Полный текст (4 743 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
فوضع أحدهم) هو عبد الله بن صوريا الأعور (يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا): أي اليهود (صدق) ابن سلام (يا محمد فيها) في التوراة (آية الرجم فأمر بهما) بالزانيين (رسول الله ﷺ فرجما) وفي حديث جابر عند أبي داود فدعا رسول الله ﷺ بالشهود فجاء أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل المرود في المكحلة فأمر بهما فرجما.
(قال عبد الله) بن عمر بنِ الخطاب (فرأيت الرجل يجنأ) بالجيم الساكنة والهمزة آخره أي يكب، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يحني بالحاء المهملة وكسر النون من غير همز أي يعطف (على المرأة يقيها الحجارة) ومباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في الحدود بعون الله وقوته.
وقد أخرجه في المحاربين ومسلم في الحدود وكذا الترمذي وأخرجه النسائي في الرجم.
٢٧ - باب سُؤَالِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُرِيَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ
(باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية) أي معجزة خارقة للعادة (فأراهم انشقاق القمر).
٣٦٣٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ النبي ﷺ شِقَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اشْهَدُوا».
[الحديث ٣٦٣٦ - أطرافه في: ٣٨٦٩، ٣٨٧١، ٤٨٦٤، ٤٨٦٥].
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (ابن عيينة) سفيان (عن ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة ساكنة عبد الله بن سخبرة الكوفي (عن عبد الله بن مسعود ﵁) أنه (قال: انشق القمر على عهد رسول الله) ولأبوي ذر والوقت النبي (¬ ﷺ ¬) أي زمنه وفي أيامه (شقتين) بكسر الشين وتفتح أي نصفين، وزاد أبو نعيم في الدلائل من طريق عتبة بن عبد الله قال ابن مسعود: فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الذي بمنى ونحن بمكة (فقال النبي ﷺ ¬):
(اشهدوا) من الشهادة وإنما قال ذلك لأنها معجزة عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير ومسلم في التوبة والترمذي في التفسير وكذا النسائي.
٣٦٣٧ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ح. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: "أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ".
[الحديث ٣٦٣٧ - أطرافه في: ٣٨٦٨، ٤٨٦٧، ٤٨٦٨].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا يونس) بن محمد المؤدب قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن النحوي (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك ﵁) وسقط لأبي ذر ابن مالك وسقط الترضي أيضًا في اليونينية. قال المؤلّف: (ح).
(وقال لي خليفة) بن خياط (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي وفتح الراء البصري قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) زاد في اليونينية ابن مالك ﵁ (أنه حدثهم أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر) زاد في رواية له في الصحيحين شقين حتى رأوا حراء بينهما وأنس لم يحضر ذلك لأنه كان ابن أربع سنين أو خمس بالمدينة.
٣٦٣٨ - حَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ خَالِدٍ الْقُرَشِيُّ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ ".
[الحديث ٣٦٣٨ - طرفاه في: ٣٨٧٠، ٤٨٦٦].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (خلف بن خالد القرشي) مولاهم أبو المهنا أو أبو المضاء قال: (حدّثنا بكر بن مضر) بميم مضمومة فضاد معجمة مفتوحة فراء القرشي (عن جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل ابن حسنة القرشي (عن عراك بن مالك) بكسر العين وتخفيف الراء وبعد الألف كاف الغفاري المدني (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن عبد الله) بن عتبة (بن مسعود) أحد الفقهاء السبعة (عن ابن عباس ﵄: أن القمر انشق) وفي رواية عن ابن عباس عند أبي نعيم في الدلائل والفضائل فصار قمرين (في زمان النبي ﷺ ¬) وابن عباس أيضًا لم يحضر ذلك لأنه كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد لكن في بعض الطرق أنه حمل الحديث عن ابن مسعود، وانشقاق القمر من أمهات المعجزات وأجمع عليه المفسرون وأهل السُّنّة وروي عن جماعة كثيرة من الصحابة.
٢٨ - باب
٣٦٣٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُعَاذٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁: "أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ
الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيئانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا وفي نسخة وهي التي في اليونينية باب التنوين من غير ترجمة حدّثنا (محمد
стр. 2417
بن المثنى) العنزي قال: (حدّثنا معاذ قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) هشام بن عبد الله الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أنس) ولأبي ذر: عن أنس (﵁ أن رجلين) أسيد بن الحضير وعباد بن بشر (من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة) بكسر اللام (ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما) إكرامًا لهما وإظهارًا لسر قوله: بشر المشائين في الظلم للمساجد بالنور التام يوم القيامة فعجل لهما مما ادّخر في الآخرة (فلما افترقا صار مع كل واحد منهما) نور (واحد) يضيء له (حتى أتى أهله).
وعند عبد الرزاق في مصنفه أن أسيد بن حضير ورجلاً من الأنصار تحدثا عند رسول الله ﷺ حتى ذهب من الليل ساعة في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وفي يد كل واحد منهما عصبة فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت عصا الآخر فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله.
وأخرج البخاري في تاريخه عن حمزة الأسلمي قال: كنا عند النبي ﷺ في سفر فتفرقنا في ليلة ظلماء فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وأن أصابعي لتنير، ويأتي مزيد لما ذكرته هنا في مناقب أسيد وعباد إن شاء الله تعالى بعونه وقوته.
٣٦٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ».
[الحديث ٣٦٤٠ - طرفاه في: ٧٣١١، ٧٤٥٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن أبي الأسود) هو عبد الله بن محمد بن أبي الأسود واسم أبي الأسود حميد بن أبي الأسود البصري وهو ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد البجلي أنه قال: (حدّثنا قيس) هو ابن أبي حازم قال: (سمعت المغيرة بن شعبة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يزال) بالمثناة التحتية (ناس من أمتي ظاهرين) زاد مسلم عن ثوبان على الحق، وله أيضًا من حديث جابر: يقاتلون على الحق ظاهرين (حتى يأتيهم أمر الله) وفي حديث جابر بن سمرة عند مسلم حتى تأتيهم الساعة (وهم ظاهرون) أي غالبون من خالفهم. وقال النووي: أمر الله هو الريح الذي يأتي فيأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة. واستدل به أكثر الحنابلة وبعض من غيرهم على أنه لا يجوز خلوّ الزمان عن المجتهد، وعورض بحديث ابن عمر المروي في البخاري وغيره مرفوعًا: إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون، إذ فيه دلالة على جواز خلوّ
الزمان عن مجتهد وهو قول الجمهور لأنه صريح في رفع العلم بقبض العلماء وترئيس الجهال، وإذا انتفى العلم ومن يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام والتوحيد ومسلم في الجهاد.
٣٦٤١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». قَالَ عُمَيْرٌ: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: قَالَ مُعَاذٌ: «وَهُمْ بِالشَّأْمِ». فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: «وَهُمْ بِالشَّامِ».
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا الوليد) بن مسلم القرشي (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن جابر) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جار الأزدي (قال: حدّثني) بالإفراد (عمير بن هانئ) بضم العين مصغرًا وهانئ بالنون بعد الألف آخره همزة الشامي (أنه سمع معاوية) بن أبي سفيان (يقول: سمعت النبي ﷺ يقول):
(لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله) قال التوربشتي: الأمة القائمة بأمر الله وإن اختلف فيها فإن القصد بها الفئة المرابطة في ثغور الشام نصر الله بهم وجه الإسلام لما في قوله بعد وهم بالشام (لا يضرهم) كل الضرر (من خذلهم) بالذال المعجمة (ولا من خالفهم) إذ العاقبة للمتقين (حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك). وفي حديث عقبة بن عامر: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة.
(قال عمير): أي ابن هانئ بالسند السابق (فقال مالك بن يخامر): بضم التحتية وفتح المعجمة المخففة وكسر الميم بعدها راء السكسكي الحمصي التابعي الكبير (قال معاذ): هو ابن جبل (وهم) أي الأمة القائمة
стр. 2418
بأمر الله مقيمون (بالشام. فقال معاوية) بن أبي سفيان (هذا مالك) يعني ابن يخامر (يزعم أنه سمع معاذًا يقول: وهم بالشام) وفي حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني: يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم من خذلهم ظاهرين إلى يوم القيامة.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في التوحيد ومسلم في الجهاد.
٣٦٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَيَّ يُحَدِّثُونَ عَنْ عُرْوَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ".
قَالَ سُفْيَانُ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ جَاءَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ قَالَ: سَمِعَهُ شَبِيبٌ مِنْ عُرْوَةَ،
فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ شَبِيبٌ: إِنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ عُرْوَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَيَّ يُخْبِرُونَهُ عَنْهُ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا) والذي في اليونينية أخبرنا (سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا شبيب بن غرقدة) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة الأولى وسكون التحتية وغرقدة بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف والدال المهملة السلمي الكوفي أحد التابعين (قال: سمعت الحي) بالحاء المهملة المفتوحة والتحتية المشددة أي القبيلة التي أنا فيها وهم البارقيون نسبوا إلى بارق جبل باليمن نزله بنو سعد بن عدي بن حارثة فنسبوا إليه ومقتضاه أنه سمعه من جماعة أقلهم ثلاثة (يحدّثون) ولأبي ذر: يتحدثون بفتح التحتية فزيادة فوقية وفتح الدال (عن عروة) بن الجعد ويقال: ابن أبي الجعد. وقيل اسم أبيه عياض البارقي بالموحدة والقاف الصحابي الكوفي وهو أول قاض بها. وقال الحافظ أبو ذر مما في هامش اليونينية عروة هو البارقي ﵁.
(أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة فاشترى له به) بالدينار (شاتين) ولأحمد من رواية أبي لبيد عن عروة قال: عرض للنبي ﷺ جلب فأعطاني دينارًا فقال: أي عروة ائت الجلب فاشتر لنا شاة قال: فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار (فباع أحدهما) أي إحدى الشاتين (بدينار وجاءه) ولأبوي ذر والوقت فجاءه بالفاء بدل الواو (بدينار وشاة فدعا) ﵊ (له بالبركة في بيعه) في رواية أحمد فقال: اللهم بارك له في صفقته (وكان لو اشترى التراب لربح فيه) ولأحمد قال: فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفًا قبل أن أصل إلى أهلي.
(قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (كان الحسن بن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم البجلي مولاهم الكوفي قاضي بغداد في زمن المنصور ثاني خلفاء بني العباس وهو أحد الفقهاء المتفق على ضعف حديثهم، وفي التهذيب قال محمود بن غيلان عن أبي داود الطيالسي، قال شعبة: أتيت جرير بن حازم فقلت له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة فإنه يكذب، وقال علي بن الحسن بن شقيق قلت لابن المبارك: لِمَ تركت أحاديث الحسن بن عمارة؟ قال: جرَّحه عندي سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج فبقولهما تركت حديثه. وقال أحمد بن حنبل: منكر الحديث وأحاديثه موضوعة لا يثبت حديثه. وقال ابن حبان: كان يدلس على الثقات ما سمعه من الضعفاء عنهم. وبالجملة فهو متروك لكن ليس له في البخاري إلا هذا الموضع. (جاءنا بهذا الحديث) المذكور (عنه) أي عن شبيب بن غرقدة.
(قال): أي الحسن بن عمارة المذكور (سمعه) أي الحديث (شبيب من عروة) البارقي قال سفيان بن عيينة (فأتيته) أي شبيبًا (فقال شبيب: إني لم أسمعه) أي الحديث (من عروة) البارقي بل (قال) أي شبيب (سمعت الحي) البارقين (يخبرونه) أي بالحديث (عنه) أي عن عروة.
وتمسك بهذا الحديث من جوّز بيع الفضولي ووجه الدلالة منه كما قال ابن الرفعة: أنه باع
الشاة الثانية من غير إذن وأقره ﵊ على ذلك وهو مذهب مالك في المشهور عنه وأبي حنيفة وبه قال الشافعي في القديم، فينعقد البيع وهو موقوف على إجازة المالك فإن أجازه نفذ وإن ردّه لغا.
وممن حكى هذا القول من العراقيين المحاملي في اللباب وعلق الشافعي في البويطي صحته على صحة الحديث فقال في آخر باب الغصب: إن صح حديث عروة البارقي فكل من باع أو أعتق ملك غيره بغير إذنه ثم رضي فالبيع والعتق جائزان هذا لفظه. ونقل البيهقي أنه علقه أيضًا على صحته في الأم، والمذهب أنه باطل وهو الجديد الذي لا يعرف العراقيون
стр. 2419
غيره على ما حكاه الإمام ومن تابعه لحديث حكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك، وحديث واثلة بن عامر لا تبع ما لا تملك، وأجابوا عن حديث الباب على تقدير صحته باحتمال أن يكون عروة وكيلاً في البيع والشراء معًا وبأن البخاري أشار بقوله قال سفيان: كان الحسن إلى آخره إلى بيان ضعف روايته أي الحسن وأن شبيبًا لم يسمع الحديث من عروة وإنما سمعه من الحي البارقيين ولم يسمهم عن عروة، فالحديث بهذا ضعيف للجهل بحالهم.
وأجيب: بأن شبيبًا لا يروي إلاّ عن عدل فلا بأس به، وبأنه أراد نقله بوجه آكد إذ فيه إشعار بأنه لم يسمع من رجل قطٌّ بل من جماعة متعددة ربما يفيد خبرهم القطع به، وأما الحسن بن عمارة وإن كان متروكًا فإنه ما أثبت شيئًا بقوله من هذا الحديث، وبأن الحديث قد وجد له متابع عند الإمام أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه من طريق سعيد بن زيد عن الزبير بن الخريت بكسر المعجمة وتشديد الراء المكسورة وبعدها تحتية ساكنة ثم فوقية عن أبي لبيد واسمه لمازة بكسر اللام وتخفيف الميم وبالزاي ابن زباز بفتح الزاي وتشديد الموحدة آخره زاي الأزدي الصدوق قال: حدثني عروة البارقي فذكر الحديث بمعناه.
٣٦٤٣ - حَدَّثَنَا وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الْخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ فِي دَارِهِ سَبْعِينَ فَرَسًا. قَالَ سُفْيَانُ: «يَشْتَرِي لَهُ شَاةً كَأَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ».
(ولكن) أي قال شبيب بن غرقدة: لم أسمع الحديث السابق من عروة البارقي ولكن (سمعته يقول سمعت النبي ﷺ يقول):
(الخير معقود) أي لازم (بنواصي الخيل) المغازية في سبيل الله (إلى يوم القيامة) وفيه تفضيل الخيل على سائر الدواب (قال): أي شبيب بالسند السابق (وقد رأيت في داره) أي دار عروة (سبعين فرسًا. قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (يشتري) بفتح أوله وكسر الراء أي عروة البارقي (له) أي لرسول الله ﷺ (شاة كأنها أضحية) والظاهر أن قوله كأنها أضحية من قول سفيان أدرجه فيه وكذا قال في الفتح، ولم أر في شيء من طرق الحديث أنه أراد أضحية، وقد بالغ أبو
الحسن بن القطان في كتاب بيان الوهم في الإنكار على من زعم أن البخاري أخرج حديث شراء الشاة محتجًا به وقال: إنما أخرج حديث الخيل وانجر به سياق القصة إلى تخريج حديث الشاة.
قال في الفتح: وهو كما قال لكن ليس في ذلك ما يمنع تخريجه ولا ما يحطه عن شرطه لأن الحي يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب لا سيما وقد ورد ما يعضده ولأن الغرض منه الذي يدخل في علامات النبوة دعاؤه ﷺ لعروة فاستجيب له حتى كان لو اشترى التراب لربح فيه.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي في البيوع وابن ماجه في الأحكام.
٣٦٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(الخيل في نواصيها) ولأبي ذر: معقود في نواصيها (الخير). قال الخطابي: كنّى بالناصية عن جميع ذات الفرس يقال فلان مبارك الناصية ومبارك الغرة أي الذات (إلى يوم القيامة). قال القاضي عياض: فيه من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن مع الجناس بين الخيل والخير. وسبق هذا الحديث في الجهاد.
٣٦٤٥ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَس بن مالكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ».
وبه قال: (حدّثنا قيس بن حفص) الدارمي البصري قال: (حدّثنا خالد بن الحرث) الهجيمي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي التياح) بفتح الفوقية والتحتية المشددة آخره حاء مهملة اسمه يزيد بن حميد أنه (قال: سمعت أنسًا) ولأبي ذر: أنس بن مالك (عن النبي ﷺ قال):
(الخيل معقود في نواصيها الخير) لم يقل إلى يوم القيامة. وهذا الحديث رواه في الجهاد من طريق مسدّد عن يحيى عن شعبة عن أبي التياح بلفظ: البركة في نواصي الخيل.
٣٦٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ
شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَسِتْرًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا، فَهِيَ لَهُ كَذَلِكَ سِتْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَهْيَ وِزْرٌ. وَسُئِلَ رسول الله ﷺ عَنِ الْحُمُرِ فَقَالَ: مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) العدوي (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الخيل لثلاثة لرجل أجر ولرجل
стр. 2420
ستر وعلى رجل وزر) إثم (فأما) الرجل (الذي) هي (له أجر فرجل ربطها) للجهاد (في سبيل الله) (فأطال لها) في الحبل الذي ربطها به حتى تسرح للرعي (في مرج) بفتح الميم وسكون الراء بعدها جيم أي موضع كلأ (أو روضة) بالشك (وما) بالواو ولأبي ذر: فما (أصابت) من أكل أو شرب أو مشي (في طيلها) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية أي حبلها المربوط فيه (من المرج أو الروضة كانت له) أي لصاحبها (حسنات) يوم القيامة (ولو أنها قطعت طيلها) حبلها المذكور (فاستنت) بفتح الفوقية وتشديد النون عدت بمرج ونشاط (شرفًا أو شرفين) بفتح الشين المعجمة والراء والفاء فيهما أي شوطًا أو شوطين فبعدت عن الموضع الذي ربطها صاحبها فيه ترعى ورعت في غيره (كانت أرواثها) بالمثلثة (حسنات له) أي لصاحبها في الآخرة (ولو أنها مرت بنهر فشربت) أي منه بغير قصده (ولم يرد أن يسقيها كان ذلك) الشرب وعدم الإرادة (له حسنات و) أما الذي هي له ستر فهو (رجل ربطها تغنيّا) بفتح الغين المعجمة وتشديد النون المكسورة أي استغناء عن الناس (وتسترًا) بفوقية مفتوحة قبل المهملة في الفرع وغيره وفي اليونينية وغيرها وسترًا بإسقاط الفوقية (وتعففًا) عن سؤالهم (لم) ولأبي ذر ولم (ينس حق الله في رقابها) بأن يؤدي زكاة تجارتها (وظهورها) بأن يركب عليها في سبيل الله (فهي له كذلك ستر) تقيه من الفاقة (و) أما الذي هي عليه وزر فهو (رجل ربطها فخرًا) لأجل الفخر (ورياء) أي إظهارًا للطاعة والباطن بخلافه (ونواء) بكسر النون وفتح الواو ممدودًا أي عداوة (لأهل الإسلام فهي) عليه (وزر) أي له.
(وسئل النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ عن الحمر) هل لها حكم الخيل؟ (فقال: ما أنزل) وفي اليونينية بغير عزو ما أنزل الله (عليّ فيها إلا هذه الآية الجامعة) لكل خير وشر (الفاذة) بالفاء والذال المعجمة المشددة أي القليلة المثل المنفردة في معناها. (﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾) [الزلزلة: ٧ - ٨].
وهذا الحديث قد مرّ في الجهاد.
٣٦٤٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ
مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: «صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ بُكْرَةً وَقَدْ خَرَجُوا بِالْمَسَاحِي، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، وَأَحَالُوا إِلَى الْحِصْنِ يَسْعَوْنَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين أنه قال: (سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: صبح رسول الله ﷺ ¬) بتشديد الموحدة بعد الصاد المهملة (خيبر بكرة وقد خرجوا بالمساحي فلما رأوه قالوا: محمد والخميس) أي الجيش وسمي به لأنه خمسة أقسام الميمنة والميسرة والمقدمة والساقة والقلب (وأحالوا) بالحاء المهملة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فأجالوا بالفاء بدل الواو وبالجيم بدل الحاء (إلى الحصن) أي أقبلوا إلى الحصن هاربين حال كونهم (يسعون، فرفع النبي ﷺ يديه) بالتثنية (وقال):
(الله أكبر، خربت) أي ستخرب (خيبر) في توجهنا إليها (إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين). وقد مرّ هذا الحديث في الجهاد.
٣٦٤٨ - حَدَّثَنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْفُدَيْكِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ حديثًا كَثِيرًا فَأَنْسَاهُ. قَالَ ﷺ : ابْسُطْ رِدَاءَكَ، فَبَسَطْتُ، فَغَرَفَ بِيَدَيهِ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: ضُمَّهُ، فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ حَدِيثًا بَعْدُ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن المنذر) الحزامي قال: (حدّثنا ابن أبي الفديك) بضم الفاء وفتح الدال المهملة وسكون التحتية آخره كاف محمد بن إسماعيل واسم أبي فديك دينار الديلمي (عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن المقبري) بضم الموحدة سعيد بن أبي سعيد كيسان (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قلت يا رسول الله إني سمعت منك حديثًا كثيرًا) صفة لحديثًا لأنه اسم جنس يتناول القليل والكثير (فأنساه) صفة ثانية والنسيان زوال علم سابق عن الحافظة والمدركة (قال ﷺ ¬):
(ابسط رداءك فبسطته) أي لما قال: ابسط امتثلت أمره فبسطته وإلاّ فيلزم منه عطف الخبر على الإنشاء وهو مختلف فيه، ولغير أبي ذر فبسطت بإسقاط الضمير المنصوب (فغرف) ﵊ (بيده) بالإفراد، ولأبي ذر: بيديه (فيه) فجعل الحفظ كالشيء الذي يغرف منه ورمى به في ردائه ومثل لذلك في عالم الحس (ثم قال): ﷺ لأبي هريرة (ضمه) قال: (فضممته فما
стр. 2421
نسيت حديثًا بعد) بالضم قطعه عن الإضافة، وقد مرّ الحديث في كتاب العلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٢ - كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ -
١ - باب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ رَآهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(باب فضائل أصحاب النبي ﷺ ¬) وسقط الباب لأبي ذر فما بعده رفع (ومن صحب النبي ﷺ ¬) في زمن نبوته ولو ساعة (أو رآه) في حال حياته ولو لحظة مع زوال المانع من الرؤية كالعمى حال كونه في وقت الصحبة أو الرؤية (من المسلمين) العقلاء ولو أنثى أو عبدًا أو غير بالغ أو جنيًا أو ملكًا على القول ببعثته إلى الملائكة (فهو من أصحابه). خبر المبتدأ الذي هو مَنْ الموصول وصحب صلته ودخول الفاء في فهو لتضمن الابتداء معنى الشرط، وأو في قوله: أو رآه للتقسيم والضمير المنصوب للنبي ﷺ أو للصاحب والاكتفاء بمجرد الرؤية من غير مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة مذهب الجمهور من المحدثين والأصوليين لشرف منزلته ﷺ فإنه كما صرح به غير واحد إذا رآه مسلم أو رأى مسلمًا لحظة طبع قلبه على الاستقامة إذ انه بإسلامه متهيئ للقبول، فإذا قابل ذلك النور المحمدي أشرق عليه فظهر أثره في قلبه وعلى جوارحه. والصحبة لغة تتناول ساعة فأكثر وأهل الحديث كما قال النووي: قد نقلوا الاستعمال في الشرع والعرف على وفق اللغة، وإليه ذهب الآمدي، واختاره ابن الحاجب فلو حلف لا يصحبه حنث بلحظة، وعدّ في الإصابة من حضر معه ﵊ حجة الوداع من أهل مكة والمدينة والطائف وما بينهما من الأعراب وكانوا أربعين ألفًا لحصول رؤيتهم له ﷺ وإن لم يرهم هو بل ومن كان مؤمنًا به زمن الإسراء إن ثبت ﵊ كشف له في ليلته عن جميع من في الأرض فرآه وإن لم يلقه لحصول الرؤية من جانبه ﷺ وهذا كغيره يرد على ما قاله صاحب المصابيح ليس الضمير المستتر في قول البخاري أو رآه يعود على النبي ﷺ لأنه يلزم عليه أن يكون من وقع عليه
بصر النبي ﷺ صحابيًّا وإن لم يكن هو قد وقع بصره على النبي ﷺ ولا قائل به انتهى.
وأما ابن أم مكتوم وغيره ممن كان من الصحابة أعمى فيدخل في قوله: ومن صحب وكذا في قولهم أو رآه النبي ﷺ على ما لا يخفى، وقول الحافظ الزين العراقي في شرح ألفيته أن في دخول الأعمى الذي جاء إليه ﷺ ولم يصحبه ولم يجالسه في قول البخاري في صحيحه من صحب النبي ﷺ ورآه نظر ظاهره أن في نسخته التي وقف عليها ورآه بواو العطف من غير ألف فيكون التعريف مركبًا من الصحبة والرؤية معًا فلا يدخل الأعمى كما قال.
لكن في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة أو التي للتقسيم وهو الظاهر لا سيما وقد صرح غير واحد بأن البخاري تبع في هذا التعريف شيخه ابن المديني والمنقول عنه أو بالألف، وأما الصغير الذي لا يميز كعبد الله بن الحرث بن نوفل، وعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ممن حنكه ﷺ أو دعا له، ومحمد بن أبي بكر الصديق المولود قبل وفاته ﷺ بثلاثة أشهر وأيام فهو وإن لم تصح نسبة الرؤية إليه صحابي من حيث إن النبي ﷺ رآه كما مشى عليه غير واحد ممن صنف في الصحابة.
وأحاديث هؤلاء من قبيل مراسيل كبار التابعين ثم إن التقييد بالإسلام يخرج من رآه في حال الكفر فليس بصاحب على المشهور ولو أسلم كرسول قيصر وإن أخرج له الإمام أحمد في مسنده، وقد زاد الحافظ ابن حجر كشيخه الزين العراقي في التعريف ومات على الإسلام ليخرج من أرتدّ بعد أن رآه مؤمنًا ومات على الردّة كابن خطل فلا يسمى صحابيًّا بخلاف من مات بعد ردّته مسلمًا في حياته ﷺ أو بعده سواء لقيه ثانيًا أم لا.
وتعقب بأنه يسمى قبل الردّة صحابيًّا ويكفي ذلك في صحة التعريف إذ لا يشترط فيه الاحتراز عن المنافي العارض ولذا لم يحترزوا في تعريف المؤمن عن الردة العارضة لبعض أفراده، فمن زاد في التعريف أراد تعريف من يسمى صحابيًّا بعد انقراض
стр. 2422
الصحابة لا مطلقًا وإلا لزمه أن لا يسمى الشخص صحابيًّا في حال حياته ولا يقول بهذا أحد كذا قرره الجلال المحلي، لكن انتزع بعضهم من قول الأشعري أن من مات مرتدًّا تبين أنه لم يزل كافرًا لأن الاعتبار بالخاتمة صحة إخراجه فإنه يصح أن يقال: لم يره مؤمنًا لكن في هذا الانتزاع نظر لأنه حين رؤيته كان مؤمنًا في الظاهر، وعليه مدار الحكم الشرعي فيسمى صحابيًّا قاله شيخنا في فتح المغيث.
٣٦٤٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ لَهُمْ نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ
النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار (قال: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي ابن الصحابي ﵄ (يقول: حدّثنا أبو سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(يأتي على الناس زمان فيغزو فئام) بكسر الفاء بعدها همزة مفتوحة فألف فميم أي جماعة (من الناس) لا واحد له من لفظه. قال الجوهري في صحاحه والعامة تقول: قيام بلا همز. قال المحقق البدر الدماميني في مصابيحه: لا حرج عليهم في ذلك ولا يعدون به لا حنين فإن تخفيف الهمزة فى مثله بقلب حركتها حرفًا مجانسًا لحركة ما قبلها عربي فصيح وهو قياس، وغاية الأمر أنهم التزموا التخفيف فيه وهو غير ممتنع (فيقولون) أي الذين يغزونهم لهم (فيكم) بحذف أداة الاستفهام (من صاحب رسول الله ﷺ ¬) بفتح ميم من (فيقولون) لهم (نعم) فينا من صاحبه (فيفتح لهم) بضم التحتية وفتح الفوقية (ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال) لهم (هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟) وهو التابعي (فيقولون) لهم (نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال): لهم (هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟) بفتح الحاء من صاحب في الموضعين كميم من، والمراد أتباع التابعين.
(فيقولون): لهم (نعم فيفتح لهم).
وهذا الحديث قد مرّ قريبًا في علامات النبوة وقبله في الجهاد.
٣٦٥٠ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ قال سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق) بن راهويه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي جمرة) بجيم مفتوحة وميم ساكنة فراء نصر بن عمران الضبعي أنه قال: (سمعت زهدم بن مضرب) بفتح الزاي وسكون الهاء بعدها دال مهملة مفتوحة ثم ميم ومضرب بضم الميم وفتح الضاد وكسر الراء المشددة وبعدها موحدة الجرمي بفتح الجيم (قال: سمعت عمران بن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (﵄ يقول قال رسول الله ﷺ ¬):
(خير أمتي) أهل (قرني) بفتح القاف والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة ويطلق على مدة من الزمان واختلف في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، والمراد بهم هنا الصحابة (ثم الذين يلونهم) أي يقربون منهم وهم التابعون (ثم الذين يلونهم) وهم أتباع التابعين، وهذا صريح في أن الصحابة أفضل من التابعين وأن التابعين أفضل من تابعي التابعين، وهذا مذهب الجمهور. وذهب ابن عبد البر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة وأن قوله ﵊: خير الناس قرني، ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن بين الفاضل والمفضول. وقد جمع قرنه ﵊ جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود.
وقد روى أبو أمامة أنه ﷺ قال: "طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي". وفي مسند أبي داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فقال: "أتدرون أي الخلق أفضل إيمانًا؟ " قلنا: الملائكة قال: "وحق لهم بل غيرهم" قلنا: الأنبياء. قال: "وحق لهم بل غيرهم" ثم قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 2423
وَسَلَّمَ-: "أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق إيمانًا" لكن روى أحمد والدارمي بإسناد حسن وصححه الحاكم قال أبو عبيدة: يا رسول الله هل أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: "قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني".
والحق ما عليه الجمهور لأن الصحبة لا يعدلها شيء وحديث للعامل منهم أجر خمسين منكم لا دلالة فيه على أفضلية غير الصحابة على الصحابة لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وإسناد حديث أبي داود السابق ضعيف فلا حجة فيه، وكلام ابن عبد البر ليس على إطلاقه في حق جميع الصحابة فإنه صرح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية، والذي يظهر أن محل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة أما من قاتل معه أو في زمانه بأمره أو أنفق شيبًا من ماله بسببه أو سبق إليه بالهجرة والنصرة، وضبط الشرع المتلقى عنه وبلغه لمن بعده فلا يعده في الفضل أحد بعده كائنًا من كان.
(وقال عمران) بن الحصين بالسند السابق (فلا أدري أذكر) ﷺ (بعد قرنه قرنين) ولأبي ذر: مرتين بالميم (أو ثلاثًا) وفي نسخة أو ثلاثة، وفي مسلم عن عائشة ﵂ قال رجل: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: "القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث" فلم يشك كأكثر طرق الحديث.
(ثم إن بعدكم) بالكاف (قومًا) بالنصب اسم إن وزاد ابن حجر هنا مما لم أره في الفرع ولا أصله ولبعضهم قوم بالرفع، وقال: يحتمل أن يكون من الناسخ على طريقة من لا يكتب الألف في المنصوب، وقال العيني: الوجه على تقدير صحة الرواية أن يكون بفعل محذوف تقديره ثم إن بعدكم يجيء قوم (يشهدون ولا يستشهدون) أي يتحملون الشهادة من غير تحميل أو يؤدونها من
غير طلب الأداء (ويخونون ولا يؤتمنون) لخيانتهم الظاهرة بخلاف من خان مرة واحدة فإن ذلك قد لا يؤثر فيه (وينذرون) بفتح أوّله وضم الذال المعجمة، ولأبي ذر: وينذرون بكسرها (ولا يفون) بنذرهم، ولأبي ذر: ولا يوفون (ويظهر فيهم السمن) بكسر السين وفتح الميم أي يعظم حرصهم على الدنيا والتمتع بلذاتها حتى تسمن أجسادهم.
٣٦٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ». قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْرِبُوننَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) هو النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة ابن قيس السلماني بفتح السين وسكون اللام المرادي (عن عبد الله) بن مسعود (﵁ أن النبي ﷺ قال):
(خير الناس قرني) أي أهله (ثم) أهل القرن (الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) الأول أصحابه ثم أتباعهم ثم أتباع أتباعهم (ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) ليس فيه دور لأن المراد من حرصهم على الشهادة وترويجها أنهم يحلفون على ما يشهدون تارة قبل وتارة بعد حتى لا يدري بأيهما البداءة فكأنهما يتسابقان لقلة المبالاة بالدين.
(قال): منصور بن المعتمر (قال إبراهيم): النخعي بالسند السابق (وكانوا يضربونا) ضرب تأديب، ولأبي ذر: يضربوننا (على الشهادة والعهد) أي على قول: أشهد بالله وعلى عهد الله (ونحن صغار) لم نبلغ حدّ التفقه، وإن كانوا بلغوا الحلم حتى لا يصير لهم ذلك عادة فيحلفون في كل ما يصلح وما لا يصلح.
ومرّ هذا الحديث في باب لا يشهد على شهادة جور من كتاب الشهادات كسابقه.
٢ - باب مَنَاقِبِ الْمُهَاجِرِينَ وَفَضْلِهِمْ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ التَّيْمِيُّ ﵁ -
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨].
وَقَالَ: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
قَالَتْ عَائِشَةُ وَأَبُو سَعِيدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃: "وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَارِ".
(باب مناقب المهاجرين) الذين هاجروا من مكة إلى المدينة. والمناقب: جمع منقبة ضد المثلبة (وفضلهم) بالجر عطفًا على السابق، وسقط لأبي ذر لفظ باب فمناقب رفع وكذا فضلهم على ما لا يخفى (منهم) من المهاجرين بل هو أفضلهم وسيدهم (أبو بكر) واسمه على المشهور (عبد الله بن أبي قحافة) بضم القاف وتخفيف الحاء وبالفاء واسمه عثمان (التيمي) بفتح الفوقية وسكون التحتية ونسبه إلى جده الأعلى تيم، فهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب يجتمع مع النبي ﷺ في مرة بن كعب، وكان اسمه
стр. 2424
عتيقًا لأنه ليس في نسبه ما يعاب به أو لقدمه في الخير أو لسبقه إلى الإسلام أو لحسنه أو لأن أمه استقبلت به البيت وقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت قالته لأنه كان لا يعيش لها ولد أو لأن النبي ﷺ بشّره بأن الله أعتقه من النار كما في حديث عائشة عند الترمذي وصححه ابن حبان، ولقّب بالصدّيق لتصديقه النبي ﷺ . وعند الطبراني بإسناد رجاله ثقات من حديث علي أنه كان يحلف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق واسم أمه سلمى وتكنى أم الخير بنت صخر بن مالك بن عامر بن عمرو المذكور أسلمت وهاجرت (﵁) وعن والديه وأولاده، ولأبي ذر: رضوان الله عليه.
(وقول الله تعالى) جر عطفًا على سابقه أو رفع، ولأبي ذر: : (﴿للفقراء المهاجرين﴾ [الحشر: ٨]) قال في الأنوار: بدل من لذي القربى وما عطف عليه لأن الرسول ﷺ لا يسمى فقيرًا انتهى. وذلك لأن الله تعالى رفع منزلته عن أن يسميه فقيرًا وقوله: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ [البقرة: ٢٦٨] دليل على أن الفقر مذموم والفقر أربعة أشياء فقر الحسنات في الآخرة وفقر القناعة في الدنيا، وفقر المقتنى وفقرهما والغنى بحسبه، فمن فقد القناعة والمقتنى فهو الفقير المطلق على سبيل الذم ومن فقد القناعة دون القنية فهو الغني بالمجاز الفقير بالحقيقة، ومن فقد القنية دون القناعة فإنه يقال له فقير وغني (﴿الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾ [الحشر: ٨]) فإن كفار مكة أخرجوهم وأخذوا أموالهم (﴿يبتغون﴾ [الحشر: ٨]) يطلبون بهجرتهم (﴿فضلاً من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله﴾ [الحشر: ٨]) دين الله وشرع رسوله بأنفسهم وأموالهم (﴿أولئك هم الصادقون﴾) [الحشر: ٨]. الذين ظهر صدقهم في إيمانهم، وسقط قوله: ﴿الذين أخرجوا﴾ إلى آخره لأبي ذر وقال بعد قوله: ﴿المهاجرين﴾ الآية.
(وقال: ﴿إلاَّ﴾) ولأبي ذر: وقال الله إلا (﴿تنصروه فقد نصره الله﴾) [التوبة: ٤٠] أي وإن لم تنصروه فسينصره الله إذ أخرجه من الغار (إلى قوله: ﴿إن الله معنا﴾) [التوبة: ٤٠]. أي بالعصمة والمعونة وسقط قوله إلى قوله: ﴿إن الله معنا﴾ لأبي ذر وقال بعد قوله نصره الله الآية.
(قالت عائشة): مما ذكره في باب الهجرة إلى المدينة الآتي إن شاء الله تعالى (وأبو سعيد) الخدري مما وصله ابن حبان في صحيحه (وابن عباس) مما أخرجه أحمد والحاكم (﵃: وكان أبو بكر مع النبي ﷺ في الغار) لما خرجا من مكة إلى المدينة.
٣٦٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: «اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ عَازِبٍ رَحْلاً بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعَازِبٍ: مُرِ الْبَرَاءَ فَلْيَحْمِلْ إِلَىَّ رَحْلِي، فَقَالَ عَازِبٌ: لَا، حَتَّى تُحَدِّثَنَا كَيْفَ صَنَعْتَ أَنْتَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَرَجْتُمَا مِنْ مَكَّةَ وَالْمُشْرِكُونَ يَطْلُبُونَكُمْ. قَالَ: ارْتَحَلْنَا مِنْ مَكَّةَ فَأَحْيَيْنَا -أَوْ سَرَيْنَا- لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، فَرَمَيْتُ بِبَصَرِي هَلْ أَرَى مِنْ ظِلٍّ فَآوِيَ إِلَيْهِ، فَإِذَا صَخْرَةٌ أَتَيْتُهَا، فَنَظَرْتُ بَقِيَّةَ ظِلٍّ لَهَا فَسَوَّيْتُهُ، ثُمَّ فَرَشْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: اضْطَجِعْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَاضْطَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَنْظُرُ مَا حَوْلِي: هَلْ أَرَى مِنَ الطَّلَبِ أَحَدًا؟ فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا، فَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ، لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ، فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَهَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لَبَنًا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الْغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ هَكَذَا، ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى فَحَلَبَ لِي كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِدَاوَةً عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَافَقْتُهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ. ثُمَّ قُلْتُ: قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: بَلَى. فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَا، فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَقُلْتُ: هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» ﴿تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦] بالعشيّ، ﴿تَسْرَحُون﴾ [النحل: ٦] بالغداة.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن رجاء) الغداني بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة وبعد الألف نون مخففة البصري قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس (عن) جدّه (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب الأنصاري ﵁ أنه (قال: اشترى أبو بكر) الصديق (﵁ من) أبيه (عازب رحلاً) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة للناقة (بثلاثة عشر درهمًا فقال أبو بكر لعازب: مُر البراء) ابنك (فليحمل إليّ) بتشديد الياء التحتية (رحلي، فقال) له (عازب: لا حتى تحدّثنا كيف صنعت أنت ورسول الله ﷺ حين خرجتما من مكة) في الهجرة إلى المدينة (والمشركون) من أهل مكة (يطلبونكم) أي هما ومن معهما (قال): أبو بكر (ارتحلنا من مكة فأحيينا أو سرينا) بفتح السين (ليلتنا ويومنا) والشك من الراوي (حتى أظهرنا) ولأبي ذر عن الكشميهني ظهرنا بغير ألف والأول هو الصواب أي صرنا في وقت الظهيرة (وقام قائم الظهيرة) شدّة حرها عند الزوال (فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه) بمد الهمزة وفتح التحتية في اليونينية وفرعها مصححًا عليه (فإذا صخرة) فلما رأيتها (أتيتها فنظرت بقية ظل لها فسويته) أي موضعًا. وفي علامات النبوة: فنزلنا عنده أي عند الظل وسوّيت للنبي ﷺ مكانًا بيدي ينام عليه (ثم فرشت للنبي ﷺ فيه) في الظل (ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله فاضطجع النبي ﷺ ، ثم
انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدًا فإذا أنا براعي غنم) لم يسم الراعي ولا مالك الغنم (يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا) من
стр. 2425
الظل (فسألته فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش سماه فعرفته فقلت): له (هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت): له (فهل أنت حالب لبنًا؟) ولأبي ذر عن الكشميهني: لنا (قال: نعم فأمرته فاعتقل شاة من غنمه ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار ثم أمرته أن ينفض كفيه) بالتثنية (فقال: هكذا ضرب إحدى كفيه بالأخرى) فيها إطلاق القول على الفعل واستحباب التنظيف لما يؤكل ويشرب (فحلب لي كثبة) بضم الكاف وسكون المثلثة بعدها موحدة مفتوحة قليلاً (من لبن، و) كنت (قد جعلت لرسول الله ﷺ إداوة) بكسر الهمزة من جلد فيها ماء (على فمها خرقة) كذا في الفرع خرقة بالنصب وفي اليونينية وغيرها بالرفع (فصببت) منها (على اللبن حتى برد أسفله) بفتح الراء (فانطلقت به) باللبن المشوب بالماء (إلى النبي ﷺ فوافقته قد استيقظ) من نومه (فقلت له: اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت) أي طابت نفسي لكثرة ما شرب وفيه: أنه أمعن في الشرب وقد كانت عادته المألوفة عدم الإمعان (ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله ﷺ ¬) أي دخل وقته (قال): ﵊:
(بلى) قد آن، وسقط لفظ: بلى لأبي ذر (فارتحلنا والقوم) كفار قريش (يطلبونا) ولأبي ذر: يطلبوننا (فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم) بجيم مضمومة فعين مهملة ساكنة فشين معجمة مضمومة فميم (على فرس له فقلت هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله. فقال: لا تحزن إن الله معنا).
وهذا الحديث قد مرّ في علامات النبوة.
(﴿تريحون﴾) في قوله تعالى: ﴿ولكم فيها جمال حين تريحون﴾ أي: (بالعشي ﴿وحين تسرحون﴾) أي (بالغداة﴾) [النحل: ٦]. قال في الفتح: والصواب أن يثبت هذا في حديث عائشة في الهجرة فإن فيه: ويرعى عليهما عامر بن فهيرة ويريحها عليهما، وثبت هذا في رواية أبي ذر عن الكشميهني وسقط لغيره.
٣٦٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا. فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا».
[الحديث ٣٦٥٣ - طرفاه في: ٣٩٢٢، ٤٦٦٣].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) العوقي بفتح العين المهملة والواو وكسر القاف قال:
(حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى بن دينار العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة (عن ثابت) البناني (عن أنس) بن مالك الأنصاري (عن أن بكر) الصديق (﵁) أنه (قال: قلت للنبي ﷺ وأنا في الغار) زاد في رواية موسى بن إسماعيل عن
همام في الهجرة فرفعت رأسي فرأيت أقدام القوم فقلت (لو أن أحدهم نظر تحت قدميه) بالتثنية (لأبصرنا. فقال): ﵊.
(ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما) أي جاعلهما ثلاثة بضم نفسه تعالى إليهما في المعية المعنوية التي أشار إليها بقوله: ﴿إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠] وهو من قوله: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ [التوبة: ٤٠] الآية.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الهجرة والتفسير ومسلم في الفضائل والترمذي في التفسير.
٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «سُدُّوا الأَبْوَابَ إِلاَّ بَابَ أَبِي بَكْرٍ» قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب قول النبي ﷺ ¬): (سدوا الأبواب) كلها (إلا باب أبي بكر) الصديق بنصب باب على الاستثناء (قاله ابن عباس) ﵄ (عن النبي ﷺ ¬) فيما وصله المؤلّف في باب الخوخة والممرّ من كتاب الصلاة بمعناه.
٣٦٥٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلاَّ سُدَّ، إِلاَّ بَابَ أَبِي بَكْرٍ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا. وفي اليونينية بالجمع فقط (أبو عامر) عبد الملك بن عمرو العقدي قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام وسكون التحتية بعدها حاء مهملة ابن سليمان الخزاعي (قال: حدّثني) بالإفراد (سالم أبو النضر) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة القرشي المدني (عن بسر بن سعيد) بضم الموحدة وسكون المهملة وسعيد بكسر العين مولى ابن الحضرمي (عن أبي سعيد الخدري ﵁) أنه (قال: خطب رسول الله ﷺ الناس) في مرضه قبل موته بثلاث ليال (وقال): بالواو.
(إن الله) (خيّر عبدًا) من التخيير (بين الدنيا وبين ما عنده) في الآخرة (فاختار ذلك العبد ما عند الله) .
(قال): أبو سعيد (فبكى أبو بكر) الصديق ﵁ (فعجبنا لبكائه أن يخبر)
стр. 2426
بالموحدة من الخبر (رسول الله ﷺ -عن عبد خيّر فكان رسول الله ﷺ هو المخير) بفتح التحتية المشددة (وكان أبو بكر) ﵁ (أعلمنا) بالمراد من الكلام المذكور فبكى جزعًا على فراقه ﵊ (فقال رسول الله ﷺ ¬): (إن من أمن الناس عليّ في صحبته وماله) بفتح الهمزة والميم وتشديد النون فعل تفضيل من المنّ بمعنى العطاء والبذل أي أن من أبذل الناس لنفسه وماله (أبا بكر) بالنصب اسم إن والجار والمجرور خبرها وهذا واضح، ولبعضهم فيما قاله في الفتح وغيره أبو بكر بالرفع، ووجه بتقدير ضمير الشأن أي أنه والجار والمجرور بعده خبر مقدم وأبو بكر مبتدأ مؤخر، أو على أن مجموع الكنية اسم فلا يعرب ما وقع فيها من الأداة.
وقال صاحب المصابيح، قال ابن بري: هو خبر إن واسمها محذوف، ومن أمن الناس صفته، والمعنى أن رجلاً أو إنسانًا من أمنّ الناس عليّ، ومن زائدة على رأي الكسائي وهو ضعيف، وحمله على حذف ضمير الشأن حمل على الشذوذ، ولو قيل بأن إنّ بمعنى نعم وأبو بكر مبتدأ وما قبله خبره لاستقام من غير شذوذ ولا ضعف انتهى. أو هو على مذهب من جوّز أن يقال عليّ بن أبو طالب. قاله الكرماني.
وفي حديث ابن عباس عند الطبراني رفعه: "ما أحد أعظم عندي يدًا من أبي بكر واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنته". وفي حديث ملاك بن دينار عند ابن عساكر عن أنس رفعه: "إن أعظم الناس علينا منًّا أبو بكر زوّجني ابنته وواساني بنفسه وأن خير المسلمين مالاً أبو بكر أعتق منه بلالاً وحملني إلى دار الهجرة". وعند ابن حبان عن عائشة قال: أنفق أبو بكر على النبي ﷺ أربعين ألف درهم.
(ولو كنت متخذًا خليلاً) من الناس (غير ربي لاتخذت) منهم (أبا بكر خليلاً) لأنه أهل لذلك لولا المانع فإن خلة الرحمن تعالى لا تسع مخالة شيء غيره أصلاً، وسقطت لفظة خليلاً الثانية من اليونينية وثبتت في فرعها التنكزي (ولكن أخوّة الإسلام ومودته) أي مودة الإسلام أي حاصلة. وفي حديث ابن عباس الآتي بعد باب إن شاء الله تعالى أفضل، وفيه إشكال يذكر في موضعه إن شاء الله تعالى. (لا يبقين) بنون التأكيد المشددة (في المسجد باب) رفع على الفاعلية والنهي راجع للمكلفين لا إلى الباب فكني بعدم البقاء عن عدم الإبقاء لأنه لازم له كأنه قال: لا يبقيه أحد حتى لا يبقى (إلاًّ) بابًا (سدّ) فحذف المستثنى والفعل صفته (إلاّ باب أبي بكر) بنصب باب على الاستثناء أو برفعه على البدل وهو استثناء مفرغ، والمعنى لا تبقوا بابًا غير مسدود إلا باب أبي بكر فاتركوه بغير سدّ. قيل: وفيه تعريض بالخلافة لأن ذلك إن أريد به الحقيقة فذاك لأن أصحاب المنازل الملاصقة للمسجد كان لهم الاستطراق منها إلى المسجد فأمر بسدها سوى خوخة أبي بكر تنبيهًا للناس على الخلافة لأنه يخرج منها إلى المسجد للصلاة وإن أريد به المجاز فهو كناية عن الخلافة، وسدّ أبواب المقالة دون التطرق والتطلع إليها.
قال التوربشتي: وأرى المجاز أقوى إذ لم يصح عندنا أن أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد، وإنما كان منزله بالسنح من عوالي المدينة انتهى. وتعقبه في الفتح بأنه استدلال ضعيف لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسنح أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار، وقد كان له إذ ذاك زوجة أخرى وهي أسماء بنت عميس بالاتفاق، وقد ذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة أن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه فباعها فاشترتها منه أم المؤمنين حفصة بأربعة آلاف درهم، وقد وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد والنسائي بإسناد قوي أمر رسول الله ﷺ بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي.
وفي رواية للطبراني في الأوسط برجال ثقات من الزيادة فقالوا: يا رسول الله سددت أبوابها فقال: "ما أنا
стр. 2427
سددتها ولكن الله سدها". ونحوه عند أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات عن زيد بن أرقم وابن عباس وزاد: فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره، رواه أحمد والنسائي ورجاله ثقات، ونحوه من حديث جابر بن سمرة عند الطبراني.
وبالجملة فهي كما قاله الحافظ ابن حجر أحاديث يقوّي بعضها بعضًا وكل طريق منها صالح للاحتجاج فضلاً عن مجموعها، لكن ظاهرها يعارض حديث الباب والجمع بينهما بما دل عليه حديث أبي سعيد عند الترمذي أنه ﷺ قال لعلي: "لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد غيري وغيرك". والمعنى أن باب عليّ كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره، فلذلك لم يأمر بسدّه، ومحصل الجمع أن الأمر بسدّ الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى استثنى عليا لما ذكر، وفي الأخرى استثنى أبا بكر، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة عليّ على الباب الحقيقي، وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة كما صرح به في بعض طرقه، وكأنهم لما أُمروا بسدّ الأبواب سدّوها، وقد صرح أبو بكر الكلاباذي في معاني الأخبار بأن باب بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد وخوخة إلى داخل المسجد وبيت علي لم يكن له باب إلا من داخل المسجد انتهى ملخصًا من فتح الباري.
٤ - باب فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب فضل أبي بكر بعد) فضل (النبي ﷺ ¬) والمراد بالبعدية هنا الزمانية أما البعدية في الرتبة فيقال فيها الأفضل بعد الأنبياء أبو بكر، وقد أطبق السلف على أنه أفضل الأمة. حكى الشافعي وغيره إجماع الصحابة والتابعين على ذلك.
٣٦٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵃".
[الحديث: ٣٦٥٥ - طرفه في: ٣٦٩٧].
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا سليمان) بن بلال (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: كنا نخيّر بين الناس في زمن النبي) ولأبي ذر: في زمان رسول الله (¬ ﷺ ¬) بأن نقول فلان خير من فلان (فنخير) فنفضل (أبا بكر) على جميع البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (ثم) نفضل بعده (عمر بن الخطاب) بعد عمر (عثمان بن عفان ﵃) وسقط لفظ ابن الخطاب وابن عفان ولأبي ذر: زاد في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع في مناقب عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ فلا نفاضل بينهم، وزاد الطبراني في رواية فيسمع رسول الله ﷺ ذلك فلا ينكره ولا يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيل عليّ عدم تفضيله.
وفي بعض طرق الحديث عند ابن عساكر عن عبد الله بن يسار عن سالم عن ابن عمر قال: إنكم لتعلمون أنا كنا نقول على عهد رسول الله ﷺ : أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ يعني في الخلافة كذا في أصل الحديث، ففيه تقييد الخيرية المذكورة والأفضلية بما يتعلق بالخلافة، فقد أطبق السلف على خيريتهم عند الله على هذا الترتيب كخلافتهم، وذهب بعض السلف إلى تقديم علّي على عثمان، وممن قال به سفيان الثوري لكن قيل: إنه رجع، وقال مالك في المدونة، وتبعه يحيى بن القطان وغيره لا يفضل أحدهما على الآخر، وقالت الشيعة وكثير من المعتزلة الأفضل بعد النبي عليّ.
وهذا الحديث من أفراده ورجال إسناده مدنيون.
٥ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً» قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ
(باب قول النبي ﷺ ¬): (لو كنت متخذًا خليلاً) (قاله أبو سعيد) الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في الباب السابق.
٣٦٥٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي».
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي الأزدي مولاهم قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد بن عجلان البصري قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس ﵄ عن النبي (¬ ﷺ ¬) أنه (قال).
(لو كنت متخذًا من أمتي خليلاً) أرجع إليه في الحاجات وأعتمد عليه في المهمات (لاتخذت أبا بكر) وإنما الذي ألجأ إليه وأعتمد في جملة الأمور عليه هو الله تعالى، وسقط قوله: من أمتي لأبي ذر (ولكن) بتخفيف النون أبو بكر (أخي) في الإسلام (وصاحبي) في الغار والدار، وهو استدراك على مضمون الجملة الشرطية كأنه
стр. 2428
قال: ليس بيني وبينه خلة ولكن أخوّة في الإسلام فنفى الخلة المنبئة عن الحاجة وأثبت الإخاء المقتضي للمساواة قاله البيضاوي.
٣٦٥٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أسدٍ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبوذكيُّ قَالَا حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُهُ خَلِيلاً، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ».
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ … مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي البصري وسقط ابن أسد لغير أبي ذر (وموسى) من غير نسبة ولأبي ذر موسى بن إسماعيل التنوخي كذا في الفرع وأصله عن أبي ذر التنوخي بالخاء المعجمة. قال الحافظ ابن حجر: وهو تصحيف والصواب التبوذكي (قالا: حدّثنا وهيب) هو ابن خالد (عن أيوب) هو السختياني أي عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ (وقال):
(لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذته) يعني أبا بكر (خليلاً ولكن أخوّة الإسلام أفضل) فزاد لفظ أفضل، وكذا عند الطبراني من طريق عبد الله بن تمام عن خالد الحذاء ولفظه: "ولكن أخوة الإيمان والإسلام أفضل" قاله في الفتح.
واستشكل بأن الخلة أفضل من أخوّة الإسلام فإنها تستلزم ذلك وزيادة. وأجيب: بأن المراد أن مودة الإسلام مع النبي ﷺ أفضل من مودته مع غيره. قال: ولا يعكر على هذا اشتراك جميع الصحابة في هذه الفضيلة فإن رجحان أبي بكر عرف من غير ذلك وأخوّة الإسلام ومودته متفاوتة بين المسلمين في نصر الدين وإعلاء كلمة الحق وتحصيل كثرة الثواب، ولأبي بكر من ذلك أكثره وأعظمه.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد الوهاب) الثقفي (عن أيوب) السختياني (مئله) أي مثل الحديث السابق.
٣٦٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْجَدِّ، فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُهُ، أَنْزَلَهُ أَبًا، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (حماد بن زيد) بن درهم الجهضمي (عن أيوب) السختياني (عن عبد الله بن أبي مليكة) بضم الميم مصغرًا أنه (قال: كتب أهل الكوفة) أي بعضهم وهو عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان ابن الزبير
جعله على قضاء الكوفة كما أخرجه أحمد (إلى ابن الزبير) عبد الله (في) مسألة (الجد) وميراثه (فقال): ابن الزبير مجيبًا لابن عتبة (أما الذي قال رسول الله ﷺ ¬) فيه.
(لو كنت متخذًا من هذه الأمة خليلاً لاتخذته) فإنه (أنزله أبًا) أي أنزل الجد منزلة الأب في استحقاقه الميراث، وفيه أنه أفتاهم بمثل قول أبي بكر. وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في باب ميراث الجد مع الأخوة من كتاب الفرائض (يعني) ابن الزبير بالذي أنزل الجد أبًا (أبا بكر) الصديق، والغرض منه هنا قوله: لو كنت متخذًا خليلاً، وقد أشعر هذا بأن درجة الخلة أرفع من درجة المحبة، وقد ثبتت محبته لجماعة من أصحابه كأبي بكر وفاطمة، ولا يعكر عليه اتصاف إبراهيم بالخلة ومحمد بالمحبة فتكون المحبة أرفع من رتبة الخلة إذ محمد ﵊ قد ثبتت له الخلة أيضًا كما في حديث ابن مسعود عند مسلم: وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً.
وأما ما ذكره القاضي عياض في الشفاء من الاستدلال لتفضيل مقام المحبة على الخلة بأن الخليل قال: لا تخزين والحبيب قيل له: يوم لا يخزي الله النبي إلى غير ذلك مما ذكره ففيه نظر، لأن مقتضى الفرق بين الشيئين أن يكونا في حدّ ذاتهما يعني باعتبار مدلول خليل وحبيب فما ذكره يقتضي تفضيل ذات محمد ﷺ على ذات إبراهيم ﵊ من غير نظر إلى ما جعله علة معنوية في ذلك من وصف المحبة والخلة، فالحق أن الخلة أعلى وأكمل وأفضل من المحبة، ثمّ إن قوله ﵊: "لو كنت متخذًا خليلاً غير ربي" يشعر بأنه لم يكن له خليل من بني آدم.
وأما ما أخرجه أبو الحسن الحرب في فوائده من حديث أبيّ بن كعب قال: إن أحدث عهدي بنبيكم قبل موته بخمس دخلت عليه وهو يقول: "إنه لم يكن نبي إلاّ وقد اتخذ من أمته خليلاً وإن خليلي أبو بكر فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً". فهو معارض بحديث جندب عند مسلم أنه سمع النبي ﷺ يقول قبل موته بخمس: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل". والذي في الصحيح لا يقاومه غيره، وعلى تقدير ثبوت حديث أبيّ ﵁ فيمكن الجمع بينهما بأنه إنما برئ من ذلك تواضعًا لربه وإعظامًا
стр. 2429
له ثم أذن الله له فيه في ذلك اليوم لما رأى من تشوّقه إليه وإكرامًا لأن بكر ﵁ بذلك وحينئذ فلا تنافي بين الخبرين. قاله في الفتح.
وهذا الحديث من أفراده، وفي بعض النسخ هنا وهو ثابت في اليونينية مرقوم عليه علامة السقوط لأبي ذر.
هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة فهو كالفصل من سابقه.
٣٦٥٩ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ:
أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ -كَأَنَّهَا تَقُولُ الْمَوْتَ- قَالَ ﷺ : «إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ».
[الحديث ٣٦٥٩ - طرفاه في: ٧٢٢٠، ٧٣٦٠].
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي (ومحمد بن عبد الله) بفتح العين غير مصغر في الفرع ابن حوشب الطائفي وقال العيني: ابن عبيد الله أي بضم العين مصغرًا وكذا هو في اليونينية والناصرية وفرع آقبغًا وهو عبيد الله بن محمد بن زيد القرشي الأموي يعني مولى عثمان بن عفان وهو سهو (قالا: حدّثنا إبراهيم بن سعد) ثبت ابن سعد لأبي ذر (عن أبيه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه) جبير أنه (قال: أتت امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (النبي) ولأبي ذر: إلى النبي (¬ ﷺ ¬) زاد في باب الاستخلاف من كتاب الأحكام فكلمته في شيء ولم يسم ذلك الشيء (فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت) أي يخبرني وفي الاعتصام فكلمته في شيء فأمرها بأمر فقالت: أرأيت يا رسول الله ﷺ (إن جئت ولم أجدك) قال: جبير بن مطعم أو من بعده (كأنها تقول الموت) أي إن جئت فوجدتك قد مت ماذا أفعل؟ (قال ﷺ ¬): ولغير أبي ذر كما في اليونينية قال ﵊:
(إن لم تجديني فأتي أبا بكر) قال ابن بطال: استدلّ النبي ﷺ بظاهر قولها إن لم أجدك أنها أرادت الموت فأمرها بإتيان أبي بكر. قال: وكأنه اقترن بسؤالها حاله أفهمت ذلك وإن لم تنطق به.
قال في الفتح: وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله: كأنها تقول الموت، وفي الأحكام كأنها تريد الموت، وفي الاعتصام كأنها تعني الموت، لكن قولها: فإن لم أجدك أعم في النفي من حال الحياة وحال الموت، ودلالته لها على أبي بكر مطابقة لذلك العموم، وفيه الإشارة إلى أن أبا بكر هو الخليفة بعد النبي ﷺ ، ولا يعارض هذا جزم عمر أن النبي ﷺ لم يستخلف لأن مراده نفي النص على ذلك صريحًا.
وفي الطبراني حديث قلنا يا رسول الله ﷺ -إلى من ندفع صدقات أموالنا بعدك؟ قال: "إلى أبي بكر الصديق" وهذا لو ثبت كان أصرح من حديث الباب في الإشارة إلى أن الخليفة بعده أبو بكر لكن إسناده ضعيف.
٣٦٦٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلاَّ خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْرٍ".
[الحديث ٣٦٦٠ - طرفه في: ٣٨٥٧].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (أحمد بن أبي الطيب) سليمان المروزي البغدادي الأصل وصفه أبو زرعة بالحفظ وضعفه أبو حاتم، لكن ليس له في البخاري إلا هذا الحديث، وقد أخرجه من رواية غيره في إسلام أبي بكر قال: (حدّثنا إسماعيل بن مجالد) بضم الميم وفتح الجيم الهمداني
الكوفي قوّاه يحيى بن معين وجماعة ولينه بعضهم وليس له في البخاري غير هذا الحديث قال:
(حدّثنا بيان بن بشر) بالموحدة والتحتية المفتوحتين وبعد الألف نون وبشر بكسر الموحدة وسكون المعجمة الأحمسي بالمهملتين (عن وبرة بن عبد الرحمن) بفتح الواو والموحدة والراء بوزن شجرة الحرثي (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن الحرث النخعي الكوفي أنه (قال: سمعت عمارًا) هو ابن ياسر ﵁ (يقول: رأيت رسول الله ﷺ وما معه) ممن أسلم معه (إلا خمسة أعبُد) بلال وزيد بن حارثة وعامر بن فهيرة وأبو فكيهة مولى صفوان بن أمية بن خلف وعبيد بن زيد الحبشي، وذكر بعضهم عمار بن ياسر بدل أبي فكيهة (وامرأتان) خديجة أم المؤمنين وأم أيمن أو سمية (وأبو بكر) الصديق وكان أول من أسلم من الأحرار البالغين ﵁.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في إسلام أبي بكر وفيه ثلاثة من التابعين.
٣٦٦١ - حَدَّثَنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِذِ اللَّهِ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَىْءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ. فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ (ثَلَاثًا). ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَ: أَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: لَا. فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَمَعَّرُ، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ (مَرَّتَيْنِ). فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي؟ (مَرَّتَيْنِ). فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا».
[الحديث ٣٦٦١ - طرفه في: ٤٦٤٠].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (هشام بن عمار) أبو الوليد السلمي الدمشقي قال: (حدّثنا صدقة بن خالد) الأموي مولاهم أبو العباس الدمشقي قال: (حدّثنا زيد بن واقد) بكسر القاف الدمشقي الثقة وليس له في البخاري إلا هذا الحديث (عن بسر بن عبيد الله) بضم
стр. 2430
الموحدة وسكون السين وعبيد الله بضم العين مصغرًا الحضرمي الشامي (عن عايذ الله) بالذال المعجمة (أبى إدريس) بن عبد الله الخولاني بالخاء المعجمة المفتوحة (عن أبي الدرداء) عويمر بضم العين مصغرًا آخره راء ابن زيد بن قيس الأنصاري (﵁) أنه (قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر) حال كونه (آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى) بألف بعد الدال من غير همز أي أظهر (عن ركبته) بالإفراد وفيه أن الركبة ليست عورة (فقال النبي ﷺ ¬) لما رآه:
(أما) بالتشديد (صاحبكم) يعني أبا بكر، ولأبي ذر عن الكشميهني: صاحبك بالإفراد يخاطب أبا الدرداء (فقد غامر) بغين معجمة مفتوحة وبعد الألف ميم مفتوحة أيضًا فراء أي خاصم
ولابس الخصومة وقسيم أما صاحبكم محذوف تقديره نحو قوله: وأما غيره فلا أعلمه (فسلم) ﵁ على النبي ﷺ (وقال: يا رسول الله انه كان بيني وبين ابن الخطاب) عمر ﵁ (شيء) في التفسير محاورة بالحاء المهملة أي مراجعة، وعند أبي يعلى من حديث أبي أمامة معاتبة (فأسرعت إليه ثم ندمت) على ذلك (فسألته أن يغفر لي) ما وقع مني (فأبى عليّ). وعند أبي نعيم في الحلية من طريق محمد بن المبارك فتبعته إلى البقيع حتى خرج من داره (فأقبلت إليك فقال) النبي ﷺ : (يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا) أي أعاد هذه الكلمات يغفر الله لك ثلاث مرات.
(ثم إن عمر) ﵁ (ندم) على ذلك (فأتى منزل أبي بكر) ليزيل ما وقع بينه وبين الصديق (فسأل) أهله (أثمّ أبو بكر) بفتح الهمزة والمثلثة أي هنا أبو بكر (فقالوا): مجيبين له (لا، فأتى إلى النبي ﷺ فسلّم عليه فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر) بالعين المهملة المشددة أي تذهب نضارته من الغضب، ولأبي ذر: يتمغر بالغين المعجمة (حتى أشفق) أي خاف (أبو بكر) أن ينال عمر من رسول الله ﷺ ما يكرهه (فجثا) بالجيم والمثلثة أي برك أبو بكر (على ركبتيه) بالتثنية (فقال: يا رسول الله والله أنا كنت أظلم) منه في ذلك (مرتين). قال الكرماني: ظرف لقال أو لكنت وإنما قال ذلك لأنه الذي بدأ.
(فقال النبي ﷺ : إن الله بعثني إليكم، فقلتم كذبت وقال أبو بكر: صدق) بغير تاء في الفرع كأصله وفي نسخة صدقت (وواساني) ولأبي ذر عن الكشميهني واساني، وفي نسخة آساني بهمزة بدل الواو والأول أوجه لأنه من المواساة (بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي) بإضافة تاركو إلى صاحبي، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور عناية بتقديم لفظ الإضافة، وفي ذلك جمع بين إضافتين إلى نفسه تعظيمًا للصديق، ونظيره قراءة ابن عامر: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم﴾ [الأنعام: ١٣٧]. بنصب أولادهم وخفض شركائهم وفصل بين المضافين بالمفعول.
ومباحث ذلك ذكرتها في كتاب القراءات الأربع عشرة، وفي التفسير هل أنتم تاركون؟ بالنون. قال أبو البقاء: وهي الوجه لأن الكلمة ليست مضافة لأن حرف الجر منع الإضافة وربما يجوز حذف النون في موضع الإضافة ولا إضافة هنا. قال والأشبه أن حذفها من غلط الرواة انتهى.
ولا ينبغي نسبة الرواة إلى الخطأ مع ما ذكر وورود أمثلة لذلك (مرتين) أي قال: هل أنتم تاركو لي صاحبي مرتين. (فما أوذي) أبو بكر (بعدها) أي بعد هذه القصة لما أظهره النبي ﷺ من تعظيمه.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير وهو من أفراده.
٣٦٦٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ حَدَّثَنَا عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: «حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. فَقُلْتُ مِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: أَبُوهَا. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَعَدَّ رِجَالاً».
[الحديث ٣٦٦٢ - طرفه في: ٤٣٥٨].
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن المختار) الأنصاري الدباغ (قال خالد الحذاء) بالحاء المهملة والذال المعجمة ممدودًا (حدّثنا) هو من تقديم الاسم على الصفة (عن أبي عثمان) النهدي أنه (قال: حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل) بفتح السين المهملة الأولى وكسر الثانية سنة سبع قال عمرو: (فأتيته
стр. 2431
فقلت) وقع عند ابن سعد أنه وقع في نفس عمرو لما أمره رسول الله ﷺ على الجيش في هذه الغزوة، وفيهم أبو بكر وعمر أنه مقدم عنده في المنزلة عليهم فسأله فقال: يا رسول الله (أي الناس أحب إليك؟ قال): ﵊:
(عائشة). قال عمرو: (فقلت من الرجال؟ فقال): ﵊ (أبوها) أبو بكر (فقلت: ثم من؟) أحب إليك بعده (قال): ﵊ (ثم عمر بن الخطاب فعدّ رجالاً) زاد في المغازي من وجه آخر فسكتّ مخافة أن يجعلني في آخرهم.
وفي حديث عبد الله بن شقيق عند الترمذي وصححه من حديث عائشة قلت لعائشة: أيّ أصحاب رسول الله ﷺ كان أحبّ إليه؟ قالت: أبو بكر، وفي آخره قالت: أبو عبيدة عامر بن الجراح. قال في الفتح: فيمكن أن يفسر بعض الرجال الذين أبهموا في حديث الباب بأبي عبيدة.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في المغازي، ومسلم في الفضائل، والترمذي والنسائي في المناقب.
٣٦٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوف أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي؟ وَبَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ. فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. ﵄».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن بن
عوف) ثبت اسم الجد لأبي ذر (أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(بينما) بالميم (راع) لم يسم (في غنمه عدا عليه الذئب) بالعين والدال المهملتين خبر المبتدأ الذي هو راع الموصوف بقوله في غنمه (فأخذ منها شاة فطلبه الراعي) ليأخذها منه (فالتفت إليه الذئب فقال): له (من لها) أي للغنم (يوم السبع) بضم الموحدة وقيل بسكونها (يوم ليس لها) عند الفتن حين يتركها الناس هملاً (راع) يرعاها (غيري) وقيل غير ذلك مما سبق في حديث بني إسرائيل (وبينا) بغير ميم ولأبي ذر: وبينما بالميم (رجل) لم يسم (يسوق بقرة قد حمل عليها) بتخفيف الميم وفي بني إسرائيل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها (فالتفتت إليه فكلمته فقالت إني لم أخلق لهذا) التحميل (ولكني) سقطت الواو لأبوي ذر والوقت (خلقت للحرث) وفي بني إسرائيل فقالت: إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث والحصر في ذلك غير مراد اتفاقًا (قال): ولأبي ذر: فقال (الناس): متعجبين (سبحان الله) زاد في بني إسرائيل بقرة تتكلم (فقال): كذا في الفرع وفي اليونينية قال (النبي ﷺ : فإني أؤمن بذلك) النطق الصادر من البقرة والفاء فيه جوابًا لشرط محذوف تقديره فإذا كان الناس يتعجبون منه ويستغربونه فإني لا أتعجب منه ولا أستغربه وأؤمن به أنا (وأبو بكر وعمر بن الخطاب ﵄) وسقط ابن الخطاب لأبي ذر، وزاد في بني إسرائيل وما هما ثم وعند ابن حبان من طريق محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة في آخره في القصتين فقال الناس: آمنا بما آمن به رسول الله ﷺ .
وسبق حديث الباب في المزارعة وبني إسرائيل.
٣٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ. ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ».
[الحديث ٣٦٦٤ - أطرافه في: ٧٠٢١، ٧٠٢٢، ٧٤٧٥].
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة العابد قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن المسيب) سعيد أنه (سمع أبا هريرة ﵁ قال): ولأبي ذر: يقول (سمعت رسول الله) كذا في الفرع وفي اليونينية النبي (¬ ﷺ يقول):
(بينا) بغير ميم (أنا نائم رأيتني على قليب) بئر مقلوب ترابها قبل الطي (عليها دلو فنزعت منها) من البئر (ما شاء الله ثم أخذها) أي الدلو (ابن أبي قحافة) أبو بكر الصديق ﵄ (فنزع منها) أي أخرج الماء من القليب (ذنوبًا أو ذنوبين) بفتح المعجمة فيهما الدلو الممتلئ والشك
من الراوي (وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه) وليس فيه حط من مرتبته، وإنما هو إخبار عن حاله في قصر مدة خلافته والاضطراب الذي وجد في زمانه من أهل الردة فزارة وغطفان وبني سلمة وبني يربوع وبعض بني تميم وكندة وبكر بن وائل وأتباع مسيلمة الكذاب وإنكار بعض الزكاة فدعا له ﵊
стр. 2432
بالمغفرة ليتحقق السامعون أن الضعف الذي وجد في نزعه من مقتض تغيير الزمان وقلة الأعوان لا أن ذلك منه ﵁ لكن نسبه إليه إطلاقًا لاسم المحل على الحال وهو مجاز شائع في كلام العرب (ثم استحالت) أي تحولت الدلو (غربًا) بفتح الغين المعجمة وبعد الراء الساكنة موحدة دلوا عظيمة (فأخدها ابن الخطاب) عمر ﵁ (فلم أر عبقريًا) أي سيدًا عظيمًا قويًا يقال هذا عبقري القوم كما يقال سيدهم وكبيرهم وقويهم، وقيل الأصل أن عبقر قرية يسكنها الجن فيما يزعمون فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا مما يصعب عمله ويدق أو شيئًا عظيمًا في نفسه نسبوه إليها ثم اتسع فيه فسمي به السيد الكبير والقوي وهو المراد هنا (من الناس ينزع نزع عمر) وفي رواية أبي يونس فلم أر نزع رجل قط أقوى منه (حتى ضرب الناس بعطن) بفتح المهملتين آخره نون ما يعد للشرب حول البئر من مبارك الإبل، وعند ابن أبي شيبة في مناقب عمر: حتى روي الناس وضربوا بعطن، وفي رواية همام فلم يزل ينزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر وفيه إشارة إلى طول مدة خلافة عمر وكثرة انتفاع الناس بها.
وهذا الحديث قد سبق ويأتي إن شاء الله تعالى في كتاب التعبير.
٣٦٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي، إِلاَّ أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ» قَالَ مُوسَى: فَقُلْتُ لِسَالِمٍ أَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ: «مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ»؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ ذَكَرَ إِلاَّ «ثَوْبَهُ».
[الحديث ٣٦٦٥ - أطرافه في: ٥٧٨٣، ٥٧٩١، ٦٠٦٢].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا موسى بن عقبة) الإمام في المغازي (عن سالم بن عبد الله عن) أبيه (عبد الله بن عمر) ﵄ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من جرّ ثوبه خيلاء) أي لأجل الخيلاء أي كبرًا (لم ينظر الله إليه) نظر رحمة (يوم القيامة. فقال أبو بكر: إن أحد شقي) بكسر المعجمة أي جانبي (ثوبي يسترخي) بالخاء المعجمة وكان سبب استرخائه نحافة جسم أبي بكر ﵁ (إلا أن أتعاهد ذلك منه) أي إذا غفلت عنه استرخى (فقال رسول الله ﷺ : إنك لست تصنع ذلك خيلاء) فيه أنه لا حرج على من انجرّ إزاره بغير قصد مطلقًا وهل كراهة ذلك للتحريم أو للتنزيه فيه خلاف.
(قال موسى) بن عقبة بالسند السابق (فقلت لسالم) هو ابن عبد الله بن عمر (أذكر) فعل ماض والهمزة للاستفهام (عبد الله) أي أبوه (من جرّ إزاره؟ قال): سالم (لم أسمعه ذكر إلاّ ثوبه).
ومباحث هذا تأتي إن شاء الله تعالى في اللباس بعون الله وقوته.
٣٦٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ -يَعْنِي الْجَنَّةَ- يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ. فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ وَبَابِ الرَّيَّانِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ. وَقَالَ: هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن أبا هريرة) ﵁ (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(من أنفق زوجين) أي شيئين (من شيء من الأشياء) وفسر في بعض الأحاديث ببعيرين شاتين درهمين. قال التوربشتي: ويحتمل أن يراد به تكرار الإنفاق مرة بعد أخرى. قال الطيبي: وهذا هو الوجه إذا حملت التثنية على التكرير لأن القصد من الإنفاق التثبيت من الأنفس بإنفاق كرائم الأموال والمواظبة على ذلك كما قال تعالى: ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من أنفسهم﴾ [البقرة: ٢٦٥]. أي ليثبتوا ببذل المال الذي هو شقيق الروح وبذله أشق شيء على النفس من سائر العبادات الشاقة (في سبيل الله) في طلب ثوابه وهو أعم من الجهاد وغيره من العبادات أو خاص بالجهاد (دعي من أبواب) بغير تنوين (يعني الجنة) والظاهر أن لفظ الجنة سقط عند بعض الرواة فلمراعاة المحافظة زاد يعني (يا عبد الله هذا خير) أي من الخيرات وليس المراد به أفعل التفضيل (فمن كان من أهل الصلاة) المؤدين لفرائضها المكثرين من نوافلها (دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة) المكثرين منها (دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام) المكثرين منه (دعي من باب الصيام وباب الريان) وسقطت الواو من بعض النسخ فيكون باب بدلاً أو بيانًا (فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟) قال المظهري: ما نفي
стр. 2433
ومن في من ضرورة زائدة أي ليس ضرورة على من دعي من تلك الأبواب إذ لو دعي من باب واحد لحصل مراده وهو دخول الجنة مع أنه لا ضرورة عليه أن يدعى من جميع الأبواب.
(وقال): أبو بكر الصديق ﵁ (هل يدعي منها كلها أحد يا رسول الله؟
قال): ﷺ ، ولأبي ذر: فقال (نعم) يدعى منها كلها على سبيل التخيير في الدخول من أيها شاء لاستحالة الدخول من الكل معًا (وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر).
والحاصل أن كل من أكثر نوعًا من العبادة خصّ بباب يناسبه ينادى منه فمن اجتمع له العمل بجميعها دعي من جميع الأبواب على سبيل التكريم ودخوله إنما يكون من باب واحد وهو باب العمل الذي يكون أغلب عليه، وأن الصديق من أهل الأعمال كلها إذ الرجاء منه ﷺ واجب وفيه أقوى دليل على فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. والحديث سبق في الصوم.
٣٦٦٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ -قَالَ إِسْمَاعِيلُ: يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ- فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَتْ وَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلاَّ ذَاكَ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا. ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْحَالِفُ، عَلَى رِسْلِكَ. فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي (قال: حدّثنا سليمان بن بلال) أبو أيوب القرشي التيمي (عن هشام بن عروة عن) أبيه (عروة بن الزبير) ولأبي ذر: قال (أخبرني) بالإفراد عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر) غائب عند زوجته بنت خارجة الأنصاري (بالسنح) بالسين المهملة المضمومة والنون الساكنة بعدها حاء مهملة (قال إسماعيل) بن عبد الله الأويسي المذكور (يعني) ولأبي ذر تعني بالفوقية بدل التحتية أي عائشة بالسنح (بالعالية) وهي منازل بني الحرث (فقام عمر) بن الخطاب حال كونه (يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ ¬) وعند أحمد أن عائشة قالت: جاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا فأذنت لهما وجذبت الحجاب فنظر عمر إليه فقال: واغشياه ثم قاما فلما دنوا من الباب قال المغيرة: يا عمر مات. قال: كذبت إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين.
الحديث، وهذا قاله عمر بناء على غلبة ظنه حيث أداه اجتهاده إليه، وفي سيرة ابن إسحاق من طريق ابن عباس أن عمر ﵁ قال له: إن الحامل على هذه المقالة قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فظن أنه ﷺ يبقى في أمته حتى يشهد عليها.
(قالت): عائشة (وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك) أي عدم موته (وليبعثنه الله) في الدنيا (فليقطعن) بفتح اللام والتحتية وسكون القاف وفتح الطاء، ولأبي ذر:
فليقطعن بضم التحتية وفتح القاف وكسر الطاء مشددة (أيدي رجال وأرجلهم) قائلين بموته ﵊ (فجاء أبو بكر) ﵁ من السنح (فكشف عن) وجه (رسول الله ﷺ فقبّله) بين عينيه (فقال): وفي اليونيية والفرع قال: وكشط ما قبلها (بأبي أنت وأمي) أي مفدى بهما فالباء متعلقة بمحذوف (طبت حيًّا وميّتًا و) الله (الذي نفسي بيده لا يذيقك الله) برفع يذيق (الموتتين) في الدنيا (أبدًا) ومراده الرد على عمر حيث قال: إن الله بعثه حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم لأنه لو صح ما قاله لزم أن يموت موتة أخرى فأشار إلى أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على غيره الذي مرّ على قرية أو أنه يحيا في قبره ثم لا يموت (ثم خرج) أبو بكر من عند النبي ﷺ وعمر يكلم الناس (فقال): له (أيها الحالف) أن رسول الله ﷺ ما مات (على رسلك) بكسر الراء اتئد في الحلف ولا تستعجل (فلما تكلم أبو بكر جلس عمر) وفي الجنائز خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس فقال: اجلس فأبى.
٣٦٦٨ - "فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَىٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. وَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. قَالَ: فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ. قَالَ: وَاجْتَمَعَتِ الأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ، فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلاَّ أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ. ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ، فَقَالَ فِي كَلَامِهِ: نَحْنُ الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ. فَقَالَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا، وَلَكِنَّا الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ. هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا، فَبَايِعُوا عُمَرَ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ. فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ، فَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ. فَقَالَ قَائِلٌ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَقَالَ عُمَرُ قَتَلَهُ اللَّهُ".
(فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا) بالتخفيف للتنبيه على ما يأتي بعد (من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات) وسقطت التصلية لأبي ذر (ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إنك ميت وإنهم لميتون﴾) [الزمر: ٣٠]. فإن الكل بصدد الموت في عداد الموتى (وقال: ﴿وما محمد إلاّ رسول قد خلت
стр. 2434
من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا﴾) بارتداده (﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾) [آل عمران: ١٤٤]. (قال: فنشج الناس) بنون فشين معجمة فجيم مفتوحات (يبكون) قال
الجوهري: نشج الباكي إذا غصّ بالبكاء في حلقه من غير انتحاب أو هو بكاء معه صوت.
(قال: واجتمع الأنصار إلى سعد بن عبادة) الأنصاري الساعدي وكان نقيب بني ساعدة لأجل الخلافة (في سقيفة بني ساعده) موضع مسقف كالساباط يجتمع إليه الأنصار (فقالوا): أي الأنصار للمهاجرين (منّا أمير ومنكم أمير) قالوا ذلك على عادة العرب الجارية بينهم أن لا يسود القبيلة إلا رجل منهم (فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة) عامر (بن الجراح) ﵃ (فذهب عمر يتكلم فأسكته) بالفوقية (أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني خشيت) أي خفت (أن لا يبلغه أبو بكر ثم تكلم أبو بكر فتكلم) حال كونه (أبلغ الناس). ويجوز رفع أبلغ خبر مبتدأ محذوف أي فتكلم أبو بكر وهو أبلغ الناس.
وفي باب رجم الحبلى من الزنا من حديث ابن عباس عن عمر أنه قال: قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ﵁، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم. الحديث إلى أن قال: فلما جلسنا خطب خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد؛ فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر فلما سكت قال عمر: أردت أن أتكلم وكنت زوّرت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحديث، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلاّ قال في بديهته مثلها أو أفضل منها.
(فقال في) جملة (كلامه: نحن) أي قريش (الأمراء وأنتم الوزراء) المستشارون في الأمور والخلافة لا تكون إلا في قريش (فقال حباب بن المنذر): بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة الأولى مخففة والمنذر بلفظ الفاعل من الإنذار الأنصاري (لا والله لا نفعل) ذلك (منا أمير ومنكم أمير) وزاد ابن سعد من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد: فإنا والله ما ننفس عليكم هذا الأمر ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوانهم (فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء. هم) أي قريش (أوسط العرب دارًا) مكة أي هم أشرف قبيلة (وأعربهم أحسابًا) بالموحدة في أعربهم وأحسابًا بفتح الهمزة بالموحدة جمع حسب أي شبه شمائل وأفعالاً بالعرب والحسب الفعال الحسان مأخوذ من الحساب إذا عدّوا مناقبهم فمن كان أكثر كان أعظم حسنًا، ويقال النسب للآباء والحسب للأفعال (فبايعوا) بكسر التحتية بلفظ الأمر (عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح) ثبت ابن الجراح لأبي ذر (فقال عمر): ﵁ (بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخبرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده) أي بيد أبي بكر (فبايعه وبايعه الناس)
المهاجرون وكذا الأنصار حين قامت عليهم الحجة بثبوت قوله ﷺ : "الخلافة في قريش عندهم"
(فقال قائل): من الأنصار (قتلتم سعد بن عبادة) أي كدتم تقتلونه أو هو كناية عن الإعراض والخذلان (فقال عمر: قتله الله) دعاء عليه لعدم نصرته للحق وتخلفه فيما قيل عن بيعة أبي بكر وامتناعه منها، وتوجه إلى الشام فمات بها في ولاية عمر بحوران سنة أربع عشرة أو خمس عشرة، وقيل إنه وجد ميتًا في مغتسله وقد اخضرّ جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول ولا يرون شخصه:
قد قتلنا سيد الخز … رج سعد بن عباده
فرميناه بسهميـ … ـن فلم يخط فؤاده
стр. 2435
والعذر له في تخلفه عن بيعة الصديق أنه تأول أن للأنصار استحقاقًا في الخلافة فهو معذور وإن كان ما أعتقده من ذلك خطأ.
وهذا الحديث من أفراد المؤلّف.
٣٦٦٩ - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «شَخَصَ بَصَرُ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى (ثَلَاثًا) وَقَصَّ الْحَدِيثَ. قَالَتْ: فَمَا كَانَ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلاَّ نَفَعَ اللَّهُ بِهَا، لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ».
٣٦٧٠ - «ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَى، وَعَرَّفَهُمُ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ -إِلَى- ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]».
(وقال عبد الله بن سالم): أبو يوسف الأشعري الحمصي مما وصله الطبراني في مسند الشاميين (عن الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة وإسكان التحتية محمد بن الوليد أنه قال: (قال عبد الرحمن بن القاسم: أخبرني) بالإفراد أبي (القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (أن عائشة ﵂ قالت: شخص) بفتح الشين والخاء المعجمتين والصاد المهملة أي ارتفع (بصر النبي ﷺ ¬) عند وفاته حين خير (ثم قال):
(في الرفيق) أيّ أدخلني في الرفيق أي في الملأ (الأعلى) قالها (ثلاثًا. وقص) القاسم بن محمد (الحديث) فيما يتعلق بالوفاة وقول عمر أنه لم يمت وقول الصديق أنه مات وتلاوة الآيتين.
(قالت عائشة: فما كانت من خطبتهما) أي العمرين (من خطبة إلا نفع الله بها) قال في الكواكب: وكلمة من الأولى تبعيضية أو بيانية والثانية زادة، ثم بينت عائشة وجه نفع الخطبتين فقالت: (لقد خوف عمر الناس) بقوله: ليقطعن أيدي رجال (وأن فيهم لنفاقًا) أي: وأن بعضهم منافق وهم الذين عرض بهم عمر ﵁ (فردهم الله بذلك) إلى الحق (ثم لقد بصر أبو بكر الناس
الهدى وعرفهم الحق الذي عليهم) ثبت الذي لأبي ذر عن الكشميهني (وخرجوا به) أي بسبب قوله وتلاوته ما ذكر (يتلون ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾) إلى (﴿الشاكرين﴾) [آل عمران: ١٤٤].
٣٦٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: "قُلْتُ لأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ. وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: مَا أَنَا إِلاَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا جامع بن أبي راشد) الصيرفي الكوفي قال: (حدّثنا أبو يعلى) منذر بن يعلى الكوفي الثوري (عن محمد ابن الحنفية) واسمها خولة بنت جعفر أنه (قال: قلت لأبي) علي بن أبي طالب ﵁ (أي الناس خير بعد رسول الله) ولأبي ذر بعد النبي (¬ ﷺ ¬) زاد في رواية محمد بن منده عن منذر عن محمد ابن الحنفية عند الدارقطني قال: أو ما تعلم يا بني؟ قلت: لا (قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر) سقط لأبي ذر لفظ "ثم" (وخشيت أن يقول عثمان) خير بعد عمر تواضعًا منه وهضمًا لنفسه فيضطرب عليه الحال لأنه كان يعتقد أن أباه عليًّا أفضل (قلت: ثم أنت) أفضل بعد عمر (قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين). وعند ابن عساكر في ترجمة عثمان من طريق ضعيفة في هذا الحديث أن عليًّا قال: إن الثالث عثمان، وقد سبق بيان الاختلاف في أيهما أفضل بعد العمرين وقد وقع الإجماع بآخره بين أهل السُّنّة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة ﵃.
٣٦٧٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ -أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ- انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. قَالَتْ: فَعَاتَبَنِي وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني (عن مالك) الإمام (عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر (عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره) سنة ست في غزوة بني المصطلق (حتى إذا كنا بالبيداء) بفتح الموحدة ممدودًا موضع قريب من المدينة (أو بذات الجيش) بفتح الجيم وسكون التحتية بعدها معجمة موضع آخر قريب منها والشك من عائشة (انقطع عقد لي) بكسر العين وسكون القاف (فأقام الرسول الله ﷺ على التماسه) أي طلبه (وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبا بكر فقالوا) له: (ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت) ولأبي ذر عن الكشميهني قامت (برسول الله ﷺ وبالناس معه) بإثبات حرف الجر في بالناس في فرع اليونينية كأصله مصححًا عليه (وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخدي) بالذال المعجمة (قد نام فقال) لي: (حبست رسول الله والناس) نصب عطفًا على سابقه (وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت فعاتبني) أبو بكر (وقال ما شاء الله أن يقول) فقال: حبست الناس في قلادة وفي كل مرة تكونين عناء (وجعل يطعنني) بضم العين (بيده في خاصرتي) ثبت قوله بيده في اليونينية وغيرها وسقط
стр. 2436
في الفرع (فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخدي فنام) بالنون من النوم (رسول الله ﷺ حتى أصبح) دخل في الصباح، وفي التيمم فقام رسول الله ﷺ بالقاف من القيام حين أصبح (على غير ماء فأنزل الله) (آية التيمم) التي في المائدة (فتيمموا) أي الناس لآية التيمم المقتضية للأمر بذلك (فقال أسيد بن الحضير): بالحاء المهملة والضاد المعجمة مصغرين الأوسي (ما هي) أي البركة التي حصلت للناس برخصة التيمم (بأول بركتكم يا آل أبي بكر) بل هي مسبوقة ببركات (فقالت عائشة: فبعثنا) أي أثرنا (البعير الذي كنت) راكبة (عليه) حالة السير (فوجدنا العقد تحته) أي تحت البعير.
وهذا الحديث قد مرّ في التيمم.
٣٦٧٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ». تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَمُحَاضِرٌ عَنِ الأَعْمَشِ.
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) أبو الحسن العسقلاني الخراساني الأصل قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي أنه قال: (سمعت ذكوان) أبا صالح الزيات (يحدث عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(لا تسبوا أصحابي) شامل لمن لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأوّلون فسبهم حرام من عرمات الفواحش، ومذهب الجمهور أن من سبهم يعزر ولا يقتل، وقال بعض المالكية: يقتل. ونقل عياض في الشفاء عن مالك بن أنس وغيره أن من أبغض
الصحابة وسبهم فليس له في فيء المسلمين حق، ونوزع بآية الحشر ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾ [الحشر: ١٠] الآية. وقال من غاظ أصحاب محمد فهو كافر. قال الله تعالى: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ [الفتح: ٢٧]. وروي حديث: "من يسب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً". وقال المولى سعد الدين التفتازاني: إن سبهم والطعن فيهم إن كان مما يخالف الأدلة القطعية فكفر كقذف عائشة ﵂ وإلاّ فبدعة وفسق، وقد قال ﷺ "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا من بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه".
(فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهبًا) زاد البرقاني في المصافحة عن طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش كل يوم (ما بلغ) من الفضيلة والثواب (مدّ أحدهم) من الطعام الذي أنفقه (ولا نصيفه) بفتح النون وكسر الصاد المهملة بوزن رغيف النصف وفيه أربع لغات نصف بكسر النون وضمها وفتحها ونصيف بزيادة تحتية أي نصف المدّ وذلك لما يقارنه من مزيد الإخلاص وصدق النية وكمال النفس.
وقال الطيبي: ويمكن أن يقال فضيلتهم بحسب فضيلة إنفاقهم وعظم موقعها كما قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح﴾ [الحديد: ١٠] أي قبل فتح مكة وهذا في الإنفاق فكيف بمجاهدتهم وبذلهم أرواحهم ومهجهم وقد أورد في الكواكب سؤالاً فقال: فإن قلت: لمن الخطاب في قوله: "لا تسبوا أصحابي" والصحابة هم الحاضرون؟ وأجاب: بأنه لغيرهم من المسلمين المفروضين في العقل جعل من سيوجد كالموجود ووجودهم المترقب كالحاضر، وتعقبه في الفتح بوقوع التصريح في نفس الحديث كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد حيث كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبّه خالد وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك باتفاق، وقرر أن قوله: فلو أنفق أحدكم الخ فيه إشعار بأن المراد بقوله أولاً أصحابي أصحاب مخصوصون، وإلاّ فالخطاب كان أولاً للصحابة وقال: لو أن أحدكم أنفق فنهى بعض من أدرك النبي ﷺ ، وخاطبه بذلك عن سب من سبقه يقتضي زجر من لم يدرك النبي ﷺ ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب أولى، وتعقبه في العمدة بأن الحديث الذي فيه قصة خالد لا يدل على أنه المخاطب بذلك فإن الخطاب لجماعة، ولئن سلمنا أنه المخاطب فلا نسلم إنه كان إذ ذاك صحابيًّا بالاتفاق إذ يحتاج إلى دليل ولا يظهر ذلك إلاّ بالتاريخ اهـ.
стр. 2437
وليس في النسخة التي عندي من الانتقاض جواب عن ذلك.
(تابعه) أي تابع شعبة بن الحجاج المذكور (جرير) هو ابن عبد الحميد فيما وصله مسلم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد بلفظ: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبّه خالد فقال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أحدًا من أصحابي" وهذا ظاهر في أن المخاطب خالد كما قال الحافظ. أما كونه إذ ذاك مسلمًا فينظر. (و) تابع شعبة أيضًا (عبد الله بن داود) بن
عامر بن الربيع الخريبي بضم المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها موحدة مكسورة فيما وصله أحمد في مسنده عنه بغير ذكر القصة. (و) تابعه أيضًا (أبو معاوية) محمد بن خازم بمعجمتين الضرير مما وصله أحمد في مسنده (و) تابعه أيضًا (محاضر) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الألف ضاد معجمة فراء ابن المورع بضم الميم وفتح الواو وتشديد الراء المكسورة بعدها عين مهملة الكوفي مما وصله أبو الفتح الحداد في فوائده فذكر ثمل رواية جرير السابقة، لكن قال: بين خالد بن الوليد وبين أبي بكر الصديق بدل عبد الرحمن بن عوف. قال الحافظ ابن حجر: وقول جرير أصح، وكل من الأربعة روى ذلك (عن الأعمش) سليمان بن مهران.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، والترمذي والنسائي في المناقب، وابن ماجه في السنة.
٣٦٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ أَبُو الْحَسَنِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: "أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَقُلْتُ: لأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا. قَالَ: فَجَاءَ الْمَسْجِدَ فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: خَرَجَ وَوَجَّهَ هَا هُنَا، فَخَرَجْتُ عَلَى إِثْرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ -وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ- حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ فَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلاَّهُمَا فِي الْبِئْرِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ فَقُلْتُ: لأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْيَوْمَ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَ الْبَابَ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ. فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ فِي الْقُفِّ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ. ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي، فَقُلْتُ إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا -يُرِيدُ أَخَاهُ- يَأْتِ بِهِ. فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ عَلَى رِسْلِكَ ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُ. فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ. فَجِئْتُ فَقُلْتُ: ادْخُلْ وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ. فَدَخَلَ فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ. ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ. فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ، فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: ادْخُلْ، وَبَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُكَ. فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ، فَجَلَسَ
وُجَاهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. قَالَ: شَرِيكٌ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ".
[الحديث ٣٦٧٤ - أطرافه في: ٣٦٩٣، ٣٦٩٥، ٦٢١٦، ٧٠٩٧، ٧٢٦٢].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مسكين) أي ابن نميلة بالنون مصغرًا اليماني نزيل بغداد (أبو الحسن) قال: (حدّثنا يحيى بن حسان) التنيسي قال: (حدّثنا سليمان) بن بلال القرشي التيمي مولى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وكان بربريًا (عن شريك بن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم نسبه لجده واسم أبيه عبد الله (عن سعيد بن المسيب) أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري) ﵁ (أنه توضأ في بيته ثم خرج) منه قال أبو موسى (فقلت: لألزمن) بفتح اللام الأولى آخره نون توكيد ثقيلة (رسول الله ﷺ ولأكونن) بفتح اللام والنون الثقيلة أيضًا (معه يومي هذا. قال: فجاء) أبو موسى (المسجد فسأل عن النبي ﷺ فقالوا) له: (خرج، ووجه) بفتح الواو والجيم المشددة بصيغة الماضي أي توجه أي وجه نفسه (ههنا) وسقط لأبي ذر الواو الأولى مع تشديد الجيم، ولأبي ذر عن الكشميهني: وجه بسكون الجيم مضافًا إلى الظرف وهو هاهنا أي جهة كذا. قال أبو موسى: (فخرجت) من المسجد (على أثره) بكسر الهمزة وسكون المثلثة ولأبي ذر أثره بفتح الهمزة والمثلثة (أسأل عنه) ﵊ (حتى) وجدته (دخل بئر أريس) بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون التحتية بعدها سين مهملة مصروف في الفرع وأصله ونص عليه ابن مالك بستان بالقرب من قباء قال أبو موسى: (فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته فتوضأ فقمت إليه فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها) بضم القاف وتشديد الفاء حافة البئر (فسلمت عليه) سلام الله وصلاته عليه (ثم انصرفت فجلست عند الباب. فقلت: لأكونن بوّاب رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر: بوابًا للنبي (¬ ﷺ اليوم) وسقط لفظ اليوم في الفرع وثبت في اليونينية، وزاد المؤلّف في الأدب من رواية محمد بن جعفر عن شريك ولم يأمرني، وفي صحيح أبي عوانة من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب فقال لي: "يا أبا موسى أملك على الباب" فانطلق فقضى حاجته وتوضأ ثم جاء فقعد على قف البئر، وعند الترمذي من طريق عثمان عن أبي موسى فقال لي: "يا أبا موسى أملك على الباب فلا يدخل عليّ أحد" وهذا مع حديث الباب ظاهره التعارض، وجمع بينهما النووي باحتمال أنه ﵊ أمره بحفظ الباب أوّلاً إلى أن يقضي حاجته ويتوضأ لأنها حالة يستتر فيها، ثم حفظ الباب أبو موسى بعد ذلك من تلقاء نفسه انتهى.
وأما قوله
стр. 2438
فقلت ولأكونن فقال في الفتح: فيحتمل أنه لما حدث نفسه بذلك صادف أمر النبي ﷺ بأن يحفظ عليه الباب.
(فجاء أبو بكر) الصديق ﵁ (فدفع الباب) مستأذنًا في الدخول (فقلت من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت على رسلك) بكسر الراء أي تمهل وتأن (ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن) في الدخول عليك (فقال):
(ائذن له وبشره بالجنة) (فأقبلت حتى قلت لأبي بكر ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة فدخل أبو بكر) ﵁ (فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ﵁ وكشف عن ساقيه) موافقة له ﵊، وليكون أبلغ في بقائه ﵊ على حالته وراحته بخلاف ما إذا لم يفعل ذلك فربما استحيا منه فيرفع رجليه الشريفتين قال أبو موسى: (ثم رجعت فجلست) على الباب (وقد) كنت قبل (تركت أخي) أبا بردة عامرًا أو أخي أبا رهم (يتوضأ ويلحقني فقلت: إن يرد الله بفلان خيرًا يريد أخاه) أبا بردة أو أبا رهم (يأت به فإذا إنسان يحرك الباب) مستأذنًا (فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت) له: (على رسلك، ثم جئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه فقلت هذا عمر بن الخطاب يستأذن. فقال): (ائذن له وبشره بالجنة) (فجئت فقلت) له (أدخل وبشرك رسول الله ﷺ بالجنة) زاد أبو عثمان في روايته الآتية إن شاء الله تعالى في مناقب عثمان فحمد الله وكذا قال في عثمان (فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر) وسقط قوله: فدخل لأبي ذر (ثم رجعت فجلست فقلت: إن يرد الله بفلان خيرًا يأت به) يريد به أخاه (فجاء إنسان يحرك الباب) مستأذنًا (فقلت) له: (من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان فقلت) له: (على رسلك فجئت إلى رسول الله) ولأبي ذر إلى النبي (¬ ﷺ فأخبرته) زاد أبو عثمان فسكت هنيهة (فقال): (ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه) هي البلية التي صار بها شهيد الدار من أذى المحاصرة والقتل وغيره (فجئته فقلت له: ادخل وبشرك رسول الله ﷺ بالجنة على بلوى تصيبك) زاد في رواية أما عثمان فحمد الله ثم قال: الله المستعان وفيه تصديق النبي ﷺ فيما أخبره به (فدخل فوجد القف قد ملئ) بالنبي ﷺ والعمرين (فجلس وجاهه) ﵊ بضم الواو وكسرها أي مقابله ﵊ (من الشق الآخر).
(قال شريك) بالسند السابق وفي نسخة اليونينية وفرعها قال شريك بن عبد الله (قال سعيد بن المسيب: فأوّلتها) أي جمعية الصاحبين معه ﷺ ومقابلة عثمان له (قبورهم) من جهة كون العمرين مصاحبين له عند الحضرة المقدسة لا من جهة أن أحدهما في اليمين والآخر في اليسار، وأن عثمان في البقيع مقابلاً لهم. قال: النووي: وهذا من باب الفراسة الصادقة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الفتن، ومسلم في الفضائل.
٣٦٧٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ حَدَّثَهُمْ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ».
[الحديث ٣٦٧٥ - طرفاه في: ٣٦٨٦، ٣٦٩٩].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار العبدي قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سعيد) هو ابن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة (أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم أن النبي ﷺ صعد) بكسر العين علا (أُحدًا) الجبل
المعروف بالمدينة (وأبو بكر) مرفوع عطفًا على الضمير المستتر في صعد لوجود الفاصل أو بالابتداء وما بعده وهو قوله: (وعمر وعثمان) عطف عليه أي وأبو بكر وعمر وعثمان صعدوا معه قال في المصابيح: والأوّل أولى (فرجف) أي اضطرب (بهم) أحد (فقال) له ﵊:
(أثبت أُحد) منادى حذفت أداته أي يا أحد ونداؤه وخطابه وهو يحتمل المجاز والحقيقة لكن الظاهر الحقيقة كقوله: "أُحد جبل يحبنا ونحبه" (فإنما عليك نبي وصديق) أبو بكر
стр. 2439
(وشهيدان) عمر وعثمان. قال ابن المنير: قيل الحكمة في ذلك أنه لما أرجف أراد النبي ﷺ أن يبين أن هذه الرجفة ليست من جنس رجفة الجبل بقوم موسى ﵇ لما حرفوا الكلم، وأن تلك رجفة الغضب وهذه هزة الطرب، ولهذا نص على مقام النبوّة والصديقية والشهادة التي توجب سرور ما اتصلت به لا رجفانه فأقر الجبل بذلك فاستقر وما أحسن قول بعضهم:
ومال حراء تحته فرحًا به … فلولا مقال اسكن تضعضع وانقضا
وهذا الحديث يخرجه أيضًا في فضل عمر، وأبو داود في السنة، والترمذي والنسائي في المناقب.
٣٦٧٦ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا صَخْرٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَمَا أَنَا عَلَى بِئْرٍ أَنْزِعُ مِنْهَا جَاءَنِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الدَّلْوَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ. ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ، فَنَزَعَ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ».
قَالَ وَهْبٌ: الْعَطَنُ مَبْرَكُ الإِبِلِ، يَقُولُ: حَتَّى رَوِيَتِ الإِبِلُ فَأَنَاخَتْ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (أحمد بن سعيد) بكسر العين الرباطي المروزي (أبو عبد الله) الأشقر قال: (حدّثنا وهب بن جرير) بفتح الجيم ابن حازم أبو عبد الله الأزدي البصري قال: (حدّثنا صخر) هو ابن جويرية مولى بني تميم أو بني هلال (عن نافع) مولى ابن عمر (أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(بينما) بالميم ولأبي ذر: بينا (أنا على بئر أنزع) أي أستقي (منها) في المنام (جاءني أبو بكر وعمر فأخذ أبو بكر الدلو فنزع) منها (ذنوبًا أو ذنوبين) بفتح الذال المعجمة دلوا أو دلوين ممتلئين ماء والشك من الراوي (وفي نزعه ضعف) إشارة إلى ما كان في زمنه من الارتداد واختلاف الكلمة ولين جانبه ومداراته مع الناس (والله يغفر له) هي كلمة كانوا يقولونها افعل كذا والله يغفر لك (ثم أخذها ابن الخطاب) عمر (من يد أبي بكر) بالإفراد، ولأبي ذر: من يدي أبي بكر (فاستحالت) أي تحوّلت (في يده غربًا) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء دلوا عظيمة (فلم أر
عبقريًّا) سيدًا قويًا (من الناس يفري فريه) بفتح التحتية وسكون الفاء في الأولى وفتح الفاء وكسر الراء وتشديد التحتية المفتوحة في الثانية أي يعمل عمله البالغ (فنزع) من البئر (حتى ضرب الناس بعطن) بفتح المهملتين آخره نون.
(قال وهب): هو ابن جرير المذكور بالإسناد السابق المذكور (العطن مبرك الإبل يقول حتى رويت الإبل فأناخت) قال في المصابيح، قيل حق الكلام فأنيخت أي بركت وهذا كله فيه إشارة إلى ما أكرم الله به عمر من امتداد مدّة خلافته، ثم القيام فيها بإعزاز الإسلام وحفظ حدوده وتقوية أهله حتى ضرب الناس بعطن أي حتى رووا وأرووا إبلهم وأبركوها وضربوا لها عطنًا وهو مبرك الإبل حول الماء. يقال: أعطنت الإبل فهي عاطنة، وعواطن أي سقيت وتركت عند الحياض لتعاد مرة أخرى.
٣٦٧٧ - حَدَّثَنا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْمَكِّيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "إِنِّي لَوَاقِفٌ فِي قَوْمٍ فَدَعَوُا اللَّهَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -وَقَدْ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ- إِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي قَدْ وَضَعَ مِرْفَقَهُ عَلَى مَنْكِبِي يَقُولُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، لأَنِّي كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَفَعَلْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَانْطَلَقْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. فَإِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا. فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ". [لحديث ٣٦٧٧ - طرفه في: ٣٦٨٥].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (الوليد بن صالح) النخاس بالخاء المعجمة الفلسطيني وثقه أبو حاتم وغيره ولم يكتب عنه أحمد لأنه كان من أصحاب الرأي، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث وسيأتي إن شاء الله تعالى من وجه آخر في مناقب عمر قال: (حدّثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة أخو إسرائيل قال: (حدّثنا عمر بن سعيد بن أبي الحسين) بضم العين في الأول وكسرها في الثاني وضم الحاء في الثالث ولأبي ذرّ أبي حسين (المكي) النوفليّ (عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله بضم عين الثاني (عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: إني لواقف) بلام التأكيد المفتوحة (في قوم فدعوا الله) ولأبي الوقت يدعوا الله بتحتية بدل الفاء وسكون الدال وضم العين (لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره) لما مات والجملة حالية من عمر (إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول): لعمر بن الخطاب (رحمك الله) بصيغة الماضي، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: يرحمك الله (إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك) النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ تدفن معهما (لأني كثيرًا) اللام للتعليل أو مؤكدة وكثيرًا ظرف زمان وعامله كان تقدم عليه (مما) بزيادة من أو التقدير أجد كثيرًا مما وللأصيلي: ما (كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول):
(كنت وأبو بكر وعمر) عطف على المرفوع المتصل بدون تأكيد ولا فاصل وفيه
стр. 2440
خلاف بين البصريين والكوفيين قيل والحديث يرد على المانع ولكن في رواية الأصيلي: كنت أنا وأبو بكر وعمر بالفصل فالعطف حينئذٍ على الضمير بعد تأكيده واستغنى بهذه الرواية عن الإحالة على الرواية الآتية إن شاء الله تعالى في مناقب عمر إذ فيها العطف مع التأكيد، (وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، فإن كنت) كذا في اليونينية وغيرها مما وقفت عليه من النسخ المعتمدة فإن كنت بالفاء وسكون النون، وأما الفرع فالذي فيه وإني كنت بواو وبعد النون المكسورة المشدّدة تحتية (لأرجو أن يجعلك الله معهما) في الحجرة (فالتفت فإذا هو) أي القائل (علي بن أبي طالب) ﵁.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه يدل على فضيلة الصديق كما لا يخفى.
٣٦٧٨ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ فَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨].
[الحديث ٣٦٧٨ - طرفاه في: ٣٨٥٦، ٤٨١٥].
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع لأبي ذر ولغيره حدّثني (محمد بن يزيد) من الزيادة البزاز بتشديد الزاي الأولى (الكوفي) قال ابن خلفون: وليس باب هشام محمد بن يزيد بن رفاعة الرفاعي قاله الكلاباذي والحاكم. وقال ابن حجر: وفي رواية ابن السكن عن الفريري محمد بن كثير وهو وهم نبه عليه أبو علي الجياني لأنه لا يعرف له رواية عن الوليد انتهى. قال: (حدّثنا الوليد) بن مسلم (عن الأوزاعي) عبد الرحمن (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة صالح اليمامي الطائي (عن محمد بن إبراهيم) بن الحرث التيمي القرشي (عن عروة بن الزبير) بن العوّام أنه (قال: سألت عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص (عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ قال):
(رأيت عقبة بن أبي معيط) المقتول كافرًا بعد وقعة بدر (جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلّي) زاد في باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة في حجر الكعبة (فوضع رداءه) أي رداء النبي ﷺ ولأبي ذر رداء (في عنقه) الشريف (فخنقه به) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بها (خنقًا) بكسر النون وسكونها في المصدر وفتحها في الماضي وهو فخنقه (شديدًا فجاء أبو بكر) ولأبي ذر فجاءه أبو بكر (حتى دفعه) أي دفع بيده عقبة (عنه ﷺ ¬) وزاد ابن إسحاق وهو يبكي (فقال) لهم: (﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾) [غافر: ٢٨] قال بعضهم: أبو بكر أفضل من مؤمن آل فرعون لأن ذاك اقتصر حيث انتصر على اللسان، وأما أبو بكر
﵁ فاتبع اللسان يدًا ونصر بالقول والفعل محمدًا ﷺ .
وهذا الحديث أخرجه في باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة.
٦ - باب مَنَاقِبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَبِي حَفْصٍ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ ﵁ -
(باب مناقب عمر بن الخطاب) بن نفيل بضم النون وفتح الفاء آخره لام مصغرًا ابن عبد العزى بن رياح بكسر الراء وفتح التحتية وبعد الألف حاء مهملة ابن عبد الله بن قرط بضم القاف بن رزاح بفتح الراء والزاي وبعد الألف مهملة ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر واسمه قريش بن مالك بن النضر (أبي حفص) كناه بها النبي ﷺ كما عند ابن إسحاق في السيرة، ولقبه الفاروق لقبه به النبي ﷺ كما رواه ابن أبي شيبة في تاريخه، وقيل لقبه به أهل الكتاب قاله الزهري فيما رواه ابن سعد وقيل جبريل رواه البغوي (القرشي) نسبه إلى جده الأعلى فهر (العدوي) نسبه إلى عدي المذكور (﵁) استخلفه أبو بكر فأقام عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال، وقتله أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة، وسقط لفظ باب لأبي ذر فمناقب رفع.
٣٦٧٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ خَشَفَةٌ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا بِلَالٌ. وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لِعُمَرَ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ عُمَرُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ. أَعَلَيْكَ أَغَارُ»؟.
[الحديث ٣٦٧٩ - طرفاه في: ٥٢٢٦، ٧٠٢٤].
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم وسكون النون السلمي الأنماطي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن الماجشون) بكسر الجيم وضم الشين المعجمة المدني نزيل بغداد ونسبه لجده أبي سلمة الماجشون وإلاّ فاسم أبيه عبد الله وسقط لأبي ذر لفظ ابن فالماجشون حينئذٍ مرفوع لقب لعبيد العزيز قال: (حدّثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(رأيتني) بضمير المتكلم وهو من خصائص أفعال القلوب أي رأيت نفسي في
стр. 2441
المنام (دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء) بضم الراء وبالصاد المهملة ممدودًا مصغرًا سهلة بنت ملحان الأنصارية (امرأة أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري، والرميصاء صفة لها لرمص كان بعينها (وسمعت خشفة) بخاء مفتوحة وشين ساكنة معجمتين وفاء مفتوحة، وفي اليونينية بفتح الشين أي صوتًا ليس شديدًا وهو حركة وقع القدم (فقلت: من هذا؟ فقال) جبريل أو غيره من الملائكة (هذا
بلال) ويحتمل أن يكون القائل هذا بلال بلالاً نفسه (ورأيت) فيها (قصرًا) زاد الترمذي من حديث أنس من ذهب (بفنائه) بكسر الفاء والمدّ ما امتدّ خارجه من جوانبه (جارية فقلت: لمن هذا؟) القصر (فقال) أي الملك ولأبي ذر عن الكشميهني فقالوا أي الملائكة وفي نسخة بالفرع وأصله وصحح عليه فقالت أي الجارية (لعمر) بن الخطاب (فأردت أن أدخله فأنظر إليه) بنصب أنظر (فذكرت غيرتك) بفتح الغين المعجمة وفي الرواية التي في النكاح فأردت أن أدخله فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك (فقال عمر): أفديك (بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار) الأصل أعليها أغار منك فهو من باب القلب.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفضائل والنسائي في المناقب.
٣٦٨٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا. فَبَكَى عمر وَقَالَ: أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ»؟.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي مولاهم المصري قال: (أخبرنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ قال: بينا) بغير ميم (نحن عند رسول الله ﷺ إذ قال: بينا) بغير ميم أيضًا (أنا نائم رأيتني) أي رأيت نفسي (في الجنة فإذا امرأة تنوضأ إلى جانب قصر) وضوءًا شرعيًا ولا يلزم أن يكون على جهة التكليف أو يؤول بأنها كانت محافظة في الدنيا على العبادة أو لغويًا لتزداد وضاءة وحسنًا، وهذه المرأة هي أم سليم وكانت حينئذٍ في قيد الحياة (فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا): أي الملائكة (لعمر فذكرت غيرته) بفتح الغين المعجمة مصدر قولك غار الرجل على أهله (فوليت مدبرًا فبكى عمر) لما سمع ذلك سرورًا به وتشوقًا إليه وثبت قوله عمر لأبوي ذر والوقت (وقال: أعليك أغار يا رسول الله).
وهذا الحديث سبق في باب ما جاء في صفة الجنة.
٣٦٨١ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ أَبُو جَعْفَرٍ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ شَرِبْتُ -يَعْنِي اللَّبَنَ- حَتَّى أَنْظُرُ إِلَى الرِّيِّ يَجْرِي فِي ظُفُرِي -أَوْ فِي أَظْفَارِي- ثُمَّ نَاوَلْتُ عُمَرَ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رسول الله، قَالَ: الْعِلْمَ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن الصلت) بفتح الصاد المهملة وبعد
اللام الساكنة فوقية (أبو جعفر الكوني) الأسدي قال: (حدّثنا ابن المبارك) عبد الله (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (حمزة) بالحاء المهملة والزاي (عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب (أن رسول الله ﷺ قال):
(بينا) بغير ميم (أنا نائم شربت) وفي باب فضل العلم من كتاب العلم بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت (يعني اللبن حتى أنظر) بالرفع مصححًا عليه في الفرع وأصله لأبي ذر أنظر بالنصب "إلى الري" بكسر الراء وتشديد الياء التحتية حال كونه (يجري في ظفري) بالإفراد (أو) قال: (في أظفاري) ورؤية الري على طريق الاستعارة كأنه لما جعل الري جسمًا أضاف إليه ما هو من خواص الجسم وهو كونه مرئيًّا، قاله في الفتح (ثم ناولت عمر) وفي العلم ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب (قالوا: فما أولته) أي عبرته ولأبوي ذر والوقت فما أولت بإسقاط الضمير (يا رسول الله؟ قال): أولته (العلم) وذلك من جهة اشتراك العلم واللبن في كثرة النفع فاللبن للغذاء البدني والعلم للغذاء المعنوي، ويأتي مزيد فوائد في باب التعبير إن شاء الله تعالى بعون الله تعالى وفضله وكرمه.
٣٦٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ سَالِمٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُرِيتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ عَلَى قَلِيبٍ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ نَزْعًا ضَعِيفًا وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ. ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ، حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ». قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الْعَبْقَرِيُّ عِتَاقُ الزَّرَابِيِّ. وَقَالَ يَحْيَى: الزَّرَابِيُّ الطَّنَافِسُ لَهَا خَمْلٌ رَقِيقٌ. ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] كَثِيرَةٌ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير) بضم النون آخره راء مصغرًا الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا محمد بن بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة العبدي أبو عبد الله الكوفي قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر العمري (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو بكر بن سالم) وثقه العجلي وليس له في البخاري إلا هذا الموضع (عن) أبيه (سالم عن) أبيه (عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي -صَلَّى
стр. 2442
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال):
(رأيت) بضم الهمزة وكسر الراء (في المنام أني أنزع بدلو بكرة) بإسكان الكاف مصححًا عليه في الفرع وحكى الفتح ودلو مضاف إلى بكرة. وقال في الفتح: بكرة بفتح الموحدة والكاف على المشهور، وحكى بعضهم تثليث الموحدة ويجوز إسكان الكاف على أن المراد نسبة الدلو الى الأنثى من الإبل وهي الشابة أي الدلو التي يستقى بها، وأما بالتحريك فالخشبة المستديرة التي يعلق فيها الدول (على قليب) بقاف مفتوحة فلام مكسورة وبعد التحتية الساكنة موحدة بئر لم تطو (فجاء أبو بكر) الصديق (فنزع) أي أخرج من ماء القليب (ذنوبًا أو ذنوبين) دلوا أو دلوين والشك من
الراوي (نزعًا ضعيفًا) أوّل بقصر مدة خلافته (والله يغفر له) ضعفه (ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت) أي تحولت الدلو في يده (غربًا) دلوًا عظيمًا (فلم أر عبقريًّا) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح القاف وبعد الراء المكسورة تحتية مشددة (يفري فريه) بالفاء الساكنة بعد فتح في الأولى وبالمفتوحة في الثانية (حتى روي الناس وضريوا بعطن) فيه إشارة إلى طول مدة خلافة عمر وكثرة انتفاع الناس بها.
(قال ابن جبير): بالجيم سعيد فيما وصله عبد بن حميد ولأبي ذر ونسبها في الفتح للأصيلي وكريمة وبعض النسخ عن أبي ذر قال ابن نمير: بنون وميم مصغرًا قيل هو محمد بن عبد الله بن نمير شيخ المولف. قال البرماوي كالكرماني: وهو أولى لأنه راوي الحديث (للعبقري عتاق الزرابي). بكسر العين حسانها (وقال يحيى): قال في الفتح: هو ابن زياد الفراء كما في معاني القرآن له وقال: الكرماني هو يحيى بن سعيد القطان لأنه أيضًا راوي الحديث كما سبق في مناقب أبي بكر (الزرابي) هي (الطنافس) جمع طنفسة بكسر الطاء وفتح الفاء وهي البساط (لها خمل) بفتح الخاء المعجمة والميم وفي الفرع كأصله بسكون الميم أي أهداب (رقيق مبثوثة) أي (كثيرة) وهذا الذي قاله في العبقري هو معناه في اللغة، وأما المراد هنا فسيد القوم وغير ذلك مما سبق.
٣٦٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: ح. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قُمْنَ فَبَادَرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلَ عُمَرُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ؛ فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللاَّتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِيهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الحميد) بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (أن محمد بن سعد) بسكون العين (أخبره أن أباه) سعد بن أبي وقاص (قال): وسقط لأبي ذر من قوله حدّثنا علي بن عبد الله إلى قوله أن أباه قال: (حدّثني)
بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي المدني قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد) أي ابن الخطاب (عن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه) ﵁ (قال: استأذن عمر بن الخطاب) ﵁ وسقط لأبي ذر ابن الخطاب (على رسول الله ﷺ وعنده نسوة من قريش يكلمنه) هن من أزواجه لقوله (ويستكثرنه) أي يطلبن منه أكثر مما يعطيهن وفي مسلم أنهن يطلبن النفقة حال كونهن (عالية أصواتهن على صوته) قبل النهي عن رفع الصوت على صوته أو كان ذلك من طبعهن قاله ابن المنير ومن قبله القاضي عياض، وفي الفرع وأصله عالية بالرفع أيضًا على الصفة (فلما استأذن عمر بن الخطاب) سقط ابن الخطاب لأبي ذر (قمن فبادرن الحجاب) أسرعن إليه (فأذن له رسول الله ﷺ فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك) من فعلهن (فقال عمر: أضحك الله سنّك يا رسول الله) مراده لازم الضحك وهو السرور لا الدعاء بالضحك (فقال النبي ﷺ ¬):
(عجبت من هؤلاء) النسوة (اللاتي كن عندي) يرفعن أصواتهن (فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب فقال ولأبي ذر: قال (عمر: فأنت أحق أن يهبن) بفتح الأول والثاني من الهيبة يوقرن (يا رسول الله
стр. 2443
ثم قال عمر): لهن (يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟ فقلن: نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ ¬) بمعجمة فيهما من الفظاظة والغلظة بصيغة أفعل التفضيل المقتضية للشركة في أصل الفعل، لكن يعارضه قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩] وأجيب: بأن الذي في الآية يقتضي نفي وجود ذلك له صفة لازمة له فلا يستلزم ما في الحديث بل مجرد وجود الصفة له في بعض الأحوال كإنكار المنكر مثلاً، وقد كان ﵊ لا يواجه أحدًا بما يكره إلا في حق من حقوق الله ، وكان عمر مبالغًا في الزجر عن المكروهات مطلقًا وفي طلب المندوبات كلها فمن ثم قال النسوة له ذلك. (فقال له رسول الله ﷺ إِيهًا يا ابن الخطاب) بكسر الهمزة وسكون التحتية منونًا منصوبًا قال في الفتح: وهي روايتنا أي لا تبتدئنا بحديث، ولأبوي الوقت وذر: إيه بالكسر والتنوين أي حدّثنا ما شئت فكأنه يقول: أقبل على حديث نعهده منك أو على أي حديث كان، وأعرض عن الإنكار عليهن.
وحكى السفاقسي إيه بكسرة واحدة في الهاء وقال: معناه كلف عن لومهن. وقال في القاموس: إيه بكسر الهمزة والهاء وفتحها وتنون المكسورة كلمة استزادة واستنطاق، وإيه بإسكان الهاء جر بمعنى حسبك وإيه مبنية على الكسر فإذا وصلت نونت، وايهًا بالنصب وبالفتح أمر بالسكوت اهـ.
وقال في المصابيح: فإن قلت: قد صرحوا بأن ما نون من أسماء الأفعال نكرة وما لم ينون منها معرفة، فعلى كونها معرفة فمن أي أقسام المعارف هي؟ وأجاب: بأن ابن الحاجب في إيضاحه
على المفصل قال: إنه ينبغي إذا حكم بالتعريف أن تكون أعلامًا مسمياتها الفعل الذي هي بمعناه فتكون علمًا لمفعوليته وإذا حكم بالتنكير أن تكون لواحد من آحاد الفعل الذي يتعدد اللفظ به، واختلف حينئذٍ المعنى بالاعتبارين فصه بدون تنوين كأسامة وبالتنوين كأسد. وقال في شرح المشكاة: لا شك أن الأمر بتوقيره ﷺ مطلوب لذاته تجب الاستزادة منه فكان قول رسول الله ﷺ إيه استزادة منه في طلب توقيره، وتعظيم جانبه، ولذلك عقبه بما يدل على استرضاء ليس بعده استرضاء إحمادًا منه ﷺ لفعاله كلها لا سيما هذه الفعلة حيث قال:
(والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا) بفتح الفاء والجيم المشددة أي طريقًا واسعًا (قط إلا سلك فجًّا غير فجك) أي لشدة بأسه خوفًا من أن يفعل به شيئًا فهو على ظاهره أو هو على طريق ضرب المثل، وأن عمر فارق سبيل الشيطان وسلك سبيل السداد فخالف كل ما يحبه الشيطان قاله عياض. والأول أولى، وهذا لا يقتضي عصمته لأنه ليس فيه إلا فرار الشيطان منه أن يشاركه في طريق يسلكها ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل قدرته إليه.
وهذا الحديث سبق في باب صفة إبليس وجنوده.
٣٦٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ".
[الحديث ٣٦٨٤ - طرفه في: ٣٨٦٣].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي الزمن البصري قال (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد أنه قال: (حدّثنا قيس) هو ابن أبي حازم (قال: قال عبد الله) هو ابن مسعود ﵁ (ما زلنا أعزة) في الدين (منذ) بالنون (أسلم عمر) بن الخطاب ﵁، وكان إسلامه بعد حمزة بثلاثة أيام بدعوته ﷺ : "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب". وعند الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد صحيح وصححه ابن حبان "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر" قال: فكان أحبهما إليه عمر، وعند ابن أبي شيبة من حديث ابن مسعود كان إسلام عمر عزًا وهجرته نصرًا وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر، وعند ابن سعد من حديث صهيب قال: لما أسلم عمر قال المشركون: انتصب القوم منا.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في إسلام عمر.
٣٦٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ -وَأَنَا فِيهِمْ- فَلَمْ يَرُعْنِي إِلاَّ رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي، فَإِذَا عَلِيٌّ بْن أَبِي طَالِب، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ، وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ. وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَحَسِبْتُ أَنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ
أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ".
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك
стр. 2444
قال: (حدّثنا عمر بن سعيد) بكسر العين ابن أبي حسين النوفليّ القرشي المكيّ (عن ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن أبي مليكة بضم الميم مصغرًا (أنه سمع ابن عباس يقول: وضع عمر على سريره) بعد أن مات (فتكنفه الناس) بنون مشددة ثم فاء أي أحاطوا به من جميع جوانبه حال كونهم (يدعون) له (ويصلون) عليه (قبل أن يرفع) من الأرض (وأنا فيهم فلم يرعني) أي لم يفزعني ويفجأني (إلا رجل آخذ) بمد الهمزة بوزن فاعل، ولأبي ذر عن الكشميهني: أخذ بصيغة الماضي (منكبي) بالإفراد (فإذا) هو (عليّ) ولأبي ذر: عليّ بن أبي طالب (فترحم على عمر) - رضي الله تعالى عنهما - (وقال): مخاطبًا لعمر (ما خلفت أحدًا أحب إليّ) بنصب أحب في الفزع صفة لأحد ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف (أن ألقى الله بمثل عمله منك) فيه أنه كان لا يعتقد أن لأحد عملاً في ذلك الوقت أفضل من عمل عمر (وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله) مدفونًا (مع صاحبيك) يريد رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁ في الحجرة الشريفة أو في الجنة (وحسبت أني كنت كثيرًا أسمع النبي ﷺ يقول): بفتح همزة أني مفعول حسبت وبالكسر استئناف تعليلي أي كان على حساب أن يجعلك الله مع صاحبيك سماعي قول رسول الله ﷺ :
(ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر).
وهذا الحديث سبق قريبًا في مناقب أبي بكر.
٣٦٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ بْنِ أَبِي رَوْيَةَ. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ وَكَهْمَسُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَا حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيد».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي وفتح الراء مصغرًا قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين ولأبي ذر سعيد بن أبي عروبة (قال): أي البخاري (وقال لي خليفة): هو ابن خياط أحد مشايخه مذاكرة (حدّثنا محمد بن سواء) بفتح السين وتخفيف الواو ممدود الضرير السدوسي المتوفى سنة سبع وثمانين ومائة (وكهمس بن المنهال) بفتح الكاف وسكون الهاء وفتح الميم بعدها سين مهملة، والمنهال بكسر الميم وسكون النون السدوسي أيضًا (قالا: حدّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة المذكور وسقط قوله وقال لي خليفة الخ في رواية أبي ذر في بعض النسخ واقتصر على طريق يزيد بن زريع كما نبه عليه في الفتح (عن قتاة) بن دعامة (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: صعد النبي ﷺ إلى أُحد) ولأبي ذر أُحدًا بإسقاط إلى (ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف) أي اضطرب (بهم) أحد (فضربه) ﷺ (برجله) وفي اليونينية
وفرعها علامة السقوط من غير عزو على فضربه برجله (قال) ولأبي ذر: وقال:
(أثبث أحد) أي يا أحد وسقط لفظ أحد لأبي ذر (فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد) بالألف والواو فيهما فقيل أو بمعنى الواو لقوله في مناقب الصديق: فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان، فيكون لفظ أو شهيد بالألف هنا بالإفراد للجنس، ولأبي ذر: وصديق بالواو أو شهيد بالألف قبل الواو فقيل أو بمعنى الواو أيضًا، وقيل تغيير الأسلوب للإشعار بمغايرة الحال لأن النبوّة والصديقية حاصلتان بخلاف الشهادة فإنها لم تكن وقعت حينئذٍ فالأوّلان حقيقة والثالث مجاز وفي نسخة عليها علامة السقوط لأبي ذر بالفرع وأصله شهيدان بالتثنية.
وهذا الحديث قد سبق في مناقب الصديق.
٣٦٨٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَأَلَنِي ابْنُ عُمَرَ عَنْ بَعْضِ شَأْنِهِ -يَعْنِي عُمَرَ- فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حِينَ قُبِضَ كَانَ أَجَدَّ وَأَجْوَدَ حَتَّى انْتَهَى مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي سكن مصر (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (عمر هو ابن محمد) أي ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (أن زيد بن أسلم حدثه عن أبيه) أسلم مولى عمر بن الخطاب (قال: سألني ابن عمر) بن الخطاب (عن بعض شأنه يعني) عن بعض شأن أبيه (عمر) ﵁ (فأخبرته فقال): أي ابن عمر (ما رأيت أحدًا قط بعد رسول الله ﷺ ¬) في هذه الخصال (من حين قبض) ﵊ بفتح نون حين في الفرع مصححًا عليها على البناء لإضافته إلى مبني وليس البناء هنا متحتمًا وإنما هو أولى من الإعراب قاله في المصابيح (كان أجدّ) بفتح الجيم
стр. 2445
وتشديد الدال المهملة أفعل تفضيل من جدّ إذا اجتهد في الأمور (وأجود) أفعل من الجود بالأموال (حتى انتهى) إلى آخر عمره (من عمر بن الخطاب) أي في مدة خلافته لا قبلها.
٣٦٨٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لَا شَىْءَ، إِلاَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ . فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَىْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ».
[الحديث ٣٦٨٨ - أطرافه في: ٦١٦٧، ٦١٧١، ٧١٥٣].
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواضحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم
الجهضمي (عن ثابت) البناني (عن أنس ﵁ أن رجلاً) هو ذو الخويصرة وقيل أبو موسى الأشعري (سأل النبي ﷺ عن الساعة فقال: متى الساعة؟) تقوم (قال) ﵊ له:
(وماذا أعددت لها) قال: الطيبي: سلك مع السائل أسلوب الحكيم لأنه سأل عن وقت الساعة (قال) الرجل (لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ ¬) سقطت التصلية لأبي ذر (فقال) ولأبي ذر قال ﵊ له: (أنت مع من أحببت). يحسن نيتك من غير زيادة عمل في الجنة أي بحيث يتمكن كل واحد منهما من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا وإذا أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك هذا هو المراد من هذه المعية لا كونهما في درجة واحدة.
(قال أنس: فما فرحنا بشيء) بكسر الراء بصيغة الماضي (فرحنا) بفتح الراء والحاء مصدر أي كفرحنا وانتصابه بنزع الخافض (بقول النبي ﷺ : أنت مع من أحببت. قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم).
٣٦٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ ناسٌ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ» زَادَ زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ».
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ "مِن نبيٍّ وَلَا مُحَدِّثٍ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة الحجازي المدني قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدّثون) بتشديد الدال المهملة المفتوحة أي ملهمون أو يلقى في روعهم الشيء قبل الإعلام به فيكون كالذي حدثه غيره به أو يجري الصواب على لسانهم من غير قصد، ولأبي ذر: ناس محدّثون (فإن يكن في أمتي أحد) منهم (فإنه عمر) بن الخطاب (زاد زكريا بن أبي سلمة عن أبي هريرة) أنه (قال: قال النبي) ولأبي ذر رسول الله (¬ ﷺ ¬): (لقد كان فيمن كان قبلكم) ولأبي ذر: لقد كان قبلكم (من بني إسرائيل رجال يكلمون) بفتح اللام المشددة تكلمهم الملائكة (من غير أن يكونوا أنبياء) أو المعنى يكلمون في أنفسهم وإن لم يروا متكلفًا في الحقيقة وحينئذٍ فيرجع إلى الإلهام (فإن يكن من) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي في (أمتي منهم أحد فعمر) وثبت لأبي ذر عن الكشميهني لفظ منهم وليس قوله فإن يكن للترديد بل للتأكيد كقولك: إن يكن لي صديق ففلان إذ المراد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء، وإذا
ثبت أن هذا وجد في غير هذه الأمة المفضولة فوجوده في هذه الأمة الفاضلة أحرى.
(قال ابن عباس ﵄: من نبي ولا محدث) بفتح الدال المشدّدة، وقد ثبت قول ابن عباس هذا لأبي ذر وسقط لغيره، ووصله سفيان بن عيينة في أواخر جامعه وعبد بن حميد بلفظ كان ابن عباس يقرأ: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث﴾ [الحج: ٥٢].
٣٦٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهَا حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ لَهُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي؟ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَمَا ثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثنا عقيل) بضم العين مصغرًا ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب) المخزومي القرشي أحد العلماء الإثبات (وأبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف أنهما (قالا: سمعنا أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(بينما) بالميم (راع) لم يسم (في غنمه عدا الذئب) بالعين المهملة في عدا (فأخد منها شاة فطلبها) أي الراعي (حتى استنقذها) منه (فالتفت إليه الذئب فقال له من لها) أي للغنم (يوم السبع) بضم الموحدة أو بسكونها الحيوان المعروف (ليس لها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لهذا بدل لها، وفي الرواية السابقة في فضل أبي بكر وغيرها
стр. 2446
يوم ليس لها (راع) يرعاها (غيري) أي عند الفتن حين يتركها الناس هملا (فقال الناس) متعجبين من نطقه (سبحان الله فقال النبي ﷺ : فإني أومن به) بالنطق الصادر من الذئب والفاء جواب شرط محذوف أي فإذا كان الناس يستغربونه ويتعجبون منه فإني لا أستغربه وأومن به (و) كذا (أبو بكر وعمر وما ثم) بفتح المثلثة (أبو بكر وعمر) ولم يذكر هنا قصة البقرة المذكورة في رواية بني إسرائيل كفضل أبي بكر.
٣٦٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَىَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ اجْتَرَّهُ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينَ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) المخزومي مولاهم المصري واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو أمامة) أسعد (بن سهل بن حنيف) بضم الحاء مصغرًا (عن
أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) بالدال المهملة (﵁) أنه (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(بينا) بغير ميم (أنا نائم رأيت الناس) من الرؤيا الحلمية على الأظهر أو البصرية حال كونهم (عرضوا علي وعليهم قمص) بضم القاف والميم جمع قميص والواو للحال (فمنها) أي القمص (ما) أي الذي (يبلغ الثدي) بضم المثلثة وكسر الدال المهملة وتشديد التحتية جمع ثدي ولغير أبي ذر الثدي بفتح فسكون على الإفراد (ومنها ما يبلغ دون ذلك) فلم يصل إلى الثدي (وعرض علي عمر) بن الخطاب ﵁ (وعليه قميص اجتره) بهمزة وصل وسكون الجيم أي لطوله (قالوا) أي من حضر من الصحابة أو الصديق كما يأتي إن شاء الله تعالى في التعبير (فما أوّلته) أي عبرته (يا رسول الله؟ قال): أوّلته (الدين) لأن الدين يشمل الإنسان ويحفظه ويقيه المخالفات كوقاية الثوب وشموله ولا يلزم منه أفضلية عمر على أبي بكر، فلعل الذين عرضوا لم يكن فيهم أبو بكر، وكون عمر عليه قميص يجره لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر أطول منه.
وهذا الحديث سبق في الإيمان في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.
٣٦٩٢ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: "لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ جَعَلَ يَأْلَمُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -وَكَأَنَّهُ يُجَزِّعُهُ-: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ، لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهْوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهْوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ. قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِضَاهُ فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَرِضَاهُ فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي فَهْوَ مِنْ أَجْلِكَ وَأَجْلِ أَصْحَابِكَ. وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ".
قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ" بِهَذَا.
وبه قال: (حدّثنا الصلت بن محمد) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام بعدها فوقية الخاركي بالخاء المعجمة والراء المكسورة البصري قال: (حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم) هو ابن علية قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن المسور بن مخرمة) بكسر الميم وسكون السين المهملة في الأوّل وبفتح الميم وسكون الخاء المعجمة في الثاني أنه (قال: لما طعن عمر) ﵁، وكان الذي طعنه أبا لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة في خاصرته وهو في صلاة الصبح يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين (جعل يألم) بتحتية بعدها همزة ساكنة (فقال له ابن عباس وكأنه يجزعه) بضم التحتية وفتح الجيم وتشديد الزاي المكسورة أي يزيل جزعه (يا
أمير المؤمنين ولئن كان ذاك) بغير لام ولأبي ذر عن الكشميهني كما في الفرع وأصله ولا كل ذلك بلا النافية وإسقاط كان وزيادة كل وذلك باللام وللكشميهني ذاك بإسقاط اللام أي لا تبالغ فيما أنت فيه من الجزع، ونسب هذه الكرماني إلى بعض روايات غير البخاري، وتبعه البرماوي فلم يقفا عليها معزوّة للكشميهني ولبعضهم كما في الفتح كالكواكب ولما كان ذلك، وكأنه دعا أن لا يكون الموت بتلك الطعنة أو لا يكون ما تخافه. (لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته ثم فارقته) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ثم فارقت بحذف الضمير (وهو) ﷺ (عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته ثم فارقته) ولأبي ذر فارقت (وهو) ﵁ (عنك راض، ثم صحبت صحبتهم) بفتح الصاد والحاء والموحدة جمع صاحب ومراده أصحاب النبي ﷺ وأبي بكر.
قال في الفتح: وفيه نظر لأنه أتى بصيغة الجمع موضع التثنية، واعترضه العيني فقال: لا يتوجه النظر فيه أصلاً بل الموضع موضع جمع لأن المراد أصحاب النبي ﷺ وأبي بكر. وأجاب في الانتقاض بأنه مسلم أن أصحاب صيغة جمع لكن لم يضف إلى هذا الجمع إلا اثنان وهو النبي -صَلَّى
стр. 2447
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأبو بكر فالنظر موجه انتهى.
وقال عياض: أو تكون صحبت زائدة، وللمروزي والجرجاني كما في هامش الفرع واليونينية ثم صحبتهم أي المسلمين وهي التي بدأ بها في الفتح وعزا الرواية الأولى لرواية بعضهم ورجح هذه الأخيرة عياض (فأحسنت صحبتهم ولئن فارقتهم لتفارقنهم) بالنون المشدّدة (وهم عنك راضون. قال): عمر لابن عباس ولأبي ذر فقال: (أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ¬) لي (ورضاه) عني (فإنما ذاك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فإن ذلك بإسقاط ما وزيادة لام قبل الكاف (من) بفتح الميم وتشديد النون عطاء (من الله تعالى). وفي نسخة جل ذكره وسقط هذا ولفظ تعالى لأبي ذر (منّ به علي، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذلك منّ من الله جل ذكره منّ به علي) وسقط لفظ جل ذكره لأبي ذر (وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل) ولأبي الوقت ومن أجل (أصحابك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أصيحابك بضم الهمزة مصغرًا خاف الفتنة عليهم بعده (والله لو أن لي طلاع الأرض) بكسر الطاء وتخفيف اللام أي ملأها (ذهبًا لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه) أي العذاب والهمزة مفتوحة.
وعند أبي حاتم من حديث ابن عباس ﵄ أنه دخل على عمر حين طعن فقال: أبشر يا أمير المؤمنين أسلمت مع رسول الله ﷺ حين كفر الناس، وقاتلت معه حين خذله الناس ولم يختلف في خلافتك رجلان، وقتلت شهيدًا. فقال: أعد فأعاد. فقال: المغرور من غررتموه لو أن لي ما على ظهرها من بيضاء وصفراء لافتديت به من هول المطلع، وإنما قال ذلك لغلبة الخوف الذي وقع له حينئذٍ من التقصير فيما يجب عليه من حقوق الرعية ومن الفتنة بمدحهم.
(قال حماد بن زيد): مما وصله الإسماعيلي (حدّثنا أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن ابن عباس ﵄) أنه قال: (دخلت على عمر بهدا) الحديث السابق ولم
يذكر المسور بن مخرمة فيحتمل كما قال في الفتح أن يكون محفوظًا عن الاثنين، ويأتي مزيد لفوائد هذا الحديث إن شاء الله تعالى في آخر مناقب عثمان.
٣٦٩٣ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَحَمِدَ اللَّهَ. ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ. ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ فَإِذَا عُثْمَانُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ».
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن موسى) بن راشد القطان قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (قال: حدّثني) بالإفراد (عثمان بن غياث) بكسر الغين المعجمة وتخفيف التحتية وبعد الألف مثلثة الباهلي فيما قيل البصري قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (أبو عثمان) عبد الرحمن (النهدي) بفتح النون (عن أبي موسى) الأشعري (﵁) أنه (قال: كنت مع النبي ﷺ في حائط) بستان (من حيطان المدينة) من بساتينها (فجاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ ¬) أي بعد أن استأذنته.
(افتح له وبشره بالجنة) (ففتحت له فإذا أبو بكر) الصديق ﵁ (فبشرته بما قال النبي) ولأبوي ذر والوقت رسول الله (¬ ﷺ ¬). وهو بشره بالجنة (فحمد الله) على ذلك (ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ ¬): (افتح له وبشره بالجنة) (ففتحت له فإذا هو عمر) بن الخطاب ﵁ وسقط لفظ هو لأبي ذر (فأخبرته بما قال النبي ﷺ ¬) بشره بالجنة (فحمد الله) على ذلك (ثم استفتح رجل فقال لي) ﷺ : (افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه) هي قتله في الدار (فإذا عثمان فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ فحمد الله) تعالى عليه (ثم قال: الله المستعان) اسم مفعول أي على ما أنذر به ﷺ فإن ما أخبر به من البلاء يصيبني لا محالة فبالله أستعين على مرارة الصبر عليه وشدة مقاساته.
وهذا الحديث قد مر في مناقب أبي بكر ﵁.
٣٦٩٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ".
[الحديث ٣٦٩٤ - طرفاه في: ٦٢٦٤، ٦٦٣٢].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي سكن مصر (قال: حدّثني) بالإفراد
(ابن وهب) عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (حيوة) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية
стр. 2448
وفتح الواو ابن شريح بالمعجمة المضمومة آخره حاء مهملة الحضرمي المصري (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو عقيل) بفتح العين المهملة وكسر القاف (زهرة بن معبد) بضم الزاي وسكون الهاء ومعبد بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الموحدة البصري (أنه سمع جده عبد الله بن هشام) أي ابن زهرة بن عثمان التيمي ابن عم طلحة بن عبيد الله (قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخد بيد عمر بن الخطاب) ﵁ والأخذ باليد دليل على غاية المحبة وكمال المودة قاله الكرماني.
واقتصر المؤلّف على هذا القدر من هذا الحديث هنا، وساقه تامًّا بهذا الإسناد في الأيمان والنذور وبقيته فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ : "الآن يا عمر".
ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه في محله من الأيمان والنذور بعون الله وقوّته.
٧ - باب مَنَاقِبُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَبِي عَمْرٍو والْقُرَشِيِّ ﵁ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ يَحْفِرْ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ. فَحَفَرَهَا عُثْمَانُ» وَقَالَ: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ. فَجَهَّزَهُ عُثْمَانُ»
(باب مناقب عثمان بن عفان) بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف أسلمت بعد ابنها (أبي عمرو) بفتح العين أي وأبي عبد الله كنيتان مشهورتان والأولى أشهر، ولقبه ذو النورين، فروى خيثمة في الفضائل والدارقطني في الإفراد من حديث علي أنه ذكر عثمان فقال: ذاك امرؤ يدعى في السماء ذا النورين، وعند ابن السماك من حديثه أيضًا نحوه. وعن ابن المهلب بن أبي صفرة قيل له ذلك لأنه لم يعلم أحد تزوج ابنتي نبي غيره، وقيل لأنه كان يختم القرآن في الوتر فالقرآن نور وقيام الليل نور، وقيل لأنه إذا دخل الجنة برقت له برقتين فلذا قيل له ذو النورين (القرشي) يجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف (﵁) وسقط لفظ باب لأبي ذر.
(وقال النبي ﷺ ¬) مما سبق موصولاً في باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا من كتاب الوقف: (من يحفر) بكسر الفاء وبالجزم بمن ولأبي ذر يحفر بالرفع (بئر رومة فله الجنة فحفرها عثمان) ﵁ (وقال) ﷺ (من جهز جيش العسرة) غزوة تبوك (فله الجنة فجهزه عثمان) ﵁ بألف دينار رواه أحمد والترمذي من حديث عبد الرحمن بن سمرة وبثلثمائة بعير كما روياه من حديث عبد الرحمن بن خباب السلمي.
٣٦٩٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا وَأَمَرَنِي بِحِفْظِ بَابِ الْحَائِطِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ
فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَإِذَا عُمَرُ. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ، فَسَكَتَ هُنَيْهَةً ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى سَتُصِيبُهُ، فَإِذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ".
قال حماد وحدّثنا عاصم الأحولُ وعليُّ بن الحَكَم سمعا أبا عثمانَ يُحدِّثُ عن أبي موسى بنحوهِ، وزاد فيه عاصم "أن النبى ﷺ كان قاعدًا في مكان فيه ماءٌ قد كشفَ عن رُكبتَيهِ -أو ركبتِهِ- فلما دخل عثمان غطّاها".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم (عن أيوب) السختياني (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁ أن النبي ﷺ دخل حائطًا) بستاتًا زاد في السابقة قريبًا في الباب قبله من حيطان المدينة (وأمرني بحفظ باب الحائط فجاء رجل يستأذن) في الدخول عليه فذهبت فاستأذنته ﵊ (فقال):
(ائذن له وبشره بالجنة، فإذا أبو بكر ثم جاء آخر يستأذن) في الدخول فاستأذنت له (فقال):
﵇ (ائذن له وبشره بالجنة فإذا عمر ثم جاء آخر يستأذن) في الدخول فاستأذنت له (فسكت) ﵊ (هنيهة) بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية وفتح الهاء مصغرًا شيئًا قليلاً (ثم قال): (ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصببه) بسين قبل الفوقية (فإذا عثمان بن عفان) وزاد رزين في تجريده فقال: اللهم صبرًا.
(قال حماد): هو ابن زيد المذكور بالسند السابق ولأبي ذر حماد بن سلمة والأول أصوب قاله الحافظ ابن حجر وأيّده برواية الطبراني له عن يوسف القاضي عن سليمان بن حرب حدّثنا حماد بن زيد عن أيوب (وحدّثنا عاصم) هو ابن سليمان (الأحول) أبو عبد الرحمن البصري (وعلي بن الحكم) بفتح الحاء المهملة والكاف البناني البصري أنهما (سمعا أبا عثمان) عبد الرحمن بن مل (يحدث عن أبي موسى) الأشعري ﵁ (بنحوه) أي الحديث السابق.
(وزاد فيه عاصم) الأحول دون علي بن الحكم (أن النبي
стр. 2449
ﷺ كان قاعدًا في مكان فيه ماء قد انكشف) وللكشميهني قد كشف (عن ركبتيه) بالتثنية (أو ركبته) بالإفراد شك الراوي واستدلّ به على أنها ليست بعورة (فلما دخل عثمان) عليه (غطاها) استحياء منه لأن عثمان كان مشهورًا بكثرة الحياء فاستعمل معه ﵊ ما يقتضي الحياء.
وفي حديث أنس مرفوعًا مما أخرجه في المصابيح من الحسان "أصدق أمتي حياء عثمان".
وفي حديث ابن عمر عند الملا في سيرته مرفوعًا "عثمان أحيى أمتي وأكرمها" وفي حديث عائشة ﵂ عند مسلم وأحمد أنه قال في عثمان: "ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة".
٣٦٩٦ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يُونُسَ ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ «أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَالَا: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُكَلِّمَ عُثْمَانَ لأَخِيهِ الْوَلِيدِ فَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ؟ فَقَصَدْتُ لِعُثْمَانَ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، وَهِيَ نَصِيحَةٌ لَكَ. قَالَ: يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ منك -قَالَ مَعْمَرٌ: أُرَاهُ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ- فَانْصَرَفْتُ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا، إِذْ جَاءَ رَسُولُ عُثْمَانَ؛ فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: مَا نَصِيحَتُكَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَكُنْتَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ ، فَهَاجَرْتَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْتَ هَدْيَهُ. وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ. قَالَ: أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ خَلَصَ إِلَىَّ مِنْ عِلْمِهِ مَا يَخْلُصُ إِلَى الْعَذْرَاءِ فِي سِتْرِهَا. قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، فَكُنْتُ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَآمَنْتُ بِمَا بُعِثَ بِهِ وَهَاجَرْتُ الْهِجْرَتَيْنِ -كَمَا قُلْتَ- وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَبَايَعْتُهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ. ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ مِثْلُهُ. ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُهُ. ثُمَّ اسْتُخْلِفْتُ، أَفَلَيْسَ لِي مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لَهُمْ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَمَا هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تَبْلُغُنِي عَنْكُمْ؟ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ شَأْنِ الْوَلِيدِ فَسَنَأْخُذُ فِيهِ بِالْحَقِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِدَهُ فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ».
[الحديث ٣٦٩٦ - طرفاه في: ٣٨٧٢، ٣٩٢٧].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (أحمد بن شبيب بن سعيد) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة الأولى الحبطي بفتح الحاء. المهملة والموحدة البصري المدني الأصل قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) شبيب (عن يونس) بن يزيد (قال ابن شهاب): محمد بن مسلم الزهري (أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن عدي بن الخيار) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف التحتية النوفلي (أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث) بالغين المعجمة والمثلثة القرشي المدني الزهري (قالا): لعبيد الله بن عدي بن الخيار (ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه) أي لأجل أخي عثمان لأمه، ولأبي ذر عن الكشميهني: في أخيه (الوليد) بن عقبة بن أبي معيط وكان عثمان ولاه الكوفة بعد أن عزل سعد بن أبي وقاص، وكان عثمان ولاه الكوفة لما ولي الخلافة بوصية من عمر ثم عزله بالوليد سنة خمس وعشرين، وكان سبب ذلك أن سعدًا كان أميرها، وكان عبد الله بن مسعود على بيت المال فاقترض سعد منه مالاً فجاءه يتقاضاه فاختصما فبلغ عثمان فغضب عليهما فعزل سعدًا واستحضر الوليد وكان عاملاً بالجزيرة على عربها فولاه الكوفة نقله في الفتح عن تاريخ الطبري.
(فقد أكثر الناس فيه) أي في الوليد القول لأنه صلّى الصبح أربع ركعات ثم التفت إليهم وقال: أزيدكم وكان سكران أو الضمير يرجع إلى عثمان أي أنكروا على عثمان كونه لم يحد
الوليد بن عقبة، وعزل سعد بن أبي وقاص به مع كون سعد أحد العشرة، واجتمع له من الفضل والسن والعلم والدين والسبق إلى الإسلام ما لم يتفق منه شيء للوليد بن عقبة قال عبيد الله بن عدي (فقصدت لعثمان حتى) ولأبي ذر عن الكشميهني حين (خرج إلى الصلاة قلت) له: (إن لي إليك حاجة وهي) أي الحاجة (نصيحة لك) والواو للحال (قال): أي عثمان (يا أيها المرء منك) أي أعوذ بالله منك وثبت منك لأبي ذر (قال معمر): هو ابن راشد البصري فيما وصله في هجرة الحبشة (أراه) بضم الهمزة أي أظنه (قال: أعوذ بالله منك) فيه تصريح ما أبهم في قوله يا أيها المرء منك، وإنما استعاذ منه خشية أن يكلمه بما يقتضي الإنكار عليه فيضيق صدره بذلك قاله السفاقسي. قوله وسقط قوله أراه قال لأبي ذر: قال عبيد الله بن عدي: (فانصرفت) من عند عثمان (فرجعت إليهما) إلى المسور وعبد الرحمن بن الأسود، وزاد في رواية معمر فحدثتهما بالذي قلت لعثمان وقال لي فقالا قد قضيت الذي كان عليك فبينا أنا جالس معهما (إذ جاء رسول عثمان) ولم يسم (فهييته فقال: ما نصيحتك؟ فقلت) له (إن الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ بالحق) سقطت التصلية لأبي ذر (وأنزل عليه الكتاب وكنت) بتاء الخطاب (ممن استجاب لله ولرسوله ﷺ ¬) وسقطت التصلية لأبي ذر هنا أيضًا (فهاجرت الهجرتين) هجرة الحبشة وهجرة المدينة (وصحبت رسول الله ﷺ ¬) وسقط لأبي ذر لفظ رسول الله الخ (ورأيت هديه) بفتح الهاء وسكون الدال أي طريقه (وقد أكثر الناس) الكلام (في شأن الوليد) بسبب شربه الخمر وسوء سيرته وزاد معمر فحق عليك أن تقيم عليه الحد (قال): عثمان لعبيد الله (أدركت) أي سمعت (رسول الله ﷺ ؟) وأخذت عنه قال: عبيد الله (قلت:
стр. 2450
لا). لم أسمعه ولم يرد نفي الإدراك بالسن فإنه ولد في حياة النبي ﷺ كما سيأتي إن شاء الله تعالى في قصة مقتل حمزة (ولكن خلص) بفتح الخاء واللام بعدهما صاد مهملة أي وصل (إلى من علمه ما يخلص) بضم اللام ما يصل (إلى العذراء) بالذال المعجمة البكر (في سترها) ووجه التشبيه بيان حال وصول علمه ﷺ إليه كما وصل علم الشريعة إلى العذراء من وراء الحجاب لكونه كان شائعًا ذائعًا فوصوله إليه بطريق الأولى لحرصه على ذلك (قال): أي عثمان (أما بعد فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق) سقط التصلية لأبي ذر (فكنت ممن استجاب لله ولرسوله ﷺ وآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين كما قلت) بفتح التاء خطايا لعبيد الله (وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته) من المبايعة بالموحدة (فوالله ما عصيته ولا غششته) بغين وشينين معجمات مع فتح الأولين وسكون الثالث (حتى توفاه الله) زاد أبو ذر (ثم أبو بكر مثله) بالرفع ولأبي ذر مثله بالنصب أي مثل ما فعلت مع النبي ﷺ فما عصيته ولا غششته (ثم عمر مثله) ولأبي ذر مثله بالنصب أي ما عصيته ولا غششته (ثم استخلفت) بضم الفوقية الأولى والأخيرة مبنيًّا للمفعول (أفليس) بهمزة الاستفهام (لي) عليكم (من الحق مثل الذي) كان (لهم؟) علي قال: عبيد الله (قلت): له (بلى. قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟) بسبب تأخير إقامة الحدّ على الوليد وعزل سعد (أما ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله تعالى ثم دعا عليًّا) - رضي الله تعالى عنه - (فأمره أن يجلده) بعد أن شهد عليه رجلان أحدهما
حمران مولى عثمان أنه قد شرب الخمر كما في مسلم، والرجل الآخر الصعب بن جثامة الصحابي رواه يعقوب بن سفيان في تاريخه، وإنما أخّر عثمان إقامة الحد عليه ليكشف عن حال من شهد عليه بذلك، فلما وضح له ذلك الأمر عزله وأمر عليًّا بإقامة الحد عليه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أن يجلد بإسقاط ضمير النصب (فجلده) علي (ثمانين) جلدة.
وفي رواية معمر في هجرة الحبشة فجلد الوليد أربعين جلدة. قال في الفتح: وهذه الرواية أصح من رواية يونس والوهم فيه من الراوي عنه وهو شبيب بن سعيد ويرجح رواية معمر ما في مسلم أن عبد الله بن جعفر جلده وعليّ يعدّ حتى بلغ أربعين فقال: امسك ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين وكلّ سنّة، وهذا أحب إليّ. ومذهب الشافعي أن حدّ الخمر أربعون لما سبق في رواية معمر، وحديث مسلم عن أنس كان النبي ﷺ يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين. نعم للإمام أن يزيد على الأربعين قدرها إن رآه لما سبق عن عمر ورآه عليّ حيث قال: وهذا أحب إليّ وقال: كما في مسلم لأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وحدّ الافتراء ثمانون، وهذه الزيادة على الحد تعازير لا حدٍّ وإلاَّ لما جاز تركه، واعترض بأن وضع التعزير النقص عن الحد فكيف يساويه؟ وأجيب: بأن تلك الجنايات تولدت من الشارب، لكن قال الرافعي: ليس هذا شافيًا فإن الجناية غير متحققة حتى يعزر والجنايات التي تتولد من الخمر لا تنحصر فلتجز الزيادة على الثمانين وقد منعوها. قال: وفي تبليغ الصحابة الضرب ثمانين ألفاظ مشعرة بأن الكل حد وعليه فحد الشارب مخصوص من بين سائر الحدود بأن يتحتم بعضه ويتعلق بعضه باجتهاد الإمام ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى بعون الله في الحدود.
٣٦٩٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ حَدَّثَنَا شَاذَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ". تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بن صالح عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن حاتم بن بزيع) بالحاء المهملة وكسر المثناة الفوقية وبزيع بالموحدة المفتوحة والزاي المكسورة والتحتية الساكنة بعدها عين مهملة قال: (حدّثنا شاذان) بالشين والذال المعجمتين لقب الأسود بن عامر الشامي الأصل ثم البغدادي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون) بضم النون في الفرع صفة لعبد العزيز وبكسرها صفة لأبي سلمة لأن كلا منهما تلقب به
стр. 2451
(عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر) في الفضل (أحدًا) من الصحابة بعد الأنبياء (ثم عمر ثم عثمان) ولأبي ذر ثم عمر ثم عثمان برفع الراء والنون (ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم) وفي لفظ للترمذي وقال: إنه صحيح
غريب كنا نقول: ورسول الله ﷺ حي أبو بكر وعمر وعثمان، وفي آخر عند الطبراني وغيره ما هو أصرح كنا نقول ورسول الله ﷺ حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان فيسمع ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره، ووجه الخطابي ذلك بأنه أراد به الشيوخ وذوي الأسنان منهم الذين كان ﷺ إذا حز به أمر شاورهم فيه، وكان علي ﵁ إذ ذاك حديث السن ولم يرد ابن عمر الازدراء بعلي ولا تأخره ورفعه عن الفضيلة بعد عثمان ففضله مشهور لا ينكره ابن عمر ولا غيره من الصحابة وإنما اختلفوا في تقديم عثمان عليه اهـ.
قال في الفتح: وما اعتذر به من جهة السن بعيد لا أثر له في التفضيل المذكور، والظاهر أن ابن عمر أراد بذلك أنهم كانوا يجتهدون في التفضيل فيظهر لهم فضل الثلاثة ظهورًا بينًا فيجزمون بذلك ولم يكونوا اطلعوا على التنصيص. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون ابن عمر أراد أن ذلك وقع لهم في بعض أزمنته ﷺ فلا يمنع ذلك أن يظهر لهم بعد ذلك، وإلى القول بتفضيل عثمان ذهب الشافعي وأحمد كما رواه البيهقي عنهما وحكاه الشافعي عن إجماع الصحابة والتابعين وهو المشهور عن مالك وكافة أئمة الحديث والفقه وكثير من المتكلمين، وإليه ذهب أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني ولكنهما اختلفا في التفضيل أهو قطعي أم ظني، فالذي مال إليه الأشعري الأول، والذي مال إليه الباقلاني واختاره إمام الحرمين في الإرشاد الثاني، وعبارته لم يقم عندنا دليل قاطع على تفضيل بعض الأئمة على بعض إذ العقل لا يدل على ذلك والأخبار الواردة في فضائلهم متعارضة ولا يمكن تلقي التفضيل ممن منع إمامة المفضول ولكن الغالب على الظن أن أبا بكر ﵁ أفضل الخلائق بعد الرسول ﷺ ثم عمر أفضلهم بعده وتتعارض الظنون في عثمان وعلي.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في السنة.
(تابعه) أي تابع شاذان (عبد الله بن صالح) الجهني كاتب الليث وثبت ابن صالح لأبي ذر (عن عبد العزيز) بن أبي سلمة الماجشون بإسناده المذكور.
٣٦٩٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مَنْ أَهْلِ مِصْرَ حَجَّ الْبَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ. قَالَ: فَمَنِ الشَّيْخُ فِيهِمْ؟ قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَىْءٍ فَحَدِّثْنِي عَنْهُ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الرَّجُلُ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ. أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ. وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ. وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ
أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرُّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ. فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَانَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذي وسقط ابن إسماعيل لأبي ذر قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري قال: (حدّثنا عثمان هو ابن موهب) بفتح الميم والهاء بينهما واو ساكنة آخره موحدة كذا في الفرع والناصرية، وفي الفتح بكسر الهاء مولى بني تميم البصري التابعيّ الوسط من طبقة الحسن البصري (قال: جاء رجل من أهل مصر) لم يعرفه الحافظ ابن حجر، نعم قال في المقدمة قيل إنه يزيد بن بشر السكسكي (حج) ولأبي ذر وحج (البيت) الحرام (فرأى قومًا جلوسًا) أي جالسين لم يسموا (فقال: من هؤلاء القوم؟ قال): ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فقال؛ وله عن الكشميهني فقالوا: (هؤلاء قريش) لم يسم المجيب أيضًا (قال: فمن الشيخ فيهم؟) الذي يرجعون إليه (قالوا): هو (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه هل تعلم أن عثمان فرّ يوم) غزوة (أُحد؟ قال): ابن عمر (نعم فقال): أي الرجل ولأبي ذر قال: هل (تعلم أنه تغيّب) بالغين المعجمة (عن) غزوة (بدر ولم يشهد؟) وقعتها (قال): ابن عمر (نعم. قال) الرجل: (هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان) تحت الشجرة في الحديبية (فلم يشهدها؟ قال): ابن عمر (نعم. قال): الرجل (الله كبر) مستحسنًا لجواب ابن عمر لكونه مطابقًا لمعتقده (قال ابن عمر): مجيبًا له ليزيل اعتقاده (تعال أبين لك) بالجزم (أما فراره يوم
стр. 2452
أُحد فأشهد أن الله) (عفا عنه وغفر له) في قوله: ﴿ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾ [آل عمران: ١٥٥] (وأما تغيبه عن بدر فإنه كان) كذا في الفرع كان بغير تاء تأنيث وفي اليونينية والناصرية وغيرهما كانت (تحته بنت رسول الله ﷺ ¬) رقية براء مضمومة وقاف مفتوحة وتحتية مشددة (وكانت مريضة) فأمره النبي ﷺ بالتخلف هو وأسامة بن زيد كما في مستدرك الحاكم وأنها ماتت حين وصل زيد بن حارثة بالبشارة وكان عمرها عشرين سنة (فقال له رسول الله ﷺ ¬):
(إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه) فقد حصل له المقصود الأخروي والدنيوي (وأما تنيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه) ﵊ (مكانه) أي مكان عثمان (فبعث رسول الله ﷺ عثمان) إلى أهل مكة ليعلم قريشًا أنه إنما جاء معتمرًا لا محاربًا (وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة) فشاع في غيبة عثمان أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين فاستعد المسلمون للقتال وبايعهم النبي ﷺ حينئذٍ تحت الشجرة أن لا يفروا (فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى) أي مشيرًا بها (هذه يد عثمان) أي بدلها (فضرب بها على يده) اليسرى (فقال) أي للرجل (ابن عمر: اذهب بها) أي بالأجوبة التي أجبتك بها (الأن معك) حتى يزول عنك ما كنت تعتقده من عيب عثمان.
٣٦٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُمْ قَالَ: «صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ أُحُدًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ، فَقَالَ: اسْكُنْ أُحُدُ -أَظُنُّهُ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ- فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد (عن سعيد عن قتادة) بن دعامة (أن أنسًا ﵁ حدثهم قال: صعد النبي ﷺ ¬) بكسر العين (أُحدًا) الجبل المشهور (ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف) أي اضطرب الجبل بهم ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فرجفت أي الصخرة كما في حديث أبي هريرة عند مسلم بلفظ: كان رسول الله ﷺ على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة (وقال) ﵊ للجبل ولأبي ذر فقال:
(أسكن أُحد) بالبناء على الضم منادى مفرد حذف منه الأداة قال أنس: (أظنه ضربه برجله) الشريفة (فليس عليك إلا نبي وصديق) أبو بكر (وشهيدان) عمر وعثمان ورواية حراء تدل على التعدد، وقع في حديث أبي ذر تقديم حديث أنس هذا على سابقه.
٨ - باب قِصَّةُ الْبَيْعَةِ، وَالاِتِّفَاقُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَفِيهِ مَقْتَلُ عُمَرَ بْنِ الخَطَابِ ﵄ -
(باب) ذكر (قصة البيعة) بعد عمر بن الخطاب (و) ذكر (الاتفاق على) تقديم (عثمان بن عفان) ﵁ في الخلافة على غيره ولفظ باب ثابت لأبي ذر ساقط لغيره فالقصة والاتفاق رفع، وسقط الباب والترجمة للكشميهني والمستملي (وفيه) أي في الباب (مقتل عمر ﵄) وسقط قوله وفيه الخ للكشميهني والمستملي.
٣٧٠٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: "رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِأَيَّامٍ بِالْمَدِينَةِ وَقَفَ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: كَيْفَ فَعَلْتُمَا؟ أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قَدْ حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ؟ قَالَا: حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ، مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ. قَالَ: انْظُرَا أَنْ تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ. قَالَا: لَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَئِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ لأَدَعَنَّ أَرَامِلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا. قَالَ: فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ رَابِعَةٌ حَتَّى أُصِيبَ. قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلاَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ -وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ: اسْتَوُوا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلاً تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ أَوِ النَّحْلَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي -أَوْ أَكَلَنِي- الْكَلْبُ، حِينَ طَعَنَهُ، فَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ، لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَلَا شِمَالاً إِلاَّ طَعَنَهُ، حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً
مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا، فَلَمَّا ظَنَّ الْعِلْجُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ. وَتَنَاوَلَ عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فَمَنْ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رَأَى الَّذِي أَرَى، وَأَمَّا نَوَاحِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ وَهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ. فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلَاةً خَفِيفَةً، فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، انْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي. فَجَالَ سَاعَةً، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: غُلَامُ الْمُغِيرَةِ. قَالَ: الصَّنَعُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَمَرْتُ بِهِ مَعْرُوفًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الإِسْلَامَ، قَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ الْعُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَكْثَرَهُمْ رَقِيقًا. فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ فَعَلْتُ -أَىْ إِنْ شِئْتَ قَتَلْنَا. قَالَ: كَذَبْتَ، بَعْدَ مَا تَكَلَّمُوا بِلِسَانِكُمْ، وَصَلَّوْا قِبْلَتَكُمْ، وَحَجُّوا حَجَّكُمْ؟ فَاحْتُمِلَ إِلَى بَيْتِهِ، فَانْطَلَقْنَا مَعَهُ، وَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ: فَقَائِلٌ يَقُولُ: لَا بَأْسَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: أَخَافُ عَلَيْهِ. فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ. ثُمَّ أُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ، فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَجَاءَ النَّاسُ يُثْنُونَ عَلَيْهِ. وَجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ لَكَ، مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدَمٍ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ وَلِيتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهَادَةٌ. قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَفَافٌ لَا عَلَيَّ وَلَا لِي. فَلَمَّا أَدْبَرَ إِذَا إِزَارُهُ يَمَسُّ الأَرْضَ، قَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلَامَ. قَالَ: يا ابْنَ أَخِي، ارْفَعْ ثَوْبَكَ، فَإِنَّهُ أَبْقَى لِثَوْبِكَ وَأَنْقَى لِرَبِّكَ. يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، انْظُرْ مَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ. فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهُ. قَالَ: إِنْ وَفَى لَهُ مَالُ آلِ عُمَرَ فَأَدِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَإِلاَّ فَسَلْ فِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنْ لَمْ تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَسَلْ فِي قُرَيْشٍ، وَلَا تَعْدُهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، فَأَدِّ عَنِّي هَذَا الْمَالَ. انْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلَامَ -وَلَا تَقُلْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا- وَقُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ. فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي فَقَالَ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السَّلَامَ وَيَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ. فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، وَلأُوثِرَنَّ بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي. فَلَمَّا أَقْبَلَ قِيلَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ جَاءَ. قَالَ: ارْفَعُونِي. فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَذِنَتْ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَىْءٍ أَهَمُّ إِلَىَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنَا قَضَيْتُ احْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمْ فَقُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَأَدْخِلُونِي، وَإِنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَجَاءَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ وَالنِّسَاءُ تَسِيرُ مَعَهَا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قُمْنَا، فَوَلَجَتْ عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ، فَوَلَجَتْ دَاخِلاً لَهُمْ، فَسَمِعْنَا بُكَاءَهَا مِنَ الدَّاخِلِ. فَقَالُوا: أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اسْتَخْلِفْ. قَالَ: مَا أَجِدُ أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ -أَوِ الرَّهْطِ- الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ عَنْهُمْ رَاضٍ: فَسَمَّى عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَسَعْدًا
وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ: يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الأَمْرِ -كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ- فَإِنْ أَصَابَتِ الإِمْرَةُ سَعْدًا فَهْوَ ذَاكَ، وَإِلاَّ فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ وَقَالَ: أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَيَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ. وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا، الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَأَنْ يُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ. وَأُوصِيهِ بِأَهْلِ الأَمْصَارِ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ رِدْءُ الإِسْلَامِ، وَجُبَاةُ الْمَالِ وَغَيْظُ الْعَدُوِّ، وَأَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ إِلاَّ فَضْلُهُمْ عَنْ رِضَاهُمْ. وَأُوصِيهِ بِالأَعْرَابِ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ أَصْلُ الْعَرَبِ، وَمَادَّةُ الإِسْلَامِ، أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ وَيُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ، أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلاَّ طَاقَتَهُمْ. فَلَمَّا قُبِضَ خَرَجْنَا بِهِ فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي فَسَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. قَالَتْ: أَدْخِلُوهُ. فَأُدْخِلَ، فَوُضِعَ هُنَالِكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ. فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَلِيٍّ. فَقَالَ طَلْحَةُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عُثْمَانَ، وَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَيُّكُمَا تَبَرَّأَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ فَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالإِسْلَامُ لَيَنْظُرَنَّ أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ؟ فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَفَتَجْعَلُونَهُ إِلَىَّ وَاللَّهُ عَلَىَّ أَنْ لَا آلُوَ عَنْ أَفْضَلِكُمْ؟ قَالَا: نَعَمْ. فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَالَ: لَكَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَدَمُ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، فَاللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ، وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ. ثُمَّ خَلَا بِالآخَرِ فَقَالَ: لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ، فَبَايَعَهُ، فَبَايَعَ لَهُ عَلِيٌّ، وَوَلَجَ أَهْلُ الدَّارِ فَبَايَعُوهُ".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن حصين) بضم الحاء مصغرًا ابن عبد الرحمن الكوفي (عن عمرو بن ميمون) بفتح العين الأودي أنه (قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب) بالقتل (بأيام) أربعة (بالمدينة) الشريفة (وقف) ولأبى ذر عن الكشميهني: ووقف (على حذيفة بن اليمان) صاحب سر رسول الله ﷺ (وعثمان بن حنيف) بضم الحاء المهملة وفتح النون آخره فاء مصغرًا ابن وهب الأنصاري الصحابي - رضي الله تعالى عنهما -، وكان عمر قد بعثهما يضربان على أرض السواد الخراج وعلى أهلها الجزية (قال) عمر لهما: (كيف فعلتما) في أرض سواد العراق حين توليتما مسحها (أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض) المذكورة من الخراج (ما لا تطيق؟) حمله (قالا): مجيبين له قد (حملناها) أي الأرض (أمرًا هي له مطبقة ما فيها كبير فضل) بالموحدة لا بالمثلثة (قال) عمر ﵄ لهما: (انظرا) أي احذرا (أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق. قل) عمر بن ميمون (قالا): أي حذيفة
стр. 2453
وابن حنيف (لا) ما حملناها فوق طاقتها (فقال عمر: لئن سلمني الله تعالى
لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدًا. قال: فما أتت عليه إلا رابعة) أي صبيحة رابعة (حتى أصيب) بالطعن بالسكين (قال) عمرو بن ميمون: (إني لقائم) في الصف انتظر صلاة الصبح (ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب) بنصب غداة على الظرف مضافًا إلى الجملة أي صبيحة الطعن (وكان) ﵁ (إذا مر بين الصفين قال) للناس: (استووا حتى إذا لم ير فيهن) أي الصفوف ولأبي ذر عن الكشميهني فيهم بالميم بدل النون أي أهل الصفوف (خللاً تقدم فكبر) تكبيرة الإحرام (وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك) ولأبي ذر بسورة يوسف أو النحل بموحدة قبل السين أو نحو ذلك (في الركعة الأولى) والشك من الراوي (حتى يجتمع الناس) للصلاة (فما هو إلا أن كبّر) للإحرام (فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه) أبو لؤلؤة فيروز العلج غلام المغيرة بن شعبة والشك من الراوي، وقيل ظن أنه كلب عضه، وكان عمر فيما رواه الزهري مما رواه ابن سعد بإسناد صحيح لا يأذن للسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة فذكر له غلامًا عنده صنعًا ويستأذنه أن يدخله المدينة ويقول: إن عنده أعمالاً تنفع الناس إنه حداد نقاش نجار فأذن له فضرب عليه كل شهر مائة فشكا إلى عمر شدة الخراج فقال له: خراجك ليس بكثير في جنب ما تعمل، فانصرف ساخطًا، فلبث عمر ليالي فمرّ به العبد فقال: ألم أحدث أنك تقول لو أشاء لصنعت رحا تطحن بالريح فالتفت إليه عابسًا فقال: لأصنعن لك رحا يتحدث الناس بها، فأقبل عمر على من معه فقال: توعدني العبد فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وسطه فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج عمر ﵁ يوقظ الناس الصلاة الصلاة وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنا عمر وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرة قد خرقت الصفاق وهي التي قتلته.
(فطار العلج) بكسر العين المهملة وبعد اللام الساكنة جيم وهو الرجل من كفار العجم الشديد والمراد أبو لؤلؤة أي أسرع في مشيه (بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يميتًا ولا شمالاً) وسقط لفظ لا من قوله ولا شمالاً من رواية أبي ذر (إلا طعنه) بها (حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم سبعة) بالموحدة بعد المهملة وفي نسخة باليونينية تسعة بالفوقية قبل المهملة منهم كليب بن البكير الليثي الصحابي وعاش الباقون (فلما رأى ذلك رجل من المسلمين) وفي ذيل الاستيعاب لابن فتحون أنه من المهاجرين يقال له خطان التميمي اليربوعي (طرح عليه برنسًا) بضم الموحدة والنون بينهما راء ساكنة قلنسوة طويلة، وقيل كساء يجعله الرجل في رأسه (فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر) ﵁ (يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه) إلى الصلاة بالناس. قال عمرو بن ميمون (فمن يلي عمر؟) أي من الناس (فقد رأى الذي أرى) من طعن العلج لعمر (وأما) الذين في (نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا) بفتح القاف (صوت عمر) في الصلاة (وهم يقولون): متعجبين (سبحان الله سبحان الله) مرتين (فصلى بهم عبد الرحمن) بن عوف ﵁ (صلاة خفيفة) وفي رواية أبي إسحاق السبيعيّ عند ابن أبي
شيبة بأقصر سورتين في القرآن: ﴿إنّا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: ١]، و ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] (فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس انظر من قتلني فجال) ابن عباس (ساعة) بالجيم (ثم جاء فقال): قتلك (غلام المغيرة. قال): عمر (الصنع؟) بفتح الصاد المهملة والنون الصانع الحاذق في صناعته (قال): ابن عباس (نعم. قال): عمر (قاتله الله) والله (لقد أمرت به معروفًا) بفتح همزة أمرت (الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي) بميم مكسورة فتحتية ساكنة ففوقيتين أولاهما مفتوحة أي قتلتي، ولأبي ذر عن الكشميهني منيتي بفتح الميم وكسر النون والتحتية المشددة واحد المنايا (بيد رجل يدعي
стр. 2454
الإسلام) بل على يد رجل مجوسي وهو أبو لؤلؤة ثم قال عمر يخاطب ابن عباس: (قد كنت أنت وأبوك) العباس (تحبان أن تكثرا العلوج بالمدينة) وعند عمر بن شبة من طريق ابن سيرين قال: بلغني أن العباس قال لعمر لما قال: لا تدخلوا علينا من السبي إلا الوصفاء إن عمل المدينة شديد لا يستقيم إلا بالعلوج (وكان العباس أكثرهم رقيقًا) وثبت لفظ العباس لأبي ذر (فقال) ابن عباس ﵄ يخاطب عمر (إن شئت فعلت) بضم تاء فعلت وفسره بقوله (أي إن شئت قتلنا) من بالمدينة من العلوج (قال) عمر لابن عباس ولأبي ذر فقال: (كذبت) تقتلهم (بعد ما تكلموا بلسانكم وصلّوا قبلتكم) أي إلى قبلتكم (وحجوا حجّكم) أي فهم مسلمون والمسلم لا يجوز قتله وتكذيبه له هو على ما ألف من شدته في الدين.
(فاحتمل) عمر ﵁ (إلى بيته فانطلقنا معه وكأن الناس) بتشديد النون بعد الهمزة (لم تصبهم مصيبة قبل يومئذٍ فقائل يقول: لا بأس) عليه (وقائل يقول أخاف عليه فأتي بنبيذ) بالمعجمة متخذ من تمر نقع في ماء غير مسكر (فشربه) لينظر ما قدر جرحه (فخرج من جوفه) أي جرحه وهي رواية الكشميهني قال في الفتح: وهو أصوب، وفي رواية أبي رافع عند أبي يعلى وابن حبان فخرج النبيذ فلم يدر أهو نبيذ أم دم (ثم أتي بلبن فشربه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فشرب بإسقاط ضمير المفعول (فخرج من جرحه) أبيض ولأبي ذر من جوفه (فعلموا) ولأبي ذر عن الكشميهني فعرفوا (أنه ميت) من جراحته (فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون) بضم أوله ولأبي ذر عن الكشميهني وجاء الناس فجعلوا يثنون (عليه) خيرًا.
(وجاء رجل شاب) زاد في رواية جرير عن حصين السابقة في الجنائز من الأنصار (فقال أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله) (لك من صحبة رسول الله ﷺ وقدم) بفتح القاف والتنوين أي فضل ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وقدم بكسر القاف أي سبق (في الإسلام ما قد علمت) في موضع رفع على الابتداء خبره لك مقدما (ثم وليت) بفتح الواو وتخفيف اللام الخلافة (فعدلت) في الرعية (ثم شهادة) بالرفع والتنوين عطفًا على ما قد علمت (قال) عمر - رضي الله تعالى عنه - (وددت) بكسر الدال الأولى وبسكون الأخرى أي أحببت (أن ذلك كفاف) بفتح الكاف وللأصيلي وابن عساكر كفافا بالنصب اسم إن (لا عليّ ولا لي) أي سواء بسواء لا عقاب ولا ثواب. وعند ابن سعد أن ابن عباس أثنى على عمر نحوًا من هذا وهو محمول على التعدد، وعنده من حديث جابر ﵁ أن ممن أثنى عليه عبد الرحمن بن عوف ﵁،
وعند ابن أبي شيبة أن المغيرة بن شعبة أثنى عليه وقال له: هنيئًا لك الجنة (فلما أدبر) الرجل الشاب (إذا إزاره يمس الأرض) لطوله (قال): عمر ﵁ (ردّوا عليّ الغلام) فلما جاءه (قال: ابن أخي) ولأبي ذر يا ابن أخي (ارفع ثوبك) عن الأرض (فإنه أبقى) بالموحدة، وللحموي والمستملي أنقى بالنون لثوبك (وأتقى لربك) ، ثم قال لابنه (يا عبد الله بن عمر انظر ما عليّ من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوه قال: إن وفى) بتخفيف الفاء (له) للدين (مال آل عمر فأده من أموالهم) أي مال عمر ألفًا مقحمة أو المراد رهط عمر (وإلا) بإن لم يف (فسل في بني عدي بن كعب) وهم البطن الذي هو منهم (فإن لم تف أموالهم) بذلك (فسل في قريش) قبيلتهم (ولا تعدهم) بسكون العين أي لا تتجاوزهم (إلى غيرهم فأدّ عني هذا المال) وفي حديث جابر عند ابن أبي عمر أن عمر ﵁ قال لابنه: ضعها في بيت مال المسلمين، وأن عبد الرحمن بن عوف سأله فقال: أنفقتها في حجج حججتها ونوائب كانت تنوبني ثم قال: (انطلق إلى عائشة أم المؤمنين) ﵂ (فقل) لها (يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا) قال: ذلك لتيقنه بالموت حينئذ وإشارة إلى عائشة حتى لا تحابيه لكونه أمير المؤمنين قاله السفاقسي (وقل) لها
стр. 2455
(يستأذن) أي يستأذنك (عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه) النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ في الحجرة فأتى إليها ابن عمر (فسلم) عليها (واستأذن) ـها في الدخول (ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي) من أجله (فقال): لها (يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت: كنت أريده ولأوثرن) ـه (به) لأخصنه بالدفن عند صاحبيه (اليوم على نفسي فلما أقبل) ابن عمر على منزل أبيه بعد أن فارق عائشة ﵂ (قيل) لعمر (هذا عبد الله بن عمر قد جاء قال) عمر: (ارفعوني) من الأرض كأنه كان مضطجعًا فأمرهم أن يقعدوه (فأسنده رجل) لم يسم أو هو ابن عباس (إليه فقال): لابنه (ما لديك؟ قال: الذي تحب) بحذف ضمير النصب (يا أمير المؤمنين أذنت. قال: الحمد لله ما كان من شيء أهم) بالنصب خبر كان وسقط لأبي ذر لفظ من (إلي) بتشديد الياء (من ذلك) الذي أذنت فيه (فإذا أنا قضيت) وفي نسخة قبضت (فاحملوني) إلى الحجرة بعد تجهيزي (ثم سلّم) عليها فإذا أفرغت (فقل): لها (يستأذنـ) ك (عمر بن الخطاب) أن يدفن مع صاحبيه (فإن أذنت لي فادخلوني وإن ردتني ردّوني إلى مقابر المسلمين) خاف ﵁ أن يكون الإذن الأول حياء منه لصدوره في حياته وأن ترجع بعد موته.
(وجاءت أم المؤمنين بن حفصة) بنت عمر إليه (والنساء تسير معها فلما رأيناها قمنا) بألف بعد النون فيهما (فولجت عليه) أي دخلت على عمر (فبكت) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فمكثت (عنده ساعة واستأذن الرجال) في الدخول على عمر (فولجت) دخلت حفصة (داخلاً لهم) مدخلاً لأهلها وسقط قوله من الفرع وثبت في اليونينية وغيرها (فسمعنا بكاءها من) المكان (الداخل فقالوا): أي الرجال لعمر (أوص) بفتح الهمزة (يا أمير المؤمنين استخلف) وقيل القائل عبد الله بن عمر (قال): عمر (ما أجد) بجيم مكسورة (أحق) وفي نسخة ما أحد أحق،
وللكشميهني ما أجد بالجيم أحدًا أحق (بهذا الأمر) أي يمر المؤمنين (من هؤلاء النفر أو الرهط) بالشك من الراوي (الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض فسمى عليًّا وعثمان والزبير) بن العوّام (وطلحة) بن عبيد الله (وسعدًا) هو ابن أبي وقاص (وعبد الرحمن) بن عوف (وقال): أي عمر (يشهدكم) بسكون الدال في الفرع وفي اليونينية بالضم أي يحضركم (عبد الله بن عمر وليس له من الأمر) أي أمر الخلافة (شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة) بكسر الهمزة وسكون الميم ولأبي ذر عن الكشميهني الإمارة بكسر الهمزة (سعدًا فهو ذاك) أهل لها (وإلا) بإن لم تصبه (فليستعن به) بسعد (أيكم) فاعل يستعن (ما أمر) بضم الهمزة وتشديد الميم المكسورة مبنيًّا للمفعول أي ما دام أميرًا (فإني لم أعزله) عن الكوفة (عن) ولأبي ذر من (عجز) في التصرف (ولا خيانة) في المال (وقال): أي عمر (أوصي) بضم الهمزة (الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين) الذين صلوا إلى القبلتين أو الذين أدركوا بيعة الرضوان (أن) بأن (يعرف لهم حقهم ويحفظ) نصب عطفًا على يعرف (لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار) الأوس والخزرج خيرًا (﴿الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم﴾) [الحشر: ٩] لزموا المدينة والإيمان وتمكنوا فيهما قبل مجيء الرسول ﷺ وأصحابه إليهم، أو تبوأوا دار الهجرة ودار الإيمان فحذف المضاف من الثاني والمضاف إليه وعوض عنه اللام أو تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله:
علفتها تبنًا وماء باردًا
وقيل سمى المدينة بالإيمان لأنها مظهره ومصيره (أن) أي بأن (يقبل من محسنهم) بضم التحتية (وأن يعفى عن مسيئهم وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا) بالميم (فإنهم ردء الإسلام) بكسر الراء وسكون الدال المهملة وبالهمزة أي عونه (وجباة المال) بضم الجيم وفتح الموحدة المخففة جمع جاب أي يجمعون المال (وغيظ العدوّ) أي يغيظون العدو بكثرتهم وقوتهم (وأن لا يؤخذ) ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: ولا يؤخذ (منهم إلا فضلهم عن
следующие страницы →