Полный текст (4 743 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
في آخر ربيع الأول ومن ثم إلى رمضان نصف سنة، أو يقال كان آخر شعبان تلك السنة آخر سبع سنين ونصف من أول ربيع الأول، فلما دخل رمضان دخلت سنة أخرى وأول السنة يصدق عليه أنه رأسها فصح أنه رأس ثمان سنين ونصف أو أن رأس الثمان كان أول ربيع الأول وما بعد نصف سنة كذا قرره في الفتح موهّما ما في رواية معمر هذه قال: والصواب على رأس سبع سنين ونصف وإنما وقع الوهم من كون غزوة الفتح كانت في سنة ثمان، ومن أثناء ربيع الأول إلى أثناء رمضان نصف سنة سواء فالتحرير أنها سبع سنين ونصف اهـ.
(فسار) ﵊ (هو ومن معه) وللأصيلي فسار بمن معه، ولأبي ذر وابن
عساكر فسار معه (من المسلمين إلى مكة) حال كونه ﵊ (يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد) بفتح الكاف وكسر الدال المهملة الأولى (وهو ماء ما بين عسفان وقديد) بضم القاف مصغرًا (أفطر) ﵊ (وأفطروا) أي أصحابه الذين كانوا معه.
(قال الزهري): بالسند السابق (وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ الآخر فالأخر) أي يجعل الآخر اللاحق ناسخًا للأول السابق، وفيه إشارة إلى الرد على القائل ليس له الفطر إذا شهد أول رمضان في الحضر مستدلاً بآية ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥].
٤٢٧٧ - حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحَتِهِ أَوْ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ: أَفْطِرُوا.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: حدّثنا (عياش بن الوليد) بتحتية وشين معجمة الرقام البصري قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى الشامي البصري قال: (حدّثنا خالد الحذاء) البصري (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: خرج النبي) ولأبي ذر رسول الله (¬ ﷺ في رمضان إلى حنين) بالحاء المهملة المضمومة والنون المفتوحة بعدها تحتية ساكنة فنون أخرى وادٍ بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً، والمحفوظ المشهور أن خروجه ﵊ لحنين إنما كان في شوّال سنة ثمان إذ مكة فتحت في سابع عشر رمضان، وأقام ﵇ بها تسعة عشر يومًا يصلّي ركعتين فيكون خروجه إلى حنين في شوال بلا ريب، وقول بعضهم: إن المراد أن ذلك كان في غير زمن الفتح وكان في حجة الوداع أو غيرها مردود بأن حنينًا لم تكن إلا في شوال عقب الفتح اتفاقًا.
وأجيب عن الاستشكال بأجوبة؛ أولاها: ما قاله الطبري أن المراد من قوله خرج ﵊ في رمضان إلى حنين أنه قصد الخروج إليها وهو في رمضان فذكر الخروج، وأراد القصد بالخروج وهذا شائع ذائع في الكلام.
(والناس مختلفون فصائم) أي فبعضهم صائم (و) بعضهم (مفطر) لاختلافهم في كونه ﵊ كان صائمًا أو مفطرًا (فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء) بالشك من الراوي (فوضعه على راحته) كفه (أو على راحلته) التي هو راكب عليها، وسقط لأبوي ذر والوقت لفظ على الثانية وللأصيلي على راحلته أو راحته بالتقديم والتأخير (ثم نظر إلى الناس) ليروه، وسقط لفظ إلى لأبي ذر فالناس رفع على الفاعلية (فقال المفطرون للصوّام): بضم الصاد وتشديد الواو بعدها ألف وللأربعة للصوّم بإسقاط الألف جمع صائم (أفطروا) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الطاء. زاد الطبري في تهذيبه يا عصاة.
وهذا الحديث انفرد به البخاري.
٤٢٧٨ - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(وقال) بالواو وللأصيلي وابن عساكر قال (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني فيما وصله أحمد (أخبرنا معمر) هو ابن راشد عالم اليمن (عن أيوب) السختياني (عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ خرج النبي ﷺ عام الفتح) أي في رمضان فصام حتى مرّ بغدير في الطريق. الحديث.
(وقال حماد بن زيد: عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ ¬) الأكثر بإسقاط ابن عباس، وكذا وصله البيهقي من طريق سليمان بن حرب شيخ المؤلّف عن حماد، وبذلك جزم الدارقطني وأبو نعيم في مستخرجه فيكون مرسلاً.
٤٢٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا لِيُرِيَهُ النَّاسَ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، وَأَفْطَرَ فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن
стр. 2732
عبد الله) المديني قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد الضبي (عن منصور) هو ابن المعتمر السلمي (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن طاوس) اليماني (عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: سافر رسول الله ﷺ في رمضان) لغزوة الفتح (فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهارًا) لما قيل له ﵊ إن الصوم شق على الناس وهم ينظرون فعلك فشرب (ليريه الناس) نصب مفعول ثان ليري وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني ليراه الناس بالرفع على الفاعلية أي فيقتدوا به في الإفطار (فأفطر) ﵊ (حتى قدم مكة قال) عكرمة: (وكان ابن عباس يقول: صام رسول الله ﷺ في السفر وأفطر) فيه (فمن شاء صام ومن شاء أفطر) لكن ابن عباس لم يشاهد هذه القصة لأنه حينئذ كان بمكة فرواها عن غيره.
وهذا الحديث قد سبق في باب من أفطر في السفر ليراه الناس.
٤٨ - باب أَيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ؟
هذا (باب) بالتنوين (أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح) سقط لفظ باب لأبي ذر.
٤٢٨٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا سَارَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ، يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ لَكَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَلَمَّا سَارَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: «احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْخَيْلِ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ» فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ كَتِيبَةً كَتِيبَةً، عَلَى أَبِي سُفْيَانَ فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ قَالَ يَا عَبَّاسُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ غِفَارُ قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارَ؟ ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ، قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّتْ سُلَيْمُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَالَ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهْيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَرَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ: «مَا قَالَ»؟ قَالَ: قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: «كَذَبَ سَعْدٌ وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ» قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ. قَالَ عُرْوَةُ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ: لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَا هُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ، قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدًى فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ حُبَيْشُ بْنُ الأَشْهَرِ وَكُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدثني (عبيد بن إسماعيل) أبو محمد القرشي الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير أنه (قال: لما سار رسول الله ﷺ عام الفتح) وهذا مرسل لأن عروة تابعي (فبلغ ذلك) المسير (قريشًا) بمكة (خرج أبو سفيان) صخر (بن حرب وحكيم بن حزام) بكسر الحاء المهملة وبالزاي (وبديل بن ورقاء) بضم الموحدة وفتح الدال المهملة وورقاء براء ساكنة مفتوحة الخزاعي من مكة (يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرّ الظهران) بفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء بلفظ التثنية ومر بفتح الميم وتشديد الراء موضع قرب مكة (فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة) التي كانوا يوقدونها فيها ويكثرون منها وعند ابن سعد أنه ﷺ أمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار (فقال أبو سفيان: ما هذه) النار والله (لكأنها نيران) ليلة يوم (عرفة) في كثرتها (فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو) بفتح العين يعني خزاعة وعمرو وهو ابن لحي (فقال أبو سفيان عمرو أقل من ذلك فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم) وقد سمي منهم في السير عمر بن
الخطاب. وعند ابن عائذ وكان رسول الله ﷺ بعث بين يديه خيلاً تقبض العيون وخزاعة على الطريق لا يتركون أحدًا يمضي فلما دخل أبو سفيان وأصحابه عسكر المسلمين أخذتهم الخيل تحت الليل (فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان) ﵁ (فلما سار) ﵊ (قال للعباس):
(احبس أبا سفيان عند حطم الخيل) بالحاء والطاء الساكنة المهملتين والخيل بالخاء المعجمة بعدها تحتية أي ازدحامها، وللأصيلي وأبي ذر عن المستملي خطم بالخاء المعجمة الجبل بالجيم والموحدة أي أنف الجبل لأنه ضيق فيرى الجيش كله ولا يفوته رؤية أحد منه (حتى ينظر المسلمين) (فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر مع النبي) وللأصيلي مع رسول الله (¬ ﷺ كتيبة كتيبة على أبي سفيان) بمثناة فوقية بعد الكاف القطعة من العسكر فعلية من الكتب وهو الجمع (فمرت كتيبة قال): ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر فقال (يا عباس من هذه)؟ الكتيبة (قال): ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر فقال: (هذه غفار قال) أبو سفيان: (ما لي ولغفار) بغير صرف ولأبي ذر بالتنوين مصروفًا أي ما كان بيني وبينهم حرب (ثم مرت جهينة) بضم الجيم وفتح الهاء (قال): أبو سفيان وللأصيلي فقال (مثل ذلك. ثم مرت سعد بن هذيم) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة والمعروف سعد هذيم بالإضافة. قال في الفتح: ويصح الآخر على المجاز (فقال) أبو سفيان: (مثل ذلك) القول الأول (ومرت) ولأبي ذر ثم مرت (سليم) بضم السين وفتح اللام (فقال) أبو سفيان: (مثل ذلك حتى أقبلت كتيبة لم ير) أبو سفيان (مثلها قال: من هذه)؟ القبيلة
стр. 2733
(قال) العباس (هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية) التي للأنصار (فقال سعد بن عبادة) حامل راية الأنصار (يا أبا سفيان اليوم) بالرفع ولأبوي ذر والوقت اليوم بالنصب (يوم الملحمة) بفتح الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة أي يوم حرب لا يوجد فيه مخلص أو يوم القتل، والمراد المقتلة العظمى (اليوم) نصب على الظرفية (تستحل) بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية والحاء المهملة مبنيًّا للمفعول (الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذمار) بالذال المعجمة المكسورة وتخفيف الميم آخره راء الهلاك أو حين الغضب للحرم والأهل يعني الانتصار لمن بمكة قاله غلبة وعجزًا. وقيل: أراد حبذا يوم يلزمك فيه حفظي وحمايتي عن المكروه، وفي مغازي الأموي أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ لما حاذاه: أمرت بقتل قومك. قال: لا، فذكر له ما قال سعد بن عبادة ثم ناشده الله والرحم فقال: "يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة اليوم يعز الله قريشًا" وأرسل إلى سعد فأخذ الراية منه ودفعها إلى ابنه قيس.
(ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب) عددًا (فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه) من المهاجرين وكان الأنصار أكثر عددًا منهم. وعند الحميدي في مختصره وهي أجل الكتائب بالجيم بدل القاف من الجلالة. قال القاضي عياض في المشارق: وهي أظهر اهـ. وكل منهما ظاهر لا خفاء فيه ولا ريب كما في المصابيح أن المراد قلة العدد لا الاحتقار هذا ما لا يظن بمسلم اعتقاده ولا توهمه، فهو وجه لا محيد عنه ولا ضير فيه بهذا الاعتبار والتصريح بأن النبي ﷺ كان في هذه الكتيبة التي
هي أقل عددًا مما سواها من الكتائب قاض بجلالة قدرها وعظم شأنها ورجحانها على كل شيء سواها، ولو كان ملء الأرض بل وأضعاف ذلك فما هذا الذي يشم من نفس القاضي في هذا المحل اهـ.
(وراية النبي) وللأصيلي وراية رسول الله (¬ ﷺ مع الزبير بن العوّام) ﵁ (فلما مرّ رسول الله ﷺ بأبي سفيان قال) لرسول الله ﷺ : (ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال) ﵊: (ما قال)؟ سعد (قال) أبو سفيان (قال): وسقط من اليونينية إحدى قال: (كذا وكذا) أي اليوم يوم الملحمة (فقال) ﵊: (كذب سعد) في إطلاق الكذب على الأخبار بغير ما سيقع ولو بناه قائله على غلبة الظن وقوّة القرينة (ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة) أي بإظهار الإسلام وأذان بلال على ظهرها وإزالة ما كان فيها من الأصنام ومحو الصور التي كانت فيها وغير ذلك (ويوم تكسى فيه الكعبة) لأنهم كانوا يكسونها في مثل ذلك اليوم (قال) عروة: (وأمر رسول الله ﷺ أن تركز رايته بالحجون) بالحاء المهملة المفتوحة والجيم المخففة المضمومة موضع قريب من مقبرة مكة.
(قال) ولأبي ذر وقال: (عروة) بن الزبير بالسند السابق (وأخبرني) بالإفراد والواو في اليونينية وفي غيرها بالفاء (نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس) أي بعد فتح مكة (يقول للزبير بن العوّام: يا أبا عبد الله هاهنا أمرك رسول الله ﷺ أن تركز) بفتح الفوقية وضم الكاف (الراية قال: وأمر رسول الله ﷺ يومئذٍ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء) بفتح الكاف والمد (ودخل النبي ﷺ من كدى) بضم الكاف والقصر وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة الآتية إن شاء الله تعالى أن خالدًا دخل من أسفل مكة والنبي ﷺ من أعلاها (فقتل) بضم القاف وكسر التاء (من خيل خالد يومئذٍ) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر خالد بن الوليد ﵁ يومئذٍ (رجلان حبيش بن الأشعر) بحاء مهملة مضمومة فموحدة مفتوحة فتحتية ساكنة فشين معجمة وهو لقبه واسمه خالد بن سعد والأشعر بشين معجمة وعين مهملة الخزاعي وهو أخو أم معبد التي مر بها النبي ﷺ مهاجرًا (وكرز بن جابر) بضم الكاف بعدها راء ساكنة فزاي
стр. 2734
(الفهري) بكسر الفاء وسكون الهاء وكان من رؤساء المشركين وهو الذي أغار على سرح النبي ﷺ غزوة بدر الأولى ثم أسلم قديمًا، وبعثه النبي ﷺ في طلب العرنيين. وذكر ابن إسحاق أن أصحاب خالد بن الوليد لقوا ناسًا من قريش منهم سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية كانوا تجمعوا بالخندمة بالخاء المعجمة والنون مكان أسفل من مكة ليقاتلوا المسلمين فتناوشوهم شيئًا من القتال فقتل من خيل خالد مسلمة بن الميلا الجهني وقتل من المشركين اثنا عشر رجلاً أو ثلاثة عشر وانهزموا.
٤٢٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ وَهْوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ، وَقَالَ:
لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِي لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ.
[الحديث ٤٢٨١ - أطرافه في: ٤٨٣٥، ٥٠٣٤، ٥٠٤٧، ٧٥٤٠].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن معاوية بن قرة) بضم القاف وتشديد الراء (قال: سمعت عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة المزني (يقول: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح) حال كونه (يرجع) صوته بالقراءة (وقال) معاوية بن قرة (لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع) عبد الله بن مغفل يحكي قراءة النبي ﷺ . وفي الإكليل للحاكم من رواية وهب بن جرير عن شعبة لقرأت بذلك اللحن الذي قرأ به النبي ﷺ .
وحديث الباب أخرجه المؤلّف في التفسير وفضائل القرآن والتوحيد ومسلم في الصلاة والنسائي في فضائل القرآن.
٤٢٨٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ زَمَنَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ»؟
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن) ابن بنت شرحبيل التميمي الدمشقي قال: (حدّثنا سعدان بن يحيى) بسكون العين اسمه سعيد وسعدان لقبه كوفي نزل دمشق وليس له في البخاري إلا هذا الحديث قال: (حدّثنا) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر حدثني بالإفراد (محمد بن أبي حفصة) ميسرة البصري (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن علي بن حسين) بضم الحاء ابن علي بن أبي طالب (عن عمرو بن عثمان) بفتح العين وسكون الميم ابن عفان القرشي الأموي (عن أسامة بن زيد) مولى رسول الله ﷺ (أنه قال زمن الفتح): قبل أن يدخل مكة بيوم (يا رسول الله أين ننزل غدًا؟ قال النبي ﷺ ¬):
(وهل ترك لنا عقيل) بفتح العين وكسر القاف (من منزل).
٤٢٨٣ - ثُمَّ قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ». قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ وَمَنْ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ؟ قَالَ: وَرِثَهُ عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ. قَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا فِي حَجَّتِهِ؟ وَلَمْ يَقُلْ يُونُسُ حَجَّتِهِ وَلَا زَمَنَ الْفَتْحِ.
(ثم قال) ﷺ : (لا يرث المؤمن الكافر ولا) يرث (الكافر المؤمن) (قيل للزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (ومن) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر من (ورث أبا طالب؟ قال: ورثه عقيل و) أخوه (طالب) ولم يرث جعفر ولا علي شيئًا لأنهما كانا مسلمين، ولو كانا وارثين لنزل ﵊ في دورهما وكانت كأنها ملكه لعلمه بإيثارهما إياه على أنفسهما.
(قال معمر): هو ابن راشد مما وصله في الجهاد (عن الزهري) محمد بن مسلم (أين ننزل غدًا في حجته ولم يقل يونس حجته ولا زمن الفتح) أي سكت عن ذلك قال: في الفتح: وبقي الاختلاف بين ابن أبي حفصة ومعمر ومعمر أوثق وأتقن من محمد بن أبي حفصة.
وسبق الحديث في باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها من كتاب الحج.
٤٢٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْزِلُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا فَتَحَ اللَّهُ الْخَيْفُ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (حدّثنا) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر أخبرنا (شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن عبد الرحمن) بن هرمز الأعرج (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر عن النبي (¬ ﷺ ¬):
(منزلنا) غدًا (إن شاء الله إذا فتح الله) مكة (الخيف) بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية رفع خبر المبتدأ الذي هو منزلنا أو الخيف مبتدأ ومنزلنا خبره والخيف ما انحدر عن علظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء (حيث تقاسموا) تحالفوا (على الكفر) من إخراج النبي ﷺ وبني هاشم وبني المطلب من مكة إلى الخيف وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة.
٤٢٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ حُنَيْنًا: «مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: (أخبرنا ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال
стр. 2735
رسول الله ﷺ حين أراد) أن يغزو (حنينًا) يعني في غزوة الفتح لأن غزوة حنين كانت عقب غزوة الفتح.
(منزلنا غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر) قيل: إنما اختار النزول في الخيف ليتذكر الحالة السابقة فيشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه من الفتح العظيم وتمكنهم من دخول مكة ظاهرًا، ومبالغة في الصفح عن الذين أساؤوا معاملتهم بالإحسان والمن.
٤٢٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلْهُ» قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي المكي المؤذن قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وبعد الفاء المفتوحة راء زرد ينسج من الدرع على قدر رأس يلبس تحت القلنسوة (فلما نزعه جاء رجل) لم يسم، ولأبي ذر جاءه رجل بإثبات الضمير المنصوب (فقال): يا رسول الله (ابن خطل) بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة بعدها لام عبد الله (متعلق بأستار الكعبة) وكان أسلم ثم ارتد وقتل قتلى بغير حق وكان له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ (فقال) ﵊:
(اقتله). وعند ابن شبة في كتاب مكة من حديث السائب بن يزيد قال: رأيت رسول الله ﷺ استخرج من تحت أستار الكعبة عبد الله بن خطل فضربت عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبراهيم وقال: "لا يقتلن قرشي بعد هذا صبرًا" قال في الفتح: ورجاله ثقات إلا أن في أبي معشر مقالاً، واختلف في قاتله، وجزم ابن إسحاق بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله ورجح الواقدي أنه أبو برزة.
(قال مالك): الإمام الأعظم بالسند السابق (ولم يكن النبي ﷺ فيما نرى) بضم النون وفتح الواء أي فيما نظن (والله أعلم يومئذٍ محرمًا) إذ لم يرو أحد أنه تحلل يومئذٍ من إحرامه.
٤٢٨٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ».
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر والأصيلي حدّثنا (ابن عيينة) سفيان (عن ابن أبي نجيح) وهو بفتح النون عبد الله واسم أبي نجيح يسار (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح وحول البيت) الحرام (ستون وثلاثمائة نصب) بضم النون والصاد المهملة ما ينصب للعباد من دون الله جل وعلاً (فجعل) ﵊ (يطعنها) بضم العين على الأرجح (بعود في يده ويقول):
(جاء الحق) الإسلام أو القرآن (وزهق الباطل) اضمحل وتلاشى (جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) أي زال الباطل وهلك لأن الإبداء والإعادة من صفة الحي فعدمهما عبارة عن الهلاك، والمعنى جاء الحق وهلك الباطل، وقيل: الباطل الأصنام، وقيل إبليس لأنه صاحب الباطل أو لأنه هالك كما قيل له الشيطان من شاط إذ هلك أي لا يخلق الشيطان ولا الصنم أحدًا ولا يبعثه فالمنشئ والباعث هو الله تعالى لا شريك له. وفي مسلم من حديث أبي هريرة يطعن في
عينيه بسية القوس، وعند الفاكهي من حديث ابن عمرو صححه ابن حبان فيسقط الصنم ولا يسمه. وعند الفاكهي والطبراني من حديث ابن عباس فلم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه مع أنها كانت ثابتة بالأرض وقد شدّ لهم إبليس لعنه الله أقدامها بالرصاص وفعل ذلك لإذلال الأصنام وعابديها ولإظهار أنها لا تنفع ولا تضر ولا تدفع عن نفسها شيئًا.
وحديث الباب سبق في باب هل تكسر الدنان من كتاب المظالم.
٤٢٨٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ، وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأُخْرِجَ صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنَ الأَزْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، لَقَدْ عَلِمُوا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ» ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْبَيْتِ وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ وَقَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدثني) بالإفراد وللأصيلي وابن عساكر حدّثنا بالجمع (إسحاق) بن منصور الكوسج المروزي قال: (حدّثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد العنبري مولاهم التنوري بفتح المثناة وتشديد النون المضمومة قال: (حدثني) بالإفراد (أبي) عبد الوارث قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس -رضي الله
стр. 2736
عنهما- أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة) للفتح (أبي) امتنع (أن يدخل البيت) الحرام (وفيه الآلهة) أي الأصنام (فأمر بها فأخرجت) منه (فأخرج) بفتح الهمزة والراء في الفرع وفي أصله بضم الهمزة وكسر الراء (صورة إبراهيم) الخليل (و) صورة ولده (إسماعيل) عليهما الصلاة والسلام اللتين صوّرهما المشركون (في أيديهما من الأزلام) بالزاي المعجمة جمع زلم وهي التي كانوا يستقسمون بها الخير والشر وتسمى القداح مكتوب عليها الفعل لا تفعل فإذا أراد أحدهم فعل شيء أدخل يده فأخرج منها واحدًا فإن خرج الأمر مضى لشأنه وإن خرج النهي كف (فقال النبي ﷺ ¬):
(قاتلهم الله) أي لعنهم الله (لقد علموا) أنهما (ما استقسما بها قط) لأنهما كانا معصومين (ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت وخرج) منه (ولم يصل فيه) نفى ابن عباس ﵄ صلاته ﵊ في البيت الحرام وأثبتها بلال والمثبت مقدم على النافي.
وهذا الحديث قد سبق في الحج وغيره.
(تابعه) أي تابع عبد الصمد عن أبيه (معمر) هو ابن راشد فيما وصله أحمد (عن أيوب) السختياني (وقال وهيب): بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد العجلاني وسقط واو وقال: لأبي ذر (حدّثنا أيوب عن عكرمة عن النبي ﷺ ¬) أسقط ابن عباس فهو مرسل والموصول أرجح لاتفاق عبد الوارث ومعمر على ذلك عن أيوب قاله في الفتح.
٤٩ - باب دُخُولُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ
(باب دخول النبي ﷺ من أعلى مكة) لما قدمها يوم الفتح وسقط لفظ باب لأبي ذر فقوله دخول رفع.
٤٢٨٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْبَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُرْدِفًا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَمَعَهُ بِلَالٌ وَمَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ مِنَ الْحَجَبَةِ حَتَّى أَنَاخَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِفْتَاحِ الْبَيْتِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَمَكَثَ فِيهِ نَهَارًا طَوِيلاً ثُمَّ خَرَجَ فَاسْتَبَقَ النَّاسُ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ، فَوَجَدَ بِلَالاً وَرَاءَ الْبَابِ قَائِمًا، فَسَأَلَهُ أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَأَشَارَ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى مِنْ سَجْدَةٍ؟
(وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله المؤلّف في باب الردف على الراحلة من الجهاد (حدثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي قال: (أخبرني) بالإفراد (نافع عن) مولاه (عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة) من كداء بالفتح والمد (على راحلته) حال كونه (مردفًا أسامة بن زيد) خادمه (ومعه بلال) مؤذنه (ومعه عثمان بن طلحة) لكونه (من الحجبة) أي سدنة الكعبة الذين معهم مفتاحها (حتى أناخ) ﵊ راحلته (في المسجد فأمره) أي أمر ﵊ عثمان الحجبي (أن يأتي بمفتاح البيت) الحرام زاد عبد الرزاق من مرسل الزهري فأبطأ عليه ورسول الله ﷺ ينتظره حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق ويقول: ما يحبسه فسعى رجل إليه وجعلت أم عثمان سلافة تقول: إن أخذه منكم لا يعطيكموه أبدًا فلم يزل بها حتى أعطته المفتاح فجاء به ففتح (فدخل رسول الله ﷺ ¬) الكعبة (ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فمكث فيه) أي في البيت ولأبي ذر عن الكشميهني فيها أي في الكعبة (نهارًا طويلاً) يكبر ويصلّي ويدعو (ثم خرج) منه (فاستبق الناس) للولوج إلى الكعبة (فكان عبد الله بن عمر) بن الخطاب (أوّل من دخل) الكعبة (فوجد بلالاً وراء الباب قائمًا فسأله أين صلّى رسول الله ﷺ ¬)؟ في الكعبة (فأشار له) بلال (إلى المكان الذي صلّى فيه) ﵊ منها (قال عبد الله) بن عمر: (فنسيت أن أسأله كم صلى) ﵊ (من سجدة) أي من ركعة وعند ابن إسحاق أنه وقف على باب الكعبة ثم قال: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم"؟ قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" وعند ابن عائذ من مرسل عبد الرحمن بن سابط أنه دفع مفتاح الكعبة إلى عثمان فقال: "خذها خالدة مخلدة إني لم أدفعها إليكم ولكن الله دفعها إليكم ولا ينزعها منكم إلا ظالم".
وحديث الباب قد مر في باب الردف على الحمار من الجهاد.
٤٢٩٠ - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ. تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ وَوُهَيْبٌ فِي كَدَاءٍ.
وبه قال: (حدّثنا الهيثم) بالمثلثة (ابن خارجة) الخراساني المروزي قال: (حدثنا حفص بن ميسرة) الصنعاني وليس له حديث موصول في البخاري إلا هذا (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (أن عائشة) ولأبي ذر عن الكشميهني عن عائشة (﵂ أخبرته أن النبي ﷺ دخل عام الفتح من كداء) بفتح الكاف وتخفيف الدال
стр. 2737
المهملة ممدودًا (التي بأعلى مكة. تابعه) أي تابع حفص بن ميسرة (أبو أسامة) حماد بن أسامة (ووهيب) بضم الواو ابن خالد في روايتهما عن هشام بن عروة بهذا الإسناد (في كداء) بفتح الكاف والمد.
٤٢٩١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ.
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين وفتح الموحدة الهباري الكوفي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير أنه قال: (دخل النبي ﷺ عام الفتح من أعلى مكة من كداء) بفتح ومد وهذا مرسل تابعي.
٥٠ - باب مَنْزِلُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ
(باب منزل النبي ﷺ يوم الفتح).
٤٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرَ أُمِّ هَانِئٍ فَإِنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، قَالَتْ: لَمْ أَرَهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) بفتح العين ابن مرة (عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن أنه (قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلي) صلاة (الضحى غير أم هانئ) فاختة بنت أبي طالب. قال الكرماني: ولا يلزم من عدم وصول الخبر إليه عدمه (فإنها ذكرت أنه يوم فتح مكة اغتسل في بيتها ثم صلّى ثماني ركعات) لا ينافي قوله منزلنا غدًا إن شاء الله خيف بني كنانة لأنه ﵊ لم يقم في بيتها إنما نزل فاغتسل وصلّى ثم رجع إلى الخيف (قالت) أم هانئ (لم أره) ﵊ (صلى صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود).
وهذا الحديث مضى في صلاة الضحى من كتاب الصلاة.
٥١ - باب
هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة فهو كالفصل من الذي قبله.
٤٢٩٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار العبدي قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح الكوفي (عن مسروق) هو ابن الأجدع بن مالك الهمداني (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: كان النبي ﷺ يقول): ولأبى ذر عن الكشميهني يقرأ (في ركوعه وسجوده):
(سبحانك اللهم ربنا وبحمدك) أي نسبحك والحال أننا نتلبس بحمدك فيه. وقال في شرح المشكاة أي وبحمدك سبحانك ومعناه بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك عليّ سبحتك لا بحولي وقوتي ففيه شكر الله تعالى على هذه النعمة والاعتراف بها والتفويض إلى الله تعالى وإن كل الأفعال له (اللهم اغفر لي) زاد في الصلاة يتأوّل القرآن أي يفعل ما أمر به فيه أي في قوله ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ [النصر: ٣]. قال في فتح الباري: ووجه دخول هذا الحديث هنا ما سيأتي في التفسير بلفظ ما صلّى النبي ﷺ صلاة بعد أن أنزلت عليه ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] إلا يقول فيها فذكر الحديث.
٤٢٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ قَالَ: وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلاَّ لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ مَا تَقُولُونَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ و ٢] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ، إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي وَلَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَتْحُ مَكَّةَ فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ مَا تَعْلَمُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية إياس (عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان عمر) بن الخطاب ﵁ (يدخلني) عليه في مجلسه (مع أشياخ بدر) الذين حضروا غزوتها (فقال بعضهم): هو عبد الرحمن بن عوف (لم تدخل هذا الفتى) ابن عباس (معنا ولنا أبناء مثله)؟ في السن فلم تدخلهم (فقال) عمر: (إنه) أي ابن عباس (ممن قد علمتم) ولعبد الرزاق أن له لسانًا سؤلاً وقلبًا عقولا (قال: فدعاهم) أي الأشياخ (ذات يوم ودعاني معهم قال) ابن عباس: (وما رئيته) بضم الراء فهمزة مكسورة فتحتية ساكنة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أريته بهمزة مضمومة فراء مكسورة فتحتية ساكنة أي ظننته (دعاني يومئذٍ إلا ليريهم مني) مثل ما رأى هو مني من العلم (فقال) لهم: (ما تقولون ﴿إذا﴾) ولأبي ذر في إذا (﴿جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا﴾ [النصر: ١ و ٢] حتى ختم السورة) ثبت في دين الله أفواجًا لأبي ذر (فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا) بضم النون على عدوّنا (وفتح علينا) المدائن والقصور (وقال بعضهم: لا ندري ولم يقل بعضهم شيئًا فقال لي) عمر: (يا ابن) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ابن (عباس) بحذف
стр. 2738
أداة النداء (أكذاك تقول؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾) [النصر: ١] أي (فتح مكة فذاك علامة أجلك) أي موتك (﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّابًا﴾) (النصر: ٣] أمره تعالى بعد أن بذل المجهود فيما كلف به من تبليغ الرسالة ومجاهدة أعداء الدين بالإقبال على التسبيح والاستغفار والتأهب للمسير إلى المقامات العليا واللحوق بالرفيق الأعلى، وهذا المعنى هو الذي فهمه منها ابن عباس حتى ردّ به على أولئك المشايخ وقال: أجل رسول الله ﷺ وصدقه عمر كما قال: (قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم) وروي أن عمر لما سمعها بكى وقال: الكمال دليل الزوال.
٤٢٩٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمَ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، لَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ مَاذَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الخَرْبَةُ: الْبَلِيَّةُ.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن شرحبيل) بالشين المعجمة المضمومة والراء المفتوحة بعدها حاء مهملة ساكنة فموحدة مكسورة الكندي الكوفي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام ولأبي ذر: ليث (عن المقبري) بفتح الميم وسكون القاف وضم الموحدة سعيد بن كيسان وكان يسكن عند
المقبرة فنسب إليها (عن أبي شريح) بالشين المعجمة المضمومة أوله والحاء المهملة آخره خويلد بضم الخاء مصغرًا (العدوي) بفتح المهملتين وكسر الواو (إنه قال لعمرو بن سعيد) بفتح العين وسكون الميم ابن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأشدق وكان أمير المدينة (وهو يبعث البعوث إلى مكة): لغزو عبد الله بن الزبير لامتناعه من مبايعة يزيد بن معاوية (ائذن لي أيها الأمير أحدثك) بالجزم جواب الأمر (قولاً قام به رسول الله ﷺ الغد) ظرف وهو اليوم الثاني (من يوم الفتح) ولغير أبي ذر يوم الفتح بإسقاط الجار (سمعته أذناي ووعاه) أي حفظه (قلبي) وتحقق فهمه (وأبصرته عيناي) بتاء التأنيث كسمعته أي فلم يسمعه من وراء حجاب بل مع الرؤية والمشاهدة (حين تكلم به) ﵊ (إنه) بكسر الهمزة وسقطت الكلمة لغير أبي ذر (حمد الله وأثنى عليه) من عطف العام على الخاص (ثم قال):
(إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس) من قبل أنفسهم بل بتحريم الله بوحي (لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا) بغير حق (ولا يعضد) بفتح الياء وكسر الضاد أي لا يقطع (بها شجرًا فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ ¬) أي لأجل قتاله (فيها) مستدلاً بذلك (فقولوا له) ليس الأمر كذلك (إن الله أذن لرسوله) خموصية له ﷺ (ولم يأذن لكم وإنما أذن لي) تعالى في القتال (فيها) ولأبي ذر له فيه أي في القتال (ساعة من نهار) وهي من طلوع الشمس إلى العصر فكانت مكة في حقه ﵊ في تلك الساعة بمنزلة الحل (وقد عادت حرمتها اليوم) يوم الفتح لا في غيره (كحرمتها بالأمس) الذي قبل يوم الفتح (وليبلغ الشاهد) أي الحاضر (الغائب) (فقيل لأبي شريح) المذكور (ماذا قال لك عمرو)؟ أي ابن سعيد المذكور (قال) أبو شريح: (قال) عمرو: (أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ) بالذال المعجمة أي لا يعصم (عاصيًا) من إقامة الحد عليه (ولا فارًا) بفاء وراء مشددة (بدم) أي مصاحبًا لدم ملتجئًا إلى المحرم بسبب خوفه من إقامة الحد عليه (ولا فارًا بخربة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة أي بسبب خربة وللأصيلي بخربة بضم الخاء ولغيره بفتحها وصوبه بعضهم كما قاله القاضي عياض.
(قال أبو عبد الله) البخاري (الخربة) أي (البلية) وهذا ثابت لأبي ذر وحده.
وهذا الحديث سبق في باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب من كتاب العلم.
٤٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهْوَ بِمَكَّةَ: (إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ).
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد، ولأبي ذر ليث (عن يزيد بن أبي حبيب) الأزدي أبي رجاء عالم مصر (عن عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء والموحدة
المخففة (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة):
(إن الله ورسوله حرم بيع الخمر) بإفراد الفعل والأصل أن يقول: حرما لأنهما في التحريم واحد.
стр. 2739
وسبق هذا الحديث بأطول من هذا في باب بيع الميتة من كتاب البيع.
٥٢ - باب مَقَامُ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ زَمَنَ الْفَتْحِ
(باب مقام النبي ﷺ بمكة زمن الفتح) بفتح ميم مقام الأولى في الفرع وفي غيره بضمها أي الإقامة والمراد وصفه بأنه أقام.
٤٢٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (ح).
(وحدّثنا) بالواو ولأبي ذر (قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة ابن عقبة بن عامر السوائي الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن يحيى بن أبي إسحاق) مولى الحضارمة البصري (عن أنس ﵁) أنه (قال: أقمنا مع النبي ﷺ عشرًا) ولأبي ذر: عشرة أي عشرة أيام بمكة وضواحيها (نقصر الصلاة) قال الحافظ ابن حجر: وظاهر هذا الحديث والذي قبله التعارض، والذي أعتقده أن حديث أنس إنما هو في حجة الوداع فإنها السفرة التي أقام فيها بمكة عشرًا لأنه دخل يوم الرابع وخرج يوم الرابع عشر، وأما حديث ابن عباس فهو في الفتح.
وهذا الحديث سبق في باب ما جاء في التقصير أواخر كتاب الصلاة.
٤٢٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا عاصم) الأحول (عن عكرمة عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: أقام النبي ﷺ بمكة) زمن الفتح (تسعة عشر يومًا) بلياليها حال كونه (يصلّي) الرباعية (ركعتين) ولأبي ذر سبعة عشر بتقديم السين على الموحدة وله من حديث ابن حصين ثماني عشرة. ومباحث ذلك سبقت في أبواب التقصير.
٤٢٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ تِسْعَ عَشْرَةَ، نَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
وَنَحْنُ نَقْصُرُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ تِسْعَ عَشْرَةَ فَإِذَا زِدْنَا أَتْمَمْنَا.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي قال: (حدّثنا أبو شهاب) عبد ربه بن نافع الحناط بالحاء المهملة والنون (عن عاصم) الأحول (عن عكرمة عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: أقمنا مع النبي ﷺ في سفر) زمن الفتح بمكة (تسع عشرة) بتقديم الفوقية على السين كالسابقة (نقصر الصلاة) لأنهم كانوا يتوقعون حاجتهم يومًا فيومًا. (وقال ابن عباس) بالسند السابق (ونحن نقصر) إذا سافرنا فأقمنا (ما بيننا وبين تسع عشرة) يومًا (فإذا زدنا) في الإقامة على تسعة عشر يومًا (أتممنا) الصلاة أربعًا.
ومناسبة هذه الأحاديث للترجمة واضحة لا خفاء بها والله الموفق والمعين.
٥٣ - باب
هذ (باب) بالتنوين.
٤٣٠٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ مَسَحَ وَجْهَهُ عَامَ الْفَتْحِ.
[الحديث ٤٣٠٠ - أطرافه في: ٦٣٥٦].
(وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله المؤلّف في تاريخه الصغير والأدب المفرد عن عبد الله بن صالح عن الليث (حدثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن ثعلبة بن صعير) بضم الصاد وفتح العين المهملتين فياء تصغير فراء ويقال له أيضًا: ابن أبي صعير العذري بضم العين المهملة وسكون الذال وبالراء (وكان النبي ﷺ قد مسح وجهه عام الفتح) وكان ولد قبل الهجرة وقيل بعدها ولأبيه ثعلبة صحبة وأطلق الدارقطني وغيره أن لعبد الله صحبة واقتصر المؤلّف على ذكر المناسبة من الحديث ولم يذكر مقول قول عبد الله بن ثعلبة اختصارًا.
٤٣٠١ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَنَحْنُ مَعَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: وَزَعَمَ أَبُو جَمِيلَةَ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) أبو عبد الرحمن بن يوسف الصنعاني اليماني (عن معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سنين) بضم السين المهملة وفتح النون بعدها تحتية ساكنة فنون أخرى (أبي جميلة) بفتح الجيم وكسر الميم الضمري ويقال السلمي (قال) الزهري (أخبرنا) أي أبو جميلة (و) الحال أنا (نحن مع ابن المسيب) سعيد أراد تقوية روايته عنه بكونها بحضرة ابن المسيب ولم يذكر المخبر به (قال) أي الزهري (وزعم) أي قال (أبو جميلة أنه أدرك النبي ﷺ وخرج معه) إلى مكة (عام الفتح) كذا
ذكره في الصحابة ابن منده وأبو نعيم وابن عبد البر وقال غيرهم: وحج معه ﵊ حجة الوداع.
٤٣٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ أَلَا تَلْقَاهُ فَتَسْأَلَهُ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ، مَا لِلنَّاسِ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، وَكَأَنَّمَا يُغْرَى فِي صَدْرِي وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمِ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهْوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا فَقَالَ: «صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا، فِي حِينِ كَذَا وَصَلُّوا كَذَا فِي حِينِ كَذَا فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَىِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ؟ فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا فَمَا فَرِحْتُ بِشَىْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (عن عمرو بن سلمة) بفتح العين وكسر
стр. 2740
اللام ابن قيس وقيل ابن نفيع الجرمي اختلف في صحبته (قال) أيوب: (قال لي أبو قلابة ألا) بالتخفيف (تلقاه) أي ألا تلقى عمرو بن سلمة (فتسأله قال) أبو قلابة: (فلقيته) أي عمرو بن سلمة (فسألته فقال) عمرو بن سلمة: (كنا بماء) أي بموضع ننزل به (ممر الناس) بتشديد الراء مجرورة صفة لماء وفي اليونينية بفتح الراء أي موضع مرورهم (وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس) بالتكرار مرتين (ما هذا الرجل) أي يسألون عن النبي ﷺ وعن حال العرب معه (فيقولون يزعم أن الله أرسله أوحى إليه أو أوحى الله) وسقط لفظ أو لأبي ذر (بكذا) في اليونينية وفرعها مشطوب على الباء بالحمرة شطبتين وفوقها علامة أبي ذر أي أن الباء ساقطة في روايته والشك من الراوي يريد حكاية ما كانوا يخبرونهم به مما سمعوه من القرآن وفي مستخرج أبي نعيم فيقولون نبي يزعم أن الله أرسله وأن الله أوحى إليه كذا وكذا (فكنت أحفظ ذلك) ولأبي ذر: ذاك (الكلام) ولأبي داود وكنت غلامًا فحفظت من ذلك قرآنًا كثيرًا (وكأنما) بالواو ولأبي ذر: فكأنما (يغرى) بضم التحتية وسكون الغين المعجمة وفتح الراء كذا في الفرع مصححًا عليه من التغرية أي كأنما يلصق (في صدري) ونسبها في فتح الباري للإسماعيلي لكنه قال: بتشديد الراء قال: ورجحها عياض، ولأبي ذر عن الكشميهني: يقر بقاف مفتوحة وراء مشددة من القرار. قال في الفتح: وفي رواية عن الكشميهني يقرأ بزيادة ألف مقصورًا من التقرية أي يجمع ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي ونسبها في الفتح للأكثر يقرأ بسكون القاف آخره همزة مضمومة من القراءة (وكانت العرب تلوم) بفتح اللام والواو المشددة وأصله بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفًا أي تنتظر وتتربص (بإسلامهم الفتح) أي فتح مكة (فيقولون: اتركوه وقومه) قريشًا (فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر) أي أسرع (كل قوم بإسلامهم وبدر) أي أسرع (أبي قومي بإسلامهم فلما قدم) أبي (قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًا) فقال ﵊ لهم:
(صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلوا كذا) ولأبي ذر: وصلوا صلاة كذا (في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا) ولأبي داود أنهم قالوا: يا رسول الله من يؤمنا؟ قال: أكثركم جمعًا للقرآن (فنظروا) في الحي (فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني لما كنت أتلقى) من القرآن (من الركبان فقدموني بين أيديهم) أصلي بهم (وأنا ابن ست أو سبع سنين وكانت عليّ بردة) شملة مخططة أو كساء أسود مربع (كنت إذا سجدت تقلصت) بقاف ولام مشددة وصاد مهملة أي انجمعت وتكشفت (عني فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا) بحذف النون في الفرع كأصله في حالة الرفع. قال ابن مالك: إنه ثابت في الكلام الفصيح نثره ونظمه ولأبي ذر: ألا تغطون (عنا است قارئكم) أي عجزه (فاشتروا) زاد أبو داود لي قميصًا عمانيًا بضم العين مخففًا نسبة إلى عُمان من البحرين (فقطعوا لي قميصًا فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص) وبهذا تمسك الشافعية في إمامة الصبي المميز في الفريضة، ولا يستدل به على عدم شرط ستر العورة في الصلاة لأنها واقعة حال فيحتمل أن يكون ذلك قبل علمهم بالحكم.
٤٣٠٣ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ أَنْ يَقْبِضَ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وَقَالَ عُتْبَةُ: إِنَّهُ ابْنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ فِي الْفَتْحِ أَخَذَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَقْبَلَ مَعَهُ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدُ: هَذَا ابْنُ أَخِي عَهِدَ إِلَىَّ أَنَّهُ ابْنُهُ. قَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَخِي هَذَا ابْنُ زَمْعَةَ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ فَإِذَا أَشْبَهُ النَّاسِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُوَ لَكَ هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ» مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ».
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَصِيحُ بِذَلِكَ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي (عن
مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ¬).
(وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله الذهلي في الزهريات (حدثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (حدثني) بالإفراد (عروة بن الزبير) قال ابن حجر واللفظ لرواية يونس (أن عائشة) ﵂ (قالت: كان عتبة بن أبي وقاص) مالك قيل إنه صحابي وقال أبو نعيم: لا بل مات كافرًا وهو الذي كسر رباعية النبي ﷺ (عهد إلى أخيه سعد) أحد العشرة المبشرة
стр. 2741
بالجنة (أن يقبض) عبد الرحمن (ابن وليدة زمعة) فعلية من الولادة بمعنى مفعولة قال الجوهري: الصبية والأمة والجمع ولائد وزمعة بفتح الزاي وسكون الميم وهو ابن قيس بن عبد شمس القرشي العامري والد سودة زوج النبي ﷺ ، ولم يقف الحافظ ابن حجر على اسم هذه الوليدة، وقال: لكن ذكر مصعب بن الزبير وابن أخيه الزبير في نسب قريش أنه كانت أمة يمانية وكانت مستفرشة لزمعة فزنى بها عتبة وكانت طريقة الجاهلية في مثل ذلك أن السيد إن استحلقه لحقه وإن نفاه انتفى عنه وإن ادّعاه كان مردّ ذلك إلى السيد أو القائف.
(وقال عتبة: إنه ابني فلما قدم رسول الله ﷺ مكة في) زمن (الفتح أخذ سعد بن أبي وقاص ابن وليدة زمعة) وفي رواية معمر عن الزهري فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشبه فاحتضنه إليه وقال: ابن أخي ورب الكعبة (فأقبل به إلى رسول الله) ولأبوي ذر والوقت إلى النبي (¬ ﷺ وأقبل معه عبد بن زمعة فقال سعد) بن أبي وقاص (هذا ابن أخي عهد إليّ أنه ابنه قال): ولأبي ذر فقال (عبد بن زمعة: يا رسول الله هذا أخي هذا ابن وليدة زمعة ولد على فراشه فنظر رسول الله ﷺ إلى ابن وليدة زمعة فإذا) هو (أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص فقال رسول الله ﷺ ¬):
(هو) أي الولد (لك هو أخوك) بالاستلحاق أو بحكمه ﵊ بعلمه في ذلك (يا عبد بن زمعة) بضم دال عبد وفتحها وابن نصب على الحالين (من أجل أنه ولد على فراشه) (وقال رسول الله ﷺ : احتجبي منه) أي من ابن وليدة زمعة المتنازع فيه (يا سودة) ندبًا واحتياطًا وإلاّ فقد ثبت نسبه وأخوّته لها في ظاهر الشرع (لما رأى) ﵊ (من شبه عتبة بن أبي وقاص) بالولد المتنازع فيه، وأشار الخطاب إلى أن ذلك مزية لأمهات المؤمنين لأن لهن في ذلك ما ليس لغيرهن.
(قال ابن شهاب) الزهري فيما وصله المؤلّف في القدر (وقالت عائشة: قال
رسول الله ﷺ : الولد للفراش) أي لصاحب الفراش زوجًا أو سيدًا (وللعاهر) أي الزاني (الحجر) الخيبة ولا حق في الولد أو المراد الرجم وضعف بأنه ليس كل من يزني يرجم بل المحصن. وأيضًا فلا يلزم من رجمه نفي الولد والحديث إنما هو في نفيه عنه. (وقال ابن شهاب) أيضًا: (وكان أبو هريرة يصيح) بفتح أوله أي يعلن (بذلك) أي بقوله: الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وهذا الحديث موصول إلى الزهري منقطع بينه وبين أبي هريرة رواه مسلم وغيره من طريق سفيان بن عيينة، ومسلم أيضًا من طريق معمر كلاهما عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب.
٤٣٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ»؟ قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَزَوَّجَتْ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) أبو الحسن المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن امرأة) اسمها فاطمة المخزومية (سرقت) حليًّا أو غيره (في عهد رسول الله ﷺ في غزوة الفتح) ظاهره الإرسال لكن ظاهر قوله في آخره قالت عائشة أنه عن عائشة.
وموضع الترجمة منه قوله في غزوة الفتح (ففزع قومها) أي التجؤوا (إلى أسامة بن زيد) مولى رسول الله ﷺ (يستشفعونه) أي يستشفعون به عند النبي ﷺ أن لا يقطع يدها إما عفوًّا وإما فداء وكأن ﷺ يقبل شفاعته (قال عروة: فلما كلمه) ﵊ (أسامة فيها تلوّن وجه رسول الله ﷺ فقال):
(أتكلمني) بهمزة الاستفهام الإنكاري وفي الحدود: أتشفع (في حدّ من حدود الله؟ قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ خطيبًا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنما أهلك الناس قبلكم) وللنسائي من رواية سفيان إنما هلك بنو إسرائيل (إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه) ولم يقيموا عليه الحد (وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) وفي رواية إسماعيل بن أمية
стр. 2742
وإذا سرق فيهم الوضيع قطعوه (والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وهذا من الأمثلة التي صح فيها أن لو حرف امتناع لامتناع، وقد ذكر ابن ماجه عن محمد بن رمح سمعت الليث يقول عقب هذا الحديث: قد أعاذها الله من أن تسرق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول: هذا. وخص ﷺ ابنته بالذكر لأنها أعز أهله عنده فأراد المبالغة في تثبيت إقامة الحد على كل مكلف وترك المحاباة.
(ثم أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة) التي سرقت (فقطعت يدها) وللنسائي: قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها (فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت) وعند أبي عوانة من رواية ابن أخي الزهري فنكحت رجلاً من بني سليم وتابت (قالت عائشة: فكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ ¬) وعند أحمد أنها قالت: هل من توبة يا رسول الله؟ فقال: "أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك".
وبقية فوائد الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الحدود والله الموفق والمعين.
٤٣٠٥ و ٤٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ حَدَّثَنِي مُجَاشِعٌ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَخِي بَعْدَ الْفَتْحِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُكَ بِأَخِي لِتُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ قَالَ: «ذَهَبَ أَهْلُ الْهِجْرَةِ بِمَا فِيهَا» فَقُلْتُ عَلَى أَيِّ شَىْءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ: «أُبَايِعُهُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالإِيمَانِ وَالْجِهَادِ» فَلَقِيتُ أَبَا مَعْبَدٍ بَعْدُ وَكَانَ أَكْبَرَهُمَا فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: صَدَقَ مُجَاشِعٌ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) الحراني الجزري سكن مصر قال: (حدّثنا زهير) هو ابن معاوية قال: (حدّثنا عاصم) هو ابن سليمان (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل النهدي أنه (قال: حدثني) بالإفراد (مجاشع) بميم مضمومة فجيم فألف فشين معجمة مكسورة فعين مهملة ابن مسعود بن ثعلبة بن وهب السلمي بضم السين أنه (قال: أتيت النبي ﷺ بأخي) مجالد (بعد الفتح قلت: يا رسول الله ﷺ بأخي لتبايعه على الهجرة) إلى المدينة (قال) ﵊:
(ذهب أهل الهجرة) الذين هاجروا قبل الفتح (بما فيها) من الفضل فلا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية (فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال) ﵊: (أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد) عند الحاجة إليه. قال أبو عثمان النهدي (فلقيت أبا معبد) يريد مجالدًا (بعد) أي بعد سماعي الحديث من مجاشع وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر عن الحموي والمستملي فلقيت معبدًا والصواب الأول (وكان) أي أبو معبد (أكبرهما) أي أكبر الأخوين (فسألته) عن حديث مجاشع الذي سمعته منه (فقال: صدق مجاشع).
وهذا الحديث قد مرّ في أوائل الجهاد في باب البيعة في الحرب أن لا يفروا مختصرًا.
٤٣٠٧ و ٤٣٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ انْطَلَقْتُ بِأَبِي مَعْبَدٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ قَالَ: «مَضَتِ الْهِجْرَةُ لأَهْلِهَا أُبَايِعُهُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ» فَلَقِيتُ أَبَا مَعْبَدٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: صَدَقَ مُجَاشِعٌ. وَقَالَ خَالِدٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ مُجَاشِعٍ: أَنَّهُ جَاءَ بِأَخِيهِ مُجَالِدٍ.
وبه قال: (حدثنا محمد بن أبي بكر) المقدمي قال: (حدّثنا الفضيل) ولأبي ذر: فضيل (بن سليمان) النميري البصري قال: (حدّثنا عاصم) هو ابن سليمان (عن أبي عثمان النهدي عن
مجاشع بن مسعود) أنه قال: (انطلقت بأبي معبد) مجالد (إلى النبي ﷺ ليبايعه على الهجرة) إلى المدينة (قال) ﵊:
(مضت الهجرة لأهلها) فلا هجرة بعد الفتح (أبايعه على الإسلام والجهاد) ولم يذكر في هذه "الإيمان" الثابت في الأولى. قال أبو عثمان (فلقيت أبا معبد) أخا مجاشع (فسألته) عما حدثني به أخوه مجاشع (فقال: صدق مجاشع، وقال خالد) الحذاء فيما وصله الإسماعيلي (عن أبي عثمان) النهدي (عن مجاشع أنه جاء بأخيه مجالد) إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا مجالد يا رسول الله فبايعه على الهجرة .. الحديث.
٤٣٠٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ ﵄: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُهَاجِرَ إِلَى الشَّأْمِ، قَالَ: لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ، فَانْطَلِقْ فَاعْرِضْ نَفْسَكَ فَإِنْ وَجَدْتَ شَيْئًا وَإِلاَّ رَجَعْتَ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن بشار) أبو بكر العبدي البصري بندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس (عن مجاهد) هو ابن جبر أنه قال: (قلت لابن عمر ﵄ إني أريد أن أهاجر إلى الشام قال): أي ابن عمر (لا هجرة) أي بعد الفتح (ولكن جهاد فانطلق) بكسر اللام والجزم على الأمر (فأعرض) بهمزة قطع مجزومًا على الأمر أيضًا مصححًا عليها في الفرع وبهمزة وصل مصححًا عليها في أصله (نفسك فإن وجدت شيئًا) من الجهاد والقدرة عليه فهو المراد (وإلاّ) بأن لم تجد شيئًا من ذلك (رجعت).
٤٣١٠ - وَقَالَ النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: فَقَالَ: لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ أَوْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهُ.
(وقال النضر) بن شميل فيما وصله الإسماعيلي (أخبرنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا أبو بشر) جعفر (قال: سمعت مجاهدًا
стр. 2743
يقول: قلت لابن عمر): أي أني أريد الشأم الخ .. (فقال: لا هجرة اليوم أو) قال: (بعد رسول الله ﷺ مثله). أي مثل الحديث السابق.
٤٣١١ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق بن يزيد) نسبه لجدّه واسم أبيه إبراهيم الفراديسي قال: (حدّثنا يحيى بن حمزة) الحضرمي قاضي دمشق (قال: حدثني) بالإفراد (أبو عمرو) بفتح العين عبد الرحمن (الأوزاعي عن عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة (ابن أبي
لبابة) الأسدي الكوفي (عن مجاهد بن جبر) المكي (أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: لا هجرة بعد الفتح).
٤٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: زُرْتُ عَائِشَةَ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ فَسَأَلَهَا عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَتْ: لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ، كَانَ الْمُؤْمِنُ يَفِرُّ أَحَدُهُمْ بِدِينِهِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الإِسْلَامَ فَالْمُؤْمِنُ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن يزيد) الفراديسي قال: (حدّثنا يحيى بن حمزة) الحضرمي قال: (حدثني) بالإفراد (الأوزاعي) أبو عمرو (عن عطاه بن أبي رباح) بفتح الراء والموحدة أنه (قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير) بضم العين فيهما الليثي (فسألها عن الهجرة فقالت: لا هجرة اليوم كان المؤمن) بالإفراد مصححًا عليه في الفرع كأصله أي قبل الفتح وفي الهجرة المؤمنون (يفرّ أحدهم بدينه) أي بسبب حفظ دينه (إلى الله) (وإلى رسوله ﷺ ¬) إلى المدينة (مخافة أن يفتن عليه) بنصب مخافة على التعليل (فأما اليوم) بعد الفتح (فقد أظهر الله الإسلام) وفشت الشرائع والأحكام (فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء ولكن جهاد) في الكفار (ونية) أي وثواب نيّة الجهاد أو في الهجرة.
وسبق الحديث في الهجرة.
٤٣١٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهْيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحْلِلْ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنَ الدَّهْرِ، لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ» فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: إِلاَّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْقَيْنِ وَالْبُيُوتِ، فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: «إِلاَّ الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ حَلَالٌ». وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِمِثْلِ هَذَا أَوْ نَحْوِ هَذَا. رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن منصور وبه جزم أبو علي الجياني أو هو ابن نصر قاله الحاكم قال: (حدّثنا أبو عاصم) هو النبيل (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (حسن بن مسلم) أي ابن يناق المكي (عن مجاهد) هو ابن جبر (أن رسول الله ﷺ ¬) هذا مرسل وقد وصله في الحج والجهاد من رواية منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس (قام يوم الفتح فقال):
(إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرام الله) بفتح الحاء والراء بعدها
ألف في اللفظين (إلى يوم القيامة) والخليل مبلغ التحريم عن الله إلى الناس (لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ولم تحلل) بفتح الفوقية وكسر اللام الأولى ولأبي الوقت والأصيلي ولم تحلل بضم الفوقية وفتح اللام (لي) وزاد أبوا ذر والوقت: قط (إلاّ ساعة من الدهر) ما بين أول النهار ودخول العصر (لا ينفر صيدها) أي لا يزعج عن مكانه (ولا يعضد) لا يقطع (شوكها) ولأبي ذر عن الكشميهني: شجرها (ولا يختلى) بضم التحتية وسكون المعجمة مقصورًا لا يقلع (خلاها) بفتح المعجمة مقصورًا أيضًا كلؤها الرطب (ولا تحل لقطتها إلا لمنشد) يعرّفها ثم يحفظها لمالكها ولا يتملكها كسائر لقطة غيرها من البلاد (فقال العباس بن عبد المطلب: إلاّ الإذخر) بالمعجمتين (يا رسول الله إنه لا بدّ منه للقين) بفتح القاف الحداد للوقود (والبيوت) في سقفها بأن يجعل فوق الخشب أو للوقود الحلفاء (فسكت) ﷺ (ثم قال): بوحي أو نفث في روعه (إلاّ الإذخر فإنه حلال) والنبي ﷺ لا ينطق عن الهوى فالتحريم إلى الله حكمًا وإلى رسول الله بلاغًا.
(وعن ابن جريج) عبد الملك بالإسناد السابق أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الكريم) بن مالك الجزري الخضري بالخاء والضاد المعجمتين نسبة إلى قرية من اليمامة (عن عكرمة عن ابن عباس بمثل هذا). الحديث السابق (أو نحو هذا) شك من الراوي وهل المثل والنحو مترادفان أو المثل هو المتحد في الحقيقة والنحو أعم. (رواه) أي الحديث المذكور (أبو هريرة عن النبي ﷺ ¬) فيما سبق موصولاً في كتاب العلم.
٥٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥]
(باب قول الله تعالى: ﴿ويوم﴾) أي واذكر يوم (﴿حنين﴾) واد بين مكة والطائف إلى جنب ذي المجاز بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات سمي باسم حنين بن قابثة بن مهلائيل خرج إليه النبي ﷺ لست خلون من شوّال لما بلغه أن مالك بن عوف النصري جمع القبائل من هوازن، ووافقه على ذلك الثقفيون وقصدوا محاربة المسلمين، وإن المسلمون اثني عشر
стр. 2744
ألفًا وهوازن وثقيف أربعة آلاف، وقد روى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن الربيع بن أنس قال: قال رجل يوم حنين: لن نغلب اليوم من قلّة فشق ذلك على النبي ﷺ فكانت الهزيمة. قال في فتوح الغيب: وهذا مثل قوله تعالى: ﴿لم يخرّوا عليها صمًّا وعميانًا﴾ [الفرقان: ٧٣]. قوله: لم يخروا ليس نفيًا للخرور وإنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى، كذلك لن نغلب ليس نفيًا للمغلوبية، وإنما هو إثبات لها ونفي للقلة يعني متى غلبنا كان سببه عن القلة. هذا من حيث الظاهر ليس كلمة إعجاب لكنها كناية عنها فكأنه قال: ما أكثر عددنا فذلك قوله تعالى: (﴿إذ﴾) بدل من يوم (﴿أعجبتكم كثرتكم﴾) حصل لهم الإعجاب بالكثرة وزال عنهم أن الله هو الناصر
لا كثرة العدد والعُدد (﴿فلم تغن عنكم شيئًا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾) ما مصدرية والباء بمعنى مع أي مع رحبها أي لم تجدوا موضعًا لفراركم من أعدائكم فكأنها ضاقت عليكم (﴿ثم وليتم مدبرين﴾) ثم انهزمتم (﴿ثم أنزل الله سكينته﴾) رحمته التي سكنوا بها وأمنوا (إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾) [التوبة: ٢٥]. يستر كفر العدوّ بالإسلام وينصر المولى بعد الانهزام، فالكلام وارد مورد الامتنان على الصحابة بنصرته إياهم في المواطن الكثيرة، وكانت النصرة في هذا اليوم المخصوص أجلّ امتنانًا لما شوهد منهم ما ينافي النصرة من الإعجاب بالكثرة، ولولا فضل الله وكرامته لرسوله ﷺ وللمؤمنين لتمت الدبرة عليهم والنصر للأعداء. ألا ترى كيف أقيم المظهر مقام المضمر في قوله تعالى: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ [التوبة: ٢٥] ليؤذن بأن وصف الرسالة والإيمان أهل للانتصار بعد الفرار والعفو عن الاغترار، وحذف في رواية أبي ذر قوله: ﴿فلم تغن﴾ الخ. وقال: إلى ﴿غفور رحيم﴾.
٤٣١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: رَأَيْتُ بِيَدِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ضَرْبَةً قَالَ: ضُرِبْتُهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قُلْتُ: شَهِدْتَ حُنَيْنًا؟ قَالَ: قَبْلَ ذَلِكَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير) أبو عبد الرحمن الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا يزيد بن هارون) الواسطي قال: (أخبرنا إسماعيل) بن أبي خالد (قال: رأيت بيد ابن أبي أوفى) بفتح الهمزة والفاء عبد الله الأسلمي (ضربة) وعند الإسماعيلي ضربة على ساعده وزاد أحمد فقلت: ما هذه؟ (قال: ضربتها) بضم الضاد مبنيًا للمفعول (مع النبي ﷺ يوم حنين) قال إسماعيل (قلت) له (شهدت حنينًا؟ قال: قبل ذلك) من المشاهد وأول مشاهده الحديبية.
٤٣١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَارَةَ أَتَوَلَّيْتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ وَلَكِنْ عَجِلَ سَرَعَانُ الْقَوْمِ فَرَشَقَتْهُمْ هَوَازِنُ. وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِرَأْسِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ يَقُولُ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) أبو عبد الله العبدي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (سفيان) الثوري (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سمعت البراء) بن عازب (وجاءه رجل) قال ابن حجر: لم أقف على اسمه (فقال) له (يا أبا عمارة) بضم العين وتخفيف الميم كنية البراء (أتوليت) أي انهزمت (يوم حنين)؟ والهمزة للاستفهام (فقال): ولأبي ذر قال (أما أنا فأشهد على النبي ﷺ أنه لم يول) لم ينهزم (ولكن عجل) بكسر الجيم مخففًا (سرعان القوم) بفتح السين المهملة والراء وقد تسكن أوائلهم الذين يسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة (فرشقتهم)
بالشين المعجمة والقاف أي رمتهم (هوازن) القبيلة المعروفة وكانوا رماة وإن المسلمون قد حملوا على العدوّ فانكشفوا فأقبل المسلمون على الغنائم فاستقبلهم هوازن ما يكاد يسقط لهم سهم فرشقوهم رشقًا ما يكاد يخطؤون (وأبو سفيان بن الحارث) بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ (آخذ برأس بغلته) ﷺ (البيضاء) التي أهداها له فروة بن نفاثة على الصحيح حال كونه (يقول):
(أنا النبي لا كذب) فلا أنهرم لأن الله قد وعدني بالنصر (أنا ابن عبد المطلب) فيه دليل جواز قول الإنسان في الحرب أنا فلان وأنا ابن فلان أو مثل ذلك.
وهذا الحديث قد سبق في باب بغلة النبي ﷺ البيضاء من الجهاد.
٤٣١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قِيلَ لِلْبَرَاءِ وَأَنَا أَسْمَعُ أَوَلَّيْتُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ: أَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَلَا؛ كَانُوا رُمَاةً فَقَالَ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) السبيعي أنه قال: (قيل للبراء) بن عازب ﵁ (وأنا أسمع أوليتم مع النبي ﷺ يوم حنين)؟ بصيغة الجمع في أوليتم الشاملة لكلهم (فقال): البراء
стр. 2745
مجيبًا للسائل بجواب بديع متضمن لإثبات الفرار لهم لكن لا على جهة التعميم (أما النبي ﷺ فلا) أي لم يفرّ (كانوا) أي هوازن (رماة) فرشقوا بالنبل رشقًا فولينا (فقال) النبي ﷺ وهو ثابت لم يبرح:
(أنا النبي لا كذب) أي لست بكاذب فيما أقول حتى انهزم بل أنا متيقن بنصر الله (أنا ابن عبد المطلب) فانتسب إلى جده دون أبيه عبد الله لشهرته لما رزقه من نباهة الذكر والسيادة وطول العمر ولذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب كما في قصة ضمام بن ثعلبة، وقد قيل: إنه اشتهر عندهم أن عبد المطلب يخرج من ظهره رجل يدعو إلى الله تعالى فأراد ﷺ أن يذكر أصحابه بذلك، وأنه لا بد من ظهوره على أعدائه وأن العاقبة له لتقوى بهم نفوسهم.
٤٣١٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعَ الْبَرَاءَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ، كَانَتْ هَوَازِنُ رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمِ انْكَشَفُوا، فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ فَاسْتُقْبِلْنَا بِالسِّهَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِزِمَامِهَا وَهْوَ يَقُولُ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ
قَالَ إِسْرَائِيلُ وَزُهَيْرٌ: نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بندار العبدي قال: (حدّثنا غندر) محمد بن
جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو السبيعي أنه (سمع البراء) بن عازب (وسأله رجل من قيس) لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمه (أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال) البراء: فررنا (لكن رسول الله ﷺ ¬) وفي اليونينية وفرعها: لكن رسول الله ﷺ بالرفع والنصب (لم يفرّ) بل ثبت وثبت معه أربعة نفر، ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم علي والعباس بين يديه وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان وابن مسعود من الجانب. رواه ابن أبي شيبة من مرسل الحكم بن عتيبة، وعند الترمذي بإسناد حسن من حديث ابن عمر: لقد رأيتنا يوم حنين وأن الناس لمولون وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل. وعند أحمد والحاكم عن ابن مسعود فولى الناس عنه ومعه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار، ولعل الإمام النووي لم يقف على هذه الروايات حيث قال: إن تقدير الكلام أفررتم كلكم؟ فيدخل فيه النبي ﷺ فقال البراء: لا والله لم يفرّ النبي ﷺ ، ولكن (كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا) أي انهزموا (فأكببنا) بموحدتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة بعدها نون أي وقعنا (على الغنائم) وفي الجهاد فأقبل الناس على الغنائم (فاستقبلنا) بضم التاء وكسر الموحدة أي استقبلهم هوازن (بالسهام) أي فولينا قال الطبري: الانهزام المنهي عنه هو ما يقع عن غير نيّة العود وأما الاستطراد للكرة فهو كالمتحيز إلى فئة (ولقد رأيت رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ على بغلته البيضاء) وعند مسلم من حديث سلمة على بغلته الشهباء. وعند ابن سعد ومن تبعه على بغلته دلدل.
وقال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لأن دلدل أهداها له المقوقس يعني لأنه ثبت في صحيح مسلم من حديث العباس وكان على بغلة بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. قال القطب الحلبي: فيحتمل أن يكون يومئذ ركب كلاًّ من البغلتين إن ثبت أنها كانت صحبته وإلاّ فما في الصحيح أصح اهـ. وفي ركوبه ﷺ البغلة يومئذ دلالة على فرط شجاعته وثباته.
(وأن أبا سفيان) زاد أبو ذر ابن الحارث (آخذ) كذا في اليونينية وغيرها وفي الفرع لآخذ (بزمامها) وفي مسلم عن العباس: ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار. قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه فلعلهما تناوبا ذلك (وهو) ﵊ (يقول):
(أنا النبي لا كذب) لم يذكر الشطر الثاني في هذه الرواية، وقد كان بعض أهل العلم فيما حكاه السفاقسي يفتح الباء من قوله لا كذب ليخرجه عن الوزن، وقد أجيب عن هذا: بأنه خرج منه ﵊ هكذا موزونًا ولم يقصد به الشعر أو أنه لغيره وتمثل هو ﵊ به وأنه كان:
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب
فذكره بلفظ: أنا في الموضعين.
(قال إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي فيما وصله
стр. 2746
المؤلّف في الجهاد (وزهير) هو ابن معاوية الجعفي مما وصله في باب من صف أصحابه عند الهزيمة فقالا في آخره: (نزل النبي ﷺ عن بغلته) أي واستنصر أي قال: "اللهم أنزل نصرك" ولمسلم من حديث سلمة بن الأكوع فلما غشوا النبي ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب ثم استقبل به وجوههم فقال: "شاهت الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة فولوا منهزمين.
وقوله: "شاهت الوجوه" أي قبحت وفيه علم من أعلام نبوته ﷺ وهو إيصال تراب القبضة اليسيرة إليهم وهم أربعة آلاف.
٤٣١٨ و ٤٣١٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنِي لَيْثٌ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَعِي مَنْ تَرَوْنَ وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَىَّ أَصْدَقُهُ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ»، وَكَانَ أَنْظَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلاَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ». فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ، مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ» فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير بضم العين وفتح الفاء ابن مسلم الأنصاري مولاهم البصري قال: (حدثني) بالإفراد (ليث) ولأبي ذر: الليث بن سعد الإمام قال: (حدثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري قال المؤلّف: (ح).
(وحدثني) بواو العطف والإفراد (إسحاق) بن منصور المروزي قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (قال: حدّثنا ابن أخي ابن شهاب) محمد بن عبد الله (قال محمد بن شهاب) الزهري (وزعم عروة بن الزبير) بن العوّام (أن مروان) بن الحكم الأموي ولد سنة اثنتين من الهجرة ولم ير النبي ﷺ (والمسور بن مخرمة) بن نوفل الزهري له صحبة (أخبراه أن رسول الله ﷺ ¬) وهو مرسل لأن المسور يصغر عن إدراك هذه
القصة ومروان أصغر منه (قام حين جاءه وفد هوزان) حال كونهم (مسلمين) لما انصرف ﵊ من الطائف في شوال إلى الجعرانة وبها سبي هوازن (فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم) وذكر الواقدي أن وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتًا فيهم أبو برقان السعدي فقال: يا رسول الله إن في هذه الحظائر لأمهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك فامنن علينا منّ الله عليك (فقال لهم رسول الله ﷺ ¬):
(معي من ترون) بفتح الفوقية من الصحابة (وأحب الحديث إليّ أصدقه فاختاروا) أن أرد إليكم (إحدى الطائفتين) أي الأمرين (إما السبي وإما المال وقد كنت استأنيت) بسكون المهملة وفتح الفوقية بعدها همزة ساكنة فنون مفتوحة فتحتية ساكنة (بكم) أي أخرت قسم السبي بسببكم لتحضروا، ولأبي ذر عن الكشميهني لكم أي لأجلكم فأبطأتم حتى ظننت أنكم لا تقدمون وقد قسمت السبي (وكان أنظرهم) كذا في الفرع وفي نسخة انتظرهم بزيادة فوقية بعد النون (رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة) لم يقسم السبي وتركه بالجعرانة (حين قفل) أي رجع (من الطائف) إلى الجعرانة (فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير رادّ إليهم إلا إحدى الطائفتين) المال أو السبي (قالوا: فإنا نختار سبينا فقام رسول الله ﷺ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإن إخوانكم) وفد هوازن (قد جاؤونا) حال كونهم (تائبين وإني قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك) نفسه بدفع السبي مجانًا من غير عوض (فليفعل) جواب الشرط (ومن أحب منكم أن يكون على حظه) من السبي (حتى نعطيه إياه) أي عوضه (من أول ما يفيء الله علينا فليفعل فقال الناس: قد طيبنا ذلك) لهم أي حملنا أنفسنا على ترك السبايا حتى طابت بذلك (يا رسول الله) يقال: طابت نفسي بكذا إذا حملتها على السماح من غيره إكراه فطابت بذلك (فقال رسول الله ﷺ : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفائكم) أي نقباؤكم (أمركم فرجع الناس فكلمهم عرفاؤكم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا) ذلك (وأذنوا) له ﷺ أن يرد السبي إليهم. قال ابن شهاب (هذا الذي بلغني عن سبي هوازن).
وهذا الحديث قد سبق في باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب
стр. 2747
المسلمين.
٤٣٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ح حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَفَلْنَا مِنْ حُنَيْنٍ سَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ نَذْرٍ كَانَ نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ اعْتِكَافٍ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِوَفَائِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي
ابن درهم الجهضمي (عن أيوب) السختياني (عن نافع أن عمر) وفي نسخة: أن ابن عمر وكذا هو في الفرع كأصله لكن فيهما شطب بالحمرة على أبي (قال: يا رسول الله) أورده كذا مختصرًا مرسلاً وسبق في الخُمس تمامه بلفظ إن عمر قال لرسول الله ﷺ : إنه كان عليّ اعتكاف يوم في الجاهلية فأمره أن يفي به قال: وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة.
الحديث. قال البخاري (ح).
(وحدثني) بالواو وبالإفراد وسقطت الواو لغير أبي ذر (محمد بن مقاتل) المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: لما قفلنا) رجعنا (من حنين سأل عمر النبي ﷺ عن نذر كان نذره في) زمن (الجاهلية اعتكاف) بجرّ اعتكاف بدلاً من نذر، وفي نسخة بالفرع مصححًا عليها كأصله اعتكافًا، ولأبي ذر اعتكاف بالرفع (فأمره النبي ﷺ بوفائه، وقال بعضهم): هو أحمد بن عبدة الضبي كما أخرجه الإسماعيلي من طريقه (حماد) هو ابن زيد بن درهم (عن أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر) ولفظ الإسماعيلي كان عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية فسأل النبي ﷺ فأمره أن يفي به.
(ورواه جرير بن حازم وحماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ¬) فأما رواية جرير فوصلها مسلم بلفظ: أن عمر سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف فقال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام فكيف ترى؟ قال: "اذهب فاعتكف يومًا" وكان رسول الله ﷺ قد أعطاه جارية من الخُمس فلما أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس قال عمر: يا عبد الله اذهب إلى تلك الجارية فخلّ سبيلها، وأما رواية حماد فوصلها مسلم أيضًا.
٤٣٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ فَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَضَرَبْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ بِالسَّيْفِ فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ وَأَقْبَلَ عَلَىَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي فَلَحِقْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ ثُمَّ رَجَعُوا وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ»، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مِثْلَهُ قَالَ: ثم قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مِثْلَهُ، فَقُمْتُ فَقَالَ: «مَالَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ»؟ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنِّي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ فَيُعْطِيَكَ سَلَبَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَ فَأَعْطِهِ» فَأَعْطَانِيهِ
فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو الإمام (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمر بن كثير بن أفلح) بضم العين المدني مولى أبي أيوب الأنصاري تابعي صغير وثقه النسائي (عن أبي محمد) نافع بن عباس بموحدة ومهملة أو بتحتية ومعجمة الأقرع المدني (مولى أبي قتادة) قيل له ذلك للزومه وكان مولى عقيلة الغفارية (عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي وقيل اسمه النعمان فارس رسول الله ﷺ أنه (قال: خرجنا مع النبي) ولأبي ذر مع رسول الله (¬ ﷺ عام حنين فلما التقينا) مع المشركين (كانت للمسلمين) أي لبعضهم غير رسول الله ﷺ ومن معه (جولة) بالجيم أي تقدم وتأخر وعبّر بذلك احترازًا عن لفظ الهزيمة (فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين) أي أشرف على قتله ولم يسم الرجلان (فضربته) أي المشرك (من ورائه على حبل عاتقه) أي عصب عاتقه عند موضع الرداء من العنق (بالسيف) ولأبي ذر بسيف (فقطعت الدرع) الذي هو لابسه (وأقبل عليّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت) أي شدّة كشدة الموت (ثم أدركه الموت فأرسلني) أي أطلقني (فلحقت عمر) زاد أبو ذر ابن الخطاب (فقلت) له: (ما بال الناس) منهزمن (قال: أمر الله أي هذا الذي أصابهم حكم الله وقضاؤه (ثم رجعوا) أي المسلمون بعد الانهزام (وجلس) بالواو ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فجلس (النبي ﷺ فقال):
(من قتل قتيلاً) أوقع القتل على المقتول باعتبار مآله كقوله: أعصر خمرًا (له عليه بيّنة فله سلبه) قال أبو قتادة (فقلت: من يشهد لي) بقتل ذلك الرجل (ثم جلست فقال النبي ﷺ مثله من قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سلبه) وقوله فقال الخ ثابت لأبي ذر (قال: ثم قال النبي ﷺ مثله فقمت) وسقط لأبي ذر قال.
стр. 2748
ثم قال النبي ﷺ إلى آخر فقمت (فقلت: مَن يشهد لي؟ ثم جلست. قال: ثم قال النبي ﷺ : مثله فقمت فقال) ﵊: (ما لك يا أبا قتادة)؟ فأخبرته بذلك (فقال رجل): هو أسود بن خزاعي الأسلمي كما قاله الواقدي (صدق) يا رسول الله (وسلبه عندي فأرضه) بقطع الهمزة (مني) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي منه.
(فقال أبو بكر) الصديق ﵁: (لاها الله) بقطع الهمزة ووصلها وكلاهما مع إثبات ألف ها وحذفها فهي أربعة: النطق بلام بعدها التنبيه من غير ألف ولا همز، وبألف من غير همز، وبالألف وقطع الجلالة، وبحذف الألف وثبوت همزة. القطع، والمشهور في الرواية الأول والثالث أي لا والله (إذًا) بالتنوين وكسر الهمزة.
ومباحث هذا بتمامها سبقت في باب من لم يخمس الأسلاب. وقال في شرح المشكاة: هو كقولك لمن قال لك: الفعل كذا. فقلت: لا والله إذًا لا أفعل فالتقدير إذا (لا يعمد) كسر الميم أي لا يقصد النبي ﷺ (إلى أسد من أُسد الله) بضم الهمزة وسكون السين في الثاني أي إلى رجل كأنه أسد في الشجاعة (يقاتل عن الله ورسوله ﷺ ¬) أي بسببهما (فيعطيك سلبه) أي سلب الذي
قتله بغير طيب نفسه (فقال النبي ﷺ : صدق) أبو بكر (فأعطه) بهمزة قطع.
قال الحافظ أبو عبد الله الحميدي الأندلسي: سمعت بعض أهل العلم يقول عند ذكر هذا الحديث: لو لم يكن من فضيلة الصديق ﵁ إلا هذا فإنه يثاقب علمه وشدة صرامته وقوّة إنصافه وصحة توفيقه وصدق تحقيقه بادر إلى القول الحق فزجر وأفتى وحكم وأمضى، وأخبر في الشريعة عنه ﷺ بحضرته وبين يديه بما صدّقه فيه وأجراه على قوله، وهذا من خصائصه الكبرى إلى ما لا يحصى من فضائله الأخرى.
قال أبو قتادة: (فأعطانيه) أي السلب (فابتعت) أي اشتريت (به مخرفًا) بفتح الميم والراء بينهما خاء معجمة ساكنة وبعد الراء فاء أي بستانًا (في بني سلمة) بكسر اللام بطن من الأنصار (فإنه) بالفاء ولأبي ذر وأنه (لأوّل مال تأثلته) اقتنيته (في الإسلام).
وعند أحمد عن أنس أن هوازن جاءت يوم حنين فذكر القصة قال: فهزم الله المشركين فلم يضرب بسيف ولم يطعن برمح، وقال رسول الله ﷺ يومئذٍ "من قتل كافرًا فله سلبه" فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين راجلاً وأخذ أسلابهم. وقال أبو قتادة: إني قتلت رجلاً على حبل العاتق وعليه درع فأعجلت عنه فقام رجل فقال: أخذتها فأرضه منها. وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئًا إلا أعطاه أو سكت فسكت. فقال عمر: لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها فقال النبي ﷺ "صدق عمر" وإسناد هذا الحديث أخرج به مسلم بعض هذا الحديث، وكذلك أبو داود، ولكن الراجح أن الذي قال ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة وهو صاحب القصة، فهو أتقن بما وقع فيها من غيره، ويمكن أن يجمع بأن يكون عمر أيضًا قال ذلك تقوية لقول أبي بكر قاله في فتح الباري.
وحديث الباب مر في باب من لم يخمس الأسلاب من الخمس.
٤٣٢٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَآخَرُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، يَخْتِلُهُ مِنْ وَرَائِهِ لِيَقْتُلَهُ فَأَسْرَعْتُ إِلَى الَّذِي يَخْتِلُهُ فَرَفَعَ يَدَهُ لِيَضْرِبَنِي وَأَضْرِبُ يَدَهُ فَقَطَعْتُهَا، ثُمَّ أَخَذَنِي فَضَمَّنِي ضَمًّا شَدِيدًا حَتَّى تَخَوَّفْتُ ثُمَّ تَرَكَ فَتَحَلَّلَ وَدَفَعْتُهُ، ثُمَّ قَتَلْتُهُ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ، فَإِذَا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ، فَلَهُ سَلَبُهُ»، فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي، فَجَلَسْتُ ثُمَّ بَدَا لِي فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: سِلَاحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنْهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلاَّ، لَا يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ
يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ.
(وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله المؤلّف في الأحكام عن قتيبة عن الليث: (حدثني) بالإفراد (يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمر بن كثير بن أفلح) بضم العين مولى أبي أيوب (عن أبي محمد) نافع (مولى أبي قتادة أن أبا قتادة) ﵁ (قال: لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين وآخر من المشركين يختله) بخاء معجمة ساكنة وفوقية مكسورة أي يخدعه (من ورائه ليقتله فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني وأضرب) بواو فهمزة قطع ولأبي ذر فأضرب (يده فقطعتها ثم أخذني فضمني ضمًّا شديدًا حتى تخوّفت) الموت فحذف المفعول (ثم تركـ) ـني من الترك كذا في الفرع كأصله مصححًا عليه مع حذف المفعول.
وقال في فتح الباري وغيره: برك كذا بالموحدة للأكثر ولبعضهم بالمثناة (فتحلل ودفعته ثم قتلته وانهزم المسلمون وانهزمت معهم) أي غير
стр. 2749
النبي ﷺ ومن معه (فإذا بعمر بن الخطاب في الناس) الذين لم ينهزموا (فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله) أي هذا حكمه (ثم تراجع الناس) الذين انهزموا (إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ ¬):
(من أقام بيّنة على قتيل قتله فله سلبه) قال أبو قتادة: (فقمت لألتمس بيّنة على قتيلى فلم أر أحدًا يشهد لي فجلست ثم بدا) أي ظهر (لي فذكرت أمره لرسول الله ﷺ . فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر) أبو قتادة ولأبي ذر عن الكشميهني الذي ذكره (عندي فأرضه منه، فقال أبو بكر) ﵁ (كلا) بكاف ولام مشددة حرف ردع (لا يعطه) أي السلب (أصيبغ من قريش) بضم الهمزة وفتح الصاد المهملة وسكون التحتية وكسر الموحدة بعدها غين معجمة وصفه بالعجز والهوان تشبيهًا بالأصيبغ وهو نوع من الطيور، وقيل شبهه بالصبغاء وهو نبت ضعيف كالثمام، ولأبي ذر كما ذكره في الفتح أضيبع كذا في اليونينية بمعجمة ثم مهملة وفوق العين نصبتين تصغير ضبع قيل وهو مناسب للسياق حيث قال: (ويدع) أي يترك (أسدًا من أسد الله) فشبهه به لضعف افتراسه وما يوصف به من العجز، واعترض بأن تصغير ضبع ضبيع لا أضيبع. وقال ابن مالك: أضيبع تصغير أضبع وهو القصير الضبع أي العضد ويكنى به عن الضعيف. وقال الحافظ أبو ذر الهروي: يقال أصيبع بالصاد والعين المهملتين وأصيبغ بالصاد المهملة والغين المعجمة (يقاتل عن الله ورسوله ﷺ قال: فقام رسول الله ﷺ فأداه) أي السلاح (إليّ) بتشديد التحتية (فاشتريت منه) بثمنه (خرافًا) بكسر الخاء المعجمة قال: السفاقسي هو اسم ما يخترف من الثمر أقام الثمرة مقام الأصل وقيل الخراف والمخرف لا يكون جنى النخل وإنما هو النخل نفسها والثمر يسمى مخروفًا والمراد هنا البستان (فكان أول مال تأثلته) اقتنيته (في الإسلام)، وعند ابن إسحاق أوّل مال اعتقدته أي جعلته عقدة والأصل فيه من العقد لأن من ملك شيئًا عقد عليه، وذكر الواقدي أن البستان المذكور كان يقال له الوديين.
٥٥ - باب غَزَاةِ أَوْطَاسٍ
(باب غزاة أوطاس) ولأبي ذر: غزوة بالواو بدل الألف، وأوطاس بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها طاء وسين مهملتان بينهما ألف واد في ديار هوازن وفيه عسكروا هم وثقيف ثم التقوا بحنين. وسقط لفظ باب لأبي ذر.
٤٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ فَقُتِلَ دُرَيْدٌ وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ، قَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ جُشَمِيٌّ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي، فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ أَلَا تَسْتَحِي أَلَا تَثْبُتُ فَكَفَّ فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ لأَبِي عَامِرٍ: قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ، قَالَ فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَقْرِئِ النَّبِيَّ ﷺ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي، وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ في ظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ وَقَالَ: قُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ» وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ» فَقُلْتُ وَلِي فَاسْتَغْفِرْ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلاً كَرِيمًا». قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: إِحْدَاهُمَا لأَبِي عَامِرٍ وَالأُخْرَى لأَبِي مُوسَى.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء (عن) جده (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس (﵁) أنه (قال: لما فرغ النبي ﷺ من) وقعة (حنين بعث أبا عامر) عبيد بن سليم بن حضار الأشعري وهو عم أبي موسى الأشعري على المشهور أميرًا (على جيش إلى أوطاس) في طلب الفارّين من هوازن يوم حنين إلى أوطاس فانتهى إليهم (فلقي دريد بن الصمة) بضم الدال مصغر الدرد بالمهملتين والراء والصمة بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم الجشمي بالجيم المضمومة والشين المعجمة المفتوحة (فقتل) بضم القاف مبنيًا للمفعول (دريد) قتله ربيعة بن رفيع بن وهبان بن ثعلبة السلمي فيما جزم به ابن إسحاق أو هو الزبير بن العوّام كما يشعر به حديث عند البزار عن أنس بإسناد حسن (وهزم الله أصحابه) أي أصحاب دريد.
(قال أبو موسى) الأشعري: (وبعثني) رسول الله ﷺ (مع أبي عامر) عبيد أي عمه إلى من
التجأ إلى أوطاس (فرمي أبو عامر في ركبته رماه جشمي) أي رماه رجل جشمي بجيم مضمومة فشين معجمة مفتوحة وميم مكسورة فياء نسبة لبني جشم وهم أوفى والعلاء ابنا الحارث كما عند ابن هشام (بسهم فأثبته) بقطع الهمزة أي السهم (في ركبته) قال أبو موسى: (فانتهيت إليه فقلت) له: (يا عم من رماك)؟ بهذا السهم (فأشار إلى أبي موسى) هو التفات وكان الأصل أن يقول: فأشار إليّ
стр. 2750
(فقال: ذاك قاتلي الذي رماني) قال أبو موسى: (فقصدت له فلحقته فلما رآني ولّى) بفتح الواو واللام المشددة أي أدبر (فتبعته) بتشديد الفوقية وهمزة الوصل سرت في أثره (وجعلت أقول له: ألا) بالتخفيف (تستحي) بكسر الحاء المهملة ولأبي ذر تستحيي بسكونها وزيادة تحتية مكسورة أي من فرارك (ألا تثبت) عند اللقاء (فكفّ) عن التولي (فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك. قال: فانزع هذا السهم) بوصل الهمزة وكسر الزاي (فنزعته فنزا) بالنون والزاي من غير همز أي انصب (منه) من موضع السهم (الماء. قال: يا ابن أخي اقرئ النبي ﷺ السلام) عني (وقل له استغفر لي) كذا بالياء مصححًا عليه بالفرع كأصله واستغفر بلفظ الطلب، والمعنى أن أبا عامر سأل أبا موسى أن يسأل له النبي ﷺ أن يستغفر له. قال أبو موسى: (واستخلفني أبو عامر على الناس) أميرًا (فمكث يسيرًا ثم مات) ﵁ ثم قاتلهم أبو موسى حتى فتح الله عليه قال: (فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته) حال كونه (على سرير مرمل) بضم الميم الأولى وفتح الثانية بينهما راء ساكنة ولأبي ذر مرمل بفتح الراء والميم الثانية مشددة منسوج بحبل ونحوه (وعليه فراش) نقل السفاقسي عن الشيخ أبي الحسن أنه قال: الذي أحفظه في هذا ما عليه فراش قال: وأرى أن ما سقطت هنا (قد أثر رمال السرير في ظهره وجنبيه) بفتح الموحدة على التثنية (فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر و) أنه (قال: قل له) ﷺ (استغفر لي فدعا) ﵊ (بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال):
(اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه) فيه رفع اليدين في الدعاء خلافًا لمن خصه بالاستسقاء (ثم قال) ﷺ : (اللهم اجعله) في المرتبة (يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس) بيان لسابقه لأن الخلق أعم، ولأبي ذر ومن الناس قال أبو موسى (فقلت: ولي فاستغفر) يا رسول الله (فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريمًا) ويجوز فتح ميم مدخلاً وكلاهما بمعنى المكان والمصدر وكريمًا حسنًا.
(قال أبو بردة): عامر بالسند السابق (إحداهما) أي الدعوتان (لأبي عامر والأخرى لأبي موسى).
٥٦ - باب غَزْوَةُ الطَّائِفِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ
قَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقَبْةَ:
(باب غزوة الطائف).
قال في القاموس: هي بلاد ثقيف في واد أوّل قراها لقيم وآخرها الوهط سميت بذلك لأنها طافت على الماء في الطوفان، أو لأن جبريل طاف بها على البيت أو لأنها كانت بالشام فنقلها
الله تعالى إلى الحجاز بدعوة إبراهيم الخليل ﵊، أو لأن رجلاً من الصدف أصاب دمًا بحضرموت ففرّ إلى وج وحالف مسعود بن معتب وكان له مال عظيم، فقال: هل لكم أن أبني لكم طوفًا عليكم ردأ من العرب؟ فقالوا: نعم فبناه وهو الحائط المطيف به، وسقط لفظ باب لأبي ذر (في شوّال سنة ثمان) من الهجرة (قاله موسى بن عقبة) في مغازيه كجمهور أهل المغازي.
٤٣٢٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ سَمِعَ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ، دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي مُخَنَّثٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا، فَعَلَيْكَ بِابْنَةِ غَيْلَانَ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ» قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ الْمُخَنَّثُ هِيتٌ.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير أنه (سمع سفيان) بن عيينة يقول: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن زينب ابنة) ولأبي ذر بنت (أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد المخزومي (عن أمها أم سلمة) هند بنت أمية المخزومية أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: (دخل علي النبي ﷺ وعندي مخنث) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والنون بعدها مثلثة وبكسر النون أفصح والفتح أشهر وهو من فيه انخناث أي تكسر وتثن كالنساء (فسمعته) وللأصيلي فسمعه (يقول: لعبد الله بن أمية) ولأبي ذر عن الكشميهني ابن أبي أمية (يا عبد الله أرأيت) أي أخبرني (إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فعليك بابنة غيلان) ابن سلمة بادية بتحتية مفتوحة بعد الدال المهملة وقيل بالنون بدل التحتية أسلمت وسألت رسول الله ﷺ عن الاستحاضة وتزوّجها عبد الرحمن بن عوف وأسلم أبوها أيضًا بعد فتح الطائف (فإنها تقبل بأربع) من العكن (وتدبر بثمان) منها والعكنة
стр. 2751
بضم العين ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا والمراد أن أطراف العكن الأربع التي في بطنها تظهر ثمانية في جنبيها.
قال الزركشي وغيره: وقال ثمان ولم يقل ثمانية والأطراف مذكرة لأنه لم يذكرها كما يقال: هذا الثوب سبع في ثمان أي سبعة أذرع في ثمانية أشبار فلما لم يذكر الأشبار أنث لتأنيث الأذرع التي قبلها اهـ.
قال في المصابيح: أحسن من هذا أنه جعل كلاًّ من الأطرف عنكة تسمية للجزء باسم الكل فأنث بهذا الاعتبار.
(فقال النبي ﷺ : لا يدخلن) بسكون اللام وفتحها (هؤلاء) المخنثون (عليكن) ولأبي ذر عن الكشميهني عليكم بالميم بدل النون ثم أجلاه من المدينة إلى الحمى فلما ولي عمر بن الخطاب الخلافة قيل له: إنه قد ضعف وكبر فاحتاج فأذن له أن يدخل في كل جمعة فيسأل الناس ويرد إلى مكانه.
(قال) ولأبي ذر وقال: (ابن عيينة) سفيان (وقال ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (المخنث) اسمه (هيت) بكسر الهاء وسكون التحتية بعدها فوقية وهذا وصله ابن حبان في صحيحه من حديث عائشة، وضبطه ابن درستويه بهاء مكسورة فنون ساكنة فموحدة، وزعم أن ما سواه تصحيف، وقيل: هيت لقب له واسمه ماتع بفوقية وعين مهملة وهو مولى عبد الله بن أبي أمية المذكور.
وهذا الحديث أخرجه في النكاح أيضًا واللباس، ومسلم في الاستئذان، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه في النكاح.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا وَزَادَ وَهْوَ مُحَاصِرٌ الطَّائِفَ يَوْمَئِذٍ.
[الحديث ٤٣٢٤ - طرفاه في: ٥٢٣٥، ٥٨٨٧].
وبه قال: (حدّثنا محمود) هو ابن غيلان قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام) بالسند المذكور (بهذا) الحديث السابق (وزاد وهو محاصر الطائف يومئذٍ).
٤٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الشَّاعِرِ الأَعْمَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّائِفَ، فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا قَالَ: «إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: نَذْهَبُ وَلَا نَفْتَحُهُ، وَقَالَ مَرَّةً نَقْفُلُ فَقَالَ: «اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ» فَغَدَوْا فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ فَقَالَ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فَأَعْجَبَهُمْ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَتَبَسَّمَ قَالَ: قَالَ الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْخَبَرَ كُلَّهُ.
[الحديث ٤٣٢٥ - طرفاه في: ٦٠٨٦، ٧٤٨٠].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار (عن أبي العباس) السائب بن فروخ (الشاعر الأعمى) المكي (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم ابن العاص، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ابن عمر بضم العين وفتح الميم ابن الخطاب، وصوّبه الدارقطني وغيره والاختلاف في ذلك غير قادح في الحديث كما لا يخفى (قال: لما حاصر رسول الله ﷺ في الطائف) وكانت ثقيف قد رموا حصنهم وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة فلما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم. قال ابن سعد: وكانت مدة حصارهم ثمانية عشر يومًا، وقيل خمسة عشر يومًا. وقال ابن هشام: سبعة عشر، وقيل أربعين يومًا وقيل غير ذلك. (فلم ينل منهم شيئًا). وذكر أهل المغازي أنهم رموا على المسلمين سكك الحديد المحماة ورموهم بالنبل فأصابوا قومًا فاستشار ﷺ نوفل بن معاوية الديلي فقال: هم ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك (قال) ﵊:
(إنا قافلون) أي راجعون إلى المدينة (إن شاء الله فثقل) ذلك (عليهم) أي على الصحابة
(وقالوا: نذهب ولا نفتحه، وقال مرة: نقفل) بضم الفاء أي نرجع (فقال) ﷺ (اغدوا على القتال) أي سيروا أوّل النهار لأجل القتال (فغدوا) فلم يفتح عليهم (فأصابهم جراح) لأنهم رموا عليهم من أعلى السور فكانوا ينالون منهم بسهامهم ولا تصل السهام إليهم لكونهم أعلى السور فلما رأوا ذلك تبين لهم تصويب الرجوع (فقال) النبي ﷺ : (إنّا قافلون غدًا إن شاء الله) (فأعجبهم) ذلك حينئذٍ (فضحك النبي ﷺ وقال سفيان) بن عيينة: (مرة فتبسم) ﵊ وهذا ترديد من الراوي.
(قال) أي المؤلّف: (قال الحميدي) عبد الله بن الزبير شيخ البخاري: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (الخبر كله) بالنصب أي بجميع الحديث بالخبر من غير عنعنة ولأبي ذر عن الكشميهني بالخبر كله. وقد أخرج الحديث أيضًا في الأدب ومسلم في المغازي والنسائي في السير.
٤٣٢٦ و ٤٣٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبَا بَكْرَةَ، وَكَانَ تَسَوَّرَ حِصْنَ الطَّائِفِ فِي أُنَاسٍ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَا: سَمِعْنَا النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهْوَ يَعْلَمُ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ». وَقَالَ هِشَامٌ: وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَوْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا وَأَبَا بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عَاصِمٌ: قُلْتُ لَقَدْ شَهِدَ عِنْدَكَ رَجُلَانِ حَسْبُكَ بِهِمَا قَالَ: أَجَلْ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَمَّا الآخَرُ فَنَزَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الطَّائِفِ.
[الحديث ٤٣٢٦ - طرفه في: ٦٧٦٦].
[الحديث ٤٣٢٧ - طرفه في: ٦٧٦٧].
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدثني (محمد بن بشار) بالشين المعجمة المشددة بندار العبدي قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عاصم) هو ابن سليمان أنه (قال: سمعت أبا عثمان) عبد الرحمن النهدي (قال: سمعت
стр. 2752
سعدًا) هو ابن أبي وقاص أحد العشرة (وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وأبا بكرة) نفيعًا (وكان تسوّر حصن الطائف) أي صعد إلى أعلاه ثم تدلى منه (في أناس) من عبيد أهل الطائف أسلموا (فجاء) أي أبو بكرة (إلى النبي ﷺ فقالا: سمعنا النبي ﷺ يقول): (من ادعى) أي من انتسب (إلى غير أبيه وهو يعلم) أنه غير أبيه (فالجنة عليه حرام) إذا استحل ذلك أو خرج مخرج التغليظ.
(وقال هشام): هو ابن يوسف الصنعاني (وأخبرنا) وسقطت الواو ولأبي ذر (معمر) هو ابن راشد الأزدي مولاهم (عن عاصم) هو ابن سليمان (عن أبي العالية) رفيع بضم الراء وفتح الفاء ابن مهران الرياحي (أو أبي عثمان) عبد الرحمن (النهدي) بفتح النون وسكون الهاء بالشك من الراوي أنه (قال: سمعت سعدًا) هو ابن أبي وقاص (وأبا بكرة) نفيعًا (عن النبي ﷺ . قال
عاصم: قلت) لأبي العالية أو لأبي عثمان: (لقد شهد عندك رجلان) سعد وأبو بكرة (حسبك بهما. قال: أجل) أي نعم (أما أحدهما) وهو سعد (فأوّل من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر) وهو أبو بكرة (فنزل إلى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف) أي من أهله.
وعند الطبراني أن أبا بكرة تدلى ببكرة فكني أبا بكرة لذلك، وسمي في السير ممن نزل من حصن الطائف من عبيدهم فأسلم مع أبي بكرة المنبعث عبد عثمان بن عامر بن معتب ومرزوق والأزرق زوج سمية والدة زياد بن عبيد، والأزرق أبو عتبة وكان لكلدة الثقفي، ووردان وكان لعبد الله بن ربيعة، ويحنس النبال وكان لابن مالك الثقفي، وإبراهيم بن جابر وكان لخرشة الثقفي، وبشار وكان لعثمان بن عبد الله، ونافع مولى الحارث بن كلدة ونافع مولى غيلان بن سلمة الثقفي. قال في الفتح: ولم أعرف اسم الباقين. قال ولم يقع لي هذا التعليق موصولاً إلى هشام بن يوسف ومراد المؤلّف منه ما فيه من بيان عدد من أبهم في الرواية السابقة.
٤٣٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁. قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي فَقَالَ لَهُ: «أَبْشِرْ» فَقَالَ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَىَّ مِنْ أَبْشِرْ، فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ: «رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا». قَالَا: قَبِلْنَا ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: «اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا» فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضِلَا لأُمِّكُمَا فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة (عن) جده (أبي بردة) بضم الموحدة عامر (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁) أنه (قال: كنت عند النبي ﷺ وهو نازل بالجعرانة) بكسر الجيم وسكون العين وقد تكسر العين وتشدد الراء (بين مكة والمدينة) كذا وقع هنا قال الداودي: وهو وهم، والصواب بين مكة والطائف وبه جزم النووي وغيره (ومعه بلال) المؤذن (فأتى النبي ﷺ أعرابي) قال ابن حجر: لم أقف على اسمه (فقال: ألا تنجز) أي ألا توفي (لي ما وعدتني)؟ من غنيمة حنين أو كان ذلك وعدًا خاصًّا به (فقال) ﷺ (له):
(أبشر) بقطع الهمزة بقرب القسمة أو بالثواب الجزيل على الصبر (فقال) الأعرابي: (قد كثرت عليّ من أبشر فأقبل) ﵊ (على أبي موسى) الأشعري (وبلال) المؤذن (كهيئة الغضبان فقال) لهما: (رد) الأعرابي (البشرى فاقبلا) بفتح الموحدة (أنتما) البشرى (قالا: قبلنا) ها يا رسول الله (ثم دعا) ﵊ (بقدح فيه ماء فغسل يديه) بالتثنية (ووجهه فيه ومج فيه ثم قال: اشربا منه وأفرغا) بقطع الهمزة وكسر الراء أي صبا (على وجوهكما
ونحوركما وأبشرا) بقطع الهمزة (فأخذ القدح ففعلا) ما أمرهما به ﷺ (فنادت أم سلمة) أم المؤمنين ﵂ (من وراء الستر: أن أفضلا) بقطع الهمزة وكسر الضاد المعجمة (لأمكما) تعني نفسها (فأفضلا) بقطع الهمزة وفتح الضاد (لها منه طائفة) أي بقية.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في فضائل النبي ﷺ .
٤٣٢٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَ أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ قَالَ: فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ مَعَهُ فِيهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ؟ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنَفًا»؟ فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: «أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ».
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال: (حدّثنا إسماعيل) بن إبراهيم ابن علية قال: (حدّثنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أخبرني)
стр. 2753
بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح (أن صفوان بن يعلى بن أمية) التميمي (أخبره) ولغير أبي ذر بإسقاط الضمير (أن) أباه (يعلى كان يقول: ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل) بضم الياء وفتح الزاي (عليه) الوحي (قال: فبينا) بغير ميم (النبي ﷺ بالجعرانة) بالتخفيف والتشديد (وعليه ثوب قد أظل به) بضم الهمزة وكسر الظاء المعجمة (معه فيه ناس من أصحابه إذ جاءه أعرابي عليه جبة متضمخ) أي متلطخ وهو صفة أعرابي المرفوع أو خبر مبتدأ محذوف أي هو متضمخ (بطيب فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ) تلطخ (بالطيب) ولأبي ذر: بطيب (فأشار عمر) ﵁ (إلى يعلى بيده أن تعال، فجاءه يعلى فأدخل رأسه) ليرى النبي ﷺ حال نزول الوحي لتقوية الإيمان بمشاهدته (فإذا النبي ﷺ محمر الوجه يغط) بكسر المعجمة وتشديد المهملة يتردد صوت نفسه كالنائم من شدة ثقل الوحي (كذلك ساعة ثم سري عنه) أي كشف عنه ما يتغشاه من ثقل الوحي (فقال) ﵊:
(أين الذي يسألني عن العمرة آنفًا فالتمس) بضم التاء وكسر الميم طلب (الرجل فأتي به) بضم الهمزة وكسر التاء (فقال) ﵊: (أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات) نص في تكرار الغسل ثلاثًا فالعامل في قوله ثلاث مرات أقرب الفعلين إليه وهو: فاغسله أو العامل فيه فقال: أي قاله له ثلاث مرات غسل الثوب، فلا يكون تنصيصًا على تثليث الغسل، وكانت القصة بالجعرانة سنة ثمان، وقد قالت عائشة ﵂: طيبته في حجة الوداع أي
سنة عشر فهو ناسخ للأول (وأما الجبة فانزعها) عنك (ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك) فيه دلالة على أنه يعرف أعمال الحج.
وقد سبق هذا الحديث في كتاب الحج في باب غسل الخلوق.
٤٣٣٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَسَمَ فِي النَّاسِ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي» كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ قَالَ: «مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ »؟ قَالَ: كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ قَالَ: «لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ».
[الحديث ٤٣٣٠ - طرفه في: ٧٢٤٥].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد البصري (قال: حدّثنا عمرو بن يحيى) بفتح العين ابن عمارة الأنصاري المازني (عن عباد بن تميم) الأنصاري المدني (عن عبد الله بن زيد بن عاصم) أي ابن كعب الأنصاري المازني صحابي مشهور قيل: إنه هو الذي قتل مسيلمة الكذاب واستشهد بالحرة سنة ثلاث وستين أنه (قال: أفاء الله على رسوله ﷺ ¬) أي لما أعطاه الله غنائم الذين قاتلهم (يوم حنين) وسقطت التصلية لأبي ذر (قسم) ﵊ الغنائم (في الناس في المؤلّفة قلوبهم) بدل بعض من وكل والمؤلّفة هم أناس أسلموا يوم الفتح إسلامًا ضعيفًا.
وقد سرد ابن طاهر في المبهمات له أسماؤهم وهم: أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، وحكيم بن حزام، وأبو السنابل بن بعكك، وصفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع، وهؤلاء من قريش. وعيينة بن حصين الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي، وعمرو بن الأيهم التميمي، والعباس بن مرداس السلمي، ومالك بن عوف النضري، والعلاء بن حارثة الثقفي. قال ابن حجر: وفي ذكر الأخيرين نظر فقيل: إنما جاءا طائعين من الطائف إلى الجعرانة.
وذكر الواقدي في المؤلّفة: معاوية ويزيد ابني أبي سفيان، وأسيد بن حارثة، ومخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع، وتيس بن عدي، وعمرو بن وهب، وهشام بن عمرو. وزاد ابن إسحاق: النضر بن الحارث، والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم، وممن ذكره فيهم أبو عمر
سفيان بن عبد الأسد، والسائب بن أبي السائب، ومطيع بن الأسود، وأبو جهم بن حذيفة.
وذكر ابن الجوزي فيهم: زيد الخيل، وعلقمة بن علاثة، وحكيم بن طلق بن سفيان بن أمية، وخالد بن قيس السهمي، وعمير بن مرداس، وذكر غيرهم فيهم: قيس بن مخرمة، وأحيحة بن أمية بن خلف، وابن أبي شريق، وحرملة بن هوذة، وخالد بن هوذة، وعكرمة بن عامر العبدي، وشيبة بن عمارة، وعمرو بن ورقة، ولبيد بن ربيعة، والمغيرة بن الحارث، وهشام بن الوليد المخزومي، فهؤلاء زيادة على الأربعين نفسًا قاله في الفتح.
(ولم يعط الأنصار شيئًا) من جميع الغنيمة،
стр. 2754
فهو مخصوص بهذه الواقعة ليتألف مسلمة الفتح، في المفهم أن العطاء كان من الخمس ومنه كان أكثر عطاياه، وقيل: إنما كان تصرف في الغنيمة لأن الأنصار كانوا انهزموا فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار فردّ الله أمر الغنيمة لنبيه ﵊ (فكأنهم وجدوا) بفتح الواو والجيم حزنوا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وجد بضمتين جمع واحد (إذ لم يصبهم ما أصاب الناس) من القسمة. وزاد في رواية أبي ذر عن الحموي: وكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس بالشك هل قال وجد بضمتين أو وجدوا فعل ماض، وأما على رواية الكشميهني وجدوا في الموضعين فتكرار بغير فائدة كما لا يخفى، وجوّز الكرماني وتبعه بعضهم أن يكون الأول من الغضب، والثاني من الحزن (فخطبهم) ﵊ زاد مسلم فحمد الله وأثنى عليه (فقال):
(يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضُلاّلاً) بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام الأولى بالشرك (فهداكم الله بي) إلى الإيمان (وكنتم متفرقين) بسبب حرب بعاث وغيره الواقع بينهم (فألفكم الله بي وعالة) ولأبي ذر: وكنتم عالة بالعين المهملة وتخفيف اللام أي فقراء لا مال لكم (فأغناكم الله بي كلما قال) ﷺ (شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن) بفتح الهمزة وتشديد النون أفعل تفضيل من المن (قال) ﵊: (ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ : قال): وسقطت التصلية ولفظ قال لأبي ذر (كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ. قال: لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا). وفي حديث أبي سعيد فقال: "أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم أتيتنا مكذبًا فصدّقناك ومخذلاً فنصرناك وطريدًا فآويناك وعائلاً فواسيناك" زاد أحمد من حديث أنس قالوا: بل المنة لله ولرسوله وإنما قال ﷺ ذلك تواضعًا منه، وإلاّ ففي الحقيقة الحجة المبالغة والمنة له عليهم كما قالوا.
(ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاه والبعير) اسما جنس يقع كل منهما على الذكر والأنثى (وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم) ذكرهم ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما اختص به غيرهم من عرض الدنيا الفانية وسقطت التصلية لأبي ذر (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار) قاله استطابة لنفوسهم وثناء عليهم، وليس المراد منه الانتقال عن النسب الولادي لأنه حرام مع أن نسبه ﵊ أفضل الأنساب وأكرمها وهو تواضع منه عليه الصلاة
والسلام، وحثّ على إكرامهم واحترامهم، لكن لا يبلغون درجة المهاجرين السابقين الذين خرجوا من ديارهم وقطعوا عن أقاربهم وأحيائهم وحرموا أوطانهم وأموالهم، والأنصار وإن اتصفوا بصفة النصرة والإيثار والمحبة والإيواء لكنهم مقيمون في مواطنهم، وحسبك شاهدًا في فضل المهاجرين قوله هذا لأن فيه إشارة إلى جلالة رتبة الهجرة فلا يتركها فهو نبي مهاجري لا أنصاري، وقد سبق مزيد لذلك في فضل الأنصار.
(ولو سلك الناس واديًا وشعبًا) بكسر الشين المعجمة وسكون المهملة طريقًا في الجبل (لسلكت وادي الأنصار وشعبها) والمراد بلدهم (الأنصار شعار) الثوب الذي يلي الجلد (والناس دثار) بكسر الدال وبالمثلثة المفتوحة ما يجعل فوق الشعار أي أنهم بطانته وخاصته وأنهم ألصق به وأقرب إليه من غيرهم وهو تشبيه بليغ (إنكم ستلقون بعدي أثرة) بفتح الهمزة والمثلثة وبضم الهمزة وسكون المثلثة أي يستأثر عليكم بما لكم فيه اشتراك من الاستحقاق (فاصبروا) على ذلك (حتى تلقوني على الحوض) يوم القيامة فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم مع الثواب الجزيل على الصبر.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الزكاة.
٤٣٣١ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَا أَفَاءَ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي رِجَالاً الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَقَالَتِهِمْ فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ»؟ فَقَالَ فُقَهَاءُ الأَنْصَارِ: أَمَّا رُؤَسَاؤُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا نَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالاً حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ، أَتَأَلَّفُهُمْ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : «سَتَجِدُونَ أُثْرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ». قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ يَصْبِرُوا.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد ولأبى ذر: حدثني بالإفراد أيضًا (أنس بن مالك ﵁ قال: قال ناس من الأنصار حين أفاء الله
стр. 2755
على رسوله ﷺ ¬) سقطت التصلية لأبي ذر (ما أفاء به أموال هوازن فطفق النبي ﷺ يعطي رجالاً المائة من الإبل فقالوا): أي الأنصار (يغفر الله لرسوله ﷺ ¬) قالوه توطئة وتمهيدًا لما يرد
بعده من العتاب كقوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣] وسقطت التصلية لأبي ذر (يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم) جملة وسيوفنا حال مقرّرة لجهة الإشكال وهي من باب قولهم عرضت الناقة على الحوض (قال أنس: فحدث) بضم الحاء كسر الدال مبنيًّا للمفعول أي أخبر (رسول الله ﷺ بمقالتهم) وعند ابن إسحاق من حديث أبي سعيد أن الذي أخبره ﷺ سعد بن معاذ (فأرسل) ﷺ (إلى الأنصار فجمعهم في قبة من آدم) بفتح الهمزة المقصورة والدال جلد مدبوغ (ولم يدع) بسكون الدال أي لم يناد (معهم غيرهم فلما اجتمعوا قام النبي ﷺ ¬) خطيبًا (فقال):
(ما حديث) بالتنوين (بلغني عنكم) (فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسوله ﷺ ¬) سقطت التصلية لأبي ذر (يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال النبي ﷺ ¬) لهم: (فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم أما) بتخفيف الميم (ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم) بيوتكم (فوالله لما) بفتح اللام للتأكيد أي الذي (تنقلبون به خير مما ينقلبون به) وفي مناقب الأنصار من طريق أبي التياح عن أنس: "أو لا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم" (قالوا: يا رسول الله قد رضينا. فقال لهم النبي ﷺ ¬): (ستجدون) ولأبي ذر عن الكشميهني فتجدون بالفاء بدل السين (أثرة شديدة) بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما ويقال أيضًا أثرة بكسر الهمزة وسكون المثلثة من تفرد عليكم بما لكم فيه اشتراك في الاستحقاق أو يفضل نفسه عليكم في الفيء، وقيل: المراد بالأثرة نفس الشدة. قال في الفتح: ويرده سياق الحديث وسببه (فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله) يوم القيامة (¬ ﷺ ¬) وسقطت التصلية لأبي ذر (فإني على الحوض) (قال أنس: فلم يصبروا) وفي قوله: ستلقون علم من أعلام النبوة لأنه كان كما قال صلوات الله وسلامه عليه.
٤٣٣٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ فَغَضِبَتِ الأَنْصَارُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ »؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قاضي مكة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي التياح) بالمثناة الفوقية ثم التحتية المشددة وبعد الألف حاء مهملة يزيد بن حميد (عن أنس) ﵁ أنه (قال: لما كان يوم فتح مكة) أي زمان فتحها الشامل الجميع السنة (قسّم رسول الله ﷺ غنائم) هوازن (بين قريش) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: في قريش (فغضبت الأنصار قال النبي ﷺ ¬) لهم لما بلغه ذلك:
(أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله ﷺ ¬) سقطت التصلية لأبي ذر
(قالوا: بلى) قد رضينا، وذكر الواقدي أنه حينئذ دعاهم ليكتب لهم بالبحرين وتكون لهم خاصة بعده دون الناس وهي يومئذ أفضل ما فتح عليه من الأرض فأبوا وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا (قال) ﵊: (لو سلك الناس واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم) وأشار ﵊ بذلك إلى ترجيحهم بحسن الجوار والوفاء بالعهد لا وجوب متابعته إياهم إذ هو ﷺ المتبوع المطاع لا التابع المطيع، فما أكثر تواضعه صلوات الله وسلامه عليه.
٤٣٣٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ الْتَقَى هَوَازِنُ وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلَافٍ وَالطُّلَقَاءُ فَأَدْبَرُوا قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ»؟ قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ لَبَّيْكَ نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فَأَعْطَى الطُّلَقَاءَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا فَقَالُوا: فَدَعَاهُمْ فَأَدْخَلَهُمْ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ »؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لَاخْتَرْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا أزهر) بن سعد السمان أبو بكر الباهلي البصري (عن ابن عون) عبد الله أنه قال: (أنبأنا هشام بن زيد بن أنس عن) جده (أنس) ﵁ أنه (قال: لما كان يوم حنين التقى) النبي ﷺ و (هوازن ومع النبي ﷺ عشرة
стр. 2756
آلاف) من المهاجرين (والطلقاء) بضم الطاء وفتح اللام والقاف ممدودًا جمع طليق فعيل بمعنى مفعول وهم الذين منّ عليهم ﷺ يوم فتح مكة فلم يأسرهم ولم يقتلهم منهم: أبو سفيان بن حرب وابنه معاوية وحكيم بن حزام (فأدبروا قال) ﵊:
(يا معشر الأنصار قالوا: لبيك يا رسول الله وسعديك) هو من الألفاظ المقرونة بلبيك ومعناه إسعادًا بعد إسعاد أي ساعدتك على طاعتك مساعدة وهما منصوبان على المصدر (لبيك نحن بين يديك) وسقطت لبيك هذه لأبي ذر (فنزل النبي ﷺ ¬) عن بغلته (فقال: أنا عبد الله ورسوله) وزاد أحمد في غير هذا الحديث في قصة حنين فأخذ كفًّا من تراب وقال: شاهت الوجوه (فانهزم المشركون) وأعطى الله تعالى رسوله غنائمهم، وأمر ﵊ بحبسها بالجعرانة، فلما رجع من الطائف وصل إلى الجعرانة في خامس ذي القعدة، وإنا أخر القسمة رجاء أن تسلم هوازن وكانوا ستة آلاف نفس من النساء والأطفال، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفًا والغنم أربعين ألفًا شاة (فأعطى الطلقاء) الذين منّ رسول الله عليهم ﵇ بإعتاقهم لما بقي فيهم من الطمع البشري في محبة المال فأعطاهم لتطمئن قلوبهم وتجتمع على محبته لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها (والمهاجرين ولم يعط الأنصار شيئًا) منه قيل لأنهم كانوا انهزموا فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار فردّ الله أمر الغنيمة لنبيه ﷺ (فقالوا): أي الأنصار ولم يذكر مقلوهم اختصارًا أي تكلموا في منع العطاء عنهم وفي رواية الزهري عن أنس السابقة
فقالوا: يغفر الله لرسوله ﷺ يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم (فدعاهم) ﷺ (فأدخلهم في قبة فقال: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون) إلى المدينة (برسول الله ﷺ ¬) فقالوا: رضينا يا رسول الله (فقال النبي ﷺ : لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شعبًا لاخترت شعب الأنصار) لحسن جوارهم ووفائهم بالعهد.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الزكاة.
٤٣٣٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: «إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بُيُوتِكُمْ»؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ -أَوْ شِعْبَ الأَنْصَارِ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بندار العبدي قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) سقط ابن مالك لأبي ذر (﵁) أنه (قال: جمع النبي ﷺ ناسًا من الأنصار) لما قسم غنائم حنين على قريش ولم يقسم للأنصار شيئًا منها وقالوا ما قالوا. (فقال) لهم:
(إن قريشًا حديث عهد بجاهلية) بإفراد حديث والمعروف حديثو بالواو (ومصيبة) من نحو قتل أقاربهم وفتح بلادهم (وإني أردت أن أجبرهم) بفتح الهمزة وسكون الجيم وضم الموحدة من الجبر ضد الكسر، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أن أجيزهم بضم الهمزة وكسر الجيم بعدها تحتية فزاي من الجائزة (وأتألفهم) للإسلام (أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم) سقطت التصلية لأبي ذر (قالوا: بلى) رضينا (قال) ﵊: (لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار) بالشك من الراوي.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي في المناقب والنسائي في الزكاة.
٤٣٣٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قِسْمَةَ حُنَيْنٍ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: مَا أَرَادَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ؟ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ».
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بن عقبة قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: قسم النبي ﷺ قسمة) غنيمة (حنين) فآثر ناسًا في القسمة (قال رجل من الأنصار): قال الواقدي: هو
معتب بن قشير المنافق (ما أراد بها) أي بهذه القسمة (وجه الله) قال ابن مسعود (فأتيت النبي ﷺ فأخبرته) بقوله (فتغير وجهه) المقدس من الغضب (ثم قال):
(رحمة الله على موسى) الكليم (لقد أوذي بأكثر من
стр. 2757
هذا) الذي أوذيت به (فصبر) وذلك أن موسى صلوات الله عليه وسلامه كان حينًا ستيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة وإما آفة فبرأه الله مما قالوا كما في الحديث السابق في أحاديث الأنبياء.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الزكاة.
٤٣٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسًا أَعْطَى الأَقْرَعَ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى نَاسًا فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُرِيدَ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ وَجْهُ اللَّهِ. فَقُلْتُ لأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: لما كان يوم حنين آثر) بالمد أي خص (النبي ﷺ ناسًا) بالزيادة في القسمة (أعطى الأقرع) بن حابس المجاشعي أحد المؤلّفة قلوبهم (مائة من الإبل وأعطى عيينة) بن حصن الفزاري (مثل ذلك وأعطى ناسًا) آخرين من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة على غيرهم (فقال رجل): هو معتب (ما أريد) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بهذه القسمة وجه الله) قال ابن مسعود (فقلت: لأخبرن النبي ﷺ ¬) بقوله فأتيته فأخبرته (قال):
(رحم الله موسى) ﵊ (قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) لم ينقل أنه عاقبه على ذلك فيحتمل أنه لم يثبت عليه ذلك وإنما نقله عنه واحد وشهادة واحد لا يراق بها الدم أو أنه لم يفهم منه الطعن في النبوة وإنما نسبه لترك العدل في القسمة.
وهذا الحديث سبق في الخُمس.
٤٣٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَغَيْرُهُمْ بِنَعَمِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلَافٍ وَمِنَ الطُّلَقَاءِ فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ» قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ». قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ وَهْوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ فَنَزَلَ فَقَالَ: «أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» فَانْهَزَمَ
الْمُشْرِكُونَ فَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَقَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: إِذَا كَانَتْ شَدِيدَةٌ فَنَحْنُ نُدْعَى وَيُعْطَى الْغَنِيمَةَ غَيْرُنَا فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ»؟ فَسَكَتُوا فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ»؟ قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لأَخَذْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ» فَقَالَ هِشَامٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ وَأَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ قَالَ: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ؟.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بندار قال: (حدّثنا معاذ بن معاذ) التميمي قاضي البصرة قال: (حدّثنا ابن عون) عبد الله (عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك) وسقط ابن مالك لأبي ذر (عن) جده (أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان) بالغين المعجمة المفتوحة (وغيرهم بنعمهم وذراريهم) بالذال المعجمة وتشديد التحتية وكانت عادتهم إذا أرادوا التثبت في القتال استصحاب الأهالي ونقلهم معهم إلى موضع القتال (ومع النبي ﷺ عشرة آلاف من الطلقاء) وسقطت الواو لأبي ذر ولأبي ذر عن الكشميهني والطلقاء بحرف العطف وإسقاط حرف الجر وهي الصواب لأن الطلقاء لم يبلغوا ذلك ولا عُشر عشره. وقال الحافظ ابن حجر كالكرماني والبرماوي، وقيل: إن الواو مقدرة عند من جوّز تقدير حرف العطف. قال العيني: وفيه نظر لا يخفى. (فأدبروا عنه حتى بقي وحده) أي متقدمًا مقبلاً على العدوّ وحده وبهذا التقدير يجمع بين قوله هنا حتى بقي وحده وبين قوله في الروايات الدالة على أنه بقي معه جماعة فالوحدة بالنسبة لمباشرة القتال والذين ثبتوا معه كانوا وراءه وأبو سفيان بن الحارث وغيره كانوا يخدمونه في إمساك البغلة ونحو ذلك. (فنادى) ﵊ (يومئذ نداءين) بكسر النون الأولى تثنية نداء بالمد (لم يخلط بينهما التفت عن يمينه فقال):
(يا معشر الأنصار قالوا: لبيك يا رسول الله ابشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار قالوا: لبيك يا رسول الله ابشر نحن معك وهو) ﵊ (على بغلة بيضاء) وفي رواية لمسلم من حديث العباس أنه ﷺ قال: "أي عباس ناد أصحاب الشجرة" وكان العباس صيّتًا قال: فناديت بأعلى صوتي أين أصحاب الشجرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك يا لبيك. قال: فاقتتلوا والكفار فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال: هذا حين حمي الوطيس (فنزل) عن بغلته ثم قبض قبضة من تراب، ولأحمد والحاكم من حديث ابن مسعود: ورسول الله ﷺ على بغلته قدمًا فحادت به بغلته فقال عن السرج فقلت ارتفع رفعك الله. قال: "ناولني كفًا من تراب" فضربه في وجوههم فامتلأت أعينهم ترابًا وجاء المهاجرون والأنصار سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، ويجمع بين الروايتين بأنه أولاً قال لصاحبه: ناولني فناوله فرماهم ثم نزل عن بغلته فأخذ بيده فرماهم أيضًا (فقال) ﵊:
стр. 2758
(أنا عبد الله ورسوله)
(فانهزم المشركون فأصاب) ولأبوي ذر والوقت وأصاب (يومئذ غنائم كثيرة فقسّم في المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئًا) من ذلك (فقالت الأنصار: إذا كانت) قضية (شديدة) كالحرب برفع شديدة ولأبي ذر بنصبها (فنحن ندعى) بضم النون مبنيًا للمفعول نطلب (ويعطى الغنيمة غيرنا فبلغه) ﵊ (ذلك فجمعهم في قبة فقال: يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم فسكتوا) وسقط لأبي ذر عنكم، وفي طريق الزهري عن أنس السابقة قريبًا فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا ويجمع بينهما بأن بعضهم سكت وبعضهم أجاب (فقال: يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله ﷺ ¬) سقط لأبي ذر التصلية (تحوزونه) بالحاء المهملة (إلى بيوتكم قالوا: بلى). رضينا يا رسول الله (فقال النبي ﷺ لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شعبًا لأخذت شعب الأنصار).
(فقال هشام) بالسند السابق (يا أبا حمزة) وهي كنية أنس ولأبي ذر وقال هشام قلت يا أبا حمزة (وأنت شاهد ذاك)؟ ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ذلك باللام (قال) أنس: (وأين أغيب عنه)؟ استفهام إنكاري.
(تنبيه):
كان الوجه أن يقدم حديث أنس هذا على حديث ابن مسعود الذي سبق لتوالي طرق حديث أنس، قال الحافظ ابن حجر: وأظنه من تغيير الرواة عن الفربري فإن طريق أنس الأخيرة سقطت من رواية النسفيّ فلعل البخاري ألحقها فكتبت متأخرة عن مكانها.
٥٧ - باب السَّرِيَّةِ الَّتِي قِبَلَ نَجْدٍ
(باب السرية التي قبل نجد) بكسر القاف وفتح الموحدة أي في جهة نجد.
٤٣٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ فَكُنْتُ فِيهَا فَبَلَغَتْ سِهَامُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا وَنُفِّلْنَا بَعِيرًا بَعِيرًا فَرَجَعْنَا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: بعث النبي ﷺ سرية) طائفة من الجيش قال ابن حجر: وهي من مائة إلى خمسمائة. وقال في القاموس: من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة وكان أبو قتادة أميرها وعند أهل المغازي أنها كانت قبل التوجه للفتح وقال ابن سعد في شعبان سنة ثمان (قبل نجد) جهتها (فكنت فيها) زاد في الخُمس في باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين فغنموا إبلاً كثيرة (فبلغت سهامنا) ولأبي ذر سهماننا بضم السين وسكون الهاء (اثني عشر بعيرًا) وفي باب الخمس أو أحد عشر بعيرًا بالشك
(ونفلنا) بضم النون مبنيًّا للمفعول أي أعطي كل واحد منا زيادة على المستحق له (بعيرًا بعيرًا) بالتكرار مرتين (فرجعنا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فرجعت (بثلاثة عشر بعيرًا).
وهذا الحديث قد سبق في الخمس كما مرّ.
٥٨ - باب بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ
(باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد) عقب فتح مكة في شوّال قبل الخروج إلى حنين عند جميع أهل المغازي في ثلاثمائة وخمسين من المهاجرين والأنصار (إلى بني جذيمة) بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة بعدها تحتية ساكنة قال ابن حجر: أي ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة.
٤٣٣٩ - حَدَّثَنا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ح.
٠٠٠ - وَحَدَّثَنِي نُعَيْمٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرْنَاهُ لَهُ فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ» مَرَّتَيْنِ.
[الحديث ٤٣٣٩ - طرفه في: ٧١٨٩].
وبه قال: (حدّثنا) ولغير أبي ذر حدثني (محمود) هو ابن غيلان قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد. قال البخاري: (ح).
(وحدثني) بالإفراد (نعيم) بضم النون ابن حماد قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا معمر) أي ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه (قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة) داعيًا إلى الإسلام لا مقاتلاً (فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا) بالهمز الساكن فيهما أي خرجنا من الشرك إلى دين الإسلام فلم يكتف خالد بالتصريح بذكر الإسلام أو فهم أنهم عدلوا عن التصريح أنفة منهم ولم ينقادوا (فجعل خالد يقتل منهم ويأسر) بكسر السين وسقط في بعض النسخ لفظ منهم (ودفع إلى كل رجل منا) أي من الصحابة الذين كانوا معه في السرية (أسيره
стр. 2759
حتى إذا كان يوم) بالتنوين أي من الأيام قاله ابن حجر وقال العيني: ليس بصحيح بل يوم اسم كان التامة مضافًا إلى قوله (أمر خالد أن يقتل) أي بأن يقتل (كل رجل منا أسيره) كما في قوله: ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ [المائدة: ١١٩]. اهـ. والذي في الفرع كأصله التنوين وعند ابن سعد: فلما كان السحر نادى خالد من كان معه أسير فليضرب عنقه، ولأبي ذر عن الكشميهني كل إنسان بدل قوله رجل.
قال ابن عمر: (فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي) المهاجرين والأنصار (أسيره) وعند ابن سعد أن بني سليم قتلوا من في أيديهم (حتى قدمنا على النبي ﷺ فدكرناه له فرفع النبي ﷺ يده) ولأبي ذر يديه بالتثنية وسقطت التصلية لأبي ذر (فقال):
(اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) قال ذلك (مرتين) وإنما نقم ﵊ على خالد استعجاله في شأنهم وترك التثبت في أمرهم إلى أن سيرى المراد من قولهم صبأنا ولم ير عليه قودًا لأنه تأول أنه كان مأمورًا بقتالهم إلى أن يسلموا.
٥٩ - باب سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ وَعَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ وَيُقَالُ: إِنَّهَا سَرِيَّةُ الأَنْصَارِ
(باب سرية عبد الله بن حذافة) بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة بعدها ألف ففاء ابن قيس بن عدي بن سعد (السهمي) وسقط لفظ باب من الفرع كأصله (وعلقمة بن مجزز) بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي الأولى المشددة وصحح عليه في الفرع كأصله أو بفتح الزاي. وقال عبد الغني الكسر الصواب لأنه جزّ نواصي أسارى من العرب، وكذا ضبطه ابن ماكولا وابن السكن والحموي والمستملي والأصيلي والنسفيّ، ولأبي ذر: ابن محرز بالحاء المهملة الساكنة والراء المكسورة بعدها زاي ابن الأعور (المدلجي) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام والجيم (ويقال: إنها) أي هذه السرية (سرية الأنصار) ولأبي ذر: الأنصاري. قال في الفتح: أشار إلى احتمال تعدد القصة أو يكون على المعنى الأعم أي أن عبد الله بن حذافة نصره ﷺ في الجملة.
٤٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا بَلَى قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا فَقَالَ: ادْخُلُوهَا فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»
[الحديث ٤٣٤٠ - أطرافه في: ٧١٤٥، ٧٢٥٧].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدثني) بالإفراد (سعد بن عبيدة) بسكون العين في الأول وضمها في الثاني مصغرًا الكوفي (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب السلمي (عن علي ﵁) أنه (قال: بعث النبي ﷺ سرية فاستعمل) ولأبي ذر واستعمل بالواو بدل الفاء (عليها رجلاً من الأنصار) هو عبد الله بن حذافة السهمي فيما قاله ابن سعد (وأمرهم أن يطيعوه
فغضب) أي عليهم، ولمسلم فأغضبوه في شيء (فقال): ولأبي ذر قال (أليس أمركم النبي ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى قال: فأجمعوا لي حطبًا فجمعوا) أي الحطب (فقال: أوقدوا) بفتح الهمزة وكسر القاف (نارًا فأوقدوها فقال: ادخلوها) وفي رواية حفص بن غياث في الأحكام فقال: عزمت عليكم لما جمعتم حطبًا وأوقدتم نارًا ثم دخلتم فيها (فهمّوا) بفتح الهاء وضم الميم المشددة فسّره البرماوي كالكرماني بقوله حزنوا. قال العيني: وليس كذلك، بل المعنى فقصدوا، ويؤيده رواية حفص فلما همّوا بالدخول فيها فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض (وجعل بعضهم يمسك بعضًا ويقولون: فررنا إلى النبي ﷺ من النار فما زالوا حتى خمدت النار) بفتح الميم وتكسر انطفأ لهبها.
(فسكن غضبه، فبلغ) ذلك (النبي ﷺ فقال):
(لو دخلوها) أي لو دخلوا النار التي أوقدوها ظانين أنهم بسبب طاعتهم أميرهم لا تضرهم (ما خرجوا منها) لأنهم كانوا يموتون فلم يخرجوا منها (إلى يوم القيامة) أو الضمير في قوله دخولها للنار التي أوقدوها. وفي قوله: ما خرجوا منها لنار الآخرة لأنهم ارتكبوا ما نهوا عنه من قتل أنفسهم مستحلين له على هذا ففيه نوع من أنواع البديع وهو الاستخدام قاله ابن حجر، وقال الكرماني وغيره: والمراد بقوله إلى يوم القيامة التأييد يعني لو دخلوها مستحلين. وقال الداودي: فيه أن التأويل الفاسد لا يعذر به صاحبه. (الطاعة) للمخلوق (في) الأمر بـ (ـالمعروف) شرعًا.
وفي الحديث
стр. 2760
أن الأمر المطلق لا يعم جميع الأحوال لأنه ﷺ أمرهم أن يطيعوا الأمير فحملوا ذلك على عموم الأحوال حتى في حال الغضب، وفي حال الأمر بالمعصية فبين لهم ﵊ أن الأمر بطاعته مقصور على ما كان منه في غير معصية، وقد ذكر ابن سعد في طبقاته أن سبب هذه السرية أنه بلغه ﷺ أن ناسًا من الحبشة تراءاهم أهل جدة فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ربيع الآخر سنة تسع في ثلاثمائة فانتهى بهم إلى جزيرة في البحر، فلما خاض البحر إليهم هربوا فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهليهم فأمر عبد الله بن حذافة على من تعجل. قال البرماوي: ولعل هذا عذر البخاري حيث جمع بينهما مع أنه في الحديث لم يسم واحدًا منهما وترجمة البخاري لعلها تفسير للمبهم الذي في الحديث.
والحديث أخرجه أيضًا في الأحكام وفي خبر الواحد، ومسلم في المغازي وأبو داود في الجهاد، والنسائي في البيعة والسير.
٦٠ - باب بَعْثُ أَبِي مُوسَى وَمُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
(بعث أبي موسى) الأشعري (ومعاذ) ولأبي ذر: ومعاذ بن جبل ﵄ (إلى اليمن قبل حجة الوداع).
٤٣٤١ و ٤٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى
مِخْلَافٍ، قَالَ: وَالْيَمَنُ مِخْلَافَانِ ثُمَّ قَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا»، فَانْطَلَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى عَمَلِهِ، قال: وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ وكَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَسَارَ مُعَاذٌ فِي أَرْضِهِ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَبِي مُوسَى، فَجَاءَ يَسِيرُ عَلَى بَغْلَتِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ قَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَيَّمَ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ؟ قَالَ: لَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَالَ: إِنَّمَا جِيءَ بِهِ لِذَلِكَ، فَانْزِلْ، قَالَ: مَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ: أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا، قَالَ: فَكَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ قَالَ: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنَ النَّوْمِ فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي فَأَحْسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْسِبُ قَوْمَتِي.
[الحديث ٤٣٤٢ - طرفه في: ٤٣٤٥].
وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري قال: (حدّثنا عبد الملك) بن عمير (عن أبي بردة) عامر بن أبي موسى (قال: بعث رسول الله ﷺ أبا موسى) عبد الله بن قيس وهذا مرسل لكنه سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى متصلاً به (ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة آخره فاء الكورة والإقليم والرستاق بضم الراء وسكون السين المهملة وفتح الفوقية آخره قاف بلغة أهل اليمن (قال: واليمن مخلافان) وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب عدن وجهة أبي موسى السفلى (ثم قال) ﵊ لهما:
(يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا) الأصل أن يقال بشرا ولا تنذرا وآنسا ولا تنفرا، فجمع بينهما ليعم البشارة والنذارة والتأنيس والتنفير فهو من باب المقابلة المعنوية قاله الطيبي، وقال الحافظ ابن حجر: ويظهر لي أن النكتة في الإتيان بلفظ البشارة وهو الأصل وبلفظ التنفير وهو اللازم وأتي بالذي بعده على العكس للإشارة إلى أن الإنذار لا ينفى مطلقًا بخلاف التنفير فاكتفى بما يلزم عنه الإنذار وهو التنفير فكأنه قال: إن أنذرتم فليكن بغير تنفير كقوله تعالى: ﴿فقولا قولاً لينًا﴾ [طه: ٤٤].
(فانطلق كل واحد منهما) من أبي موسى ومعاذ (إلى عمله قال: وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه وكان قريبًا من صاحبه أحدث به عهدًا) في الزيارة (فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى فجاء) معاذ (يسير على بغلته حتى انتهى إليه) إلى أبي موسى (وإذا) بالواو ولأبي ذر فإذا (هو جالس وقد اجتمع إليه الناس وإذا رجل عنده) قال ابن حجر: لم أقف على اسمه لكن في رواية سعيد بن أبي بردة الآتية قريبًا أنه يهودي (قد جمعت يداه إلى عنقه) جملة حالية صفة لرجل (فقال له معاذ): لأبي موسى (يا عبد الله بن قيس أيم هذا) بفتح الياء والميم بغير إشباع أي: أي شيء هذا، وأصله أي ما، وأي استفهامية وما بمعنى شيء فحذفت
الألف تخفيفًا ولأبي ذر أي بضم الياء (قال) أبو موسى: (هذا رجل كفر بعد إسلامه قال) معاذ: (لا أنزل) أي عن بغلتي (حتى يقتل قال) أبو موسى: (إنما جيء به لذلك فأنزل) بهمزة وصل مجزوم على الأمر (قال: ما أنزل حتى يقتل فأمر به) أبو موسى (فقتل ثم نزل، فقال): لأبي موسى (يا عبد الله كيف تقرأ القرأن؟ قال) أبو موسى: (أتفوّقه تفوّقًا) بالفاء ثم القاف أي أقرؤه شيئًا بعد شيء في آناء الليل والنهار يعني لا أقرؤه مرة واحدة بل أفرق قراءته على أوقات مأخوذ من فواق الناقة وهو أن تحلب ثم تترك ساعة حتى تدر ثم تحلب (قال) أبو موسى: (فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم) بالفاء (وقد قضيت جزئي من النوم) بضم الجيم وسكون الزاي بعدها همزة مكسورة فياء أي جزّأ الليل أجزاء جزءًا للنوم وجزءًا للقراءة والقيام، وقال الزركشي تبعًا للدمياطي قيل: الوجه قضيت أربي. قال في المصابيح: وهذا من التحكمات العارية
стр. 2761
من الدليل اهـ. فالذي جاء في الرواية صحيح فلا يلتفت لتخطئته بمجرد التخيل.
(فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي) بهمزة قطع وكسر السين من غير فوقية في أحتسب في الموضعين بصيغة الفعل المضارع أي أطلب الثواب في الراحة كما أطلبه في التعب لأن الراحة إذا قصد بها الإعانة على العبادة حصلت الثواب ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فأحتسب نومتي كما أحتسبت قومتي بهمزة وصل وفتح السين وسكون الموحدة بعدها فوقية بصيغة الماضي فيها.
٤٣٤٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصْنَعُ بِهَا فَقَالَ: «وَمَا هِيَ»؟ قَالَ: الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ فَقُلْتُ لأَبِي بُرْدَةَ: مَا الْبِتْعُ؟ قَالَ: نَبِيذُ الْعَسَلِ، وَالْمِزْرُ نَبِيذُ الشَّعِيرِ، فَقَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ جَرِيرٌ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق) قال الحافظ ابن حجر: هو ابن منصور أي أبو يعقوب الكوسج، وقال العيني: قال المزي: هو ابن شاهين أي أبو بشر الواسطي قال: (حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الواسطي الطحان (عن الشيباني) بالشين المعجمة والموحدة سليمان بن فيروز (عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه) أبي بردة (عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن فسأله) أي سأل أبو موسى النبي ﷺ (عن أشربة تصنع بها) أي باليمن (فقال) ﵊ له:
(وما هي قال: البتع) بكسر الموحدة وسكون الفوقية بعدها عين مهملة (والمزر) بكسر الميم وسكون الزاي بعدها راء. قال سعيد: (فقلت لأبي بردة: ما البتع؟ قال): هو (نبيذ العسل) بالذال المعجمة (والمزر نبيذ الشهير. فقال) ﵊: (كل مسكر حرام) اتفاقًا (رواه) أي الحديث (جرير) هو ابن عبد الحميد فيما وصله الإسماعيلي (وعبد الواحد) بن زياد كلاهما (عن الشيباني) سليمان بن فيروز (عن أبي بردة) قال في المقدمة: ورواية عبد الواحد لم أرها موصولة.
٤٣٤٤ و ٤٣٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَدَّهُ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذًا، إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا» فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ أَرْضَنَا بِهَا شَرَابٌ مِنَ الشَّعِيرِ الْمِزْرُ وَشَرَابٌ مِنَ الْعَسَلِ الْبِتْعُ فَقَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» فَانْطَلَقنا فَقَالَ مُعَاذٌ لأَبِي مُوسَى: كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: قَائِمًا وَقَاعِدًا، وَعَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا، قَالَ أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي، وَضَرَبَ فُسْطَاطًا فَجَعَلَا يَتَزَاوَرَانِ فَزَارَ مُعَاذٌ أَبَا مُوسَى فَإِذَا رَجُلٌ مُوثَقٌ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو مُوسَى: يَهُودِيٌّ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ، فَقَالَ مُعَاذٌ: لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ. تَابَعَهُ الْعَقَدِيُّ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ وَقَالَ: وَكِيعٌ وَالنَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ.
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا سعيد بن أبي بردة) بن أبي موسى (عن أبيه) أنه (قال: بعث النبي ﷺ جده) أي جد أبي سعيد (أبا موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (ومعاذًا) هو ابن جبل (إلى اليمن فقال) ﵊ لهما:
(يسرا) بالتحتية والسين المهملة من اليسر (ولا تعسرا وبشرا) بالموحدة والمعجمة (ولا تنفرا) بالفاء (وتطاوعا) أي كونا متفقين في الحكم ولا تختلفا فإن اختلافكما يؤدي إلى اختلاف أتباعكما وحينئذ تقع العداوة والمحاربة بينهم وفيه إشارة إلى عدم الحرج والتضييق في أمور الملة الحنيفية السمحاء كما قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. أي وقد وسع عليكم يا أمة نبي الرحمة خاصة ورفع عنكم الحرج أيا كان (فقال أبو موسى: يا نبي الله إن أرضنا بها شراب) يتخذ (من الشعير المزر وشراب) يتخذ (من العسل البتع فقال: كل مسكر حرام) (فانطلقنا) أي كل واحد إلى عمله (فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال): أقرؤه حال كوني (قائمًا وقاعدًا وعلى راحلته) ولأبي ذر: راحلتي مصححًا عليها في اليونينية (وأتفوقه تفوقًا) أي لا أقرؤه دفعة واحدة بل كما يحلب اللبن ساعة بعد ساعة والفواق ما بين الحلبتين (قال) معاذ: (أما أنا فأنام وأقوم وأنام) ولأبي ذر عن الكشميهني والحموي: فأقوم وأنام (فاحتسب نومتي) لأنها معينة على طاعتي (كما احتسب قومتي وضرب فسطاطًا) بيتًا من الشعر (فجعلا يتزاوران) يزور أحدهما صاحبه (فزار معاذ أبا موسى فإذا رجل موثق) لم يعرف ابن حجر اسمه (فقال) معاذ: (ما هذا؟ فقال أبو موسى: يهودي أسلم ثم ارتد، فقال معاذ: لأضربن عنقه).
(تابعه) أي تابع مسلمًا (العقدي) عبد الملك بن عمرو، مما وصله البخاري في الأحكام (ووهب) ولأبي ذر: ووهيب بضم الواو وفتح الهاء مصغرًا ابن جرير مما وصله إسحاق بن راهويه في مسنده (عن شعبة) بن الحجاج. (وقال وكيع): هو ابن الجراح مما وصله في الجهاد (والنضر)
بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة ابن شميل مما وصله البخاري في الأدب (وأبو داود) هشام بن عبد الملك مما وصله النسائي (عن شعبة) بن الحجاج (عن سعيد عن أبيه) أبي بردة
стр. 2762
(عن جده) أبي موسى الأشعري (عن النبي ﷺ ¬) وثبت قوله: وقال وكيع الخ … للمستملي وحده (رواه جرير بن عبد الحميد) مما وصله (عن الشيباني) سليمان بن فيروز (عن أبي بردة) وسقط رواه جرير الخ … لأبي ذر.
٤٣٤٦ - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ هُوَ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَائِذٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَرْضِ قَوْمِي فَجِئْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنِيخٌ بِالأَبْطَحِ فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ» قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ»؟ قَالَ: قُلْتُ لَبَّيْكَ إِهْلَالاً كَإِهْلَالِكَ، قَالَ: «فَهَلْ سُقْتَ مَعَكَ هَدْيًا»؟ قُلْتُ: لَمْ أَسُقْ، قَالَ: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَاسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ» فَفَعَلْتُ حَتَّى مَشَطَتْ لِي امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ بَنِي قَيْسٍ وَمَكُثْنَا بِذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عباس بن الوليد) بالموحدة والسين المهملة (هو النرسي) بفتح النون وسكون الراء وكسر السين المهملة وثبت هو النرسي لأبي ذر في نسخة قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد (عن أيوب بن عائذ) البلخي البصري أنه قال: (حدّثنا قيس بن مسلم) الجدلي أبو عمرو الكوفي العابد (قال: سمعت طارق بن شهاب) الأحمسي (يقول: حدثني) بالإفراد (أبو موسى الأشعري ﵁) وسقط الأشعري لأبي ذر أنه (قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى أرض قومي) أي اليمن (فجئت رسول الله ﷺ منيخ) أي نازل (بالأبطح) من مكة مسيل واديها (فقال):
(أحججت) وفي الحج فقال: بما أهللت (يا عبد الله بن قيس؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: كيف قلت؟ قال: قلت لبيك إهلالاً) ولأبوي ذر والوقت إهلال (كإهلالك) وفي الحج قلت أهللت كإهلال النبي ﷺ (قال: فهل سقت معك هديًا؟ قلت: لم أسق) هديًا (قال: فطف بالبيت واْسع بين الصفا والمروة ثم حل) بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام أي من إحرامك (ففعلت) ما أمرني به النبي ﷺ من الطواف والسعي والإحلال (حتى مشطت لي امرأة من نساء بني قيس) لم تسم أي سرحت بالمشط رأسي (ومكثنا) نعمل (بذلك حتى استخلف عمر) بضم المثناة الفوقية وسكون المعجمة مبنيًّا للمفعول زاد في الحج فقال: أي عمر أن نأخذ بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام قال الله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأن نأخذ بسنة النبي ﷺ فإنه لم يحل من إحرامه حتى نحر الهدي.
ومباحث ذلك مرت في باب الحج.
٤٣٤٧ - حَدَّثَنِي حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: طَوَّعَتْ طَاعَتْ وَأَطَاعَتْ لُغَةٌ، طِعْتُ وَطُعْتُ وَأَطَعْتُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (حبّان) بكسر المهملة وتشديد الموحدة ابن موسى المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي (عن زكريا بن إسحاق) المكي رمي بالإرجاء لكنه ثقة (عن يحيى بن عبد الله بن صيفي) المكي (عن أبي معبد) بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الموحدة نافذ بالفاء والذال المعجمة (مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن) سنة عشر قبل حجة الوداع يعلمهم القرآن والشرائع يقضي بينهم ويأخذ الصدقات من العمال:
(إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب) التوراة والإنجيل ولأبي ذر قومًا من أهل كتاب وسقطت لفظة فأهل بفتح اللام وكتاب بالتنكير (فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإن هم طاعوا) ولأبي ذر: أطاعوا (لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم طاعوا) ولأبي ذر: أطاعوا (لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليكم) بالكاف ولأبي ذر: عليهم (صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم فإن طاعوا) ولأبي ذر: أطاعوا (لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم) أي احذر أخذ نفائس أموالهم (واتق دعوة المظلوم فإنه) أي فإن الشأن (ليس بينه) أي الدعاء (وبين الله حجاب).
(قال أبو عبد الله): البخاري على عادته في تفسير ألفاظ غريبة تقع له من القرآن إذا وافقت لفظ الحديث (طوعت) له نفسه معناها (طاعت) له نفسه (وأطاعت) بالهمزة (لغة) في طاعت بغير همز ويقال إذا أخبر عن نفسه (طعت) بكسر الطاء (وطعت) بضمها (وأطعت) بزيادة الهمزة قال في القاموس: طاع له يطوع ويطاع انقاد كانطاع، وقال الزهري: الطوع نقيض الكره وطاع له انقاد فإذا مضى لأمره فقد أطاعه وقوله قال عبد الله: الخ ساقط في رواية أبي ذر.
٤٣٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّ مُعَاذًا ﵁ لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ صَلَّى بِهِمِ الصُّبْحَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥] فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ، زَادَ مُعَاذٌ عَنْ
شُعْبَةَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَرَأَ مُعَاذٌ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ سُورَةَ النِّسَاءِ، فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥] قَالَ رَجُلٌ خَلْفَهُ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي
стр. 2763
قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن حبيب بن أبي ثابت) الأسدي الفقيه المجتهد (عن سعيد بن جبير) الوالبي الكوفي (عن عمرو بن ميمون) بفتح العين الأودي المخضرم (أن معاذًا ﵁ لما قدم اليمن صلّى بهم الصبح فقرأ) فيها بقوله تعالى: (﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾) [النساء: ١٢٥]. (فقال رجل من القوم): المصلين جاهلاً ببطلان الصلاة بالكلام الأجنبي أو كان خلفهم لم يدخل في الصلاة، ولم يقف الحافظ ابن حجر على اسمه كما قاله في المقدمة (لقد قرت عين أم إبراهيم) لما حصل لها من السرور.
(زاد معاذ) هو ابن معاذ البصري (عن شعبة) بن الحجاج (عن حبيب) بن أبي ثابت (عن سعيد) أي ابن جبير (عن عمرو) أي ابن ميمون الأودي (أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن فقرأ معاذ في صلاة الصبح سورة النساء فلما قال: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ قال رجل خلفه):
مصل أو غير مصل (قرّت عين أم إبراهيم) أي بردت دمعتها لأن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة ومراده من إعادته بيان بعثه ﷺ لمعاذ، وفهم من حديث ابن عباس السابق. وهذا الحديث أنه بعثه أميرًا على المال وعلى الصلاة أيضًا.
٦١ - باب بَعْثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ إِلَى الْيَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
(بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد ﵄ إلى اليمن قبل حجة الوداع).
٤٣٤٩ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁، بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ مَكَانَهُ فَقَالَ: مُرْ أَصْحَابَ خَالِدٍ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يُعَقِّبَ مَعَكَ فَلْيُعَقِّبْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْبِلْ، فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقَّبَ مَعَهُ، قَالَ: فَغَنِمْتُ أَوَاقٍ ذَوَاتِ عَدَدٍ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (أحمد بن عثمان) بن حكيم أبو عبد الله الكوفي قال: (حدّثنا شريح بن مسلمة) بضم الشين المعجمة آخره حاء مهملة ومسلمة بفتح الميمين واللام الكوفي قال: (حدّثنا إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق) عمرو قال: (حدثني) بالإفراد (أبي) يوسف (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه قال: (سمعت البراء) بن عازب (﵁) يقول: (بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن) أي بعد رجوعهم من الطائف
وقسمة الغنائم بالجعرانة (قال: ثم بعث عليًّا بعد ذلك مكانه) أي مكان خالد (فقال) له ﵊:
(مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب) بضم الياء وتشديد القاف المكسورة أي يرجع (معك) إلى اليمن بعد أن رجع منه (فليعقب) فليرجع (ومن شاء فليقبل) بضم التحتية وكسر الموحدة (فكنت فيمن عقب) بتشديد القاف (معه. قال) البراء: (فغنمت أواق) مثل جوار حذفت الياء استثقالا ولأبي ذر والأصيلي أواقي بياء مشددة ويجوز تخفيفها (ذوات عدد) أي كثيرة قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تحريرها.
وهذا الحديث من إفراده.
٤٣٥٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ، وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا وَقَدِ اغْتَسَلَ، فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا؟ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «يَا بُرَيْدَةُ أَتُبْغِضُ عَلِيًّا»؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «لَا تُبْغِضْهُ فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ».
وبه قال: (حدثني محمد بن بشار) بندار العبدي قال: (حدّثنا روح بن عبادة) بضم العين وتخفيف الموحدة القيسي أبو محمد البصري قال: (حدّثنا علي بن سويد بن منجوف) بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وبعد الواو الساكنة فاء السدوسي البصري (عن عبد الله بن بريدة عن أبيه) بريدة بن الحصيب بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة آخره موحدة مصغرًا الأسلمي (﵁) أنه (قال: بعث النبي ﷺ عليًّا إلى خالد ليقبض الخمس) أي خمس الغنيمة قال بريدة: (وكنت أبغض عليًّا) ﵁ لأنه رآه أخذ من المغنم جارية (وقد اغتسل) فظن أنه غلها ووطئها، وللإسماعيلي من طرق إلى روح بن عبادة بعث عليًّا إلى خالد ليقسم الخمس وفي رواية له ليقسم الفيء فاصطفى علي منه لنفسه سبية أي جارية ثم أصبح ورأسه يقطر (فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا) يعني عليًّا (فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرت ذلك) الذي رأيت من علي ﵁ (له) ﵊ (فقال):
(يا بريدة أتبغض عليًّا؟ فقلت: نعم. قال: لا تبغضه) زاد أحمد من طريق عبد الجليل عن عبد الله بن بريدة عن أبيه وإن كنت تحبه فازدد له حبًا، وله أيضًا من طريق أجلح الكندي عن عبد الله بن يزيد: لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي (فإن له في الخمس أكثر من ذلك) قال الحافظ أبو ذر: إنما أبغض عليًّا لأنه رآه أخذ من المغنم فظن أنه غل فلما أعلمه -صَلَّى اللَّهُ
стр. 2764
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه أخذ أقل من حقه أحبه اهـ.
وفي طريق عبد الجليل قال: فما كان في الناس أحد أحب إليّ من علي، ولعل الجارية
كانت بكرًا غير بالغ فأدّى اجتهاده ﵁ إلى عدم الاستبراء وفيه جواز التسري على بنت النبي ﷺ بخلاف التزويج عليها.
٤٣٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ وَأَقْرَعَ بْنِ حَابِسٍ وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «أَلَا تَأْمَنُونِي، وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً» قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الإِزَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ قَالَ: «وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ» قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: «لَا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي» فَقَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ أَنْ أَنْقُبَ قُلُوبَ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ» قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهْوَ مُقَفٍّ فَقَالَ: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ -وَأَظُنُّهُ قَالَ- لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد (عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة الكوفي قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن أبي نعم) بضم النون وسكون العين المهملة (قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: بعث علي بن أبي طالب ﵁) وسقط لأبي ذر ابن أبي طالب (إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهبية) بضم الذال المعجمة مصغر ذهبة وهي القطعة من الذهب قاله الخطابي، وتعقب بأنها كانت تبرًا فالتأنيث باعتبار معنى الطائفة أو أنه قد يؤنث الذهب في بعض اللغات (في أديم مقروظ) بالقاف والظاء المعجمة أي مدبوغ بالقرظ (لم تحصل) أي لم تخلص الذهبية (من ترابها) المعدني بالسبك (قال: فقسمها بين أربعة نفر) يتألفهم بذلك (بين عيينة بن بدر) نسبه إلى جده الأعلى لأنه عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري (وأقرع بن حابس) الحنظلي ثم المجاشعي فيه شاهد على أن ذا الألف واللام من الأعلام الغالبة قد ينزعان عنه في غير نداء ولا إضافهّ ولا ضرورة وقد حكى سيبويه عن العرب هذا يوم اثنين مباركًا قاله ابن مالك (وزيد الخيل) باللام ابن مهلهل الطائي ثم أحد بني نبهان، وقيل له زيد الخيل لكرائم الخيل التي كانت عنده، وسماه النبي ﷺ زيد الخير بالراء بدل اللام وأثنى عليه وأسلم وحسن إسلامه ومات في حياة النبي ﷺ (والرابع إما علقمة) بن علاثة بضم العين المهملة وتخفيف اللام والمثلثة العامري (وإما عامر بن الطفيل) العامري والشك في عامر وهم من عبد الواحد فقد
جزم في رواية سعيد بن مسروق بأنه علقمة بن علاثة وقد مات عامر بن الطفيل قبل ذلك بخراج طلع له في أصل اذنه كافرًا (فقال رجل من أصحابه): لم يسم وكأنه أبهمه سترًا عليه (كنا نحن أحق بهذا) القسم (من هؤلاء) الأربعة (قال: فبلغ ذلك) القول (النبي ﷺ فقال):
(ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً قال: فقام رجل غائر العينين) بغين معجمة وتحتية بوزن فاعل أي عيناه داخلتان في محاجرهما لاصقتان بقعر الحدقة (مشرف الوجنتين) بضم الميم وسكون الشين المعجمة وبعد الراء فاء أي بارزهما (ناشز الجبهة) بشين وزاي معجمتين مرتفعها (كث اللحية) كثير شعرها (محلوق الرأس) موافق لسيماء الخوارج في التحليق مخالف للعرب في توفيرهم شعورهم (مشمر الإزار) بفتح الميم واسمه فيما قيل ذو الخويصرة التيمي ورجح السهيلي أن اسمه نافع كما في أبي داود وقيل حرقوص بن زهير كما جزم به ابن سعد (فقال: يا رسول الله اتق الله. قال) ﵊: (ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله قال: ثم ولى الرجل. قال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه)؟ وفي علامات النبوّة فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، ولا منافاة بينهما لاحتمال أن يكون كل منهما قال ذلك. (قال) ﵊: (لا) تفعل (لعله أن يكون يصلّي فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه قال رسول الله ﷺ : إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس) بفتح الهمزة وسكون النون وضم القاف بعدها موحدة كذا ضبطه ابن ماهان ولغيره بضم الهمزة وفتح النون وتشديد القاف مع كسرها أي ابحث وأفتش ولأبي ذر عن قلوب الناس (ولا أشق بطونهم قال: ثم نظر) ﵊ (إليه) أي إلى الرجل (وهو مقف) أي مول قفاه، ولأبي ذر: مقفي بإثبات الياء بعد الفاء المشددة بناء على الوقف في مثله بالياء وهو وجه صحيح قرأ به ابن كثير وال وواق لكن الوقف بحذفها أقيس وأكثر، ولا يجوز في الوصل إلا الحذف ومن أثبتها وقفًا أثبتها
стр. 2765
خطأ رعاية للوقف وعليه تتخرج رواية أبي ذر والجملة حالية (فقال) ﵊ ولأبي ذر: وقال بالواو (إنه يخرج من ضئضئ) بضادين معجمتين مكسورتين الثانية مكتنفة بهمزتين أولاهما ساكنة وللكشميهني صئصئ بصادين مهملتين وهما بمعنى أي من نسل (هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا) لمواظبتهم على تلاوته فلا يزال لسانهم رطبًا بها أو هو من تحسين الصوت بها (لا يجاوز حناجرهم) أي لا يرفع في الأعمال الصالحة فليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم فلا يصل إلى حلوقهم فضلاً عن أن يصل قلوبهم حتى يتدبروه بها (يمرقون من الدين) الإسلام (كما يمرق السهم) أي خروجه إذا نفذ من الجهة الأخرى (من الرمية) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتية الصيد المرمي (وأظنه) ﵊ (قال) (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود) أي لأستأصلنهم كاستئصال ثمود.
وهذا الحديث سبق في باب قول الله تعالى: ﴿وأما عاد فأهلكوا بريح﴾ [الحادثة: ٦] من كتاب أحاديث الأنبياء.
٤٣٥٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ: جَابِرٌ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ، زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ فَقَدِمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِسِعَايَتِهِ، قَالَ: لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «بِمَ أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ»؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ». قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا.
وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد الحنظلي (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه قال: (قال عطاء): هو ابن رباح (قال جابر) ﵁: (أمر النبي ﷺ عليًّا) حين قدم مكة من اليمن ومعه هدي (أن يقيم على إحرامه) الذي كان أحرم به كإحرامه ﵊ ولا يحل لأن معه الهدي (زاد محمد بن بكر) بفتح الموحدة وسكون الكاف البرساني في روايته (عن ابن جريج قال عطاء: قال: جابر: فقدم علي بن أبي طالب ﵁) من اليمن (بسعايته) بكسر السين المهملة أي ولايته على اليمن (قال) ولأبي ذر فقال (له النبي ﷺ ¬):
(بم) بحذف ألف ما الاستفهامية على الكثير الشائع (أهللت) أحرمت (يا علي؟ قال: بما) أي بالذي (أهل) أحرم (به النبي ﷺ قال) ﵊: (فأهد) بهمزة قطع مفتوحة (وامكث) بهمزة وصل أي البث حال كونك (حرامًا) أي محرمًا (كما أنت) من الإحرام إلى الفراغ من الحج (قال: وأهدى له) ﵊ (علي هديًا).
٤٣٥٣ و ٤٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ البَصْرِيٌ أَنَّهُ ذَكَرَ لاِبْنِ عُمَرَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، فَقَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحَجِّ، وَأَهْلَلْنَا بِهِ مَعَهُ فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ هَدْيٌ فَقَدِمَ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ حَاجًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بِمَ أَهْلَلْتَ فَإِنَّ مَعَنَا أَهْلَكَ»؟ قَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «فَأَمْسِكْ فَإِنَّ مَعَنَا هَدْيًا».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين المهملة ابن مسرهد (قال: حدّثنا بشر بن المفضل) ابن لاحق الرقاشي بقاف ومعجمة البصري (عن حميد) أي عبيدة (الطويل) أنه قال: (حدّثنا بكر) هو عبد الله المزني (البصري أنه ذكر لابن عمر أن أنسًا حدثهم أن رسول الله ﷺ أهل بعمرة وحجة فقال: أهلّ النبي ﷺ بالحج وأهللنا به معه) وسقطت معه لأبي ذر (فلما قدمنا مكة قال) ﵊:
(من لم يكن معه هدي فليجعلها عمرة وكان مع النبي ﷺ هدي فقدم علينا علي بن أبي طالب من اليمن حاجًا فقال) له (النبي ﷺ : بم أهللت) بغير ألف بعد الميم (فإن معنا أهلك) زوجته فاطمة (قال) علي ﵁: (أهللت بما أهلّ به النبي ﷺ قال) ﵊ له (فأمسك) على إحرامك (فإن معنا هديًا).
٦٢ - باب غَزْوَةُ ذِي الْخَلَصَةِ
(غزوة ذي الخلصة) بفتح الخاء المعجمة واللام والصاد المهملة.
٤٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كَانَ بَيْتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ، وَالْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ»؟ فَنَفَرْتُ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا فَكَسَرْنَاهُ وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَدَعَا لَنَا وَلأَحْمَسَ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله الطحان قال: (حدّثنا بيان) بفتح الموحدة والتحتية المخففة ابن بشر (عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن جرير) هو ابن عبد الله البجلي أنه (قال: كان بيت في الجاهلية يقال له ذو الخلصة) الذي كان فيه الصنم وقيل: اسم البيت الخلصة واسم الصنم ذو الخلصة. وحكى المبرد كما في الفتح أن موضع ذي الخلصة صار مسجدًا جامعًا لبلدة يقال لها العبلات من أرض خثعم (و) يقال له (الكعبة اليمانية) بتخفيف الياء لكونها من اليمن (والكعبة الشامية) هي التي بمكة وحذف خبر المبتدأ الذي هو الكعبة كما قرره غير واحد منهم النووي. قالوا: وبه يزول الإشكال ويحصل التمييز بين كعبة البيت الحرام وبين التي اتخذوها مضاهاة لها باليمن.
وقال في الفتح: الذي يظهر لي أن الذي في الرواية صواب وأنها
стр. 2766
كانت يقال لها: اليمانية باعتبار كونها باليمن والشامية باعتبار أنهم جعلوا بابها مقابل الشام ويؤيد ما ذكره عياض أن في بعض الروايات اليمانية الكعبة الشامية بغير واو. قال والمعنى كان يقال لها تارة كذا وتارة كذا.
وقال السهيلي: فاللام من قوله يقال له لام العلة يعني أن وجود هذا البيت كان يقال لأجله الكعبة الشامية يريد أن السبب الحامل على وصف الكعبة الحرام بالشامية قصد تمييزها من هذا البيت الحادث الذي سموه بالكعبة اليمانية، وأما قبل وجوده فكانت الكعبة لا تحتاج إلى وصف وإذا أطلقت فلا يراد بها إلا البيت الحرام لعدم المزاحم فقد زال الإشكال.
قال: جرير (فقال لي النبي ﷺ : ألا) بتخفيف اللام (تريحني) أي تريح قلبي (من ذي الخلصة) طلب بتضمن الأمر وخص جريرًا بذلك لأنها كانت في بلاد قومه (فنفرت) بالفاء المخففة بعد النون أي خرجت له مسرعًا (في مائة وخمسين راكبًا فكسرناه) أي البيت (وقتلنا من وجدنا عنده فأتيت النبي ﷺ فأخبرته) بذلك (فدعا لنا ولأحمس) بالحاء والسين المهملتين بوزن أحمر وهم إخوة بجيلة رهط جرير ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار وبجيلة اسم امرأة نسبت إليها القبيلة المشهورة.
٤٣٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، قَالَ: قَالَ
لِي جَرِيرٌ ﵁ قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ»؟ وَكَانَ بَيْتًا فِي خَثْعَمَ يُسَمَّى الْكَعْبَةَ الْيَمَانِيَةَ، فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ، وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا» فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ قَالَ: فَبَارَكَ فِي خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا» خَمْسَ مَرَّاتٍ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (محمد بن المثنى) العنزي قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي خالد البجلي الكوفي ولأبي ذر عن إسماعيل أنه قال: (حدّثنا قيس) هو ابن أبي حازم (قال: قال لي جرير ﵁: قال لي النبي ﷺ ¬):
(ألا تريحني من ذي الخلصة) والمراد بالراحة راحلة القلب لأنه ما كان شيء أتعب لقلبه ﵊ من بقاء ما يشرك به من دون الله (وكان بيتًا في خثعم) بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة بوزن جعفر قبيلة من اليمن ينسبون إلى خثعم بن أنمار بفتح الهمزة وسكون النون ابن إراش بكسر الهمزة وتخفيف الراء وبعد الألف شين معجمة ابن عنز بفتح العين المهملة وسكون النون آخره زاي (يسمى الكعبة) ولأبي ذر كعبة (اليمانية فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس) سقط من أحمس لأبي ذر (وكانوا) أي أحمس (أصحاب خيل) أي لهم ثبات عليها (وكنت لا أثبت على الخيل فضرب) ﷺ (في) ولأبي ذر على (صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري) وعند الحاكم من حديث البراء فشكا جرير إلى رسول الله ﷺ القلع أي بالقاف واللام المفتوحتين عدم الثبات على السرج فقال: "ادن مني" فدنا منه فوضع يده على رأسه ثم أرسلها على وجهه وصدره حتى بلغ عانته ثم وضع يده على رأسه وأرسلها على ظهره حتى انتهيت إلى أليته (وقال: اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًا) قيل فيه تقديم وتأخير لأنه لا يكون هاديًا حتى يكون مهديًا وقيل معناه كاملاً مكملاً (فانطلق) جرير ومن معه (إليها) إلى ذي الخلصة (فكسرها وحرقها) بتشديد الراء أي هدم بناءها ورمى النار في أخشابها (ثم بعث إلى رسول الله ﷺ ¬) يخبره بذلك وفي السابقة أن جريرًا هو الذي أخبر النبي ﷺ بذلك وهو محمول على المجاز (فقال رسول جرير: والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها) أي ذا الخلصة (كأنها جمل أجرب) بالجيم والراء والموحدة أي سوداء من التحريق كالجمل الأجرب إذا طلي بالقطران أو هو كناية عن إذهاب بهجتها (قال: فبارك) ﵊ (في خيل أحمس ورجالها خمس مرات).
وهذا الحديث سبق في باب البشارة بالفتوح من الجهاد.
٤٣٥٧ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ
عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ»؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ، وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا» قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسٍ بَعْدُ، قَالَ: وَكَانَ ذُو الْخَلَصَةِ بَيْتًا بِالْيَمَنِ لِخَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ، فِيهِ نُصُبٌ يُعْبَدُ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ، قَالَ: فَأَتَاهَا فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا، قَالَ: وَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ الْيَمَنَ كَانَ بِهَا رَجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بِالأَزْلَامِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَا هُنَا فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُ بِهَا إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ، فَقَالَ: لَتَكْسِرَنَّهَا وَلَتَشْهَدًا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَوْ لأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، قَالَ: فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رَجُلاً مِنْ أَحْمَسَ يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ قَالَ: فَبَرَّكَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ.
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن إسماعيل بن أبي خالد) البجلي (عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن جرير) ﵁ أنه (قال: قال لي رسول الله ﷺ ¬):
(ألا تريحني من ذي الخلصة فقلت: بلى) يا رسول الله (فانطلقت) إليها (في خمسين ومائة فارس من أحمس وكانوا أصحاب خيل وكنت لا أثبت على الخيل
стр. 2767
فذكرت ذلك للنبي ﷺ فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري فقال: اللهم ثبته) على الخيل (واجعله هاديًا) لغيره حال كونه (مهديًا) بفتح الميم في نفسه وحينئذٍ فلا يقال فيه تقديم وتأخير كما مر (قال: فما وقعت عن فرس) وفي نسخة فرسي (بعد. قال: وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخثعم وبجيلة فيه) أي في البيت (نصب) بضمتين حجر ينصب يذبحون عليه (يعبد يقال له الكعبة. قال فأتاها) جرير (فحرقها بالنار وكسرها) أي هدم بناءها (قال: ولما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام) أي يطلب قسمه من الشر والخير بالقدح (فقيل له: إن رسول الله ﷺ هاهنا فإن قدر عليك ضرب عنقك. قال فبينما) بالميم (هو يضرب بها) بالأزلام (إذ وقف عليه جرير فقال) له جرير: (لتكسرنها ولتشهدًا) بتنوين الدال، ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني: ولتشهدن بسكون اللام وبعد الدال نون توكيد ثقيلة (أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك. قال: فكسرها وشهد) أي أن لا إله إلا الله (ثم بعث جرير رجلاً من أحمس يكنى) بضم الياء وسكون الكاف (أبا أرطاة) بهمزة مفتوحة وراء ساكنة وطاء مهملة مفتوحة وبعد الألف تاء واسمه حصين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين ابن ربيعة كما في مسلم (إلى النبي ﷺ يبشره بذلك فلما أتى النبي ﷺ قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب) من سواد الإحراق (قال: فبرك) بتشديد الراء، ولأبي ذر عن الكشميهني: فبارك (النبي ﷺ على خيل أحمس ورجالها) أي
دعا له بالبركة (خمس مرات) مبالغة واقتصر على الوتر لأنه مطلوب.
٦٣ - باب غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ وَهْيَ غَزْوَةُ لَخْمٍ وَجُذَامَ قَالَهُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ عَنْ عُرْوَةَ هِيَ بِلَادُ بَلِيٍّ، وَعُذْرَةَ وَبَنِي الْقَيْنِ
(غزوة ذات السلاسل).
قال ابن سعد في طبقاته فيما قرأته فيها: هي وراء ذات القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام، وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من مهاجره ﷺ انتهى.
وجزم ابن أبي خالد في كتاب صحيح التاريخ أنها كانت سنة سبع وسميت بذلك لأن المشركين فيما قيل ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفرّوا أو لأن بها ماء يقال له السلسل.
(وهي غزوة لخم) بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة قبيلة كبيرة ينسبون إلى لخم واسمه مالك بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد (وجذام) بضم الجيم وفتح الذال المعجمة الخفيفة قبيلة كبيرة ينسبون إلى عمرو بن عدي إخوة لخم على المشهور (قاله إسماعيل بن أبي خالد).
(وقال ابن إسحاق) محمد صاحب المغازي (عن يزيد) بن رومان المدني (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (هي) أي ذات السلاسل (بلاد بليّ) بفتح الموحدة وكسر اللام المخففة بعدها تحتية للنسبة قبيلة كبيرة ينسبون إلى بليّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة (وعذرة) بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة ينسبون إلى عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم بضم اللام ابن الحاف بن قضاعة (وبني القين) بفتح القاف وسكون التحتية ابن شيع الله بكسر الشين المعجمة وسكون التحتية آخره عين مهملة ابن أسد بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
٤٣٥٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ» قُلْتُ مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: «أَبُوهَا» قُلْتُ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «عُمَرُ»، فَعَدَّ رِجَالاً فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن شاهين أبو بشر الواسطي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (خالد بن عبد الله) الطحان وسقط لأبي ذر ابن عبد الله (عن خالد الحذاء) بالحاء المهملة والذال المعجمة ابن مهران (عن أبي عثمان) عبد الرحمن النهدي (أن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن العاص) كذا بغير ياء في الفرع كأصله بعد أن عقد له لواء أبيض (على جيش ذات السلاسل)
وكانوا ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرسًا لما ذكر من أن جمعًا من قضاعة تجمعوا وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة وأمره أن يستعين بمن يمرّ به من بليّ وعذرة وبلقين فسار الليل وكمن النهار، فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جميعًا كثيرًا فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين وعقد له لواء وبعث معه سراة المهاجرين
стр. 2768
والأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا جميعًا ولا يختلفا فلحق بعمرو فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو: إنما قدمت عليّ مددًا وأنا الأمير فأطاع له بذلك أبو عبيدة فكان عمرو يصلّي بالناس وسار حتى وطئ بلاد بليّ ودوّخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين، ولقي في آخر ذلك جمعًا فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا كذا ذكره ابن سعد.
وعند الحاكم من حديث بريدة أن عمرو بن العاص أمرهم في تلك الغزوة أن لا يوقدوا نارًا فأنكر ذلك عمر فقال أبو بكر ﵄: دعه فإن رسول الله ﷺ لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب فسكت عنه.
وعند ابن حبان أنه منعهم أن يوقدوا نارًا وأنهم لما هزموا العدوّ أرادوا أن يتبعوهم فمنعهم، فلما انصرفوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فسأله فقال: كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارًا فيرى العدوّ قلتهم وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فحمد أمره.
(قال) عمرو: (فأتيته) لما قدمنا من جيش ذات السلاسل فقعدت بين يديه (فقلت): يا رسول الله (أي الناس أحب إليك؟ قال):
(عائشة قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: عمر) بن الخطاب قال عمرو بن العاص (فعدّ رجالاً فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم) أي في الفضل. وعند البيهقي قال عمرو: فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على قوم فيهم أبو بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده فأتيته حتى قعدت بين يديه فقلت: يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ الحديث.
٦٤ - باب ذَهَابُ جَرِيرٍ إِلَى الْيَمَنِ
(ذهاب جرير) أي ابن عبد الله البجلي (إلى) أهل (اليمن) ليقاتلهم ويدعوهم إلى أن يقولوا لا إله إلا الله والظاهر كما في الفتح أن هذا البعث غير بعثه إلى هدم ذي الخلصة.
٤٣٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ بِالْبَحْرِ فَلَقِيتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ذَا كَلَاعٍ، وَذَا عَمْرٍو، فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ ذُو عَمْرٍو: لَئِنْ كَانَ الَّذِي تَذْكُرُ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِكَ لَقَدْ مَرَّ عَلَى أَجَلِهِ مُنْذُ ثَلَاثٍ، وَأَقْبَلَا مَعِي حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ رُفِعَ لَنَا رَكْبٌ مِنْ قِبَلِ الْمَدِينَةِ
فَسَأَلْنَاهُمْ، فَقَالُوا: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ صَالِحُونَ، فَقَالَا: أَخْبِرْ صَاحِبَكَ أَنَّا قَدْ جِئْنَا وَلَعَلَّنَا سَنَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَرَجَعَا إِلَى الْيَمَنِ فَأَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرٍ بِحَدِيثِهِمْ قَالَ: أَفَلَا جِئْتَ بِهِمْ؟ فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ قَالَ لِي ذُو عَمْرٍو: يَا جَرِيرُ إِنَّ بِكَ عَلَيَّ كَرَامَةً وَإِنِّي مُخْبِرُكَ خَبَرًا إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا كُنْتُمْ إِذَا هَلَكَ أَمِيرٌ تَأَمَّرْتُمْ فِي آخَرَ فَإِذَا كَانَتْ بِالسَّيْفِ كَانُوا مُلُوكًا يَغْضَبُونَ غَضَبَ الْمُلُوكِ وَيَرْضَوْنَ رِضَا الْمُلُوكِ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان أبو بكر الكوفي الحافظ (للعبسي) بفتح العين وكسر السين المهملتين بينهما موحدة ساكنة قال: (حدّثنا ابن إدريس) عبد الله الأودي بسكون الواو أبو محمد الكوفي الثقة العابد (عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم العجلي (عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن جرير) البجلي ﵁ أنه (قال: كنت بالبحر) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر باليمن (فلقيت رجلين من أهل اليمن ذا الكلاع) بفتح الكاف واللام المخففة وبعد الألف عين مهملة اسمه أسميفع بسكون السين المهملة وفتح الميم وسكون التحتية وفتح الفاء بعدها عين مهملة، ويقال أيفع بن باكوراء، ويقال ابن حوشب بن عمرو (وذا عمرو) بفتح العين وكانا من ملوك اليمن وكان جرير قضى حاجته وأقبل راجعًا يريد المدينة وكانا أيضًا قد عزما على التوجه إلى المدينة.
قال جرير: (فجعلت أحدثهم) أي ذا كلاع وذا عمرو ومن معهما (عن رسول الله ﷺ فقال له): لجرير (ذو عمرو: لئن كان الذي تذكر من أمر صاحبك) يعني النبي ﷺ (لقد مرّ على أجله منذ ثلاث) جواب الشرط مقدر أي إن أخبرتني بهذا أخبرتك بهذا فالإخبار سبب للإخبار ومعرفة ذي عمرو بوفاته ﵊ إما بطريق الكهانة أو أنه كان من المحدثين أو بسماع من بعض القادمين سرًّا قاله الكرماني، وتعقبه في الفتح بأنه لو كان مستفادًا من غيره لما احتاج إلى بناء ذلك على ما ذكره جرير، فالظاهر أنه قاله عن اطّلاع من الكتب القديمة (وأقبلا معي) متوجهين إلى المدينة (حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من قبل المدينة) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهتها (فسألناهم فقالوا: قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر والناس صالحون فقالا): أي ذو الكلاع وذو عمرو (أخبر صاحبك) أبا بكر ﵁ (أنا قد جئنا ولعلنا سنعود) إليه (إن شاء الله) تعالى (ورجعا إلى اليمن).
قال جرير: (فأخبرت أبا بكر بحديثهم) جمع باعتبار من معهم أو أن أقل الجمع اثنان (قال: أفلا جئت بهم) وروى سيف في الفتوح أن أبا بكر بعث أنس بن مالك يستنفر أهل اليمن إلى
стр. 2769
الجهاد فرحل ذو الكلاع ومن معه (فلما كان بعد) بالبناء على الضم أي بعد هذا الأمر في خلافة عمر بن الخطاب وهاجر ذو عمرو (قال لي ذو عمرو: يا جرير وإن بك عليّ كرامة وإني مخبرك خبرًا إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم) بقصر الهمزة وتشديد الميم في
الفرع، وفي غيره بمد الهمزة وتخفيف الميم أي تشاورتم (في) أمير (آخر) ومعنى المشدد أقمتم أميرًا منكم عن رضًا منكم أو عهد من الأول (فإذا كانت) أي الإمارة (بالسيف) أي بالقهر والغلبة (كانوا) أي الخلفاء (ملوكًا يغضبون غضب الملوك وبرضون رضًا الملوك).
٦٥ - باب غَزْوَةُ سِيفِ الْبَحْرِ وَهُمْ يَتَلَقَّوْنَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ وَأَمِيرُهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ ﵁ -
(غزوة سيف البحر) بكسر السين المهملة وسكون التحتية بعدها فاء أي ساحله (وهم يتلقون) أي يرصدون (عيرًا) بكسر العين المهملة إبلاً تحمل ميرة (لقريش وأميرهم أبو عبيدة) عامر وقيل عبد الله بن عامر (بن الجراح) الفهري القرشي وسقط ابن الجراح لغير أبي ذر (﵁).
٤٣٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ فَخَرَجْنَا وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ الْجَيْشِ فَجُمِعَ فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ فَكَانَ يَقُوتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلٌ قَلِيلٌ، حَتَّى فَنِيَ فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلاَّ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلْتُ مَا تُغْنِي عَنْكُمْ تَمْرَةٌ، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ فَأَكَلَ مِنْهَا الْقَوْمُ ثَمَانَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (مالك) الإمام (عن وهب بن كيسان) بفتح الكاف (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ أنه قال: بعث) ولأبي ذر: لما بعث (رسول الله ﷺ بعثًا) سنة ثمان (قبل الساحل) أي جهته (وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم) أي الجيش (ثلاثمائة فخرجنا) التفات من الغيبة للتكلم (وكنا) بالواو ولأبوي ذر والوقت فكنا (ببعض الطريق فني الزاد فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع) بفتحات وفي اليونينية بضم الجيم وكسر الميم (فكان) الذي جمعه (مزودي تمر) بكسر الميم وفتح الواو والدال بكسر الميم ما يجعل فيه الزاد (فكان يقوتنا) بضم القاف وسكون الواو (كل يوم قليل قليل) ولأبي ذر يقوتنا بفتح القاف وكسر الواو المشدّدة كل يوم قليلاً قليلاً بالنصب على المفعولية (حتى فني) ما في المزودين من الزاد العام (فلم يكن يصيبنا) مما جمع ثانيًا من الأزواد الخاصة (إلا تمرة تمرة) قال وهب: (فقلت) لجابر (ما تغني عنكم تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها) مؤثرًا (حين فنيت) بفتح الفاء (ثم انتهينا إلى) ساحل (البحر فإذا حوت مثل الظرب) بفتح الظاء المعجمة المشالة وكسر الراء الجبل الصغير (فأكل منها) وللأربعة منه أي من الحوت (القوم ثمان) ولأبي ذر: ثماني (عشرة ليلة ثم أمر أبو عبيد بضلعين) بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام (من أضلاعه) أن ينصبا (فنصبا) كان الأصل أن يقول: فنصبتا بالتاء لكنه غير حقيقي التأنيث (ثم أمر براحلته) أن ترحل
(فرحلت) بتخفيف الحاء ولأبي ذر بتشديدها (ثم مرت) بضم الميم وتشديد الراء مبنيًا للمفعول وفي اليونينية بفتح الميم (تحتهما) تحت الضلعين (فلم تصبهما) الراحلة لعظمهما.
٤٣٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَمِائَةِ رَاكِبٍ، أَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ نَرْصُدُ عِيرَ قُرَيْشٍ فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْجَيْشُ جَيْشَ الْخَبَطِ فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهِ حَتَّى ثَابَتْ إِلَيْنَا أَجْسَامُنَا فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَنَصَبَهُ فَعَمَدَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ مَعَهُ قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: ضِلَعًا مِنْ أَضْلاعِهِ فَنَصَبَهُ وَأَخَذَ رَجُلاً وَبَعِيرًا فَمَرَّ تَحْتَهُ، قَالَ جَابِرٌ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ نَهَاهُ. وَكَانَ عَمْرٌو يَقُولُ: أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ لأَبِيهِ: كُنْتُ فِي الْجَيْشِ فَجَاعُوا، قَالَ انْحَرْ قَالَ: نَحَرْتُ قَالَ: ثُمَّ جَاعُوا قَالَ: انْحَرْ قَالَ: نَحَرْتُ، قَالَ: ثُمَّ جَاعُوا، قَالَ: انْحَرْ، قَالَ: نَحَرْتُ ثُمَّ جَاعُوا قَالَ: انْحَرْ، قَالَ: نُهِيتُ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: الذي حفظناه من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄ (يقول: بعثنا رسول الله ﷺ ثلاثمائة راكب أميرنا) جملة حالية بدون الواو ولأبي ذر وأميرنا (أبو عبيدة بن الجراح نرصد عير قريش فأقمنا بالساحل نصف شهر) ففنيت أزوادنا (فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط) بفتح الخاء المعجمة والموحدة بعدها طاء مهملة ورق السلم (فسمي ذلك الجيش جيش الخبط فألقى لنا البحر دابة) من السمك (يقال لها العنبر) يتخذ من جلدها الأتراس (فأكلنا منه) من الحوت (نصف شهر) في الرواية السابقة ثمان عشرة ليلة قيل القائل بالزيادة ضبط ما لم يضبطه الآخر القائل بهذا الثاني ولعله ألغى الزائد وهو الثلاثة (وادّهنا) بهمزة وصل وتشديد الدال المهملة (من ودكه) بفتح الواو والدال المهملة من شحمه (حتى ثابت) بالمثلثة وبعد الألف موحدة ففوقية أي رجعت (إلينا أجسامنا) إلى ما كانت عليه من القوّة والسمن بعدما هزلت من الجوع (فأخذ أبو عبيدة ضلعًا من أضلاعه) ولأبي ذر عن المستملي من أعضائه (فنصبه فعمد) بفتح الميم (إلى أطول رجل معه) هو قيس بن سعد بن عبادة
стр. 2770
(قال سفيان) بن عيينة (مرة ضلعًا من أضلاعه) وللمستملي من أعضائه (فنصبه) سقط فنصبه لأبي ذر (وأخذ رجلاً وبعيرًا فأمر تحته) راكبًا عليه (قال): ولأبي ذر فقال (جابر كان رجل من القوم نحر ثلاث جزائر) عندما جاعوا (ثم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر) بالتكرار ثلاث مرات والجزائر جمع جزور وهو البعير ذكرًا كان أو أنثى (ثم إن أبا عبيدة نهاه) عن ذلك لأجل قلة الظهر.
(وكان عمرو) بن دينار (يقول: أخبرنا أبو صالح) ذكوان السمان (أن قيس بن سعد)
الصحابي (قال لأبيه): سعد بن عبادة لما رجعوا (كنت في الجيش فجاعوا قال: انحر. قال): قلت له (نحرت. قال: ثم جاعوا قال) لي: (انحر قال) قلت له (نحرت قال: ثم جاعوا قال: انحر قال) قلت له (نحرت ثم جاعوا قال: انحر قال): قلت له (قد نهيت) بضم النون وكسر الهاء مبنيًّا للمفعول أي نهاني أبو عبيدة وتكرر قوله انحر أربع مرات وهذا صورته صورة المرسل لأن عمرو بن دينار لم يدرك زمان تحديث قيس لأبيه بذلك. نعم رواه الحميدي في مسنده فيما أخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريقه بلفظ عن أبي صالح عن قيس بن سعد بن عبادة قال: قلت لأبي وكنت في ذلك الجيش جيش الخبط فأصاب الفاس جوع قال لي انحر فذكره.
٤٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا ﵁ يَقُولُ: غَزَوْنَا جَيْشَ الْخَبَطِ، وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ، يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ فَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ كُلُوا فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ» فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ فَأَكَلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) القطان (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن دينار (أنه سمع جابرًا ﵁ يقول: غزونا جيش الخيط وأمر أبو عبيدة) بن الجراح بضم الهمزة مبنيًا للمفعول أمره النبي ﷺ علينا (فجعنا جوعًا شديدًا فألقى البحر) ولأبي ذر لنا البحر (حوتًا ميتًا لم نر مثله) في العظم (يقال له العنبر) ويقال إن العنبر الذي يشم رجيع هذه الدالة، وقيل إنه يخرج من قعر البحر يأكله بعض دوابه لدسومته فيقذفه رجيعًا فيوجد كالحجارة الكبار يطفو على الماء فتلقيه الريح إلى الساحل وهو يقوي القلب والدماغ نافع من الفالج واللوقة والبلغم الغليظ، وقال الشافعي ﵀: سمعت من قال رأيت العنبر نابتًا في البحر ملتويًا مثل عنق الشاة وله رائحة ذكية، وفي البحر دويبة تقصد لذكاء ريحه وهو سمها فتأكله فيقتلها ويلفظها البحر فيخرج العنبر من بطنها (فأكلنا منه نصف شهر فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه فمر الراكب تحته). قال ابن جريج (فأخبرني) بالفاء والإفراد ولأبوي ذر والوقت وأخبرني (أبو الزبير) محمد بن مسلم المكي بالسند السابق (أنه سمع جابرًا يقول: قال) ولأبي الوقت فقال (أبو عبيدة: كلوا) أي من الحوت فأكلنا (فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فقال):
(كلوا رزقًا أخرجه الله) لكم (أطعمونا إن كان معكم) منه شيء (فآتاه) بالمد أي أعطاه (بعضهم) وللأصيلي ونسبها في الفتح لابن السكن فأتاه بعضهم بعضو منه (فأكله) وفيه حل ميتة السمك وغير ذلك مما لا يخفى.
وفي هذه السرية كان عمر بن الخطاب وقد روينا حديثها في الغيلانيات، وفيه أنه لما أصابهم
الجوع قال قيس بن سعد: من يشتري مني تمرًا بجزر يوفني الجزر هاهنا وأوفيه التمر بالمدينة، فجعل عمر يقول: واعجباه لهذا الغلام لا مال له يدين فيما لغيره وأنه ابتاع خمس جزائر كل جزور بوسق من تمر فنحرها لهم في مواطن ثلاثة كل يوم جزورًا، فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره فقال: أتريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك؟ فلما قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت في مجاعة القوم؟ قال: نحرت، قال: أصبت. قال: ثم ماذا؟ قال: نحرت. قال: أصبت. قال: ثم ماذا؟ قال: نحرت. قال: أصبت. قال: ثم ماذا؟ قال: نهيت. قال: ومن نهاك؟ قال: أبو عبيدة أميري. قال: ولم؟ قال: زعم أن لا مال لي وإنما المال لأبيك. قال فلك أربع حوائط أدناها حائط تجد منه خمسين وسقًا. الحديث بطوله اقتصرت منه على المراد.
٦٦ - باب حَجُّ أَبِي بَكْرٍ بِالنَّاسِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ
(حج أبي بكر) الصديق ﵁ (بالناس في سنة تسع) من الهجرة.
٤٣٦٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ".
[الحديث ٤٣٦٣ - أطرافه في: ٤٦٠٥، ٤٦٥٤، ٦٧٤٤].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (سليمان بن داود
следующие страницы →