Полный текст (4 743 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
بها) بفتح التحتية وسكون الفوقية وضم الجيم وتكسر (وجعل ربحه) أي ربح المال المتجر به (صدقة للمساكن والأقربين هل للرجل) الجاعل (أن يأكل من ربح ذلك الألف شيئًا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: تلك الألف بالتأنيث وهو ظاهر ووجه التذكير باعتبار اللفظ (وإن لم يكن جعل ريحها صدقة) شرط على سبيل المبالغة يعني هل له أن يأكل وإن لم يجعل ربحها صدقة (في المساكين؟ قال) الزهري: (ليس له أن يأكل منها) وإن لم يجعل.
٢٧٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَعْطَاهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهُ فَحَمَلَ عَلَيْهَا رَجُلاً، فَأُخْبِرَ عُمَرُ أَنَّهُ قَدْ وَقَفَهَا يَبِيعُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْتَاعَهَا، فَقَالَ: لَا تَبْتَعْهَا وَلَا تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر العمري (قال: حدّثني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر ﵄ أن) أباه (عمر حمل على فرس له في سبيل الله) فيه حذف المفعول أي حمل رجلاً على فرس، والمعنى أنه وهبه إياه وجعله مركوبًا له ليقاتل عليه في سبيل الله (أعطاها رسول الله) برفع رسول وفي اليونينية بالنصب (¬ ﷺ له ليحمل عليها رجلاً) ولأبي ذر فحمل أي عمر عليها (فأخبر عمر) عن الرجل (أنه قد وقفها) بفتح القاف مخففة (يبيعها فسأل رسول الله ﷺ أن يبتاعها) من الرجل (فقال) ﵊ له:
(لا تبتعها) بسكون العين مجزومًا على النهي للتنزيه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لا تبتاعها بألف قبل العين ورفعها (ولا ترجعن) بنون التأكيد الثقيلة (في صدقتك).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: حمل على فرس في سبيل الله. قال العيني: وفيه نظر لأنه إنما تصدق به على الرجل من غير أن يقفه، ويدل لذلك أنه أراد بيعه ولم ينكر عليه ذلك ولو كان حمل تحبيس لم يبع إلا أن يحمل على أنه انتهى إلى حال لا ينتفع به فيما حبس عليه لكن ليس في اللفظ ما يشعر به، ويدل لذلك أيضًا قوله: ولا تعد في صدقتك ولو كان تحبيسًا ووقفًا لعلل به دون الهبة.
وهذا الحديث قد سبق في كتاب الهبة.
٣٢ - باب نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ
٢٧٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، مَا تَرَكْتُ -بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمؤُونَةِ عَامِلِي- فَهْوَ صَدَقَةٌ».
[الحديث ٢٧٧٦ - طرفاه في: ٣٠٩٦، ٦٧٢٩].
(باب نفقة القيم للوقف) ولأبي ذر عن الحموي: نفقة بقية الوقف. قال في الفتح: والأول أظهر لأن المراد أجرة القيم وهو العامل على الوقف.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(لا يقتسم) بالجزم على النهي، ولأبي ذر: لا يقتسم بالرفع على الخبر (ورثتي دينارًا) زاد أبو ذر عن الكشميهني ولا درهمًا وتوجيه الرفع أنه ﷺ لم يترك مالاً يورث عنه، وأما النهي فعلى تقدير أن يخلف شيئًا فنهاهم عن قسمته إن اتفق أنه يخلفه وسماهم ورثة مجازًا وإلا فقد قال: إنّا معاشر الأنبياء لا نورث (ما تركت بعد نفقة نسائي) احتج له ابن عيينة فيما قاله الخطابي بأنهن في معنى المعتدات لأنهن لا يجوز لهن أن ينكحن أبدًا فجرت لهن النفقة وتركت حجرهن لهن يسكنها (ومؤونة عاملي فهو صدقة) بالجر عطفًا على نفقة نسائي وهو القيم على الأرض أو الخليفة بعده ﵊ ففيه دليل على مشروعية أجرة العامل على الوقف.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الفرائض ومسلم في المغازي وأبو داود في الخراج.
٢٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ وَيُؤكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالاً".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البغلاني قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد بن درهم (عن أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر ﵄) (أن) أباه (عمر اشترط في وقفه) الأرض التي أصابها بخيبر (أن يأكل من وليه) أي الوقف (ويؤكل) أي يطعم (صديقه) منه حال كونه (غير متموّل) أي متخذ منه (مالاً).
وهذا الحديث قد سبق قريبًا، ومطابقته للترجمة هنا في قوله: اشترط إلخ.
٣٣ - باب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِئْرًا وَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ
وَأَوْقَفَ أَنَسٌ دَارًا، فَكَانَ إِذَا قَدِمَهَا نَزَلَهَا. وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدُورِهِ، وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ: أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ. وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الْحَاجَةِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقف) شخص (أرضًا أو بئرًا واشترط) ولأبي ذر: أو اشترط (لنفسه مثل دلاء المسلمين) هل يجوز أم لا؟
(وأوقف) بالهمز لغية ولأبي ذر: ووقف (أنس) هو ابن مالك (دارًا) بالمدينة (فكان إذا قدم) المدينة مارًّا بها للحج وفي نسخة باليونينية إذا قدمها (نزلها) وهذا
стр. 1927
وصله البيهقي.
(وتصدق الزبير) بن العوّام فيما وصله الدارمي في مسنده (بدوره وقال للمردودة) أي المطلقة (من بناته أن تسكن) بفتح الهمزة أي لأن تسكن حال كونها (غير مضرة) بكسر الضاد اسم فاعل للمؤنث من الضرر (ولا مضر بها) بفتح الضاد اسم مفعول (فإن استغنت بزوج فليس لها حق) في السكنى.
ومطابقة هذا لما ترجم به من جهة أن البنت قد تكون بكرًا فتطلق قبل الدخول فتكون مؤنتها على أبيها فيلزمه إسكانها فإذا أسكنها في وقفه فكأنه اشترط على نفسه رفع كلفة.
(وجعل ابن عمر نصيبه) الذي خصّه (من دار) أبيه (عمر) التي تصدّق بها وقال لا تباع ولا نوهب (سكنى لذوي الحاجة) بالإفراد ولأبي ذر عن الحموي والمسلملي لذوي الحاجات (من آل عبد الله) كبارهم وصغارهم وهذا وصله ابن سعد بمعناه.
٢٧٧٨ - وَقَالَ عَبْدَانُ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: "أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ حَيْثُ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ اللهَ، وَلَا أَنْشُدُ إِلاَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَحَفَرْتُهَا؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَجَهَّزْتهُ؟ قَالَ: فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ. وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ، وَقَدْ يَلِيهِ الْوَاقِفُ وَغَيْرُهُ، فَهْوَ وَاسِعٌ لِكُلٍّ".
(وقال عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي فيما وصله الدارقطني والإسماعيلي وغيرهما (أخبرني) بالإفراد (أبي) هو عثمان (عن شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي القاري (أن عثمان) بن عفان (﵁ حيث) ولأبي ذر عن الكشميهني: حين (حوصر) أي لما حاصره أهل مصر في
داره لأجل تولية عبد الله بن سعد بن أبي سرح واجتمع الناس (أشرف عليهم وقال: أنشدكم الله) زاد النسائي من رواية ثمامة بن حرب عن عثمان والإسلام وفي روايته أيضًا من طريق الأحنف أنشدكم بالله الذي لا إله إلاّ هو وسقط لفظ الجلالة هنا عند غير أبي ذر (ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال): (من حفر رومة فله الجنة فحفرتها) المشهور أن اشتراها لا أنه حفرها كما في الترمذي بلفظ: هل تعلمون أن رسول الله ﷺ ،- قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال: "من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي الحديث. وعند النسائى أنه اشتراها بعشرين ألفًا أو بخمسة وعشرين ألفًا، لكن روى البغوي الحديث في الصحابة بلفظ: وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة وإذا كانت عينًا فيحتمل أن يكون عثمان حفر فيها بئرًا أو كانت العين تجري إلى بئر فوسعها عثمان أو طواها فنسب حفرها إليه قاله في فتح الباري.
(ألستم تعلمون أنه) ﷺ (قال): (من جهز جيش العسرة) بضم العين وسكون السين المهملتين وهي غزوة تبوك (فله الجنة فجهزتهم) ولأبي ذر عن الكشميهني فجهزته (قال: فصدقوه بما قال) والضمير للصحابة.
وروى النسائي من طريق الأحنف بن قيس أن الذين صدقوه هم عليّ بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص.
(وقال عمر) بن الخطاب ﵁ فيما سبق موصولاً (في وقفه) تلك الأرض (لا جناح) لا إثم (على من وليه) من ناظر ومتحدّث (أن يأكل) أي منه بالمعروف قال البخاري (وقد يليه) أي الوقف (الواقف وغيره فهو واسع لكلٍّ) من الواقف وغيره، وقد استدلّ المؤلّف بما ذكره على جواز اشتراط الواقف لنفسه منفعة من وقفه وهو مقيد بما إذا كانت المنفعة عامّة كالصلاة في بقعة جعلها مسجدًا والشرب من بئر وقفها، وكذا كتاب وقفه على المسلمين للقراءة فيه ونحوها وقدر للطبخ فيها وكيزان للشرب ونحو ذلك، والفرق بين العامة والخاصة أن العامة عادت إلى ما كانت عليه من الإباحة بخلاف الخاصة.
٣٤ - باب إِذَا قَالَ الْوَاقِفُ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ فَهْوَ جَائِزٌ
٢٧٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ، قَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ".
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال الواقف لا نطلب ثمنه إلا إلى الله فهو جائز).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد العنبري مولاهم التنوري (عن أبي التياح) يزيد بن حميد الضبعي (عن أنس ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬) لما أراد بناء مسجده:
(يا بني النجار ثامنوني) بالمثلثة أي ساوموني "حائطكم" ببستانكم (قالوا لا نطلب ثمنه إلا إلى الله) أي منه ولا يصير الملك
стр. 1928
وقفًا بقول مالكه لا أطلب ثمنه إلا إلى الله، لكن أجاب ابن المنير بأن مراد البخاري أن الواقف يصح بأي لفظ دلّ عليه إما بمجرده أو بقرينة اهـ.
وألفاظ الواقف صريحة كوقفت كذا وحبست وسبلت أو أرضي موقوفة أو محبسة أو مسبلة، وكناية كحرمت هذه البقعة للمساكين أو أبدتها، أو داري محرمة أو مؤيدة، ولو قال تصدقت به على المساكين ونوى الوقف فوجهان: أصحهما أن النية تلتحق باللفظ ويصير وقفًا وإن أضاف إلى معين فقال تصدقت عليك، أو قاله لجماعة معينين لم يكن وقفًا على الصحيح بل ينفذ فيما هو صريح فيه وهو التمليك المحض، ولو قال: جعلت هذا المكان مسجدًا صار مسجدًا على الأصح لإشعاره بالمقصود واشتهاره فيه.
٣٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨]. الأَوْلَيَانِ وَاحِدُهُمَا أَوْلَى، وَمِنْهُ: أَوْلَى بِهِ. عُثِرَ: ظُهرَ. أَعْثَرْنَا: أَظْهَرْنَا.
(باب) بيان سبب نزول (قول الله تعالى) ولأبي ذر (﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾) أي شهادة اثنين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو التقدير فيما أمرتم شهادة بينكم والمراد بالشهادة الإشهاد وأضافها إلى الظرف على الاتساع (﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾) أحدكم نصب على المفعولية وإذا حضر ظرف للشهادة وحضور الموت مشارفته وظهور أمارات بلوغ الاجل (﴿حين الوصية﴾) بدل من إذا حضر قال في الكشاف: وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية وأنها من الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها وخبر المبتدأ الذي هو شهادة بينكم
قوله (﴿اثنان﴾) وجوّز الزمخشري أن يكون اثنان فاعل شهادة بينكم على معنى فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان (﴿ذوا عدل﴾) أي أمانة وعقل (﴿منكم﴾) من المسلمين أو من أقاربكم (﴿أو آخران من غيركم﴾) من غير المسلمين يعني أهل الكتاب عند فقد المسلمين أو من غير أقاربكم (﴿إن أنتم ضربتم في الأرض﴾) أي سافرتم فيها (﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾) أي قاربتموها وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميّين عند فقد المسلمين أن يكون ذلك في سفر وأن يكون في وصية، وهذا مروي عن الإمام أحمد وهو من أفراده وخالفه الأئمة الثلاثة في ذلك وإن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقد أجمعوا على ردّ شهادة الفاسق والكافر شر من الفاسق نعم جوّز أبو حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض (﴿تحبسونهما﴾) تمسكونهما لليمين ليحلفًا (﴿من بعد الصلاة﴾) صلاة العصر أو صلاة أهل دينهما (﴿فيقسمان﴾) فيحلفان (﴿بالله إن ارتبتم﴾) أي ظهرت لكم ريبة من اللذين ليسا من أهل ملّتكم إنهما خانا فيحلفان حينئذٍ بالله (﴿لا نشتري به﴾) بالقسم (﴿ثمنًا﴾) لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة (﴿ولو كان﴾) المشهود عليه (﴿ذا قربى﴾) أي قريبًا إلينا وجوابه محذوف أي لا نشتري (﴿ولا نكتم شهادة الله﴾) أي الشهادة التي أمر الله بإقامتها (﴿إنّا إذًا لمن الآثمين﴾) إن كتمناها (﴿فإن عُثر﴾) فإن اطلع (﴿على أنهما﴾) أي الشاهدين (﴿استحقا إثمًا﴾) أي استوجباه بالخيانة والحنث في اليمين (﴿فآخران﴾) فشاهدان آخران من قرابة الميت (﴿يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم﴾) الإثم أي فيهم ولأجلهم وهم ورثة الميت استحق الحالفان بسببهم الإثم فعلى بمعنى في كقوله على ملك سليمان أي في ملك سليمان (﴿الأوليان﴾) بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هما الأوليان كأنه قيل: ومن هما؟ فقيل: هما الأوليان. وقيل بدل من الضمير في يقومان أو من آخران أي الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما من الأجانب (﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾) أي أصدق منهما وأولى بأن تقبل (﴿وما اعتدينا﴾) فيما قلنا فيهما من الخيانة (﴿إنّا إذًا لمن الظالمين﴾) [المائدة: ١٠٦، ١٠٧] إن كنا قد كذبنا عليهما.
ومعنى الآيتين كما قاله، القاضي: أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته أو يوصي إليهما احتياطًا فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم، ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت فإن اطّلع على أنهما كذبا بأمارة ومظنة حلف آخران من أولياء الميت، والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فإنه لا يحلف
стр. 1929
الشاهد ولا يعارض يمينه بيمين الوارث وثبت إن كانا وصيين وردّ اليمين إلى الورثة إما لظهور خيانة الوصيين فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته أو لتغيير الدعوى.
(﴿ذلك﴾) الذي تقدم من بيان الحكم (﴿أدنى﴾) أقرب (﴿أن يأتوا﴾) أي الشهداء على نحو تلك الحادثة (﴿بالشهادة على وجهها﴾) من غير تحريف ولا خيانة فيها (﴿أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم﴾) اي أقرب إلى أن يخافوا ردّ اليمين بعد يمينهم على المدّعين فيحلفون على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا وإنما جمع الضمير لأنه حكم يعم الشهود كلهم (﴿واتقوا الله﴾) أن تحلفوا كاذبين أو
تخونوا (﴿واسمعوا﴾) الموعظة (﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾) أي لا يرشد من كان على معصية، وساق في رواية أبي ذر من قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إلى قوله: ﴿من غيركم﴾ ثم قال إلى قوله: ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. وقال المؤلّف: (الأوليان وأحدهما أولى ومنه أولى به): أي أحق به، وقوله: (عثر) أي (أظهر) قاله أبو عبيدة في المجاز (أعثرنا) أي (أظهرنا). قاله الفراء وهذا كله ثابت في رواية الكشميهني فقط.
٢٧٨٠ - وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلِفَا: لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾.
(وقال لي علي بن عبد الله) المديني (حدّثنا) وهذا وصله المؤلّف في التاريخ فقال: حدّثنا علي بن المديني قال: حدّثنا (يحيى بن آدم) بن سليمان المخزومي قال: (حدّثنا ابن أبي زائدة) يحيى بن زكريا واسم أبي زائدة ميمون الهمداني القاضي (عن محمد بن أبي القاسم) الطويل (عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه) سعيد (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: خرج رجل من بني سهم) هو بزيل بضم الموحدة وفتح الزاي مصغرًا عند ابن ماكولا، ولابن منده من طريق السدي عن الكلبي بديل بن أبي مارية بدال مهملة بدل الزاي وليس هو بديل بن ورقاء فإنه خزاعي وهذا سهمي، وفي رواية ابن جريج أنه كان مسلمًا (مع تميم الداري) الصحابي المشهور وكان نصرانيًّا وكان ذلك قبل أن يسلم (وعدي بن بداء) بفتح الموحدة وتشديد المهملة ممدودًا مصروفًا وكان عدي نصرانيًّا. قال الذهبي: لم يبلغنا إسلامه من المدينة للتجارة إلى أرض الشام (فمات) بزيل (السهمي بأرض ليس بها مسلم) وكان لما اشتدّ وجعه أوصى إلى تميم وعدي وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله (فلما قدما) عليهم (بترِكَته فقدوا جامًا) بفتح القاف وبالجيم وتخفيف الميم. قال في الفتح: أي إناء، وتعقبه العيني فقال: هذا تفسير الخاص بالعام وهو لا يجوز لأن الإناء أعم من الجام والجام هو الكأس انتهى. والذي ذكره البغوي وغيره من المفسرين: أنه إناء من فضة منقوش بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال، وكذا في رواية ابن جريج عن عكرمة إناء من فضة منقوش بذهب. (من فضة مخوّصًا من ذهب) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والواو المشددة آخره صاد مهملة أي فيه خطوط طوال كالخوص كانا أخذاه من متاعه، وفي رواية ابن جريج عن عكرمة أن السهمي المذكور مرض فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه ثم أوصى إليهما فلما مات فتحا متاعه ثم قدما على أهله فدفعا
إليهم ما أراد ففتح أهله متاعه فوجدوا الوصية وفقدوا أشياء فسألوهما عنها فجحدًا فرفوعهما إلى النبي ﷺ فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿لمن الآثمين﴾ [المائدة: ١٠٦] (فأحلفهما رسول الله ﷺ ثم وجد الجام بمكة. فقالوا) أي الذين وجد الجام معهم (ابتعناه من تميم وعدي فقام رجلان) عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة (من أوليائه) أي من أولياء بزيل السهمي (فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما) يعني يميننا أحق من يمينهما (وإن الجام لصاحبهم قال وفيهم نزلت هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾) زاد أبو ذر (﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾).
٣٦ - باب قَضَاءِ الْوَصِيِّ دُيُونَ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الْوَرَثَةِ
(باب) جواز (قضاء الوصي ديون الميت بغير محضر من الورثة).
٢٧٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ -أَوِ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ- حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ فِرَاسٍ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ ﵄: "أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَلَمَّا حَضَرهُ جِذاذُ النَّخْلِ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ. قَالَ: اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ. فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ادْعُ أَصْحَابَكَ، فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَأَنَا وَاللَّهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي تَمْرَةٍ، فَسَلِمَ وَاللَّهِ الْبَيَادِرُ كُلُّهَا حَتَّى أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً".
قَالَ أَبُو عَبْدُ اللهِ: "أَغْرُوا بِي" يَعْنِي هِيجُوا بِي. ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءُ﴾ [المائدة: ١٤].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سابق) بالسين المهملة وبعد الألف موحدة ثم قاف أبو جعفر التميمي مولاهم البغدادي البزاز الفارسي الأصل ثم الكوفي (أو الفضل بن يعقوب) الرخامي بالخاء المعجمة البغدادي (عنه) أي عن محمد بن سابق
стр. 1930
والشك من المؤلّف، وقد روى عن ابن سابق بواسطة في أول حديث يلي هذا الباب وفي المغازي والنكاح والأشربة ولم يرو عنه بغير واسطة إلا في هذا الموضع مع التردد في ذلك قال: (حدّثنا شيبان) هو ابن عبد الرحمن (أو معاوية) النحوي البصري ثم الكوفي (عن فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة ابن يحيى الهمداني الحارثي الكوفي أنه (قال: قال الشعبي) عامر بن شراحيل (حدّثني) بالإفراد (جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ أن أباه استشهد يوم أُحُد) سنة ثلاث (وترك ست بنات وترك عليه دينًا) ليهودي وغيره (فلما حضر جداد النخل) بفتح الجيم وبدالين مهملتين أي أوان قطع ثمرتها، ولأبي ذر: فلما حضره
جذاذ النخل بضمير المفعول وجذاذ بذالين معجمتين وكسر الجيم يقال: جذذت الشيء أي كسرته وقطعته (أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله قد علمت أن والدي استشهد يوم أُحُد وترك عليه دينًا كثيرًا وإني أحب أن يراك الغرماء قال): (اذهب فبيدر) بفتح الموحدة وسكون التحتية وكسر الدال المهملة أمر من بيدر يبيدر أي اجعل كل صنف في بيدر أي جرين يخصه ولأبي ذر عن الحموي فبادر (كل تمر على ناحية) (ففعلت) ذلك (ثم دعوت) رسول الله ﷺ ولأبي ذر عن الحموي والمستملي دعوته وله عن الكشميهني فدعوته بالفاء بدل ثم (فلما نظروا) أي الغرماء (إليه) ﵊ (أغروا) بضم الهمزة وسكون الغين المعجمة وبالراء المهملة مبنيًّا لما لم يسمّ فاعله أي لهجوا (بي) وقال في النهاية: لجوا في مطالبتي وألحوا عليّ (تلك الساعة، فلما رأى) ﵊ (ما يصنعون) بي (أطاف) بالهمزة قبل الطاء ولأبي ذر طاف بإسقاطها (حول أعظمها بيدرًا ثلاث مرات ثم جلس عليه ثم قال): (ادع أصحابك) أي غرماء أبيك فدعوتهم (فما زال يكيل لهم) من ذلك البيدر (حتى أدى الله أمانة والدي وأنا والله راضٍ أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي) الستة (بتمرة) بمثناة فوقية بعد الموحدة وسكون الميم، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: تمرة بإسقاط الموحدة (فسلم والله البيادر كلها حتى أني) بفتح الهمزة (أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله ﷺ كأنه لم ينقص تمرة واحدة).
(قال أبو عبد الله) أي البخاري في تفسير قوله (أغروا بي يعني هيجوا بي) بكسر الهاء وسكون التحتية (﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء﴾) [المائدة: ١٤] قال أبو عبيدة في المجاز الإغراء التهييج والإفساد، وسقط قوله قال أبو عبد الله إلخ … للحموي والكشميهني وثبت للمستملي وحده والله أعلم.
وقد سبق حديث الباب غير مرة. منها في الصلح والاستقراض والهبة ويأتي إن شاء الله تعالى في علامات النبوّة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٦ - كتاب الجهاد والسير
بكسر السين المهملة وفتح التحتية وجاء في الفرع بفتح السين وسكون التحتية جمع سيرة وهي
الطريقة، وأطلق ذلك على أبواب الجهاد لأنها متلقاة من أحوال النبي ﷺ وفي غزواته. والجهاد:
بكسر الجيم مصدر جاهدت العدوّ مجاهدة وجهادًا وأصله جيهاد كقيتال فخفف بحذف الياء وهو مشتق من الجهد بفتح الجيم وهو التعب والمشقّة لما فيه من ارتكابها أو من الجهد بالضم وهو الطاقة لأن كل واحد منهما بذل طاقته في دفع صاحبه، وهو في الاصطلاح قتال الكفار لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله، ويطلق أيضًا على جهاد النفس والشيطان وهو من أعظم الجهاد، والمراد بالترجمة الأول والأصل فيه قبل الإجماع آيات كقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ [التوبة: ٣٦] وكان قبل الهجرة محرمًا ثم أمر ﷺ بعدها بقتال من قاتله ثم أبيح الابتداء به في غير الأشهر الحرم ثم أمر به مطلقًا.
ثم أن الجهاد قد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية لأن الكفار إن دخلوا بلادنا أو أسروا مسلمًا يتوقع فكّه ففرض عين. وإن كان
стр. 1931
ببلادهم ففرض كفاية، ويأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في باب: وجوب النفير.
١ - باب فَضْلُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ؟ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ -إِلَى قَوْلِهِ- وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحُدُودُ الطَّاعَةُ.
(بسم الله الرحمن الرحيم). قدم النسفيّ البسملة وسقط كتاب الترجمة لأبي ذر كما في الفرع وأصله.
(باب فضل الجهاد والسير). سقط لفظ باب لأبي ذر وحينئذ فقوله فضل رفع بالابتداء.
(وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على المجرور أو بالرفع ولأبي ذر بدل قوله تعالى: (﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾) أي طلب من المؤمنين أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله ليثيبهم الجنة، وذكر الشراء على وجه المثل لأن الأنفس والأموال كلها لله وهي عندنا عارية، ولكنه قال أراد التحريض والترغيب في الجهاد وهذا كقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. والباء في بأن للمعاوضة وهذا من فضله تعالى وكرمه وإحسانه فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له، ولذا قال الحسن البصري: بايعهم الله فأغلى ثمنهم، وقال عبد الله بن رواحة لرسول الله ﷺ ليلة العقبة: أشترط لربك ولنفيك ما شئت. فقال: "أشترط لربي أن تصدقوه ولا تشركوا به شيئًا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم" قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة" قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾.
(﴿يقاتلون في سبيل الله﴾) أي في طاعته مع العدوّ وهذا كما قال الزمخشري في معنى الأمر أو هو بيان ما لأجله الشراء (﴿فيَقْتلون ويُقْتلون﴾) أي يقتلون العدوّ ويقتلهم (﴿وعدًا عليه حقًّا﴾) مصدر مؤكد أي أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته (﴿في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله﴾) مبالغة في الإنجاز وتقرير لكونه حقًّا. (﴿فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾) [التوبة: ١١١، ١١٢]. أي فافرحوا به غاية الفرح فإنه أوجب لكم عظائم المطالب وذلك هو الثواب الوافر، (-إلى قوله- ﴿وبشر المؤمنين﴾) [التوبة: ١١٢] أي الموصوفين بتلك الفضائل من التوبة والعبادة والصوم وغير ذلك مما في الآية، وساق في رواية أبي ذر إلى قوله: ﴿وعدًا عليه حقًّا﴾ ثم قال إلى قوله: ﴿والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾ وللنسفي وابن شبويه: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ الآيتين إلى قوله: ﴿وبشر المؤمنين﴾ وساق في رواية الأصيلي وكريمة الآيتين جميعًا قاله في فتح الباري.
(قال ابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن أبي حاتم في تفسير قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله﴾ [البقرة: ١٨٧]. (الحدود الطاعة). وكأنه تفسير باللازم لأن من أطاع الله وقف عند امتثال أمره واجتناب نهيه.
٢٧٨٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ الْعَيْزَارِ ذَكَرَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا. قُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟
قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (الحسن بن صباح) بتشديد الموحدة البزار آخره راء أبو علي الواسطي قال: (حدّثنا محمد بن سابق) التميمي البزار الكوفي نزيل بغداد قال: (حدّثنا مالك بن مغول) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو الكوفي (قال: سمعت الوليد بن العيزار) بفتح العين المهملة وسكون التحتية وبالزاي وبعد الألف راء ابن حريث العبدي الكوفي (ذكر عن أبي عمرو) بفتح العين سعد بن أياس (الشيباني) بالشين المعجمة المفتوحة أنه (قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: سألت رسول الله ﷺ قلت يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال:
(الصلاة على ميقاتها) على بمعنى في لأن الوقت ظرف لها (قلت: ثم أيّ)؟ بالتشديد منوّنًا.
قال ابن الخشاب: لا يجوز غيره لأنه اسم معرب غير مضاف وسبق زيادة بحث في هذا في المواقيت (قال): ﵊ (ثم برّ الوالدين) أي بالإحسان إليهما وترك عقوقهما (قلت: ثم أيّ؟ قال): (الجهاد في سبيل الله) بالنفس والمال، وإنما خصّ هذه الثلاثة بالذكر لأنها عنوان على ما سواها من الطاعات لأن من حافظ عليها كان لما سواها أحفظ، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع.
قال ابن مسعود (فسكت عن) سؤال (رسول الله ﷺ ¬) حينئذ (ولو استزدته) أي طلبت منه الزيادة في السؤال (لزادني) في الجواب.
وهذا الحديث
стр. 1932
قد سبق في المواقيت من كتاب الصلاة.
٢٧٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا".
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (قال: حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة المخزومي مولاهم المكي الإمام في التفسير (عن طاوس عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) أي يوم فتح مكة سنة ثمان.
(لا هجرة) واجبة من مكة إلى المدينة (بعد الفتح) أي فتح مكة للاستغناء عن ذلك إذ كان معظم الخوف من أهلها فأمر المسلمون أن يقيموا في أوطانهم، والمراد لا هجرة بعد الفتح لمن لم يكن هاجر بدليل الحديث الآخر يقيم المهاجر ثلاثًا بعد قضاء الحج (ولكن جهاد) في الكفار (ونيّة)، في الخير يحصلون بهما الفضائل التي في معنى الهجرة، وقال النووي: معناه أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة لكن حصلوه بالجهاد والنية الصالحة قال: وفيه حثّ على نيّة الخير وأنه
يثاب عليها (إذا) بالواو. ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فإذا (استنفرتم) بضم التاء وكسر الفاء (فانفروا) بهمزة وصل وكسر الفاء أيضًا أي إذا طلبكم الإمام إلى الخروج إلى الغزو فاخرجوا إليه.
وهذا دليل على أن الجهاد ليس فرض عين بل فرض كفاية.
وهذا الحديث سبق في كتاب الحج في باب: لا يحل القتال بمكة.
٢٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا خَالِدٌ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ "عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين وتشديد الدال الأولى المهملات ابن مسرهد قال: (حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله الطحان قال: (حدّثنا حبيب بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم الأسدي القصاب (عن عائشة بنت طلحة) التيمية القرشية (عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله نرى) بضم النون وفي نسخة بفتحها وفي أخرى بمثناة فوقية مضمومة وهي التي في الفرع وأصله أي نظن أو نعتقد (الجهاد أفضل العمل)، وللنسائي من رواية جرير عن حبيب: فإني لا أرى في القرآن أفضل من الجهاد (أفلا نجاهد؟ قال):
(لكن أفضل الجهاد) بضم الكاف وتشديد النون لأبي ذر ولغيره لكن بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها أفضل الجهاد بنصب أفضل بلكن (حج مبرور) خبر مبتدأ محذوف أي هو حج.
وهذا الحديث قد سبق في الحج.
٢٧٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَصِينٍ أَنَّ ذَكْوَانَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ. قَالَ: لَا أَجِدُهُ. قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟ قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ، فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ".
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) وسقط لأبي ذر ابن منصور قال: (أخبرنا عفان) بن مسلم الصفار قال: (حدّثنا همام) بتشديد الميم الأولى ابن يحيى بن دينار العوذي الشيباني قال: (حدّثنا محمد بن جحادة) بجيم مضمومة فحاء مهملة مخففة الأيامى (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي (أن ذكوان) الزيات (حدّثه أن أبا هريرة ﵁ حدّثه قال: جاء رجل) قال ابن حجر: لم أقف على اسمه (إلى رسول الله ﷺ فقال: دلّني) بفتح اللام (على عمل يعدل الجهاد) أي يساويه ويماثله. (قال): ﵊:
(لا أجده) أي لا أجد العمل الذي يعدل الجهاد ثم (قال) ﵊ مستأنفًا: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم) بالنصب عطفًا على أن تدخل (ولا تفتر وتصوم ولا تفطر) بنصبهن عطفًا على السابق (قال): الرجل (ومن يستطيع ذلك)؟
(قال أبو هريرة): موقوفًا عليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الخيل ثلاثة من طريق زيد بن أسلم عن أبي صالح مرفوعًا: (إن فرس المجاهد ليستنّ) من الاستنان وهو العدو، وقال الجوهري هو أن يرفع يديه ويطرحهما معًا (في طوله)، بكسر الطاء المهملة وفتح الواو وحبله المشدود به المطوّل له ليرعى وهو بيد صاحبه (فيكتب له حسنات). أي فيكتب له استنانه حسنات فالضمير راجع إلى المصدر الذي دل عليه ليستنّ فهو مثل: اعدلوا هو أقرب للتقوى وحسنات نصب على أنه مفعول ثانٍ.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في الجهاد أيضًا.
٢ - باب أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢].
هذا (باب) بالتنوين (أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله) ولغير الكشميهني مجاهد بالميم صفة لمؤمن. (وقوله تعالى): بالرفع عطفًا
стр. 1933
على أفضل (﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة﴾) استفهام في اللفظ إيجاب في المعنى (﴿تنجيكم﴾) تخلصكم (﴿من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾) استئناف مبين للتجارة وهو الأجمع بين الإيمان والجهاد والمراد به الأمر وإنما جيء به بلفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال كأنها وجدت وحصلت (﴿ذلكم﴾) أي ما ذر من الإيمان والجهاد (﴿خير لكم﴾) في أنفسكم وأموالكم (﴿إن كنتم تعلمون﴾) العلم (﴿يغفر لكم ذنوبكم﴾) جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر قال القاضي: ويبعد جعله جوابًا لهل أدلكم لأن مجرد دلالته لا يوجب المغفرة (﴿ويدخلكم﴾) عطف على يغفر لكم (﴿جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك﴾) ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة (﴿الفوز العظيم﴾) [الصف: ١٠ - ١٢]. وفي نسخة بعد قوله من ﴿عذاب أليم﴾ إلى ﴿الفوز العظيم﴾.
٢٧٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ : مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ. قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ".
[الحديث ٢٧٨٦ - طرفه في: ٦٤٩٤].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (عطاء بن يزيد) من الزيادة (الليثي) بالمثلثة (أن أبا سعيد الخدري ﵁ حدّثه قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل)؟ قال في الفتح: لم أقف على اسم السائل، وقد سبق أن أبا ذر سأل عن نحو ذلك، وللحاكم: أي الناس أكمل إيمانًا؟ (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(مؤمن) أي أفضل الناس مؤمن (يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله). لما فيه من بذلهما لله مع
النفع المتعدي، وعند النسائي: إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه بمن
التبعيضية وذلك يقوي قول من قال أن قوله مؤمن يجاهد المقدّر بقوله أفضل الناس مؤمن يجاهد عام
مخصوص وتقديره من أفضل الناس لأن العلماء الذين حملوا الناس على الشرائع والسُّنن وقادوهم إلى
الخير أفضل وكذا الصديقون. (قالوا: ثم من)؟ يلي المؤمن المجاهد في الفضل (قال): عليه الصلاة
والسلام (مؤمن) أي ثم يليه مؤمن (في شعب من الشعاب) بكسر الشين المعجمة وسكون العين
المهملة في الأول وفتحها في الثاني آخره موحدة هو ما انفرج بين الجبلين وليس بقيد بل على سبيل
المثال. والغالب على الشعاب الخلوّ عن الناس فلذا مثل بها للعزلة والانفراد فكل مكان يبعد عن
الناس فهو داخل في هذا المعنى كالمساجد والبيوت ولمسلم من طريق معمر عن الزهري: رجل
معتزل (يتقي الله ويدع الناس من شره) وفيه فضل العزلة لما فيها من السلامة من الغيبة واللغو
ونحوهما وهو مقيد بوقوع الفتنة.
وفي حديث بعجة بفتح الموحدة والجيم بينهما عين مهملة ساكنة ابن عبد الله عن أبي هريرة مرفوعًا: "يأتي على الناس زمان يكون خير الناس فيه منزلة من أخذ بعنان فرسه في سبيل الله يطلب الموت في مظانه ورجل في شعب من هذه الشعاب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويدع الناس إلا من خير". رواه مسلم وابن حبان.
وروى البيهقي في الزهد عن أبي هريرة مرفوعًا: "يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من هرب بدينه من شاهق إلى شاهق ومن حجر إلى حجر فإذا كان ذلك لم تنل المعيشة إلا بسخط الله فإذا كان ذلك كذلك كان هلاك الرجل على يد زوجته وولده فإن لم يكن له زوجة ولا ولد كان هلاكه على يد أبويه فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يد قرابته أو الجيران". قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "يعيرونه بضيق المعيشة فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها نفسه". أما عند عدم الفتنة فمذهب الجمهور أن الاختلاط أفضل لحديث الترمذي: المؤمن الذي يخال الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من الذي لا يخال الناس ولا يصبر على أذاهم.
وحديث الباب أخرجه البخاري أيضًا في الرقاق، ومسلم وأبو داود في الجهاد، وابن ماجه في الفتن.
٢٧٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ. وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي هريرة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة) ﵁ (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
стр. 1934
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قال:
(مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله) أي الله أعلم بعقد نيّته إن كانت خالصة لإعلاء كلمته فذلك المجاهد في سبيله وإن كان في نيته حب المال والدنيا واكتساب الذكر فقد أشرك مع سبيل الله الدنيا والجملة معترضة بين قوله مثل المجاهد في سبيل الله وبين قوله: (-كمثل الصائم) نهاره (القائم-) ليله، وزاد مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة: "كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة" وزاد النسائي من هذا الوجه: "الخاشع الراكع الساجد" ومثله بالصائم لأن الصائم ممسك لنفسه عن الأكل والشرب واللذات، وكذلك المجاهد ممسلك لنفسه على محاربة العدوّ وحابس نفسه على من يقاتله وكما أن الصائم القائم الذي لا يفتر ساعة من العبادة مستمرًّا الأجر كذلك المجاهد لا يضيع ساعة من ساعاته بغير أجر. قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة﴾ إلى قوله: ﴿إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ [التوبة: ١٢٠].
(وتوكل الله) أي تكفل الله تعالى على وجه الفضل منه (للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة) أي بتوفيه بدخوله الجنة في الحال بغير حساب ولا عذاب كما ورد: إن أرواح الشهداء تسرح في الجنة (أو يرجعه) بفتح أوّله أي أو أن يرجعه إلى مسكنه حال كونه (سالمًا مع أجر) وحده (أو غنيمة) مع أجر وحذف الأجر من الثاني للعلم به إذ لا يخلو المجاهد عنه فالقضية مانعة الخلو لا مانعة الجمع أو لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بدون الغنيمة إذ القواعد تقتضي بأنه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجرًا عند وجودها. وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلاّ تعجلوا ثلثي أجرهم ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم" فهذا صريح ببقاء بعض الأجر مع حصول الغنيمة فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من ثواب الغزو.
وفي التعبير بثلثي الأجر حكمة لطيفة، وذلك أن الله تعالى أعدّ للمجاهد ثلاث كرامات:
دنيويتان وأُخروية، فالدنيويتان السلامة والغنيمة، والأخروية دخول الجنة، فإذا رجع سالمًا غانمًا فقد حصل له ثلثا ما أعدّ الله له وبقي له عند الله الثلث، وإن رجع بغير غنيمة عوّضه الله عن ذلك ثوابًا في مقابلة ما فاته، وليس المراد ظاهر حديث الباب أنه إذا غنم لا يحصل له أجر، وقيل إن أو بمعنى الواو وبه جزم ابن عبد البر والقرطبي ورجحه التوربشتي في شرحه للمصابيح والتقدير بأجر وغنيمة، وكذا رواه مسلم بالواو وفي بعض رواياته، ورواه الفريابي وجماعة عن يحيى بن يحيى بصيغة أو، وكذا مالك في موطئه ولم يختلف عليه إلا في رواية يحيى بن بكير عنه بالواو، ولكن في رواية ابن بكير عن مالك مقال وكذا وقع عند النسائي وأبي داود بإسناد صحيح، فإن كانت هذه الروايات محفوظة تعين القول بأن "أو" في هذا الحديث بمعنى "الواو" كما هو مذهب نحاة الكوفة، لكن استشكله ابن دقيق العيد من حيث أنه إذا كان المعنى يقتضي اجتماع الأمرين كان ذلك داخلاً في الضمان فيقتضي أنه لا بدّ من حصول الأمرين لهذا المجاهد وقد لا يتفق له ذلك فما فرّ منه الذي ادّعى أن "أو" بمعنى الواو وقع في نظيره لأنه يلزم على ظاهرها أن من رجع بغنيمة رجع بغير أجر كما يلزم على أنها بمعنى الواو وأن كل غاز يجمع له بين الأجر والغنيمة معًا.
وأجاب في المصابيح: بأنه إنما يرد الإشكال إذا كان القائل بأنها للتقسيم قد فسر المراد بما ذكره هو من قوله فله الأجر إن فاتته الغنيمة إلى آخره، وأما إن سكت عن هذا التفسير فلا يتجه الإشكال إذ يحتمل أن يكون التقدير أو يرجعه سالمًا مع أجر وحده أو غنيمة وأجر كما مرّ والتقسيم بهذا الاعتبار صحيح والإشكال ساقط مع أنه لو سلم أن القائل بأنها للتقسيم صرح بأن المراد فله الأجر إن فاتته الغنيمة، وإن حصلت فلا لم يرد الإشكال المذكور عليه لاحتمال أن يكون تنكير الأجر لتعظيمه ويراد به الأجر الكامل فيكون معنى قوله فله الأجر إن فاتته الغنيمة وإن حصلت
стр. 1935
فلا يحصل له ذلك الأجر المخصوص وهو الكامل فلا يلزم انتفاء مطلق الأجر عنه اهـ.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في الجهاد أيضًا.
٣ - باب الدُّعَاءِ بِالْجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي بَلَدِ رَسُولِكَ.
(باب الدعاء بالجهاد) كأن يقول: اللهم اجعلني من المجاهدين في سبيلك (والشهادة) أي والدعاء بالشهادة (للرجال والنساء) كأن يقول: اللهمّ ارزقنا الشهادة في سبيلك. (وقال عمر): بن الخطاب ﵁ مما سبق موصولاً بأتم منه في آخر كتاب الحج (ارزقني) ولأبي ذر عن الكشميهني: اللهم ارزقني قتلاً في سبيلك ووفاة في بلد نبيك. الحديث.
٢٧٨٨ و ٢٧٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَىَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ -أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، شَكَّ إِسْحَاقُ- قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَىَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ -كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ- قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ. فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ".
[الحديث ٢٧٨٨ - أطرافه في: ٢٧٩٩، ٢٨٧٧، ٢٨٩٤، ٦٢٨٢، ٧٠٠١].
[الحديث ٢٧٨٩ - أطرافه في: ٢٨٠٠، ٢٨٧٨، ٢٨٩٥، ٢٩٢٤، ٦٢٨٣، ٧٠٠٢].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁ أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام) بفتح الحاء والراء المهملتين (بنت ملحان) بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة وبعد الألف نون وهي أخت أم سليم وخالة أنس بن مالك (فتطعمه) مما في بيتها من الطعام (وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت)، الأنصاري أي زوجًا له. (فدخل عليها رسول الله ﷺ ¬) يومًا (فأطعمته وجعلت تفلي رأسه)، بفتح المثناة الفوقية وإسكان الفاء وكسر اللام من فلى يفلي من باب ضرب يضرب يعني تفتش شعر رأسه لتستخرج هوامه، وإنما كانت تفلي رأسه لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته لأن أم عبد المطلب كانت من بني النجار، وقيل: كانت إحدى خالاته ﵊ من الرضاعة. قال ابن عبد البر: فأيّ ذلك كان فأم حرام محرم منه. ونقل النووي الإجماع على ذلك قال: وإنما اختلفوا هل ذلك من النسب أو الرضاع وصوّب بعضهم أنه لا محرمية بينهما كما بيّنه الحافظ الدمياطي في جزء أفرده لذلك قال: وليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها فلعل ذلك كان مع ولد أو زوج أو خادم أو تابع والعادة تقتضي المخالطة بين المخدوم وأهل الخادم لا سيما إذا كنّ مُسنّات مع ما ثبت له ﷺ من العصمة أو هو من خصائصه ﵊ (فنام رسول الله ﷺ ¬) عندها (ثم استيقظ وهو يضحك) فرحًا وسرورًا لكون أمته تبقى بعده متظاهرة أمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر والجملة حالية (قالت) أم حرام (فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال):
(ناس من أمتي عرضوا عليّ) حال
стр. 1936
كونهم (غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر) بمثلثة فموحدة مفتوحتين فجيم وسطه أو معظمه أو هوله أقوال (ملوكًا) نصب بنزع الخافض أي مثل ملوك (على الأسرّة) أي في الجنة كما قاله ابن عبد البر. قال النووي: والأصح أنه صفة لهم في الدنيا أي يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم واستقامة أمرهم (أو) قال (مثل الملوك على الأسرّة) (شك إسحاق) بن عبد الله بن أبي طلحة (قالت فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله ﷺ ¬). وهذا ظاهر فيما ترجم له المؤلّف في حق النساء ويؤخذ منه حكم الرجال بطريق الأولى، ولا يقال لا مطابقة بينهما لأنه ليس في الحديث تمني الشهادة وإنما فيه تمني الغزو ولأن الشهادة هي الثمرة العظمى المطلوبة في الغزو.
واستشكل الدعاء بالشهادة إذ حاصله أن يدعو الله تعالى أن يمكن منه كافرًا يعصي الله بقتله فيقل عدد المسلمين ويدخل السرور على قلوب المشركين، ومقتضى القواعد الفقهية أن لا يتمنى معصية الله لنفسه ولا لغيره. وأجاب ابن المنير: بأن المدعو به قصدًا إنما هو نيل الدرجة الرفيعة المعدة للشهداء وأما قتل الكافر للمسلم فليس بمقصود للداعي وإنما هو من ضرورات الوجود لأن الله قد أجرى حكمه أن لا ينال تلك الدرجة إلا شهيدًا.
(ثم وضع) ﵊ (رأسه) الشريف ثانيًا فنام (ثم استيقظ وهو يضحك فقلت: وما يضحكك يا رسول الله)؟ وسقطت الواو من قوله وما لأبي ذر (قال): (ناس من أمتي عرضوا عليّ) حال كونهم (غزاة في سبيل الله) قيل أي يركبون البرّ (كما قال في الأول) ملوكًا على الأسرّة، ولأبي ذر: في الأولى بالتأنيث. (قالت فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: (أنت من الأولين) الذين يركبون ثبج البحر (فركبت البحر زمن معاوية ابن أبي سفيان) مع زوجها في أول غزوة كانت إلى الروم مع معاوية زمن عثمان بن عفان سنة ثمان وعشرين وهذا قول أكثر أهل السِّيَر. وقال البخاري ومسلم في زمان معاوية فعلى الأول يكون المراد زمان غزو معاوية في البحر لا زمان خلافته (فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت). في الطريق لما رجعوا من غزوهم بغير مباشرة للقتال، وقد قال ﵊: "من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد". رواه مسلم، وروى أبو داود من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا: "من رقصته فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه فهو شهيد". وقال تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ [النساء: ١٠٠].
وحديث الباب أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد وكذا أبو داود والترمذي والنسائي والله أعلم.
٤ - باب دَرَجَاتِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. يُقَالُ هَذِهِ سَبِيلِي، وَهَذَا سَبِيلِي
قَالَ أَبُو عَبْدُ اللهِ: غُزًّا وَاحِدُهَا غَازٍ. هُمْ دَرَجَاتٌ: لَهُمْ دَرَجَات.
(باب درجات المجاهدين في سبيل الله. يقال هذه سبيلي، وهذا سبيلي) يريد المؤلّف أن السبيل يؤنث ويذكر وبذلك جزم الفرّاء (قال أبو عبد الله): البخاري (غُزًّا) بضم المعجمة وتشديد الزاي (وأحدها غازٍ هم درجات) أي (لهم درجات) أي منازل قاله أبو عبيدة، وقال غيره أي وهم ذوو درجات وثبت قوله قال أبو عبد الله: إلى آخره. في رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي.
٢٧٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ -أُرَاهُ قَالَ: وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ- وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ «وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ».
[الحديث ٢٧٩٠ - طرفه في: ٧٤٢٣].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن صالح) الوحاظي الشامي قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة عبد الملك بن سليمان (عن هلال بن عليّ) الفهري المدني (من عطاء بن يسار) بالتحتية والمهملة المخففة الهلالي المدني (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر: قال النبي (¬ ﷺ ¬): (من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان) لم يذكر الزكاة والحج ولعله سقط من أحد رواته، وقد ثبت الحج في الترمذي في حديث معاذ بن جبل وقال فيه: ولا أدري أذكر الزكاة أم لا. وأيضًا فإن الحديث لم يذكر لبيان الأركان فكأن الاقتصار على ما ذكر إن كان محفوظًا لأنه هو المتكرر غالبًا وأما الزكاة فلا تجب إلا على من له مال بشرطه والحج لا يجب إلا مرة على التراخي.
(كان حقًّا على الله) بطريق الفضل والكرم لا بطريق الوجوب (أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها). وفي نسخة: في بيته الذي ولد فيه وفيه تأنيس لمن حرم الجهاد وأنه ليس محرومًا من الأجر بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة وإن قصر عن درجة المجاهدين. (فقالوا: يا رسول الله) في الترمذي أن الذي خاطبه بذلك هو معاذ بن جبل، وعند الطبراني: وأبو الدرداء (أفلا نبشر الناس)؟ بذلك (قال): (إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض) قال الطيبي وتبعه الكرماني: لما سوى النبي ﷺ بين الجهاد وبين عدمه وهو المراد بالجلوس في أرضه التي ولد فيها في دخول المؤمن
بالله ورسوله المقيم للصلاة الصائم لرمضان في الجنة استدرك ﷺ قوله الأول بقوله الثاني: إن في الجنة مائة درجة إلى آخره، وتعقب بأن التسوية ليست على عمومها وإنما هي في أصل دخول الجنة لا في تفاوت الدرجات كما مرّ.
وقال الطيبي في شرح المشكاة: هذا الجواب من الأسلوب الحكيم أي بشرهم بدخول الجنة بالإيمان والصوم والصلاة ولا تكتف بذلك بل زد على تلك البشارة بشارة أخرى وهي الفوز بدرجات الشهداء فضلاً من الله ولا تقنع بذلك أيضًا بل بشّرهم بالفردوس الذي هو أعلى، وتعقبه في فتح الباري فقال: لو لم يرد الحديث إلا كما وقع هنا (كان) ما قال متجهًا، لكن ورد في الحديث زيادة دلّت على أن قوله إن في الجنة مائة درجة تعليل لتلك
стр. 1937
البشارة المذكورة فعند الترمذي من رواية معاذ قلت: يا رسول الله ألا أخبر الناس؟ قال: "ذر الناس يعملوا فإن في الجنة مائة درجة" فظهر أن المراد لا تبشر الناس بما ذكرته من دخول الجنة لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه فيقفوا عند ذلك ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه من الدرجات التي تحصل في الجهاد، وهذه هي النكتة في قوله: أعدها الله للمجاهدين، وتعقبه العيني بأن قوله: لكن وردت في الحديث زيادة على آخره غير مسلم لأن الزيادة المذكورة في حديث معاذ بن جبل وكلام الطيبي وغيره في حديث أبي هريرة وكل واحد من الحديثين مستقل بذاته، والراوي مختلف فكيف يكون ما في حديث معاذ تعليلاً لما في حديث أبي هريرة على أن حديث معاذ لا يعادل حديث أبي هريرة ولا يدانيه فإن عطاء بن يسار لم يدرك معاذًا اهـ.
وهذا الذي قاله العيني ليس مانعًا مما ذكره الحافظ ابن حجر فالحديث يبيّن بعضه بعضًا وإن تباينت طرقه واختلفت مخارجه ورواته على ما لا يخفى.
(فإن سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة) أي أفضلها (وأعلى الجنة). يعني أرفعها.
وقال ابن حيان: المراد بالأوسط السعة، وبالأعلى الفوقية. قال يحيى بن صالح شيخ البخاري (أراه) بضم الهمزة أي أظنه (قال: وفوقه عرش الرحمن) بفتح القاف قيل وقيده الأصيلي بضمها، ولم يصححه ابن قرقول بل قال: إنه وهم عليه. قال في المصابيح: ووجهه أن فوق من الظروف الملازمة للظرفية فلا تستعمل غير منصوبة أصلاً والضمير المضاف إليه فوق ظاهر التركيب عوده إلى الفردوس، وقال السفاقسي: راجع إلى الجنة كلها. قال في المصابيح: والتذكير حينئذ باعتبار كون الجنة مكانًا وإلاّ فمقتضى الظاهر على ذلك أن يقال وفوقها.
(ومنه) أي من الفردوس (تفجر أنهار الجنة) الأربعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن أبي يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ [محمد ﷺ : ١٥]. وأصل تفجر تتفجر فحذفت إحدى التائين تخفيفًا وقيل الفردوس مستنزه أهل الجنة، وفي الترمذي هو ربوة الجنة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في التوحيد والترمذي.
(قال محمد بن فليح) فيما وصله في التوحيد (عن أبيه) فليح (وفوقه عرش الرحمن) فلم يشك كما شك يحيى بن صالح حيث قال: أراه.
٢٧٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا جَرِيرٌ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَال أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ".
وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن حازم قال: (حدّثنا أبو رجاء) عمران بن ملحان العطاردي البصري (عن سمرة) أي ابن جندب ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(رأيت الليلة رجلين) أي ملكين وهما جبريل وميكائيل (أتيا فصعدا بي الشجرة فأدخلاني) بالفاء ولأبي ذر وأدخلاني (دارًا هي أحسن وأفضل) أي من الأولى المذكورة في هذا الحديث المسوق مطوّلاً في الجنائز حيث قال: وأدخلاني دارًا لم أرَ قط أحسن منها فيها رجال وشيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة وأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل (لم أرَ قطّ أحسن منها، قالا) أي الملكان ولأبي ذر عن المستملي قال: (أما هذه الدار فدار الشهداء) وهو يدل على أن منازل الشهداء أرفع المنازل.
٥ - باب الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
(باب الغدوة والروحة في سبيل الله)، بفتح الغين المعجمة المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج في أي وقت كان من أوّل النهار إلى انتصافه والروحة بفتح الراء المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها (وقاب قوس أحدكم من الجنة) بجر قاب عطفًا على الغدوة المجرورة بالإضافة وبالرفع على الاستئناف ما بين الوتر والقوس، أو قدر طولها، أو ما بين السية والمقبض، أو قدر ذراع أو ذراع يقاس به فكأن المعنى بيان فضل قدر الذراع من الجنة، ولأبي ذر عن الكشمميهني: في الجنة.
٢٧٩٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
[الحديث ٢٧٩٢ - طرفاه في: ٢٧٩٦، ٦٥٦٨].
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي البصري قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد البصري قال: (حدّثنا حميد) هو الطويل (عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي -صَلَّى اللَّهُ
стр. 1938
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه (قال):
(لغدوة في سبيل الله) مبتدأ تخصص بالصفة وهي قوله في سبيل الله والتقدير لغدوة كائنة في سبيل الله واللام في لغدوة للتأكيد. وقال ابن حجر: للقسم، ولأبي ذر عن الكشميهني: الغدوة في سبيل الله (أو روحة) عطف عليه وأو للتقسيم أي لخرجة واحدة في الجهاد من أوّل النهار أو آخره (خير من الدنيا وما فيها). أي ثواب ذلك الزمن القليل في الجنة خير من الدنيا وما اشتملت عليه، وكذا قوله: لقاب قوس أحدكم أي ما صغر في الجنة من الموضع كلها بساتينها وأرضها فأخبر أن قصير الزمان وصغير المكان في الجنة خير من طويل الزمان وكبير المكان في الدنيا تزهيدًا وتصغيرًا لها وترغيبًا في الجهاد، فينبغي أن يغتبط صاحب الغدوة والروحة بغدوته وروحته أكثر مما يغتبط أن لو حصلت له الدنيا بحذافيرها نعيمًا محضًا غير محاسب عليه مع أن هذا لا يتصور.
وهذا الحديث من هذا الوجه من أفراد البخاري.
٢٧٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَقَابُ قَوْسٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ. وَقَالَ: لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ».
[الحديث ٢٧٩٣ - طرفه في: ٣٢٥٣].
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي بالحاء المهملة والزاي الأسدي قال: (حدّثنا محمد ابن فليح قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) فليح اسمه عبد الملك بن سليمان (عن هلال بن علي) الفهري المدني (عن عبد الرحمن بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم الأنصاري واسم أبي عمرو بن محصن (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لقاب قوس) مبتدأ واللام للتأكيد (في الجنة) صفة لقاب قوس (خير مما عليه تطلع الشمس وتغرب) لا تدخل الجنة مع الدنيا تحت أفضل إلا كما يقال: العسل أحلى من الخل، والغدوة أو الروحة في سبيل الله وثوابها خير من نعيم الدنيا كلها لو ملكها وتصور تنعمه بها كلها لأنه زائل ونعيم الآخرة باقٍ (وقال) ﷺ : (لغدوة) ولأبي ذر: الغدوة (أو روحة في سبيل الله خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب).
٢٧٩٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
[الحديث ٢٧٩٤ - أطرافه في: ٢٨٩٢، ٣٢٥٠، ٦٤١٥].
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بن عقبة قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني (عن سهل بن سعد) الساعدي (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الروحة والغدوة) ولمسلم من طريق وكيع عن سفيان غدوة أو روحة (في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها) وهو معنى تطلع عليه الشمس وتغرب، وقد يقال: إن بينهما تفاوتًا فإن حديث: وما فيها يشمل ما تحت طباقها مما أودعه الله تعالى فيها من الكنوز وغيرها، وحديث: ما طلعت عليه الشمس وغربت يشمل ما تطلع وتغرب عليه من بعض السماوات لأنها في الرابعة أو السابعة على الخلاف وللمتكلمين قولان في حقيقة الدنيا أحدهما: أنها ما على الأرض من الهواء والجوّ، والثاني: أنها كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة، والحاصل من أحاديث هذا الباب أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أعظم من جميع ما في الدنيا فكيف بمن حصل له منها أعلى الدرجات.
٦ - باب الْحُورُ الْعِينُ وَصِفَتُهُنَّ
يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ. شَدِيدَةُ سَوَادِ الْعَيْنِ، شَدِيدَةُ بَيَاضِ الْعَيْنِ. وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ: أَنْكَحْنَاهُمْ.
(باب) بيان (الحور العين و) بيان (صفتهن) وسقط لفظ: باب في رواية أبي ذر وحينئذٍ فالثلاثة بالرفع فالحور مبتدأ والعين وصف له وصفتهن عطف على المبتدأ والخبر محذوف أي صفتهن ما نذكره والحور بضم الحاء وسكون الواو وتحرك. قال في القاموس: أن يشتد بياض بياض العين وسواد سوادها وتستدير حدقتها وترقّ جفونها ويبيض ما حواليها أو شدة بياضها وسوادها في شدة بياض الجسد أو اسوداد العين كلها مثل الظباء ولا يكون في بني آدم بل يستعار لها والعين بكسر العين جمع عيناء (يحار فيها الطرف) أي يتحير فيها البصر لحسنها (شديدة سواد العين، شديدة بياض العين) كأنه يريد تفسير العين بالكسر، وبه قال أبو عبيدة. وقال في القاموس: وعين كفرح عينًا وعينة بالكسر عظم سواد عينه في سعة فهو أعين (وزوجناهم بحور) أي: (أنكحناهم). قاله أبو عبيدة وسقط لغير أبي ذر بحور.
٢٧٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلاَّ الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجَعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى».
[الحديث ٢٧٩٥ - طرفه في: ٢٨١٧].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) الجعفي المسندي قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) بفتح العين الأزدي البغدادي
стр. 1939
قال: (حدّثنا أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد الفزاري (عن حميد) الطويل أنه (قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ عن النبى ﷺ ¬) أنه (قال):
(ما من عبد يموت) صفة لعبد (له عند الله خير) أي ثواب والجملة صفة أخرى (يسره أن يرجع إلى الدنيا) أي رجوعه، فأن مصدرية والجملة وقعت صفة لقوله خير (وأن له الدنيا وما فيها)، بفتح الهمزة عطفًا على أن يرجع، ويجوز الكسر على أن تكون جملة حالية (إلا الشهيد) مستثنى من قوله يسره أن يرجع (لما يرى من فضل الشهادة) بكسر اللام التعليلية (فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى) فيقتل بضم التحتية وفتح الفوقية مبنيًّا للمفعول منصوب عطفًا على أن يرجع.
٢٧٩٦ - قَالَ: وَسَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ -يَعْنِي سَوْطَهُ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
(وسمعت) ولأبي ذر عن المستملي قال أي حميد الطويل وسمعت (أنس بن مالك عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لروحة في سبيل الله أو غدوة) بفتح الراء والغين (خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم من الجنة أو) قال: والشك من الراوي (موضع قيد) بكسر القاف وسكون التحتية دون إضافة مع التنوين الذي هو عوض عن المضاف إليه (يعني سوطه) تفسير للقيد غير معروف، ومن ثم جزم بعضهم بأن الصواب (قِدّ) بكسر القاف وتشديد الدال وهو السوط المتخذ من البلد، وأن زيادة الياء تصحيف. وأما قول الكرماني: إنه لا تصحيف فيه وإن المعنى صحيح وإن غاية ما فيه أن يقال قلب إحدى الدالين ياء وذلك كثير، فتعقبه العيني فقال: نفيه التصحيف غير صحيح وتعليله لما ادّعاه تعليل من ليس له وقوف على علم الصرف، وذلك أن قلب أحد الحرفين المتماثلين ياء إنما يجوز إذا أمن اللبس ولا لبس أشد من ذلك إذ القيد بالياء المقدار والقد بالتشديد السوط المتخذ من الجلد وبينهما بون عظيم وعبر بموضع سوط لأنه الذي يسوق به الفرس للزحف فهو أقل آلات المجاهد ومع كونه تافهًا في الدنيا فمحله في الجنة أو ثواب العمل به أو نحوه عظيم بحيث أنه "خير من الدنيا وما فيها". وهو من تنزيل المغيب منزلة المحسوس وإلاّ فليس شيء من الآخرة بينه وبين الدنيا توازن حتى يقع فيه التفاضل، أو المراد أن إنفاق الدنيا وما فيها لا يوازن ثوابه ثواب هذا فيكون التوازن بين ثوابي عملين فليس فيه تمثيل الباقي بالفاني، (ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت) بتشديد الطاء المفتوحة وفتح اللام "إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما" أي بين السماء والأرض "ولملأته ريحًا"، وعن ابن عباس فيما ذكره ابن الملقن في شرحه: خلقت الحوراء من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثديها من المسك الأذفر، ومن ثديها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها من الكافور الأبيض. "ولنصيفها" بفتح لام التأكيد والنون وكسر الصاد المهملة وسكون التحتية وبالفاء أي خمارها (على رأسها خير من الدنيا وما فيها).
وعند الطبراني من حديث أنس مرفوعًا للنبي ﷺ عن جبريل (لو أن بعض بنانها بدا لغلب ضوءه الشمس والقمر ولو أن طاقة من شعرها بدت لملأت ما بين المشرق والمغرب من طيب ريحها) الحديث.
٧ - باب تَمَنِّي الشَّهَادَةِ
٢٧٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْدو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ».
(باب تمني الشهادة).
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول): "والذي نفسي بيده" بسكون الفاء قال عياض واليد هنا الملك والقدرة (لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله) بالزاي، ولأبي ذر: تغدو بالدال المهملة بدل الزاي من الغدو، وفي رواية أبي زرعة بن عمرو في باب الجهاد من الإيمان: لولا أن أشق على أمتي، ورواية الباب تفسر المراد بالمشقّة المذكورة وهي أن نفوسهم لا تطيب بالتخلف ولا يقدرون على التأهب لعجزهم عن آلة السفر من مركوب وغيره تعذّر وجوده عند النبي ﷺ ، وصرح بذلك في رواية همام عند مسلم
стр. 1940
ولفظه: ولكن لا أجد سعة أحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي. قاله في الفتح:
(والذي نفسي بيده لوددت) بفتى اللام والواو وكسر الدال الأولى وتسكين الثانية (أني أقتل في سبيل الله ثم أحيى) بضم الهمزة على البناء للمفعول (ثم أقتل ثم أحيى ثم أقتل ثم أحيى، ثم أقتل) بتكرير ثم ست مرات. قال الطيبي: ثم وإن دلّ على التراخي في الزمان لكن الحمل على التراخي في الرتبة هو الوجه لأن المتمنى حصول درجات بعد القتل والإحياء لم تحصل قبل ومن ثم كررها لنيل مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى، ولأبي ذر: فأقتل بالفاء في الثلاثة عوض "ثم" وقال في الفتح: ثم إن النكتة إيراد هذه عقب تلك إرادة تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته لهم فكأنه قال الوجه الذي تسيرون إليه فيه من الفضل ما أتمنى لأجله أن أقتل مرات
فمهما فاتكم من مرافقتي والقعود معي من الفضل يحصل لكم مثله أو فوقه من فضل الجهاد فراعى خواطر الجميع.
واستشكل هذا التمني منه ﵊ مع علمه بأنه لا يقتل. وأجيب بأن تمني الفضل والخير لا يستلزم الوقوع فكأنه ﵊ أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المؤمنين عليه.
٢٧٩٨ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ. وَقَالَ: مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ عِنْدَنَا". قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ".
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن يعقوب الصفار) بفتح الصاد المهملة وتشديد الفاء وبعد الألف راء الكوفي وليس له في البخاري سوى هذا الحديث قال (حدّثنا إسماعيل بن علية) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد التحتية (عن أيوب) السختياني (عن حميد بن هلال) العدوي البصري (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: خطب النبي ﷺ ¬) بعد أن أرسل سرية إلى مؤتة في جمادي الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيدًا وقال "إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة" فاقتتلوا مع الكفار فأصيب زيد (فقال) ﵊:
(أخذ الراية زيد فأصيب)، أي قتل (ثم أخذها جعفر فأصيب. ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة) بكسر الهمزة وسكون الميم أي من غير أن يؤمره أحد لكنه لما رأى المصلحة في ذلك فعله (ففتح له) بضم الفاء الثانية (وقال) ﵊ (ما يسرنا أنهم) أي الذين أصيبوا (عندنا). وإنما قال ﵊ ذلك لعلمه بما صاروا إليه من الكرامة (قال أيوب) السختياني: (أو قال) ﵊: (ما يسرهم أنهم عندنا)، لتحققهم خيرية ما حصلوا عليه من السعادة العظمى والدرجة العليا قال ذلك (وعيناه تذرفان) بفتح الفوقية وسكون الذال المعجمة وكسر الراء تسيلان دمعًا على فراقهم أو رحمة لما خلفوه من عيال وأطفال يحزنون لفراقهم ولا يعرفون مقدار عاقبتهم وما لهم عند الله تعالى والجملة حالية.
٨ - باب فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ فَهُوَ مِنْهُمْ
وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وَقَعَ: وَجَبَ.
(باب فضل من يصرع في سبيل الله فمات) عطف على يصرع وعطف الماضي على المضارع قليل، وكان الأصل أن يقول: من صرع فمات أو من يصرع فيمت، وسقط للنسفي لفظ فمات وجواب الشرط قوله: (فهو منهم) أي من المجاهدين، (وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على فضل، ولأبي ذر: بدل قوله تعالى: (﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت﴾) بقتل أو وقوع من دابة أو غير ذلك (﴿فقد وقع أجره على الله﴾) [النساء: ١٠٠] (وقع) أي: (وجب) هذا تفسير أبي عبيدة في المجاز، وسقط قوله وقع وجب للمستملي، وروى الطبري أن الآية نزلت في رجل مسلم كان مقيمًا بمكة فلما سمع قوله تعالى: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ [النساء: ٩٧] قال لأهله وهو مريض: أخرجوني إلى جهة المدينة فأخرجوه فمات في الطريق فنزلت، واسمه ضمرة على الصحيح.
٢٧٩٩ و ٢٨٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ قَالَتْ: "نَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ، فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَىَّ يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْرَ الأَخْضَرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، قَالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا. ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالَتْ: مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا، فَقَالَتِ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ. فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزوَتهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثنا بحيى) بن سعيد الأنصاري (عن محمد بن يحيي بن حبان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة (عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام) بفتح الحاء والراء المهملتين (بنت ملحان)
стр. 1941
بكسر الميم وسكون اللام بعدها حاء مهملة أنها (قالت: نام النبي ﷺ يومًا قريبًا مني، ثم استيقظ) حال كونه (يتبسم)، وفي رواية مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس في باب: الدعاء بالجهاد وهو يضحك (فقلت: ما أضحكك؟ قال):
(أناس من أمتي عرضوا عليّ يركبون هذا البحر الأخضر) قال الزركشي وتبعه الدماميني قيل المراد الأسود، وقال الكرماني الأخضر صفة لازمة للبحر لا مخصصة إذ كل البحار خضر.
فإن قلت: الماء بسيط لا لون له. قلت: تتوهم الخضرة من انعكاس الهواء وسائر مقابلاته إليه اهـ.
(كالملوك على الأسرّة) في الدنيا أو في الجنة (قالت: فادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها. ثم نام) ﵊ (الثانية. ففعل مثلها)، أي من التبسم (فقالت مثل قولها). أي ما
أضحكك (فأجابها مثلها) أي مثل الأولى من العرض، لكن قيل: إن المعروضين راكبو البر (فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال): (أنت من الأوّلين). أي الذين يركبون البحر الأخضر (فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت) حال كونه (غازيًا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية) بن أبي سفيان في خلافة عثمان ﵃ (فلما انصرفوا من غزوهم) ولأبي ذر: من غزوتهم بزيادة تاء التأنيث (قافلين) أي راجعين (فنزلوا الشام فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت) والفاء في فصرعتها فصيحة أي فركبتها فصرعتها.
وهذا الحديث قد سبق في باب الدعاء بالجهاد.
٩ - باب مَنْ يُنْكَبُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
٢٨٠١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ خَالِي: أَتَقَدَّمُكُمْ، فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلاَّ كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا. فَتَقَدَّمَ فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَوْمَؤوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ إِلاَّ رَجُلاً أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ، قَالَ هَمَّامٌ: وَأرَاهُ آخَرَ مَعَهُ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ؛ فَكُنَّا نَقْرَأُ أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا؛ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ وَبَنِي عُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ".
(باب) فضل (من ينكب في سبيل الله) بضم أوله وفتح ثالثه وآخره موحدة أي من أدمي عضو منه أو أعم وفي بعض النسخ تنكب على وزن تفعل.
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر الحوضي) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وبالضاد المعجمة نسبة إلى حوض داود محلة ببغداد وسقط الحوضي لأبي ذر قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى البصري (عن إسحاق) بن عبد الله بن أبي طلحة (عن أنس ﵁) أنه (قال: بعث النبي ﷺ أقوامًا من بني سليم إلى بني عامر في سبعين) وهم المشهورون بالقرّاء لأنهم كانوا أكثر قراءة من غيرهم، وسليم: بضم السين المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وقد وهم الدمياطي هذه الرواية بأن بني سليم مبعوث إليهم والمبعوث هم القرّاء وهم من الأنصار، وقال ابن حجر: التحقيق أن المبعوث إليهم بنو عامر وأما بنو سليم فغدروا بالقرّاء المذكورين، والوهم في هذا السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري، فقد أخرجه هو في المغازي عن موسى بن إسماعيل عن
همام فقال: بعث أخًا لأم سليم في سبعين راكب وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل الحديث.
فلعل الأصل بعث أقوامًا معهم أخو أم سليم إلى بني عامر فصارت من بني سليم. (فلما قدموا) بئر معونة (قال لهم خالي): حرام بن ملحان (أتقدمكم)، أي إلى بني سليم (فإن أمنوني) بتشديد الميم (حتى أبلّغهم) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد اللام المكسورة (عن رسول الله ﷺ ¬) أنه يدعوهم إلى الإيمان (وإلاّ) أي وإن لم يؤمنوني (كنتم مني قريبًا، فتقدم) إليهم (فأمنوه فبينما) بالميم هو (يحدّثهم) أي يحدّث بني سليم (عن النبي ﷺ إذ أومؤوا) جواب بينما أي أشاروا وفي رواية أومئ بضم الهمزة وكسر الميم أي أشير (إلى رجل منهم) هو عامر بن الطفيل (فطعنه) برمح (فأنفذه) بالفاء والذال المعجمة في جنبه حتى خرج من الشق الآخر (فقال): أي حرام المطعون (الله أكبر فزت) بالشهادة (ورب الكعبة ثم مالوا على بقية أصحابه) أي أصحاب حرام (فقتلوهم إلا رجلاً أعرج) بالنصب، وهذا الرجل هو كعب بن يزيد الأنصاري وهو من بني أمية كما عند الإسماعيلي، ولأبي ذر: رجل أعرج بالرفع، وقال الكرماني: وفي بعضها يكتب بدون ألف على اللغة الربيعية (صعد الجبل. قال همام): الراوي (فأراه) بضم الهمزة بعد الفاء ولأبي ذر وأراه بالواو أي أظنه (آخر معه) هو عمرو بن أمية الضمري (فأخبر جبريل ﵊ النبي ﷺ أنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم
стр. 1942
وأرضاهم فكنا نقرأ) أي في جملة القرآن (أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ثم نسخ) لفظه (بعد) من التلاوة.
وهاهنا تنبيه وهو: هل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسها المحدّث ويقرأها الجنب؟ قال الآمدي: تردد فيه الأصوليون والأشبه المنع من ذلك، وكلام السهيلي يقتضي خلاف ذلك فإنه قال: إن هذا المذكور ليس عليه رونق الإعجاز، إنه لم ينزل بهذا النظم ولكن بنظم معجز كنظم القرآن، فإن قيل: إنه خبر فلا ينسخ؟ قلنا: لم ينسخ منه الخبر وإنما نسخ منه الحكم فإن حكم القرآن أن يتلى في الصلاة وأن لا يمسه إلا طاهر وأن يكتب بين الدفتين وأن يكون تعلمه فرض كفاية وكل ما نسخ رفعت منه هذه الأحكام وإن بقي محفوظًا فهو منسوخ، فإن تضمن حكمًا جاز أن يبقى ذلك الحكم معمولاً به اهـ.
وزاد ابن جرير من طريق عمر بن يونس عن عكرمة عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس وأنزل الله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩] (فدعا عليهم) ﷺ (أربعين صباحًا) في القنوت (على رعل) بكسر الراء وسكون العين المهملة آخره لام مجرور بدل من عليهم بإعادة العامل ورعل هم بطن من بني سليم (وذكوان) بفتح المعجمة وسكون الكاف (وبني لحيان) بكسر اللام وسكون الحاء المهملة (وبني عصية) بضم العين وفتح الصاد المهملتين وتشديد الياء التحتية (الذين عصوا الله ورسوله ﷺ ¬) وسيأتي في أواخر الجهاد إن شاء الله تعالى أنه دعا على أحياء من بني سليم حيث قتلوا القراء. قال في الفتح: وهو أصرح في المقصود.
٢٨٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ قَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ".
[الحديث ٢٨٠٢ - طرفه في: ٦١٤٦].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن الأسود بن قيس) ولأبي ذر هو ابن قيس (عن جندب بن سفيان) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها ابن عبد الله بن سفيان ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان في بعض المشاهد) أي أمكنة الشهادة قيل كان في غزوة أُحُد (وقد دميت أصبعه) بفتح الدال أي جرحت أصبعه فظهر منها الدم (فقال): مخاطبًا لها لما توجعت على سبيل الاستعارة أو حقيقة على سبيل المعجزة تسلية لها:
(هل أنتِ إلا أصبع دميت) بفتح الدال وسكون التحتية وكسر الفوقية صفة للأصبع والمستثنى فيه أعم عام الصفة لم ما أنت بأصبع موصوفة بشيء إلا بأن دميت فتثبتي فإنك ما ابتليت بشيء من الهلاك أو القطع إلا أنك دميت ولم يكن ذلك هدرًا (و) لكنه (في سبيل الله) ورضاه (ما لقيت).
بسكون التحتية وكسر الفوقية، ولغير أبي ذر: دميت لقيت بسكون الفوقية، وهذا مما تعلق به الملحدون في الطعن فقالوا: هذا شعر نطق به، والقرآن ينفي عنه أن يكون شاعرًا وأجيب بأنه رجز والرجز ليس بشعر على مذهب الأخفش وإنما يقال لصاحبه فلان الراجز لا الشاعر إذ الشعر لا يكون إلا بيتًا تامًّا مقفى على أحد أنواع العروض المشهورة وبأن الشعر لا بدّ فيه من قصد ذلك فما لم يكن مصدره عن نيّة له وروية فيه وإنما هو اتفاق كلام يقع موزونًا ليس منه فالمنفي صنعة الشاعرية لا غير.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الأدب ومسلم في المغازي والترمذي في التفسير والنسائي في اليوم والليلة.
١٠ - باب مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
(باب) فضل (من يجرح في سبيل الله بضم التحتية وسكون الجيم.
٢٨٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(و) الله (الذي نفسي بيده) بقدرته أو في ملكه (لا يكلم) بضم التحتية وسكون الكاف وفتح اللام أي لا يجرح (أحد) مسلم (في سبيل الله) أي في الجهاد ويشمل من جرح في ذات الله وكل ما دافع فيه المرء بحق فأصيب فهو مجاهد كقتال البغاة وقطاع الطريق وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعند مسلم من طريق همام عن أبي هريرة: كل كلم يكلمه المسلم (-والله أعلم بمن يكلم) يجرح (في سبيله-) جملة
стр. 1943
معترضة بين المستثنى منه والمستثنى مؤكدة مقررة لمعنى المعترض فيه وتفخيم شأن من يكلم في سبيل الله، ومعناه والله أعلم تعظيم شأن من يكلم في سبيل الله ونظيره قوله تعالى: ﴿قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى﴾ [آل عمران: ٣٦] أي والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، ويجوز أن يكون تتميمًا للصيانة عن الرياء والسمعة وتنبيهًا على الإخلاص في الغزو وأن الثواب المذكور إنما هو لمن أخلص فيه وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا (إلا جاء يوم القيامة و) جرحه يثعب بالمثلثة والعين المهملة يجري دمًا (اللون لون الدم والريح ريح المسك). أي كريح المسك إذ ليس هو مسكًا حقيقة بخلاف اللون لون الدم فلا حاجة فيه لتقدير ذلك لأنه دم حقيقة فليس له من أحكام الدنيا والصفات فيها إلا اللون فقط، وظاهر قوله في رواية مسلم: كل كلم يكلمه المسلم أنه لا فرق في ذلك بين أن يستشهد أو تبرأ جراحته، لكن الظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا من فارق الدنيا وجرحه كذلك، ويؤيده ما رواه ابن حبان في حديث معاذ: عليه طابع الشهداء، والحكمة في بعثته كذلك أن يكون معه شاهد فضيلته ببذله نفسه في طاعة الله ، ولأصحاب السُّنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث معاذ بن جبل: من جرح جرحًا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها الزعفران وريحها المسك.
قال الحافظ ابن حجر: وعرف بهذه الزيادة أن الصفة المذكورة لا تختص بالشهيد بل هي حاصلة لكل من جرح كذا قال فليتأمل.
وقال النووي: قالوا وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار فيدخل فيه من جرح في سبيل الله في قتال البغاة وقطاع الطريق وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك، وكذا قال ابن عبد البرّ واستشهد على ذلك بقوله ﵊: "من قتل دون ماله فهو شهيد". لكن قال الولي بن العراقي: قد يتوقف في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفصل لإشارة النبي ﷺ إلى اعتبار الإخلاص في ذلك بقوله: والله أعلم بمن يكلم في سبيله والمقاتل دون ماله لا يقصد بذلك وجه الله وإنما يقصد صون ماله وحفظه فهو يفعل ذلك بداعية الطبع لا بداعية الشرع، ولا يلزم من كونه شهيدًا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك وأيّ بذل بذل نفسه فيه لله حتى يستحق هذا الفضل.
وهذا الحديث أورده المؤلّف في باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء من كتاب الطهارة وسبق البحث في وجه ذكره ثَمَّ.
١١ - باب قَوْلِ اللَّهِ : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] وَالْحَرْبُ سِجَالٌ
(باب) ذكر (قول الله تعالى) ولأبي ذر: (﴿قل هل تربصون بنا﴾) تنتظرون بنا (﴿إلا إحدى الحسنيين﴾) [التوبة: ٥٢] إلا إحدى العاقبتين اللتيَن كلٌّ منهما حسنى العواقب الفتح أو الشهادة وسقط قوله قل لغير أبي الوقت (والحرب سجال) بكسر السين المهملة وتخفيف الجيم أي تارة وتارة ففي غلبة المسلمين يكون لهم الفتح وفي غلبة المشركين يكون للمسلمين الشهادة.
٢٨٠٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ "أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ، فَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبة إلى جده واسم أبيه عبد الله المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله بن عبد الله) بضم العين من الأول مصغرًا ابن عتبة بن مسعود (أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان) زاد أبو ذر ابن حرب (أخبره أن هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف آخره لام ملك الروم الملقب بقيصر (قال له) أي لأبي سفيان (سألتك كيف كان قتالكم إياه) ﵊ بفصل ثاني الضميرين قيل: هو أصوب من وصله ونص عليه الزمخشري (فزعمت أن الحرب سجال ودول)، بكسر الدال ولأبي ذر ودول بضمها قال القزاز: العرب تقول الأيام دول ودول ثلاث لغات فقيل بالضم الاسم وبالفتح المصدر، وفي بدء الوحي من طريق شعيب عن الزهري: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه،
стр. 1944
(فكذلك الرسل تبتلى) أي تختبر (ثم تكون لهم العاقبة).
وهذه قطعة من حديث سبق في أوائل الكتاب.
١٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ :
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٣].
(باب قول الله تعالى) ولأبي ذر: : (﴿من المؤمنين رجال﴾) مبتدأ وخبره مقدّم (﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾) أوّل ما خرجوا إلى أحد لا يولون الأدبار وقال مقاتل ليلة العقبة: من الثبات مع رسول الله ﷺ والمقاتلة لإعلاء الدين من صدقني إذ قال لي الصدق فإن المعاهد إذا أوفى بعهده
فقد صدق فيه (﴿فمنهم من قضى نحبه﴾) أي نذره بأن قاتل حتى استشهد كأنس بن النضر وطلحة والنحب النذر استعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان (﴿ومنهم من ينتظر﴾) الشهادة كعثمان (﴿وما بدلوا﴾) العهد ولا غيروه (﴿تبديلاً﴾) [الأحزاب: ٢٣] بل استمروا على ما عاهدوا الله عليه وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلاّ فرارًا وقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار.
٢٨٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْخُزَاعِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ح. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ حَدَّثَنَا زِيَادٌ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي أَصْحَابَهُ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ. ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ، إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ. قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلاَّ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَرَى -أَوْ نَظُنُّ- أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ".
[الحديث ٢٨٠٥ - طرفاه في: ٤٠٤٨، ٤٧٨٣].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سعيد) بكسر العين (الخزاعي) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الزاي وبالعين المهملة البصري الملقب بمردويه قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي بالسين المهملة (عن حميد) الطويل (قال: سألت أنسًا).
(حدّثنا) ولأبي ذر قال: وحدّثني بالإفراد، وفي نسخة ح لتحويل السند: وحدّثنا (عمرو بن زرارة) بفتح العين وسكون الميم وزرارة بضم الزاي وتخفيف الراءين بينهما ألف ابن واقد الهلالي قال: (حدّثنا زياد) بكسر الزاي وتخفيف التحتية ابن عبد الله العامري البكائي (قال: حدّثني) بالإفراد (حميد الطويل عن أنس ﵁) أنه (قال: غاب عمي أنس بن النضر) بالنون والضاد المعجمة (عن قتال بدر فقال: يا رسول الله: غبت عن أوّل قتال قاتلت المشركين) لأن غزوة بدر هي أولى غزوة غرّاها رسول الله ﷺ وكانت في السنة الثانية من الهجرة (لئن الله أشهدني) أي أحضرني (قتال المشركين ليرين الله) بنون التوكيد الثقيلة واللام جواب القسم المقدّر ولأبي ذر عن المستملي ليراني الله بألف بعد الراء وتحتية بعد النون المكسورة المخففة (ما أصنع فلما كان يوم أُحُد) برفع يوم على أنه فاعل بكان التامة وفي الفرع وأصله يوم بالنصب أيضًا على الظرفية أي يوم قتال أُحُد أو أطلق اليوم
وأراد الواقعة فهو إضمار أو مجاز قاله الكرماني (وانكشف المسلمون)، وفي رواية الإسماعيلي: وانهزم الناس وهو معنى انكشف (قال) أنس بن النضر: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه) المسلمين من الفرار (وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين) من القتال فاعتذر عن الأولياء وتبرأ عن الأعداء مع أنه لم يرض الأمرين جميعًا (ثم تقدم) نحو المشركين (فاستقبله) أي استقبل أنس بن النضر (سعد بن معاذ) بضم الميم آخره ذال معجمة وزاد في مسند الطيالسي من طريق ثابت عن أنس منهزمًا (فقال: يا سعد بن معاذ) أريد (الجنة ورب النضر) أي والده (إني أجد ريحها) أي ريح الجنة حقيقة أو وجد ريحًا طيبة ذكره طيبها بطيب ريح الجنة (من دون أحد) أي عنده (قال سعد): هو ابن معاذ (فما استطعت يا رسول الله ما صنع) من إقدامه ولا صنيعه في المشركين من القتل مع أني شجاع كامل القوّة، ولا ما وقع له من الصبر بحيث وجد في جسده ما يزيد على الثمانين من ضربة وطعنة ورمية، كما (قال أنس) هو ابن مالك (فوجدنا به) أي بابن النضر (بضعًا) بكسر الموحدة وقد تفتح (وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم) قال العيني: وكلمة أو في الموضعين للتنويع وفي رواية عبد الله بن بكر عن حميد عند الحرث بن أبي أسامة. قال أنس: فوجدناه بين القتلى (ووجدناه قد قتل وقد مثّل به المشركون) بفتح الميم وتشديد المثلثة من المثلة أي قطعوا أعضاءه من أنف وأُذن وغيرهما (فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه) بإصبعه أو بطرف إصبعه (قال أنس): هو ابن مالك (كنا نرى) بضم النون (أو نظن) شك من الراوي وهما بمعنى واحد (أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿من المؤمنين
стр. 1945
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الأية).
٢٨٠٦ - وَقَالَ: "إِنَّ أُخْتَهُ -وَهْيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَرَضُوا بِالأَرْشِ وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ".
(وقال: إن أخته-) أي أخت أنس بن النضر وهي عمة أنس بن مالك (وهي تسمى الربيع-) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية (كسرت ثنية امرأة) زاد في الصلح فطلبوا الأرش وطلبوا العفو فأبو فأتوا النبي ﷺ (فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس): هو ابن النضر المستشهد يوم أُحُد (يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنينها)، قاله توقعًا ورجاءً من فضله تعالى أن يرضى خصمها ليعفو عنها ابتغاء مرضاته (فرضوا بالأرش) عوضًا عن القصاص (وتركوا القصاص، فقال رسول الله ﷺ ¬):
(إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه) في قسمه وهو ضد الحنث وقصة الربيع هذه سبقت في باب الصلح في الدّية من كتاب الصلح.
٢٨٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وحَدَّثَنا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ أُرَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: "نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلاَّ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ، وَهْوَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ "
[الحديث ٢٨٠٧ - أطرافه في: ٤٠٤٩، ٤٦٧٩، ٤٧٨٤، ٤٩٨٦، ٤٩٨٨، ٤٩٨٩، ٧١٩١، ٧٤٢٥].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب.
(وحدّثنا) ولغير أبي ذر حدّثني بالإفراد وإسقاط واو العطف، وفي نسخة ح للتحويل وحدّثني بالإفراد والواو (إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (أخي) أبو بكر عبد الحميد (عن سليمان) بن بلال (أراه) بضم الهمزة أي أظنه (عن محمد بن أبي عتيق عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن خارجة بن زيد) الأنصاري (أن زيد بن ثابت) الأنصاري (﵁) واللفظ لابن أبي عتيق ويأتي لفظ شعيب إن شاء الله تعالى في سورة الأحزاب (قال: نسخت الصحف في المصاحف ففقدت) بفتح القاف (آية من سورة الأحزاب) وسقط لأبي ذر سورة (كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين) خصوصية له ﵁ لما كلم ﵊ رجلاً في شيء فأنكره فقال خزيمة: أنا أشهد فقال ﵊: "أتشهد ولم تستشهد" فقال: نحن نصدقك على خبر السماء فكيف بهذا فأمضى شهادته وجعلها بشهادتين وقال لا تعد (وهو قوله) تعالى: (﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾) [الأحزاب: ٢٣].
واستشكل كونه أثبتها في المصحف بقول واحد أو اثنين إذ شرط كونه قرآنًا التواتر. وأجيب: بأنه كان متواترًا عندهم ولذا قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، وقد روي أن عمر ﵁ قال: أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ، وكذا عن أُبي بن كعب وهلال بن أمية فهؤلاء جماعة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير وفي فضائل القرآن والترمذي والنسائي في التفسير هذا.
١٣ - باب عَمَلٌ صَالِحٌ قَبْلَ الْقِتَالِ
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٢ - ٤].
(باب) بالتنوين يذكر فيه (عمل صالح قبل القتال): وفي نسخة باب عمل صالح بالإضافة.
(وقال أبو الدرداء): عويمر بن مالك الأنصاري مما ذكره الدينوري في المجالسة (إنما تقاتلون بأعمالكم) أي متلبسين بأعمالكم، (وقوله بالرفع عطفًا على المرفوع السابق (﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾). كان المؤمنون يقولون لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون﴾ [الصف: ٤] فكرهوا القتال فوعظهم الله وأدّبهم فقال: لِمَ تقولون ما لا تفعلون (﴿كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾) أي عظم ذلك في البغض وهذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه قصد في كبر التعجب من غير لفظه، ومعنى التعجب بتعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند كُبر إلى أن تقولوا ونصب مقتًا على تفسيره دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه لفرط تمكن المقت منه واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه (﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله﴾) أي في طاعته (﴿صفًّا﴾) صافين أنفسهم (﴿كأنهم بنيان مرصوص﴾) [الصف: ٣، ٤] أي كأنهم في تراصّهم بنيان رصّ بعضه إلى بعض والمراد أنهم لا يزولون عن أماكنهم، ولفظ رواية أبي ذر بعد قوله: ﴿ما لا تفعلون﴾ إلى قوله: ﴿كأنهم بنيان مرصوص﴾ فلم يذكر ما بينهما.
قال ابن المنير: ومناسبة الآية
стр. 1946
للترجمة فيها خفاء وكأنه من جهة أن الله تعالى عاتب من قال أنه يفعل الخير ولم يفعله وأثنى على من وفى وثبت عند القتال أو من جهة أنه أنكر على من قدّم على القتال قولاّ غير مرضي، ومفهومه ثبوت الفضل في تقديم الصدق والعزم الصحيح على الوفاء وذلك من أصلح الأعمال. وقال الكرماني: والمقصود من ذكر هذه الآية ذكره ﴿صفًّا﴾ إذ هو عمل صالح قبل القتال.
٢٨٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْفَزَارِيُّ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: "أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُ أَوْ أُسْلِمُ؟ قَالَ: أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ. فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَمِلَ قَلِيلاً وَأُجِرَ كَثِيرًا".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) المعروف بصاعقة قال: (حدّثنا شبابة بن سوار) بفتح الشين المعجمة وتخفيف الموحدة وبعد الألف موحدة ثانية وسوار بفتح السين المهملة وتشديد الواو وبعد الألف راء (الفزاري) بفتح الفاء وتخفيف الزاي قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سمعت البراء) بن عازب (¬﵁ يقول: أتى النبي ﷺ رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم
أعرف اسمه لكنه أنصاري أوسي من بني النبيت بنون مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية ساكنة ففوقية كما في مسلم، ولولا ذلك لأمكن تفسيره بعمرو بن ثابت بن وقش بفتح الواو والقاف بعدها معجمة وهو المعروف بأصيرم بني عبد الأشهل فإن بني عبد الأشهل بطن من الأنصار من الأوس وهم غير بني النبيت، ويمكن أن يحمل على أن له في بني النبيت نسبة فإنهم إخوة بني عبد الأشهل يجمعهم الانتساب إلى الأوس (مقنع) بفتح القاف والنون المشددة أي غطى وجهه (بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل وأسلم)؟ ولأبي ذر عن المستملي: أو أسلم (قال) ﵊:
(أسلم ثم قاتل) (فأسلم ثم قاتل فقتل فقال رسول الله ﷺ ¬): (عمل قليلاً وأجر) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أجرًا (كثيرًا) بالمثلثة. وأخرج ابن إسحاق في المغازي بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: "أخبروني عن رجل دخل الجنة لم يصلِّ صلاة ثم يقول هو عمرو بن ثابت".
١٤ - باب مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ
(باب من أتاه سهم غرب فقتله) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء آخره موحدة منوّنًا كسهم صفة له قال أبو عبيد وغيره أي لا يعرف راميه أو لا يعرف من أين أتى أو جاء على غير قصد من راميه وعن أبي زيد فيما حكاه الهروي إن جاء من حيث لا يعرف فهو بالتنوين والإسكان وإن عرف راميه لكن أصاب من لم يقصد فهو بالإضافة وفتح الراء، وأنكر ابن قتيبة السكون ونسبه لقول العامة وجوّز الفتح إضافة سهم لغرب.
٢٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ- فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ. قَالَ: يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى".
[الحديث ٢٨٠٩ - أطرافه في: ٣٩٨٢، ٦٥٥٠، ٦٥٦٧].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله) هو محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي كما جزم به الكلاباذي وتبعه غيره وقد نسبه المؤلّف إلى جده قال: (حدّثنا حسين بن محمد) بضم الحاء وفتح السين (أبو أحمد) بن بهرام التميمي المروذي سكن بغداد قال: (حدّثنا شيبان) بفتح المعجمة أبو معاوية النحوي (عن قتادة) بن دعامة أنه قال: (حدّثنا أنس بن مالك أن أم الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة (بنت البراء) بنصب بنت وتخفيف راء البراء وهذا وهم والصواب المعروف أن الربيع بنت النضر بن ضمضم عمة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم، وقال ابن الأثير في جامعه: إنه الذي وقع في كتب النسب والمغازي وأسماء الصحابة. قال ابن حجر: وليس
هذا بقادح في صحة الحديث ولا في ضبط رواته. (وهي أم حارثة بن سراقة) بضم السين المهملة وتخفيف الراء والقاف وحارثة بالحاء المهملة والمثلثة الأنصاري (أتت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله ألا تحدّثني عن حارثة)؟ بضم المثلثة من تحدّثني (وكان قتل يوم) وقعة (بدر أصابه سهم غرب) بتنوين سهم وغرب مع سكون الراء، ولأبي ذر: غرب بفتح الراء. قال ابن قتيبة: وهو الأجود لكنه ذكره مع إضافة سهم لغرب وقد مرّ مع غيره أوّلاً، (فإن كان في الجنة صبرت) قال ابن المنير: إنما شكت فيه لأن العدوّ لم يقتله قصدًّا وكأنها فهمت أن الشهيد هو الذي يقتل قصدًا لأنه الأغلب، فنزلت الكلام على الغالب حتى بيّن لها الرسول العموم (وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء).
نقل الحافظ ابن حجر وتبعه العيني عن الخطابي ما نصه:
стр. 1947
أقرّها النبي ﷺ على هذا فيؤخذ منه الجواز ثم تعقباه بأن ذلك كان قبل تحريم النوح فلا دلالة فيه فإن تحريمه كان في غزوة أُحُد، وهذه القصة كانت عقب غزوة بدر وفي هذا نظر لا يخفى فإنها لم تقل اجتهدت عليه في النوح ولا يلزم من الاجتهاد في البكاء النوح وليس فيما نقلاه عن الخطابي ما يفهم ذلك، بل قوله أقرّها على هذا إشارة إلى البكاء المذكور في الحديث، ولا ريب أن البكاء على الميت قبل الدفن وبعده جائز اتفاقًا فليتأمل.
(قال) ﵊ (يا أم حارثة، إنها جنان) أي درجات (في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) فرجعت وهي تضحك وتقول: بخ بخ لك يا حارثة والضمير في قوله إنها مبهم يفسره ما بعده كقولهم: هي العرب تقول ما تشاء، ويجوز أن يكون الضمير للشأن، وجنان مبتدأ والتنكير فيه للتعظيم والمراد بذلك التفخيم والتعظيم.
(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطت البسملة لأبي ذر.
١٥ - باب مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا
(باب) فضل (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا).
٢٨١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) بفتح العين وسكون الميم هو ابن مرة (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس (¬﵁¬) أنه (قال: جاء رجل) هو لاحق بن ضميرة الباهلي كما عند أبي موسى المديني
في الصحابة (إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر) بين الناس ويشتهر بالشجاعة (والرجل يقاتل ليُرَى) بضم الياء وفتح الراء مبنيًّا للمفعول (مكانه) بالرفع نائب عن الفاعل أي مرتبته في الشجاعة، وفي رواية الأعمش عن أبي وائل الآتية إن شاء الله تعالى في التوحيد ويقاتل رياء، وزاد في رواية منصور عن أبي وائل السابقة في العلم والأعمش ويقاتل حمية وفي رواية منصور ويقاتل غضبًا فتحصل أن أسباب القتال خمسة طلب المغنم وإظهار الشجاعة والرياء والحمية، والغضب (فمن في سبيل الله؟ قال) ﵊:
(من قاتل لتكون كلمة الله) أي كلمة التوحيد (هي العليا) بضم العين المهملة (فهو) المقاتل (في سبيل الله) لا طالب الغنيمة والشهرة ولا مُظهِر الشجاعة ولا للحميّة ولا للغضب فلو أضاف إلى الأوّل غيره أخلّ بذلك. نعم لو حصل ضمنًا لا أصلاً ومقصودًا لا يخل وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة بإسناد جيد قال: جاء رجل فقال يا رسول الله أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ قال: لا شيء له. فأعادها ثلاثًا كل ذلك يقول لا شيء له. ثم قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه". وقال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه اهـ.
وفي جوابه ﵊ بما ذكر غاية البلاغة والإيجاز فهو من جوامع كلمه ﷺ لأنه لو أجابه بأن جميع ما ذكره ليس في سبيل الله احتمل أن يكون ما عداه في سبيل الله وليس كذلك فعدل إلى لفظ جامع عدل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حالة المقاتل فتضمن الجواب وزيادة، وقد يفسر القتال للحمية بدفع المضرّة والقتال غضبًا بجلب المنفعة والذي يرى منزلته أي في سبيل الله فتناول ذلك المدح والذمّ فلذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا بالنفي قاله في فتح الباري.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الخمس والتوحيد، وسبق في العلم في باب: من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا.
١٦ - باب مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَسُولِ اللهِ -إِلَى قَوْلِهِ- إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
(باب) فضل (من اغبرت قدماه في سبيل الله) عند الاقتحام في المعارك لقتال الكفار وخص القدمين لكونهما العمدة في سائر الحركات. (وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على السابق ولأبي ذر: : (﴿ما كان لأهل المدينة﴾) ظاهره خبر ومعناه نهي (﴿ومن حولهم من الأعراب﴾) سكان البوادي مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار (﴿أن يتخلفوا عن رسول الله﴾) إذا غزا (إلى قوله: ﴿وإن الله لا
يضيع أجر المحسنين﴾) [التوبة: ١٢٠] ولغير أبي ذر: ﴿ما كان لأهل المدينة﴾ إلى قوله: ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ ومناسبة الآية للترجمة كما قال ابن
стр. 1948
بطال: إن الله تعالى قال في الآية ﴿ولا يطؤون موطئًا﴾ أي أرضًا يغيظ الكفار وطؤهم إياها ولا ينالون من عدوّ نيلاً أي لا يصيبون من عدوهم قتلاً أو أسرًا أو غنيمة إلا كتب لهم به عمل صالح قال: ففسر ﷺ العمل الصالح بأن النار لا تمس من عمل بذلك قال: والمراد بسبيل الله جميع طاعاته اهـ.
وعن عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبي ﷺ
يقول: "من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار".
رواه البخاري وفيه استعمال اللفظ في عمومه لكن المتبادر عند الاطلاق من لفظ سبيل الله الجهاد.
٢٨١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن منصور كما نسبه الأصيلي فيما ذكره الجياني قال: (أخبرنا) بالخاء المعجمة (محمد بن المبارك) الصوري قال: (حدّثنا يحيى بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي الحميري قاضي دمشق (قال: حدّثني) بالإفراد (يزيد بن أبي مريم) يزيد من الزيادة أبو عبد الله قال: (أخبرنا عباية بن رفاعة) بفتح عين عباية وتخفيف الموحدة والتحتية ورفاعة بكسر الراء وبالفاء وبعد الألف عين مهملة (ابن رافع بن خديج) بالفاء والعين المهملة وخديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد التحتية الساكنة جيم وسقط لغير أبي ذر ابن رفاعة، وسقط لأبي ذر ابن خديج (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو عبس) بفتع العين وسكون الموحدة آخره سين مهملة (هو عبد الرحمن بن جبر) بفتح الجيم وسكون الموحدة آخره راء وسقط هو عبد الرحمن ابن جبر لأبي ذر (أن رسول الله ﷺ قال):
(ما اغبرّت قدما عبد) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ما اغبرتا بالتثنية وهي لغة والأولى أفصح، وزاد أحمد من حديث أبي هريرة: "ساعة من نهار" (في سبيل الله فتمسه النار) بنصب تمسه أي أن المس ينتفي بوجود الغبار المذكور وإذا كان مسَّ الغبار قدميه دافعًا لمس النار إياه فكيف إذا سعى بهما واستفرغ جهده فقاتل حتى قتل وقتل؟ وفي الأوسط للطبراني عن أبي الدرداء مرفوعًا من اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله سائر جسده على النار وحديث الباب قد سبق في باب: المشي إلى الجمعة في كتاب الجمعة.
١٧ - باب مَسْحِ الْغُبَارِ عَنِ الرأسِ فِي سَبِيلِ الله
(باب) عدم كراهة (مسح الغبار عن الناس في السبيل) كذا في عدة نسخ مقابلة على اليونينية وفي بعض الأصول عن الرأس في سبيل الله، وقيل: إن التعبير بالناس تصحيف. قال العيني. ولا وجه لدعوى التصحيف لأنه إذا لم يكره مسح الغبار عن رأس من هو فى سبيل الله فكذلك مسح غيرها.
٢٨١٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ وَلِعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ائْتِيَا أَبَا سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا يَسْقِيَانِهِ، فَلَمَّا رَآنَا جَاءَ فَاحْتَبَى وَجَلَسَ فَقَالَ: "كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ الْمَسْجِدِ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الْغُبَارَ وَقَالَ: وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ».
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الرازي الصغير قال: (أخبرنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن عكرمة أن ابن عباس) ﵄ (قال له) أي لعكرمة (ولعلي) أي ولابنه عليّ (بن عبد الله) بن عباس أبي الحسن العابد (ائتيا أبا سعيد) الخدري ﵁ (فاسمعا من حديثه فأتيناه) ولأبي ذر عن الكشميهني فأتيا (وهو وأخوه) أي من الرضاعة وليس لأبي سعيد أخ شقيق ولا أخ من أبيه ولا من أمه إلا قتادة بن النعمان، ولا يصح أن يكون هو فإن عليّ بن عبد الله بن عباس ولد في آخر خلافة عليّ ومات قتادة بن النعمان، قبل ذلك في أواخر خلافة عمر. (في حائط) أي بستان (لهما يسقيانه، فلما رآنا) أبو سعيد (جاء) فأخذ رداءه (فاحتبى وجلس فقال: كنا ننقل لبن المسجد) بفتح اللام وكسر الموحدة طوبه النيء المتخذ لعمارته (لبنة لبنة) مرتين (وكان عمار) هو ابن ياسر (ينقل لبنتين لبنتين) ذرهما مرتين كلبنة (فمرّ به النبي ﷺ ومسح عن رأسه الغبار وقال): (ويح عمار تقتله الفئة الباغية)، هم أهل الشام، وسقط لأبي ذر قوله تقتله الفئة الباغية، وفي البزار أن أبا سعيد هذا الساقط عند أبي ذر من أصحابه لا من النبي ﷺ (عمار يدعوهم) أي يدعو عمار الفئة الباغية وهم أصحاب معاوية الذين قتلوه في وقعة صفين (إلى) طاعة (الله) إذ طاعة عليّ الإمام إذ ذاك من طاعة الله وقال ابن بطال: يريد والله أعلم أهل مكة الذين أخرجوا عمارًا من دياره وعذبوه في ذات الله
стр. 1949
قال: ولا يمكن أن يتأوّل ذلك على المسلمين لأنهم أجابوا دعوة الله تعالى، وإنما يدعى إلى الله من كان خارجًا عن الإسلام (ويدعونه) أي الفئة الباغية أو أهل مكة (إلى) سبب (النار) لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم لأنهم كانوا مجتهدين ظانين أنهم يدعونه إلى الجنة وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك فلا لوم عليهم في اتباع ظنونهم الناشئة عن الاجتهاد، وإذ قلنا المراد
أهل مكة وأنهم دعوه إلى الرجوع إلى الكفر، وأن هذا كان أول الإسلام فلم قال: يدعوهم بلفظ المستقبل فيكون قد عبّر بالمستقبل موضع الماضي كما يقع التعبير بالماضي موضع المستقبل فمعنى يدعوهم دعاهم إلى الله فأشار ﵊ إلى ذكر هذا لما طابقت شدّته في نقله لبنتين شدّته في صبره بمكة على العذاب تنبيهًا على فضيلته وثباته في أمر الله قاله ابن بطال.
والأول هو ظاهر السياق لا سيما مع قوله: تقتله الفئة الباغية، ولا يصح أن يقال: إن مراده الخوارج الذين بعث عليّ عمارًا يدعوهم إلى الجماعة لأن الخوارج إنما خرجوا على عليّ بعد قتل عمار بلا خلاف، فإن ابتداء أمر الخوارج كان عقب التحكيم، وكان عقب انتهاء القتال بصفّين، وكان قتل عمار قبل ذلك قطعًا، لكن ابن بطال تأدب حيث لم يتعرض لذكر صفين إبعادًا لأهلها عن نسبة البغي إليهم وفيما تقدم من الاعتذار عنهم بكونهم مجتهدين والمجتهد إذا أخطأ له أجر ما يكفي عن هذا التأويل البعيد.
وهذا الحديث قد مرّ في باب التعاون في بناء المسجد من كتاب الصلاة.
١٨ - باب الْغَسْلِ بَعْدَ الْحَرْبِ وَالْغُبَارِ
٢٨١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الْغُبَارُ فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ فَوَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَأَيْنَ؟ قَالَ: هَاهُنَا -وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ- قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ".
(باب) جواز (الغسل بعد الحرب والغبار).
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد) بغير نسبه ونسبة أبو ذر عن الكشميهني فقال محمد بن سلام بتخفيف اللام ابن الفرج السلمي البيكندي قال: (أخبرنا عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن سليمان (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ لما رجع يوم الخندق) الذي حفره الصحابة لما تحزبت عليهم الأحزاب بالمدينة سنة أربع أو سنة خمس (ووضع السلاح) وسقط لأبي ذر لفظ السلاح (واغتسل، فأتاه جبريل) ﵉ (و) الحال أنه (قد عصب رأسه الغبار) بتخفيف الصاد المهملة أي ركب على رأسه الغبار وعلق به كالعصابة تحيط بالرأس (فقال) له: (وضعت السلاح فوالله ما وضعته. فقال) له (رسول الله ﷺ ¬):
(فأين)؟ وفي المغازي من طريق عبد الله بن أبي شيبة عن ابن نمير عن هشام والله ما وضعناه فأخرج إليهم قال: "فإلى أين"؟ (قال: هاهنا وأومأ إلى بني قريظة) بضم القاف وفتح الراء وسكون
التحتية وفتح الظاء المعجمة قبيلة من اليهود (قالت) عائشة ﵂ (فخرج إليهم رسول الله ﷺ ¬):
وهذا الحديث أخرجه في المغازي أيضًا.
١٩ - باب فَضْلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٩ - ١٨١].
(باب فضل قول الله تعالى): أي فضل من ورد فيه قول الله تعالى، ولأبي ذر: (﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء) أي بل هم أحياء (﴿عند ربهم﴾) ذوو زلفى منه (﴿يرزقون﴾) من الجنة (﴿فرحين﴾) حال من الضمير في يرزقون (﴿بما آتاهم الله من فضله﴾) وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والقرب من الله تعالى والتمتع بنعيم الجنة (﴿ويستبشرون﴾) عطف على فرحين أي يسرون بالبشارة (﴿بالذين لم يلحقوا بهم﴾) أي بإخوانهم المؤمنين الذين فارقوهم أحياء فيلحقوا بهم (﴿من خلفهم ألاّ خوف عليهم﴾) فيمن خلفوهم من ذريتهم (﴿ولا هم يحزنون﴾) على ما خلفوا من أموالهم (﴿يستبشرون﴾) قال القاضي كرره للتوكيد، أو ليعلق به ما هو بيان لقوله (أن لا خوف عليهم) ويجوز أن يكون الأول بحال إخوانهم وهذا بحال أنفسهم (﴿بنعمة من الله﴾) ثواب لأعمالهم (﴿وفضل﴾) زيادة عليه كقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] وتنكيرهما للتعظيم (﴿وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾) [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠ - ١٧١] من جملة المستبشر به عطف على فضل.
وفي حديث ابن عباس عند الإمام أحمد مرفوعًا: الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم
стр. 1950
رزقهم بكرةً وعشيًّا. وقال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة بالشهداء قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة فإذا شهدوا القتال باشروه بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر الله رسول الله ﷺ بأمرهم وما هم فيه من الكرامة وأخبرهم أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه فاستبشروا فذلك قوله تعالى: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾ [آل عمران: ١٧٠] الآية.
وسياق الآيتين الكريمتين ثابت في رواية الأصيلي وكريمة، وقال في رواية أبي ذر: يرزقون -إلى- وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين.
٢٨١٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ
مَعُونَةَ. ثَلَاثِينَ غَدَاةً، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ أَنَسٌ: أُنْزِلَ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنٌ قَرَأْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ: بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس الأصبحي (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن) عمه (أنس بن مالك ﵁) أنه (قال): (دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة) بفتح الميم وضم العين المهملة وبعد الواو الساكنة نون موضع من جهة نجد (ثلاثين غداة على رعل) بكسر الراء وسكون العين المهملة بدل من الذين قتلوا بإعادة العامل (وذكوان) بالذال المعجمة (وعصية) بضم العين وفتح الصاد المهملة وتشديد التحتية (عصت الله ورسوله) (قال أنس: أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن قرأناه ثم نسخ)، لفظه (بعد بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه). زاد عمر بن يونس عن عكرمة عن إسحاق بن أبي طلحة عند ابن جرير ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ [آل عمران: ١٦٩] وبهذه الزيادة تحصل المطابقة بين الحديث والآية.
وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي بأتم من هذا وأخرجه مسلم في الصلاة.
٢٨١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: "اصْطَبَحَ نَاسٌ الْخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ. فَقِيلَ لِسُفْيَانَ: مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا فِيهِ".
[الحديث ٢٨١٥ - طرفاه في: ٤٠٤٤، ٤٦١٨].
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار المكي أنه (سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ يقول: اصطبح ناس) منهم والد جابر (الخمر) أي شربوها بالغداة (يوم أُحُد) وكانت إذ ذاك مباحة (ثم قتلوا شهداء)، والخمر في بطونهم فلم يمنعهم ما كان في علم الله من تحريمها ولا كونها في بطونهم من حكم الشهادة وفضلها، لأن التحريم إنما يلزم بالنهي وما كان قبل النهي فغير مخاطب به، (فقيل لسفيان) بن عيينة: (من آخر ذلك اليوم) أي في هذا الحديث هذا اللفظ موجود (قال) سفيان: (ليس هذا فيه).
وأما مطابقة الحديث للترجمة فقال ابن المنير: عسر جدًّا إلا أن يكون مراده التنبيه على أن الخمر التي شربوها لم تضرهم لأن الله أثنى عليهم بعد موتهم ورفع عنهم الخوف والحزن، وما ذاك أن الخمر كانت يومئذٍ مباحة، ولا يتعلق التكليف بفعل المكلف باعتبار ما في علم الله تعالى حتى يبلغه رسوله اهـ.
قال في المصابيح بعد ذكره لهذا: لم تحصل النفس على شفاء من مطابقة الحديث للترجمة لأن هؤلاء الذين اصطبحوا ثم ماتوا وهي في بطونهم لم يفعلوا ما يتوقع عليه عتاب ولا عقاب ضرورة
أنها كانت مباحة حينئذٍ فهي كغيرها من مباحات صدرت منهم ذلك اليوم فما الحكمة في تخصيص هذا المباح دون غيره اهـ.
وأجاب في فتح الباري: بإمكان أن يكون أورد الحديث للإشارة إلى أحد الأقوال في سبب نزول الآية المترجم بها، فقد روى الترمذي من حديث جابر أيضًا: إن الله تعالى لما كلم والد جابر وتمنى أنه يرجع إلى الدنيا ثم قال: يا رب بلغ من ورائي فأنزل الله تعالى ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩].
وحديث الباب قد أخرجه المؤلّف أيضًا فى المغازي والتفسير.
٢٠ - باب ظِلِّ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الشَّهِيدِ
٢٨١٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: "جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمِعَ صَوْتَ نَائِحَةٍ، فَقِيلَ: ابْنَةُ عَمْرٍو -أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو- فَقَالَ: لِمَ تَبْكِي، أَوْ لَا تَبْكِي، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا. قُلْتُ لِصَدَقَةَ: أَفِيهِ حَتَّى رُفِعَ؟ قَالَ: رُبَّمَا قَالَهُ".
(باب ظل الملائكة على الشهيد).
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي (قال: أخبرنا ابن عيينة) سفيان (قال: سمعت محمد بن المنكدر) وسقط لأبي ذر لفظ محمد (أنه سمع جابرًا) الأنصاري (يقول: جيء بأبي) عبد الله أي يوم وقعة أُحُد (إلى النبي ﷺ وقد مثل به) بضم الميم وتشديد المثلثة المكسورة أي جدع أنفه وأُذنه أو شيء من أطرافه (ووضع بين يديه فذهبت أكشف عن وجهه) الثوب (فنهاني قومي فسمع) ﵊ (صوت) امرأة (صائحة) ولأبي ذر عن
стр. 1951
الكشميهني: صوت نائحة زاد في الجنائز فقال من هذه (فقيل: ابنة عمرو) فاطمة أخت المقتول عمة جابر (-أخت عمرو-) عمة المقتول عبد الله والشك من الراوي (فقال) ﵊:
(لِمَ تبكي) بكسر اللام وفتح الميم أي لم تبكي هي فالخطاب لغيرها، وإلاّ فلو كان مخاطبًا لها لقال: لم تبكين؟ (أو لا تبكي)، شك الراوي هل استفهم أو نهى (ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها) فكيف تبكي عليه مع حصول هذه المنزلة له؟ قال البخاري -رحمه الله تعالى- (قلت: لصدقة): أي ابن الفضل شيخه (أفيه) أي في الحديث (حتى رفع؟ قال) أبي سفيان بن عيينة (ربما قاله) أي جابر ولم يجزم وقد جزم به في الجنائز من طريق علي بن عبد الله المديني، وكذا رواه الحميدي وجماعة عن سفيان كما أفاده في فتح الباري.
وهذا الحديث قد سبق في الجنائز وأخرجه أيضًا في المغازي.
٢١ - باب تَمَنِّي الْمُجَاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا
٢٨١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَىْءٍ، إِلاَّ الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ».
(باب تمني المجاهد) الذي قتل في سبيل الله (أن يرجع إلى الدنيا) لما يرى من الكرامة.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة آخره راء منوّنة محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا و) الحال أن (له ما على الأرض من شيء) وفي رواية مسلم من طريق أبي خالد الأحمر: وأن له الدنيا وما فيها (إلا الشهيد) بالرفع ولأبي ذر: إلا الشهيد بالنصب "يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل" بالنصب (عشر مرات) أي في سبيل الله (لما) باللام أي لأجل ما (يرى من الكرامة). ولأبي ذر بما بالموحدة أي بسبب ما يرى.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي في الجهاد.
٢٢ - باب الْجَنَّةُ تَحْتَ بَارِقَةِ السُّيُوفِ
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَقَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى.
هذا (باب) بالتنوين (الجنة تحت بارقة السيوف) من إضافة الصفة إلى الموصوف والبارقة اللمعان. (وقال المغيرة بن شعبة): مما وصله المؤلّف تامًّا في الجزية (أخبرنا نبينا) وللأصيلي وأبي الوقت: نبينا محمد، وليس في اليونينية لفظ محمد نعم هو في فرعها (¬ ﷺ عن رسالة ربنا) (من قتل منا) أي في سبيل الله "صار إلى الجنة" وثبت قوله عن رسالة ربنا للحموي والمستملي. (وقال عمر) بن الخطاب ﵁ مما وصله المؤلّف في قصة عمرة الحديبية (للنبي ﷺ : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ (قال): (بلى).
٢٨١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ -وَكَانَ كَاتِبَهُ- قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي
أَوْفَى ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ».
تَابَعَهُ الأُوَيْسِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
[الحديث ٢٨١٨ - أطرافه في: ٢٨٣٣، ٢٩٦٦، ٣٠٢٤، ٧٢٣٧].
وبه قال: (حدّثنا) وفي نسخة بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) بفتح العين بن المهلب الأزدي قال: (حدّثنا أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد الفزاري لا السبيعي وسها الكرماني (عن موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف الإمام في المغازي (عن سالم أبي النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن معمر التميمي (-وكان) أي سالم (كاتبًا-) أي لعمر بن عبيد الله وفي الفرع كان كاتبه قاله الكرماني وتبعه البرماوي، وقد وقع التصريح بذلك في باب: لا تمنوا لقاء العدوّ من رواية يوسف بن موسى عن عاصم بن يوسف اليربوعي عن أبي إسحاق الفزاري حيث قال فيها: حدّثني سالم أبو النضر كنت كاتبًا لعمر بن عبيد الله وحين فقول الحافظ ابن حجر قوله وكان كاتبه أي أن سالمًا كان كاتب عبد الله بن تأبى أوفى سهو، وتبعه فيه العلامة العيني وزاد فقال: وقد سهى الكرماني سهوا فاحشًا حيث قال: وكان سالم كاتب عمر بن عبيد الله، وليس كذلك بل الصواب ما ذكرناه أي من كونه كاتب عبد الله بن أبي أوفى. (قال) أي سالم (كتب إليه) أي إلى عمر بن عبيد الله (عبد الله بن أبي أوفى) فاعل كتب (﵄). زاد في رواية يوسف بن موسى فقرأته قال الدارقطني: لم يسمع أبو النضر من ابن أبي أوفى فهو حجة في رواية المكاتبة، وتعقب كما في فتح الباري بأن شرط الرواية بالمكاتبة عند أهل الحديث أن تكون الرواية صادرة إلى المكتوب إليه، وابن أبي أوفى لم يكتب إلى سالم إنما كتب إلى عمر بن عبد الله
стр. 1952
وحينئذٍ فتكون رواية سالم له عن عبد الله بن أبي أوفى من صور الوجادة.
قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يقال الظاهر أنه من رواية سالم عن مولاه عن عبد الله بقراءته عليه لأنه كان كاتبه عن عبد الله بن أبي أوفى أنه كتب إليه فيصير حينئذٍ من صور المكاتبة اهـ.
وفيه التصريح بأن سالمًا كاتب عمر بن عبيد الله فترجح أن قوله الأوّل سهو أو سبق قلم، ويستأنس له بقول الدارقطني لم يسمع أبو النضر من ابن أبي أوفى فليتأمل. (أن رسول الله ﷺ قال):
(واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف). أي أن ثواب الله والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله وهو من المجاز البليغ لأن ظل الشيء لما كان ملازمًا له ولا شك أن ثواب الجهاد الجنة، فكأن ظلال السيوف المشهورة في الجهاد تحتها الجنة أي ملازمها استحقاق ذلك، وخص السيوف لأنها أعظم آلات القتال وأنفعها لأنها أسرع إلى الزهوق، وفي حديث عمار بن ياسر عند الطبراني بإسناد صحيح أنه قال يوم صفين: الجنة تحت الأبارقة، وفي ترجمة عمار بن ياسر من طبقات ابن سعد: تحت البارقة بغير همز. قال ابن حجر: وهو الصواب. والبارقة: اللمعان. وقد
تطلق البارقة ويراد بها نفس السيوف، وقيل الأبريق السيف ودخلت الهاء عوضًا عن الياء، ولم يذكر المؤلّف من الحديث ما يوافق لفظ الترجمة وكأنه أشار بها إلى حديث عمار المذكور ولم يسقه لكونه ليس على شرطه، واستنبط معناها مما هو على شرطه فإنه إذا ثبت لها ظلال ثبت لها بارقة ولمعان قاله ابن المنير.
(تابعه) أي تابع معاوية بن عمرو (الأويسي) عبد العزيز بن عبد الله مما رواه المؤلّف في غير كتابه هذا (عن ابن أبي الزناد) عبد الرحمن مفتي بغداد واسم أبي الزناد عبد الله بن ذكوان المدني (عن موسى بن عقبة). قال في الفتح: وقد رواه عمر بن شبة عن الأويسي فبين أن ذلك كان يوم الخندق.
وهذا الحديث ذكره هنا مختصرًا، وفي باب الصبر عند القتال، وباب تأخير القتال حتى تزول الشمس مطوّلاً، وفي باب النهي عن تمني لقاء العدو، وأخرجه مسلم في المغازي، وأبو داود في الجهاد.
٢٣ - باب مَنْ طَلَبَ الْوَلَدَ لِلْجِهَادِ
(باب من طلب الولد للجهاد) أي في سبيل الله بأن ينوي ذلك عند المجامعة.
٢٨١٩ - حَدَّثَنَا وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ -أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ- كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ تَحْملْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ».
[الحديث ٢٨١٩ - أطرافه في: ٣٤٢٤، ٥٢٤٢، ٦٦٣٩، ٦٧٢٠، ٧٤٦٩].
(وقال الليث) بن سعد الإمام الأعظم مما وصله أبو نعيم في مستخرجه من طريق يحيى بن بكير عنه وكذا مسلم (حدّثني) بالإفراد (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل الكندي (عن عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج أنه (قال: سمعت أبا هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ¬) أنه (قال):
(قال سليمان بن داود ﵉ لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين) بالشك من الراوي. أي: والله لأجامعن مائة أو تسعًا وتسعين، وفي رواية ستين وليس في ذكر القليل ما ينفي الكثير (كلهن يأتي) بالتحتية، ولأبي ذر: تأتي بالفوقية (بفارس يجاهد في سبيل الله) صفة لفارس (فقال له صاحبه) وهو الملك، وفي مسلم فقال له صاحبه أو الملك بالشك من أحد الرواة (قل إن شاء الله) لنسيانه (فلم يقل) ﵇ (إن شاء الله). بلسانه والذي في الفرع وأصله حذف قل ولم
يكن غفل عن التفويض إلى الله بقلبه حاشى منصب النبوة عن ذلك (فلم يحمل) بالتحتية، ولأبي ذر: فلم تحمل بالفوقية (منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل) أي بنصف رجل كما في رواية أخرى (والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله) حال كونهم (فرسانًا) جمع فارس (أجمعون). رفع تأكيد لضمير الجمع في قوله لجاهدوا.
قال شيخ مشايخنا السراج بن الملقن هذا الحديث أخرجه هنا البخاري معلقًا وأسنده في ستة مواضع منها في الأيمان والنذور.
٢٤ - باب الشَّجَاعَةِ فِي الْحَرْبِ وَالْجُبْنِ
٢٨٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ. وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ، وَقَالَ: وَجَدْنَاهُ بَحْرًا".
(باب) مدح (الشجاعة في الحرب و) ذم (الجبن) بضم الجيم وسكون الموحدة أي فيه.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن عبد الملك بن واقد) بالقاف الحراني بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء بالنون. قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الأزدي الجهضمي البصري (عن ثابت) البناني (عن أنس ﵁) أنه (قال): (كان النبي ﷺ
стр. 1953
أحسن الناس) لأن الله تعالى قد أعطاه كل الحسن (وأشجع الناس) إذ هو أكملهم (وأجود الناس) لتخلّقه بصفات الله تعالى التي منها الجود والكرم (ولقد فزع) بكسر الزاي أي خاف (أهل المدينة) أي ليلاً وزاد أبو داود في رواية فانطلق الناس قبل الصوت (فكان النبي ﷺ سبقهم على فرس) عرى استعاره من أبي طلحة يقال له: المندوب وكان يقطف أي بطيء المشي. (وقال): حين رجع (وجدناه) أي الفرس (بحرًا). أي جوادًا واسع الجري وفيه استعمال المجاز حيث شبّه الفرس بالبحر لأن الجري منه لا ينقطع كما لا ينقطع ماء البحر وسقطت واو وقال لأبي ذر.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الجهاد والأدب والترمذي في الجهاد والنسائي في السير.
٢٨٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: "أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ النَّاسُ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلاً وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا".
[الحديث ٢٨٢١ - طرفه في: ٣١٤٨].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عمر بن محمد بن جبير بن مطعم) عمر بضم العين ومطعم بكسرها وضم الميم النوفلي القرشي (أن) أباه (محمد بن جبير قال: أخبرني) بالإفراد أبي (جبير بن مطعم) ﵁ (أنه بينما) بالميم (هو يسير مع رسول الله ﷺ ومعه) أي والحال أنه ﵊ معه (الناس مقفلة) بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء واللام مصدر ميمي أو اسم زمان أي زمان رجوعه (من حنين) وادٍ بين مكة والطائف سنة ثمان (فعلقه الناس) بفتح العين وكسر اللام المخففة وبالقاف ثم الهاء أي تعلقوا به ولأبي ذر: فعلقت بتاء التأنيث بدل الهاء الأعراب بدل الناس، وله عن الكشميهني: فطفقت الناس حال كونهم (يسألونه حتى اضطروه) أي ألجؤوه (إلى سمرة) بفتح السين المهملة وضم الميم وهي شجرة من شجر البادية ذات شوك (فخطفت رداءه) بكسر الطاء أي علق شوكها بردائه الشريف فجبذه فهو مجاز لأنه استعير لها الخطف أو المراد خطفته الأعراب، (فوقف النبي ﷺ فقال):
(أعطوني ردائي) بهمزة قطع (لو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا) بكسر العين وفتح الضاد المعجمة وبعد الألف هاء وقفا ووصلاً شجر كثير الشوك ونعمًا نصب على التمييز ولي خبر كان، ويجوز أن يكون نعمًا خبر كان والنعم الإبل أو والبقر والغنم، ولأبي ذر عدد بالنصب خبر كان مقدمًا نعم بالرفع اسمها مؤخرًا (لقسمته بينكم) ولأبي ذر من غير اليونينية: عليكم (ثم لا تجدوني) بنون واحدة ولأبي ذر: لا تجدونني (بخيلاً ولا كذوبًا ولا جبانًا) أي إذا جربتموني لا تجدوني ذا بخل ولا ذا كذب ولا ذا جبن، فالمراد نفي الوصف من أصله لا نفي المبالغة التي تدل عليها الثلاثة لأن كذوبًا من صيغ المبالغة وجبانًا صفة مشبهة وبخيلاً يحتمل الأمرين.
قال ابن المنير -رحمه الله تعالى-: وفي جمعه ﵊ بين هذه الصفات لطيفة وذلك لأنها متلازمة وكذا أضدادها الصدق والكرم والشجاعة، وأصل المعنى هنا الشجاعة فإن الشجاع واثق من نفسه بالخلف من كسب سيفه فبالضرورة لا يبخل، وإذا سهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد لأن الخلف إنما ينشأ من البخل، وقوله: لو كان لي عدد هذه العضاه تنبيه بطريق الأولى لأنه إذا سمح بمال نفسه فلأن يسمح بقسم غنائمهم عليهم أولى واستعمال ثم هنا بعد ما تقدم ذكره ليس مخالفًا لمقتضاها وإن كان الكرم يتقدم العطاء، لكن علم الناس بكرم الكريم إنما يكون بعد العطاء، وليس المراد بثم هنا الدلالة على تراخي العلم بالكرم عن العطاء وإنما التراخي هنا لعلوّ رتبة الوصف كأنه قال: وأعلى من العطاء بما لا يتقارب أن يكون العطاء عن كرم فقد يكون عطاء بلا كرم كعطاء البخيل ونحو ذلك اهـ.
وفيه دليل على جواز تعريف الإنسان نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه ليعتمد عليه.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الخمس.
٢٥ - باب مَا يُتَعَوَّذُ مِنَ الْجُبْنِ
٢٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ الأَوْدِيَّ قَالَ: "كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ الْمُعَلِّمُ الْغِلْمَانَ الْكِتَابَةَ وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَحَدَّثْتُ بِهِ مُصْعَبًا فَصَدَّقَهُ".
[الحديث ٢٨٢٢ - أطرافه في: ٦٣٦٥، ٦٣٧٠، ٦٣٧٤، ٦٣٩٠].
(باب ما يتعوذ) بضم أوله مبنيًّا للمفعول أي بيان التعوّذ (من الجبن) وهو ضد الشجاعة.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري قال: (حدّثنا عبد الملك بن عمير) بضم
стр. 1954
العين مصغرًا ابن سويد الكوفي القرشي بفتح الفاء والراء ثم مهملة نسبة إلى فرس له سابق (قال: سمعت عمرو بن ميمون الأودي) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدال المهملة نسبة إلى أود بن معن في باهلة (قال: كان سعيد) هو ابن أبي وقاص أحد العشرة (يُعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن) بالميم وفي بعض الأصول بهم (دبر الصلاة): بعد السلام منها.
(اللهم إني أعوذ بك من الجبن) وهو ضد الشجاعة (وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر)، هو الخرف أي يعود كهيئته الأولى في زمن الطفولية سخيف العقل قليل الفهم أو هو أردؤه وهو حال الهرم والضعف عن أداء الفرائض وعن خدمة نفسه فيكون كلاًّ على أهله مستثقلاً بينهم يتمنون موته وإن لم يكن له أهل فالمصيبة أعظم. (وأعوذ بك من فتنة الدنيا)، زاد في باب: التعوذ من البخل من رواية آم عن شعبة عن عبد الملك عن مصعب عن سعد "وأعوذ بك من فتنة الدنيا" يعني فتنة الدجال، وحكى الكرماني أن هذا من زيادات شعبة بن الحجاج. قال ابن حجر: وليس كما قال فقد بيّن يحيى بن بكير عن شعبة أنه من كلام عبد الملك بن عمير راوي الخبر أخرجه الإسماعيلي من طريقه، وفي إطلاق الدنيا على الدجال إشارة إلى أن فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدنيا (وأعوذ بك من عذاب القبر) الواقع أن الكفار ومن شاء الله من الموحدين بمطارق من حديد يسمعه خلق الله كلهم إلا الجن والإنس أعاذنا الله من ذلك ومن سائر المهالك بمنّه وكرمه، والإضافة هنا من إضافة المظروف إلى ظرفه فهو على تقدير في أيٍّ من عذاب القبر. قال عبد الملك بن عمير: (فحدّثت به) أي بهذا الحديث (مصعبًا) بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح العين بعدها موحدة ابن سعد بن أبي وقاص (فصدقه).
ومطابقة الحديث للترجمة واضحة وإنما استعاذ من الجبن لأنه يؤدي إلى عذاب الآخرة كما قاله المهلب لأنه يفر من قرنه في الزحف فيدخل تحت الوعيد فمن ولى فقد باء بغضب من الله، وربما
يفتن في دينه فيرتد بجبن أدركه وخوف على مهجته من الأسر والعبودية. ثبتنا الله على دينه القويم.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي في الدعوات، والنسائي في الاستعاذة.
٢٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ".
[الحديث ٢٨٢٣ - أطرافه في: ٦٣٦٧، ٦٣٧١].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: حدّثنا معتمر) بكسر الميم الثانية (قال: سمعت أبي) سليمان بن طرخان التيمي (قال: سمعت أنس بن مالك ﵁¬). يقول: (كان النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ يقول):
(اللهم إني أعوذ بك من العجز) هو ذهاب القدرة (والكسل) بفتح السين وفي اليونينية بسكونها وهو القعود عن الشيء مع القدرة على عمله إيثارًا لراحة البدن على التعب (والجبن) وهو الخور من تعاطي الحرب ونحوها خوفًا على المهجة (والهرم) هو الزيادة في كبر السن المؤدي إلى ضعف الأعضاء وتساقط القوة. قال ابن المنير: فيه دليل على أن الغرائز قد تتبدال من خير إلى شر ومن شر إلى خير، ولولا ذلك لما صح تعوذ الجبان من الجبن (وأعوذ بك من فتنة المحيا) أن نفتتن بالدنيا ونشتغل بها عن الآخرة وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت أو هي فتنة الدجال كما مرّ في تفسير عبد الملك بن عمير (والممات) قيل المراد فتنة القبر كسؤال الملكين ونحو ذلك، والمراد من شر ذلك وإلاّ فأصل السؤال واقع لا محالة فلا يدعى برفعه. وفي الحديث إنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال فيكون عذاب القبر مسببًا عن ذلك والسبب غير المسبب، وقيل: المراد الفتنة قبيل الموت وأضيفت إلى الموت لقربها منه فعلى هذا تكون فتنة المحيا قبل ذلك. (وأعوذ بك من عذاب القبر) فيه دليل لأهل السُّنّة على إثبات عذاب القبر، وقد قال ﷺ يتعوذ من جميع ما ذكر تشريعًا لأمته ليبيّن لهم المهم من الأدعية.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الدعوات، وكذا مسلم، وأخرجه النسائي في الاستعاذة وأبو داود في الصلاة.
٢٦ - باب مَنْ حَدَّثَ بِمَشَاهِدِهِ فِي الْحَرْبِ
قَالَهُ أَبُو عُثْمَانَ عَنْ سَعْدٍ.
(باب من حدّث بمشاهده في الحرب). ليتأسى بذلك
стр. 1955
ويرغب فيه لا للرياء والسمعة (قاله أبو عثمان) عبد الرحمن النهدي (عن سعد) هو ابن أبي وقاص فيما وصله في المغازي.
٢٨٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: "صَحِبْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَعْدًا وَالْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵃، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ أَنِّي سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ".
[الحديث ٢٨٢٤ - طرفه في: ٤٠٦٢].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي أبو رجاء البغلاني قال: (حدّثنا حاتم) هو ابن إسماعيل الكوفي (عن محمد بن يوسف) الكندي (عن السائب بن يزيد) الصحابي ابن الصحابيين وهو جد محمد بن يوسف لأمه أنه (قال: صحبت طلحة بن عبيد الله) بضم العين (و) صحبت (سعدًا) هو ابن أبي وقاص (و) صحبت (المقداد بن الأسود و) صحبت (عبد الرحمن بن عوف ﵃، فما سمعت أحدًا منهم) أي من هؤلاء الصحابة الأربعة وسقط لفظ منهم للمستملي (يحدّث عن رسول الله ﷺ ¬) خشية التزايد والنقصان والدخول في الوعيد (إلا أني سمعت طلحة) بن عبيد الله (يحدّث عن يوم أُحُد) أي بما وقع له فيه من ثبات القدم أو نحو ذلك. وقد كان من أهل النجدة، وذكر المؤلّف في المغازي عن قيس قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها رسول الله ﷺ يوم أُحُد. وعن أبي عثمان النهدي أنه لم يبق مع رسول الله ﷺ تلك الأيام غير طلحة وسعد، فلهذا حدّث طلحة عن مشاهده يوم أُحُد ليقتدي به الناس في مثل فعله.
وقال الحافظ ابن حجر: لم يبين في هذا الحديث ما حدّث به طلحة من ذلك، وقد أخرجه أبو يعلى من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عمن حدّثه عن طلحة أنه ظاهر بين درعين يوم أُحُد.
٢٧ - باب وُجُوبِ النَّفِيرِ وَمَا يَجِبُ مِنَ الْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ وَقَوْلِ اللهِ : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] الآيَةَ. وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ؟ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ -إِلَى قَوْلِهِ- عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨]
يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "انْفِرُوا ثُبَاتٍ: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ"، وَيُقَالُ: أَحَدُ الثُّبَاتِ ثُبَةٌ.
(باب وجوب النفير)، بفتح النون وكسر الفاء أي الخروج إلى قتال الكفار (وما يجب) أي وبيان القدر الواجب (من الجهاد) مشروعية (النيّة) في ذلك، (وقوله) بالجر عطفًا على المجرور السابق، ولأبي ذر وقول الله آمرًا بالنفير العام مع الرسول ﵊ عام غزوة تبوك لقتال
أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب وحتم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر فقال تعالى: (﴿انفروا خفافًا﴾) لنشاطكم له (﴿وثقالاً﴾) عنه لمشقة عليكم أو لقلة عيالكم ولكثرتها أو ركبانًا ومشاة أو خفافًا وثقالا من السلاح أو صحاحًا ومراضًا، ولما فهم بعض الصحابة من هذا الأمر العموم لم يتخلفوا عن الغزو حتى ماتوا منهم أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن الأسود، ثم رغب تعالى في بذل المهج في مرضاته والنفقة في سبيله فقال (﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾) أي بما أمكن لكم منهما كليهما أو أحدهما (﴿ذلكم خير لكم﴾) من تركه (﴿إن كنتم تعلمون﴾) الخير (﴿لو كان عَرَضًا قريبًا﴾) أي لو كان ما دعوا إليه نفعًا دنيويًا قريبًا سهل المأخذ (﴿وسفرًا قاصدًا﴾) متوسطًا (﴿لاتبعوك﴾) طمعًا في ذلك النفع (﴿ولكن بعدت عليهم الشقّة﴾) أي المسافة التي تقطع بمشقة (﴿وسيحلفون بالله﴾) [التوبة: ٤١، ٤٢]. لكم إذا رجعتم إليهم لو استطعنا لخرجنا معكم (الآية) إلى آخرها. وساقها إلى آخر قوله: ﴿بالله﴾ وقال في رواية أبي ذر بعد قوله: ﴿بأموالكم وأنفسكم﴾ إلى ﴿إنهم لكاذبون﴾ وحذف ما عدا ذلك، وقد ذكر سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى أن هذه الآية ﴿انفروا خفافًا﴾ أوّل ما نزل من سورة براءة نقله ابن كثير الحافظ.
(وقوله) تعالى بالجر أو بالرفع على الاستئناف: (﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم﴾) تباطأتم (﴿إلى الأرض﴾) متعلق به كأنه ضمن معنى الإخلاد والميل فعدى بإلى، وكان هذا في غزوة تبوك حيث أمروا بها بعد رجوعهم من الطائف حين طاب الثمار والظلال في شدة الحر مع بعد المشقّة وكثرة العدوّ فشق عليهم (﴿أرضيتم بالحياة الدنيا﴾) وغرورها (﴿من الآخرة﴾) بدل الآخرة ونعيمها (إلى قوله) (﴿على كل شيء قدير﴾) [التوبة: ٣٨، ٣٩]. وقال في رواية أبي ذر قوله: ﴿إلى الأرض﴾ إلى قوله: ﴿والله على كل شيء قدير﴾.
(يذكر) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول بغير واو، ولأبي ذر: ويذكر (عن ابن عباس) ﵄ مما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه (انفروا) حال كونكم (ثبات) بضم المثلثة وتخفيف الموحدة نصب بالكسرة كهندات جمع ثبة، ولأبي ذر والقابسي: ثباتًا بالألف. قال ابن حجر: وهو غلط
стр. 1956
لا وجه له. وقال العيني: وهو صحيح لأنه جمع المؤنث السالم، وكذا قال ابن الملقن والزركشي، وتعقبه العلاّمة ابن الدماميني: بأن مذهب الكوفيين جواز إعرابه في حالة النصب بالفتح مطلقًا، وجوّزه قوم في محذوف اللام وعلى كلٍّ من الرأيين يكون لهذه الرواية وجهة، ومن ذا الذي أوجب اتباع المذهب البصري وألغى المذهب الكوفي حتى يقال بأن هذه الرواية لا وجه لها اهـ.
والمعنى انفروا جماعات متفرقة حال كونكم (سرايا) جمع سرية ممن يدخل دار الحرب مستخفيًا حال كونكم (متفرقين. يقال أحد الثبات) ولأبي ذر: واحد الثبات (ثبة). بضم المثلثة فيهما وهذا قول أبي عبيدة في المجاز.
٢٨٢٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ، لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا".
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم أبو حفص الباهلي البصري قال: (حدّثنا يحيى) القطان. ولأبي ذر: يحيى بن سعيد قال: (حدّثنا سفيان) هو الثوري (قال: حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر المفسر (عن طاوس عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم الفتح) فتح مكة:
(لا هجرة) واجبة من مكة إلى المدينة (بعد الفتح، ولكن جهاد) في الكفار (ونيّة، فإذا استنفرتم فانفروا) بهمزة وصل وكسر الفاء أي إذا طلبكم الإمام إلى الغزو فأخرجوا إليه وجوبًا فيتعيّن على من عيّنه الإمام، وكذا إذا وطئ الكفار بلدة للمسلمين وأظلوا عليها ونزلوا أمامها قاصدين ولم يدخلوا صار الجهاد فرض عين، فإن لم يكن في أهل البلدة قوة وجب على من يليهم وهل كان في الزمن النبوي فرض عين أو كفاية؟ قال الماوردي: كان عينًا على المهاجرين فقط. وقال السهيلي: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم لمبايعتهم النبي ﷺ ليلة العقبة على أن يؤوه وينصروه، وقيل: كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها ﵊ دون غيرها، والتحقيق أنه كان عينًا على من عينه ﷺ في حقه ولو لم يخرج ﵊.
وهذا الحديث قد سبق في باب فضل الجهاد.
٢٨ - باب الْكَافِرِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ، ثُمَّ يُسْلِمُ فَيُسَدِّدُ بَعْدُ وَيُقْتَلُ
(باب) حكم (الكافر يقتل المسلم ثم يسلم) القاتل (فيسدد) بالسين المهملة وكسر الدال المهملة المشددة ولأبي ذر: فيسدد بفتح الدال المهملة (بعد) بالضم أي بعد قتله المسلم (ويقتل) بضم أوّله وفتح ثانيه.
٢٨٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(يضحك الله) أي بقبل بالرضا (إلى رجلين) أي مسلم وكافر، وللنسائي: إن الله ليعجب من رجلين (يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة) زاد مسلم من طريق همام قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: (يقاتل هذا) أي المسلم (في سبيل الله) (فيُقتل) أي فيقتله الكافر. زاد همام عند مسلم فيلج الجنة (ثم يتوب الله على القاتل) زاد همام أيضًا فيهديه إلى الإسلام ثم يجاهد في سبيل الله (فيستشهد). ولأحمد من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قيل: كيف يا رسول الله؟ قال: "يكون أحدهما كافرًا فيقتل الآخر ثم يسلم فيغزو فيقتل". قال ابن عبد البر: يستفاد من الحديث أن كل من قتل في سبيل الله فهو في الجنة اهـ.
ومطابقة الحديث للترجمة على ما سبق ظاهرة فلو قتل مسلم مسلمًا عمدًا بلا شبهة ثم تاب القاتل واستشهد في سبيل الله فقال ابن عباس ﵄: لا تقبل توبته أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغَضِب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. وفي رواية النسائي وأحمد وابن ماجه عن سالم بن أبي الجعد عنه أنه قال: إن الآية نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء حتى قبض رسول الله ﷺ .
وقد روى الإمام أحمد والنسائي من طريق إدريس الخولاني عن معاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرًا أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا". لكن ورد عن ابن عباس خلاف ذلك
стр. 1957
فالظاهر أنه أراد بقوله الأوّل التشديد والتغليظ، وعليه جمهور السلف وجميع أهل السُّنَّة وصححوا توبة القاتل كغيره وقالوا: المراد بالخلود المكث الطويل فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد بحث في هذا بعون الله في تفسير سورة النساء والفرقان.
٢٨٢٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحُوهَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْهِمْ لِي، فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا قَاتِلُ ابْنِ قَوْقَلٍ. فَقَالَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: وَاعَجَبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ يَنْعَى عَلَىَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَىَّ وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ".
قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: السَّعِيدِيُّ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ.
[الحديث ٢٨٢٧ - أطرافه في: ٤٢٣٧، ٤٢٣٨، ٤٢٣٩].
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (عنبسة بن سعيد) بفتح العين
المهملة وسكون النون وفتح الموحدة وبالسين المهملة وسعيد بكسر العين ابن العاص الأموي (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بخيبر) سنة سبع والجملة حالية (بعدما افتتحوها فقلت: يا رسول الله أسهم لي)؟ من غنائم خيبر وهمزة أسهم قطع (فقال بعض بني سعيد بن العاص) هو أبان بن سعيد بكسر العين (لا تسهم له يا رسول الله. فقال أبو هريرة: هذا) أي أبان بن سعيد (قاتل ابن قوقل) بقافين مفتوحتين بينهما واو ساكنة آخره لام بوزن جعفر واسمه النعمان بن مالك بن ثعلبة بن أصرم بصاد مهملة بوزن أحمد بن فهر بن غنم بفتح المعجمة وسكون النون بعدها ميم ابن عمرو بن عوف بفتح العين فيهما الأوسي الأنصاري، وقوقل لقب أو لقب أصوم، وعند البغوي في الصحابة أن النعمان بن قوقل قال يوم أُحُد أقسمت عليك يا رب أن لا تغيب الشمس حتى أطأ بعرجتي في الجنة فاستشهد ذلك اليوم، فقال النبي ﷺ : "لقد رأيته في الجنة وما به عرج".
(فقال) ولأبي ذر: قال (ابن سعيد بن العاص): أبان (وعجبًا) بالتنوين اسم فعل بمعنى أعجب ووا مثل واهًا وعجبًا للتوكيد وإذا لم ينوّن فأصله وأعجبي فأبدلت كسرة الباء فتحة والياء ألفًا كما فعل في يا أسفى ويا حسرتى، وفيه شاهد على استعمال وا في منادى غير مندوب كما هو رأي المبرد واختيار ابن مالك ونصب عجبًا بوا.
وفي رواية علي بن عبد الله المديني: واعجباه (لوبر) بلام مكسورة فواو مفتوحة فموحدة ساكنة فراء. قال الكمال الدميري في كتابه حياة الحيوان: دويبة أصغر من السنور طحلاء اللون لا ذنب لها أي طويل يحل أكلها والناس يسمونها غنم بني إسرائيل ويزعمون أنها مسخت (تدلى) أي انحدر (علينا من قدوم ضأن) بفتح القاف وضم الدال المخففة وضأن بالضاد المعجمة وبعد الهمزة نون اسم جبل في أرض دوس قوم أبي هريرة، وقيل: هو رأس الجبل لأنه في الغالب مرعى الغنم. قال الخطابي: أراد أبان تحقير أبي هريرة وأنه ليس في قدر من يشير بعطاء ولا منع وأنه قليل القدرة على القتال (ينعى) بفتح أوّله وسكون النون وفتح العين المهملة أي يعيب (عليّ قتل رجل مسلم أكرمه الله) بالشهادة (على يدي) بتشديد التحتية تثنية يد (ولم يهمني) بأن لم يقدّر موتي كافرًا (على يديه) بالتثنية فأدخل النار وقد عاش أبان حتى تاب وأسلم قبل خيبر وبعد الحديبية (قال): أي عنبسة أو من دونه (فلا أدري أسهم) ﵊ (له) أي لأبي هريرة (أم) ولأبي ذر: أو (لم يسهم له) ورواه أبو داود فقال: ولم يقسم له.
(قال سفيان) بن عيينة بالإسناد السابق (وحدّثنيه السعيدي) بفتح السين المهملة وكسر العين (عن جده عن أبي هريرة) ﵁.
(قال أبو عبد الله): أي البخاري وسقط ذلك لأبي ذر (السعيدي هو عمرو بن يحيى) بفتح
العين وسكون الميم كالآتي (ابن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص) بكسر عين سعيد فيهما وسقط لغير أبي ذر لفظ هو.
٢٩ - باب مَنِ اخْتَارَ الْغَزْوَ عَلَى الصَّوْمِ
٢٨٢٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ أَبُو طَلْحَةَ لَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إِلاَّ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى".
(باب من اختار الغزو على الصوم).
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي أياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا ثابت البناني) بضم الموحدة وتخفيف النون (قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة) زيد بن سهل (لا يصوم على عهد النبي ﷺ من أجل) التقوّي على (الغزو فلما قبض النبي ﷺ ¬) وكثر الإسلام واشتدت وطأة أهله على عدوّهم ورأى أن يأخذ بحظه من الصوم (لم أره مفطرًا إلا يوم فطر
стр. 1958
أو أضحى) منوّنًا أي فكان لا يصومهما، والمراد بيوم الأضحى ما تشرع فيه الأضحية فتدخل فيه أيام التشريق.
٣٠ - باب الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ
٢٨٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَىٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»
هذا (باب) بالتنوين (الشهادة سبع سوى القتل).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة (عن سمي) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية أبي عبد الله مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيرة القرشي المدني (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(الشهداء خمسة) وعند مالك في الموطأ من حديث جابر بن عتيك: "الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله" وهو موافق لما ترجم به لكنه ليس على شرطه فلم يورده بل نبّه عليه في الترجمة إيذانًا بأن الوارد في عدّها من الخمسة والسبعة ليس على معنى التحديد الذي لا يزيد ولا ينقص أشار إليه ابن المنير. (المطعون) الذي يموت بالطاعون وهو غدّة كغدّة البعير تخرج في الآباط والمراق (والمبطون)
المريض بالبطن (والغرق) بفتح الغين المعجمة وبعد الراء المكسورة قاف الذي يموت بالغرق (وصاحب الهدم) بفتح الهاء وسكون الدال الذي يموت تحته (والشهيد) الذي قتل (في سبيل الله) ، وزاد جابر بن عتيك في حديثه: الحريق وصاحب ذات الجنب والمرأة تموت بجمع بضم الجيم وفتحها وكسرها التي تموت حاملاً جامعة ولدها في بطنها أو هي البكر أو هي النفساء، وزاد مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة: ومن مات في سبيل الله فهو شهيد. ولأحمد من حديث راشد بن حبيش والسل بكسر السين المهملة وباللام، وفي السنن وصححه الترمذي من حديث سعيد بن زيد مرفوعًا: "من قتل دون ماله فهو شهيد" وقال في الدين والدم والأهل مثل ذلك، وللنسائي من حديث سويد بن مقرن مرفوعًا: "من قتل دون مظلمته فهو شهيد". وعند الدارقطني وصححه من حديث ابن عمر: موت الغريب. وفي حديث أبي هريرة عند ابن حبان: المرابط. وللطبراني من حديث ابن عباس: اللديغ والذي يفترسه السبع، ولأبي داود في حديث أم حرام المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد.
ومن قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر فإن مات من يومه مات شهيدًا. قال الترمذي: حديث حسن غريب. وعند أبي نعيم عن ابن عمر: من صلّى الضحى وصام ثلاثة أيام من كل شهر ولم يترك الوتر كتب له أجر شهيد.
وعن أبي ذر وأبي هريرة: إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حاله مات شهيدًا. رواه ابن عبد البر في كتاب العلم.
وعند الخطيب في تاريخه في ترجمة محمد بن داود الأصبهاني من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من عشق فعف وكتم فمات فهو شهيد". ورواه السراج في مصارع العشاق من عشق فظفر فعف فمات مات شهيدًا، والمراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أن يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء فضلاً منه .
وقد قسم العلماء الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة وهو المقتول في حرب الكفار، وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا وهم المذكورون هنا، وشهيد في الدنيا دون الآخرة وهو من غل في الغنيمة أو قتل مدبرًا. والشهيد: فعيل من الشهود بمعنى مفعول لأن الملائكة تحضره وتبشره بالفوز والكرامة أو بمعنى فاعل لأنه يلقى ربه ويحضر عنده كما قال تعالى: ﴿والشهداء عند ربهم﴾ [الحديد: ١٩]. أو من الشهادة فإنه بين صدقه في الإيمان والإخلاص في الطاعة ببذل النفس في سبيل الله أو يكون تلو الرسل في الشهادة على الأمم يوم القيامة، ومن مات بالطاعون أو بوجع البطن أو نحوهما مما مرّ يلحق بمن قتل في سبيل الله لمشاركته إياه في بعض ما ينال من الكرامة بسبب ما كابده من الشدة لا في جملة الأحكام والفضائل.
وهذا الحديث قد سبق في الصلاة، وأخرجه الترمذي في الجنائز والنسائي في الطب.
٢٨٣٠ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».
[الحديث ٢٨٣٠ - طرفه في: ٥٧٣٢].
وبه قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة
стр. 1959
وسكون الشين المعجمة السختياني المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) هو ابن المبارك المروزي قال: (أخبرنا عاصم) هو ابن سليمان الأحول (عن حفصة بنت سيرين) أخت محمد بن سيرين (عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الطاعون شهادة لكل مسلم) وفي حديث أبي عسيب عند أحمد مرفوعًا: "ورجز على الكافر".
وفي حديث عتبة بن عبد عند الطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به مرفوعًا: "يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون فيقول أصحاب الطاعون نحن شهداء. فيقال انظروا فإن كان جراحتهم كجراح الشهداء تسيل دمًا كريح المسك فهم شهداء فيجدونهم كذلك".
وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في الطب ومسلم في الجهاد.
٣١ - باب
قَوْلِ اللَّهِ : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ -إِلَى قَوْلِهِ- غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥].
(باب قول الله تعالى) ولأبي ذر: : (﴿لا يستوي القاعدون﴾) عن الجهاد (﴿من المؤمنين﴾) في موضع الحال من القاعدين أو من الضمير الذي فيه ومن للبيان، والمراد بالجهاد غزوة بدر قاله ابن عباس. وقال مقاتل: غزوة تبوك. (﴿غير أُولي الضرر﴾) برفع غير صفة للقاعدين والضرر كالعمى والعرج والمرض، (﴿والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾) عطف على قوله: (القاعدون) أي لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة، وفائدته تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعًا لرتبته وأنفة عن انحطاط منزلته (﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾) نصب بنزع الخافض أي بدرجة والجملة موضحة للجملة الأولى التي فيها عدم استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل: ما بالهم لا يستوون؟ فأجيب بقوله: فضل الله المجاهدين (﴿وكلاًّ﴾) من القاعدين والمجاهدين (﴿وعد الله الحسنى﴾) المثوبة الحسنى وهي الجنة لحسن عقيدتهم
وخلوص نيتهم وإنما التفاوت في زياد العمل المقتضي لمزيد الثواب (﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين﴾) كأنه قيل وأعطاهم زيادة على القاعدين (﴿أجرًا عظيمًا﴾) وأراد بقوله (إلى قوله: (﴿غفورًا رحيمًا﴾) [النساء: ٩٥، ٩٦]. تمام الآية أي غفورًا لما عسى أن يفرط منهم رحيمًا بهم، وقال في رواية أبي ذر بعد قوله: ﴿غير أولي الضرر﴾ إلى قوله: ﴿غفورًا رحيمًا﴾.
٢٨٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا فَجَاءَهُ بِكَتِفٍ فَكَتَبَهَا. وَشَكَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
[الحديث ٢٨٣١ - طرفاه في: ٤٥٩٣، ٤٥٩٤، ٤٩٩٠].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي (قال: سمعت البراء) بن عازب (﵁ يقول: لما نزلت) أي كادت أن تنزل (﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ دعا رسول الله ﷺ زيدًا) هو ابن ثابت الأنصاري (فجاء) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فجاءه (بكتف) بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس (فكتبها) فيه. وفي رواية خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه عند أحمد وأبي داود إني لقاعد إلى جنب النبي ﷺ إذ أوحي إليه وغشيته السكينة فوضع فخذه على فخذي. قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئًا قطّ أثقل منها، فصرح خارجة بأن نزولها كان بحضرة زيد فيحتمل قوله في رواية الباب: دعا زيدًا فكتبها على أنه لما كادت أن تنزل كما مرّ.
(وشكا ابن أم مكتوم) عمرو أو عبد الله بن زائدة العامري وأم مكتوم أمه واسمها عاتكة (ضرارته). بفتح الضاد المعجمة أي ذهاب بصره (فنزلت) ﴿لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أُولي الضرر﴾.
فإن قلت: لِمَ كرر الراوي ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ وهلا اقتصر على قوله: ﴿غير أولي الضرر﴾؟ أجاب ابن المنير: بأن الاستثناء والنعت لا يجوز فصلهما عن أصل الكلام فلا بدّ أن تعاد الآية الأولى حتى يتصل بها الاستثناء والنعت. وقال السفاقسي: إن كان الوحي نزل بقوله: (غير أولي الضرر) فقط فكأن الراوي رأى إعادة الآية من أولها حتى يتصل الاستثناء بالمستثنى منه، وإن كان الوحي نزل بإعادة الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها فقد حكى الراوي صورة الحال. قال ابن حجر: والأول أظهر لرواية سهل بن سعد فأنزل الله تعالى: ﴿غير أولي الضرر﴾ وقال ابن الدماميني متعقبًا لابن المنير في قوله إن
стр. 1960
الاستثناء والوصف لا يجوز فصلهما إلخ … ليس هذا فصلاً ولا يضر ذكره مجردًا عما قبله لأن المراد حكاية الزائد على ما نزل أوّلاً فيقتصر عليه لأنه الذي تعلق به الغرض، ولذا قال في الطريق الثانية عن زيد فأنزل الله تعالى ﴿غير أولي الضرر﴾ فماذا يعتذر به عن
زيد بن ثابت مع كونه لم يصل الاستثناء أو النعت بما قبله؟ والحق أن كلاً الأمرين سائغ ثم إن اسثناء أولي الضرر يفهم التسوية بين القاعدين للعذر وبين المجاهدين، إذ الحكم المتقدم عدم الاستواء فيلزم ثبوت الاستواء لمن استثنى ضرورة أنه لا واسطة بين الاستواء وعدمه.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في التفسير ومسلم في الجهاد.
٢٨٣٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَ فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَىَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ -وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى- فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي. فَثَقُلَتْ عَلَىَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي. ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
[الحديث ٢٨٣٢ - طرفه في: ٤٥٩٢].
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين (الزهري قال: حدّثني) بالإفراد (صالح بن كيسان) بفتح الكاف وسكون التحتية (عن ابن شهاب) الزهري (عن سهل بن سعد الساعدي) الصحابي ﵁. وقال الترمذي: لم يسمع منه ﷺ فهو من التابعين. قال ابن حجر: لا يلزم من عدم السماع عدم الصحبة (أنه قال: رأيت مروان بن الحكم) التابعي أمير المدينة زمن معاوية ثم صار خليفة بعد (جالسًا في المسجد فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت) الأنصاري ﵁ (أخبره) (أن رسول الله ﷺ أملى عليه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أملى عليّ (﴿ولا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾) [النساء: ٩٥]. (قال: فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها عليّ) بضم المثناة التحتية وكسر الميم وضم اللام مشددة وهو مثل يمليها عليّ ويملي ويملل بمعنى ولعل الياء منقلبة عن إحدى اللامين (فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت)؟ أي لو استطعت وعبر بالمضارع إشارة إلى الاستمرار أو استحضارًا لصورة الحال، (وكان رجلاً أعمى) وهذا يفسر قوله في الرواية السابقة وشكا ضرارته (فأنزل الله تعالى على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي) بالذال المعجمة والواو للحال (فثقلت عليّ) فخذه الشريفة ثقل الوحي (حتى خفت أن ترض) بضم المثناة الفوقية وبعد الراء المفتوحة ضاد معجمة مثقلة أي تدق (فخذي) ولغير أبي ذر أن ترض بفتح أوله (ثم سري) بضم المهملة وتشديد الراء أي كشف (عنه فأنزل الله : ﴿غير أولي الضرر﴾) وفي رواية خارجة بن زيد عند أحمد وأبي داود قال زيد بن ثابت، فوالله لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان بالكتف.
وحديث الباب من أفراد البخاري، ومسلم.
٣٢ - باب الصَّبْرِ عِنْدَ الْقِتَالِ
٢٨٣٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كَتَبَ فَقَرَأْتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا».
(باب) فضل (الصبر عند القتال) مع الكفار.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) بفتح العين الأزدي البغدادي قال: (حدّثنا أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد الفزاري (عن موسى بن عقبة) الإمام في المغازي (عن سالم أبي النضر) مولى عمر بن عبيد الله (أن عبد الله بن أبي أوفى كتب) أي إلى عمر بن عبيد الله (فقرأته أن رسول الله ﷺ قال):
(إذا لقيتموهم) أي الكفار عند الحرب والتصاف (فاصبروا) ولا تنصرفوا عن الصف وجوبًا إذا لم يزد عدد الكفار على مثليكم بخلاف ما إذا زاد لقوله تعالى: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال: ٦٦]. الآية. وهو أمر بلفظ الخبر إذ لو كان خبرًا لم يقع بخلاف المخبر عنه (إلاّ متحرفًا لقتالٍ﴾ كمن ينصرف ليكمن في موضع فيهجم أو ينصرف من مضيق ليتبعه العدوّ إلى متّسع سهل للقتال ﴿أو متحيزًا إلى فئة﴾ يستنجد بها ولو بعيدة فلا يحرم انصرافه قال تعالى: (إلاّ متحرفًا﴾ [الأنفال: ١٦] الآية. وخرج بالتصاف ما لو لقي مسلم كافرين فله الانصراف وإن كان هو الذي طلبهما لأن فرض الجهاد، والثبات إنما هو في الجماعة.
وقد مضى هذا الحديث في باب الجنة تحت بارقة السيوف؛ لكنه لم يذكر فيه قوله: إذا لقيتموهم فاصبروا وإنما قال: واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. فقول بعض الشراح هنا ذكر فيه المؤلّف طرفًا من حديث ابن أبي أوفى، وقد تقدّم التنبيه عليه قريبًا في باب:
стр. 1961
الجنة تحت بارقة السيوف لا يخفى ما فيه من التجوّز إذ لم يقع ذلك لا في المتن ولا في الشرح والله أعلم.
٣٣ - باب التَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ، وَقَوْلِهِ : ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]
٢٨٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ. فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا … عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
[الحديث ٢٨٣٤ - أطرافه في: ٢٨٣٥، ٢٩٦١، ٣٧٩٥، ٣٧٩٦، ٤٠٩٩، ٤١٠٠، ٦٤١٣، ٧٢٠١].
(باب التحريض على القتال، وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على المجرور السابق ولأبي ذر وقول الله ﴿حرض المؤمنين على القتال﴾ [الأنفال: ٦٥]، أي حثهم عليه.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) البغدادي قال: (حدّثنا أبو إسحاق) إبراهيم الفزاري (عن حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم مصغرًا الطويل أنه (قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق) في شوّال سنة خمس من الهجرة (فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون) فيه بكسر الفاء حال كونهم (في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك) الحفر (لهم، فلما رأى) ﵊ (ما بهم) أي الأمر المتلبس بهم (من النصب) أي التعب (والجوع قال): ﵊ محرّضًا لهم على عملهم الذي هو بسبب الجهاد.
(اللهم إن العيش) المعتبر أو الباقي المستمر (عيش الآخرة) لا عيش الدنيا (فاغفر للأنصار والمهاجرة) بضم الميم وكسر الجيم وللأنصار بلام الجر ويخرج به عن الوزن، وفي نسخة: فاغفر الأنصار بالألف بدل اللام وهذا من قول ابن رواحة تمثل به النبي ﷺ . قال الداودي: وإنما قال ابن رواحة لاهمّ بلا ألف ولا لام فأتى به بعض الرواة على المعنى وإنما يتزن هكذا، وتعقبه في المصابيح فقال: هذا توهيم للرواة من غير داعٍ إليه فلا يمتنع أن يكون ابن رواحة قال: اللهمَّ بألف ولام على جهة الخزم يعني بالخاء المعجمة والزاي وهو الزياة على أول البيت حرفًا فصاعدًا إلى أربعة، وكذا على أول النصف الثاني حرفًا أو اثنين على الصحيح هذا أمر لا نزاع فيه بين العروضين ولم يقل أحد منهم بامتناعه وإن لم يستحسنوه، ولا قال أحد إن الخرْم يقتضي إلغاء ما هو فيه حتى أنه لا يعدّ شعراء نعم الزيادة لا يعتدّ بها في الوزن ويكون ابتداء النظم ما بعدها فكذا ما نحن فيه اهـ.
(فقالوا) الأنصار والمهاجرة حال كونهم (مجيبين له) ﵊.
(نحن الذين بايعوا) ولأبي ذر: عن الحموي والمستملي بايعنا (محمدًا) على الجهاد ما بقينا أبدًا.
وقال ابن بطال: ليس هو من قوله ﵊، ولو كان لم يكن به شاعرًا وإنما يسمى به من قصد صناعته وعلم السبب والوتد وجميع معايبه من الزحاف والخزم والقبض ونحو ذلك اهـ.
وفي نظر لأن شعراء العرب لم يكونوا يعلمون ما ذكره من ذلك.
٣٤ - باب حَفْرِ الْخَنْدَقِ
٢٨٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ وَيَقُولُونَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا … عَلَى الإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
وَالنَّبِيُّ ﷺ يُجِيبُهُمْ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَهْ، فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ.
(باب) ذكر (حفر الخندق) حول المدينة.
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله بن عمرو المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن صهيب البصريون (عن أنس ﵁) أنه (قال: جعل المهاجرون والأنصار) في غزوة الأحزاب (يحفرون الخندق حول المدينة) وكان الذي أشار بحفره سلمان الفارسي ﵁ (وينقلون التراب على متونهم) جمع متن ومتنًا مكتنفًا الصلب عن يمين وشمال من عصب ولحم يذكّر ويؤنّث (ويقولون):
نحن الذين بايعوا محمدًا … على الإسلام ما بقينا أبدًا
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي على الجهاد ويتّزن البيت بهذه الرواية. وقال الزركشي: هو الصواب، وتعقبه الدماميني بأن كونه غير موزونه لا يعدّ خطأ فلم لا يجوز أن يكون هذا الكلام نثرًا مسجعًا وإن وقع بعضه موزونًا بحيث إذا روى أحد فيها شيئًا لا يدخل في الوزن حكم بخطئه؟ (والنبي ﷺ يجيبهم ويقول):
(اللهم إنه لا خير) مستمر (إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة).
وفي الحديث السابق أنهم كانوا يجيبونه ﵊ فقد كان تارة يجيبهم وتارة يجيبونه.
٢٨٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُول: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ وَيَقُولُ: لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا".
[الحديث ٢٨٣٦ - أطرافه في: ٢٨٣٧، ٣٠٣٤، ٤١٠٤، ٤١٠٦، ٦٦٢٠، ٧٢٣٦].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سمعت البراء) بن عازب (﵁ يقول: كان النبي ﷺ ¬) يوم حفر الخندق
стр. 1962
(ينقل) أي التراب (ويقول):
(لولا أنت ما اهتدينا).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الجهاد والمغازي ومسلم في المغازي والنسائي في السير.
٢٨٣٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ -وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ- وَهُوَ يَقُولُ: لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلِ السَّكِينَةَ عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا، إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا".
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) السبيعي (عن البراء) بن عازب (﵁) أنه (قال: رأيت رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ يوم الأحزاب) سمي به لاجتماع القبائل واتفاقهم على محاربته ﷺ وهو يوم الخندق (ينقل التراب) من الخندق (وقد وارى) أي ستر (التراب بياض بطنه وهو يقول):
(لولا أنت ما اهتدينا) قال الزركشي: هكذا روى لولا وصوابه في الوزن لا همّ أو تالله لولا أنت ما اهتدينا. قال في المصابيح: وهذا عجيب فإن النبي ﷺ هو المتمثل بهذا الكلام والوزن لا يجري على لسانه الشريف غالبًا. (ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزل السكينة) أي الوقار (علينا) وللأصيلي وأبوي الوقت وذر عن الكشميهني: فأنزلن بنون التوكيد الخفيفة سكينة بالتنكير، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فأنزل بحذف النون والجزم سكينة بالتنكير (وثبت الأقدام إن لاقينا) الكفار (إن الألى) هو من الألفاظ الموصولات لا من أسماء الإشارة جمعًا للمذكر (قد بغوا علينا) من البغي وهو الظلم وهذا أيضًا غير متزن فيتزن بزيادة هم فيصير إن الألى هم قد بغوا علينا (إذا أرادوا فتنة أبينا) من الإباء.
٣٥ - باب مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ عَنِ الْغَزْوِ
٢٨٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ: "رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ".
[الحديث ٢٨٣٨ - طرفاه في: ٢٨٣٩، ٤٤٢٣].
(باب من حبسه العذر) بالذال المعجمة وهو الوصف الطارئ على المكلف المناسب للتسهيل عليه (عن الغزو) فله أجر المغازي.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) اليربوعي ونسبه لجدّه لشهرته به واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا زهير) هو ابن معاوية الجعفي قال: (حدّثنا حميد) الطويل (أن أنسًا) هو ابن مالك (حدّثهم قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي ﷺ ¬).
قال المؤلّف: (حدّثنا) وفي بعض الأصول ح للتحويل. وحدّثنا (سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد هو ابن زيد عن حميد) الطويل (عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان في غزاة) هي غزوة تبوك كما هو في رواية زهير (فقال):
٢٨٣٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إِلاَّ وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ".
وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الأَوَّلُ أَصَحُّ.
(إن أقوامًا بالمدينة خلفنا) بسكون اللام أي وراءنا (ما سلكنا شعبًا) بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة بعدها موحدة طريقًا في الجبل (ولا واديًا إلاّ وهم معنا فيه) أي في ثوابه، ولابن حبان وأبي عوانة من حديث جابر: إلاّ شركوكم في الأجر بدل قوله إلا وهم معكم. وللإسماعيلي من طريق أخرى عن حماد بن زيد: إلاّ وهم معكم فيه بالنيّة، ولأبي داود عن حماد: لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديًا إلاّ وهم معكم فيه. قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: (حبسهم العذر) هو أعم من المرض فيشمل عدم القدرة على السفر وغيره. وفي مسلم من حديث جابر: حبسهم المرض وهو محمول على الغالب.
(وقال موسى) بن إسماعيل شيخ المؤلّف: (حدّثنا حماد) هو ابن سلمة (عن حميد) الطويل (عن موسى بن أنس عن أبيه) أنس بن مالك (قال النبي ﷺ ¬):
(قال أبو عبد الله): البخاري السند (الأول) المحذوف منه موسى بين حميد وأنس (أصح) من الثاني المثبت فيه موسى، ولأبي ذر: الأول عندي أصح، واعترضه الإسماعيلي بأن حمادًا عالم بحديث حميد مقدّم فيه على غيره. قال في الفتح: وإنما قال ذلك لتصريح حميد بتحديث أنس له كما تراه ولا مانع أن يكون حميد سمع هذا من موسى عن أبيه، ثم لقي أنسًا فحدّثه به أو سمع من أنس فثبته فيه ابنه موسى اهـ.
وفيه: أن المؤمن يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل كمن غلبه النوم عن صلاة الليل فإنه يكتب له أجر صلاته ويكون نومه صدقة عليه من ربه. رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر أو أبي الدرداء شك شعبة مرفوعًا. ورواه ابن خزيمة موقوفًا.
٣٦ - باب فَضْلِ الصَّوْمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
(باب فضل الصوم) في الجهاد (في سبيل الله) أو المراد ابتغاء وجه الله لئلا يعارض أولوية
الفطر في الجهاد عن الصوم لأنه يضعف عن اللقاء، لكن يؤيد الأول ما في حديث أبي هريرة المروي في فوائد أبي الطاهر
стр. 1963
الذهلي ما من مرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يومًا في سبيل الله الحديث.
وحينئذ فالأولوية المذكورة محمولة على من يضعفه الصوم عن الجهاد، أما من لم يضعفه فالصوم في حقه أفضل لأنه يجمع بين الفضيلتين.
٢٨٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر فنسبه إلى جده ويعرف بالسعدي لأنه نزل بباب بني سعد قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرنا) بالإفراد (يحيى بن سعيد) الأنصاري (وسهيل بن أبي صالح أنهما سمعا النعمان بن أبي عياش) بتشديد التحتية وبعد الألف شين معجمة واسمه زيد بن الصلت وقيل زيد بن النعمان الزرقي الأنصاري (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) بالدال المهملة (﵁) أنه (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(من صام يومًا في سبيل الله) (بعّد الله) بتشديد العين (وجهه) أي ذاته كلها (عن النار سبعين خريفًا) أي سنة.
وعند أبي يعلى من طريق زياد بن فائد عن معاذ بن أنس: بعّد من النار مائة عام سير المضمر الجواد.
وعند الطبراني في الصغير والأوسط بإسناد حسن عن أبي الدرداء: "جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض". وفي كامل ابن عدي عن أنس تباعدت منه جهنم خمسمائة عام قيل ظاهرها التعارض.
وأجيب: بالاعتماد على رواية سبعين للاتفاق عليها في الصحيح أولى أو أن الله أعلم نبيه ﷺ بالأدنى ثم ما بعده على التدريج أو أن ذلك بحسب اختلاف أحوال الصائمين في كمال الصوم ونقصانه.
٣٧ - باب فَضْلِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
(باب فضل النفقة) أي الإنفاق في الجهاد (في سبيل الله) أو في الجهاد وغيره مما يقصد به وجه الله تعالى.
٢٨٤١ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ -كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ-: أَىْ فُلُ، هَلُمَّ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَاكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (سعد بن حفص) أبو محمد الطلحي الكوفي قال: (حدّثنا شيبان) بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية وفتح الموحدة ابن عبد الرحمن أبو معاوية النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (أنه سمع أبا هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من أنفق زوجين) أي صنفين مقترنين شكلين كانا أو نقيضين وكل واحد منهما زوج، ومراده أن يشفع المنفق ما ينفقه من دينار أو درهم أو سلاح أو غيره. وقال الداودي: ويقع الزوج على الواحد والاثنين وهو هنا على الواحد جزمًا. وفي رواية إسماعيل القاضي: من أنفق زوجين من ماله (في سبيل الله) عام في جميع أنواع الخير أو خاص بالجهاد (دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب) أي خزنة كل باب فهو من المقلوب (أي فل)، بضم اللام وإسكانها وليس ترخيمًا لأنه لا يقال إلا بسكون اللام ولو كان ترخيمًا لفتحوها أو ضموها. قال سيبويه؛ ليس ترخيمًا إنما هي صيغة ارتجلت في باب النداء، وقد جاء في غير النداء في لجة أمسك فلانًا عن فل.
فكسر اللام للقافية. وقال الأزهري: ليس بترخيم فلان ولكنها كلمة على حدة فبنو أسد يوقعونها على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد وغيرهم يثني ويجمع ويؤنث فيقول: يا فلان ويا فلان ويا فلة ويا فلتان ويا فلات، وفلان وفلانة كناية عن الذكر والأنثى من الناس، فإن كنيت بهما عن غير الناس قلت الفلان والفلانة. وقال قوم: إنه ترخيم فلان فحذف النون للترخيم والألف لسكونها وتفتح اللام وتضم على مذهبي الترخيم قاله ابن الأثير أي فلان. (هلم) بفتح الهاء وضم اللام وتشديد الميم أي تعال.
(قال أبو بكر): الصديق ﵁ (يا رسول الله ذاك الذي) يدعوه خزنة كل باب (لا توى عليه) بفتح المثناة الفوقية والواو مقصورًا أي لا بأس عليه أن يدخل بابًا ويترك آخرًا (فقال النبي ﷺ ¬): (إني لأرجو أن تكون منهم) أي ممن يدعى من تلك الأبواب كلها.
وهذا الحديث سبق في الصيام وأخرجه أيضًا في فضل أبي بكر ومسلم في الزكاة.
٢٨٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ حَدَّثَنَا هِلَالٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ. ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا وَثَنَّى بِالأُخْرَى. فَقَامَ رَجُلٌ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، قُلْنَا يُوحَى إِلَيْهِ، وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمِ الطَّيْرَ. ثُمَّ إِنَّهُ مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ الرُّحَضَاءَ فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا؟ أَوَخَيْرٌ هُوَ- ثَلَاثًا. إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلاَّ بِالْخَيْرِ. وَإِنَّهُ كُلُّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ، أكلَتْ حَتَّى امْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ رَتَعَتْ. وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهْوَ كَالآكِلِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وتخفيف النون العوفي الباهلي الأعمى قال: (حدّثنا فليح) هو ابن سليمان قال: (حدّثنا هلال) هو ابن أبي ميمونة الفهري (عن عطاء بن يسار)
стр. 1964
بالمهملة المخففة (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قام على المنبر) وفي طريق معاذ بن فضالة عن هشام عن هلال في باب الصدقة على اليتامى جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله (فقال):
(إنما أخشى عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من بركات الأرض). (ثم ذكر زهرة الدنيا) أي حسنها وبهجتها الفانية (فبدأ بإحداهما) أي ببركات الأرض (وثنى بالأخرى) أي بزهرة الدنيا (فقام رجل) لم أعرف اسمه (فقال: يا رسول الله، أو يأتي الخير بالشر)؟ بفتح الواو أي تصير النعمة عقوبة؟ (فسكت عنه النبي ﷺ . قلنا يوحى إليه وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير) كأنهم يريدون صيده فلا يتحركون مخافة أن يطير (ثم إنه) ﵊ (مسح عن وجهه الرحضاء) بضم الراء وفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة ممدودًا العرق الذي أدره عند نزول الوحي عليه (فقال): (أين السائل آنفًا)؟ بمدّ الهمزة وكسر النون الآن (أو خير هو) بفتح الواو والهمزة استفهام على سبيل الإنكار أي المال هو خير قالها (ثلاثًا): (إن الخير) الحقيقي (لا يأتي إلا بالخير) وهذا ليس بخير حقيقي لما فيه من الفتنة والاشتغال عن كمال الإقبال إلى الآخرة. (وإنه كلما) بفتح اللام ولأبي ذر كل ما بضمها (ينبت الربيع) بضم التحتية من الإنبات والربيع رفع على الفاعلية وهو الجدول الذي يستقى به (ما يقتل) قتلاً (حبطًا) بفتح الحاء المهملة والموحدة والطاء المهملة منصوب على التمييز وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل وسقط قوله ما لأبي ذر وحده وقوله حبطًا له ولأبي الوقت والأصيلي (أو يلم) بضم أوله وكسر ثانيه وتشديد ثالثه أي يقرب أن يقتل (كلما أكلت) ضبب على كلما في اليونينية وكتب في الحاشية صوابه إلا آكلة الخضر بضم الخاء وفتح الضاد المعجمتين وآكلة بمدّ الهمزة والاستثناء مفرغ والأصل كلما ينبت الربيع ما يقتل آكلة إلا الدابة التي تأكل الخضر فقط أكلت أي آكلة الخضر (حتى إذا امتلأت) ولأبي ذر: حتى إذا امتدّت (خاصرتاها) شبعًا (استقبلت الشمس فثلطت) بفتح المثلثة واللام المخففة والطاء المهملة آخره فوقية أي ألقت بعرها سهلاً رقيقًا (وبالت) فزال عنها الحبط وإنما تحبط الماشية لأنها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول فتنتفخ بطونها
فيعرض لها المرض فتهلك (ثم رتعت) وهذا مثل ضربه للمقتصد في جمع الدنيا المؤدي حقها الناجي من وبالها كما نجت آكلة الخضر (وإن هذا المال خضرة) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين أي من حيث المنظر وأنّثه مع أن المال مذكّر باعتبار أنه زهرة الدنيا فالتأنيث وقع على التشبيه أو التاء للمبالغة كراوية وعلامة (حلوة) أي من حيث الذوق (ونعم) أي المال (صاحب المسلم لمن أخذه بحقه) بأن جمعه من حلال (فجعله في سبيل الله) جميع أنواع الخير ومنها الجهاد وهو موضع الترجمة.
وقد روى النسائي والترمذي وقال: حسن، وابن حبان في صحيحه وصححه الحاكم من حديث خريم بن فاتك بالراء مصغرًا ابن فاتك بالفاء الفوقية المكسورة رفعه: "من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف". وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة وغيره مرفوعًا: "من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا في سبيل الله بنفسه وأنفق في وجه ذلك فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ثم تلا هذه الآية: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾ [البقرة: ٢٦١].
(واليتامى والمساكين) ولأبي ذر عن الكشميهني زيادة: وابن السبيل (ومن لم يأخذه) أي المال (بحقه) ولأبي ذر: يأخذها أي زهرة الدنيا (فهو كالأكل الذي لا يشبع) لأنه كلما نال منه شيئًا ازدادت رغبته واستقل ما عنده ونظر إلى ما فوقه، وسقط لأبي ذر لفظ الذي (ويكون) ماله (عليه شهيدًا يوم القيامة) بأن ينطق الله الصامت منه بما فعل أو يمثل مثاله.
وهذا الحديث قد سبق في باب الصدقة على اليتامى من كتاب الزكاة ويأتي إن شاء الله تعالى بمنّه وعونه في الرقاق.
٣٨ - باب فَضْلِ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا أَوْ خَلَفَهُ بِخَيْرٍ
(باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه) بتخفيف اللام أي قام بعده في أهله من يتركه (بخير) بأن قام عنه بما كان
стр. 1965
يفعله.
٢٨٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا».
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدّثنا الحسين) بضم الحاء وفتح السين ابن ذكوان المعلم البصريون قال: (حدّثني) بالإفراد (يحيى) هو ابن كثير اليمامي الطائي (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف قال: (حدّثني) بالإفراد كذلك (بسر بن سعيد) بضم الموحدة وسكون المهملة وكسر عين سعيد
مولى الحضرمي من أهل المدينة (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (زيد بن خالد) أبو عبد الرحمن الجهني (﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(من جهز غازيًا في سبيل الله بخير) بأن هيأ له أسباب سفره من ماله أو من مال المغازي (فقد غزا) أي فله مثل أجر المغازي وإن لم يغز حقيقة من غير أن ينقص من أجر المغازي شيء لأن المغازي لا يتأتى منه الغزو إلا بعد أن يكفى ذلك العمل فصار كأنه يباشر معه الغزو ولكنه يضاعف الأجر لمن جهز من ماله ما لا يضاعف لمن دلّه أو أعانه إعانة مجردة عن بذل المال. نعم من تحقق عجزه عن الغزو وصدقت نيّته ينبغي أن لا يختلف أن أجره يضاعف كأجر العامل المباشر لما مرّ فيمن نام عن حزبه.
(ومن خلّف غازيًا في سبيل الله بخير) في أهله ومن يتركه بأن ناب عنه في مراعاتهم وقضاء مآربهم زمان غيبته (فقد غزا) أي شاركه في الأجر من غير أن ينقص من أجره شيء لأن فراغ المغازي له واشتغاله به بسبب قيامه بأمر عياله فكأنه مسبب من فعله.
وفي حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: "من جهز غازيًا حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع" رواه ابن ماجة.
وفي الطبراني الأوسط برجال الصحيح مرفوعًا: "من جهز غازيًا في سبيل الله فله مثل أجره ومن خلف غازيًا في أهله بخير وأنفق على أهله فله مثل أجره".
وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ في صحيح ابن حبان مرفوعًا: "من أظل رأس غازٍ أظله الله يوم القيامة" الحديث.
فإن قلت: هل من جهز غازيًا على الكمال ويخلفه بخير في أهله أجر غازيين أو غازٍ واحد؟
أجاب ابن جمرة: بأن ظاهر اللفظ يفيد أن له أجر غازيين لأنه ﵊ جعل كل فعل مستقلاً بنفسه غير مرتبط بغيره.
وحديث الباب أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي في الجهاد.
٢٨٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ: فَقَالَ: إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري وسقط ابن إسماعيل لغير أبي ذر قال: (حدّثنا همام) بتشديد الميم ابن يحيى الشيباني (عن إسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة (عن أنس- ﵁ أن النبي ﷺ لم يكن يدخل بيتًا) يكثر دخوله (بالمدينة غير بيت أم سليم) سهلة أو اسمها رميلة
أو الغميصاء وهي أم أنس (إلا على أزواجه) أمهات المؤمنين ﵅ (فقيل له): أي لِمَ تخص أم سليم بكثرة الدخول إليها؟ ولم يسمّ القائل (فقال): ﵊:
(إني أرحمها، قتل أخوها) حرام بن ملحان يوم بئر معونة (معي) أي في عسكري أو على أمري وفي طاعتي لأنه ﵊ لم يشهد بئر معونة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المغازي، وتعليل الكرماني دخوله ﵊ على أم سليم بأنها كانت خالته من الرضاعة أو النسب وأن المحرمية سبب لجواز الدخول لا يحتاج إليه لأن من خصائصه ﵊ جواز الخلوة بالأجنبية لثبوت عصمته.
وقد ظهرت مطابقة الحديث للترجمة من حيث أنه ﵊ خلف أخاها في أهله بخير بعد وفاته وحسن العهد من الإيمان وكفى بجبر الخاطر والتودّد خيرًا لا سيما من سيد الخلق ﷺ .
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفضائل.
٣٩ - باب التَّحَنُّطِ عِنْدَ الْقِتَالِ
(باب التحنط) أي استعمال الحنوط وهو ما يطيب به الميت (عند القتال).
٢٨٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَالَ: وَذَكَرَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ قَالَ: "أَتَى أَنَسٌ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهْوَ يَتَحَنَّطُ فَقَالَ: يَا عَمِّ مَا يَحْبِسُكَ أَنْ لَا تَجِيءَ؟ قَالَ: الآنَ يَا ابْنَ أَخِي، وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ -يَعْنِي مِنَ الْحَنُوطِ- ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ، فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ انْكِشَافًا مِنَ النَّاسِ فَقَالَ: هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا حَتَّى نُضَارِبَ الْقَوْمَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ". رَوَاهُ حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) أبو محمد الحجبي البصري قال: (حدّثنا خالد) بن الحرث الهجيمي بضم الهاء وفتح الجيم قال (حدّثنا ابن عون) عبد الله (عن موسى بن أنس) أي ابن مالك أنه (قال: وذكر) بواو الحال ولأبي ذر عن الحموي ذكر بإسقاطها (يوم) وقعة (اليمامة)
следующие страницы →