Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
٢٣١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، قَالَ فِي صَدَقَةِ عُمَرَ ﵁: "لَيْسَ عَلَى الْوَلِيِّ جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ، يُهْدِي لِلنَّاسِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ".
[الحديث ٢٣١٣ - أطرافه في: ٢٧٣٧، ٢٧٦٤، ٢٧٧٢، ٢٧٧٣، ٢٧٧٧].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار أنه (قال في صدقة عمر) بن الخطاب (﵁) لم يدرك ابن دينار عمر فهو مرسل غير موصول. وقال الحافظ ابن حجر: قوله في صدقة عمر أي في روايته لها عن ابن عمر كما جزم بذلك المزي في الأطراف ويوضحه رواية الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار
عن ابن عمر، وتعقبه العيني: بأن المزي لم يذكر هذا في الأطراف أصلاً وإنما قال بعد العلامة بحرف الخاء المعجمة حديث عمرو بن دينار إلى آخر ما ذكره البخاري ثم قال موقوف، ثم قال العيني: والتقدير الذي قدّره هذا القائل يعني ابن حجر خلاف الأصل ولا ثمة داعٍ يدعوه إلى ذلك قال: وأما قوله ويوضحه رواية الإسماعيلي الخ … فلا يستلزم ما ذكره من التقدير المذكور بالتعسف انتهى.
- قال في الانتقاض: وما نفاه عن المزي هو المدعى وهو أنه جزم أن المروي في هذا الأثر بهذا السند كلام ابن عمر فهو الذي عبّر المزي عنه بقوله موقوف، ومن لا يدري بأن معنى قول المحدث موقوف أن الصحابيّ لا يصرح بنسبته إلى النبي ﷺ مثل ما في هذا الطريق فما باله والاعتراض على أهل الفن بكلام غير أهل الفن.
وصدقة مضاف لعمر في الفرع وغيره مما وقفت عليه من الأصول، لكن قال الكرماني في صدقة بالتنوين عمر بالرفع فاعل وفي بعضها بالإضافة وفي بعضها عمرو بالواو فالقائل هو ابن دينار أي قال ابن دينار في الوقف العمري ذلك (ليس على الولي) الذي يتولى أمر الوقف (جناح) إثم (أن يأكل) منه (ويؤكل) منه (صديقًا) زاد أبو ذر له أي للولي وهو في محل نصب صفة لصديقًا حال كونه (غير متأثل) بميم مضمومة فمثناة فوقية مفتوحة وبعد الهمزة مثلثة مشددة مكسورة أي غير جامع (مالاً فكان ابن عمر) ﵄.
قال ابن حجر: هو موصول بالإسناد المذكور كما هو في رواية الإسماعيلي. قال العيني: قد صرّح الكرماني بأنه مرسل فكيف يكون المعطوف على المرسل موصولاً انتهى.
قال في الانتقاض مجيبًا عن هذا الاعتراض ليس بينهما مانعية جمع (هو يلي صدقة عمر يهدي للناس) بضم أوله من الرباعي من صدقة عمر ولأبي ذر: لناس (من أهل مكة) هم آل عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاصي (كان) ابن عمر (ينزل عليهم) أي على الناس، وإنما كان ابن عمر يهدي منه أخذًا بالشرط المذكور وهو أن يؤكل صديقًا له أو من نصيبه الذي جعل له أن يأكل منه بالمعروف فكان يوفره ليهدي لأصحابه منه.
١٣ - باب الْوَكَالَةِ فِي الْحُدُودِ
(باب) جواز (الوكالة في الحدود) كسائر الحقوق بل يتعين التوكيل في قصاص الطرف وحد القذف كما سيأتي في موضعهما إن شاء الله تعالى.
٢٣١٤ و ٢٣١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا».
[الحديث ٢٣١٤ - أطرافه في: ٢٦٤٩، ٢٦٩٦، ٢٧٢٥، ٦٦٣٤،
٦٨٢٨، ٦٨٣١، ٦٨٤٣، ٦٨٦٠، ٧١٩٤، ٧٢٥٩، ٧٢٧٩].
[الحديث ٢٣١٥ - أطرافه في: ٢٦٩٥، ٢٧٢٤، ٦٦٣٣، ٦٨٢٧، ٦٨٣٣، ٦٨٣٥، ٦٨٤٢، ٦٨٥٩، ٧١٩٣، ٧٢٥٨، ٧٢٦٠، ٧٢٧٨].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (أخبرنا) ولأبي الوقت: حدّثنا (الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير، ولأبي ذر زيادة ابن عبد الله أي ابن عتبة (عن زيد بن خالد) الجهني الصحابي (وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(واغد يا أنيس) بصيغة التصغير ابن الضحاك الأسلمي واغد أمر من غدا بالغين المعجمة أي اذهب وهو عطف على شيء سبق وساقه هنا مقتصرًا على القدر المحتاج إليه، ولفظه كما أخرجه في باب الاعتراف بالزنا في كتاب المحاربين: كنا عند النبي ﷺ فقام رجل فقال أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: اقضِ بيننا بكتاب الله وائذن لي قال: قل قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأته الرجم، فقال النبي ﷺ . "والذي نفسي ييده لأقضيّن بينكما بكتاب الله المائة شاة والخادم ردّ عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس" (على) وللكشميهني: إلى (امرأة هذا فإن اعترفت) بالزنا (فارجمها) وإنما خصّه من بين الصحابة قصدًا إلى
стр. 1612
أنه لا يؤمّر في القبيلة إلا رجل منهم لنفورهم عن حكم غيرهم وكانت المرآة أسلمية.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النذور والمحاربين والصلح والأحكام والشروط والاعتصام وخبر الواحد والشهادات، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة في الحدود والنسائي في القضاء والرجم والشروط.
٢٣١٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: "جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ -أَوِ ابْنِ النُّعَيْمَانِ- شَارِبًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوا، قَالَ فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْنَاهُ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ".
[الحديث ٢٣١٦ - طرفاه في: ٦٧٧٤، ٦٧٧٥].
وبه قال: (حدّثنا ابن سلام) بالتخفيف، ولأبي ذر: سلام بالتشديد البيكندي قال: (أخبرنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله (عن عقبة بن الحرث) بن عامر القرشي النوفلي المكي له صحبة أسلم يوم الفتح، وله في البخاري ثلاثة أحاديث أنه (قال: جيء بالنعيمان) بضم النون مصغرًا ولغير أبي ذر النعمان بالتكبير (أو ابن النعيمان) بالتصغير أيضًا والشّك من الراوي، ووقع عند الإسماعيلي الشك في تصغيره وتكبيره. وللإسماعيلي
أيضًا في رواية: جئت بالنعيمان بغير شك فيستفاد منه تسمية الذي حضر به وهو عقبة والنعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحرث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري ممن شهد بدرًا وكان مزاحًا حال كونه (شاربًا) مسكرًا أي متّصفًا بالشرب لأنه حين جيء به لم يكن شاربًا حقيقة بل كان سكران، ويدل له ما في الحدود بلفظ: هو سكران.
(فأمر رسول الله ﷺ من كان في البيت أن يضربوا) بحذف الضمير المنصوب وفي نسخة يضربوه بإثباته (قال) عقبة بن الحرث: (فكنت أنا فيمن ضربه فضربناه بالنعال والجريد).
وموضع الترجمة منه قوله فيه فأمر من كان في البيت أن يضربوه فإن الإمام لما لم يتولّ إقامة الحدّ بنفسه وولاّه غيره كان ذلك بمنزلة توكيله لهم في إقامته، ولا يصح عند الشافعية التوكيل في إثبات الحدود لبنائها على الدرء. نعم قد يقع إثباتها بالوكالة تبعًا بأن يقذف شخص آخر فيطالبه بحد القذف فله أن يدرأه عن نفسه بإثبات زناه بالوكالة، فإذا ثبت أقيم عليه الحد ويستفاد من الحديث كما قال الخطابي: إن حدّ الخمر لا يستأنى به الإفاقة كحد الحامل لتضع حملها.
١٤ - باب الْوَكَالَةِ فِي الْبُدْنِ وَتَعَاهُدِهَا
(باب) حكم (الوكالة في) أمر (البدن) التي تهدى (و) حكم (تعاهدها).
٢٣١٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: "قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَىَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَىْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي المدني ابن أخت الإمام مالك (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس إمام دار الهجرة (عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي (عن) خالته (عمرة بنت عبد الرحمن) الأنصارية (أنها أخبرته قالت عائشة) ﵂: (أنا فتلت قلائد هدي رسول الله- ﷺ بيدي) بتشديد الياء على التثنية. وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا، وفي باب من قلد القلائد بيده من كتاب الحج أطول من هذا ولفظه: عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة ﵂ أن عبد الله بن عباس ﵄ قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه. قالت عمرة فقالت عائشة ﵂: ليس كما قال ابن عباس أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيديّ.
(ثم قلدها رسول الله ﷺ بيديه) بالتثنية (ثم بعث) ﷺ (بها) أي بالهدي وأنّث الضمير باعتبار البدنة لأن هديه ﷺ الذي بعث به كان بدنة (مع أبي) أبي بكر الصديق ﵁ سنة تسع عام
حج أبو بكر ﵁ بالناس (فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحلّه الله له حتى نحر الهدي) بضم النون مبنيًا للمجهول والهدي رفع نائب عن الفاعل أي حتى نحره أبو بكر ﵁، والحديث ظاهر فيما ترجم له من الوكالة في البدن وأما تعاهدها فيحتمل أن يكون من مباشرة النبي ﷺ إياها بنفسه حتى قلدها بيده.
١٥ - باب إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ: ضَعْهُ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ وَقَالَ الْوَكِيلُ: قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا قال الرجل لوكيله) الذي وكّله (ضعه) أي الشيء الموكل فيه (حيث أراك الله وقال الوكيل قد سمعت ما قلت) أي فوضعه حيث أراد جاز.
٢٣١٨ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: "كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالاً، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرُ حَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَىَّ بِيْرُ حَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ: بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ. . قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ. قَالَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ".
تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ رَوْحٌ عَنْ مَالِكٍ "رَابِحٌ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (يحيى بن
стр. 1613
يحيى) بن بكر بن زياد التميمي الحنظلي (قال: قرأت على مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة (أنه سمع) عمه (أنس بن مالك ﵁ يقول: كان أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (أكثر الأنصار) ولأبي ذر: أكثر أنصاريّ قال البرماوي كالكرماني وهو من التفضيل على التفصيل أي أكثر من كل واحد واحد من الأنصار ولذا لم يقل أكثر الأنصار (بالمدينة مالاً) نصب على التمييز أي من حيث المال (وكان أحب أمواله إليه بيرحاء) بكسر الموحدة وسكون التحتية وضم الراء وبعد الحاء المهملة همزة مفتوحة ممدودًا ولأبي ذر: بيرحا من غير همز وفيها وجوه أخرى ذكرتها في الزكاة. (وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب) بالجر صفة لماء، (فلما نزلت) هذه الآية: (﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾) من الصدقة (قام أبو طلحة) منتهيًا (إلى
رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] (وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء) بكسر الموحدة وضمُّ الراء مهموزًا مع الفتح والمد في الفرع لأبي ذر (وإنها صدقة لله أرجو برّها) خيرها (وذخرها) بالذال المضمومة والخاء الساكنة المعجمتين أي أقدمها فأذخرها لأجدها (عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت فقال) ﵊:
(بخ) بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبتنوينها وبالتخفيف والتشديد فيهما فهي أربعة كلمة تقال عند مدح الشيء والرضا به (ذلك مال رائح) بالهمز والخاء المهملة في الفرع وأصله (ذلك مال رائح) بالتكرار مرتين أي ذاهب فإذا ذهب في الخير فهو أولى (قد) بغير واو قبل القاف (سمعت ما قلت فيها وأرى أن تجعلها في الأقربيين قال) أبو طلحة (أفعل يا رسول الله) بهمزة قطع على أنه فعل مستقبل مرفوع (فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) من باب عطف الخاص على العامّ.
(تابعه) أي تابع يحيى بن يحيى (إسماعيل) بن أبي أويس (عن مالك) فيما وصله المؤلّف في تفسير سورة آل عمران. (وقال روح) بفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة ابن عبادة في روايته (عن مالك) أيضًا (رابح) بالموحدة فيما وصله الإمام أحمد عنه وفي غير الفرع وأصله من الأصول في رواية يحيى رابح بالموحدة أي يربح فيه صاحبه، وقال العيني: رائج بالجيم من الرواج فليتأمل.
وموضع الترجمة من الحديث قول أبي طلحة للنبي ﷺ إنها صدقة الخ … فإنه ﷺ لم ينكر عليه ذلك وإن كان ما وضعها بنفسه بل أمره أن يضعها في الأقربين، لكن الحجة فيه تقريره ﵊ على ذلك.
وهذا الحديث قد سبق في باب الزكاة على الأقارب من كتاب الزكاة.
١٦ - باب وَكَالَةِ الأَمِينِ فِي الْخِزَانَةِ وَنَحْوِهَا
(باب وكالة الأمين في الخزانة) بكسر الخاء المعجمة اسم للموضع الذي يخزن فيه (ونحوها).
٢٣١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِقُ -وَرُبَّمَا قَالَ: الَّذِي يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلاً مُوَفَّرًا طَيِّبًا نَفْسُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثي (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء مصغرًا (عن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء اسمه عامر أو الحرث (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الخازن الأمين الذي ينفق وربما قال الذي يعطي ما أمر به) بضم الهمزة وكسر الميم مبنيًّا للمفعول أي ما أمره به سيده من الصدقة حال كونه (كاملاً موفورًا) بفتح الفاء المشددة (طيب نفسه) مبتدأ وخبره مقدم وفي الزكاة طيب به نفسه، ولأبي ذر والأصيلي: طيبًا بالنصب على الحال (إلى الذي أمر به) لا لغيره (أحد المتصدقين) خبر قوله الخازن والمتصدقين بفتح القاف بلفظ التثنية.
ومطابقته للترجمة من جهة أن الخازن الأمين مفوّض إليه الإنفاق والإعطاء بحسب أمر الآمر به.
وهذا الحديث سبق في باب أجر الخادم من كتاب الزكاة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤١ - كتاب الحرث والمزارعة
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(كتاب الحرث) أي الزرع (والمزارعة) وهي المعاملة على الأرض
стр. 1614
ببعض ما يخرج منها ويكون البذر من مالكها فإن كان من العامل فهي مخابرة وهما إن أفردتا عن المساقاة باطلتان للنهي عن المزارعة في مسلم وعن المخابرة في الصحيحين، ولأن تحصيل منفعة الأرض ممكنة بالإجارة فلم يجز العمل عليها ببعض ما يخرج منها كالمواشي بخلاف الشجر فإنه لا يمكن عقد الإجارة عليها فجوّزت المساقاة، واختار في الروضة تبعًا لابن المنذر وابن خزيمة والخطابي صحتهما وحمل أخبار النهي على ما إذا شرط لأحدهما زرع قطعة معينة وللآخر أخرى وعلى الأوّل فيشترط تقديم المساقاة على المزارعة بأن يقول: ساقيتك وزارعتك، فلو قال: زارعتك وساقيتك أو فصل بينهما لم يصح لانتفاء التبعية فإن خابره تبعًا لم يصح كما لو أفردها وفارقت المزارعة بأن المزارعة أشبه بالمساقاة وورد الخبر بصحتها بخلاف المخابرة.
١ - باب فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ. وَقَوْلِهِ الله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]
(باب فضل الزرع والغرس) قال في القاموس: زرع كمنع طرح البذر كازدرع وأصله ازترع أبدلوها دالاً لتوافق الزاي والله أنبت وغرس الشجر أثبته في الأرض كأغرسه والغرس المغروس (إذا كل منه) قيد في فضيلة كل منهما ولأبي ذر كتاب الحرث بفح الحاء وسكون الراء المهملتين آخره مثلثة وله عن الحموي في الحرث وإسقاط كتاب، وله أيضًا عن الكشميهني كتاب المزارعة مع تأخير البسملة فيها وسقط له قوله ما جاء في الحرث والمزارعة، وقوله باب وما بعده ثابت عنده وحينئذٍ
فيكون قوله فضل الزرع مرفوعًا على ما لا يخفى، وهذا ما في الفرع وأصله وفي فتح الباري، عن النسفيّ كالكشميهني باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه بسم الله الرحمن الرحيم. وزاد النسفيّ فقال: باب ما جاء في الحرث والمزارعة وفضل الزرع، ومثله للأصيلي وكريمة إلا أنهما حذفا لفظ كتاب المزارعة، وللمستملي: كتاب الحرث، وقدم الحموي البسملة وقال في الحرث بدل كتاب الحرث.
(وقوله تعالى) بالجرّ عطفًا على السابق، ولأبي ذر وقول الله تعالى بالرفع على الاستئناف: (﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾) تبذرون حبه (﴿أأنتم تزرعونه﴾) تنبتونه (﴿أم نحن الزارعون﴾) المنبتون (﴿لو نشاء لجعلناه حطامًا﴾) [الواقعة: ١٦] هشيمًا وإنما نسب الحرث إلينا والزرع إليه ﷻ ، وإن كانت الأفعال كلها له سبحانه حرثًا وبذرًا وغير ذلك لأن المراد بالزرع هنا الإنبات لا البذر وذلك خصائص القدرة القديمة، ووجه الاستدلال بهذه الآية على إباحة الحرث أن الله تعالى امتنّ علينا بإنبات ما نحرثه فدلّ على أن الحرث جائز إذ لا يمتنّ بممنوع.
٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ح.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». وقال لنا مسلمٌ حدثنا أبانُ حدثنا قتادة حدثنا أنسٌ عن النبي ﷺ .
[الحديث ٢٣٢٠ - طرفه في: ٦٠١٢].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (ح) مهملة وينطق بها كذلك علامة لتحويل السند قال المؤلّف بالسند:
(وحدّثني عبد الرحمن بن المبارك) بن عبد الله العيشي بعين مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فشين معجمة منسوب إلى بني عائش قال: (حدّثنا أبو عوانة عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ولأبي ذر: أنس بن مالك (﵁) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ ¬):
(ما من مسلم يغرس غرسًا) بمعنى المغروس أي شجرًا (أو يزرع زرعًا) مزروعًا وأو للتنويع لأن الزرع غير الغرس (فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) بالرفع اسم كان والتعبير بالمسلم يخرج الكافر فيختص الثواب في الآخرة بالمسلم دون الكافر لأن القرب إنما تصح من المسلم فإن تصدق الكافر أو فعل شيئًا من وجوه البر لم يكن له أجر في الآخرة. نعم ما أكل من زرع الكافر يثاب عليه في الدنيا كما ثبت دليله، وأما من قال يخفف عنه بذلك من عذاب الآخرة فيحتاج إلى دليل.
وفي حديث عائشة عند مسلم قلت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: "لا ينفعه إن لم يقل يومًا ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين" يعني لم يكن مصدقًا بالبعث ومن لم يصدق به كافر ولا ينفعه عمل. ونقل عياض الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشد عذابًا من بعضهم بحسب جرائمهم.
وأما حديث أبي
стр. 1615
أيوب الأنصاري عند أحمد مرفوعًا: ما من رجل يغرس غرسًا وحديث ما من عبد فظاهرهما يتناول المسلم والكافر لكن يحمل المطلق على المقيد والمراد بالمسلم الجنس فتدخل المرأة المسلمة.
(وقال لنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي البصري قال العيني كابن حجر: كذا بإثبات لنا للأصيلي وكريمة وأبي ذر وفي رواية النسفيّ وآخرين وقال مسلم بدون لفظة لنا (حدّثنا أبان) ابن يزيد العطار قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) لم يسق متن هذا السند لأن غرضه منه التصريح بالتحديث من قتادة عن أنس، وقد أخرجه مسلم عن عبد بن حميد عن مسلم بن إبراهيم المذكور بلفظ: أن نبي الله ﷺ رأى نخلاً لأم مبشر امرأة من الأنصار فقال: "من غرس هذا النخل أمسلم أم كافر"؟ قالوا: مسلم بنحو حديثهم كذا عند مسلم فأحال به على ما قبله، وقد بيّنه أبو نعيم في المستخرج من وجه آخر عن مسلم بن إبراهيم، وباقيه: لا يغرس مسلم غرسًا فيأكل منه إنسان أو طير أو دابّة إلا كان له صدقة، وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طرق عن جابر قال في بعضها فيأكل منه سبع أو طائر أو شيء إلا كان له فيه أجر، وفي أخرى: فيأكل منه إنسان ولا دابّة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة. ومقتضاه أن ثواب ذلك مستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً منه ولو مات غارسه أو زارعه ولو انتقل ملكه إلى غيره.
قال ابن العربي: في سعة كرم الله أن يثيب على ما بعد الحياة كما كان يثيب ذلك في الحياة وذلك في ستة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو غرس، أو زرع، أو رباط فللمرابط ثواب عمله إلى يوم القيامة انتهى.
ونقل الطيبي عن محيي السُّنّة أنه روى أن رجلاً مرّ بأبي الدرداء وهو يغرس جوزة فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير وهذه لا تطعم إلا في كذا وكذا عامًا. قال: ما عليّ أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري. قال: وذكر أبو الوفاء البغدادي أنه مرّ أنو شروان على رجل يغرس شجر الزيتون فقال له: ليس هذا أوان غرسك الزيتون وهو شجر بطيء الأثمار، فأجابه غرس من قبلنا فأكلنا ونغرس ليأكل من بعدنا. فقال أنو شروان: زه أي أحسنت، وكان إذا قال زه يعطي من قيلت له أربعة آلاف درهم فقال: أيها الملك كيف تعجب من شجري وإبطاء ثمره فما أسرع ما أثمر. فقال: زه فزيد أربعة آلاف درهم أخرى. فقال: كل شجر يثمر في العام مرة وقد أثمرت شجرتي في ساعة
مرتين. فقال: زه فزيد مثلها فمضى أنو شروان فقال: إن وقفنا عليه لم يكفه ما في خزائننا.
ثم إن حصول هذه الصدقة المذكورة يتناول حتى من غرسه لعياله أو لنفقته لأن الإنسان يُثاب على ما سرق له وإن لم ينوِ ثوابه ولا يختصّ حصول ذلك بمن يباشر الغراس أو الزراعة بل يتناول من استأجر لعمل ذلك والصدقة حاصلة حتى فيما عجز عن جمعه كالسنبل المعجوز عنه بالحصيدة فيأكل منه حيوان فإنه مندرج تحت مدلول الحديث.
واستدلّ به على أن الزراعة أفضل المكاسب وقال به كثيرون، وقيل الكسب باليد، وقيل التجارة، وقد يقال كسب اليد أفضل من حيث الحلّ والزرع من حيث عموم الانتفاع، وحينئذٍ فينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الحال فحيث احتيج إلى الأقوات أكثر تكون الزراعة أفضل للتوسعة على الناس، وحيث احتيج إلى المتجر لانقطاع الطرق تكون التجارة أفضل، وحيث احتيج إلى الصنائع تكون أفضل والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه المصنف أيضًا في الأدب والترمذي في الأحكام.
٢ - باب مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الاِشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ، أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ
(باب) بيان (ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع) يحذر بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه مخففًا، ولأبي ذر: يحذر بالتشديد (أو مجاوزة الحد) قال الحافظ ابن حجر: كذا للأصيلي وكريمة ولابن شبويه أو يجاوز بالمثناة التحتية بدل الميم، ولأبي ذر والنسفيّ: جاوز الحد، وفي رواية بالفرع: أو جاز الحد (الذي أمر به) سواء كان واجبًا أو مندوبًا.
٢٣٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ -وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ- سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلاَّ أُدْخِلَهُ الذُّلُّ» قَالَ مُحَمَّدٌ: وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيٌّ بْنُ عَجلانَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا عبد الله بن سالم الحمصي) أبو يوسف قال: (حدّثنا محمد بن زياد الألهاني) بفتح الهمزة وسكون اللام بعدها هاء فألف
стр. 1616
فنون فياء نسب أبو سفيان الحمصي (عن أبي أمامة الباهلي) أنه (قال و) الحال أنه (رأى سكة) بكسر السين المهملة وتشديد الكاف المفتوحة الحديدة التي تحرث بها الأرض (وشيئًا من آلة الحرث فقال: سمعت النبي) ولأبي ذر: سمعت رسول الله (¬ ﷺ يقول):
(لا يدخل هذا بيت قوم) يعملون بها بأنفسهم (إلا أدخله الذل) بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، والذل رفع نائب عن الفاعل فلو كان لهم من يعمل لهم وأدخلت الآلة المذكورة دراهم للحفظ فليس مرادًا أو هو على عمومه، فإن الذل داخل شامل لكل من أدخل على نفسه ما يستلزم مطالبة آخر له، ولا سيما إذا كان المطالب من ظلمة الولاة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: إلا أدخله الله بفتح الهمزة والخاء مبنيًّا للفاعل الذلّ مفعول للاسم الكريم، وله عن الكشميهني: إلا دخله الذل بإسقاط الهمزة وحذف الجلالة والذل رفع. وفي مستخرج أبي نعيم: إلا أدخلوا على أنفسهم ذلاًّ لا يخرج عنهم إلى يوم القيامة أي لما يلزمهم من حقوق الأرض التي يزرعونها ويطالبهم بها الولاة، بل ويأخذون منهم الآن فوق ما عليهم بالضرب والحبس، بل ويجعلونهم كالعبيد أو أسوأ من العبيد فإن مات أحد منهم أخذوا ولده عوضه بالغصب والظلم، وربما أخذوا الكثير من ميراثه ويحرمون ورثته، بل ربما أخذوا من ببلد الزراع فجعلوه زراعًا، وربما أخذوا ماله كما شاهدنا فلا حول ولا قوة إلا بالله. وكان العمل في الأراضي أول ما افتتحت على أهل الذمة فكان الصحابة يكرهون تعاطي ذلك.
قال في فتح الباري: وقد أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين حديث أبي أمامة، والحديث السابق في فضل الزرع والغرس وذلك بأحد أمرين: إما أن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك ومحله إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه، وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه.
(قال محمد) هو ابن زياد الراوي (واسم أبي أمامة) الباهلي المذكور (صديّ بن عجلان) بفتح العين المهملة وسكون الجيم وبعد اللام ألف ونون وصدي بضم الصاد وفتح الدال المهملتين آخره تحتية مشددة آخر من مات بالشام من الصحابة، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخرين في الأطعمة والجهاد وهو ثابت هنا في بعض النسخ وعليه شرح العيني وهو في هامش اليونينية بإزاء قوله في السند: عن أبي أمامة من غير إشارة لمحله مرقوم عليه علامة أبي ذر عن المستملي والكشميهني، وفي بعض النسخ وعزاه في الفتح وتبعه العيني للمستملي قال أبو عبد الله أي البخاري بدل قوله قال محمد.
وهذا الحديث من أفراد البخاري.
٣ - باب اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ
(باب اقتناء الكلب) بالقاف أي اتخاذه (للحرث).
٢٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ
قِيرَاطٌ، إِلاَّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ". قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِلاَّ كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ». وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ».
[الحديث ٢٣٢٢ - طرفه في: ٣٣٢٤].
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء أبو زيد البصري قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من أمسك كلبًا فإنه ينقص كل يوم من) أجر (عمله قيراط). وعند مسلم: فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان والحكم للزائد لأنه حفظ ما لم يحفظه الآخر أو أنه ﷺ أخبر أوّلاً بنقص قيراط واحد، فسمعه الراوي الأول ثم أخبر ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد للتنفير عن ذلك فسمعه الثاني أو ينزل على حالين فنقص القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها ونقص الواحد باعتبار قلته.
وقد حكى الروياني في البحر اختلافًا في الأجر هل ينقص من العمل الماضي أو المستقبل وفي محل نقصان القيراطين فقيل من عمل النهار قيراط ومن عمل الليل آخر وقيل من الفرض قيراط ومن النفل آخر، والقيراط هنا مقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نقص جزء أو جزأين من أجزاء عمله، وهل إذا تعددت الكلاب تتعدد القراريط؟ وسبب النقص امتناع الملائكة من دخول بيته أو لما يلحق المارّين من الأذى أو ذلك عقوبة لهم لاتخاذهم ما نهى عن اتخاذه أو لأن بعضها شياطين أو ولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها.
(إلا
стр. 1617
كلب حرث أو ماشية) فيجوز وأو للتنويع لا للترديد والأصح عند الشافعية إباحة اتخاذ الكلاب لحفظ الدور والدروب قياسًا على المنصوص بما في معناه، واستدلّ المالكية بجواز اتخاذها على طهارتها. فإن ملابستها مع الاحتراز عن مسّ شيء منها أمر شاق والإذن في الشيء إذن في مكملات مقصوده كما في المنع من لوازمه مناسبة للمنع منه. وأجيب: بعموم الخبر الوارد في الأمر من غسل ما ولغ فيه الكلب من غير تفصيل وتخصيص العموم غير مستنكر إذا سوّغه الدليل.
(قال) ولأبي ذر. وقال (ابن سيرين) محمد مما تتبعه الحافظ ابن حجر فلم يجده موصولاً (وأبو صالح) ذكوان الزيات مما وصله أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه الترغيب (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ إلا كلب غنم أو) كلب (حرث أو) كلب (صيد) فزاد أو صيد.
(وقال أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمان بسكون اللام الأشجعي مما وصله أبو الشيخ (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ كلب صيد أو) كلب (ماشية) فأسقط كلب الحرث ولأبي ذر بالتقديم والتأخير.
٢٣٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ -رَجُلاً مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ. قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ».
[الحديث ٢٣٢٣ - طرفه في: ٣٣٢٥].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن يزيد بن خصيفة) بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة مصغرًا نسبه لجده واسم أبيه عبد الله (أن السائب بن يزيد) من الزيادة كالسابق الكندي صحابي صغير حج به في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة وهو آخر من مات بها من الصحابة (حدّثه أنه سمع سفيان بن أبي زهير) بضم الزاي مصغرًا (رجلاً) بالنصب قال العيني بتقدير أعني أو أخص، ولأبي ذر: رجل بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هو رجل (من أزد شنوءة) بفتح الهمزة وسكون الزاي وشنوءة بفتح الشين المعجمة وبعد النون المضمومة همزة مفتوحة (وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(من اقتنى كلبًا) وهذا مطابق للترجمة مفسر لقوله في الحديث السابق: من أمسك كلبًا (لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا) كناية عن الماشية (نقص كل يوم من) ثواب (عمله قيراط) قال السائب بن يزيد (قلت) لسفيان بن أبي زهير للتثبت في الحديث (أنت سمعت هذا) الذي قلته (من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي) سمعته منه ﷺ (ورب هذا المسجد) أقسم للتأكيد.
وفي هذا الحديث صحابي عن صحابي، وأخرجه مسلم في البيوع والنسائي وابن ماجة في الصيد.
٤ - باب اسْتِعْمَالِ الْبَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ
(باب استعمال البقر للحراثة).
٢٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ. قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِي، فَقَالَ الذِّئْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟ قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: مَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي الْقَوْمِ".
[الحديث ٢٣٢٤ - أطرافه في: ٣٤٧١، ٣٦٦٣، ٣٦٩٠].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن بشار) بالموحدة والشين المعجمة المشددة المفتوحتين العبدي البصري أبو بكر بندار قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد) بسكون العين، ولأبي ذر زيادة ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قاضي المدينة أنه (قال: سمعت أبا سلمة) بن عبد الرحمن الزهري المدني أحد الأعلام يقال اسمه عبد الله ويقال إسماعيل وهو عمّ سعد بن إبراهيم السابق (عن أبي هريرة ﵁ عن ﷺ ¬) أنه (قال):
(بينما) بالميم (رجل) لم يسم (راكب على بقرة) وجواب بينما قوله (التفتت إليه) أي البقرة وزاد في المناقب في فضل أبي بكر من طريق أبي اليمان فتكلمت (فقالت: لم أخلق لهذا) أي للركوب بقرينة قوله راكب (خلقت للحراثة) وفي ذكر بني إسرائيل من طريق عليّ عن سفيان بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت: إنّا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم. (قال) النبي ﷺ (آمنت به) أي بنطق البقرة وفي ذكر بني إسرائيل فإني أومن بهذا والفاء فيه جزاء شرط محذوف أي فإذا كان الناس يستغربونه ويعجبون منه فإني لا أستغربه وأؤمن به (أنا وأبو بكر وعمر).
فإن قلت: ما فائدة ذكر أنا وعطف ما بعده عليه وهلا عطف على المستتر في أؤمن مستغنيًا عنه بالجار والمجرور؟ أجيب: بأنه لو لم يذكر أنا لاحتمل أن يكون وأبو بكر عطفًا على محل أن واسمها والخبر
стр. 1618
محذوف فلا يدخل في معنى التأكيد، وتكون هذه الجملة واردة على التبعية ولا كذلك في هذه الصورة قاله في شرح المشكاة، واستدلّ بقولها: إنما خلقنا للحرث على أن الدواب لا تستعمل إلا فيما جرت العادة باستعمالها فيه، ويحتمل أن يكون قولها: إنما خلقنا للحرث إشارة إلى تعظيم ما خلقت له ولم ترد الحصر في ذلك لأنه غير مراد اتفاقًا لأن جملة ما خلقت له أنها تذبح وتؤكل بالاتفاق.
قال ابن بطال: في هذا الحديث حجة على من منع أكل الخيل مستدلاً بقوله تعالى ﴿لتركبوها﴾ [النحل: ٨] فإنه لو كان ذلك دالاًّ على منع أكلها لدل هذا الخبر على منع أكل البقر لقوله في الحديث: إنما خلقنا للحرث، وقد اتفقوا على جواز أكلها فدلّ على أن المراد بالعموم المستفاد من صيغة إنما في قولها إنما خلقنا للحرث عموم مخصوص.
(وأخذ الذئب شاة) هو معطوف على الخبر الذي قبله بالإسناد المذكور (فتبعها) أي الشاة (الراعى) لم يسم وإيراد المصنف الحديث في ذكر بني إسرائيل فيه إشعار بأنه عنده ممن كان قبل الإسلام نعم وقع كلام الذئب لأهبان بن أوس كما عند أبي نعيم في الدلائل (فقال الذئب) ولأبي ذر: فقال له الذئب، وفي ذكر بني إسرائيل وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة
فطلبه حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب هذا استنقذتها مني. واستشكل هذا التركيب، وخرّجه ابن مالك في التوضيح على ثلاثة أوجه.
أحدها: أن يكون منادى محذوفًا منه حرف النداء واعترضه البدر الدماميني بأنه ممنوع أو قليل.
الثاني: أن يكون في موضع نصب على الظرفية مشارًا به إلى اليوم أي هذا اليوم استنقذتها.
الثالث: في موضع نصب على المصدرية أي هذا الاستنقاذ استنقذتها مني، وقد وهم الزركشي في التنقيح وتبعه البدر الدماميني في المصابيح والبرماوي في اللامع الصبيح فذكروا هذه الكلمة المستشكلة في رواية هذا الباب ناقلين ما ذكرته عن ابن مالك في توجيهها، وليس لها ذكر في هذا الباب أصلاً والله أعلم.
ولفظ رواية الحديث المذكور في المناقب: بينما راعٍ في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال: (من لها) أي للشاة (يوم السبع) بضم الموحدة ويجوز فتحها وسكونها المفترس من الحيوان وجمعه أسبع وسباع كما في القاموس (يوم لا راعي لها غيري) أي إذا أخذها السبع لم تقدر على خلاصها منه فلا يرعاها حينئذٍ غيري أي إنك تهرب منه وأكون أنا قريبًا منه أراعي ما يفضل لي منها، أو أراد من لها عند الفتن حين تترك بلا راعٍ نهبة للسّباع فجعل السبع لها راعيًا إذ هو منفرد بها، أو أراد يوم أكلي لها يقال: سبع الذئب الغنم أي أكلها.
وقال ابن العربي: هو بالإسكان والضم تصحيف، وقال ابن الجوزي: هو بالسكون والمحدثون يروونه بالضم، وقال في القاموس: والسبع أي بسكون الموحدة الموضع الذي يكون فيه الحشر أي من لها يوم القيامة، ويعكر على هذا قول الذئب لا راعي لها غيري والذئب لا يكون راعيًا يوم القيامة أو يوم السبع عيد لهم في الجاهلية كانوا يشتغلون فيه يلهوهم عن كل شيء قال: وروي بضم الباء انتهى.
أي: يغفل الراعي عن غنمه فيتمكن الذئب منها وإنما قال ليس لها راعٍ غيري مبالغة في تمكنه منها.
(قال) ﷺ لما تعجب الناس حيث قالوا سبحان الله ذئب يتكلم كما في ذكر بني إسرائيل (آمنت به) أي بتكلم الذئب (أنا وأبو بكر وعمر).
(قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن الراوي بالسند المذكور (وما هما) أي العمران (يومئذٍ في القوم) أي لم يكونا حاضرين: فيحتمل أن يكون أهبان على تقدير أن يكون هو صاحب القصة لما أخبر النبي ﷺ بذلك. كان العمران حاضرين فصدّقاه، ثم أخبر النبي ﷺ الناس بذلك وهما غائبان فلذا قال ﵊: "فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر" وأطلق ذلك لما اطّلع عليه من أنهما يصدقان بذلك إذا سمعاه ولا يتردّدان فيه كغيره من قواعد العقائد.
وقال التوربشتي: إنما أراد ﵊ تخصيصهما بالتصديق الذي بلغ عين اليقين وكوشف صاحبه بالحقيقة التي ليس وراءها للتعجب
стр. 1619
مجال انتهى.
ونطق البقرة والذئب جائز عقلاً أعني النطق اللفظي والنفسي معًا غير أن النفسي يشترط فيه العقل وخلقه في البقرة والذئب جائز، وكل جائز أخبر به صاحب المعجزة أنه واقع علمنا عقلاً أنه واقع، ولا يحمل توقف المتوقفين على أنهم شكوا في الصدق ولكن استبعدوه استبعادًا عاديًا ولم يعلموا علمًا مكينًا أن خرق العادة في زمن النبوّات يكاد أن يكون عادة فلا عجب إذًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المناقب وبني إسرائيل ومسلم في الفضائل والترمذي في المناقب مقطعًا.
٥ - باب إِذَا قَالَ اكْفِنِي مَئُونَةَ النَّخْلِ أَوْ غَيْرِهِ وَتُشْرِكُنِي فِي الثَّمَرِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال) صاحب النخل لغيره (اكفني مؤونة النخل) أي العمل فيه من السقي والقيام عليه بما يتعلق به (أو) مؤونة (غيره) كالعنب، ولأبي ذر وغيره بإسقاط الألف (وتشركني) بضم أوّله وكسر ثالثه مضارع أشرك ويجوز فتحهما مضارع شرك وكلاهما في الفرع وأصله ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف أي وأنت تشركني والواو للحال والنصب بتقدير أن بعد الواو (في الثمر) الذي يحصل من النخل أو الكرم جاز هذا القول.
٢٣٢٥ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: لَا. فَقَالُوا: تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا".
[الحديث ٢٣٢٥ - طرفاه في: ٢٧١٩، ٣٧٨٢].
وبه قال: (حدّثنا الحكم بن نافع) هو أبو اليمان الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي اسم أبيه دينار قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال قالت الأنصار للنبي ﷺ ¬) حين قدم المدينة: يا رسول الله (اقسم بيننا وبين إخواننا) المهاجرين (النخيل) بكسر الخاء ثم تحتية ساكنة، وللكشميهني: النخل بسكون الخاء والنخيل جمع نخل كالعبيد جمع عبد وهو جمع نادر (قال) ﷺ :
(لا) اقسم وإنما أبى ذلك لأنه علم أن الفتوح ستفتح عليهم فكره أن يخرج عنهم شيئًا من رقبة نخيلهم التي بما قوام أمرهم شفقة عليهم فلما فهم الأنصار ذلك جمعوا بين المصلحتين امتثال ما أمرهم به ﵊ وتعجيل مواساة إخوانهم المهاجرين (فقالوا) أي الأنصار للمهاجرين أيها المهاجرون (تكفونا المؤونة) في النخل بتعهده بالسقي والتربية (ونشرككم) بفتح أوله وثالثه. قال
ابن حجر: حسب والذي في الفرع وأصله بالوجهين كالسابق (في الثمرة) أي ويكون المتحصل من الثمرة مشتركًا بيننا وبينكم وهذه عين المساقاة لكن لم يبينوا مقدار الأنصباء التي وقعت والمقرّر أن الشركة إذا أبهمت ولم يكن فيها جزء معلوم كانت نصفين أو كان نصيب العامل في المساقاة معلومًا بالعرف المنضبط فتركوا النص عليه اعتمادًا على ذلك العرف.
وقد أخرج المؤلّف هذا الحديث بهذا السند بلفظ: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال لا فقال تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة. قال البيضاوي: وهو خبر في معنى الأمر أي اكفونا تعب القيام بتأبير النخل وسقيها وما يتوقف عليه صلاحها.
(قالوا) أي الأنصار والمهاجرون كلهم (سمعنا وأطعنا) أي امتثلنا أمر النبي ﷺ فيما أشار إليه قاله العيني.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الشروط وكذا النسائي.
٦ - باب قَطْعِ الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ
وَقَالَ أَنَسٌ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ.
(باب) حكم (قطع الشجر والنخل) بسكون الخاء للحاجة والمصلحة كإنكاء العدو. (وقال أنس) مما وصله في باب نبش قبور الجاهلية في المساجد من كتاب الصلاة (أمر النبي ﷺ بالنخل فقطع) وفيه الجواز للحاجة.
٢٣٢٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهْيَ الْبُوَيْرَةُ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَىٍّ … حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ
[الحديث ٢٣٢٦ - أطرافه في: ٣٠٢١، ٤٠٣١، ٤٠٣٢، ٤٨٨٤].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال (حدّثنا جويرية) بن أسماء (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله) بن عمر (﵁ عن النبي ﷺ : أنه حرق نخل بني النضير) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة قوم من اليهود (وقطع) شجرها (وهي البويرة) بضم الموحدة وفتح الواو وسكون التحتية وبالراء موضع معروف من بلد بني النضير (ولها) للبويرة (يقول حسان) بدون الصرف على أنه من الحس بغير نون وبالصرف على أنه من الحسن بالنون وهو ابن ثابت الخزرجي الأنصاري (وهان) بالواو ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لهان باللام وللقابسي فيما ذكره العيني هان فيكون فيه العضب
стр. 1620
بالمعجمة وهو خرم مفاعلتن (على سراة بني لؤي) بضم اللام وبعدها همزة مفتوحة فتحتية مشددة أكابر قريش وسراة بفتح السين المهملة.
قال الجوهري جمع السريّ وهو جمع عزيز أن يجمع فعيل على فعلة ولا يعرف غيره وجمع السراة سروات، وقد شدد السهيلي في الروض الأنف النكير في هذه المسألة على النحاة وقال: لا ينبغي أن يقال في سراة القوم أنه جمع سري لا على القياس ولا على غير القياس، وإنما هو مثل كاهل القوم وسنامهم، والعجب كيف خفي هذا على النحويين حتى قلد الخالف منهم السالف وساق فيه كلامًا طويلاً حاصله أن السراة مفرد لا جمع، واستدلّ عليه بما تقف عليه من كلامه (حريق بالبويرة مستطير) أي منتشر، ولما أنشد حسان هذا أجابه سفيان بن الحرث بقوله:
أدام الله ذلك من صنيع … وحرق في نواحيها السعير
وفي ذلك نزلت: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة﴾ [الحشر: ٥]. وإنما قال حسان ذلك لأن قريشًا هم الذين حملوا كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة على نقض العهد بينه وبين رسول الله ﷺ حتى خرج معهم إلى الخندق، وقيل إنما قطع النخل لأنها كانت تقابل القوم فقطعت ليبرز مكانها فتكون مجالاً للحرب.
٧ - باب
هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة.
٢٣٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ: "كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُزْدَرَعًا، كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ، قَالَ فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الأَرْضُ وَمِمَّا يُصَابُ الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا. وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ".
وبه قال: (حدّثنا محمد) ولأبوي ذر والوقت: ابن مقاتل قال (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن حنظلة بن قيس الأنصاري) الزرقي أنه (سمع رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة آخره جيم الأنصاري (قال: كنا أكثر أهل المدينة مزدرعًا) هو مكان الزرع أو مصدر أي كنا أكثر أهل المدينة زرعًا ونصبه على التمييز وأصله مزترعًا فأبدلت التاء دالاً لأن مخرج التاء لا يوافق الزاي لشدتها (كنا نكري الأرض) بضم النون من الإكراء (بالناحية منها مسمى) القياس مسماة لأنه حال من الناحية ولكنه ذكره باعتبار أن ناحية الشيء بعضه أو باعتبار الزرع (لسيد الأرض) أي مالكها تنزيلاً لها منزلة العبد وأطلق السيد عليه. (قال) رافع بن خديج (فمما) أي كثيرًا ما، ولأبي ذر عن الكشميهني: فمهما (يصاب ذلك) البعض أي تقع عليه مصيبة ويتلف ذلك (وتسلم الأرض) أي باقيها (ومما يصاب الأرض ويسلم ذلك) البعض.
قال في المصابيح: الظاهر تخريج فمما على أنها بمعنى ربما على ما ذهب إليه السيرافي وابنا طاهر وخروف والأعلم وخرجوا عليه قول سيبويه واعلم أنهم مما يحذفون كذا انتهى.
ولأبي ذر: ومهما كالأول والأولى أولى لأن مهما تستعمل لأحد معانٍ ثلاثة:
أحدها: تضمن معنى الشرط فيما لا يعقل غير الزمان.
والثاني: الزمان والشرط وأنكر الزمخشري ذلك.
والثالث: الاستفهام ولا يناسب مهما إلا بالتعسف.
(فنهينا) عن هذا الإكراء على هذا الوجه لأنه موجب لحرمان أحد الطرفين فيؤدّي إلى الأكل بالباطل. (وأما الذهب والورق) بكسر الراء وللأصيلي والفضة (فلم يكن يومئذ) يكري بهما ولم يرد نفي وجودهما.
وهذا الباب بمنزلة الفصل من السابق لكن استشكل إدخال الحديث فيه حتى قيل إنه وضع في غير موضعه من الناسخ. وأجيب: بأن وجه دخوله من حيث إن من اكترى أرضًا لمدة فله أن يزرع ويغرس فيها ما شاء فإذا تمّت المدة فلصاحب الأرض طلبه بقلعهما فهو من إباحة قطع الشجر وهذا كافٍ في المطابقة وفيه أن كراء الأرض بجزء مما يخرج منها منهي عنه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي.
وفي هذا الحديث رواية تابعي عن تابعي عن الصحابي، وأخرجه المؤلّف أيضًا في المزارعة والشروط ومسلم في البيوع وكذا أبو داود، وأخرجه النسائي في المزارعة وابن ماجة في الأحكام.
٨ - باب الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ
وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلاَّ يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ. وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ. وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الأَرْضُ لأَحَدِهِمَا فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا، فَمَا خَرَجَ فَهْوَ بَيْنَهُمَا. وَرَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ عَلَى النِّصْفِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا بَأْسَ أَنْ تُكرَى الْمَاشِيَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
(باب المزارعة بالشطر) وهو النصف (ونحوه. وقال قيس بن مسلم) هو ابن الجدلي الكوفي مما وصله عبد الرزاق (عن أبي جعفر) محمد بن علي بن الحسين الباقر أنه (قال: ما بالمدينة أهل بيت
стр. 1621
هجرة) أي مهاجري (إلا يزرعون على الثلث والربع) الواو بمعنى أو، وقوله في الفتح عاطفة على
الفعل لا على المجرور أي يزرعون على الثلث ويزرعون على الربع، تعقبه في عمدة القاري بأنه لا يقال الحرف يعطف على الفعل، وإنما الواو بمعنى أو فإذا أبقيناها على أصلها يكون فيه حذف تقديره وإلاّ يزرعون على الربع ولا يضر تفرّد قيس الكوفي بروايته هذا عن أبي جعفر المدني عن المدنيين الراوين عنه فإن انفراد الثقة الحافظ غير مؤثر على أنه لم ينفرد به فقد وافقه غيره في بعض معناه كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا.
(وزارع علي) هو ابن أبي طالب فيما وصله ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن صليع عنه، (وسعد بن مالك) وهو سعد بن أبي وقاص، (وعبد الله بن مسعود) فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة أيضًا من طريق موسى بن طلحة، (وعمر بن عبد العزيز) فيما وصله أيضًا ابن أبي شيبة من طريق خالد الحذاء (والقاسم) بن محمد فيما وصله عبد الرزاق، (وعروة بن الزبير) فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا (وآل أبي بكر) الصديق (وآل عمر) بن الخطاب (وآل علي) بن أبي طالب فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا وآل الرجل أهل بيته (وابن سيرين) محمد فيما وصله سعيد بن منصور.
(وقال عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد النخعي أبو بكر الكوفي فيما وصله ابن أبي شيبة: (كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي الكوفي وهو أخو الأسود بن يزيد وابن أخي علقمة بن قيس (في الزرع) زاد ابن أبي شيبة فيه وأحمله إلى علقمة والأسود فلو رأيا به بأسًا لنهياني عنه.
(وعامل عمر) بن الخطاب ﵁ (الناس على إن جاء) بكسر الهمزة (عمر بالبذر) بالذال المعجمة (من عنده فله الشطر وإن جاؤوا بالبذر) من عندهم (فلهم كذا) وهذا وصله ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد أن عمر فذكر نحوه وهذا مرسل.
- وأخرجه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن عمر بن عبد العزيز قال: لما استخلف عمر أجلى أهل نجران وأهل فدك وتيماء وأهل خيبر واشترى عقرهم وأموالهم واستعمل يعلى بن أمية فأعطى البياض يعني بياض الأرض على أن كان البذر والبقر والحديد من عمر فلهم الثلث ولعمر الثلثان وإن كان منهم فلهم الشطر، وأعطى النخل والعنب على أن له الثلثين ولهم الثلث وهذا مرسل أيضًا فيتقوى أحدهما بالآخر، وكأن المصنف أبهم المقدار بقوله فلهم كذا لما وقع فيه من الاختلاف لأن غرضه منه أن عمر أجاز المعاملة بالجزء.
وفي إيراد البخاري هذا الأثر وغيره في هذه الترجمة ما يقتضي أنه يرى أن المزارعة والمخابرة بمعنى واحد وهو وجه عند الشافعية والآخر أنهما مختلفا المعنى، فالزارعة العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذار من المالك والمخابرة مثلها لكن البذر من العامل.
(وقال الحسن): البصري (لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما فينفقان جميعًا) عليها (فما خرج) منها (فهو بينهما) وهذا وصله سعيد بن منصور فيما قاله الحافظ ابن حجر قال العيني لم أجده بعد
الكشف. (ورأى ذلك) الذي قاله الحسن (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب قال ابن حجر: وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة نحوه قال العيني لم أجده عندهما.
(وقال الحسن: لا بأس أن يجتنى القطن على النصف) بضم التحتية وسكون الجيم وفتح الفوقية مبنيًّا للمفعول والقطن رفع نائب عن الفاعل وهذا موصول فيما قاله الحافظ ابن حجر عند عبد الرزاق ومثل القطن العصفر ولقاط الزيتون والحصاد وغير ذلك مما هو مجهول فأجازه جماعة من التابعين وهو قول أحمد قياسًا على القراض لأنه يعمل بالمال على جزء منه معلوم لا يدرى مبلغه.
(وقال إبراهيم) النخعي مما وصله الأثرم (وابن سيرين) محمد مما وصله ابن أبي شيبة (وعطاء) هو ابن أبي رباح (والحكم) بن عتيبة فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة كما قاله في الفتح وقال في عمدة القاري: لم أجد ذلك عنده (والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (وقتادة) فيما وصله عنه ابن أبي شيبة: (لا بأس أن يعطي الثوب) أي الغزل للنسّاج ينسجه وإطلاق الثوب عليه من
стр. 1622
باب المجاز، ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي: الثور (بالثلث أو الربع ونحوه) أي يكون الثلث أو الربع ونحوه للنساج والباقي لمالك الغزل.
(وقال معمر): بفتح اليمين وسكون العين المهملة بينهما ابن راشد مما وصله عبد الرزاق عنه، وفي نسخة باليونينية وفرعها معتمر بالفوقية فلينظر (لا بأس أن تكون الماشية) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: تكرى الماشية (على الثلث أو الربع إلى أجل مسمى) أي ثلث الكراء الحاصل منها أي بأن يكريها لحمل طعام مثلاً إلى مدة معلومة على أن يكون ذلك بينهما أثلاثًا أو أرباعًا، ورأيت بهامش اليونينية ما لفظه وعند الحافظ أبي ذر على قوله إلى أجل مسمى علامة المستملي والكشميهني وهو يدل على أنه عندهما دون الحموي وهو ثابت على ما تراه في روايته في هذا الأصل، وكذا كل ما أشار إليه في المواضع العلم عليها فاعلم ذلك وأمعن النظر فيه.
٢٣٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ. ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ. وَعِشْرُونَ وَسْقَ شَعِيرٍ، فَقَسَمَ عُمَرُ خَيْبَرَ، فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنَ الْمَاءِ وَالأَرْضِ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ؟ فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الْوَسْقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ اخْتَارَتِ الأَرْضَ.
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي قال: (حدّثنا أنس بن عياض) الليثي (عن عبيد الله) بالتصغير ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (أن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره عن النبي) ولأبي ذر: أن النبي (¬ ﷺ ¬):
(عامل) أهل (خيبر بشطر) بنصف (ما يخرج منها من ثمر) بالمثلثة إشارة إلى المساقاة (أو زرع) إشارة إلى المزارعة (فكان يعطي أزواجه) ﵅ (مائة وسق) بفتح الواو وكسرها كما في التاليين في الفرع وأصله الوسق ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ منها (ثمانون وسق تمر و) منها (عشرون وسق شعير) وسق نصب على التمييز في الموضعين مضاف فيهما للاحقه، وللكشميهني ثمانين وعشرين بالنصب فيهما. (فقسم) بالفاء ولأبي ذر وقسم (عمر خيبر) كذا بإثبات خيبر في الفرع وغيره مما وقفت عليه من الأصول وقول الحافظ ابن حجر قوله: وقسم عمر أي خيبر وصرّح بذلك أحمد في روايته عن ابن نمير عن عبيد الله بن عمر مقتضاه أن رواية البخاري بحذفه ليس إلا فلينظر (فخير أزواج النبي ﷺ -أن يقطع لهن) بضم الياء وسكون القاف من الإقطاع (من الماء والأرض أو يمضي لهن) أي يجري لهن قسمتهن على ما كان في حياة رسول الله ﷺ كما كان من التمر والشعير، (فمنهنّ من اختار الأرض، ومنهنّ من اختار الوسق، وكانت عائشة) ﵂ (اختارت الأرض).
وفي هذا الحديث جواز المزارعة والمخابرة لتقرير النبي ﷺ لذلك واستمراره في عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر ﵄، وبه قال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي، وصنف فيهما ابن خزيمة جزءًا بيّن فيه علل الأحاديث الواردة بالنهي عنهما وجمع بين أحاديث الباب، ثم تابعه الخطابي وقال: ضعف أحمد بن حنبل حديث النهي وقال هو مضطرب، وقال الخطابي وأبطلها مالك وأبو حنيفة والشافعي لأنهم لم يقفوا على علته قال فالمزارعة جائزة وهي عمل المسلمين في جميع الأمصار لا يبطل العمل بها أحد هذا كلام الخطابي، والمختار جواز المزارعة والمخابرة وتأويل الأحاديث على ما إذا شرط لواحد زرع قطعة معينة ولآخر أخرى، والمعروف في المذهب إبطالهما فمتى أفردت الأرض بمخابرة أو مزارعة بطل العقد، وإذا بطلتا فتكون الغلة لصاحب البذر لأنها نماء ماله فإن كان البذر للعامل فلصاحب الأرض عليه أجرتها أو المالك فللعامل عليه أجرة مثل عمله وعمل ما يتعلق به من آلاته كالبقر إن حصل من الزرع شيء أو لهما فعلى كلٍّ منهما أجرة مثل عمل الآخر بنفسه وآلاته في حصته، لذلك فإن أراد أن يكون الزرع بينهما على وجه مشروع بحيث لا يرجع أحدهما على الآخر بشيء فليستأجر العامل من المالك نصف الأرض بنصف منافعه ومنافع آلاته ونصف البذر إن كان منه، وإن كان البذر من المالك استأجر المالك العامل بنصف البذر ليزرع له نصف الأرض ويعيره نصف الأرض الآخر وإن شاء استأجره بنصف البذر ونصف منفعة تلك الأرض ليزرع له باقيه في باقيها وإن كان البذر
стр. 1623
لهما آجره نصف الأرض بنصف منفعته ومنفعة آلاته أو أعاره نصف الأرض وتبرع العامل بمنفعة بدنه وآلته فيما يخص المالك أو أكراه نصفها بدينار مثلاً واكترى العامل ليعمل على نصيبه بنفسه وآلته بدينار وتقاصّا.
وفي الحديث أيضًا جواز المساقاة في النخل والكرم وجميع الشجر الذي من شأنه أن يثمر كالخوخ والمشمش بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمرة، وبه قال الجمهور وخصّه الشافعي في الجديد
بالنخل وكذا شجر العنب لأنه في معنى النخل بجامع وجوب الزكاة وتأتي الخرص في ثمرتيهما فجوّزت المساقاة فيهما سعيًا في تثميرهما رفقًا بالمالك والعامل والمساكين، واختار النووي في تصحيحه صحتها على سائر الأشجار المثمرة وهو القول القديم، واختاره السبكي فيها إن احتاجت إلى عمل ومحل المنع أن تفرد بالمساقاة فإن ساقاه عليها تبعًا لنخل أو عنب صحّت كالمزارعة وألحق المقل بالنخل. وقال أبو حنيفة وزفر: لا تجوز المساقاة بحال لأنها إجارة بثمرة معدومة أو مجهولة، وجوّزها أبو يوسف ومحمد وبه يفتي لأنها عقد على عمل في المال ببعض نمائه فهو كالمضاربة لأن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه وهو معدوم ومجهول، وقد صح عقد الإجارة مع أن المنافع معدومة وكذلك هنا وأيضًا فالقياس في إبطال نص أو إجماع مردود.
٩ - باب إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ السِّنِينَ فِي الْمُزَارَعَةِ
(باب) بالتنوين (إذا لم يشترط) المالك للأرض (السنين) المعلومة (في) عقد (المزارعة).
٢٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بن عمر العمري قال: (حدّثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: عامل النبي ﷺ ¬) أهل (خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر) بالمثلثة (أو زرع) للتنويع ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التقييد بسنين معلومة وفيه جواز ذلك فللمالك أن يخرج العامل متى أراد وقد أجاز ذلك من أجاز المخابرة والمزارعة.
١٠ - باب
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة فهو بمنزلة الفصل من السابق.
٢٣٣٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: "قُلْتُ لِطَاوُسٍ: لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ. قَالَ: أَىْ عَمْرُو، إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُغْنِيهِمْ. وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي -يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ-﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا".
[الحديث ٢٣٣٠ - طرفاه في: ٢٣٤٢، ٢٦٣٤].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال عمرو) هو ابن دينار (قلت لطاوس: لو تركت المخابرة) وهي كما مرّ العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر
من العامل وجواب لو محذوف تقديره لكان خيرًا أو لو للتمني فلا تحتاج إلى جواب (فإنهم) أي رافع بن خديج وعمومته والثابت بن الضحاك وجابر بن عبد الله ومن روى منهم والفاء للتعليل (يزعمون أن النبي) أي يقولون أنه (¬ ﷺ نهى عنه) أي عن الزرع على طريق المخابرة (قال) طاوس (أي عمرو) يعني يا عمرو (إني) ولأبي ذر: فإني (أعطيهم) بضم الهمزة من الإعطاء (وأغنيهم) بضم الهمزة وسكون الغين المعجمة من الإغناء وفي رواية وأعينهم بضم الهمزة وكسر العين المهملة وبعدها تحتية ساكنة من الإعانة كذا للمستملي والحموي كما في فتح الباري، وتبعه في عمدة القاري وكذا هي في الأصل المقروء على الميدومي، وصوّب الحافظ ابن حجر الثانية، ولأبي ذر عن الكشميهني كما في الفرع وأصله وأعينهم بضم الهمزة وسكون العين المهملة وكسر النون بعدها تحتية ساكنة فلينظر.
(وإن أعلمهم) أي الذين يزعمون أنه ﷺ نهى عن ذلك (أخبرني يعني ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لم ينه عن) أي عن الزرع على طريق المخابرة ولا يقال هذا يعارض النهي عنه لأن النهي كان فيما يشترطون فيه شرطًا فاسدًا وعدمه فيما لم يكن كذلك أو المراد بالإثبات نهي التنزيه وبالنفي نهي التحريم، (ولكن قال) ﵊:
(أن) بفتح الهمزة وسكون النون (يمنح أحدكم أخاه خير له) بفتح أول يمنح وآخره ولأبي ذر إن بكسر الهمزة وسكون النون يمنح بفتح أوله وسكون آخره وقول الحافظ ابن حجر: إن الأولى تعليلية والأخرى شرطية، تعقبه العيني فقال: ليس كذلك بل أن بفتح الهمزة مصدرية ولام الابتداء مقدّرة قبلها والمصدر المضاف إلى أحدكم مبتدأ خبره قوله خير له وقد جاء أن بالفتح بمعنى أن بالكسر الشرطية
стр. 1624
فحينئذ يمنح مجزوم به وجواب الشرط خير لكن فيه حذف تقديره فهو خير له وقول الزركشي وفي يمنح فتح النون وكسرها مع ضم أوله فإنه يقال منحته وأمنحته إذا أعطيته لم أقف عليه في شيء من نسخ البخاري كذلك والله أعلم.
وقد وقع في رواية الطحاوي: لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له (من أن يأخذ) أي من أخذه (عليه خرجًا معلومًا) أي أجرة معلومة.
ومناسبة هذا الحديث للباب السابق من جهة أن فيه للعامل جزءًا معلومًا وهنا لو ترك مالك الأرض هذا الجزء للعامل كان خيرًا له من أن يأخذه منه وفيه جواز أخذ الأجرة لأن الأولوية لا تنافي الجواز.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المزارعة والهبة، ومسلم، وأبو داود في البيوع، والترمذي وابن ماجة في الأحكام، والنسائي في المزارعة.
١١ - باب الْمُزَارَعَةِ مَعَ الْيَهُودِ
(باب) حكم (المزارعة مع اليهود) أي وغيرهم من أهل الذمة.
٢٣٣١ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَهُودَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا خَرَجَ مِنْهَا".
وبه قال: (حدّثنا ابن مقاتل) المروزي ولأبي ذر محمد المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا عبيد الله) بالتصغير ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها) أي يتعاهدوا أشجارها بالسقي وإصلاح مجاري الماء وتقليب الأرض بالمساحي وقلبها للحرث وتلقيح الشجر وقطع المضر بالشجر من الحشيش ونحوه وغير ذلك (ويزرعوها ولهم شطر) أي نصف (ما يخرج منها) زاد في الرواية السابقة في باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة من ثمر أو زرع.
واعلم أن اليهود استمروا على هذه المعاملة إلى صدر من خلافة عمر ﵁ فبلغه قول النبي ﷺ في وجعه: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان فأجلاهم عنها، والذي ذهب إليه الأكثرون المنع من كراء الأرض بجزء مما يخرج منها، وحمل بعضهم هذا الحديث على أن المعاملة كانت مساقاة على النخل والبياض المتخلل بين النخيل كان يسيرًا فتقع المزارعة تبعًا للمساقاة، وذهب غيره إلى أن صورة هذه صورة المعاملة وليست لها حقيقتها فإن الأرض كانت قد ملكت بالاغتنام والقوم صاروا عبيدًا فالأموال كلها للنبي ﷺ ، والذي جعل لهم منها بعض ماله لينتفعوا به لا على أنه حقيقة المعاملة، وهذا يتوقف على إثبات أن أهل خيبر استرقوا فإنه ليس بمجرد الاستيلاء يحصل الاسترقاق للبالغين قاله ابن دقيق العيد.
وقد سبق ما في الحديث قريبًا ومراد البخاري بهذه الترجمة الإعلام بأنه لا فرق في جواز هذه المعاملة بين المسلمين وأهل الذمة.
١٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي الْمُزَارَعَةِ
(باب) بيان (ما يكره من الشروط في المزارعة).
٢٣٣٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى سَمِعَ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ عَنْ رَافِعٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلاً، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) أبو الفضل المروزي قال: (أخبرنا ابن عيينة) سفيان (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري أنه (سمع حنظلة) بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة بينهما نون ساكنة ابن قيس (الزرقي عن رافع) هو ابن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال وبعد التحتية جيم (﵁) أنه (قال: كنا أكثر أهل المدينة حقلاً) بفتح الحاء المهملة وسكون القاف والنصب على التمييز أي زرعًا والمحاقلة بيع الطعام في سنبله وقيل اشتراء الزرع بالحنطة، وقيل المزارعة بالثلث وبالربع وغيرهما وقيل كراء الأرض بالحنطة، (وكان أحدنا يكري أرضه فيقول) بالفاء ولأبي الوقت ويقول (هذه القطعة) من الأرض (لي وهذه) القطعة منها (لك فربما أخرجت ذه) بكسر الذال المعجمة وسكون الهاء وبكسرها كما في اليونينية ويكون بالاختلاس والإشباع والأصل ذي فجيء بالهاء للوقف أو لبيان اللفظ إشارة إلى القطعة من الأرض وهي من الأسماء المبهمة التي يشار بها إلى المؤنث، (ولم تخرج ذه) يعني ربما تخرج هذه القطعة المستثناة ولم تخرج سواها أو بالعكس فيفوز صاحب هذه بكل ما حصل ويضيع حق الآخر بالكلية (فنهاهم النبي ﷺ ¬) عن ذلك لما فيه من حصول المخاطرة المنهي عنها.
وموضع الترجمة قوله هذه القطعة الخ … ولا ريب أن هذا يؤدّي إلى النزاع على ما لا يخفى.
وقد سبق هذا
стр. 1625
الحديث قريبًا.
١٣ - باب إِذَا زَرَعَ بِمَالِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ لَهُمْ
هذا (باب) بالتنوين (إذا زرع) أحد (بمال قوم بغير إذنهم وكان في ذلك) الزرع (صلاح لهم) لمن يكون الزرع.
٢٣٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ. قَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَىَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ بَنِيَّ. وَإِنِّي اسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَىَّ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فَرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ اللَّهُ فَرَأَوُا السَّمَاءَ. وَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ مِنْهَا فَأَبَتْ حَتَّى أَتَيْتُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَبَغَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ،
فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فَرْجَةً، فَفَرَجَ. وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرُعَاتِهَا فَخُذْ. فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَخُذْ. فَأَخَذَهُ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ. فَفَرَجَ اللَّهُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ "فَسَعَيْتُ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني (إبراهيم بن المنذر) الحمامي قال (حدّثنا أبو ضمرة) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياض قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) بضم العين المهملة وسكون القاف (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(بينما) بالميم (ثلاثة نفر) لم يعرف اسمهم. زاد الطبراني من حديث عقبة بن عامر من بني إسرائيل حال كونهم (يمشون) وعند ابن حبان والبزار من حديث أبي هريرة والطبراني من حديث عقبة بن عامر أنهم خرجوا يرتادون لأهليهم (أخذهم المطر فأووا) بقصر الهمزة (إلى غار) كائن (في جبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم) وعند الطبراني من حديث النعمان بن بشير إذ وقع حجر من الجبل مما يهبط من خشية الله حتى سدّ فم الغار (فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله) بالنصب صفة لأعمالاً. ولأبي ذر عن الكشميهني: خالصة لله (فادعوا الله لعله يفرّجها عنكم) بضم المثناة التحتية وفتح الفاء وتشديد الراء مكسورة ولأبي ذر يفرجها بفتح التحتية وسكون الفاء وضم الراء ولأبي الوقت يفرجها كذلك لكن بكسر الراء (قال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ولي صبية) بكسر الصاد جمع صبي (صغار كنت أرعى عليهم فإذا رحت عليهم حلبت) غنمي (فبدأت بوالديّ أسقيهما) بفتح الهمزة (قبل بنيّ) الصبية (وإني استأخرت) بالخاء المعجمة وعند مسلم من طريق أبي ضمرة وإني نأى بي ذات يوم الشجر أي أنه استطرد مع غنمه في الرعي إلى أن بعد عن مكانه زيادة على العادة فلذلك استأخر (ذات يوم فلم) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت: ولم (آت) بهمزة مفتوحة ممدودة أي لم أجيء (حتى أمسيت) دخلت في المساء (فوجدتهما ناما) وللكشميهني نائمين (فحلبت) الغنم (كما كنت أحلب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما) من نومهما فيشق ذلك عليهما (وأكره أن أسقي الصبية) قبلهما (والصبية يتضاغون) بالضاد والعين المعجمتين يتصايحون بالبكاء بسبب الجوع (عند قدميّ) بفتح الميم وتشديد التحتية بلفظ التثنية (حتى طلع الفجر) زاد من طريق سالم عن أبيه فاستيقظا فشربا غبوقهما (فإن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك). استشكل هذا من حيث إن المؤمن يعلم قطعًا أن الله تعالى يعلم ذلك. وأجيب: بأنه تردّد في عمله ذلك هل له أعتبار عند الله أم لا؟ فكأنه قال: إن كان عملي ذلك مقبولاً عندك (فافرج) بهمزة وصل مع ضم الراء، ولأبي الوقت: فافرج بقطع الهمزة وكسر الراء (لنا فرجة)
بفتح الفاء وأصله، وقال في القاموس والفرجة مثلثة (نرى منها السماء ففرج الله) بتخفيف الراء وتشدد أي كشف الله (فرأوا السماء).
(وقال الآخر: اللهم إنها) أي القصة (كانت لي بنت عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء) الكاف زائدة أو أراد تشبيه محبته بأشدّ المحاب (فطلبت منها) ما يطلب الرجل من المرأة وهو الوطء (فأبت حتى) ولأبي ذر عن الكشميهني: فأبت عليّ حتى (أتيتها) بهمزة مقصورة ففوقية مفتوحة وبعد التحتية الساكنة فوقية أخرى ولأبي ذر آتيها بمد الهمزة وكسر الفوقية وأسقط الأخرى (بمائة دينار فبغيت) بالموحدة وفتح الغين المعجمة وسكون التحتية أي نظرت وطلبت، ولأبي الوقت: فتعبت بفوقية وعين مهملة مكسورة فموحدة ساكنة من التعب (حتى جمعتها) وأعطيتها إياها وخلت بيني وبين نفسها (فلما وقعت بين رجليها) لأطأها (قالت: يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم) أي الفرج (إلا بحقه) أي لا يحل لك أن تطأني إلا بتزويج صحيح وبين في رواية سالم سبب إجابتها بعد امتناعها فقال: فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة قحط فجاءتني.
وفي حديث النعمان بن بشير عند الطبراني أنها ترددت إليه ثلاث مرات تطلب إليه شيئًا من معروفه ويأبى عليها إلا أن تمكّنه من نفسها فأجابت في الثالثة بعد أن استأذنت زوجها فأذن لها وقال لها: أغني عيالك. قال: فرجعت
стр. 1626
فناشدتني بالله فأبيت عليها فأسلمت إليّ نفسها فلما كشفتها ارتعدت من تحتي فقلت: ما لك؟ فقالت: أخاف الله ربّ العالمين. فقلت: خفتيه في الشدة ولم أخفه في الرخاء (فقمت) أي وتركتها والذهب الذي أعطيتها (فإن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك) وفي ذكر بني إسرائيل: فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك، وفي الطبراني عن عليّ: من مخافتك وابتغاء مرضاتك (فافرج) بهمزة وصل وضم الراء (عنّا فرجة) بفتح الفاء وتضم وتكسر لم يقل في هذه نرى منها السماء (ففرج) حذف الفاعل للعلم به أي ففرج الله.
(وقال الثالث: اللهمّ إني استأجرت أجيرًا) واحدًا وفي رواية سالم أجزاء (بفرق أرز) بفتح الفاء والراء بعدها قاف وقد تسكن الراء قال في القاموس: مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع أو يسع ستة عشر رطلاً والأرز فيه ست لغات فتح الألف وضمها مع ضم الراء وتضم الألف مع سكون الراء وتخفيف الزاي وتشديدها والرواية هنا بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي، (فلما قضى عمله) الذي استأجرته عليه (قال) ولأبي ذر فقال (أعطني) بهمزة قطع مفتوحة (حقي فعرضت عليه) أي حقه (فرغب عنه) ولم يأخذه (فلم أزل أزرعه) بالجزم (حتى جمعت منه بقرًا وراعيها) بالإفراد، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ورعاتها (فجاءني فقال اتق الله فقلت) ولأبي الوقت قلت (اذهب إلى ذلك) بالتذكير باعتبار اللفظ وللمستملي إلى تلك (البقر ورعاتها) بالجمع (فخذ) بإسقاط ضمير المفعول (فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي) بالجزم على الأمر (فقلت) ولأبي ذر فقال وهو من باب الالتفات (إني لا أستهزئ بك فخذ) بإسقاط الضمير أيضًا (فأخذه فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج) عنّا (ما بقي) من الصخرة (ففرج الله) أي عنهم وخرجوا يمشون.
(قال أبو عبد الله) البخاري، (وقال ابن عقبة) ولأبي ذر وقال إسماعيل بن عقبة وفي نسخة وقال إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة أي وفي روايته وفي الفرع وأصله كنسخة الصغاني، وقال إسماعيل أي ابن أبي أويس. وقال ابن عقبة (عن نافع فسعيت) بالسين والعين المهملتين بدل قوله في رواية عمه موسى بن عقبة فبغيت، وهذا التعليق عن إسماعيل بن عقبة وصله المؤلّف في باب إجابة دعاء من برّ والديه من كتاب الأدب.
وهذه الرواية عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة هي الصواب، وأما ما وقع في نسخة أبي ذر وقال إسماعيل عن ابن عقبة عن نافع فهو وهم لأن إسماعيل هو ابن إبراهيم بن عقبة ابن أخي موسى بن عقبة نبّه عليه الجياني.
وأما موضع الترجمة من الحديث ففي قوله فعرضت عليه حقه فرغب عنه الخ … قال ابن المنير: لأنه قد عيّن له حقه ومكّنه منه فبرئت ذمته بذلك فلما تركه وضع المستأجر يده عليه وضعًا مستأنفًا ثم تصرف فيه بطريق الإصلاح لا بطريق التضييع فاغتفر ذلك ولم يعدّ تعدّيًا يوجب المعصية ولذلك توسل به إلى الله وجعله من أفضل أعماله وأقرّ على ذلك ووقعت الإجابة له به، ومع ذلك فلو هلك الفرق لكان ضامنًا له إذ لم يؤذن له في التصرف فيه فمقصود الترجمة إنما هو خلاص الزارع من المعصية بهذا القصد ولا يلزم من ذلك رفع الضمان كذا نقله عنه في فتح الباري، وتبعه في عمدة القاري وهو متعقب لما قاله ابن المنير أيضًا في باب: إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي من كتاب البيوع حيث قال هناك فانظر في الفرق من الذرة هل ملكه الأجير أم لا؟ والظاهر أنه لم يملكه لأنه لم يستأجره بفرق معين وإنما استأجره بفرق على الذمّة لما عرض عليه أن يقبضه امتنع فلم يدخل في ملكه ولم يتعين له وإنما حقه في ذمة المستأجر وجميع ما نتج إنما نتج على ملك المستأجر، وغاية ذلك أنه أحسن القضاء فأعطاه حقه وزيادات كثيرة هذا كلامه وهو مخالف لما قرره هنا قطعًا، ويحتمل أن يقال إن توسله بذلك إنما كان لكونه أعطى الحق الذي عليه مضاعفًا لا بتصرفه كما أن الجلوس بين رجلي المرأة كان معصية لكن التوسل لم يكن إلا بترك الزنا والمسامحة بالمال ونحوه.
وهذا
стр. 1627
الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في ذكر بني إسرائيل، وقد أخرجه البزار والطبراني بإسناد حسن عن النعمان بن بشير أنه سمع النبي ﷺ يذكر الرقيم قال: انطلق ثلاثة فكانوا في كهف فوقع الجبل على باب الكهف فأوصد عليهم، الحديث ففيه أن الرقيم المذكور في قوله تعالى. ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾ [الكهف: ٩] هو الغار الذي أصاب فيه الثلاثة ما أصابهم والله أعلم.
١٤ - باب أَوْقَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَرْضِ الْخَرَاجِ وَمُزَارَعَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: «تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ. فَتَصَدَّقَ بِهِ»
(باب) بيان حكم (أوقاف أصحاب النبي ﷺ و) بيان (أرض الخراج و) بيان (مزارعتهم ومعاملتهم) ﵃ (وقال النبي ﷺ ¬) في حديث وصله المؤلّف في الوصايا (لعمر) بن الخطاب ﵁ لما تصدق بمال له على عهد النبي ﷺ وكان نخلاً فقال عمر: يا رسول الله إني استفدت مالاً وهو عندي نفيس فأردت أن أتصدّق به فقال النبي ﷺ (تصدق بأصله لا يباع) بسكون القاف أمره أن يتصدّق به صدقة مؤبدة (ولكن ينفق ثمره) بضم المثناة التحتية وفتح الفاء مبنيًّا للمفعول وثمره رفع نائب عن الفاعل (فتصدق به) عمر ﵁ والضمير يرجع إلى المال وحكى الماوردي أنها أوّل صدقة تصدق بها في الإسلام.
٢٣٣٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلاَّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ".
[الحديث ٢٣٣٤ - أطرافه في: ٣١٢٥، ٤٢٣٥، ٤٢٣٦].
وبه قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضل المروزي قال: (أخبرنا عبد الرحمن) بن مهدي البصري (عن مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر المدني الثقة العالم وكان يرسل (عن أبيه) أسلم العدوي مولى عمر مخضرم أنه (قال: قال عمر) بن الخطاب (﵁: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية) بفتح الفاء وسكون الحاء مبنيًّا للفاعل وقرية نصب على المفعولية كذا في الفرع وأصله وفي بعض الأصول فتحت بضم الفاء مبنيًّا للمفعول قرية رفع نائب عن الفاعل (إلا قسمتها بين أهلها) الغانمين (كما قسم النبي ﷺ خيبر) لكن النظر لآخر المسلمين يقتضي أن لا أقسمها بل أجعلها وقفًا على المسلمين ومذهب الشافعية في الأرض المفتوحة عنوة أنه يلزم قسمتها إلا أن يرضى بوقفيتها من غنمها وعن مالك تصير وقفًا بنفس الفتح وعن أبي حنيفة يتخير الإمام بين قسمتها ووقفيتها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المغازي والجهاد وأبو داود في الخراج.
١٥ - باب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا
وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁ فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ.
وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهْيَ لَهُ. وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ: وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ. وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب من أحيا أرضًا مواتًا) غير معمورة في الإسلام أو عمرت جاهلية ولا هي حريم لمعمور بالزرع أو الغرس أو السقي أو البناء فهي له وسميت مواتًا تشبيهًا لها بالميتة لغير المنتفع بها ولا
يشترط في نفي العمارة التحقق بل يكفي عدم تحققها بأن لا يرى أثرها ولا دليل عليها من أصول شجر ونهر وجدر وأوتاد ونحوها.
(ورأى ذلك) أي إحياء الموات (عليّ) هو ابن أبي طالب (﵁ في أرض الخراب بالكوفة) قال في الفتح: كذا وقع للأكثر، وفي رواية النسفيّ في أرض بالكوفة مواتًا والذي في اليونينية في أرض الخراب بالكوفة موات لكنه رقم على قوله في أرض علامة السقوط من غير عزو لأحد وعلى موات علامة السقوط أيضًا لأبي ذر وفي نسخة مقروءة على الميدومي بالخراب موات بالكوفة لكنه رقم على موات علامة السقوط من غير عزو لأحد.
(وقال عمر) بن الخطاب ﵁ فيما وصله مالك في الموطأ (من أحيا أرضًا ميتة) بتشديد الياء (فهي له) بمجرد الإحياء سواء أذن له الإمام أم لا اكتفاء بإذن الشارع ﵊ وهذا مذهب الشافعي وأبي يوسف ومحمد نعم يستحب استئذانه خروجًا من خلاف أبي حنيفة حيث قال ليس له أن يحيي مواتًا مطلقًا إلا بإذنه.
(ويروى عن عمر) بضم العين أي ابن الخطاب (وابن عوف) عمرو بن يزيد المزني الصحابي وهو غير عمرو بن عوف الأنصاري البدري والواو في قوله وابن عوف عاطفة، وفي بعض النسخ المعتمدة وهي التي في الفرع وأصله عن عمرو بن عوف بفتح العين وسكون الميم وبالواو وإسقاط ألف ابن، وصحح هذه الكرماني وقال الحافظ ابن حجر: إن الأولى تصحيف، ويؤيده قول الترمذي في باب: ذكر من أحيا أرض الموات.
وفي الباب عن جابر وعمرو بن عوف المزني جد كثير وسمرة وقول الكرماني وابن
стр. 1628
عوف أي عبد الرحمن ليس بصحيح كما قاله العيني وغيره (عن النبي ﷺ ¬) أي مثل حديث عمر هذا وهذا وصله ابن أبي شيبة في مسنده.
(وقال) أي عمرو بن عوف زاد على قوله من أحيا أرضًا ميتة قوله (في غير حق مسلم) فإن كانت فيه حرم التعرض لها بالإحياء وغيره إلا بإذن شرعي لحديث الصحيحين: من أخذ شبرًا من أرض ظلمًا فإنه يطوّقه من سبع أرضين ولو كان بالأرض أثر عمارة جاهلية لم يعرف مالكها، فللمسلم تملكها بالإحياء وإن لم تكن مواتًا كالركاز، ولحديث عاديّ الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني أي أيها المسلمون رواه الشافعي ﵁ ولو كان بها أثر عمارة إسلامية فأمرها إلى الإمام في حفظها أو بيعها وحفظ ثمنها إلى ظهور مالكها من مسلم أو ذمي كسائر الأموال الضائعة وإن أحيا ذمي أرضًا ميتة بدارنا ولو بإذن الإمام نزعت منه فلا يملكها لما فيه من الاستعلاء ولحديث الشافعي السابق ولا أجرة عليه لأن الأرض ليست ملك أحد وقال الحنفية والحنابلة: إذا أحيا مسلم أو ذمي أرضًا لا ينتفع بها وهي بعيدة إذا صاح من أقصى العامر لا يسمع بها صوته ملكها (وليس
لعرق) بكسر العين وسكون الراء والتنوين (ظالم) نعت له أي من غرس غرسًا في أرض غيره بغير إذنه فليس له (فيه حق) أي في الإبقاء فيها.
قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات واختار الإمامان الشافعي ومالك تنوين عرق وعبارة الشافعي العرق الظالم كل ما احتفر أو بني أو غرس ظلمًا في حق امرئ تعين خروجه منه، وقال مالك: كل ما احتفر أو غرس أو أخذ بغير حق، وقال الأزهري قال أبو عبيد العرق الظالم أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرسًا وقال القاضي عياض أصله في الغرس يغرسه في الأرض غير ربها ليستوجبها به وكذلك ما أشبهه من بناء أو استنباط أو استخراج معدن سميت عروقًا لشبهها في الإحياء بعرق الغرس انتهى.
وقال في النهاية: وهو على حذف مضاف أي ليس لذي عرق ظالم فجعل العرق نفسه ظالمًا والحق لصاحبه أو يكون الظالم من صفة صاحب العرق، وقال ابن شعبان في الزاهي: العروق أربعة. عرقان ظاهران وعرقان باطنان، فالظاهران البناء والغراس والباطنان الآبار والعيون، وفي بعض الأصول وليس لعرق ظالم بترك التنوين فقط على الإضافة وحينئذٍ فيكون الظالم صاحب العرق وهو الغارس وسمي ظالمًا لأنه تصرف في ملك الغير بلا استحقاق.
وهذا التعليق وصله إسحاق بن راهويه فقال: حدّثنا أبو عامر العقدي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف حدّثني أبي أن أباه حدّثه أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من أحيا أرضًا مواتًا من غير أن تكون حق مسلم فهي له وليس لعرق ظالم حق" وكثير هذا ضعيف وليس لجدّه عمرو بن عوف في البخاري سوى هذا الحديث، وله شاهد قويّ أخرجه أبو داود من حديث سعيد بن زيد.
(ويروى فيه) أي في هذا الباب (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري ﵁ مما أخرجه الترمذي، من وجه آخر عن هشام وصححه (عن النبي ﷺ ¬) ولفظه "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" وإنما عبر بلفظ يروى المفيد للتمريض لأنه اختلف فيه على هشام.
٢٣٣٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهْوَ أَحَقُّ». قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا وهو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري ونسبه إلى جده لشهرته به قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن أبي جعفر) يسار الأموي القرشي المصري (عن محمد بن عبد الرحمن) أبي
الأسود يتيم عروة بن الزبير (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂) عن النبي ﷺ أنه (قال):
(من أعمر أرضًا) بفتح الهمزة والميم من الثلاثي المزيد قال عياض كذا رواه أصحاب البخاري والصواب من عمر من الثلاثي قال الله تعالى: ﴿وعمروها أكثر مما عمروها﴾ [الروم: ٩] إلا أن يريد أنه جعل فيها عمارًا وقال ابن بطال: ويمكن أن يكون أصله من اعتمر أرضًا اتخذها وسقطت التاء من الأصل. قال في المصابيح: وهذا رد لاتفاق الرواة بمجرد احتمال يجوز أن يكون وأن لا يكون وأكثر ما يعتمد هو وغيره على مثل هذا وأنا لا أرضى
стр. 1629
لأحد أن يقع فيه انتهى.
وأجيب: بأن صاحب العين ذكر أنه يقال أعمرت الأرض أي وجدتها عامرة ويقال أعمر الله بك منزلك وعمر الله بك منزلك وعورض بأن الجوهري بعد أن ذكر عمر الله بك منزلك وعمر بك ذكر أنه يقال أعمر الرجل منزله بالألف. وقال الزركشي ضم الهمزة أجود من الفتح. قال في المصابيح: يفتقر ذلك إلى ثبوت رواية فيه وظاهر كلام القاضي أن جميع رواة البخاري على الفتح انتهى.
وقد ثبت في الفرع وأصله عن أبي ذر أعمر بضم الهمزة وسكون العين وكسر الميم أي أعمره غيره وكأن المراد بالغير الإمام والمعنى من أعمر أرضًا (ليست لأحد) بالإحياء (فهو أحق) وحذف متعلق أحق للعلم به وعند الإسماعيلى فهو أحق بها أي من غيره.
(قال عروة) بن الزبير بن العوّام بالإسناد المذكور إليه: (قضى به) أي بالحكم المذكور (عمر) بن الخطاب (﵁ في خلافته) وهذا مرسل لأن عروة ولد في خلافة عمر قاله خليفة وما سبق أول الباب عن عمر هو من قوله وهذا من فعله.
قال البيضاوي: مفهوم هذا الحديث أن مجرد التحجّر والإعلام لا يملك به بل لا بدّ من العمارة وهي تختلف باختلاف المقاصد انتهى.
فمن شرع في الإحياء لموات من حفر أساس وجمع تراب ونحوهما ولم يتمه أو نصب عليه علامة للإحياء كغرز خشبة فهو متحجر لا مالك لأن سبب الملك الإحياء ولم يوجد ولو تحجر فوق كفايته أو ما يعجز عن إحيائه فلغيره إحياء الزائد فإن تحجر ولم يعمر بلا عذر أمره الإمام بالإحياء أو يرفع يده عنه لأنه ضيق على الناس في حق مشترك فيمنع من ذلك وأمهله مدة قريبة يستعد فيها للعمارة بحسب ما يراه فإن مضت مدة المهلة ولم يعمر بطل حقه ولو بادر أجنبي فأحيا متحجر الآخر ملكه وإن لم يأذن له الإمام. وقال الحنفية: من حجر أرضًا ولم يعمرها ثلاث سنين دفعت إلى غيره لقول عمر ﵁ ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق ولو أحياها غيره قبل انقضاء هذه المدة ملكها لأن الأول كان مستحقًا لها من جهة التعلق لا من جهة التملك كما في السوم على سوم غيره.
وهذا الحديث من أفراد المصنف ونصف إسناده الأول مصريون بالميم والثاني مدنيون.
١٦ - باب
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة فهو كالفصل من سابقه.
٢٣٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ وَهْوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. فَقَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُنِيخُ بِهِ يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهْوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المؤدب المديني (عن موسى بن عقبة) الأسدي المديني (عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ أُري) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أي في المنام (وهو في معرّسه) بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الراء المفتوحة وبالسين المهملة موضع التعريس وهو نزول المسافر آخر الليل للاستراحة وكان نزوله ﵊ (بذي الحليفة) وللكشميهني: من ذي الحليفة (في بطن الوادي) أي وادي العقيق (فقيل له: إنك ببطحاء مباركة، فقال موسى) بن عقبة (وقد أناخ بنا سالم) هو ابن عبد الله بن عمر (بالمناخ) بضم الميم آخره خاء معجمة أي المبرك (الذي كان عبد الله) أبوه (ينيخ) أي يبرك (به) راحلته حال كونه (يتحرى) بالحاء المهملة وتشديد الراء يقصد (معرّس) بفتح الراء المشددة مكان تعريس (رسول الله ﷺ وهو) أي المكان (أسفل) بالرفع (من المسجد الذي) كان إذ ذاك (ببطن الوادي بينه) أي بين المعرس (وبين الطريق وسط من ذلك) بفتح السين أي متوسط بين بطن الوادي وبين الطريق.
وقد استشكل دخول هذا الحديث هنا. وأجيب: بأنه أشار به إلى أن ذا الحليفة لا يملك بالإحياء لما في ذلك من منع الناس النزول به وأن الموات يجوز الانتفاع به وأنه غير مملوك لأحد وهذا كافٍ في وجه دخوله.
٢٣٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّيْلَةَ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي وَهْوَ بِالْعَقِيقِ أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه قال: (أخبرنا شعيب بن إسحاق) الدمشقي (عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (يحيى) بن أبي كثير (عن عكرمة)
مولى ابن عباس (عن ابن عباس) ﵄ (عن عمر) بن الخطاب (﵁
стр. 1630
عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الليلة) بالنصب (أتاني آتٍ من ربي) هو جبريل ﵇ (وهو بالعقيق أن صلّ) بفتح الهمزة (في هذا الوادي المبارك) أي وادي العقيق (وقل) هذه (عُمرة في حجة) وللحموي والمستملي وقال بلفظ الماضي عمرة بالنصب.
وهذان الحديثان قد سبقا في الحج.
١٧ - باب إِذَا قَالَ رَبُّ الأَرْضِ أُقِرُّكَ مَا أَقَرَّكَ اللَّهُ -وَلَمْ يَذْكُرْ أَجَلاً مَعْلُومًا- فَهُمَا عَلَى تَرَاضِيهِمَا
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال رب الأرض) مالكها للمزارع (أقرّك) بضم الهمزة (ما أقرك الله) أي مدّة إقرار الله إياك (و) الحال أن رب الأرض (لم يذكر أجلاً معلومًا) أي مدة معلومة (فهما) أي رب الأرض والمزارع (على تراضيهما) أي الذي تراضيا عليه.
٢٣٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُوسَى أَخْبَرَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ". وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵄ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ حِينَ ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا فَسَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُقِرَّهُمْ بِهَا أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ".
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن المقدام) بكسر الميم ابن سليمان أبو الأشعث العجلي البصري قال: (حدّثنا فضيل بن سليمان) بضم أوّلهما النميري قال: (حدّثنا موسى) بن عقبة قال: (أخبرنا نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: كان رسول الله ﷺ ، وقال عبد الرزاق) بن همام الحميري فيما وصله الإمام أحمد ومسلم: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: حدّثني) بالإفراد (موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب ﵄ أجلى) بالجيم أي أخرج (اليهود والنصارى من أرض الحجاز) لأنه لم يكن لهم عهد من النبي ﷺ على بقائهم في الحجاز دائمًا بل كان موقوفًا على مشيئته والحجاز كما قاله الواقدي من المدينة إلى تبوك ومن المدينة إلى طريق الكوفة، وقال غيره: مكة والمدينة واليمامة ومخالفيها. وقال ابن عمر مما هو موصول له: (وكان رسول الله ﷺ لما ظهر) أي غلب (على خيبر أراد إخراج اليهود منها وكانت الأرض حين
ظهر) أي غلب ﵊ (عليها لله ولرسوله ﷺ وللمسلمين) كانت خيبر فتح بعضها صلحًا وبعضها عنوة فالذي فتح عنوة كان جميعه لله ولرسوله وللمسلمين والذي فتح صلحًا كان لليهود ثم صار للمسلمين بعقد الصلح (وأراد) ﵊ (إخراج اليهود منها) أي من خيبر (فسألت اليهود رسول الله ﷺ ليقرّهم بها) بضم الياء وكسر القاف ونصب الراء ليسكنهم بخيبر (أن) أي بأن (يكفّوا عملها) أي بكفاية عمل نخلها ومراعيها والقيام بتعهدها وعمارتها فأن مصدرية (ولهم نصف الثمر) الحاصل من الأشجار (فقال لهم رسول الله ﷺ ¬):
(نقرّكم بها على ذلك) الذي ذكرتموه من كفاية العمل ونصف الثمرة لكم (ما شئنا) استدلّ به الظاهرية على جواز المساقاة مدة مجهولة. وأجاب عنه الجمهور بأن المراد أن المساقاة ليست عقدًا مستمرًا كالبيع بل بعد انقضاء مدّتها إن شئنا عقدنا عقدًا آخر وإن شئنا أخرجناكم (فقروا بها) بفتح القاف وتشديد الراء أي سكنوا بخيبر (حتى أجلاهم) أخرجهم (عمر) ﵁ منها (إلى تيماء) بفتح الفوقية وسكون الياء التحتية ممدودًا قرية من أمهات القرى على البحر من بلاد طيئ (وأريحاء) بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون الياء التحتية وبالحاء المهملة ممدودًا قرية من الشام سميت بأريحاء بن الملك بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وإنما أجلاهم عمر لأنه ﵊ عهد عند موته أن يخرجوا من جزيرة العرب.
ومطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله نقرّكم بها على ذلك ما شئنا.
وهذا الحديث أخرجه موصولاً من طريق فضيل ومعلقًا من طريق ابن جريح وساقه على لفظ الرواية المعلقة، وسيأتي إن شاء الله تعالى لفظ رواية فضيل في كتاب الخمس.
١٨ - باب مَا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُوَاسِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الزِّرَاعَةِ وَالثَّمَرَةِ
(باب ما كان أصحاب النبي) ولأبي ذر: من أصحاب النبي (¬ ﷺ يواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمرة) ولأبي ذر والثمر.
٢٣٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ ظُهَيْرٌ: "لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا. قُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهْوَ حَقٌّ. قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟ قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ. قَالَ: لا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا. قَالَ رَافِعٌ: قُلْتُ سَمْعًا وَطَاعَةً".
[الحديث ٢٣٣٩ - طرفاه في: ٢٣٤٦، ٤٠١٢].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) أبو الحسن المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (عن أبي النجاشي) بفتح النون وتخفيف الجيم وكسر الشين المعجمة عطاء بن صهيب التابعي (مولى رافع بن خديج) أنه قال: (سمعت رافع بن خديج بن رافع) الأنصاري
стр. 1631
(عن عمه ظهير بن رافع) بضم الظاء المعجمة مصغرًا (قال ظهير: لقد نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان بنا رافقًا) أي ذا رفق وانتصابه على أنه خبر كان واسمها الضمير الذي في كان قال رافع (قلت) لظهير (ما قال رسول الله ﷺ فهو حق) لأنه ما ينطق عن الهوى (قال: دعاني رسول الله ﷺ ¬) أي فلما أتيته (قال):
(ما تصنعون بمحاقلكم)؟ بفتح الميم والحاء المهملة بمزارعكم. قال ظهير: (قلت نؤاجرها على الربع) بضم الراء والموحدة وتسكن، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: على الربيع بضم الراء وفتح الموحدة وسكون التحتية تصغير الربع، وفي رواية على الربيع بفتح الراء وكسر الموحدة وهو النهر الصغير أي على الزرع الذي هو عليه، والمعنى أنهم كانوا يكرون الأرض ويشترطون لأنفسهم ما ينبت على النهر (وعلى الأوسق من التمر والشعير) والواو بمعنى أو (قال) ﵊: (لا تفعلوا) وهذه صيغة النهي المذكور أول الحديث حيث قال لقد نهانا (ازرعوها) أنتم بهمزة وصل تكسر وبفتح الراء (أو أزرعوها) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء أي أعطوها لغيركم يزرعها بغير أجرة (أو أمسكوها) بهمزة قطع مفتوحة وكسر السين أي اتركوها معطلة وأو للتخيير لا للشك. (قال رافع: قلت سمعًا وطاعة) نصب بتقدير أسمع كلامك سمعًا وأطيعك طاعة ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره أي كلامك وأمرك سمع أي مسموع وفيه مبالغة وكذلك طاعة يعنى مطاع أو أنت مطاع فيما تأمر به.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع والنسائي في المزارعة وابن ماجة في الأحكام.
٢٣٤٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "كَانُوا يَزْرَعُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ".
[الحديث ٢٣٤٠ - طرفه في: ٢٦٣٢].
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن موسى) أبو محمد العبسي الكوفي قال: (أخبرنا الأوزاعي) عبد الرحمن (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (¬﵁¬) والظاهر أن الأوزاعي كان يرويه عن أبي النجاشي عطاء وعن عطاء بن أبي رباح كل واحد منهما بسنده أنه (قال: كانوا) أي الصحابة في عصر النبي ﷺ (يزرعونها) أي الأرض وسقط لغير أبي ذر النون قبل الهاء من يزرعونها (بالثلث والربع والنصف) بما يخرج منها والواو في الموضعين بمعنى أو (فقال النبي ﷺ ¬):
(من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها) بفتح النون أي يجعلها منيحة أي عطية وهذه مفسرة لقوله في الحديث السابق: أو ازرعوها. ولمسلم: من كانت له أرض فليزرعها فإن عجز عنها فليمنحها أخاه المسلم ولا يؤاجرها (فإن لم يفعل فليمسك أرضه).
٢٣٤١ - وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ».
(قال الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة (ابن نافع أبو توبة) بفتح الفوقية والموحدة بينهما واو ساكنة الحافظ الثقة وكان يعدّ من الإبدال وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الطلاق وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين فيما وصله مسلم: (حدّثنا معاوية) بن سلام بتشديد اللام (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه) المسلم (فإن أبى) قبولها (فليمسك أرضه) وزاد في هذه أخاه كرواية جابر في باب فضل المنيحة.
٢٣٤٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِطَاوُسٍ فَقَالَ يُزْرِعُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا".
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وفتح الصاد المهملة ابن عقبة الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن عمرو) هو ابن دينار أنه (قال ذكرته) أي حديث رافع بن خديج المذكور آنفًا (لطاوس فقال) طاوس: (يزرع) بضم أوله وكسر ثالثه من الإزراع أي يزرع غيره بالكراء (قال ابن عباس ﵄) تعليل من جهة طاوس لقوله يزرع (إن النبي ﷺ لم ينه عنه) أي لم يحرّمه وصرّح بذلك الترمذي ولفظه عن ابن عباس أن النبي ﷺ لم يحرّم المزارعة (ولكن قال):
(أن يمنح) بفتح الهمزة ونصب يمنح ولأبي ذر أن يمنح بكسر الهمزة على أن إن شرطية ويمنح مجزوم بها أي يعطي (أحدكم أخاه) المسلم أرضه ليزرعها (خير له من أن يأخذ) أي من أخذه (شيئًا معلومًا)
стр. 1632
لأنهم كانوا يتنازعون في كراء الأرض حتى أفضى بهم إلى التقاتل بسبب كون الخراج واجبًا لأحدهما على صاحبه فرأى أن المنحة خير لهم من المزارعة التي توقع بينهم مثل ذلك. وفي الطحاوي التصريح بعلة النهي ولفظه عن زيد بن ثابت أنه قال: يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله كنت أعلم منه بالحديث إنما جاء رجلان من الأنصار إلى رسول الله ﷺ قد اقتتلا فقال: إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع فسمع قوله لا تكروا المزارع. قال الطحاوي: فهذا زيد بن ثابت يخبر أن
قول النبي ﷺ لا تكروا المزارع النهي الذي قد سمعه رافع لم يكن من النبي ﷺ على وجه التحريم وإنما كان لكراهية وقوع الشر بينهم.
وهذا الحديث قد سبق في باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة.
٢٣٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ".
[الحديث ٢٣٤٣ - طرفه في: ٢٣٤٥].
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي بمعجمة فمهملة قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن أيوب) السختياني (عن نافع أن ابن عمر ﵄ كان يكري) بضم أوّله من أكرى أرضه يكريها (مزارعه) بفتح الميم (على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان) أيام خلافتهم (وصدرًا من إمارة معاوية) بكسر الهمزة ولم يقل خلافته لأنه أي ابن عمر كان لا يبايع لمن لم يجتمع عليه الناس ومعاوية لم يجتمع عليه الناس، ولذا لم يبايع لابن الزبير ولا لعبد الملك في حال اختلافهما ولم يذكر علي بن أبي طالب فيحتمل أن يكون لأنه لم يزرع في أيامه.
٢٣٤٤ - ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَلَى الأَرْبِعَاءِ وَبِشَىْءٍ مِنَ التِّبْنِ".
(ثم حدّث) بضم الحاء المهملة وتشديد الدال المكسورة ابن عمر (عن رافع بن خديج) وللكشميهني: ثم حدّث رافع بن خديج بفتح أول حدث وحذف عن (أن النبي ﷺ نهى عن كراء المزارع فذهب ابن عمر) ﵄ (إلى رافع) قال نافع (فذهبت معه) أي مع ابن عمر (فسأله) أي فسأل ابن عمر رافعًا (فقال) رافع (نهى النبي ﷺ عن كراء المزارع فقال ابن عمر: قد علمت) يا رافع (أنّا كنّا نكري مزارعنا على عهد رسول الله ﷺ بما) ينبت (على الأربعاء) بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الموحدة ممدودًا جمع ربيع وهو النهر الصغير (وبشيء من التبن) بالموحدة الساكنة وحاصل حديث ابن عمر هذا أنه ينكر على رافع إطلاقه في النهي عن كراء الأراضي، ويقول الذي نهى عنه ﷺ هو الذي كانوا يدخلون فيه الشرط الفاسد وهو أنهم يشترطون ما على الأربعاء وطائفة من التبن وهو مجهول، وقد يسلم هذا ويصيب غيره آفة أو بالعكس فتقع المزارعة ويبقى المزارع أو رب الأرض بلا شيء.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن رافع بن خديج لما روى النهي عن كراء المزارع يلزم منه عادة أن أصحاب الأرض إنما يزرعون بأنفسهم أو يمنحون بها لمن يزرع من غير بدل فتحصل فيه المواساة.
٢٣٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى. ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة ونسبه لجدّه لشهرته واسم أبيه عبد الله المخزومي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم أن) أباه (عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنت أعلم في عهد رسول الله ﷺ أن الأرض تكرى) بضم أوّله وفتح الراء (ثم خشي عبد الله) بن عمر (أن يكون النبي ﷺ قد أحدث في ذلك شيئًا لم يكن يعلمه) ولأبي ذر: علمه أي حكم بما هو ناسخ لما كان يعلمه من جواز الكراء (فترك كراء الأرض).
وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا، وقد أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق شعيب بن الليث عن أبيه مطوّلاً وأوّله أن عبد الله كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج ينهى عن كراء الأرض فلقيه فقال: يا ابن خديج ما هذا؟ قال: سمعت عميّ وكانا قد شهدا بدرًا يحدثان أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض فقال عبد الله قد كنت أعلم فذكره، وقد احتج بهذا من كره إجارة الأرض بجزء مما يخرج منها وقد مرّ قريبًا.
١٩ - باب كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَمْثَلَ مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ أَنْ تَسْتَأْجِرُوا الأَرْضَ الْبَيْضَاءَ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ.
(باب) جواز (كراء الأرض بالذهب والفضة. وقال
стр. 1633
ابن عباس) ﵄ فيما وصله الثوري في جامعه بإسناد صحيح (إن أمثل) أفضل (ما أنتم صانعون أن تستأجروا الأرض البيضاء) زاد الثوري ليس فيها شجر (من السنة إلى السنة).
٢٣٤٦ و ٢٣٤٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: "حَدَّثَنِي عَمَّاىَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ أَوْ شَىْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ". وَقَالَ اللَّيْثُ: وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ.
[الحديث ٢٣٤٧ - طرفه في: ٤٠١٣].
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين ابن فرّوخ قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) واسمه فروخ مولى المنكدر بن عبد الله (عن حنظلة بن قيس) بالحاء
المهملة والظاء المعجمة الزرقي الأنصاري (عن رافع بن خديج) أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (عماي) أحدهما ظهير بن رافع المذكور قريبًا وسمى الآخر بعض من صنف في المبهمات مظهرًا بميم مضمومة وظاء معجمة مفتوحة وهاء مشددة مكسورة وراء كما ضبطه عبد الغني وابن ماكولا. وقال الكلاباذي: لم أقف على اسمه، وقيل اسمه مهير بوزن أخيه ظهير مصغرًا فعند أبي علي بن أبي السكن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار عن رافع بن خديج أن بعض عمومته قال سعيد: زعم قتادة أن اسمه مهير فذكر الحديث. قال في الفتح: فهذا أولى أن يعتمد (أنهم) أي الصحابة (كانوا يكرون الأرض على عهد النبي ﷺ بما ينبت) فيها (على الأربعاء) جمع ربيع وهو النهر الصغير (أو شيء) ولأبي ذر: أو بشيء بموحدة كالثلث أو الربع (يستثنيه صاحب الأرض) من المزروع لأجله (فنهى النبي ﷺ عن ذلك) لما فيه من الجهل قال حنظلة بن قيس: (فقلت لرافع فكيف هي) أي كيف حكمها (بالدينار والدرهم؟ فقال رافع) بطريق الاجتهاد (ليس بها بأس بالدينار والدرهم) أو علم ذلك بطريق التنصيص على جوازه أو علم أن جواز الكراء بالدينار والدرهم غير داخل في النهي عن كراء الأرض بجزء مما يخرج منها. وقد أخرج أبو داود والنسائي بإسناد صحيح من طريق سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة وقال: إنما يزرع ثلاثة رجل له أرض ورجل منح أرضًا ورجل اكترى أرضًا بذهب أو فضة وهو يرجح أن ما قاله رافع مرفوع، لكن بيّن النسائي من وجه آخر أن المرفوع منه النهي عن المحاقلة والمزابنة وأن بقيته مدرجة من كلام سعيد بن المسيب.
(وقال الليث) بن سعد الإمام مما هو موصول بالسند المذكور ولأبي ذر قال أبو عبد الله أي البخاري من هاهنا قال الليث: أراه بضم الهمزة أي أظن شيخي ربيعة المذكور: (وكان الذي نهي) بضم النون وكسر الهاء (عن) ولأبوي ذر والوقت: من (ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه) وفي رواية النسفيّ وابن شبويه ذو الفهم بالحلال والحرام لم يجزه بالإفراد فيهما (لما فيه من المخاطرة) وهي الإشراف على الهلاك وهذا موافق ما عليه الجمهور من حمل النهي عن كراء الأرض على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة لا عن كرائها مطلقًا بالذهب والفضة، وقد سقطت هذه المقالة المذكورة عن الليث جميعها عند النسفيّ وابن شبويه فيما قاله الحافظ ابن حجر فتكون مدرجة عندهما في نفس الحديث، ولم يذكر النسائي ولا الإسماعيلي في روايتهما لهذا الحديث من طريق الليث هذه الزيادة. قال التوربشتي: لم يظهر لي هل هذه الزيادة من الرواة أم من قول البخاري.
وقال البيضاوي: الظاهر من السياق أنها من كلام رافع انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وقد تبيّن برواية أكثر الطرق في البخاري أنها من كلام الليث.
وفي هذا الحديث رواية تابعي عن تابعي وهما ربيعة وحنظلة ورواية صحابي عن صحابيين.
٢٠ - باب
هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة.
٢٣٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ حَدَّثَنَا هِلَالٌ ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ -وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ- أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. قَالَ فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَىْءٌ. فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا تَجِدُهُ إِلاَّ قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ".
[الحديث ٢٣٤٨ - طرفه في: ٧٥١٩].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وتخفيف النون وبعد الألف نون أخرى قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة ابن سليمان قال: (حدّثنا هلال) هو ابن علي المعروف بابن أسامة.
قال المؤلّف بالسند (ح).
(حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو بن قيس العقدي
стр. 1634
قال: (حدّثنا فليح) هو ابن سليمان (عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار) بالتحتية والمهملة المخففة (عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يومًا يحدّث) أصحابه (وعنده رجل من أهل البادية) لم يسم والواو للحال.
(أن رجلاً من أهل الجنة) بفتح همزة أن لأنه في موضع المفعول (استأذن ربه) أي يستأذن ربه فأخبر عن الأمر المحقق الآتي بلفظ الماضي (في) أن يباشر (الزرع) يعني سأله تعالى أن يزرع (فقال) ربه تعالى: (له ألست) وفي رواية محمد بن سنان: أو لست بزيادة واو استفهام تقريري يعني أو لست كائنًا (فيما شئت) من المشتهيات (قال بلى) الأمر كذلك (ولكني) بالياء بعد النون ولأبي ذر ولكن (أحب أن أزرع) فأذن له (قال فبذر) بالذال المعجمة أي ألقى البذر على أرض الجنة (فبادر) بالدال المهملة وفي رواية محمد بن سنان فأسرع فبادر (الطرف) بفتح الطاء وسكون الراء نصب على المفعولية لقوله (نباته واستواؤه واستحصاده) من الحصد وهو قلع الزرع (فكان أمثال الجبال) يعني أنه لما بذر لم يكن بين ذلك وبين استواء الزرع ونجاز أمره كله من الحصد والتذرية والجمع إلا كلمح البصر وكان كل حبة منه مثل الجبل وفيه أن الله تعالى أغنى أهل الجنة فيها عن تعب الدنيا ونصبها (فيقول الله تعالى دونك) بالنصب على الإغراء أي خذه (يا ابن آدم فإنه) أي فإن الشأن (لا يشبعك شيء فقال الأعرابي) أي ذلك الرجل الذي من أهل البادية (والله لا تجده إلا قرشيًا أو أنصاريًّا فإنهم)
أي قريشًا والأنصار (أصحاب زرع وأما نحن) أي أهل البادية (فلسنا بأصحاب زرع فضحك النبي ﷺ ¬).
فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث هنا؟ أجاب ابن المنير للتنبيه على أن أحاديث المنع من الكراء إنما جاءت على الندب لا على الإيجاب لأن العادة فيما يحرص عليه ابن آدم أشد الحرص أن لا يمنع من الاستمتاع به وبقاء حرص هذا الحريص من أهل الجنة على الزرع وطلب الانتفاع به حتى في الجنة دليل على أنه مات على ذلك لأن المرء يموت على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه، فدل ذلك على آخر عهدهم من الدنيا جواز الانتفاع بالأرض واستثمارها ولو كان كراؤها محرمًا عليه لفطم نفسه عن الحرص عليها حتى لا يثبت هذا القدر في ذهنه هذا الثبوت انتهى.
وهذا الحديث هو لفظ الإسناد الثاني ومتن السند الأول يأتي في التوحيد إن شاء الله تعالى.
٢١ - باب مَا جَاءَ فِي الْغَرْسِ
(باب ما جاء في الغرس).
٢٣٤٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّا كُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ سِلْقٍ لَنَا كُنَّا نَغْرِسُهُ فِي أَرْبِعَائِنَا فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا، فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ -لَا أَعْلَمُ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ- فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا، فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلاَّ بَعْدَ الْجُمُعَةَ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) قال: (حدّثنا يعقوب) القاريّ بغير همز نسبة إلى قارة حيّ من العرب، ولأبي ذر: يعقوب بن عبد الرحمن وأصله مدني سكن الإسكندرية (عن أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج المدني (عن سهل بن سعد) الأنصاري الساعدي (﵁ أنه قال: إنّا كنّا نفرح) ولأبوي ذر والوقت عن الكشميهني: إن بسكون النون كنا لنفرح (بيوم الجمعة كانت لنا عجوز) لم تسم (تأخذ من أصول سلق لنا) بكسر السين المهملة (كنا نغرسه في أربعائنا) نهرنا الصغير أو ساقيتنا الصغيرة (فتجعله في قدر لها فتجعل فيه حبات من شعير) قال يعقوب: (لا أعلم إلا أنه قال ليس فيه شحم ولا ودك) بفتح الواو والدال المهملة دسم اللحم (فإذا صلينا الجمعة زرناها) أي العجوز (فقربته إلينا) زاد في الجمعة فنلعقه (فكنا نفرح بيوم الجمعة من أجل ذلك) الذي تصنعه العجوز (وما كنا نتغدى ولا نقيل) من القيلولة (إلا بعد) صلاة (الجمعة) وموضع الترجمة من الحديث قوله كنا نغرسه في أربعائنا، وقد سبق في باب قول الله : ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [لجمعة: ١٠] في آخر كتاب الجمعة.
٢٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ، وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا: لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ -حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ- ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَىَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ ﷺ مَقَالَتَهُ ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا. وَاللَّهِ لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ - إِلَى - ﴿الرَّحِيمُ﴾.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري البصري قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: يقولون إن أبا هريرة يكثر
стр. 1635
الحديث) أي روايته، وفي كتاب العلم قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة وسقط قوله هنا الحديث عند أبي ذر (والله الموعد) بفتح الميم وكسر العين المهملة بينهما واو ساكنة وهو مصدر ميمي أو ظرف زمان أو مكان وعلى كل تقدير لا يصح أن يخبر به عن الله تعالى فلا بد من إضمار وتقديره في كونه مصدرًا والله الواعد وإطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة يعني الواعد في فعله للخير والشر، والوعد يستعمل في الخير والشر يقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًّا فإذا أسقط الخير والشر يقال في الخير الوعد والعدة وفي الشر الإيعاد والوعيد وتقديره في كونه ظرف زمان وعند الله الموعد يوم القيامة وتقديره في كونه ظرف مكان وعند الله الموعد في الحشر والمعنى على كل تقدير فالله تعالى يحاسبني إن تعمدت كذبًا ويحاسب من ظن بي السوء، (ويقولون) أي الناس (ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثل أحاديثه) أي أبي هريرة (وإن إخوتي من المهاجرين) كلمة من بيانية (كان يشغلهم) بفتح الغين المعجمة (الصفق بالأسواق) كناية عن التبايع (وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم) في الزراعة والغراسة وهذا موضع الترجمة (وكنت امرأً مسكينًا) أي من مساكين الصفة (ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني) بكسر الميم (فأحضر) مجلس النبي ﷺ (حين يغيبون) أي الأنصار والمهاجرون (وأعي) أي أحفظ (حين ينسون وقال النبي ﷺ يومًا) من الأيام:
(لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه) بالنصب عطفًا على قوله لن يبسط أي يجمع الثوب (إلى صدره فينسى من مقالتي شيئًا أبدًا) والمعنى أن البسط المذكور والنسيان لا يجتمعان لأن البسط الذي بعده الجمع المتعقب للنسيان منفي فعند وجود البسط ينعدم النسيان وبالعكس (فبسطت نمرة) بفتح النون وكسر الميم بردة من صوف يلبسها الأعراب والمراد
بسط بعضها لئلا يلزم كشف عورته (ليس عليّ ثوب غيرها) أي غير النمرة (حتى قضى النبي ﷺ مقالته ثم جمعتها إلى صدري فو) الله (الذي بعثه) ﷺ إلى الثقلين (بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا) ولمسلم من رواية يونس فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدّثني به وهو يدل على العموم لأن تنكير شيئًا بعد النفي يدل على العموم لأن النكرة في سياق النفي تدل عليه فدلّ على العموم في عدم النسيان لكل شيء من الحديث وغيره لا أنه خاص بتلك المقالة كما يعطيه ظاهر قوله من مقالته تلك، ويعضد العموم ما في حديث أبي هريرة أنه شكا إلى النبي ﷺ أنه ينسى ففعل ما فعل ليزول عنه النسيان ويحتمل أن يكون وقعت له قضيتان فالقضية التي رواها الزهري مختصّة بتلك المقالة والأخرى عامّة.
(والله لولا آيتان) موجودتان (في) وفي نسخة: من (كتاب الله ما حدّثتكم) فيه حذف اللام من جواب لولا وهو جائز والأصل لما حدثتكم شيئًا أبدًا ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات﴾ [البقرة: ١٥٩] (إلى قوله: ﴿الرحيم﴾) [البقرة: ١٦٠] ولأبي ذر ﴿من البينات والهدى﴾ إلى ﴿الرحيم﴾ وفي هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة الصحيحة والهدى النافع للقلوب من بعد ما بيّنه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقد مضى هذا الحديث في باب حفظ العلم في كتاب العلم أخصر من هذا والله الموفق والمعين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٢ - كتاب [الشرب و] المساقاة
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(كتاب [الشرب و] المساقاة) هي مأخوذة من السقي المحتاج إليه فيها غالبًا لأنه أنفع أعمالها وأكثرها مؤونة وحقيقتها أن يعامل غيره على نخل أو شجر عنب ليتعهده بالسقي والتربية على أن الثمرة لهما والمعنى فيها أن مالك الأشجار قد لا يحسن تعهدها أو لا يتفرّغ له ومن يحسن ويتفرّغ قد لا يملك الأشجار فيحتاج ذاك إلى الاستعمال وهذا إلى العمل ولو اكترى المالك لزمته الأجرة في الحال وقد لا يحصل له شيء من الثمار ويتهاون العامل فيها فدعت الحاجة إلى تجويزها.
стр. 1636
١ - باب فِي الشُّرْبِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾
وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾.
الأُجَاجُ: الْمُرُّ. الْمُزْنُ: السَّحَابُ.
هذا (باب) بالتنوين (في الشرب) بكسر الشين المعجمة أي باب الحكم في قسمة الماء والشرب بالكسر في الأصل النصيب والحظ من الماء وفي الفرع بضمها وعزاه عياض للأصيلي قال والكسر أولى. وقال السفاقسي: من ضبطه بالضم أراد المصدر وقال غيره المصدر مثلث وسقط لأبي ذر كتاب المساقاة ولفظ باب. قال ابن حجر: ولا وجه لقوله كتاب المساقاة فإن الترجمة التي فيه غالبها تتعلق بإحياء الموات.
(وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه (﴿وجعلنا من الماء كل شيء حيّ﴾) بالجر صفة لشيء أي كل حيوان كقوله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ [النور: ٤٥] أو كأنما خلقناه من ماء
لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧] أو المعنى صيّرنا كل شيء حيّ بسبب من الماء لا يحيا دونه وفي حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد قال قلت يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء. قال "كل شيء خلق من الماء" الحديث وإسناده على شرط الشيخين إلا أبا ميمونة فمن رجال السنن واسمه سليم والترمذي يصحح له، وروى ابن أبي حاتم عن أبي العالية أن المراد بالماء النطفة ﴿أفلا يؤمنون﴾ [الأنبياء: ٣٠] مع ظهور الآيات.
(وقوله جلّ ذكره: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون﴾) أي العذب الصالح للشرب (﴿أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾) بقدرتنا (﴿لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون﴾) [الواقعة: ٦٨ و ٦٩ و ٧٠] قال البخاري تبعًا لأبي عبيد: (الأجاج: المرّ) وقيل هو الشديد الملوحة أو المرارة أو الحارّ حكاه ابن فارس. وقال المؤلّف تبعًا لقتادة ومجاهد فيما أخرجه الطبري عنهما (المزن: السحاب) وقيل هو الأبيض وماؤه أعذب، وفي رواية المستملي أجاجًا منصبًا وهو موافق لتفسير ابن عباس وقتادة ومجاهد فيما أخرجه الطبري المزن: السحاب، الأجاج: المرّ، فراتًا: عذابًا. وعن السدي فيما رواه ابن أبي حاتم العذب: الفرات الحلو.
وقوله ثجاجًا وفراتًا ذكرهما هنا استطرادًا على عادته في زيادته فرائد الفوائد ولفظ رواية أبي ذر ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون﴾ إلى قوله: ﴿فلولا تشكرون﴾.
وقد أورد الزمخشري هنا سؤالاً فقال: فإن قلت: لِمَ أدخلت اللام على جواب "لو" في قوله تعالى: ﴿لو نشاء لجعلناه حطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] ونزعت منه هاهنا. وأجاب بأن "لو" لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط ولم تكن مخلصة للشرط كان ولا عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقًا من حيث إفادتها في مضمون جملتيها أن الثاني امتنع لامتناع الأوّل افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علمًا على هذا التعلق فزيدت هذه اللام لتكون علمًا على ذلك فإذا حذفت بعدما صارت علمًا مشهورًا مكانه فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه وصار مألوفًا ومأنوسًا به لم يبالِ بإسقاطه عن اللفظ استغناء بمعرفة السامع أو أن هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على أن أمر المطعوم مقدّم على أمر المشروب وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعًا للمطعوم ولهذا قدّمت آية المطعوم على آية المشروب انتهى.
١ - باب فِي الشُّرْبِ وَمَنْ رَأَى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً، مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ
وَقَالَ عُثْمَانُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ» فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ ﵁.
هذا (باب) بالتنوين (في الشرب) بضم المعجمة (ومن رأى) ولأبي ذر: باب من رأى (صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة مقسومًا كان أو غير مقسوم، وقال عثمان) بن عفان ﵁ فيما وصله الترمذي والنسائي وابن خزيمة (قال النبي ﷺ ¬):
(من يشتري بئر رومة) بإضافة بئر إلى رومة بضم الراء وسكون الواو فميم فهاء بئر معروفة بالمدينة (فيكون دلوه فيها) أي في البئر المذكور (كدلاء المسلمين) يعني يوقفها ويكون حظه منها كحظ غيره منها من غير مزية (فاشتراها عثمان ﵁) ووقفها على الفقير والغني وابن السبيل، وقد تمسك به من جوّز الوقف على النفس. وأجيب: بأنه كما لو وقف على الفقراء ثم صار فقيرًا فإنه يجوز له الأخذ منه ورومة قيل إنه علم على صاحب البئر وهو رومة الغفاري كما ذكره ابن منده فقال يقال: إنه أسلم
стр. 1637
روى حديثه عبد الله بن عمر بن أبان عن المحاربي عن أبي مسعود عن أبي سلمة بشير بن بشير الأسلمي عن أبيه قال: لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة كان يبيع منها القرية بالمد فقال له رسول الله ﷺ : "بعينها بعين في الجنة" فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله أتجعل لي مثل الذي جعلت لرومة عينًا في الجنة؟ قال: "نعم" قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين.
قال في الإصابة: تعلق ابن منده على قوله أتجعل لي مثل الذي جعلت لرومة ظنًا منه أن المراد به صاحب البئر وليس كذلك لأن في صدر الحديث أن رومة اسم البئر، وإنما المراد بقوله: جعلت لرومة أي لصاحب رومة أو نحو ذلك. وقد أخرجه البغوي عن عبد الله بن عمر بن أبان فقال فيه مثل الذي جعلت له فأعاد الضمير على الغفاري، وكذا أخرجه ابن شاهين والطبراني من طريق ابن أبان.
وقال البلاذري في تاريخه: هي بئر قديمة كانت ارتطمت فأتى قوم من مزينة حلفاء للأنصار فقاموا عليها وأصلحوها وكانت رومة امرأة منهم أو أمة لهم تسقي منها الناس فنسبت إليها اهـ.
ويأتي في الوقف إن شاء الله تعالى أن عثمان ﵁ قال: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من حفر رومة" فحفرتها. وهذا يقتضي أن رومة اسم العين لا اسم صاحبها، ويحتمل أن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه جمعًا بين الحديثين كما مر والله أعلم.
٢٣٥١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: "أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ يَا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ؟ قَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ".
[الحديث ٢٣٥١ - أطرافه في: ٢٣٦٦، ٢٤٥١، ٢٦٠٢، ٢٦٠٥، ٥٦٢٠].
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي مولاهم المصري قال: (حدّثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وبعد الألف نون محمد بن مطرف الليثي المدني نزل عسقلان (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج المدني (عن سهل بن سعد) الساعدي (﵁) أنه (قال: أُتي النبي ﷺ ¬) بضم الهمزة وكسر المثناة الفوقية والنبي رفع نائب عن الفاعل (بقدح) فيه ماء أو لبن شيب به (فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم) هو ابن عباس ﵄ كما في مسند ابن أبي شيبة (والأشياخ) وفيهم خالد بن الوليد (عن يساره فقال) ﵊:
(يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ قال) الغلام (ما كنت لأوثر بفضلي) قال الكرماني وتبعه العيني والبرماوي وغيرهما وفي بعضها بفضل (منك أحدًا يا رسول الله فأعطاه إياه) ووجه دخول هذا الحديث هنا من جهة مشروعية قسمة الماء وأنه يملك إذ لو لم يملك لما جازت فيه القسمة.
٢٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: "حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةٌ دَاجِنٌ -وَهْيَ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ، فَأَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْقَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا نَزَعَ الْقَدَحَ مِنْ فِيهِ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ عُمَرُ -وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِيَّ- أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَكَ، فَأَعْطَاهُ الأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ".
[الحديث ٢٣٥٢ - أطرافه في: ٢٥٧١، ٥٦١٢، ٥٦١٩].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (أنس بن مالك ﵁ أنها) أي القصة ولأبي ذر عن الكشميهني أنه أي الشاة (حلبت لرسول الله ﷺ شاة داجن) هي التي تألف البيوت وتقيم بها ولم يقل داجنة اعتبارًا بتأنيث الموصوف لأن الشاة تذكر وتؤنث وفي النهاية هي التي تعلف في المنزل (وهي) أي الداجن والواو للحال ولأبي ذر وهو أي النبي ﷺ (في دار أنس بن مالك) ﵁ (وشيب لبنها) بكسر الشين مبنيًّا للمفعول ولبنها رفع نائب عن الفاعل أي خلط (بماء من البئر التي في دار أنس فأعطى رسول الله ﷺ القدح فشرب منه) ﵊ (حتى إذا نزع القدح) أي قلعه (عن فيه) وللمستملي والحموي من فيه (وعلى يساره أبو بكر) الصديق ﵁ (وعن يمينه أعرابي) قيل إنه خالد بن الوليد ورد بأنه لا يقال له أعرابي وعبّر بقوله وعلى في الأولى وبعن في الثانية، فقال الكرماني لعل يساره كان موضعًا مرتفعًا فاعتبر استعلاؤه أو كان الأعراب بعيدًا عن الرسول ﷺ (فقال عمر) بن الخطاب ﵁: (وخاف) أي والحال أن عمر خاف
стр. 1638
(أن يعطيه) أي يعطي النبي ﷺ القدح (الأعرابيّ أعط) بهمزة مفتوحة القدح (أبا بكر يا رسول الله عندك) قاله تذكيرًا للرسول ﵊ وإعلامًا
للأعرابي بجلالة الصديق (فأعطاه) ﵊ (الأعراب الذي على يمينه) ولأبي ذر في نسخة وصحح عليها في الفرع وأصله عن بالنون بدل على باللام، (ثم قال) ﵊:
قدّموا (الأيمن فالأيمن) قال الكرماني وتبعه البرماوي وغيره: الأيمن ضبط بالنصب على تقدير أعط الأيمن وبالرفع على تقدير الأيمن أحق، واستدلّ العيني لترجيح الرفع بقوله في بعض طرق الحديث الأيمنون الأيمنون الأيمنون قال أنس فهي سنة فهي سنة فهي سنة أي تقدمة الأيمن وإن كان مفضولاً لا خلاف في ذلك. نعم، خالف ابن حزم فقال: لا يجوز مناولة غير الأيمن إلا بإذن الأيمن.
وأما حديث ابن عباس عند أبي يعلى الموصلي بإسناد صحيح قال: كان رسول الله ﷺ إذا سقي قال "ابدؤوا بالكبراء -أو قال- بالأكابر" فمحمول على ما إذا لم يكن على جهة يمينه أحد، بل كان الحاضرون تلقاء وجهه مثلاً وإنما استأذن ﵊ الغلام في الحديث السابق ولم يستأذن الأعرابي هنا ائتلافًا لقلب الأعرابي وتطييبًا لنفسه وشفقة أن يسبق إلى قلبه شيء يهلك به لقرب عهده بالجاهلية ولم يجعل للغلام ذلك لأنه قرابته وسنّه دون المشيخة فاستأذنه عليهم تأدّبًا ولئلا يوحشهم بتقديمه عليهم وتعليمًا بأنه لا يدفع إلى غير الأيمن بإذنه.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الأشربة وكذا مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
٢ - باب مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ حَتَّى يَرْوَى، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ
(باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى) بفتح أوله وثالثه من الري (لقول النبي ﷺ ¬) الآتي إن شاء الله تعالى موصولاً (لا يمنع) بضم أوله مبنيًّا للمفعول مرفوعًا نفي بمعنى النهي ولأبي ذر ولا يمنع بالجزم على النهي (فضل الماء) بالرفع نائب عن الفاعل لأن مفهومه أنه أحق بمائه عند عدم الفضل.
٢٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلأُ».
[الحديث ٢٣٥٣ - طرفاه في: ٢٣٥٤، ٦٩٦٢].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(لا يمنع) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول (فضل الماء ليمنع) مبني للمفعول أيضًا (به الكلأ) بفتح الكاف والرفع العشب يابسه ورطبه واللام في ليمنع لام العاقبة كهي في قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا وحزنًا﴾ [القصص: ٨] ومعنى الحديث أن من شقّ ماء بفلاة وكان حول ذلك الماء كلأ ليس حوله ماء غيره ولا يوصل إلى رعيه إلا إذا كانت المواشي ترد ذلك فنهى صاحب الماء أن يمنع فضل مائه لأنه إذا منعه منع رعي ذلك الكلأ والكلأ لا يمنع لما في منعه من الإضرار بالناس، ويلتحق به الرعاء إذا احتاجوا إلى الشرب لأنهم إذا منعوا من الشرب امتنعوا من الرعي هناك، والصحيح عند الشافعية وبه قال الحنفية الاختصاص بالماشية، وفرق الشافعي فيما حكاه المزني عنه بين المواشي والزروع بأن الماشية ذات أرواح يخشى من عطشها موتها بخلاف الزرع، وهذا محمول عند أكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم على ماء البئر المحفورة في الملك أو في الموات بقصد التملك أو الارتفاق خاصة فالأولى وهي التي في ملكه أو في موات بقصد التملك ماؤها مملوك على الصحيح عند أصحابنا. ونص عليه الشافعي في القديم والثانية وهي المحفورة في موات الارتفاق لا يملك الحافر ماءها. نعم هو أولى به إلى أن يرتحل فإذا ارتحل صار كغيره ولو عاد بعد ذلك وفي كلا الحالين يجب عليه بذل ما يفضل عن حاجته والمراد بحاجته نفسه وعياله وماشيته وزرعه، لكن قال إمام الحرمين: وفي الزرع احتمال على بعد أما البئر المحفورة للمارة فماؤها مشترك بينهم والحافر كأحدهم ويجوز الاستقاء منها للشرب وسقي الزرع فإن ضاق عنهما فالشرب أولى وكذا المحفورة بلا قصد على أصح الوجهين عند أصحابنا، وأما المحرز في إناء فلا يجب بذل فضله على الصحيح لغير المضطر ويملك بالإحراز هذا كلام
стр. 1639
الشافعية، وكلام الحنفية والحنابلة في ذلك متقارب في الأصل والمدرك وإن اختلفت تفاصيلهم، وجعل المالكية هذا الحكم في البئر المحفورة في الموات وقالوا في المحفورة في الملك لا يجب عليه بذل فضلها وقالوا في المحفورة في الموات لا تباع وصاحبها وورثته أحق بكفايتهم، وهذا النهي للتحريم عند مالك والشافعي والأوزاعي والليث وقال غيرهم هو من باب المعروف.
ومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن فضل الماء يدل على أن صاحب الماء أحق به عند عدم الفضل، وأخرجه المؤلّف أيضًا في ترك الحيل ومسلم في البيوع والنسائي في إحياء الموات وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
٢٣٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلإِ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير قال: (حدّثنا الليث) ابن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن
ابن المسيب) سعيد (وأبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني اسمه عبد الله أو إسماعيل كلاهما (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل كلأ) والمنهي عنه منع الفضل لا منع الأصل، وهي يجب عليه بذل الفاضل عن حاجته لزرع غيره الصحيح عند الشافعية، وبه قال الحنفية لا يجب. وقال المالكية: يجب عليه إذا خشي عليه الهلاك ولم يضر ذلك بصاحب الماء. قال الأبي أبو عبد الله: والحديث حجة لنا في القول بسد الذرائع لأنه إنما نهى عن منع فضل الماء لما يؤدّي إليه من منع الكلأ انتهى.
وقد ورد التصريح في بعض طرق الحديث بالنهي عن منع الكلأ صححه ابن حبان من رواية أبي سعيد مولى بني غفار عن أبي هريرة ولفظه "لا تمنعوا فضل الماء ولا تمنعوا الكلأ فيهزل المال ويجوع العيال" وهو محمول على غير المملوك وهو الكلأ النابت في الموات فمنعه مجرد ظلم إذ الناس فيه سواء، أما الكلأ النابت في أرضه المملوكة له بالإحياء فمذهب الشافعية جواز بيعه، وفيه خلاف عند المالكية صحح ابن العربي الجواز.
٣ - باب مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ
هذا (باب) بالتنوين (من حفر بئرًا في ملكه) أو موات للتملك أو الارتفاق (لم يضمن) لأنه غير عدوان فلو كان عدوانًا ضمنته العاقلة ولو حفر بدهليزه بئرًا ودعا رجلاً فدخله فسقط فيها فهلك فالأظهر الضمان لأنه غرّة.
٢٣٥٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْعَجْمَاءُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ».
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمود) هو ابن غيلان أبو أحمد العدوي مولاهم المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: أخبرني بالإفراد (عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن موسى وهو شيخ المصنف روي عنه بغير واسطة في أول الإيمان (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ثقة تكلم فيه بلا حجة (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(المعدن) بكسر الدال كمجلس منبت الجواهر من ذهب ونحوه إذا حفره الرجل في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص فمات أو انهار على حافره فهو (جبار) بضم الجيم وتخفيف الموحدة وبعد
الألف راء أي هدر لا ضمان عليه (والبئر) إذا حفرها في ملكه أو في موات أو انهارت على من استأجره لحفرها (جبار) لا ضمان عليه فلو حفرها في طريق المسلمين أو في ملك غيره بغير إذنه فتلف بها إنسان وجب ضمانه على عاقلة حافرها والكفارة في مال الحافر وإن تلف بها غير الآدمي وجب ضمانه في مال الحافر (والعجماء) بفتح العين المهملة وسكون الجيم وبعد الميم همزة ممدودة أي البهيمة لأنها لا تتكلم إذا انفلتت فصدمت إنسانًا فأتلفته أو أتلفت مالاً فهي (جبار) لا ضمان على مالكها أما إذا كان معها فعليه الضمان (وفي الركاز) دفن الجاهلية سواء كان في دار الإسلام أو دار الحرب (الخمس) بشرط أن يكون نصابًا من النقدين لا الحول ومذهب الإمام أحمد أنه لا فرق بين النقدين فيه وغيرهما كالنحاس وهو مذهب الحنفية أيضًا لكنهم أوجبوا الخمس وجعلوه فيئًا والحنابلة
стр. 1640
أوجبوا ربع العشر وجعلوه زكاة كما مرّ في الزكاة.
قال ابن المنير: الحديث مطلق والترجمة مقيدة بالملك وإذا كان الحديث تحته صور أحدها الملك وهو أقعد الصور بسقوط الضمان كان دخولها في الحديث محققًا فاستقام الاستدلال لأنه إذا لم يضمن وقد حفر في غير ملكه كالذي يحفر في الصحراء فأن لا يضمن من حفر في ملكه الخاص أجدر.
٤ - باب الْخُصُومَةِ فِي الْبِئْرِ، وَالْقَضَاءِ فِيهَا
(باب الخصومة في البئر والقضاء فيها).
٢٣٥٦ و ٢٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً … ﴾ الآيَةَ فَجَاءَ الأَشْعَثُ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي، فَقَالَ لِي: شُهُودَكَ. قُلْتُ مَا لِي شُهُودٌ. قَالَ: فَيَمِينَهُ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا يَحْلِفَ. فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْحَدِيثَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ"
[الحديث ٢٣٥٦ - أطرافه في: ٢٤١٦، ٢٥١٥، ٢٦٦٦، ٢٦٦٩، ٢٦٧٣، ٢٦٧٦، ٤٥٤٩، ٦٦٥٩، ٦٦٧٦، ٧١٨٣، ٧٤٤٥].
[الحديث ٢٣٥٧ - أطرافه في: ٢٤١٧، ٢٥١٦، ٢٦٦٧، ٢٦٧٠، ٢٦٧٧، ٤٥٥٠، ٦٦٦٠، ٦٦٧٧، ٧١٨٤].
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري المروزي (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق) هو ابن سلمة أبو وائل الأزدي الكوفي (عن عبد الله) هو ابن مسعود (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من حلف على يمين) أي على محلوف يمين حال كونه (يقتطع بها) أي بسبب اليمين (مال امرئ هو) ولأبي ذر عن الكشميهني: مال امرئ مسلم هو (عليها) أي هو في الإقدام عليها (فاجر) أي كاذب، ويحتمل أن تكون جملة يقتطع صفة ليمين والتقييد بالمسلم جرى على الغالب وإلا فلا فرق بين المسلم والذمي والمعاهد وغيرهم كما جرى على الغالب في تقييده بمال ولا فرق بين المال وغيره في ذلك، وفي مسلم من حديث إياس بن ثعلبة الحارثي: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه (لقي الله) يوم القيامة (وهو عليه غضبان) فيعامله معاملة المغضوب عليه من كونه لا ينظر إليه ولا يكلمه، ولمسلم من حديث وائل بن حجر وهو عنه معرض وعند أبي داود من حديث عمران: فليتبوأ مقعده من النار (فأنزل الله تعالى ﴿إن الذين يشترون﴾ يستبدلون (﴿بعهد الله﴾) بما عاهدوا الله عليه من الإيمان بالرسول والوفاء بالأمانات (﴿وأيمانهم﴾) وبما حلفوا عليه (﴿ثمنًا قليلاً﴾) [آل عمران: ٧٧] الآية.
(فجاء الأشعث) هو ابن قيس الكندي من المكان الذي كان فيه إلى المجلس الذي كان عبد الله يحدّثهم فيه (فقال: ما حدّثكم) بلفظ الماضي ولأبوي ذر والوقت والأصيلي ما يحدّثكم (أبو عبد الرحمن) يعني ابن مسعود زاد في رواية جرير في الرهن؟ قال: فحدّثناه. قال: فقال: صدق (فيّ أنزلت هذه الآية كانت لي بئر في أرض ابن عم لي) اسمه معدان بن الأسود بن معد يكرب الكندي ولقبه الجفشيش بالجيم المفتوحة والشينين المعجمتين بينهما تحتية ساكنة على الأشهر وزعم الإسماعيلي أن أبا حمزة تفرّد بذكر البئر عن الأعمش وليس كما قال فقد وافقه أبو عوانة كما في كتاب الإيمان والأحكام من رواية الثوري ومنصور عن الأعمش جميعًا، وفي رواية جرير عن منصور في شيء (فقال لي) رسول الله ﷺ :
(شهودك) نصب بتقدير أحضر أو أقم شهودك على حقك وفي نسخة: شهودك بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي فالمثبت لحقك شهودك قال الأشعث: (قلت ما لي شهود قال): ﵊ (فيمينه) أي فاطلب يمينه وفي نسخة فيمينه بالرفع أي فالحجة القاطعة بينكما يمينه (قلت: يا رسول الله إذًا يحلف) بنصب يحلف لا غير كما قاله السهيلي وكذا هو في الفرع وأصله لاستيفائها شروط أعمالها التي هي التصدّر والاستقبال وعدم الفصل ولا يجوز إلغاؤها حينئذ.
قال الزركشي في أحكام عمدة الأحكام، وذكر ابن خروف في شرح سيبويه: إن من العرب من لا ينصب بها مع استيفاء الشروط حكاه سيبويه. قال: ومنه الحديث إذا يحلف بالله وهو صريح في أن الرواية بالرفع انتهى.
قال في المصابيح: استشهاده بالحديث إنما يدل على أن الرفع مروي لا إنه هو المروي كما يظهر من عبارة الزركشي (فذكر النبي ﷺ هذا الحديث) وهو قوله من حلف على يمين إلى آخره (فأنزل الله ذلك) أي قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله﴾ الآية (تصديقًا له) ﷺ .
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الأشخاص والشهادات والإيمان والنذور والتفسير والشركة ومسلم في الإيمان وكذا أبو داود والنسائي في القضاء وابن ماجة في الأحكام.
٥ - باب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِنَ الْمَاءِ
(باب إثم من منع ابن السبيل) وهو
стр. 1641
المسافر (من الماء) الفاضل عن حاجته.
٢٣٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ. وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ. وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾.
[الحديث ٢٣٥٨ - أطرافه في: ٢٣٦٩، ٢٦٧٢، ٧٢١٢، ٧٤٤٦].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري بكسر الميم وفتح الكاف قال: (حدّثنا عبد الواحد بن زياد) البصري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (قال: سمعت أبا صالح) ذكوان الزيات (يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول قال رسول الله ﷺ ¬):
(ثلاثة) من الناس (لا ينظر الله إليهم يوم القيامة) فإن من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه (ولا يزكيهم) ولا يثني عليهم ولا يطهرهم (ولهم عذاب أليم) مؤلم على ما فعلوه (رجل كان له فضل ماء) زائد عن حاجته (بالطريق فمنعه) أي الفاضل من الماء (من ابن السبيل) وهو المسافر وقوله رجل مرفوع خبر مبتدأ محذوف وقوله كان له فضل ماء جملة في موضع رفع صفة لرجل (و) الثاني من الثلاثة (رجل بايع إمامًا) أي عاقد الإمام الأعظم وللحموي والمستملي إمامه (لا يبايعه إلا لدنيا) بغير تنوين (فإن أعطاه منها رضي) الفاء تفسيرية (وإن لم يعطه منها سخط و) الثالث (رجل أقام سلعته) من قامت السوق إذا نفقت (بعد العصر) ليس بقيد بل خرج مخرج الغالب لأن الغالب أن مثله كان يقع في آخر النهار حيث يريدون الفراغ عن معاملتهم نعم يحتمل أن يكون تخصيص العصر لكونه وقت ارتفاع الأعمال (فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها) بفتح الهمزة في الفرع وأصله أي دفعت لبائعها بسببها وفي نسخة: أعطيت بضم الهمزة مبنيًا للمفعول أي أعطاني من يريد شراءها (كذا وكذا) ثمنًا عنها (فصدقة رجل) واشتراها بذلك الثمن الذي حلف أنه أعطاه أو أعطيه اعتمادًا على حلفه الذي أكده بالتوحيد واللام وكلمة قد التي هي هنا للتحقيق (ثم قرأ) ﵊ (﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً﴾) [آل عمران: ٧٧] الآية والتنصيص على العدد في قوله ثلاثة لا ينفي الزائد.
٦ - باب سَكْرِ الأَنْهَارِ
(باب سكر الأنهار) بفتح السين المهملة وسكون القاف أي سدها وفي اليونينية بتنوين باب.
٢٣٥٩ و ٢٣٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: "أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ. فَأَبَى عَلَيْهِ. فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاء إِلَى جَارِكَ. فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: آن كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ العَبَّاسِ قَالَ أَبُو عَبْدُ اللهِ: لَيسَ أَحَدٌ يَذْكُرُ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدُ اللهِ إِلاَّ اللَّيثُ فَقَطْ.
[الحديث ٢٣٦٠ - أطرافه في: ٢٣٦١، ٢٣٦٢، ٢٧٠٨، ٤٥٨٥].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير عن أخيه (عبد الله بن الزبير) بن العوّام القرشي الأسدي أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة من المهاجرين وولي الخلافة تسع سنين إلى أن قتل في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين (﵄ أنه حدّثه أن رجلاً من الأنصار) زاد في رواية شعيب عند المصنف في الصلح قد شهد بدرًا واسمه قيل حميد فيما أخرجه أبو موسى المديني في الذيل من طريق الليث عن الزهري قال: ولم أرَ تسميته إلا في هذه الطريق انتهى.
وهذا مردود بما في بعض طرقه أنه شهد بدرًا وليس في البدريين أحد اسمه حميد وقيل هو ثابت بن قيس بن شماس حكاه ابن بشكوال في المبهمات له واستبعد، وقيل هو حاطب بن أبي بلتعة، وقيل ثعلبة بن حاطب قاله ابن باطيش قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات. وقوله في حاطب لا يصح فإنه ليس أنصاريًا انتهى.
وأجيب: بحمل الأنصار على المعنى اللغوي يعني ممن كان ينصر النبي ﷺ لا بمعنى أنه كان من الأنصار المشهورين وهذا يرده ما في رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند الطبري في هذا الحديث أنه من بني أمية بن زيد وهم بطن من الأوس.
وأجيب: باحتمال أن مسكنه كان في بني أمية لا أنه منهم وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [النساء: ٦٥] الآية أنها نزلت في
الزبير بن العوّام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء فقضى النبي ﷺ ، أن يسقي الاعلى ثم الأسفل قال ابن كثير وهو مرسل ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري.
(خاصم الزبير) بن العوّام أحد العشرة المبشرة بالجنة ﵃ (عند النبي ﷺ في شراج الحرة) بكسر الشين المعجمة آخره جيم جمع شرج بفتح أوله وسكون الراء بوزن بحر وبحار ويجمع على شروج، وإنما أضيفت إلى الحرة لكونها فيها والحرة
стр. 1642
بفتح الحاء والراء المشددة المهملتين موضع معروف بالمدينة والمراد هنا مسايل الماء (التي يسقون بها النخل) وفي رواية شعيب: كانا يسقيان به كلاهما وذلك لأن الماء كان يمر بأرض الزبير قبل أرض الأنصاري فيحبسه لإكمال سقي أرضه ثم يرسله إلى أرض جاره (فقال الأنصاري) للزبير ﵁ ملتمسًا منه تعجيل ذلك (سرَّح الماء) بفتح السين وكسر الراء المشددة وبالحاء المهملات أي أطلب الماء حال كونه (يمرّ فأبى عليه) أي امتنع الزبير على الذي خاصمه من إرسال الماء (فاختصما عند النبي ﷺ فقال) ولأبي الوقت قال (رسول الله ﷺ للزبير):
(اسق يا زبير) بهمزة قطع مفتوحة كذا في الفرع وغيره وذكره الحافظ ابن حجر عن حكاية ابن التين له وقال إنه من الرباعي. وتعقبه العيني فقال: هذا ليس بمصطلح فلا يقال رباعي إلا لكلمة أصول حروفها أربعة أحرف، وسقى: ثلاثي مجرد فلما زيدت فيه الألف صار ثلاثيًّا مزيدًا فيه وفي بعض النسخ اسق بهمزة وصل من الثلاثي وهي في الفرع أيضًا وقدّمه في فتح الباري على حكاية الأول. وقال العيني اسق بكسر الهمزة من سقى يسقي من باب ضرب يضرب ولم يذكر الوصل والمعنى اسق شيئًا يسيرًا دون حقك (ثم أرسل الماء إلى جارك) الأنصاري وهمزة أرسل قطع مفتوحة، (فغضب الأنصاري فقال): أي الأنصاري (آن كان) الزبير (ابن عمتك) صفية بنت عبد المطلب حكمت له بالتقديم عليّ وهمزة أن مفتوحة ممدودة في الفرع وأصله مصحح عليها استفهام إنكاري وحكاه في الفتح عن القرطبي وقال: إنه لم يقع لنا في الرواية انتهى.
وكذا رأيته بالمد في الأصل المقروء على الميدومي وغيره وفي بعض الأصول وعليه شرح في الفتح والعمدة والمصابيح والمشكاة أن كان بفتح الهمزة وهي للتعليل مقدّرة باللام أي حكمت له بالتقديم والترجيح لأجل أنه ابن عمتك. قال الكرماني: وفي بعضها إن كان بكسر الهمزة قال في الفتح على إنها شرطية والجواب محذوف قال ولا أعرف هذه الرواية نعم وقع في رواية عبد الرحمن بن إسحاق عند الطبري فقال اعدل يا رسول الله وإن كان ابن عمتك والظاهر أن هذه بالكسر وابن بالنصب على الخبرية ولهذا القول نسب بعضهم الرجل إلى النفاق وآخرون إلى اليهودية لكن قال التوربشتي في شرح المصابيح وكلا القولين زائغ عن الحق إذ قد صح أنه كان أنصاريًّا لم تكن الأنصار من جملة اليهود ولو كان مغموصًا عليه في دينه لم يصفوه بهذا الوصف فإنه وصف مدح والأنصار وإن وجد فيهم من يرمى بالنفاق فإن القرن الأول والسلف بعدهم احترزوا أن يطلقوا على
من ذكر بالنفاق واشتهر به الأنصاري والأولى أن يقال أزلّه الشيطان فيه بتمكنه عند الغضب وغير مستنكر من الصفات البشرية الابتلاء بمثل ذلك إلا من المعصوم انتهى.
قال النوويّ قالوا ولو صدر مثل هذا الكلام من إنسان كان كافرًا تجري على قائله أحكام المرتدين من القتل، وإنما تركه النبي ﷺ لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس ويدفع بالتي هي أحسن ويصبر على أذى المنافقين ويقول لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه (فتلوّن) أي تغير (وجه رسول الله ﷺ ¬) من الغضب لانتهاك حرمات النبوّة وقبيح كلام هذا الرجل (ثم قال) ﵊ (اسق يا زبير) بهمزة وصل (ثم احبس الماء) بهمزة وصل أيضًا أي أمسك نفسك عن السقي (حتى يرجع) أي يصير الماء (إلى الجدر) بفتح الجيم وسكون الدال المهملة ما وضع بين شربات النخل كالجدار أو الحواجز التي تحبس الماء. وقال القرطبي: هو أن يصل الماء إلى أصول النخل قال: ويروى بكسر الجيم وهو الجدار والمراد به جدران الشربات وهي الحفر التي تحفر في أصول النخل قال في شرح السُّنَّة قوله ﵊ في الأول "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك" كان أمرًا للزبير بالمعروف وأخذًا بالمسامحة وحُسْن الجوار لترك بعض حقه دون أن يكون حكمًا منه، فلما رأى ﵊ الأنصاري يجهل موضع حقه أمر ﷺ الزبير باستيفاء تمام
стр. 1643
حقه (فقال الزبير والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك (فلا وربك) أي فوربك ولا مزيدة لتأكيد القسم لا لتظاهر لا في قوله؟ (﴿لا يؤمنون﴾) لأنها تزاد أيضًا في الإثبات كقوله تعالى: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ [البلد: ١] (﴿حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾) [النساء: ٦٥] فيما اختلف بينهم واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه زاد في رواية شعيب ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت﴾ ضيقًا أي لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل شكا من أجله فإن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ويسلموا ينقادوا ويذعنوا لما تأتي به من قضائك لا يعارضونه بشيء وتسليمًا تأكيد للفعل بمنزلة تكريره كأنه قيل: وينقادوا لحكمه انقيادًا لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم وزاد في بعض النسخ هنا وهو في حاشية الفرع مقابل السند وعليه علامة السقوط لأبي ذر عن الحموي:
(قال محمد بن العباس) السلمي الأصبهاني من أقران البخاري وتأخر بعده توفي سنة ست وستين ومائتين. (قال أبو عبد الله) البخاري (ليس أحد يذكر عروة) بن الزبير (عن عبد الله) بن الزبير في إسناده (إلا الليث) بن سعد (فقط)، والقائل قال محمد بن العباس هو الفربري فإن أراد مطلقًا ورد عليه ما أخرجه النسائي وابن الجارود الإسماعيلي من طريق ابن وهب عن الليث ويونس جميعًا عن ابن شهاب أن عروة حدّثه عن أخيه عبد الله بن الزبير بن العوّام وإن أراد بقيد أنه لمن يقل فيه عن أبيه بل جعله من مسند عبد الله بن الزبير فمسلم فإن رواية ابن وهب فيها عن عبد الله عن أبيه.
قال في المقدمة قال الدارقطني: أخرج البخاري عن التنيسي عن الليث عن الزهري عن عروة عن عبد الله بن الزبير أن رجلاً خاصم الزبير الحديث وهو إسناد متصل لم يصله هكذا غير الليث عن الزهري ورواه غير الليث فلم يذكروا فيه عبد الله بن الزبير، وأخرجه البخاري من طريق معمر
أي كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الباب اللاحق ومن حديث ابن جريج بعد باب ومن حديث شعيب أي في الصلح كلهم عن الزهري عن عروة مرسلاً ولم يذكروا في حديثهم عبد الله بن الزبير كما ذكره الليث انتهى.
قال ابن حجر: وإنما أخرجه البخاري بالوجهين على الاحتمال لأن عروة صح سماعه من أبيه فيجوز أن يكون سمعه من أبيه وثبته فيه أخوه فالحديث كيفما دار فهو على ثقة، وقد اشتمل على أمر يتعلق بالزبير فدواعي أولاده متوفرة على ضبطه فاعتمد تصحيحه لهذه القرينة القوية، وقد وافق البخاري على تصحيح حديث الليث هذا مسلم وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان وغيرهم مع أن في سياق ابن الجارود له التصريح بأن عبد الله بن الزبير رواه عن أبيه وهي رواية يونس عن الزهري، وزعم الحميدي في جمعه أن الشيخين أخرجاه من طريق عروة عن أخيه عبد اللِّه عن أبيه وليس كما قال فإنه بهذا السياق في رواية يونس المذكورة ولم يخرجها من أصحاب الكتب الستة إلاّ النسائي وأشار إليها الترمذي خاصة انتهى.
٧ - باب شُرْبِ الأَعْلَى قَبْلَ الأَسْفَلِ
(باب شرب الأعلى قبل الأسفل) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قبل السفلي.
٢٣٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: "خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: إِنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ. فَقَالَ ﵇: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ يَبْلُغُ الْمَاءُ الْجَدْرَ ثُمَّ أَمْسِكْ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ فَأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير أنه (قال: خاصم الزبير) بن العوّام (رجل) بالرفع على الفاعلية ولأبي ذر خاصم الزبير رجلاً بالنصب على المفعولية (من الأنصار) قد سبق في الباب قبله ما قيل في اسمه زاد في الرواية السابقة في شراج الحرة التي يسقون بها النخل (فقال النبي ﷺ ¬):
(يا زبير اسق) بهمزة وصل أي شيئًا يسيرًا دون حقك (ثم أرسل) زاد الكشميهني الماء أي إلى جارك كما في الحديث السابق وهذا موضع الترجمة لأن إرسال الماء لا يكون إلا من الأعلى إلى الأسفل (فقال الأنصاري) له ﵊ (إنه) أي الزبير (ابن عمتك) صفية وهمزة إنه بالفتح والكسر والكسر في فرع اليونينية قال ابن مالك لأنها واقعة بعد كلام تام معلل بمضمون ما صدر بها فإذا كسرت قدّر قبلها الفاء وإذا
стр. 1644
فتحت قدّر قبلها اللام والكسر أجود.
قال في التنقيح ويمكن ترجيح الفاء بكونه كلامًا مستقلاً من متكلم آخر يبتدئ به كلامه وجاء الفتح لكونه علّة لما قبله قال وقوله أي ابن مالك إذا كسرت قدّر قبلها الفاء كلام مشكل لأن تقدير الفاء إنما يكون للتعليل والتعليل يقتضي الفتح لا الكسر.
قال في المصابيح: هذا كلام من لم يلم بفهم كلام القوم، وذلك أن الكسر منوط بكون المحل محل الجملة لا المفرد والفتح بكون المحل للمفرد لا للجملة، وأما التعليل فلا مدخل له من حيث خصوص التعليل لا في فتح ولا في غيره ولكنه رآهم يقولون في مثل أكرم زيدًا أنه فاضل بالفتح فتحت أن لإرادة التعليل مثلاً فظن أنه الموجب للفتح وليس كذلك، وإنما أرادوا فتحة أن لأجل أن لام الجر مرادة وهي في الواقع للتعليل فالفتح إنما هو لأجل أن حرف الجر مطلقًا لا يدخل إلا على مفرد ففتحت أن من حيث دخول اللام باعتبار كونها حرف جر لا باعتبار كونها للتعليل ولا بدّ ألا ترى أن حرف الجر المقدّر لو لم يكن للتعليل أصلاً لكانت أن مفتوحة ثم ليس كل حرف دل على التعليل تفتح أن معه وإنما قدر ابن مالك الفاء مع الكسر ليأتي بحرف دالّ على السببية ولا يدخل إلا على الجمل فيلزم كسر إن بعده ولا شك أن الفاء الوضوعة للسببية كذلك أي تختص بالجمل انتهى.
وقوله في فتح الباري: ولم يقرأ هنا إلا بالكسر وإن جاء الفتح في العربية فيه شيء فقد وجدت الفتح في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة وليس للحصر وجه فليتأمل.
(فقال ﵇ وفي نسخة: فقال- ﷺ (اسق يا زبير) بهمزة وصل (ثم يبلغ) ولأبوي ذر والوقت: حتى يبلغ (الماء الجدر) وسقط لأبوي ذر والوقت لفظ الماء (ثم أمسك) بهمزة قطع أي نفسك عن السقي (فقال) ولأبوي ذر والوقت قال (الزبير فأحسب هذه الأية نزلت في ذلك ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾) وتأتي صفة إرسال الماء من الأعلى إلى الأسفل في الباب اللاحق إن شاء الله تعالى.
٨ - باب شِرْبِ الأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ
(باب شرب الأعلى إلى الكعبين) بكسر الشين المعجمة لأبي ذر أي نصيب الأعلى.
٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: "أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ يَسْقِي بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ -فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ- ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ. فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ قَالَ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ -وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكِ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. قَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ: فَقَدَّرَتِ الأَنْصَارُ وَالنَّاسُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : «اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ» وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (محمد) ولأبي الوقت: هو ابن سلام قال: (أخبرنا مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام ولأبي ذر مخلد بن يزيد الحرّاني (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكي (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (أنه حدّثه أن رجلاً من الأنصار) هو حاطب أو حميد أو ثابت بن قيس كما مرّ (خاصم الزبير في شراج من الحرة) بكسر الشين المعجمة آخره جيم والحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء أي مجاري الماء الذي يسيل منها (يسقي بها) بفتح أوّله أي يسقي بالشراج ولأبي ذر ليسقي به أي بالماء (النخل فقال رسول الله ﷺ ¬):
(اسق يا زبير) بهمزة وصل (فأمره بالمعروف) من العادة الجارية بينهم في مقدار الشرب أو أمره بالقصد وهو الأمر الوسط وأن يترك بعض حقه وهذه الجملة المعترضة من كلام الراوي وضبط في جميع الروايات فأمره فعل ماضٍ وضبطه الكرماني بكسر الميم وتشديد الراء على أنه فعل أمر من الإمرار قال في الفتح وهو محتمل (ثم أرسل) أي الماء، ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني: ثم أرسله (إلى جارك) والهمزة مقطوعة (فقال الأنصاري آن كان) الزبير (ابن عمتك) صفية حكمت له بالتقديم وهمزة آن ممدودة في الفرع وقد مرّ ما فيها في باب سكر الأنهار فليراجع (فتلوّن) أي تغير (وجه رسول الله ﷺ من كلامه وجرأته على منصب النبوّة ولم يعاقبة لصبره على الأذى ومصلحة تألف الناس صلوات الله وسلامه عليه (ثم قال) ﵊ للزبير: (اسق) نخلك (ثم احبس) نفسك عن السقي (حتى يرجع الماء إلى الجدر واستوعى) بالعين وفي نسخة واستوفى ﵊ (له) أي للزبير (حقه) كاملاً أي استوفاه واستوعبه حتى كأنه جمعه كله في وعاء بحيث لم يترك منه شيئًا وكان أولاً
стр. 1645
أمره أن يسامح ببعض حقه فلما لم يرض الأنصاري استقصى الحكم وحكم به، وأما قول ابن الصباغ وغيره أنه لما لم يقبل الخصم ما حكم به أوّلاً ووقع منه ما وقع أمره أن يستوفي أكثر من حقه عقوبة للأنصاري لما كانت العقوبة بالأموال ففيه نظر لأن سياق الحديث يأبى ذلك لا سيما قوله: واستوعى للزبير حقه في صريح الحكم كما في رواية شعيب في الصلح ومعمر في التفسير فمجموع الطرق قد دلّ على أنه أمر الزبير أوّلاً أن يترك بعض حقه، وثانيًا أن يستوفيه وقول الكرماني تبعًا للخطابي، ولعل قوله واستوعى له حقه من كلام الزهري إذ عادته الإدراج فيه شيء لأن الأصل في الحديث أن يكون حكمه كله واحدًا حتى يرد ما بين ذلك ولا يثبت الإدراج بالاحتمال.
(فقال الزبير: والله إن هذه الآية أنزلت في ذلك ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥] وسقط قوله: فيما شجر بينهم لأبي ذر وقد جزم هنا بأن الآية نزلت في ذلك وشك فيما سبق قال أحسب وجمع بينهما بأن الشخص قد يشك ثم يتحقق الأمر عنده وبالعكس.
قال ابن جريج (قال) ولأبي ذر: فقال (لي ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (فقدّرت الأنصار والناس) من عطف العامّ على الخاص (قول النبي ﷺ ¬) أي للزبير.
(اسق ثم احبس) بهمزة وصل فيهما (حتى يرجع إلى الجدر وكان ذلك) أي قوله اسق الخ (إلى الكعبين) يعني قدروا الماء الذي يرجع إلى الجدر فوجدوه يبلغ الكعبين، وهذا هو الذي عليه الجمهور في سقي الأرض بالماء غير المختص إذا تزاحموا عليه وضاق عنهم فيسقي الأول فالأول فيحبس كل واحد الماء إلى أن يبلغ الكعبين لأنه ﷺ قضى بذلك في مسيل مهزور بفتح الميم وسكون الهاء وضم الزاي وبعد الواو الساكنة راء ومذينب بذال معجمة ونون مصغرًا واديان بالمدينة أن يمسك حتى الكعبين ثم يرسل الأعلى قبل الأسفل رواه مالك في الموطأ من مرسل عبد الله بن أبي بكر وله إسناد موصول في غرائب مالك للدارقطني من حديث عائشة وصححه الحاكم، وأخرجه أبو داود وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناده حسن.
وعن الماوردي الأولى التقدير بالحاجة في العادة لأن الحاجة تختلف باختلاف الأرض وباختلاف ما فيها من زرع وشجر وبوقت الزراعة ووقت السقي ثم يرسله الأول إلى الثاني، وهكذا فإن انخفض بعض من أرض الأعلى بحيث يأخذ فوق الحاجة قبل سقي المرتفع منها أفرد كلٌّ منهما بسقي بأن يسقي أحدهما ثم يسدّه ثم يسقي الآخر فإن احتاج الأول إلى السقي مرة أخرى قدم، أما إذا اتسع الماء فيسقي كل منهما متى شاء وهل الماء الذي يرسله هو ما يفضل عن الماء الذي حبسه، أو الجميع المحبوس وغيره بعد أن يصل إلى أرضه إلى الكعبين الذي ذكره أصحاب الشافعي؟ الأول وهو قول مطرف وابن الماجشون من المالكية، وقال ابن القاسم: يرسله كله ولا يحبس منه شيئًا، ورجح ابن حبيب الأول بأن مطرّفًا وابن الماجشون من أهل المدينة وبها كانت القصة فهما أقعد بذلك لكن ظاهر الحديث مع ابن القاسم لأنه قال: احبس الماء حتى يبلغ الجدر والذي يبلغ الجدر هو الماء الذي يدخل الحائط فمقتضى اللفظ أنه هو الذي يرسله بعد هذه الغاية، وزاد في رواية أبي ذر عن المستملي بعد قوله إلى الجدر الجدر هو الأصل وقد مرّ ما فيه قريبًا فليراجع والله الموفق والمعين.
٩ - باب فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ
(باب فضل سقي الماء) للمحتاج إليه.
٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَىٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي. فَمَلأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ
وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ". تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَالرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام الأعظم (عن سمي) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية زاد في المظالم مولى أبي بكر أي ابن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(بينا) بغير ميم (رجل) لم يسم (يمشي) وللدارقطني في الموطآت من طريق روح عن مالك: يمشي بفلاة وله من طريق ابن وهب عن مالك يمشي بطريق مكة (فاشتد عليه العطش)
стр. 1646
أي إذا اشتد فالفاء هنا وقعت موضع إذا كما وقعت إذا موضعها في قوله: ﴿إذا هم يقنطون﴾ [الروم: ٣٦] (فنزل بئرًا فشرب منها ثم خرج) من البئر (فإذا هو بكلب) حال كونه (يلهث) بفتح الهاء والشاء المثلثة أي يرتفع نفسه بين أضلاعه أو يخرج لسانه من العطش حال كونه (يأكل الثرى) بفتح المثلثة أي يكدم بفيه الأرض الندية (من العطش) وفي رواية الحموي والمستملي: من العطاش بضم العين كغراب. قال في القاموس: هو داء لا يروى صاحبه. وقال السفاقسي: داء يصيب الغنم تشرب فلا تروى، وهذا موضع ذكر هذه الرواية. وسها الحافظ ابن حجر فذكرها في فتح الباري، وتبعه العيني عند اشتداد العطش على الرجل وعبارته قوله: فاشتد عليه العطش كذا للأكثر وكذا هو في الموطأ، ووقع في رواية المستملي: العطاش. قال ابن التين: هو داء يصيب الغنم تشرب فلا تروى وهو غير مناسب هنا قال وقيل يصح على تقدير أن العطش يحدث عنه هذا الداء كالزكام.
قلت: وسياق الحديث يأباه فظاهره أن الرجل سقى الكلب حتى روي ولذلك جوزي بالمغفرة اهـ فتأمله.
(فقال) الرجل (لقد بلغ هذا) أي الكلب (مثل الذي بلغ بي) أي من شدّة العطش، وزاد ابن حبّان من وجه آخر عن أبي صالح: فرحمه، وقوله مثل بالرفع في فرع اليونينية والنسخة المقروءة على الميدومي وغيرهما مما وقفت عليه من الأصول المعتمدة. وحكاه ابن الملقن عن ضبط الحافظ الدمياطي على أنه فاعل بلغ. وقوله هذا مفعول به مقدّم، وقال الحافظ ابن حجر وتبعه العيني كالزركشي: مثل بالنصب نعت لمصدر محذوف أي بلغ مبلغًا مثل الذي بلغ بي. قال في المصابيح: وهذا لا يتعين لجواز أن يكون المحذوف مفعولاً به أي عطشًا.
وزاد أبو ذر هنا في روايته فنزل بئرًا (فملأ خفّه) ولابن حبان: فنزع إحدى خفّيه (ثم أمسكه بفيه) ليصعد من البئر لعسر المرتقى منها (ثم رقي) منها بفتح الراء وكسر القاف كصعد وزنًا ومعنى، ومقتضى كلام ابن التين أن الرواية رقى بفتح القاف وذلك أنه قال: ثم رقى كذا وقع وصوابه رقي على وزن علم ومعناه صعد. قال تعالى: ﴿أو ترقى في السماء﴾ [الإسراء: ٩٣] وأما رقى بفتح
القاف فمن الرقية وليس هذا موضعه وخرّجه على لغة طيئ في مثل بقي يبقى ورضي يرضى يأتون بالفتحة مكان الكسرة فتنقلب الياء ألفًا وهذا دأبهم في كل ما هو من هذا الباب انتهى.
قال العلاّمة البدر الدماميني: ولعل المقتضي لإيثار الفتح هنا إن صح قصد المزاوجة بين رقى وسقى وهي من مقاصدهم التي يعتمدون فيها تغيير الكلمة عن وضعها الأصلي انتهى.
(فسقى الكلب) زاد عبد الله بن دينار عن أبي صالح فيما سبق في كتاب الوضوء: حتى أرواه أي جعله ريان (فشكر الله له) أثنى عليه أو قبل عمله ذلك أو أظهر ما جازاه به عند ملائكته (فغفر له) وفي رواية عبد الله بن دينار: "فأدخله الجنة" بدل قوله: "فغفر له".
(قالوا) أي الصحابة وسمي منهم سراقة بن مالك بن جعشم فيما رواه أحمد وابنا ماجة وحبان (يا رسول الله) الأمر كما ذكرت (وإن لنا في) سقي (البهائم) أو الإحسان إليها (أجرًا) أتوا بالاستفهام المؤكد للتعجب (قال) ﵊ (في) إرواء (كل) ذي (كبد) بفتح الكاف وكسر الموحدة ويجوز سكونها وكسر الكاف وسكون الموحدة (رطبة) برطوبة الحياة من جميع الحيوانات أو هو الحيوانات أو هو من باب وصف الشيء باعتبار ما يؤول إليه فيكون معناه في كل كبد حرى لمن سقاها حتى تصير رطبة (أجر) بالرفع مبتدأ قدم خبره، والتقدير: أجر حاصل أو كائن في إرواء كل ذي كبد حي في جميع الحيوانات، لكن قال النووي: إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم وهو ما لم يؤمر بقتله فيحصل الثواب بسببه ويلتحق به إطعامه.
وفي هذا الحديث الحثّ على الإحسان وأن الماء من أعظم القربات، وعن بعض الصالحين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء، وأخرجه أيضًا في المظالم والأدب ومسلم في الحيوان وأبو داود في الجهاد.
(تابعه حماد بن سلمة) بفتح السين المهملة واللام (والربيع) بفتح الراء وكسر
стр. 1647
الموحدة (ابن مسلم) بكسر اللام المخففة البصري (عن محمد بن زياد) وسقطت هذه المتابعة من بعض النسخ.
٢٣٦٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَقَالَ: دَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ -حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ- تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ. قَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا".
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي قال: (حدّثنا نافع بن عمر) بن عبد الله بن الجمحي المكي (عن ابن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة واسمه زهير بن عبد الله الأحول المكي (عن أسماء بنت أبي بكر) الصديق (﵄ أن النبي ﷺ صلّى صلاة الكسوف فقال) أي بعد أن انصرف منها
(دنت) أي قربت (مني النار حتى قلت أي رب) بفتح الهمزة حرف نداء (وأنا معهم) بحذف همزة الاستفهام تقديره أو أنا معهم وفيه تعجب وتعجيب واستبعاد من قربه من أهل النار كأنه استبعد قربهم منه وبينه وبينهم كبعد المشرقين (فإذا امرأة) لم تسم لكن في مسلم أنها امرأة من بني إسرائيل، وفي أخرى له إنها حميرية وحمير قبيلة من العرب وليسوا من بني إسرائيل. قال نافع بن عمر: (حسبت أنه) أي ابن أبي مليكة أو قالت أسماء: حسبت أنه أي النبيّ ﷺ (قال تخدشها) بشين معجمة بعد الدال المهملة المكسورة أي تقشر جلدها (هرة) بالرفع على الفاعلية (قال) ﵊، وفي باب: ما يقرأ بعد التكبير قلت (ما شأن هذه)؟ أي المرأة (قالوا حبستها حتى ماتت جوعًا) وتقدم هذا الحديث بأتم من هذا في أوائل صفة الصلاة.
٢٣٦٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، قَالَ: فَقَالَ: -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-: لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِيهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ».
[الحديث ٢٣٦٥ - طرفاه في: ٣٣١٨، ٣٤٨٢].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(عذبت امرأة) بضم العين وكسر المعجمة مبنيًّا للمفعول (في) شأن (هرة) أو بسبب هرة واحتج به ابن مالك على ورود في للسببية (حبستها حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها) أي بسببها (النار قال) أي النبي ﷺ (فقال) الله أو مالك خازن النار (والله أعلم) جملة معترضة بين قوله فقال وقوله (لا أنت أطعمتيها) بإشباع كسرة التاء ياء كذا في رواية المستملي والكشميهني وفي رواية الحموي أطعمتها بدون إشباع (ولا سقيتيها حين حبستيها) بإشباع كسرة التاء فيهما ياء وفي اليونينية حذف الياء من سقيتيها (ولا أنت أرسلتيها) بإشباع كسرة التاء ياء ولأبي ذر أرسلتها بغير إشباع وسقط في نسخة لفظ أنت (فأكلت) وللكشميهني: فتأكل (من خشاش الأرض) حشراتها. وحكى الزركشي تثليث الخاء المعجمة. وقال في المصابيح ليس فيه تصريح بأن الرواية بالتثليث ولم أتحقق ذلك فيبحث عنه انتهى.
قلت: كذا هو بالتثليث في فرع اليونينية، وقد سبق الزركشي إلى حكاية التثليث صاحب المشارق، لكن قال النووي: إن الفتح أشهر.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أن هذه المرأة لما حبست الهرة إلى أن ماتت الهرة جوعًا وعطشًا فاستحقت هذا العذاب فلو كانت سقتها لم تعذب، ومن هنا يعلم فضل سقي الماء وهل كانت هذه المرأة كافرة أو مؤمنة؟ قال القرطبي: كلاهما محتمل. وقال النووي: الصواب أنها كانت مسلمة وأنها دخلت النار بسبب الهرة كما هو ظاهر الحديث، وهذه المعصية ليست صغيرة بل صارت
بإصرارها كبيرة، وليس في هذا الحديث أنها تخلد في النار، وقد أخرجه مسلم في الأدب وفي الحيوان.
١٠ - باب مَنْ رَأَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَوْضِ وَالْقِرْبَةِ أَحَقُّ بِمَائِهِ
(باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه) من غيره.
٢٣٦٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: "أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: يَا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد العزيز عن) أبيه (أبي حازم) سلمة بن دينار المدني (عن سهل بن سعد) الساعدي الأنصاري الخزرجي المتوفى سنة ثمان وثمانين أو بعدها وقد جاوز المائة (﵁) أنه (قال أُتي رسول الله ﷺ ¬) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بقدح) فيه ماء (فشرب) زاد في باب الشرب: منه (وعن يمينه غلام هو) ولأبي ذر: وهو (أحدث القوم) سنًّا وكان مولده قبل الهجرة بثلاث سنين ﵁ (والأشياخ عن يساره) ﷺ وكان فيهم خالد بن الوليد (قال) ﵊ ولأبي الوقت فقال أي لابن عباس:
(يا غلام أتأذن لي أن
стр. 1648
أعطي الأشياخ) القدح ليشربوا (فقال) ابن عباس: (ما كنت لأُوثر بنصيبي منك أحدًا يا رسول الله فأعطاه) ﵊ (إياه).
قال المهلب: لا مناسبة بين الحديث والترجمة إذ لا دلالة فيه على أن صاحب الماء أحق به وإنما فيه أن الأيمن أحق.
وأجاب ابن المنير بأن استدلال البخاري ألطف من ذلك لأنه إذا استحقه الأيمن بالجلوس واختص به فكيف لا يختص به صاحب اليد المتسبب في تحصيله؟ وتعقبه العيني فقال: فيه نظر لأن الفرق ظاهر بين الاستحقاقين فاستحقاق الأيمن غير لازم حتى إذا منع ليس له الطلب الشرعي بخلاف صاحب اليد.
وأجاب في فتح الباري: بأن مناسبته من حيث إلحاق الحوض والقربة بالقدح فكان صاحب القدح أحق بالتصرف فيه شربًا وسقيًا، وتعقبه في عمدة القاري فقال: إن كان مراده القياس عليه فغير صحيح لما تقدم، وإن كان مراده من الإلحاق أن صاحب القدح مثل صاحب القربة في الحكم فليس كذلك على ما لا يخفى قال وقوله فكان صاحب القدح أحق بالتصرف فيه شربًا وسقيًا لا يخلو أن يقرأ قوله: فكأن بكاف التشبيه دخلت على أن بفتح الهمزة أو كان بلفظ الماضي من الأفعال
الناقصة وأيًّا ما كان ففساده ظاهر يعرف بالتأمل، لكن قد يقال: إن صاحب الحوض مثل صاحب القدح في مجرد الاستحقاق مع قطع النظر عن اللزوم وعدمه انتهى.
وهذا الحديث قد مرّ في باب الشرب.
٢٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَذُودَنَّ رِجَالاً عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد الشين المعجمة أبو بكر بندار قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر البصري ربيب شعبة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن زياد) القرشي الجمحي المدني أنه قال: (سمعت أبا هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(و) الله (الذي نفسي بيده) بقدرته (لأذودن) بهمزة مفتوحة فذال معجمة مضمومة ثم واو ساكنة ثم دال مهملة أي لأطردن (رجالاً عن حوضي) المستمد من نهر الكوثر (كما تذاد) تطرد الناقة (الغريبة من الإبل عن الحوض) إذا أرادت الشرب والحكمة في الذود المذكور أنه ﷺ يريد أن يرشد كل أحد إلى حوض نبيه على ما سيجيء إن شاء الله تعالى في ذكر الحوض من كتاب الرقاق: إن لكل نبي حوضًا أو أن المذودين هم المنافقون أو المبتدعون أو المرتدون الذين بدلوا.
ومناسبته للترجمة في قوله حوضي فإنه يدل على أنه أحق بحوضه وبما فيه.
وهذا الحديث ذكره المؤلّف معلقًا، وأخرجه مسلم موصولاً في فضائل النبي ﷺ .
٢٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ- لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا. وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ. قَالُوا نَعَمْ".
[الحديث ٢٣٦٨ - أطرافه في: ٢٣٦٢، ٣٣٦٣، ٣٣٦٤، ٣٣٦٥].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (عبد الله بن محمد) المسندي بفتح النون قال: (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين وسكون العين ابن راشد (عن أيوب) السختياني (وكثير بن كثير) بالمثلثة فيهما ابن المطلب بن أبي وداعة السهمي الكوفي (يزيد أحدهما على الآخر) قال صاحب الكواكب: كلٌّ منهما مزيد ومزيد عليه باعتبارين (عن سعيد بن جبير) أنه (قال: قال ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ ¬):
(يرحم الله أُم إسماعيل) هاجر (لو تركت زمزم) لما ضرب جبريل موضعها بعقبه حتى ظهر ماؤها ولم تحوضه (أو قال) ﵊ (لو لم تغرف من الماء) إلى القربة والشك من الراوي (لكانت عينًا معينًا) بفتح الميم أي ظاهرًا جاريًا على وجه الأرض لأن ظهورها نعمة من لله محضة بغير عمل عامل فلما خالطها تحويض هاجر داخلها كسب البشر فقصرت على ذلك (وأقبل جرهم) بضم الجيم وسكون الراء حيّ من اليمن وهو ابن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح (فقالوا) لأُم إسماعيل (أتأذنين) لنا (أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولا حق لكم في الماء. قالوا: نعم) بفتح العين وفي لغة كنانة وهذيل كسرها وهي حرف تصديق ووعد وإعلام، فالأول بعد الخبر كقام زيد أو ما قام زيد، والثاني بعد أفعل ولا تفعل وما في معناهما نحو هلاّ تفعل وهلاّ لم تفعل وبعد الاستفهام في نحو: هل تعطيني، والثالث المتعين بعد الاستفهام في نحو: هل جاءك زيد، ونحو: ﴿فهل وجدتم ما وعد
стр. 1649
ربكم حقًّا﴾ [الأعراف: ١٤٤] ولم يذكر سيبويه معنى الإعلام البتّة بل قال: وأما نعم فعدة وتصديق، وأما بلى فيوجب بها بعد النفي وكأنه رأى أنه إذا قيل هل قام زيد؟ فقيل: نعم فهي لتصديق ما بعد الاستفهام والأولى ما ذكرناه من أنها للإعلام إذ لا يصح أن يقال لقائل ذلك صدقت لأنه إنشاء لا خبر، وليعلم أنه إذا قيل: قام زيد فتصديقه نعم وتكذيبه لا ويمتنع دخول بلى لعدم النفي، وإذا قيل ما قام زيد فتصديقه نعم وتكذيبه بلى، ومنه: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى﴾ [التغابن: ٧] ويمتنع دخول لا لأنها لنفي الإثبات لا لنفي النفي، وإذا قيل أقام زيد فهو مثل قام زيد أعني إنك إذا أثبت القيام نعم، وإذا نفيته لا. ويمتنع دخول بلى. وإذا قيل: ألم يقم زيد فهو مثل لم يقم زيد فتقول إن أثبت القيام بلى ويمتنع دخول لا وإن نفيته قلت نعم. قال تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وعن ابن عباس أنه لو قيل: نعم في جواب ﴿ألست بربكم﴾ كان كفرًا، والحاصل أن بلى لا تأتي إلا بعد نفي وأن لا لا تأتي إلا بعد إيجاب وأن نعم تأتي بعدها، وإنما جاز ﴿بلى وقد جاءتك آياتي﴾ [الزمر: ٥٩] مع أنه لم تتقدم أداة نفي لأن: ﴿لو أن الله هداني﴾ [الزمر: ٥٧] يدل على نفي هدايته ومعنى الجواب حينئذٍ بلى قد هديتك بمجيء الآيات أي قد أرشدتك بذلك.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في أحاديث الأنبياء والنسائي في المناقب.
٢٣٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهْوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ».
قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -غَيْرَ مَرَّةٍ- عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (عبد الله بن محمد) البخاري المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ثلاثة) من الناس (لا يكلمهم الله يوم القيامة) عبارة عن غضبه عليهم وتعريض بحرمانهم حال مقابلتهم في الكرامة والزلفى من الله، وقيل: لا يكلمهم بما يحبون ولكن بنحو قوله: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (ولا ينظر إليهم) نظر رحمة أولهم (رجل حلف على سلعة) ولأبي ذر: على سلعته (لقد أعطى) بفتح الهمزة والطاء لمن اشتراها منه (بها) أي بسببها ولأبي ذر: أعطي بضم الهمزة وكسر الطاء مبنيًّا للمفعول أي أعطاه من يريد شراءها (أكثر مما أعطى) بفتح الهمزة والطاء أي دفع له أكثر مما أعطى زيد الذي استامه (وهو كاذب) جملة حالية (و) الثاني (رجل حلف على يمين كاذبة) أي محلوف فسمى يمينًا مجازًا للملابسة بينهما والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه وإلاّ فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه فيكون من مجاز الاستعارة (بعد العصر) قال الخطابي: خصّ وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة كل وقت لأن الله عظّم هذا الوقت، وقد روي أن الملائكة تجتمع فيه وهو ختام الأعمال والأمور بخواتيمها فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها (ليقتطع بها مال رجل مسلم) أي ليأخذ قطعة من ماله (و) الثالث (رجل منع فضل ماء) زائد عما يحتاج إليه ولأبي ذر فضل مائه (فيقول الله اليوم أمنعك فضلي) بضم العين (كما منعت فضل ما لم تعمل يداك).
(قال عليّ) هو ابن المديني: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (غير مرة عن عمرو) هو ابن دينار أنه (سمع أبا صالح) ذكوان السمان (يبلغ به النبي) أي يرفع أبو صالح الحديث إلى النبي (¬ ﷺ ¬) فيه إشارة إلى أن سفيان كان يرسل هذا الحديث كثيرًا ولكنه صحح الموصول لكونه سمعه من الحفاظ موصولاً، وقد أخرجه أيضًا عمرو الناقد فيما أخرجه عنه عن سفيان.
ومناسبة الحديث للترجمة من حيث أن المعاقبة وقعت على منع الفضل فدلّ على أنه أحق بالأصل، وقد مضى هذا الحديث في باب: إثم من منع ابن السبيل من الماء.
١١ - باب لَا حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ -
هذا (باب) بالتنوين (لا حمى إلا لله ولرسوله ﷺ ¬) الحمى بكسر الحاء وفتح الميم من غير تنوين
مقصورًا وهو لغة المحظور واصطلاحًا ما يحمي الإمام من الموات لمواشٍ بعينها ويمنع سائر الناس الرعي فيه.
٢٣٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
قَالَ: «لَا حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ». وَقَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ.
[الحديث ٢٣٧٠ - طرفه في: ٣٠١٣].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حدّثنا الليث) بن سعد (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله
стр. 1650
بن عتبة) بضم العين وسكون التاء (عن ابن عباس ﵄ أن الصعب بن جثامة) بفتح الصاد المهملة وسكون العين وجثامة بفتح الجيم وتشديد المثلثة الليثي (قال: إن رسول الله ﷺ قال):
(لا حمى) لأحد يخص نفسه به يرعى فيه ماشيته دون سائر الناس (إلا لله) (ولرسوله) ومن قام مقامه ﵊ وهو الخليفة خاصة، إذا احتيج إلى ذلك لمصلحة المسلمين كما فعل العمران وعثمان ﵃، وإنما يحمي الإمام ما ليس بمملوك كبطون الأودية والجبال والموات.
وفي النهاية قيل: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا في حيّه استعوى كلبًا فحمى مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون فيه فنهى النبي ﷺ عن ذلك وأضاف الحمى إلى الله ورسوله أي إلا ما يحمى للخيل التي ترصد للجهاد والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله تعالى وإبل الزكاة وغيرها.
(وقال) أي ابن شهاب بالسند السابق مرسلاً (بلغنا) ولأبي ذر وقال أبو عبد الله أي البخاري بلغنا (أن النبي ﷺ حمى النقيع) بفتح النون وكسر القاف وبعد التحتية الساكنة عين مهملة وهو موضع على عشرين فرسخًا من المدينة وقدره ميل في ثمانية أميال كما ذكره ابن وهب في موطئه، وهو في الأصل كل موضع يستنقع فيه الماء أي يجتمع فإذا نضب الماء نبت فيه الكلأ وهو غير نقيع الخضمات، وقد توهم رواية أبي ذر حيث قال: وقال أبو عبد الله بلغنا أنه من كلام المؤلّف وإنما الضمير المرفوع في بلغنا يرجع إلى الزهري كما صرح به أبو داود.
(وأن عمر) بن الخطاب ﵁ (حمى السرف) بفتح السين المهملة والراء كذا في فرعين لليونينية كهي، وفي النسخة المقروءة على الميدومي وغيرها السرف بكسر الراء ككتف موضع قرب التنعيم، وذكر القاضي عياض أنه الذي عند البخاري، وقال الدمياطي: إنه خطأ، وفي نسخة بالفرع وأصله الشرف بفتح الشين المعجمة والراء وهو كذلك في بعض الأصول المعتمدة وهو الذي في موطأ ابن وهب، ورواه بعض رواة البخاري أو أصلحه وهو الصواب وأما سرف فلا يدخله الألف واللام كما قاله القاضي عياض (والربذة) بفتح الراء والموحدة والمعجمة موضع معروف بين الحرمين وقوله وأن عمر الخ … عطف على الأول وهو من بلاغ الزهري أيضًا. وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة.
وحديث الباب أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد وأبو داود في الخراج والنسائي في الحمى والسِّيَر.
١٢ - باب شُرْبِ النَّاسِ وسقيِ الدَّوَابِّ مِنَ الأَنْهَارِ
(باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار).
٢٣٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ بِهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، فَهِيَ لِذَلِكَ أَجْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ. وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ فَقَالَ: مَا أُنْزِلَ عَلَىَّ فِيهَا شَىْءٌ إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
[الحديث ٢٣٧١ - أطرافه في: ٢٨٦٠، ٣٦٤٦، ٤٩٦٢، ٤٩٦٣، ٧٣٥٦].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك بن أنس) الإمام (عن زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر المدني (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(الخيل لرجل أجر) أي ثواب (ولرجل ستر) أي ساتر لفقره ولحاله (وعلى رجل وزر) أي إثم ووجه الحصر في هذه أن الذي يقتني الخيل إما أن يقتنيها للركوب أو للتجارة وكلٌّ منهما إما أن يقترن به فعل طاعة الله وهو الأول أو معصيته وهو الأخير أو يتجرد عن ذلك وهو الثاني (فأما) الأول (الذي) هي (له أجر فرجل ربطها في سبيل الله) أي أعدّها للجهاد (فأطال بها) ولأبي ذر: لها باللام بدل الموحدة (في مرج) بفتح الميم وبعد الراء الساكنة جيم أرض واسعة فيها كلأ كثير (أو روضة) شك من الراوي (فما أصابت في طيلها ذلك) بكسر الطاء المهملة وبعد التحتية المفتوحة لام الحبل الذي يربط به ويطوّل لها لترعى ويقال طول بالواو المفتوحة بدل الياء (من المرج أو الروضة كانت له) أي لصاحبها، ولأبي ذر: كان لها (حسنات) بالنصب (ولو أنه انقطع طيلها فاستنت) بفتح الفوقية وتشديد النون أي عدت بمرح ونشاط أي رفعت يديها وطرحتهما معًا (شرفًا أو شرفين) بالشين المعجمة المفتوحة والفاء فيهما أي شوطًا أو شوطين وسمي به لأن المغازي يشرف على
следующие страницы →