Полный текст (4 743 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
النبي ﷺ (قد سألناه صدقة) مفعول ثان لسأل زاد الواقدي ونحن لا نجد ما نأكل (وإنه قد عنّانا) بفتح العين وتشديد النون الأولى أتعبنا وكلفنا المشقّة (وإني قد أتيتك أستسلفك قال) كعب: (وأيضًا) أي زيادة على ما ذكرت (والله لتملنه) بفتح الفوقية والميم وضم اللام وفتح النون المشددتين أي لتزيدن ملالتكم وضجركم (قال) محمد بن مسلمة: (إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه) أي نتركه (حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه) أي حاله (وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين) بفتح الواو وكسرها والوسق كما في القاموس وغيره حمل بعير وهو ستون صاعًا والصاع أربعة أمداد كل مد رطل
وثلث، والشك من الراوي عليّ بن المديني كما قاله ابن حجر أو سفيان كما قاله الكرماني.
(وحدّثنا عمرو) هو ابن دينار (غير مرة فلم يذكر وسقًا أو وسقين فقلت له فيه) في الحديث (وسقًا أو وسقين) بنصبهما على الحكاية ولأبوي ذر والوقت وسق أو وسقان (فقال): أي عمرو (أرى) بضم الهمزة أي أظن (فيه) في الحديث (وسقًا أو وسقين فقال) كعب: (نعم ارهنوني) بهمزة وصل وفتح الهاء كاللاحقين وفي الفرع الأولى بهمزة قطع وكسر الهاء أي أعطوني رهنًا على التمر الذي تريدونه (فقالوا أي شيء تريد) أن نرهنك (قال: ارهنوني) بألف الوصل وفتح الهاء في الفرع كأصله (نساءكم. قالوا: كيف نرهنك نساءنا) بفتح حرف المضارعة لأن ماضيه رهن ثلاثي قيل وفيه لغة أرهن (وأنت أجمل العرب) والنساء يملن إلى الصور الجميلة. زاد ابن سعد من مرسل عكرمة ولا نأمنك وأي امرأة تمتنع منك لجمالك (قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب) بضم التحتية وفتح المهملة (أحدهم) بالرفع مفعولاً نائبًا عن فاعله (فيقال رهن) بضم الراء وكسر الهاء (بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكنا نرهنك اللأمة) بالهمزة وإبدالها ألفًا.
(قال سفيان) بن عيينة: (يعني) باللأمة (السلاح) والذي قاله أهل اللغة أنها الدرع فيكون إطلاق السلاح عليها من إطلاق اسم الكل على البعض ومراده أن لا ينكر كعب السلاح عليهم إذا أتوه وهو معهم كما في رواية الواقدي (فواعده أن يأتيه فجاءه) محمد بن مسلمة (ليلاً ومعه أبو نائلة) بنون وبعد الألف همزة سلكان بن سلامة (وهو أخو كعب من الرضاعة) ونديمه في الجاهلية (فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فنزل إلينا.
وعند ابن إسحاق وأبي عمر أن محمد بن مسلمة والأربعة المذكورين قدموا إلى كعب قبل أن يأتوا أبا نائلة سلكان فلما أتاه قال له: ويحك يا ابن الأشرف إنني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني. قال: افعل. قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبل حتى جاع العيال وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا، فقال كعب: أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن أم سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول. فقال سلكان: إني قد أردت أن تبيعنا طعامًا ونرهنك ونوثق لك. قال: أترهنوني أبناءكم ونساءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا أنت أجمل العرب وكيف نرهنك نساءنا أم كيف نرهنك أبناءنا فيعير أحدهم فيقال: رهن بوسق أو وسقين إن معي أصحابًا على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء. فقال: إن في الحلقة لوفاء فرجع أبو نائلة إلى أصحابه وأخبرهم الخبر وأمرهم أن يأخذوا السلاح ويأتوا رسول الله ﷺ ففعلوا واجتمعوا عند رسول الله ﷺ فمشى معهم إلى بقيع الفرقد ثم وجههم وقال: انطلقوا على اسم الله. وقال: اللهم أعِنهم ورجع عنهم وكانت ليلة مقمرة حتى انتهوا إلى حصنه فهتف به أبو نائلة اهـ.
ففيه أن الذي خاطب كعبًا بذلك أولاً هو أبو نائلة وهو الذي هتف به وهو مخالف لرواية
الصحيح من أنه محمد بن مسلمة فيحتمل كما في الفتح أن يكون كل منهما كلّمه في ذلك. وقال في المصابيح: إنه محمد بن مسلمة وكلامه مع كعب كان أولاً عند المفاوضة في حديث الاستسلاف وركونه
стр. 2627
لرضيعه أبي نائلة إنما هو ثاني الحال عند نزوله إليهم من الحصن.
(فقالت امرأته): لم يقف الحافظ ابن حجر على اسمها (أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة و) قال سفيان (قال: غير عمرو) بفتح العين ابن دينار وبين الحميدي في روايته عن سفيان أن الغير الذي أبهمه هنا هو العبسي (قالت): أي امرأة كعب له (أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم) كناية عن طالب شر، وعند ابن إسحاق فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشر. (قال) كعب: (إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة إن الكريم لو) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: إذا (دعي إلى طعنة بليل لأجاب. قال: ويدخل) بضم التحتية وكسر المعجمة (محمد بن مسلمة معه رجلين) ولأبي ذر: ويدخل بفتح التحتية وضم المعجمة معه محمد بن مسلمة برجلين بزيادة الموحدة (قيل لسفيان سماهم عمرو) أي ابن دينار (قال: سمى بعضهم قال عمرو: جاء معه برجلين، وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر) بفتح العين المهملة وبعد الموحدة الساكنة مهملة واسمه عبد الرحمن وجبر بفتح الجيم وسكون الموحدة ضد الكسر الأنصاري الأشهلي (والحارث بن أوس) واسم جده معاذ (وعباد بن بشر) بفتح العين وتشديد الموحدة وبشر بموحدة مكسورة ومعجمة ساكنة ابن وقش السابق ذكرهم (قال عمرو: جاء معه برجلين فقال) لهم (إذا ما جاء) كعب (فإني قائل بشعره) أي آخذ به والعرب تطلق القول على غير الكلام مجازًا ولأبي ذر عن الكشميهني فإني مائل بشعره (فأشمه) بفتح الشين المعجمة (فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم) فخذوه بأسيافكم (فاضربوه، وقال) عمرو (مرة ثم أشمكم) بضم الهمزة وكسر الشين أي أمكنكم من الشم (فنزل إليهم) كعب من حصنه (حال كونه متوشحًا) بثوبه (وهو ينفح) بفتح الفاء في اليونينية وغيرها وبالحاء المهملة آخره يفوح (منه ريح الطيب، فقال) محمد بن مسلمة لكعب: (ما رأيت كاليوم ريحًا أي أطيب) وكان حديث عهد بعرس (وقال غير عمرو، قال) كعب: (عندي أعطر نساء العرب) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أعطر سيد العرب. قال في الفتح: فكأن سيد تصحيف من نساء فإن كانت محفوظة فالمعنى أعطر نساء سيد العرب على الحذف. وعند الواقدي أن كعبًا كان يدهن بالمسك الفتيت والعنبر حتى يتلبد في صدغيه (وأكمل العرب) وعند الأصيلي كما في الفتح وأجمل بالجيم بدل الكاف قال: وهي أشبه (قال عمرو): في روايته (فقال) محمد بن مسلمة لكعب: (أتأذن لي أن أشم رأسك)؟ بفتح الهمزة والشين المعجمة (قال: نعم فشمه ثم أشمّ أصحابه ثم قال): له مرة ثانية (أتأذن لي) أن أشم رأسك (قال: نعم فلما استمكن منه) محمد بن مسلمة (قال): لأصحابه (دونكم) خذوه بأسيافكم (فقتلوه ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه) بقتله.
وهذا الحديث سبق مختصرًا بهذا الإسناد في باب رهن السلاح.
١٦ - باب قَتْلُ أَبِي رَافِعٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ
وَيُقَالُ سَلاَّمُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ كَانَ بِخَيْبَرَ وَيُقَالُ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: هُوَ بَعْدَ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ.
(باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق) بضم الحاء المهملة وفتح القاف الأولى مصغرًا اليهودي (ويقال) اسمه (سلام بن أبي الحقيق) بتشديد اللام (كان بخيبر، ويقال): كان (في حصن له بأرض الحجاز، وقال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب مما وصله يعقوب بن سفيان في تاريخه عن حجاج بن أبي منيع عن جده عنه (هو) أي قتل أبي رافع (بعد) قتل (كعب بن الأشرف) قال ابن سعد: في رمضان سنة ست وقيل غير ذلك.
٤٠٣٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا إِلَى أَبِي رَافِعٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلاً وَهْوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق بن نصر) نسبه لجده واسم أبيه إبراهيم السعدي المروزي قال: (حدّثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي قال: (حدّثنا ابن أبي زائدة) يحيى (عن أبيه) زكريا بن أبي زائدة ميمون أو خالد الكوفي القاضي (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء بن عازب ﵄) وسقط لأبي ذر ابن عازب أنه (قال: بعث رسول الله ﷺ رهطًا) ما دون العشرة من الرجال، وعند الحاكم أنهم كانوا أربعة منهم عبد الله بن عتيك (إلى أبي رافع) ليقتلوه بسبب أنه كان
стр. 2628
حزّب الأحزاب عليه ﷺ (فدخل عليه عبد الله بن عتيك) بفتح الحين المهملة وكسر الفوقية وسكون التحتية بعدها كاف الأنصاري (بيته) بفتح الموحدة وسكون التحتية، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: بيته بفتح التحتية مشددة بلفظ الماضي من التبييت والجملة حالية بتقدير قد أي دخل على أبي رافع عبد الله بن عتيك والحال أنه قد بيت الدخول (ليلاً) أي في الليل (وهو) أي والحال أن أبا رافع (نائم فقتله) كذا أورده مختصرًا.
وسبق في الجهاد في باب قتل النائم المشرك عن علي بن مسلم عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة مطولاً نحو رواية إبراهيم بن يوسف الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى.
٤٠٣٩ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالاً مِنَ الأَنْصَارِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُعِينُ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لأَصْحَابِهِ:
اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ، لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ، فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ، ثُمَّ عَلَّقَ الأَغَالِيقَ عَلَى وَتَدٍ قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى الأَقَالِيدِ فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ الْبَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ، وَكَانَ فِي عَلَالِيَّ لَهُ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ قُلْتُ إِنِ الْقَوْمُ نَذِرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَىَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ، لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنَ الْبَيْتِ؟ فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا، وَصَاحَ فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ؟ فَقَالَ: لأُمِّكَ الْوَيْلُ إِنَّ رَجُلاً فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ، قَالَ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ظُبَةَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الأَبْوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الأَرْضِ فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَانْكَسَرَتْ سَاقِي فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ، فَقُلْتُ: لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ، فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ النَّجَاءَ فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ لِي: «ابْسُطْ رِجْلَكَ» فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ.
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي قال: (حدّثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن موسى) بن باذام العبسي الكوفي وهو أيضًا شيخ المؤلّف روي عنه هنا بالواسطة (عن إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي إسحاق) السبيعي (عن البراء بن عازب) ﵁ وثبت ابن عازب لأبي ذر أن (قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع) عبد الله أو سلام (اليهودي رجالاً من الأنصار) سمي منهم في هذا الباب اثنين (فأمّر) بالفاء وتشديد الميم ولأبي ذر: وأمر (عليهم عبد الله بن عتيك) بفتح العين المهملة وكسر الفوقية ابن قيس بن الأسود بن سلمة بكسر اللام (وكان أبو رافع) اليهودي (يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه) وهو الذي حزّب الأحزاب يوم الخندق وعند ابن عائذ من طريق أبي الأسود عن عروة أنه كان ممن أعان غطفان وغيرهم من بطون العرب بالمال الكثير على رسول الله ﷺ (وكان) أبو رافع (في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا) بفتح الدال والنون قربوا (منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم) بفتح السين وكسر الحاء المهملتين بينهما راء ساكنة أي رجعوا بمواشيهم التي ترعى وتسرح وهي السائمة من الإبل والبقر والغنم (فقال): ولأبي ذر: وقال (عبد الله) بن عتيك (لأصحابه) الآتي إن شاء الله تعالى تعيينهم في هذا الباب (اجلسوا مكانكم فإني منطلق) إلى حصن أبي رافع (ومتلطف للبواب لعليّ أن
أدخل) إلى الحصن (فأقبل) ابن عتيك (حتى دنا من الباب ثم تقنّع) تغطى (بثوبه) ليخفي شخصه كي لا يعرف (كأنه يقضي حاجة وقد دخل الناس فهتف به) أي ناداه (البواب: يا عبد الله) ولم يرد به العلم بل المعنى الحقيقي لأن الناس كلهم عبيد الله (إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب فدخلت فكمنت) بفتح الكاف والميم أي اختبأت (فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق) بالعين المهملة واللام المشددة (الأغاليق) بالهمزة المفتوحة والغين المعجمة أي المفاتيح التي يغلق بها ويفتح (على وتد) بفتح الواو وكسر الفوقية ولأبي ذر: ودّ بتشديد الدال أي الوتد فأدغم الفوقية بعد قلبها دالاً في تاليها (قال) ابن عتيك: (فقمت إلى الأقاليد) بالقاف أي المفاتيح (فأخدتها ففتحت الباب وكان أبو رافع يسمر) بضم أوله وسكون ثانيه مبنيًّا للمفعول أي يتحدث (عنده) بعد العشاء (وكان في علاليّ له) بفتح العين وتخفيف اللام وبعد الألف لام أخرى مكسورة فتحتية مفتوحة مشددة جمع عليه بضم العين وكسر اللام مشددة وهي الغرفة (فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت عليّ) بتشديد التحتية (من داخل قلت إن القوم) بكسر النون مخففة وهي الشرطية دخلت على فعل محذوف يفسره ما بعد مثل: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ [التوبة: ٩] (انذروا) بكسر الذال المعجمة أي علموا (بي لم يخلصوا) بضم اللام (إليّ) بتشديد التحتية (حتى أقتله فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله) بسكون السين (لا أدري أين هو من البيت. فقلت): بالفاء قبل القاف ولأبوي ذر والوقت: قلت بإسقاطها (أبا رافع) لأعرف موضعه ولأبي ذر: يا أبا رافع (فقال: من هذا؟ فأهويت) أي قصدت (نحو) صاحب (الصوت فأضربه) لما وصلت إليه (ضربة بالسيف)
стр. 2629
بلفظ المضارع وكان الأصل أن يقول: ضربته مبالغة لاستحضار صورة الحال (وأنا) أي والحال (دهش) بفتح الدال المهملة وكسر الهاء بعدها شين معجمة ولأبي ذر: داهش بألف بعد الدال (فما أغنيت شيئًا) أي فلم أقتله (وصاح) أبو رافع (فخرجت من البيت فأمكث) بهمزة قبل الميم آخره مثلثة (غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل) مبتدأ مؤخر خبره لأمك أي الويل لأمك وهو دعاء عليه (إن رجلاً في البيت ضربني قبل بالسيف قال) ابن عتيك: (فاضربه ضربة أثخنته) بفتح الهمزة وسكون المثلثة وفتح الخاء المعجمة والنون بعدها فوقية أي الضربة وفي نسخة بسكون النون وضم الفوقية أي بالغت في جراحته (ولم أقتله ثم وضعت ظبّة السيف) بضم الظاء المشالة المعجمة وفتح الموحدة المخففة بعدها هاء تأنيث في الفرع وأصله أي حدّ السيف. (في بطنه).
قال في المحكم: الظبة حدّ السيف والسنان والنصل والخنجر وما أشبه ذلك، والجمع ظبات وظبون ظبًّا، ولأبي ذر ضبيب بالمعجمة غير المشالة وموحدتين بينهما تحتية ساكنة بوزن رغيف.
قال الخطابي: هكذا يروى وما أراه محفوظًا وإنما هو ظبة السيف. قال: والضبيب لا معنى له هنا لأنه سيلان الدم من الفم، وفي رواية له أيضًا بضم الضاد كما في الفرع وأصله، ولأبي ذر أيضًا كما في المشارق: صبيب بالصاد المهملة المفتوحة وكذا ذكره الحربي وأظنه طرفه.
(حتى أخذ في ظهره فعرفت) حينئذ (أني قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي) بالإفراد (وأنا أرى) بضم الهمزة أي أظن (أني قد انتهيت إلى الأرض) وكان ضعيف البصر (فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة) بتخفيف الصاد (ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج) وفي نسخة في اليونينية لا أبرح (الليلة حتى أعلم أقتلته) أم لا. (فلما صاح الديك قام الناعي) بالنون والعين المهملة خبر موته (على السور فقال: أنعي) بفتح الهمزة (أبا رافع تاجر أهل الحجاز) بفتح عين أنعي قال السفاقسي: هي لغة والمعروف أنعو (فانطلقت إلى أصحابي فقلت) لهم (النجاء) مهموز ممدود منصوب مفعول مطلق والمد أشهر إذا أفرد فإن كرر قصر أي أسرعوا (فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته) بما وقع (فقال لي):
(أبسط رجلك) التي انكسر ساقها (فبسطت رجلي فمسحها) بيده المباركلة (فكأنها) أي فكأن رجلي ولأبوي ذر والوقت فكأنما بالميم بدل الهاء (لم أشتكها قط).
٤٠٤٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا شُرَيْحٌ هُوَ ابْنُ مَسْلَمَةَ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ فِي نَاسٍ مَعَهُمْ فَانْطَلَقُوا حَتَّى دَنَوْا مِنَ الْحِصْنِ فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ: امْكُثُوا أَنْتُمْ حَتَّى أَنْطَلِقَ أَنَا فَأَنْظُرَ قَالَ: فَتَلَطَّفْتُ أَنْ أَدْخُلَ الْحِصْنَ فَفَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ، قَالَ: فَخَرَجُوا بِقَبَسٍ يَطْلُبُونَهُ قَالَ: فَخَشِيتُ أَنْ أُعْرَفَ قَالَ: فَغَطَّيْتُ رَأْسِي كَأَنِّي أَقْضِي حَاجَةً ثُمَّ نَادَى صَاحِبُ الْبَابِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فَلْيَدْخُلْ قَبْلَ أَنْ أُغْلِقَهُ، فَدَخَلْتُ ثُمَّ اخْتَبَأْتُ فِي مَرْبِطِ حِمَارٍ عِنْدَ بَابِ الْحِصْنِ فَتَعَشَّوْا عِنْدَ أَبِي رَافِعٍ وَتَحَدَّثُوا حَتَّى ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ فَلَمَّا هَدَأَتِ الأَصْوَاتُ وَلَا أَسْمَعُ حَرَكَةً خَرَجْتُ قَالَ: وَرَأَيْتُ صَاحِبَ الْبَابِ حَيْثُ وَضَعَ مِفْتَاحَ الْحِصْنِ فِي كَوَّةٍ فَأَخَذْتُهُ فَفَتَحْتُ بِهِ بَابَ الْحِصْنِ، قَالَ: قُلْتُ إِنْ نَذِرَ بِي الْقَوْمُ انْطَلَقْتُ عَلَى مَهَلٍ، ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ فَغَلَّقْتُهَا عَلَيْهِمْ مِنْ ظَاهِرٍ، ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فِي سُلَّمٍ فَإِذَا الْبَيْتُ مُظْلِمٌ قَدْ طَفِئَ سِرَاجُهُ فَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: فَعَمَدْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ وَصَاحَ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا؟ قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ كَأَنِّي أُغِيثُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا أَبَا رَافِعٍ؟ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي، فَقَالَ: أَلَا أُعْجِبُكَ لأُمِّكَ الْوَيْلُ؟ دَخَلَ عَلَىَّ رَجُلٌ فَضَرَبَنِي بِالسَّيْفِ، قَالَ: فَعَمَدْتُ لَهُ أَيْضًا فَأَضْرِبُهُ أُخْرَى فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا فَصَاحَ وَقَامَ أَهْلُهُ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي كَهَيْئَةِ الْمُغِيثِ، فَإِذَا هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَأَضَعُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ ثُمَّ أَنْكَفِئُ عَلَيْهِ حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَ الْعَظْمِ، ثُمَّ خَرَجْتُ دَهِشًا حَتَّى أَتَيْتُ السُّلَّمَ أُرِيدُ أَنْ أَنْزِلَ فَأَسْقُطُ مِنْهُ فَانْخَلَعَتْ رِجْلِي فَعَصَبْتُهَا ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي أَحْجُلُ فَقُلْتُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا فَبَشِّرُوا
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِنِّي لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ، فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ صَعِدَ النَّاعِيَةُ فَقَالَ أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ، قَالَ: فَقُمْتُ أَمْشِي مَا بِي قَلَبَةٌ، فَأَدْرَكْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ ﷺ فَبَشَّرْتُهُ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن عثمان) بن حكيم الأودي الكوفي قال: (حدّثنا شريح) بضم الشين المعجمة آخره مهملة (هو ابن مسلمة) بالميم واللام المفتوحتين الكوفي وسقط هو لأبي ذر قال: (حدّثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه) يوسف بن إسحاق (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو السبيعي أنه قال: (سمعت البراء) زاد أبو ذر وابن عساكر ابن عازب (﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع) عبد الله بن أبي الحقيق (عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة) بضم العين المهملة وسكون الفوقية ولم يذكر إلا في هذا الطريق، وفي مبهمات الجلال البلقيني أن في الصحابة عبد الله بن عتبة اثنان أحدهما مهاجري وهو عبد الله بن عتبة بن مسعود، والآخر عبد الله بن عتبة أبو قيس الذكواني، والأول غير مراد قطعًا لأن من أثبت صحبته ذكر أنه خماسي السن أو سداسيه فتعين الثاني. وهذه القصة من مفردات الخزرج، وزاد الذهبي ثالثًا وهو عبد الله بن عتبة أحد بني نوفل له ذكر في زمن الردة نقله وتتمته عند ابن إسحاق وقال: في الذكواني قيل له صحبة (في ناسٍ معهم) هو مسعود بن سنان الأسلمي حليف بني سلمة وعبد الله بن أنيس بضم الهمزة مصغرًا الجهني، وأبو قتادة الأنصاري فارس رسول الله ﷺ وخزاعي بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي وبالعين المهملة ابن الأسود بن خزاعي الأسلمي حليف الأنصار، وقيل هو أسود بن خزاعي
стр. 2630
وقيل أسود بن حزام (فانطلقوا حتى دنوا) قربوا (من الحصن) الذي فيه أبو رافع (فقال لهم عبد الله بن عتيك: امكثوا أنتم) بالمثلثة (حتى أنطلق أنا فأنظر) بالنصب عطفًا على أنطلق (قال): ابن عتيك فجئت (فتلطفت أن أدخل الحصن ففقدوا) بفتح القاف (حمارًا لهم قال: فخرجوا بقبس) بشلة نار (يطلبونه قال: فخشيت أن أعرف) بضم الهمزة وفتح الراء (فغطيت رأسي) بثوب (ورجلي) بالإفراد كذا في الفرع وأصله لكنهما ضببا عليها وللأربعة وجلست (كأني أقضي حاجة ثم نادى صاحب الباب) الذي يفتحه ويغلقه (من أراد أن يدخل) ممن يسمر عند أبي رافع (فليدخل قبل أن أغلقه) بضم الهمزة قال ابن عتيك (فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار) كائن (عند باب الحصن) وباء مربط مكسورة (فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا) عنده (حتى ذهبت) بتاء التأنيث، ولأبي ذر وابن عساكر: ذهب (ساعدة من الليل ثم رجعوا إلى بيوتهم) بالحصن (فلما هدأت الأصوات) بالهمزة المفتوحة في هدأت أي سكنت. وقال السفاقسي: هدت بغير همز ولا ألف ووجهه في المصابيح بأنه خفف الهمزة المفتوحة بإبدالها ألفًا مثل منسأة فالتقت هي والتاء الساكنة فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، قال: وهذا وإن كان على غير قياس لكنه يستأنس به لئلا يحمل اللفظ على الخطأ المحض. اهـ.
وصوّب السفاقسي الهمز ولم أتركه في أصل من الأصول التي رأيتها فالله أعلم. (ولا أسمع حركة خرجت) من مربط الحمار الذي اختبأت فيه (قال: ورأيت صاحب الباب) الموكل به (حيث
وضع مفتاح الحصن في كوّة) بفتح الكاف وتضم وتشديد الواو وهاء التأنيث والكوّة الخرق في الحائط والتأنيث للتصغير والتذكير للتكبير (فأخذته ففتحت به باب الحصن قال: قلت إن نذر بي القوم) بكسر الذال المعجمة أي علموا بي (انطلقت على مهل) بفتح الميم والهاء (ثم عمدت) بفتح الميم (إلى أبواب بيوتهم) بالحصن (فغلقتها عليهم من ظاهر) بالغين المعجمة المفتوحة وتشديد اللام، ولأبي ذر: فغلقتها بتخفيفها ولأبي ذر عن الكشميهني فأغلقتها بالألف قال ابن سيده: غلق الباب وأغلقه هي لغة التنزيل وغلقت الأبواب، وقال سيبويه: غلقت الأبواب أي بالتشديد للتكثير وقد يقال: أغلقت أي بالألف يريد بها التكثير قال: وهو عربي جيد وقال ابن مالك: غلقت وأغلقت بمعنى، وقال في القاموس: غلق الباب يغلقه لغية أو لغة رديئة في أغلقه. (ثم صعدت) بكسر العين (إلى أبي رافع في سلّم) بضم السين وتشديد اللام مفتوحة بوزن سكر في مرقاة (فإذا البيت) الذي هو فيه (مظلم قد طفئ سراجه) بفتح الطاء وفي نسخة بضمها (فلم أدر أين الرجل) أبو رافع (فقلت: يا أبا رافع. قال: من هذا؟ قال): ابن عتيك وسقط لفظ قال، ولأبي ذر (فعمدت) بفتح الميم (نحو) صاحب (الصوت فأضربه) بهمزة مقطوعة بلفظ المضارع مبالغة لاستحضار صورة الحال (وصاح) أبو رافع (فلم تغن) فلم تنفع الضربة (شيئًا قال) ابن عتيك: (ثم جئت كأني أغيثه) بهمزة مضمومة فغين معجمة مكسورة ومثلثة من الإغاثة (فقلت: ما لك)؟ بفتح اللام أي ما شأنك (يا أبا رافع وغيّرت صوتي؟ فقال: ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (أعجبك لأمك الويل) الجار والمجرور خبر تاليه (دخل عليّ) بتشديد الياء (رجل فضربني بالسيف قال: فعمدت له أيضًا فأضربه) ضربة (أخرى فلم تغن شيئًا فصاح وقام أهله). وعند ابن إسحاق فصاحت امرأته فنوّهت بنا فجعلنا نرفع السيف عليها ثم نذكر نهي النبي ﷺ عن قتل النساء فنكفّ عنها (قال: ثم جئت) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فجئت (وغيّرت صوتي كهيئة المغيث) له (فإذا) بالفاء، ولابن عساكر: وإذا (هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه ثم أنكفئ) بفتح الهمزة وسكون النون أي أنقلب (عليه حتى سمعت صوت العظم ثم خرجت) حال كوني (دهشًا) بكسر الهاء (حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها). استشكل مع قوله في السابقة
стр. 2631
فانكسرت. وأجيب: بأنها انخلعت من المفصل وانكسرت من الساق أو المراد من كل منهما مجرد اختلال الرجل (ثم أتيت أصحابي أحجل) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وضم الجيم بعدها لام أمشي مشي المقيد فحجل البعير على ثلاثة والغلام على واحدة (فقلت) لهم: (انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ ¬) بقتله (فإني لا أبرح حتى) إلى أن (أسمع الناعية) تخبر بموته (فلما كان في وجه الصبح) مستقبله (صعد الناعية فقال: أنعي) بفتح العين (أبا رافع) وقال الأصمعي: إن العرب إذا مات فيهم الكبير ركب راكب فرسًا وسار فقال: نعي فلان (قال: فقمت أمشي ما بي قلبة) بفتح القاف واللام أي تقلب واضطراب من جهة علة الرجل (فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشرته) بقتل أبي رافع.
واستشكل قوله فقمت أمشي ما بي قلبة مع قوله السابق فمسحها فكأنها لم أشكها. وأجيب:
بأنه لا يلزم من عدم التقلب عوده إلى حالته الأولى وعدم بقاء الأثر فيها، ولعله اشتغل عن شدة الألم والاهتمام به وبما وقع له من الفرح فأعين على المشي ثم لما أتى النبي ﷺ ومسح عليه زال عنه جميع الآلام.
١٧ - باب غَزْوَةِ أُحُدٍ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٣] وَقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلَا ﴿بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآيَةَ.
(باب غزوة أُحُد) بضم أوله وثانيه معًا وكانت عنده الوقعة العظيمة في شوال سنة ثلاث، وسقط لأبي ذر لفظ باب فالتالي مرفوع (وقول الله تعالى) جر أو رفع (﴿وإذ غدوت من أهلك﴾) واذكر يا محمد إذ خرجت غدوة من أهلك بالمدينة والمراد غدوّة من حجرة عائشة ﵂ إلى أحد (﴿تُبوِّئ المؤمنين﴾) تنزلهم وهو حال (﴿مقاعد للقتال﴾) مواطن ومواقف من الميمنة والميسرة والقلب والجناحين للقتال يتعلق بتبؤئ (﴿والله سميع﴾) لأقوالكم (﴿عليم﴾) [آل عمران: ١٢١]. بنياتكم وضمائركم (وقوله جل ذكره: (﴿ولا تهنوا﴾) ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم من الهزيمة (﴿ولا تحزنوا﴾) على ما فاتكم من الغنيمة أو على من قتل منكم أو جرح وهو تسلية من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أُحُد وتقوية لقلوبهم (﴿وأنتم الأعلون﴾) وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أُحُد وأنتم الأعلون بالنصر والظفر في العاقبة وهي بشارة بالعلو والغلبة وأن جندنا لهم الغالبون (﴿إن كنتم مؤمنين﴾) جوابه محذوف فقيل تقديره: فلا تهنوا ولا تحزنوا، وقيل تقديره: إن كنتم مؤمنين علمتم أن هذه الوقعة لا تبقى على حالها وأن الدولة تصير للمؤمنين (﴿إن يمسسكم قرح﴾) بفتح القاف، والأخوان وأبو بكر بضمها بمعنى فقيل الجرح نفسه، وقيل المصدر أو المفتوح الجرح والمضموم ألمه (﴿فقد مسّ القوم قرح مثله﴾) للنحويين في مثل هذا تأويل وهو أن يقدروا شيئًا، مستقبلاً لأنه لا يكون التعليق إلا في المستقبل وقوله: فقد مس القوم قرح مثله ماض محقق وذلك
التأويل هو التبيين أي: فقد تبين مس القرح للقوم، وهذا خطاب للمسلمين حين انصرفوا من أُحُد مع الكآبة يقول: إن يمسسكم ما نالوا منكم يوم أُحُد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يمنعهم عن معاودتكم إلى القتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا (﴿وتلك﴾) مبتدأ (﴿الأيام﴾) صفته والخبر (﴿نداولها﴾) نصرفها أو الأيام خبر لتلك ونداولها جملة حالية العامل فيها معنى اسم الإشارة أي أشير حال كونها مداولة (﴿بين الناس﴾) أي أن مسارّ الأيام لا تدوم وكذلك مضارّها فيوم يكون السرور لإنسان والغم لعدوّه ويوم آخر بالعكس، وليس المراد من هذه المداولة أن الله تارة ينصر المؤمنين وآخر ينصر الكافرين لأن نصر الله تعالى منصب شريف لا يليق بالكافر، بل المراد أنه تارة يشدد المحنة على الكافر وتارة على المؤمن فعلى المؤمن أدبًا في الدنيا وعلى الكافر غضبًا عليه (﴿وليعلم الله الذين آمنوا﴾) أي نداولها لضروب من التدبير وليعلم الله المؤمنين مميزين بالصبر والإيمان من غيرهم كما علمهم قبل الوجود (﴿ويتخذ منكم شهداء﴾) وليكرم ناسًا منكم بالشهادة يريد المستشهدين يوم أُحُد وسموا به لأنهم أحياء وحضرت أرواحهم
стр. 2632
دار السلام وأرواح غيرهم لا تشهدها أو لأن الله وملائكته شهدوا لهم بالجنة (﴿والله لا يحب الظالمين﴾) اعتراض بين بعض التعليل وبعض ومعناه: والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيله وهم المنافقون والكافرون (﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾) التمحيص التخليص من الشيء المعيب وقيل هو الابتلاء والاختبار قال:
رأيت فضيلاً كان شيئًا ملففًا … فكشفه التمحيص حتى بدا ليا
(﴿ويمحق الكافرين﴾) ويهلك الكافرين الذين حاربوه ﵊ يوم أُحُد لأنه تعالى لم يمحق كل الكفار بل بقي منهم كثير على كفرهم والمعنى إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم (﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾) أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار أي لا تحسبوا (﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾) أي ولما تجاهدوا لأن العلم متعلق بالمعلوم فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقه لأنه منتف بانتفائه تقول ما علم الله في فلان خيرًا أي ما فيه خير حتى يعلمه ولما بمعنى لم إلا أن فيه ضربًا من التوقيع فدلّ على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل. كذا قرره الزمخشري، وتعقبه أبو حيان فقال: هذا الذي قاله في لما أنها تدل على توقع الفعل المنفي بها فيما يستقبل لا أعلم أحدًا من النحويين ذكره، بل ذكروا أنك إذا قلت لما يخرج زيد دل ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلاً نفيه إلى وقت الإخبار أما أنها تدل على توقعه في المستقبل فلا، اهـ.
قال في الدر: النحاة إنما فرقوا بينهما من جهة أن المنفي بلم هو فعل غير مقرون بقد ولما نفي له مقرونًا بها وقد تدل على التوقع فيكون كلام الزمخشري صحيحًا من هذه الجهة.
(﴿ويعلم الصابرين﴾) نصب بإضمار أن والواو بمعنى الجمع نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن يعني أن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد لا يجتمعان (﴿ولقد كنتم تمنون الموت
من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾) [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٣]. سقط لأبي ذر وابن عساكر من قوله: ﴿وأنتم الأعلون﴾ الخ .. وقالا إلى قوله: ﴿وأنتم تنظرون﴾.
(وقوله) تعالى: (﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾) حقق (﴿إذ تحسونهم﴾) أي تستأصلونهم قتلاً (﴿بإذنه﴾) بأمره وعلمه (﴿حتى إذ فشلتم﴾) ضعفتم وجبنتم (﴿وتنازعتم في الأمر﴾) أي اختلفتم حين انهزم المشركون فقال بعضهم: انهزم القوم فما مقامنا فأقبلتم على الغنيمة. وقال آخرون: ما نتجاوز أمر رسول الله ﷺ (﴿وعصيتم﴾) أمر نبيكم ﷺ بترككم المركز واشتغالكم بالغنيمة (﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾) من الظفر وقهر الكفار ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ الغنيمة وهم الذين تركوا المركز لطلب الغنيمة (﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾) وهم الذين ثبتوا مع عبد الله بن جبير حتى قتلوا (﴿ثم صرفكم عنهم﴾) أي كف معونته عنكم فغلبوكم (﴿ليبتليكم﴾) ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على الإيمان عندها (﴿ولقد عفا عنكم﴾) حيث ندمتم على ما فرط منكم من عصيان أمره ﷺ (﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾) [آل عمران: ١٥٢]. بالعفو عنهم وقبول توبتهم وسقط لابن عساكر من قوله: ﴿بإذنه﴾ الخ .. وقال: في رواية أبي ذر قتلاً ﴿بإذنه﴾ إلى قوله: ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾.
(وقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا﴾) الآية [آل عمران: ١٦٩].
الذين مفعول أول وأمواتًا مفعول ثان والفاعل إما ضمير كل مخاطب أو ضمير الرسول ﷺ وسقط قوله الآية لأبي ذر وابن عساكر.
٤٠٤١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: «هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ».
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الصغير قال: (أخبرنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن عكرمة عن ابن عباس ﵄) أنه (قال، قال النبي ﷺ يوم أُحد):
(هذا جبريل) ﵇ (آخد برأس فرسه عليه أداة الحرب) هذا الحديث من مراسيل الصحابة ﵃، ولعل ابن عباس ﵄ حمله عن أبي بكر
стр. 2633
﵁، فقد ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ في يوم بدر خفق خفقة ثم انتبه فقال: "أبشر يا أبا بكر هذا جبريل ﵇ آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه الغبار".
وقد سبق الحديث في باب شهود الملائكة بدرًا بسنده ومتنه لكن بلفظ قال رسول الله ﷺ يوم بدر بدل قوله هنا يوم أُحُد وهو الصواب المعروف لا يوم أُحُد، ولذا سقط من رواية أبي ذر وغيره من المتقنين ولم يثبت إلا في رواية أبي الوقت والأصيلي ولعله وهم من راو أو ناسخ والله أعلم.
٤٠٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ وَإِنِّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا». قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحيم) صاعقة قال: (أخبرنا زكريا بن عدي) أبو يحيى الكوفي قال: (أخبرنا ابن المبارك) عبد الله (عن حيوة) بن شريح الحضرمي الكندي (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد المصري (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله (عن عقبة بن عامر) الجهني ﵁ أنه (قال: صلّى رسول الله ﷺ على قتلى أُحُد بعد ثماني) بالياء بعد النون ولابن عساكر: ثمان (سنين) فيه تجوّز لأن وقعة أُحُد كانت في شوال سنة ثلاث ووفاته ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة وحينئذ فتكون بعد سبع سنين ودون النصف فهو من باب جبر الكسر.
زاد في الجنائز كغزوة أُحُد صلاته على الميت، والمراد أنه ﷺ دعا لهم بدعاء صلاة الميت والإجماع يدل له لأنه لا يصلّي عليه عند الشافعية، وعند أبي حنيفة المخالف لا يصلّي على القبر بعد ثلاثة أيام (كالمودّع للأحياء والأموات ثم طلع) بفتح اللام في الفرع (المنبر فقال):
(إني بين أيديكم فرط) بفتح الفاء والراء، وزاد في الجنائز لكم كغزوة أُحُد أي أنا سابقكم إلى الحوض كالمهيئ له لأجلكم وفيه إشارة إلى قرب وفاته (وأنا عليكم شهيد) بأعمالكم (وأن موعدكم) يوم القيامة (الحوض وإني لأنظر إليه) نظرًا حقيقيًا بطريق الكشف (من مقامي هذا) بفتح ميم مقامي الأولى (وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا) بالله. زاد في الجنائز كالآتي آخر غزوة أُحُد بعدي أي لست أخشى على جميعكم الإشراك بل على مجموعكم لأن ذلك قد وقع من بعضهم (ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها) بإسقاط إحدى التاءين أي ترغبوا فيها (قال) عقبة: (فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ ¬).
وقد سبق هذا الحديث في الجنائز في باب الصلاة على الشهيد.
٤٠٤٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: لَقِينَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ وَقَالَ: «لَا تَبْرَحُوا إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا تَبْرَحُوا وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَا» فَلَمَّا لَقِينَا هَرَبُوا حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الْجَبَلِ رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيرٍ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا تَبْرَحُوا فَأَبَوْا فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلاً وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: «لَا تُجِيبُوهُ»،
فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ: «لَا تُجِيبُوهُ»، فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قُتِلُوا فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لأَجَابُوا فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُحْزِنُكَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أُعْلُ هُبَلْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَجِيبُوهُ» قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ» قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَجِيبُوهُ» قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ وَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي.
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن موسى) بن باذام الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن عبيد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب (﵁) أنه (قال: لقينا المشركين يومئذ) أي يوم أُحُد وكانوا ثلاثة آلاف رجل ومعهم مائتا فارس، وجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وعلى الخيل صفوان بن أمية أو عمرو بن العاص، وعلى الرماة عبد الله بن ربيعة، وكان فيهم مائة رام وكان المسلمون مع رسول الله ﷺ سبعمائة وفرسه ﵊ وفرس أبي بردة بن نيار (وأجلس النبي ﷺ ¬) بفتح الهمزة واللام (جيشًا من الرماة) بضم الراء بالنبل وكانوا خمسين رجلاً (وأمّر) بتشديد الميم (عليهم عبد الله) بن جبير بن النعمان أخا بني عمرو بن عوف (وقال):
(لا تبرحوا) من مكانكم، وفي رواية زهير في الجهاد حتى أرسل إليكم. وعند ابن إسحاق فقال: انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتوننا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك (إن رأيتمونا ظهرنا عليهم) غلبناهم (فلا تبرحوا) من مكانكم (وإن رأيتموهم) يعني المشركين (ظهروا علينا فلا تعينونا).
وعن ابن سعد في الطبقات: وكان أول من أنشب الحرب بينهم أبو عامر الفاسق طلع في خمسين من فومه فنادى: أنا أبو عامر، فقال المسلمون: لا مرحبًا بك ولا أهلاً يا فاسق، فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ومعه عبيد قريش فتراموا بالحجارة هم والمسلمون حتي ولى أبو عامر وأصحابه، وجعل نساء المشركين يضربن بالدفوف والغرابيل ويحرضن ويذكرنهم قتلى بدر ويقلن:
стр. 2634
نحن بنات طارق … نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق … أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
(فلما لقينا) بحذف المفعول ولابن عساكر: لقيناهم وجعل الرماة يرشقون خيلهم بالنبل فتولوا هوارب، فصاح طلحة بن أبي طلحة صاحب اللواء: من يبارز فبرز له علي بن أبي طالب فالتقيا بين الصفين فبدره علي فضربه على رأسه حتى فلق هامته فوقع وهو كبش الكتيبة، فسرّ
رسول الله ﷺ بذلك وأظهر؛ وكبّر المسلمون وشدوا على كتائب المشركين يضربونهم حتى نقضت صفوفهم، ثم حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة أبو شيبة وهو أمام النسوة يرتجز ويقول:
إن على أهل اللواء حقًّا … أن تخضب الصعدة أوتندقا
وحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى مؤتزره وبدا سحره، ثم حمله أبو سعيد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص فأصاب حنجرته فأدلع لسانه إدلاع الكلب فقتله، ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتله، ثم حمله الحارث بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت فقتله، ثم حمله كلاب بن أبي طلحة بن عبيد الله فقتله الزبير بن العوّام، ثم حمله الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة بن عبيد الله، ثم حمله أرطأة بن شرحبيل فقتله عليّ بن أبي طالب، ثم حمله شريح بن قارظ فلسنا ندري من قتله، ثم حمله صوّاب غلامهم فقال قائل: قتله سعد بن أبي وقاص، وقال قائل: قتله علي بن أبي طالب، وقال قائل: قتله قزمان وهو أثبت الأقوال، فلما قتل أصحاب اللواء (هربوا) أي المشركون منهزمين لا يلوون (حتى رأيت النساء) المشركات (يشتددن) بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة وفتح الفوقية وكسر المهملة الأولى وسكون الثانية بعدها نون أي يسرعن المشي (في الجبل) ولابن عساكر: يتشددن بتحتية ففوقية فمعجمة فمهملة مشددة مفتوحات، ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني: يسندن بتحتية مضمومة فسين مهملة ساكنة فنون مكسورة فدال مهملة ساكنة فنون أي يصعدن في الجبل (رفعن) ولأبي ذر: يرفعن (عن سوقهن) جمع ساق ليعينهن ذلك على سرعة الهرب (قد بدت) ظهرت (خلاخلهن) وسمى ابن إسحاق النساء المذكورات: هند بنت عتبة خرجت مع أبي سفيان، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشام، وبرزة بنت مسعود الثقفية مع صفوان بن أمية وهي والدة ابن صفوان، وريطة بنت شيبة السهمية مع زوجها عمرو بن العاص وهي والدة ابنة عبد الله، وسلامة بنت سعد عن زوجها طلحة بن أبي طلحة الحجبي، وخناس بنت مالك والدة مصعب بن عمير وعمرة بنت علقمة بن كنانة.
(فأخذوا) أي المسلمون (يقولون) خذوا (الغنيمة) خذوا (الغنيمة. فقال عبد الله بن جبير: عهد إليّ) بتشديد التحتية (النبي ﷺ أن لا تبرحوا) من مكانكم (فأبوا) وقالوا: لم يرد رسول الله ﷺ هذا قد انهزم المشركون فما مقامنا هاهنا ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم، وثبت أميرهم عبد الله في نفر يسير دون العشرة مكانه وقال: لا أجاوز أمر رسول الله ﷺ (فلما أبَوْا صرف وجوههم) أي تحيروا فلم يدروا أين يذهبون. ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله فكرّ بالخيل وتبعه عكرمة بن أبي جهل وحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم وقتل أميرهم عبد الله بن جبير، وانتقضت صفوف المسلمين واستدارت رحاهم
وحالت الريح فصارت دبورًا وكانت قبل ذلك صبا، ونادى إبليس لعنه الله: إن محمدًا قد قتل، واختلط المسلمون فصاروا يقتلون على غير شعار ويضرب بعضهم بعضًا ما يشعرون به من العجلة والدهش. (فأصيب سبعون قتيلاً) من المسلمين وذكرهم ابن سيد الناس فزادوا على المائة، وقيل: إن السبعين من الأنصار خاصة، وثبت رسول الله ﷺ ما زال يرمي عن قوسه حتى
стр. 2635
صارت شظايا ويرمي بالحجر، وثبت معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلاً سبعة من المهاجرين منهم: أبو بكر الصديق، وسبعة من الأنصار وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة حتى خلص العدوّ إلى رسول الله ﷺ فقذف بالحجارة حتى وقع لشقه وأصيبت رباعيته وشجّ في وجهه وكلمت شفته، وكان الذي أصابه من ضربة وجعل الدم يسيل على وجهه.
(وأشرف) اطلع (أبو سفيان) صخر بن حرب (فقال: أفي القوم محمد)؟ بهمزة الاستفهام.
زاد ابن سعد ثلاثًا (فقال) النبي ﷺ : (لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة)؟ أبو بكر الصديق (قال) ﵊: (لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب)؟ عمر ثم أقبل أبو سفيان على أصحابه (فقال: إن هؤلاء قتلوا) وقد كفيتموهم (فلو كانوا أحياء لأجابوا فلم يملك عمر نفسه فقال) له: (كذبت يا عدوّ الله) إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد (أبقى الله عليك) ولأبي ذر وابن عساكر: لك (ما يحزنك) بالتحتية المضمومة وسكون الحاء المهملة بعدها نون مضمومة أو بالمعجمة وبعدها تحتية ساكنة ثم (قال أبو سفيان: أعل) بضم الهمزة وسكون العين المهملة وضم اللام يا (هبل) بضم الهاء وفتح الموحدة بعدها لام اسم صنم كان في الكعبة أي أظهر دينك أو زد علوًّا أو ليرتفع أمرك ويعز دينك فقد غلبت (فقال النبي ﷺ : أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال) ﵊: (قولوا الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم) تأنيث الأعز بالزاي اسم صنم لقريش (فقال النبي ﷺ : أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا الله مولانا) ولينا وناصرنا (ولا مولى لكم) أي لا ناصر لكم فالله تعالى مولى العباد جميعًا من جهة الاختراع ومالك التصرف ومولى المؤمنين خاصة من جهة النصرة (قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر) أي هذا يوم بمقابلة يوم بدر، وكان النبي ﷺ وأصحابه يوم بدر أصابوا من المشركين أربعين ومائة سبعين أسيرًا وسبعين قتيلاً، وفي أُحُد استشهد من الصحابة سبعون كما مرّ (والحرب سجال) أي نوب نوبة لك ونوبة لنا (وتجدون) ولأبي ذر عن الكشميهني: وستجدون (مثلة) بضم الميم وسكون المثلثة أي بمن استشهد من المسلمين كجدع الآذان والأنوف (لم آمر بها) أن تفعل بهم، وسقط لابن عساكر والكشميهني لفظ بها (و) الحال أنها (لم تسؤني) وإن كنت ما أمرت بها.
وعند ابن إسحاق عن صالح بن كيسان قال: خرجت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك خدمًا وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها اللاتي كنّ عليها لوحشي جزاء له على قتله حمزة، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تسغها فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت:
نحن جزيناكم بيوم بدر … والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر … ولا أخي وعمه وبكر
شفيت نفسي وقضيت نذري … شفيت وحشيّ غليل صدري
فشكر وحشي عليّ عمري … حتى ترمّ أعظمي في قبري
وحديث الباب من أفراد المؤلّف.
٤٠٤٤ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ قَالَ اصْطَبَحَ الْخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ نَاسٌ ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ.
وبه قال: (أخبرني) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: حدثني بالإفراد فيهما (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري ﵄ أنه (قال: اصطبح الخمر) أي شربه صبوحًا (يوم أُحُد) قبل تحريمه (ناس) منهم عبد الله والد جابر (ثم قتلوا شهداء) والخمر في بطونهم فلم يمنعهم ما كان في علم الله من تحريمها ولا كونها في بطونهم من حكم الشهادة وفضلها لأن التحريم إنما
стр. 2636
يلزم بالنهي وما كان قبل النهي فغير مخاطب به.
وهذا الحديث قد مرّ في باب فضل قول الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]. من كتاب الجهاد.
٤٠٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهْوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ، وَهْوَ خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ، أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) لقب عبد الله بن عثمان المروزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (عبد الله بن المبارك) المروزي قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن إبراهيم) بسكون العين (عن أبيه إبراهيم أن) أباه (عبد الرحمن بن عوف) بالفاء (أتي بطعام) في الشمائل للترمذي أنه كان خبزًا ولحمًا (وكان صائمًا) وعند أبي عمر وكان في مرض موته (فقال: قتل مصعب بن عمير) مصغرًا يوم وقعة أُحُد قتله ابن قميئة بفتح القاف وكسر الميم وسكون الياء بعدها همزة بوزن سفينة قيل اسمه عبد الله وقيل عمرو حكاهما في النبراس ظانًّا أنه رسول الله ﷺ بعد أن قاتل دون رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ دفع إليه اللواء كما قيل. وقال ابن سعد: إنه لما قتل أخذ اللواء ملك على صورته (وهو خير مني) قاله تواضعًا أو قبل العلم بكونه من العشرة المبشرة بالجنة
(كفن في بردة إن غطي) بها (رأسه) بضم الغين مبنيًّا للمفعول ككفن (بدت) ظهرت (رجلاه وإن غطي رجلاه بدا) ظهر (رأسه) لقصرها (وأراه) بضم الهمزة أي أظنه (قال: وقتل حمزة) بن عبد المطلب (وهو خير مني) قتله وحشي وشق بطنه وأخذ كبده فجاء بها إلى هند بنت عتبة بن ربيعة فمضعتها ثم لفظتها ثم جاءت فمثلت بحمزة وجعلت من ذلك مسكتين ومعضدتين حتى قدمت بذلك بكبده مكة. قال ابن سعد: وعند الحاكم من حديث أن أنس أن حمزة كفن أيضًا كذلك (ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط) بضم الموحدة مبنيًّا للمفعول فيهما بسبب الفتوحات والغنائم (أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا) بضم الهمزة بدل بسط فيهما (وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت) ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني قد عجلت (لنا ثم جعل يبكي) خوفًا على أن لا يلحق بمن تقدمه وحزنًا على تأخره عنهم. (حتى ترك الطعام).
ومباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوّته في الرقاق.
٤٠٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ» فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار أنه (سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ قال قال رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (للنبي ﷺ يوم) غزوة (أُحُد: أرأيت) أي أخبرني (إن قتلت فأين أنا؟ قال) رسول الله ﷺ :
(في الجنة فألقى) الرجل (تمرات) كانت (في يده ثم قاتل حتى قتل) وقد زعم ابن بشكوال أن اسم هذا الرجل عمير بن الحمام بضم المهملة وتخفيف الميم الأولى ابن الجموح الأنصاري السلمي محتجًا بحديث أنس عند مسلم: أن عمير بن الحمام أخرج تمرات فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم قاتل حتى قتل، وانتقد بما في أُسد الغابة أن عميرًا هذا قتل ببدر وهو أول قتيل قتل من الأنصار في الإسلام في حرب، وعند ابن إسحاق أنه لاقى القوم يوم بدر وهو يقول:
ركضًا إلى الله بغير زاد … إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد … إن التقى من أعظم السداد
وأما قصة الباب فوقع التصريح فيها بأنها يوم أُحُد فالظاهر كما في الفتح أنهما قضيتان وقعتا لرجلين.
٤٠٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ خَبَّابٍ بْنِ
الأَرَتِّ ﵁ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ وَمِنَّا مَنْ مَضَى أَوْ ذَهَبَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا كَانَ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ يَتْرُكْ إِلاَّ نَمِرَةً كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلَاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلِهِ الإِذْخِرَ -أَوْ قَالَ- أَلْقُوا عَلَى رِجْلِهِ مِنَ الإِذْخِرِ» وَمِنَّا مَنْ قَدْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهْوَ يَهْدُبُهَا.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله التميمي اليربوعي الكوني ونسبه لجده لشهرته به قال: (حدّثنا زهير) هو ابن معاوية قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن شقيق) هو ابن سلمة (عن خباب بن الأرتّ) بالمثناة الفوقية المشددة (﵁) أنه (قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ ¬) إلى المدينة حال كوننا (نبتغي) نطلب (وجه الله) لا الدنيا (فوجب أجرنا على الله) فضلاً منه تعالى (ومنا) بالواو وفي اليونينية وغيرها وفي الفرع فما بالفاء
стр. 2637
(من مضى) مات (أو) قال: (ذهب) بالشك من الراوي (لم يأكل من أجره) من الغنائم (شيئًا) بل قصر نفسه عن شهواتها لينالها موفرة في الآخرة (كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أُحُد لم يترك إلا نمرة) بفتح النون وكسر الميم شملة مخططة من صوف (كنا إذا غطينا) بفتح الغين (بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطي) بضم الغين (بها رجلاه خرج رأسه، فقال النبي ﷺ ¬):
(غطوا بها رأسه واجعلوا على رجله) بالإفراد (الإذخر) بالذال المعجمة وسقط لأبي ذر وابن عساكر على رجله الإذخر (أو قال) ﵊ (ألقوا) بفتح الهمزة وضم القاف (على رجله) بالإفراد، ولأبي ذر وابن عساكر في نسخة: رجليه (من الإذخر ومنا من أينعت) بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح النون بعدها عين مهملة أدركت ونضجت، ولغير أبي ذر وابن عساكر: قد أينعت (له ثمرته فهو يهدبها) بفتح أوله وضم الدال المهملة وكسرها بعدها موحدة يجتنيها.
وهذا الحديث قد سبق في الجنائز.
٤٠٤٨ - أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ عَمَّهُ غَابَ عَنْ بَدْرٍ فَقَالَ: غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أُجِدُّ فَلَقِيَ يَوْمَ أُحُدٍ فَهُزِمَ النَّاسُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ: أَيْنَ يَا سَعْدُ إِنِّي أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ فَمَضَى فَقُتِلَ فَمَا عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِشَامَةٍ أَوْ بِبَنَانِهِ وَبِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ.
وبه قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (حسان بن حسان) أبو علي بن أبي عباد المصري نزيل
مكة المشرفة قال: (حدّثنا محمد بن طلحة) بن مصرف الهمداني قال: (حدّثنا حميد) الطويل (عن أنس ﵁ أن عمه) أنس بن النضر بسكون الضاد المعجمة (غاب عن) غزوة (بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي ﷺ ¬) لأن غزوة بدر كانت أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ (لئن أشهدني الله مع النبي ﷺ ¬) بحذف المفعول وزاد في الجهاد قتال المشركي (ليرين الله) بنون التوكيد الثقيلة (ما أجد) بضم الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدال المهملة في الفرع كأصله، وعزاه في الفتح للأكثرين قال العيني: من مضاعف الثلاثي المزيد فيه يقال: أجدّ في الشيء يجد إذا بالغ فيه، وقال السفاقسي: صوابه بفتح الهمزة وضم الجيم يقال: جدّ يجد إذا اجتهد في الأمر وبالغ فيه، وأما أجد فإنما يقال لمن سار في أرض مستوية ولا معنى له هاهنا وقال في المصابيح: إنه صواب وله وجه ظاهر تقول: أجد فلان هذا الشيء إذا جعله جديدًا، فالمعنى ليرين الله ما أجدد في الإسلام من شدة القتل بالكفار واقتحام الأهوال في قتالهم قال: وضبطه بعضهم بفتح الهمزة وكسر الجيم وتخفيف الدال مضارع وجد أي: ليرين الله ما أجده أنا في نفسي من المشقّة وارتكاب الخطر.
(فلقي يوم أُحُد فهزم الناس) بضم الهاء مبنيًّا للمفعول (فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين) من الانهزام (وأبرأ إليك مما جاء به المشركون) من القتال (فتقدم بسيفه) نحو المشركين (فلقي سعد بن معاذ) منهزمًا (فقال) له: (أين يا سعد) ولأبي ذر عن الكشميهني: فقال أي سعد (إني أجد ريح الجنة) حقيقة (دون أُحُد) أي عند أُحُد وهو كناية عن شدة اجتهاده المؤدي إلى الجنة (فمضى) إلى القتال وقاتل قتالاً شديدًا (فقتل) شهيدًا (فما عرف) بضم العين (حتى عرفته أخته) الربيع بنت النضر (بشامة) وهي الخال (أو ببنانه) بموحدتين ونونين بينهما ألف أي بأصابعه وقيل بأطرافها (وبه بضع) بكسر الموحدة (وثمانون من طعنة) برمح (وضربة) بسيف (ورمية بسهم) زاد في الجهاد وقد مثل به المشركون.
٤٠٤٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ يَقُولُ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا فَالْتَمَسْنَاهَا، فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: (حدّثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم قال: (أخبرني) بالإفراد (خارجة بن زيد بن ثابت) الأنصاري (أنه سمع زيد بن ثابت) الأنصاري (﵁ يقول: فقدت) بفتح القاف (آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف) بأمر عثمان بن عفان ﵁ (كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها فالتمسناها) أي طلبناها (فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري) زاد في الجهاد والتفسير الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة
رجلين وهي قوله تعالى: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣]
стр. 2638
أي فيما عاهدوه عليه فحذف الجار كما في المثل: صدقني سن بكره بطرح الجار وإيصال الفعل أي في سن بكره، وكان قد نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حربًا مع رسول الله ﷺ ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا وهم: عثمان بن عفان، وطلحة، وسعيد بن زيد، وحمزة، ومصعب وغيرهم (﴿فمنهم من قضى نحبه﴾) [الأحزاب: ٢٣] أي مات شهيدًا كحمزة ومصعب وقضاء النحب صار عبارة عن الموت لأن كل حيّ من المحدثات لا بدّ له من أن يموت فكأنه نذر لازم في كل رقبة فإذا مات فقد قضى نحبه أي نذره (﴿ومنهم من ينتظر﴾) [الأحزاب: ٢٣]. الشهادة كعثمان وطلحة وسقط قوله: ومنهم من ينتظر لابن عساكر (فألحقناها) أي الآية (في سورتها في المصحف) عملاً بثبوت تواترها عندهم قيل مع شهادة عمر وغيره.
٤٠٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً تَقُولُ: نُقَاتِلُهُمْ، وَفِرْقَةً تَقُولُ: لَا نُقَاتِلُهُمْ فَنَزَلَتْ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨] وَقَالَ: «إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عدي بن ثابت) الأنصاري أنه (قال: سمعت عبد الله بن يزيد) من الزيادة الخطمي حال كونه (يحدث عن زيد بن ثابت) الأنصاري (﵁) أنه (قال: لما خرج النبي ﷺ إلى) غزوة (أُحد) سنة ثلاث من الهجرة (رجع ناس) من الشوط بين المدينة وأُحد وهم عبد الله بن أبي ومن تبعه من المنافقين وكانوا ثلث الناس (ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي ﷺ فرقتين فرقة تقول: نقاتلهم) أي المنافقين الراجعين (وفرقة) بالنصب فيهما بدلاً من فرقتين ولأبي ذر فرقة بالرفع فيهما على القطع (تقول: لا نقاتلهم) لأنهم مسلمون (فنزلت) لما اختلفوا (﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾) أي تفرقتم في أمرهم فرفتين (﴿والله أركسهم﴾) ردهم إلى حكم الكفار (﴿بما كسبوا﴾) [النساء: ٨٨] بسبب عصيانهم ومخالفتهم (وقال) النبي ﷺ :
(إنها طيبة تنفي الذنوب) أي تميز وتظهر بالظاء المعجمة أصحاب الذنوب (كما تنفي النار خبث الفضة) وهو ما تلقيه النار من وسخها إذا أذيبت وقوله وقال: إنها الخ هو حديث آخر سبق في آخر الحج كما نبه عليه في الفتح.
١٨ - باب
﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢].
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إذ﴾) أي: واذكر إذ (﴿همت﴾) أي عزمت (﴿طائفتان منكم﴾) حيان من الأنصار بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس (﴿أن تفشلا﴾) أي بأن تجبنا وتصعفا، وكان ﵊ خرج إلى أُحد في ألف والمشركون في ثلاثة آلاف، ووعدهم بالفتح إن صبروا فانخزل ابن أبي بثلث الناس وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فهمّ الحيان باتباعه فعصمهم الله تعالى فمضوا مع رسول الله ﷺ . وعن ابن عباس ﵄ أضمروا أن يرجعوا فعزم الله تعالى لهم على الرشد فثبتوا، والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس وما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية والله تعالى يقول: (﴿والله وليهما﴾) ويجوز أن يراد والله ناصرهما ومتولي أمرهما فما لهما يفشلان ولا يتركان على الله تعالى (﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾) [آل عمران: ١٢٢] أمرهم بأن لا يتوكلوا إلا عليه ولا يفوضوا أمرهم إلا إليه، وسقط لأبي ذر وابن عساكر: وعلى الله فليتوكل المؤمنون وقالا: الآية.
٤٠٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] بَنِي سَلِمَةَ وَبَنِي حَارِثَةَ وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.
[الحديث ٤٠٥١ - طرفه في: ٤٥٥٨].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان كذا في الفرع والذي في اليونينية عن ابن عيينة (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار (عن جابر) أي ابن عبد الله الأنصاري (﵁) أنه (قال: نزلت هله الآية فينا ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ بني سلمة) بكسر اللام من الخزرج (وبني حارثة) بالمثلثة من الأوس (وما أحب أنها لم تنزل) بفتح أوله وكسر ثالثه (والله) أي والحال أن الله تعالى (يقول): ولابن عساكر لقول الله تعالى: (﴿والله وليهما﴾) أي لما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية وأن تلك غير المأخوذ بها لأنها لم تكن عن عزيمة وتصميم كانت سببًا لنزولها.
٤٠٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ نَكَحْتَ يَا جَابِرُ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: «مَاذَا أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا»؟ قُلْتُ: لَا بَلْ ثَيِّبًا قَالَ: «فَهَلاَّ جَارِيَةً تُلَاعِبُكَ» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ كُنَّ لِي تِسْعَ أَخَوَاتٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَجْمَعَ إِلَيْهِنَّ جَارِيَةً خَرْقَاءَ مِثْلَهُنَّ وَلَكِنِ امْرَأَةً تَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ قَالَ: «أَصَبْتَ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (أخبرنا عمرو) هو ابن دينار ولأبي ذر عن عمرو (عن جابر) بن
стр. 2639
عبد الله الأنصاري أنه (قال: قال لي رسول الله ﷺ ¬):
(هل نكحت يا جابر)؟ أي هل تزوجت (قلت: نعم) يا رسول الله (قال: ماذا)؟ نكحت (أبكرًا) نكحت (أم ثيبًا)؟ بالمثلثة (قلت: لا) أي لم أنكح بكرًا (بل) نكحت (ثيبًا. قال) ﵊: (فهلا) نكحت (جارية) بكرًا (تلاعبك قلت: يا رسول الله إن أبي) عبد الله بن عمرو بن حرام (قتل يوم أُحد) قتله أسامة الأعور بن عبيد أو سفيان بن عبد شمس بن أبي الأعور السلمي (وترك تسع بنات) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على أسمائهن (كنّ لي تسع أخوات فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء) بخاء معجمة فراء ساكنة فقاف مفتوحة ممدودًا حمقاء جاهلة لا تحسن العمل ولا تجربة لها (مثلهن ولكن امرأة تمشطهن) بضم الشين المعجمة أي تسرح شعرهن بالمشط (وتقوم عليهن. قال) ﵊: (أصبت).
٤٠٥٣ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ فِرَاسٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ، فَلَمَّا حَضَرَ جِذَاذُ النَّخْلِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي قَدِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ فَقَالَ: «اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ» فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لَكَ أَصْحَابَكَ فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (أحمد بن أبي سريج) بضم السين المهملة آخره جيم واسمه الصباح النهشلي قال: (أخبرنا عبيد الله) بضم العين (ابن موسى) بن باذام الكوفي قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن (عن فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء وسين مهملة ابن يحيى (عن الشعبي) هو عامر بن شراحيل أنه (قال: حدثني) بالإفراد (جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ أن أباه استشهد يوم أُحد وترك عليه دينًا) ثلاثين وسقًا لرجل من اليهود (وترك ست بنات) لا ينافي الرواية السابقة تسع لأن التخصيص بالعدد لا ينافي الزائد أو أن ثلاثًا منهن كن متزوجات أو بالعكس (فلما حضر جذاذ النخل) بفتح الجيم وكسرها وبالذالين المعجمتين بينهما ألف ولأبي ذر عن الكشميهني وابن عساكر في نسخة جداد بكسر الجيم وبدالين مهملتين أي قطعه (قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت) له: يا رسول الله (قد علمت أن والدي قد استشهد يوم أُحد وترك) عليه (دينًا كثيرًا وإني أحب أن يراك الغرماء فقال):
(اذهب) إلى حائطك (فبيدر) بكسر الدال المهملة وجزم الراء أي اجمع (كل تمر) أي نوع من التمر في موضع ولأبي ذر عن الكشميهني تمرة (على ناحية) (ففعلت) ذلك (ثم دعوته) ﷺ (فلما
نظروا) أي الغرماء (إليه) ﵊ (كأنهم) ولأبي ذر كأنما (أغرّوا بي) بضم الهمزة وسكون الغين المعجمة أي لحوا في مطالبتي وألحوا عليّ وكأنهم أمروا بذلك (تلك الساعة فلما رأى) ﵊ (ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرًا) أي ألم به وقاربه (ثلاث مرّات ثم جلس) ﵊ (عليه ثم قال: ادع لك) بالكاف ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ادع لي (أصحابك) يعني الغرماء (فما زال يكيل لهم حتى أدى الله عن والدي أمانته وأنا أرضى أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة فسلم الله البيادر كلها حتى أني أنظر إلى البيدر الذي كان عليه النبي ﷺ كأنها لم تنقص) منه (تمرة واحدة) وهذا من أعلام نبوّته ﷺ .
وقد سبق هذا الحديث في مواضع كالبيع والقرض والمراد من سياقه هنا أن عبد الله والد جابر كان ممن استشهد بأُحد.
٤٠٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ.
[الحديث ٤٠٥٤ - طرفه في: ٥٨٢٦].
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين (عن أبيه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن جده عن سعد بن أبي وقاص ﵁) أنه (قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم) وقعة (أُحد ومعه رجلان) هما جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسلام كما في مسلم (يقاتلان) الكفار (عنه) ﵊ (عليهما ثياب بيض كأشد القتال) الكاف زائدة أو للتشبيه أي كأشد قتال بني آدم (ما رأيتهما قبل ولا بعد) وهذا يرد قول من قال: إن الملائكة لم تقاتل معه إلا يوم بدر وكانوا يكونون فيما سواه عددًا ومددًا.
٤٠٥٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ السَّعْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: نَثَلَ لِي النَّبِيُّ ﷺ كِنَانَتَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا مروان بن معاوية) بن الحارث أبو عبد الله الكوفي قال: (حدّثنا هاشم بن هاشم) بفتح الهاء بعدها ألف فمعجمة فيهما ابن عبيد بن
стр. 2640
أبي وقاص الزهري المدني ويقال هاشم بن هاشم بن هاشم (السعدي) ابن أخي سعد بن أبي وقاص (قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نثل) بالنون والمثلثة واللام المفتوحات استخرج (لي النبي ﷺ كنانته يوم أُحد) بكسر القاف وتخفيف النون جعبة النبل (فقال) ﵊ لي: (ارم فداك أبي وأمي) بكسر الفاء وتفتح أي لو كان لي إلى الفداء سبيل لفديتك بأبوي اللذين هما عزيزان عندي، والمراد من التفدية لازمها وهو الرضا أي ارم مرضيًا.
٤٠٥٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: جَمَعَ لِي رَسُولُ الله ﷺ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري أنه (قال: سمعت سعيد بن المسيب قال): ولأبي ذر وابن عساكر يقول: (سمعت سعدًا) هو ابن أبي وقاص (يقول: جمع لي رسول الله ﷺ أبويه) فقال: كما في السابقة "ارم فداك أبي وأمي" (يوم أُحد).
٤٠٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أَبَوَيْهِ كِلَيْهِمَا يُرِيدُ حِينَ قَالَ: «فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» وَهُوَ يُقَاتِلُ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) باللام والذي في اليونينية ليث بن سعد الإمام (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن ابن المسيب) سعيد (أنه قال: قال سعد بن أبي وقاص ﵁: لقد جمع لي رسول الله ﷺ يوم) وقعة (أُحد) في التفدية (أبويه كليهما) نصب بالياء ولأبوي ذر والوقت كلاهما بالألف بدل الياء (يريد) ابن أبي وقاص (حين قال) له ﷺ : (فداك أبي وأمي وهو يقاتل).
٤٠٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَجْمَعُ أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ غَيْرَ سَعْدٍ.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين آخره راء ابن كدام الكوفي (عن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن ابن شداد) هو عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي الكوفي أنه (قال: سمعت عليًّا) هو ابن أبي طالب ﵁ (يقول: ما سمعت النبي ﷺ يجمع أبويه لأحد غير سعد) أي ابن أبي وقاص ولأبي الوقت إلا لسعد وهذا ينافي سماع في غيره.
٤٠٥٩ - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ إِلاَّ لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: «يَا سَعْدُ ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي».
وبه قال: (حدثنا يسرة بن صفوان) بفتح التحتية والسين المهملة والراء اللخمي الدمشقي قال: (حدّثنا إبراهيم عن أبيه) سعد بن عبد الرحمن بن عوف (عن عبد الله بن شداد) الليثي السابق (عن علي ﵁) أنه (قال: ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك) هو اسم أبي وقاص ولأبي ذر عن الكشميهني غير سعد بن مالك (فإني سمعته يقول يوم
أُحد يا سعد ارم فداك أبي وأمي).
وعند الحاكم في مستدركه من طريق يونس بن بكير وهو في المغازي روايته من طريق عائشة بنت سعد عن أبيها قال: لما جال الناس يوم أُحد تلك الجولة تنحيت فقلت: أذود عن نفسي فإما أن أنجو وإما أن أستشهد فإذا رجل مخمر وجهه، وقد كاد المشركون أن يركبوه فملأ يده من الحصى فرماهم وإذا بيني وبينه المقداد فأردت أن أسأله عن الرجل فقال لي: يا سعد هذا رسول الله ﷺ يدعوك فقمت وإنه لم يصبني شيء من الأذى وأجلسني أمامه فجعلت أرمي فذكر الحديث.
٤٠٦٠ و ٤٠٦١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: زَعَمَ أَبُو عُثْمَانَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَيَّامِ الَّتِي يُقَاتِلُ فِيهِنَّ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ عَنْ حَدِيثِهِمَا.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (عن معتمر عن أبيه) سليمان بن طرخان التيمي أنه (قال: زعم) أي قال: (أبو عثمان) عبد الرحمن النهدي (أنه لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام) أي أيام أُحد وسقط بعض لأبي ذر (التي) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي الذي (يقاتل فيهن) فالتأنيث بالنظر لقوله تلك الأيام والتذكير للفظ بعض من المهاجرين (غير طلحة) بن عبيد الله أحد العشرة وغير بالرفع (وسعد) بالجر والرفع معًا وهو ابن أبي وقاص كذا رواه أبو عثمان (عن حديثهما) أي عن حديث طلحة وسعد.
٤٠٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: صَحِبْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالْمِقْدَادَ، وَسَعْدًا ﵃، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ أَنِّي سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن أبي الأسود) هو عبد الله بن محمد بن أبي الأسود واسمه حميد بن الأسود البصري الحافظ قال: (حدّثنا حاتم بن إسماعيل) الكوفي سكن المدينة (عن محمد بن يوسف) بن عبد الله الكندي الأعرج أنه (قال: سمعت السائب بن يزيد) من صغار الصحابة (قال: صحبت عبد الرحمن بن عوف
стр. 2641
وطلحة بن عبيد الله) بضم العين (والمقداد) بن الأسود (وسعدًا) أي ابن أبي وقاص (﵃ فما سمعت أحدًا منهم يحدث عن النبي ﷺ ¬) خشية أن يقعوا في قوله ﵊: "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (إلا أني سمعت طلحة يحدث عن يوم أُحد) بما وقع له من الثبات أو نحو ذلك ولم يبين في هذا الحديث ما حدث به طلحة نعم أخرجه أبو يعلى وقال فيه أنه ظاهر بين درعين يوم أُحد.
٤٠٦٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ
طَلْحَةَ شَلاَّءَ وَقَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي الحافظ المشهور صاحب المسند الكبير والمصنف قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح الحافظ المشهور العابد (عن إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي البجلي (عن قيس) هو ابن أبي حازم البجلي أنه (قال: رأيت يد طلحة) بن عبيد الله (شلاء) بفتح الشين المعجمة وتشديد اللام ممدودًا أصابها الشلل (وقى) بفتح الواو والقاف المخففة (بها النبي) وفي نسخة رسول الله ﷺ (¬ ﷺ يوم أحد) فقطعت أصابعه.
٤٠٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلاً رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ مِنَ النَّبْلِ فَيَقُولُ: "انْثُرْهَا لأَبِي طَلْحَةَ" قَالَ: وَيُشْرِفُ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلَاثًا.
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بسكون العين عبد الله بن عمرو العقدي قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن صهيب (عن أنس ﵁) أنه (قال: لما كان يوم أُحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري زوج والدة أنس (بين يدي النبي ﷺ مجوّب) بضم الميم وفتح الجيم وكسر الواو المشددة بعدها موحدة مترس (عليه) ﵊ يستره (بحجفة) بحاء مهملة فجيم ففاء مفتوحات بترس من جلد (له، وكان أبو طلحة رجلاً راميًا شديد النزع) بفتح النون وسكون الزاي بعدها عين مهملة الجذب في القوس (كسر يومئذٍ) يوم أحد (قوسين أو ثلاثًا) من كثرة رميه وشدته ولابن عساكر ثلاثة (وكان الرجل) من المسلمين (يمرّ معه بجعبة من النبل) بفتح النون وسكون الموحدة والجعبة بفتح الجيم وسكون العين المهملة الكنانة التي فيها السهام (فيقول) النبي ﷺ له:
(انثرها) أي الجعبة التي فيها النبل (لأبي طلحة) (قال) أنس: (ويشرف) بضم التحتية وسكون الشين المعجمة وكسر الراء بعدها فاء أي ويطلع ولأبي الوقت وتشرف بفتح الفوقية والمعجمة والراء المشدّدة أي تطلع (النبي ﷺ ¬) حال كونه (ينظر إلى القوم) المشركين (فيقول أبو طلحة) له ﷺ : (بأبي أنت وأمي لا تشرف) بضم الفوقية وسكون المعجمة والجزم على الطلب (يصيبك سهم من سهام القوم) برفع يصيبك أي فهو يصيبك. قال في التنقيح: وهو الصواب، ولأبي ذر في الفرع
كأصله يصبك بالجزم. قال العيني: جواب للنهي على الأصل. قال الزركشي: هو خطأ وقلب للمعنى إذ لا يستقيم أن يقول إن لا تشرف يصبك اهـ.
ووجهه في المصابيح على رأي الكسائي والتقدير فإن تشرف يصبك سهم قال: وهذا صواب لا خطأ فيه ولا قلب للمعنى. نعم غير الكسائي إنما يقدر فعل الشرط منفيًّا، فمن ثم يجيء انقلاب المعنى في هذا التركيب (نحري) يصيبه السهم (دون نحرك) أي أفديك بنفسي. قال أنس: (ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم) هي والدة أنس (وأنهما لمشمرتان) ذيلهما (أرى) أي أنظر (خدم سوقهما) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة أي خلا خيلهما وهو محمول على نظر الفجأة أو كان إذ ذاك صغيرًا حال كونهما (تنقزان) بفوقية مفتوحة فنون ساكنة فقاف مضمومة فزاي مفتوحة وبعد الألف نون أي تثبان وتقفزان (القرب) أي بالقرب فالنصب بنزع الخافض ولابن عساكر وأبي الوقت وقال غيره: أي غير أبي معمر وهو جعفر بن مهران عن عبد الوارث تنقلان القرب ولأبي ذر وحده تنقزان بالزاي أي (على متونهما) على ظهورهما (تفرغانه) أي الماء (في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يدي) بفتح الدال
стр. 2642
وسكون التحتية بالتثنية لكنه مضبب على الياء في الفرع كأصله ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر من يد (أبي طلحة) بالإفراد (اما مرّتين وإما ثلاثًا) زاد مسلم عن الدارمي عن أبي معمر شيخ المؤلّف فيه بهذا الإسناد من النعاس أي الذي ألقاه الله تعالى عليهم أمنة منه.
٤٠٦٥ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ فَصَرَخَ إِبْلِيسُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ. فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ فَبَصُرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي قَالَ: قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، قَالَ عُرْوَةُ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ ، بَصُرْتُ: عَلِمْتُ مِنَ الْبَصِيرَةِ فِي الأَمْرِ، وَأَبْصَرْتُ مِنْ بَصَرِ الْعَيْنِ، وَيُقَالُ بَصُرْتُ وَأَبْصَرْتُ وَاحِدٌ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن سعيد) بكسر العين ابن يحيى أبو قدامة اليشكري قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂) أنها (قالت: لما كان يوم) وقعة (أحد هزم المشركون فصرخ إبليس لعنة الله عليه) وسقط قوله لعنة الله عليه لأبي ذر (أي عباد الله) يعني المسلمين (أخراكم) أي احترزوا من الذين وراءكم متأخرين كم وهي كلمة تقال لمن يخشى أن يؤتى عند القتال من ورائه، وغرض إبليس اللعين أن يغلطهم ليقتل المسلمون بعضهم بعضًا (فرجعت أولاهم) لقتال أخراهم ظانين أنهم من المشركين (فاجتلدت) بالجيم فاقتتلت (هي وأخراهم فبصر) بضم الصاد أي نظر (حذيفة) بن اليمان (فإذا هو بأبيه اليمان) يقتله المسلمون يظنونه من المشركين (فقال) حذيفة: (أي عباد الله) هذا (أبي) هذا (أبي) لا تقتلوه (قال) عروة: (قالت) عائشة: (فوالله ما احتجزوا) بالحاء المهملة الساكنة
والفوقية والجيم المفتوحتين والزاي المضمومة ما انفصلوا عنه (حتى قتلوه) وعند ابن سعد أن الذي قتله خطأ عتبة بن مسعود أخو عبد الله بن مسعود، والظاهر مما تكرّر في البخاري أن الذي قتله جماعة من المسلمين. وعند ابن إسحاق: وأما اليمان فاختلفت أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه فقال حذيفة: قتلتم أبي؟ قالوا: والله ما عرفناه (فقال حذيفة): معتذرًا عنهم لكونهم قتلوه ظنًا منهم أنه من الكافرين (يغفر الله لكم. قال عروة) بن الزبير: (فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير) من دعاء واستغفار لقاتل أبيه (حتى لحق بالله وقال في المصابيح كالتنقيح: وقيل بقية حزن على أبيه من قتل المسلمين إياه.
(بصرت) بضم الصاد وسكون الراء (علمت من البصيرة في الأمر) فهو من المعاني القلبية (وأبصرت) بزيادة الهمزة (من بصر العين) المحسوس (ويقال: بصرت وأبصرت واحد) كسرعت وأسرعت، وهذا ذكره تفسيرًا لقوله فبصر حذيفة وهو ساقط في رواية أبي ذر وابن عساكر.
١٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]
(باب قول الله تعالى): وسقط ذلك كله لأبي ذر (﴿إن الذين تولوا منكم﴾) انهزموا (﴿يوم التقى الجمعان﴾) جمع النبي ﷺ وجمع أبي سفيان للقتال يوم أُحد (﴿إنما استزلهم الشيطان﴾) دعاهم إلى الزلة وحملهم عليها (﴿ببعض ما كسبوا﴾) بتركهم المركز الذي أمرهم النبي ﷺ بالثبات فيه (﴿ولقد عفا الله عنهم﴾) تجاوز عنهم (﴿إن الله غفور﴾) للذنوب (﴿حليم﴾) [آل عمران: ١٥٥] لا يعاجل بالعقوبة.
٤٠٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقُعُودُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ، قَالَ: مَنِ الشَّيْخُ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَىْءٍ أَتُحَدِّثُنِي قَالَ: أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَكَبَّرَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ لأُخْبِرَكَ وَلأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ». وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ وَكَانَ بَيْعَةُ الرُّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: «هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ» فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَالَ: «هَذِهِ لِعُثْمَانَ» اذْهَبْ بِهَذَا الآنَ مَعَكَ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) لقب عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا أبو حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري (عن عثمان بن موهب) بفتح الميم والهاء بينهما واو ساكنة الأعرج الطلحي التيمي القرشي أنه (قال: جاء رجل) قال: في المقدمة قيل إنه يزيد بن بشر السكسكي (حج البيت فرأى قومًا جلوسًا) لم يسموا (فقال: من هؤلاء القعود؟ قال: هؤلاء قريش) لم يسم المجيب أيضًا (قال: من الشيخ؟ قالوا): ولأبي ذر قال: (ابن عمر فأتاه فقال) له: (إني سائلك عن شيء أتحدثني)؟ عنه (قال: أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان) سقط ابن عفان لأبي ذر (فرّ يوم) وقعة (أُحُد؟ قال) ابن عمر (نعم. قال) الرجل (فتعلمه تغيب) بالغين المعجمة (عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم) وقول الداودي أن قوله تغيب خطأ في اللفظ إنما يقال لمن تعمد التخلف فأما من تخلف لعذر فلا. تعقبه في المصابيح بأنه يحتاج إلى نقل عن أئمة اللغة ويعز وجوده (قال) الرجل: (فتعلم أنه تخلف) ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني تغيب (عن بيعة الرضوان)؟ الواقعة تحت الشجرة في الحديبية
стр. 2643
(فلم يشهدها؟ قال) ابن عمر: (نعم قال: فكبّر) الرجل مستحسنًا لما أجابه به ابن عمر لكونه مطابقًا لما يعتقده (قال) ولأبي ذر فقال (ابن عمر) له: (تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه) ليزول اعتقادك (أما فراره يوم أُحد فأشهد أن الله عفا) ولابن عساكر قد عفا (عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله)
ولأبي ذر وابن عساكر بنت النبي (¬ ﷺ ¬) رقية ﵂ (وكانت مريضة) فأمره النبي ﷺ بالتخلف هو وأسامة بن زيد (فقال له النبي):
(إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه وأما تغيبه عن) وفي نسخة: من (بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه) ﵊ أي (مكانه) وسقط ابن عفان لأبي ذر (فبعث عثمان) إلى أهل مكة ليعلم قريشًا أنه إنما جاء معتمرًا لا محاربًا (وكان) ولأبي ذر عن الكشميهني وكانت (بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة) فتحدث أن المشركين يقصدون حرب المسلمين فاستعد المسلمون للقتال وبايعهم ﷺ حينئذٍ أن لا يفروا (فقال النبي ﷺ ¬) مشيرًا (بيده اليمنى: هذه يد عثمان) أي بدلها (فضرب بها على يده) اليسرى (فقال: هذه) البيعة (لعثمان) أي عنه (اذهب بهذا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بها أي الأجوبة التي أجبتك بها (الآن معك) حتى يزول عنك ما كنت تعتقده من عيب عثمان.
وسبق هذا الحديث في مناقب عثمان.
٢٠ - باب ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣] تُصْعِدُونَ: تَذْهَبُونَ، أَصْعَدَ وَصَعِدَ فَوْقَ الْبَيْتِ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إذ تصعدون﴾) أي تبالغون في الذهاب في صعيد
الأرض (﴿ولا تلوون على أحد﴾) أي ولا تلتفتون وهو عبارة عن غاية انهزامهم وخوف عدوّهم (﴿والرسول يدعوكم﴾) يقول: إليّ عباد الله من يكر فله الجنة والجملة في موضع الحال (﴿في أخراكم﴾) في ساقتكم وجماعتكم الأخرى هي المتأخرة (﴿فأثابكم﴾) عطف على صرفكم أي فجازاكم الله (﴿غمًا﴾) حين صرفكم عنهم وابتلاكم (﴿بغم﴾) بسبب غم أدخلتموه على الرسول ﷺ بعصيانكم أمره والمؤمنين بفشلكم، أو فأثابكم الرسول أي أثابكم غمًا بسبب غم اغتممتموه لأجله والمعنى أن الصحابة لما رأوه ﷺ شج وجهه وكسرت رباعيته وقتل عمه اغتموا لأجله والنبي ﷺ لما رآهم عصوا ربهم بطلب الغنيمة ثم حرموا منها وقتل أقاربهم اغتم لأجلهم، وقال القفال: وعندي أن الله تعالى ما أراد بقوله: غمًا بغم اثنين اثنين وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها أي أن الله عاقبكم بغموم كثيرة مثل قتل إخوانكم وأقاربكم ونزول المشركين عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم (﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم﴾) لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على ما فائت من المنافع لأن العادة طبيعة خامسة (﴿ولا ما أصابكم﴾) ولا على مصيب من المضار (﴿والله خبير بما تعملون﴾) [آل عمران: ١٥٣] لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وسقط لأبي ذر قوله والرسول يدعوكم الخ وقال إلى ﴿بما تعملون﴾.
(﴿تصعدون﴾) أي (تذهبون أصعد) بالهمزة (وصعد) بحذفها وكسر العين (فوق البيت) وكأنه أراد التفرقة بين الثلاثي والرباعي وأن الثلاثي بمعنى ارتفع والرباعي بمعنى ذهب، وسقط من قوله تصعدون الخ للمستملي وأبي الهيثم.
٤٠٦٧ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عمرو بن خالد) الحراني الخزاعي سكن مصر قال: (حدّثنا زهير) هو ابن معاوية قال: (حدّثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: سمعت البراء بن عازب ﵄ قال: جعل النبي ﷺ على الرجالة) بتشديد الجيم جمع راجل خلاف الفارس وكانوا خمسين رجلاً رماة (يوم) وقعة (أُحد عبد الله بن جبير) الأنصاري (وأقبلوا) حال كونهم (منهزمين) أي بعضهم اد فرقة استمروا في الهزيمة حتى فرغ القتال وهم قليل وفيهم نزل ﴿إن الذين تولوا﴾ وفرقة تحيرت لما سمعت أنه ﵊ قتل فكانت غاية أحدهم الذب عن نفسه أو يستمر على
стр. 2644
بصيرته في القتال حتى يقتل وهم الأكثر والثالثة ثبتت معه ﵊ ثم تراجعت الثانية لما عرفوا أنه ﵊ حي (فذاك إذ يدعوهم الرسول) ﷺ بقوله إليّ عباد الله إليّ عباد الله (في أخراهم) في آخرهم ومن ورائهم.
وتقدّم هذا الحديث قريبًا وأخرجه أيضًا في التفسير.
باب
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا﴾) ثم أنزل الله الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم. قال أبو البقاء: والأصل أنزل عليكم نعاسًا ذا أمنة لأن النعاس ليس هو الأمن بل هو الذي حصل به الأمن (﴿يغشى﴾) النعاس (﴿طائفة منكم﴾) هم أهل الصدق واليقين (﴿وطائفة﴾) هم المنافقون لم يغشهم النعاس (﴿قد أهمتهم أنفسهم﴾) ما يهمهم إلا هم أنفسهم وخلاصها لا هم الدين ولا هم رسول الله ﷺ إنما هم مستغرقون في همّ أنفسهم فلذا لم تنزل عليهم السكينة لأنها وارد روحاني لا يتلوث بهم (﴿يظنون بالله غير﴾) الظن (﴿الحق﴾) الذي يجب أن يظن به وهو أن لا ينصر محمدًا ﷺ وأصحابه (﴿ظن الجاهلية﴾) أي الظن المختص بالملة الجاهلية أو ظن أهل الجاهلية (﴿يقولون هل لنا من الأمر﴾) الذي يعدنا به محمد ﷺ من النصر والظفر (﴿من شيء﴾) إنما هو للمشركين استفهام على سبيل الإنكار (﴿قل﴾) يا محمد لهؤلاء المنافقين (﴿إن الأمر﴾) النصر والظفر (﴿كله لله﴾) يصرفه حيث يشاء (﴿يخفون في أنفسهم﴾) من الكفر والشرك أو يخفون الندم على خروجهم مع المسلمين (﴿ما لا يبدون لك﴾) خوفًا من السيف (﴿يقولون﴾) في أنفسهم أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم إن الأمر كله لله (﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا﴾) أي لو كان الأمر كما قال محمد: إن الأمر كله لله ولأوليائه وإنهم لغالبون لما غلبنا قط ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة (﴿قل لو كنتم في بيوتكم﴾) أي من علم الله منه أن يقتل في هذه المعركة وكتب في اللوح المحفوظ لم يكن بد من وجوه فلو قعدتم في بيوتكم (﴿لبرز﴾) من بينكم (﴿الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾) مصارعهم بأحد ليكون ما علم الله تعالى أنه يكون والحذر لا يمنع القدر والتدبير لا يقاوم التقدير وقد كتب الله في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين وكتب مع ذلك أن العاقبة في الغلبة لهم وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله وأن ما ينكبون في بعض الأوقات تمحيص لهم (﴿وليبتلي الله ما في صدوركم﴾) أي وليختبر ما في صدوركم من الإخلاص (﴿وليمحص ما في قلوبكم﴾) من وساوس الشيطان (﴿والله عليم بذات الصدور﴾) [آل عمران: ١٥٤] وهي الإسرار والضمائر لأنها حالة فيها مصاحبة لها وذكر ذلك ليدل به على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يخفى عليه ما في الصدور وغيره لأنه عالم بجميع المعلومات
وإنما ابتلاهم لمحض الإلهية أي للاستصلاح وسقط لفظ باب لأبي ذر وابن عساكر وكذا قوله: ﴿يغشى طائفة﴾ الخ وقالا بعد قوله: ﴿نعاسًا﴾ إلى قوله: ﴿بذات الصدور﴾.
٤٠٦٨ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵄ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ تَغَشَّاهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي مِرَارًا يَسْقُطُ وَآخُذُهُ وَيَسْقُطُ فَآخُذُهُ.
[الحديث ٤٠٦٨ - طرفه في: ٤٥٦٢].
وبه قال: (وقال لي خليفة) بن خياط أبو عمرو العصفري البصري في المذاكرة (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي وفتح الراء مصغرًا قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين ابن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس عن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (﵄) أنه (قال: كنت فيمن تغشاه) بفتح الغين والشين المشددة المعجمتين (النعاس يوم أُحد) أي وهم في مصافهم (حتى سقط سيفي من يدي مرارًا يسقط) من يدي (وآخذه ويسقط) من يدي (فآخذه) بالفاء ولأبي ذر وآخذه. قال ابن مسعود فيما رواه ابن أبي حاتم: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من الوثوق بالله تعالى والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله، ثم ذلك النعاس كان فيه فوائد لأن السهر يوجب الضعف والكلال والنوم يفيد عود القوّة والنشاط، ولأن المشركين كانوا في غاية الحرص على قتلهم
стр. 2645
فبقاؤهم في النوم مع السلامة في تلك المعركة من أدل الدلائل على حفظ الله تعالى لهم، وذلك مما يزيل الخوف من قلوبهم ويورثهم الأمن، ولأنهم لو شاهدوا قتل إخوانهم الذين أراد الله تعالى إكرامهم بالشهادة لاشتد خوفهم.
٢١ - باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]
قَالَ: حُمَيْدٌ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ شُجَّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ» فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ﴾.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ليس لك من الأمر شيء﴾) اسم ليس قوله شيء وخبرها لك ومن الأمر حال من شيء لأنها صفة مقدمة (﴿أو يتوب عليهم﴾) عطف على ليقطع طرفًا من الذين كفروا أو يكبتهم وليس لك من الأمر شيء اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، والمعنى أن الله تعالى مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا (﴿أو يعذبهم﴾) إن أصروا على الكفر ليس لك من أمرهم شيء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهد (﴿فإنهم ظالمون﴾) [آل عمران: ١٢٨] مستحقون للتعذيب وسقط لفظ باب لأبي ذر.
(قال حميد) الطويل: مما وصله أحمد والترمذي والنسائي ذكره المؤلّف كلاحقه في بيان سبب
نزول الآية السابقة (وثابت) البناني مما وصله مسلم (عن أنس) أنه قال: (شج النبي ﷺ يوم أُحد) في رأسه (فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم) وهو يدعوهم إلى الله تعالى (فنزلت) ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾.
٤٠٦٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الْفَجْرِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا» بَعْدَمَا يَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
[الحديث ٤٠٦٩ - أطرافه في: ٤٠٧٠، ٤٥٥٩، ٧٣٤٦].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن عبدان) بن زياد (السلمي) بضم السين المهملة البلخي سكن مرو قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (حدثني) بالإفراد (سالم عن أبيه) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب (أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة) ولأبي ذر في الركعة (الآخرة من الفجر) بعد أن شج وكسرت رباعيته يوم أحد (يقول):
(اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا) صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام يقول ذلك (بعدما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) ولأبي ذر وابن عساكر لك بإسقاط الواو (فأنزل الله) : ﴿ليس لك من الأمر شي﴾ له إلى قوله: ﴿فإنهم ظالمون﴾ سقط لأبي ذر فإنهم وزاد أحمد والترمذي فتيب عليهم كلهم.
وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير والاعتصام والنسائي في الصلاة والتفسير.
٤٠٧٠ - وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
(وعن حنظلة بن أبي سفيان) هو معطوف على قوله أخبرنا معمر الخ والراوي له عن حنظلة هو عبد الله بن المبارك أنه (قال: سمعت سالم بن عبد الله يقول: كان رسول الله ﷺ ¬) لما جرح يوم أحد (يدعو على صفوان بن أمية) بن خلف الجمحي (وسهيل بن عمرو) القرشي العامري (والحارث بن هشام) أي ابن المغيرة القرشي المخزومي (فنزلت ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ إلى قوله: (﴿فإنهم ظالمون﴾) أي فيسلموا أو يعذبهم إن ماتوا كفارًا والثلاثة المسمون أسلموا يوم الفتح وحسن إسلامهم ولعل هذا هو السر في نزول قوله تعالى ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾.
وقد ذكر المؤلّف في هذا الباب سببين لنزول الآية والثاني مرسل، ويحتمل أن الآية نزلت في الأمرين جميعًا فإنهما كانا في قصة واحدة.
وقد اختلف في سبب نزولها على قولين: أحدهما: نزلت في قصة أحد واختلف القائلون بذلك فقيل السبب ما وقع من شجه ﵊ يوم أحد كما مرّ، وقيل إنه ﵊ لما رأى ما فعلوا بحمزة من المثلة قال: "لأمثلن بسبعين منهم" فنزلت. وقيل: أراد أن يدعو عليهم بالاستئصال فنزلت لعلمه أن أكثرهم يسلمون. قال القفال: وكل هذه الأشياء حصلت يوم أُحد فنزلت الآية عند الكل فلا يمتنع حملها على الكل، وقيل إنه ﵊ أراد أن يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا فمنعه الله من ذلك بنزولها، وقيل إنه ﵊.
القول الثاني: أنها نزلت في قصة القرّاء الذين بعثهم ﵊ إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن فقتلهم عامر بن الطفيل وقنت ﵊ شهرًا يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن، لكن قال في اللباب: أكثر العلماء متفقون
стр. 2646
على أنها في قصة أحد.
٢٢ - باب ذِكْرِ أُمِّ سَلِيطٍ
(باب ذكر أم سليط) بفتح السين المهملة وكسر اللام وبعد التحتية الساكنة طاء مهملة لا يعرف اسمها وعند ابن سعد أنها أم قيس بنت عبيد زياد من بني مازن وكان يقال لها أم سليط لأن اسم ابنها سليط.
٤٠٧١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَبَقِيَ مِنْهَا مِرْطٌ جَيِّدٌ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطِ هَذَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ، يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ بِهِ وَأُمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تُزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (وقال ثعلبة بن أبي مالك): بالمثلثة وسكون العين المهملة أبو يحيى القرظي المولود في الزمن النبوي وله رؤية وسقطت واو وقال ثعلبة في رواية باب حمل النساء القرب من كتاب الجهاد (إن عمر بن الخطاب ﵁ قسم مروطًا) أكسية من صوف أو خز (بين نساء من نساء أهل المدينة فبقي منها مرط) بكسر الميم (جيد، فقال له بعض من عنده): لم يسم هذا القائل (يا أمير المؤمنين أعط) بهمزة قطع مفتوحة (هذا) المرط الذي بقي (بنت رسول الله ﷺ التي عندك يريدون) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يريد (أم كلثوم) بضم الكاف وسكون اللام وبالمثلثة (بنت علي) أمها فاطمة بنت رسول الله ﷺ وأولاد بناته ﵊ ينسبون إليه (فقال عمر) بن الخطاب على عادته الكريمة في تقديم الأجانب على من عنده
في الإعطاء (أم سليط أحق به) منها (وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ قال عمر) ﵁ (فإنها كانت تزفر) بفتح الفوقية وسكون الزاي وبعد الفاء المكسورة راء أي تحمل (لنا القرب يوم أُحد) وفسر البخاري في الجهاد تزفر بتخيط وهو غير معروف في اللغة كما قاله عياض وغيره.
٢٣ - باب قَتْلُ حَمْزَةَ
(باب قتل حمزة) ولأبي ذر زيادة ابن عبد المطلب ﵁ وللنسفي قتل حمزة سيد الشهداء، وسقط لأبي ذر لفظ باب.
٤٠٧٢ - حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ فَلَمَّا قَدِمْنَا حِمْصَ قَالَ لِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ: هَلْ لَكَ فِي وَحْشِيٍّ نَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. وَكَانَ وَحْشِيٌّ يَسْكُنُ حِمْصَ فَسَأَلْنَا عَنْهُ فَقِيلَ لَنَا هُوَ ذَاكَ فِي ظِلِّ قَصْرِهِ، كَأَنَّهُ حَمِيتٌ قَالَ: فَجِئْنَا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَيْهِ بِيَسِيرٍ، فَسَلَّمْنَا فَرَدَّ السَّلَامَ قَالَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَتِهِ. مَا يَرَى وَحْشِيٌّ إِلاَّ عَيْنَيْهِ وَرِجْلَيْهِ؟ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ يَا وَحْشِيُّ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: لَا وَاللَّهِ إِلاَّ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ الْخِيَارِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قِتَالٍ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ، فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا بِمَكَّةَ فَكُنْتُ أَسْتَرْضِعُ لَهُ فَحَمَلْتُ ذَلِكَ الْغُلَامَ مَعَ أُمِّهِ فَنَاوَلْتُهَا إِيَّاهُ فَلَكَأَنِّي نَظَرْتُ إِلَى قَدَمَيْكَ، قَالَ: فَكَشَفَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُخْبِرُنَا بِقَتْلِ حَمْزَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. إِنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ بِبَدْرٍ، فَقَالَ لِي مَوْلَايَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ بِعَمِّي فَأَنْتَ حُرٌّ. قَالَ فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ النَّاسُ عَامَ عَيْنَيْنِ وَعَيْنَيْنِ جَبَلٌ بِحِيَالِ أُحُدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَادٍ خَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ إِلَى الْقِتَالِ فَلَمَّا أنِ اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ خَرَجَ سِبَاعٌ، فَقَالَ هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: يَا سِبَاعُ يَا ابْنَ أُمِّ أَنْمَارٍ مُقَطِّعَةِ الْبُظُورِ أَتُحَادُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ؟ قَالَ: ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَكَانَ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ، قَالَ: وَكَمَنْتُ لِحَمْزَةَ تَحْتَ صَخْرَةٍ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي فَأَضَعُهَا فِي ثُنَّتِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ وَرِكَيْهِ قَالَ: فَكَانَ ذَا؛ الْعَهْدَ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ رَجَعْتُ مَعَهُمْ فَأَقَمْتُ بِمَكَّةَ حَتَّى فَشَا فِيهَا الإِسْلَامُ ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الطَّائِفِ فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَسُولاً فَقِيلَ لِي إِنَّهُ لَا يَهِيجُ الرُّسُلَ قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: «آنْتَ وَحْشِيٌّ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «أَنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ»؟ قُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنَ الأَمْرِ مَا بَلَغَكَ. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي»؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ قُلْتُ لأَخْرُجَنَّ
إِلَى مُسَيْلِمَةَ لَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَأُكَافِئَ بِهِ حَمْزَةَ قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي ثَلْمَةِ جِدَارٍ كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ ثَائِرُ الرَّأْسِ قَالَ: فَرَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ. قَالَ: وَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ فَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: فَقَالَتْ جَارِيَةٌ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ وَاأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَتَلَهُ الْعَبْدُ الأَسْوَدُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (أبو جعفر محمد بن عبد الله) بن المبارك المخزومي بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء البغدادي قال: (حدّثنا حجين بن المثنى) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وبعد التحتية الساكنة نون اليمامي بالميم سكن بغداد وولي قضاء خراسان قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون (عن عبد الله بن الفضل) بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني من صغار التابعين (عن سليمان بن يسار) بفتح بالتحتية والسين المهملة المخففة أخي عطاء التابعي (عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم ﵁ أنه (قال: خرجت مع عبيد الله) بضم العين (ابن عدي بن الخيار) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف التحتية ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي (فلما قدمنا حمص) بكسر الحاء وسكون الميم المدينة المشهورة (قال لي عبيد الله بن عدي): ثبت ابن عدي لأبي ذر (هل لك في وحشي)؟ بفتح الواو وسكون الحاء المهملة وكسر الشين المعجمة وتشديد التحتية ابن حرب الحبشي مولى جبير بن مطعم (نسأله عن قتل حمزة)؟ بحذف الضمير ولأبي ذر عن الكشميهني عن قتله حمزة في وقعة أحد (قلت) له: (نعم، وكان وحشي يسكن حمص فسألنا عنه فقيل لنا هو ذاك في ظل قصره كأنه حميت) بحاء مهملة مفتوحة فميم مكسورة فتحتية ساكنة ففوقية على وزن رغيف زق كبير للسمن يشبه به الرجل السمين، وفي رواية لابن عائد فوجدناه رجلاً سمينًا محمرة عيناه (قال) جعفر: (فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير) وفي نسخة يسيرًا (فسلمنا) عليه (فرد) علينا (السلام قال: وعبيد الله) بن عدي (معتجر) بضم الميم وسكون العين المهملة وفتح الفوقية وبعد الجيم المكسورة راء (بعمامته) لفها على رأسه من غير أن يديرها تحت حنكه (ما يرى وحشي) منه (إلا عينيه ورجليه) بالتثنية فيهما (فقال) له (عبيد الله: يا وحشي أتعرفني؟ قال) جعفر: (فنظر إليه) وحشي (ثم قال: لا والله إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال) بكسر القاف وفتح الفوقية المخففة وبعد الألف لام قاله الإمام ابن ماكولا قال في الفتح وللكشميهني أم قبال بالموحدة بدل الفوقية والأول أصح قاله
стр. 2647
الكرماني وتبعه البرماوي وفي بعضها قتال بضم القاف (بنت أبي العيص) بكسر العين المهملة وسكون التحتية بعدها صاد مهملة ونسبها لجدها واسم أبيها أسيد أخت عتاب بن أسيد كذا في أسد الغابة، وقال في الفتح: إنها عمة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية فلينظر (فولدت) أم قتال (له) لعدي (غلامًا بمكة) وسقط لفظ له لأبي ذر (فكنت أسترضع) أي أطلب (له) من يرضعه (فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها
إياه) وزاد ابن إسحاق: والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى فإني ناولتكها وهي على بعيرها فأخذتك فلمعت لي قدمك حين رفعتك فما هو إلا أن وقفت علي فعرفتهما (فلكأني نظرت إلى قدميك) يعني أنه شبه قدميه بقدمي الغلام الذي حمله فكان هو هو وكان بين الرؤيتين نحو من خمسين سنة (قال) جعفر: (فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال) له: (ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال): وحشي (نعم إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر) في وقعتها وطعيمة بضم الطاء وفتح العين مصغرًا قال الدمياطي: وتبعه في التنقيح إنما هو طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وأما عدي بن الخيار فهو ابن أخي طعيمة لأنه عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف (فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي) أي طعيمة بن عدي وفيه تجوز لأنه طعيمة بن عدي كما مر (فأنت حر. قال: فلما أن خرج الناس) يعني قريشًا (عام عينين) تثنية عين أي عام وقعة أحد (وعينين جبل بحيال) جبل (أُحد) بكسر الحاء المهملة بعدها تحتية أي من ناحيته (بينه وبينه واد) وهذا تفسير من بعض الرواة (خرجت مع الناس) قريش (إلى القتال، فلما أن اصطفوا للقتال) وثبت لفظ أن قبل اصطفوا لأبى ذر وجواب لما قوله (خرج سباع) بكسر السين المهملة وتخفيف الموحدة ابن عبد العزى الخزاعي (فقال: هل من مبارز؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال) له: (يا سباع يا ابن أم أنمار) بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الميم وبعد الألف راء هي أمه وكانت مولاة لشريق بن عمرو الثقفي والد الأخنس (مقطعة البظور) بضم الموحدة والظاء المعجمة جمع بظر وهو اللحمة التي تقطع من فرج المرأة الكائنة بين اسكتيها عند ختانها، وكانت أمه ختانة تختن النساء بمكة فعيّره بذلك ومقطعة بكسر الطاء المهملة وفتحها خطأ (أتحادّ الله ورسوله ﷺ ¬) بفتح الهمزة وضم الفوقية وفتح الحاء المهملة وبعد الألف دال مهملة مشددة أي أتعاندهما وتعاديهما. وفي القاموس وحاده غاضبه وعاداه وخالفه وسقطت التصلية لأبي ذر.
(قال) وحشي: (ثم شدّ) حمزة (عليه) أي على سباع فقتله (فكان كأمس الذاهب) في العدم (قال) وحشي: (وكمنت) بفتح الميم اختبأت (لحمزة) أي لأجل أن أقتله (تحت صخرة) وفي مرسل عمير بن إسحاق أنه انكشف الدرع عن بطنه (فلما دنا) أي قرب (مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته) بضم المثلثة وتشديد النون بعدها فوقية في عانته. وقال في القاموس: أو مريطاء ما بينها وبين السرة، وقال في مرط المريطاء كالغبيراء: ما بين السرة أو الصدر إلى العانة (حتى خرجت من بين وركيه) بالتثنية (قال) وحشي: (فكان ذاك) الرمي بالحربة (العهد به) كناية عن موت حمزة (فلما رجع الناس) قريش من أحد (رجعت معهم فأقمت بمكة حتى فشا) أي إلى أن ظهر (فيها الإسلام ثم خرجت) منها (إلى الطائف) هاربًا لما افتتح رسول الله ﷺ مكة (فأرسلوا) أي أهل الطائف (إلى رسول الله ﷺ ¬) عام ثمان (رسولاً) بالإفراد ولأبي ذر رسلاً بالجمع (فقيل) بالفاء ولأبوي ذر والوقت وقيل (لي: إنه لا يهيج الرسل) بفتح حرف المضارعة لا ينالهم منه مكروه، وعند ابن إسحاق فلما خرج وفد أهل الطائف إلى رسول الله ﷺ ليسلموا ضاقت عليّ الأرض وقلت ألحق
بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد فإني لفي ذلك إذ قال رجل: ويحك إنه والله ما يقتل أحدًا من الناس دخل في دينه (قال
стр. 2648
فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله ﷺ فلما رآني قال) لي: (آنت وحشي) بمد الهمزة (قلت نعم قال: أنت قتلت حمزة) مرتين (قلت: قد كان من الأمر) في شأن قتله (ما قد بلغك) كذا في الفرع بإثبات قد وفي أصله وغيره بحذفها (قال) ﵊: (فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني) بضم الفوقية وفتح المعجمة وتشديد التحتية المكسورة (قال: فخرجت) من عنده (فلما قبض رسول الله ﷺ فخرج مسيلمة الكذاب) بكسر اللام صاحب اليمامة على أثر وفاة النبي ﷺ وادعى النبوّة وجمع جموعًا كثيرة لقتال الصحابة، وجهز له أبو بكر الصديق ﵁ جيشًا وأمّر عليهم خالد بن الوليد (قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ فيه حمزة) بالهمزة أي أواسيه به وهو تأكيد وخوف، وإلا فلا ريب أن الإسلام يجب ما قبله (قال) وحشي: (فخرجت مع الناس) الذين جهزهم أبو بكر لقتال مسيلمة (فكان من أمره) أي مسيلمة (ما كان) من المقاتلة وقتل جمع من الصحابة ثم كان الفتح للمسلمين (قال: فإذا رجل) أي مسيلمة (قائم في ثلمة جدار) بفتح المثلثة مصحح عليه في اليونينية وفرعها وسكون اللام أي خلل جدار (كأنه جمل أورق) أسمر لونه كالرماد (ثائر الرأس) منتشر شعره (قال: فرميته بحربتي) التي قتلت بها حمزة (فأضعها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فوضعتها (بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه قال: ووثب إليه رجل من الأنصار) جزم الحاكم والواقدي لإسحاق بن راهويه أنه عبد الله بن زيد بن عاصم المازني وجزم سيف في كتاب الردة أنه عدي بن سهل وقيل أبو دجانة والأول أشهر (فضربه بالسيف على هامته) أي رأسه (قال) عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة بالإسناد السابق (قال عبد الله بن الفضل: فأخبرني) بالإفراد (سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر) ﵄ (يقول: فقالت جارية) لما قتل مسيلمة (على ظهر بيت) تندبه (واأمير المؤمنين قتله العبد الأسود) وحشي وذكرته بلفظ الإمرة وإن كان يدّعي الرسالة لما رأته من أمور أصحابه الذين آمنوا به كلها كانت إليه، وأطلقت على أصحابه المؤمنين باعتبار إيمانهم به ولم تقصد إلى تلقيبه بذلك والله أعلم.
٢٤ - باب مَا أَصَابَ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الْجِرَاحِ يَوْمَ أُحُدٍ
(باب) ذكر (ما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أُحد) سقط لفظ باب لأبي ذر.
٤٠٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِنَبِيِّهِ - يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ - اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر وابن عساكر حدثني (إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي المروزي نزيل بخارى قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن
معمر) هو ابن راشد (عن همام) بتشديد الميم ابن منبه أنه (سمع أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬) ولأبوي ذر والوقت: النبي (¬ ﷺ ¬):
(اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه يشير إلى) كسر (رباعيته) أي اليمنى السفلى والرباعية بفتح الراء وتخفيف الموحدة السن التي تلي الثنية من كل جانب وللإنسان أربع رباعيات، وكان الذي كسر رباعيته ﷺ عتبة بن أبي وقاص وجرح شفته السفلى (اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ ¬) سقطت التصلية لأبي ذر (في سبيل الله) كما قتل في غزوة أُحد أبي بن خلف الجمحي وخرج بقوله في سبيل الله من قتله في حدّ أو قصاص.
٤٠٧٤ - حَدَّثَنِي مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ .
[الحديث ٤٠٧٤ - أطرافه في: ٤٠٧٦].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (مخلد بن مالك) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة أبو جعفر النيسابوري الرازي الأصل من إفراده قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي) بضم الهمزة وفتح الميم قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ﵄) أنه (قال):
(اشتد) كذا في اليونينية وغيرها من الأصول المعتمدة عن ابن عباس قال: اشتد وفي الفرع عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ اشتد (غضب الله على من قتله النبي ﷺ ¬) بيده (في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دموا) بفتح الدال المهملة
стр. 2649
والميم المشددة أي جرحوا (وجه نبي الله ﷺ ¬) حتى خرج منه الدم، وكان الذي جرح وجهه الشريف ﷺ ابن قميئة فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته فانتزعهما أبو عبيدة عامر بن الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما، وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته ثم ازدرده، فقال ﵊: "من مس دمي دمه لم تصبه النار".
وحديث الباب من مراسيل الصحابة لأن أبا هريرة وابن عباس لم يشهدا وقعة أُحد، ويحتمل أن يكونا تحملاه ممن حضرها أو سمعاه من النبي ﷺ بعده.
باب
هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة فهو كالمفصل من سابقه وسقط لأبي ذر.
٤٠٧٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ
وَهْوَ يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ، وَبِمَا دُووِيَ. قَالَ: كَانَتْ فَاطِمَةُ ﵍ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغْسِلُهُ وَعَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ الْمَاءَ بِالْمِجَنِّ فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلاَّ كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةً مِنْ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَئِذٍ وَجُرِحَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ.
وبه قال (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البلخي واسمه يحيى وقتيبة لقب غلب عليه قال: (حدّثنا يعقوب) بن عبد الرحمن الإسكندراني (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار (أنه سمع سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين فيهما الساعدي ﵄ (وهو يسأل) بضم أوله مبنيًّا للمفعول وفي الفرع بالفتح ولعله سبق قلم (عن جرح رسول الله ﷺ ¬) الذي جرحه في وقعة أُحد (فقال: أما) بتخفيف الميم حرف استفتاح وتكثر قبل القسم كقوله:
أما والذي أبكى وأضحك والذي … أمات وأحيى والذي أمره
وقوله هنا (والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﷺ ومن كان يسكب الماء وبما دووي) بضم الدال المهملة وسكون الواو الأولى وكسر الثانية بعدها تحتية مبنيًّا للمفعول (قال: كانت فاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ تغسله، وعلي بن أبي طالب) ثبت أن ابن أبي طالب لابن عساكر (يسكب الماء بالمجن) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون بالترس على الجرح (فلما رأت فاطمة) ﵂ (أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخدت قطعة من حصير فأحرقتها) حتى صارت رمادًا (وألصقتها) بالواو بالجرح ولأبوي ذر والوقت فألصقتها (فاستمسك الدم وكسرت رباعيته) اليمنى السفلى (يومئذٍ) كسرها عتبة بن أبي وقاص أخو سعد ومن ثم لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث إلا وهو أبخر أو أهتم أي مكسور الثنايا يعرف ذلك في عقبه (وجرح وجهه) جرحه عبد الله بن قميئة أقمأه الله (وكسرت البيضة) أي الخوذة (على رأسه) وسلط الله على ابن قميئة تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة.
٤٠٧٦ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ واشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عمرو بن علي) أبو حفص الباهلي الصيرفي الفلاس البصري قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل قال: (حدّثنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال):
(اشتد غضب الله على من قتله نبي) بييده في غير قصاص أو حدّ (واشتد غضب الله على من
دمّى) بتشديد الميم (وجه رسول الله ﷺ ¬) كذا أورده هنا عن ابن عباس لم يذكر النبي ﷺ ورفعه في السابق.
٢٥ - باب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾) [آل عمران: ١٧٢].
٤٠٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂-: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢] قَالَتْ لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ أَبُوكَ مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ وَأَبُو بَكْرٍ لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا أَصَابَ يَوْمَ أُحُدٍ وَانْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا. قَالَ: «مَنْ يَذْهَبُ فِي أثْرِهِمْ» فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلاً قَالَ: كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدثني (محمد) هو ابن سلام قال: (حدّثنا أبو معاوية) محمد بن خازم السعدي (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂) في سبب قوله تعالى: (﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾) مبتدأ خبره للذين أحسنوا أو صفة للمؤمنين أو نصب على المدح (﴿من بعد ما أصابهم القرح﴾) الجرح (﴿للذين أحسنوا منهم واتقوا﴾) من للتبيين كهي في قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة﴾ [الفتح: ١٧٢] لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا بعضهم (﴿أجر عظيم﴾) [آل عمران: ١٧٢] في الآخرة.
(وقالت) أي عائشة ﵂ (لعروة: يا ابن أختي) هي أسماء بنت أبي بكر (كان أبوك منهم الزبير و) أبي (أبو بكر) الصديق ﵁ ولابن عساكر أبواك بالتثنية وعلى هذا ففيه إطلاق الأب على الجد (لما أصاب رسول الله ﷺ ¬) نصب على المفعولية ولأبي ذر نبي الله (¬ ﷺ ما أصاب يوم أُحد
стр. 2650
وانصرف) بالواو ولأبي ذر فانصرف (المشركون) ولأبي ذر عن الكشميهني: عنه المشركون (خاف أن يرجعوا) إليهم لما بلغه أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع (قال): ولأبوي ذر والوقت فقال: (من يذهب في أثرهم)؟ بكسر الهمزة وسكون المثلثة، وعند ابن إسحاق أنه إنما خرج مرهبًا للعدو وليظنوا أن الذي أصابهم لم يوهنهم عن طلب عدوهم (فانتدب) فأجاب (منهم سبعون رجلاً) ممن حضر وقعة أُحُد (قال: كان فيهم أبو بكر والزبير) وسمى منهم ابن عباس عند الطبراني: أبا بكر، وعمر وعثمان، وعليًا، وعمار بن ياسر، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبا حذيفة، وابن مسعود ﵃، وعند ابن إسحاق وغيره أنهم لما بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثلاثة أميال فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت هذه الآية.
٢٦ - باب مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْهُمْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالْيَمَانُ وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ
(باب من قتل من المسلمين يوم) وقعة (أُحد منهم حمزة بن عبد المطلب) أسد الله وأسد رسوله قتله وحشي بن حرب. وفي طبقات ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال: كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل بين يدي رسول الله ﷺ يوم أُحد بسيفين ويقول: أنا أسد الله وجعل يقبل ويدبر فبينما هو كذلك إذ عثر عثرة فوقع على ظهره وبصر به الأسود فزرقه بحربة فقتله وفيها أيضًا: أن هندًا لما لاكت كبده ولم تستطع أكلها قال ﷺ : "أأكلت منها شيئًا" قالوا: لا. قال: "ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة النار".
وسبق ذكره في باب مفرد وسقط ابن عبد المطلب لأبي ذر.
(و) منهم (اليمان) أبو حذيفة قتله المسلمون خطأ كما مرّ في آخر باب إذ همت طائفتان (و) منهم (أنس بن النضر) بضاد معجمة ابن ضمضم بن زيد بن حرام وهو عم أنس بن مالك كما ذكره أبو نعيم وابن عبد البر وغيرهما، ولأبي ذر: النضر بن أنس وهو خطأ، والصواب الأوّل كما ذكره الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله وابن عبد البر وأبو إسحاق الصريفيني (و) منهم (مصعب بن عمير) بضم الميم وفتح العين وعمير مصغر ابن هاشم بن عبد مناف وكان حامل اللواء.
٤٠٧٨ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: مَا نَعْلَمُ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَكْثَرَ شَهِيدًا أَعَزَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الأَنْصَارِ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ وَيَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ سَبْعُونَ وَيَوْمَ الْيَمَامَةِ سَبْعُونَ قَالَ: وَكَانَ بِئْرُ مَعُونَةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَوْمُ الْيَمَامَةِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ.
وبه (وقال: حدثني) بالإفراد (عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن بحر بن كنيز بالنون والزاي الصيرفي الفلاس قال: (حدّثنا معاذ بن هشام) الدستوائي (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) هشام (عن قتادة) بن دعامة أنه (قال: ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا أعز) بعين مهملة فزاي من العزة ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني أغر بغين معجمة فراء وانتصابهما صفة أو عطف بحذف حرف العطف كالتحيات المباركات (يوم القيامة من الأنصار).
(قال قتادة): بالإسناد السابق مستدلاً على صحة قوله الأوّل (وحدّثنا أنس بن مالك) ﵁ (أنه قتل منهم) من الأنصار (يوم أُحد سبعون) وكذا قال: إن السبعين من الأنصار
خاصة ابن سعد في طبقاته لكنهم في تراجمهم زادوا على ذلك، وقد سرد الحافظ أبو الفتح أسماء المستشهدين من المهاجرين والأنصار ستة وتسعين منهم من المهاجرين ومن ذكره معهم أحد عشر، ومن الأنصار خمسة وثمانين من الأوس ثمانية وثلاثين ومن الخزرج سبعة وأربعين. منهم عند ابن إسحاق من المهاجرين أربعة ومن الأنصار أحدًا وستين من الأوس أربعة وعشرين ومن الخزرج سبعة وثلاثين والباقين عن موسى بن عقبة أو عن ابن سعد أو عن ابن هشام والزيادة ناشئة عن الاختلاف في بعضهم.
(و) قتل منهم (يوم بئر معونة سبعون) كان يقال لهم القراء (ويوم اليمامة) مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف (سبعون. قال): قتادة كما في مستخرج أبي نعيم (وكان بئر معونة على عهد رسول الله ﷺ ¬) حيث بعثهم لحاجة فعرض لهم حيان من بني سليم رعل وذكوان فقتلوهم فدعا عليهم النبي ﷺ شهرًا في صلاة الغداة وذلك في بدء القنوت (ويوم اليمامة على عهد أبي بكر) الصديق في خلافته (يوم) قتال (مسيلمة) بكسر اللام (الكذاب) الذي ادّعى
стр. 2651
النبوّة.
٤٠٧٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ»؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني قال: (حدّثنا الليث) بن سعد إمام المصريين (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى) وقعة (أُحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم) أي القتلى (أكثر أخذًا للقرآن) بسكون الخاء المعجمة (فإذا أشير له) ﵊ (إلى أحد) من القتلى بالأكثرية (قدمه في اللحد) مما يلي القبلة (وقال) ﵊: (أنا شهيد على هؤلاء) أراقب أحوالهم وشفيع لهم (يوم القيامة وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا) فيحرم غسل الشهيد ولو جنبًا والصلاة عليه، والحكمة فيهما كدفنهم بدمائهم إبقاء أثر الشهادة عليهم وأما حديث صلاته ﵊ على قتلى أحد صلاته على الميت فالمراد دعا لهم كدعائه للميت جمعًا بين الأدلة.
وسبق هذا الحديث في باب من يقدم في اللحد من الجنائز.
٤٠٨٠ - وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: عَنْ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَبْكِي وَأَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ فَجَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَنْهَوْنِي وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَنْهَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَبْكِيهِ -أَوْ مَا تَبْكِيهِ- مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا» حَتَّى رُفِعَ.
(وقال أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ المؤلّف فيما وصله الإسماعيلي (عن شعبة) بن الحجاج (عن ابن المنكدر) محمد القرشي التيمي أنه (قال: سمعت جابرًا) ولأبي الوقت جابر بن عبد الله (قال: لما قتل أبي) عبد الله يوم أُحد (جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي ﷺ ينهوني) عن البكاء، ولأبي ذر: ينهونني (والنبي ﷺ لم ينه) عنه (وقال النبي ﷺ ¬):
(لا تبكيه) ولأبي ذر وابن عساكر لا تبكه بإسقاط التحتية (أو ما تبكيه) وعند مسلم وجعلت فاطمة بنت عمرو عمتي تبكيه فقال النبي ﷺ : "لا تبكيه" كذا قرره في فتح الباري. قال: وكذا تقدم عند المصنف في الجنائز، وتعقبه العيني بأن الذي في الجنائز ليس كذلك بل لفظه: فذهبت أريد أن أكشف عنه فنهاني قومي، ثم ذهبت أكشف عنه فنهاني قومي فأمر رسول الله ﷺ فرفع فسمع صوت صائحة فقال: "من هذه" فقالوا: ابنة عمرو أو أخت عمرو قال: "فلم تبكي أو لا تبكي" وكيف ترك صريح النهي لجابر، ويقال: النهي هنا لفاطمة بنت عمرو وليس لها ذكر، وهذا تصرف عجيب وإن كان أصل الحديث واحدًا فلا يمنع أن يكون النهي هنا لجابر وهناك لفاطمة بنت عمرو انتهى.
(ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها) متزاحمين على المبادرة ليصعدوا بروحه وتبشره بما أعد الله له من الكرامة وأو ليست للشك بل للتسوية بين البكاء وعدمه أي أن الملائكة تظله سواء تبكيه أم لا (حتى رفع) من محله.
وسبق هذا الحديث في باب الدخول على الميت بعد الموت من الجنائز.
٤٠٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أُرَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ بِهِ اللَّهُ مِنَ الْفَتْحِ، وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر وابن عساكر حدثني بالإفراد (محمد بن العلاء) بفتح العين ممدودًا أبو كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء (ابن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء (عن جده أبي بردة) عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁) قال البخاري أو شيخه محمد بن العلاء: (أرى) بضم الهمزة وفتح الراء أظن أنه (عن النبي ﷺ ¬) شك هل تحمله مرفوعًا أم لا أنه (قال):
(رأيت في رؤياي) ولأبي ذر عن الكشميهني أريت بهمزة مضمومة وكسر الراء (أني هززت
سيفًا) بفتح الهاء والزاي الأولى وسكون الثانية وهو ذو الفقار، ولأبي ذر عن الكشميهني سيفي (فانقطع صدره) وعند ابن إسحاق ورأيت في ذباب سيفي ثلمًا (فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أُحد) قال المهلب: لما كان النبي ﷺ يصول بأصحابه عبر عن السيف بهم وبهزه عن أمره لهم الحرب وعن القطع فيه بالقتل فيهم وفي رواية عروة كان الذي رأى بسيفه ما أصاب وجهه عند ابن هشام، وأما الثلم في السيف فهو رجل من أهل بيتي يقتل (ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان فإذا هو ما جاء به الله) ولأبي ذر ما جاء الله به (من الفتح واجتماع المؤمنين ورأيت فيها)
стр. 2652
أي في رؤياي (بقرًا) بالموحدة والقاف المفتوحتين زاد أبو يعلى وأبو الأسود في مغازيه تذبح (والله خير) رفع مبتدأ وخبر وفيه حذف تقديره وصنع الله خير (فإذا هم) أي البقر (المؤمنون) الذين قتلوا (يوم أحد).
وفي حديث جابر عند أحمد والنسائي أنه ﷺ قال: "رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرًا تنحر فأوّلت الدرع الحصينة المدينة وأن البقر بقر والله خير"، وقوله بقر الأخير بسكون القاف مصدر بقرة يبقره بقرًا أي شق بطنه، وهذا أحد وجوه التعبير وهو أن يشتق من الأمر معنى يناسب.
وبهذا الحديث سبب بينه في حديث ابن عباس المروي عند أحمد أيضًا والنسائي في قصة أُحد، وإشارة النبي ﷺ أن لا يبرحوا من المدينة وإيثارهم الخروج لطلب الشهادة ولبسه اللأمة وندامتهم على ذلك، وقوله ﷺ : "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" وفيها "إني رأيت أني في درع حصينة" الحديث.
٤٠٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ خَبَّابٍ ﵁ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَنَحْنُ نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى أَوْ ذَهَبَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا كَانَ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يَتْرُكْ إِلاَّ نَمِرَةً كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْليْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الإِذْخِرَ -أَوْ قَالَ- أَلْقُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ» وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهْوَ يَهْدِبُهَا.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا زهير) هو ابن معاوية قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان الكوفي (عن شقيق) هو ابن اسلمة (عن خباب) بالخاء المعجمة والموحدة المشدّدة المفتوحتين وبعد الألف موحدة أيضًا ابن الأرت بالفوقية المشددة (﵁) أنه (قال: هاجرنا مع النبي ﷺ ¬) أي إلى المدينة (ونحن نبتغي) أي نطلب (وجه الله) لا الدنيا (فوجب أجرنا على الله) فضلاً (فمنا من مضى) أي مات (أو ذهب) شك الراوي (لم يأكل من أجره) من الغنائم (شيئًا كان منهم مصعب بن عمير) بضم العين مصغرًا
(قتل يوم أُحد ولم) بالواو والذي في اليونينية فلم (يترك إلا نمرة) أي شملة مخططة من صوف (كنا إذا غطينا) بفتح الغين (بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطي) بضم الغين وكسر الطاء (بها رجليه) ولأبي ذر رجلاه بالألف بدل الياء وهو أوجه (خرج رأسه فقال لنا النبي ﷺ ¬):
(غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر) بالذال المعجمة ولأبي ذر من الإذخر (أو قال) ﵊: (ألقوا) بفتح الهمزة وضم القاف بدل اجعلوا (على رجليه من الإذخر ومنا من أينعت) أي أدركت ونضجت (لله ثمرته فهو يهدبها) بكسر الدال المهملة وتضم أي يجتنيها.
وسبق هذا الحديث أول الغزوة.
٢٧ - باب أُحُدٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ قَالَهُ عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ: عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
هذا (باب) بالتنوين (أُحد) الجبل الذي كان به الوقعة (يحبنا ونحبه) (قاله عباس بن سهل) الساعدي الأنصاري مما وصله المؤلّف في باب خرص التمر من كتاب الزكاة (عن أبي حميد) عبد الرحمن (عن النبي ﷺ ¬) وأُحد كما قال ياقوت في معجم البلدان له بضم أوله وثانيه معًا وهو اسم مرتجل لهذا الجبل، وقال السهيلي: سمي به لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك قال أيضًا: وهو مشتق من الأحدية وحركات حروفه الرفع وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوّه.
وقال ياقوت: هو جبل أسمر ليس بذي شناخيب بينه وبين المدين قرابة ميل في شماليها ولما ورد محمد بن عبد الملك الفقعسي بغداد حنّ إلى وطنه وذكر أُحدًا وغيره من نواحي المدينة قال:
نفى النوم عني والفؤاد كئيب … نوائب همّ ما تزال تنوبُ
وأحراض أمراض ببغداد جمعت … عليّ وأنهار لهن قشيبُ
وظلت دموع العين تمري غروبها … من الماء درّات لهن شعوبُ
وما جزعة من خشية الموت أخضلت … دموعي ولكن الغريب غريبُ
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بسلع ولم تغلق علي دروبُ
وهل أحد باد لنا وكأنه … حصان أمام المقربات جنيبُ
يخب السراب الضحل بيني وبينه … فيبدو لعيني تارة ويغيبُ
فإنّ شفائي نظرة إن نظرتها … إلى أُحد والحرَّتان قريبُ
стр. 2653
وإني لأرعى النجم حتى كأنني … على كل نجم في السماء رقيبُ
وأشتاق للبرق اليمانيّ إن بدا … وأزداد شوقًا أن تهب جنوبُ
٤٠٨٣ - حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (نصر بن علي) الجهضمي البصري (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) علي بن نصر (عن قرة بن خالد) بضم القاف وتشديد الراء (عن قتالة) بن دعامة أنه قال: (سمعت أنسًا ﵁) يقول (إن النبي ﷺ ¬) وفي رواية حميد المعلقة السابقة هنا الموصولة في الزكاة لما رجع من تبوك ورأى أُحُدًا (قال):
(هذا جبل يحبنا ونحبه) حقيقة وضع الله تعالى فيه الحب كما وضع التسبيح في الجبال المسبحة مع داود ﵊ وكما وضع الخشية في الحجارة التي قال فيها: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ [البقرة: ٧٤]. ولا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء والأولياء كما حنت الأسطوانة على مفارقته ﷺ حتى سمع الناس حنينها، أو المراد الأنصار سكان المدينة فيكون من باب حذف المضاف كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]. قيل: أراد أنه كان يبشره إذ رآه عند القدوم من أسفاره بالقرب من أهله ولقائهم وذلك فعل المحب.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في المناسك.
٤٠٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن عمرو) بفتح العين وسكون الميم ابن أبي عمرو بفتح العين أيضًا (مولى المطلب) بن حنطب (عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ طلع على أُحُد) بفتح الطاء واللام مخففًا. وفي باب فضل الخدمة في الغزو من كتاب الجهاد من طريق عبد العزيز بن عبد الله الأويسي عن محمد بن جعفر عن عمر أن أنسًا قال: خرجت مع النبي ﷺ إلى خيبر أخدمه فلما قدم النبي ﷺ راجعًا بدا له أُحُد (فقال):
(هذا) مشيرًا إلى أُحُد (جبل يحبنا ونحبه) إذ جزاء من يحب أن يحب.
قال في الروض وفي الآثار المسندة: إن أُحُدًا يكون يوم القيامة عند باب الجنة من داخلها.
وفي المسند عن أبي عثمان بن جبير عن رسول الله ﷺ قال: "أُحُد يحبنا ونحبه وهو على باب الجنة وعير يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبواب النار" ويقويه قوله ﷺ : "المرء مع من أحب" فيناسب هذه الآثار ويشدّ بعضها بعضًا، وقد كان النبي ﷺ يحب الاسم الحسن ولا أحسن من اسم مشتق من الأحدية، وقد سمى الله تعالى هذا الجبل بهذا الاسم مقدمة لما أراده الله تعالى من
مشاكلة اسمه لمعناه إذ أهله وهم الأنصار نصروا رسول الله ﷺ ، والتوحيد والمبعوث بدين التوحيد استقر عنده حيًّا وميتًا، وكان من عادته ﷺ أن يستعمل الوتر ويحبه في شأنه كله استشعارًا للأحدية فقد وافق اسم هذا الجبل أغراضه ﷺ ومقاصده في الأسماء فتعلق الحب من النبي ﷺ به اسمًا ومسمى، فخص من بين الجبال بأن يكون معه في الجنة ﴿إذا بُسَّتِ الجبال بسًّا * فكانت هباء مبنثًّا﴾ [الواقعة: ٥، ٦] قال: وفي أُحُد قبر هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام وكانا قد مرّا بأُحُد حاجين أو معتمرين. روي هذا المعنى في حديث أسنده الزبير عن النبي ﷺ في كتاب فضائل المدينة انتهى.
(اللهم إن إبراهيم) الخليل ﵊ (حرم مكة) بتحريمك لها على لسانه (وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها) بتخفيف الموحدة تثنية لابة وهي الحرة والمدينة بين حرتين وفي الجهاد كتحريم إبراهيم مكة ومراده في الحرمة فقط لا في وجوب الجزاء.
٤٠٨٥ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ -أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ- وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عمرو بن خالد) بفتح العين ابن فروخ الحراني قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد المصري (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله اليزني (عن عقبة) بن عامر الجهني - رضي الله تعالى عنه - (أن النبي ﷺ خرج يومًا فصلى على) قتلى (أهل أُحُد) زاد في أول غزوة أحُد بعد ثمان سنين وسبق فيه ما فيه من البحث (صلاته على الميت) أي دعا لهم كدعائه
стр. 2654
للميت إذا صلّى عليه جميعًا بين الأدلة (ثم انصرف إلى المنبر فقال):
(إني فرط لكم) بفتح الفاء والراء أي سابقكم إلى الحوض أهيئه لكم وهذا كناية عن اقتراب أجله صلوات الله عليه (وأنا شهيد عليكم) بأعمالكم (وإني لأنظر إلى حوضي الآن) نظرًا حقيقيًا بطريق الكشف (وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض) بالشك من الراوي (وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا) بالله (بعدي) أي لست أخشى على جميعكم الإشراك بل على مجموعكم إذ قد وقع ذلك من بعضهم (ولكني) بالياء التحتية بعد النون المشددة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولكن (أخاف عليكم أن تنافسوا) بإسقاط إحدى التاءين أي ترغبوا (فيها) أي في الدنيا.
وهذا الحديث قد سبق في أول غزوة أُحُد.
٢٨ - باب غَزْوَةُ الرَّجِيعِ، وَرِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَبِئْرِ مَعُونَةَ، وَحَدِيثِ عَضَلٍ، وَالْقَارَةِ، وَعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ وَخُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ أَنَّهَا بَعْدَ أُحُدٍ.
(باب غزوة الرجيع) بفتح الراء وكسر الجيم وبعد التحتية عين مهملة اسم موضع من بلاد هذيل كانت الوقعة بالقرب منه في صفر من سنة أربع، وسقط باب لأبي ذر وابن عساكر (و) غزوة (رعل) بكسر الراء وسكون العين المهملة بعدها لام بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن ثعلبة بن بهثة بن سليم. (وذكوان) بالذال المعجمة من بني سليم أيضًا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم فنسبت الغزوة إليهما. (وبئر معونة) موضع من بلاد هذيل مكة وعسفان وتعرف الوقعة بسرية القراء السبعين وكانت مع بني رعل وذكوان المذكورين كما سيأتي في حديث أنس إن شاء الله تعالى.
(وحديث عضل) بفتح العين المهملة والضاد المعجمة بعدها لام بطن من بني الهون ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ينسبون إلى عضل بن الديش (و) حديث (القارة) بالقاف وتخفيف الراء بطن من الهون ينسبون إلى الديش المذكور أو القارة أكمة سوداء كأنهم نزلوا عندها فسموا بها (و) حديث (عاصم بن ثابت) أي ابن أبي الأقلح بالقاف والحاء المهملة بينهما لام مفتوحة الأنصاري وهي غزوة الرجيع (و) حديث (خبيب) بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الأولى مصغرًا (وأصحابه) وكانوا عشرة أنفس وهي مع عضل والقارة، وقول الدمياطي: إن الوجه تقديم عضل وما بعدها على الرجيع وتأخير رعل وذكوان مع بئر معونة تعقبه في المصابيح بأنه ليس في البخاري ما يقتضي الترتيب بين الغزوات حتى يكون ذكره لها على هذا النمط ليس الوجه.
(قال ابن إسحاق): محمد صاحب المغازي (حدّثنا عاصم بن عمر) بن قتادة الظفري الأنصاري العلامة في المغازي (أنها) أي غزوة الرجيع كانت (بعد) غزوة (أُحُد).
٤٠٨٦ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ وَهْوَ جَدُّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لَحِيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلاً نَزَلُوهُ فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ تَزَوَّدُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ فَتَبِعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى لَحِقُوهُمْ فَلَمَّا انْتَهَى عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ، وَجَاءَ الْقَوْمُ فَأَحَاطُوا بِهِمْ، فَقَالُوا: لَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلاً، فَقَالَ عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ بِالنَّبْلِ، وَبَقِيَ
خُبَيْبٌ وَزَيْدٌ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَأَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، فَلَمَّا أَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، نَزَلُوا إِلَيْهِمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ الَّذِي مَعَهُمَا: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَتَلُوهُ وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزَيْدٍ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ فَاشْتَرَى خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا قَتْلَهُ اسْتَعَارَ مُوسَى مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ أَسْتَحِدَّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ قَالَتْ: فَغَفَلْتُ عَنْ صَبِيٍّ لِي فَدَرَجَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ فَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَ ذَاكَ مِنِّي وَفِي يَدِهِ الْمُوسَى، فَقَالَ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَاكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعالَى، وَكَانَتْ تَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا كَانَ إِلاَّ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ، فَخَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَرَوْا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنَ الْمَوْتِ لَزِدْتُ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ هُوَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ثُمَّ قَالَ:
مَا أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ، وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا بِشَىْءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ وَكَانَ عَاصِمٌ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَىْءٍ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عمرو بن أبي سفيان) بفتح العين وسكون الميم (الثقفي) بالمثلثة (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال):
(بعث النبي ﷺ سرية) ولأبي ذر عن الكشميهني بسرية بزيادة موحدة أوله (عينًا) وسبق في بدر بعث عشرة عينًا يتجسسون له ولأبي الأسود عن عروة بعثهم عيونًا إلى مكة ليأتوه بخبر قريش وسمى منهم ابن سعد عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومرثد بن أبي مرثد، وعبد الله بن طارق، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وخالد بن أبي البكير، ومعتب بن عبيد وهو أخو عبد الله بن طارق لأمه وهما من بني بليّ حليفان لبني ظفر (وأمّر عليهم عاصم بن ثابت) الأنصاري وقيل مرثد بن أبي مرثد (وهو جدّ عاصم بن عمر بن الخطاب) قال الحافظ عبد العظيم: غلط عبد الرزاق وابن عبد البر فقالا في عاصم هذا: هو جد عاصم بن عمر بن
الخطاب وذلك وهم، وإنما هو خال عاصم لأن أم عاصم بن عمر جميلة بنت ثابت وعاصم هو أخو جميلة ذكر ذلك الزبير القاضي وعمه مصعب الإمامان في علم النسب.
(فانطلقوا حتى إذا كان) عاصم ومن معه ولأبي ذر عن الكشميهني كانوا (بين عسفان ومكة) وبينهما مرحلتان (ذكروا) بضم المعجمة مبنيًا للمفعول (لحي من هذيل)
стр. 2655
بالذال المعجمة (يقال لهم بنو لحيان) بكسر اللام وفتحها (فتبعوهم بقريب من مائة رام) بالنبل (فاقتصوا آثارهم) أي تبعوهم شيئًا فشيئًا (حتى أتوا منزلاً نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا: هذا تمر يثرب فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد) بفتح الفاءين بينهما دال مهملة ساكنة آخره دال أخرى أي رابية مشرفة (وجاء القوم) بنو لحيان (فأحاطوا بهم) بعاصم وأصحابه (فقالوا) أي بنو لحيان لهم (لكم العهد والميثاق وإن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم: أما) بتشديد الميم (أنا فلا أنزل في ذمة كافر) وعند ابن سعد فأما عاصم بن ثابت ومرثد بن أبي مرثد وخالد بن أبي البكير ومعتب بن عبيد فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا ولا عقدًا أبدًا اهـ.
وقال عاصم: (اللهم أخبر عنا نبيك) ولأبي ذر وابن عساكر: رسولك. زاد الطيالسي عن إبراهيم بن سعد فاستجاب الله تعالى لعاصم فأخبر رسوله ﷺ خبره فأخبر أصحابه بذلك يوم أصيبوا (فقاتلوهم) بفتح التاء وللأربعة فرموهم (حتى قتلوا عاصمًا في) جملة (سبعة نفر بالنبل) بفتح النون وسكون الموحدة (وبقي خبيب وزيد) أي ابن الدثنة بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة (ورجل آخر) هو عبد الله بن طارق (فأعطوهم العهد والميثاق فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا) من الفدفد (إليهم فلما استمكنوا منهم حلّوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهما): وهو عبد الله بن طارق (هذا أول الغدر فأبى) أي امتنع (أن يصحبهم فجرروه) بفتح الجيم وتشديد الراء الأولى وضم الثانية (وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه) وفي طبقات ابن سعد وخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كانو بمرّ الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه بمرّ الظهران.
(وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل) وعند ابن إسحاق كابن سعد أن الذي اشتراه حجير بن أبي إهاب التيمي حليف بني نوفل وكان أخا الحارث بن عامر لأمه ليقتله بأبيه (وكان خبيب هو قتل الحارث) بن عامر المذكور (يوم بدر) قال الشرف الدمياطي: لم يذكر أحد من أهل المغازي أن خبيب بن عدي شهد بدرًا ولا قتل الحارث بن عامر، وإنما ذكروا أن الذي قتل الحارث بن عامر ببدر خبيب بن يساف وهو غير خبيب بن عدي وهو خزرجي وخبيب بن عدي أوسي اهـ. وزاد ابن سعد: وأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية وقتله بأبيه.
(فمكث) خبيب (عندهم) أي عند بني الحارث (أسيرًا حتى إذا) خرجت الأشهر الحرم
و (أجمعوا قتله استعار موسى) بالتنوين وتركه (من بعض بنات) بني (الحارث) اسمها زينب بنت الحارث أخت عقبة بن الحارث الذي قتل خبيبًا (استحدّ بها) بهمزة وصل وسكون السين المهملة وفتح التاء والحاء والدال المشددة المهملتين أي حلق بها عانته، والذي في اليونينية استحدّ بقطع الهمزة وكسر الحاء وكشط فوق الشدة، وتبعه في الفرع لكنه كشط خفضة الحاء ولم يضبطها ولأبوي ذر والوقت ليستحد بها (فأعارته) موسى (قالت) زينب: (فغفلت) بفتح الفاء (عن صبي لي) هو أبو حسين بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وهو جد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي المخزومي المحدث (فدرج) أي فمشى (إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه فلما رأيته فزعت) بكسر الزاي (فزعة عرف ذاك) الفزع (مني) ولأبي ذر ذلك باللام (وفي يده الموسى فقال: أتخشين) أي أتخافين ولأبي ذر عن الكشميهني أتحسبين بحاء وسين مهملتين بعدهما موحدة مكسورتين أتظنين (أن أقتله ما كنت لأفعل ذاك) بكسر الكاف (إن شاء الله تعالى، وكانت) زينب (تقول: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب لقد رأيته يأكل من قطف عنب) بكسر القاف أي عنقود (وما بمكة يومئذ ثمرة) بالمثلثة وفتح الميم وفي الفرع بالمثناة الفوقية وسكون الميم (وإنه لموثق) بالمثلثة مقيد (في الحديد وما كان) ذلك
стр. 2656
القطف (إلاّ رزق رزقه الله) خبيبًا (فخرجوا به من الحرم) إلى التنعيم (ليقتلوه فقال: دعوني) اتركوني (أصلي) بالتحتية بعد اللام ولأبي ذر عن الكشميهني أصل (ركعتين) فصلاهما بالتنعيم ثم انصرف إليهم فقال: (لولا أن تروا أن ما بي جزع) وللكشميهني مما في الفرع فقط من جزع (من الموت لزدت) على الركعتين (فكان) خبيب (أول من سنّ الركعتين عند القتل هو) واستشكل قوله أول من سن إذ السنّة إنما هي أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله وأحواله. وأجيب: بأنه فعلهما في حياته ﷺ واستحسنهما.
(ثم قال): خبيب يدعو عليهم (اللهم أحصهم عددًا) بقطع الهمزة والحاء والصاد المهملتين أي أهلكهم بحيث لا يبقى من عددهم أحد (ثم قال: ما أبالي) بضم الهمزة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: وما أن أبالي "ما" نافية، وإن بكسر الهمزة نافية للتأكيد، وله عن الكشميهني فلست أبالي، وفي نسخة من اليونينية ولست أبالي (حين أقتل مسلمًا. على أي شق) بكسر الشين المعجمة أي جنب (كان لله مصرعي).
(وذلك في ذات الإله) أي طاعته، ولهذه اللفظة مباحث طويلة تأتي إن شاء الله تعالى بفضل الله تعالى ومعونته في باب ما يذكر في الذات والنعوت من كتاب التوحيد (وإن يشأ .. ) (يبارك على أوصال شلو) جمع وصل أي عضو، والشلو بكسر الشين المعجمة وسكون اللام الجسد أي على أعضاء جسد (ممزع) بزاي مشددة مفتوحة فعين مهملة مقطع.
(ثم قام إليه عقبة بن الحارث) أخو زينب وكنيته أبو سروعة كما يأتي (فقتله. وبعثت قريش إلى عاصم) أي ابن ثابت المقتول في جملة النفر السبعة (ليؤتوا) بضم التحتية وفتح الفوقية (بشيء من جسده يعرفونه) به (وكان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر) قيل هو عقبة بن أبي معيط
فإن عاصمًا قتله صبرًا بأمر النبي ﷺ بعد أن انصرفوا من بدر (فبعث الله عليه) بالإفراد، ولأبي ذر عليهم أي على المبعوثين من قبل قريش لما أرادوا أن يقطعوا شيئًا من لحمه (مثل الظلة) بضم الظاء المعجمة وفتح اللام المشددة السحابة (من الدبر) بفتح الدال المهملة وسكون الموحدة أي الزنابير أو ذكور النحل. وفي رواية أبي الأسود فبعث الله عليهم الدبر يطير في وجوههم ويلدغهم (فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء) وعند ابن إسحاق أن عاصمًا كان أعطى الله تعالى عهدًا أن لا يمس مشركًا ولا يمسه مشرك أبدًا فكان عمر يقول لما بلغه يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته.
وهذا الحديث قد سبق في باب هل يستأسر الرجل من كتاب الجهاد.
٤٠٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: الَّذِي قَتَلَ خُبَيْبًا هُوَ أَبُو سِرْوَعَةَ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر وابن عساكر: حدثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار أنه (سمع جابرًا) هو ابن عبد الله الأنصاري ﵄ (يقول: الذي قتل خبيبًا هو أبو سروعة) بكسر السين المهملة وفتحها وهي كنية عقبة بن الحارث.
٤٠٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَبْعِينَ رَجُلاً لِحَاجَةٍ يُقَالُ لَهُمُ: الْقُرَّاءُ، فَعَرَضَ لَهُمْ حَيَّانِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ رِعْلٌ وَذَكْوَانُ عِنْدَ بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ مَعُونَةَ فَقَالَ الْقَوْمُ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكُمْ أَرَدْنَا إِنَّمَا نَحْنُ مُجْتَازُونَ فِي حَاجَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَتَلُوهُمْ فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ شَهْرًا فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَذَلِكَ بَدْءُ الْقُنُوتِ، وَمَا كُنَّا نَقْنُتُ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَسَأَلَ رَجُلٌ أَنَسًا عَنِ الْقُنُوتِ أَبَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ عِنْدَ فَرَاغٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: لَا بَلْ عِنْدَ فَرَاغٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو المنقري المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن صهيب (عن أنس - رضي الله تعالى عنه -) أنه (قال: بعث النبي ﷺ سبعين رجلاً لحاجة) هي أن رعلاً وغيرهم استمدوه ﷺ فأمدهم بالسبعن، وكان (يقال لهم القراء) أو بعثهم ﵊ للدعاء إلى الإسلام، فعند ابن إسحاق أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ فعرض عليه الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد عن الإسلام وقال: يا محمد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله ﷺ : "إني أخشى أهل نجد عليهم" قال أبو براء: أنا لهم جار
فابعثهم فبعث رسول الله ﷺ (فعرض لهم) للسبعين (حيان) بالحاء المهملة وتشديد التحتية تثنية حيّ أي جماعة
стр. 2657
(من بني سليم) بضم السين أحدهما (رعل و) الآخر (ذكوان عند بئر يقال لها بئر معونة) وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم (فقال القوم): السبعون للحيين (والله ما إياكم أردنا إنما نحن مجتازون) بالجيم والزاي (في حاجة للنبي ﷺ فقتلوهم) إلا كعب بن زيد بن قيس بن مالك بن كعب بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدًا. (فدعا النبي ﷺ عليهم شهرًا في صلاة الغداة) أي الصبح (وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت) أي قبل ذلك.
(قال عبد العزيز) بن صهيب بالسند السابق (وسأل رجل) هو عاصم الأحول (أنسًا عن القنوت (بعد الركوع أو عند فراغ) بالتنوين (من القراءة) قبل الركوع (قال: لا بل عند فراغ) بالتنوين (من القراءة) قبل الركوع. وفي الحديث الذي بعد أنه بعد الركوع فينظر الراجح منهما.
٤٠٨٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ.
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ أنه (قال: قنت رسول الله) ولأبوي ذر والوقت النبي (¬ ﷺ شهرًا بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب).
٤٠٩٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رِعْلاً، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، وَبَنِي لَحْيَانَ، اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَدُوٍّ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ، وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، وَبَنِي لَحْيَانَ، قَالَ أَنَسٌ: فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا ثُمِّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا. وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، وَبَنِي لَحْيَانَ.
زادَ خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا ابْنُ زُرَيْعٍ سَعِيدٌ عَنَ قَتادَة، حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ أُولئِكَ السَّبْعِينَ مِنَ الأَنْصارِ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنًا كِتابًا نَحْوَهُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الأعلى بن حماد) النرسي قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي وفتح الراء مصغرًا قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة (عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ أن رعلاً) بكسر الراء وسكون العين المهملة (وذكوان) بن ثعلبة (وعصية) بضم العين
مصغرًا ابن خناف (وبني لحيان) بكسر اللام وفتحها حيّ من هذيل (استمدوا رسول الله ﷺ ¬) أي طلبوا منه المدد (على عدوّ) ولأبي ذر عن الكشميهني: على عدوهم وهذا وهم ما قاله الدمياطي، لأن بني لحيان ليسوا أصحاب بئر معونة، وإنما هم أصحاب الرجيع الذين قتلوا عاصمًا وأصحابه وأسروا خبيبًا وكذا قوله رعلاً وذكوان وعصية وهم أيضًا، وإنما أثاره أبو براء كما مرّ، لكن قال الحافظ ابن حجر: إن ما في هذه الرواية هنا وما في الجهاد من وجه آخر عن سعيد عن قتادة يرد على من قال: إن رواية قتادة وهم، وقال في المصابيح: وهذا في الحقيقة انتقاد على أنس بن مالك ﵁ فإن طريق الرواية إليه بذلك صحيحة لا مقالة فيها (فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء) لكثرة قراءتهم (في زمانهم كانوا يحتطبون) يجمعون الحطب، ولأبي ذر عن الكشميهني يحطبون (بالنهار ويصلون بالليل) وكان أميرهم المنذر بن عمرو الساعدي فانطلقوا (حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي ﷺ ذلك فقنت شهرًا يدعو في) صلاة (الصبح على أحياء من أحياء العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان) فشرك بين القاتلين هنا وبين غيرهم في الدعاء لأن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إليه ﷺ في ليلة واحدة.
وعند ابن سعد: ودعا رسول الله ﷺ على قتلتهم بعد الركعة في الصبح: "اللهم أشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسني يوسف، اللهم عليك ببني لحيان وعضل والقارة ورعل وذكوان وعصية فإنهم عصوا الله ورسوله" ولم يجد رسول الله ﷺ على قتلى ما وجد على قتلى بئر معونة.
(قال أنس فقرأنا فيهم قرآنًا ثم وإن ذلك) القرآن (رفع) أي نسخت تلاوته (بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) وعند ابن سعد أنه لما أحيط بهم قالوا: اللهم إنّا لا نجد من يبلغ رسولك عنا السلام غيرك فاقرئه منا السلام فأخبره جبريل ﵇ بذلك فقال: وعليهم السلام.
(وعن قتادة) بالسند السابق (عن أنس بن مالك) ﵁ أنه (حدّثه أن نبي الله ﷺ قنت شهرًا في صلاة الصبح يدعو على أحياء من أحياء العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان).
(زاد خليفة) بن خياط العصفري شيخ المؤلّف فقال: (حدّثنا ابن زريع) ولأبي ذر يزيد بن زريع قال: (حدّثنا سعيد)
стр. 2658
بكسر العين ابن أبي عروبة (عن قتاة) ابن دعامة أنه قال: (حدّثنا أنس) ﵁ (أن أولئك السبعين) القراء (من الأنصار قتلوا ببئر معونة). وقوله (قرآنًا) بضم القاف وسكون الراء أي (كتابًا نحوه) أي نحو رواية عبد الأعلى بن حماد عن يزيد بن زريع.
٤٠٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالَهُ أَخٌ لأُمِّ سُلَيْمٍ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا، وَكَانَ رَئِيسَ الْمُشْرِكِينَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَقَالَ: يَكُونُ لَكَ أَهْلُ السَّهْلِ وَلِي أَهْلُ الْمَدَرِ، أَوْ أَكُونُ خَلِيفَتَكَ أَوْ أَغْزُوكَ بِأَهْلِ غَطَفَانَ بِأَلْفٍ وَأَلْفٍ فَطُعِنَ عَامِرٌ فِي بَيْتِ أُمِّ فُلَانٍ فَقَالَ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَكْرِ
فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ آلِ فُلَانٍ، ائْتُونِي بِفَرَسِي فَمَاتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ فَانْطَلَقَ حَرَامٌ أَخُو أُمِّ سُلَيْمٍ وَهُوَ رَجُلٌ أَعْرَجُ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ قَالَ: كُونَا قَرِيبًا حَتَّى آتِيَهُمْ فَإِنْ آمَنُونِي كُنْتُمْ قَرِيبًا، وَإِنْ قَتَلُونِي أَتَيْتُمْ أَصْحَابَكُمْ، فَقَالَ: أَتُؤْمِنُونِي أُبَلِّغْ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ وَأَوْمَؤوا إِلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ، قَالَ هَمَّامٌ: أَحْسِبُهُ حَتَّى أَنْفَذَهُ بِالرُّمْحِ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَلُحِقَ الرَّجُلُ فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ غَيْرَ الأَعْرَجِ، كَانَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى عَلَيْنَا ثُمَّ كَانَ مِنَ الْمَنْسُوخِ إِنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ ثَلَاثِينَ صَبَاحًا عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَبَنِي لَحْيَانَ، وَعُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن يحيى بن دينار البصري (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) أنه (قال: حدثني) بالإفراد (أنس أن النبي ﷺ بعث خاله) أي خال أنس حرام بن ملحان (أخ) أي وهو أخ، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أخا بالنصب بدلاً من قوله خاله (لأم سليم) أم أنس (في سبعين راكبًا) إلى بني عامر (وكان) سبب البعث أنه كان (رئيس المشركين عامر بن الطفيل) بضم الطاء المهملة وفتح الفاء ابن مالك بن جعفر بن كلاب وهو ابن أخي أبي براء عامر بن مالك وكان (خير) هو النبي ﷺ لما أتاه (بين ثلاث خصال فقال: يكون لك أهل السهل) بفتح المهملة وسكون الهاء سكان البوادي (ولي أهل المدر) بفتح المعجم والدال المهملة بعدها راء أهل البلاد (أو أكون خليفتك أو أغزوك بأهل غطفان) بالغين المعجمة والطاء المهملة والفاء المفتوحات قبيلة (بألف) أي أشقر (وألف) أي أحمر فقال ﵊: "اللهم اكفني عامرًا" (فطعن عامر) أي ابن الطفيل المذكور أي أصابه الطاعون (في بيت أم فلان فقال: غدة) بضم الغين المعجمة وتشديد الدال المهملة (كغدة البكر) بفتح الموحدة وسكون الكاف الفتي من الإبل (في بيت امرأة من آل فلان) أي آل السلول كما عند الطبراني وهي سلول بنت شيبان وزوجها مرّة بن صعصعة أخو عامر بن صعصعة ينسب بنوه إليها، ولأبي ذر: من آل بني فلان (ائتوني بفرسي فمات على ظهر فرسه) قال الداودي: وكانت هذه من حماقات عامر فأماته الله بذلك ليصغر إليه نفسه.
(فانطلق حرام أخو أم سليم) الذي بعثه ﵊ (وهو رجل أعرج ورجل) آخر (من بني فلان) في الفرع هو على كشط بإسقاط الواو، وثبت في غيره وهي واو الحال والأعرج صفة لحرام وليس كذلك بل الأعرج غيره فالصواب وهو رجل أعرج. قال في المصابيح: وكذا ثبت في بعض النسخ فلعل الواو قدمت سهوا في الرواية الأولى، وعند البيهقي من رواية عثمان بن سعيد عن موسى بن إسماعيل شيخ المؤلّف فيه فانطلق حرام ورجلان معه رجل أعرج ورجل من بني فلان، وعند ابن هشام في زيادات السير: أن الأعرج اسمه كعب بن زيد وهو من بني دينار بن النجار واسم الآخر المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح الخزرجي (قال): حرام للرجل الأعرج وللآخر الذي من بني فلان (كونا قريبًا حتى آتيهم) أي بني عامر (فإن
آمنوني) بفتح الهمزة الممدودة والميم المخففة (كنتم قريبًا) مني (وإن قتلوني أتيتم أصحابكم) فخرج إليهم (فقال) لهم: (أتؤمنوني) ولأبي ذر: أتؤمنونني أي أتعطونني الأمان (أبلغ) بالجزم جواب الاستفهام (رسالة رسول الله ﷺ فجعل) حرام (يحدثهم وأومؤوا) بالواو ولأبي ذر: فأومؤوا أي أشاروا (إلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه. قال همام): أي ابن يحيى بن دينار (أحسبه) أي أظنه (حتى أنفذه) بالذال المعجمة أي أنفذه من الجانب الآخر (بالرمح).
قال في الفتح: لم أعرف اسم الرجل الذي طعنه ووقع في السيرة لابن إسحاق ما ظاهره أنه عامر بن الطفيل لأنه قال: فلما نزلوا أي الصحابة بئر معونة بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا عليه فقتله اهـ.
(قال): حرام لما طعن (الله أكبر فزت) بالشهادة (ورب الكعبة فلحق الرجل) الذي هو رفيق حرام فلم يمكنوه أن يرجع إلى المسلمين بل لحقه المشركون فقتلوه وقتلوا أصحابه كما قال. (فقتلوا كلهم غير) الرجل (الأعرج كان في رأس جبل فأنزل الله تعالى علينا ثم كان من المنسوخ) تلاوة والجملة معترضة بين قوله فأنزل الله علينا وبين قوله (إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا فدعا
стр. 2659
النبي ﷺ عليهم) لما بلغه خبرهم (ثلاثين صباحًا) في القنوت (على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله ﷺ ¬) وإنما شرك بين القاتلين هنا وبين غيرهم في الدعاء لورود خبر بئر معونة وأصحاب الرجيع في ليلة واحدة كما مرّ قريبًا.
ونقل العيني عن كتاب شرف المصطفى أنه ﷺ لما أصيب أهل بئر معونة جاءت الحمى إليه فقال لها: "اذهبي إلى رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله" فأتتهم فقتلت منهم سبعمائة رجل بكل رجل من المسلمين عشرة.
وحديث الباب قد مرّ في باب من ينكب في سبيل الله من كتاب الجهاد.
٤٠٩٢ - حَدَّثَنِي حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: لَمَّا طُعِنَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ وَكَانَ خَالَهُ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ قَالَ: بِالدَّمِ هَكَذَا، فَنَضَحَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (حبان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن موسى المروزي السلمي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) بسكون العين ابن راشد (قال: حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: وحدثني (ثمامة بن عبد الله) بضم المثلثة وتخفيف الميم الأولى (ابن أنس) قاضي البصرة (أنه سمع) جده (أنس بن مالك ﵁ يقول: لما طعن) بضم الطاء (حرام بن ملحان وكان) أي حرام (خاله) خال أنس (يوم بئر معونة) ظرف لقوله طعن (قال: بالدم هكذا) من إطلاق القول على الفعل أي أخذ الدم من موضع الطعن (فنضحه) رشه (على وجهه ورأسه ثم قال: فزت) بالشهادة (وربّ الكعبة).
وهذا الحديث أخرجه النسائي أيضًا في المناقب.
٤٠٩٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخُرُوجِ حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الأَذَى فَقَالَ لَهُ: أَقِمْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَطْمَعُ أَنْ يُؤْذَنَ لَكَ؟ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنِّي لأَرْجُو ذَلِكَ» قَالَتْ: فَانْتَظَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ ظُهْرًا فَنَادَاهُ فَقَالَ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَاىَ فَقَالَ: «أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ»؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الصُّحْبَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الصُّحْبَةُ» قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي نَاقَتَانِ قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ فَأَعْطَى النَّبِيَّ ﷺ إِحْدَاهُمَا وَهْيَ الْجَدْعَاءُ فَرَكِبَا فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا الْغَارَ وَهْوَ بِثَوْرٍ فَتَوَارَيَا فِيهِ فَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ غُلَامًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ أَخُو عَائِشَةَ لأُمِّهَا وَكَانَتْ لأَبِي مِنْحَةٌ، فَكَانَ يَرُوحُ بِهَا وَيَغْدُو عَلَيْهِمْ وَيُصْبِحُ فَيَدَّلِجُ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ يَسْرَحُ فَلَا يَفْطُنُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الرِّعَاءِ، فَلَمَّا خَرَجَ خَرَجَ مَعَهُمَا يُعْقِبَانِهِ حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ فَقُتِلَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ.
وَعَنْ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: قَالَ لِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَأَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: لَمَّا قُتِلَ الَّذِينَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ وَأُسِرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ قَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: مَنْ هَذَا؟ فَأَشَارَ إِلَى قَتِيلٍ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ: هَذَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَ مَا قُتِلَ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى إِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَرْضِ، ثُمَّ وُضِعَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ خَبَرُهُمْ فَنَعَاهُمْ فَقَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَكُمْ قَدْ أُصِيبُوا وَإِنَّهُمْ قَدْ سَأَلُوا رَبَّهُمْ، فَقَالُوا: رَبَّنَا أَخْبِرْ عَنَّا إِخْوَانَنَا بِمَا رَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا فَأَخْبَرَهُمْ عَنْهُمْ». وَأُصِيبَ يَوْمَئِذٍ فِيهِمْ عُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ، فَسُمِّيَ عُرْوَةُ بِهِ وَمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو سُمِّيَ بِهِ مُنْذِرًا.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (عبيد بن إسماعيل) البهاري الكوفي من ولد هبار بن الأسود وعبيد لقب غلب عليه واسمه عبد الله قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: استأذن النبي ﷺ أبو بكر) الصديق ﵁ (في الخروج) من مكة إلى المدينة (حين اشتد عليه الأذى) من قريش (فقال له) ﵊:
(أقم فقال: يا رسول الله أتطمع أن يؤذن لك) في الهجرة إلى المدينة (فكان رسول الله ﷺ يقول) له (إني لأرجو ذلك قالت) عائشة: (فانتظره أبو بكر فأتاه رسول الله ﷺ ذات يوم ظهرًا) أي في وقت الظهر (فناداه فقال) له: يا أبا بكر (أخرج) بفتح الهمزة وكسر الراء من الإخراج (من عندك) في موضع نصب على المفعولية وللأربعة أخرج بضمهما (فقال أبو بكر: إنما هما ابنتاي) عائشة وأسماء (فقال: أشعرت أنه) الهمزة في أشعرت خرجت عن الاستفهام الحقيقي وأفادت
الثبوت فكأنه قال: أعلم أنه (قد أُذن لي في الخروج) إلى المدينة (فقال) أبو بكر: (يا رسول الله) أتريد (الصحبة) أي المرافقة ويجوز الرفع (فقال النبي ﷺ ¬): نعم أريد (الصحبهّ قال: يا رسول الله عندي ناقتان قد كنت أعددتهما للخروج فأعطى النبي ﷺ إحداها وهي الجدعاء) بالدال المهملة وهي المقطوعة الأذن لكنه تسمية لها ولم تكن مقطوعتها (فركبا) أي النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ (فانطلقا حتى أتيا الغار وهو) ثقب (بثور) الجبل المعروف (فتواريا) من قريش (فيه فكان عامر بن فهيرة) بضم الفاء وفتح الهاء مصغرًا (غلامًا لعبد الله بن الطفيل) بضم الطاء المهملة وفتح الفاء مصغرًا. قال الدمياطي: الصواب الطفيل بن عبد الله (بن سخبرة) بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة بعدها موحدة فراء تأنيث وهو أزدي من بني زهران (أخو عائشة لأمها) ولأبي ذر عن الكشميهني أخي بدل من عبد الله والرفع خبر مبتدأ محذوف أي هو أخو عائشة، وذلك أن أبا الطفيل زوج أم رومان والدة عائشة قدم في الجاهلية مكة فحالف أبا بكر قبل الإسلام ومات وخلف الطفيل فتزوج أبو بكر امرأته أم رومان فولدت له عبد الرحمن وعائشة واشترى أبو بكر عامر بن فهيرة من الطفيل فأعتقه.
(وكانت لأبي بكر منحة) بكسر الميم وسكون النون بعدها حاء مهملة ناقة تدر اللبن (فكان) عامر بن فهيرة (يروح) يذهب بعد الزوال (بها) بالمنحة (ويغدو)
стр. 2660
قبله (عليهم ويصبح) بضم التحتية وكسر الموحدة (فيدلج) بفتح التحتية وتشديد الدال المهملة المفتوحة وكسر اللام بعدها جيم أي يسير من آخر الليل (إليهما) إلى النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ (ثم يسرح) أي يذهب بالمنحة إلى المرعى (فلا يفطن) بفتح التحتية وضم الطاء المهملة فلا يدري (به أحد من الرعاء) بكسر الراء والمد (فلما خرج) أي النبي ﵊ كذا في اليونينية وغيرها وفي الفرع وغيره فلما خرجا أي النبي ﷺ وأبو بكر (خرج معهما) عامر إلى المدينة (يعقبانه) بضم أوله وكسر القاف يردفانه بالنوبة (حتى قدما) بالنية ولأبي ذر: قدم (المدينة فقتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة) وهو ابن أربعين سنة وكان قديم الإسلام قبل أن يدخل النبي ﷺ دار الأرقم.
(وعن أبي أسامة) حماد بن أسامة عطف على قوله حدّثنا عبيد بن إسماعيل (قال: قال) لي (هشام بن عروة) بن الزبير (فأخبرني) بالإفراد (أبي قال: لما قتل الذين ببئر معونة) وهم القراء (وأسر عمرو بن أمية) بفتح العين (الضمري قال له عامر بن الطفيل): هل تعرف أصحابك؟ قال: نعم فطاف في القتلى فجعل يسأل عن أنسابهم ثم قال له: (من هذا؟ فأشار إلى قتيل) منهم (فقال له عمرو بن أمية: ها عامر بن فهيرة. فقال) عامر بن الطفيل (لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء حتى أني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض ثم وضع) بضم الواو وكسر الضاد المعجمة أي إلى الأرض، وفي رواية الواقدي أن الملائكة وارته فلم يره المشركون (فأتى النبي ﷺ خبرهم) من الله تعالى على لسان جبريل ﵇ (فنعاهم) أي أخبر بموتهم (فقال) ﷺ لأصحابه:
(إن أصحابكم) القراء (قد أصيبوا وإنهم قد سألوا ربهم فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما
رضينا عنك ورضيت عنا فأخبرهم عنهم وأصيب يومئذٍ فيهم عروة بن أسماء بن الصلت فسمي عروة) بن الزبير بن العوّام لما ولد (به) أي باسم عروة بن أسماء المذكور وكان بين قتل عروة بن أسماء ومولد عروة بن الزبير بضع عشرة سنة (و) أصيب فيهم أيضًا (منذر بن عمرو) بفتح العين (سمي به منذرّا) بالنصب على مذهب الكوفيين في إقامة الجار والمجرور في قوله به مقام الفاعل كقراءة أبي جعفر: ليجزي قومًا ابن الزبير بن العوّام وهو أخو عروة.
وهذا الحديث مرسل ولذا فصله المؤلّف عن سابقه مع عطفه عليه ليميز الموصول من المرسل.
٤٠٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَنَتَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا، يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَيَقُولُ «عُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر وابن عساكر: حدثني بالإفراد (محمد) هو ابن مقاتل المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا سليمان) بن طرخان (التيمي عن أبي مجلز) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام وبعدها زاي لاحق بن حميد (عن أنس ﵁) أنه (قال: قنت النبي ﷺ بعد الركوع شهرًا) متتابعًا إذا قال: سمع الله لمن حمده (يدعو على رعل وذكوان ويقول: عصية عصت الله ورسوله).
٤٠٩٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا يَعْنِي أَصْحَابَهُ بِبِئْرِ مَعُونَةَ ثَلَاثِينَ صَبَاحًا حِينَ يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَلِحْيَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ قَالَ أَنَسٌ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا أَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنًا قَرَأْنَاهُ حَتَّى نُسِخَ بَعْدُ بَلِّغُوا قَوْمَنَا فَقَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن) عمه (أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: دعا النبي ﷺ على الذين قتلوا يعني أصحابه) القراء السبعين (ببئر معونة) وسقط لفظ يعني أصحابه لأبي ذر (ثلاثين صباحًا حين) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر حتى (يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله ﷺ ¬).
(قال أنس: فأنزل الله تعالى لنبيه ﷺ في الذين قتلوا) بضم القاف وكسر التاء (أصحاب بئر معونة) بجر أصحاب بدلاً من المجرور السابق (قرآنًا قرآناه حتى نسخ) لفظه (بعد) بالبناء على الضم (بلغوا قومنا) المسلمين (فقد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه) ووقع في بعض النسخ: فأنزل الله تعالى لنبيه ﷺ الذين قتلوا بفتح القاف والتاء ولا يخفى ما فيه.
٤٠٩٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنِ الْقُنُوتِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ كَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ، قُلْتُ: فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَهُ. قَالَ: كَذَبَ إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا، أَنَّهُ كَانَ بَعَثَ نَاسًا يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ، وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلاً إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ قِبَلَهُمْ فَظَهَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي
стр. 2661
الحافظ قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدثنا عاصم) هو ابن سليمان (الأحول قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن القنوت في الصلاة) هل هو مشروع فيها؟ (فقال) له: (نعم) كان مشروعًا فيها. قال الأحول: (فقلت كان) محله (قبل الركوع أو بعده قال) أنس: (قبله) أي لأجل إدراك المسبوق (قلت: فإن فلانًا) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه أو هو محمد بن سيرين (أخبرني) بالإفراد (عنك أنك قلت) أنه (بعده. قال) أنس: (كذب) أي أخطأ (إنما قنت رسول الله ﷺ ¬) ولأبوي ذر والوقت: النبي (¬ ﷺ بعد الركوع شهرًا أنه) أي لأنه (كان بعث ناسًا) من أهل الصفة (يقال لهم القراء، وهم سبعون رجلاً إلى ناس من المشركين) من بني عامر (و) الحال أنه (بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد) أي أمان (قبلهم) بكسر القاف وفتح الموحدة. وفتح اللام أي في جهتهم فلما أتى القراء إلى بئر معونة أراد عامر بن الطفيل ابن أخي أبي براء عامر المعروف بملاعب الأسنّة الغدر بهم فدعا بني عامر المبعوث إليهم ليقتلوهم فأبوا فاستصرخ عليهم رعلاً وعصية وذكوان من بني سليم (فظهر) علا (هؤلاء الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد) أي بنو سليم أي غلبوهم وقتلوا القراء (فقنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا يدعو عليهم) وبهذا التقرير يندفع ما في هذا السياق من الإشكال.
٢٩ - باب غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ وَهْيَ الأَحْزَابُ
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ.
(باب غزوة الخندق) سقط باب لأبي ذر وسميت بالخندق والذي حفر حول المدينة بأمره ﷺ وإشارة سليمان الفارسي وعمل فيه ﷺ بنفسه ترغيبًا للمسلمين (وهي) غزوة (الأحزاب) كذا في الفرع واليونينية جمع حزب وهم طوائف المشركين من قريش وغطفان واليهود ومن معهم الذين اجتمعوا على حرب المسلمين وكانوا فيما قال ابن إسحاق: عشرة آلاف والمسلمون ثلاثة آلاف.
(قال موسى بن عقبة): صاحب المغازي (كانت) غزوة الخندق وتسمى أيضًا غزوة الأحزاب لما ذكر (في شوال سنة أربع) من الهجرة وقال ابن إسحاق: سنة خمس.
والذي جنح إليه البخاري هو قول موسى بن عقبة واستدلّ له بقوله:
٤٠٩٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْهُ وَعَرَضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهْوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَهُ.
(حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) العبدي مولاهم الدورقي قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ عرضه يوم) غزوة (أُحُد) لما عرض الجيش ليختبر أحوالهم قبل مباشرة القتال للنظر في هيئتهم وترتيب منازلهم (وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه) بضم أوله وكسر الجيم بعدها زاي أي لم يمضه ولم يأذن له في الجهاد لعدم أهليته للقتال (وعرضه يوم) غزوة (الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه) لكونه تأهل فيكون بين الخندق وأُحُد سنة واحدة وأُحُد كانت سنة ثلاث فيكون الخندق سنة أربع وثبت قوله سنة في الموضعين لأبي ذر عن الكشميهني.
٤٠٩٨ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَادِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَةِ … فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد العزيز عن) أبيه (أي حازم) سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الساعدي (﵁) أنه (قال: كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق وهم) أي المسلمون (يحفرون) بكسر الفاء (ونحن ننقل التراب على أكتادنا) بالمثناة الفوقية جمع كتد وهو ما بين الكاهل إلى الظهر (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(اللهم لا عيش) أي دائم (إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار) وهذا غير موزون، ولعل أصله: فاغفر للأنصار وللمهاجرة بنقل الهمزة وباللام في المهاجرة.
٤٠٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ حُمَيْدٍ سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ:
اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ … فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
فَقَالُوا: مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم ابن المهلب البغدادي الكوفي الأصل قال: (حدّثنا أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري (عن حميد) الطويل أنه قال: (سمعت أنسًا ﵁ يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى)
стр. 2662
غزوة (الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون) بكسر الفاء حال كونهم (في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك) الحفر (لهم فلما رأى ما بهم من النصب) بفتح النون والصاد المهملة أي التعب (والجوع قال): ولأبي ذر والوقت فقال ﷺ محثًا لهم على العمل:
(اللهم إن العيش) المعتبر الدائم (عيش الآخرة) لا عيش الدنيا (فاغفر للأنصار) بهمزة قطع (والمهاجرة) بكسر الجيم وسكون الهاء فيهما (فقالوا): أي الأنصار والمهاجرة حال كونهم (مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا .. على الجهاد ما بقينا أبدا).
٤١٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
قَالَ: يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ : وَهْوَ يُجِيبُهُمُ:
اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَهْ … فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
قَالَ: يُؤْتَوْنَ بِمِلْءِ كَفَّي مِنَ الشَّعِيرِ فَيُصْنَعُ لَهُمْ بِإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ الْقَوْمِ وَالْقَوْمُ جِيَاعٌ، وَهْيَ بَشِعَةٌ فِي الْحَلْقِ وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ.
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمر المقعدي قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد (عن عبد العزيز عن أنس ﵁) أنه (قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم) جمع متن قال في القاموس: متنا الظهر مكتنفا الصلب ويؤنث.
(وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدا .. على الإسلام ما بقينا أبدا. قال) أنس: (يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم):
(اللهم إنه لا خير إلا خير الآخره … فبارك في الأنصار والمهاجره)
وظاهره أنهم كانوا يجيبونه تارة ويجيبهم أخرى.
(قال): أنس بالإسناد السابق (يؤتون) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول (بملء كفي من الشعير) ولأبي ذر: من شعير وكفي بكسر الفاء على الإفراد وبفتحها على التثنية مضافًا فيهما إلى ياء المتكلم (فيصنع) أي فيطبخ (لهم بإهالة) بكسر الهمزة ودكة (سنخة) بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة بعدها هاء تأنيث متغيرة الريح فاسدة الطعم (توضع بين يدي القوم والقوم) أي والحال أن القوم (جياع وهي) أي الإهالة (بشعة) بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة بالعين المهملة (في الحلق) بالحاء المهملة أي كريهة الطعم تأخذ الحلق (ولها ريح منتن) بضم الميم وسكون النون وكسر الفوقية.
وقول صاحب التوضيح والتنقيح قيل صوابه منتنة إلا أنه يجوز في المؤنث غير الحقيقي أن يعبر عنه بالمذكر تعقبه في المصابيح بأنه ليس بمستقيم من وجهين:
أحدهما: أنه جزم بأن الصواب منتنة ومقتضاه أن التعبير بمنتن خطأ ثم قطع بأن المؤنث غير الحقيقي يجوز التعبير عنه بالمذكر فيكون التعبير بمنتن صوابًا لا خطأ ولا يكون صواب الكلمة منحصرًا في التعبير عنها بالتأنيث، والحاصل أن آخر كلامه ينقض أوله.
ثانيهما: إن جعل التعبير عن المؤنث غير الحقيقي بالمذكر على جهة الجواز ضابطًا كليًّا مقطوع ببطلانه.
فإن قلت: فما وجه ما في المتن؟ قلت: حمل الريح على العرف فعاملها معاملته اهـ.
٤١٠١ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرًا ﵁، فَقَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ فَجَاءُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ، فَقَالَ: «أَنَا نَازِلٌ» ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِعْوَلَ، فَضَرَبَ فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ؟ فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا، مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ فَعِنْدَكِ شَىْءٌ؟ قَالَتْ: عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ فَذَبَحْتُ الْعَنَاقَ وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ فَقُلْتُ: طُعَيِّمٌ لِي فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ قَالَ: «كَمْ هُوَ»؟ فَذَكَرْتُ لَهُ قَالَ: «كَثِيرٌ طَيِّبٌ» قَالَ: «قُلْ لَهَا لَا تَنْزِعُ الْبُرْمَةَ وَلَا الْخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ، فَقَالَ: «قُومُوا» فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: وَيْحَكِ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: هَلْ سَأَلَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «ادْخُلُوا وَلَا تَضَاغَطُوا» فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ، قَالَ: «كُلِي هَذَا وَأَهْدِي فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) بن صفوان أو محمد السلمي الكوفي قال: (حدّثنا عبد الواحد بن أيمن) بفتح الهمزة والميم بينهما تحتية ساكنة (عن أبيه) أيمن الحبشي مولى ابن عمر المخزومي القرشي المكي أنه (قال: أتيت جابرًا) الأنصاري (﵁ فقال: إنا يوم الخندق نحفر) بتشديد نون إنا (فعرضت كدية شديدة) بكاف مضمومة فدال مهملة ساكنة فتحتية قطعة صلبة من الأرض يعمل فيها المعول، ولابن عساكر وأبي ذر عن الحموي والمستملي: كتدة بفتح الكاف وسكون التحتية وفتح الدال المهملة القطعة الشديدة الصلبة من الأرض أيضًا، ولابن عساكر أيضًا كبدة بكاف فموحدة مكسورة أي قطعة من الأرض صلبة أيضًا ووقع في رواية الأصيلي عن الجرجاني فيما ذكره في فتح الباري كندة بنون بعد الكاف، وعند ابن السكن كتدة بمثناة فوقية لكن القاضي قال: عياض لا أعرف لها معنى (فجاؤوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية) ولابن عساكر: كبدة بكسر الموحدة كما مرّ (عرضت في الخندق فقال) ﷺ :
(أنا نازل) في الموضع الذي في الكدية (ثم قام) ﵊ (وبطنه معصوب) من الجوع (بحجر) مشدود عليه بعصابة خشية انحناء صلبه الكريم بواسطة خلاء الجوف إذ وضع الحجر فوق البطن مع شد العصابة عليه يقيمه أو هو لتسكين حرارة الجوع ببرد الحجر (ولبثنا) بالمثلثة مكثنا
стр. 2663
(ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا) شيئًا مأكول ولا مشروب والجملة اعتراضية أوردت لبيان السبب في ربطه ﷺ الحجر على بطنه (فأخد النبي ﷺ المعول) بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو وبعدها لام المسحاة (فضرب) في الكدية (فعاد) المضروب (كثيبًا) بالمثلثة رملاً (أهيل) بهمزة مفتوحة فهاء ساكنة فتحتية مفتوحة فلام (أو) قال (أهيم) بالميم بدل اللام أي سائلاً. والشك من الراوي، وعند الإسماعيلي أهيم بالميم من غير شك. قال جابر (فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت) أي حتى آتي بيتي، زاد أبو نعيم في مستخرجه فأذن لي (فقلت): أي لما أتيت البيت (لاِمرأتي) سهيلة بنت مسعود الأنصارية (رأيت بالنبي ﷺ شيئًا) من الجوع (ما كان في ذلك صبر) بكسر الكاف وسقط لفظ كان لأبي ذر وابن عساكر (فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير) وعند يونس بن بكير: أنه صاع (وعناق) بفتح العين الأنثى من أولاد المعز (فذبحت العناق) بإسكان الحاء أي أنه ذبح العناق بنفسه (وطحنت الشعير) امرأته سهيلة (حتى جعلنا) ولأبي ذر عن الكشميهني: جعلت المرأة (اللحم في البرمة) بضم الموحدة القدر (ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر) اختمر (والبرمة بين الأثافي) بالهمزة والمثلثة المفتوحتين وبعد الألف فاء مكسورة فتحتية مشددة حجارة ثلاثة توضع عليها القدر (قد كادت) قاربت (أن تنضج) بفتح الضاد المعجمة تطيب، وسقط لأبي ذر وابن عساكر لفظة أن (فقلت) له ﵊، ولأبي ذر فقال له ﵊ (طعيم) بضم الطاء وتشديد التحتية مصغرًا مبالغة في تحقيره، قيل من تمام المعروف تعجيله وتحقيره (لي) صنعته أو مصنوع (فقم أنت يا رسول الله ورجل) معكم (أو رجلان) بالشك (قال) ﵊:
(كم هو)؟ طعامك (فذكرت له) كميته (قال) ﵊: (كثير طيب) ثم
(قال) ﵊: (قل لها): أي لسهيلة (لا تنزع البرمة) من فوق الأثافي (ولا) تنزع (الخبز من التنور حتى آتي) أي أجيء إلى بيتكم (فقال) ﵊ لمن حضر من أصحابه، ولأبي ذر قال: (قوموا) أي إلى أكل جابر (فقام المهاجرون والأنصار) وسقط قوله والأنصار لأبي ذر وابن عساكر وإثباته أوجه وليونس بن بكير في زيادة المغازي فقال للمسلمين جميعًا: قوموا (فلما دخل) جابر (على امرأته) سهيلة (قال) لها: (ويحك) كلمة رحمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها نصب بإضمار فعل (جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم. قالت) له: (هل سألك) عن شأن الطعام؟ قال جابر: (قلت) لها: (نعم) سألني. وفي رواية يونس قال: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله . قلت: جاء الخلق على صاع من شعير وعناق، فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت جاءك رسول الله ﷺ بالجند أجمعين فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ فقلت: نعم. فقالت: الله ورسوله أعلم نحن قد أخبرناه بما عندنا فكشفت عني غمًا شديدًا (فقال) ﵊ لمن معه: (ادخلوا) البيت (ولا تضاغطوا) بضاد وغين معجمتين وطاء مهملة مشالة لا تزدحموا (فجعل) ﵊ (يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور) يغطيهما (إذا أخذ منه ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع) بالتحتية المفتوحة والنون الساكنة والزاي المكسورة والعين المهملة أي يأخذ اللحم من البرمة ويقرب إلى أصحابه (فلم يزل يكسر الخبز ويغرف) من البرمة (حتى شبعوا وبقي بقية قال) ﵊ لامرأة جابر: (كلي هذا) الذي بقي (وأهدي) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الدال المهملة أي ابعثي منه ثم بين سبب ذلك بقوله: (فإن الناس أصابتهم مجاعة) بفتح الميم وفي رواية يونس: فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع.
وهذا الحديث من أفراده.
٤١٠٢ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَىْءٌ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَنْ مَعَهُ، فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُؤْرًا فَحَيَّ هَلاً بِكُمْ» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ» فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ فَقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ
مَعِي وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا» وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عمرو بن علي) بفتح
стр. 2664
العين وسكون الميم ابن بحر الصيرفي البصري قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد شيخ المؤلّف أيضًا قال: (أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان) بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي المكي قال: (أخبرنا سعيد بن مينا) بكسر العين ومينا بكسر الميم وسكون التحتية وبعد النون ألف ممدود ومقصور (قال: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ قال: لما حفر الخندق) بضم الحاء مبنيًا للمفعول وتاليه نائب الفاعل (رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا) بفتح الخاء المعجمة والميم وبالصاد المهملة ضمور البطن من الجوع (فانكفأت) بالهمزة وقد تبدل ياء لكن قال الحافظ أبو ذر: صوابه فانكفأت بالهمزة، وقال في التنقيح: أصله الهمزة من كفأت الإناء ويسهل. قال في المصابيح: لكن ليس القياس في تسهيل مثله إبدال الهمزة ياء أي انقلبت (إلى امرأتي) سهيلة (فقلت) لها (هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصًا شديدًا فأخرجت إليّ) بتشديد التحتية (جرابًا) بكسر الجيم (فيه صاع من شعير ولنا بهيمة) بضم الموحدة وفتح الهاء مصغر بهمة وهي الصغير من أولاد الغنم (داجن) بكسر الجيم من الغنم ما يربى في البيوت ولا يخرج إلى المرعى من الدجن وهو الإقامة بالمكان ولا تدخله التاء لأنه صار اسمًا للشاة وخرج عن الوصفية (فذبحتها) أنا بسكون الحاء وضم التاء (وطحنت) امرأتي (الشعير) وسقط الشعير لأبي ذر وابن عساكر (ففرغت) من طحن الشعير (إلى) أي مع (فراغي) من ذبح البهيمة (وقطعتها في برمتها ثم وليت) أي رجعت (إلى رسول الله ﷺ فقالت) سهيلة عقب رجوعي إلى رسول الله ﷺ : (لا تفضحني) بفتح الفوقية والضاد المعجمة بينهما فاء ساكنة (برسول الله ﷺ وبمن معه فجئته) ولأبي ذر عن الكشميهني: ومن معه فجئت بحذف الموحدة من قوله: وبمن والضمير من فجئته (فساررته فقلت) له سرًا (يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا) ولأبي ذر وابن عساكر: وطحنت أي امرأته (صاعًا من شعير كان عندنا فتعال أنت ونفر معك) دون العشرة من الرجال (فصاح النبي ﷺ فقال):
(يا أهل الخندق إن جابرًا قد صنع سؤرًا) بضم السين المهملة وبعد الهمزة الساكنة راء كذا في الفرع بالهمزة وفي اليونينية وغيرها بتركها الطعام الذي يدعى إليه أو الطعام مطلقًا وهي لفظة فارسية. قال الطيبي: وقد تظاهرت أحاديث صحيحة بأن رسول الله ﷺ تكلم بالألفاظ الفارسية أي كقوله للحسن - رضي الله تعالى عنه - "كخ" ولعبد الرحمن "مهيم" أي ما هذا؟ ولأم خالد "سنا سنا" يعني حسنة وهو يدل على جوازه، وأما سؤر بالهمزة فهو البقية (فحيّ هلا بكم) بالحاء المهملة وتشديد التحتية وهلا بفتح الها واللام المنونة مخففة كلمة استدعاء فيها حث أي: هلموا مسرعين (فقال رسول الله ﷺ ¬) لجابر: (لا تنزلن) بضم الفوقية وكسر الزاي وضم اللام (برمتكم) نصب على المفعولية ولأبي ذر: لا تنزلن بفتح الزاي واللام مبنيًا للمفعول برمتكم رفع مفعول ناب
عن فاعله (ولا تخبزن) بفتح الفوقية وكسر الموحدة وضم الزاي وتشديد النون (عجينكم) نصب، ولأبي ذر: ولا يخبزن بضم التحتية وفتح الموحدة والزاي عجينكم رفع (حتى أجيء) إلى منزلكم.
قال جابر: (فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس) بضم الدال (حتى جئت امرأتي فقالت) لما رأت كثرة الناس وقلة الطعام: (بك وبك) أي فعل الله بك كذا وفعل بك كذا فالباء تتعلق بمحذوف (فقلت) لها: (قد فعلت الذي قلت) من إخباره ﷺ بقلة الطعام وقولك لا تفضحني (فأخرجت) أي المرأة (له) ﷺ (عجينًا فبصق فيه) بالصاد ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: فبسق بالسين ويقال بالزاي أيضًا، لكن قال النووي بالصاد في أكثر الأصول وفي بعضها بالسين المهملة وهي لغة قليلة، وفي القاموس البصاق كغراب والبساق والبزاق ماء الفم إذا خرج
стр. 2665
منه وما دام فيه فريق (وبارك) في العجين أي دعا فيه بالبركة (ثم عمد) بفتح الميم قصد (إلى برمتنا فبصق) بالصاد ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فيه أي في الطعام، ولأبي ذر عن الكشميهني فيها أي في البرمة (وبارك) في الطعام (ثم قال) ﵊: (ادع خابزة) كذا في اليونينية وغيرها وفي الفرع: ادع لي خابزة (فلتخبز معي) بسكون اللام (واقدحي) بسكون القاف وفتح الدال وكسر الحاء المهملتين أي اغرفي (من برمتكم) والمغرفة تسمى المقدحة وقدح من المرق غرف منه (ولا تنزلوها) بضم الفوقية وكسر الزاي أي البرمة من فوق الأثافي (وهم) أي والحال أن القوم الذين كانوا (ألف) والحكم للزائد لمزيد علمه فلا يقدح ما روي أنهم كانوا تسعمائة أو ثلاثمائة.
قال جابر: (فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا) أي مالوا عن الطعام (وإن برمتنا لتغط) بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي ممتلئة تفور بحيث يسمع لها غطيط (كما هي وإنّ عجيننا ليخبز كما هو) أي لم ينقص من ذلك شيء وما في "كما" كافة وهي مصححة لدخول الكاف على الجملة وهي مبتدأ والخبر محذوف أي كما هي قبل ذلك وهذا علم من أعلام نبوته ﷺ .
والحديث قد سبق مختصرًا في الجهاد.
٤١٠٣ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] قَالَتْ: كَانَ ذَاكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.
وبه قال: (حدثني) بالتوحيد (عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي أخو أبي بكر والهيثم قال: (حدّثنا عبدة) بن سليمان (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) في قوله تعالى: (﴿إذ جاؤوكم﴾) بنو غطفان (﴿من فوقكم﴾) من أعلى الوادي من قبل المشرق (﴿ومن أسفل منكم﴾) من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش، وفي حديث ابن عباس عند ابن مردويه: ﴿إذ جاؤوكم من فوقكم﴾ قال: عيينة بن حصن، ومن أسفل منكم أبو سفيان بن حرب (﴿وإذ زاغت الأبصار﴾) مالت عن
سننها ومستوى نظرها حيرة أو عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلى عدوّها لشدة الروع (﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾) [الأحزاب: ١٠]. الحنجرة رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم، والحلقوم مدخل الطعام والشراب قالوا: إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة وقيل هو مثل في اضطراب القلوب وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة.
(قالت، عائشة ﵂: (كان ذلك) إشارة إلى ما ذكر من مجيء الكفار من فوق وأسفل وغير ذلك، ولأبي ذر وابن عساكر: ذلك باللام (يوم الخندق).
٤١٠٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ أَوِ اغْبَرَّ بَطْنُهُ يَقُولُ:
وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا … إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ: "أَبَيْنَا أَبَيْنَا".
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب (﵁) أنه (قال: كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم) حفر (الخندق حتى أغمر) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة وفتح الميم أي: وارى التراب (بطنه أو) قال (اغبر) بالغين المعجمة أيضًا والموحدة بدل الميم وتشديد الراء من الغبار وهو واضح (بطنه) مرفوع على الفاعلية، وفي الأولى منصوب على المفعولية (يقول): رجزًا من كلام عبد الله بن رواحة:
(والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا … وثبّت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا)
كذا بإثبات قد في الفرع كأصله وغيرهما وقال الحافظ ابن حجر: ليس بموزون وتحريره: إن الذين قد بغوا علينا فذكر الراوي الأولى بمعنى الذين وحذف قد اهـ.
والظاهر أن "قد" محذوفة من نسخته (إذا أرادوا فتنة أبينا) بالموحدة الفرار (ورفع بها) أي بالكلمة الأخيرة (صوته) وهي (أبينا أبينا) مرتين.
وهذا الحديث سبق في باب حفر الخندق من كتاب الجهاد.
٤١٠٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن شعبة) بن الحجاج أنه (قال: حدثني) بالإفراد (الحكم)
следующие страницы →