Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
أي إذا اشتد فالفاء هنا وقعت موضع إذا كما وقعت إذا موضعها في قوله: ﴿إذا هم يقنطون﴾ [الروم: ٣٦] (فنزل بئرًا فشرب منها ثم خرج) من البئر (فإذا هو بكلب) حال كونه (يلهث) بفتح الهاء والشاء المثلثة أي يرتفع نفسه بين أضلاعه أو يخرج لسانه من العطش حال كونه (يأكل الثرى) بفتح المثلثة أي يكدم بفيه الأرض الندية (من العطش) وفي رواية الحموي والمستملي: من العطاش بضم العين كغراب. قال في القاموس: هو داء لا يروى صاحبه. وقال السفاقسي: داء يصيب الغنم تشرب فلا تروى، وهذا موضع ذكر هذه الرواية. وسها الحافظ ابن حجر فذكرها في فتح الباري، وتبعه العيني عند اشتداد العطش على الرجل وعبارته قوله: فاشتد عليه العطش كذا للأكثر وكذا هو في الموطأ، ووقع في رواية المستملي: العطاش. قال ابن التين: هو داء يصيب الغنم تشرب فلا تروى وهو غير مناسب هنا قال وقيل يصح على تقدير أن العطش يحدث عنه هذا الداء كالزكام.
قلت: وسياق الحديث يأباه فظاهره أن الرجل سقى الكلب حتى روي ولذلك جوزي بالمغفرة اهـ فتأمله.
(فقال) الرجل (لقد بلغ هذا) أي الكلب (مثل الذي بلغ بي) أي من شدّة العطش، وزاد ابن حبّان من وجه آخر عن أبي صالح: فرحمه، وقوله مثل بالرفع في فرع اليونينية والنسخة المقروءة على الميدومي وغيرهما مما وقفت عليه من الأصول المعتمدة. وحكاه ابن الملقن عن ضبط الحافظ الدمياطي على أنه فاعل بلغ. وقوله هذا مفعول به مقدّم، وقال الحافظ ابن حجر وتبعه العيني كالزركشي: مثل بالنصب نعت لمصدر محذوف أي بلغ مبلغًا مثل الذي بلغ بي. قال في المصابيح: وهذا لا يتعين لجواز أن يكون المحذوف مفعولاً به أي عطشًا.
وزاد أبو ذر هنا في روايته فنزل بئرًا (فملأ خفّه) ولابن حبان: فنزع إحدى خفّيه (ثم أمسكه بفيه) ليصعد من البئر لعسر المرتقى منها (ثم رقي) منها بفتح الراء وكسر القاف كصعد وزنًا ومعنى، ومقتضى كلام ابن التين أن الرواية رقى بفتح القاف وذلك أنه قال: ثم رقى كذا وقع وصوابه رقي على وزن علم ومعناه صعد. قال تعالى: ﴿أو ترقى في السماء﴾ [الإسراء: ٩٣] وأما رقى بفتح
القاف فمن الرقية وليس هذا موضعه وخرّجه على لغة طيئ في مثل بقي يبقى ورضي يرضى يأتون بالفتحة مكان الكسرة فتنقلب الياء ألفًا وهذا دأبهم في كل ما هو من هذا الباب انتهى.
قال العلاّمة البدر الدماميني: ولعل المقتضي لإيثار الفتح هنا إن صح قصد المزاوجة بين رقى وسقى وهي من مقاصدهم التي يعتمدون فيها تغيير الكلمة عن وضعها الأصلي انتهى.
(فسقى الكلب) زاد عبد الله بن دينار عن أبي صالح فيما سبق في كتاب الوضوء: حتى أرواه أي جعله ريان (فشكر الله له) أثنى عليه أو قبل عمله ذلك أو أظهر ما جازاه به عند ملائكته (فغفر له) وفي رواية عبد الله بن دينار: "فأدخله الجنة" بدل قوله: "فغفر له".
(قالوا) أي الصحابة وسمي منهم سراقة بن مالك بن جعشم فيما رواه أحمد وابنا ماجة وحبان (يا رسول الله) الأمر كما ذكرت (وإن لنا في) سقي (البهائم) أو الإحسان إليها (أجرًا) أتوا بالاستفهام المؤكد للتعجب (قال) ﵊ (في) إرواء (كل) ذي (كبد) بفتح الكاف وكسر الموحدة ويجوز سكونها وكسر الكاف وسكون الموحدة (رطبة) برطوبة الحياة من جميع الحيوانات أو هو الحيوانات أو هو من باب وصف الشيء باعتبار ما يؤول إليه فيكون معناه في كل كبد حرى لمن سقاها حتى تصير رطبة (أجر) بالرفع مبتدأ قدم خبره، والتقدير: أجر حاصل أو كائن في إرواء كل ذي كبد حي في جميع الحيوانات، لكن قال النووي: إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم وهو ما لم يؤمر بقتله فيحصل الثواب بسببه ويلتحق به إطعامه.
وفي هذا الحديث الحثّ على الإحسان وأن الماء من أعظم القربات، وعن بعض الصالحين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء، وأخرجه أيضًا في المظالم والأدب ومسلم في الحيوان وأبو داود في الجهاد.
(تابعه حماد بن سلمة) بفتح السين المهملة واللام (والربيع) بفتح الراء وكسر
стр. 1647
الموحدة (ابن مسلم) بكسر اللام المخففة البصري (عن محمد بن زياد) وسقطت هذه المتابعة من بعض النسخ.
٢٣٦٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَقَالَ: دَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ -حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ- تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ. قَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا".
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي قال: (حدّثنا نافع بن عمر) بن عبد الله بن الجمحي المكي (عن ابن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة واسمه زهير بن عبد الله الأحول المكي (عن أسماء بنت أبي بكر) الصديق (﵄ أن النبي ﷺ صلّى صلاة الكسوف فقال) أي بعد أن انصرف منها
(دنت) أي قربت (مني النار حتى قلت أي رب) بفتح الهمزة حرف نداء (وأنا معهم) بحذف همزة الاستفهام تقديره أو أنا معهم وفيه تعجب وتعجيب واستبعاد من قربه من أهل النار كأنه استبعد قربهم منه وبينه وبينهم كبعد المشرقين (فإذا امرأة) لم تسم لكن في مسلم أنها امرأة من بني إسرائيل، وفي أخرى له إنها حميرية وحمير قبيلة من العرب وليسوا من بني إسرائيل. قال نافع بن عمر: (حسبت أنه) أي ابن أبي مليكة أو قالت أسماء: حسبت أنه أي النبيّ ﷺ (قال تخدشها) بشين معجمة بعد الدال المهملة المكسورة أي تقشر جلدها (هرة) بالرفع على الفاعلية (قال) ﵊، وفي باب: ما يقرأ بعد التكبير قلت (ما شأن هذه)؟ أي المرأة (قالوا حبستها حتى ماتت جوعًا) وتقدم هذا الحديث بأتم من هذا في أوائل صفة الصلاة.
٢٣٦٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، قَالَ: فَقَالَ: -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-: لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِيهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ».
[الحديث ٢٣٦٥ - طرفاه في: ٣٣١٨، ٣٤٨٢].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(عذبت امرأة) بضم العين وكسر المعجمة مبنيًّا للمفعول (في) شأن (هرة) أو بسبب هرة واحتج به ابن مالك على ورود في للسببية (حبستها حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها) أي بسببها (النار قال) أي النبي ﷺ (فقال) الله أو مالك خازن النار (والله أعلم) جملة معترضة بين قوله فقال وقوله (لا أنت أطعمتيها) بإشباع كسرة التاء ياء كذا في رواية المستملي والكشميهني وفي رواية الحموي أطعمتها بدون إشباع (ولا سقيتيها حين حبستيها) بإشباع كسرة التاء فيهما ياء وفي اليونينية حذف الياء من سقيتيها (ولا أنت أرسلتيها) بإشباع كسرة التاء ياء ولأبي ذر أرسلتها بغير إشباع وسقط في نسخة لفظ أنت (فأكلت) وللكشميهني: فتأكل (من خشاش الأرض) حشراتها. وحكى الزركشي تثليث الخاء المعجمة. وقال في المصابيح ليس فيه تصريح بأن الرواية بالتثليث ولم أتحقق ذلك فيبحث عنه انتهى.
قلت: كذا هو بالتثليث في فرع اليونينية، وقد سبق الزركشي إلى حكاية التثليث صاحب المشارق، لكن قال النووي: إن الفتح أشهر.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أن هذه المرأة لما حبست الهرة إلى أن ماتت الهرة جوعًا وعطشًا فاستحقت هذا العذاب فلو كانت سقتها لم تعذب، ومن هنا يعلم فضل سقي الماء وهل كانت هذه المرأة كافرة أو مؤمنة؟ قال القرطبي: كلاهما محتمل. وقال النووي: الصواب أنها كانت مسلمة وأنها دخلت النار بسبب الهرة كما هو ظاهر الحديث، وهذه المعصية ليست صغيرة بل صارت
بإصرارها كبيرة، وليس في هذا الحديث أنها تخلد في النار، وقد أخرجه مسلم في الأدب وفي الحيوان.
١٠ - باب مَنْ رَأَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَوْضِ وَالْقِرْبَةِ أَحَقُّ بِمَائِهِ
(باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه) من غيره.
٢٣٦٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: "أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: يَا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد العزيز عن) أبيه (أبي حازم) سلمة بن دينار المدني (عن سهل بن سعد) الساعدي الأنصاري الخزرجي المتوفى سنة ثمان وثمانين أو بعدها وقد جاوز المائة (﵁) أنه (قال أُتي رسول الله ﷺ ¬) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بقدح) فيه ماء (فشرب) زاد في باب الشرب: منه (وعن يمينه غلام هو) ولأبي ذر: وهو (أحدث القوم) سنًّا وكان مولده قبل الهجرة بثلاث سنين ﵁ (والأشياخ عن يساره) ﷺ وكان فيهم خالد بن الوليد (قال) ﵊ ولأبي الوقت فقال أي لابن عباس:
(يا غلام أتأذن لي أن
стр. 1648
أعطي الأشياخ) القدح ليشربوا (فقال) ابن عباس: (ما كنت لأُوثر بنصيبي منك أحدًا يا رسول الله فأعطاه) ﵊ (إياه).
قال المهلب: لا مناسبة بين الحديث والترجمة إذ لا دلالة فيه على أن صاحب الماء أحق به وإنما فيه أن الأيمن أحق.
وأجاب ابن المنير بأن استدلال البخاري ألطف من ذلك لأنه إذا استحقه الأيمن بالجلوس واختص به فكيف لا يختص به صاحب اليد المتسبب في تحصيله؟ وتعقبه العيني فقال: فيه نظر لأن الفرق ظاهر بين الاستحقاقين فاستحقاق الأيمن غير لازم حتى إذا منع ليس له الطلب الشرعي بخلاف صاحب اليد.
وأجاب في فتح الباري: بأن مناسبته من حيث إلحاق الحوض والقربة بالقدح فكان صاحب القدح أحق بالتصرف فيه شربًا وسقيًا، وتعقبه في عمدة القاري فقال: إن كان مراده القياس عليه فغير صحيح لما تقدم، وإن كان مراده من الإلحاق أن صاحب القدح مثل صاحب القربة في الحكم فليس كذلك على ما لا يخفى قال وقوله فكان صاحب القدح أحق بالتصرف فيه شربًا وسقيًا لا يخلو أن يقرأ قوله: فكأن بكاف التشبيه دخلت على أن بفتح الهمزة أو كان بلفظ الماضي من الأفعال
الناقصة وأيًّا ما كان ففساده ظاهر يعرف بالتأمل، لكن قد يقال: إن صاحب الحوض مثل صاحب القدح في مجرد الاستحقاق مع قطع النظر عن اللزوم وعدمه انتهى.
وهذا الحديث قد مرّ في باب الشرب.
٢٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَذُودَنَّ رِجَالاً عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد الشين المعجمة أبو بكر بندار قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر البصري ربيب شعبة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن زياد) القرشي الجمحي المدني أنه قال: (سمعت أبا هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(و) الله (الذي نفسي بيده) بقدرته (لأذودن) بهمزة مفتوحة فذال معجمة مضمومة ثم واو ساكنة ثم دال مهملة أي لأطردن (رجالاً عن حوضي) المستمد من نهر الكوثر (كما تذاد) تطرد الناقة (الغريبة من الإبل عن الحوض) إذا أرادت الشرب والحكمة في الذود المذكور أنه ﷺ يريد أن يرشد كل أحد إلى حوض نبيه على ما سيجيء إن شاء الله تعالى في ذكر الحوض من كتاب الرقاق: إن لكل نبي حوضًا أو أن المذودين هم المنافقون أو المبتدعون أو المرتدون الذين بدلوا.
ومناسبته للترجمة في قوله حوضي فإنه يدل على أنه أحق بحوضه وبما فيه.
وهذا الحديث ذكره المؤلّف معلقًا، وأخرجه مسلم موصولاً في فضائل النبي ﷺ .
٢٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ- لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا. وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ. قَالُوا نَعَمْ".
[الحديث ٢٣٦٨ - أطرافه في: ٢٣٦٢، ٣٣٦٣، ٣٣٦٤، ٣٣٦٥].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (عبد الله بن محمد) المسندي بفتح النون قال: (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين وسكون العين ابن راشد (عن أيوب) السختياني (وكثير بن كثير) بالمثلثة فيهما ابن المطلب بن أبي وداعة السهمي الكوفي (يزيد أحدهما على الآخر) قال صاحب الكواكب: كلٌّ منهما مزيد ومزيد عليه باعتبارين (عن سعيد بن جبير) أنه (قال: قال ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ ¬):
(يرحم الله أُم إسماعيل) هاجر (لو تركت زمزم) لما ضرب جبريل موضعها بعقبه حتى ظهر ماؤها ولم تحوضه (أو قال) ﵊ (لو لم تغرف من الماء) إلى القربة والشك من الراوي (لكانت عينًا معينًا) بفتح الميم أي ظاهرًا جاريًا على وجه الأرض لأن ظهورها نعمة من لله محضة بغير عمل عامل فلما خالطها تحويض هاجر داخلها كسب البشر فقصرت على ذلك (وأقبل جرهم) بضم الجيم وسكون الراء حيّ من اليمن وهو ابن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح (فقالوا) لأُم إسماعيل (أتأذنين) لنا (أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولا حق لكم في الماء. قالوا: نعم) بفتح العين وفي لغة كنانة وهذيل كسرها وهي حرف تصديق ووعد وإعلام، فالأول بعد الخبر كقام زيد أو ما قام زيد، والثاني بعد أفعل ولا تفعل وما في معناهما نحو هلاّ تفعل وهلاّ لم تفعل وبعد الاستفهام في نحو: هل تعطيني، والثالث المتعين بعد الاستفهام في نحو: هل جاءك زيد، ونحو: ﴿فهل وجدتم ما وعد
стр. 1649
ربكم حقًّا﴾ [الأعراف: ١٤٤] ولم يذكر سيبويه معنى الإعلام البتّة بل قال: وأما نعم فعدة وتصديق، وأما بلى فيوجب بها بعد النفي وكأنه رأى أنه إذا قيل هل قام زيد؟ فقيل: نعم فهي لتصديق ما بعد الاستفهام والأولى ما ذكرناه من أنها للإعلام إذ لا يصح أن يقال لقائل ذلك صدقت لأنه إنشاء لا خبر، وليعلم أنه إذا قيل: قام زيد فتصديقه نعم وتكذيبه لا ويمتنع دخول بلى لعدم النفي، وإذا قيل ما قام زيد فتصديقه نعم وتكذيبه بلى، ومنه: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى﴾ [التغابن: ٧] ويمتنع دخول لا لأنها لنفي الإثبات لا لنفي النفي، وإذا قيل أقام زيد فهو مثل قام زيد أعني إنك إذا أثبت القيام نعم، وإذا نفيته لا. ويمتنع دخول بلى. وإذا قيل: ألم يقم زيد فهو مثل لم يقم زيد فتقول إن أثبت القيام بلى ويمتنع دخول لا وإن نفيته قلت نعم. قال تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وعن ابن عباس أنه لو قيل: نعم في جواب ﴿ألست بربكم﴾ كان كفرًا، والحاصل أن بلى لا تأتي إلا بعد نفي وأن لا لا تأتي إلا بعد إيجاب وأن نعم تأتي بعدها، وإنما جاز ﴿بلى وقد جاءتك آياتي﴾ [الزمر: ٥٩] مع أنه لم تتقدم أداة نفي لأن: ﴿لو أن الله هداني﴾ [الزمر: ٥٧] يدل على نفي هدايته ومعنى الجواب حينئذٍ بلى قد هديتك بمجيء الآيات أي قد أرشدتك بذلك.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في أحاديث الأنبياء والنسائي في المناقب.
٢٣٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهْوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ».
قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -غَيْرَ مَرَّةٍ- عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (عبد الله بن محمد) البخاري المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ثلاثة) من الناس (لا يكلمهم الله يوم القيامة) عبارة عن غضبه عليهم وتعريض بحرمانهم حال مقابلتهم في الكرامة والزلفى من الله، وقيل: لا يكلمهم بما يحبون ولكن بنحو قوله: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (ولا ينظر إليهم) نظر رحمة أولهم (رجل حلف على سلعة) ولأبي ذر: على سلعته (لقد أعطى) بفتح الهمزة والطاء لمن اشتراها منه (بها) أي بسببها ولأبي ذر: أعطي بضم الهمزة وكسر الطاء مبنيًّا للمفعول أي أعطاه من يريد شراءها (أكثر مما أعطى) بفتح الهمزة والطاء أي دفع له أكثر مما أعطى زيد الذي استامه (وهو كاذب) جملة حالية (و) الثاني (رجل حلف على يمين كاذبة) أي محلوف فسمى يمينًا مجازًا للملابسة بينهما والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه وإلاّ فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه فيكون من مجاز الاستعارة (بعد العصر) قال الخطابي: خصّ وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة كل وقت لأن الله عظّم هذا الوقت، وقد روي أن الملائكة تجتمع فيه وهو ختام الأعمال والأمور بخواتيمها فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها (ليقتطع بها مال رجل مسلم) أي ليأخذ قطعة من ماله (و) الثالث (رجل منع فضل ماء) زائد عما يحتاج إليه ولأبي ذر فضل مائه (فيقول الله اليوم أمنعك فضلي) بضم العين (كما منعت فضل ما لم تعمل يداك).
(قال عليّ) هو ابن المديني: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (غير مرة عن عمرو) هو ابن دينار أنه (سمع أبا صالح) ذكوان السمان (يبلغ به النبي) أي يرفع أبو صالح الحديث إلى النبي (¬ ﷺ ¬) فيه إشارة إلى أن سفيان كان يرسل هذا الحديث كثيرًا ولكنه صحح الموصول لكونه سمعه من الحفاظ موصولاً، وقد أخرجه أيضًا عمرو الناقد فيما أخرجه عنه عن سفيان.
ومناسبة الحديث للترجمة من حيث أن المعاقبة وقعت على منع الفضل فدلّ على أنه أحق بالأصل، وقد مضى هذا الحديث في باب: إثم من منع ابن السبيل من الماء.
١١ - باب لَا حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ -
هذا (باب) بالتنوين (لا حمى إلا لله ولرسوله ﷺ ¬) الحمى بكسر الحاء وفتح الميم من غير تنوين
مقصورًا وهو لغة المحظور واصطلاحًا ما يحمي الإمام من الموات لمواشٍ بعينها ويمنع سائر الناس الرعي فيه.
٢٣٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
قَالَ: «لَا حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ». وَقَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ.
[الحديث ٢٣٧٠ - طرفه في: ٣٠١٣].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حدّثنا الليث) بن سعد (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله
стр. 1650
بن عتبة) بضم العين وسكون التاء (عن ابن عباس ﵄ أن الصعب بن جثامة) بفتح الصاد المهملة وسكون العين وجثامة بفتح الجيم وتشديد المثلثة الليثي (قال: إن رسول الله ﷺ قال):
(لا حمى) لأحد يخص نفسه به يرعى فيه ماشيته دون سائر الناس (إلا لله) (ولرسوله) ومن قام مقامه ﵊ وهو الخليفة خاصة، إذا احتيج إلى ذلك لمصلحة المسلمين كما فعل العمران وعثمان ﵃، وإنما يحمي الإمام ما ليس بمملوك كبطون الأودية والجبال والموات.
وفي النهاية قيل: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا في حيّه استعوى كلبًا فحمى مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون فيه فنهى النبي ﷺ عن ذلك وأضاف الحمى إلى الله ورسوله أي إلا ما يحمى للخيل التي ترصد للجهاد والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله تعالى وإبل الزكاة وغيرها.
(وقال) أي ابن شهاب بالسند السابق مرسلاً (بلغنا) ولأبي ذر وقال أبو عبد الله أي البخاري بلغنا (أن النبي ﷺ حمى النقيع) بفتح النون وكسر القاف وبعد التحتية الساكنة عين مهملة وهو موضع على عشرين فرسخًا من المدينة وقدره ميل في ثمانية أميال كما ذكره ابن وهب في موطئه، وهو في الأصل كل موضع يستنقع فيه الماء أي يجتمع فإذا نضب الماء نبت فيه الكلأ وهو غير نقيع الخضمات، وقد توهم رواية أبي ذر حيث قال: وقال أبو عبد الله بلغنا أنه من كلام المؤلّف وإنما الضمير المرفوع في بلغنا يرجع إلى الزهري كما صرح به أبو داود.
(وأن عمر) بن الخطاب ﵁ (حمى السرف) بفتح السين المهملة والراء كذا في فرعين لليونينية كهي، وفي النسخة المقروءة على الميدومي وغيرها السرف بكسر الراء ككتف موضع قرب التنعيم، وذكر القاضي عياض أنه الذي عند البخاري، وقال الدمياطي: إنه خطأ، وفي نسخة بالفرع وأصله الشرف بفتح الشين المعجمة والراء وهو كذلك في بعض الأصول المعتمدة وهو الذي في موطأ ابن وهب، ورواه بعض رواة البخاري أو أصلحه وهو الصواب وأما سرف فلا يدخله الألف واللام كما قاله القاضي عياض (والربذة) بفتح الراء والموحدة والمعجمة موضع معروف بين الحرمين وقوله وأن عمر الخ … عطف على الأول وهو من بلاغ الزهري أيضًا. وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة.
وحديث الباب أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد وأبو داود في الخراج والنسائي في الحمى والسِّيَر.
١٢ - باب شُرْبِ النَّاسِ وسقيِ الدَّوَابِّ مِنَ الأَنْهَارِ
(باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار).
٢٣٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ بِهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، فَهِيَ لِذَلِكَ أَجْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ. وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ فَقَالَ: مَا أُنْزِلَ عَلَىَّ فِيهَا شَىْءٌ إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
[الحديث ٢٣٧١ - أطرافه في: ٢٨٦٠، ٣٦٤٦، ٤٩٦٢، ٤٩٦٣، ٧٣٥٦].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك بن أنس) الإمام (عن زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر المدني (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(الخيل لرجل أجر) أي ثواب (ولرجل ستر) أي ساتر لفقره ولحاله (وعلى رجل وزر) أي إثم ووجه الحصر في هذه أن الذي يقتني الخيل إما أن يقتنيها للركوب أو للتجارة وكلٌّ منهما إما أن يقترن به فعل طاعة الله وهو الأول أو معصيته وهو الأخير أو يتجرد عن ذلك وهو الثاني (فأما) الأول (الذي) هي (له أجر فرجل ربطها في سبيل الله) أي أعدّها للجهاد (فأطال بها) ولأبي ذر: لها باللام بدل الموحدة (في مرج) بفتح الميم وبعد الراء الساكنة جيم أرض واسعة فيها كلأ كثير (أو روضة) شك من الراوي (فما أصابت في طيلها ذلك) بكسر الطاء المهملة وبعد التحتية المفتوحة لام الحبل الذي يربط به ويطوّل لها لترعى ويقال طول بالواو المفتوحة بدل الياء (من المرج أو الروضة كانت له) أي لصاحبها، ولأبي ذر: كان لها (حسنات) بالنصب (ولو أنه انقطع طيلها فاستنت) بفتح الفوقية وتشديد النون أي عدت بمرح ونشاط أي رفعت يديها وطرحتهما معًا (شرفًا أو شرفين) بالشين المعجمة المفتوحة والفاء فيهما أي شوطًا أو شوطين وسمي به لأن المغازي يشرف على
стр. 1651
ما
يتوجه إليه وقال في المصابيح كالتنقيح الشرف العالي من الأرض (كانت آثارها) في الأرض بحوافرها عند خطواتها (وأرواثها حسنات له) أي لصاحبها (ولو أنها مرّت بنهر) بفتح الهاء وسكونها لغتان فصيحتان (فشربت منه) من غير قصد صاحبها (ولم يرد أن يسقي) بحذف ضمير المفعول (كان ذلك) أي شربها وعدم إرادته أن يسقيها (حسنات له فهي لذلك أجر) لرابطها. وهذا موضع الترجمة (و) الثاني الذي هي له ستر (رجل ربطها تغنيًّا) بفتح الفوقية والغين المعجمة وكسر النون المشددة أي استغناء عن الناس يطلب نتاجها (وتعففًا) عن سؤالهم فيتجر فيها أو يتردّد عليها متاجرة أو مزارعة (ثم لم ينس حق الله) المفروض (في رقابها) فيؤدي زكاة تجارتها (ولا) في (ظهورها) فيركب عليها في سبيل الله أو لا يحملها ما لا تطيقه (فهي لذلك) المذكور (ستر) لصاحبها أي ساترة لفقره ولحاله (و) الثالث الذي هي له وزر (رجل ربطها فخرًا) نصب للتعليل أي لأجل الفخر أي تعاظمًا (ورياءً) أي إظهارًا للطاعة والباطن بخلاف ذلك (ونواء) بكسر النون وفتح الواو وممدودًا أي عداوة (لأهل الإسلام فهي على ذلك) الرجل (وزر) إثم.
(وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر) أي عن صدقتها كما قال الخطابي والسائل هو صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق (فقال) ﵊: (ما أنزل عليّ فيها شيء) منصوص (إلا هذه الآية الجامعة) أي العامة الشاملة (الفاذة) بالذال المعجمة المشددة أي القليلة المثل المنفردة في معناها فإنها تقتضي أن من أحسن إلى الحمر رأى إحسانه في الآخرة ومن أساء إليها وكلفها فوق طاقتها رأى إساءته لها في الآخرة (﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾) [الزلزلة: ٧ - ٨] والذرة النملة الصغيرة وقيل الذر ما يرى في شعاع الشمس من الهباء. وقال الزركشي وهو أي قوله الجامعة حجة لمن قال بالعموم في من وهو مذهب الجمهور، قال في المصابيح: وهو حجة أيضًا في عموم النكرة الواقعة في سياق الشرط نحو: ﴿من عمل صالحًا فلنفسه﴾ [فصّلت: ٤٦، الجاثية: ١٥].
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الجهاد وفي علامات النبوّة والتفسير والاعتصام ومسلم في الزكاة والنسائي في الخيل.
٢٣٧٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا. قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ. قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: مَالَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) هو ابن أبي أويس قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الإمام (عن رييعة بن أبي عبد الرحمن) هو المشهور بربيعة الرأي (عن يزيد مولى
المنبعث) بضم الميم وسكون النون وفتح الموحدة وكسر العين المهملة بعدها مثلثة المدني (عن زيد بن خالد) ولأبي ذر زيادة: الجهني (¬﵁¬) أنه (قال: جاء رجل) قال في المقدمة هو عمير أبو مالك كما رواه الإسماعيلي وأبو موسى المديني في الذيل من طريقه، وفي الأوسط للطبراني من طريق ابن لهيعة عن عمارة بن غزية عن ربيعة عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد أنه قال: سألت. وفي رواية سفيان الثوري عن ربيعة عند المصنف: جاء أعرابي. وذكر ابن بشكوال أنه بلال، وتعقب بأنه لا يقال له أعرابي، ولكن الحديث في أبي داود وفي رواية صحيحة جئت أنا ورجل معي فيفسر الأعرابي بعمير أبي مالك، ويحمل على أنه وزيد بن خالد جميعًا سألا عن ذلك وكذلك بلال. نعم وجدت في معجم البغوي وغيره من طريق عقبة بن سويد الجهني عن أبيه قال سألت رسول الله ﷺ عن اللقطة فقال "عرّفها سنة" الحديث. وسنده جيد وهو أولى ما فسر به المبهم الذي في الصحيح انتهى.
(إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة) بضم اللام وفتح القاف لا يعرف المحدثون غيره ويجوز إسكانها وهي لغة الشيء الملقوط وشرعًا ما وجد من حق ضائع محترم غير محرز ولا ممتنع بقوّته (فقال) ﵊ له.
(اعرف عفاصها) بكسر العين المهملة وبالفاء والصاد المهملة الوعاء الذي تكون فيه (ووكاءها) بكسر الواو والمد الخيط الذي يشد به الوعاء ومعنى الأمر بمعرفة ذلك حتى يعرف بذلك صدق واصفها وكذبه وأن لا يختلط بماله (ثم
стр. 1652
عرفها سنة فإن جاء صاحبها) قبل فراغ التعريف أو بعده وهي باقية وجواب الشرط محذوف للعلم به أي فردّها إليه (وإلا) بأن لم يجيء صاحبها (فشأنك بها) أي تملكها وشأن نصب على أنه مفعول بفعل محذوف، وفي كتاب العلم ثم عرفها سنة ثم استمتع بها فإن جاء ربها فأدّها إليه (قال) أي الرجل (فضالة الغنم؟ قال) ﵊: (هي لك) إن أخذتها وعرفتها ولم تجد صاحبها (أو لأخيك) صاحبها إن جاء (أو للذئب) يأكلها إن تركتها ولم يجيء صاحبها (قال) الرجل (فضالة الإبل)؟ مبتدأ حذف خبره أي ما حكمها (قال) ﵊: (ما لك ولها) استفهام إنكاري أي ما لك وأخذها والحال أنها (معها سقاؤها) بكسر السين والمدّ جوفها فإذا وردت الماء شربت ما يكفيها حتى ترد ماء آخر أو المراد بالسقاء العنق لأنها ترد الماء وتشرب من غير ساق يسقيها أو أراد أنها أجلد البهائم على العطش (وحذاؤها) بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة والمدّ أي خفّها (ترد الماء وتأكل الشجر) فهي تقوى بأخفافها على السير وقطع البلاد الشاسعة وورود المياه النائية فشبهها النبي ﷺ بمن كان معه سقاء وحذاء في سفره، وهذا موضع الترجمة. (حتى يلقاها ربها) أي مالكها والمراد بهذا النهي عن التعرض لها لأن الأخذ إنما هو للحفظ على صاحبها إما بحفظ العين أو بحفظ القيمة وهذه لا تحتاج إلى حفظ بما خلق الله تعالى فيها من القوّة والمنعة وما يسّر لها من الأكل والشرب.
وهذا الحديث قد سبق في باب الغضب في الموعظة من كتاب العلم.
١٣ - باب بَيْعِ الْحَطَبِ وَالْكَلإِ
(باب بيع الحطب) المحتطب من الأرض المباحة (والكلأ) بفتح الكاف واللام بعدها همزة مقصورًا وهو العشب رطبه ويابسه.
٢٣٧٣ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلاً فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَ فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ وَجْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أُعْطِيَ أَمْ مُنِعَ».
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي أبو الهيثم البصري قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد البصري (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن الزبير بن العوّام ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لأن يأخذ أحدكم أحبلاً) بهمزة مفتوحة وحاء مهملة ساكنة وموحدة مضمومة جمع حبل ويجمع أيضًا على حبال قال أبو طالب:
أمن أجل حبل لا أباك ضربته … بمنسأة قد جرّ حبلك أحبلا
واللام في قوله "لأن" ابتدائية أو جواب لقسم محذوف أي: والله لأن، ولأبي ذر عن الكشميهني: لأن يأخذ أحدكم حبلاً (فيأخذ) بالنصب عطفًا على المنصوب السابق (حزمة) بضم الحاء المهملة وسكون الزاي والنصب على المفعولية (من حطب) ولأبي الوقت: حزمة حطب بالإضافة وسقوط حرف الجر (فيبيع فيكف الله به) أي فيمنع الله بثمن ما يبيعه (وجهه) من أن يريق ماءه بالسؤال من الناس وقوله فيبيع فيكف بالنصب فيهما عطفًا على السابق ولأبي ذر: فيكف الله بها عن وجهه فأنّث الضمير باعتبار الحزمة (خير) خبر مبتدأ محذوف أي هو خير له (من أن يسأل الناس) أي إن لم يجد أحدكم إلا الاحتطاب من الحرف فهو مع ما فيه من امتهان المرء نفسه ومن المشقّة خير له من سؤال الناس (أعطي أم منع) بضم الهمزة وكسر الطاء في الأول وضم الميم وكسر النون في الثاني مبنيين للمفعول.
وهذا الحديث سبق في باب الاستعفاف في المسالة من كتاب الزكاة، ومطابقته للترجمة هنا في قوله: "فيأخذ حزمة من حطب فيبيع".
٢٣٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجدّه واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (عن أبي عبيد) مصغرًا (مولى عبد الرحمن بن عوف أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
والله (لأن يحتطب أحدكم حزمة) أي من حطب بأرض مباحة ثم يحملها (على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا) أن مصدرية أي من سؤال أحد (فيعطيه أو يمنعه) بنصب
стр. 1653
الفعلين عطفًا على ما قبلهما وسقط قوله له في رواية أبوي الوقت وذر.
٢٣٧٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ أَنَّهُ قَالَ: "أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ: وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَارِفًا أُخْرَى، فَأَنَخْتُهُمَا يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا لأَبِيعَهُ، وَمَعِي صَائِغٌ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَشْرَبُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ مَعَهُ قَيْنَةٌ. فَقَالَتْ: أَلَا يَا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ، فَثَارَ إِلَيْهِمَا حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ فَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا -قُلْتُ لاِبْنِ شِهَابٍ: وَمِنَ السَّنَامِ: قَالَ: قَدْ جَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِهَا- قَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ أَفْظَعَنِي، فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ زَيْدٌ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى حَمْزَةَ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ وَقَالَ: هَلْ أَنْتُمْ إِلاَّ عَبِيدٌ لآبَائِي! فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَهْقِرُ حَتَّى خَرَجَ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء الرازي المعروف بالصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني اليماني قاضيها (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكي (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (ابن شهاب) الزهري (عن عليّ بن حسين بن عليّ) سقط لأبي ذر: ابن عليّ (عن أبيه حسين بن عليّ عن أبيه عليّ بن أبي طالب ﵃ أنه قال: أصبت شارفًا) بشين معجمة وبعد الألف راء مكسورة ثم فاء المسنة من النوق قاله الجوهري وغيره وعن الأصمعي يقال للذكر شارف والأنثى شارفة (مع رسول الله ﷺ في مغنم يوم بدر) في السنة الثانية من الهجرة وفي نسخة في مغنم يوم بدر بإضافة مغنم ليوم (قال: وأعطاني رسول الله ﷺ شارفًا) مسنّة (أخرى) من النوق قبل يوم بدر من الخمس من غنيمة عبد الله بن جحش (فأنختهما يومًا عند باب رجل من الأنصار وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخزًا) بكسر الهمزة وسكون الدال وكسر الخاء المعجمتين نبت معروف طيب الرائحة يستعمله الصوّاغون واحدته إذخرة
(لأبيعه ومعي صائغ) بصاد مهملة وبعد الألف همزة وقد تسهل وآخره غين معجمة من الصياغة ولأبي ذر عن المستملي: طابع بطاء مهملة وموحدة مكسورة بعد الألف فعين مهملة، وله أيضًا عن الحموي: طالع باللام بدل الموحدة أي ومعه من يدله على الطريق قال الكرماني، وقد يقال إنه اسم الرجل (من بني قينقاع) بفتح القافين وضم النون وفتحها في الفرع ويجوز الكسر غير منصرف على إرادة القبيلة أو منصرف على إرادة الحيّ وهم رهط من اليهود (فأستعين به) أي بثمن الإذخر (على وليمة فاطمة) بنت رسول الله ﷺ ، وقوله: فأستعين بالنصب عطفًا على قوله لأبيعه (وحمزة بن عبد المطلب يشرب) خمرًا (في ذلك البيت معه قينة) بفتح القاف وسكون التحتية وفتح النون ثم هاء تأنيث أي مغنية (فقالت: ألا) للتنبيه (يا حمز) منادى مرخم مفتوح الزاي على لغة من نوى وفي نسخة: يا حمز بضم الزاي على لغة من لم ينوِ (للشرف) بضم الشين المعجمة والراء جمع شارف وهي المسنة من النوق (النواء) بكسر النون وتخفيف الواو ممدودًا جمع ناوية وهي السمينة صفة للشرف وفي جمعهما وهما شارفان دليل على إطلاق الجمع على الاثنين والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره انهض تستدعيه أن ينحر شارفي عليّ المذكورين ليطعم أضيافه من لحمهما، وهذا مطلع قصيدة وبقيته:
وهن معقلات بالفناء
وبعده:
ضع السكين في اللبات منها … وضرّجهن حمزة بالدماء
وعجل من أطايبها الشرب … قديرًا من طبيخ أو شواء
وقوله: بالفناء بكسر الفاء المكان المتسع أمام الدار، واللبات جمع لبة وهي المنحر، وضرّجهنّ أمر من التضريج بالضاد المعجمة والجيم التدمية، وأطايب الجزور السنام والكبد، والشرب بفتح الشين المعجمة الجماعة يشربون الخمر، وقديرًا: منصوب على أنه مفعول لقوله عجل والقدير المطبوخ في القدر.
(فثار) بالمثلثة أي قام بنهضة (إليهما) أي إلى الشارفين (حمزة بالسيف) لما سمع مقالة القينة (فجب) بالجيم والموحدة المشددة قطع (أسنمتهما) جمع سنام فهو على حدّ ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] إذ المراد قلبًا كما والسنام ما علا ظهر البعير (وبقر) بالموحدة والقاف أي شق (خواصرهما) أي خصريهما (ثم أخذ من أكبادهما) لأن السنام والكبد أطايب الجزور عند العرب قال ابن جريج: (قلت لابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (ومن السنام) بفتح السين أي أخذ منه (قال قد جب) قطع (أسنمتهما فذهب بها) جمع الضمير على لفظ الأسنمة، وهذه الجملة مدرجة من قول ابن جريج.
(قال ابن شهاب، قال عليّ) هو ابن أبي طالب (﵁: فنظرت إلى منظر) بفتح الميم
стр. 1654
والمعجمة (أفظعني) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الظاء المعجمة والعين المهملة أي خوّفني لتضرره بتأخر الابتناء بفاطمة ﵂ بسبب فوات ما يستعين به قال: (فأتيت نبيّ الله ﷺ عنده زيد بن حارثة) حبه ﵊ (فأخبرته الخبر فخرج) ﵊ (ومعه زيد) حبه (فانطلقت معه فدخل على حمزة) البيت الذي هو فيه (فتغيظ) أي أظهر ﵊ الغيظ (عليه فرفع حمزة بصره وقال: هل أنتم إلا عبيد لآبائي)؟ أراد به التفاخر عليهم بأنه أقرب إلى عبد المطلب ومن فوقه لأن عبد الله أبا النبي ﷺ وأبا طالب عمه كانا كالعبدين لعبد المطلب في الخضوع لحرمته وجواز تصرفه في مالهما وقد قاله قبل تحريم الخمر فلم يؤاخذ به، (فرجع رسول الله ﷺ ¬) حال كونه (يقهقر) أي إلى ورائه. زاد في آخر الجهاد: ووجهه لحمزة خشية أن يزداد عيبه في حال سكره فينتقل من القول إلى الفعل فأراد أن يكون ما يقع منه بمرأى منه ليدفعه إن وقع منه شيء. وعند ابن أبي شيبة أنه أغرم حمزة ثمنها ومحل النهي عن القهقرى إن لم يكن عذر (حتى خرج عنهم) أي عن حمزة ومن معه (وذلك) أي المذكور من هذه القصة (قبل تحريم الخمر) فلذلك عذره ﷺ فيما قال وفعل ولم يؤاخذه ﵁.
وموضع الترجمة منه قوله: وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرًا لأبيعه فإنه دالّ على ما ترجم به من جواز الاحتطاب والاحتشاش، والحديث قد سبق بعضه في باب: ما قيل في الصواغ من كتاب البيوع، ويأتي إن شاء الله تعالى في المغازي واللباس والخمس، وقد أخرجه مسلم وأبو داود واستنبط منه فوائد كثيرة تأتي إن شاء الله تعالى في محالها والله الموفق والمعين.
١٤ - باب الْقَطَائِعِ
(باب القطائع) جمع قطيعة وهي ما يخص به الإمام بعض الرعية من الأرض فإن أقطعه لا للتمليك بل لتكون غلته له فهو كالمتحجر فلا يقطعه ما يعجز عنه ويكون المقطع أحق بما أقطعه يتصرف في غلته بالإجارة ونحوها.
قال السبكي: وهو الذي يسمى في زماننا هذا إقطاعًا. قال: ولم أرَ أحدًا من أصحابنا ذكره وتخريجه على طريق فقهي مشكل، والذي يظهر أنه يحصل للمقطع بذلك اختصاص كاختصاص المتحجر ولكنه لا يملك الرقبة بذلك لتظهر فائدة الإقطاع.
قال الزركشي: وينبغي أن يستثنى هنا ما أقطعه النبي ﷺ فلا يملكه الغير بإحيائه قياسًا على أنه لا ينقض ما حماه أما إذا أقطعه لتمليك رقبته فيملكه ويتصرف فيه تصرف الملاك ذكره النووي في شرح المهذّب في باب الركاز.
وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند المؤلّف في أواخر الخمس أنه ﷺ أقطع الزبير أرضًا من أموال بني النضير، وفي الترمذي وصححه أنه ﷺ أقطع وائل بن حجر أرضًا بحضرموت.
٢٣٧٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ قَالَ: "أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: حَتَّى تُقْطِعَ لإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا. قَالَ: سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي".
[الحديث ٢٣٧٦ - أطرافه في: ٢٣٧٧، ٣١٦٣، ٣٧٩٤].
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي الأزدي البصري قاضي مكة قال: (حدّثنا حماد) ولأبي ذر حماد بن زيد واسم جدّه درهم الجهضمي (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري أنه (قال: سمعت أنسًا ﵁ قال: أراد النبي ﷺ أن يقطع) الأنصار (من البحرين) بلفظ التثنية ناحية معروفة (فقالت الأنصار) لا تقطع لنا (حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين مثل الذي تقطع لنا) زاد البيهقي في روايته فلم يكن ذلك عنده أي ليس عنده ما يقطع منه (قال) ﵊:
(سترون بعدي أثرة) بفتح الهمزة والمثلثة وبضم الأولى وسكون الأخرى في الفرع وبهما قيد الجياني فيما حكاه ابن قرقول. قال الزركشي: ويقال بكسر الهمزة وسكون المثلثة وهو الاستئثار أي يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل غيركم نفسه عليكم ولا يجعل لكم في الأمر نصيبًا (فاصبروا حتى تلقوني) زاد في غزوة الطائف فإني على الحوض.
وفي الحديث أن للإمام أن يقطع من الأراضي التي تحت يده لمن يراه أهلاً لذلك.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الجزية وفضل الأنصار.
١٥ - باب كِتَابَةِ الْقَطَائِعِ
(باب كتابة القطائع) لمن أقطعه الإمام لتكون توثقة بيده دفعًا
стр. 1655
للنزاع.
٢٣٧٧ - وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي".
(وقال الليث) بن سعد الإمام (عن يحيي بن سعيد) الأنصاري (عن أنس ﵁) أنه قال: (دعا النبي ﷺ الأنصار ليقطع لهم بالبحرين) قال الخطابي يحتمل أنه أراد الموات منها ليتملكوه بالإحياء أو أراد أن يخصّهم بتناول جزيتها وبه جزم إسماعيل القاضي (فقالوا: يا رسول الله إن فعلت) أي الإقطاع (فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها فلم يكن ذلك) المثل (عند النبي ﷺ ¬) يعني بسبب قلة الفتوح يومئذ (فقال) ﵊:
(سترون بعدي أثرة) بضم الهمزة وسكون المثلثة وفتحهما وهذا من أعلام نبوّته فإن فيه إشارة إلى ما وقع من استئثار الملوك من قريش عن الأنصار بالأموال وغيرها (فاصبروا حتى تلقوني) أي
يوم القيامة قيل فيه إن الأنصار لا تكون فيهم الخلافة لأنه جعلهم تحت الصبر إلى يوم القيامة والصبر لا يكون إلا من مغلوب محكوم عليه وفيه فضيلة ظاهرة للأنصار حيث لم يستأثروا بشيء من الدنيا دون المهاجرين، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في باب فضل الأنصار.
وهذا الحديث أورده المؤلّف غير موصول. قال أبو نعيم: وكأنه أخذه عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه. وقال ابن حجر لم أره موصولاً من طريقه.
١٦ - باب حَلَبِ الإِبِلِ عَلَى الْمَاءِ
(باب حلب الإبل) بفتح اللام ويجوز تسكينها أي استخراج ما في ضرعها من اللبن (على الماء) أي عند الماء كذا قاله ابن حجر، ونازعه العيني بأن على لم تجيء بمعنى عند بل هي هنا بمعنى الاستعلاء، وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن كثيرًا من أهل العربية قالوا إن حروف الجر تتناوب وحمل عليّ على الاستعلاء يقتضي أن يقع المحلوب في الماء وليس ذلك مرادًا اهـ.
٢٣٧٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مِنْ حَقِّ الإِبِلِ أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) الحزامي المديني قال: (حدّثنا محمد بن فليح) بضم الفاء وفتح اللام وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة الأسلمي أو الخزاعي صدوق يهم وله عند المؤلّف أحاديث توبع عليها (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) فليح بن سليمان الأسلمي صدوق لكنه كثير الخطأ وهو من طبقة مالك واحتج به البخاري وأصحاب السنن، لكن لم يعتمد عليه البخاري اعتماده على مالك وابن عيينة وأضرابهما، وإنما أخرج له أحاديث أكثرها في المتابعات وبعضها في الرقائق (عن هلال بن عليّ) هو ابن أبي ميمونة القرشي العامري مولاهم المدني (عن عبد الرحمن بن أبي عمرة) بفتح العين المهملة وسكون الميم الأنصاري النجاري قيل ولد في عهده ﷺ لكن قال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من حق الإبل) المعهود عند العرب (أن تحلب على الماء) أي عنده لما فيه من نفع المساكين الذين هناك وزاد أبو نعيم في مستخرجه يوم ورودها.
١٧ - باب الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ مَمَرٌّ أَوْ شِرْبٌ فِي حَائِطٍ أَوْ فِي نَخْلٍ
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ بَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، فَلِلْبَائِعِ الْمَمَرُّ وَالسَّقْيُ حَتَّى يَرْفَعَ، وَكَذَلِكَ رَبُّ الْعَرِيَّةِ".
(باب الرجل يكون له ممر) أي حق ممر (أو) يكون له (شرب) بكسر الشين نصيب (في حائط) بستان (أو) في (نخل) من باب اللف والنشر فالحائط يتعلق بالممر والنخل يتعلق بالشرب (قال) ولأبوي ذر والوقت: وقال (النبي ﷺ ¬) فيما سبق موصولاً في باب: من باع نخلاً قد أبرت (من باع نخلاً بعد أن تؤبر) بتشديد الموحدة (فثمرتها للبائع) قال البخاري (فللبائع) بالفاء ولأبي ذر: وللبائع (الممر والسقي) للنخل لأجل الثمرة التي هي ملكه (حتى) أي إلى أن (يرفع) أي يقطعها وفي النسخة المقروءة على الميدومي ترفع بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول (وكذلك رب العرية) أي صاحبها لا يمنع أن يدخل في الحائط ليتعهد عريته بالإصلاح والسقي.
٢٣٧٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ. وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ».
وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ فِي الْعَبْدِ.
وبه قال: (أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت: حدّثنا (عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر وحده أخبرنا (الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب (عن أبيه) عبد الله (﵁) أنه (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع) فله حق الاستطراق لاقتطافها وليس للمشتري أن يمنعه من الدخول إليها لأن له
стр. 1656
حقًّا لا يصل إليه إلا به (إلا أن يشترط المبتاع) أن تكون الثمرة له ويوافقه البائع فتكون للمشتري (ومن ابتاع) اشترى (عبدًا وله) أي للعبد (مال فماله للذي باعه) لأن العبد لا يملك شيئًا أصلاً لأنه مملوك فلا يجوز أن يكون مالكًا، وبه قال أبو حنيفة وهو رواية عن أحمد. وقال مالك وأحمد وهو القول القديم للشافعي: لو ملكه سيده مالاّ ملكه لقوله وله مال فأضافه إليه لكنه إذا باعه بعد ذلك كان ماله للبائع، وتأوّل المانعون قوله وله مال بأن الإضافة للاختصاص والانتفاع لا للملك كما يقال: جلّ الدابة وسرج الفرس، ويدل له قوله فماله للبائع فأضاف المال إليه وإلى البائع في حالة واحدة، ولا يجوز أن يكون الشيء الواحد كله ملكًا لاثنين في حالة واحدة فثبت أن إضافة المال إلى العبد مجاز أي للاختصاص وإلى المولى حقيقة أي للملك (إلا أن يشترط المبتاع) كون المال جميعه أو جزء معين منه له فيصحّ لأنه يكون قد باع شيئين العبد والمال الذي في يده بثمن واحد جائز ولو باع عبدًا وعليه ثيابه لم تدخل في البيع بل تستمر على ملك البائع إلا أن يشترطها المشتري لاندراج الثياب تحت قوله ﷺ وله مال ولأن اسم العبد لا يتناول الثياب وهذا أصح الأوجه عند الشافعية والثاني أنها تدخل والثالث يدخل ساتر العورة فقط وقال المالكية: تدخل ثياب المهنة التي عليه. وقال الحنابلة: يدخل ما عليه من الثياب المعتادة ولو كان مال العبد
دراهم والثمن دراهم أو دنانير والثمن دنانير، واشترط المشتري أن ماله له ووافقه البائع فقال أبو حنيفة والشافعي: لا يصح هذا البيع لما فيه من الربا وهو من قاعدة مد عجوة، ولا يقال هذا الحدلث يدل للصحة لأنا نقول قد علم البطلان من دليل آخر. وقال مالك: يجوز لإطلاق الحديث وكأنه لم يجعل لهذا المال حصة من الثمن. ثم إن ظاهر قوله في مال العبد إلا أن يشترط المبتاع أنه لا فرق بين أن يكون معلومًا أو مجهولاً لكن القياس يقتضي أنه لا يصح الشرط إذا لم يكن معلومًا، وقد قال المالكية: أنه يصح اشتراطه ولو كان مجهولاً وكذا قال الحنابلة إن فرعنا على أن العبد يملك بتمليك السيد صح الشرط وإن كان المال مجهولاً وإن فرعنا على أنه لا يملك اعتبر علمه وسائر شروط البيع إلا إذا كان قصده العبد لا المال فلا يشترط، ومقتضى مذهب الشافعي وأبي حنيفة أنه لا بدّ أن يكون معلومًا.
(وعن مالك) الإمام بواو العطف على قوله حدّثنا الليث فهو موصول غير معلق (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر عن) أبيه (عمر) ﵁ (في العبد) أن ماله لبائعه كذا رواه مالك في الموطأ عن عمر من قوله. ومن طريقه أبو داود في سننه قال ابن عبد البر: وهذا أحد المواضع الأربعة التي اختلف فيها سالم ونافع عن ابن عمر، وقال البيهقي هكذا رواه سالم وخالفه نافع فروى قصة النخل عن ابن عمر عن النبي ﷺ وقصة العبد عن ابن عمر عن عمر، ثم رواه من طريق مالك كذلك قال: وكذلك رواه أيوب السختياني وغيره من نافع انتهى.
وقد اختلف في الأرجح من روايتي نافع وسالم على أقوال.
أحدها: ترجيح رواية نافع فروى البيهقي في سننه عن مسلم والنسائي أنهما سئلا عن اختلاف سالم ونافع في قصة العبد فقالا القول ما قال نافع وإن كان سالم أحفظ منه.
الثاني: ترجيح رواية سالم فنقل الترمذي في جامعه عن البخاري أنها أصح وفي التمهيد لابن عبد البر أنها الصواب، فإنه كذلك رواه عبد الله بن دينار عن ابن عمر يرفع القصتين معًا وهذا مرجح لرواية سالم.
الثالث: تصحيحهما معًا قال الترمذي في العلل أنه سأل البخاري عنه فقال له حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ "من باع عبدًا" وقال نافع عن ابن عمر عن عمر أيّهما أصح؟ قال: إن نافعًا خالف سالمًا في أحاديث وهذا منها: روى سالم عن أبيه عن النبي ﷺ ، وقال نافع عن ابن عمر عن عمر كأنه رأى الحديثين صحيحين وليس بين ما نقله عنه في الجامع وما نقله عنه في العلل اختلاف فحكمه على الحديثين بالصحة لا ينافي حكمه في الجامع بأن حديث سالم أصح بل صيغة أفعل تقتضي اشتراكهما في الصحة قاله الحافظ زين الدين العراقي.
قال ولده أبو زرعة: المفهوم من كلام المحدثين
стр. 1657
في مثل هذا والمعروف من اصطلاحهم فيه أن المراد ترجيح الرواية التي قالوا إنها أصح والحكم للراجح، فتكون تلك الرواية شاذة ضعيفة والمرجحة
هي الصحيحة وحينئذٍ فبين النقلين تنافٍ، لكن المعتمد ما في الجامع لأنه مقول بالجزم واليقين بخلاف ما في العلل فإنه على سبيل الظن والاحتمال وما ذكر عن سالم ونافع هو المشهور عنهما.
وروي عن نافع رفع القصتين رواه النسائي من رواية شعبة عن عبد ربه عن سعيد عن نافع عن ابن عمر فذكر القصتين مرفوعتين، ورواه النسائي أيضًا من رواية محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عمر مرفوعًا بالقصتين وقال: هذا خطأ والصواب حديث ليث بن سعد وعبيد الله وأيوب أي عن نافع عن ابن عمر عن عمر بقصة العبد خاصة موقوفة، ورواه النسائي أيضًا من رواية سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر بالقصتين مرفوعًا. قال المزي: والمحفوظ أنه من حديث ابن عمر.
٢٣٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵃ قَالَ: "رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن نافع عن ابن عمر) بن الخطاب (عن زيد بن ثابت ﵃) أنه (قال: رخص النبي ﷺ أن تباع العرايا بخرصها تمرًا) بفتح الخاء المعجمة في الفرع وغيره.
قال النووي: وهو أشهر من الكسر فمن فتح قال هو مصدر أي اسم للفعل، ومن كسر قال هو اسم للشيء المخروص أي بقدر ما فيها إذا صار تمرًا بأن يقول الخارص هذا الرطب الذي عليها إذا جفّ يجيء منه ثلاثة أوسق من التمر مثلاً فيبيعه صاحبه لإنسان بثلاثة أوسق من التمر ويتقايضان في المجلس فيسلم المشتري التمر ويسلم بائع الرطب الرطب بالتخلية كذا عند الشافعي وأحمد والجمهور وفي تفسيرها أقوال أُخَر سبق بعضها.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن المعري ليس له أن يمنع المعرى من دخوله في الحائط لتعهد العرية. وهذا الحديث قد مرّ في باب تفسير العرايا من كتاب البيوع.
٢٣٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَعَنِ الْمُزَابَنَةِ وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَأَنْ لَا تُبَاعَ إِلاَّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إِلاَّ الْعَرَايَا".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عطاء) هو ابن أبي رباح أنه (سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) يقول: (نهى النبي ﷺ عن المخابرة) بضم الميم وبعد الخاء المعجمة ألف فموحدة فراء وهي عقد المزارعة بأن يكون البذر من العامل (و) عن (المحاقلة) بالحاء المهملة والقاف بيع الزرع بالبر الصافي (وعن المزابنة) بالزاي والموحدة والنون بيع الكرم بالزبيب ونحوه في الرطب والتمر (وعن بيع الثمر) بالمثلثة والميم المفتوحتين (حتى يبدو صلاحها) بأن تذهب العاهة وذلك عند طلوع
الثريا ولأبي ذر صلاحه بتذكير الضمير (وأن لا تباع) الثمرة بالمثلثة بالتمر بالمثناة وإسكان الميم فالأول اسم له وهو رطب على رؤوس النخل والثاني اسم له بعد الجداد واليبس وأجمعوا على أن ذلك مزابنة وحقيقتها الجامعة لإفرادها بيع الرطب من الربوي باليابس منه (إلا بالدينار والدرهم) الذهب والفضة فيجوز (إلا العرايا) فلا تباع بهما بل بخرصها تمرًا.
٢٣٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، شَكَّ دَاوُدُ فِي ذَلِكَ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة القرشي المكي المؤذن، ولأبي ذر: سكون زاي قزعة قال: (أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت: حدّثنا (مالك) الإمام (عن داود بن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين الأموي مولاهم أبي سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة ورمي برأي الخوارج، لكن قال ابن حبان: لم يكن داعية وقد وثقه ابن معين والعجلي والنسائي، وروى له البخاري هذا الحديث فقط وله شواهد (عن أبي سفيان) قيل اسمه وهب وقيل قزمان (مولى أبي أحمد) بن جحش، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: مولى ابن أبي أحمد (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: رخص النبي ﷺ بيع العرايا بخرصها من التمر) متعلق ببيع العرايا والباء في قوله بخرصها للسببية أي رخص في بيع رطبها من التمر بسبب خرصها يأكلونها رطبًا (فيما دون خمسة أوسق) جمع وسق بفتح الواو وهو ستون صاعًا
стр. 1658
والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي (أو في خمسة أوسق شك داود) بن حصين (في ذلك) فوجب الأخذ بأقل من خمسة أوسق وتبقى الخمسة على التحريم احتياطًا لأن الأصل تحريم بيع التمر بالرطب وجاءت العرايا رخصة، وشك الراوي في خمسة أوسق أو دونها فوجب الأخذ باليقين وهو دون خمسة أوسق وبقيت الخمسة على التحريم.
وهذا الحديث مخصص لعموم الأحاديث السابقة.
٢٣٨٣ و ٢٣٨٤ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَاهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، إِلاَّ أَصْحَابَ الْعَرَايَا فَإِنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي بُشَيْرٌ … مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا زكريا بن يحيى) الطائي الكوفي قال: (أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت: حدّثنا (أبو أسامة) حماد بن أسامة (قال: أخبرني) بالإفراد (الوليد بن كثير) المخزومي المدني ثم الكوفي صدوق رمي برأي الخوارج، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة إلا أنه إباضيّ والأباضية فرقة من الخوارج لكن مقالتهم ليست شديدة الفحش ولم يكن الوليد داعية وقد وثقه ابن معين وغيره (قال:
أخبرني) بالإفراد (بشير بن يسار) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة في الأول مصغرًا ويسار ضد اليمين الحارثي (مولى بني حارثة أن رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة الأنصاري الأوسي وأول مشاهده أُحُد ثم الخندق (وسهل بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة ابن ساعدة بن عامر الأنصاري الخزرجي المدني صحابي صغير ولد سنة ثلاث من الهجرة (حدّثاه أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة بيع الثمر) بالمثلثة وفتح الميم على الشجر (بالتمر) بالمثناة الفوقية وسكون الميم موضوعًا على الأرض لأن المساواة بينهما شرط وما على الشجر لا يحصر بكيل ولا وزن وإنما يكون مقدّرًا بالخرص وهو حدس بظنّ لا يؤمن فيه التفاوت وبيع مجرور عطفًا على المزابنة عطف تفسير (إلا أصحاب العرايا فإنه) ﵇ (أذن لهم) في بيعها بقدر ما فيها إذا صار تمرًا وفيه إشعار بأنّ العرايا مستثناة من المزابنة.
(قال أبو عبد الله) أي البخاري (وقال ابن إسحاق) هو محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي (حدّثني) بالإفراد (بشير) هو ابن يسار السابق (مثله) ولأبوي ذر والوقت. قال: وقال ابن إسحاق فأسقطا أبو عبد الله، فعلى الرواية الأولى يكون معلقًا. قال الحافظ ابن حجر: ولم أره موصولاً من طريقه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٣ - كتاب في الاستقراض وأداء الدّيون والحجر والتفليس
(كتاب) بالتنوين ولغير أبي ذر: باب بالتنوين بدل كتاب (في الاستقراض) وهو طلب القرض وهو بفتح القاف أشهر من كسرها ويطلق اسمًا بمعنى الشيء المقرض ومصدرًا بمعنى الإقراض وهو تمليك الشيء على أن يردّ بدله وسمي بذلك لأن المقرض يقطع للمفترض من ماله ويسميه أهل الحجاز سلفًا (وأداء الدّيون و) في (الحجر) بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم وهو في الشرع منع التصرف في المال (و) في (التفليس) وهو في اللغة النداء على المفلس وشهرته بصفة الإفلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أخس الأموال وشرعًا حجر الحاكم على المفلس والمفلس لغة المعسر، ويقال من صار ماله فلوسًا وشرعًا من حجر عليه ليقضي ماله عن دين لآدمي، وجمع المؤلّف بين هذه الأمور الثلاثة لقلة الأحاديث الواردة فيها ولتعلق بعضها ببعض، وقال الحافظ ابن حجر: وزاد في غير رواية أبي ذر البسملة قبل كتاب وللنسفي باب بدل كتاب وعطف الترجمة التي تليه عليه بغير باب انتهى.
والذي رأيته في الفرع البسملة بعد كتاب الاستقراض بسم الله الرحمن الرحيم باب في الاستقراض مرقوم عليها علامتا أبي ذر والتقديم فليعلم.
١ - باب مَنِ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ، أَوْ لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ
(باب من اشترى) شيئًا (بالدين و) الحال أنه (ليس عنده ثمنه) أي ثمن الذي اشتراه (أو ليس) ثمنه (بحضرته).
٢٣٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟ أَتَبِيعُنِيهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ".
وبه قال: (حدّثنا محمد) غير منسوب وجزم أبو علي الجياني بأنه ابن سلام وحكاه عن رواية ابن السكن وهو كذلك في رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري كما قاله الحافظ ابن حجر، ولأبي ذر: محمد بن يوسف وهو البيكندي قال: (أخبرنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن المغيرة) بن مقسم بكسر الميم الضبي الكوفي الأعمى (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) أنه (قال: غزوت مع
стр. 1659
النبي) وفي نسخة مع رسول الله (¬ ﷺ ¬) غزوة الفتح فأبطأ جملي وأعيا (قال) عليه الصلاه والسلام ولأبوي ذر والوقت فقال:
(كيف ترى بعيرك) قلت: يا رسول الله قد أعيا فنزل يحجنه بمحجنه ثم قال: "اركب فركبت" فلقد رأيته أكفه عن رسول الله ﷺ ، ثم قال ﵊ (أتبيعنيه) بنون الوقاية، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي "أتبيعه" لإسقاطها (قلت نعم) أبيعه (فبعته إياه) بأوقية (فلما قدم المدينة غدوت إليه بالبعير فأعطاني ثمنه).
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث شراؤه ﷺ الجمل في السفر وقضاؤه ثمنه بالمدينة.
٢٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: "تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ".
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين وتشديد اللام المفتوحة العمي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد البصري قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: تذاكرنا عند إبراهيم) النخعي (الرهن في السلم) أي في السلف ولم يرد به السلم الذي هو بيع الذين بالعين بأن يعطي أحد النقدين في سلعة معلومة إلى أجل معلوم (فقال) الأعمش: (حدّثني) بالإفراد (الأسود) بن يزيد (عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهودي) اسمه أبو الشحم (إلى أجل) معلوم (ورهنه) عليه (درعًا من حديد) قيد يخرج به القميص لإطلاق الدرع عليه وهذا الدرع يسمى ذات الفضول وهل البيع إلى أجل رخصة أو عزيمة. قال ابن العربي: جعلوا الشراء إلى أجل رخصة وهو في الظاهر عزيمة لأن الله تعالى يقول في محكم كتابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأنزله أصلاً في الدين ورتب عليه كثير من الأحكام.
والحديث الأول سبق في باب شراء الدواب، والثاني في باب شراء الطعام إلى أجل من كتاب البيوع.
٢ - باب مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَوْ إِتْلَافَهَا
(باب من أخذ أموال الناس) أي شيئًا منها بطريق القرض أو بغيره حال كونه (يريد أداءها) أدّى الله عنه (أو) حال كونه يريد (إتلافها) أتلفه الله.
٢٣٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي) بضم الهمزة قال: (حدّثنا سليمان بن بلال) القرشي التيمي (عن ثور بن زيد) بالمثلثة أخي عمرو الديلى بكسر الدال وهو غير ثور بن يزيد بلفظ الفعل (عن أبي الغيث) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية آخره مثلثة سالم المدني مولى عبد الله بن المطيع (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من أخذ أموال الناس) بطريق القرض أو غيره بوجه من وجوه المعاملات (يريد أداءها أدّى الله) وللكشميهني: أدّاها الله (عنه) أي يسّر له ما يؤدّيه من فضله لحسن نيّته وروى ابن ماجة وابن حبّان والحاكم من حديث ميمونة مرفوعًا: ما من مسلم يدّان دينًا يعلم الله أنه يريد أداءه إلاّ أدّاه الله في الدنيا (ومن أخذ) أي أموال الناس (يريد إتلافها) على صاحبها (أتلفه الله) في معاشه أي يذهبه من يده فلا ينتفع به لسوء نيّته ويبقي عليه الدين فيعاقبه يه يوم القيامة.
وعن أبي أمامة مرفوعًا: "من تداين بدين وفي نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاه، ومن تداين بدين وليس في نفسه وفاؤه ثم مات اقتصّ الله تعالى لغريمه يوم القيامة" رواه الحاكم عن بشر بن نمير وهو متروك عن القاسم عنه.
ورواه الطبراني في الكبير أطول منه ولفظه قال: "من ادّان دينًا وهو ينوي أن يؤدّيه أدّاه الله عنه يوم القيامة، ومن استدان دينًا وهو لا ينوي أن يؤدّيه فمات قال الله يوم القيامة ظننت أني لا آخذ لعبدي بحقه فيؤخذ من حسناته فتجعل في حسنات الآخر فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات الآخر فتجعل عليه".
وعن عائشة مرفوعًا "من حمل من أمتي دينًا ثم جهد في قضائه ثم مات قبل أن يقضيه فأنا وليّه" رواه أحمد بإسناد جيد.
وهذا الحديث أخرجه ابن ماجة في الأحكام.
٣ - باب أَدَاءِ الدُّيُونِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
(باب) وجوب (أداء الدّيون) ولأبي ذر: الدين بالإفراد (وقال الله) ولأبي ذر وقول الله (تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها﴾) عامّ في جميع ما يتعلق بالذمة وما لا يتعلق بها (﴿وإذا حكمتم بين الناس أن﴾) أي بأن (﴿تحكموا بالعدل
стр. 1660
إن الله نعما﴾) أي نعم شيئًا (﴿يعظكم به﴾) أو نعم الشيء الذي يعظكم به والمخصوص بالمدح محذوف أي نعم ما يعظكم به ذاك وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم (﴿إن الله كان سميعًا بصيرًا﴾) [النساء: ٥٨] يدرك المسموعات حال حدوثها والمبصرات حال وجودها، ولأبي ذر ﴿إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها﴾ الآية. وأسقط ما عدا ذلك.
٢٣٨٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أَبْصَرَ -يَعْنِي أُحُدًا- قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ يُحَوَّلُ لِي ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلاَّ دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ، إِلاَّ مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا -وَأَشَارَ أَبُو شِهَابٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ- وَقَلِيلٌ مَا هُمْ. وَقَالَ: مَكَانَكَ، وَتَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ. ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: مَكَانَكَ حَتَّى آتِيَكَ. فَلَمَّا جَاءَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الَّذِي سَمِعْتُ -أَوْ قَالَ: الصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُ- قَالَ: وَهَلْ سَمِعْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (أحمد بن يونس) بن عبد الله التميمي اليربوعي قال: (حدّثنا أبو شهاب) عبد ربه الحناط بالحاء المهملة والنون المشددة المعروف بالأصغر (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن زيد بن وهب) الهمداني الجهني (عن أبي ذر) جندب بن جنادة (﵁) أنه (قال: كنت مع النبي ﷺ فلما أبصر يعني أُحُدًا) الجبل المشهور (قال):
(ما أحب أنه) أي أن أُحُدًا (تحوّل لي ذهبًا) بفتح المثناة الفوقية كتفعل، ولغير أبي ذر: يحول بضم المثناة التحتية مبنيًّا للمفعول من باب التفعيل وفيه حول بمعنى صير. قال في التوضيح: وهو استعمال صحيح وقد خفي على أكثر النحويين حتى أنكر بعضهم على الحريري قوله في الخمر:
وما شيء إذا فسدا … تحول غيه رشدا
زكيّ العرق والده … ولكن بئس ما ولدا
وحينئذ فتستدعي مفعولين قال: والرواية لما لم يسم فاعله فرفعت أول المفعولين وهو الضمير في تحول الراجع إلى أُحُد ونصبت الثاني خبرًا لها وهو ذهبًا (يمكث عندي منه) أي من الذهب (دينار) رفع فاعل يمكث والجملة في محل نصب صفة لذهبًا (فوق ثلاث) من الليالي (إلا دينارًا) نصب على الاستثناء من سابقه ولأبي ذر إلا دينار بالرفع على البدل من دينار السابق (أرصده) بضم الهمزة وكسر الصاد من الإرصاد أي أعده (لدين) والجملة في محل نصب صفة لدينار أو في نسخة بالفرع وحكاها السفاقسي وابن قرقول أرصده بفتح الهمزة من رصدته أي رقبته.
(ثم قال) ﵊: (إن الأكثرين) مالاً (هم الأقلون) ثوابًا (إلا من قال بالمال) أي إلا من صرف المال على الناس في وجوه البر والصدقة (هكذا وهكذا وأشار أبو شهاب) عبد ربه المذكور (بين يديه وعن يمينه وعن شماله) وفيه التعبير عن الفعل بالقول نحو قولهم قال بيده أي أخذ أو رفع وقال برجله أي مشى (وقليل ما هم) جملة اسمية فهم مبتدأ مؤخر وقليل خبره وما زائدة أو صفة.
(وقال) ﵊: (مكانك) بالنصب أي الزم مكانك حتى آتيك (وتقدم غير بعيد فسمعت صوتًا فأردت أن آتيه) ﵊ (ثم ذكرت قوله) الزم (مكانك حتى آتيك فلما جاء قلت يا رسول الله) ما هو (الذي سمعت أو قال) ما هو (الصوت الذي سمعت) شك من الراوي (قال) ﷺ (وهل سمعت)؟ استفهام على سبيل الاستخبار (قلت: نعم) سمعت (قال) ﵊: (أتاني جبريل ﵊ فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة قلت وإن) ولأبي ذر عن المستملي: ومن (فعل كذا وكذا) أي وإن زنى وإن سرق كما جاء في الرقاق مفسرًا (قال: نعم).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله إلا دينارًا أرصده لدين من حيث إن فيه ما يدل على الاهتمام بأداء الدين وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وأخرجه أيضًا في الاستئذان. والرقاق وبدء الخلق ومسلم في الزكاة والترمذي في الإيمان والنسائي في اليوم والليلة.
٢٣٨٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَىَّ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ شَىْءٌ، إِلاَّ شَىْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ» رَوَاهُ صَالِحٌ وَعُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
[الحديث ٢٣٨٩ - طرفاه في: ٦٤٤٥، ٧٢٢٨].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (أحمد بن شبيب بن سعيد) بفتح المعجمة وكسر الموحدة الأولى وسعيد بكسر العين الحبطي بفتح الحاء والطاء المهملتين وبالموحدة الساكنة بينهما البصري قال: (حدّثنا أبي) سعيد (عن يونس) بن يزيد الأيلي (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم
الزهري: (حدّثني) بالإفراد (عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله بن عتبة قال: قال أبو هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ ¬):
(لو كان لي مثل) جبل (أُحُد ذهبًا) نصب
стр. 1661
على التمييز. قال في التوضيح: ووقوع التمييز بعد مثل قليل وجواب لو قوله (ما يسرني) فعل مضارع منفي بما وكان الأصل أن يكون ماضيًا ولعله أوقع المضارع موقع الماضي أو الأصل ما كان يسرني فحذف كان وهو الجواب وفيه ضمير وهو اسمه وقوله يسرني خبره، وسقط لأبي ذر قوله ما من قوله ما يسرني (أن لا يمر عليّ) بتشديد الياء (ثلاث) من الليالي (وعندي منه) أي من الذهب (شيء) مبتدأ خبره عندي مقدمًا والواو في قوله وعندي للحال ولا في أن لا يمر على رواية إثبات ما يسرني زائدة (إلا شيء) بالرفع بدل من شيء الأول (أرصده لدين) بضم الهمزة وفتحها وكسر الصاد كما سبق وهما في اليونينية (رواه) أي الحديث (صالح) هو ابن كيسان (وعقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب مما هو في الزهريات للذهلي.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في الرقاق.
٤ - باب اسْتِقْرَاضِ الإِبِلِ
(باب) جواز (استقراض الإبل) كغيرها من الحيوان. نعم يحرم إقراض جارية لمن تحلّ له ولو غير مشتهاة لأنه عقد جائز يثبت فيه الردّ والاسترداد وربما يطؤها المقترض ثم يردّها فيشبه إعارة الجواري للوطء، وقول النووي في شرح مسلم: ويجوز إقراض الأمة للخنثى، تعقبه السبكي بأنه قد يصير واضحًا فيطؤها ويردّها. وقال الأذرعي: الأشبه المنع.
٢٣٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بِبَيْتِنَا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَجُلاً تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً، وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ. وَقَالُوا: لَا نَجِدُ إِلاَّ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً".
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا سلمة بن كهيل) بفتح لام سلمة وضم كاف كهيل مصغرًا (قال: سمعت أبا سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (ببيتنا) أي منزل سكننا كذا في الفرع وغيره، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: بمنى أي لما حج (يحدّث عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً) ولأحمد عن عبد الرزاق عن سفيان جاء أعرابي، وفي المعجم الأوسط للطبراني ما يفهم أنه العرباض بن سارية، لكن روى النسائي والحاكم الحديث المذكور وفيه ما يقتضي أنه غيره، ولفظه عن عرباض بعت من النبي ﷺ بكرًا فأتيته أتقاضاه فقال: أجل لا أقضيكها إلا النجيبة فقضاني فأحسن قضائي، وجاءه أعرابي يتقاضاه سنًّا
الحديث. وأخرجه ابن ماجة أيضًا عن العرباض فذكر قصة الأعرابي وأسقط قصة العرباض، فتبين بهذا أنه سقط من رواية الطبراني قصة الأعرابي فلا يفسر المبهم.
(تقاضى رسول الله) أي طلب منه قضاء دين له عليه، ولأحمد استقرض النبي ﷺ من رجل بعيرًا (فأغلظ له) بالتشديد في المطالبة سيما وقد كان أعرابيًّا كما مرّ فقد جرى على عادته في الجفاء والغلظة في الطلب، وقيل إن الكلام الذي أغلظ فيه هو أنه قال: يا بني عبد المطلب إنكم مطل وكذب فإنه لم يكن في أجداده ﷺ ولا في أعمامه من هو كذلك بل هم أهل الكرم والوفاء ويبعد أن يصدر هذا من مسلم، (فهم أصحابه) ﷺ ورضي عنهم ولأبي ذر: فهمّ به أصحابه أي عزموا أن يؤذوه بالقول أو الفعل لكنهم تركوا ذلك أدبًا معه ﷺ (فقال) ﵊:
(دعوه فإن لصاحب الحق مقالاًً) أي صولة الطلب وقوّة الحجة لكن مع مراعاة الأدب المشروع (واشتروا له بعيرًا) وعند أحمد عن عبد الرزاق التمسوا له مثل سنّ بعيره (فأعطوه إياه وقالوا) ولأبي ذر: قالوا بإسقاط الواو (لا نجد إلا أفضل من سنّه) أي فوق سن بعيره (قال اشتروه) أي الأفضل (فأعطوه إياه) والمخاطب بذلك أبو رافع مولى رسول الله ﷺ كما في مسلم (فإن خيركم أحسنكم قضاء) أي من خيركم كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الهبة فإن من خيركم أو خيركم على الشك كما في بعض الأصول وسيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه.
وفي هذا الحديث ما ترجم له وهو استقراض الإبل ويلتحق بها جميع الحيوان كما مرّ وهو قول مالك والشافعي والجمهور، ومنع ذلك الحنفية لحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة رواه ابن حبان والدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا بإسناد رجاله ثقات إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله، وأخرجه
стр. 1662
الترمذي من حديث الحسن عن سمرة وفي سماع الحسن من سمرة اختلاف، وقول الطحاوي إنه ناسخ لحديث الباب متعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد جمع الشافعي ﵀ بين الحديثين بحمل النهي على ما إذا كان نسيئة من الجانبين.
وحديث الباب قد مرّ في الوكالة ومن غرائب الصحيح. قال البزار: لا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد ومداره سلمة بن كهيل، وقد صرح في هذا الباب بأنه سمعه من أبي سلمة كما سبق.
٥ - باب حُسْنِ التَّقَاضِي
٢٣٩١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَاتَ رَجُلٌ! فَقِيلَ لَهُ، قَالَ: كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فَأَتَجَوَّزُ عَنِ الْمُوسِرِ وَأُخَفِّفُ عَنِ الْمُعْسِرِ. فَغُفِرَ لَهُ». قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك) بن عمير القرشي الكوفي (عن ربعي) بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر المهملة وتشديد التحتية ابن خراش (عن حذيفة) بن اليمان (﵁) أنه (قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(مات رجل) لم يسم (فقيل له) وفي باب من أنظر موسرًا من طريق منصور عن ربعي قالوا أعلمت من الخير شيئًا؟ ولأبي ذر عن المستملي هنا: فقيل له ما كنت تقول؟ (قال كنت أبايع الناس فأتجوّز) بتشديد الواو (عن الموسر وأخفف عن العسر فغفر له) بضم الغين المعجمة مبنيًّا للمفعول.
(قال أبو مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري البدري بالإسناد السابق (سمعته) أي هذا الحديث (من النبي ﷺ ¬) ولأبي ذر عن الكشميهني عن النبي ﷺ بالعين بدل الميم، ولفظ مسلم اجتمع حذيفة وأبو مسعود قال حذيفة: لقي رجل ربه فقال ما عملت؟ قال: ما عملت من الخير إلا أني كنت رجلاً ذا مال فكنت أطالب به الناس فكنت أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسور. قال: تجاوزوا عن عبدي. قال أبو مسعود: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول، وفي رواية له من طريق شقيق عن أبي مسعود حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء وهو عامّ مخصوص لأن عنده الإيمان، ولذلك يجوز العفو عنه؟ ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء: ٤٨] والأليق به أنه كان ممن قام بالفرائض لأنه كان ممن وقي شحّ نفسه فالمعنى أنه لم يوجد له من النوافل إلا هذا، ويحتمل أن له نوافل أُخَر لكن هذا أغلب عليه فلم يذكرها اكتفاء بهذا، ويحتمل أن يكون المراد بالخير المال فيكون المعنى أنه لم يوجد له فعل برّ في المال إلا إنظار المعسر والله أعلم.
٦ - باب هَلْ يُعْطَى أَكْبَرَ مِنْ سِنِّهِ؟
هذا (باب) بالتنوين (هل يعطى) بفتح الطاء أي هل يعطي المستقرض للمقرض (أكبر من سنّه) الذي اقترضه.
٢٣٩٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ بَعِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعْطُوهُ. فَقَالُوا: مَا نَجِدُ إِلاَّ سِنًّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَاكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ أَحْسَنَهُمْ قَضَاءً".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد بن مسربل بن مغربل أبو الحسن الأسدي البصري الثقة (عن يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (سلمة بن كهيل) الحضرمي أبو يحيى الكوفي (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً)
أعرابيًا (أتى النبي ﷺ يتقاضاه بعيرًا) كان ﵊ اقترضه منه (فقال) ولأبوي ذر والوقت قال (رسول الله ﷺ ¬):
(أعطوه) بهمزة قطع مفتوحة ولمسلم فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره (فقالوا: ما) ولأبي ذر عن الكشميهني: لا (نجد إلاّ سنًّا أفضل من سنّه) زاد في باب استقراض الإبل اشتروه فأعطوه إياه (فقال الرجل) له ﵊: (أوفيتني) أي أعطيتني حقّي وافيًا كاملاً (أوفاك الله) بالهمزة قبل الواو الساكنة فيهما (فقال رسول الله ﷺ أعطوه) أي الأفضل (فإن من خيار الناس أحسنهم قضاء) وهذا من مكارم أخلاقه وليس هو من قرض جر منفعة إلى المقرض المنهي عنه لأن المنهي عنه ما كان مشروطًا في القرض كشرط ردّ عن مكسر أو ردّه بزيادة في القدر أو الصفة، والمعنى فيه أن موضوع القرض الإرفاق فإذا شرط لنفسه حقًّا خرج عن موضوعه فمنع صحته فلو فعل ذلك بلا شرط كما هنا استحب ولم يكره ويجوز للمقرض أخذها لكن مذهب المالكية أن الزيادة في العدد منهي عنها، واحتج الشافعية بعموم قوله فإن من خيار الناس أحسنهم قضاء ولو شرط أجلاً لا يجرّ منفعة
стр. 1663
للمقرض بأن لم يكن له فيه غرض أو أن يردّ الأردأ أو المكسر أو أن يقرضه قرضًا آخر لغا الشرط وحده دون العقد لأن ما جرّه من المنفعة ليس للمقرض بل للمقترض والعقد عقد إرفاق فكأنه زاد في الإرفاق ووعده وعدًا حسنًا، لكن استشكل ذلك بأن مثله يفسد الرهن.
وأجيب: بقوّة داعي القرض لأنه مستحب بخلاف الرهن ويندب الوفاء باشتراط الأجل كما في تأجيل الدين الحال قاله ابن الرفعة.
٧ - باب حُسْنِ الْقَضَاءِ
وهذا الحديث قد سبق قريبًا. (باب) استحباب (حسن القضاء) أي أداء الدين.
٢٣٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ ﷺ : أَعْطُوهُ. فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلاَّ سِنًّا فَوْقَهَا، فَقَالَ: أَعْطُوهُ. فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي وَفَّى اللَّهُ بِكَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن سلمة) أي ابن كهيل (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: كان لرجل) أعرابي (على النبي ﷺ سنّ من الأبل) استسلفه منه وكان كما في مسلم بكرًا بفتح الموحدة وسكون الكاف وهو الفتيّ من الإبل كالغلام من الآدميين (فجاءه يتقاضاه) أي يطلبه منه (فقال ﷺ ¬):
(أعطوه) سنّه (فطلبوا سنه) أي مثله (فلم يجدوا له إلا سنًّا فوقها) أي أعلى منها ثمنًا أي من حيث الحسن والسنّ وفي مسلم أنه كان رباعيًّا وهو بفتح الراء وتخفيف الموحدة ما دخل في السنة السابعة (فقال) ﵊ ولأبي الوقت قال: (أعطوه) أي الأعلى (فقال) الرجل: (أوفيتني) حقي وافيًا كاملاً (وفى الله بك) بالهمزة قبل الواو الساكنة في الأولى وبإسقاطها في الثانية، ولأبي ذر: أوفى الله بك بإثباتها ولأبي الوقت لك باللام بدل الموحدة (قال النبي ﷺ إن خياركم) وفي الهبة فإن من خيركم (أحسنكم قضاءً) فيه استحباب الزيادة في الأداء كما مرّ لكن هذا إن اقترض لنفسه فإن اقترض لمحجوره أو لجهة وقف فليس له ردّ زائد.
٢٣٩٤ - حَدَّثَنَا خَلاَّدٌ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ فِي الْمَسْجِدِ -قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ قَالَ ضُحًى - فَقَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي".
وبه قال: (حدّثنا خلاد) غير منسوب ولأبي ذر خلاد بن يحيى السلمي الكوفي قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين ابن كدام قال: (حدّثنا محارب بن دثار) بدال مهملة مكسورة فمثلثة خفيفة ومحارب بضم الميم وكسر الراء السدوسي الكوفي (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) أنه (قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد) بالمدينة (قال مسعر): الراوي (أراه) بضم الهمزة أي أظن أنه (قال ضحى فقال) ﵊:
(صلِّ ركعتين) تحية المسجد (وكان لي عليه دين) وهو ثمن الجمل الذي اشتراه ﵊ منه لما رجع من غزوة تبوك أو ذات الرقاع واستثنى حملانه إلى المدينة وكان أوقية (فقضاني) أي أدّاني ذلك (وزادني) عليه أي قيراطًا. وروي أن جابرًا قال قلت هذا القيراط الذي زادني رسول الله ﷺ لا يفارقني أبدًا فجعلته في كيس فلم يزل عندي حتى جاء أهل الشام يوم الحرّة فأخذوه فيما أخذوا.
ويأتي الحديث إن شاء الله تعالى في الشروط، ومطابقته لما ترجم به هنا واضحة وقد سبق في غير ما موضع.
٨ - باب إذا قَضى دُونَ حَقِّهِ أَوْ حَلَّلَهُ فَهُوَ جَائِزٌ
(باب) بالتنوين (إذا قضى) المديون (دون حقه) أي حق الدين برضاه (أو حلله) صاحب الدين من جميعه (فهو جائز) كذا وجهه ابن المنير وبه يجاب عن قول ابن بطال أنه بالألف في النسخ كلها والصواب وحلله بإسقاط الألف، لكن في رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري والنسفيّ عن البخاري ومستخرج الإسماعيلي وحلله بالواو صوّبه ابن بطال.
٢٣٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمِ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطِي وَقَالَ: سَنَغْدُو عَلَيْكَ، فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالْبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ، وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرِهَا".
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن أبي جبلة الأزدي العتكي المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن كعب بن مالك) هو عبد الله كما عند المزي أو هو عبد الرحمن كما عند أبي مسعود الدمشقي وخلف في الأطراف (أن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ أخبره أن أباه) عبد الله بن عمرو بن حرام بمهملتين (قتل يوم أُحُد) حال كونه (شهيدًا وعليه دين) وفي رواية وهب بن كيسان في الباب اللاحق عن جابر أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقًا لرجل من اليهود (فاشتد الغرماء) يعني في الطلب (في
стр. 1664
حقوقهم فأتيت النبي ﷺ ¬) زاد في علامات النبوّة من غير هذا الوجه فقلت إن أبي ترك عليه دَينًا وليس عندي إلا ما يخرج نخله ولا يبلغ ما يبلغ سنين ما عليه فانطلق معي لكيلاً يفحش عليّ الغرماء (فسألهم) ﵊ (أن يقبلوا تمر حائطي) بالمثناة وإسكان الميم (ويحللوا أبي) أي يجعلوه في حِلٍّ مما يتأخر عليه من الدين (فأبوا) أي امتنعوا أن يأخذوا تمر الحائط (فلم يعطهم النبي ﷺ ¬) تمر (حائطي وقال) ﵊:
(سنغدو عليك فغدا علينا حين أصبح فطاف في النخل ودعا في ثمرها) بالمثلثة وفتح الميم (بالبركة فجددتها) بجيم مفتوحة فدالين مهملتين أولاهما مفتوحة مخففة والأخرى ساكنة من الجداد أي قطعت ثمرها (فقضيتهم) حقهم كله (وبقي لنا من تمرها) بالمثناة الفوقية وسكون الميم وفي نسخة من ثمرها بالمثلثة وفتح الميم وفي رواية مغيرة في البيوع وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء.
٩ - باب إِذَا قَاصَّ، أَوْ جَازَفَهُ فِي الدَّيْنِ تَمْرًا بِتَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ
(باب) بالتنوين (إذا قاص) بتشديد الصاد المهملة (أو جازفه) بالجيم والزاي من المجازفة وهي الحدس (في الدين) متعلق بكلٍّ من المقاصة والمجازفة أي عند الأداء زاد في رواية أبوي ذر والوقت والأصلي هنا فهو جائز أي سواء كانت المقاصة والمجازفة (تمرًا بتمر أو غيره) كبر ببرّ أو شعير بشعير والضمير في قاصّ يرجع إلى المديون وكذا الضمير المرفوع في جازفه وأما المنصوب فإلى صاحب الدين، وقد اعترض المهلب على المؤلّف بأنه يجوز أن يأخذ من له دين تمر من غريمه تمرًا مجازفة بدينه لما فيه من الجهل والغرر، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة إذا علم الآخذ ذلك ورضي انتهى.
وأجيب: بأن مراد البخاري ما أثبته المعترض لا ما نفاه وغرضه بيان أنه يغتفر في القضاء من المعاوضة ما لا يغتفر ابتداء لأن بيع الرطب بالتمر لا يجوز في غير العرايا ويجوز في المعاوضة عند الوفاء.
٢٣٩٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَاسْتَنْظَرَهُ جَابِرٌ، فَأَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ، فَكَلَّمَ جَابِرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَشْفَعَ لَهُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ لِيَأْخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ فَأَبَى، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّخْلَ فَمَشَى فِيهَا، ثُمَّ قَالَ لِجَابِرٍ: جُدَّ لَهُ فَأَوْفِ لَهُ الَّذِي لَهُ، فَجَدَّهُ بَعْدَ مَا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَوْفَاهُ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَفَضَلَتْ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَجَاءَ جَابِرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ بِالَّذِي كَانَ فَوَجَدَهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُ بِالْفَضْلِ، فَقَالَ: أَخْبِرْ ذَلِكَ ابْنَ الْخَطَّابِ، فَذَهَبَ جَابِرٌ إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُبَارَكَنَّ فِيهَا".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر الحزامي بالزاي تكلم فيه أحمد من أجل القرآن ووثقه ابن معين وابن وضاح والنسائي وأبو حاتم والدارقطني واعتمده البخاري وانتقى من حديثه وروى له الترمذي والنسائي وغيرهما قال: (حدّثنا أنس) هو ابن عياض أبو ضمرة (عن هشام) هو ابن عروة بن الزبير (عن وهب بن كيسان) بفتح الكاف القرشي مولاهم أبي نعيم المدني (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ أنه أخبره أن أباه) عبد الله (توفي وترك عليه ثلاثين وسقًا) من تمر دينًا (لرجل من اليهود) هو أبو الشحم رواه الواقدي في المغازي في قصة دين جابر عن إسماعيل بن عطية بن عبد الله السلمي عن أبيه عن جابر، وكذا ذكره في المنتقى من تاريخ دمشق لابن عساكر، وفي رواية فراس عن الشعبي في الوصايا أن أباه استشهد يوم أُحُد وترك ست بنات وترك عليه دينًا (فاستنظره جابر) طلب أن ينظره في الدين المذكور (فأبى) امتنع (أن ينظره) من إنظاره (فكلم جابر رسول الله ﷺ ليشفع له إليه فجاء رسول الله ﷺ وكلم) بالواو، ولأبي ذر: فكلم (اليهودي ليأخذ ثمر نخله) بالمثلثة وفتح الميم (بالذي له) من الدين، ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني: بالتي أي بالأوسق التي له (فأبى) اليهودي (فدخل رسول الله ﷺ النخل فمشى فيها).
وفي الباب فطاف في النخل ودعا في ثمرتها بالبركة (ثم قال لجابر): (جد): أي اقطع (له فأوفِ له الذي له) بفتح همزة فأوف (فجده) أي قطعه جابر (بعدما رجع رسول الله ﷺ فأوفاه ثلاثين وسقًا) التي كانت له في ذمة أبيه (وفضلت له سبعة عشر وسقًا) بالموحدة بعد السين المهملة وضاد فضلت مفتوحة في الفرع وبالكسر ضبطها البرماوي، وفي علامات النبوّة
فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم وجمع بينهما بالحمل على تعدّد الغرماء فكأن أصل الدين كان منه ليهودي ثلاثون وسقًا من صنف واحد فأوفاه وفضل من ذلك البيدر سبعة عشر وسقًا وكان منه لغير ذلك اليهودي أشياء أُخَر من أصناف أخرى فأوفاهم وفضل من المجموع قدر الذي أوفاه، ويؤيده قوله في رواية نبيح
стр. 1665
العنزي عن جابر عند الإمام أحمد فكِلت لهم من العجوة فأوفاهم الله وفضل لنا من التمر كذا وكذا ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في باب علامات النبوّة بعون الله وقوّته.
(فجاء جابر رسول الله ﷺ ليخبره بالذي كان) من البركة وفضل من التمر بعد قضاء الدين (فوجده يصلّي العصر فلما انصرف أخبره بالفضل فقال) ﵊ له: (أخبر ذلك) الذي ذكرته من الفضل (ابن الخطاب) عمر ﵁ ولأبي ذر ذاك بإسقاط اللام (فذهب جابر إلى عمر فأخبره) بذلك (فقال له) أي لجابر (عمر لقد علمت حين مشى فيها رسول الله ﷺ ليباركنّ فيها) بضم التحتية وفتح الراء مبنيًا للمفعول مؤكدًا بالنون الثقيلة، وقيل: وخصّ عمر بذلك لأنه كان مهتمًّا بقصة جابر.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الصلح وأبو داود في الوصايا وكذا النسائي وأخرجه ابن ماجة في الأحكام.
١٠ - باب مَنِ اسْتَعَاذَ مِنَ الدَّيْنِ
(باب من استعاذ) بالله (من الدين) أي من ارتكابه.
٢٣٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ. فَقَالَ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الْمَغْرَمِ؟ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم (ح) مهملة لتحويل السند قال المؤلّف:
(وحدّثنا إسماعيل) هو ابن أبي أويس وسقط لغير أبي ذر قوله حدّثنا أبو اليمان إلى آخر واو وحدّثنا إسماعيل (قال: حدّثني) بالإفراد (أخي) عبد الحميد أبو بكر وهو بكنيته أشهر (عن سليمان) بن بلال (عن محمد بن أبي عتيق) هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق التيمي المدني (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن عروة) بن الزبير (أن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة ويقول):
(اللهم أعوذ بك) ولأبي ذر: اللهم إني أعوذ بك (من المأثم) الذي يأثم به الإنسان أو هو الإثم نفسه وضعًا للمصدر موضع الاسم (والمغرم) هو أيضًا مصدر وضع موضع الاسم يريد به مغرم الذنوب والمعاصي. وقيل كالغرم وهو الدين ويريد به ما استدين فيما يكرهه الله أو فيما يجوز ثم عجز فأما دين احتاج إليه وهو قادر على أدائه فلا يستعاذ منه أو المراد الاستعاذة من الاحتياج إليه ولا تعارض بين الاستعاذة من الدين وجواز الاستدانة لأن الذي استعيذ منه ليس هو نفس الدين بل غوائل الذين المشار إليها بقوله: (فقال قائل) هي عائشة ﵂ كما في الرواية الأخرى (ما أكثر ما تستعيذ) بالله (يا رسول الله من المغرم. قال) ﵊ (إن الرجل إذا غرم حدّث) قال البيضاوي: أي أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد معذرته في التقصير (فكذب) وللكشميهني: كذب (ووعد) فيما يستقبل (فأخلف) لا يفي بوعده وتعقبه في شرح المشكاة بأنه لم يرد بإدخال إذا في
حدّث ووعد أنهما شرطان وكذب وأخلف جزءان بل أراد بيان ترتبهما عليهما بحرف التعقيب فكيف يتصور ذلك وإن الشرط في الحديث غرم وحدّث جزاء ووعد عطف عليه وكذب وأخلف مرتبان على الجزاء وما عطف عليه.
١١ - باب الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ تَرَكَ دَيْنًا
(باب) حكم (الصلاة على من ترك) عليه (دينًا).
٢٣٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلاًّ فَإِلَيْنَا».
وبه قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي التابعي المشهور وثّقه أحمد والعجلي والدارقطني إلا أنه كان يغلو في التشيع لكن أخرج له الجماعة ولم يخرج له في الصحيح شيء مما يقوّي بدعته (عن أبي حازم) بالزاي بعد الحاء المهملة سلمان الأشجعي (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من ترك) بعد وفاته (مالاً فلورثته ومن ترك كلاًّ) بفتح الكاف وتشديد اللام الثقل من كل ما يتكلف، والكل: العيال قاله في النهاية، ولا ريب أن الدين من كل ما يتكلف والمعنى من مات وترك عيالاً أو دينًا (فإلينا) يرجع أمره فنوفي دينه ونقوم بمصالح عياله.
٢٣٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي، فَأَنَا مَوْلَاهُ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي بفتح النون قال: (حدّثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو العقدي قال: (حدّثنا فليح) هو ابن سليمان الخزاعي أو الأسلمي أبو يحيى المدني ويقال فليح
стр. 1666
لقب واسمه عبد الملك من طبقة مالك واحتج به البخاري وأصحاب السُّنن وروى له مسلم حديثًا واحدًا وهو حديث الإفك وهو ثقة لكنه كثير الخطأ وضعّفه ابن معين وأبو داود. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة مستقيمة وغرائب وهو عندي لا بأس به انتهى.
قال الحافظ ابن حجر لم يعتمد عليه البخاري اعتماده على مالك وابن عيينة وأضرابهما وإنما أخرج له أحاديث أكثرها في المتابعات وبعضها في الرقاق. (عن هلال بن علي) العامري المدني وقد ينسب إلى جدّه أسامة (عن عبد الرحمن بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم آخره هاء تأنيث الأنصاري النجاري يقال ولد في عهد النبي ﷺ وقال ابن أبي حاتم ليست له صحبة (عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ وقال: ما من مؤمن إلا وأنا) بالواو ولأبى الوقت إلا أنا (أولى) أحق الناس (به في) كل شيء من أمور (الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم) قوله تعالى: (﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾) [الأحزاب: ٦] قال بعض الكبراء إنما كان ﵊ أولى بهم من أنفسهم لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك وهو يدعوهم إلى النجاة. قال ابن عطية: ويؤيده فى قوله ﵊: "أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها" ويترتب على كونه أولى بهم من أنفسهم أنه يجب عليهم إيثار طاعته على شهوات أنفسهم وإن شقّ ذلك عليهم وأن يحبوه أكثر من محبتهم لأنفسهم ومن ثم قال ﵊: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ووالده" الحديث.
واستنبط بعضهم من الآية أن له ﵊ أن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج ﵊ إليهما وعلى صاحبهما البذل ويفدي بمهجته نبيّه صلوات الله وسلامه عليه، وأنه لو قصده ﵊ ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه ولم يذكر ﵊ عند نزول هذه الآية ما له في ذلك من الحظ وإنما ذكر ما هو عليه فقال:
(فأيما مؤمن مات وترك مالاً) أي أو حقًّا وذكر المال خرج مخرج الغالب فإن الحقوق تورث كالمال (فليرثه عصبته من كانوا) عبر بمن الموصولة ليعم أنواع العصبة والذي عليه أكثر الفرضيين أنهم ثلاثة أقسام عصبة بنفسه وهو من له ولاء وكل ذكر نسيب يدلى إلى الميت بلا واسطة أو بتوسط محض المذكور وعصبة بغيره وهو كل ذات نصف معها ذكر يعصبها وعصبة مع غيره وهو أخت فأكثر لغير أم معها بنت أو بنت ابن فأكثر (ومن ترك دينًا أو ضياعًا) بفتح الضاد المعجمة مصدر أطلق على اسم الفاعل للمبالغة كالعدل والصوم وجوّز ابن الأثير الكسر على أنه جمع ضائع كجياع في جمع جائع وأنكره الخطابي أي من ترك عيالاً محتاجين (فليأتني فأنا مولاه) أي وليّه أتولى أموره فإن ترك دينًا وفيته
عنه أو عيالاً فأنا كافلهم وإليّ ملجؤهم ومأواهم، وقد كان ﵊ في صدر الإسلام لا يصلّي على من عليه دين فلما فتح الله تعالى عليه الفتوح صار يصلّي عليه ويوفي دينه فصار ذلك ناسخًا لفعله الأول وهل كان ذلك محرّمًا عليه أم لا؟ فيه خلاف للشافعية حكاه الروياني في الجرجانيات وحكى خلافًا أيضًا في أنه هل كان يجوز له أن يصلّي مع وجود الضامن. قال النووي: والصواب الجزم بجوازه مع وجود الضامن اهـ.
قال في شرح تقريب الأسانيد والظاهر أن ذلك لم يكن محرّمًا عليه وإنما كان يفعله ليحرّض الناس على قضاء الدين في حياتهم والتوصل إلى البراءة منه لئلا تفوتهم صلاة النبي ﷺ ، فلما فتح الله تعالى عليه الفتوح صار يصلّي عليهم ويقضي دين من لم يخلف وفاء كما مرّ وهل كان ذلك واجبًا عليه أو يفعله تكرّمًا وتفضلاً؟ فيه خلاف عند الشافعية أيضًا والأشهر عندهم وجوبه وعدّوه من الخصائص وعند ابن حبان وصححه أنا وارث من لا وارث له أعقل منه وأرثه فهو ﵊ لا يرث لنفسه بل يصرفه للمسلمين.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف
стр. 1667
أيضًا في التفسير.
١٢ - باب مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ
هذا (باب) بالتنوين (مطل الغني ظلم).
٢٤٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الأعلى) هو ابن عبد الأعلى البصري (عن معمر) هو ابن راشد (عن همام بن منبّه أخي وهب بن منبّه) بكسر الموحدة فيهما (أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(مطل الغني ظلم) قال الأزهري المطل المدافعة وإضافة المطل إلى الغني إضافة المصدر للفاعل هنا وإن كان المصدر قد يضاف إلى المفعول لأن المعنى أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه بخلاف العاجز، وقيل إنه مضاف إلى المفعول والمعنى أنه يجب وفاء الدين ولو كان مستحقه غنيًّا ولا يكون غناه سببًا لتأخير حقه عنه، وإذا كان كذلك في حق الغنيّ فهو في حق الفقير أولى وفيه تكلّف وتعسّف على ما لا يخفى وعن سحنون تردّ شهادة المليّ إذا مطل لكونه سمي ظالمًا وعند الشافعية تكرّر.
وهذا الحديث قد سبق في باب إذا أحال على مليّ من الحوالة.
١٣ - باب لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالٌ
وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَىُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ».
قَالَ سُفْيَانُ عِرْضُهُ: يَقُولُ مَطَلْتَنِي. وَعُقُوبَتُهُ: الْحَبْسُ.
هذا (باب) بالتنوين (لصاحب الحق مقال) فلا يلام إذا تكرّر طلبه لحقه (ويذكر) بضم أوله وفتح ثالثه (عن النبي ﷺ ¬) مما وصله أحمدُ وإسحاق في مسنديهما وأبو داود والنسائي من حديث عمرو بن الشريد بن أوس الثقفي عن أبيه وإسناده حسن (لي الواجد) بفتح اللام وتشديد التحتية والواجد بالجيم أي مطل القادر على قضاء دينه (يحل) بضم أوله وكسر ثانيه (عرضه وعقوبته قال سفيان) هو الثوري مما وصله البيهقي من طريق الفريابي عنه (عرضه يقول مطلتني) بتاء الخطاب وللأبوين مطلني أي حقي (وعقوبته الحبس) تأديبًا له لأنه ظالم والظلم حرام وإن قلّ.
٢٤٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بمهملات قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج (عن سلمة) بن كهيل بضم الكاف وفتح الهاء (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: أتى النبي ﷺ رجل) أعرابي (يتقاضاه) أي يطلب أن يقضيه بكرًا اقترضه منه (فأغلظ له) في الطلب بكلام غير مؤذٍ إذ إيذاؤه ﵊ كفر (فهمّ به) أي بالأعرابي (أصحابه) رضوان الله عليهم أي عزموا أن يوقعوا به فعلاً (فقال) ﵊:
(دعوه) اتركوه (فإن لصاحب الحق مقالاًً).
١٤ - باب إِذَا وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ فِي الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَالْوَدِيعَةِ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا أَفْلَسَ وَتَبَيَّنَ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَضَى عُثْمَانُ مَنِ اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ فَهْوَ لَهُ، وَمَنْ عَرَفَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا وجد) شخص (ماله عند) شخص (مفلس) حكم القاضي بإفلاسه (في البيع) بأن يبيع رجل متاعًا لرجل ثم يفلس المشتري ويجد البائع متاعه الذي باعه عنده (و) في (القرض) بأن يقرض لرجل ثم يفلس المقترض فيجد المقرض ما أقرضه عنده (و) في (الوديعة) بأن
يودع شخص عند آخر وديعة ثم يفلس المودع بفتح الدال وجواب إذا قوله (فهو) أي فكلٌّ من البائع والمقرض والمودع بكسر الدال (أحق به) أي بمتاعه من غيره من غرماء المفلس.
(وقال الحسن) البصري: (إذا أفلس) شخص (وتبين) إفلاسه عند الحاكم (لم يجز عتقه) أي إذا أحاط الدين بماله (ولا بيعه ولا شراؤه) وكذا هبته ورهنه ونحوها كشرائه بالعين بغير إذن الغرماء لتعلق حقهم بالأعيان كالرهن ولأنه محجور عليه بحكم الحاكم فلا يصح تصرفه على مراغمة مقصود الحجر كالسفيه. قال الأذراعي: ويجب أن يستثني من منع الشراء بالعين ما لو دفع له الحاكم كل يوم نفقة له ولعياله فاشترى بها فإنه يصح جزمًا فيما يظهر ويصح تدبيره ووصيته لعدم الضرر لتعلق التفويت بما بعد الموت ويصح إقراره بالدين من معاملة أو غيرها، كما لو ثبت بالبينة والفرق بين الإنشاء والإقرار أن مقصود الحجر منع التصرف فألغي إنشاؤه والإقرار إخبار والحجر لا يسلب العبارة عنه.
(وقال سعيد بن المسيب): مما وصله أبو عبيد في كتاب الأموال والبيهقي بإسناد صحيح إلى سعيد (قضى عثمان) بن عفان (من اقتضى) أي أخذ (من حقه) الذي له عند شخص شيء (قبل أن يفلس) الشخص المأخوذ منه ولفظ أبي عبيد قبل أن يتبين إفلاسه (فهو) أي الذي أخذه (له) لا يتعرض إليه أحد من الغرماء (ومن عرف متاعه بعينه)
стр. 1668
عند أحد (فهو أحق به) من سائر الغرماء.
٢٤٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -أَوْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ-: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) التميمي اليربوعي ونسبه لجده لشهرته به واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا زهير) بالتصغير ابن معاوية الجعفي قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكر بن محمد بن عمرو) بفتح العين المهملة وسكون الميم (ابن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي (أن عمر بن عبد العزيز) بن مروان القرشي الأموي الخليفة العادل -رحمه الله تعالى- (أخبره أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام) المعروف براهب قريش لكثرة صلاته (أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ أو قال سمعت رسول الله ﷺ يقول) شك من الراوي:
(من أدرك ماله) أي وجده (بعينه) لم يتغير ولم يتبدل (عند رجل أو) قال عند (إنسان) بالشك كأن ابتاعه الرجل أو اقترضه منه (قد أفلس) أو مات بعد ذلك وقبل أن يؤدي ثمنه ولا وفاء عنده (فهو أحق به من غيره) من غرماء المشتري المفلس أو الميت فله فسخ العقد واسترداد العين ولو
بلا حاكم كخيار المسلم بانقطاع المسلم فيه والمكتري بانهدام الدار بجامع تعذّر استيفاء الحق ويشترط كون الردّ على الفور كالردّ بالعيب بجامع دفع الضرر، وفرّق المالكية بين الفلس والموت فهو أحق به في الفلس دون الموت فإنه فيه أسوة الغرماء لحديث أبي داود أنه ﷺ قال: "أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من الثمن شيئًا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به فإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء".
واحتجوا بأن الميت خربت ذمته فليس للغرماء محل يرجعون إليه فلو اختصّ البائع بسلعته عاد الضرر على بقية الغرماء لخراب ذمة الميت وذهابها بخلاف ذمة المفلس فإنها باقية.
ولنا: ما رواه إمامنا الشافعي من طريق عمرو بن خلدة قاضي المدينة عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله ﷺ "أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه" وهو حديث حسن يحتج بمثله. وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود وابن ماجة وصححه الحاكم والدارقطني، وزاد بعضهم في آخرها "إلا أن يترك صاحبه وفاء" فقد صرّح ابن خلدة بالتسوية بين الإفلاس والموت فتعين المصير إليه لأنها زيادة من ثقة. وخالف الحنفية الجمهور فقالوا: إذا وجد سلعته بعينها عند مفلس فهو كالغرماء لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ فاستحق النظرة إلى ميسرة بالآية. وليس له الطلب قبلها ولأن العقد يوجب ملك الثمن للبائع في ذمة المشتري وهو الدين وذلك وصف في الذمة فلا يتصور قبضه، وحملوا حديث الباب على المغصوب والعواري والإجارة والرهن وما أشبهها فإن ذلك ماله بعينه فهو أحق به وليس المبيع مال البائع ولا متاعًا له وإنما هو مال المشتري إذ هو قد خرج عن ملكه وعن ضمانه بالبيع والقبض.
واستدلّ الطحاوي لذلك بحديث سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: "من سرق له متاع أو ضاع له متاع فوجده في يد رجل بعينه فهو أحق به ويرجع المشتري على البائع بالثمن" ورواه الطبراني وابن ماجة.
ولنا: أنه وقع التنصيص في حديث الباب أنه في صورة البيع فروى سفيان الثوري في جامعه، وأخرجه من طريقه ابنا خزيمة وحبان عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد إذا ابتاع سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء. ولمسلم من رواية ابن أبي حسين عن أبي بكر بن محمد بسند حديث الباب أيضًا في الرجل الذي يعدم إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذي باعه، فقد تبين أن حديث الباب وارد في صورة البيع وحينئذٍ فلا وجه للتخصيص بما ذكره الحنفية ولا خلاف أن صاحب الوديعة وما أشبهها أحق بها سواء وجدها عند مفلس أو غيره وقد شرط الإفلاس في الحديث. قال البيهقي: وهذه الرواية الصحيحة الصريحة في البيع أو السلعة تمنع من حمل الحكم فيها على الودائع والعواري والمغصوب مع تعليقه إياه في جميع الروايات بالإفلاس
стр. 1669
انتهى.
وأيضًا فإن الشارع ﵊ جعل لصاحب المتاع الرجوع إذا وجده بعينه والمودع أحق بعينه سواء كان على صفته أو تغير عنها فلم يجز حمل الخير عليه ووجب حمله على البائع لأنه إنما يرجع بعينه إذا كان على صفته لم يتغير فإذا تغير فلا رجوع له، وأيضًا لا مدخل للقياس إلا إذا عدمت السُّنّة فإن وجدت فهي حجة على من خالفها. وأما حديث سمرة ففيه الحجاج بن أرطاة وهو كثير الخطأ والتدليس. قال ابن معين: ليس بالقوي وإن روى له مسلم فمقرون بغيره والله أعلم.
وحديث الباب أخرجه أيضًا مسلم في البيوع وكذا أبو داود والترمذي والنسائي، وأخرجه ابن ماجة في الأحكام.
١٥ - باب مَنْ أَخَّرَ الْغَرِيمَ إِلَى الْغَدِ أَوْ نَحْوِهِ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَطْلاً
وَقَالَ جَابِرٌ: "اشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ فِي دَيْنِ أَبِي، فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمِ الْحَائِطَ وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ قَالَ: سَأَغْدُو عَلَيْكَ غَدًا، فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ فَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالْبَرَكَةِ، فَقَضَيْتُهُمْ".
(باب من أخّر) من الحكام (الغريم) أي مطالبته بالدين لربه (إلى الغد أو نحوه) كيومين أو ثلاثة (ولم ير ذلك) التأخير (مطلاً) أي تسويفًا عن الحق. (وقال جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري ﵄ فيما سبق قريبًا موصولاً من طريق كعب بن مالك عن جابر (اشتد الغرماء) في الطلب (في حقوقهم في دين أبي فسألهم النبي ﷺ ¬) بعد أن أتيته فقلت له: إن أبي ترك دينًا وليس عندي إلا ما يخرج نخله ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه فانطلق معي لكيلاً يفحش عليّ الغرماء (أن يقبلوا ثمر حائطي) بالثاء المثلثة وفتح الميم وفي باب إذا قضى دون حقه أو حلله بالمثناة الفوقية وسكون الميم كذا في الفرع (فأبوا) أي امتنعوا أن يقبلوه (فلم يعطهم) النبي ﷺ (الحائط) أي ثمره (ولم يكسره) أي لم يكسر الثمر من النخل (لهم) أي لم يعين ولم يقسمه عليهم (قال) ولأبي ذر قال: (سأغدو عليك غدًا) ولأبي ذر عليكم بميم الجمع وسقط عنده لفظ غدًا (فغدا علينا حين أصبح فدعا في ثمرها) بالمثلثة أي في ثمر النخل (بالبركة) أي بعد أن طاف بها (فقضيتهم) حقهم.
وموضع الترجمة من هذا الحديث قوله سأغدو عليك، وقد سقطت الترجمة وحديثها هذا في رواية النسفيّ وتبعه أكثر الشراح، وقد سبق الحديث في باب إذا قضى دون حقه أو حلله ويأتي بعد بابين إن شاء الله تعالى.
١٦ - باب مَنْ بَاعَ مَالَ الْمُفْلِسِ أَوِ الْمُعْدِمِ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، أَوْ أَعْطَاهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ
(باب من باع) من الحكم (مال المفلس أو المعدم) بكسر الدال مال الفقير (فقسمه) أي ثمن مال
المفلس (بين الغرماء) بنسبة ديونهم الحالّة لا المؤجلة فلا يدّخر منه شيء للمؤجل ولا يستدام له الحجر كما لا يحجر به فلو لم يقسم حتى حلَّ المؤجل التحق بالحالّ (أو أعطاه) أي أعطي الحاكم المعدم ثمن ما باعه يومًا بيوم (حتى ينفق على نفسه) أي وقريبه وزوجته القديمة ومملوكه كأم ولده نفقة المعسرين ويكسوهم بالمعروف لإطلاق حديث "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" إن لم يكن له كسب لائق به وإلاً فلا، بل ينفق ويكسو من كسبه فإن فضل منه شيء ردّ إلى المال أو نقص كمل من المال فإن امتنع من الكسب فقضية كلام المنهاج والمطلب أنه ينفق عليه من ماله واختاره الأسنوي وقضية كلام المتولي خلافه واختاره السبكي والأول أشبه بقاعدة الباب من أنه لا يؤمر بتحصيل ما ليس بحاصل.
٢٤٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "أَعْتَقَ رَجُلٌ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَخَذَ ثَمَنَهُ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين المهملة هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا قال: (حدّثنا حسين المعلم) بكسر اللام قال: (حدّثنا عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء والموحدة (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) أنه (قال: أعتق رجل) وزاد الكشميهني: منا، ولمسلم وأبي داود والنسائي من رواية أبي الزبير: أعتق رجل من بني عذرة ولهم أيضًا فى لفظ أن رجلاً من الأنصار يقال له أبو مذكور أعتق (غلامًا له عن دبر) يقال له يعقوب وكان قبطيًّا كما عند البيهقيّ وغيره وذكره ابن فتحون في ذيله على الاستيعاب في الصحابة وأنه سماه في البخاري ومسلم لكن ذكره البخاري وهم وعند النسائي وكان أي الرجل محتاجًا وكان عليه دين وفي رواية له فاحتاج الرجل، وفي لفظ فقال ﵊: "ألك مال غيره"؟ فقال: لا (فقال النبي) وفي نسخة رسول الله (¬ ﷺ ¬):
(من يشتريه) أي العبد (مني) مقتضاه أنه ﵊ باشر البيع بنفسه الكريمة وهو أولى بالمؤمنين من
стр. 1670
أنفسهم وتصرفه عليهم ماضٍ ليدل على أنه يجوز للمدبر بكسر الموحدة بيع المدبر بفتحها وأن الحاكم يبيع على المديون ماله عند المفلس ليقسمه بين الغبرباء (فاشتراه نعيم بن عبد الله) بضم النون والميم وفتح العين المهملة النحام بفتح النون وتشديد الحاء المهملة القرشي وفي رواية للبخاري فباعه بثمانمائة درهم وعند أبي داود بسبعمائة أو بتسعمائة والصحيح الأول وأما رواية أبي داود فلم يضبطها راويها ولهذا شك فيها (فأخذ) ﵊ (ثمنه فدفعه إليه) زاد في لفظ للنسائي قال: اقضِ دينك، ولمسلم والنسائي فدفعها إليه، ثم قال: ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا يقول بين يديك وعن يمينك وعن شمالك، ولم يذكر في هذا الحديث الرقيق، ولعله
داخل في الأهل أو لأن أكثر الناس لا رقيق لهم فأجرى الكلام على الغالب أو أن ذلك الشخص المخاطب لا رقيق له، وليس المراد بقوله فهكذا أو هكذا حقيقة هذه الجهات المحسوسة.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أنه ﵇ باع على الرجل ماله لكونه مديانًا ومال المديان إما أن يقسمه الإمام بنفسه أو يسلمه إليه ليقسمه بين غرمائه قاله ابن المنير.
وهذا الحديث قد سبق في باب بيع المدبر من كتاب البيوع.
١٧ - باب إِذَا أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، أَوْ أَجَّلَهُ فِي الْبَيْعِ
قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الْقَرْضِ إِلَى أَجَلٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ.
وَقَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: هُوَ إِلَى أَجَلِهِ فِي الْقَرْضِ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا أقرضه) أي إذا أقرض رجل رجلاً دراهم أو دنانير أو شيئًا مما يصح فيه القرض (إلى أجل مسمى) معلوم (أو أجله) أي الثمن (في البيع) فهو جائز فيهما عند الجمهور خلافًا للشافعية في القرض فلو شرط أجلاً لا يجرّ منفعة للمقرض لغا الشرط دون العقد نعم يستحب الوفاء باشتراط الأجل قاله ابن الرفعة.
(قال) ولأبي ذر: وقال (ابن عمر) بن الخطاب (في القرض إلى أجل) معلوم (لا بأس به و) كذا (إن أعطي) بضم الهمزة أي وإن أعطي المقترض للمقرض (أفضل من دراهمه) كالصحيح عن المكسر (ما لم يشترط) ذلك فإن اشترطه حرم أخذه بل يبطل العقد وما روي من أنه ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاصي أن يأخذ بعيرًا ببعيرين إلى أجل فمحمول على البيع أو السلم إذ لا أجل في القرض كالصرف بجامع أنه يمتنع فيهما التفاضل، وقد رواه أبو داود وغيره بلفظ: أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بعيرًا ببعيرين إلى أجل وتعليق ابن عمر هذا وصله ابن أبي شيبة من طريق المغيرة قال: قلت لابن عمر إني أسلف جيراني إلى العطاء فيقضوني أجود من دراهمي قال: لا بأس به ما لم تشترط.
(وقال عطاء) هو ابن أبي رباح (وعمرو بن دينار) مما وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنهما (هو) أي المقترض (إلى أجله) المقرر بينه وبين المقرض (في القرض) فلو طلب أخذه قبل الأجل لم يكن له ذلك وهذا مذهب المالكية خلافًا للأئمة الثلاثة فيثبت عندهم في ذمة المقترض حالاً وإن أجل فيأخذه المقرض متى أحب.
٢٤٠٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى" الحديث.
(وقال الليث) بن سعد الإمام مما وصله المؤلّف في باب الكفالة (حدّثني) بالإفراد (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل بن حسنة الكندي المصري (عن عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج (عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل) لم يسم وقيل هو النجاشي وحينئذ فتكون نسبته إلى بني إسرائيل بطريق الاتباع لهم لا أنه من نسلهم (أن يسلفه) سقط هنا قوله في الكفالة ألف دينار (فدفعها) المسلف (إليه) إلى المستسلف (إلى أجل مسمى) معلوم (الحديث) بطوله في الكفالة وغيرها، ولأبي ذر فذكر الحديث واحتج به على جواز التأجيل في القرض وهو مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا وفي ذلك خلاف يأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في محله.
١٨ - باب الشَّفَاعَةِ فِي وَضْعِ الدَّيْنِ
(باب الشفاعة في وضع) بعض (الدين) لا إسقاطه كله.
٢٤٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا، فَطَلَبْتُ إِلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعُوا بَعْضًا مِنْ دَيْنِهِ فَأَبَوْا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا. فَقَالَ: صَنِّفْ تَمْرَكَ كُلَّ شَىْءٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهِ عِذْقَ ابْنِ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ، وَاللِّينَ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَحْضِرْهُمْ حَتَّى آتِيَكَ. فَفَعَلْتُ. ثُمَّ جَاءَ ﷺ فَقَعَدَ عَلَيْهِ، وَكَالَ لِكُلِّ رَجُلٍ حَتَّى اسْتَوْفَى، وَبَقِيَ التَّمْرُ كَمَا هُوَ كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ".
وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي البصري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن مغيرة) بن مقسم بكسر الميم الضبي (عن عامر) الشعبي (عن جابر) هو ابن عبد الله
стр. 1671
الأنصاري (﵁) وعن أبيه أنه (قال: أصيب) أبي (عبد الله) هو ابن عمرو بن حرام يوم أحد أي قتل (وترك عيالاً) بكسر العين سبع بنات أو تسعًا (ودينًا) ثلاثين وسقًا كما مرّ مع غيره (فطلبت إلى أصحاب الدين) أي انتهى طلبي إليهم (أن يضعوا بعضًا من دينه) وسقط لأبي ذر قوله من دينه وفي روايته كن الحموي والمستملي بعضها بدل قوله بعضًا (فأبوا) أن يضعوا (فأتيت النبي ﷺ فاسثشفعت به عليهم فأبوا) أن يضعوا بعد أن سألهم ﵊ في ذلك (فقال) ﵊ لي:
(صنّف تمرك) اجعله أصنافًا متميزة (كل شيء منه على حدته) بكسر الحاء وتخفيف الدال على انفراده غير مختلط بغيره والهاء عوض من الواو مثل عدة (عذق ابن زيد) بكسر العين المهملة وفي نسخة بفتحها وسكون الذال المعجمة والنصب بدلاً من السابق وهو علم على شخص نسب إليه هذا النوع الجيد من التمر، وقال الدمياطي: المشهور عذق زيد والعذق بالفتح النخلة وبالكسر الكباسة (على حدة) ولأبي ذر: على حدته (واللين) بكسر اللام وسكون التحتية اسم جنس جمعي واحده لينة
وهو من اللون فياؤه منقلبة عن واو لسكونها وانكسار ما قبلها نوع من التمر أيضًا أو هو رديئه وقيل إن أهل المدينة يسمون النخل كلها ما عدا الببرنيّ والعجوة اللون (على حدة) ولأبي ذر: على حدته (والعجوة) وهي من أجود التمر (على حدة ثم أحضرهم) بكسر الضاد المعجمة والجزم فعل أمر أي أحضر الغرماء (حتى آتيك) قال جابر: (ففعلت) ما أمرني به ﵊ من التصنيف وإحضار الغرماء (ثم جاء ﵇ وفي نسخة ﷺ (فقعد عليه) أي على التمر (وكال) من التمر (لكل رجل) من أصحاب الدّيون حقه (حتى استوفى) حقهم (وبقي التمر كما هو) قال الكرماني كلمة ما موصولة مبتدأ خبره محذوف أو زائدة أي كمثله (كأنه لم يمس) بضم التحتية وفتح الميم مبنيًّا للمفعول وقال جابر بالسند المذكور:
٢٤٠٦ - "وَغَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى نَاضِحٍ لَنَا، فَأَزْحَفَ الْجَمَلُ فَتَخَلَّفَ عَلَىَّ فَوَكَزَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ خَلْفِهِ. قَالَ: بِعْنِيهِ وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ -فَلَمَّا دَنَوْنَا اسْتَأْذَنْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ قَالَ ﷺ : فَمَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: ثَيِّبًا، أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ وَتَرَكَ جَوَارِيَ صِغَارًا فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا تُعَلِّمُهُنَّ وَتُؤَدِّبُهُنَّ. ثُمَّ قَالَ: ائْتِ أَهْلَكَ. فَقَدِمْتُ فَأَخْبَرْتُ خَالِي بِبَيْعِ الْجَمَلِ فَلَامَنِي، فَأَخْبَرْتُهُ بِإِعْيَاءِ الْجَمَلِ، وَبِالَّذِي كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَوَكْزِهِ إِيَّاهُ. فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْجَمَلِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَ الْجَمَلِ وَالْجَمَلَ وَسَهْمِي مَعَ الْقَوْمِ".
(وغزوت مع النبي ﷺ ¬) غزوة ذات الرقاع كما قاله ابن إسحاق أو تبوك كما يأتي إن شاء الله تعالى في تعليق داود بن قيس في الشروط (على ناضح لنا) بالضاد المعجمة والحاء المهملة جمل يسقى عليه النخل (فأزحف) بهمزة مفتوحة فزاي فحاء مهملة ففاء أي كل وأعيا (الجمل) بالجيم وأصله أن البعير إذا تعب يجرّ رسنه فكأنهم كنوا بقولهم أزحف رسنه أي جرّه من الإعياء ثم حذفوا المفعول لكثرة الاستعمال (فتخلّف عليّ) أي عن القوم (فوكزه) بالواو بعد الفاء أي ضربه (النبي ﷺ ¬) بالعصا (من خلفه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فوكزه بالراء بدل الواو أي ركز فيه العصا والمراد المبالغة في ضربه بها فسبق القوم (قال) ﵊:
(بعنيه) في رواية سبقت بوقية (ولك ظهره إلى المدينة) أي ركوبه وللنسائي وأعرتك ظهره إلى المدينة (فلما دنونا) قربنا من المدينة (استأذنت فقلت يا رسول الله إني حديث عهد بعرس قال ﷺ (فما تزوجت بكرًا أم) بالميم ولأبوي ذر والوقت: أو (ثيبًا)؟ بالمثلثة أوّله (قلت) تزوّجت (ثيبًا أصيب عبد الله) أبي (وترك جواري صغارًا فتزوجت ثيبًا تعلمهن وتؤدبهن ثم قال) ﵊ (ائت أهلك فقدمت) عليهم (فأخبرت خالي) ثعلبة بن عنمة بفتح العين المهملة والنون ابن عدي بن سنان الأنصاري الخزرجي وله خال آخر اسمه عمرو بن عنمة وأختمها أنيسة بنت عنمة أم جابر بن عبد الله (ببيع الجمل فلامني) يحتمل أن يكون لومه لكونه محتاجًا إليه أو لكونه باعه للنبي ﷺ
ولم يهبه منه. وعند ابن عساكر بإسناده إلى جابر أن اسم خاله الذي شهد به العقبة الجد بن قيس بالجيم والدال المهملة.
ورواه الطبراني وابن منده من طريق معاوية بن عمار عن أبيه عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: حملنى خالي جد بن قيس وما أقدر أن أرمي بحجر في السبعين راكبًا من الأنصار الذين وفدوا على رسول الله ﷺ فذكر الحديث في بيعة العقبة وإسناده قوي ويقال:
стр. 1672
إنه كان منافقًا فروى أبو نعيم وابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه نزل فيهم، ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني فيحتمل أن الجد خال جابر من جهة مجازية وأن يكون هو الذي لامه على بيع الجمل لما اتهم به من النفاق بخلاف ثعلبة وعمرو، وقد ذكر أبو عمر في آخر ترجمة جد بن قيس أنه تاب وحسنت توبته (فأخبرته) أي خالي (بإعياء الجمل وبالذي كان من النبي ﷺ ووكزه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وركزه (إياه فلما قدم النبي ﷺ إليه بالجمل فأعطاني ثمن الجمل) وزادني (و) أعطاني (الجمل وسهمي) من الغنيمة بإسكان الهاء اسم مضاف إلى الياء مع نصبه عطفًا على المنصوب السابق وفي البرماوي كالكرماني ويروى وسهمني (مع القوم) بفتح الهاء والميم فعل اتصلت به نون الوقاية وضبطه في المصابيح كالتنقيح بتشديد الهاء، وهذا كما قال ابن الجزري من أحسن التكرم لأن من باع شيئًا فهو في الغالب محتاج لثمنه فإذا تعوّض الثمن بقي في قلبه من البيع أسف على فراقه فإذا ردّ عليه المبيع مع ثمنه ذهب أسفه وثبت فرجه وقضيت حاجته فكيف مع ما انضم إليه من الزيادة في الثمن.
١٩ - باب مَا يُنْهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ وَ ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ وَالْحَجْرِ فِي ذَلِكَ وَمَا يُنْهَى عَنِ الْخِدَاعِ.
(باب ما ينهى) أي النهي (عن إضاعة المال) صرفه في غير وجهه أو في غير طاعة الله (وقول الله تعالى) في سورة البقرة (﴿والله لا يحب الفساد﴾) [البقرة: ٢٠٥] وعند النسفيّ مما ذكره في فتح الباري ﴿إن الله لا يحب الفساد﴾ ولعله سهو من الناسخ وإلاّ فالأول هو لفظ التنزيل (و) قوله تعالى في سورة يونس: (﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾) [يونس: ٨١] لا يجعله ينفعهم وقال ابن حجر ولابن شبويه والنسفيّ: وإن الله لا يحب بدل لا يصلح وهذا سهو والأول هو التلاوة (وقال في قوله تعالى) في سورة هود (﴿أصلاتك تأمرك أن نترك﴾ أي بترك (﴿ما يعبد آباؤنا﴾) من الأصنام (﴿أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ [هود: ٨٧] من البخس والظلم ونقص المكيال والميزان وقد يتبادر إلى الأذهان عطف أن نفعل على أن نترك لأنه يرى أن والفعل مرتين وبينهما حرف العطف وذلك باطل لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاؤون وإنما هو عطف على ما فهو معمول للترك أي بترك
أن نفعل كذا في المغني لابن هشام، وتفسير البيضاوي وغيرهما. وقال زيد بن أسلم: كان مما ينهاهم شعيب ﵇ عنه وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم وكانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة. (وقال تعالى) في سورة النساء (﴿ولا تؤتوا السفهاء﴾) النساء والصبيان (﴿أموالكم﴾) [النساء: ٥] يقول لا تعمدوا إلى أموالكم التي خوّلكم الله وجعلها لكم معيشة فتعطونها إلى أزواجكم وبنيكم فيكونوا هم الذين يقومون عليكم ثم تنظروا إلى ما في أيديهم ولكن أمسكوا أموالكم وأنفقوا أنتم عليهم في كسوتهم ورزقهم.
وعن أبي أمامة مما رواه ابن أبي حاتم بسنده قال: قال رسول الله ﷺ : "إن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها" وعنده أيضًا عن أبي هريرة ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ قال: الخدم وهم شياطين الإنس.
وعند ابن جرير عن أبي موسى: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهًا وقد قال: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، ورجل كان له دين على رجل فلم يشهد عليه.
وقال الطبري: الصواب عندنا أنها عامة في حق كل سفيه (والحجر في ذلك) بالجر عطفًا على إضاعة المال أي: والحجر في السفه.
والحجر في اللغة المنع وفي الشرع المنع من التصرفات المالية والأصل فيه ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦] الآية. وقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية. وقال ابن كثير في تفسيره: ويؤخذ الحجر على السفهاء من هذه الآية يعني قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾.
والحجر نوعان: نوع شرع لمصلحة الغير كالحجر على المفلس للغرماء والراهن للمرتهن في المرهون والمريض للورثة فى ثلثي ماله والعبد لسيده والمكاتب لسيده ولله تعالى والمرتد للمسلمين.
ونوع شرع لمصلحة المحجور عليه وهو ثلاثة:
стр. 1673
حجر الجنون والصبا والسفه وكلٍّ منها أعمّ مما بعده.
(وما ينهى عن الخداع) في البيع وهو عطف على سابقه أيضًا.
٢٤٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي أُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ: إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ. فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عبد الله بن دينار) أنه قال (سمعت ابن عمر ﵄ قال: قال رجل) هو حبان بن منقذ أو والده منقذ بن عمرو (للنبي ﷺ إني أخدع) بضم الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال آخره عين مهملتين أي أغبن (في البيوع، فقال) ﵊ له:
(إذا بايعت فقل لا خلابة) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وبعد الألف موحدة أي لا خديعة (فكان الرجل يقوله) وهذه واقعة عين وحكاية حال فمذهب الحنفية والشافعية أن الغبن غير لازم سواء قل الغبن أو أكثر وهو الأصح من روايتي مالك. وقال البغداديون من أصحابه: للمغبون الخيار بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة وإن كان دونه فلا وكذا قاله بعض الحنابلة.
وهذا الحديث قد سبق في باب ما يكره من الخداع في البيع من كتاب البيوع، ومطابقته لما ترجم له هنا من حيث إن الرجل كان يغبن في البيوع وهو من إضاعة المال.
٢٤٠٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ. وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (عثمان) بن أبي شببة قال (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن وراد) بتشديد الراء الكوفي (مولي المغيرة بن شعبة) وكاتبه (عن المغيرة بن شعبة) بن مسعود الثقفي الصحابي المشهور أسلم قبل الحديبية وولي إمرة البصرة ثم الكوفة المتوفى سنة خمسين على الصحيح أنه قال: (قال النبي ﷺ ¬):
(إن الله) (حرم عليكم عقوق الأمهات) وكذا حرم عقوق الآباء وخص الأمهات بالذكر لأن برهن مقدم على بر الأب في التلطف والحنو لضعفهن فهو من تخصيص الشيء بالذكر إظهارًا لتعظيم موقعه (ووأد) بفتح الواو وسكون الهمزة دفن (البنات) أحياء حين يولدن وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك كراهية فيهن وقيل: إن أول من فعل ذلك قيس بن عاصم التميمي وكان بعض أعدائه أغار عليه فأسر ابنته فاتخذها لنفسه ثم حصل بينهم صلح فخيّر ابنته فاختارت زوجها فآلى قيس على نفسه أن لا تولد له بنت إلا دفنها حيّة فتبعه العرب على ذلك (ومنع) بفتحات بغير صرف، ولأبي ذر: ومنعًا بسكون النون مع تنوين العين أي وحرم عليكم منع الواجبات من الحقوق (وهات) بالبناء على الكسر فعل أمر من الإيتاء أي وحرم أخذ ما لا يحل من أموال الناس أو يمنع الناس رفده ويأخذ رفدهم (وكره لكم قبل) كذا (وقال) فلان كذا مما يتحدث به من فضول الكلام (وكثرة السؤال) في العلم للامتحان وإظهار المراء أو مسألة الناس أموالهم أو عما لا يعني وربما يكره المسؤول الجواب فيفضي إلى سكوته فيحقد عليهم أو يلتجئ إلى أن يكذب، وعد منه قول الرجل لصاحبه أين كنت، وأما السائل المنهي عنها في زمنه ﵊ فكان ذلك خوف أن
يفرض عليهم ما لم يكن فرضًا وقد أمنت الغائلة (و) كره أيضًا (إضاعة المال) السرف في إنفاقه كالتوسع في الأطعمة اللذيذة والملابس الحسنة وتمويه الأوافي والسقوف بالذهب والفضة لما ينشأ عن ذلك من القسوة وغلظ الطبع. وقال سعيد بن جبير إنفاقه في الحرام والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا سواء كانت دينية أو دنيوية فمنع منه لأن الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح إما في حق مضيعها وإما في حق غيره، ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البر لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يفوت حقًا أخرويًّا هو أهم منه.
والحاصر أن في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجه:
الأول: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعًا فلا شك في منعه.
والثاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعًا فلا ريب في كونه مطلوبًا بالشرط المذكور.
والثالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة كملاذ النفس فهذا ينقسم إلى قسمين.
أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله فهذا ليس بإسراف.
والثاني:
стр. 1674
ما لا يليق به عرفًا وهو ينقسم أيضًا إلى قسمين: ما يكون لدفع مفسدة ناجزة أو متوقعة فليس هذا بإسراف، والثاني: ما لا يكون في شيء من ذلك والجمهور علي أنه إسراف.
وذهب بعض الشافعية إلى أنه ليس بإسراف قال لأنه تقوم به مصلحة البدن وهو غرض صحيح إذا كان في غير معصية فهو مباح. قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قاله اهـ.
وقد صرّح بالمنع القاضي حسين، وتبعه الغزالي وجزم به الرافعي وصحح في باب الحجر من الشرح، وفي المحرر أنه ليس بتبذير، وتبعه النووي والذي يترجح أنه ليس مذمومًا لذاته لكنه يفضي غالبًا إلى ارتكاب المحذور كسؤال الناس وما أدّى إلى المحذور فهو محذور.
ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون ومنصور وشيخه وشيخ شيخه تابعيون، وسبق في باب قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] من كتاب الزكاة.
٢٠ - باب الْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَعْمَلُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ
هذا (باب) بالتنوين (للعبد راعٍ في مال سيده ولا يعمل إلا بإذنه).
٢٤٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: فَالإِمَامُ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهْيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.
قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم بن عبد الله عن) أبيه (عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ ¬) حال كونه (يقول):
(كلكم راعٍ و) كل راعٍ (مسؤول عن رعيته) أصل راعٍ راعي بالياء فأعلّ إعلال قاضٍ من رعى يرعى وهو حفظ الشيء وحسن التعهد له، والراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه فكل من كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته فإن وفى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر والجزاء الأكبر وإن كان غير ذلك طالبه كل أحد من رعيته بحقه ثم فصل ما أجمله فقال: (فالإمام) الأعظم أو نائبه (راعٍ) فيما استرعاه الله فعليه حفظ رعيته فيما تعين عليه من حفظ شرائعهم والذبّ عنها وعدم إهمال حدودهم وتضييع حقوقهم وترك حمايتهم ممن جار عليهم ومجاهدة عدوّهم فلا يتصرف فيهم إلا بإذن الله ورسوله ولا يطلب أجره إلا من الله (وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله) زوجته وغيرها (راعٍ) بالقيام عليهم بالحق في النفقة وحسن العاشرة (وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية) بحسن التدبير في أمر بيته والتعهد لخدمه وأضيافه (وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم) أي العبد (في مال سيده راعٍ) بالقيام بحفظ ما في يده منه وخدمته وسقط من رواية أبي ذر قوله راع (وهو مسؤول عن رعيته قال) ابن عمر: (فسمعت هؤلاء من رسول الله ﷺ وأحسب النبي ﷺ قال والرجل في مال أبيه راعٍ وهو مسؤول عن رعبته فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).
قال الطيبي: الفاء في فكلكم جواب شرط محذوف الفذلكة وهي التي يأتي بها الحاسب بعد التفصيل ويقول فذلك كذا وكذ ضبطًا للحساب وتوقيًا عن الزيادة والنقصان فيما فصله وقوله: "كلكم راعٍ" تشبيه مضمر الأداة أي كلكم مثل الراعي، وكلكم مسؤول عن رعيته حال عمل فيه معنى التشبيه وهذا مطّرد في التفصيل. ووجه التشبيه حفظ الشيء وحسن التعهد لما استحفظه وهو القدر المشترك في التفصيل، وفيه أن الراعي ليس مطلوبًا لذاته وإنما أقيم بحفظ ما استرعاه انتهى.
فمن لم يكن إمامًا ولا أهل له ولا سيد ولا أب فرعايته على أصدقائه وأصحاب معاشرته، وإذا كان كلٌّ منّا راعيًا فمن الرعية أجاب الكرماني أعضاؤه وجوارحه وقواه وحواسه أو الراعي يكون مرعيًّا باعتبار آخر ككونه مرعيًّا للإمام راعيًا لأهله أو الخطاب خاص بأصحاب التصرفات.
وهذا الحديث قد سبق في باب الجمعة في القرى والمدن من كتاب الجمعة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٤ - كتاب في الخصومات
(في الخصومات) جمع خصومة (بسم الله الرحمن الرحيم) وسقط لغير أبي ذر قوله في الخصومات.
١ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الإِشْخَاصِ، وَالْخُصُومَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْيَهُودِ
(باب ما يذكر) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول (في الأشخاص) بكسر الهمزة وسكون الشين وبالخاء المعجمتين أي إحضار الغريم من موضع إلى موضع، ولأبي ذر زيادة: والملازمة وهي مفاعلة
стр. 1675
من اللزوم والمراد أن يمنع الغريم غريمه من التصرف حتى يعطيه حقه (و) ما يذكر في (الخصومة بين المسلم واليهود) ولأبي ذر والأصيلي: واليهودي بالإفراد.
٢٤١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ النَّزَّالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: "سَمِعْتُ رَجُلاً قَرَأَ آيَةً سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ. قَالَ شُعْبَةُ أَظُنُّهُ قَالَ: لَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا".
[الحديث ٢٤١٠ - طرفاه في: ٣٤٠٨، ٣٤١٤، ٣٤٧٦، ٤٨١٣، ٥٠٦٣، ٦٥١٧، ٧٤٢٨، ٧٤٧٧].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال عبد الملك بن ميسرة) الهلالي الكوفي التابعي الزرّاد بزاي فراء مشددة (أخبرني) هو من تقديم الراوي على الصيغة وهو جائز عندهم (قال: سمعت النزال) بتشديد النون والزاي زاد أبو ذر عن الكشميهني ابن سبرة بفتح السين المهملة وسكون الموحدة الهلالي التابعي الكبير وذكره بعضهم في الصحابة لإدراكه، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث عن ابن مسعود وآخر في الأشربة عن عليّ قال: (سمعت عبد الله) يعني ابن مسعود ﵁ (يقول: سمعت رجلاً) قال الحافظ ابن حجر في
المقدمة: لم أعرف اسمه، وقال في الفتح: يحتمل أن يفسر بعمر ﵁ (قرأ آية) في صحيح ابن حبان أنها من سورة الرحمن (سمعت من النبي ﷺ خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله ﷺ ¬) زاد في روايته عن آدم بن أبي إياس في بني إسرائيل فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية (فقال) ﵊:
(كلاكما محسن) فإن قلت: كيف يستقيم هذا القول مع إظهار الكراهية؟ أجيب: بأن معنى الإحسان راجع إلى ذلك الرجل لقراءته وإلى ابن مسعود لسماعه من رسول الله ﷺ ثم تحرّيه في الاحتياط والكراهة راجعة إلى جداله مع ذلك الرجل كما فعل عمر بهشام كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى لأن ذلك مسبوق بالاختلاف، وكان الواجب عليه أن يقرّه على قراءته ثم يسأل عن وجهها.
وقال المظهري: الاختلاف في القرآن غير جائز لأن كل لفظ منه إذا جاز قراءته على وجهين أو أكثر فلو أنكر أحد واحدًا من ذينك الوجهين أو الوجوه فقد أنكر القرآن، ولا يجوز في القرآن القول بالرأي لأن القرآن سُنّة متّبعة بل عليهما أن يسألا عن ذلك ممن هو أعلم منهما.
(قال شعبة) بن الحجاج بالسند السابق (أظنه قال): (لا تختلفوا) أي في القرآن وفي معجم البغوي عن أبي جهيم بن الحرث بن الصمة أنه ﷺ قال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فلا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر (فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) وسقط لأبي الوقت عن الكشميهني لفظ كان.
ومطابقة الحديث للترجمة قال العيني في قوله: لا تختلفوا لأن الاختلاف الذي يورث الهلاك هو أشد الخصومة. وقال الحافظ ابن حجر في قوله فأخذت بيده فأتيت به رسول الله ﷺ قال: فإنه المناسب للترجمة انتهى. فهو شامل للخصومة وللأشخاص الذي هو إحضار الغريم من موضع إلى آخر والله أعلم".
٢٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "اسْتَبَّ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، قَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ، فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحات قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني نزيل بغداد ثقة حجة تكلم فيه بلا قادح وأحاديثه عن الزهري مستقيمة روى له الجماعة (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (وعبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) كلاهما (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: استب رجلان رجل من المسلمين) هو أبو بكر الصديق ﵁ كما أخرجه سفيان بن عيينة في جامعه وابن أبي الدنيا في كتاب البعث لكن في تفسير سورة الأعراف من حديث أبي سعيد الخدري التصريح بأنه من الأنصار فيحمل على تعدد القصة (ورجل من اليهود) زعم ابن بشكوال أنه فنحاص بكسر الفاء وسكون النون وبمهملتين وعزاه لابن إسحاق قال في الفتح: والذي ذكره ابن إسحاق لفنحاص مع أبي بكر قصة أخرى عند نزول قوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ [آل عمران: ١٨١] (قال المسلم) أبو بكر ﵁ أو غيره ولأبي ذر فقال المسلم: (والذي اصطفى محمدًا على العالمين فقال اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين) وفي
стр. 1676
رواية عبد الله بن الفضل بينما يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئًا كرهه فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر (فرفع المسلم يده عند ذلك) أي عند سماع قول اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين لما فهمه من عموم لفظ العالمين فيدخل فيه النبي ﷺ ، وقد تقرر عند المسلم أن محمدًا أفضل (فلطم وجه اليهودي) عقوبة له على كذبه عنده (فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم فدعا النبي ﷺ المسلم فسأله عن ذلك فأخبره) وفي رواية عبد الله بن الفضل فقال اليهودي: يا أبا القاسم إن لي ذمةً وعهدًا فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: لِمَ لطمت وجهه فذكره فغضب النبي ﷺ حتى ريء في وجهه (فقال النبي ﷺ ¬):
(لا تخيروني على موسى) تخييرًا يؤدي إلى تنقيصه أو تخييرًا يفضي بكم إلى الخصومة أو قاله تواضعًا أو قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم (فإن الناس يصعقون) بفتح العين من صعق بكسرها إذا أغمي عليه من الفزع (يوم القيامة فأصعق معهم فأكون أول من يفيق) لم يبين في رواية الزهري محل الإفاقة من أيّ الصعقتين، ووقع في رواية عبد الله بن الفضل فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من يشاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث (فإذا موسى باطش جانب العرش) آخذ بناحية منه بقوّة (فلا أدري كان) بهمزة الاستفهام ولأبي الوقت كان (فيمن صعق فأفاق قبلي) فيكون ذلك له فضيلة ظاهرة (أو كان ممن استثنى الله) في قوله تعالى: ﴿فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨] فلم يصعق فهي فضيلة أيضًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التوحيد وفي الرقاق ومسلم في الفضائل وأبو داود في السنة والنسائي في النعوت.
٢٤١٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: "بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ جَاءَ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ ضَرَبَ وَجْهِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. فَقَالَ: مَنْ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: ادْعُوهُ. فَقَالَ: أَضَرَبْتَهُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ بِالسُّوقِ يَحْلِفُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، قُلْتُ: أَىْ خَبِيثُ، عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ ضَرَبْتُ وَجْهَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى".
[الحديث ٢٤١٢ - أطرافه في: ٣٣٩٨، ٤٦٣٨، ٦٩١٦، ٦٩١٧، ٧٤٢٧].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي قال: (حدّثنا وهيب) بالتصغير ابن خالد قال: (حدّثنا عمرو بن يحيى) بفتح العين وسكون الميم (عن أبيه) يحيى بن عمارة الأنصاري (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري ﵁) أنه (قال: بينما) بالميم ولأبوي ذر والوقت: بينا (رسول الله ﷺ جالس جاء يهودي) قيل اسمه فنحاص كما مرّ (فقال: يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك فقال) النبي ﷺ :
(من؟ قال) اليهودي: ضربني (رجل من الأنصار) سبق أنه أبو بكر الصديق ﵁ وهو معارض بقوله هنا من الأنصار فيحمل الأنصار على المعنى الأعم أو على التعدد (قال) ﵊ (ادعوه) فدعوه فحضر (فقال) له ﵊: (أضربته؟ قال): نعم (سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر) ولأبي ذر عن الكشميهني: على النبيين (قلت: أي) حرف نداء أي يا (خبيث) أأصطفي موسى (على محمد ﷺ ¬)؟ استفهام إنكاري (فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي ﷺ : لا تخيروا بين الأنبياء) تخيير تنقيص وإلا فالتفضيل بينهم ثابت قال تعالى: ﴿ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥] و ﴿تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣] (فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أوّل من تنشق عنه الأرض) أي أوّل من يخرج من قبره قبل الناس أجمعين من الأنبياء وغيرهم (فإذا أنا بموسى) هو (آخذ بقائمة من قوائم العرش) أي بعمود من عمده (فلا أدري أكان فيمن صعق) أي فيمن غشي عليه من نفخة البعث فأفاق قبلي (أم حوسب بصعقة) الدار (الأولى) وهي صعقة الطور المذكور في قوله تعالى: ﴿وخرّ موسى صعقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] ولا منافاة بين قوله في الحديث السابق أو كان ممن استثنى الله وبين قوله هنا: أم حوسب بصعقه الأولى لأن المعنى لا أدري أي هذه الثلاثة كانت من الإفاقة أو الاستثناء أو المحاسبة.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله ﵊ (ادعوه) فإن المراد به إشخاصه بين يديه ﷺ .
والحديث أخرجه المؤلّف في التفسير
стр. 1677
والدّيات وأحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والتوحيد، ومسلم في أحاديث الأنبياء، وأبو داود في السُّنّة مختصرًا لا تخيروا بين الأنبياء.
٢٤١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. قِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ، أَفُلَانٌ أَفُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ".
[الحديث ٢٤١٣ - أطرافه في: ٢٧٤٦، ٥٢٩٥، ٦٨٧٦، ٦٨٧٧، ٦٨٧٩، ٦٨٨٤، ٦٨٨٥].
وبه قال: (حدّثنا موسى) هو ابن إسماعيل التبوذكي قال: (حدّثنا همّام) هو ابن يحيى بن دينار البصري (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁ أن يهوديًّا رضَّ) بتشديد الضاد المعجمة أي دق (رأس جارية) لم تسم هي ولا اليهودي. نعم في رواية أبي داود أنها كانت من الأنصار (بين حجرين) وعند الطحاوي عدا يهودي في عهد رسول الله ﷺ على جارية فأخذ أوضاحًا كانت عليها ورضخ رأسها والأرضاح نوع من الحلي يعمل من الفضة، ولمسلم فرضح رأسها بين حجرين، وللترمذي خرجت جارية عليها أوضاح فأخذها يهودي فرضح رأسها وأخذ ما عليها من الحلي قال: فأدركت وبها رمق فأتي بها النبي ﷺ (قيل):
(من فعل هذا) الرض (بك أفلان) فعله؟ استفهام استخباري (أفلان) فعله قاله مرتين وفائدته أن يعرف المتهم ليطالب (حتى سمى) القائل (اليهودي) ولغير أبي ذر: حتى سمي بضم السين وكسر الميم مبنيًّا للمفعول اليهودي بالرفع نائب عن الفاعل (فأومت) ولأبي ذر: فأومأت بهمزة بعد الميم أي أشارت (برأسها) أي نعم (فأخذ اليهودي) بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة واليهودي رفع (فاعترف) أنه فعل بها ذلك (فأمر به النبي ﷺ فرضّ رأسه بين حجرين) احتجّ به المالكية والشافعية والحنابلة والجمهور على أن من قتل بشيء يقتل بمثله وعلى أن القصاص لا يختص بالمحدّد بل يثبت بالمثقل خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا قصاص إلا في القتل بمحدد، وتمسك المالكية بهذا الحديث لمذهبهم في ثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح وهو تمسك باطل لأن اليهودي اعترف كما ترى وإنما قتل باعترافه قال النووي.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الوصايا والدّيات، ومسلم في الحدود، وابن ماجة في الدّيات.
٢ - باب مَنْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ الْعَقْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الإِمَامُ
وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَدَّ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْيِ، ثُمَّ نَهَاهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ وَلَهُ عَبْدٌ لَا شَىْءَ لَهُ غَيْرُهُ فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ.
(باب من ردّ أمر السفيه) السفه ضد الرشد الذي هو صلاح الدين والمال (و) أمر (الضعيف العقل) وهو أعمّ من السفيه (وإن لم يكن حجر عليه الإمام) وهذا مذهب ابن القاسم وقصره أصبغ على من ظهر سفهه، وقال الشافعية: لا يرد مطلقًا إلا ما تصرف بعد الحجر.
(ويذكر) بضم أوّله وفتح ثالثه (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) ولأبي ذر أن النبي (¬ ﷺ ردّ على المتصدق) المحتاج لما تصدق به (قبل النهي ثم نهاه) أي عن مثل هذه الصدقة بعد ذلك، ومراده ما رواه عبد ابن حميد موصولاً في مسنده من طريق محمود بن لبيد عن جابر في قصة الذي أتى بمثل البيضة من ذهب أصابها في معدن فقال: يا رسول الله خذها مني صدقة فوالله ما لي مال غيرها فأعرض عنه فأعاد فحذفه بها ثم قال: "يأتي أحدكم بماله لا يملك غيره فيتصدّق به ثم يقعد بعد ذلك يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى" ورواه أبو داود وصححه ابن خزيمة كذا قاله ابن حجر في المقدمة، وزاد في الشرح: ثم ظهر لي أن البخاري إنما أراد قصة الذي دبر عبده فباعه النبي ﷺ كما قاله عبد الحق وإنما لم يجزم بل عبر بصيغة التمريض لأن القدر الذي يحتاج إليه في الترجمة ليس على شرطه وهو من طريق أبي الزبير عن جابر أنه قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدًا له عن دبر فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "ألك مال غيره" فقال: لا. الحديث وفيه ثم قال ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك" الحديث. وهذه الزيادة تفرّد بها أبو الزبير وليس هو من شرط البخاري والبخاري لا يجزم غالبًا إلا بما كان على شرطه.
(وقال مالك) الإمام الأعظم مما أخرجه ابن وهب في الموطأ عنه (إذا كان لرجل على رجل مال وله عبد لا شيء له غيره فأعتقه لم يجز عتقه) وهذا استنبطه من قصة المدبر السابقة.
٣ - باب مَنْ بَاعَ عَلَى الضَّعِيفِ وَنَحْوِهِ فَدَفَعَ ثَمَنَهُ إِلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِالإِصْلَاحِ وَالْقِيَامِ بِشَأْنِهِ فَإِنْ أَفْسَدَ بَعْدُ مَنَعَهُ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَقَالَ لِلَّذِي يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ: إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ، وَلَمْ يَأْخُذِ النَّبِيُّ ﷺ مَالَهُ
(ومن باع) بواو العطف على سابقه ولأبوي ذر والوقت: باب من باع (على الضعيف) العقل (ونحوه)
стр. 1678
وهو السفيه (فدفع) وللأبوين: ودفع (ثمنه إليه وأمره بالإصلاح والقيام بشأنه) وهذا حاصل ما فعله النبي ﷺ في بيع المدبر (فإن أفسد بعد) بالضم أي فإن أفسد الضعيف العقل بعد ذلك (منعه) من التصرف (لأن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال) كما مر قريبًا (وقال) ﵇ (للذي يخدع في البيع) أي يغبن فيه (إذا بايعت فقل لا خلابة) كما مرّ أيضًا (ولم يأخذ النبي ﷺ ماله) أي مال الرجل الذي باع غلامه لأنه لم يظهر عنده سفهه حقيقة إذ لو ظهر لمنعه من أخذه.
٢٤١٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ رَجُلٌ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ، فَكَانَ يَقُولُهُ".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبد العزيز بن مسلم) القسملي المروزي ثم البصري قال: (حدّثنا عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر ﵄ قال: كان رجل) اسمه حبان بن منقذ الأنصاري الصحابي ابن الصحابي المازني (يخدع في البيع) وكان قد شج في بعض مغازيه مع النبي ﷺ بحجر من بعض الحصون فأصابته في رأسه مأمومة فتغير بها لسانه وعقله ولكنه لم يخرج عن التمييز (فقال له النبي ﷺ ¬) بعد أن شكا إليه ما يلقى من الغبن.
(إذا بايعت فقل لا خلابة) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام أي لا خديعة (فكان يقوله) وعند الدارقطني فجعل رسول الله ﷺ له الخيار فيما يشتريه ثلاثًا فلو كان الغبن مثبتًا للخيار إلى اشتراط الخيار ثلاثًا ولا احتاج أيضًا إلى قوله "لا خلابة" فهي واقعة عين وحكاية حال مخصوصة بصاحبها لا تتعداه إلى غيره.
وفي الترمذي من حديث أنس أن رجلاً كان في عقدته ضعف وكان يبايع وأن أهله أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله احجر عليه فدعاه النبي ﷺ فنهاه، فقال: يا رسول الله إني لا أصبر عن البيع فقال: "إذا بايعت فقل هاء ولا خلابة". واستدلّ به الشافعي وأحمد على حجر السفيه الذي لا يحسن التصرف، ووجه ذلك أنه لا طلب أهله إلى النبي ﷺ الحجر عليه دعاه فنهاه عن البيع وهذا هو الحجر.
وقال الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر حديث أنس حسن صحيح غريب والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم وقالوا: يحجر على الرجل الحر في البيع والشراء إذا كان ضعيف العقل، وهو قول أحمد وإسحاق ولم ير بعضهم أن يحجر على الحر البالغ انتهى. وهو قول الحنفية.
وسبق هذا الحديث في باب ما يكره من الخداع في البيع في كتاب البيوع.
٢٤١٥ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁: "أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ".
وبه قال: (حدّثنا عاصم بن علي) الواسطي قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي المدني (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (﵁ أن رجلاً) من الصحابة يسمى بأبي مذكور (أعتق عبدًا له) يقال له يعقوب (ليس له مال غيره) وأطلق العتق هنا وقيده في الرواية السابقة بقوله عن دبر فيحمل المطلق على المقيد جميعًا بين
الحديثين (فردّه النبي ﷺ ¬) تدبيره (فابتاعه منه) أي ابتاع العبد من النبي ﷺ بثمانمائة درهم (نعيم بن النحام) بنون مفتوحة وحاء مهملة مشددة، وقوله ابن النحام وقع كذلك في مسند أحمد وفي الصحيحين وغيرهما، لكن قال النووي قالوا وهو غلط وصوابه فاشتراه النحام فإن المشتري هو نعيم وهو النحام سمي بذلك لقول النبي ﷺ : "دخلت الجنة فسمعت فيها نحمة لنعيم" والنحمة الصوت، وقيل هو السعلة، وقيل النحنحة. ونعيم هذا قرشي من بني عدي أسلم قديمًا قبل إسلام عمر، وكان يكتم إسلامه. قال مصعب الزبيري: كان إسلامه قبل عمر، ولكنه لم يهاجر إلا قبيل فتح مكة وذلك لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم فلما أراد أن يهاجر قال له قومه أقم ودن بأي دين شئت.
وقال الزبير ذكروا أنه لما قدم المدينة قال له النبي ﷺ : "يا نعيم إن قومك كانوا خيرًا لك من قومي" قال: بل قومك خير يا رسول الله قال: "إن قومي أخرجوني وإن قومك أقرّوك" فقال نعيم: يا رسول الله إن قومك أخرجوك إلى الهجرة وإن قومي حبسوني عنها انتهى.
فإن قلت: ما وجه
стр. 1679
المناسبة بين الترجمة وما ساقه معها؟ فالجواب ما قاله ابن المنير وهو أن العلماء اختلفوا في سفيه الحال قبل الحكم هل تردّ عقوده، واختلف قول مالك في ذلك واختار البخاري ردّها، واستدلّ بحديث المدبر وذكر قول مالك في ردّ عتق المديان قبل الحجر إذا أحاط الدين بماله ويلزم مالكًا ردّ أفعال سفيه الحال لأن الحجر في المديان والسفيه مطّرد، ثم فهم البخاري أنه يردّ عليه حديث الذي يخدع فإن النبي ﷺ اطّلع على أنه يخدع وأمضى أفعاله الماضية والمستقبلة فنبّه على أن الذي ترد أفعاله هو الظاهر السفه البيّن الإضاعة كإضاعة صاحب المدبر وأن المخدوع في البيوع يمكنه الاحتراز، وقد نبّهه الرسول على ذلك ثم فهم أنه يرد عليه كون النبي ﷺ أعطى صاحب المدبر ثمنه ولو كان بيعه لأجل السفه لما سلم إليه الثمن فنبّه على أنه إنما أعطاه بعد أن أعلمه طريق الرشد وأمره بالإصلاح والقيام بشأنه وما كان السفه حينئذٍ فسقًا وإنما كان لشيء من الغفلة وعدم البصيرة بمواقع المصالح فلما بيّنها كفاه ذلك ولو ظهر للنبي ﷺ بعد ذلك أنه لم يهتد ولم يرشد لمنعه التصرف مطلقًا وحجر عليه.
٤ - باب كَلَامِ الْخُصُومِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ
(باب كلام الخصوم بعضهم في بعض) أي فيما لا يوجب حدًّا ولا تعزيرًا.
٢٤١٦ و ٢٤١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. قَالَ فَقَالَ الأَشْعَثُ: فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ. كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ، فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ:
فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ".
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن سلام كما ذكره أبو نعيم وخلف قال: (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي الضرير (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق) أبي وائل هو ابن سلمة الأسدي الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من حلف على يمين) أي محلوف يمين أو على شيء بيمين (وهو فيها) أي والحال أنه فيها (فاجر) كاذب (ليقتطع بها) أي باليمين الفاجرة (مال امرئ مسلم) أو ذمي والتقييد بالمسلم جرى على الغالب كما جرى على الغالب في تقييده بمال وإلا فلا فرق بين المسلم والذمي والمعاهد وغيرهم ولا بين المال وغيره في ذلك لأن الحقوق كلها في ذلك سواء ومعنى اقتطاعه المال أن يأخذه بغير حقه بل بمجرد يمينه المحكوم بها في ظاهر الشرع (لقي الله) يوم القيامة (وهو عليه غضبان) جملة اسمية وقعت حالاً والغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم ولا يليق أن يوصف الباري تعالى بذلك فيؤول ذلك على ما يليق به تعالى فيحمل على آثاره ولوازمه، فيكون المراد أن يعامله معاملة المغضوب عليه فيعذبه بما شاء من أنواع العذاب (قال: فقال الأشعث) بن قيس الكندي (فيّ والله كان ذلك كان بيني وبين رجل من اليهود) اسمه الجفشيش بالجيم المفتوحة والشينين المعجمتين
بينهما تحتية ساكنة على الأشهر، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: كان بين رجل وبيني (أرض) ولمسلم أرض باليمين وفي باب الخصومة في البئر كانت لي بئر في أرض (فجحدني فقدّمته إلى النبي ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ : ألك بينة) أي تشهد لك باستحقاقك ما ادّعيته قال الأشعث (قلت لا) بيّنة لي (قال: فقال) ﵊ (لليهودي: احلف قال) الأشعث: (قلت يا رسول الله إذًا يحلف) بالنصب بإذًا (ويذهب بمالي) بنصب يذهب عطفًا على سابقه وهذا موضع الترجمة فإنه نسبه إلى الحلف الكاذب لأنه أخبر بما كان يعلمه منه (فأنزل الله تعالى ﴿إن الذين يشترون﴾) أي يستبدلون (﴿بعهد الله﴾) بما عاهدوا الله عليه الإيمان بالرسول والوفاء بالأمانات (﴿وأيمانهم﴾) وبما حلفوا عليه (﴿ثمنًا قليلاً﴾) [آل عمران: ٧] متاع الدنيا (إلى آخر الآية) فى سورة آل عمران أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله أي بما يسرهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم، وقيل نزلت في أحبار حرّفوا التوراة وبدّلوا نعت محمد ﷺ وحكم الأمانات وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة، وقيل نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يشتر به.
وقد سبق هذا الحديث في المساقاة.
٢٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبٍ ﵁: "أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى: يَا كَعْبُ قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا -فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَىِ الشَّطْرَ- قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي بفتح النون قال: (حدّثنا عثمان بن عمر) بن فارس العبدي
стр. 1680
البصري وأصله من بخارى قال: (أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت: حدّثنا (يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عبد الله بن كعب بن مالك عن) أبيه (كعب ﵁ أنه تقاضى ابن أبي حدرد) بفتح الحاء وسكون الدال المهملتين ثم راء مفتوحة ثم دال مهملة قال الجوهري: ولم يأتِ من الأسماء على قعلع بتكرير العين غير حدرد واسمه عبد الله الأسلمي (دينًا) وعند الطبراني أنه كان أوقيتين (كان له عليه في المسجد) متعلق بتقاضى (فارتفعت أصواتهما حتى سمعها) أي الأصوات (رسول الله ﷺ وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته) بكسر السين المهملة وسكون الجيم وبالفاء أي سترها أو هو أحد طرفي الستر المفرج (فنادى) ﷺ (يا كعب قال) كعب (لبيك يا رسول الله قال) ﵊ (ضع من دينك هذا فأومأ) بالفاء أي أشار ولأبي ذر وأومأ (إليه أي) ضع (الشطر) أي ضع النصف (قال) كعب (لقد فعلت يا رسول الله) عبّر بالماضي مبالغة في امتثال الأمر (قال) ﵊ لابن أبي حدرد: (قم فاقضه) الشطر الآخر.
ومطابقة الترجمة في قوله فارتفعت أصواتهما مع قوله في بعض طرق الحديث فتلاحيا فإن ذلك يدل على أنه وقع بينهما ما يقتضي ذلك.
وهذا الحديث قد سبق في باب التقاضي والملازمة في المسجد من كتاب الصلاة.
٢٤١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: "سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لِي: أَرْسِلْهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: اقْرَأْ فَقَرَأَ. قَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ. فَقَرَأْتُ. فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ. إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ".
[الحديث ٢٤١٩ - أطرافه في: ٤٩٩٢، ٥٠٤١، ٦٩٣٦، ٧٥٥٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام دار الهجرة ابن أنس الأصبحي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عبد الرحمن بن عبد) بالتنوين غير مضاف لشيء (القاريّ) بتشديد التحتية نسبة إلى القارة بطن من خزيمة بن مدركة وليس منسوبًا إلى القراءة، وكان عبد الرحمن هذا من كبار التابعين وذكر في الصحابة لكونه أُتي به النبي ﷺ وهو صغير كما أخرجه البغوي في معجم الصحابة بإسناد لا بأس به (أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام) بالحاء المهملة والزاي الأسدي وله ولأبيه صحبة وأسلما يوم الفتح (يقرأ سورة الفرقان) وغلط من قال سورة الأحزاب (على غير ما أقرؤها وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها وكدت أن أعجل عليه) بفتح الهمزة وسكون العين وفتح الجيم، ولأبي ذر في نسخة: أن أعجل عليه بضم الهمزة وفتح العين وتشديد الجيم المكسورة أي أن أخاصمه وأظهر بوادر غضبي عليه (ثم أمهلته حتى انصرف). قال العيني كالكرماني: أي من القراءة انتهى.
وفيه نظر فإن في الفضائل في باب أنزل القرآن على سبعة أحرف من رواية عقيل عن ابن شهاب فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم فيكون المراد هنا حتى انصرف من الصلاة (ثم لببته) بتشديد الموحدة الأولى وسكون الثانية (بردائه) جعلته في عنقه وجررته به لئلا ينفلت وإنما فعل ذلك به اعتناء بالقرآن وذبًّا عنه ومحافظة على لفظه كما سمعه من غير عدول إلى ما تجوّزه العربية مع ما كان عليه من الشدة في الأمر بالمعروف، (فجئت به رسول الله ﷺ ¬) وفي رواية عقيل عن ابن شهاب فانطلقت به أقوله إلى رسول الله ﷺ (فقلت إني سمعت هذا يقرأ) زاد عقيل سورة الفرقان (على غير ما أقرأتنيها فقال) ﵊ (لي):
(أرسله) أي أطلق هشامًا لأنه كان ممسوكًا معه (ثم قال) ﵊ (له) أي لهشام: (اقرأ فقرأ) زاد عقيل القراءة التي سمعته يقرأ (قال) ﵊: (هكذا أنزلت) قال عمر (ثم قال) ﵊ (لي: اقرأ فقرأت) كما أقرأني (فقال) ﵊: (هكذا أنزلت) ثم قال ﵊ تطييبًا لعمر لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف) أي أوجه من الاختلاف وذلك إما في الحركات بلا تغيير في المعنى والصورة نحو البخل ويحسب بوجهين أو بتغيير في المعنى فقط نحو: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ [البقرة: ٣٧]
стр. 1681
واذكر بعد أمة وأمه.
وإما في الحروف بتغيير المعنى لا الصورة نحو: تبلو ونبلو وننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك وننجيك أو عكس ذلك نحو: بسطة وبصطة والسراط والصراط أو بتغييرهما نحو: أشد منكم ومنهم ويأتل ويتأل، وفامضوا إلى ذكر الله، وإما في التقديم والتأخير نحو: فيقتلون ويقتلون وجاءت سكرة الحق بالموت أو في الزيادة والنقصان نحو: أوصى ووصى والذكر والأُنثى، فهذا ما يرجع إليه صحيح القراءات وشاذها وضعيفها ومنكرها لا يخرج عنه شيء، وأما نحو اختلاف الإظهار والإدغام والروم والإشمام مما يعبر عنه بالأصول فليس من الاختلاف الذي يتنوّع فيه اللفظ أو المعنى لأن هذه
الصفات المتنوّعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا ولئن فرض فيكون من الأول ويأتي إن شاء الله تعالى بعونه سبحانه مزيد لذلك في فضائل القرآن، وفي كتابي الذي جمعته في فنون القراءات الأربعة عشر من ذلك ما يكفي ويشفي (فاقرؤوا منه) أي من المنزل بالسبعة (ما تيسر) فيه إشارة إلى الحكمة في التعدد وأنه للتيسير على القارئ ولم يقع في شيء من الطرق فيما علمت تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان. نعم يأتي إن شاء الله تعالى ما اختلف في ذلك من دون الصحابة فمن بعدهم في هذه السورة في باب الفضائل، والغرض من الحديث هنا قوله ثم لببته بردائه ففيه مع إنكاره عليه بالقول إنكاره عليه بالفعل.
وقد أخرج المؤلّف هذا الحديث في فضائل القرآن والتوحيد وفي استتابة المرتدين ومسلم في الصلاة وكذا أبو داود وأخرجه الترمذي في القراءة والنسائي في الصلاة وفي فضائل القرآن.
٥ - باب إِخْرَاجِ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْخُصُومِ مِنَ الْبُيُوتِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ نَاحَتْ
(باب إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت بعد المعرفة) أي بأحوالهم على سبيل التأديب لهم (وقد أخرج عمر) بن الخطاب ﵁ (أخت أبي بكر) الصديق ﵁ أم فروة من بيتها (حين ناحت) لما توفي أبو بكر أخوها وعلاها بالدرة ضربات فتفرق النوائح حين سمعن ذلك كما وصله ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب.
٢٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة ابن عثمان العبدي البصري أبو بكر بندار قال: (حدّثنا محمد بن أبي عدي) نسبه لجده واسم أبيه إبراهيم البصري (عن شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن إبراهيم) بسكون العين ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري ﵁ (عن) عمه (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لقد هممت) أي قصدت (أن آمر بالصلاة فتقام) بالنصب عطفًا على المنصوب بأن وأل في الصلاة للعهد، ففي رواية أنها العشاء، وفي أخرى الفجر، وفي أخرى الجمعة أو للجنس فهو عام، وفي رواية يتخلفون عن الصلاة مطلقًا فيحمل على التعدد (ثم أخالف) أي آتي (إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة) في الجماعة (فأحرّق) بالتشديد (عليهم) أي بيوتهم كما في الأخرى.
وهذا موضع الترجمة لأنه إذا أحرقها عليهم بادروا بالخروج منها.
وسبق هذا الحديث في باب وجوب صلاة الجماعة من كتاب الصلاة.
٦ - باب دَعْوَى الْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ
(باب دعوى الوصي للميت) أي عنه في الاستلحاق وغيره من الحقوق.
٢٤٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصَانِي أَخِي إِذَا قَدِمْتُ أَنْ أَنْظُرَ ابْنَ أَمَةِ زَمْعَةَ فَأَقْبِضَهُ فَإِنَّهُ ابْنِي. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي. فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ شَبَهًا بَيِّنًا، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ. وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن عبد بن زمعة) بسكون الميم، ولأبي ذر: زمعة بفتحها (وسعد بن أبي وقاص) أخا عتبة بن أبي وقاص لأبيه واسم أبي وقاص مالك بن أهيب (اختصما) عام الفتح (إلى النبي ﷺ في ابن أمة زمعة) أي جاريته واسم ابنها عبد الرحمن الصحابي (فقال سعد: يا رسول الله أوصاني أخي) عتبة (إذا قدمت) بتاء المتكلم أي مكة ولأبي ذر: إذا قدمت بتاء الخطاب (أن انظر ابن أمة زمعة) بسكون النون وقطع همزة انظر أو بوصل الهمزة فتكسر النون والراء (فأقبضه) بهمزة الوصل والجزم على الأمر، ولأبي ذر: فأقبضه بهمزة
стр. 1682
قطع وفتح الضاد (فإنه ابني) أي لكونه وطئها. (وقال عبد بن زمعة): هو (أخي وابن أمة أبي ولد على فراش أبي) زمعة (فرأى النبي ﷺ ¬) في عبد الرحمن الابن المتنازع فيه (شبهًا بيّنًا) زاد أبو ذر والأصيلي: بعتبة (فقال) ﵊:
(هو) أي الولد (لك) أي أخوك (يا عبد بن زمعة) برفع عبد ونصبه ونصب ابن كذا في الفرع. وقال البرماوي ينبغي أن يقرأ برفع عبد فقط لأنه علم ونصب ابن دائمًا على الأكثر، فقد قال في التسهيل فربما ضم ابن اتباعًا (الولد للفراش) أي لصاحبه زاد في الأخرى وللعاهر الحجر (واحتجبي منه) أي من الولد (يا سودة) قطعًا للذريعة بعد حكمه بالظاهر فكأنه حكم بحكمين حكم ظاهر وهو الولد للفراش وباطن وهو الاحتجاب لأجل الشبه وللرجل أن يمنع امرأته من رؤية أخيها.
وهذا الحديث سبق في أوائل البيوع ويأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الفرائض.
٧ - باب التَّوَثُّقِ مِمَّنْ تُخْشَى مَعَرَّتُهُ
وَقَيَّدَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِكْرِمَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ.
(باب) مشروعية (التوثق ممن تخشى معرّته) بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الراء أي فساده (وقيد ابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن سعد في الطبقات وأبو نعيم في الحلية (عكرمة) مولاه (على تعلم القرآن والسُّنن والفرائض).
٢٤٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵄ يَقُولُ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ قَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ -فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري (أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول بعث رسول الله خيلاً) أي ركبانًا (قبل نجد) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة نجد ومقابلها وكان أميرهم محمد بن مسلمة أرسله ﵊ في ثلاثين راكبًا إلى القرطاء سنة ست قاله ابن إسحاق. وقال سيف في الفتوح له كان أميرها العباس بن عبد المطلب وهو الذي أسر ثمامة (فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال) بضم المثلثة وتخفيف الميم وبعد الألف ميم أخرى مفتوحة وأثال بضم الهمزة وتخفيف المثلثة وبعد الألف لام (سيد أهل اليمامة) بتخفيف الميمين مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف (فربطوه بسارية من سواري المسجد) للتوثق خوفًا من معرّته. وهذا موضع الترجمة، وقد كان شريح القاضي إذا قضى على رجل أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم فإن أعطى حقه وإلا أمر به إلى السجن، (فخرج إليه رسول الله ﷺ قال): ولأبوي ذر والوقت: فقال:
(ما عندك يا ثمامة؟ قال عندي يا محمد خير) وفي صحيح ابن خزيمة أن ثمامة أسر فكان النبي ﷺ يغدو إليه فيقول: "ما عندك يا ثمامة"؟ فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم وإن تمنّ تمنّ على شاكر وإن ترد المال نعطك منه ما شئت (فذكر الحديث) بتمامه كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المغازي.
(قال) ﵊ ولأبوي الوقت وذر: فقال: (أطلقوا ثمامة) أي بعد أن أسلم كما قد صرّح به في بقية حديث ابن خزيمة السابق ولفظه فمرّ ﷺ يومًا فأسلم فحلّه وهو يرد على ظاهر قول البرماوي كالكرماني أسره رسول الله ﷺ ثم أطلقه فأسلم بفاء التعقيب المقتضية لتأخّر إسلامه عن حله.
وقد سبق الحديث في باب الاغتسال إذا أسلم وربط الأسير أيضًا في المسجد من كتاب الصلاة ويأتي إن شاء الله تعالى في المغازي.
٨ - باب الرَّبْطِ وَالْحَبْسِ فِي الْحَرَمِ
وَاشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَلَى أَنَّ عُمَرَ إِنْ رَضِيَ فَالْبَيْعُ بَيْعُهُ. وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُمِائَةٍ. وَسَجَنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ.
(باب الربط والحبس) للغريم (في المحرم واشترى نافع بن عبد الحرث) الخزاعي وكان من فضلاء الصحابة وكان من جملة عمال عمر واستعمله على مكة (دارًا للسجن بمكة) بفتح السين مصدر سجن يسجن من باب نصر ينصر سجنًا بالفتح (من صفوان بن أمية) الجمحيّ المكي الصحابي (على أن عمر) بن الخطاب ﵁ بفتح الهمزة وتشديد النون (إن رضي) بكسر الهمزة وتسكين النون، ولأبي ذر: على أن عمر رضي الله بكسر الهمزة وسكون النون أدخل على إن الشرطية نظرًا إلى المعنى كانه قال هذا الشرط (فالبيع بيعه وإن لم يرض عمر) بالابتياع المذكور (فلصفوان) في مقابلة الانتفاع إلى أن يعود الجواب من عمر (أربعمائة) ولأبي ذر زيادة دينار.
واستشكل بأن البيع بمثل هذا الشرط فاسد.
стр. 1683
وأجيب: بأنه لم يدخل الشرط في نفس العقد بل هو وعد يقتضيه العقد أو بيع بشرط الخيار لعمر بعد أن أوقع العقد له كما صرح به في رواية عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي حيث ذكروه موصولاً من طرق عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ به. قال في الفتح: ووجهه ابن المنير بأن العهدة في البيع على المشتري وإن ذكر أنه يشتري لغيره لأنه المباشر للعقد قال وكأن ابن المنير وقف مع ظاهر اللفظ ولم ير سياقه تامًّا فظن أن الأربعمائة هي الثمن الذي اشترى به نافع وليس كذلك، وإنما كان الثمن أربعة آلاف اهـ.
وقال العيني: يحتمل أن تكون هذه الأربعة آلاف دراهم أو دنانير، لكن الظاهر الدراهم وكانت من بيت المال وبعيد أن عمر ﵁ كان يشتري دارًا للسجن بأربعة آلاف دينار لشدة احترازه على بيت المال اهـ. ولينظر قوله في رواية أبي ذر: أربعمائة دينار.
(وسجن ابن الزبير) عبد الله أي المديون (بمكة) أيام ولايته عليها. وهذا وصله ابن سعد من طريق ضعيف وكذا وصله خليفة بن خياط في تاريخه وأبو الفرج الأصبهاني في الأغاني.
٢٤٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (سعيد بن أبي سعيد) المقبري أنه (سمع أبا هريرة ﵁ قال: بعث
النبي ﷺ خيلاً) فرسانًا (قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد).
وهذا الحديث قد سبق في الباب المتقدم بأتم منه، وقد أشار المؤلّف بما ساقه هنا إلى ردّ ما رواه ابن أبي شيبة من طريق قيس بن سعد عن طاوس أنه كان يكره السجن بمكة ويقول: لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة، فأراد المؤلّف ﵀ أن يعارضه بأثر عمر وابن الزبير وصفوان ونافع وهم من الصحابة وقوي ذلك بقصة ثمامة وقد ربط في مسجد المدينة وهو أيضًا حرم فلم يمنع ذلك من الربط فيه قاله في فتح الباري.
٩ - باب الْمُلَازَمَةِ
(باب الملازمة) ولأبي ذر: باب بالتنوين في الملازمة كذا في فرع اليونينية، ونسب في الفتح ثبوت البسملة قبل الترجمة لرواية الأصيلي وكريمة وسقوطها للباقين.
٢٤٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ -وَقَالَ غَيْرُهُ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ: "عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ دَيْنٌ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا كَعْبُ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: النِّصْفَ- فَأَخَذَ نِصْفَ مَا عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثني) بالإفراد (جعفر بن ربيعة) ولأبي ذر عن جعفر (وقال غيره) أي غير يحيى بن بكير مما وصله الإسماعيلي من طريق شعيب بن الليث قال: (حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد (قال: حدّثني) بالإفراد (جعفر بن رييعة) قال العيني: والفرق بين الطريقين أن الأول روي بعن والثاني بحدّثني اهـ.
وهذا الذي قاله إنما يتأتى على رواية أبي ذر أما على رواية الآخرين فلا (عن عبد الرحمن) ولأبي ذر عن الكشميهني: عن عبد الله (بن هرمز) الأعرج (عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري عن) أبيه (كعب بن مالك ﵁ أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي دين) وكان أوقيتين كما عند الطبراني (فلقيه فلزمه) أي فلزم كعب بن مالك ابن أبي حدرد (فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما فمرّ بهما النبي ﷺ ¬) وكعب ملازمه ولم ينكر عليه ذلك (فقال) ﵊:
(يا كعب وأشار بيده كأنه يقول) له ضع (النصف) من دينك (فأخذ) كعب (نصف ما) له (عليه وترك) له (نصفًا) وقد سبق هذا الحديث غير مرة.
١٠ - باب التَّقَاضِي
(باب التقاضي) للدين أي المطالبة بهِ.
٢٤٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: "كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَرَاهِمُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثَكَ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَأُوتَى مَالاً وَوَلَدًا ثُمَّ أَقْضِيَكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا﴾ الآيَةَ".
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن راهويه قال: (حدّثنا وهب بن جرير) بفتح الجيم (ابن حازم) الأزدي البصري قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح الكوفي (عن مسروق) بن الأجدع (عن خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة وبعد الألف موحدة أخرى ابن الأرت أنه (قال: كنت قينًا) أي حدادًا (في الجاهلية، وكان) وفي رواية وكانت (لي على العاص بن وائل دراهم) أجرة (فأتيته أتقاضاه) أي
стр. 1684
أطلب منه دراهمي (فقال) أي العاص لي (لا أقضيك) دراهمك (حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا كفر بمحمد ﷺ حتى يميتك الله ثم يبعثك) خاطبه على اعتقاده أنه لا يبعث فكأنه قال: لا أكفر أبدًا. زاد الترمذي قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ فقلت: نعم (قال: فدعني حتى أموت ثم أبعث) بالنصب عطفًا على المنصوب السابق (فأوتى مالاً) بضم الهمزة وفتح التاء مبنيًا للمفعول (وولدًا ثم أقضيك) بالنصب عطفًا على السابق (فنزلت ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا﴾) بالقرآن (﴿وقال لأوتين مالاً وولدًا﴾) [مريم: ٧٧] أي في الجنة بعد البعث (الآية) وسقط لأبي ذر لفظ الآية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٥ - كتاب في اللقطة
(بسم الله الرحمن الرحيم كتاب) بالتنوين (في اللقطة) بضم اللام وفتح القاف ويجوز إسكانها والمشهور عند المحدثين فتحها. قال الأزهري: وهو الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث، ويقال: لقاطة بضم اللام ولقط بفتحها بلا هاء وهي في اللغة الشيء الملقوط وشرعًا ما وجد من حق ضائع محترم غير محرز ولا ممتنع بقوّته ولا يعرف الواجد مستحقه، وفي الالتقاط معنى الأمانة والولاية من حيث أن الملتقط أمين فيما التقطه والشرع ولاّه حفظه كالولي في مال الطفل وفيه معنى الاكتساب من حيث أن له التملك بعد التعريف. (وإذا أخبر رب اللقطة) أي مالكها (بالعلامة) التي بها (دفع) الملتقط (إليه) اللقطة وفي النسخة القروءة على الميدومي دفع إليه بضم الدال ولأبي ذر:
باب بالتنوين إذا أخبره بالضمير المنصوب، ولغير المستملي والنسفيّ:
١ - باب إِذَا أَخْبَرَهُ رَبُّ اللُّقَطَةِ بِالْعَلَامَةِ دَفَعَ إِلَيْهِ
بسم الله الرحمن الرحيم باب في اللقطة وإذا أخبره ربّ اللقطة الخ.
٢٤٢٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: لَقِيتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ فَقَالَ: "أَخَذْتُ صُرَّةً مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلاً، فَعَرَّفْتُهَا حَوْلَهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلاً، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثًا فَقَالَ: احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَاسْتَمْتِعْ بِهَا، فَاسْتَمْتَعْتُ. فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلاً وَاحِدًا".
[الحديث ٢٤٢٦ - طرفه في: ٢٤٣٧].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال المؤلّف:
(وحدّثني) بالإفراد والواو في الفرع مرقومًا عليها علامة أبي ذر وفي غير الفرع ح للتحويل حدّثني (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار العبدي قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سلمة) بن كهيل أنه قال: (سمعت سويد بن غفلة) بفتح المعجمة والفاء واللام وسويد بضم السين مصغرًا الجعفي الكوفي التابعي المخضرم قدم المدينة يوم دفن النبي ﷺ وكان مسلمًا في حياته وتوفي سنة ثمانين وله مائة وثلاثون سنة (قال: لقيت أُبيّ بن كعب ﵁ فقال: أخذت) وللكشميهني: وجدت، وللمستملي: أصبت (صرة مائة دينار) بنصب مائة بدلاً من صرة. قال العيني: ويجوز الرفع على تقدير فيها مائة دينار اهـ.
قلت: كذا في النسخة المقروءة على الميدومي وجدت صرة فيها مائة دينار. (فأتيت) بها (النبي ﷺ فقال) لي:
(عرفها حولاً) أمر من التعريف كان ينادي من ضاع له شيء فليطلبه عندي ويكون في الأسواق ومجامع الناس وأبواب المساجد عند خروجهم من الجماعات ونحوها لأن ذلك أقرب إلى وجود صاحبها إلا في المساجد كما لا تطلب اللقطة فيها، نعم يجوز تعريفها في المسجد الحرام اعتبارًا بالعرف ولأنه مجمع الناس وقضية التعليل أن مسجد المدينة والأقصى كذلك، وقضية كلام النووي في الروضة تحريم التعريف في بقية المساجد قال في المهمات: وليس كذلك فالمنقول الكراهة، وقد جزم به في شرح المهذّب قال الأذرعي وغيره: بل المنقول والصواب التحريم للأحاديث الظاهرة فيه، وبه صرح الماوردي وغيره، ولعل النووي لم يرد بإطلاق الكراهة كراهة التنزيه ويجب أن يكون محل التحريم أو الكراهة إذا وقع ذلك برفع الصوت كما أشارت إليه الأحاديث. أما لو سأل الجماعة في المسجد بدون ذلك فلا تحريم ولا كراهة ويجب التعريف في محل اللقطة ولو التقط في الصحراء
وهناك قافلة تبعها وعرف فيها وإلاّ ففي بلد يقصدها قربت أم بعدت ويجب التعريف حولاً كاملاً إن أخذها للتملك بعد التعريف وتكون أمانة ولو بعد السنة حتى يتملكها، والمعنى في كون التعريف سُنّة أنها لا تتأخر فيها القوافل وتمضي فيها الأزمنة الأربعة، ولو التقط اثنان لقطة عرّف كلٌّ منهما سنة، قال ابن الرفعة: وهو الأشبه لأنه
стр. 1685
في النصف كملتقط واحد، وقال السبكي: بل الأشبه أن كلاًّ منهما يعرفها نصف سنة لأنها لقطة واحدة والتعريف من كلٍّ منهما لكلها إلا لنصفها وإنما تقسم بينهما عند التملك ولا يشترط الفور للتعريف بل المعتبر تعريف سنة متى كان ولا الموالاة، فلو فرق السنة كأن عرف شهرين وترك شهرين وهكذا لأنه عرف سنة ولا يجب الاستيعاب للسنة بل يعرف على العادة فينادي في كل يوم مرتين في طرفيه في الابتداء ثم في كل يوم مرة ثم في كل أسبوع مرتين أو مرة ثم في كل شهر.
قال أُبيّ بن كعب: (فعرفتها) أي الصرة (حولها) بالهاء والنصب على الظرفية وسقط لأبي ذر قوله حولها وثبت في بعض الأصول قوله حولاً بإسقاط الهاء بدل حولها (فلم أجد من يعرفها) بالتخفيف (ثم أتيته) ﷺ (فقال عرفها حولاً فعرفتها فلم أجد) أي من يعرفها (ثم أتيته) عليه
الصلاة والسلام (ثلاثًا) أي مجموع إتيانه ثلاث مرات لا أنه أتى بعد المرتين الأوليين ثلاثًا، وإن كان ظاهر اللفظ يقتضيه لأن ثم إذا تخلفت عن معنى التشريك في الحكم والترتيب والمهلة تكون زائدة لا عاطفة البتّة قاله الأخفش والكوفيون، (فقال) ﵊، ولأبي الوقت: قال (احفظ وعاءها) الذي تكون فيه اللقطة من جلد أو خرقة أو غيرهما وهو بكسر الواو وبالهمزة ممدودًا (وعددها ووكاءها) بكسر الواو والثانية وبالهمزة ممدودًا الخيط الذي يشدّ به رأس الصرة أو الكيس أو نحوهما، والمعنى فيه ليعرف صدق مدّعيها ولئلا تختلط بما له وليتنبّه على حفظ الوعاء وغيره لأن العادة جارية بإلقائه إذا أخذت النفقة وهل الأمر للوجوب أو الندب؟ قال ابن الرفعة بالأول، وقال الأذرعي وغيره للندب وكذا يندب كتب الأوصاف المذكورة. قال الماوردي: وأنه التقطها من موضع كذا في وقت كذا (فإن جاء صاحبها) أي فارددها إليه فحذف جزاء الشرط للعلم به، وفي رواية
أحمد والترمذي والنسائي من طريق الثوري وأحمد وأبي داود من طريق حماد كلهم عن سلمة بن كهيل في هذا الحديث فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه أي على الوصف من غير بيّنة، وبه قال المالكية والحنابلة. وقال الحنفية والشافعية: يجوز للملتقط دفعها إليه على الوصف ولا يحبر على الدفع لأنه يدّعي مالاً في يد غيره فيحتاج إلى البيّنة لعموم قوله ﷺ البيّنة على المدّعي فيحمل الأمر بالدفع في الحديث على الإباحة جمعًا بين الحديثين، فإن أقام شاهدين بها وجب الدفع وإلاّ لم يجب ولو أقام مع الوصف شاهدًا بها ولم يحلف معه لم يجب الدفع إليه، فإن قال له: يلزمك تسليمها إليّ فله إذا لم يعلم صدقة الحلف أنه لا يلزمه ذلك، ولو قال: تعلم أنها ملكي فله الحلف أنه لا يعلم لأن الوصف لا يفيد العلم كما صرّح به في الروضة، لكن يجوز له بل يستحب كما نقل عن النص الدفع إليه إن ظن صدقه في وصف لها عملاً بظنه ولا يجب لأنه مدّع فيحتاج إلى حجة فإن لم يظن صدقه لم يجز ذلك ويجب الدفع إليه إن علم صدقه ويلزمه الضمان لا إن ألزمه بتسليمها إليه بالوصف حاكم يرى ذلك كمالكي وحنبلي فلا تلزمه العهدة لعدم تقصيره في التسليم، وإن سلمها إلى الواصف باختياره من غير إلزام حاكم له ثم تلفت عند الواصف وأثبت بها آخر حجة وغرم الملتقط بدلها رجع الملتقط بما غرمه على الواصف إن سلم اللقطة له ولم يقرّ له الملتقط بالملك لحصول التلف عنده ولأن الملتقط سلمه بناء على الظاهر وقد بان خلافه فإن أقرّ له بالملك لم يرجع عليه مؤاخذة له بإقراره.
(وإلا) بأن لم يجيء صاحبها (فاستمتع بها) أي بعد التملك باللفظ كتملكت وتكفي إشارة الأخرس كسائر العقود وكذا الكتابة مع النية قال أبي: (فاستمتعت) أي البصرة. قال شعبة: (فلقيته) أي لقيت سلمة بن كهيل (بعد) بالبناء على الضم حال كونه (بمكة فقال) أي سلمة (لا أدري) قال سويد بن غفلة (ثلاثة أحوال أو) قال (حولاً واحدًا) ولم يقل أحد بأن اللقطة تعرّف ثلاثة أحوال والشك يوجب سقوط المشكوك فيه وهو الثلاثة فوجب العمل
следующие страницы →