← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

على أجرته اعتمادًا على العرف في مثله. وهذا الحديث سبق في أوائل كتاب البيوع في باب ذكر الحجام وأخرجه أبو داود في البيوع. ٢٢١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "قَالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَىَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا؟ قَالَ: خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ". [الحديث ٢٢١١ - أطرافه في: ٢٤٦٠، ٣٨٢٥، ٥٣٥٩، ٥٣٦٤، ٥٣٧٠، ٦٦٤١، ٧١٦١، ٧١٨٠]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال (حدّثنا سليمان) هو الثوري كما نص عليه المزي (عن هشام عن) أبيه (عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها قالت (قالت هند) بالصرف ودونه (أم معاوية) بن أبي سفيان ﵃ (لرسول الله ﷺ إن أبا سفيان رجل شحيح) بفتح الشين المعجمة وبالحاءين المهملتين بينهما تحتية ساكنة بخيل حريص (فهل عليّ جناح) بضم الجيم إثم (أن آخذ من ماله سرًّا) نصب على التمييز أي من حيث السر أو صفة لمصدر محذوف تقديره آخذ أخذًا سرًّا أي غير جهر وأن مصدرية (قال) ﵊: (خذي أنت وبنوك) بالرفع عطفًا على الضمير المرفوع في خذي وإنما أُتي بلفظ أنت ليصح العطف عليه وفيه خلاف بين نحاة البصرة والكوفة ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر وبنيك بالنصب على المفعول معه (ما يكفيك) لنفسك ولبنيك (بالمعروف) واقتصر عليها لأنها الكافلة لأمورهم وأحالها ﵊ على العرف فيما ليس فيه تحديد شرعي وكان قوله ﵊ هذا فُتيا لا حكمًا لأن أبا سفيان كان بمكة فلا يستدل به على الحكم على الغائب بل قال السهيلي إنه كان حاضرًا سؤالها فقال أنت في حِلٍّ مما أخذت. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النفقات والأحكام. ٢٢١٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ح. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ فَرْقَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ "سَمِعَ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ الَّذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُ فِي مَالِهِ: إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ". [الحديث ٢٢١٢ - طرفاه في: ٢٧٦٥، ٤٥٧٥]. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحاق) هو ابن منصور كما جزم به خلف وغيره في الأطراف قال: (حدّثنا ابن نمير) بضم النون وفتح الميم عبد الله قال: (أخبرنا هشام ح) هو ابن عروة. قال المؤلّف بالسند: (حدّثني) بالإفراد (محمد) زاد أبو ذر في روايته ابن سلام بتشديد اللام البيكندي وهو يردّ على من قال إنه محمد بن المثنى الزمن (قال: سمعت عثمان بن فرقد) بفتح الفاء والقاف بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة هو العطار وقد تكلم فيه لكن لم يخرج له المؤلّف موصولاً سوى هذا الحديث وقرنه بابن نمير وذكر له تعليقًا آخر في المغازي (قال: سمعت هشام بن عروة) بن الزبير (يحدّث عن أبيه أنه سمع عائشة ﵂ تقول) في قوله تعالى في سورة النساء: (﴿ومن كان غنيًّا") من الأوصياء (﴿فليستعفف﴾) عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئًا قال في الكشاف واستعف أبلغ من عف كأنه طلب زيادة العفّة. قال ابن المنير في الانتصاف يشير إلى أن استفعل بمعنى الطلب وهو بعيد فإن تلك متعدية وهذه قاصرة والظاهر أن هذا مما جاء فيه فعل واستفعل بمعنى وردّه التفتازاني بأن كلاًّ من بابي فعل واستفعل يكون لازمًا ومتعديًا وكل من عفّ واستعفّ لازم (﴿ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾) [النساء: ٦] (أنزلت في والي اليتيم الذي يقيم) نفسه (عليه) أي يعتكف ويلازمه (ويصلح في ماله إن كان فقيرًا كل منه بالمعروف) بقدر قيامه. وهذا موضع الترجمة منه. وهذا الحديث قد ذكره المؤلّف في تفسير سورة النساء عن إسحاق عن ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة بلفظ: أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرًا أنه يأكل بالمعروف منه مكان قيامه عليه بمعروف فظهر أن المسوق هنا لفظ رواية عثمان بن فرقد، وفي النسائي لفظ عبد الله بن نمير بلفظ في مال اليتيم بدل قوله هنا وفي الوصايا من طريق أبي أمامة عن هشام والي اليتيم لكنه سقط في الموضعين قوله في هذا الباب الذي يقيم عليه وهي بالمثناة التحتية بعد القاف كما في الفرع وغيره، وأما قول البرماوي ويقوم بالواو وفي بعضها يقيم فبدأ بالواويّ فلعله رآها في بعض الأصول من البخاري. نعم أخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن هشام بالواو وصوّبها السفاقسي قال لأنها من القيام لا من الإقامة وقد تقدّم توجيهها ولا يقضى برواية على أخرى فيما هذا سبيله. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير وأخرجه مسلم. ٩٦ - باب بَيْعِ الشَّرِيكِ مِنْ شَرِيكِهِ (باب)

стр. 1542

حكم (بيع الشريك من شريكه). ٢٢١٣ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ ﵁: "جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ". [الحديث ٢٢١٣ - أطرافه في: ٢٢١٤، ٢٢٥٧، ٢٤٩٥، ٢٤٩٦، ٦٩٧٦]. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمود) هو ابن غيلان بالغين المعجمة قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن جابر) الأنصاري (﵁) أنه (قال: جعل رسول الله ﷺ الشفعة) بضم الشين المعجمة من شفعت الشيء إذا ضممته وسميت شفعة لضم نصيب إلى نصيب (في كل مال لم يقسم) عامّ مخصوص لأن المراد العقار المحتمل للقسمة وهذا كالإجماع وشذّ عطاء فأجرى الشفعة في كل شيء حتى في الثوب وأما ما لا يحتمل القسمة كالحمام ونحوه فلا شفعة فيه لأنه بقسمته تبطل المنفعة ولا شفعة إلا لشريك لم يقاسم فلا شفعة لجار خلافًا للحنفية واحتج لهم بما رواه الطحاوي بإسناد صحيح من حديث أنس مرفوعًا جار الدار أحق بالدار. ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في بابه وفي رواية المستملي والكشميهني في كل ما لم يقسم. (فإذا وقعت الحدود) أي صارت مقسومة (وصرفت الطرق) بضم الصاد المهملة وتشديد الراء المكسورة مبنيًّا للمجهول وفي بعض الأصول وصرفت بتخفيف الراء أي بينت مصارف الطرق وشوارعها (فلا شفعة) حينئذ لأنها بالقسمة تكون غير مشاعة قال ابن المنير أدخل في هذا الباب حديث الشفعة لأن الشريك يأخذ الشقص من المشتري قهرًا بالثمن فأخذه له من شريكه جائز قطعًا. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الباب الآتي وفي الشركة والشفعة وترك الحيل وأبو داود في البيوع والترمذي في الأحكام وكذا ابن ماجة. ٩٧ - باب بَيْعِ الأَرْضِ وَالدُّورِ وَالْعُرُوضِ مُشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ (باب) حكم (بيع الأرض والدور) بالواو جمع دار قال الجوهري مؤنثة وأدنى العدد أدؤر فالهمزة فيه مبدلة من واو مضمومة ولك أن لا تهمز والكثير ديار مثل جبل وأجبل وجبال (و) بيع (العروض) جمع عرض أي المتاع حال كونه (مشاعًا غير مقسوم). ٢٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ". حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بِهَذَا وَقَالَ: "فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ". تَابَعَهُ هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: "فِي كُلِّ مَالٍ". رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن محبوب) بميم مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فموحدة مضمومة وبعد الواو موحدة أخرى قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) أنه (قال: قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل مال لم يقسم) عام يدخل فيه العقار وغيره لكنه مخصوص بالعقار وللمستملي والكشميهني ما لم يقسم (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق) بتشديد الراء وتخفف كما مر (فلا شفعة) لأنها تكون غير مشاعة. وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد (بهذا) الحديث السابق (وقال) مسدد في روايته (في كل ما لم يقسم) وللحموي مال لم يقسم بلفظ العام. (تابعه) أي تابع عبد الواحد فيما وصله المؤلّف في ترك الحيل (هشام) هو ابن يوسف اليماني (عن معمر) هو ابن راشد في روايته في كل ما لم يقسم (قال عبد الرزاق) بن همام في روايته فيما وصله المؤلّف في الباب السابق (في كل مال) وكذا (رواه عبد الرحمن بن إسحاق) فيما وصله مسدد في مسنده عن بشر بن المفضل عنه (عن الزهري). قال الكرماني: الفرق بين الأساليب الثلاثة أن المتابعة أن يروي الراوي الآخر الحديث بعينه والرواية أعمّ منها والقول إنما يستعمل عند السماع على سبيل المذاكرة. ٩٨ - باب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَرَضِيَ هذا (باب) بالتنوين (إذا اشترى) أحد (شيئًا لغيره بغير إذنه) يعني بطريق الفضول (فرضي) ذلك الغير بذلك الشراء بعد وقوعه. ٢٢١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَرَجَ ثَلَاثَةٌ يَمْشُونَ فَأَصَابَهُمُ الْمَطَرُ، فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ. قَالَ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ادْعُوا اللَّهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ. فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى، ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلُبُ، فَأَجِيءُ بِالْحِلَابِ فَآتِي بِهِ أَبَوَىَّ فَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي. فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً فَجِئْتُ، فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ، قَالَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَالصِّبِيْةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَىَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. قَالَ: فَفُرِجَ عَنْهُمْ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ عَمِّي كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ، فَقَالَتْ لَا تَنَالُ ذَلِكَ مِنْهَا حَتَّى تُعْطِيَهَا مِائَةَ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ فِيهَا حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتِ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ وَتَرَكْتُهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً. قَالَ فَفَرَجَ عَنْهُمُ الثُّلُثَيْنِ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقٍ مِنْ ذُرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبَى ذَاكَ أَنْ يَأْخُذَ، فَعَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ حَتَّى اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: انْطَلِقْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَإِنَّهَا لَكَ. فَقَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي؟ قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، وَلَكِنَّهَا لَكَ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا. فَكُشِفَ عَنْهُمْ». [الحديث ٢٢١٥ - أطرافه في: ٢٢٧٢، ٢٣٣٣، ٣٤٦٥، ٥٩٧٤]. وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدورقي قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي المدني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال: خرج ثلاثة يمشون) ولأبي ذر عن الكشميهني ثلاثة نفر يمشون أي حال كونهم يمشون (فأصابهم المطر) عطفه بالفاء على خرج ثلاثة وفي باب المزارعة

стр. 1543

أصابهم بإسقاط الفاء لأنه جزاء بينهما (فدخلوا في غار) كهف وهو بيت منقور كائن (في جبل فانحطّت عليهم صخرة) على باب غارهم وفي باب المزارعة فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل (قال) ﵊. (فقال بعضهم لبعض ادعوا الله) (بأفضل عمل عملتموه) في المزارعة فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله تعالى فادعوا الله بها لعله يفرّجها عنكم (فقال أحدهم اللهمَّ) هو كقوله لمن قال أزيد هنا اللهم نعم أو اللهم لا كأنه ينادي الله تعالى مستشهدًا على ما قال من الجواب (إني كان لي أبوان) أب وأم فغلب في التثنية وفي المزارعة اللهم إنه كان لي والدان (شيخان كبيران) زاد في المزارعة ولي صبية صغار (فكنت أخرج) إلى الرعى (فأرعى) غنمي (ثم أجيء) من الرعى (فأحلب) ما يحلب من الغنم (فأجيء بالحلاب) بكسر الحاء وتخفيف اللام الإناء الذي يحلب فيه ومراده هنا اللبن المحلوب فيه (فأُتي به) أي بالحلاب (أبويّ) أصله أبوان لي فلما أضافه إلى ياء المتكلم سقطت النون وانتصب على المفعولية قلبت ألف التثنية ياء وأدغمت الياء فأناولهما إياه (فيشربان ثم أسقي الصبية) بكسر الصاد المهملة وإسكان الموحدة جمع صبي وفي المزارعة فبدأت بوالدي أسقيهما قبل بنيّ (وأهلي وامرأتي) والمراد بالأهل هنا الأقارب كالأخ والأخت فلا يكون عطف امرأتي على أهلي من عطف الشيء على نفسه (فاحتبست) أي تأخرت (ليلة) من الليالي بسبب عارض عرض لي (فجئت) لهما (فإذا هما نائمان) مبتدأ وخبر فإذا للمفاجأة (قال فكرهت أن أوقظهما) وفي المزارعة فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما وأكره أن أسقي الصبية (والصبية يتضاغون) بالضاد والغين المعجمتين بوزن يتفاعلون أي يضجّون بالبكاء من الجوع (عند رجليّ) بالتثنية وفي المزارعة عند قدمي (فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما) أي شأني وشأنهما مرفوع اسم يزل وذلك خبر أو منصوب وهو الذي في اليونينية على أنه الخبر وذلك الاسم كما في قوله تعالى: ﴿فما زالت تلك دعواهم﴾ [الأنبياء: ١٥] (حتى طلع الفجر) واستشكل تقديم الأبوين على الأولاد مع أن نفقة الأولاد مقدمة وأجيب باحتمال أن يكون في شرعهم تقديم نفقة الأصول على غيرهم (اللهمَّ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك) أي طلبًا لمرضاتك وانتصاب ابتغاء على أنه مفعول له أي لأجل ابتغاء وجهك أي ذاتك (فافرج) بضم الراء فعل طلب ومعناه الدعاء من فرج يفرج من باب نصر ينصر (عنا فرجة) بضم الفاء وسكون الراء (نرى منها السماء قال ففرج عنهم) بقدر ما دعا فرجة ترى منها السماء وقوله ففرج بضم الفاء الثانية وكسر الراء. - (وقال) بالواو ولأبي الوقت فقال (الآخر اللهمَّ إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء) الكاف زائدة أو أراد تشبيه محبته بأشد المحبات فأردتها على نفسها (فقالت لا تنال ذلك) باللام قبل الكاف ولأبي ذر ذاك بالألف بدل اللام (منها حتى تعطيها مائة دينار) كان مقتضى السياق أن يقال لا تنال ذلك مني حتى تعطيني لكنه من باب الالتفات (فسعيت فيها) أي في المائة دينار (حتى جمعتها) وفي الفرع حتى جئتها من المجيء وعزي الأول لأبي الوقت (فلما) أعطيتها الدنانير وأمكنتني من نفسها (قعدت بين رجليها) لأطأها (قالت اتق الله) يا عبد الله (ولا تفض الخاتم) بفتح المثناة الفوقية وفتح الضاد المعجمة ويجوز كسرها وهو كناية عن إزالة بكارتها (إلا بحقه) أي لا تزل البكارة إلا بالنكاح الصحيح الحلال (فقمت) من بين رجليها (وتركتها) من غير فعل (فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك) الترك (ابتغاء وجهك) أي لأجل ذاتك (فافرج عنّا) بضم الراء (فرجة قال) ولأبي الوقت فقال (ففرج) بفتحات أي ففرج الله (عنهم الثلثين) من الموضع الذي عليه الصخرة. (وقال الأخر): وهو الثالث (اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرًا) بلفظ الإفراد أي على عمل (بفرق) بفتح الفاء والراء مكيال يسع ثلاثة آصع

стр. 1544

(من ذرة) بضم الذال المعجمة وفتح الراء المخففة حب معروف (فأعطيته) الفرق الذرة (وأبى) أي امتنع (ذلك) الأجير (أن يأخذ) الفرق وفي المزارعة فلما قضى عمله قال أعطني حقي فعرضت عليه فرغب عنه وفي باب الإجارة استأجرت أُجَراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب (فعمدت) بفتح الميم أي قصدت (إلى ذلك الفرق فزرعته) وفي المزارعة فلم أزل أزرعه (حتى اشتريت منه بقرًا وراعيها) بالنصب عطفًا على المفعول السابق ولغير أبي ذر وراعيها بالسكون (ثم جاء) الأجير المذكور (فقال) لي (يا عبد الله أعطني حقي) بهمزة قطع (فقلت) له (انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك) وسقط لأبي ذر فإنها لك (فقال) لي (أتستهزئ بي قال فقلت) له وفي بعض الأصول قلت (ما أستهزئ بك ولكنها لك) وفي أحاديث الأنبياء فساقها وفي المزارعة فخذه فأخذه وفي الإجارة فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك) الإعطاء (ابتغاء وجهك) ذاتك المقدّسة (فافرج عنّا) بضم الراء (فكشف عنهم) بضم الكاف وكسر المعجمة أي كشف الله عنهم باب الغار زاد في الإجارة فخرجوا يمشون. وموضع الترجمة من هذا الحديث قوله إني استأجرت الخ فإن فيه تصرف الرجل في مال الأجير بغير إذنه فاستدلّ به المؤلّف -رحمه الله تعالى- على جواز بيع الفضولي وشرائه وطريق الاستدلال به ينبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا والجمهور على خلافه لكن تقرر أن النبي ﷺ ساقه سياق المدح والثناء على فاعله وأقره على ذلك ولو كان لا يجوز لبينه فبهذا التقرير يصح الاستدلال به لا بمجرد كونه شرع من قبلنا والقول بصحة بيع الفضولي هو مذهب المالكية وهو القول القديم للشافعي ﵁ فينعقد موقوفًا على إجازة المالك إن أجازه نفذ وإلاّ لغا والقول الجديد بطلانه لأنه ليس بمالك ولا وكيل ولا وليّ ويجري القولان فيما لو اشترى لغيره بلا إذن بعين ماله أو في ذمته وفيما لو زوّج أمة غيره أو ابنته أو طلّق منكوحته أو أعتق عبده أو آجر دابّته بغير إذنه وقد أجيب عمّا وقع هنا بأن الظاهر أن الرجل الأجير لم يملك الفرق لأن الستأجر لم يستأجره بفرق معين وإنما استأجره بفرق في الذمة فلما عرض عليه قبضه امتنع لرداءته فلم يدخل في ملكه بل بقي في حقه متعلقًا بذمّة المستأجر لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح فالنتاج الذي حصل على ملك المستأجر تبرع به للأجير بتراضيهما وغاية ذلك أنه أحسّ القضاء فأعطاه القضاء حقه وزيادات كثيرة ولو كان الفرق تعين للأجير لكان تصرف المستأجر فيه تعديًّا ولا يتوسل إلى الله بالتعدي وإن كان مصلحة في حق صاحب الحق وليس أحد في حجر غيره حتى يبيع أملاكه ويطلق زوجاته ويزعم أن ذلك أحظى لصاحب الحق وإن كان أحظى فكل أحد أحق بنفسه وماله من الناس أجمعين. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الإجارة والمزارعة وأحاديث الأنبياء ومسلم في التوبة والنسائي في الرقائق. ٩٩ - باب الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ (باب) حكم (الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب) من عطف الخاص على العام. ٢٢١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ -بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً- أَوْ قَالَ: أَمْ هِبَةً -فَقَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ. فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً". [الحديث ٢٢١٦ - طرفاه في: ٢٦١٨، ٥٣٨٢]. وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا معتمر بن سليمان) بن طرخان (عن أبيه عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل النهدي بالنون (عن عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق (﵄) أنه (قال كنا مع النبي ﷺ ¬) زاد في باب قبول الهدية من المشركين من كتاب الهدية ثلاثين ومائة فقال النبي ﷺ : "هل مع أحد منكم طعام فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن" (ثم جاء رجل مشرك) قال الحافظ ابن حجر لم أعرف اسمه (مشعان) بضم الميم وسكون الشين المعجمة وبعد العين المهملة ألف ثم نون مشدّدة أي طويل شعر الرأس جدًّا أو البعيد العهد بالدهن الشعث وقال القاضي الثائر الرأس متفرقه (طويل بغنم يسوقها فقال) زاد في نسخة له (النبي ﷺ بيعًا) نصب على المصدرية أي ْأتبيع بيعًا أو الحال أي

стр. 1545

أتدفعها بائعًا ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف أي أهذه بيع (أم عطية أو قال أم هبة) بالنصب عطفًا على السابق ويجوز الرفع كما مرّ والشك من الراوي. (قال) المشرك (لا) ليس عطية أو ليس هبة (بل) هو (بيع) أي مبيع وأطلق البيع عليه باعتبار ما يؤول، (فاشترى) ﵊ (منه شاة) فيه جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده وجواز قبول الهدية منه، واختلف في مبايعة من غالب ماله حرام، واحتج من رخص فيه بقوله ﷺ للمشرك: بيعًا أم هبة. وكان الحسن بن أبي الحسن لا يرى بأسًا أن يأكل الرجل من طعام العشار والصراف والعامل ويقول: قد أحلّ الله تعالى طعام اليهودي والنصراني، وقد أخبر أن اليهود أكّالون للسحت قال الحسن: ما لم يعرفوا شيئًا بعينه، وقال الشافعي: لا أحب مبايعة من أكثر ماله ربًا أو كسبه من حرام فإن بويع لا يفسخ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الهبة والأطعمة، وأخرجه مسلم في الأطعمة أيضًا. ١٠٠ - باب شِرَاءِ الْمَمْلُوكِ مِنَ الْحَرْبِيِّ وَهِبَتِهِ وَعِتْقِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسَلْمَانَ: كَاتِبْ، وَكَانَ حُرًّا فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ. وَسُبِيَ عَمَّارٌ وَصُهَيْبٌ وَبِلَالٌ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ، فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. (باب) حكم (شراء المملوك من الحربي و) حكم (هبته وعتقه وقال النبي ﷺ لسلمان) الفارسي (كاتب) أي اشتر نفسك من مولاك بنجمين أو أكثر (و) الحال أنه (كان حرًّا) قبل أن يخرج من داره (فظلموه وباعوه) ولم يكن إذ ذاك مؤمنًا وإنما كان إيمانه إيمان مصدّق بالنبي ﷺ إذا بعث مع إقامته على شريعة عيسى ﵊ فأقرّه النبي ﷺ مملوكًا لمن كان في يده إذ كان في حكمه ﵊ أن من أسلم من رقيق المشركين في دار الحرب ولم يخرج مراغمًا لسيده فهو لسيده أو كان سيده من أهل صلح المسلمين فهو لمالكه قاله الطبري، وقصته أنه هرب من أبيه لطلب الحق وكان مجوسيًّا فلحق براهب ثم براهب ثم بآخر، وكان يصحبهم إلى وفاتهم حتى دلّه الأخير على الحجاز وأخبروه بظهور رسول الله ﷺ فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به فباعوه في وادي القرى ليهودي ثم اشتراه منه يهودي آخر من بني قريظة فقدم به المدينة، فلما قدمها رسول الله ﷺ ورأى علامات النبوّة أسلم فقال له رسول الله ﷺ : "كاتب عن نفسك". وقد رويت قصته من طرق كثيرة من أصحها ما أخرجه أحمد وعلّق البخاري منها ما تراه وفي سياق قصته في إسلامه اختلاف يتعسر الجمع فيه، وروى البخاري في صحيحه عن سليمان أنه تداوله بضعة عشر سيدًا. (وسبي عمار) هو ابن ياسر العنسي بالعين والسين المهملتين بينهما نون ساكنة ولم يكن عمار سبي لأنه كان غريبًا، وإنما سكن أبوه مكة وحالف بني مخزوم فزوّجوه سميّة وكانت من مواليهم فولدت له عمارًا، فيحتمل أن يكون المشركون عاملوا عمارًا معاملة السبي لكون أمه من مواليهم. (و) سُبي (صهيب) هو ابن سنان بن مالك وهو الرومي قيل له ذلك لأن الروم سبوه صغيرًا ثم اشتراه رجل من كلب فباعه بمكة فاشتراه عبد الله بن جدعان التيمي فأعتقه، ويقال بل هرب من الروم فقدم مكة فحالف ابن جدعان، وروى ابن سعد أنه أسلم هو وعمار ورسول الله ﷺ في دار الأرقم. (وبلال) هو ابن رباح الحبشي المؤذن وأمه حمامة اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد فأعتقه (وقال الله تعالى: ﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق﴾) فمنكم غني ومنكم فقير ومنكم موالٍ يتولون رزقهم ورزق غيرهم ومنكم مماليك حالهم على خلاف ذلك (﴿فما الذين فضلوا برادي رزقهم﴾) بمعطي رزقهم (﴿على ما ملكت أيمانهم﴾) على مماليكهم فإنما يردون عليهم رزقهم الذي جعله الله في أيديهم (﴿فهم فيه سواء﴾)، فالموالي والمماليك سواء في أن الله رزقهم فالجملة لازمة للجملة المنفية أو مقررة لها، ويجوز أن تكون واقعة موقع الجواب كأنه قيل ﴿فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم﴾ فيستووا في الرزق على أنه ردّ وإنكار على المشركين فإنهم يشركون بالله بعض مخلوقاته

стр. 1546

في الألوهية ولا يرضون أن تشاركهم عبيدهم فيما أنعم الله عليهم فتساويهم فيه (﴿أفبنعمة الله يجحدون﴾) [النحل: ٧١] حيث يتخذون له شركاء فإنه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم ويجحدوا أنه من عند الله أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج بعدما أنعم الله عليهم بإيضاحها قاله البيضاوي. وموضع الترجمة قوله "على ما ملكت أيمانهم" فأثبت لهم ملك اليمين مع كون ملكهم غالبًا على غير الأرضاع الشرعية، وفي رواية أبوي ذر والوقت "على ما ملكت أيمانهم" إلى قوله "أفبنعمة الله يجحدون". ٢٢١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِسَارَةَ، فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ -أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ. فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي. ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ: لَا تُكَذِّبِي حَدِيثِي، فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي، وَاللَّهِ إِنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ. فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلاَّ عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَىَّ الْكَافِرَ. فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ -قَالَ الأَعْرَجُ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ- قَالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ. فَأُرْسِلَ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ تُصَلِّي وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي، إِلاَّ عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَىَّ هَذَا الْكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ -قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ- فَقَالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ فَيُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ. فَأُرْسِلَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَىَّ إِلاَّ شَيْطَانًا، ارْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَعْطُوهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً". [الحديث ٢٢١٧ - أطرافه في: ٧٦٣٥، ٣٣٥٧، ٣٣٥٨، ٥٠٨٤، ٦٩٥٠]. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (هاجر إبراهيم) الخليل ﵇ بسارة) بتخفيف الراء وقيل بتشديدها أي سافر بها (فدخل بها قرية) هي مصر وقال ابن قتيبة الأردن (فيها ملك من الملوك) هو صاروق وقيل سنان بن علوان، وقيل عمرو بن امرئ القيس بن سبأ وكان على مصر (أو جبار من الجبابرة) شك من الراوي (فقيل) له (دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء) وقال ابن هشام وشى به حناط كان إبراهيم يمتاز منه (فأرسل) الملك (إليه أن يا إبراهيم من هذه) المرأة (التي معك قال أختي) يعني في الدين (ثم رجع) إبراهيم ﵊ (إليها فقال لا تكذبي حديثي فإني أخبرتهم أنك أختي) اختلف في السبب الذي حمل إبراهيم على هذه التوصية مع أن ذلك الجبار كان يريد اغتصابها على نفسها أختًا كانت أو زوجة، فقيل: كان من دين ذلك الجبار أن لا يتعرض إلاّ لذوات الأزواج أي فيقتلهن فأراد إبراهيم ﵊ دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما، وذلك أن اغتصابه إياها واقع لا محالة لكن إن علم أن لها زوجًا في الحياة حملته الغيرة على قتله وإعدامه أو حبسه وإضراره بخلاف ما إذا علم أن لها أخًا فإن الغيرة حينئذ تكون من قبل الأخ خاصة لا من قبل الجبار فلا يبالي به، وقيل المراد إن علم أنك امرأتي ألزمني بالطلاق (والله إن) بكسر الهمزة وسكون النون نافية أي ما (على الأرض) هذه التي نحن فيها (مؤمن) ولأبي ذر: من مؤمن (غيري وغيرك) بالرفع بدلاً عطفًا على محل غيري ويجوز الجر عطفًا عليه والذي في اليونينية الرفع والنصب لا الجر، واستشكل بكون لوط كان معه كما قال تعالى: ﴿فآمن له لوط﴾ [العنكبوت: ٢٦] وأجيب بأن المراد بالأرض التي وقع له فيها ما وقع كما قدرته بهذه التي نحن فيها ولم يكن معه لوط إذ ذاك (فأرسل) الخليل ﵊ (بها إليه) أي بسارة إلى الجبار (فقام إليها) بعد أن دخلت عليه (فقامت) سارة حال كونها (توضأ) أصله تتوضأ فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا والهمزة مرفوعة ففيه أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة (وتصلي) عطف على سابقه (فقالت: اللهمَّ إن كنت آمنت بك وبرسولك) إبراهيم ولم تكن شاكّة في الإيمان بل كانت قاطعة به وإنما ذكرته على سبيل الفرض هضمًا لنفسها. وقال في اللامع: الأحسن أن هذا ترحم وتوسل بإيمانها لقضاء سؤلها (وأحصنت فرجي إلا على زوجي) إبراهيم (فلا تسلط عليّ) هذا (الكافر فغط) بضم الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي أخذ بمجاري نفسه حتى سمع له غطيط (حتى ركض برجله) أي حركها وضرب بها الأرض، وفي رواية مسلم: فقام إبراهيم إلى الصلاة فلما دخلت عليه أي على الملك لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة، وقد روي أنه كشف لإبراهيم ﵊ حتى رأى حالهم لئلا يخامر قلبه أمر، وقيل صار قصر الجبار لإبراهيم كالقارورة الصافية فرأى الملك وسارة وسمع كلامهما. (قال الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز بالسند المذكور (قال أبو سلمة بن عبد الرحمن إن أبا هريرة) ﵁ (قال) مما ظاهره أنه موقوف عليه، ولعل أبا الزناد روى السابق

стр. 1547

مرفوعًا وهذه موقوفة (قالت: اللهمَّ إن يمت) هذا الجبار (يقال) كذا للحموي والمستملي بالألف، واستشكل بأن جواب الشرط يجب جزمه وأجيب بأن الجواب محذوف تقديره أعذب، ويقال (هي قتلته) والجملة لا محل لها من الإعراب دالّة على المحذوف، وللكشميهني: يقل بالجزم وحذف الألف على الأصل أي فقد يقل قتله وذلك موجب لتوقعها مساءة خاصة الملك وأهله (فأرسل) الجبار أي أطلق مما عرض له والهمزة مضمومة (ثم قام إليها) ثانيًا (فقامت توضأ وتصلي) بالواو وهي مكشوطة في الفرع مكتوب مكانها همزة توضأ وكذا هي ساقطة في اليونينية أيضًا (وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك) إبراهيم (وأحصنت فرجي إلا على زوجي) إبراهيم (فلا تسلط عليّ هذا الكافر) بإثبات اسم الإشارة هنا وإسقاطه في السابقة (فغط) الجبار يعني اختنق حتى صار كالمصروع (حتى ركض) ضرب (برجله) الأرض (قال) وفي نسخة: فقال (عبد الرحمن) أي ابن هرمز الأعرج، وفي نسخة: قال الأعرج ووقع في بعض الأصول قال أبو عبد الرحمن والذي يظهر لي أن ذلك سهو من الناسخ فإن كنية عبد الرحمن أبو داود لا أبو عبد الرحمن والعلم عند الله تعالى. (قال أبو سلمة) أي ابن عبد الرحمن، (قال أبو هريرة) ﵁ (فقالت: اللهم إن يمت) هذا الجبار (فيقال) بالفاء والألف فهي كالفاء في قوله: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ [النساء: ٧٨] على قراءة الرفع في يدرككم أي فيدرككم، وللمستملي يقال بحذف الفاء فهي مقدرة، وللكشميهني يقل بالجزم جوابًا للشرط (هي قتلته فأرسل) بضم الهمزة في جميع ما وقفت عليه من الأصول أي أطلق الجبار (في الثانية أو في الثالثة) شك الراوي، وفي نسخة وفي الثالثة بإسقاط الألف من غير شك (فقال) الجبار عقب إطلاقه في المرة الثانية أو الثالثة لجماعته (والله ما أرسلتم إليّ إلاّ شيطانًا) أي متمردًا من الجن وكانوا قبل الإسلام يعظّمون أمر الجن ويرون كل ما يقع من الخوارق من فعلهم وتصرفهم وهذا يناسب ما وقع له من الخنق الشبيه بالصرع (ارجعوها) بكسر الهمزة أي ردّوها (إلى إبراهيم ﵇ ورجع يأتي لازمًا ومتعديًا يقال: رجع زيد رجوعًا ورجعته أنا رجعًا قال الله تعالى ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة﴾ [التوبة: ٨٣] وقال: ﴿فلا ترجعوهنّ إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠] (وأعطوها) بهمزة قطع فعل أمر أي أعطوا سارة (آجر) بهمزة ممدودة بدل الهاء وجيم مفتوحة فراء، وكان أبو آجر من ملوك القبط من حقن بفتح الحاء المهملة وسكون القاف قرية بمصر، (فرجعت إلى إبراهيم ﵇ زاد في أحاديث الأنبياء فأتته أي إبراهيم وهو قائم يصلّي فأومأ بيده مهيم أي ما الخبر؟ (فقالت: أشعرت) أي أعلمت (أن الله كبت الكافر) بفتح الكاف والموحدة بعدها تاء مثناة فوقية أي صرعه لوجهه أو أخزاه أو ردّه خائبًا أو أغاظه وأذله (وأخدم وليدة) يحتمل أن يكون وأخدم معطوفًا على كبت، ويحتمل أن يكون فاعل أخدم هو الجبار فيكون استئنافًا، والوليدة الجارية للخدمة سواء كانت كبيرة أو صغيرة، وفي الأصل الوليد الطفل والأنُثى وليدة الجمع ولائد وحذفت مفعول أخدم الأول لعدم تعلق الغرض بتعيينه أو تأدبًا مع الخليل ﵊ أن تواجهه بأن غيره أخدمها ووليدة المفعول الثاني، والمراد بها آجر المذكورة. وموضع الترجمة قوله: وأعطوها آجر وقبول سارة منه وإمضاء إبراهيم ذلك ففيه صحة هبة الكافر وقبول هدية السلطان الظالم وابتلاء الصالحين لرفع درجاتهم وفيه إباحة المعاريض وأنها مندوحة عن الكذب. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الهبة والإكراه وأحاديث الأنبياء. ٢٢١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتِ: "اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَىَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ. فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ". وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ أنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص) أحد العشرة المبشرة بالجنة (وعبد بن زمعة) أخو سودة أم المؤمنين (في غلام) هو عبد الرحمن ابن وليدة زمعة

стр. 1548

المذكور (فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص) مات مشركًا وكان قد كسر ثنية النبي ﷺ (عهد) أي أوصى (إليّ أنه) أي الغلام (ابنه انظر إلى شبهه) بعتبة، (وقال عبد بن زمعة) أخو أم المؤمنين سودة ﵂ (هذا) الغلام (أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي) زمعة (من وليدته) أي جاريته ولم تسمّ (فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبهًا بيّنًا بعتبة) لكنه لم يعتمده لوجود ما هو أقوى منه وهو الفراش، (فقال) ﵊: (هو) أي الغلام (لك يا عبد) ولأبي ذر: يا عبد بن زمعة بضم عبد ونصب ابن (الولد) تابع (للفراش) أي لصاحبه زوجًا كان أو سيدًا خلافًا للحنفية حيث قالوا: إن ولد الأمة المستفرشة لا يلحق سيدها ما لم تقرّ به فلا عموم عندهم له في الأمة، وفيه بحث تقدم في باب تفسير الشبهات أوائل البيع (وللعاهر) أي الزاني (الحجر) أي الخيبة ولا حق له في الولد (واحتجبي منه) أي من الغلام (يا سودة بنت زمعة) هي أم المؤمنين أي ندبًا واحتياطًا وإلا فقد ثبت نسبه وأخوته لها في ظاهر الشرع لما رأى من الشبه البينّ بعتبة، (فلم تره سودة قط) وفي باب الشبهات فما رآها أي الغلام حتى لحق بالله. وموضع الترجمة منه تقرير النبي ﷺ ملك زمعة الوليد وإجراء أحكام الرقّ عليها فدلّ على تنفيذ عهد المشرك والحكم به وأن تصرفه في ملكه يجوز كيف شاء. وهذا الحديث قد سبق في أوائل البيع. ٢٢١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ لِصُهَيْبٍ: "اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَدَّعِ إِلَى غَيْرِ أَبِيكَ. فَقَالَ صُهَيْبٌ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي سُرِقْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة العبدي البصري أبو بكر بندار قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد) هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبيه) أنه قال: (قال عبد الرحمن بن عوف ﵁ لصهيب اتق الله ولا تدع) بغير ياء وفي بعض النسخ ولا تدعي بإشباع كسرة العين ياء أي لا تنتسب (إلى غير أبيك) لأنه كان يدعي أنه عربي نمري أو لسانه أعجمي وكان يسوق نسبه إلى النمر بن قاسط ويقول: إن أمه من بني تميم (فقال صهيب ما يسرني أن لي كذا وكذا وأني قلت ذلك) الادّعاء إلى غير الأب (ولكني سرقت) بضم السين المهملة مبنيًّا للمفعول (وأنا صبي) وذلك أن أباه كان عاملاً لكسرى على الأبلة وكانت منازلهم بأرض الموصل فأغارت عليهم الروم فسبت صهيبًا فنشأ عند الروم فصار ألكن فابتاعه رجل من كلب منهم وقدم به مكة فاشتراه ابن جدعان وأعتقه كما مرّ فلذا قال له عبد الرحمن ذلك. وموضع الترجمة منه كون ابن جدعان اشتراه وأعتقه. ٢٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ -أَوْ أَتَحَنَّتُ -بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ حَكِيمٌ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ". وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهرى) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوام (أن حكيم بن حزام) بالحاء المهملة المكسورة والزاي (أخبره أنه قال: يا رسول الله أرأيت) أي أخبرني (أمورًا كنت أتحنث) بالحاء المهملة وتشديد النون والمثلثة آخر الكلمة (أو أتحنت) بالمثناة بدل المثلثه بالشك وكأن المصنف رواه عن أبي اليمان بالوجهين، ولذا قال في الأدب ويقال أيضًا عن أبي اليمان أَتحنت أي بالمثناة إشارة إلى ما أورده هنا، والذي رواه الكافّة بالمثلثة وغلط القول بالمثناة. وقال السفاقسي: لا أعلم له وجهًا ولم يذكره أحد من اللغويين بالمثناة والوهم فيه من شيوخ البخاري بدليل قوله في الأدب ويقال كما مرّ وإنما هو بالمثلثة وهو مأخوذ من الحنث فكأنه قال: أتوقى ما يؤثم، ولكن ليس المراد توقّي الإثم فقد بل أعلى منه وهو تحصيل البر فكأنه قال أرأيت أمورًا كنت أتبرر (بها في الجاهلية من صلة) إحسان للأقارب (وعتاقة) للأرقاء (وصدقة) للفقراء (هل لي فيها أجر؟ قال حكيم ﵁ قال) لي (رسول الله ﷺ ¬): (أسلمت على ما) أي مع ما أو مستعليًا على ما (سلف لك من خير) وسقط لأبي ذر لفظ لك. ومطابقة الحديث للترجمة مما تضمنه من الصدقة والعتاقة من المشرك

стр. 1549

فإنه يتضمن صحة ملك المشتري لأن صحة العتق متوقفة على صحة الملك فيطابق قوله في الترجمة وهبته وعتقه. وهذا الحديث قد سبق في الزكاة في باب من تصدق في الشرك ثم أسلم، وأخرجه أيضًا في الأدب وغيره. ١٠١ - باب جُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْبَغَ (باب) حكم (جلود الميتة قبل أن تدبغ) هل يصح بيعها أم لا. ٢٢٢١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: هَلاَّ اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ قَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا". وبه قال: (حدّثنا زهير بن حرب) أبو خيثمة النسائي والد أبي بكر بن أبي خيثمة قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني نزيل بغداد قال: (حدّثنا أبي عن صالح) هو ابن كيسان (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن شهاب) الزهري (أن عبيد الله بن عبد الله) بتصغير الأوّل ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة (أخبره أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ مرّ بشاة ميتة فقال): (هلاّ استمتعتم بإهابها)؟ بكسر الهمزة وتخفيف الهاء الجلد قبل أن يدبغ أو سواء دبغ أو لم يدبغ، وزاد مسلم من طريق ابن عيينة: هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به (قالوا: إنها ميتة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تعيين القائل والمعنى كيف تأمرنا بالانتفاع بها وقد حرمت علينا فبيّن لهم وجه التحريم حيث (قال: إنما حرم أكلها) بفتح الهمزة وجزم الكاف وحرم بفتح الحاء وضم الراء مخففة ويجوز الضم وتشديد الراء مكسورة وفيه جواز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة لأن لفظ القرآن: ﴿حرِّمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣] وهو شامل لجميع أجزائها في كل حال فخصّت السُّنّة ذلك بالأكل، واستدلّ به الزهري على جواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقًا سواء دبغ أو لم يدبغ لكن صحّ التقييد بالدباغ من طريق أخرى وهي حجة الجمهور، واستثنى الشافعي من الميتات الكلب والخنزير وما تولد منهما النجاسة عينهما عنده، وقد تمسك بعضهم بخصوص هذا السبب فقصر الجواز على المأكول لورود الخبر في الشاة، ويتقوى ذلك من حيث النظر لأن الدباغ لا يزيد في التطهير على الذكاة وغير المأكول لو ذكّي لم يطهر بالذكاة عند الأكثر فكذلك بالدباغ. وأجاب من عمم بالتمسك بعموم اللفظ وهو أولى من خصوص السبب وبعموم الإذن بالمنفعة. وموضع الترجمة قوله: "هلآ انتفعتم بإهابها" والانتفاع يدل على جواز البيع. وقد سبق الحديث في الزكاة وأخرجه أيضًا في الذبائح. ١٠٢ - باب قَتْلِ الْخِنْزِيرِ وَقَالَ جَابِرٌ: حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعَ الْخِنْزِيرِ. (باب قتل الخنزير) هل هو مشروع. فإن قلت: ما المناسبة في سوق هذا الباب هنا؟ أجيب بأنه أشار به إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه. (وقال جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري ﵄ مما وصله المؤلّف في باب بيع الميتة والأصنام (حرّم النبي ﷺ بيع الخنزير). ٢٢٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ». [الحديث ٢٢٢٢ - أطرافه في: ٢٤٧٦، ٣٤٤٨، ٣٤٤٩]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني البلخي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن ابن المسيب) بفتح الياء المشددة سعيد (أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬): (و) الله (الذي نفسي بيده) قال العارف شمس الدين بن اللبان: نسبة الأيدي إليه تعالى استعارة لحقائق أنوار علوية يظهر عنها تصرفه وبطشه بدأ وإعادة تلك الأنوار متفاوتة في روح القرب وعلى حسب تفاوتها وسعة دوائرها تكون رتب التخصيص لما ظهر عنها (ليوشكن) بلام التوكيد المفتوحة وكسر الشين المعجمة وتشديد النون (أن ينزل فيكم) أي في هذه الأمة (ابن مريم) بفتح أوّل ينزل وكسر ثالثه وأن مصدرية في محل رفع على الفاعلية أي ليسرعن أو ليقربن نزول ابن مريم من السماء ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعًا كفّيه على أجنحة ملكين (حكمًا) بفتحتين أي حاكمًا (مقسطًا) عادلاً يقال أقسط إذا عدل وقسط إذا جار أي حاكمًا من حكام هذه الأمة بهذه الشريعة المحمدية لا نبيًّا برسالة مستقلة وشريعة ناسخة (فيكسر الصليب) الذي تعظمه النصارى والأصل فيه ما روي أن رهطًا من اليهود سبوا عيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام فدعا عليهم فمسخهم الله قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب

стр. 1550

ويدخل الجنة؟ فقام رجل منهم فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب، وقيل كان رجلاً ينافقه فخرج ليدل عليه فدخل بيت عيسى ورفع عيسى وألقي شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون إنه عيسى، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه إله لا يصح قتله، وقال بعضهم: إنه قد قتل وصلب، وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ وقال بعضهم: رفع إلى السماء، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا ثم تسلطوا على أصحاب عيسى ﵇ بالقتل والصلب والحبس حتى بلغ أمرهم إلى صاحب الروم فقيل له إن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله وكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويفعل العجائب فعدوا عليه فقتلوه وصلبوه، فأرسل إلى المصلوب فوضع عن جذعه وجيء بالجذع الذي صلب عليه فعظمه صاحب الروم وجعلوا منه صلبانًا، فمن ثم عظم النصارى الصلبان فكسر عيسى ﵊ الصليب إذ نزل فيه تكذيبهم وإبطال لما يدعونه من تعظيمه وإبطال دين النصارى والفاء في فيكسر تفصيلية لقوله حكمًا والراء نصب عطفًا على الفعل المنصوب قبله وكذا قوله: (ويقتل الخنزير) أي يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله وفيه بيان أنه نجس لأن عيسى ﵇ إنما يقتله بحكم هذه الشريعة المحمدية، والشيء الطاهر المنتفع به لا يباح إتلافه، وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى (ويضع الجزية) عن ذمتهم أي يرفعها وذلك بأن يحمل الناس على دين الإسلام فيسلمون وتسقط عنهم الجزية، وقيل يضعها يضربها عليهم ويلومهم إياها من غير محاباة وهذا قاله عياض احتمالاً، وتعقبه النووي بأن الصواب أن عيسى ﵇ لا يقبل إلا الإسلام، والجزية وإن كانت مشروعة في هذه الشريعة إلا أن مشروعيتها تنقطع بزمن عيسى ﵇ وليس عيسى بناسخ حكمها بل نبيّنا هو المبين للنسخ بقوله هذا والفعل بالنصب عطفًا على المنصوب السابق وكذا قوله: (ويفيض) بفتح التحتية وكسر الفاء وبالضاد المعجمة أي يكثر (المال حتى لا يقبله أحد) لكثرته واستغناء كل أحد بما في يديه بسبب نزول البركات وتوالي الخيرات بسبب العدل وعدم الظلم، وتخرج الأرض كنوزها وتقلّ الرغبات في اقتناء المال لعلمهم بقرب الساعة. وقوله: ويفيض ضبطه الدمياطي بالنصب كما مرّ، وضبطه ابن التين السفاقسي بالرفع على الاستئناف قال لأنه ليس من فعل عيسى ﵊. وهذا الحديث أخرجه في أحاديث الأنبياء، ومسلم في الإيمان، والترمذي في الفتن وقال: حسن صحيح. ١٠٣ - باب لَا يُذَابُ شَحْمُ الْمَيْتَة، ِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ رَوَاهُ جَابِرٌ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . هذا (باب) بالتنوين (لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه) بفتح الواو والمهملة دسم اللحم ودهنه الذي يخرج منه (رواه) بمعناه (جابر) فيما رواه المؤلّف في باب بيع الميتة والأصنام (عن النبي ﷺ ¬). ٢٢٢٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: "بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا". [الحديث ٢٢٢٣ - طرفه في: ٣٤٦٠]. وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو بن دينار قال: أخبرني) بالإفراد (طاوس) اليماني (أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: بلغ عمر) زاد أبو ذر ابن الخطاب ﵁ (أن فلانًا) في مسلم وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن ابن عيينة بهذا الإسناد أنه سمرة، وزاد البيهقي من طريق الزعفراني عن سفيان بن جندب (باع خمرًا) أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم معتقدًا جواز ذلك أو باع العصير ممن يتخذه خمرًا والعصير يسمى خمرًا باعتبار ما يؤول إليه أو يكون خلل الخمر ثم باعها ولا يظن بسمرة أنه باع الخمر بعد أن شاع تحريمها قاله القرطبي. وقال الإسماعيلي: يحتمل أن سمرة علم تحريمها ولم يعلم تحريم بيعها ولذلك اقتصر عمر ﵁ على ذمه دون عقوبته. (فقال: قاتل الله فلانًا) يحتمل أنه لم يرد به الدعاء وإنما هي كلمة تقولها العرب عند إرادة الزجر فقالها عمر تغليظًا، والظاهر أن الراوي لم يصرح بسمرة تأدبًا من أن ينسب لأحد من الصحابة ما في ظاهره بشاعة، ومن ثم لم يفسره صاحب المصابيح الشيخ بدر الدين الدماميني

стр. 1551

وقال: رأيت الكف عن ذلك وآثرت السكوت عنه جزاه الله خيرًا لكن لما كان ذلك مصرحًا به في كتب الحديث التي بأيدي الناس كان الأولى التنبيه على المعنى والله تعالى يهدينا سواء السبيل بمنّه وكرمه. (ألم يعلم) أي فلان (أن رسول الله ﷺ قال): (قاتل الله اليهود) الأصل في فاعل أن يكون من اثنين فلعله عبّر عنه بما هو مسبب عنه فإنهم بما اخترعوا من الحيل انتصبوا فيها لمحاربة الله ومقاتلته ومن قاتله قتله، وفسره البخاري من رواية أبي ذر فاللعنة وهو قول ابن عباس. وقال الهروي معناه قتلهم الله، وقال البيضاوي في سورة [التوبة: ٣٠] ﴿قاتلهم الله﴾ دعا عليهم بالهلاك فإن من قاتله الله هلك وهو معنى ما سبق (حرمت عليهم الشحوم) وجمع الشحم لاختلاف أنواعه وإلا فهو اسم جنس حقه الإفراد أي حرم عليهم كلها مطلقًا من الميتة وغيرها وإلاّ فلو حرّم عليهم بيعها لم يكن لهم حيلة فيما صنعوه من إذابتها المذكور بقوله (فجملوها) بفتح الجيم والميم أي أذابوها (فباعوها) يعني فبيع فلان الخمر مثل بيع اليهود الشحم المذاب وكل ما حرّم تناوله حرم بيعه نعم المذاب للاستصباح ليس بحرام لأن الدعاء عليهم إنما هو مرتب على المجموع وفيه استعمال القياس في الأشباه والنظائر وتحريم بيع الخمر. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في ذكر بني إسرائيل، ومسلم في البيوع، والنسائي في الذبائح والتفسير، وابن ماجة في الأشربة. ٢٢٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ يَهُودً، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا». قَالَ أَبُو عَبْدُ اللهِ: ﴿قَاتَلَهُمُ اللهُ﴾ لَعَنَهُمْ. ﴿قُتِلَ﴾: لُعِنَ. ﴿الخَرّاصُونَ﴾: الكَذّابُونَ. وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: سمعت سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (قاتل الله يهود) بغير تنوين لأنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث لأنه علم للقبيلة ويروى يهودًا بالتنوين على إرادة الحي فيصير بعلة واحدة فينصرف، وفي بعض الأصول قاتل الله اليهود بالألف واللام (حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها) جمع ثمن ولم يقل في هذه الطريق فجملوها وزاد هنا في بعض الأصول في رواية المستملي: (قال أبو عبد الله) البخاري: (قاتلهم الله لعنهم) الله وهو تفسير لقاتل في اليهود لا لقاتل الواقع من عمر ﵁ في حق فلان، واستشهد المؤلّف على ذلك بقوله تعالى: (﴿قتل﴾) أي (لعن ﴿الخراصون﴾) أي (﴿الكذابون﴾)، وهو تفسير ابن عباس رواه الطبري عنه في تفسيره. ١٠٤ - باب بَيْعِ التَّصَاوِيرِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا رُوحٌ، وَمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ (باب بيع التصاوير) أي المصورات (التي ليس فيها روح) كالأشجار ونحوها (و) بيان (ما يكره من ذلك) اتخاذًا وبيعًا وعملاً ونحوها. ٢٢٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَخْبَرَنَا عَوْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: "كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلاَّ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا. فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ: كُلِّ شَىْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا الْوَاحِدَ. [الحديث ٢٢٢٥ - طرفاه في: ٥٩٦٣، ٧٠٤٢]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) الحجبي قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) مصغرًا قال: (أخبرنا عوف) بفتح العين آخره فاء ابن أبي حميد المعروف بالأعرابي (عن سعيد بن أبي الحسن) هو أخو الحسن البصري وأسنّ منه ومات قبله وليس له في البخاري موصولاً سوى هذا الحديث أنه (قال: كنت عند ابن عباس ﵄ إذ أتاه رجل) لم يسم (فقال: يا أبا عباس) هي كنية عبد الله بن عباس، وفي بعض الأصول يا ابن عباس (إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي وإني أصنع هذه التصاوير فقال) له (ابن عباس لا أحدّثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ سمعته يقول): (من صوّر صورة فإن الله معذبه) بها (حتى ينفخ فيها) أي في الصورة (الروح وليس بنافخ فيها) الروح (أبدًا) فهو يعذب أبدًا (فربا الرجل) أصابه الربو وهو مرض يعلو منه النفس ويضيق الصدر أو ذعر وامتلأ خوفًا أو انتفخ (ربوة شديدة) بتثليث الراء (واصفر وجهه) بسبب ما عرض له (فقال) له ابن عباس (ويحك) كلمة ترحم كما أن ويلك كلمة عذاب (إن أبيت إلا أن تصنع) ما ذكرت من التصاوير (فعليك بهذا الشجر) ونحوه (كل شيء ليس فيه روح) لا بأس بتصويره وكل بالجر بدل كل من بعض كقوله:

стр. 1552

نضر الله أعظمًا دفنوها … بسجستان طلحة الطلحات أو بتقدير مضاف محذوف أي عليك بمثل الشجر أو واو العطف مقدّرة أي وكل شيء كما في التحيات الصلوات إذ معناه والصلوات، وكذا في صحيح مسلم فاصنع الشجر وما لا نفس له، ولأبي نعيم: فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح بإثبات واو العطف بل وجدتها كذلك في أصل من البخاري مسموع على الشرف الميدومي عن الذكي المنذري، وهذا مذهب الجمهور. واستنبطه ابن عباس من قوله ﷺ : "فإن الله معذبه حتى ينفخ" فدلّ على أن المصور إنما يستحق هذا العذاب لكونه قد باشر تصوير حيوان يختص بالله وتصوير جماد ليس في معنى ذلك لا بأس به وقوله: فعليك بهذا الشجر كل كذا في الفرع من غير واو وفي غيره بإثباتها. (وقال أبو عبد الله) البخاري (سمع سعيد بن أبي عروبة من النضر بن أنس) بالضاد المعجمة (هذا) الحديث (الواحد) أشار بهذا إلى ما رواه في اللباس من طريق عبد الأعلى عن سعيد عن النضر عن ابن عباس بمعناه ويأتي ما بين الطريقين من التغاير هناك إن شاء الله تعالى. ١٠٥ - باب تَحْرِيمِ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ وَقَالَ جَابِرٌ ﵁: حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعَ الْخَمْرِ. (باب تحريم التجارة في الخمر) سبقت هذه الترجمة في أبواب المساجد لكن بقيد المسجد. (وقال جابر) الأنصاري مما هو موصول في باب بيع الميتة والأصنام (حرم النبي ﷺ بيع الخمر). ٢٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَنْ آخِرِهَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِي الْخَمْرِ". وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم الأزدي القصاب قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح الكوفي (عن مسروق) هو ابن الأجدع الهمداني الكوفي (عن عائشة ﵂) أنها قالت: (لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها) ولأبوي ذر والوقت: من آخرها بالميم أي من أول آية الربا إلى آخر السورة (خرج النبي ﷺ ¬) من حجرته إلى المسجد (فقال: حرمت التجارة في الخمر) وهذا الحديث سبق في باب تحريم تجارة الخمر في المسجد. ١٠٦ - باب إِثْمِ مَنْ بَاعَ حُرًّا (باب إثم من باع حرًّا) عالمًا متعمدًا. ٢٢٢٧ - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ». [الحديث ٢٢٢٧ - طرفه في: ٢٢٧٠]. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد وفي بعض الأصول: حدّثنا (بشر بن مرحوم) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة ومرحوم بفتح الميم وسكون الراء وضم الحاء المهملة وهو بشر بن عبيس بضم العين وفتح الموحدة وآخره سين مهملة ابن مرحوم بن عبد العزيز بن مهران العطار البصري مولى آل معاوية بن أبي سفيان قال: (حدّثنا يحيى بن سليم) بضم السين وفتح اللام القرشي الطائفي وتكلم فيه، والتحقيق أن الكلام فيه إنما هو في روايته عن عبيد الله بن عمر خاصة وليس له في البخاري موصولاً إلا هذا الحديث، وقد ذكره في الإجارة من وجه آخر (عن إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاصي الأموي (عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (قال الله) (ثلاثة) أي من الناس (أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي) أي أعطى العهد باسمي واليمين بي وذكر الثلاثة ليس للتخصيص لأنه خصم لجميع الظالمين ولكنه أراد التشديد على هؤلاء الثلاثة والخصم يقع على الواحد فما فوقه والمذكر والمؤنث بلفظ واحد (ثم غدر) نقض العهد الذي عليه ولم يفِ به (ورجل باع حرًّا) عالمًا متعمدًا (فأكل ثمنه) وخصّ الأكل بالذكر لأنّه أعظم مقصود وفي حديث عبد الله بن عمر عند أبي داود مرفوعًا: ورجل اعتبد محررًا وهو أعم من الأول في الفعل وأخص منه في المفعول به واعتباد الحر كما قاله الخطابي يقع بأمرين: إما بأن يعتقه ثم يكتم ذلك أو يجحده، وإما بأن يستخدمه كرهًا بعد العتق والأول أشدهما. قال ابن الجوزي: الحر عبد الله فمن جني عليه فخصمه سيده. (ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه) العمل (ولم يعطه أجره) بفتح الهمزة وهذا كاستخدام الحر لأنه استخدمه بغير عوض فهو عين الظلم. وهذا الحديث من أفراد المؤلّف -رحمه الله تعالى-. ١٠٧ - باب أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ الْيَهُودَ بِبَيْعِ أَرَضِيهِمْ ودمنهم حِينَ أَجْلَاهُمْ. فِيهِ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (باب أمر النبي ﷺ اليهود ببيع أرضيهم) قال الحافظ ابن حجر: كذا

стр. 1553

في رواية أبي ذر بفتح الراء وكسر الضاد المعجمة جمع أرض وهو جمع شاذ لأنه جمع جمع سلامة ولم يبق مفرده سالمًا لأن الراء في المفرد ساكنة وفي الجمع محركة، وفي نسخة أرضهم بسكون الراء على الإفراد (و) بيع (دمنهم) وهذه اللفظة ساقطة في بعض الأصول (حين أجلاهم) بالجيم الساكنة بعد الهمزة المفتوحة أي أخرجهم من المدينة (فيه المقبري) أي حديثه (عن أبي هريرة) المروي في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من كتاب الجهاد ولفظه: بينما نحن في المسجد خرج النبي ﷺ فقال انطلقوا إلى يهود فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس فقال أسلموا تسلموا واعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن يجد منكم بماله شيئًا فليبعه وإلاّ فاعلموا أن الأرض لله ورسوله. قال الزركشي وغيره: إن اليهود هم بنو النضير والظاهر أنهم بقايا من اليهود تخلفوا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم، لأن هذا كان قبل إسلام أبي هريرة لأنه إنما جاء بعد فتح خيبر كما هو معروف، وقد أقر ﷺ يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض واستمروا إلى أن أجلاهم عمر ﵁. قال ابن المنير: والعجب أن ترجمة البخاري هنا على بيع اليهود أرضهم ولم يذكر فيه إلا حديث أبي هريرة وليس فيه للأرض ذكر إلا أن يكون أخذ ذلك بطريق العموم من قوله: فمن يجد منكم بماله شيئًا فليبعه والمال أعم من الأرض فتدخل فيه الأرضون وهذا باب ساقط من بعض النسخ وهو ثابت في فرع من الفروع المقابلة باليونينية لكنه رقم عليه علامة السقوط. ١٠٨ - باب بَيْعِ الْعَبِيدِ وَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ يُوفِيهَا صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ يَكُونُ الْبَعِيرُ خَيْرًا مِنَ الْبَعِيرَيْنِ. وَاشْتَرَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ فَأَعْطَاهُ أَحَدَهُمَا وَقَالَ: آتِيكَ بِالآخَرِ غَدًا رَهْوًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ لَا رِبَا فِي الْحَيَوَانِ: الْبَعِيرُ بِالْبَعِيرَيْنِ وَالشَّاةُ بِالشَّاتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ بَعِيرٌ بِبَعِيرَيْنِ نَسِيئَةً. (باب) حكم (بيع العبيد) أي بالعبيد نسيئة وفي نسحة بيع العبد بالإفراد (و) بيع (الحيوان بالحيوان نسيئة) من عطف العام على الخاص. (واشترى ابن عمر) بن الخطاب ﵁ فيما رواه مالك في الموطأ والشافعي عنه عن نافع وابن أبي شيبة من طريق أبي بشر عن نافع عن ابن عمر (راحلة) هي ما أمكن ركوبه من الإبل ذكرًا أو أُنثى (بأربعة أبعرة مضمونة) تلك الراحلة (عليه) أي على البائع (يوفيها صاحبها) أي يسلمها البائع إلى صاحبها الذي اشتراها منه (بالربذة) بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة موضع بين مكة والمدينة. (وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله إمامنا الشافعي ﵀ من طريق طاوس عنه (قد يكون البعبر خيرًا من البعيرين). (واشترى رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة آخره جيم الأنصاري الحارثي مما وصله عبد الرزاق (بعيرًا ببعيرين فأعطاه) أي فأعطى رافع الذي باعه (أحدهما) أحد البعيرين (وقال) أنا (آتيك بـ) البعير (الآخر غدًا) إتيانًا (رهوًا وإن شاء الله) براء مفتوحة وهاء ساكنة فواو سهلاً بلا شدّة ولا مماطلة أو المراد أن المأتي به يكون سهل السير غير خشن وحينئذٍ فيكون نصب رهوًا على الحال. (وقال ابن المسيب) سعيد التابعي الجليل (لا ربًا في الحيوان) هذا وصله مالك عن ابن شهاب عنه في الموطأ وزاد أن رسول الله ﷺ إنما نهى في بيع الحيوان عن ثلاثة المضامين والملاقيح وحبل الحبلة، ووصل ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن الزهري عنه قوله: (البعير بالبعيرين) وسقط بالبعيرين لغير أبي ذر (والشاة بالشاتين إلى أجل) ولفظ ابن أبي شيبة نسيئة والمعنى واحد. (وقال ابن سيرين) محمد التابعي الكبير فيما وصله عبد الرزاق (لا بأس بعير) ولأبي ذر: لا بأس ببعير (ببعيرين نسيئة) زاد في غير الفرع وأصله بعد قوله ببعيرين ودرهم بدرهم والأول رفع على رواية غير أبي ذر عليها جر، وفي بعض الروايات ودرهم بدرهمين بالتثنية وهو خطأ والصواب الإفراد كما هو في رواية أبي ذر وكذا هو بالإفراد عند عبد الرزاق وزاد فإن كان أحد البعيرين نسيئة فهو مكروه، وروى سعيد بن منصور من طريق يونس عنه أنه كان لا يرى بأسًا بالحيوان يدًا بيد والدراهم نسيئة، ويكره أن تكون الدراهم نقدًا والحيوان نسيئة ومذهب الشافعية أنه لا ربًا في الحيوان مطلقًا كما قال ابن المسيب لأنه لا يعدّ للأكل على هيئته فيجوز بيع العبد بالعبد نسيئة وبيع العبد بعبدين أو أكثر نسيئة. وقال

стр. 1554

أبو حنيفة: لا يجوز، وقال مالك: إنما يجوز إذا اختلف الجنس. ٢٢٢٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ فِي السَّبْيِ صَفِيَّةُ فَصَارَتْ إِلَى دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ". وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي البصري قاضي مكة قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الجهضمي (عن ثابت) الباني (عن أنس) هو ابن مالك (﵁) أنه (قال: كان في السبي) أي سبي خيبر (صفية) بنت حى بن أخطب (فصارت إلى دحية الكلبي) في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس فجاء دحية فقال: أعطني يا رسول الله جارية من السبي، فقال: "اذهب فخذ جارية" فأخذ صفية فجاء رجل فقال: يا نبي الله أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك. قال: "ادعوه بها" فلما نظر إليها النبي ﷺ قال: "خذ جارية من السبي غيرها" (ثم صارت إلى النبي ﷺ ¬). ولمسلم: أنه ﷺ اشترى صفية منه بسبعة أرؤس وليس في قوله بسبعة أرؤس ما ينافي قوله في رواية عبد العزيز خذ جارية من السبي غيرها إذ ليس فيه دلالة على نفي الزيادة، وقد أورد المؤلّف هذا الحديث مختصرًا وليس فيه ما ترجم له ولعله أشار إلى نحو روايتي مسلم وعبد العزيز السابقتين. وقال ابن بطال ينزل تبديلها بجارية غير معينة يختارها منزلة بيع جارية بجارية نسيئة. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في البيع قريبًا والنكاح وغزوة خيبر ومسلم والنسائي في النكاح. ١٠٩ - باب بَيْعِ الرَّقِيقِ (باب بيع الرقيق). ٢٢٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مُحَيْرِيزٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ: "بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ فَكَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ؟ فَقَالَ: أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلاَّ هِيَ خَارِجَةٌ". [الحديث ٢٢٢٩ - أطرافه في: ٢٥٤٢، ٤١٣٨، ٥٢١٠، ٦٦٠٣، ٧٤٠٩]. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي أيضًا (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن محيريز) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الياء الساكنة راء آخره زاي مصغرًا عبد الله الجمحي (أن أبا سعيد الخدري ﵁ أخبره أنه بينما) بالميم (هو جالس عند النبي ﷺ قال: يا رسول الله) وفي بعض الأصول قال رجل: يا رسول الله، وفسره الحافظ ابن حجر في المقدمة بأنه مجدي بن عمرو الضمري كما سيأتي في القدر إن شاء الله تعالى (إنّا نصيب سبيًا) أي نجامع الإماء المسبيات (فنحب الأثمان) فنعزل الذكر عن الفرج وقت الإنزال حتى لا ننزل فيه دفعًا لحصول الولد المانع من البيع (فكيف ترى في العزل) أهو جائز أم لا؟ (فقال) ﵊: (أو إنكم تفعلون ذلك) بفتح الواو وكسر همزة إن والهمزة الداخلة على الواو للاستفهام، وهذا الاستفهام فيه إشعار بأنه ﷺ ما كان اطّلع على فعلهم ذلك، وقد كانت دواعيهم متوفرة على سؤاله عن أمور الدين فإذا فعلوا شيئًا وعلموا أنه لم يطلع عليه بادروا إلى سؤاله عن الحكم فيه (لا) حرج (عليكم أن لا تفعلوا ذلكم) بميم الجمع أي ليس عدم الفعل واجبًا عليكم. وقال الفراء: لا زائدة أي لا بأس عليكم في فعله، وقد صرح بجواز العزل في حديث جابر المروي في مسلم حيث قال: اعزل عنها إن شئت، وعند الشافعية خلاف مشهور في جواز العزل عن الحرة بغير إذنها. قال الغزالي وغيره: يجوز وهو الصحيح عند المتأخرين والوجه الآخر الجزم بالمنع إذا امتنعت وفيما إذا رضيت وجهان أصحهما الجواز وهذا كله في الحرة، وأما الأمة فإن كانت زوجة فهي مترتبة على الحرة إن جاز فيها ففي الأمة أولى وإن امتنع فوجهان: أصحهما الجواز تحرّزًا من إرقاق الولد، وإن كانت سرية جاز بلا خلاف عندهم إلا في وجه حكاه الروياني في المنع مطلقًا، واتفقت المذاهب الثلاثة على أن الحرة لا يعزل عنها إلا بإذنها وأن الأمة يعزل عنها بغير إذنها. واختلفوا في المزوّجة فعند المالكية يحتاج إلى إذن سيدها وهو قول أبي حنيفة والراجح عند أحمد. وقال أبو يوسف ومحمد: الإذن لها. وقال المانعون قوله في هذا الحديث "لا عليكم أن لا تفعلوا" نفي الحرج عن عدم الفعل فافهم ثبوت الحرج في فعل العزل ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال لا عليكم أن تفعلوا وما ادّعى من أن لا زائدة الأصل عدمه، ووقع في رواية مجاهد في التوحيد تعليقًا ووصلها مسلم وغيره ذكر العزل عند رسول الله ﷺ فقال ولم يفعل ذلك أحدكم ولم يقل لا يفعل

стр. 1555

ذلك فلم يصرح بالنهي، وإنما أشار إلى أن الأولى ترك ذلك لأن العزل إن كان خشية حصول الولد فلا فائدة في ذلك. (فإنها ليست نسمة) بفتح النون والسين المهملة نفس أو إنسان (كتب الله أن تخرج) من العدم إلى الوجود (إلا هي خارجة) وفي بعض الأصول إلا وهي خارجة بثبوت الواو. وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالها، وقد أخرجه في النكاح والقدر والمغازي والعتق والتوحيد، ومسلم وأبو داود في النكاح والنسائي في العتق وعشرة النساء. ١١٠ - باب بَيْعِ الْمُدَبَّرِ (باب بيع المدبر) وهو المعلق عتقه بموت سيده كأن يقول لعبده إذا من فأنت حرّ. ٢٢٣٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُدَبَّرَ". وبه قال: (حدّثنا ابن نمير) محمد بن عبد الله قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي خالد (عن سملة بن كهيل) بضم الكاف مصغرًا الحضرمي (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (﵁) أنه (قال: باع النبي ﷺ ¬) يعقوب (المدبر) الذي أعتقه سيده أبو مذكور عن دبر وكان عليه دين ولم يكن له مال غيره من نعيم النحام بثمانمائة درهم. وعند أبي داود من طريق هشيم عن إسماعيل بسبعمائة أو تسعمائة على الشك فدفعها إليه وقال له كما في مسلم وغيره ابدأ بنفسك فتصدّق عليها. وعند النسائي من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيل فأعطاه وقال اقضِ دينك، وقد اتفقت الروايات كلها على أن بيعه كان في حياة الذي دبره إلا ما رواه شريك عن سلمة بن كهيل أن رجلاً مات وترك مدبرًا ودينًا فأمرهم النبي ﷺ فباعوه في دينه بثمانمائة درهم أخرجه الدارقطني. ونقل عن شيخه أبي بكر النيسابوري أن شريكًا أخطأ فيه، والصحيح ما رواه الأعمش وغيره عن سلمة وفيه ودفع ثمنه إليه، وللنسائي من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد ودفع ثمنه إلى مولاه وقد كان شريك تغير حفظه لما ولي القضاء والتدبير تعليق عتق بصفة، وفي قول وصية للعبد يعتقه فلو باعه السيد ثم ملكه لم يعد التدبير ولو رجع عنه بقول كأبطلته أو فسخته أو رجعت فيه صح إن قلنا إنه وصية وإلا فلا يصح وهل التدبير عقد جائز أم لازم؟ فمن قال لازم منع التصرف فيه إلا بالعتق فلا يصح بيعه، ومن قال جائز أجاز بيعه، وبالأول قال مالك والكوفيون، وبالثاني قال الشافعي وأهل الحديث لحديث الباب، ولأن من أوصى بعتق شخص جاز بيعه بالاتفاق فيلحق به بيع المدبر لأنه في معنى الوصي. وأجاب الأول بأنها واقعة عين لا عموم لها فتحمل على بعض الصور وهو اختصاص الجواز بما إذا كان عليه دين وهو مشهور قول أحمد. وهذا الحديث قد سبق في باب بيع المزايدة وفي إسناده ثلاثة من التابعين إسماعيل وسلمة وعطاء، وأخرجه أبو داود في العتق، والنسائي فيه وفي البيوع والقضاء وابن ماجة في الأحكام. ٢٢٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: "بَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ". وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار وفي مسند الحميدي حدّثنا عمرو بن دينار أنه (سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ يقول: باعه رسول الله ﷺ ¬) زاد ابن أبي شيبة في مصنفه يعني المدبر. ٢٢٣٢ و ٢٢٣٣ - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ ﵄ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنِ الأَمَةِ تَزْنِي وَلَمْ تُحْصَنْ، قَالَ: اجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ". وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (زهير بن حرب) بضم الزاي مصغرًا وحرب بفتح الحاء المهملة وبعد الراء الساكنة موحدة قال: (حدّثنا يعقوب) قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري (عن صالح) هو ابن كيسان أنه (قال: حدّث ابن شهاب) محمد بن مسلم وحدّث فعل ماضٍ بدون ضمير المفعول وابن فاعل وفي النسخة المقروءة على الميدومي حدّثت ابن شهاب بتاء الفعل وصحح عليها وضبب وابن نصب على المفعولية ولم يظهر لي توجيهها وفي الهامش حدّثنا بنون الجمع (أن عبيد الله) مصغرًا ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة (أخبره أن زيد بن خالد) الجهني (وأبا هريرة ﵄ أخبراه أنهما سمعا رسول الله ﷺ يسأل) بتحتية مضمومة فسين ساكنة ثم همزة مفتوحة، وللحموي والمستملي: سئل بسين مضمومة فهمزة مكسورة مبنيًّا للمفعول فيهما (عن الأمة تزني ولم تحصن) بالتزويج وتحصن بضم

стр. 1556

أوله وفتح ثالثه بإسناد الإحصان إلى غيرها ويجوز كسر الصاد على إسناد الإحصان إليها (قال) ﵊: (اجلدوها) أي نصف ما على الحرائر من الحد قال تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] والرجم لا يتنصف فدلّ على عدم رجم الأمة (ثم إن زنت) أي في الثانية (فاجلدوها ثم بيعوها) بعد الجلد إذا زنت (بعد الثالثة أو) قال بعد (الرابعة) شك من الراوي. وهذا الحديث قد سبق في باب بيع العبد الزاني، واستشكل إدخاله في بيع المدبر. وأجاب الحافظ ابن حجر: بأن وجه دخوله هنا عموم الأمر ببيع الأمة إذا زنت فيشمل ما إذا كانت مدبرة أو غير مدبرة فيؤخذ منه جواز بيع المدبر في الجملة، وتعقبه العيني بأنه أخذ بعض كلامه هذا من الكرماني وزاد عليه من عنده وهو كله ليس بموجه، لأن الأمة المذكورة في الحديث إنما أمرهم عليه الصلاة والسلام ببيعها لأجل تكرر زناها، والأمة المدبرة يجوز بيعها عندهم سواء تكرر الزنا منها أم لم يتكرر أم لم تزن. قال وقوله ويؤخذ منه جواز بيع المدبر في الجملة كلام واهٍ لأن الأخذ الذي ذكره لا يكون إلا بدلالة من اللفظ في أقسام الدلالة الثلاثة، ولا يصح أيضًا على رأي أهل الأصول فإن الذي يدل لا يخلو إما أن يكون بعبارة النص أو بإشارته أو بدلالته فأيّ ذلك أراد هذا القائل انتهى. ٢٢٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ». وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي (قال: أخبرني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (عن سعيد عن أبيه) أبي سعيد كيسان المقبري (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: سمعت النبي ﷺ يقول): (إذا زنت أمة أحدكم فتبين) أي ظهر (زناها) بالبينة أو الحمل أو الإقرار (فليجلدها) سيدها (الحد) نصف حدّ الحرة وقوله فليجلدها بسكون اللام الأولى وكسر الثانية (ولا يثرب عليها) بالمثلثة المفتوحة وبعد الراء المشددة المكسورة موحدة أي لا يوبخها ولا يقرعها بالزنا بعد الجلد أو المعنى لا يقتصر على التثريب بل يقام عليها الحد (ثم إن زنت) أي الثانية (فليجلدها الحد ولا يثرب) زاد أبو ذر هنا عليها وهي ثابتة في الأولى اتفاقًا (ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها) بعد الجلد (ولو بحبل من شعر) وفي باب بيع العبد الزاني ولو بضفير وهذا مبالغة في التحريض على بيعها وليس من باب إضاعة المال هذا. ١١١ - باب هَلْ يُسَافِرُ بِالْجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا؟ وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُقَبِّلَهَا أَوْ يُبَاشِرَهَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: إِذَا وُهِبَتِ الْوَلِيدَةُ الَّتِي تُوطَأُ أَوْ بِيعَتْ أَوْ عَتَقَتْ فَلْيُسْتَبْرَأْ رَحِمُهَا بِحَيْضَةٍ؛ وَلَا تُسْتَبْرَأُ الْعَذْرَاءُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصِيبَ مِنْ جَارِيَتِهِ الْحَامِلِ مَا دُونَ الْفَرْجِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. (باب) بالتنوين (هل يسافر) الشخص (بالجارية) التي اشتراها (قبل أن يستبرئها). (ولم ير الحسن) البصري فيما وصله ابن أبي شيبة (بأسًا أن يقبلها) أي الجارية (أو يباشرها) يعني فيما دون الفرج، وفي بعض الأصول ويباشرها بحذف الألف. (وقال ابن عمر ﵄: إذا وهبت الوليدة) بضم الواو وكسر الهاء والوليدة بفتح الواو وبعد اللام المكسورة مثناة تحتية ساكنة ثم دال مهملة الجارية (التي توطأ) مبنيًّا للمفعول (أو بيعت) بكسر الموحدة مبنيًّا للمفعول أيضًا (أو أعتقت) بفتح العين (فليستبرأ) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول أيضًا مجزوم بلام الأمر (رحمها) بالرفع نائب عن الفاعل (بحيضة). وهذا وصله ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وأما قوله: (ولا تستبرأ العذراء) بضم الفوقية وفتح الراء مبنيًّا للمفعول أيضًا ولا نافية، والعذراء بفتح العين المهملة وسكون المعجمة ممدودًا البكر فوصله عبد الرزاق من طريق أيوب عن نافع عنه، وكأنه كان يرى أن البكارة مانعة من الحمل أو تدل على عدمه أو عدم الوطء وفيه نظر وعلى تقديره ففي الاستبراء شائبة تعبد، ولهذا تستبرأ التي أيست من الحيض وفي بعض الأصول فليستبرئ مبنيًّا للفاعل وكذا قوله: ولا تستبرئ العذراء بكسر همزة تستبرئ على أن لا نافية فهو مجزوم كسر لالتقاء الساكنين. (وقال عطاء) هو ابن أبي رباح: (لا بأس أن يصيب) الرجل (من جاريته الحامل) من غيره (ما دون الفرج، وقال الله تعالى) في كتابه العزيز: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾) [المعارج: ٣٠] من السراري ووجه الاستدلال بهذه الآية دلالتها على جواز الاستمتاع بجميع وجوهه فخرج الوطء بدليل فبقي الباقي على الأصل.

стр. 1557

٢٢٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَىِّ بْنِ أَخْطَبَ -وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا- فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ فَخَرَجَ بِهَا، حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ حَلَّتْ فَبَنَى بِهَا، ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ، فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَفِيَّةَ. ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ". وبه قال: (حدّثنا عبد الغفار بن داود) بن مهران أبو صالح الحرّاني نزيل مصر قال: (حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن) القاريّ بتشديد الياء نسبة إلى القارة (عن عروة بن أبي عمرو) بفتح العين وسكون الميم فيهما مولى المطلب المدني أبي عثمان واسم أبيه ميسرة (عن أنس بن مالك ﵁¬) أنه (قال: قدم النبي ﷺ خيبر) مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة قال ابن إسحاق خرج النبي ﷺ في بقية المحرم سنة سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة (فلما فتح الله عليه الحصن) وهو القموص بالقاف المفتوحة والصاد المهملة (ذكر له) بضم الذال وكسر الكاف مبنيًّا للمفعول (جمال صفية بنت حيي بن أخطب) بالخاء المعجمة وكان سباها من هذا الحصن (وقد قتل زوجها) كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق (وكانت عروسًا) يستوي فيه المذكر والمؤنث (فاصطفاها) اختارها (رسول الله ﷺ لنفسه) صفيًّا من مغنم خيبر والصفي ما يختار من سلاح أو دابّة أو جارية أو غير ذلك قبل القسمة، (فخرج بها) ﵊ (حتى بلغنا سد الروحاء) بفتح الراء وسكون الواو ممدودًا موضع قريب من المدينة. وقال في المصابيح كالتنقيح: جبلها (حلت) أي طهرت من حيضها، وقد روى البيهقي بإسناد لين أنه ﷺ استبرأ صفية بحيضة (فبنى) أي دخل (بها) ﵊ (ثم صنع) ﵊ (حيسًا) بفتح الحاء وبعد التحتية الساكنة سين مهملتين من تمر وسمن وأقط (في نطع صغير) بكسر النون وفتح الطاء المهملة على المشهور (ثم قال رسول الله ﷺ ¬) لأنس: (آذن) بهمزة ممدودة وكسر المعجمة أي أعلم (من حولك) من الناس لإشهار النكاح. قال أنس: (فكانت تلك) الأخلاط التي من التمر والسمن والأقط (وليمة) عرس (رسول الله ﷺ على صفية) بنصب وليمة ورفعها. (ثم خرجنا إلى المدينة قال: فرأيت رسول الله ﷺ يحوي لها) بضم التحتية وفتح المهملة وتشديد الواو المكسورة (وراءه بعباءة) بعين مهملة مفتوحة وهمزة بعد الألف كساء صغير أي يدير العباءة على سنام البعير يحجبها بذلك لكونها صارت من أمهات المؤمنين ويهيئ لها من ورائه بالعباءة مركبًا وطيئًا ويسمى ذلك المركب حوية، (ثم يجلس) ﵊ (عند بعيره فيضع ركبته) الشريفة (فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب) وقد ولد صفية مائة نبي ومائة ملك ثم صيرها الله تعالى أمة لسيد الرسل صلوات الله وسلامه عليه وكانت من سبط هارون قاله الجاحظ في كتاب الموالي. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي عن عبد الغفار وعن غيره في الجهاد وفي الأطعمة والدعوات، وأخرجه أبو داود في الخراج. ١١٢ - باب بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالأَصْنَامِ (باب) تحريم (بيع الميتة) بفتح الميم ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شرعية (و) تحريم بيع (الأصنام) جمع صنم. قال الجوهري: هو الوثن وفرق بينهما في النهاية فقال: الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب أو من الحجارة كصورة الآدمي يعمل وينصب فيعبد والصنم الصورة بلا جثة. قال: وقد يطلق الوثن على غير الصورة. ٢٢٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ. فَقَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ». قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ كَتَبَ إِلَىَّ عَطَاءٌ "سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ". [الحديث ٢٢٣٦ - طرفاه في: ٤٢٩٦، ٤٦٣٣]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد بن أبي حبيب) البصري أبي رجاء واسم أبيه سويد (عن عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء والموحدة واسمه أسلم القرشي وعطاء هذا كثير الإرسال، وقد بيّن المؤلّف في الرواية المعلقة اللاحقة لهذه الرواية المتصلة أن بزيد بن أبي حبيب لم يسمعه من عطاء وإنما كتب به إليه (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (¬﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة) سنة ثمان من الهجرة والواو في وهو للحال ومقول قوله: (إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر) بإفراد الفعل وكذا هو في مسلم وكان الأصل حرّما، ولكنه أفرد للحذف في أحدهما أو لأنهما في التحريم واحد، ولأبي داود: إن الله

стр. 1558

حرّم ليس فيها ذكر الرسول ﵊ (و) حرم بيع (الميتة والخنزير) لنجاستهما فيتعدى إلى كل نجاسة (و) حرم بيع (الأصنام) لعدم المنفعة المباحة فيها فيتعدى إلى معدوم الانتفاع شرعًا فبيعها حرام ما دامت على صورتها فلو كسرت وأمكن الانتفاع برضاضها جاز بيعها عند الشافعية وبعض الحنفية. نعم في بيع الأصنام والصور المتخذة من جوهر نفيس وجه عند الشافعية بالصحة والمذهب المنع مطلقًا وبه أجاب عامة الأصحاب (فقيل) لم يسمّ القائل وفي رواية عبد الحميد الآتية إن شاء الله تعالى فقال رجل: (يا رسول الله أرأيت) أخبرني (شحوم الميتة فإنها) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: فإنه بالتذكير (يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود) بضم أول يطلى وفتح ثالثه كيدهن مبنيان للمفعول (ويستصبح بها الناس) أي يجعلونها في سرجهم ومصابيحهم يستضيئون بها فهل يحل بيعها لما ذكر من المنافع فإنها مقتضية لصحة البيع كالحمر الأهلية فإنها وإن حرم أكلها يجوز بيعها لما فيها من المنافع، (فقال) ﵊: (لا) تبيعوها (هو) أي بيعها (حرام) لا الانتفاع بها. نعم يجوز نقل الدهن النجس إلى الغير بالوصية كالكلب وأما هبته والصدقة به فعن القاضي أبي الطيب منعهما، لكن قال في الروضة: ينبغي أن يقطع بصحة الصدقة به للاستصباح ونحوه، وقد جزم المتولي بأنه يجوز نقل اليد فيه بالوصية وغيرها انتهى. ومنهم من حمل قوله هو حرام على الانتفاع فلا ينتفع من الميتة بشيء عندهم إلا ما خص بالدليل وهو الجلد المدبوغ وأما المتنجس الذي يمكن تطهيره كالثوب والخشبة فيجوز بيعه لأن جوهره طاهر. (ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك) أي عند قوله حرام (قاتل الله اليهود) أي لعنهم (إن الله لما حرم) عليهم (شحومها) أي أكل شحوم الميتة (جملوه) أي المذكور وعند الصنعاني أجملوه بالألف والأولى أفصح أي أذابوه واستخرجوا دهنه (ثم باعوه فأكلوا ثمنه). وهذا الحديث قد سبق قريبًا، وأخرجه أيضًا في المغازي وأبو داود والترمذي وابن ماجة. (قال أبو عاصم) الضحاك بن مخلد أحد شيوخ البخاري فيما وصله الإمام أحمد: (حدّثنا عبد الحميد) بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم الأنصاري قال: (حدّثنا يزيد) من الزيادة ابن أبي حبيب قال: (كتب إليّ عطاء) هو ابن أبي رباح قال: (سمعت جابرًا ﵁ عن النبي ﷺ ¬) واختلف في الاحتجاج بالكتابة فاحتج بها الشيخان، وقال ابن الصلاح إنه الصحيح المشهور، وقال أبو بكر بن السمعاني إنها أقوى من الإجازة ومن قال بالمنع علل بأن الخطوط تشتبه. ١١٣ - باب ثَمَنِ الْكَلْبِ (باب ثمن الكلب). ٢٢٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ". [الحديث ٢٢٣٧ - أطرافه في: ٢٢٨٢، ٥٣٤٦، ٥٧٦١]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام ابن أنس الأصبحي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحرث بن هشام (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو (الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى) نهي تحريم (عن ثمن الكلب) المعلم وغيره مما يجوز اقتناؤه أو لا وهذا مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما وعلة المنع عند الشافعي نجاسته مطلقًا وعند غيره ممن لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه والأمر بقتله وما لا ثمن له لا قيمة له إذا قتل فلو قتل كلب صيد أو ماشية لا يلزمه قيمته. وقال أبو حنيفة وصاحباه وسحنون من المالكية: الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها وأثمانها لأنه حيوان منتفع به حراسة واصطيادًا، ولحديث جابر عند النسائي قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد، لكن الحديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث كما بيّنه النووي في شرح المهذّب كغيره نحو حديث إلا كلبًا ضاربًا، وحديث: إن عثمان غرّم إنسانًا ثمن كلب قتله عشرين بعيرًا. وقال المالكية: لا يجوز بيع الكلب المنهي عن اتخاذه باتفاق لورود النهي عن بيعه وعن اتخاذه، وأما المأذون في اتخاذه ككلب الصيد ونحوه فلا يجوز بيعه على المشهور لورود النهي عن

стр. 1559

بيعه وشهر بعضهم جواز بيعه ولم يقر هذا التشهير عند الشيخ خليل فلم يذكره، وقال القرطبي: مشهور ومذهب مالك جواز اتخاذ الكلب وكراهة بيعه ولا يفسخ إن وقع وكأنه لما لم يكن عنده نجسًا وأذن في اتخاذه لمنافعه الجائزة كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيهًا لأنه ليس من مكارم الأخلاق. (و) نهى ﵊ عن (مهر البغي) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتية فعيل بمعنى فاعلة يستوي فيه المذكر والمؤنث ما تأخذه الزانية على الزنا وسماه مهرًا لكونه على صورته وهو حرام بالإجماع (و) عن (حلوان الكاهن) بضم الحاء المهملة وسكون اللام مصدر حلوته حلوانًا إذا أعطيته وأصله من الحلاوة وشبه بالشيء الحلو من حيث أخذه حلوًا سهلاً بلا كلفة ولا مشقة يقال حلوته إذا أطعمته الحلو، والمراد هنا ما يأخذه الذي يدعي مطالعة الغيب ويخبر الناس عن الكوائن، وكان في العرب كهنة يدّعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور، فمنهم من كان يزعم أن له رئيًا من الجن وتابعة تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه ومنهم من كان يسمى عرّافًا وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات يستدل بها على مواقعها كالشيء يسرق فيعرف المظنون به السرقة وتتهم المرأة فيعرف من صاحبها، ومنهم من يسمي المنجم كاهنًا فالحديث شامل لهؤلاء كلهم. قال الخطابي: وأخذ العوض على مثل هذا وإن لم يكن منهيًّا عنه فهو من أكل المال بالباطل ولأن الكاهن يقول ما لا ينتفع به ويعان بما يعطاه على ما لا يحل. قال القرطبي: وأما التسوية في النهي بين الكلب وبين مهر البغي وحلوان الكاهن فمحمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه وعلى تقدير العموم في كل كلب فالنهي في هذه الثلاثة للقدر المشترك من الكراهة وهو أعم من التحريم والتنزيه إذ كل واحد منها منهي عنه ثم يؤخذ خصوص كل واحد منها من دليل آخر فإنّا عرفنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن من الإجماع لا من مجرد النهي ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه إذ قد يعطف الأمر على النهي والإيجاب على النفي انتهى. وهذا بناء على ما قاله من أن المشهور جواز اتخاذه مطلقًا أما على ما شهره الشيخ خليل فلا. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الإجازة والطلاق والطب ومسلم في البيوع وكذا أبو داود، وأخرجه الترمذي فيه وفي النكاح والنسائي فيه وفي الصيد وابن ماجة في التجارات. ٢٢٣٨ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: "رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ. وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ". وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم السلمي الأنماطي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (عون بن أبي جحيفة) بجيم مضمومة وبعد الحاء المهملة المفتوحة تحتية ساكنة ففاء وعون بفتح العين وسكون الواو السوائي (قال: رأيت أبي) أي أبا جحيفة وهب بن عبد الله (اشترى حجامًا) زاد هنا في رواية أبوي ذر والوقت عن الكشميهني فأمر بمحاجمه فكسرت بفتح الميم جمع محجم بكسرها الآلة التي يحجم بها الحجام (فسألته عن ذلك) أي سألت أبي عن سبب كسر المحاجم (فقال): (إن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الدم) أي عن أجرة الحجامة وأطلق عليه الثمن تجوّزًا (و) عن (ثمن الكلب) مطلقًا لنجاستهما أو عن غير كلب الصيد والماشية (و) عن (كسب الأمة) إذا كان من وجه لا يحل كالزنا لا كنحو الخياطة من الكسب المباح. وفي حديث رفاعة بن رافع عند أبي داود مرفوعًا: نهى عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها وقال هكذا بأصبعه نحو الغزل والنفش وهو بالفاء أي نفش الصوف وقيل المراد جميع كسبها. قال في الفتح وهو من باب سد الذرائع لأنها تؤمن إذا التزمت بالكسب أن تكتسب بفرجها فالمعنى أنه لا يجعل عليها خراج معلوم تؤدّيه كل يوم. (ولعن) ﵊ (الواشمة) التي تغرز الجلد بالإبر ثم تحشوه بالكحل (والمستوشمة) وفي باب موكل الربا والموشومة أي المفعول بها ذلك لأن ذلك من عمل الجاهلية وفيه تغيير لخلق الله تعالى (و) لعن ﵊ أيضًا (أكل الربا وموكله) لأنه

стр. 1560

يعين على أكل الحرام فهو شريك في الإثم كما أنه شريك في الفعل (ولعن المصور) للحيوان. وهذا الحديث قد سبق في باب موكل الربا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٥ - كتاب السلم (بسم الله الرحمن الرحيم). (كتاب السلم) بفتح السين واللام السلف. قال النووي: وذكروا في حد السلم عبارات أحسنها أنه عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً بمجلس البيع سمي سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس وسلفًا لتقديم رأس المال، وأورد عليه أن اعتبار التعجيل شرط لصحة السلم لا ركن فيه. وأجيب: بأن ذلك رسم لا يقدح فيه ما ذكر وأجمع المسلمون على جواز السلم انتهى. وفي التلويح: وكرهت طائفة السلم، وروي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه كان يكرهه والأصل في جوازه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن عباس أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحلّه الله في كتابه ثم تلا الآية، وفيه ما يدل على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهذا في البيع الناجز فدلّ على أن ما قبله في الموصوف غير الناجز، واختلف في بعض شروطه مع الاتفاق على أنه يشترط له ما يشترط للبيع وعلى تسليم رأس المال في المجلس قاله في فتح الباري وهذا فيه نظر فإن مذهب المالكية يجوز تأخيره كله أو بعضه إلى ثلاثة أيام على المشهور لخفة الأمر في ذلك، وقيل لا يجوز للدين بالدين وعلى القول باشتراط تسليم رأس المال في المجلس لو تفرقا بعد قبض البعض صحّ فيه بقسطه ويشترط أيضًا في السلم كون المسلم فيه دينًا لأنه الذي وضع له لفظ المسلم. فإن قال: أسلمت إليك ألفًا في هذا العبد مثلاً أو أسلمت إليك هذا العبد في هذا الثوب فليس بسلم لانتفاء شرطه ولا بيعًا لاختلال لفظه لأن لفظ السلم يقتضي الدينية ويشترط أيضًا القدرة على التسليم للمسلم إليه وقت الوجوب، فإن أسلم فيما يعدم وقت الحلول كالرطب في الشتاء أو فيما يعز وجوده لقلته كاللآلي الكبار فلا يصح وكذا يشترط بيان محل تسليم المسلم فيه المؤجل، وإنما يشترط بيانه فيما لحمله مؤونة وأن يقدر بالكيل أو الوزن أو الذرع أو العد كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وأن يصفه بما ينضبط به على وجه لا يعز وجوده فلا يصح في المختلطات المقصودة الأركان التي لا تنضبط قدرًا وصفة كالهريسة والحلوى والعجونات فهذه ستة شروط للسلم زائدة على البيع. ١ - باب السَّلَمِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ (باب السلم في كيل معلوم) أي فيما يكال. وقد وقعت البسملة متوسطة بين كتاب وباب وقدّمها على الكتاب في رواية المستملي، وأخّرها النسفيّ عن الباب وحذف كتاب السلم كذا قاله الحافظ ابن حجر. ٢٢٣٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ -أَوْ قَالَ عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، شَكَّ إِسْمَاعِيلُ- فَقَالَ: مَنْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ". حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا. "فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ". [الحديث ٢٢٣٩ - أطرافه في: ٢٢٤٠، ٢٢٤١، ٢٢٥٣]. وبه قال: (حدّثنا) وبالإفراد لأبي ذر (عمرو بن زرارة) بفتح العين وزرارة بضم الزاي وتخفيف الراءين بينهما ألف أبو محمد بن واقد قال: (أخبرنا إسماعيل ابن علية) بضم العين وفتح اللام وتشديد التحتية اسم أمه واسم أبيه إبراهيم بن سهم الأسدي قال (أخبرنا ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة اسمه عبد الله واسم أبيه يسار (عن عبد الله بن كثير) بالمثلثة أحد القراء السبعة المشهور فيما جزم به المزي والقابسي وعبد الغني أو هو ابن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي فيما جزم به ابن طاهر والكلاباذي والدمياطي وكلاهما ثقة (عن أبي المنهال) عبد الرحمن بن مطعم الكوفي وليس هو بأبي المنهال سيار البصري (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة والناس) أي والحال أن الناس (يسلفون) بضم أوله من أسلف (في الثمر) بالمثلثة وفتح الميم (العام والعامين) بالنصب على الظرفية (أو قال عامين أو ثلاثة شك إسماعيل) أي ابن علية ولم يشك سفيان فقال وهم يسلفون في الثمر السنتين والثلاثة (فقال) ﷺ : (من سلف) بتشديد اللام (في ثمر) بالمثناة وسكون الميم وفي رواية ابن عيينة من أسلف في شيء وهو أشمل. وقال البرماوي والعيني كالكرماني وفي بعضها أي نسخ البخاري أو رواياته ثمر بالمثلثة، والظاهر أنهم تبعوا في ذلك قول النووي في شرح

стр. 1561

مسلم وفي بعضها بالمثلثة وهو أعم لكن الكلام في رواية البخاري هل فيها بالمثلثة فالله أعلم ولغير أبي ذر زيادة كيل (فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم). قال في المصابيح: انظر قوله ﵊ في جواب هذا فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم مع أن المعيار الشرعي في التمر بالمثناة الكيل لا الوزن انتهى. وهذا قد أجابوا عنه بأن الواو بمعنى أو والمراد اعتبار الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن. وقال النووى في شرح مسلم: معناه إن أسلم كيلاً أو وزنًا فليكن معلومًا وفيه دليل لجواز السلم في المكيل وزنًا وهو جائز بلا خلاف، وفي جواز السلم في الموزون كيلاً وجهان لأصحابنا أصحهما جوازه كعكسه انتهى. وهذا بخلاف الربويات لأن المقصود هنا معرفة القدر وهناك المماثلة بعادة عهده ﷺ وحمل الإمام إطلاق الأصحاب جواز كيل الموزون على ما يعد الكيل في مثله ضابطًا حتى لو أسلم في فتات المسك والعنبر ونحوهما كيلاً لم يصح لأن للقدر اليسير منه مالية كثيرة والكيل لا يعدّ ضابطًا فيه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في السلم ومسلم في البيوع وكذا أبو داود والترمذي، وأخرجه النسائي فيه وفي الشروط وابن ماجة في التجارات. وبه قال: (حدّثنا) وبالإفراد لأبي ذر (محمد) غير منسوب قال الجياني هو ابن سلام وبه جزم الكلاباذي قال: (أخبرنا إسماعيل) بن علية (عن ابن أبي نجيح) عبد الله بن يسار (بهذا) الحديث المذكور (في كيل معلوم ووزن معلوم) الواو بمعنى أو لأنّا لو أخذناه على ظاهرها من معنى الجمع لزم أن يجمع في الشيء الواحد بين المسلم فيه كيلاً ووزنًا وذلك يفضي إلى عزة الوجود وهو مانع من صحة السلم فتعين الحمل على التفصيل. ٢ - باب السَّلَمِ فِي وَزْنٍ مَعْلُومٍ (باب السلم) حال كونه (في وزن معلوم) فيما يوزن. ٢٢٤٠ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَىْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ". حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَقَالَ: «فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». وبه قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضل المروزي قال: (أخبرنا ابن عيينة) سفيان قال: (أخبرنا ابن أبي نجيح) عبد الله (عن عبد الله بن كثير) المقري أو ابن المطلب بن أبي وداعة وصحح هذا الأخير الجياني (عن أبي المنهال) عبد الرحمن (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمر) بالمثلثة وفتح الميم والذي في اليونينية بالفوقية وسكون الميم وفي أوله موحدة بدل "في" في الرواية السابقة (السنتين والثلاث) من غير شك كما مرّ (فقال) ﵊. (من أسلف في شيء) شامل للحيوان فيصح السلم فيه خلافًا للحنفية لنا أنه ثبت في الذمة قرضًا في حديث مسلم أنه ﷺ اقترض بكرًا وقيس عليه السلم وعلى البكر غيره من سائر الحيوانات وحديث النهي عن السلف في الحيوان قال ابن السمعاني غير ثابت وإن خرجه الحاكم (ففي كيل معلوم) فيما يكال كالقمح والشعير (ووزن معلوم) فيما يوزن وكذا عدّ فيما بعد كالحيوان وذرع فيما يذرع كالثوب ويصح المكيل وزنًا وعكسه كما مرّ ولو أسلم في مائة صاع حنطة على أن وزنها كذا لم يصح لأن ذلك يعز وجوده ويشترط الوزن في البطيخ والباذنجان والقثاء والسفرجل والرمان فلا يكفي فيها الكيل لأنها تتجافى في المكيال ولا العد لكثرة التفاوت فيها والجمع فيها بين العد والوزن مفسد لما تقدم ويصح السلم في الجوز واللوز بالوزن في نوع يقل اختلافه بغلظ قشوره ورقتها بخلاف ما يكثر اختلافه بذلك فلا يصح ويجمع في اللبن بكسر الموحدة بين العد والوزن بأن يقول مائة لبنة وزن كل لبنة واحدة رطل (إلى أجل معلوم). قال النووي: وليس ذكر الأجل في الحديث لاشتراط الأجل بل معناه إن كان أجل فليكن معلومًا، وبقية مباحث ذلك تأتي، إن شاء الله تعالى في باب السلم إلى أجل معلوم والله الموفق. وبه قال: (حدّثنا علي) هو ابن عبد الله المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن أبي نجيح) عبد الله، (وقال) بعد أن روى الحديث عن أبي المنهال عن ابن عباس كما مرّ. (فليسلف في كيل معلوم) فيما يكال (إلى أجل معلوم) إن كان مؤجلاً كما مرّ. ٢٢٤١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ … وَقَالَ: فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ". وبه قال: (حدّثنا

стр. 1562

قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن ابن أبي نجيح) عبد الله بن يسار (عن عبد الله بن كثير) بن المطلب أو المقري كما مرّ قريبًا (عن أبي المنهال) عبد الرحمن بن مطعم أنه (قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: قدم النبي ﷺ ¬) أي المدينة كما في السابقة. الحديث (وقال): (في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) أثبت الوزن في هذه وأسقطه من سابقتها وقال في الثلاث إلى أجل معلوم وصرّح في الطريق الأولى بالإخبار بين ابن عيينة وابن أبي نجيح. ٢٢٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ ح. وَحَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ قَالَ: "اخْتَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ وَأَبُو بُرْدَةَ فِي السَّلَفِ، فَبَعَثُونِي إِلَى ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ". وَسَأَلْتُ ابْنَ أَبْزَى فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. [الحديث ٢٢٤٢ - طرفاه في: ٢٢٤٤، ٢٢٥٥]. [الحديث ٢٢٤٣ - طرفاه في: ٢٢٤٥، ٢٢٥٤]. وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن ابن أبي المجالد) بضم الميم وفتح الجيم وبعد الألف لام مكسورة فدال مهملة بالإبهام قال المؤلّف بالسند إليه (ح). (وحدّثنا يحيى) هو ابن موسى السختياني البلخي المعروف بخت أحد مشايخ المؤلّف قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح (عن شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن أبي المجالد) فسماه هنا محمدًا وأبهمه في الأولى كما مرّ. وبه قال (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي النمري قال (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (محمد أو عبد الله بن أبي المجالد) بالشك وجزم أبو داود بأن اسمه عبد الله، وأورده المؤلّف في الباب التالي من رواية عبد الواحد بن زياد وجماعة عن أبي إسحاق الشيباني فقالوا عن محمد بن أبي المجالد ولم يشك في اسمه، وكذا ذكره المؤلّف في تاريخه في المحميدين. (قال) أي ابن أبي المجالد (اختلف عبد الله بن شداد بن الهاد) أصله الهادي بالياء (وأبو بردة) بضم الموحدة عامر بن أبي موسى الأشعري قاضي الكوفة (في السلف) أي في السلم أي هل يجوز السلم إلى من ليس عنده المسلم فيه في تلك الحالة أم لا؟ (فبعثوني إلى ابن أبي أوفى) عبد الله وجمع الضمير إما باعتبار أن أقل الجمع اثنان أو باعتبارهما ومن معهما (﵁ فسألته) عن ذلك (فقال: إنّا كنّا نسلف على عهد رسول الله ﷺ ¬) في زمنه وأيام حياته (و) على عهد (أبي بكر وعمر) الخليفتين من بعده ﷺ ورضي عنهما (في الحنطة والشعير والزبيب والتمر) بالمثناة وسكون الميم وذكر أربعة أشياء من المكيلات ويقاس عليها سائرها مما يدخل تحت الكيل، (وسألت ابن أبزى) بفتح الهمزة والزاي بينهما موحدة ساكنة عبد الرحمن أحد صغار الصحابة (فقال مثل ذلك) الذي قاله عبد الله بن أبي أوفى. وهذا الحديث أخرجه أبو داود في البيوع وكذا النسائي وابن ماجة في التجارات. ٣ - باب السَّلَمِ إِلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلٌ (باب) حكم (السلم إلى من ليس عنده) مما أسلف فيه (أصل). ٢٢٤٤ و ٢٢٤٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ قَالَ: "بَعَثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبُو بُرْدَةَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ فَقَالَا: سَلْهُ هَلْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يُسْلِفُونَ فِي الْحِنْطَةِ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا نُسْلِفُ نَبِيطَ أَهْلِ الشَّأْمِ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. قُلْتُ: إِلَى مَنْ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَهُ؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ بَعَثَانِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ، يُسْلِفُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ أَلَهُمْ حَرْثٌ أَمْ لَا". حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ بِهَذَا وَقَالَ: "فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ وَقَالَ: "وَالزَّيْتِ". حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ وَقَالَ: "فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ". وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا الشيباني) بفتح الشين المعجمة أبو إسحاق سليمان قال: (حدّثنا محمد بن أبي المجالد) ولأبي ذر مجالد (قال: بعثني عبد الله بن شداد) هو ابن الهاد (وأبو بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري (إلى عبد الله بن أبي أوفى ﵄ فقالا سله) بسين مهملة مفتوحة فلام ساكنة (هل كان أصحاب النبي ﷺ في عهد النبي ﷺ ¬) في زمنه وأيام حياته (يسلفون) بضم الياء وسكون السين من الإسلاف (في الحنطة) فسألته عن ذلك (قال) ولأبوي ذر والوقت فقال (عبد الله) بن أبي أوفى: (كنا نسلف نبيط أهل الشام) بفتح النون وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية وآخره طاء مهملة أهل الزراعة وقيل قوم ينزلون البطائح وسموا به لاهتدائهم إلى استخراج المياه من الينابيع لكثرة معالجتهم الفلاحة وقيل نصارى الشام الذين عمروها (في الحنطة والشعير) مما يكال (والزيت) مما يوزن وهذا بدل قوله في السابقة الزبيب ويقاس عليه الشيرج والسمن ونحوهما (في كيل معلوم) أي ووزن معلوم فيما يكال أو يوزن ويلحق بهما الذرع والعدد للجامع بينهما وهو عدم الجهالة بالمقدار وأجمعوا على أنه لا بدّ من معرفة صفة الشيء المسلم فيه صفة تميّزه عن غيره، وإنما لم يذكر في الحديث لأنهم كانوا يعملون به، وإنما تعرض لذكر

стр. 1563

ما كانوا يهملونه (إلى أجل معلوم) قال ابن أبي المجالد (قلت) لابن أبي أوفى هل كان السلم (إلى من كان أصله عنده) أي المسلم فيه (قال: ما كنا نسألهم عن ذلك ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى فسألته) عن ذلك (فقال: كان أصحاب النبي ﷺ يسلفون على) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: في (عهد النبي ﷺ ولم نسألهم ألهم حرث) أي زرع (أم لا) حرث لهم. وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن شاهين الواسطي قال: (حدّثنا خالد بن عبد الله) بن عبد الرحمن الطحان الواسطي (عن الشيباني) سليمان (عن محمد بن أبي مجالد بهذا) الحديث (وقال) فيه (فنسلفهم في الحنطة والشعير). (وقال عبد الله بن الوليد) العدني نزيل مكة (عن سفيان) الثوري مما هو موصول في جامع سفيان قال: (حدّثنا الشيباني) سليمان (وقال: والزيت) آخره مثناة فوقية. وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن الشيباني) سليمان (وقال: في الحنطة والشعير والزبيب) بالموحدتين بينهما تحتية ساكنة بدل الزيت في السابقة. ٢٢٤٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيَّ قَالَ: "سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ وَحَتَّى يُوزَنَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَىُّ شَىْءٍ يُوزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ إِلَى جَانِبِهِ: حَتَّى يُحْرَزَ". وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَهُ. [الحديث ٢٢٤٦ - طرفاه في: ٢٢٤٨، ٢٢٥٠]. وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا عمرو) بفتح العين ابن مرة بضم الميم ابن عبد الله المرادي الأعمى الكوفي (قال: سمعت أبا البختري) بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح المثناة الفوقية وبالراء وتشديد التحتية سعيد بن فيروز الكوفي (الطائي قال: سألت ابن عباس ﵄ عن السلم في) ثمر (النخل قال) ولأبي ذر فقال: (نهى النبي ﷺ عن بيع) ثمر (النخل حتى يؤكل منه) بأن يظهر صلاحه (وحتى يوزن فقال الرجل) أي أبو البختري قاله الكرماني وقال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمه (وأيّ شيء يوزن) إذ لا يمكن وزن الثمر على النخل (قال رجل) لم يسم (إلى جانبه) أي جانب ابن عباس المراد (حتى يحرز) بتقديم الراء على الزاي أي يحفظ، ولأبي ذر عن الكشميهني: حتى تحرز بتقديم الزاي على الراء أي تخرص وكلها أي الأكل والوزن والخرص كنايات عن ظهور صلاحها، ومفهومه جواز السلم إذا بدا صلاح الثمرة وليس كذلك لأن العقد لم يقع على موصوف في الذمة بل على ثمرة تلك النخلة خاصة فليس مسترسلاً في الذمة مطلقًا فذكر الغاية بيان للواقع لأنهم كانوا يسلفون قبل صيرورته مما يؤكل والقيود التي خرجت مخرج الأغلب لا مفهوم لها قاله الكرماني. وقول ابن بطال فيما نقلة الزركشي والعيني والكرماني: هذا الحديث ليس من هذا الباب، وإنما هو من الباب الذي بعده وغلط فيه الناسخ، تعقبه ابن المنير بأن التحقيق أنه من هذا الباب قال وقلّ من يفهم ذلك. ووجه مطابقته أن ابن عباس لما سئل عن السلم إلى من له نخل في ذلك النخل عدّ ذلك من قبيل بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها وإذا كان السلم في النخل المعين لا يجوز لم يبق لوجودها في ملك المسلم إليه فائدة متعلقة بالسلم فتعين جواز السلم إلى من ليس عنده أصل، وإلاّ يلزم سدّ باب السلم بل لعله أجوز لأنه يؤمن فيه غائلة اعتمادها على هذا النخل بعينه فيلحق ببيع الثمار قبل بدو صلاحها. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا ومسلم في البيوع. (وقال معاذ) هو ابن معاذ التميمي قاضي البصرة (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) هو ابن مرة السابق (وقال أبو البختري) سعيد بن فيروز (سمعت ابن عباس ﵄¬) يقول: (نهى النبي ﷺ مثله) أي مثل الحديث السابق. وهذا وصله الإسماعيلي عن يحيى بن محمد عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه به. ٤ - باب السَّلَمِ فِي النَّخْلِ (باب) حكم (السلم في) ثمر (النخل). ٢٢٤٧، ٢٢٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: "سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ فَقَالَ: نُهِيَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَعَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ نَسَاءً بِنَاجِز. وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَحَتَّى يُوزَنَ". وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) هو ابن مرة السابق في الباب قبله (عن أبي البختري) بفتح الموحدة والفوقية بينهما خاء معجمة ساكنة سعيد أنه (قال: سألت ابن عمر ﵄ عن السلم في) ثمر (النخل فقال): (نهي) بضم النون مينيًا للمفعول باتفاق الروايات كما في

стр. 1564

الفتح (عن بيع) ثمر (النخل حتى يصلح) أي يظهر فيه الصلاح فإذا ظهر صح السلم فيه وهو قول المالكية (و) نهي (عن بيع الورق) بكسر الراء ويجوز سكونها الدراهم المضروبة من الفضة أي بالذهب كما في الرواية الأخرى (نساء) بفتح النون والمهملة والمد أي تأخيرًا (بناجز) أي حاضر ونساء نصب على الحال إما بجعل المصدر نفسه حالاً على المبالغة أو تأويله باسم المفعول أي بمؤخرًا أو على الحذف أي ذا تأخير أو أن يجعل نساء مصدر فعل محذوف ناصب له أي ينسأ نساء. قال أبو البختري: (وسألت ابن عباس) ﵄ (عن السلم في النخل فقال: نهى النبي ﷺ عن بيع) ثمر (النخل حتى يؤكل منه) بضم أول يؤكل وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (أو) قال (يأكل) بفتح فضم أي يأكل صاحبه (منه وحتى يوزن) مبنيًّا للمفعول أي يخرص. ٢٢٤٩، ٢٢٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ: "سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَنَهَى عَنِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ. وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ أَوْ يُؤْكَلَ وَحَتَّى يُوزَنَ. قُلْتُ: وَمَا يُوزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَتَّى يُحْرَزَ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) هو ابن مرة (عن أبي البختري) بفتح الموحدة والفوقية بينهما معجمة ساكنة سعيد أنه قال (سألت ابن عمر ﵄ عن السلم في) ثمر (النخل فقال: نهى النبي ﷺ ¬) وفي بعض النسخ وهو اليونينية للأبوين نهى عمر ﵁ نهيه إما باجتهاد أو سماع من الرسول ﷺ (عن بيع التمر حتى يصلح ونهى عن الورق) أي عن بيع الفضة (بالذهب نساء) تأخيرًا (بناجز) أي حاضر. قال أبو البختري: (وسألت ابن عباس) ﵄ عن السلم في النخل (فقال: نهى النبي ﷺ عن بيع) ثمر (النخل حتى يأكل) منه صاحبه (أو يؤكل) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (وحتى يوزن) مبنيًّا للمفعول أيضًا. قال أبو البختري: (قلت وما يوزن؟ قال رجل) لم يسم (عنده)، أي عند ابن عباس (حتى يحزر) بسكون الحاء المهملة وتقديم الزاي على الراء لأبي ذر عن الكشميهني أي يخرص، وفي رواية يحرز بتقديم بالراء أي يحفظ ويصان وفي أخرى يحرر براءين مهملتين الأولى مشددة أي بالخرص ليعلم كمية حق الفقراء قبل أن يبسط المالك يده في التمر فحينئذٍ يصح السلم فيه وهو قول المالكية خلافًا للجمهور، وقد نقل ابن المنذر اتفاق الأكثر على منع السلم في نخل معين من بستان معين بعد بدوّ الصلاح لأنه غرر، وحملوا الحديث على السلم ويشهد لمذهب الجمهور حديث عبد الله بن سلام في قصة إسلام زيد بن سعنة بفتح السين وسكون العين المهملتين بعدها نون المروي عند ابن حبان والحاكم والبيهقي أنه قال للنبي ﷺ : هل لك أن تبيعني تمرًا معلومًا إلى أجل معلوم من حائط بني فلان؟ قال: "لا أبيعك من حائط مسمى بل أبيعك أوسقًا مسماة إلى أجل مسمى". وقول ابن عمر في الرواية الأولى نهي المبني للمفعول في معنى المرفوع بدليل تصريحه في الثانية بقوله نهى النبي ﷺ وقال في الثانية عن بيع الثمر بدل قوله في الأولى عن بيع النخل، وسقط في رواية ابن عباس الثانية قوله في الأولى عن السلم في النخل وقدم يأكل المبني للفاعل على يؤكل المبني للمفعول في الثانية وأخره في الأولى. ٥ - باب الْكَفِيلِ فِي السَّلَمِ (باب الكفيل في السلم). ٢٢٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بن سلاّم حَدَّثَنَا يَعْلَى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: "اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ". وبه قال: (حدّثنا) وبالإفراد لأبي ذر (محمد بن سلام) وسقط ابن سلام لغير أبي ذر قال: (حدّثنا يعلى) بفتح التحتية واللام وبينهما عين مهملة ساكنة ابن عبيد الله بالتصغير الطنافسي الحنفي الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: اشترى رسول الله ﷺ طعامًا) ثلاثين صاعًا من شعير أو أربعين أو عشرين (من يهودي) هو أبي الشحم بالمعجمة ثم المهملة (بنسيئة ورهنه درعًا له من حديد) هي ذات الفضول. ودلالة الحديث على الترجمة من حيث إنه يراد بالكفالة الضمان ولا ريب أن المرهون ضامن للدين لأنه يباع فيه يقال أكفلته إذا ضمنته إياه أو يقاس على الرهن بجامع كونهما وثيقة، ولهذا

стр. 1565

كل ما صح الرهن فيه صح ضمانه والعكس أو أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث على عادته، ففي الرهن عن مسدد عن عبد الواحد عن الأعمش قال تذاكرنا عند إبراهيم الرهن والقبيل في السلف الحديث ففيه التصريح بالرهن والكفيل لأن القبيل هو الكفيل والمراد بالسلم السلف سواء كان في الذمة نقدًا أو جنسًا. ٦ - باب الرَّهْنِ فِي السَّلَمِ (باب الرهن في السلم). ٢٢٥٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: "تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ فَقَالَ: "حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَارْتَهَنَ مِنْهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ". وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن محبوب) بالحاء المهملة والموحدتين بينهما واو ساكنة أبو عبد الله البصري قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (قال: تذاكرنا عند إبراهيم) النخعي (الرهن في السلف) وقد أخرج الإسماعيلى من طريق ابن نمير عن للأعمش أن رجلاً قال لإبراهيم النخعي أن سعيد بن جبير يقول إن الرهن في السلم هو الربا المضمون فرد إبراهيم بهذا الحديث (فقال: حدّثني) بالإفراد (الأسود) ابن زياد (عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل معلوم) سقط لأبي ذر قوله معلوم (وارتهن) اليهودي (منه) ﵊ (درعًا من حديد) وقد قال الله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ إلى أن قال: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٢، ٢٨٣] وهو عام فيدخل فيه السلم ولأنه أحد نوعي البيع وقال المرداوي من الحنابلة في تنقيحه ولا يصح أخذ رهن وكفيل بمسلم فيه وعنه أي عن الإمام أحمد يصح وهو أظهر انتهى. واستدلّ للقول بالمنع بحديث أبي داود عن أبي سعيد من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره وجه الدلالة منه أنه لا يأمن هلاك الرهن في يده بعدوان فيصير مستوفيًا لحقه من غير المسلم فيه وعن ابن عباس رفعه من أسلم في شيء فلا يشترط على صاحبه غير قضائه أخرجه الدارقطني وإسناده ضعيف، ولو صح فهو محمول على شرط ينافي مقتضى العقد. وقال ابن بطال: وجه احتجاج النخعي بحديث عائشة أن الرهن لما جاز في الثمن جاز في المثمن وهو المسلم فيه إذ لا فرق بينهما. ٧ - باب السَّلَمِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ وَالأَسْوَدُ وَالْحَسَنُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا بَأْسَ فِي الطَّعَامِ الْمَوْصُوفِ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ مَا لَمْ يَكُ ذَلِكَ فِي زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ. (باب السلم إلى أجل معلوم وبه) أي باختصاص السلم بالأجل (قال ابن عباس) ﵄ فيما وصله الشافعي من طريق أبي حسان عن الأعرج عن ابن عباس، (وأبو سعيد) الخدري فيما وصله عبد الرزاق، (والأسود) بن يزيد مما وصله ابن أبي شيبة، (والحسن) البصري مما وصله سعيد بن منصور. (وقال ابن عمر) بن الخطاب مما وصله في الموطأ: (لا بأس) بالسلف (في الطعام الموصوف بسعر معلوم إلى أجل معلوم ما لم يك) أصله يكن فأسقط النون للتخفيف (ذلك) السلم (في زرع لم يبد صلاحه) فإن بدا صح وهذا مذهب المالكية كما مر تقريره في الباب السابق. ٢٢٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: أَسْلِفُوا فِي الثِّمَارِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَقَالَ: «فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ». وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن ابن أبي نجيح) عبد الله (عن عبد الله بن كثير) بالمثلثة المقري أو ابن المطلب بن أبي وداعة (عن أبي المنهال) بكسر الميم عبد الرحمن (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم) أي أهلها (يسلفون) بضم التحتية وبالفاء (في الثمار) بالمثلثة والجمع (السنتين والثلاث فقال) ﵊. (أسلفوا في الثمار في كيل معلوم) فيما يكال (إلى أجل معلوم). وقد أشار المؤلّف بالترجمة إلى الرد على من أجاز السلم الحال وهو مذهب الشافعية واستدلّ له بهذا الحديث المذكور في أوائل السلم. وقد أجاب الشافعية عنه كما سبق تقريره بحمل قوله إلى أجل معلوم على العلم بالأجل فقط فالتقدير عندهم من أسلم إلى أجل فليسلم إلى أجل معلوم لا مجهول، وأما السلم لا إلى أجل فجوازه بطريق الأولى لأنه إذا جاز مع الأجل وفيه الغرر فمع الحال أولى لكونه أبعد من الغرر فيصح السلم عند الشافعية حالاً ومؤجلاً فلو أطلق بأن لم يذكر الحلول ولا التأجيل انعقد حالاً ولو أقّت بالحصاد وقدوم الحاج ونحوهما مطلقًا لا يصح إذ ليس لهما وقت معين. وقال الحنفية والمالكية: لا بد من اشتراط الأجل لحديث الباب وغيره واختلفوا في حدّ الأجل فقال

стр. 1566

المالكية أقله خمسة عشر يومًا على المشهور وهو قول ابن القاسم نظرًا إلى أن ذلك مظنة اختلاف الأسواق غالبًا. وقال الطحاوي من الحنفية أقله ثلاثة أيام اعتبارًا بمدّة الخيار وعن بعض الحنفية لو شرط نصف يوم جاز وعن محمد شهر قال صاحب الاختيار وهو الأصح. (وقال عبد الله بن الوليد) العدني (حدّثنا سفيان) بن عيينة مما هو موصول في جامع سفيان قال: (حدّثنا ابن أبي نجيح وقال في كيل معلوم) وزاد (و) في (وزن معلوم) وصرح فيه بالتحديث وهو في السابق بالعنعنة. ٢٢٥٤ و ٢٢٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ قَالَ: "أَرْسَلَنِي أَبُو بُرْدَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى فَسَأَلْتُهُمَا عَنِ السَّلَفِ فَقَالَا: كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّأْمِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. قَالَ: قُلْتُ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن سليمان الشيباني) بفتح المعجمة (عن محمد بن أبي مجالد) بدون الألف واللام، ولأبي ذر: بإثباتهما أنه (قال: أرسلني أبو بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري (وعبد الله بن شداد) بالمعجمة وتشديد المهملة الأولى لما اختلفا في السلف (إلى عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة والزاي بينهما موحدة ساكنة (وعبد الله بن أبي أوفى فسألتهما عن السلف فقالا) أي ابن أبزى وابن أبي أوفى (كنا نصيب المغانم) هي ما أخذ من الكفار قهرًا (مع رسول الله ﷺ فكان يأتينا أنباط) جمع نبط كفرس ونبيط كجميل وهم نصارى الشأم الذين عمروها أو المزارعون (من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب)، ولأبي ذر: والزيت بالمثناة الفوقية آخره بدل الزبيب بالموحدة (إلى أجل مسمى) لم يذكر إلى أجل مسمى في الرواية السابقة في باب السلم إلى من ليس عنده أصل (قال) أي ابن أبي المجالد (قلت) لهما (أكان لهم) أي للأنباط (زرع أو لم يكن لهم زرع قال: ما كنا نسألهم عن ذلك). ومطابقته للترجمة في قوله إلى أجل مسمى كما لا يخفى، وقد ذكر الحديث قريبًا من ثلاث طرق باختلاف الشيوخ والزيادة في المتن وغيره. ٨ - باب السَّلَمِ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ (باب السلم إلى أن تنتج الناقة) بضم المثناة الفوقية الأولى وفتح الثانية وسكون النون بينهما آخره جيم أي إلى أن تلد. ٢٢٥٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الْجَزُورَ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ". فَسَّرَهُ نَافِعٌ: إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا". وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: بالإفراد (موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (أخبرنا جويرية) بن أسماء الضبعي البصري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله) بن عمر (﵁) وعن أبيه أنه (قال: كانوا) في الجاهلية (يتبايعون الجزور) بفتح الجيم واحد الإبل يقع على الذكر والأُنثى (إلى حبل الحبلة فنهى النبي ﷺ عنه فسره نافع) الراوي عن ابن عمر (إلى أن تنتج الناقة) بضم أوله وفتح ثالثه والناقة بالرفع أي تلد (ما في بطنها) زاد في باب بيع الغرر وحبل الحبلة ثم تنتج التي في بطنها لكنه لم ينسبه لتفسير نافع. نعم قال الإسماعيلي إنه مدرج من كلام نافع أي إلى أن تلد هذه الدابّة ويلد ولدها، والمراد أنه يبيع بثمن إلى نتاج النتاج وبطلان البيع المستفاد من النهي لأنه إلى أجل مجهول ففيه عدم جواز السلم إلى أجل غير معلوم، ولو أسند إلى شيء يعرف بالعادة خلافًا لمالك ورواية عن أحمد. وهذا الحديث قد مرّ في باب بيع الغرر وحبل الحبلة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٦ - كتاب الشفعة (بسم الله الرحمن الرحيم). (كتاب الشفعة) كذا لأبي ذر عن المستملي، ولأبي ذر أيضًا بعد البسملة السلم في الشفعة كذا في اليونينية. وقال الحافظ ابن حجر كتاب الشفعة بسم الله الرحمن الرحيم السلم في الشفعة كذا للمستملي وسقط ما سوى البسملة للباقين وثبت للجميع. ١ - باب الشُّفْعَةُ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ (باب الشفعة فيما لم يقسم) أي في المكان الذي لم يقسم والشفعة بضم المعجمة وسكون الفاء وحكي ضمها. وقال بعضهم لا يجوز غير السكون وهي في اللغة الضم على الأشهر من شفعت الشيء ضممته فهي ضم نصيب إلى نصيب ومنه شفع الأذان، وفي الشرع حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعوض واتفق على مشروعيتها خلافًا لما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها (فإذا وقعت الحدود) أي عينت (فلا شفعة) والمعنى في الشفعة دفع ضرر مؤونة القسمة واستحداث المرافق في الحصة الصائرة إليه كمصعد ومنور وبالوعة. ٢٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد

стр. 1567

قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا معمر) بميمين مفتوحتين بينهما مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) وقد اختلف على الزهري في هذا الإسناد فقال مالك عنه عن أبي سلمة وابن المسيب مرسلاً كذا رواه الشافعي وغيره والمحفوظ روايته عن أبي سلمة عن جابر أنه (قال: قضى رسول الله) ولأبوي ذر والوقت قضى النبي (¬ ﷺ بالشفعة في كل ما) أي في كل مشترك مشاع قابل للقسمة (لم يقسم فإذا وقعت الحدود) جمع حدّ وهو هنا ما تتميز به الأملاك بعد القسمة وأصل الحد المنع ففي تحديد الشيء منع خروج شيء منه ومنع دخول غيره فيه (وصرفت الطرق) بضم الصاد المهملة وكسر الراء المخففة وتُشدّد أي بينت مصارفها وشوارعها (فلا شفعة) لأنه لا مجال لها بعد أن تميزت الحقوق بالقسمة. وهذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر بلفظ: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعه أو حائط ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به، والربعة بفتح الراء تأنيث الربع وهو المنزل والحائط البستان، وقد تضمن هذا الحديث ثبوت الشفعة في المشاع وصدره يشعر بثبوتها في المنقولات وسياقه يُشعِر باختصاصها بالعقار وبما فيه العقار، ومشهور مذهب المالكية والشافعية والحنابلة تخصيصها بالعقار لأنه أكثر الأنواع ضررًا والمراد بالعقار الأرض وتوابعها المثبتة فيها للدوام كالبناء وتوابعه الداخلة في مطلق البيع من الأبواب والرفوف والمسامير وحجري الطاحون والأشجار فلا تثبت في منقول غير تابع، ويشترط أن يكون العقار قابلاً للقسمة واحترز به عما إذا كان لا يقبلها أو يقبلها بضرر كالحمام ونحوها لما سبق أن علة ثبوت الشفعة دفع ضرر مؤنة القسمة واستحداث المرافق في الحصة الصائرة إلى الشفيع. وفي الفتح وقد أخذ بعمومها في كل شيء مالك في رواية وهو قول عطاء، وعن أحمد تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات، وروى البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعًا: الشفعة في كل شيء، ورجاله ثقات إلا أنه قد أعلّ بالإرسال، وقد أخرج الطحاوي له شاهدًا من حديث جابر بإسناد لا بأس به انتهى. ومشهور مذهب مالك كما سبق تخصيصها بالعقار، وقال المرداوي الحنبلي في تنقيحه: ولا شفعة في طريق مشترك لا ينفذ ولا فيما تجب قسمته وما ليس بعقار كشجر وحيوان وجوهر وسيف ونحوها انتهى. وخرج بقوله في الحديث في كل شرك الجار ولو ملاصقًا خلافًا للحنفية حيث أثبتوها للجار الملاصق أيضًا. وفي الجامع: وللجار المقابل في السكة الغير النافذة أو المقابل في السكة النافذة فلا شفعة له اتفاقًا، واستدلّ لهم بقوله ﵊: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا" أخرجه أبو داود والترمذى، وقد زعم بعضهم أن قوله فإذا وقعت الحدود إلى آخره مدرج من كلام جابر قال لأن قوله الأول كلام تام والثاني كلام مستقل ولو كان الثاني مرفوعًا لقال وقال: إذا وقعت الحدود انتهى. ولا يخفى ما فيه لأن الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل والله الموفق. وحديث الباب قد سبق في باب بيع الشريك من شريكه. ٢ - باب عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَقَالَ الْحَكَمُ: إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهْوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ. (باب عرض الشفعة) أي عرض الشريك الشفعة (على صاحبها) الذي هي له (قبل) صدور (البيع). (قال الحكم) بن عتيبة بضم العين المهملة وفتح الفوقية والموحدة بينهما تحتية ساكنة مصغرًا الكوفي التابعي (إذا أذن) مستحق الشفعة (له) أي للشريك الذي يريد البيع (قبل البيع فلا شفعة له) وهذا وصله ابن أبي شيبة. (وقال الشعبي) عامر بن شراحيل الكوفي التابعي الكبير فيما وصله ابن أبي شيبة (من بيعت شفعته وهو شاهد لا يغيرها فلا شفعة له) ومذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأصحابهم لو أعلم الشريك بالبيع فأذن فيه فباع ثم أراد الشريك أن يأخذ بالشفعة فله ذلك، ومفهوم قوله في حديث مسلم السابق: ولا

стр. 1568

يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه الخ وجوب الإعلام، لكن حمله الشافعية على الندب وكراهة بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيه ويصدق على المكروه أنه ليس بحلال ويكون الحلال بمعنى المباح وهو مستوي الطرفين بل هو راجح الترك قاله النووي. وقال في المطلب: والخبر يقتضي استئذان الشريك قبل البيع ولم أظفر به في كلام أحد من أصحابنا وهذا الخبر لا محيد عنه، وقد صح، وقد قال الشافعي إذا صح الحديث فاضربوا بمذهبي عرض الحائط انتهى. ٢٢٥٨ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ: "وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَىَّ، إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَىَّ فِي دَارِكَ. فَقَالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا. فَقَالَ الْمِسْوَرُ وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا. فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةٍ أَوْ مُقَطَّعَةٍ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ". [الحديث ٢٢٥٨ - أطرافه في: ٦٩٧٧، ٦٩٧٨، ٦٩٨٠، ٦٩٨١]. وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد الحنظلي قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أخبرني) بالإفراد (إبراهيم بن ميسرة) ضد الميمنة (عن عمرو بن الشريد) بفتح العين وسكون الميم والشريد بفتح الشين المعجمة وكسر الراء المخففة آخره دال مهملة ابن سويد التابعي الثقة وأبوه صحابي أنه (قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة) بكسر ميم مسورة وسكون السين وفتح ميمي مخرمة وسكون الخاء المعجمة بينهما (فوضع يده على إحدى منكبي) بتأنيث إحدى، وأنكره بعضهم لأن المنكب مذكر، وفي نسخة الميدومي أحد بالتذكير وهو بخط الحافظ الدمياطي كذلك (إذ جاء أبو رافع) أسلم القبطي (مولى النبي ﷺ ¬) وكان للعباس فوهبه له ﵊، فلما بشر النبي ﷺ بإسلام العباس أعتقه وإذ للمفاجأة مضافة للجملة وجوابها قوله (فقال) أبو رافع (يا سعد ابتع) أي اشتر (مني بيتي) الكائنين (في دارك فقال سعد: والله ما أبتاعهما) أي ما أشتريهما، (فقال المسور والله لتبتاعنهما) بفتح اللام المؤكدة ونون التوكيد المثقلة، ووقع في رواية سفيان أن أبا رافع سأل المسور أن يساعده على ذلك (فقال سعد) لأبي رافع: (والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو) قال (مقطعة) وهما بمعنى أي مؤجلة والشك من الراوي، وفي رواية سفيان الآتية، إن شاء الله تعالى في ترك الحيل أربعمائة مثقال (قال أبو رافع لقد أعطيت بها خمسمائة دينار) بضم همزة أعطيت على صيغة المجهول (ولولا أني سمعت النبي) ولأبي ذر رسول الله (¬ ﷺ يقول): (الجار أحق بسقبه) بفتح السين المهملة والقاف وبعدها موحدة، ويجوز إبدال السين صادًا القرب والملاصقة أو الشريك (ما أعطيتكها) أي البقعة الجامعة للبيتين (بأربعة آلاف وأنا أعطى) بضم الهمزة وفتح الطاء مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: وإنما أعطى (بها خمسمائة دينار فأعطاها إياه) قال في معالم السنن: وقد احتج بهذا من يرى الشفعة بالجوار وأوّله غيره على أن المراد أن الجار أحق بسقبه إذا كان شريكًا فيكون معنى الحديثين على الوفاق دون الاختلاف، واسم الجار قد يقع على الشريك لأنه قد يجاور شريكه ويساكنه في الدار المشتركة بينهما كالمرأة تسمى جارة لهذا المعنى. قال: ويحتمل أنه أراد أحق بالبر والمعونة وما في معناهما، وكذا قال ابن بطال وزاد أن قولهم المراد به الشريك بناء على أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين، وتعقبه ابن المنير بأن ظاهر الحديث أن أبا رافع كان يملك بيتين من جملة دار سعد لا شقصًا شائعًا من منزل سعد انتهى. وإنما عدل عن الحقيقة في تفسير السقب إلى المجاز لأن لفظ أحق في الحديث يقتضي شركة في نفس الشفعة والذي له حق الشفعة الشريك والجار على مذهب القائل به ولا ريب أن الشريك أحق من غيره فكيف يرجح الجار عليه مع ورود تلك النصوص الصحيحة فيحمل الجار على الشريك جمعًا بين حديث جابر المصرح باختصاص الشفعة بالشريك وحديث أبي رافع إذ هو مصروف الظاهر اتفاقًا لأن الذين قالوا بشفعة الجوار قدّموا الشريك مطلقًا ثم المشارك في الطريق ثم على من ليس بمجاور ومن ثم تعين التأويل. وقال أبو سليمان أي الخطابي بعد أن ساق حديث أبي داود حدّثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: حدّثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة سمع عمرو بن الشريد سمع أبا رافع سمع النبي

стр. 1569

ﷺ يقول: "الجار أحق بسقبه" تكلم بعضهم في إسناد هذا الحديث واضطرب الرواة فيه فقال بعضهم: عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع سمع النبي ﷺ وقال بعضهم عن أبيه عن أبي رافع وأرسله بعضهم وقال فيه قتادة عن عمرو بن شعيب عن الشريد. قال: والأحاديث التي جاءت في أن لا شفعة إلا للشريك أسانيدها جياد وليس في شيء منها اضطراب انتهى. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في ترك الحيل عن علي بن عبد الله عن سفيان بن عيينة وعن محمد بن يوسف وأبي نعيم كلاهما عن سفيان الثوري وعن مسدد عن يحيى عن الثوري، وأخرجه أبو داود في البيوع عن العقيلي عن سفيان بن عيينة به وعن محمود بن غيلان عن أبي نعيم به، وأخرجه ابن ماجة في الأحكام من طريق ابن عيينة. ٣ - باب أَيُّ الْجِوَارِ أَقْرَبُ؟ هذا (باب) بالتنوين (أي الجوار أقرب) بكسر الجيم وتضم فيه إشعار إلى أن المؤلّف يختار مذهب الكوفيين في استحقاق الشفعة بالجوار لكنه لم يترجم له، وإنما ذكر الحديث في الترجمة الأولى وهو دليل شفعة الجوار، وأعقبه بهذا الباب ليدل بذلك على أن الأقرب جوارًا أحق من الأبعد لكنه لم يصرح في الترجمة بأن غرضه الشفعة، واستدلّ التوربشتي بإيراد البخاري حديث الجار أحق بسقبه على تقوية شفعة الجار وإبطال ما تأوله أبو سليمان الخطابي مشنعًا عليه، وأجاب شارح المشكاة بأن إيراد البخاري لذلك ليس بحجة على الإمام الشافعي ولا على الخطابي، وقد وافق محيي السُّنّة البغوي الخطابي في ذلك وإذا كان كذلك فلا وجه للتشنيع على الإمام أبي سليمان الذي لانَ له الحديث كما لانَ لأبي سليمان الحديد انتهى. ٢٢٥٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح. وَحَدَّثَنا عَلِيُّ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا". [الحديث ٢٢٥٩ - طرفاه في: ٢٥٩٥، ٦٠٢٠]. وبه قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن منهال السلمي الأنماطي وليس هو حجاج بن محمد الأعور قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (ح) لتحويل السند قال المؤلّف: (وحدّثني) بالإفراد (عليّ) غير منسوب، ولابن السكن وكريمة كما قال في فتح الباري، عليّ ابن عبد الله، ولابن شبويه علي بن المديني، ورجح أبو علي الجياني أنه علي بن سلمة اللبقي بفتح اللام والموحدة وبعدها قاف وبه جزم الكلاباذي وابن طاهر وهو الذي في رواية المستملي. قال الحافظ ابن حجر: وهذا يُشعِر بأن البخاري لم ينسبه وإنما نسبه من نسبه من الرواة بحسب ما طهر له، فإن كان كذلك فالأرجح أنه ابن المديني لأن العادة أن الإطلاق إنما ينصرف لمن يكون أشهر، وابن المديني أشهر من اللبقي ومن عادة البخاري إذا أطلق الرواية عن عليّ إنما يقصد به عليّ بن المديني انتهى. وفي اليونينية عليّ بن عبد الله ورقم على قوله ابن عبد الله علامة السقوط لأبي ذر قال: (حدّثنا شبابة) بفتح الشين المعجمة وتخفيف الموحدتين ابن سوّار المدايني أصله من خراسان رمي بالإرجاء. وقيل وكان داعية لكن وثّقه ابن معين وابن المديني وأبو زرعة وغيرهم، وحكى سعيد بن عمرو البرذعي عن أبي زرعة أنه رجع عن الإرجاء وقد احتج به الجماعة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا أبو عمران) عبد الملك بن حبيب الجوني بفتح الجيم وسكون الواو وبالنون (قال: سمعت طلحة بن عبد الله) بن عثمان بن عبيد الله بن معمر التيمي فيما جزم به المزي وقيل هو طلحة ابن عبد الله الخزاعي (عن عائشة ﵂) أنها قالت (قلت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي)؟ بضم الهمزة (قال) ﵊ وزاد أبو ذر: لي. (إلى أقربهما منك بابًا) قال الزركشي: ويروى قال أقربهما بإسقاط إلى وبالجر على حذف الجار وإبقاء عمله ويجوز الرفع وهو الأكثر، وليس في الحديث ما يدل على ثبوت شفعة الجوار لأن عائشة ﵂ إنما سألت عمن تبدأ به من جيرانها بالهدية، فأخبرها بأن من قرب أولى من غيره لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحب أن يشاركه فيه وأنه أسرع إجابة لجاره عند النوائب العارضة له في أوقات الغفلة، فلذلك بدئ به على من بعد. وهذا الحديث من إفراد المؤلّف لم يخرجه مسلم، وأخرجه أبو داود في الأدب والمؤلّف أيضًا فيه وفي الهبة.

стр. 1570

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٧ - كتاب الإجارة بكسر الهمزة على المشهور، وحكى الرافعي ضمها وصاحب المستعذب فتحها وهي لغة اسم للأجرة وشرعًا عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم فخرج بمنفعة العين وبمقصوده التافه كتفاحة للشم وبمعلومة القراض والجعالة على عمل مجهول، وبقابلة للبذل والإباحة البضع وبعوض هبة المنافع والوصية بها والشركة والإعارة وبمعلوم المساقاة والجعالة على عمل معلوم بعوض مجهول كالحج بالرزق. نعم يرد عليه بيع حق الممر ونحوه والجعالة على عمل معلوم بعوض معلوم. (بسم الله الرحمن الرحيم في الإجارات) بالجمع كذا في رواية المستملي. قال في الفتح: وسقط للنسفي في الإجارات وسقط للباقين كتاب الإجارة. ١ - باب في الإجارة اسْتِئْجَارِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ وَالْخَازِنِ الأَمِينِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَنْ أَرَادَهُ. هذا (باب) بالتنوين (في الإجارة استئجار الرجل الصالح) فيه إشارة إلى قطع وهم من لعله يتوهم أنه لا ينبغي استئجار الصالحين في الأعمال والخدم لأنه امتهان لهم قاله ابن المنير، ولأبي ذر: باب استئجار الرجل الصالح، وفي بعض النسخ: كتاب الإجارة في الإجارة استئجار الرجل الصالح. (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على السابق وبالرفع على الاستئناف ولأبي ذر: وقال الله تعالى: (﴿إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾) [القصص: ٢٦] تعليل شائع يجري مجرى الدليل على أنه حقيق بالاستئجار وللمبالغة فيه جعل خير اسمًا وذكر الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر مجرّب معروف، وأشار بذلك إلى قصة موسى ﵊ مع ابنة شعيب في سقيه المواشي. قال شريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد فيما قاله ابن كثير في تفسيره لما قالت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، ولما جئت معه تقدّمت أمامه فقال: كوني من ورائي فإذا اختلفت الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه (والخازن الأمين ومن لم يستعمل) من الأئمة (من أراده) أي لا يفوّض الأمر إلى الحريص على العمل لأنه لحرصه لا يؤمن، وهذان الجزءان من جملة الترجمة وقد ساق لكل منهما حديثًا. ٢٢٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيَّ ﷺ : «الْخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء بريد بن عبد الله أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (جدي أبو بردة) عامر على الأشهر (عن أبيه أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (الخازن الأمين الذي يؤدي) يعطي (ما أمر به) بضم الهمزة على صيغة المجهول من الصدقة حال كونه (طيبة) بما يؤدّيه (نفسه) رفع بطيبة، ولأبي ذر: طيب نفسه برفعهما على أن طيب خبر مبتدأ محذوف ونفسه فاعله أو توكيد. وقال الكرماني: وفي بعضها طيب نفسه مضافًا إلى النفس وإنما انتصب حالاً والحال لا يكون معرفة لأن الإضافة لفظية فلا تقبل التعريف، وقوله الخازن مبتدأ خبره (أحد المتصدقين) بفتح القاف على التثنية ويجوز كسرها على الجمع وهما في الفرع وأصله. واستشكل سياق هذا الحديث هنا من حيث أنه لا تعلق له بالإجارة المترجم بها. وأجاب السفاقسي: بأن الخازن لا شيء له في المال وإنما هو أجير، وقال الكرماني: أشار إلى أن خازن مال الغير كالأجير لصاحب المال، وقول ابن بطال: إنما أدخله لأن من استؤجر على شيء فهو أمين فيه ولا ضمان عليه فيه إن لم يفرط، وتبعه الزركشي في التنقيح، وتعقبه صاحب المصابيح بأن سقوط الضمان ليس منوطًا بالأمانة وإنما هو منوط بالائتمان حتى لو ائتمنه فوجده خائنًا لم يكن عليه ضمان والمسوق في الحديث هو من اتصف في الواقع بالأمانة فأنّى يؤخذ منه ما قاله فتأمله انتهى. وهذا الحديث سبق في باب أجر الخادم إذا تصدق من كتاب الزكاة. ٢٢٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: "أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، فَقُلْتُ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ. فَقَالَ: لَنْ -أَوْ لَا- نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ». [الحديث ٢٢٦١ - أطرافه في: ٣٠٣٨، ٤٣٤١، ٤٣٤٣، ٤٣٤٤، ٦١٢٤، ٦٩٢٣، ٧١٤٩، ٧١٥٦، ٧١٥٧، ٧١٧٢]. وبه قال: (حدّثنا مسدد)

стр. 1571

هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن قرة بن خالد) بضم القاف وتشديد الراء السدوسي البصري (قال: حدّثني) بالإفراد (حميد بن هلال) بضم الحاء مصغرًا العدوي البصري قال: (حدّثنا أبو بردة) عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ (قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين) لم يسميا وقد سمي من الأشعريين الذين قدموا مع أبي موسى في السفينة: كعب بن عاصم، وأبو مالك، وأبو عامر وغيرهم. (فقلت ما علمت أنهما يطلبان العمل) كذا ساقه هنا مختصرًا ولفظه في استتابة المرتدّين في باب حكم المرتد والمرتدة ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ورسول الله ﷺ يستاك فكلاهما سأل أي العمل فقال: يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس: قال قلت والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت أي انزوت (فقال) ولأبي ذر: قال: (لن) بالنون (أو) قال (لا) بالألف شك من الراوي (نستعمل على عملنا من أراده) لما فيه من التهمة بسبب حرصه ولأن من سأل الولاية وكّل إليها ولا يعان عليها، وفي نسخة الميدومي: إنّا لا نستعمل، وذكر السفاقسي أن في بعض النسخ لن أولي نستعمل بضم الهمزة وفتح الواو وتشديد اللام مع كسرها فعل مستقبل من الولاية. قال القطب الحلبي: فعلى هذه الرواية يكون لفظ نستعمل زائدًا أو يكون تقدير الكلام لن أولي على عملنا، وقد وقع هذا الحديث في الأحكام من طريق يزيد بن عبد الله عن أبي بردة بلفظ: إنّا لا نولي على عملنا وهو يعضد هذا التقدير قاله ابن حجر، ولما كان في الغالب أن الذي يطلب العمل إنما يطلبه لأجرة طابق ذلك ما ترجم له. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الإجارة والأحكام وفي استتابة المرتدين ومسلم في المغازي وأبو داود والنسائي في القضاء. ٢ - باب رَعْيِ الْغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ (باب رعي الغنم على قراريط) جمع قيراط وهو نصف الدانق أو نصف عشر الدينار أو جزء من أربعة وعشرين جزءًا. ٢٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ». وبه قال: (حدّثنا أحمد بن محمد) الأزرقي القوّاس (المكي) صاحب أخبار مكة قال: (حدّثنا عمرو بن يحيى) بفتح العين وسكون الميم (عن جده) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم) وللكشميهني: إلا راعي الغنم بألف بعد الراء وكسر العين (فقال أصحابه وأنت)؟ بحذف همزة الاستفهام أي: أو أنت أيضًا رعيتها؟ (فقال) ﵊: (نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) وفي رواية ابن ماجة عن سويد بن سعيد عن عمرو بن يحيى: كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط. وقال سويد شيخ ابن ماجة: يعني كل شاة بقيراط يعني القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم، وقال أبو إسحاق الحربي: قراريط اسم موضع بمكة، وصححه ابن الجوزي كابن ناصر وأيّده مغلطاي بأن العرب لم تكن تعرف القيراط. قال ابن حجر: لكن الأرجح الأول لأن أهل مكة لا تعرف بها مكانًا يقال له قراريط انتهى. وقال بعضهم: لم تكن العرب تعرف القيراط الذي هو من النقد، ولذا قال ﵊ كما في الصحيح "تفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط" لكن لا يلزم من عدم معرفتهم لها أن يكون النبي ﷺ لا يعرف ذلك، والحكمة في إلهامهم صلوات الله وسلامه عليهم رعي الغنم قبل النبوّة ليحصل لهم التمرّن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم ولأن في مخالطتها زيادة الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على مشقة الرعي ودفعوا عنها السباع الضارية والأيدي الخاطفة وعلموا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها وعرفوا ضعفها واحتياجها إلى النقل من مرعى إلى مرعى ومن مسرح إلى مراح، فرفقوا بضعيفها وأحسنوا تعاهدها فهو توطئة لتعريفهم سياسة أممهم وخصّ الغنم لأنها أضعف من غيرها، وفي ذكره ﷺ لذلك بعد أن علم أنه أشرف خلق الله ما فيه من التواضع والتصريح بمنته عليه. وهذا

стр. 1572

الحديث أخرجه ابن ماجة في التجارات. ٣ - باب اسْتِئْجَارِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الإِسْلَامِ وَعَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ (باب استئجار) المسلمين (المشركين عند الضرورة) أي عند عدم وجود مسلم (أو إذا لم يوجد أهل الإسلام) وفي نسخة عند الضرورة إذا لم يجد أهل الإسلام (وعامل النبي ﷺ يهود خيبر) على العمل في أرضها إذا لم يجد أحدًا من المسلمين ينوب منابهم في ذلك. قال ابن بطال: عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من المذلة لهم وإنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من الإذلال. ٢٢٦٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِي الدِّيلِ ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا -الْخِرِّيتُ: الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ- قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ؛ فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ فَارْتَحَلَا، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ وَهْوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ". وبه قال: (حدّثنا) ولأبوي ذر والوقت: حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) بن يزيد بن زاذان أبو إسحاق التميمي الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها قالت: (واستأجر) بواو العطف على قصة في هذا الحديث وهي ثابتة في أصله الطويل المسوق عند المؤلّف في باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، الحديث. وفيه خروج أبي بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وخروجه مع النبي ﷺ إلى غار ثور فمكثا فيه ثلاث ليالٍ يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت معهم فلا يسمع أمرًا يكادان به إلاّ وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك كل ليلة من الليالي، وسقط واو العطف المذكور لأبي ذر واستأجر (النبي) ولأبي الوقت: رسول الله (¬ ﷺ وأبو بكر رجلاً) مشركًا (من بني الديل) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية هو عبد الله بن أريقط. وقال ابن هشام: رجلاً من بني سهم بن عمرو وكان مشركًا. وهذا موضع الترجمة. (ثم من بني عبد بن عدي) بفتح العين وكسر الدال المهملة وتشديد التحتية بطن من بني بكر (هاديًا) للطريق (خريتًا) بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء وسكون التحتية بعدها مثناة فوقية صفتان لرجل، ونسب الحافظ ابن حجر الأخيرة لزيادة الكشميهني. قال الزهري (الخرّيت: الماهر بالهداية قد غمس) أي عبد الله بن أريقط (يمين حلف) بكسر الحاء المهملة وبعد اللام الساكنة فاء وغمس بفتح الغين المعجمة والميم والسين المهملة أي دخل (في) جملة (آل العاصي بن وائل) بالهمز من بني سهم رهط من قريش وغمس نفسه فيهم وكانوا إذا تحالفوا غمسوا أيديهم في دم أو خلوق أو شيء يكون فيه تلويث فيكون ذلك تأكيدًا للحلف، (وهو) أي عبد الله بن أريقط (على دين كفار قريش فأمناه) بكسر الميم المخففة بعد الهمزة المفتوحة من أمنت فلانًا فهو آمن وذلك مأمون والضمير للنبي ﷺ والصديق (فدفعا إليه راحلتيهما) تثنية راحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال يستوي فيه المذكر والمؤنث والتاء للمبالغة (ووعداه) ولأبي ذر: وواعداه بألف قبل العين فالأولى من الوعد والثانية من المواعدة (غار ثور) بالمثلثة كهفًا بجبل أسفل مكة (بعد ثلاث ليالٍ فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليالٍ ثلاث فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة) بضم الفاء وفتح الهاء وبعد الياء الساكنة راء مفتوحة، (والدليل الديلي) بكسر الدال المهملة وسكون الياء من غير همز هو عبد الله بن أريقط (فأخذ بهم) أي أخذ بالنبي ﷺ وأبي بكر وعامر عبد اللهّ بن أريقط الدليل وفي نسخة: أسفل مكة (وهو طريق الساحل) وفي الهجرة فأخذ بهم طريق الساحل بدون لفظ وهو. وهذا الحديث أخرجه

стр. 1573

في باب الإجارة والهجرة. ٤ - باب إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ -أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ- جَازَ وَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا الَّذِي اشْتَرَطَاهُ إِذَا جَاءَ الأَجَلُ هذا (باب) بالتنوين (إذا استأجر) الرجل (أجيرًا ليعمل له) عملاً (بعد ثلاثة أيام أو بعد شهر أو بعد سنة) وجواب إذا قوله (جاز) التواجر (وهما) أي المؤجر والمستأجر (على شرطهما الذي اشترطاه إذا جاء الأجل) قال العيني وهو جائز عند مالك وأصحابه بعد اليوم أو اليومين أو ما قرب إذا أنقده الأجرة، واختلفوا فيما إذا لم ينقده فأجازه مالك وابن القاسم. وقال أشهب: لا يجوز لأنه لا يدري أيعيش أم لا. وقياسه أن يستأجر منه منزلاً مدة معلومة قبل مجيء السنة بأيام يقول آجرتك الدار سنة بعد عشرة أيام فمذهب الشافعية عدم الصحة لأن منفعتها إذ ذاك غير مقدورة التسليم في الحال فأشبه بيع العين على أن يسلمها غدًا وهو بخلاف إجارة الذمة فإنه يجوز فيها تأجيل العمل كما في السلم فلو آجر السنة الثانية لمستأجر الأولى قبل انقضائها جاز لاتصال المدتين مع اتحاد المستأجر فهو كما لو آجرهما دفعة واحدة بخلاف ما لو آجرها من غيره لعدم اتحاد المستاجر. وقال الحنفية: إذا قال في شعبان مثلاً آجرتك داري في أول يوم من رمضان جاز مطلقًا لأن العقد يتحدد بحدوث المنافع وهو مذهب المالكية. ٢٢٦٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: "وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ". وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين بن خالد بن عقيل بفتح العين (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (فأخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوام (أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ¬) أنها (قالت: واستأجر) بواو العطف على قصة مذكورة في الحديث كما نبّه عليه في الباب السابق (رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً) اسمه عبد الله بن أريقط (من بني الديل) بكسر الدال (هاديًا) يرشد إلى الطريق (خريتًا) بكسر المعجمة وتشديد الراء ماهرًا يهتدي لأخرات المفازة وهي طرقها الخفية ومضايقها وقال الزهري فيما أدرجه في السابقة الماهر بالهداية (وهو على دين كفّار قريش) على أن يدلهما على طريق المدة بعد ثلاث ليالٍ، (فدفعا) أي النبى ﷺ وأبو بكر ﵁ (إليه) أي إلى عبد الله بن أريقط (راحلتيهما وواعداه) بألف قبل العين وبعد الدال (غار ثور) بأسفل مكة (بعد ثلاث ليال) زاد في نسخة الميدومي فأتاهما (براحلتيهما صبح ثلاث) نصب على الظرفية والعامل فيه واعداه وكذا العامل في غار ثور، واعترض الإسماعيلي على المصنف بأنه لا مطابقة بين الترجمة والحديث فإنه ليس فيه أنهما استأجراه على أن لا يعمل إلا بعد ثلاث بل الذي فيه أنهما استأجراه وابتدأ في العمل من وقته بتسلمه راحلتيهما منهما يرعاهما ويحفظهما إلى أن يتهيأ لهما الخروج. وأجيب: بأن الإجارة إنما كانت على الدلالة على الطريق من غير زيادة وأن يحضر لهما راحلتيهما بعد ثلاث ليالٍ عند الغار ثم يخدمهما بما أراداه من الدلالة على الطريق بعد الليالي الثلاث، وقاس المؤلّف على ذلك إذا كان ابتداء العمل بعد شهر أو بعد سنة فقاس الأجل البعيد على الأجل القريب ولم تكن إجارتهما له لخدمة الراحلتين، ويؤيده أن الذي كان يرعاهما عامر بن فهيرة لا الدليل كما في الحديث، وأما من قال ببطلان الإجارة إذا لم يشرع في العمل من وقت الإجارة فيحتاح إلى دليل. ٥ - باب الأَجِيرِ فِي الْغَزْوِ (باب الأجير في الغزو). ٢٢٦٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: "غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي، فَكَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا إِصْبَعَ صَاحِبِهِ، فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ وَقَالَ: أَفَيَدَعُ إِصْبَعَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا؟ قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ". وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدورقي قال: (حدّثنا إسماعيل ابن علية) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد التحتية اسم أمه واسم أبيه إبراهيم بن سهم الأسدي قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح (عن صفوان بن يعلى) بفتح الياء وسكون العين وفتح اللام مقصورًا (عن) أبيه (يعلى بن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية واسم أمه منية بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية (﵁) أنه (قال: غزوت مع النبي ﷺ جيش العسرة) بضم العين وسكون السين المهملتين

стр. 1574

هو غزوة تبوك وسمي بالعسرة لأن النبي ﷺ ندب الناس إلى الغزو في شدة القيظ وكان وقت طيب الثمرة فعسر ذلك وشق عليهم وكانت في سنة تسع من الهجرة، (فكان) الغزو (من أوثق أعمالي في نفسي فكان لي أجير) أي يخدمني بأجرة (فقاتل) الأجير (إنسانًا فعضَّ أحدهما إصبع صاحبه) وفي مسلم: العاض هو يعلى بن أمية (فانتزع إصبعه فأندر) بهمزة مفتوحة فنون ساكنة فدال مهملة مفتوحة فراء أي أسقط (ثنيته) بجذبه والثنية مقدم الأسنان والثنايا أربع ثنتان عليا وثنتان سفلى (فسقطت) من فيه (فانطلق) الذي ندرت ثنيته (إلى النبي ﷺ فأهدر) ﵊ (ثنيته) فلم يوجب له دية ولا قصاصًا (وقال) ﵊ له: (أفيدع) يترك (إصبعه في فيك تقضمها) بفتح الضاد المعجمة على اللغة الفصيحة وماضيه على ما قاله ثعلب بكسرها أي تأكلها بأطراف أسنانك والهمزة في أفيدع للاستفهام الإنكاري (قال) يعلى: (أحسبه) ﵊ (قال كما يقضم الفحل) الذكر من الإبل ويقضم بفتح الضاد كما مرّ. ٢٢٦٦ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ جَدِّهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ: "أَنَّ رَجُلاً عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَهْدَرَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁". (قال ابن جريج) عبد الملك بالإسناد السابق: (وحدّثني) بالإفراد (عبد الله) هو مؤذن ابن الزبير وقاضيه (ابن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام مصغرًا زهير بن عبد الله بن جدعان القرشي التيمي ونسبه لجده لشهرته به واسم أبيه عبيد الله بالتصغير فهو عبد الله بن عبيد الله بن زهير المكنى بأبي مليكة، وهذا هو الذي اعتمده المزي في التهذيب، وقيل هو عبد الله بن عبد الله بن عبد الله أبي مليكة بن زهير فالمكنى هو عبد الله وأبوه زهير فيكون نسبه إلى جد أبيه، وهذا كما قال في الإصابة المعتمد وعزاه لابن سعد وابن الكلبي وغيرهما (عن جده) الضمير على القول الأول يعود إلى أبي مليكة زهير، وعلى الثاني يعود إلى عبد الله بن زهير. وقد أخرج الحديث الحاكم أبو أحمد في الكنى عن أبي عاصم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أبيه عن جده عن أبي بكر الصديق ﵁ (بمثل هذه الصفة) بكسر الصاد المهملة وتخفيف الفاء وللأربعة القصة بالقاف المكسورة وتشديد الصاد المهملة (أن رجلاً عض يد رجل فأندر ثنيته) أي أسقطها (فأهدرها أبو بكر) الصديق (﵁) وفي هذا دليل للشافعية والحنفية حيث قالوا: إذا عض رجل يد غيره فنزع المعضوض يده فسقطت أسنان العاضّ أو فك لحييه لا ضمان عليه، وقال المالكية: يضمن ديتها. وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في الجهاد والمغازي والدّيات، ومسلم في الحدود، وأبو داود في الدّيات، والنسائي في القصاص. ٦ - باب مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَبَيَّنَ لَهُ الأَجَلَ، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْعَمَلَ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ يَأْجُرُ فُلَانًا: يُعْطِيهِ أَجْرًا. وَمِنْهُ فِي التَّعْزِيَةِ: أَجَرَكَ اللَّهُ. (باب من استأجر) ولأبي ذر: باب بالتنوين إذا استأجر (أجيرًا فبين له الأجل) أي المدة (ولم يبيّن العمل) الذي يعمله له هل يصح ذلك أم لا والذي مال إليه المصنف الجواز (لقوله) تعالى: (﴿إني أريد أن أنكحك﴾) أُزوجك (﴿إحدى ابنتي هاتين﴾ إلى قوله: (﴿على﴾) ولأبي ذر والله على (﴿ما نقول وكيل﴾) [القصص: ٢٧، ٢٨] شاهد على ما عقدنا واعترضه المهلب بأنه ليس في الآية دليل على جهالة العمل في الإجارة، لأن ذلك كان معلومًا بينهم وإنما حذف ذكره للعلم به. وأجاب ابن المنير: بأن البخاري لم يقصد جواز أن يكون العمل مجهولاً، وإنما أراد أن التنصيص على العمل باللفظ ليس مشروطًا وأن المتبع المقاصد لا الألفاظ، وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن ما وقع في النكاح على هذا الصداق خصوصية لموسى ﵊ لا يجوز لغيره لظهور الغرر في طول المدة، ولأنه قال "إحدى ابنتي هاتين" ولم يعينها. وهذا لا يجوز إلا بالتعيين. وأجاب في الكشاف: بأن ذلك لم يكن عقدًا للنكاح ولكن مواعدة، ولو كان عقدًا لقال قد أنكحتك ولم يقل إني أريد أن أنكحك، وقد اختلف فيما إذا تزوجها على أن يؤجرها نفسه سنة، فقال الشافعي: النكاح جائز على خدمته إذا كان وقتًا معلومًا ويجب عليه عين الخدمة سنة، وقال مالك: يفسخ النكاح إن لم يكن دخل بها فإن دخل ثبت النكاح بمهر

стр. 1575

المثل، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كان حرًّا فلها مهر مثلها، وإن كان عبدًا فلها خدمة سنة. وقال محمد: تجب عليه قيمة الخدمة سنة لأنها متقوّمة. ثم أخذ البخاري يفسر قوله في بقية الآية: ﴿على أن تأجرني﴾ فقال: (يأجر فلانًا) بضم الجيم (يعطيه أجرًا ومنه) أي ومن هذا المعنى قولهم (في التعزية) بالميت: (آجرك الله) بمد الهمزة أي يعطيك أجرك، وهكذا فسره أبو عبيدة في المجاز وزاد يأجرك يثيبك ولم يذكر حديثًا لأنه إنما يقصد بتراجمه بيان المسائل الفقهية واكتفى بالآية على ما أراده هنا فالله تعالى يثيبه، وثبت قوله يأجر فلانًا الخ لأبي ذر عن الكشميهني. ٧ - باب إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا عَلَى أَنْ يُقِيمَ حَائِطًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ جَازَ هذا (باب) بالتنوين (إذا استأجر) أحد (أجيرًا على أن يقيم حائطًا يريد أن ينقض) أي يسقط (جاز). ٢٢٦٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ- وَغَيْرُهُمَا قَالَ: قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ حَدَّثَنِي أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَانْطَلَقَا فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ» قَالَ سَعِيدٌ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَاسْتَقَامَ. قَالَ يَعْلَى حَسِبْتُ أَنَّ سَعِيدًا قَالَ: فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قَالَ سَعِيدٌ: أَجْرًا نَأْكُلُهُ". وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (﴿براهيم بن موسى) بن يزيد الفرّاء الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) أبو عبد الرحمن قاضي اليمن (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (يعلى بن مسلم) أي ابن هرمز (وعمرو بن دينار) المكي أبو محمد الأثرم الجمحي كلاهما (عن سعيد بن جبير) الأسدي الكوفي (يزيد أحدهما) أي يعلى أو عمرو (على صاحبه) واستشكل قوله: يزيد أحدهما على صاحبه فإنه يلزم من زيادة أحدهما على صاحبه نوع محال، وهو أن يكون الشيء مزيدًا ومزيدًا عليه. وأجاب الكرماني: بأنه أراد بأحدهما واحدًا معينًا منهما وحينئذٍ فلا إشكال، وإن أراد كل واحد منهما فمعناه أنه يزيد شيئًا لم يزده الآخر فهو مزيد باعتبار شيء ومزيد عليه باعتبار شيء آخر (وغيرهما) أي قال ابن جريج وأخبرني أيضًا غير يعلى وعمرو: (قال) ابن جريج (قد سمعته) أي الغير (يحدّثه) أي الحديث (عن سعيد) هو ابن جبير (قال لي ابن عباس ﵄: حدّثني) بالإفراد (أُبيّ بن كعب) الأنصاري الخزرجي سيد القراء ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) في حديث قصة موسى مع الخضر المسوق بتمامه في التفسير وسبق في كتاب العلم في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر. (فانطلقا) موسى والخضر (فوجدا جدارًا يريد أن ينقض) تدانى أن يسقط فاستعيرت الإرادة للمشارفة. (قال سعيد) هو ابن جبير أشار الخضر (بيده) إلى الجدار (هكذا ورفع) أي الخضر (يديه) بالتثنية إلى الجدار ومسحه (فاستقام) ولأبوي ذر والوقت: يده بالإفراد. (قال يعلى) بن مسلم (حسبت أن سعيدًا قال فمسحه) أي مسح الخضر الجدار (بيده فاستقام) وهذا ما زاده يعلى على عمرو في ذلك قال موسى للخضر (لو شئت لاتخذت عليه) بتشديد الفوقية وفتح الخاء المعجمة (أجرًا) تحريضًا على أخذ الجعل ليتعشيا به أو تعريضًا بأنه فضول لما في لو من النفي كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه. (قال سعيد) أي ابن جبير (أجرًا نأكله) ولأبي ذر أجر بالرفع بتقدير هو، وإنما يتم الاستدلال بهذه القصة لما ترجم له إذ قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا لقول موسى "لو شئت لاتخذت عليه أجرًا" لو شارطت على عمله بأجرة معينة لنفعنا ذلك. ٨ - باب الإِجَارَةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ (باب) حكم (الإجارة) من أول النهار (إلى نصف النهار). ٢٢٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ: ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ. فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلاً وَأَقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي بمعجمة فمهملة البصري قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد بن درهم (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (مثلكم) مع نبيكم (ومثل أهل الكتابين) التوراة والإنجيل مع أنبيائهم (كمثل رجل استأجر أُجراء) بضم الهمزة وفتح الراء على الجمع فالمثل مضروب للأمة مع نبيهم والممثل به الأُجراء مع من استأجرهم (فقال من يعمل لي من غدوة) بضم الغين المعجمة (إلى نصف النهار على قيراط) زاد في رواية عبد الله بن دينار قيراط قيراط وهو المراد (فعملت اليهود) زاد ابن دينار على قيراط قيراط (ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر) أول وقت دخولها أو أول الشروع فيها (على قيراط) قيراط (فعملت النصارى) على قيراط قيراط

стр. 1576

(ثم قال من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين) قيراطين (فأنتم هم فغضبت اليهود والنصارى) أي الكفار منهم (فقالوا) وفي التوحيد فقال أهل التوراة: (ما لنا أكثر عملاً) ممن عمل من العصر إلى الغروب (وأقل عطاء) منهم لأن الوقت من الصبح إلى الظهر أكبر وأكثر وأقل بالنصب على الحال كقوله تعالى: ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين﴾ [المدثر: ٤٩] أو خبر كان أي ما لنا كنّا أكثر وما لنا كنا أقل، وفي الفرع بالرفع فيهما خبر مبتدأ محذوف أي ما لنا نحن أكثر وما لنا نحن أقل وعملاً نصب على التمييز (قال) الله تعالى: (هل نقصتكم من حقكم) زاد في الرواية الآتية شيئًا (قالوا لا) لم تنقصنا (قال فذلك فضلي أُوتيه من أشاء) من عبادي وأراد المصنف ﵀ بهذا إثبات صحة الإجارة بأجر معلوم إلى أجل معلوم من جهة ضرب الشارع المثل بذلك. ٩ - باب الإِجَارَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ (باب الإجارة إلى صلاة العصر). ٢٢٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ثُمَّ عَمِلَتِ النَّصَارَى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ. فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلاً وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أُويس) واسمه عبد الله بن عبد الله بن أويس بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله ابن أُخت الإمام مالك (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار مولى عبد الله بن عمر عن) مولاه (عبد الله به عمر بن الخطاب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال): (إنما مثلكم) مع نبيكم (واليهود والنصارى) مع أنبيائهم بالخفض عطفًا على الضمير المخفوض في مثلكم بدون إعادة الجار وهو ممنوع عند البصريين إلا يونس وقطربا والأخفش وجوّزه الكوفيون قاطبة، والحديث مما يشهد لهم ويجوز الرفع وكلاهما في اليونينية والتقدير ومثل اليهود على حذف المضاف وإعطاء المضاف إليه إعرابه، ونقل الحافظ ابن حجر وجدانه مضبوطًا بالنصب في أصل أبي ذر ووجهه على إرادة المعية (كرجل استعمل عمالاً فقال من يعمل لي) أي من أول النهار (إلى نصف النهار على قيراط قيراط) مرتين. (فعملت اليهود) أي إلى نصف النهار (على قيراط قيراط) مرتين أيضًا. قال الطيبي: هذه حالة من حالات المشبه أدخلها في حالات المشبه به وجعلت من حالاته اختصارًا إذ الأصل قال الرجل من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعمل قوم إلى نصف النهار إلى آخره كذلك قال الله تعالى للأمم: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط فعملت اليهود إلى آخره ونظيره قوله تعالى: ﴿كمثل الذي استوقد نارًا﴾ إلى قوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ [البقرة: ١٧] فقوله ذهب الله بنورهم وصف للمنافقين وضع موضع وصف المستوقد اختصارًا. (ثم عملت النصارى) أي ثم قال من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراط فعملت النصارى (على قيراط قيراط ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغارب الشمس) بلفظ الجمع كما في رواية مالك ولعله باعتبار الأزمنة المتعددة باعتبار الطوائف المختلفة الأزمنة (على قيراطين قيراطين فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملاً) أي باعتبار مجموع عمل الطائفتين (وأقل عطاء قال) الله تعالى: (هل ظلمتكم) أي نقصتكم كما في رواية نافع في الباب السابق وإنما لم يكن ظلمًا لأنه تعالى شرط معهم شرطًا وقبلوا أن يعملوا به (من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا. فقال) تعالى ولأبي ذر قال: (فذلك فضلي أُوتيه من أشاء). قال الطيبي: وما ذكر من المقاولة والمكالمة لعله تخييل وتصوير ولم يكن حقيقة لأنه لم يكن ثمة اللهم إلا أن يحمل ذلك على حصوله عند إخراج الذر فيكون حقيقة. ١٠ - باب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ أَجْرَ الأَجِيرِ (باب إثم من منع أجر الأجير). ٢٢٧٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ». وبه قال: (حدّثنا يوسف بن محمد) العصفري الخراساني نزيل البصرة قال: (حدّثني) بالإفراد (يحيى بن سليم) بضم السين وفتح اللام الطائفي نزيل مكة صدوق سيئ الحفظ ولم يخرّج له المؤلّف سوى هذا الحديث وله أصل عنده من غير هذا الوجه واحتج به الباقون (عن إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاصي الأموي (عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (قال الله تعالى ثلاثة) من الناس (أنا خصمهم يوم

стр. 1577

القيامة رجل أعطى بي) أي أعطى العهد باسمي (ثم غدر) أي نقض العهد (ورجل باع حرًّا) عالمًا متعمدًا (فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه) العمل (ولم يعطه أجره). وهذا الحديث سبق في كتاب البيع في باب إثم من باع حرًّا. ١١ - باب الإِجَارَةِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ (باب الإجارة من العصر) من أول وقته (إلى) أول دخول (الليل). ٢٢٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلاً يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَعَمِلُوا لَهُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ. فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا، أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلاً، فَأَبَوْا وَتَرَكُوا، وَاسْتَأْجَرَ أَجِيرَيْنِ بَعْدَهُمْ فَقَالَ: أَكْمِلَا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمَ هَذَا وَلَكُمَا الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ الأَجْرِ فَعَمِلُوا، حَتَّى إِذَا كَانَ حِينُ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، وَلَكَ الأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ. فَقَالَ لَهُم: أَكْمِلَا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمَا فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَىْءٌ يَسِيرٌ، فَأَبَوا، وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بفتح العين والمد أبو كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية (عن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا) هم اليهود وهو من باب القلب أي كمثل قوم استأجرهم رجل أو هو من باب تشبيه المركب بالمركب لا تشبيه المفرد بالمفرد فلا اعتبار إلا بالمجموعين إذ التقدير مثل الشارع معكم كمثل رجل مع آخر (يعملون له عملاً يومًا إلى الليل على أجر معلوم) أي على قيراطين (فعملوا له إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا) إشارة إلى أنهم كفروا وتولوا واستغنى الله عنهم وهذا من إطلاق القول وإرادة لازمه ترك العمل المعبر به عن ترك الإيمان (وما عملنا باطل) إشارة إلى إحباط عملهم بكفرهم بعيسى إذ لا ينفعهم الإيمان بموسى وحده بعد بعثة عيسى (فقال لهم: لا تفعلوا) إبطال وترك الأجر المشروط (أكملوا) وللأبوين فقال أكملوا (بقية عملكم وخذوا أجركم كاملاً فأبوا وتركوا واستأجروا آخرين) بخاء معجمة فراء مكسورة وهم النصارى (بعدهم فقال) لهم (أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم) أي لليهود (من الأجر) وهو القيراطان (فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر) بنصب حين على أنه خبر كان الناقصة واسمها ضمير مستتر فيها يعود على انتهاء عملهم المفهوم من السياق وبالرفع على أنه فاعل كان التامة (قالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه) فكفروا وتولوا وحبط عملهم كاليهود (فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من النهار شيء يسير) بالنسبة لما مضى منه، والمراد ما بقي من الدنيا (فأبوا) أن يعملوا وتركوا أجرهم، وفي رواية غير أبوي ذر والوقت: واستأجر أجيرين بجيم مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فراء مفتوحة على التثنية فقال لهما أكملا بقية يومكما هذا ولكما الذي شرطت لهم من الأجر فعملا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالا لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه فقال لهما أكملا بقية عملكما فإن ما بقي من النهار شيء يسير فأبيا. وفي حديث ابن عمر السابق أنه استأجر اليهود من أول النهار إلى نصفه والنصارى منه إلى العصر فبين الحديثين مغايرة. وأجيب: بأن ذلك بالنسبة إلى من عجز عن الإيمان بالموت قبل ظهور دين آخر، وهذا بالنسبة إلى من أدرك دين الإسلام ولم يؤمن به والظاهر أنهما قضيتان، وقد قال ابن رشيد ما حاصله: إن حديث ابن عمر سيق مثالاً لأهل الأعذار لقوله فعجزوا فأشار إلى أن من عجز عن استيفاء العمل من غير أن يكون له صنيع في ذلك أن الأجر يحصل له تامًّا بفضل الله قال: وذكر حديث أبي موسى مثالاً لمن أخّر لغير عذر وإلى ذلك الإشارة بقوله عنهم لا حاجة لنا إلى أجرك فأشار بذلك إلى أن من أخّر عامدًا لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار انتهى. ووقع في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الماضية في باب من أدرك ركعة من العصر الآتية إن شاء الله تعالى في التوحيد ما يوافق رواية أبي موسى ولفظها: فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، وقال في أهل الإنجيل؛ فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا فهو يدل على أن مبلغ الأجرة لليهود لعمل النهار كله قيراطان، وأجر النصارى للنصف الباقي قيراطان فلما عجزوا عن العمل قبل تمامه لم يصيبوا إلا قدر عملهم وهو قيراط. (واستأجر) بالواو ولأبي ذر: فاستأجر بالفاء (قومًا) هم المسلمون (أن يعملوا له بقية يومهم

стр. 1578

فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين) اليهود والنصارى (كليهما) بإيمانهم بالأنبياء الثلاثة محمد وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم وحكى السفاقسي أن في روايته كلاهما بالألف وهو على لغة من يجعل المثنى في الأحوال الثلاثة بالألف (فذلك مثلهم) أي المسلمين (ومثل ما قبلوا من هذا النور) المحمدي وللإسماعيلي فذلك مثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسوله ومثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله به، واستدلّ به على أن بقاء هذه الأمة يزيد على الألف لأنه يقتضي أن مدة اليهود نظير مدتي النصارى والمسلمين، وقد اتفق أهل النقل على أن مدة اليهود إلى البعثة المحمدية كانت أكثر من ألفي سنة ومدة النصارى من ذلك ستمائة سنة وقيل أقل فتكون مدة المسلمين أكثر من ألف سنة قطعًا قاله في الفتح. ١٢ - باب مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ، فَعَمِلَ فِيهِ الْمُسْتَأْجِرُ فَزَادَ أَوْ مَنْ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَاسْتَفْضَلَ (باب من استأجر أجيرًا فترك أجره) وللكشميهني فترك الأجير أجره (فعمل فيه المستأجر) بالتجارة والزراعة (فزاد) فيه أي ربح (أو من) وفي بعض النسخ ومن (عمل في مال غيره فاستفضل) بالضاد المعجمة أي أفضل وليست السين للطلب وهو من باب عطف العام على الخاص. ٢٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلاً وَلَا مَالاً، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَىْءٍ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاً، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَىَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَىَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي، حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَىَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا. اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ". وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (سالم بن عبد الله أن) أباه (عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول): (انطلق ثلاثة رهط) قال الجوهري والرهط ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة قال تعالى: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط﴾ [النمل: ٤٨] فجمع وليس له واحد من لفظه مثل ذود (ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت) بقصر الهمزة كرموا والمبيت موضع البيتوتة (إلى غار) كهف في جبل (فدخلوه فانحدرت) هبطت (صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم) بضم الياء من الإنجاء أي لا يخلصكم (من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم) بسكون واو تدعوا وأصله تدعون فسقطت النون لدخول أن. (فقال) بالفاء ولأبي الوقت قال (رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران) هو من باب التغليب إذ المراد الأب والأم (وكنت لا أغبق قبلهما) بفتح الهمزة وإسكان الغين المعجمة وكسر الموحدة آخره قاف من الثلاثي كذا في الفرع فى نسخة أغبق بضم الموحدة وللأصيلي كما في الفتح أغبق بضم الهمزة من الرباعي وخطؤوه والغبوق شرب العشي أي ما كنت أقدّم عليهما في شرب نصيبهما من اللبن (أهلاً) أقارب (ولا مالاً) رقيقًا (فنأى) كسعى أي بعد (بي) ولكريمة والأصيلي كما في الفتح فناء بمد بعد النون بوزن جاء وهو بمعنى الأول (في طلب شيء) بعد (يومًا فلم أرح) بضم الهمزة وكسر الراء من أراح رباعيًّا أي لم أرجع (عليهما) أي على أبويّ (حتى ناما فحلبت) وللحموي والمستملي فحملت بالميم (لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين وكرهت) بالواو ولأبوي ذر والوقت: فكرهت (أن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً فلبثت والقدح) أي والحال أن القدح (على يدي) بتشديد آخره على التثنية (أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر) بفتح الراء أي ظهر ضياؤه (فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم وإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة) بفاءين مفتوحتين فراء مكسورة مشدّدة (فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج) منه. (قال النبي ﷺ وقال الآخر اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها) أي بسبب نفسها أو من جهتها وللحموي والمستملي: على نفسها أي مستعلية عليها وهو كناية عن طلب الجماع (فامتنعت مني حتى ألمت) بتشديد الميم وللكشميهني ألممت أي نزلت (بها سنة من السنين) المقحطة فأحوجتها (فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار) وفي البيوع مائة دينار والتخصيص بالعدد لا ينافي الزيادة أو المائة كانت بالتماسها والعشرين تبرّعًا منه كرامة لها (على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت)

стр. 1579

ذلك (حتى إذا قدرت عليها) وفي الرواية السابقة فلما قعدت بين رجليها (قالت لا أحلّ لك) بفتح الهمزة فى اليونينية وفي غيرها أحل بضمها من الإحلال (أن تفضّ الخاتم إلا بحقه) أي لا يحل لك إزاله البكارة إلا بالحلال وهو النكاح الشرعي المسوّغ للوطء (فتحرجت) أي تجنبت واحترزت من الإثم الناشئ (من الوقوع عليها) بغير حق (فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ وتركت الذهب الذي أعطيتها) قال العيني وفي رواية أبي ذر: التي أعطيتها والذهب يذكّر ويؤنّث (اللهم وإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج) بهمزة وصل وضم الراء (عنّا ما نحن فيه) أي من هذه الصخرة وقول الزركشي إنه في البخاري بقطع الهمزة وكسر الراء أي اكشف وفي رواية غير البخاري بهمزة وصل وضم الراء لم أره فيما وقفت عليه من نسخ البخاري المعتمدة كما قال بل في كلها بهمزة الوصل فالله أعلم (فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها). (قال النبي ﷺ : وقال الثالث اللهم إني استأجرت أُجراء) بضم الهمزة وفتح الجم والراء جمع أجير وسقط لفظ إني لأبي الوقت (فأعطيتهم أجرهم) بفتح الهمزة وسكون الجيم (غير رجل واحد) منهم (ترك) أجره (الذي له وذهب فثمرت) أي كثّرت (أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّي إليّ أجري) بياء ثابتة بعد الدال والصواب حذفها (فقلت له كل ما ترى) برفع كل والخبر قوله (من أجرك) وللكشميهني من أجلك باللام بدل الراء (من الإبل والبقر والغنم والرقيق) بيان لقوله ما ترى ولا منافاة بين قوله في السابقة بقرًا وراعيها (فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي) بسكون الهمزة مجزومًا على الأمر (فقلت) له (إني لا أستهزئ بك فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا اللهم فإن) بالفاء قبل الهمزة (كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنّا) بالوصل وضم الراء (ما نحن فيه) أي من هذه الصخرة (فانفرجت الصخرة فخرجوا) من الغار (يمشون) وقد تعقب المهلب المصنف بأنه ليس في الحديث دليل لما ترجم له فإن الرجل إنما اتّجر في أجر أجيره ثم أعطاه له على سبيل التبرع فإنه إنما كان يلزمه قدر العمل خاصة. وهذا الحديث قد سبق في كتاب البيوع وتأتي بقية مباحثه في أواخر أحاديث الأنبياء إن شاء الله تعالى بعون الله ومنّته. ١٣ - باب مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ، وَأُجْرَةِ الْحَمَّالِ (باب من آجر نفسه) لغيره (ليحمل) له متاعه (على ظهره ثم تصدق به) أي بأجره وللكشميهني: ثم تصدق منه (و) باب (أجرة الحمال) بالحاء المهملة، ولأبى ذر: وأجر بغير هاء. ٢٢٧٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشيّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ، فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ: مَا نُرَاهُ إِلاَّ نَفْسَهُ". وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (سعيد بن يحيى بن سعيد) أي ابن أبان بن سعيد بن العاصي الأموي (القرشي) البغدادي وسقط لغير أبي ذر القرشي قال: (حدّثنا أبي) يحيى بن سعيد قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق) أبي وائل (عن أبي مسعود) عقبة بن عامر (الأنصاري) البدري (﵁) أنه (قال): (كان رسول الله ﷺ إذا أمر بالصدقة) ولأبي ذر: إذا أمرنا بالصدقة (انطلق أحدنا) لما يسمعه من الأجر الجزيل فيها (إلى السوق فيحامل) بضم التحتية وكسر الميم من باب المفاعلة الكائنة من اثنين أي يعمل صنعة الحمالين فيحمل ويأخذ الأجرة من الآخر ليكتسب ما يتصدق به (فيصيب المد) من الطعام أجرة عما حمله وعند النسائي من طريق منصور عن أبي وائل ينطلق أحدنا إلى السوق فيحمل على ظهره (وإن لبعضهم) أي اليوم (لمائة ألف) من الدنانير أو الدراهم واللام للتأكيد وهي ابتدائية لدخولها على اسم أن وتقدم الخبر زاد النسائي وما كان له يومئذ درهم أي في اليوم الذي كان يحمل فيه بالأجرة لأنهم كانوا فقراء حينئذ واليوم هم أغنياء. (قال) أبو وائل (ما نراه) بفتح النون وضمها أي ما أظن أبا مسعود عقبة بن عامر أراد بذلك البعض (إلا نفسه) وفي نسخة بالفرع وأصله ما نراه يعني إلا نفسه. وهذا الحديث سبق في باب اتقوا النار ولو بشق تمرة من كتاب الزكاة. ١٤ - باب أَجْرِ السَّمْسَرَةِ وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ، فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا قَالَ بِعْهُ بِكَذَا، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَهْوَ لَكَ أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ». (باب) حكم (أجر السمسرة) بفتح السينين المهملتين

стр. 1580

بينهما ميم ساكنة أي الدلالة (ولم ير ابن سيرين) محمد (وعطاء) هو ابن أبي رباح (وإبراهيم) النخعي فيما وصله ابن أبي شيبة عنهم (والحسن) البصري (بأجر السمسار بأسًا. وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله ابن أبي شيبة (لا بأس أن يقول) للسمسار (بع هذا الثوب فما زاد على كذا وكذا فهو لك) وهذه أجرة سمسرة أيضًا لكنها مجهولة ولذلك لم يجزها الجمهور بل قالوا: إن باع على ذلك فله أجر مثله. (وقال ابن سيرين) محمد مما وصله ابن أبي شيبة أيضًا: (إذا قال بعه بكذا فما كان من ربح فهو لك) ولأبوي ذر والوقت: فلك (أو بيني وبينك فلا بأس به) وهذا أشبه بصورة المقارض من السمسار. (وقال النبي ﷺ : المسلمون عند شروطهم) أي الجائزة شرعًا وهذا روي من حديث عمرو بن عوف المزني عند إسحاق في مسنده ومن حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود والحاكم. ٢٢٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلَا يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. قُلْتُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا". وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا معمر) هو ابن راشد (عن ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) طاوس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: نهى النبي ﷺ أن يتلقى) بضم التحتية وفي بعض النسخ فوقية مبنيًا للمفعول (الركبان) بالرفع نائب عن الفاعل (ولا يبيع) بالنصب على أن لا زائدة (حاضر لبادٍ). قال طاوس (قلت يا ابن عباس ما قوله) أي: ما معنى قوله إلا يبيع حاضر لبادٍ؟ قال: لا يكون له سمسارًا). وهذا موضع الترجمة فإن مفهومه جواز أن يكون سمسارًا في بيع الحاضر لكن شرط الجمهور أن تكون الأجرة معلومة. وهذا الحديث سبق في باب النهي عن تلقي الركبان في كتاب البيوع. ١٥ - باب هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ؟ هذا (باب) بالتنوين (هل يؤاجر الرجل) المسلم (نفسه من مشرك في أرض الحرب) وهي دار الكفر. ٢٢٧٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ حَدَّثَنَا خَبَّابٌ قَالَ: "كُنْتُ رَجُلاً قَيْنًا، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ، فَأَقْضِيكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا﴾. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق النخعي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن مسلم) هو ابن صبيح بضم الصاد مصغرًا أبي الضحى (عن مسروق) هو ابن الأجدع قال: (حدّثنا خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى ابن الأرت التميمي من السابقين إلى الإسلام (﵁ قال: كنت رجلاً قينًا) بفتح القاف وسكون التحتية حدادًا (فعملت) أي سيفًا (للعاصي بن وائل) السهمي والد عمرو بن العاصي الصحابيّ المشهور وكان له قدر في الجاهلية ولكنه لم يوفق للإسلام وكان عمله ذلك له بمكة وهي إذ ذاك دار حرب وخباب مسلم، (فاجتمع لي عنده) زاد الإمام أحمد بن دراهم (فأتيته أتقاضاه) أي أطلب الدراهم أجرة عمل السيف (فقال) أي العاص: (لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: أما) بتخفيف الميم حرف تنبيه (والله) لا أكفر (حتى تموت ثم تبعث) مفهومه غير مراد لأن الكفر لا يتصوّر بعد البعث فكأنه قال: لا أكفر أبدًا (فلا) أي فلا أكفر والفاء لا تدخل في جواب القسم فهو مفسّر للمقدّر الذي حذقه. قال الكرماني: ويروى أما بالتشديد وتقديره أما أنا فلا أكفر والله وأما غيري فلا أعلم حاله (قال) العاصي: (وإني) بحذف همزة الاستفهام والتقدير أو أني (لميت ثم مبعوث)؟ قال خباب: (قلت) له (نعم. قال: فإنه سيكون لي ثم) بفتح المثلثة أي هناك (مال وولد فأقضيك) حقك (فأنزل الله ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولدًا﴾ [مريم: ٧٧]. وموضع الترجمة منه قوله: فعملت الخ … ووجه الدلالة أن العاصي كان مشركًا وكان خباب إذ ذاك مسلمًا ومكة حينئذ دار حرب، واطّلع عليه النبي ﷺ وأقرّه، لكن يحتمل أن يكون الجواز مقيدًا بالضرورة وقبل الإذن بقتال المشركين والأمر بعدم إذلال المؤمن نفسه. قال ابن المنير: والذي استقرت عليه المذاهب أن الصناع في حوانيتهم كالقين والخياط ونحوهما يجوز أن تعمل لأهل الذمة ولا يعدّ ذلك ذلّة بخلاف خدمته في منزله وبطريق التبعية له كالمكاري والبلان في الحمام ونحو ذلك. وهذا الحديث سبق في باب ذكر
следующие страницы →