرق لأن الستأجر لم يستأجره بفرق معين وإنما استأجره بفرق في
الذمة فلما عرض عليه قبضه امتنع لرداءته فلم يدخل في ملكه بل بقي في حقه متعلقًا بذمّة المستأجر لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح فالنتاج الذي حصل على ملك المستأجر تبرع به للأجير بتراضيهما وغاية ذلك أنه أحسّ القضاء فأعطاه القضاء حقه وزيادات كثيرة ولو كان الفرق تعين للأجير لكان تصرف المستأجر فيه تعديًّا ولا يتوسل إلى الله بالتعدي وإن كان مصلحة في حق صاحب الحق وليس أحد في حجر غيره حتى يبيع أملاكه ويطلق زوجاته ويزعم أن ذلك أحظى لصاحب الحق وإن كان أحظى فكل أحد أحق بنفسه وماله من الناس أجمعين.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الإجارة والمزارعة وأحاديث الأنبياء ومسلم في التوبة والنسائي في الرقائق.
٩٩ - باب الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ
(باب) حكم (الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب) من عطف الخاص على العام.
٢٢١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ -بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً- أَوْ قَالَ: أَمْ هِبَةً -فَقَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ. فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً".
[الحديث ٢٢١٦ - طرفاه في: ٢٦١٨، ٥٣٨٢].
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا معتمر بن سليمان) بن طرخان (عن أبيه عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل النهدي بالنون (عن عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق (﵄) أنه (قال كنا مع النبي ﷺ ¬) زاد في باب قبول الهدية من المشركين من كتاب الهدية ثلاثين ومائة فقال النبي ﷺ :
"هل مع أحد منكم طعام فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن" (ثم جاء رجل مشرك) قال الحافظ ابن حجر لم أعرف اسمه (مشعان) بضم الميم وسكون الشين المعجمة وبعد العين المهملة ألف ثم نون مشدّدة أي طويل شعر الرأس جدًّا أو البعيد العهد بالدهن الشعث وقال القاضي الثائر الرأس متفرقه (طويل بغنم يسوقها فقال) زاد في نسخة له (النبي ﷺ بيعًا) نصب على المصدرية أي ْأتبيع بيعًا أو الحال أي
стр. 1545
أتدفعها بائعًا ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف أي أهذه بيع (أم عطية أو قال أم هبة) بالنصب عطفًا على السابق ويجوز الرفع كما مرّ والشك من الراوي. (قال) المشرك (لا) ليس عطية أو ليس هبة (بل) هو (بيع) أي مبيع وأطلق البيع عليه باعتبار ما يؤول، (فاشترى) ﵊ (منه شاة) فيه جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده وجواز قبول الهدية منه، واختلف في مبايعة من غالب ماله حرام، واحتج من رخص فيه بقوله ﷺ للمشرك: بيعًا أم هبة. وكان الحسن بن أبي الحسن لا يرى بأسًا أن يأكل الرجل من طعام العشار والصراف والعامل
ويقول: قد أحلّ الله تعالى طعام اليهودي والنصراني، وقد أخبر أن اليهود أكّالون للسحت قال الحسن: ما لم يعرفوا شيئًا بعينه، وقال الشافعي: لا أحب مبايعة من أكثر ماله ربًا أو كسبه من حرام فإن بويع لا يفسخ.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الهبة والأطعمة، وأخرجه مسلم في الأطعمة أيضًا.
١٠٠ - باب شِرَاءِ الْمَمْلُوكِ مِنَ الْحَرْبِيِّ وَهِبَتِهِ وَعِتْقِهِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَلْمَانَ: كَاتِبْ، وَكَانَ حُرًّا فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ. وَسُبِيَ عَمَّارٌ وَصُهَيْبٌ وَبِلَالٌ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ، فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
(باب) حكم (شراء المملوك من الحربي و) حكم (هبته وعتقه وقال النبي ﷺ لسلمان) الفارسي (كاتب) أي اشتر نفسك من مولاك بنجمين أو أكثر (و) الحال أنه (كان حرًّا) قبل أن يخرج من داره (فظلموه وباعوه) ولم يكن إذ ذاك مؤمنًا وإنما كان إيمانه إيمان مصدّق بالنبي ﷺ إذا بعث مع إقامته على شريعة عيسى ﵊ فأقرّه النبي ﷺ مملوكًا لمن كان في يده إذ كان في حكمه ﵊ أن من أسلم من رقيق المشركين في دار الحرب ولم يخرج مراغمًا لسيده فهو لسيده أو كان سيده من أهل صلح المسلمين فهو لمالكه قاله الطبري، وقصته أنه هرب من أبيه لطلب الحق وكان مجوسيًّا فلحق براهب ثم براهب ثم بآخر، وكان يصحبهم إلى وفاتهم حتى دلّه الأخير على الحجاز وأخبروه بظهور رسول الله ﷺ فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به فباعوه في وادي القرى ليهودي ثم اشتراه منه يهودي آخر من بني قريظة فقدم به المدينة، فلما قدمها رسول الله ﷺ ورأى علامات النبوّة أسلم فقال له رسول الله ﷺ : "كاتب عن نفسك".
وقد رويت قصته من طرق كثيرة من أصحها ما أخرجه أحمد وعلّق البخاري منها ما تراه وفي سياق قصته في إسلامه اختلاف يتعسر الجمع فيه، وروى البخاري في صحيحه عن سليمان أنه تداوله بضعة عشر سيدًا.
(وسبي عمار) هو ابن ياسر العنسي بالعين والسين المهملتين بينهما نون ساكنة ولم يكن عمار سبي لأنه كان غريبًا، وإنما سكن أبوه مكة وحالف بني مخزوم فزوّجوه سميّة وكانت من مواليهم فولدت له عمارًا، فيحتمل أن يكون المشركون عاملوا عمارًا معاملة السبي لكون أمه من مواليهم.
(و) سُبي (صهيب) هو ابن سنان بن مالك وهو الرومي قيل له ذلك لأن الروم سبوه صغيرًا ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة فاشتراه عبد الله بن جدعان التيمي فأعتقه، ويقال بل هرب من
الروم فقدم مكة فحالف ابن جدعان، وروى ابن سعد أنه أسلم هو وعمار ورسول الله ﷺ في دار الأرقم.
(وبلال) هو ابن رباح الحبشي المؤذن وأمه حمامة اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد فأعتقه (وقال الله تعالى: ﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق﴾) فمنكم غني ومنكم فقير ومنكم موالٍ يتولون رزقهم ورزق غيرهم ومنكم مماليك حالهم على خلاف ذلك (﴿فما الذين فضلوا برادي رزقهم﴾) بمعطي رزقهم (﴿على ما ملكت أيمانهم﴾) على مماليكهم فإنما يردون عليهم رزقهم الذي جعله الله في أيديهم (﴿فهم فيه سواء﴾)، فالموالي والمماليك سواء في أن الله رزقهم فالجملة لازمة للجملة المنفية أو مقررة لها، ويجوز أن تكون واقعة موقع الجواب كأنه قيل ﴿فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم﴾ فيستووا في الرزق على أنه ردّ وإنكار على المشركين فإنهم يشركون بالله بعض مخلوقاته
следующие страницы →