← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

في موضع الحال أو إلا بسبب الإذن لكم فأسقط باء السبب وقال القاضي كالزمخشري إلا وقت أن يؤذن لكم ورده أبو حيان بأن النحاة نصوا على أن المصدرية لا تقع موقع الظرف لا يجوز آتيك أن يصيح الديك وإن جاز ذلك في المصدر الصريح نحو آتيك صياح الديك (﴿إلى طعام﴾) متعلق بيؤذن لأنه بمعنى إلا أن تدعوا إلى طعام (﴿غير ناظرين إناه﴾) نصب على الحال فعند الزمخشري العامل فيه يؤذن وعند غيره مقدر أي ادخلوا غير ناظرين إدراكه أو وقت نضجه والمعنى لا ترقبوا الطعام ذا طبخ حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول فإن هذا مما يكرهه الله ويذمه قال ابن كثير وهذا دليل على تحريم التطفيل وقد صنف الخطيب البغدادي كتابًا في ذم الطفيليين ذكر فيه من أخبارهم ما يطول إيراده وأمال حمزة والكسائي أناه لأنه مصدر أنى الطعام إذا أدرك (﴿ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا﴾) تفرقوا واخرجوا من منزله ولا تمكثوا والآية إما تقديم أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم أولًا والثاني أولى لأن الأصل عدم التقديم وحينئذ فالإذن مشروط بكونه إلى طعام فلو أذن لأحد أن يدخل بيوته لغير الطعام أو لبث بعد الطعام لحاجة لا يجوز لكنا نقول الآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فهي مخصوصة بهم وبأمثالهم فيجوز ولا يشترط التصريح بالإذن بل يكفي العلم بالرضا كما يشعر به قوله إلا أن يؤذن لكم حيث لم يبين الفاعل مع قوله أو صديقكم (﴿ولا مستأنسين لحديث﴾) نصب عطفًا على غير أي لا تدخلوها غير ناظرين ولا مستأنسين أو حال مقدرة أي لا تدخلوا هاجمين ولا مستأنسين أو جر عطفًا على ناظرين أي غير ناظرين وغير مستأنسين واللام في لحديث للعلة أي لأجل أن يحدث بعضكم بعضًا والمعنى ولا طالبين الأنس للحديث وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون طويلًا فنهوا عنه (﴿إن ذلكم﴾) الانتظار والاستئناس (﴿كان يؤذي النبي﴾) لتضييق المنزل عليه وعلى أهله وإشغاله فيما لا يعنيه (﴿فيستحيي منكم﴾) أي من إخراجكم فهو من تقدير المضاف بدليل قوله: (﴿والله لا يستحيي من الحق﴾) أي أن إخراجكم حق فينبغي أن لا يترك حياء ولهذا نهاكم وزجركم عنه قال في الكشاف وهذا أدب أدّب الله به الثقلاء وقال السمرقندي في الآية حفظ الأدب وتعليم الرجل إذا كان ضيفًا لا يجعل نفسه ثقيلًا بل إذا كل ينبغي أن يخرج (﴿وإذا سألتموهن متاعًا﴾) حاجة (فاسألوهن) المتاع (﴿من وراء حجاب﴾) أي ستر (﴿ذلكم﴾) أي الذي شرعته لكم من الحجاب (﴿أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾) من الريب لأن العين روزنة القلب فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب فهو عند عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذٍ أظهر وهذه آية الحجاب وهي مما وافق تنزيلها قول عمر كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (﴿وما كان لكم﴾) وما صح لكم (﴿أن تؤذوا رسول الله﴾) أن تفعلوا شيئًا يكرهه (﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا﴾) [الأحزاب: ٥٣] بعد وفاته أو فراقه تعظيمًا له وإيجابًا لحرمته. وفي حديث عكرمة عن ابن عباس مما رواه ابن أبي حاتم أن الآية نزلت في رجل همّ أن يتزوج بعض نساء النبي ﷺ بعده قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال قد ذكروا ذاك، وكذا قال مقاتل وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ﵁ حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك (﴿إن ذلكم﴾) أي إيذاءه ونكاح نسائه (﴿كان عند الله﴾) ذنبًا (﴿عظيمًا﴾) وسقط لأبي ذر قوله: غير ناظرين إناه الخ وقال بعد قوله: (إلى طعام) إلى قوله: (إن ذلكم كان عند الله عظيمًا يقال إناه) قال أبو عبيدة أي (إدراكه) وبلوغه ويقال (أنى) بفتح الهمزة والنون (يأنى) بسكون الهمزة وفتح النون (أناة) بفتح الهمزة والنون من غير همز آخره هاء تأنيث مقصور ولابن عساكر إناء

стр. 3117

بهمزة من غير هاء تأنيث وزاد أبو ذر: فهو آن. (﴿لعل الساعة تكون قريبًا﴾) [الأحزاب: ٦٣] القياس أن يقول قريبة بالتاء وأجاب المؤلّف عنه بأنك (إذا وصفت صفة المؤنث قلت قريبة) بالتاء (وإذا جعلته ظرفًا) قال الكرماني: أي اسمًا زمانيًا وعبارة أبي عبيدة مجازه مجاز الظرف (وبدلًا) أي عن الصفة يعني جعلته اسمًا مكان الصفة (ولم ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث) فقلت قريبًا (وكذلك لفظها) أي لفظ الكلمة المذكورة إذا لم ترد الصفة يستوي (في) لفظها (الواحد والاثنين والجميع للذكر والأنثى) بغير هاء وبغير جمع وبغير تثنية. وقال في الدر الظاهر أن لعل تعلق ما يعلق التمني وقريبًا خبر كان على حذف موصوف أي شيئًا قريبًا وقيل التقدير قيام الساعة فروعيت الساعة في تأنيث تكون وروعي المضاف المحذوف في تذكير قريبًا، وقيل قريبًا أكثر استعماله استعمال الظروف فهو هنا ظرف في موضع الخبر وسقط لأبوي ذر والوقت وابن عساكر لفظ الواحد وقال العيني كابن حجر وسقط لغير أبي ذر والنسفيّ قوله: لعل الساعة الخ وصوب لأنه ساقه في غير محله لتقديمه على الأحاديث المسوقة في معنى قوله لا تدخلوا بيوت النبي إلى آخرها. ٤٧٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ. وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (عن يحيى) هو ابن سعيد القطان ولأبي ذر حدّثنا يحيى (عن حميد) الطويل (عن أنس) ﵁ أنه (قال: قال عمر) بن الخطاب (﵁: قلت: يا رسول الله يدخل عليك) في بيوتك (البر والفاجر) هو الفاسق وهو مقابل البر (فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله) تعالى (آية الحجاب﴾) وهذا طرف من حديث ذكره في باب ما جاء في القبلة من كتاب الصلاة وسورة البقرة أوله: وافقت ربي في ثلاث وقد تحصل من جملة الأخبار لعمر من الموافقات خمسة عشر تسع لفظيات وأربع معنويات واثنتان في التوراة فأما اللفظيات فمقام إبراهيم حيث قال: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت والحجاب وأسارى بدر حيث شاوره ﷺ فيهم فقال: يا رسول الله هؤلاء أئمة الكفر فاضرب أعناقهم فهوى رسول الله ﷺ ما قاله الصديق من إطلاقهم وأخذ الفداء فنزلت ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ [الأنفال: ٦٧] رواه مسلم وغيره وقوله لأمهات المؤمنين: لتكففن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكنّ فنزلت أخرجه أبو حاتم وغيره، وقوله لما اعتزل ﵊ نساءه في المشربة يا رسول الله: إن كنت طلقت نساءك فإن الله معك وجبريل وأنا وأبو بكر والمؤمنون فأنزل الله ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ الآية، وأخذه بثوب النبي ﷺ لما قام يصلّي على عبد الله بن أبي ومنعه من الصلاة عليه فأنزل الله ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ [التوبة: ٨٤] أخرجاه ولما نزل ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ قال ﵊: فلأزيدن على السبعين فأخذ في الاستغفار لهم فقال عمر: يا رسول الله والله لا يغفر الله لهم أبدًا استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، فنزلت ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ أخرجه في الفضائل ولما نزل قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ إلى قوله: ﴿أنشأناه خلقًا آخر﴾ قال عمر: تبارك الله أحسن الخالقين رواه الواحدي في أسباب النزول. وفي رواية فقال النبي ﷺ : تزيد في القرآن يا عمر فنزل جبريل بها وقال إنها تمام الآية خرجها السجاوندي في تفسيره، ولما استشاره ﵊ في عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فقال عمر: يا رسول الله من زوجكها. قال الله تعالى، قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ فأنزلها الله تعالى ذكره صاحب الرياض عن رجل من الأنصار. وأما المعنويات فروى ابن السمان في الموافقة أن عمر قال لليهود: أنشدكم بالله هل تجدون وصف محمد ﷺ في كتابكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم من اتباعه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا كان

стр. 3118

له من الملائكة كفيل وإن جبريل هو الذي يكفل محمدًا وهو عدوّنا من الملائكة وميكائيل سلمنا فلو كان هو الذي يأتيه لاتبعناه قال عمر فإني أشهد أنه ما كان ميكائيل ليعادي سلم جبريل وما كان جبريل ليسالم عدوّ ميكائيل فنزل ﴿قل من كان عدوًا لجبريل﴾ إلى قوله: ﴿عدوّ للكافرين﴾ [البقرة: ٩٧]. وعند القلعي أن عمر كان حريصًا على تحريم الخمر وكان يقول: اللهم بين لنا في الخمر فإنها تذهب المال والعقل فنزل ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية. فتلاها عليه ﵊ فلم ير فيها بيانًا فقال: اللهم بين لنا فيها بيانًا شافيًا فنزل ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] فتلاها عليه، ﵊ فلم ير فيها بيانًا شافيًا فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزل ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. فتلاها عليه ﵊ فقال عمر عند ذلك: انتهينا يا رب انتهينا، وذكر الواحدي إنها نزلت في عمر ومعاذ ونفر من الأنصار، وعن ابن عباس أنه ﷺ أرسل غلامًا من الأنصار إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فدخل فرأى عمر على حالة كره عمر رؤيته عليها فقال: يا رسول الله وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ [النور: ٥٨] الآية رواه أبو الفرج وصاحب الفضائل، وقال بعد قوله: فدخل عليه وكان نائمًا وقد انكشف بعض جسده فقال: اللهم حرم الدخول علينا في وقت نومنا فنزلت ولما نزل قوله تعالى: ﴿ثلة من الأوّلين وقليل من الآخرين﴾ [الواقعة: ١٣] بكى عمر وقال: يا رسول الله وقليل من الآخرين آمنا برسول الله ﷺ وصدقناه ومن ينجو منا قليل، فأنزل الله تعالى: ﴿ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠] فدعاه رسول الله ﷺ ، وقال قد أنزل الله فيما قلت. وأما موافقته لما في التوراة فعن طارق بن شهاب جاء رجل يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من رَبكُم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣] فأين النار؟ فقال لأصحاب النبي ﷺ : أجيبوه فلم يكن عندهم منها شيء فقال عمر: أرأيت النهار إذا جاء أليس يملأ السماوات والأرض؟ قال: بلى. قال: فأين الليل؟ قال: حيث شاء الله . قال عمر: فالنار حيث شاء الله . قال اليهودي: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين إنها لفي كتاب الله المنزل كما قلت أخرجه الخلعي وابن السمان في الموافقة. وروي أن كعب الأحبار قال يومًا عند عمر بن الخطاب: ويل لملك الأرض من ملك السماء. فقال عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنها لتابعتها في كتاب الله فخرّ عمر ساجدًا لله. اهـ. ملخصًا من مناقب عمر من الرياض وزاد بعضهم آية الصيام في حل الرفث ﴿ونساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة: ٢٢٣] و ﴿لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥] إذ أفتى بقتل ونسخ الرسم لآية قد نزلت في الرجم وفي الأذان. ٤٧٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ، دَعَا الْقَوْمَ فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، وَإِذَا هُوَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ، فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَدْخُلَ فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا، فَانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَلْقَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ. [الحديث ٤٧٩١ - أطرافه في: ٤٧٩٢، ٤٧٩٣، ٤٧٩٤، ٥١٥٤، ٥١٦٣، ٥١٦٦، ٥١٦٨، ٥١٧٠، ٥١٧١، ٥٤٦٦، ٦٢٢٨، ٦٢٢٩، ٦٢٧١، ٧٤٢١]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله الرقاشي) بفتح الراء والقاف المشدّدة وبعد الألف معجمة فتحتية نسبة لرقاش بنت ضبيعة قال: (حدّثنا معتمر بن سليمان قال سمعت أبي) سليمان بن طرخان (يقول: حدّثنا أبو مجلز) بكسر الميم وسكون الجيم وبعد اللام المفتوحة زاي لاحق بن حميد (عن أنس بن مالك ﵁¬) أنه (قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب ابنة جحش) سنة ثلاث أو خمس أو غير ذلك ولأبي ذر بنت بإسقاط الألف (دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون) فأطالوا الجلوس (وإذا هو) ﵊ (كأنه يتهيّأ للقيام) ليفطنوا لمراده فيقوموا لقيامه (فلم يقوموا) وكان ﵊ يستحي أن يقول لهم قوموا (فلما رأى ذلك قام) لكي يقوموا ويخرجوا (فلما قام من قام وقعد ثلاثة نفر) لم يسموا يتحدثون في البيت وخرج ﵊ (فجاء النبي ﷺ ليدخل) على زينب (فإذا القوم جلوس) في بيتها فرجع ﵊ (ثم أنهم قاموا) فخرجوا (فانطلقت فجئت فأخبرت

стр. 3119

النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء) ﵊ (حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب) أي الستر (بيني وبينه فأنزل الله) تعالى (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ الآية) [الأحزاب: ٥٣] بعد خروج القوم. ٤٧٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ آيَةِ الْحِجَابِ: لَمَّا أُهْدِيَتْ زَيْنَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ، صَنَعَ طَعَامًا وَدَعَا الْقَوْمَ، فَقَعَدُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ ثُمَّ يَرْجِعُ، وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فَضُرِبَ الْحِجَابُ، وَقَامَ الْقَوْمُ. وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قاضي مكة قال: (حدّثنا حماد بن زيد) اسم جده درهم (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله الجرمي أنه قال: (قال أنس بن مالك) ﵁ (أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب) بخفض آية الحجاب بدلًا من سابقتها (لما أهديت زينب بنت جحش ﵂) وزفت (إلى رسول الله) ولأبي ذر إلى النبي (¬ ﷺ ¬) وسقط لغير أبي ذر بنت جحش ﵂ (كانت معه في البيت صنع طعامًا ودعا القوم فقعد ويتحدثون) بعد أن أكلوا (فجعل النبي ﷺ يخرج) لكي يخرجوا (ثم يرجع) لبيت زينب (وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى) قبل خروجهم (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ -إلى قوله- ﴿من وراء حجاب﴾) وسقط لأبي ذر ﴿إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ (فضرب الحجاب) بضم الضاد مبنيًّا للمفعول (وقام القوم). ٤٧٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ، قَالَ: ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ». فَقَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ. فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ، يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ، وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ. ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا ثَلَاثَةُ رَهْطٍ فِي الْبَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ شَدِيدَ الْحَيَاءِ فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَمَا أَدْرِي آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا، فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ. وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله بن عمرو المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري البصري قال: (حدّثنا عبد العزيز بن صهيب) البناني البصري (عن أنس ﵁) أنه (قال: بني) بضم الموحدة وكسر النون أي دخل (على النبي ﷺ بزينب ابنة) ولأبي ذر بنت (جحش بخبز ولحم فأرسلت) بضم الهمزة وكسر السين وسكون اللام مبنيًّا للمفعول أي أرسلني النبي ﷺ (على الطعام) حال كوني (داعيًا) القوم للأكل منه (فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون فدعوت) القوم (حتى ما أجد أحدًا أدعو) بحذف ضمير المفعول (فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدًا أدعوه) بإثبات ضمير النصب ولأبوي ذر والوقت أدعو بحذفه (قال) ﵊ ولابن عساكر فقال: (ارفعوا طعامكم) ولأبي ذر والأصيلي فارفعوا بالفاء (وبقي ثلاثة رهط) لم يسموا (يتحدثون في البيت فخرج النبي ﷺ ¬) ليخرجوا (فانطلق إلى حجرة عائشة) ﵂ (فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله) وفي نسخة أبي ذر: رحمت الله بالتاء المجرورة كالتالية (فقالت) عائشة (وعليك السلام) وسقط لأبي ذر السلام (ورحمة الله. كيف وجدت أهلك) تريد زينب (بارك الله لك. فتقرى) بفتح الفوقية والقاف والراء المشددة مقصورًا من غير همز أي تتبع (حجر نسائه كلهن) بالجر تأكيد لنسائه (يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن) ولأبي ذر فيقلن الله كما قالت عائشة) ﵁ قالت عائشة: (ثم رجع النبي ﷺ فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون وكان النبي ﷺ شديد الحياء) ولذا لم يواجههم بالأمر بالخروج بل تشاغل بالسلام على أمهات المؤمنين ليفطنوا لمراده (فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة) ففطنوا لمراده فخرجوا (فما أدري آخبرته) بمد الهمزة في الفرع كأصله (أو أخبر) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول والشك من أنس (أن القوم خرجوا فرجع) ﵊ (حتى إذا وضع رجله) الشريفة (في أسكفة الباب) بضم الهمزة وسكون المهملة وضم الكاف وتشديد الفاء مفتوحة العتبة التي يوطأ عليها (داخلة) وفي نسخة داخله بهاء الضمير للباب (وأخرى خارجة) ولأبي ذر والأخرى بالتعريف خارجة بضمير الباب (أرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب) بعد قيام القوم. ٤٧٩٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُجَرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ صَبِيحَةَ بِنَائِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ وَيَدْعُو لَهُنَّ، وَيُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُونَ لَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ رَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الْحَدِيثُ، فَلَمَّا رَآهُمَا رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ، فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ بِخُرُوجِهِمَا أَمْ أُخْبِرَ، فَرَجَعَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ وَأَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعَ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله بن بكر) بفتح الموحدة وسون الكاف (السهمي) الباهلي البصري قال: (حدّثنا حميد) الطويل (عن أنس ﵁) أنه (قال: أولم رسول الله ﷺ حين بنى بزينب

стр. 3120

ابنة) ولأبي ذر بنت (جحش فأشبع الناس خبزًا ولحمًا ثم خرج) ﵊ والقوم جالسون يتحدثون بعد أن أكلوا (إلى حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع) ﵊ (صبيحة بنائه) أي صباحًا بعد ليلة الزفاف (فيسلم عليهن ويدعو لهن ويسلمن عليه ويدعون له) ولأبي ذر فيسلم عليهن ويسلمن عليه ويدعو لهن ويدعون له (فلما رجع إلى بيته رأى رجلين جرى بهما الحديث) في السابق فإذا ثلاثة. وأجاب البرماوي كالكرماني بأن مفهوم العدد لا اعتبار له والمحادثة كانت بينهما والثالث ساكن، وقال في الفتح: كان أحد الثلاثة فطن لمراد الرسول فخرج وبقي الاثنان (فلما رآهما رجع عن بيته فلما رأى الرجلان نبي الله ﷺ رجع عن بيته) وفهما مراده (وثبا مسرعين) قال أنس: (فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أخبر فرجع) ﵊ (حتى دخل البيت وأرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب) ظاهره كالسابق نزول الآية بعد قيام القوم إلا الثانية فقبله فأول بأنها نزلت حال قيامهم أي أنزلها الله وقد قاموا. (وقال ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بين الحكم بن أبي مريم المصري ولأبي ذر إبراهيم ابن أبي مريم شيخ المؤلّف وذكر إبراهيم غلط فاحش (أخبرنا يحيى) بن أيوب الغافقي المصري قال: (حدّثني) بالإفراد (حميد) الطويل أنه (سمع أنسًا) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) صرح حميد بالسماع من أنس فعنعنته غير مؤثرة. ٤٧٩٥ - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ مَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ أَمَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ. قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ، فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا: قَالَتْ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (زكريا بن يحيى) بن صالح البلخي الحافظ قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: خرجت سودة) بنت زمعة أم المؤمنين ﵂ (بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها) بضم الضاد المعجمة مبنيًّا للمفعول (وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب) ﵁ (فقال: يا سودة أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم وبعدها ألف حرف استفتاح ولأبي ذر أم بحذف الألف (والله ما تخفين علينا فانظر كيف تخرجين) ولعله قصد المبالغة في احتجاب أمهات المؤمنين بحيث لا يبدين أشخاصهن أصلًا ولو كن مستترات (قالت: فانكفأت) بالهمزة أي انقلبت حال كونها (راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وأنه) بالواو ولأبي ذر فإنه (ليتعشى وفي يده) ولأبوي ذر والوقت في يده بإسقاط الواو (عرق) بفتح العين وسكون الراء ثم قاف العظم الذي عليه اللحم (فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا قالت): أي عائشة (فأوحى الله إليه) ولأبي ذر فأوحي إليه بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (ثم رفع عنه) ما كان فيه من الشدة بسبب نزول الوحّي (وإن العرق) بفتح العين وسكون الراء (في يده ما وضعه) والجملة حالية (فقال: إنه) أي أن الشأن (قد أذن) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (لكنّ أن تخرجن لحاجتكن) دفعًا للمشقة ورفعًا للحرج، وفيه تنبيه على أن المراد بالحجاب التستر حتى لا يبدو من جسدهن شيء لا حجب أشخاصهن في البيوت والمراد بالحاجة البراز كما وقع في الوضوء من تفسير هشام بن عروة وقال الكرماني وتبعه البرماوي فإن قلت: قال ها هنا أنه كان بعد ما ضرب الحجاب، وقال في كتاب الوضوء في باب خروج النساء إلى البراز أنه قبل الحجاب قلت لعله وقع مرتين اهـ. ومراده أن خروج سودة للبراز وقول عمر لها ما ذكر وقع مرتين لا وقوع الحجاب، وقول الحافظ ابن حجر عقب جواب الكرماني، قلت: بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني وذكره العيني وأقره فيه نظر إذ ليس في الحديث ما يدل لذلك بل ولا أعلم أحدًا قال بتعدّد الحجاب. نعم يحتمل أن يكون مراده الحجاب الثاني بالنظر لإرادة عمر ﵁ أن يحتجبن في البيوت فلا يبدين أشخاصهن فوقع الإذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعًا للمشقة كما صرح هو به في الفتح وليس المراد نزول الحجاب مرتين

стр. 3121

على نوعين، وأما قوله أيضًا تقدم في كتاب الطهارة من طريق هشام بن عروة عن أبيه ما يخالف ظاهر رواية الزهري هذه عن عروة يعني رواية هذا الباب فليس كذلك فإن رواية هذا الباب إنما هي من طريق هشام بن عروة عن أبيه والسابقة المصرحة بالقبلية من طريق الزهري عن عروة فلعلّه سبق قلم. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله بعد ما ضرب الحجاب. ٩ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا * لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٤، ٥٥] (وقوله) تعالى يخاطب من أضمر نكاح عائشة بعده ﷺ : (﴿إن تبدوا﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين في قوله: إن تبدوا (﴿شيئًا﴾) تظهروا شيئًا من تزوّج أمهات المؤمنين على ألسنتكم (﴿أو تخفوه﴾) في صدوركم (﴿فإن الله كان بكل شيء عليمًا﴾) لا تخفى عليه خافية يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب أو نحن أيضًا نكلمهن من وراء حجاب فأنزل الله تعالى: (﴿لا جناح﴾) لا إثم (﴿عليهن في﴾) أن لا يحتجبن من (﴿آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن﴾) يعني النساء المؤمنات لا الكتابيات (﴿ولا ما ملكت أيمانهن﴾) من العبيد والإماء. وقال سعيد بن المسيب مما رواه ابن أبي حاتم إنما يعني به الإماء فقط وإنما لم يذكر العم والخال لأنهما بمنزلة الوالدين ولذلك سمى العم أبًا في قوله: ﴿وإله آبائك إبراهيم إسماعيل وإسحاق﴾، وقال عكرمة والشعبي فيما رواه ابن جرير عنه لأنهما ينعتانها لأبنائهما وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها. (﴿واتقين الله﴾) عطف على محذوف أي امتثلن ما أمرتن واتقين الله أن يراكن غير هؤلاء (﴿إن الله على كل شيء شهيدًا﴾) [الأحزاب: ٥٤، ٥٥] أي إنه تعالى شاهد عند اختلاء بعضكم ببعض فخلوتكم مثل ملئكم بشهادة الله فاتقوه فإنه شهيد على كل شيء فراقبوا الرقيب وسقط لأبي ذر من قوله: (﴿بكل شيء عليمًا﴾ إلى قوله: ﴿على كل شيء شهيدًا﴾ وقال بعده قوله: ﴿كان﴾ إلى قوله: ﴿شهيدًا﴾ وسقط لفظ باب لغيره. ٤٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ، بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَقُلْتُ: لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِين عَمُّكِ؟» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَقَالَ: «ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ» قَالَ عُرْوَةُ: فَلِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن عائشة ﵂ قالت: استأذن عليّ) بتشديد الياء أي طلب الإذن في الدخول عليّ (أفلح) بفتح الهمزة وسكون الفاء وبعد اللام المفتوحة حاء مهملة (أخو أبي القعيس) بضم القاف وفتح العين المهملة وبعد التحتية الساكنة مهملة واسمه وائل الأشعري (بعد ما أنزل الحجاب) آخر سنة خمس (فقلت: لا آذن له) بالمد ليس في اليونينية لفظ والله بعد فقلت (حتى أستأذن فيه النبي ﷺ فإن أخاه أبا القعيس ليس هو) الذي (أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل عليّ النبي ﷺ فقلت له: يا رسول الله) سقط لفظ له لأبي ذر (إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن) أي في الدخول عليّ (فأبيت أن آذن) بالمد وزاد أبو ذر له (حتى أستأذنك، فقال النبي) وفي نسخة فقال رسول الله (¬ ﷺ ¬): (وما منعك أن تأذنين) بالرفع بثبوت النون كقراءة: أن يتم الرضاعة شاذة بالرفع على إهمال أن الناصبة حملًا على ما أختها لاشتراكهما في المصدرية قاله البصريون ولم يجعلوها المخففة من الثقيلة لأنه لم يفصل بينها وبين الجملة الفعلية بعدها أو أن ما قبلها ليس بفعل علم ويقين، وقال الكوفيون هي المخففة من الثقيلة وشذ وقوعها موقع الناصبة كما شذ وقوع الناصبة موقعها، ولأبي ذر والأصيلي: أن تأذني بحذف النون للنصب (عمك) بالنصب على المفعولية أو بالرفع أي هو عمك (قلت: يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس فقال): ﵊ (ائذني له فإنه عمك تربت يمينك) كلمة تقولها العرب ولا يريدون حقيقتها إذ معناها افتقرت يمينك وقيل المعنى ضعف عقلك إذا قلت هذا أو تربت يمينك إن لم تفعلي. (قال عروة) بن الزبير بالسند المذكور (فلذلك) الذي قاله ﵊ (كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرمون من

стр. 3122

النسب) بالنون ولأبي ذر: ما تحرموا بحذفها من غير ناصب وهو لغة فصيحة كعكسه وقد اجتمع في هذا الحديث الأمران، وقال في فتح الباري: ومطابقة الآيتين للترجمة من قوله: (﴿لا جناح عليهن في آبائهن﴾) لأن ذلك من جملة الآيتين، وقوله في الحديث: ائذني له فإنه عمك مع قوله في الحديث الآخر: "العم صنو الأب" وبهذا يندفع اعتراض من زعم أنه ليس في الحديث مطابقة للترجمة أصلًا وكأن البخاري رمز بإيراد هذا الحديث إلى الردّ على من كره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها كما ذكرته عن عكرمة والشعبي فيما سبق هنا قريبًا، وهذا من دقائق ما ترجم به البخاري ﵀. وهذا الحديث قد سبق في الشهادات. ١٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: صَلَاةُ اللَّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلُّونَ: يُبَرِّكُونَ. لَنُغْرِيَنَّكَ: لَنُسَلِّطَنَّكَ (باب قوله) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله: (﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾) اختلف هل يصلون خبر عن الله وملائكته أو عن الملائكة فقط وخبر الجلالة محذوف لتغاير الصلاتين لأن صلاة الله غير صلاتهم أي أن الله يصلّي وملائكته يصلون إلا أن فيه بحثًا وذلك أنهم نصوا على أنه إذا اختلف مدلولا الخبرين فلا يجوز حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه وإن كانا بلفظ واحد فلا تقول زيد ضارب وعمرو يعني وعمرو ضارب في الأرض أي مسافر، وعبّر بصيغة المضارع ليدل على الدوام والاستمرار أي أنه تعالى وجميع ملائكته الذين لا يحصون بالعدّ ولا يحصرون بالحد يصلون عليه، وفيه الاعتناء بشرفه وتعظيم شأنه في الملأ الأعلى (﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾) أي اعتنوا أيها الملأ الأدنى بشرفه وتعظيمه أيضًا فإنكم أولى بذلك وقولوا: اللهم صل عليه (﴿وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقولوا السلام عليك أيها النبي وأكد السلام بالمصدر. واستشكل بأن الصلاة آكد منه فكيف أكده بالمصدر دونها؟ وأجيب: بأنها مؤكدة بأن وبإعلامه تعالى بأنه يصلي عليه وملائكته ولا كذلك السلام إذ ليس ثمّ ما يقوم مقامه أو أنه لما وقع تقديمها عليه لفظًا وللتقديم مزية في الاهتمام حسن تأكيد السلام لئلا يتوهم قلة الاهتمام به لتأخره، وأضيفت الصلاة إلى الله وملائكته دون السلام وأمر المؤمنون بهما فيحتمل أن يقال: إن السلام لما كان له معنيان التحية والانقياد فأمر به المؤمنون لصحتهما منهم والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد فلم يضف إليهم دفعًا للإيهام كذا أجاب الحافظ ابن حجر والأمر للوجوب في الجملة أو كلما ذكر الحديث "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ" رواه البخاري في الأدب والترمذي وحديث عليّ عند الترمذي وقال: حسن غريب صحيح: البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ أو في المجلس مرة لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم" رواه الترمذي. أو في العمر مرة واحدة لأن الأمر المطلق لا يقتضي تكرارًا والماهية تحصل بمرة وفي القعود آخر الصلاة بين التشهد والسلام قاله إمامنا الشافعي والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهي الأخيرة وإسحاق بن راهويه ونصه: إذا تركها عمدًا بطلت صلاته أو سهوا رجوت أن تجزئه، وابن الموّاز من المالكية واختاره ابن العرب منهم أيضًا، وألزم العراقي القائل بوجوبها كلما ذكر كالطحاوي أن يقول به في التشهد لتقدم ذكره ﵊ في التشهد وفيه ردّ على من زعم أن الشافعي شذ في ذلك كأبي جعفر الطبري والطحاوي وابن المنذر والخطابي كما حكاه القاضي عياض في الشفاء. وفي كتابي المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ما يكفي ويشفي وسقط لأبي ذر قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الخ وقال بعد ﴿على النبي﴾ الآية. وقد انتزع النووي من الآية الجمع بين الصلاة والسلام فلا يفرد أحدهما من الآخر. قال الحافظ ابن كثير: والأولى أن يقال ﷺ تسليمًا. (قال أبو العالية): رفيع بالتصغير ابن مهران الرياحي بكسر الراء بعدها تحتية وبعد الألف حاء مهملة مولاهم البصري أحد أئمة التابعين أدرك الجاهلية، ودخل على أبي بكر

стр. 3123

وصلى خلف عمر، وحفظ القرآن في خلافته توفي سنة تسعين في شوّال، وقال البخاري سنة ثلاث وتسعين (صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء) أخرجه ابن أبي حاتم. (قال) ولأبي ذر وقال (ابن عباس) ﵄ (يصلون) أي (يبركون) بتشديد الراء المكسورة أي يدعون له بالبركة. أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه، ونقل الترمذي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب الرحمة وصلاة الملائكة الاستغفار، وعن الحسن مما رواه ابن أبي حاتم أن بني إسرائيل سألوا موسى هل يصلّي ربك؟ قال: فكان ذلك كبر في صدر موسى فأوحى الله إليه أخبرهم أني أصلي وأن صلاتي أن رحمتي سبقت غضبي وهو في معجمي الطبراني الصغير والأوسط من طريق عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁ رفعه. قلت: يا جبريل أيصلّي ربك جل ذكره؟ قال: نعم. قلت: ما صلاته؟ قال: سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي. وعن أبي بكر القشيري مما نقله القاضي عياض: الصلاة على النبي ﷺ من الله تشريف وزيادة تكرمة وعلى من دون النبي رحمة. وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ﷺ وبين سائر المؤمنين حيث قال تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقال قبل ذلك في السورة هو الذي يصلّي عليكم وملائكته، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره. (﴿لنغرينك﴾) في قوله تعالى: ﴿والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم﴾ [الأحزاب: ٦٠] أي (لنسلطنك) عليهم بالقتال والإخراج قاله ابن عباس فيما وصله الطبري. ٤٧٩٧ - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (سعيد بن يحيى) ولأبي ذر زيادة ابن سعيد أو عثمان الأموي البغدادي قال: (حدّثنا أبي) يحيى قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين آخره راء ابن كدام (عن الحكم) بفتحتين ابن عيينة (عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن (عن كعب بن عجرة ﵁¬) أنه (قيل: يا رسول الله) القائل كعب بن عجرة كما أخرجه ابن مردويه ووقع السؤال أيضًا عن ذلك لبشير بن سعد والد النعمان بن بشير كما في حديث ابن مسعود عند مسلم (أما السلام عليك فقد عرفناه) بما علمتنا من أن نقول في التحيات: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وقد أمرنا الله في الآية بالصلاة والسلام عليك. وفي الترمذي من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: لما نزلت: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ الآية. قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام (فكيف الصلاة؟) زاد أبو ذر عليك أي علمنا كيف اللفظ به نصلي عليك كما علمتنا السلام، فالمراد بعدم علمهم الصلاة عدم معرفة تأديتها بلفظ لائق به ﵊، ولذا وقع بلفظ كيف التي يسئل بها عن الصفة، وفي حديث أبي مسعود البدري عند الإمام أحمد وأبي داود والنسائي والحاكم أنهم قالوا: يا رسول الله أما السلام فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ وبه استدلّ الشافعي على الوجوب في التشهد الأخير كلما مرّ (قال) ﵊: (قولوا اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد) والأمر للوجوب وقال قولوا ولم يقل قل لأن الأمر يقع للكل وإن كان السائل البعض (كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد) فعيل من الحمد بمعنى محمود وهو من تحمد ذاته وصفاته أو المستحق لذلك (مجيد) مبالغة بمعنى ماجد من المجد وهو الشرف (اللهم بارك) من البركة وهي الزيادة من الخير (على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) ولم يقل في الموضعين على إبراهيم بل قال كما صليت على آل إبراهيم وكما باركت على آل إبراهيم. ٤٧٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا التَّسْلِيمُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» قَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ: «عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ». [الحديث ٤٧٩٨ - طرفه في: ٦٣٥٨]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن الهاد) عبد الله بن أسامة الليثي (عن عبد الله بن خباب) بخاء معجمة مفتوحة فموحدتين الأولى مشددة بينهما ألف

стр. 3124

الأنصاري (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ أنه (قال: قلنا يا رسول الله هذا التسليم) بوزن التكليم أي قد عرفناه (فكيف نصلى عليك؟ قال): (قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل إبراهيم) وسقط كما صليت على آل إبراهيم (وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم) ذكر إبراهيم وأسقط آل إبراهيم. (قال أبو صالح) عبد الله كاتب الليث (عن الليث) بإسناده المذكور (على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم) يعني أن عبد الله بن يوسف لم يذكر آل إبراهيم عن الليث وذكرها أبو صالح عنه في الحديث المذكور. ٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ وَقَالَ: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ». وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي ابن محمد بن مصعب بن الزبير بن العوّام القرشي الزبيري قال: (حدّثنا ابن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة (والدراوردي) عبد العزيز بن محمد كلاهما (عن يزيد) هو ابن الهاد (وقال: كما صليت على إبراهيم) أي كما تقدمت منك الصلاة على إبراهيم فنسأل منك الصلاة على محمد بطريق الأولى لأن الذي يثبت للفاضل يثبت للأفضل بطريق الأولى، وبهذا يحصل الانفصال عن الإيراد المشهور وهو أن من شرط التشبيه أن يكون المشبه به أقوى ومحصل الجواب أن التشبيه ليس من باب إلحاق الكامل بالأكمل بل من باب التهييج ونحوه قاله في الفتح. ويأتي مزيد بحث لذلك إن شاء الله تعالى في كتاب الدعاء بعون الله وقوته ولم يذكر في هذه وعلى آل إبراهيم. (وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم) بإسقاط لفظ على في الآل في الموضعين وإثبات إبراهيم وآله في كما باركت، قيل: أصل آل أهل قلبت الهاء همزة ثم سهلت ولهذا إذا صغر ردّ إلى الأصل فقيل أهيل وقيل أصله أول من آل إذا رجع سمي بذلك من يؤول إلى الشخص ويضاف إليه ويقوّيه أنه لا يضاف إلى معظم فيقال آل القاضي ولا يقال آل الحجام بخلاف أهل، وقد يطلق آل فلان على نفسه وعليه وعلى من يضاف إليه جميعًا وضابطه أنه إذا قيل فعل آل فلان كذا دخل هو فيهم وإن ذكرا معًا فلا وهو كالفقير والمسكين والإيمان والإسلام، ولما اختلفت ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معًا وفي إفراد أحدهما كان أولى المحامل أن يحمل على أنه ﷺ قال ذلك كله ويكون بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، ويحتمل أن يكون بعض من اقتصر على آل إبراهيم بدون ذكر إبراهيم رواه بالمعنى بناء على دخول إبراهيم في قوله: آل إبراهيم كما تقدم، ووقع في أحاديث الأنبياء من البخاري في ترجمة إبراهيم ﵇ من طريق عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وكذا في قوله: كما باركت، وغفل عنه ابن القيم فزعم أن أكثر الأحاديث بل كلها مصرحة بذكر محمد وآل محمد وبذكر آل إبراهيم فقط أو بذكر إبراهيم فقط قال: ولم يجيء في حديث صحيح بلفظ إبراهيم وآل إبراهيم معًا، وإنما أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن السباق عن رجل من بني الحارث عن ابن مسعود ويحيى مجهول وشيخه مبهم فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قوي لكنه موقوف على ابن مسعود قاله في الفتح. ويأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الدعاء مزيد لذلك بعون الله وقوته. ١١ - باب قَوْلِهِ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] (قوله: ﴿لا تكونوا﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى: لا تكونوا (﴿كالذين آذوا موسى﴾) [الأحزاب: ٦٩] أي لا تؤذوا رسول الله ﷺ كما آذى بنو إسرائيل موسى. ٤٧٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾». وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (روح بن عبادة) بفتح الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة وعبادة بضم العين وتخفيف الموحدة البصري قال: (حدّثنا عوف) هو ابن أبي جميلة عرف بالأعرابي (عن الحسن) هو البصري (ومحمد) هو ابن سيرين (وخلاس) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وبعد الألف

стр. 3125

مهملة ابن عمرو الهجري البصري الثلاثة (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (إن موسى) ﵊ (كان رجلًا حييًّا) بفتح الحاء المهملة وكسر التحتية الأولى وتشديد الثانية أي كثير الحياء. زاد في أحاديث الأنبياء ستيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر موسى هذا التستر إلا بعيب في جلده إما برص وإما أدرة وإما آفة وأن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وأن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه فطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله وبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربًا بالعصا فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا. (وذلك قوله تعالى): محذرًا أهل المدينة أن يؤذوا رسول الله كما آذى بنو إسرائيل موسى (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله﴾) فأظهر الله براءته (﴿مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾) أي كريمًا ذا جاه وما مصدرية أو بمعنى الذي. وسبق في أحاديث الأنبياء أن خلاسًا والحسن لم يسمعا من أبي هريرة. وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا جدًّا وذكره تامًّا في أحاديث الأنبياء. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [٣٤] سورة سَبَأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يُقَالُ ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مُسَابِقِينَ. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: بِفَائِتِينَ. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مُغَالِبِينَ. ﴿سَبَقُوا﴾: فَاتُوا. ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾: لَا يَفُوتُونَ. ﴿يَسْبِقُونَا﴾: يُعْجِزُونَا. قَوْلُهُ ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: بِفَائِتِينَ وَمَعْنَى. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مُغَالِبِينَ. يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ. ﴿مِعْشَارٌ﴾: عُشْرٌ. ﴿الأُكُلُ﴾: الثَّمَرُ. ﴿بَاعِدْ﴾: وَبَعِّدْ: وَاحِدٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿لَا يَعْزُبُ﴾: لَا يَغِيبُ. ﴿الْعَرِمُ﴾: السُّدُّ مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ اللَّهُ فِي السُّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الْوَادِيَ فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنْبَيْنِ وَغَابَ عَنْهُمَا الْمَاءُ فَيَبِسَتَا، وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الأَحْمَرُ مِنَ السُّدِّ وَلَكِنْ كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ ﴿الْعَرِمُ﴾: الْمُسَنَّاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿الْعَرِمُ﴾: الْوَادِي. (السَّابِغَاتُ) الدُّرُوعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَهَلْ يُجَازَى﴾: يُعَاقَبُ. ﴿أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾: بِطَاعَةِ اللَّهِ. ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾: وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ. ﴿التَّنَاوُشُ﴾: الرَّدُّ مِنَ الآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا. ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾: مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ. ﴿بِأَشْيَاعِهِمْ﴾: بِأَمْثَالِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. (كَالْجَوَابِ): كَالْجَوْبَةِ مِنَ الأَرْضِ. (الْخَمْطُ): الأَرَاكُ. (وَالأَثَلُ): الطَّرْفَاءُ. (الْعَرِمُ): الشَّدِيدُ. ٣٤ - [سَبَأ] مكية، وقيل: إلا ﴿ويرى الذين أُوتوا العلم﴾ [سبأ: ٥٦] الآية وآيها خمس وخمسون، ولأبي ذر: سورة سبأ. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر كلفظ سورة. (يقال ﴿معاجزين﴾) بألف بعد العين وهي قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو أي (مسابقين) كي يفوتونا قاله أبو عبيدة. (﴿بمعجزين﴾) في قوله في العنكبوت: ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ [العنكبوت: ٢٢] (بفائتين) أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير نحوه (﴿معاجزين﴾) بالألف أي (مغالبين) كذا وقع لغير أبي ذر وسقط له (﴿معاجزيّ﴾) بالألف وسقوط النون مشدد التحتية أي (مسابقيّ) كذا لأبوي الوقت وذر وابن عساكر وسقط لكريمة والأصيلي (﴿سبقوا﴾) أي في قوله في الأنفال: ﴿ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا﴾ [الأنفال: ٥٩] أي (فأتوا) أنهم (﴿لا يعجزون﴾) أي (لا يفوتون) قاله أبو عبيدة في المجاز. (﴿يسبقونا﴾) في قوله تعالى: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا﴾ [العنكبوت: ٤] أي (يعجزونا) بسكون العين (قوله) ولأبي ذر وقوله (﴿بمعجزين﴾) بالقصر وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير أي (بفائتين ومعنى ﴿معاجزين﴾) بالألف (مغالبين) كذا وقع مكررًا وسقط لغير أبي ذر (يريد كل واحد منهما أن يظهر عجز صاحبه) يريد أنه من باب المفاعلة بين اثنين. (﴿معشار﴾) في قوله تعالى: ﴿وما بلغوا معشار ما آتيناهم﴾ [سبأ: ٤٥] معناه (عُشر) بنى مفعال من لفظ العشر كالمرباع ولا ثالث لهما من ألفاظ العدد فلا يقال مسداس ولا مخماس. (الأُكل) بضم الكاف في قوله تعالى: ﴿ذواتى أُكل خمط﴾ [سبأ: ١٦] هو (الثمر) ولأبي ذر يقال الأكل الثمرة قال أبو عبيدة: الأكل الجنى بفتح الجيم مقصورًا وهو بمعنى الثمرة. (﴿باعد﴾) بالألف وكسر العين في قوله تعالى: ﴿فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا﴾ [سبأ: ١٩] (وبعّد) بدون ألف وتشديد العين وهذه قراءة أبي عمرو وابن كثير وهشام (واحد) في المعنى إذ كل منهما فعل طلب ومعنى الآية أنهم لما بطروا نعمة ربهم وسألوا انتعالها جازاهم جزاء مَن كفر نِعمه إلى أن صاروا مثلًا فقيل تفرّقوا أيادي سبأ كما قال تعالى: ﴿فجعلناهم أحاديث﴾ [سبأ: ١٩]. (وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي فبقوله تعالى: (﴿لا يعزب﴾) أي (لا يغيب) ﴿عنه مثقال ذرة﴾ [سبأ: ٣]. (﴿العرم﴾) في قوله تعالى: ﴿فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم﴾ [سبأ: ١٦] هو (السدّ) بضم السين وفتحها وتشديد الدال المهملتين الذي يحبس الماء بنته بلقيس وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم فمرت به فسدّ، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني سيل العرم السدّ وله عن

стр. 3126

الحموي الشديد بشين معجمة بوزن عظيم السيل (ماء أحمر أرسله في السدّ) ولأبي ذر أرسله الله في السدّ بفتح سين السد فيهما في اليونينية (فشقه وهدمه وحفر الوادي فارتفعتا عن الجنبين) بفتح الجيم والموحدة بينهما نون ساكنة، ولأبي ذر عن الحموي بفتح الجنبتين بفتح الجيم والنون والموحدة والفوقية وسكون التحتية وفي نسخة نسبها في الفتح للأكثرين الجنتين بتشديد النون بغير موحدة تثنية جنة. قال الكرماني: فإن قلت: القياس أن يقال ارتفعت الجنتان عن الماء. وأجاب: بأن المراد من الارتفاع الانتقال والزوال يعني ارتفع اسم الجنة عنهما فتقديره ارتفعت الجنتان عن كونهما جنة. قال في الكشاف وتبعه في الأنوار وتسمية البدل جنتين على سبيل المشاكلة. (وغاب عنهما) عن الجنتين (الماء فيبستا) لطغيانهم وكفرهم وإعراضهم عن الشكر (ولم يكن الماء الأحمر من السد) وللمستملي من السيل. (ولكن) ولأبي ذر ولكنه (كان عذابًا أرسله الله عليهم من حيث شاء) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي. (وقال عمرو بن شرحبيل): بفتح العين وسكون الميم وشرحبيل بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة بعدها موحدة مكسورة فتحتية ساكنة فلام الهمداني الكوفي فيما وصله سعيد بن منصور (﴿العرم﴾ المسناة) بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد النون وضبطه في اليونينية بضم الميم والهاء من غير ضبط على السين ولا نقط على الهاء وفي آل ملك المسناة بضم الميم وسكون السين ونقط الهاء وضبط في أصل الأصيلي كما قال في الفتح المسناة بفتح الميم وسكون المهملة (بلحن أهل اليمن) بسكون الحاء في الفرع، وقال في المصابيح بفتحها أي بلغتهم وكانت هذه المسناة تحبس على ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض ومن دونها بركة ضخمة فيها اثنا عشر مخرجًا على عدّة أنهارهم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء وإذا استغنوا سدّوها، فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن فاحتبس السيل من وراء السد فتأمر بلقيس بالباب الأعلى فيفتح فيجري ماؤه في البركة فكانوا يستقون من الأول ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفد الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة فكانت تقسمه بينهم على ذلك فبقوا على ذلك بعدها مدة فلما طغوا وكفروا سلّط الله عليهم جرذًا يسمى الخُلْد فثقب السدّ من أسفله فغرّق الماء جنانهم وخرب أرضهم. (وقال غيره): غير ابن شرحبيل (﴿العرم﴾) هو (الوادي) الذي فيه الماء وهذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه. (السابغات) في قوله تعالى: ﴿أن اعمل سابغات﴾ [سبأ: ١١] هي (الدروع) الكوامل واسعات طِوالًا تسحب في الأرض. ذكر الصفة ويعلم منها الموصوف. (وقال مجاهد) في قوله تعالى: (﴿وهل يجازى﴾) أي (يعاقب) يقال في العقوبة يجازى وفي المثوبة يجزي. قال الفراء المؤمن يجزى ولا يجازى أي يجزى الثواب بعمله ولا يكافأ بسيئاته كذا نقل. (﴿أعظكم بواحدة﴾) أي (بطاعة الله) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي. (﴿مثنى وفرادى﴾) أي (واحد واثنين) فإن الازدحام يشوّش الخاطر والمعروف في تفسير مثله التكرير أي واحد واحد واثنين اثنين. (﴿التناوش﴾) هو (الرد من الآخرة إلى الدنيا). قال: تمنى أن يؤوب إلى دناه … وليس إلى تناوشها سبيل (﴿وبين ما يشتهون﴾) أي (من مال أو ولد أو زهرة) في الدنيا أو إيمان أو نجاة به. كما فعل (﴿بأشياعهم﴾) أي (بأمثالهم) من كفرة الأمم الدارجة فلم يقبل منهم الإيمان حين اليأس. (وقال ابن عباس): مما تقدم في أحاديث الأنبياء (كالجواب) بغير تحتية ولأبي ذر كالجوابي بإثباتها أي (كالجوبة من الأرض) بفتح الجيم وسكون الواو أي الموضع المطمئن منها هذا لا يستقيم لأن الجوابي جمع جابية كضاربة وضوارب فعينه موحدة فهو مخالف للجوبة من حيث إن عينه واو فلم يرد أن اشتقاقهما واحد والجابية الحوض العظيم سميت بذلك لأنه يجبى إليها الماء أي يجتمع قيل كان

стр. 3127

يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها. (الخمط) هو (الأراك) أي الشجر الذي يستاك بقضبانه (والأثل) هو (الطرفاء) قاله ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم (العرم) أي (الشديد) من العرامة وهي الشراسة والصعوبة وقد مرّ. ١ - باب قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾) [سبأ: ٢٣] قال في الأنوار هذا غاية لمفهوم الكلام من أن ثمّ توقفًا وانتظارًا للإذن أي يتربصون فزعين حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بالإذن، وقيل الضمير للملائكة وقد تقدم، ذكرهم ضمنًا واختلف في الموصوفين بهذه الصفة فقيل هم الملائكة عند سماع الوحي. (﴿قالوا ماذا قال ربكم﴾) جواب إذا فزع (﴿قالوا﴾) أي المقرّبون من الملائكة كجبريل قال ربنا القول (﴿الحق وهو العلي الكبير﴾ [سبأ: ٢٣]) إشارة إلى أنه الكامل في ذاته وصفاته. ٤٨٠٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: لِلَّذِي قَالَ: الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ». وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَّفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ «فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ». وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) هو ابن عيينة قال: (حدّثنا عمرو) هو ابن دينار (قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة) ﵁ (يقول: إن نبي الله ﷺ قال): (إذا قضى الله الأمر في السماء) وفي حديث النواس بن سمعان عند الطبراني مرفوعًا إذا تكلم الله بالوحي (ضربت الملائكة بأجنحتها) حال كونها (خضعانًا) بضم الخاء المعجمة أي خاضعين طائعين وهذا مقام رفيع في العظمة (لقوله) تعالى: (كأنه) أي القول المسموع (سلسلة على صفوان) حجر أملس فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة (فإذا فزع عن قلوبهم قالوا) أي الملائكة بعضهم لبعض (﴿ماذا قال ربكم قالوا﴾) للذي قال يسأل قال الله القول (﴿الحق وهو العلي الكبير﴾ فيسمعها) أي المقالة (مسترق السمع ومسترق السمع) بالإفراد فيهما. واستشكله الزركشي وصوب الجمع في الموضعين، وأجاب في المصابيح بأنه يمكن جعله لمفرد لفظًا دالّ على الجماعة معنى أي فيسمعها فريق مسترق السمع وفريق سترق السمع مبتدأ خبره قوله (هكذا بعضه فوق بعض ووصف) ولابن عساكر وصف بإسقاط الواو ولأبي ذر صفة بهاء الضمير (سفيان) بن عيينة (بكفه فحرفها) بحاء مهملة وراء مشددة ثم فاء (وبدد) أي فرق (بين أصابعه فيسمع) المسترق (الكلمة) من الوحي (فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها) في الفرع يلقيها بجزمة فوق الياء وفي غيره بنصبة (على لسان الساحر أو الكاهن). وعند سعد بن منصور عن سفيان على الساحر والكاهن (فربما أدرك الشهاب) أي المسترق (قبل أن يلقيها) أي المقالة إلى صاحبه (وربما ألقاها قبل أن يدركها) أي الشهاب (فيكذب) الذي تلقاها (معها) مع تلك المقالة (مائة كذبة) بفتح الكاف وسكون الذال المعجمة (فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فيصدق) بفتح الصاد والدال (بتلك الكلمة التي سمعت من السماء) وسقطت التاء من سمعت لغير أبي ذر والأصيلي وابن عساكر والأولى إثباتها. وسبق الحديث في سورة الحجر، ويأتي إن شاء الله تعالى بقية مباحثه في محله بعون الله وقوّته. ٢ - باب ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ [سبأ: ٤٦]) يوم القيامة. ٤٨٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «يَا صَبَاحَاهْ»، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ قَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي»؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن خازم) بالخاء والزاي المكسورة المعجمتين أبو معاوية الضرير قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن عروة بن مرّة) بضم الميم وتشديد الراء (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: صعد النبي ﷺ الصفا ذات يوم فقال): (يا صباحاه) بسكون الهاء في الفرع مصححًا عليه وفي غيره بضمها. قال أبو السعادات: هذه كلمة يقولها المستغيث وأصلها إذا صاحوا للغارة لأنهم أكثر ما كانوا يُغيرون عند الصباح ويسمون يوم الغارة يوم الصباح فكان القائل يا صباحاه يقول قد غشينا العدوّ، وقيل إن المتقاتلين كانوا إذا جاء الليل يرجعون عن القتال فإذا عاد النهار عاودوه فكأنه يريد بقوله يا صباحاه قد جاء وقت الصباح فتأهبوا للقتال

стр. 3128

(فاجتمعت إليه قريش. قالوا) ولأبي ذر فقالوا (ما لك؟ قال) ولأبي ذر فقال: (أرأيتم) أي أخبروني (لو أخبرتكم أن العدوّ يصبحكم أو يمسيكم أما) بالتخفيف (كنتم تصدقوني) ولأبي ذر تصدقونني بنونين (قالوا: بلى) نصدقك (قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) أي قدامه (فقال أبو لهب: تبًّا لك ألهذا جمعتنا فأنزل الله) تعالى (﴿تبت﴾) أي خسرت أو هلكت (﴿يد أبي لهب﴾). وهذا الحديث سبق بالشعراء. [٣٥] سورة الْمَلَائِكَةُ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الْقِطْمِيرُ لِفَافَةُ النَّوَاةِ. مُثْقَلَةٌ: مُثَقَّلَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ. وَغَرَابِيبُ سُودٌ أَشَدُّ سَوَادٍ الْغِرْبِيبُ. ([٣٥] سورة الْمَلَائِكَةُ) مكية وآيها خمس وأربعون، ولأبي ذر سورة الملائكة ويس. (بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطت البسملة لغير أبي ذر. (قال مجاهد) فيما وصله الفريابي (القطمير) هو (لفافة النواة) وهو مثل في القلة كقوله: وأبوك يخصف نعله متورّكًا … ما يملك المسكين من قطمير وقيل: هو القمع، وقيل: ما بين القمع والنواة وسقط لأبي ذر قال مجاهد. (مثقلة) بالتخفيف أي (مثقلة) بالتشديد أي وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب نفسًا إلى حملها فحذف المفعول به للعلم به. (وقال غيره) غير مجاهد في قوله: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١] (الحرور بالنهار مع الشمس) عند شدة حرّها. (وقال ابن عباس) في تفسير الحرور (الحرور بالليل والسموم) بفتح المهملة (بالنهار) ونقله ابن عطية عن رؤبة وقال: ليس بصحيح بل الصحيح ما قاله الفرّاء وذكره في الكشاف الحرور السموم إلا أن السموم بالنهار والحرور فيه وفي الليل. قال في الدر: وهذا عجيب منه كيف يرد على أصحاب اللسان يقول من يأخذ عنهم، وسقط لأبي ذر من قوله مثقلة إلى آخره والسموم بالنهار. ﴿وغرابيب سود﴾ [فاطر: ٢٧] (أشد سوادًا الغربيب) بكسر الغين المعجمة عطف على حمر عطف ذي لون على ذي لون أو عطف على بيض أو على جدد ولم يقل بعد غرابيب سود مختلف ألوانها كما قال ذلك بعد بيض وحمر، لأن الغربيب البالغ في السواد فصار لونًا واحدًا غير متفاوت بخلاف السابق، ولغير أبي ذر الشديد السواد، فغرابيب جمع غربيب وغربيب هو الشديد السواد المتناهي فيه فهو تابع للأسود كقان وناصع ويقق، ومن ثم قال بعضهم: إنه على التقديم والتأخير. يقال: أسود غربيب والبصريون يخرجون هذا وأمثاله على أن الثاني بدل من الأول. قال الجوهري: وتقول هذا أسود غربيب أي شديد السواد وإذا قلت غرابيب سود تجعل السود بدلًا من غرابيب لأن توكيد الألوان لا يتقدم، وما ذكره المؤلّف من هذا التفسير أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، ولأبي ذر: هنا. وقال مجاهد: يا حسرة على العباد وكان حسرة عليهم استهزاؤهم بالرسل من مثله من الأنعام فكِهون معجبون سورة يس بسم الله الرحمن الرحيم وقال ابن عباس طائركم عند الله مصائبكم ينسلون يخرجون باب بالتنوين ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨] فعززنا فشددنا كذا ثبت في الفرع وأصله هنا وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. [٣٦] سورة يس وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿فَعَزَّزْنَا﴾: شَدَّدْنَا. ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾: وَكَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمُ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾: لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ. ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾: يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَيْنِ. ﴿نَسْلَخُ﴾: نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾: مِنَ الأَنْعَامِ. ﴿فَكِهُونَ﴾: مُعْجَبُونَ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: عِنْدَ الْحِسَابِ. وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿الْمَشْحُونِ﴾: الْمُوقَرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. ﴿طَائِرُكُمْ﴾: مَصَائِبُكُمْ. ﴿يَنْسِلُونَ﴾: يَخْرُجُونَ. ﴿مَرْقَدِنَا﴾: مَخْرَجِنَا. ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾: حَفِظْنَاهُ. ﴿مَكَانَتُهُمْ﴾ وَمَكَانُهُمْ: وَاحِدٌ. ([٣٦] سورة يس) مكية وآيها ثلاث وثمانون: (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿فعززنا﴾) أي (شددنا) بتشديد الدال الأولى وتسكين الثانية والمفعول محذوف أي فشددناهما بثالث. (﴿يا حسرة على العباد﴾) [يس: ٣٠] و (كان حسرة عليهم) أي في الآخرة (استهزاؤهم بالرسل) أي في الدنيا واستهزاؤهم رفع اسم كان وحسرة خبرها، وهذا أخرجه الفريابي عن مجاهد أيضًا والمعنى هم أحقّاء بأن يتحسر عليهم المتحسّرون أو يتلهف عليهم المتلهفون أو متحسّر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين وأن يكون من قول الله

стр. 3129

تعالى على سبيل الاستعارة تعظيمًا للأمر وتهويلًا له فيكون كالوارد في حق الله تعالى من الضحك والسخرية ونصب يا حسرة على المصدر والمنادى محذوف أي يا هؤلاء تحسروا حسرة. (﴿أن تدرك القمر﴾) في قوله: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ [يس: ٤٠] أي (لا يستر ضوء أحدهما ضوء الآخر ولا ينبغي لهما ذلك) أي أن يستر أحدهما الآخر لأن لكلٍّ منهما حدًّا لا يعدوه ولا يقصر دونه إلا عند قيام الساعة وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الحسن في قوله لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر قال ذلك ليلة الهلال. (﴿سابق النهار﴾) في قوله: ﴿ولا الليل سابق النهار﴾ [يس: ٤٠] أي (يتطالبان) حال كونهما (حثيثين) فلا فترة بينهما بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخٍ لأنهما مسخّران يتطالبان طلبًا حثيثًا فلا يجتمعان إلا في وقت قيام الساعة. (﴿نسلخ﴾) أي (نخرج أحدهما من الآخر) قال في اللباب: نسلخ استعارة بديعة شبه انكشاف ظلمة الليل بكشط الجلد من الشاة (ويجري كل واحد منهما) لمستقر إلى أبعد مغربه فلا يتجاوزه ثم يرجع أو المراد بالمستقر يوم القيامة فالجريان في الدنيا غير منقطع. (﴿من مثلها﴾) في قوله تعالى: ﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾ [يس: ٤٢] أي (من الأنعام) كالإبل فإنها سفائن البر وهذا قول مجاهد وقال ابن عباس السفن وهو أشبه بقوله وإن نشأ نغرقهم لأن الغرق في الماء. (﴿فكهون﴾) في قوله تعالى: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون﴾ [يس: ٥٥] بغير ألف بعد الفاء وبها قرأ أبو جعفر أي (معجبون) بفتح الجيم وفي رواية غير أبي ذر فاكهون بالألف وهي قراءة الباقين وبينهما فرق بالمبالغة وعدمها. (﴿جند محضرون﴾) [يس: ٧٥] أي (عند الحساب) قال ابن كثير: يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة محضرة عند حساب عابديها ليكون ذلك أبلغ في خزيهم وأدل في إقامة الحجة عليهم. (ويذكر) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول (عن عكرمة) مولى ابن عباس في قوله تعالى: ﴿في الفلك (المشحون﴾) [يس: ٤١] هو (الموقر) بضم الميم وسكون الواو وبعد القاف المفتوحة راء (وقال ابن عباس) في قوله: (﴿طائركم﴾) أي (مصائبكم) وعنه فيما وصله الطبري أعمالكم أي حظكم من الخير والشر. (﴿ينسلون﴾) [يس: ٥١] أي (يخرجون) قاله ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم. (﴿مرقدنا﴾) أي (مخرجنا) وقال ابن كثير: يعنون قبورهم التي كانوا في الدنيا يعتقدون أنهم لا يبعثون منها فلما عاينوا ما كذبوه في محشرهم ﴿قالوا يا ويلنا مَن بعثنا من مرقدنا﴾ [يس: ٥٢] اهـ. وقال ابن عباس وقتادة إنما يقولون هذا لأن الله يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل. (﴿أحصيناه﴾) في قوله: ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ [يس: ١٢] أي (حفظناه) في اللوح المحفوظ. (﴿مكانتهم﴾ ومكانهم واحد) في المعنى ومراده قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم﴾ [يس: ٦٧] والمعنى لو نشاء جعلناهم قردة وخنازير في منازلهم أو حجارة وهم قعود في منازلهم لا أرواح لهم وسقط لأبي ذر من قوله أن تدرك القمر إلى آخر قوله واحد. ١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ هذا (باب) بالتنوين (قوله: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾) الواو للعطف على الليل واللام في لمستقر بمعنى إلى والمراد بالمستقر إما الزماني وهو منتهى سيرها وسكون حركتها يوم القيامة حين تكور وينتهي هذا العالم إلى غايته، وإما المكاني وهو ما تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب وهي أينما كانت فهي تحت العرش كجميع المخلوقات لأنه سقفها وليس بكرة كما يزعمه كثير من أهل الهيئة بل هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، أو المراد غاية ارتفاعها في كبد السماء فإن حركتها إذ ذاك يوجد فيها إبطاء بحيث يظن أن لها هناك وقفة والثاني أنسب بالحديث المسوف في الباب (﴿ذلك﴾) إشارة إلى جري الشمس على هذا التقدير أو إلى المستقر (﴿تقدير العزيز﴾) الغالب بقدرته على كل مقدور (﴿العليم﴾) [يس: ٣٨] المحيط علمه بكل معلوم وسقط باب لغير أبي ذر والآية لأبي ذر ساقطة. ٤٨٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾» [يس: ٣٨]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين

стр. 3130

قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) بن يزيد (التيمي) الكوفي (عن أبيه) يزيد (عن أبي ذر) جندب الغفاري (﵁) أنه (قال: كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غروب الشمس فقال): (يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس)؟ استفهام أُريد به الإعلام (قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش) أي تنقاد للباري تعالى انقياد المساجد من المكلفين أو شبّهها بالساجد عند غروبها. قال ابن كثير: والعرش فوق العالم مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب إلى العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام وهو وقت نصف الليل صارت أبعد ما يكون من العرش فحينئذٍ تسجد وتستأذن في الطلوع أي من المشرق على عادتها فيؤذن لها (فذلك قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾). ٤٨٠٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ». وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجراح قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم التيمي عن أبيه) يزيد بن شريك (عن أبي ذر) الغفاري ﵁ أنه (قال: سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾ قال) ﵊: (مستقرها تحت العرش). قال الخطابي: يحتمل أن يكون على ظاهره من الاستقرار تحت العرش بحيث لا نحيط به نحن ويحتمل أن يكون المعنى إن علم ما سألت عنه من مستقرها تحت العرش في كتاب كتبت فيه مبادئ أمور العالم ونهايتها وهو اللوح المحفوظ. والحديث أخرجه المؤلّف في مواضع، والنسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي نعيم شيخ المؤلّف فيه ولفظه تذهب حتى تنتهي تحت العرش عند ربها، وزاد ثم تستأذن فيؤذن له ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها وتستشفع وتطلب فإذا كان كذلك قيل لها اطلعي من مكانك فذلك قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾. [٣٧] سورة الصَّافَّاتِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ. ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: مِنْ كُلِّ مَكَانٍ. ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾: يُرْمَوْنَ. ﴿وَاصِبٌ﴾: دَائِمٌ. ﴿لَازِبٌ﴾: لَازِمٌ. ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾: يَعْنِي الْحَقَّ. الْكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلشَّيْطَانِ. ﴿غَوْلٌ﴾: وَجَعُ بَطْنٍ. ﴿يُنْزَفُونَ﴾: لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ. ﴿قَرِينٌ﴾: شَيْطَانٌ. ﴿يُهْرَعُونَ﴾: كَهَيْئَةِ الْهَرْوَلَةِ. ﴿يَزِفُّونَ﴾: النَّسَلَانُ فِي الْمَشْيِ. ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: سَتُحْضَرُ لِلْحِسَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: الْمَلَائِكَةُ. ﴿صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾: سَوَاءِ الْجَحِيمِ، وَوَسَطِ الْجَحِيمِ. ﴿لَشَوْبًا﴾: يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ بِالْحَمِيمِ. ﴿مَدْحُورًا﴾: مَطْرُودًا. ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ. ﴿وَيُقَالُ يَسْتَسْخِرُونَ﴾: يَسْخَرُونَ. ﴿بَعْلًا﴾: رَبًّا. ﴿الأَسْبَابُ﴾: السَّمَاءُ. ([٣٧] سورة الصَّافَّاتِ) مكية وآيها إحدى أو اثنتان وثمانون، ولأبي ذر: سورة والصافات بسم الله الرحمن الرحيم وسقطت البسملة لغير أبي ذر. (وقال مجاهد) في قوله تعالى بسورة سبأ: (﴿ويقذفون﴾) بفتح أوله وكسر ثالثه (﴿بالغيب من مكان بعيد﴾) [سبأ: ٥٣] أي (من كل مكان)، وعند ابن أبي حاتم عنه من مكان بعيد يقولون هو ساحر هو كاهن هو شاعر، وقال مجاهد أيضًا في قوله: (﴿ويقذفون من كل جانب﴾) [الصافات: ٨] بالصافات أي (يرمون) وفي نسخة من كل جانب دحورًا يرمون أي يرمون من كل جانب من جوانب السماء إذا قصدوا صعوده ودحروا علة الطرد أي للدحور فنصبه على أنه مفعول له. ولهم عذاب (﴿واصب﴾) [الصافات: ٩] أي (دائم) وقيل شديد. (﴿لازب﴾) في قوله: ﴿إنّا خلقناهم من طين لازب﴾ [الصافات: ١١] معناه (لازم) بالميم بدل الموحدة ومنه قول النابغة: ولا تحسبون الشر ضربة لازب بالموحدة أي لازم بالميم فهما بمعنى لأنه يلزم اليد أي يلصق بها وقيل بالموحدة اللزج وأكثر أهل اللغة على أن الباء في لازب بدل من الميم وهذا كله ساقط في رواية أبي ذر (تأتوننا عن اليمين يعني الحق) أي الصراط الحق فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق، ولأبي ذر عن الكشميهني يعني الجن بالجيم والنون المشدّدة والمراد به بيان المقول لهم وهم الشياطين وبالأول تفسير لفظ اليمين واليمين هنا استعارة عن الخيرات والسعادات لأن الجانب الأيمن أفضل من الأيسر إجماعًا، وعن اليمين حال من فاعل تأتوننا، والمراد بها الجارحة عبّر بها عن القوّة وإما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يمسح كلٌّ منهما يمين الآخر فالتقدير على الأول تأتوننا أقوياء وعلى الثاني مقسمين حالفين (الكفار تقوله للشيطان) وفي نسخة للشياطين بالجمع وقد كانوا يحلفون لهم أنهم على الحق. (﴿غول﴾) أي (وجع البطن) وبه قال قتادة، وقال الليث: صداع ﴿ولا هم عنها﴾ (﴿ينزفون﴾) [الصافات: ٤٧] أي (لا تذهب عقولهم) وينزفون

стр. 3131

بضم أوّله وفتح الزاي من نزف الرجل ثلاثيًّا مبنيًّا للمفعول بمعنى سكر وذهب عقله وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي من أنزف الرجل إذا ذهب عقله من السكر. (﴿قرين﴾) [الصافات: ٥١] أي (شيطان) أي في الدنيا ينكر البعث ويوبخني على التصديق بالبعث والقيامة وسقط لأبي ذر من قوله (غول) إلى هنا. (﴿يهرعون﴾) في قوله: ﴿فهم على آثارهم يهرعون﴾ [الصافات: ٧٠] (كهيئة الهرولة) والمعنى أنهم يتبعون آباءهم اتباعًا في سرعة كأنهم مزجون على الإسراع على أثرهم فكأنهم بادروا إلى ذلك من غير توقف على نظر وبحث. (﴿يزفون﴾) في قوله: ﴿فأقبلوا إليه يزفون﴾ [الصافات: ٩٤] هو (النسلان) بفتحتين الإسراع (في المشي) مع تقارب الخطا وهو دون السعي. (﴿وبين الجنة نسبًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] (قال كفار قريش: الملائكة بنات الله) فقال أبو بكر الصديق فمن أمهاتهم؟ فقالوا: (وأمهاتهم بنات سروات الجن) بفتح السين والراء أي بنات خوّاصهم، وعن ابن عباس هم حيّ من الملائكة يقال لهم الجن منهم إبليس، وقيل هم خزان الجنة. قال الإمام فخر الدين: وهذا القول عندي مشكل لأن الله تعالى أبطل قولهم إن الملائكة بنات الله ثم عطف عليه قوله: وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا والعطف يقتضي كون المعطوف مغايرًا للمعطوف عليه فوجب أن يكون المراد من الآية غير ما ذكر، وأما قول مجاهد الملائكة بنات الله الخ فبعيد لأن المصاهرة لا تسمى نسبًا. وحكى ابن جرير الطبري عن العوفي عن ابن عباس قال: زعم أعداء الله أن الله تعالى هو وإبليس أخوان. ذكره ابن كثير، وزاد الإمام فخر الدين: فالله هو الحر الكريم وإبليس هو الأخ الشريد ونسبه لقول بعض الزنادقة وقال: إنه أقرب الأقاويل في هذه الآية. (وقال الله تعالى: ﴿ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون﴾) [الصافات: ١٥٨] أي (ستحضرون) أيها القائلون هذا القول (للحساب) بضم المثناة الفوقية وفتح الضاد المعجمة وسقط من قوله (يزفون) إلى قوله (للحساب) لأبي ذر. (وقال ابن عباس) فيما وصله ابن جرير في قوله: (﴿لنحن الصافون﴾) [الصافات: ١٦٥] (الملائكة) والمفعول محذوف أي الصافون أجنحتنا أو أقدامنا، ويحتمل أن لا يراد المفعول أي نحن من أهل هذا الفعل فعلى الأوّل يفيد الحصر أي أنهم الصافون في مواقف العبودية لا غيرهم وقال الكلبي صفوف الملائكة كصفوف الناس في الأرض. (﴿صراط الجحيم﴾) في قوله تعالى: ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ [الصافات: ٢٣] أي (سواء الجحيم ووسط الجحيم) بسكون السين وفي اليونينية بفتحها. (﴿لشوبا﴾) أي (يخلط طعامهم ويساط) أي يخل (بالحميم) الماء الحار التشديد فإذا شربوه قطع أمعاءهم. (﴿مدحورًا﴾) بسورة الأعراف أي (مطرودًا) لأن الدحر هو الطرد وسقط من قوله صراط إلى هنا لأبي ذر. (بيض مكنون) قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم (اللؤلؤ المكنون) أي المصون. قال الشماخ: ولو أني أشاء كننت نفسي … إلى بياض بهكنة شموع والشموع: اللعوب والبهكنة الممتلئة. وقال غير ابن عباس: المراد بيض النعام وهو بياض مشوب ببعض صفرة وهو أحسن ألوان الأبدان. وقال ذو الرمة: بياض في ترح صفراء في غنج … كأنها فضة قد مسها ذهب (﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾) [الصافات: ٧٨] أي (يذكر بخير) وثناء حسن فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم الدين وسقط لأبي ذر من قوله وتركنا عليه الخ. (﴿ويقال يستسخرون﴾) أي (يسخرون) ومراده قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا آية يستسخرون﴾ [الصافات: ١٤] قال ابن عباس: آية يعني انشقاق القمر، وقيل: يستدعي بعضهم من السخرية وسقط ويقال لغير أبي ذر. (﴿بعلًا﴾) في قوله: ﴿أتدعون بعلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] أي (ربًّا) بلغة اليمن سمع ابن عباس رجلًا ينشد ضالة فقال آخر أنا بعلها فقال الله أكبر وتلا الآية. (﴿الأسباب﴾) هي (السماء) قاله ابن عباس فيما وصله الطبري وثبت هنا الأسباب السماء لأبي ذر عن الكشميهني. ١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذا

стр. 3132

(باب) بالتنوين (قوله) تعالى: (﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾) [الصافات: ١٣٩] وسقط باب لغير أبي ذر. ٤٨٠٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنِ ابْنِ مَتَّى». وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بفتح الجيم الثقفي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد الضبي (عن الأعمش) سليمان (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) هو ابن مسعود (﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (ما ينبغي لأحد أن يكون خيرًا من ابن متى) أي في نفس النبوّة إذ لا تفاضل فيها. نعم بعض النبيين أفضل من بعض كما هو مقرر، ولأبي ذر: من يونس بن متى أي ليس لأحد أن يفضل نفسه عليه أو ليس لأحد أن يفضلني عليه، وفي سورة النساء ما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى قاله تواضعًا ولا يعارضه تحدّثه بنعمة الله عليه حيث قال: أنا سيد ولد آدم. ٤٨٠٥ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) القرشي الحزامي قال: (حدّثنا محمد بن فليح) بضم الفاء مصغرًا ابن سليمان الأسلمي المدني قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) فليح (عن هلال بن عليّ) العامري (من بني عامر بن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة وتشديد التحتية المدني (عن عطاء بن يسار) بالتحتية والمهملة المخففة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (مَن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب) قاله زجرًا وسدًّا للذريعة من توهّم حطّ مرتبة يونس لما في قوله تعالى: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾ [القلم: ٤٨] ونفس النبوة لا تفاضل فيها إذ كلهم فيها على حدٍّ سواء كما مرّ. وسبق هذا الحديث مرات. [٣٨] سورة ص (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ([٣٨] سورة صَ) مكية وآيها ست أو ثمان وثمانون، ولأبي ذر سورة ص (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر. ٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنِ السَّجْدَةِ فِي ص قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة هو بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن العوّام) بفتح العين والواو المشددة ابن حوشب بن يزيد الشيباني الواسطي أنه (قال: سأل مجاهدًا عن السجدة في ص. قال: سئل ابن عباس) أي عنها (فقال: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]) في سورة الأنعام فقال نبيكم ﷺ ممن أمر أن يقتدي بهم أي وقد سجدها داود فسجدها رسول الله ﷺ اقتداء به (وكان ابن عباس يسجد فيها). ٤٨٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ عَنِ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ ص فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟ فَقَالَ: أَوَمَا تَقْرَأُ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . عُجَابٌ عَجِيبٌ. الْقِطُّ: الصَّحِيفَةُ هُوَ هَا هُنَا صَحِيفَةُ الْحَسَنَاتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي عِزَّةٍ مُعَازِّينَ: ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: مِلَّةُ قُرَيْشٍ. الاِخْتِلَاقُ: الْكَذِبُ. ﴿الأَسْبَابُ﴾: طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا. ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾: يَعْنِي قُرَيْشًا. ﴿أُولَئِكَ الأَحْزَابُ﴾: الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ. ﴿فَوَاقٍ﴾: رُجُوعٍ. قِطَّنَا عَذَابَنَا. ﴿اتَّخَذْنَاهُمْ سُخْرِيًّا﴾: أَحَطْنَا بِهِمْ. ﴿أَتْرَابٌ﴾: أَمْثَالٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿الأَيْدُ﴾: الْقُوَّةُ فِي الْعِبَادَةِ. الأَبْصَارُ: الْبَصَرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾: مِنْ ذِكْرٍ. طَفِقَ ﴿مَسْحًا﴾: يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا. الأَصْفَادِ: الْوَثَاقِ. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن عبد الله) هو الذهلي كما قاله الكلاباذي وابن طاهر ونسبه إلى جده لأن اسم أبيه يحيى أو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرّمي قال: (حدّثنا محمد بن عبيد الطنافسي) بفتح الطاء وكسر الفاء (عن العوام) بن حوشب أنه (قال: سألت مجاهدًا عن سجدة ص) ولأبي ذر عن سجدة في ص (فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت) أي من أيّ دليل (فقال أو ما تقرأ ﴿ومن ذريته داود وسليمان أُولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] فكان داود ممن أمر نبيكم ﷺ أن يقتدي به) زاد أبو ذر فسجدها داود ﵇ (فسجدها رسول الله ﷺ ¬) وهي سجدة شكر عند الشافعية لحديث النسائي سجدها داود توبة ونسجدها شكرًا أي على قبول توبته فتسنّ عند تلاوتها في غير صلاة ولا تدخل فيها. (عُجاب) أي (عجيب) وذلك أن التفرّد بالألوهية خلاف ما عليه آباؤهم مطلقًا وتصوّروه من أن الإله الواحد لا يسع الخلق كلهم. (القط) في قوله تعالى: ﴿وقالوا ربنا عجل لنا قطنا﴾ [ص: ١٦] هو (الصحيفة) مطلقًا لأنها قطعة من القرطاس من قطه إذا قطعه لكنه (هو ها هنا صحيفة الحسنات) قال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول، ولأبي ذر عن الكشميهني صحيفة الحساب بالموحدة آخره بدل الفوقية وإسقاط النون وكسر المهملة أي عجل لنا كتابنا في الدنيا قبل يوم الحساب قالوه على سبيل الاستهزاء لعنهم الله وعند عبد بن حميد من طريق عطاء أن قائل ذلك هو النضر بن

стр. 3133

الحارث وفيه تفسير آخر يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه (في عزة) أي (معازين) بضم الميم وبعد العين ألف فزاي مشددة وقال غيره في استكبار عن الحق أي ما كفر من كفر به لخلل وجده فيه بل كفروا به استكبارًا وحمية جاهلية. (﴿الملة الآخرة﴾) في قوله: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة [ص: ٧] هي (ملة قريش) التي كانت عليها آباؤهم أو دين النصرانية وفي الملة متعلق بسمعنا أي لم يسمع في الملة الآخرة بهذا الذي جئت به أو بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما معنا بهذا كائنًا في الملة الآخرة أي لم نسمع من الكهان ولا من أهل الكتب أنه يحدث توحيد الله في الملة الآخرة وهذا من فرط كذبهم. (الاختلاق) في قوله: ﴿إن هذا إلا اختلاق﴾ [ص: ٧] هو (الكذب) المختلق. (﴿الأسباب﴾) في قوله تعالى: ﴿فليرتقوا في الأسباب﴾ [ص: ١٠] هي (طرق السماء في أبوابها) قاله مجاهد وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه وهذا أمر توبيخ وتعجيز أي إن ادّعوا أن عندهم خزائن رحمة ربك أو لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى مَن يختارون وهذا في غاية التهكّم بهم. (﴿جند﴾) ولأبي ذر قوله: جند (﴿ما هنالك مهزوم﴾) [ص: ١١] قال مجاهد أيضًا فيما وصله الفريابي (يعني قريشًا) وهنالك مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي سيهزمون بمكة وهو إخبار بالغيب وصحح الإمام فخر الدين كون ذلك في فتح مكة قال لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات اهـ وهذا معارض بما أخرجه الطبري من طريق سعيد بن قتادة قال وعده الله وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين فجاء تأويلها ببدر وهنالك إشارة إلى بدر ومصارعهم وسقط من قوله جند إلى آخر قوله قريشًا لأبي ذر. (أولئك الأحزاب) أي (القرون الماضية) قالَه مجاهد أيضًا أي كانوا أكثر منكم وأشد قوّة وأكثر أموالًا وأولادًا فما دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمرُ الله. (﴿فواق﴾) بالرفع لأبي ذر أي (رجوع) هو من أفاق المريض إذا رجع إلى صحته وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يريد قوله تعالى: ﴿وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق﴾ [ص: ١٥] ولغير أبي ذر فواق رجوع بجرهما وقرأ حمزة والكسائي فواق بضم الفاء وهما لغتان بمعنى واحد وهما الزمان الذي بين حلبتي الحالب. (قطنا) أي (عذابنا) قاله مجاهد وغيره (﴿اتخذناهم سخريًّا﴾) [ص: ٦٣] بضم السين وهي قراءة نافع والكسائي أي (أحطنا بهم) من الإحاطة وقال الدمياطي في حواشيه لعله أخطأناهم وحذف مع ذلك القول الذي هذا تفسيره وهو أم زاغت عنهم الأبصار. اهـ. وعند ابن أبي حاتم من طريق مجاهد أخطأناهم أم هم في النار لا يعلم مكانهم، وقال ابن عطية: المعنى ليسوا معنا أم هم معنا لكن أبصارنا تميل عنهم، وقال ابن كيسان أم كانوا خيرًا منّا ونحن لا نعلم فكأن أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدّهم شيئًا. (﴿أتراب﴾) في قوله تعالى: ﴿وعندهم قاصرات الطرف أتراب﴾ [ص: ٥٢] أي (أمثال) على سن واحد قيل بنات ثلاث وثلاثين سنة واحدها ترب وقيل متواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن. (وقال ابن عباس) فيما وصله الطبري (﴿الأيد﴾) بالرفع في قوله تعالى: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أُولي الأيد والأبصار﴾ [ص: ٤٥] هو (القوة في العبادة) والعامة على ثبوت الياء في الأيدي جمع يد وهي إما الجارحة وكُنِّيَ بها عن الأعمال لأن أكثر الأعمال إنما تزاول باليد أو المراد النعمة وقرئ لأيد بغير ياء اجتزاء عنها بالكسرة. (الأبصار) هو (البصر في أمر الله) قاله ابن عباس أيضًا. (﴿حب الخير عن ذكر ربي﴾) [ص: ٣٢] أي (من ذكر) ربي فعن بمعنى من والخير المال الكثير والمراد به الخيل التي شغلته والراء تعاقب اللام ويحتمل أنه سماها خيرًا لتعلق الخير بها قال ﷺ الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم

стр. 3134

القيامة الأجر والمغنم. (طفق ﴿مسحًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فطفق مسحًا بالسوق والأعناق﴾ [ص: ٣٣] أي (يمسح أعراف الخيل وعراقيبها) حبالها ومسحًا نصب بفعل مقدر هو خبر طفق أي طفق بمسح مسحًا. (الأصفاد) أي (الوثاق) وسقط هذا لأبي ذر. ٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (باب قوله) جل ذكره: (﴿هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾) أي لا يصلح لأحد أن يسلبنيه وظاهر السياق أنه سأل ملكًا لا يكون لبشر من بعده مثله ليكون معجزة مناسبة لحاله (﴿إنك أنت الوهاب﴾) [ص: ٣٥] المعطي ما تشاء لمن تشاء. ٤٨٠٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ. وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]» قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ خَاسِئًا. وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (روح) بفتح الراء وبعد الواو الساكنة مهملة ابن عبادة (ومحمد بن جعفر) غندر (عن شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن زياد) بتخفيف التحتية القرشي الجمحي مولى آل عثمان بن مظعون مدني سكن البصرة (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (إن عفريتًَا) ماردًا (من الجن) بيان له (تفلت عليّ البارحة) نصب على الظرفية أي تعرّض لي فلتة أي بغتة سرعة في أدنى ليلة مضت (أو كلمة نحوها) أي نحو تفلت كقوله في الرواية السابقة في أواخر الصلاة عرض لي فشدّ عليّ (ليقطع) بفعله (عليّ الصلاة فأمكنني الله منه وأردت) بالواو (أن أربطه) بكسر الموحدة (إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم) بالرفع توكيد للضمير المرفوع (فذكرت قول أخي) في النبوّة (سليمان) ﵇ (﴿رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾) لفظ التنزيل رب اغفر لي وهب لي (قال روح) المذكور (فردّه) أي رد ﷺ العفريت حال كونه (خاسئًا) مطرودًا. وهذا الحديث قد سبق في الصلاة في باب الأسير والغريم يربط في المسجد وبدء الخلق. ٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (باب قوله) تعالى: (﴿وما أنا من المتكلفين﴾) [ص: ٨٦] فلا أزيد على ما أمرت به ولا أنقص منه. ٤٨٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سعيد: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ: عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنِ الدُّخَانِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا قُرَيْشًا إِلَى الإِسْلَامِ، فَأَبْطَؤُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْجُلُودَ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا مِنَ الْجُوعِ. قَالَ اللَّهُ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠] قَالَ فَدَعَوْا ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٥] أَفَيُكْشَفُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: فَكُشِفَ، ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط لغير أبي ذر ابن سعيد قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مقصور مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود) ﵁ (قال: يا أيها الناس من علم شيئًا فليقل به، ومَن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر﴾) أي جعل على القرآن أو تبليغ الوحي (﴿وما أنا من المتكلفين﴾) وكل من قال شيئًا من تلقاء نفسه فقد تكلف، (وسأحدثكم عن الدخان) المذكور في قوله تعالى: ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠] (إن رسول الله ﷺ دعا قريشًا إلى الإسلام فأبطؤوا عليه فقال): (اللهم أعني عليهم بسبع) من السنين (كسبع يوسف) المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد﴾ [يوسف: ٤٨] (فأخذتهم سنة) قحط (فحصت) بالحاء والصاد المهملتين أذهبت وأفنت (كل شيء حتى أكلوا الميتة والجلود) من شدّة الجوع (حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخانًا) لضعف بصره (من الجوع. قال الله : ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس﴾) يحيط بهم صفة للدخان (﴿هذا عذاب أليم﴾) في موضع نصب بالقول أي قائلين هذا عذاب أليم (قال: فدعوا) أي قريش (﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾) وعد بالإيمان إن كشف العذاب عنهم (﴿أنى لهم الذكرى﴾) أي كيف يذكرون ويتعظون ويَفُون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب (﴿وقد جاءهم رسول مبين﴾) بيّن لهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الادّكار من الآيات والمعجزات (﴿ثم تولوا عنه وقالوا معلم﴾) يعلمه كلام أعجمي لبعض ثقيف وقال آخرون إنه (﴿مجنون إنّا كاشفوا العذاب﴾) بدعاء النبي ﷺ كشفًا (﴿قليلًا﴾) أو زمانًا قليلًا (﴿إنكم عائدون﴾) [الدخان: ١٠ - ١٥] إلى الكفر قال ابن مسعود: (أفيكشف) بهمزة الاستفهام وضم الياء مبنيًّا للمفعول

стр. 3135

(﴿العذاب يوم القيامة﴾؟ قال): أي ابن مسعود ﵁ (فكشف) بضم الكاف مبنيًّا للمفعول أي العذاب عنهم، ولأبي ذر: فكشف بفتحها والفاعل محذوف أي فكشف الله عنهم (ثم عادوا في كفرهم) عقب الكشف (فأخدهم الله يوم) وقعة (بدر. قال الله) ولأبي ذر وقال الله (تعالى) ولأبي ذر (﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾) يوم بدر ظرف لفعل دلّ عليه (﴿إنّا منتقمون﴾) [الدخان: ١٦] لا لمنتقمون فإن أن تحجزه عنه كذا قاله البيضاوي كالزمخشري وقيل بدل من يوم تأتي أو بإضمار اذكر. وهذا الحديث سبق في سورة الروم. [٣٩] سورة الزُّمَرِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَقَالَ مُجَاهِدٌ. ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾: يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ، وَهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَومَ القِيَامَةِ﴾. ﴿ذِي عِوَجٍ﴾: لَبْسٍ. ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾: صَالِحًا؛ مَثَلٌ لآلِهَتِهِمِ الْبَاطِلِ وَالإِلَهِ الْحَقِّ. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: بِالأَوْثَانِ. ﴿خَوَّلْنَا﴾: أَعْطَيْنَا. ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: الْقُرْآنُ. ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: الْمُؤْمِنُ. يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ. ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾: الرجل الشَّكِسُ الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالإِنْصَافِ. ﴿وَرَجُلًا سِلْمًا﴾: وَيُقَالُ ﴿سَالِمًا﴾: صَالِحًا. ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: نَفَرَتْ. ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾: مِنَ الْفَوْزِ. ﴿حَافِّينَ﴾: أَطَافُوا بِهِ مُطِيفِينَ. ﴿بِحِفَافَيْهِ﴾: بِجَوَانِبِهِ. ﴿مُتَشَابِهًا﴾: لَيْسَ مِنَ الاِشْتِبَاهِ. وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ. ([٣٩] سورة الزُّمَرِ) مكية إلا ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ [الزمر: ٥٣] الآية وآيها خمس أو اثنتان وسبعون، ولأبي ذر سورة الزمر (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه في قوله (﴿يتقي﴾) ولغير أبي ذر: أفمن يتقي (﴿بوجهه﴾) [الزمر: ٢٤] أي (يجر على وجهه في النار) يجر بالجيم المفتوحة مبنيًّا للمفعول وللأصيلي كما في الفتح يخر بالخاء المعجمة المكسورة (وهو قوله تعالى: ﴿أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنًا يوم القيامة﴾) [فصلت: ٤٠] وقال عطاء يرمى به في النار منكوسًا فأول شيء يمس النار منه وجهه وخبر أفمن يتقي بوجهه محذوف تقديره كمن هو آمن منه. (﴿ذي﴾) ولأبي ذر: غير ذي (﴿عوج﴾) [الزمر: ٢٨] أي (لبس) بموحدة ساكنة وقال ابن عباس غير مخلوق. (﴿ورجلًا سلمًا﴾) [الزمر: ٢٩] بفتح اللام من غير ألف مصدر وصف، ولأبي ذر وابن عساكر سالمًا بكسرها مع الألف وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير اسم فاعل من الثلاثي (لرجل) أي (صالحًا) كذا لأبي ذر عن الحموي والمستملي وفي رواية الكشميهني خالصًا بدل صالحًا ومراده قوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون﴾ [الزمر: ٢٩] أي متنازعون كلٌّ يدّعي أنه عبده فهم يتجاذبونه حوائجهم وهو متحير في أمره كلما أرضى أحدهم غضب الباقون وإذا احتاج إليهم رده كل واحد إلى الآخر فهو في عذاب دائم ورجلًا سالمًا لرجل واحد لا يملكه غيره فهو يخدمه على سبيل الإخلاص وسيده يعينه على مهماته هذا (مثل لآلهتهم) بمد الهمزة الإله (الباطل والإله الحق) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي. (﴿ويخوفونك﴾) يعني قريشًا (﴿بالذين من دونه﴾) [الزمر: ٣٦] أي (بالأوثان) وذلك أنهم قالوا له ﵊ لتكفنّ عن شتم آلهتنا أو لنأمرنّها فلتخبلنّك فنزلت ويخوّفونك رواه عبد الرزاق وسقط لأبي ذر من قوله مثل إلى هنا. (﴿خوّلنا﴾) في قوله تعالى: ﴿ثم خوّلناه نعمة﴾ [الزمر: ٤٩] أي (أعطينا) قاله أبو عبيدة. (﴿والذي جاء بالصدق﴾) أي (القرآن) وفي نسخة القرآن بالرفع بتقدير هو (﴿وصدق به﴾) [الزمر: ٣٣] هو (المؤمن يجيء يوم القيامة) حال كونه (يقول) رب (هذا الذي أعطيتني) يريد القرآن (عملت بما فيه) رواه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن منصور وقيل الذي جاء هو الرسول ﵊ والمصدق أبو بكر قاله أبو العالية قال في الأنوار وذلك يقتضي إضمار الذي وهو غير جائز وقوله والذي جاء بالصدق لفظه مفرد ومعناه جمع لأنه أُريد به الجنس فيتناول الرسل والمؤمنين لقوله: ﴿أولئك هم المتقون﴾ [الزمر: ٣٣] فجمع أو الذي صفة لموصوف محذوف بمعنى الجمع أي والفريق أو الفوج ولذلك قال أولئك. (﴿متشاكسون﴾ الرجل الشكس﴾) بكسر الكاف هو (العسر) الذي (لا يرضى بالإنصاف) قال الكسائي يقال شكس يشكس شكوسًا وشكسًا إذا عسر وهو رجل شكس أي عسر وشاكس إذا تعاسر (﴿ورجلًا سلمًا﴾) ويقال (﴿سالمًا﴾ صالحًا) كذا أثبته هنا في الفرع كأصله وقد سبق. (﴿اشمأزت﴾) في قوله: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر: ٤٥] قال مجاهد فيما وصله الطبري أي (نفرت) وقال أبو زيد الاشمئزاز الذعر اشمأز فلان ذعر ووزنه افعلل كاقشعرّ قال الزمخشري ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز

стр. 3136

إذ كل واحد منهما غاية في بابه لأن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورًا حتى يظهر ذلك السرور في أسرّة وجهه ويتهلّل والاشمئزاز أن يمتلئ غيظًا وغمًّا حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه. (﴿بمفازتهم﴾) مفعلة (من الفوز) أي ينجيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقرأ الأخوان وشعبة بمفازاتهم بالجمع لأن النجاة أنواع والمصادر إذا اختلفت أنواعها جمعت. (﴿حافين﴾) في قوله تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ [الزمر: ٧٥] أي (أطافوا به) حال كونهم (مطيفين) دائرين (بحفافيه) بكسر الحاء المهملة مصححًا عليها في الفرع كأصله وكذا قال العيني كفتح الباري والبرماوي والكرماني بكسرها وفاءين مفتوحتين مخففتين بينهما ألف تثنية حفات وفي الناصرية بفتح الحاء أي (بجوانبه) قال الليث حف القوم بسيدهم يحفون حفًّا إذا طافوا به ولأبي ذر عن المستملي بجانبيه بدل بحفافيه وسقط بجوانبه لأبي ذر. (﴿متشابهًا﴾) في قوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا﴾ [الزمر: ٢٣] (ليس من الاشتباه ولكن يشبه بعضه بعضًا في التصديق) والحسن ليس فيه تناقض ولا اختلاف. ١ - باب قَوْلِهِ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ هذا (باب) بالتنوين (قوله: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا﴾) في المعاصي (﴿على أنفسهم لا تقنطوا﴾) لا تيأسوا (﴿من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾) الكبائر وغيرها الصادرة عن المؤمنين (﴿إنه هو الغفور﴾) لمن تاب (﴿الرحيم﴾) [الزمر: ٥٣] بعد التوبة لمن أناب، لكن قال القاضي ناصر الدين تقييده بالتوبة خلاف الظاهر وإضافة العباد تخصصه بالمؤمنين كما هو عرف القرآن، وفي الآية من أنواع المعاني والبيان إقباله عليهم ونداؤهم وإضافتهم إليه إضافة تشريف والالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله من رحمة الله وإضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى وإعادة الظاهر بلفظه في قوله إن الله وإبراز الجملة من قوله: ﴿إنه هو الغفور الرحيم﴾ مؤكدة بأن إعادة الصفتين السابقتين والذين أسرفوا عامّ في جميع المسرفين ويغفر الذنوب جميعًا شامل لكبائرها وصغائرها فتغفر مع التوبة أو بدونها خلافًا للمعتزلة حيث ذهبوا إلى أنه يعفو عن الصغائر قبل التوبة وعن الكبائر بعدها، وجمهور أصحابنا أنه يعفو عن بعض الكبائر مطلقًا ويعذب ببعضها إلا أنه لا علم لنا الآن بشيء من هذين البعضين بعينه. وقال كثير منهم لا نقطع بعفوه عن الكبائر بلا توبة بل نجوّزه واحتج الجمهور بوجهين الأول أن العفو لا يعذب على الذنب مع استحقاق العذاب ولا تقول المعتزلة بذلك الاستحقاق في غير صورة النزاع إذ لا استحقاق بالصغائر أصلًا بالكبائر بعد التوبة فلم يبق إلا الكبائر قبلها فهو يعفو عنها كما ذهبنا إليه الثاني الآيات الدالّة على العفو عن الكبيرة قبل التوبة نحو قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] فإن ما عدا الشرك داخل فيه ولا يمكن التقييد بالتوبة لأن الكفر معفوّ معها فيلزم تساوي ما نفي عنه الغفران وما أثبت له وذلك مما لا يليق بكلام عاقل فضلًا عن كلام الله تعالى وقوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ [الزمر: ٥٣] عامّ للكل فلا يخرج عنه إلا ما أجمع عليه وسقط قوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ الخ لأبي ذر ولفظ باب لغيره. ٤٨١٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: يَعْلَى: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً. فَنَزَلَ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٨٦]. وَنَزَلَ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم) قال: (قال يعلى) هو ابن مسلم بن هرمز كما في مسلم (أن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس ﵄ أن ناسًا من أهل الشرك) سمى الواقدي منهم وحشي بن حرب قاتل حمزة وكذا هو عند الطبراني عن ابن عباس من وجه آخر (كانوا قد قتلوا وأكثروا) من القتل (وزنوا وأكثروا) من الزنا (فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه) من الإسلام (لحسن) وفي نسخة به بدل إليه (لو تخبرنا إن لما) أي للذي (عملنا) من الكبائر (كفارة فنزل ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله﴾)

стр. 3137

أي حرّم قتلها (﴿إلا بالحق ولا يزنون﴾) [الفرقان: ٦٨] قال في الأنوار نفى عنهم أمهات المعاصي بعد ما أثبت لهم أصول الطاعات إظهار الكمال إيمانهم وإشعارًا بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك وتعريضًا للكفرة بأضداده (ونزل) ولأبي ذر: ونزلت بتاء التأنيث (﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾). وعند الإمام أحمد من حديث ثوبان مرفوعًا: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ إلى آخرها فقال رجل: يا رسول الله فمن أشرك: فسكت النبي ﷺ ثم قال: "إلا ومن أشرك" ثلاث مرات. وعنده أيضًا عن أسماء بنت يزيد قالت سمعته ﷺ يقول: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ ولا يبالي. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، ولما أسلم وحشي بن حرب فقال الناس: يا رسول الله إنّا أصبنا ما أصاب وحشي فقال هي للمسلمين عامة. وقال ابن عباس: قد دعا الله إلى توبته مَن قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال ما علمت لكم من إله غيري فمن آيس العباد من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، ولكن إذا تاب الله على العبد تاب. ٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (باب قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾) [الزمر: ٦٧] أي ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره وسقط باب لغير أبي ذر. ٤٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. [الحديث ٤٨١١ - أطرافه في: ٧٤١٤، ٧٤١٥، ٧٤٥١، ٧٥١٣]. وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة السلماني (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: جاء حبر) بفتح الحاء المهملة (من الأحبار) عالم من علماء اليهود قال الحافظ ابن حجر لم أقف على أسمه (إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنّا نجد) أي في التوراة (أن الله يجعل السماوات على إصبع) وفي رواية مسدّد عن يحيى عن سفيان عن منصور في التوحيد أن الله يمسك بدل يجعل (والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والماء على إصبع وسائر الخلائق على إصبع) وفي بعض النسخ والماء على إصبع والثرى على إصبع وسقط في بعضها والماء على إصبع (فيقول: أنا الملك) المتفرّد بالملك (فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه) بالجيم والذال المعجمة أي أنيابه وهي الضواحك التي تبدو عند الضحك حال كونه (تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾) وقراءته ﵊ هذه الآية تدل على صحة قول الحبر كضحكة قاله النووي. وفي التوحيد قال يحيى بن سعيد وزاد فيه فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا مما قاله الحبر وتصديقًا له، ورواه الترمذي وقال حسن صحيح، وعند مسلم تعجبًا مما قاله الحبر وتصديقًا له. وعند ابن خزيمة من رواية إسرائيل عن منصور حتى بدت نواجذه تصديقًا له، وعند الترمذي من حديث ابن عباس قال: مرّ يهودي بالنبي ﷺ فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه والأرضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه وأشار محمد بن الصلت أبو جعفر لخنصره أوّلًا ثم تابع حتى بلغ الإبهام وهذا من شديد الاشتباه، وقد حمله بعضهم على أن اليهود مشبهة ويزعمون فيما أنزل إليهم ألفاظًا تدخل في التشبيه ليس القول بها من مذهب المسلمين، وبهذا قال الخطابي وقال: إنه روى هذا الحديث غير واحد عن عبد الله من طريق عبيدة فلم يذكروا قوله تصديقًا لقول الحبر ولعله من الراوي ظنّ وحسبان، وضحكه ﷺ تعجب من كذب اليهودي، فظن الراوي أن ذلك التعجب تصديق وليس كذلك. وقال أبو العباس القرطبي في المفهم: هذه الزيادة من قول الراوي باطلة لأن النبي ﷺ لا يصدّق بالمحال لأن نسبة الأصابع إلى الله تعالى محال، وقوله:

стр. 3138

﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ أي ما عرفوه حق معرفته ولا ريب أن الصحابة كانوا أعلم بما رووه، وقد قالوا إنه ضحك تصديقًا، وقد ثبت في الحديث الصحيح: "ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن" رواه مسلم. وفي حديث ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "أتاني الليلة ربي في أحسن صورة" الحديث. وفيه فوضع يده بين كتفي، وفي رواية معاذ فرأيته وضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي، فهذه روايات متظافرة على صحة ذكر الأصابع وكيف يطعن في حديث أجمع على إخراجه الشيخان وغيرهما من أئمة النقد والإتقان، لا سيما وقد قال ابن الصلاح ما اتفق عليه الشيخان هو بمنزلة المتواتر وكيف يسمع ﷺ وصف ربه تعالى بما لا يرضاه فيضحك ولم ينكره أشد الإنكار حاشاه الله من ذلك، وإذا تقرر صحة ذلك فهو من المتشابه كغيره كالوجه واليدين والقدم والرجل والجنب في قوله تعالى: ﴿أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٦]. واختلف أئمتنا في ذلك هل نؤوّل المشكل أم نفوّض معناه المراد إليه تعالى مع اتفاقهم على أن جعلنا بتفصيله لا يقدح في اعتقادنا المراد منه، والتفويض مذهب السلف وهو أسلم والتأويل مذهب الخلف وهو أعلم أي أحوج إلى مزيد علم فنؤوّل الأصبع هنا بالقدرة إذ إرادة الجارحة مستحيلة، وقد قال الزمخشري في كشافه بعد ذكر نحو حديث الباب إنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصوّر إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أوّل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأذهان ولا تكتنهها الأوهام هينة عليه هوانًا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه إلا إجراء العبارة وفي مثل هذه الطريقة من التخييل، ولا ترى بابًا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع وأعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله تعالى في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء فإن أكثره وعليته تخييلات قد زلّت فيها أقدام وما أتى الزالّون إلا من قلة عنايتهم بالبحث والتنقير حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علمًا لو قدّروه حق قدره لما خفي عليهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه إذ لا يحل عقدها الموربة ولا يفك قيودها المكربة إلا هو، وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثة والوجوه الرثّة لأن مَن تأوّل ليس من هذا العلم في عير ولا نفير ولا يعرف قبيلًا من دبير. وقال ابن فورك: يحتمل أن يكون المراد أصبع بعض مخلوقاته. وسيكون لنا عودة إلى الإلمام بشيء من مبحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى بعونه وتوفيقه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التوحيد ومسلم في التوبة والترمذي والنسائي في التفسير. ٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (باب قوله) تعالى: (﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة﴾) القبضة بفتح القاف المرة من القبض أطلقت بمعنى القبضة بالضم وهي المقدار المقبوض بالكف تسمية بالمصدر أو بتقدير ذات قبضته (﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾) قال ابن عطية اليمين هنا والقبضة عبارة عن القدرة وما اختلج في الصدور من غير ذلك باطل وما ذهب إليه القاضي يعني أبا الطيب من أنها صفات زائدة على صفات الذات قول ضعيف وبحسب ما يختلج في النفوس قال : (﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾) [الزمر: ٦٧] أي هو منزّه عن جميع ما وصف به المجسمون المشبهون وتأكيد الأرض بالجميع لأن المراد بها الأرضون السبع أو جميع أبعاضها البادية والغائرة وخص ذلك بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا وسقط لأبي ذر قوله والسماوات الخ. ٤٨١٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّماوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ»؟ [الحديث ٤٨١٢ - أطرافه في: ٦٥١٩، ٧٣٨٢، ٧٤١٣]. وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء مصغرًا نسبه لجدّه لشهرته به واسم أبيه كثير المصري (قال: حدّثني)

стр. 3139

بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن خالد بن مسافر) الفهمي المصري (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا هريرة) ﵁: (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول): (يقبض الله الأرض ويطوي السماوات) وفي نسخة السماء "بيمينه" يطلق الطيّ على الأدراج كطيّ القرطاس كما قال الله تعالى: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وعلى الإفناء تقول العرب طويت فلانًا بسيفي أي أفنيته وقال القاضي عبر عن إفناء الله تعالى هذه المظلة والمقلة ورفعهما من البين إخراجهما من أن يكونا مأوى ومنزلًا لبني آدم بقدرته الباهرة التي تهون عليها الأفعال العظام التي تتضاءل دونها القوى والقدر وتتحير فيها الأفهام والفكر على طريقة التمثيل والتخييل (ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض). ولمسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا "يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهنّ بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرض بشماله ثم يقول أنا الملك" الحديث فأضاف طيّ السماوات وقبضها إلى اليمين وطيّ الأرض إلى الشمال تنبيهًا وتخييلًا لما بين المقبوضين من التفاوت والتفاضل. وحديث الباب أخرجه أيضًا في التوحيد. ٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (باب قوله) تعالى: (﴿ونفخ في الصور﴾) النفخة الأولى وقرأ الحسن بفتح الواو وجمع صورة وفيه رد على ابن عطية حيث قال إن الصور هنا يتعين أن يكون القرن ولا يجوز أن يكون جمع صورة (﴿فصعق مَن في السماوات ومَن في الأرض﴾) خرّ ميتًا أو مغشيًّا عليه (﴿إلا مَن شاء الله﴾) متصل والمستثنى قيل جبريل وميكائيل وإسرافيل فإنهم يموتون بعد وقيل حملة العرش وقيل رضوان والحور والزبانية وقال الحسن: الباري تعالى فالاستثناء منقطع وفيه نظر من حيث قوله: ﴿مَن في السماوات ومَن في الأرض﴾ فإنه لا يتحيز (﴿ثم نفخ فيه أخرى﴾) هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخة أخرى أو القائم مقامه الجار (﴿فإذا هم قيام﴾) قائمون من قبورهم حال كونهم (﴿ينظرون﴾) [الزمر: ٦٨] البعث أو أمر الله فيهم واختلف في الصعقة فقيل إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى: ﴿وخرّ موسى صعقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزع الشديد وحينئذٍ، فالمراد من نفخ الصعقة ونفخ الفزع واحد وهو المذكور في النمل في قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور ففزع مَن في السماوات ومَن في الأرض﴾ [النمل: ٨٧] وعلى هذا فنفخ الصور مرتان فقط وقيل الصعقة الموت فالمراد بالفزع كيدودة الموت من الفزع وشدة الصوت فالنفخة ثلاث مرات نفخة الفزع المذكورة في النمل ونفخة الصعق ونفخة القيام وسقط باب لغير أبي ذر وله ثم نفخ فيه أخرى إلى آخره. ٤٨١٣ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الآخِرَةِ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى مُتَعَلِّقٌ بِالْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي، أَكَذَلِكَ كَانَ أَمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (الحسن) غير منسوب وقد جزم أبو حاتم سهل بن السري الحافظ فيما نقله الكلاباذي بأنه الحسن بن شجاع البلخي الحافظ قال: (حدّثنا إسماعيل بن خليل) الكوفي وهو من مشايخ المؤلّف قال: (أخبرنا عبد الرحيم) بن سليمان الرازي سكن الكوفة (عن زكريا بن أبي زائدة) بن ميمون الهمداني الأعمى الكوفي (عن عامر) هو ابن شراحيل الشعبي (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (إني أوّل) ولأبي ذر من أوّل (مَن يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة) بمد الهمزة (فإذا أنا بموسى) ﵇ (متعلق بالعرش فلا أدري أكذلك كان) أي أنه لم يمت عند النفخة الأولى واكتفى بصعقة الطور (أم) أحيي (بعد النفخة) الثانية قبلي وتعلق بالعرش كذا قرره الكرماني وقال الداودي فيما حكاه السفاقسي قوله أكذلك الخ وهم لأن موسى مقبور ومبعوث بعد النفخة فكيف يكون ذلك قبلها اهـ. وأجيب: بأن في حديث أبي هريرة السابق في الأشخاص فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون أوّل مَن يفيق فإذا موسى باطش جانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن

стр. 3140

استثنى الله أي فلم يصعق والمراد بالصعق غشي يلحق من سمع صوتًا أو رأى شيئًا ففزع منه وقد وقع التصريح في هذه الرواية بالإفاقة بعد النفخة الثانية. وأما ما وقع في حديث أبي سعيد فإن الناس يصعقون فأكون أول مَن تنشقّ عنه الأرض فيمكن الجمع بأن النفخة الأولى يعقبها الصعق من جميع الخلق أحيائهم وأمواتهم وهو الفزع ما وقع في النمل ففزع مَن في السماوات ومَن في الأرض، ثم يعقب ذلك الفزع للموتى زيادة فيما هم فيه وللأحياء موتًا، ثم ينفخ الثانية للبعث فيفيقون أجمعون فمن كان مقبورًا انشقت عنه الأرض فخرج من قبره ومن ليس بمقبور لا يحتاج إلى ذلك، وقد ثبت أن موسى ممن قبر في الحياة الدنيا كما في مسلم أن النبي ﷺ قال: "مررت على موسى ليلة أُسرِيَ بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلّي في قبره". أخرجه عقب حديث أبي هريرة وأبي سعيد. وقد استشكل كون جميع الخلق يصعقون مع أن الموتى لا إحساس لهم فقيل: المراد أن الذين يصعقون هم الأحياء، وأما الموتى فهم في الاستثناء في قوله: إلا مَن شاء الله أي إلا مَن سبق له الموت قبل ذلك فإنه لا يصعق وإلى هذا جنح القرطبي، ولا يعارضه ما ورد في الحديث أن موسى ممن استثنى الله لأن الأنبياء أحياء عند الله وإن كانوا في صورة الأموات بالنسبة إلى أهل الدنيا. وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض وتعقبه القرطبي بأنه ﷺ صرح بأنه حين يخرج من قبره يلقى موسى وهو متعلق بالعرش، وهذا إنما هو عند نفخة البعث اهـ. ويرده قوله صريحًا كما تقدم أن الناس يصعقون فأصعق معهم الخ قاله في الفتح. ٤٨١٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ»، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا: قَالَ أَبَيْتُ، وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإِنْسَانِ إِلاَّ عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ. [الحيث ٤٨١٤ - طرفه في: ٤٩٣٥]. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عمر بن حفص) بضم العين قال: (حدّثنا) ولأبي ذر قال: قال (أبي) حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: سمعت أبا صالح) ذكوان السمان (قال سمعت أبا هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (بين النفختين) ولأبي ذر عن الكشميهني ما بين النفختين أي نفخة الإماتة ونفخة البعث (أربعون، قالوا) أي أصحاب أبي هريرة ولم يعرف الحافظ ابن حجر اسم أحد منهم (يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال) أبو هريرة (أبيت) بموحدة أي امتنعت عن تعيين ذلك (قال) أي السائل (أربعون سنة؟ قال) أبو هريرة: (أبيت. قال) السائل: (أربعون شهرًا؟ قال) أبو هريرة (أبيت) أي امتنعت عن تعيين ذلك لأني لا أدري الأربعين الفاصلة بين النفختين أيام أم سنون أم شهور، وعند ابن مردويه من طريق زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال بين النفختين أربعون قالوا أربعون ماذا؟ قال: هكذا سمعت وعنده أيضًا من وجه ضعيف عن ابن عباس قال بين النفختين أربعون سنة، وعند ابن المبارك عن الحسن مرفوعًا بين النفختين أربعون سنة يميت الله تعالى بها كل حيّ والأخرى يحيي الله تعالى بها كل ميت، وقال الحليمي: اتفقت الروايات على أن بين النفختين أربعين سنة، وفي جامع ابن وهب أربعين جمعة وسنده منقطع. (ويبلى) بفتح أوّله أي يفنى (كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه) بفتح العين المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة ويقال عجم بالميم أيضًا وهو عظيم لطيف في أصل الصلب وهو رأس العصعص بين الأليتين وعند أبي داود والحاكم وابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا أنه مثل حبة الخردل ولمسلم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب (فيه يركب الخلق). ولمسلم أيضًا من طريق همام عن أبي هريرة أن في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدًا فيه يركب يوم القيامة. قال: أي عظم؟ قال: عجب الذنب وهو يرد على المزني حيث قال: إن إلاّ هنا بمعنى الواو أي وعجب الذنب أيضًا يبلى. وقوله: يبلى كل شيء من الإنسان عامّ يخصّ منه الأنبياء لأن الأرض لا تأكل أجسادهم، وقد ألحق ابن عبد البر بهم الشهداء والقرطبي المؤذن المحتسب.

стр. 3141

[٤٠] سورة الْمُؤْمِنُ قَالَ مُجَاهِدٌ: حم مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمٌ لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ: يُذَكِّرُنِى حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلاَّ تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ ﴿الطَّوْلُ﴾: التَّفَضُّلُ. ﴿دَاخِرِينَ﴾: خَاضِعِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾: الإِيمَانِ. لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ: يَعْنِي الْوَثَنَ. ﴿يُسْجَرُونَ﴾: تُوقَدُ بِهِمِ النَّارُ. ﴿تَمْرَحُونَ﴾: تَبْطَرُونَ. وَكَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لِمَ تُقَنِّطُ النَّاسَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ؟ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وَيَقُولُ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] وَلَكِنَّكُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشَّرُوا بِالْجَنَّةِ عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ. وَإِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ مُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَمُنْذِرًا بِالنَّارِ مَنْ عَصَاهُ. ([٤٠] سورة المؤمن) مكية وآيها خمس أو ثمان وثمانون. (قال مجاهد: حم مجازها) أي حم ولأبي ذر والأصيلي سورة المؤمن ولغيرهما حم ولأبي ذر بسم الله الرحمن الرحيم قال البخاري ويقال حم مجازها (مجاز أوائل السور) أي حكمها حكم الأحرف المقطعة في أوائل السور، فكل ما يقال في الم وص يقال في حم. وقد اختلف في هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور على أكثر من ثلاثين قولًا. فقيل هي علم مستور وسر محجوب استأثر الله بعلمه، وقال الصديق لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور، وعن عليّ لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجّي، وذهب آخرون إلى أن المراد منها معلوم فيقال مما رُوِيَ عن ابن عباس في الم الألف إشارة إلى الأحدية واللام إلى لطفه والميم إلى ملكه، ويقال بعضها يدل على أسماء الذات وبعضها على أسماء الصفات، ويقال في "الم" أنا الله أعلم، وفي "المص" أنا الله أفصل وفي "الر" أنا الله أرى. (ويقال) ولأبي ذر فيقال في حم (بل هو اسم) أي من أسماء القرآن أو اسم للسورة كغيرها من الفواتح واختاره كثير من المحققين (لقول شريح بن أبي أوفى) بإثبات أبي في الفرع كغيره ونسبها في الفتح لرواية القابسي وقال إن ذلك خطأ والصواب إسقاطها فيصير شريح بن أبي أوفى (للعبسي) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة بعدها مهملة، وكان مع علي بن أبي طالب يوم الجمل. وكان على محمد بن طلحة بن عبيد الله عمامة سوداء فقال علي: لا تقتلوا صاحب العمامة السوداء فإنما أخرجه برّه لأبيه فلقيه شريح بن أبي أوفى فأهوى له بالرمح فتلا حم. فقتله فقال شريح: (يذكرني حاميم والرمح شاجر) بالشين المعجمة والجيم والجملة حالية والمعنى والرمح مشتبك مختلط (فهلا) حرف تحضيض (تلا) قرأ (حاميم قبل التقدم) أي إلى الحرب. وقال الكرماني: وجه الاستدلال به هو أنه أعربه ولو لم يكن اسمًا لما دخل عليه الإعراب اهـ. وبذلك قرأ عيسى بن عمر وهي تحتمل وجهين أنها منصوبة بفعل مقدّر أي اقرأ حم ومنعت من الصرف للعلمية والتأنيث أو العلمية وشبه المعجمة لأنه ليس في الأوزان العربية وزن فاعيل بخلاف الأعجمية نحو قابيل وهابيل أو أنها حركة بناء تخفيفًا كأين وكيف قيل كان مراد محمد بن طلحة بقوله أذكرك حم قوله تعالى في حم عسق ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودّة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣] كأنه يذكره بقرابته ليكون ذلك دافعًا له عن قتله. (﴿الطول﴾) في قوله تعالى: ﴿شديد العقاب ذي الطول﴾ [غافر: ٣] هو (التفضل). وقال قتادة النعم وأصله الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه. (﴿داخرين﴾) في قوله تعالى: ﴿سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر: ٦٠] قال أبو عبيدة أي (خاضعين) وقال السدي: صاغرين ذليلين. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح (﴿إلى النجاة﴾) في قوله تعالى: ﴿ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة﴾ [غافر: ٤١] هي (الإيمان) المنجي من النار (ليس له دعوة يعني الوثن) الذي تعبدونه من دون الله تعالى ليست له استجابة دعوة أو ليست له عبادة في الدنيا لأن الوثن لا يدّعي ربوبية ولا يدعو إلى عبادته وفي الآخرة يتبرأ من عابديه (﴿يسجرون﴾) في قوله: ﴿ثم في النار يسجرون﴾ [غافر: ٧٢] أي (توقد بهم النار) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي وهو كقوله تعالى: ﴿وقودها الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤]. (﴿تمرحون﴾) في قوله تعالى: ﴿ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون﴾ [غافر: ٧٥] أي (تبطرون) وفي قوله: تفرحون وتمرحون التجنيس المحرّف وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف. (وكان العلاء بن زياد) العدوي البصري التابعي الزاهد وليس له في البخاري إلا هذا (يذكر) بفتح أوله وتخفيف الكاف ولأبي ذر يذكر بضم أوله وتشديد الكاف مصحّحًا عليها في الفرع كأصله ولم يذكر الحافظ ابن حجر غيرها. وقال في انتقاض الاعتراض: إنها الرواية، واعترض العيني ابن حجر في التشديد وصحّح التخفيف أي يخوف الناس (النار)، فهو على حذف أحد المفعولين (فقال) له (رجل) لم يعرف

стр. 3142

الحافظ ابن حجر اسمه مستفهمًا (لم تقنط الناس) أي من رحمة الله (قال) ولأبي ذر فقال: (وأنا أقدر أن أقنط الناس والله يقول: (﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾) [الزمر: ٥٣] ويقول: (﴿وأن المسرفين﴾) في الضلالة والطغيان كالإشراك وسفك الدماء (﴿هم أصحاب النار﴾) [غافر: ٤٣] أي مُلازموها (ولكنكم) وللأصيلي ولكن (تحبون أن تبشروا بالجنة) بفتح الموحدة والمعجمة مبنيًّا للمفعول (على مساوي أعمالكم، وإنما بعث الله محمدًا ﷺ مبشرًا بالجنة لمن أطاعه ومنذرًا) بضم الميم وكسر المعجمة وللأصيلي وينذر بلفظ المضارع (بالنار من) ولأبي ذر عن المستملي: لمن (عصاه). ٤٨١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا الوليد بن مسلم) الدمشقي قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن (قال: حدّثني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة صالح اليمامي الطائي ولأبي ذر والأصيلي عن يحيى بن أبي كثير قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن إبراهيم التيمي) نسبة إلى تيم قريش المدني قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عروة بن الزبير) بن العوّام أنه (قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنع المشركون) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: ما صنعه المشركون (برسول الله ﷺ ؟ قال: بينا) بغير ميم (رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة) بكسر الفاء (إذ أقبل عقبة بن أبي معيط) الأموي المقتول كافرًا بعد انصرافه ﷺ من بدر بيوم (فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ¬) بفتح الميم وكسر القاف (ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا) ولأبي ذر: فخنقه به خنقًا والنون من خنقًا ساكنة في الروايتين في اليونينية وفرعها ومكسورة في بعضها (شديدًا، فأقبل أبو بكر) الصديق ﵁ (فأخذ بمنكبه ودفع) عقبة (عن رسول الله ﷺ وقال) وللأصيلي ثم قال أي مستفهمًا استفهامًا إنكاريًا (﴿أتقتلون رجلًا﴾) كراهية (﴿أن يقول ربي الله﴾) أو لأن يقول (﴿وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾) [غافر: ٢٨] جملة حالية. قال جعفر بن محمد: كان أبو بكر خيرًا من مؤمن آل فرعون لأنه كان يكتم إيمانه. وقال أبو بكر جهارًا: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، وقال غيره: إن أبا بكر أفضل من مؤمن آل فرعون لأن ذلك اقتصر حيث انتصر على اللسان، وأما أبو بكر ﵁ فاتبع اللسان يدًا ونصر بالقول والفعل محمدًا. وهذا الحديث ذكره المؤلّف في مناقب أبي بكر، وفي باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة. [٤١] سورة حم السَّجْدَةِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَقَالَ طَاوُسٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿ائْتِيَا طَوْعًا﴾: أَعْطِيَا. ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: أَعْطَيْنَا. وَقَالَ الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، قَالَ: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾:. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ وَقَالَ: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿دَحَاهَا﴾ فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ -إِلَى- ﴿طَائِعِينَ﴾ فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى، فَقَالَ: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ فِي النَّفْخَةِ الأُولَى، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ. ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الآخِرَةِ ﴿أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لأَهْلِ الإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ. وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخَتَمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ وَخَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا الأَرْضَ، وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمَالَ وَالآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دَحَاهَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَجُعِلَتِ الأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلاَّ أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ فَلَا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَإِنَّ كُلاًّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. ([٤١] سورة حم السجدة) مكية وآيها خمسون وثنتان أو ثلاث أو أربع ولأبي ذر: سورة حم السجدة (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر (وقال طاوس) فيما وصله الطبري وابن أبي حاتم بإسناد على شرط المؤلّف (عن ابن عباس ﴿ائتيا طوعًا﴾) زاد أبو ذر والأصيلي ﴿أو كرهًا﴾ أي (أعطيا) بكسر الطاء (﴿قالتا أتينا طائعين﴾) [فصلت: ١١] أي (أعطينا) استشكل هذا التفسير لأن ائتيا وأتينا بالقصر من المجيء فكيف يفسر بالإعطاء وإنما يفسر به نحو قولك آتيت زيدًا مالًا بمد همزة القطع وهمزة ائتيا همزة وصل. وأجيب: بأن ابن عباس ومجاهدًا وابن جبير قرؤوا آتيا قالتا آتينا بالمد فيهما وفيه وجهان. أحدهما: أنه من المؤاتاة وهي الموافقة أي لتوافق كلٍّ منهما الأخرى لما يليق بها وإليه ذهب الرازي والزمخشري فوزن آتيا فاعلًا كقاتلا وآتينا فاعلنا كقاتلنا، والثاني: أنه من الإيتاء بمعنى الإعطاء فوزن آتيا افعلا كأكرما ووزن آتينا أفعلنا ككرمنا، فعلى الأوّل يكون قد حذف مفعولًا، وعلى الثاني مفعولين إذ التقدير أعطيا الطاعة من أنفسكما من أمركما: قالتا أتينا الطاعة وفي مجيء طائعين مجيء جمع المذكرين العقلاء وجهان. أحدهما: أن المراد بآتينا من فيهما من العقلاء وغيرهم فلذا غلب العقلاء على غيرهم. الثاني: أنه لما عاملهما معاملة العقلاء في الإخبار

стр. 3143

عنهما والأمر لهما جمعهما كجمعهم كقوله رأيتهم لي ساجدين وهل هذه المحاورة حقيقة أو مجاز وإذا كانت مجازًا فهل هو تمثيل أو تخييل خلاف. (وقال المنهال): بكسر الميم وسكون النون ابن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي وثّقه ابن معين والنسائي وغيرهما (عن سعيد) وللأصيلي عن سعيد بن جبير أنه (قال: قال رجل) هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج (لابن عباس) ﵄ وكان يجالسه بمكة ويسأله ويعارضه (إني أجد في القرآن أشياء مختلف عليّ) لما بين ظواهرها من التدافع زاد عبد الرزاق فقال ابن عباس: ما هو أشك في القرآن؟ قال: ليس بشك ولكنه اختلاف، فقال: هات ما اختلف عليك من ذلك (قال: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون﴾) [المؤمنون: ١٠١] وقال: (﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾) [الصافات: ٢٧] فإن بين قوله ولا يتساءلون وبين يتساءلون تدافعًا نفيًا وإثباتًا. وقال تعالى (﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾) [النساء: ٤٢] وقوله: (﴿ربنا﴾) ولأبي ذر والله ربنا (﴿ما كنا مشركين﴾) [الأنعام: ٢٣] (فقد كتموا في هذه الآية) كونهم مشركين وعلم من الأولى أنهم لا يكتمون الله حديثًا (وقال: ﴿أم السماء بناها﴾ إلى قوله) تعالى: (﴿دحاها﴾) [النازعات: ٢٧] (فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض) في هذه الآية (ثم قال) في سورة السجدة: (﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) -إلى- (﴿طائعين﴾) [فصلت: ٩ - ١١] وللأصيلي وابن عساكر إلى قوله طائعين (فذكر في هذه) الآية (خلق الأرض قبل السماء) وللأصيلي قبل خلق السماء والتدافع ظاهر (وقال تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾) وقال كان الله (﴿عريزًا حكيمًا﴾) وكان الله (﴿سميعًا بصيرًا﴾ فكأنه كان) موصوفًا بهذه الصفات (ثم مضى) أي تغير عن ذلك (فقال) أي ابن عباس مجيبًا عن ذلك، أما قوله تعالى: (﴿فلا أنساب بينهم﴾) أي (في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور فصعق مَن في السماوات ومَن في الأرض إلا مَن شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك) تنفعهم لزوال التعاطف والتراحم من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه قال: لا نسب اليوم ولا خلة … اتسع الخرق على الراقع وليس المراد قطع النسب (ولا يتساءلون) لاشتغال كلٌّ بنفسه (ثم في النفخة الآخرة ﴿أقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾) فلا تناقض والحاصل أن للقيامة أحوالًا ومواطن ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عن التساؤل وفي موطن يفيقون فيتساءلون (وأما قوله) تعالى: (﴿ما كنا مشركين﴾) وقوله تعالى: (﴿ولا يكتمون الله﴾) زاد أبو ذر والأصيلي وابن عساكر حديثًا (فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون) ولأبي ذر فقال المشركون بالفاء بدل الواو (تعالوا نقول لم نكن مشركين فختم) بضم الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر فختم بفتحات مبنيًّا للفاعل (على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك) أي عند نطق أيديهم (عرف) بضم العين وكسر الراء وللأصيلي عرفوا بفتحهما والجمع (إن الله لا يكتم حديثًا) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (وعنده ﴿يودّ الذين كفروا﴾ [الحجر: ٢] الآية) إلى ولا يكتمون الله حديثًا والحاصل أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم (وخلق الأرض في) مقدار (يومين) أي غير مدحوّة (ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسوّاهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض) بعد ذلك في يومين (ودحوها) وللأصيلي وابن عساكر ودحيها بالمثناة التحتية بدل الواو ولأبي ذر ودحاها أي (أن أخرج) أي بأن أخرج (منها الماء والمرعى وخلق الجبال والجمال) بكسر الجيم الإبل (والآكام) بفتح الهمزة جمع أكمة بفتحتين ما ارتفع من الأرض كالتل والرابية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي والأكوام جمع كوم (وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله) تعالى: (﴿دحاها﴾ و) أما (قوله: ﴿خلق الأرض في يومين﴾ فجعلت الأرض) ولأبي ذر عن الكشميهني: فخلقت

стр. 3144

الأرض (وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين) والحاصل أن خلق نفس الأرض قبل خلق السماء ودحوها بعده (﴿وكان الله غفورًا﴾) وزاد أبو ذر والأصيلي: رحيمًا (سمى نفسه) أي ذاته (ذلك) وهذه تسمية مضت وللأصيلي بذلك (و) أما (ذلك) أي (قوله) ما قال من الغفرانية والرحيمية (أي لم يزل كذلك) لا ينقطع (فإن الله لم يرد) أن يرحم (شيئًا) أو يغفر له (إلا أصاب به الذي أراد) قطعًا (فلا يختلف) بالجزم على النهي (عليك القرآن فإن كلاًّ من عند الله). وعند ابن أبي حاتم فقال له ابن عباس: هل بقي في قلبك شيء أنه ليس من القرآن شيء إلا نزل فيه شيء ولكن لا تعلمون وجهه. ٠٠٠٠ - حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنِ الْمِنْهَالِ بِهَذَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَمْنُونٍ﴾: مَحْسُوبٍ. ﴿أَقْوَاتَهَا﴾: أَرْزَاقَهَا. فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا: مِمَّا أَمَرَ بِهِ. ﴿نَحِسَاتٍ﴾: مَشَاييمَ. ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾: قَرَنَّاهُمْ بِهِمْ. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: عِنْدَ الْمَوْتِ. ﴿اهْتَزَّتْ﴾: بِالنَّبَاتِ، وَرَبَتْ: ارْتَفَعَتْ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَكْمَامِهَا حِينَ تَطْلُعُ. ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾: بِعَمَلِي، أي أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا. سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ: قَدَّرَهَا سَوَاءً. ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾: دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾: وَكَقَوْلِهِ: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾. وَالْهُدَى الَّذِي هُوَ الإِرْشَادُ بِمَنْزِلَةِ أَسْعَدْنَاهُ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. ﴿يُوزَعُونَ﴾: يُكَفَّوْنَ. ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾: قِشْرُ الْكُفُرَّى، هِيَ الْكُمُّ. ﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾: الْقَرِيبُ. ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾: حَاصَ عنه حَادَ. ﴿مِرْيَةٍ﴾ وَ ﴿مُرْيَةٍ﴾ وَاحِدٌ أَيِ امْتِرَاءٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ. ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾: الْوَعِيدُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَالْعَفْوُ عِنْدَ الإِسَاءَةِ فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمَهُمُ اللَّهُ وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. وهذا التعليق وصله المؤلّف حيث قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي الوقت: قال أبو عبد الله أي البخاري حدّثنيه أي الحديث السابق (يوسف بن عدي) بفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد التحتية ابن زريق التيمي الكوفي نزيل مصر وليس له في هذا الجامع إلا هذا قال: (حدّثنا عبيد الله بن عمرو) بضم العين في الأول مصغرًا وفتحها في الثاني الرقي بالراء والقاف (عن زيد بن أبي أنيسة) بضم الهمزة مصغرًا الحريري (عن المنهال) بن عمرو الأسدي المذكور (بهذا) الحديث السابق، قيل: وإنما غير البخاري سياق الإسناد عن ترتيبه المعهود إشارة إلى أنه ليس على شرطه وإن صارت صورته صورة الموصول، وهذا ثابت لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر في نسخة. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿ممنون﴾) ولأبي ذر والأصيلي ﴿لهم أجر غير ممنون﴾ [فصلت: ٨] أي غير (محسوب) وقال ابن عباس غير مقطوع وقيل غير ممنون به عليهم. (﴿أقواتها﴾) في قوله تعالى: ﴿وقدّر فيها أقواتها﴾ [فصّلت: ١٠] قال مجاهد: (أرزاقها) أي من المطر فعلى هذا فالأقوات للأرض لا للسكان أي قدّر لكل أرض حظها من المطر وقيل أقواتًا تنشأ منها بأن خصّ حدوث كل قوت بقطر من أقطارها وقيل أرزاق أهلها وقال محمد بن كعب قدر أقوات الأبدان قبل أن يخلق الأبدان. (في كل سماء أمرها) قال مجاهد (مما أمر به) بفتح الهمزة والميم ولأبي ذر أمر بضم الهمزة وكسر الميم، وعن ابن عباس فيما رواه عنه عطاء خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله قال السدي فيما حكاه عنه في اللباب، ولله في كل سماء بيت يحج إليه وتطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل الكعبة بحيث لو وقعت منه حصاة لوقعت على الكعبة. (﴿نحسات﴾) بكسر الحاء في قراءة ابن عامر والكوفيين في قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في أيام نحسات﴾ [فصلت: ١٦] قال مجاهد أي (مشاييم) بفتح الميم والشين المعجمة وبعد الألف تحتيتان الأولى مكسورة والثانية ساكنة جمع مشومة أي من الشوم ونحسات نعت لأيام والجمع بالألف والتاء مطرد في صفة ما لا يعقل كأيام معدودات قيل كانت الأيام النحسات آخر شوّال من الأربعاء إلى الأربعاء وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء. (﴿وقيضنا لهم قرناء﴾) [فصلت: ٢٥] أي (قرناهم بهم) بفتح القاف والراء والنون المشددة وسقط هذا التفسير لغير الأصيلي والصواب إثبات إذ ليس للتالي تعلق به وقال الزجّاج سببنا لهم قيل قدرنا للكفرة قرناء أي نظراء من الشياطين يستولون عليهم استيلاء القيض على البيض وهو القشر حتى أضلّوهم وفيه دليل على أن الله تعالى يريد الكفر من الكافر. (﴿تنزل عليهم الملائكة﴾) [فصلت: ٣٠] أي (عند الموت) وقال قتادة إذ قاموا من قبورهم وقال وكيع بن الجراح البشري تكون في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث. (﴿اهتزت﴾) في قوله: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت﴾ [فصلت: ٣٩] أي (بالنبات وربت) أي (ارتفعت) لأن النبت إذا قرب أن يظهر تحركت له الأرض وانتفخت ثم تصدعت عن النبات (وقال غيره) أي غير مجاهد في معنى وربت أي ارتفعت (من أكمامها) بفتح الهمزة جمع كم بالكسر (حين تطلع) بسكون الطاء وضم اللام. (﴿ليقولن هذا لي﴾) [فصلت: ٥٠] أي (بعملي) بتقديم الميم على اللام أي (أنا محقوق

стр. 3145

بهذا) أي مستحق لي بعلمي وعملي، وما علم الأبله أن أحدًا لا يستحق على الله شيئًا لأنه كان عاريًا من الفضائل فكلامه ظاهر الفساد وإن كان موصوفًا بشيء من الفضائل فهي إنما حصلت له بفضل الله وإحسانه واللام في ليقولن جواب القسم لسبقه الشرط وجواب الشرط محذوف وقال أبو البقاء ليقولن جواب الشرط والفاء محذوفة قال في الدرّ وهذا لا يجوز إلا في شعر كقوله: مَن يفعل الحسنات الله يشكرها حتى أن المبرّد يمنعه في الشعر ويروي البيت. مَن يفعل الخير فالرحمن يشكره (سواء للسائلين) ولأبي ذر والأصيلي وقال غيره أي غير مجاهد سواء للسائلين أي (قدرها سواء) وسواء نصب على المصدر أي استوت استواء. وقال السدي وقتادة: المعنى سواء لمن سأل عن الأمر واستفهم عن حقيقة وقوعه وأراد العبرة فيه فإنه يجده. (﴿فهديناهم﴾) في قوله: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ [فصلت: ١٧] أي (دللناهم) دلالة مطلقة (على الخير والشر) على طريقهما (كقوله) تعالى في سورة البلد (﴿وهديناه النجدين﴾) أي طريق الخير والشر (وكقوله) تعالى في سورة الإنسان (﴿هديناه النجدين﴾) [الإنسان: ٣] (و) أما (الهدى الذي هو الإرشاد) إلى البغية (بمنزلة) أي بمعنى (أصعدناه) بالصاد في الفرع كغيره ولأبوي ذر والوقت أسعدناه بالسين بدل الصاد قال السهيلي فيما نقله عنه الزركشي والبرماوي وابن حجر وغيرهم بالصاد أقرب إلى تفسير أرشدناه من أسعدناه بالسين لأنه إذا كان بالسين كان من السعد والسعادة ضد الشقاوة وأرشدت الرجل إلى الطريق وهديته السبيل بعيد من هذا التفسير، فإذا قلت أصعدناهم بالصاد خرج اللفظ إلى معنى الصعدات في قوله: إياكم والقعود على الصعدات وهي الطرق وكذلك أصعد في الأرض إذا سار فيها على قصد فإن كان البخاري قصد هذا وكتبها في نسخته بالصاد التفاتًا إلى حديث الصعدات فليس بمنكر. اهـ. قال الشيخ بدر الدين الدماميني: لا أدري ما الذي أبعد هذا التفسير مع قرب ظهوره فإن الهداية إلى السبيل والإرشاد إلى الطريق إسعاد لذلك الشخص المهدي إذ سلوكه في الطريق مُفْضٍ إلى السعادة ومجانبته لها مما يؤدي إلى ضلاله وهلاكه. وأما قوله فإذا قلت: أصعدناه بالصاد الخ ففيه تكلّف لا داعي له وما في النسخ صحيح بدونه. اهـ. (من ذلك) ولأبي ذر ومن ذلك أي من الهداية التي بمعنى الدلالة الموصلة إلى البغية التي عبّر عنها المؤلّف الإرشاد والإسعاد (قوله) تعالى بالأنعام: (﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾) [الأنعام: ٩٠] ونحوه مما هو كثير في القرآن. (﴿يوزعون﴾) في قوله تعالى: ﴿ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون﴾ [فصلت: ١٩] أي (يكفون) بفتح الكاف بعد الضم أي يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم وهو معنى قول السدّي يحبس أوّلهم على آخرهم ليتلاحقوا. (﴿من أكمامها﴾) في قوله تعالى: ﴿إليه يردّ علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها﴾ [فصلت: ٤٧] هو (قشر الكفرّى) بضم الكاف وضم الفاء وفتحها وتشديد الراء وعاء الطلع قال ابن عباس قبل أن ينشق (هي الكم) بضم الكاف. وقال الراغب: الكم ما يغطي اليد من القميص وما يغطي الثمرة وجمعه أكمام وهذا يدل على أنه مضموم الكاف إذ جعله مشتركًا بين كم القميص وبين كم الثمرة ولا خلاف في كم القميص أنه بالضم وضبط الزمخشري كم الثمرة بكسر الكاف فيجوز أن يكون فيه لغتان دون كم القميص جمعًا بين القولين (وقال غيره: ويقال للعنب إذا خرج أيضًا كافور وكفرى) قاله الأصمعي وهذا ساقط لغير المستملي ووعاء كل شيء كافوره (﴿ولي حميم﴾) أي الصديق (القريب) وللأصيلي قريب. (﴿من محيص﴾) في قوله تعالى: ﴿وظنوا ما لهم من محيص﴾ [فصلت: ٤٨] يقال (حاص عنه حاد) والأصيلي أي حاد وزاد أبو ذر عنه والمعنى أنهم أيقنوا أن لا مهرب لهم من النار. (﴿مرية﴾) بكسر الميم في قوله تعالى: (ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم﴾ [فصلت: ٥٤] (﴿ومرية﴾) بضمها في قراءة الحسن لغتان كخفية وخفية ومعناهما (واحد أي امتراء) أي في شك من البعث والقيامة.

стр. 3146

(وقال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد (﴿اعملوا ما شئتم﴾) معناه (الوعيد) وللأصيلي هي وعيد. (وقال ابن عباس) فيما وصله الطبري (﴿بالتي﴾) ولأبي ذر (﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾) [فصلت: ٣٤] الصبر عند الغضب والعفو (عند الإساءة فإذا فعلوه) أي الصبر والعفو (عصمهم الله وخضع لهم عدوّهم) وصار بينه وبينهم عداوة (﴿كأنه ولي حميم﴾) أي كالصديق القريب وسقط لأبي ذر كأنه وليٌّ حميم ولغيره ادفع من قوله ادفع بالتي. ١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (باب قوله: ﴿وما كنتم﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله: ﴿وما كنتم (تستترون﴾) تستخفون عند ارتكاب القبائح خيفة أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم لأنكم تنكرون البعث والقيامة ولكن ذلك الاستتار لأجل أنكم (﴿ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون﴾) [فصلت: ٢٢] من الأعمال التي تخفونها فلذلك اجترأتم على ما فعلتم وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق أنه لا يمرّ عليه حال إلا وعليه رقيب وسقط قوله ولا أبصاركم الخ للأصيلي ولأبي ذر ولا جلودكم الخ وقالا الآية. ٤٨١٦ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآيَةَ، كَانَ رَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ ثَقِيفَ أَوْ رَجُلَانِ مِنْ ثَقِيفَ وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتُرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ حَدِيثَنَا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْمَعُ بَعْضَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَدْ يَسْمَعُ كُلَّهُ، فَأُنْزِلَتْ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآيَةَ. [الحديث ٤٨١٦ - طرفاه في ٤٨١٧، ٧٥٢١]. وبه قال: (حدّثنا الصلت بن محمد) بفتح الصاد المهملة وبعد اللام الساكنة مثناة فوقية الخاركي بالخاء المعجمة والراء المفتوحتين والكاف قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا ابن الحارث البصري (عن روح بن القاسم) بفتح الراء وبعد الواو الساكنة حاء مهملة العنبري بالنون والموحدة (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن أبي معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله بن سخبرة الكوفي (عن ابن مسعود) ﵁ أنه قال في تفسير قوله تعالى: (﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم﴾ الآية) وزاد أبو ذر بعد قوله سمعكم ولا أبصاركم وسقط للأصيلي أن يشهد الخ (كان) ولأبوي ذر والوقت قال بدل كان وللأصيلي وقال في نسخة قال: كان (رجلان من قريش) صفوان وربيعة ابنا أمية بن خلف ذكره الثعلبي وتبعه البغوي (وختن لهما) بفتح الخاء المعجمة والفوقية بعدها نون كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ وهم الأختان (من ثقيف) وفي نسخة من ثقيف بالخفض منوّنًا وهو عبد ياليل بن عمرو بن عمير رواه البغوي في تفسيره وقيل حبيب بن عمرو حكاه ابن الجوزي وقيل الأخنس بن شريق حكاه ابن بشكوال (أو رجلان من ثقيف) وفي نسخة ثقيف بالجر والتنوين (وختن لهما من قريش في بيت) الشك من أبي معمر الراوي عن ابن مسعود، وأخرجه عبد الرزاق من طريق وهب بن ربيعة عن ابن مسعود بلفظ ثقفي وختناه قرشيان فلم يشك، وأخرجه مسلم من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود فقال ثلاثة نفر ولم ينسبهم، وعند ابن بشكوال القرشي الأسود بن عبد يغوث الزهري والثقفيان الأخنس بن شريق والآخر لم يسم (فقال بعضهم لبعض: أترون) بضم المثناة الفوقية (أن الله يسمع حديثنا؟ قال بعضهم): ولأبي ذر فقال بزيادة فاء وللأصيلي وابن عساكر وقال بالواو بدل الفاء (يسمع بعضه) أي ما جهرنا به (وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله) وبيان الملازمة كما قاله الكرماني أن نسبة جميع المسموعات إليه واحدة فالتخصيص تحكم (فأنزلت ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم﴾ الآية). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التوحيد ومسلم في التوبة والترمذي في التفسير وكذا النسائي. ٢ - باب ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم﴾) أنه لا يعلم كثيرًا مما تعملون (﴿أرداكم﴾) أي أهلككم أو طرحكم في النار (﴿فأصبحتم من الخاسرين﴾) [فصلت: ٢٣] سقط لغير الأصيلي قوله الذي ظننتم الخ. ٤٨١٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتُرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآيَةَ. وَكَانَ سُفْيَانُ يُحَدِّثُنَا بِهَذَا فَيَقُولُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ أَوِ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَوْ حُمَيْدٌ، أَحَدُهُمْ أَوِ اثْنَانِ مِنْهُمْ، ثُمَّ ثَبَتَ عَلَى مَنْصُورٍ، وَتَرَكَ ذَلِكَ مِرَارًا غَيْرَ وَاحِدَةٍ. قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤] الآيَةَ. وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة (عن عبد الله) هو ابن مسعود (﵁) أنه (قال: اجتمع عند البيت) الحرام (قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي) بالشك وتقدم قريبًا أسماؤهم (كثيرة)

стр. 3147

بالتنوين (شحم بطونهم) بإضافة بطون لشحم (قليلة) بالتنوين (فقه قلوبهم) بإضافة قلوب لفقه والتاء في كثيرة وقليلة. قال الكرماني: إما أن يكون الشحم مبتدأ واكتسب التأنيث من المضاف إليه وكثيرة خبره وإما أن تكون التاء للمبالغة نحو رجل علاّمة وفيه إشارة إلى أن الفطنة قلما تكون مع البطنة (فقال أحدهم: أترون) بضم التاء (أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا) قال في الفتح: فيه إشعار بأن هذا الثالث أفطن أصحابه وأخلق به أن يكون الأخنس بن شريق لأنه أسلم بعد ذل وكذا صفوان بن أمية (فأنزل الله : ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾ الآية) إلى آخرها. قال الحميدي عبد الله بن الزبير (وكان سفيان) بن عيينة (يحدّثنا بهذا) الحديث (فيقول: حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر (أو ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة مهملة عبد الله (أو حميد) بضم الحاء مصغرًا ابن قيس أبو صفوان الأعرج مولى عبد الله بن الزبير (أحدهم أو اثنان منهم ثم ثبت على منصور وترك ذلك مرارًا غير واحدة) وللأصيلي غير مرة واحدة. (قوله) تعالى: (﴿فإن يصبروا فالنار مثوى لهم﴾) [فصلت: ٢٤] (الآية) أي سكن لهم أي إن أمسكوا عن الاستغاثة لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون النار مقامًا لهم وسقطت الآية كلها لأبي ذر. ٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِنَحْوِهِ. وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن بحر الصيرفي البصري قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن سعيد القطان قال: (حدّثنا سفيان الثوري قال: حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة (عن عبد الله) هو ابن مسعود (بنحوه) أي بنحو الحديث السابق ولأبي ذر والأصيلي نحوه بإسقاط حرف الجر. [٤٢] سورة حم عسق وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿عَقِيمًا﴾: لَا تَلِدُ. ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾: الْقُرْآنُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾: نَسْلٌ بَعْدَ نَسْلٍ. ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا﴾: لَا خُصُومَةَ. طَرْفٍ خَفِيٍّ: ذَلِيلٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ: يَتَحَرَّكْنَ وَلَا يَجْرِينَ فِي الْبَحْرِ. ﴿شَرَعُوا﴾: ابْتَدَعُوا. ([٤٢] سورة حم عسق) مكية ثلاث وخمسون آية. (ويذكر) بضم أوله وفتح ثالثه ولأبي ذر بسم الله الرحمن الرحيم قال البخاري: يذكر بإسقاط العاطف (عن ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم والطبري (﴿عقيمًا﴾) في قوله: ﴿ويجعل من يشاء عقيمًا﴾ [الشورى: ٥٠] أي (لا تلد) ولأبي ذر التي لا تلد. (﴿روحًا من أمرنا﴾) [الشورى: ٥٢] قال ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم هو (القرآن) لأن القلوب تحيا به. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿يذرؤكم فيه﴾) [الشورى: ١١] بالذال المعجمة (نسل بعد نسل) أي يخلقكم في الرحمن وقال القتبي أي في الروح وخطأ من قال في الرحم لأنها مؤنثة. (﴿لا حجة بيننا﴾) [الشورى: ١٥] أي (لا خصومة) ولأبي ذر لا حجة بيننا وبينكم لا خصومة بيننا وبينكم. قال في اللباب: وهذه الآية نسختها آية القتال، وقال في الأنوار: لا حجة بيننا وبينكم لا حجاج بمعنى لا خصومة إذ الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة مجال ولا للخلاف مبدأ سوى العناد وليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار رأسًا حتى تكون منسوخة بآية القتال. (طرف) ولأبي ذر من طرف (خفي) أي (ذليل) بالمعجمة كما ينظر المصبور إلى السيف؛ فإن قلت: إنه تعالى قال في صفة الكفار إنهم يحشرون عميًا، وقال هنا ينظرون من طرف خفي؟ أجيب: بأنه لعلهم يكونون في الابتداء كذلك ثم يصيرون عميًا. (وقال غيره) غير مجاهد: (فيظللن رواكد على ظهره) أي (يتحركن) يعني يضطربن بالأمواج (ولا يجرين في البحر) لسكون الريح وقول صاحب المصابيح كأنه سقط منه لا يعني قبل يتحركن ولهذا فسر رواكد بسواكن يندفع بما سبق. (﴿شرعوا﴾) في قوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين﴾ [الشورى: ٢١] أي (ابتدعوا) وهذا قول أبي عبيدة وهذا ساقط لأبي ذر. ١ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (باب قوله) تعالى: (﴿إلا المودة في القربى﴾) [الشورى: ٢٣] أي أن تودّوني لقرابتي منكم أو تودوا أهل قرابتي وقيل الاستثناء منقطع إذ ليست المودة من جنس الأجر

стр. 3148

والمعنى: لا أسألكم أجرًا قطّ ولكن أسألكم المودة وفي القربى حال منها أي إلا المودة ثابتة في ذوي القربى متمكّنة في أهلها أو في حق القرابة ومن أجلها قاله في الأنوار، فإن قلت: لا نزاع أنه لا يجوز طلب الأجر على تبليغ الوحي. أجيب بأنه من باب قوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب يعني: أنا لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجرًا لأن حصول المودّة بين المسلمين أمر واجب وإذا كان كذلك فهو في حق أشرف الخلق أولى فقوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ تقديره والمودة في القربى ليست أجرًا فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر البتة. ٤٨١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ طَاوُسًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجِلْتَ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلاَّ كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: "إِلاَّ أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) العبدي البصري أبو بكر بندار قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري المعروف بغندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك بن ميسرة) ضد الميمنة الهلالي الكوفي أنه (قال سمعت طاوسًا) هو ابن كيسان اليماني (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن قوله) تعالى: (﴿إلا المودة في القربى﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ ¬) فحمل الآية على أمر المخاطبين بأن يوادّوا أقاربه ﷺ وهو عام لجميع المكلفين (فقال ابن عباس) لسعيد (عجلت) بفتح العين وكسر الجيم وسكون اللام أي أسرعت في تفسيرها (إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال): (إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة) فحمل الآية على أن توادّوا النبي ﷺ من أجل القرابة التي بينه وبينكم فهو خاص بقريش ويؤيده أن السورة مكية، وأما حديث ابن عباس أيضًا عند ابن أبي حاتم قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣] قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودّتهم؟ قال: فاطمة وولدها ﵈. فقال ابن كثير: إسناده ضعيف فيه متهم لا يعرف إلا عن شيخ شيعي مخترق وهو حسين الأشقر ولا يقبل خبره في هذا المحل، والآية مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة وتفسير الآية بما فسر به حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس أحق وأولى، ولا تنكر الوصاة بأهل البيت واحترامهم وإكرامهم إذ هم من الذرية الطاهرة التي هي أشرف بيت وجد على الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا ولا سيما إذا كانوا متبعين للسُّنّة الصحيحة كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه علي وآل بيته وذريته ﵃ أجمعين ونفعًا بمحبتهم. [٤٣] سورة حم الزُّخْرُفِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ عَلَى إِمَامٍ. ﴿وَقِيلَهُ يَا رَبِّ﴾ تَفْسِيرُهُ: أَيَحْسِبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: لَوْلَا أَنْ جَعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارًا، لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الْكُفَّارِ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ مِنْ فِضَّةٍ. وَهْيَ دَرَجٌ، وَسُرُرُ فِضَّةٍ. ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مُطِيقِينَ. ﴿آسَفُونَا﴾: أَسْخَطُونَا. ﴿يَعْشُ﴾: يَعْمَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾: أَيْ تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ؟ ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾: سُنَّةُ الأَوَّلِينَ. ﴿مُقْرِنِينَ﴾: يَعْنِي الإِبِلَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ. ﴿يَنْشَأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾: الْجَوَارِي جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴿فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ يَعْنُونَ الأَوْثَانَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ الأَوْثَانُ، إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. ﴿فِي عَقِبِهِ﴾: وَلَدِهِ. ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾: يَمْشُونَ مَعًا. ﴿سَلَفًا﴾: قَوْمُ فِرْعَوْنَ سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿وَمَثَلًا﴾: عِبْرَةً. ﴿يَصِدُّونَ﴾: يَضِجُّونَ. ﴿مُبْرِمُونَ﴾: مُجْمِعُونَ. ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ. ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الْعَرَبُ تَقُولُ: نَحْنُ مِنْكَ الْبَرَاءُ وَالْخَلَاءُ، وَالْوَاحِدُ وَالاِثْنَانِ وَالْجَمِيعُ مِنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ يُقَالُ فِيهِ بَرَاءٌ لأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَلَوْ قَالَ: ﴿بَرِيءٌ﴾ لَقِيلَ فِي الاِثْنَيْنِ بَرِيئَانِ وَفِي الْجَمِيعِ بَرِيئُونَ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّنِي بَرِيءٌ بِالْيَاءِ. وَالزُّخْرُفُ الذَّهَبُ. ﴿مَلَائِكَةً يَخْلُفُونَ﴾: يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. [٤٣] سورة حم الزُّخْرُفِ مكية إلا قوله: ﴿واسأل من أرسلنا﴾ وآيها تسع وثمانون ولأبي ذر سورة حم الزخرف، وله ولابن عساكر بسم الله الرحمن الرحيم وسقطت لغيرهما. (وقال مجاهد) في قوله: (﴿على أمة﴾)، من قوله: ﴿إنّا وجدنا آباءنا على أمة﴾ [الزخرف: ٢٢] أي (على إمام) كذا فسره أبو عبيدة عند عبد بن حميد عن مجاهد على ملة وعن ابن عباس عند الطبري على دين. (﴿وقيله يا رب﴾) [الزخرف: ٨٨] (تفسير: أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ولا نسمع قيلهم) وهذا يقتضي الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجمل كثيرة. قال الزركشي: فينبغي حمل كلامه على أنه أراد تفسير المعنى ويكون التقدير ويعلم قيله وهذا يرده ما حكاه السفاقسي من إنكار بعضهم لهذا وقال إنما يصح ذلك أن لو كانت التلاوة وقيلهم. اهـ. وقيل: عطف على مفعول يكتبون المحذوف أي يكتبون ذلك ويكتبون قيله كذا أو على مفعول يعلمون المحذوف أي يعلمون ذلك ويعلمون قيله أو أنه مصدر أي قال قيله أو بإضمار ْفعل أي الله يعلم قيل رسول الله ﷺ شاكيًا إلى ربه يا رب، وقرأ عاصم وحمزة بخفض اللام وكسر الهاء وصلتها بياء عطفًا على الساعة أي عنده علم قيله والقول والقال

стр. 3149

والقيل بمعنى واحد جاءت المصادر على هذه الأوزان. (وقال) ولأبي ذر قال: (ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم والطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله: (﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة﴾) [الزخرف: ٣٣] أي (لولا أن جعل) بلفظ الماضي وللأصيلي أن يجعل بصيغة المضارع بالياء التحتية ولأبي ذر وابن عساكر أن أجعل (الناس كفارًا لجعلت لبيوت الكفار) ولأبي ذر عن الحموي بيوت الكفار (سقفًا) بفتح السين وسكون القاف على إرادة الجنس وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير ولأبي ذر سقفًا بضمهما على الجمع وهي قراءة الباقين (من فضة ومعارج) جمع معرج (من فضة وهي درج وسرر فضة) جمع سرير وهل قوله من فضة يشمل المعارج والسّرر وعن الحسن فيما رواه الطبري من طريق عوف عنه قال كفارًا يميلون إلى الدنيا وقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل فكيف لو فعل وقال في الأنوار لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعمهم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه لجعلنا. (﴿مقرنين﴾). في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين﴾ [الزخرف: ١٣] أي (مطيقين) من أقرن الشيء إذا أطاقه ومعنى الآية ليس عندنا من القوّة والطاقة أن نقرن هذه الدابة والفلك أو نضبطها فسبحان مَن سخر لنا هذا بقدرته وحكمته. (﴿آسفونا﴾) أي (أسخطونا) قاله ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم، وقيل أغضبونا بالإفراط في العناد والعصيان وهذا من المتشابهات فيؤوّل بإرادة العقاب. (﴿يعش﴾) بضم الشين قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم عن عكرمة عنه أي (يعمى) لكن قال أبو عبيدة من قرأ بضم الشين فمعناه أنه تظلم عينه ومن فتحها فمعناه تعمى عينه، وقال في الأنوار: ﴿ومَن يعش عن ذكر الرحمن﴾ [الزخرف: ٣٦] يتعامى ويعرض عنه بفرط اشتغاله بالمحسوسات وانهماكه في الشهوات وقرئ يعش بالفتح أي يعمى يقال عشي إذا كان في بصره آفة وعشي إذا تعشى بلا آفة كعرج وعرج اهـ. وقول ابن المنير في الانتصاف وفي الآية نكتتان إحداهما أن النكرة في سياق الشرط تعم وفي ذلك اضطراب للأصوليين وإمام الحرمين يختار العموم وبعضهم حمل كلامه على العموم البدلي لا الاستغراقي، فإن كان مراده عموم الشمول فالآية حجة له من وجهين لأنه نكر الشيطان ولم يرد إلا الكل لأن كل إنسان له شيطان فكيف بالعاشي عن ذكر الله والثاني أنه أعاد الضمير مجموعًا في قوله: ﴿وإنهم ليصدونهم عن السبيل﴾ [الزخرف: ٣٧] ولولا عموم الشمول لما جاز عود الضمير على واحد تعقبه العلاّمة البدر الدماميني فقال في كلٍّ من الوجهين اللذين أبداهما نظر، أما الأول فلا نسلم أنه أراد كل شيطان بل المقصود أنه قيض لكل فرد من العاشين عن ذكر الله شيطان واحد لا كل شيطان وذلك واضح، وأما الثاني فعود ضمير الجماعة على شيء ليس بينه وبين العموم الشمولي تلازم بوجه وعود الضمير في الآية بصيغة ضمير الجماعة إنما كان باعتبار تعدّد الشياطين المفهومة مما تقدم إذ معناه على ما قررناه أن كل عاش له شيطان فبهذا الاعتبار جاء التعديل فعاد الضمير كما يعود على الجماعة. (وقال مجاهد) مما وصله الفريابي في قوله: (﴿أفنضرب عنكم الذكر﴾ [الزخرف: ٥] أي تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه) وقال الكلبي أفنترككم سدّى لا نأمركم ولا ننهاكم. (﴿ومضى مثل الأوّلين﴾) [الزخرف: ٨] أي (سُنّة الأوّلين) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي أيضًا. (﴿مقرنين﴾) وللأصيلي وما كنا له مقرنين (يعني الإبل والخيل والبنال والحمير) وهو تفسير للمراد بالضمير في له. (﴿ينشأ في الحلية﴾) أي (الجواري) اللاتي ينشأن في الزينة أي النبات (جعلتموهن) وللأصيلي وأبي ذر يقول جعلتموهن (للرحمن ولد ﴿فكيف تحكمون﴾) بذلك ولا ترضونه لأنفسكم. (﴿لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾) [الزخرف: ٢٠] (يعنون الأوثان) وقال قتادة يعنون الملائكة والمعنى وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياهم لرضاه منا بعبادتها (يقول الله تعالى) وللأصيلي بقول الله تعالى بالموحدة ولأبي ذر وابن عساكر لقول الله (﴿ما لهم

стр. 3150

بذلك من علم﴾) أي (الأوثان أنهم لا يعلمون) نزل الأوثان منزلة مَن يعقل ونفى عنهم علم ما يصنع المشركون من عبادتهم وقيل الضمير للكفار أي ليس لهم علم ما ذكروهم من قولهم إن الله رضي عنا لعبادتنا وسقط للأصيلي أنهم. (﴿في عقبه﴾) أي (ولده) فيكون منهم أبدًا مَن يوحّد الله ويدعو إلى توحيده. (﴿مقترنين﴾) أي (يمشون معًا) قاله مجاهد أيضًا. (﴿سلفًا﴾) في قوله: ﴿فجعلناهم سلفًا ومثلًا للآخرين﴾ [الزخرف: ٥٦] هم (قوم فرعون سلفًا لكفار أمة محمد ﷺ ﴿ومثلًا﴾) أي (عبرة) لهم. (﴿يصدّون﴾) بكسر الصاد أي (يضجون) وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بضم الصاد فقيل هما بمعنى واحد وهو الضجيج واللغط وقيل الضم من الصدود وهو الإعراض. (﴿مبرمون﴾) في قوله تعالى: ﴿أم أبرموا أمرًا فإنا مبرمون﴾ [الزخرف: ٧٩] أي (مجمعون) وقيل محكمون. (﴿أوّل العابدين﴾) أي (أوّل المؤمنين) قاله مجاهد أيضًا. (﴿إنني﴾) ولأبي ذر والأصيلي وقال غيره أي غير مجاهد: إنني (﴿براء مما تعبدون﴾) [الزخرف: ٢٦] (العرب تقول نحن منك البراء) منك (والخلاء) منك (والواحد والاثنان والجميع من المذكر والمؤنث يقال فيه براء) بلفظ واحد (لأنه مصدر) في الأصل وقع موقع الصفة وهي بريء (ولو قال) ولأبي ذر ولو قيل (﴿بريء﴾ لقيل في الاثنين بريئان وفي الجميع بريئون﴾) وأهل نجد يقولون أنا بريء وهي بريئة ونحن برآء (وقرأ عبد الله) يعني ابن مسعود (إنني بريء بالياء) وصله الفضل بن شاذان في كتاب القراءة عنه. (والزخرف) في قوله: ﴿ولبيوتهم أبوابًا وسررًا عليها يتكئون وزخرفًا﴾ [الزخرف: ٣٤] هو (الذهب) قاله قتادة وفي قراءة عبد الله بن مسعود أو يكون لك بيت من ذهب. (﴿ملائكة﴾) في قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض﴾ [الزخرف: ٦٠] (﴿يخلفون﴾) أي (يخلف بعضهم بعضًا) قاله قتادة فيما أخرجه عبد الرزاق وزاد في آخره مكان ابن آدم ومن في قوله منكم بمعنى بدل أي بدلكم أو تبعيضية أي لولدنا منكم يا رجال ملائكة في الأرض يخلفونكم كما تخلفكم أولادكم كما ولدنا عيسى من أُنثى دون ذكر. (قوله: ﴿ونادوا﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين ونادوا (﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾) ليمتنا لنستريح ﴿قال﴾ مالك مجيبًا لهم بعد ألف سنة أو أربعين أو مائة ﴿إنكم ماكثون﴾ [الزخرف: ٧٧] مقيمون في العذاب لا خلاص لكم منه بموت ولا بغيره وسقط قوله قال إنكم ماكثون لغير أبي ذر وابن عساكر وقال الآية. ٤٨١٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ ضَابِطِينَ يُقَالُ: فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِفُلَانٍ ضَابِطٌ لَهُ. وَالأَكْوَابُ: الأَبَارِيقُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا. وقال قتادة: ﴿في أم الكتاب﴾ جملة الكتاب أصا الكتاب. ﴿أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أَيْ مَا كَانَ فَأَنَا أَوَّلُ الآنِفِينَ. وَهُمَا لُغَتَانِ، رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾ وَيُقَالُ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ الْجَاحِدِينَ. مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] مُشْرِكِينَ وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَهَلَكُوا. ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] عُقُوبَةُ الأَوَّلِينَ. ﴿جُزْءًا﴾ عِدْلًا. وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم الأنماطي السلمي مولاهم البصري قال: (حدّثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي ثم المكي الإمام الحجة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن صفوان بن يعلى عن أبيه) يعلى بن أمية التميمي حليف قريش واسم أمه منية بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية أنه (قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: (﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾) وقرئ يا مال بكسر اللام على الترخيم وفيه إشعار بأنهم لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بالتمام. فإن قلت: كيف قال ونادوا يا مالك بعد ما وصفهم بالإبلاس؟ أجيب: بأنها أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتًا لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتًا لشدة ما بهم. وهذا الحديث ذكره في باب صفة النار من بدء الخلق. (وقال قتاة) في قوله تعالى: (﴿مثلًا﴾) من قوله تعالى: ﴿فجعلناهم سلفًا ومثلًا﴾ (﴿للآخرين﴾) أي (عظة لمن بعدهم) والعظة الموعظة وثبت قوله لمن بعدهم لأبي ذر. (وقال غيره) أي غير قتادة في قوله: (﴿مقرنين﴾) من قوله تعالى: ﴿وما كنا له مقرنين﴾ السابق ذكره أي (ضابطين يقال فلان مقرن لفلان) أي (ضابط له) قاله أبو عبيدة. (والأكواب) هي (الأباريق التي لا خراطيم لها) وقيل لا عراوي لها ولا خراطيم معًا قال الجواليقي ليتمكن الشارب من أين شاء فإن العروة تمنع من ذلك. (وقال قتادة) فيما رواه عبد الرزاق (﴿في أم الكتاب﴾ جملة الكتاب أصل الكتاب) وأم كل شيء أصله والمراد المحفوظ لأنه أصل الكتب السماوية

стр. 3151

وسقط قوله وقال قتادة الخ لغير أبي ذر. (﴿أول العابدين﴾) في قوله تعالى: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: ٨١] السابق تفسيره قريبًا عن مجاهد بأول المؤمنين وفسره هنا بقوله (أي ما كان) يريد أن إن في قوله إن كان نافية لا شرطية ثم أخبر بقوله: ﴿فأنا أول العابدين﴾ أي الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له وتكون الفاء سببية ومنع مكي أن تكون نافية قال لأنه يوهم أنك إنما نفيت عن الله الولد فيما مضى دون ما هو آتٍ وهذا محُال وردّ عليه بأن كان قد تدل على الدوام كقوله تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ وعن ابن عباس فيما رواه الطبري قال يقول لم يكن للرحمن ولد وقيل إن شرطية على بابها واختلف في تأويله فقيل إن صح ذلك فأنا أول من يعبده لكنه لم يصح البتة بالدليل القاطع وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان المعلق بها مُحالًا مثلها فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها كذا قرره في الكشاف (فأنا أوّل الآنفين) أي المستنكفين وهذا تفسير قوله أول العابدين لأنه مشتق من عبد بكسر الموحدة إذا أنف واشتدت أنفته (وما) أي عابد وعبد (لغتان) يقال (رجل عابد وعبد) بكسر الموحدة في ضبط الدمياطي والفرع وغيرهما وقال ابن عرفة يقال عبد بالكسر يعبد بالفتح فهو عبد وقلما يقال عابد والقرآن لا يجيء على القليل ولا الشاذ ومراده أن تخريج من قال إن العابدين بمعنى الآنفين لا يصح وقال الإمام فخر الدين وهذا التعليق فاسد لأن هذه الآنفة حاصلة سواء حصل ذلك الزعم والاعتقاد أو لم يحصل. (وقرأ عبد الله) يعني ابن مسعود (﴿وقال الرسول يا رب﴾) أي موضع قوله تعالى (وقيله يا رب) السابق ذكره قريبًا وهي قراءة شاذة مخالفة لخط المصحف (ويقال أول العابدين) أي (الجاحدين) يقال عبدني حقي أي جحدنيه (من عبد) بكسر الموحدة (يعبد) بفتحها كذا فيما وقفت عليه من الأصول وقال السفاقسي ضبطوه هنا بفتح الباء في الماضي وضمها في المستقبل قال ولم يذكر أهل اللغة عبد بمعنى جحد ورد عليه بما ذكره محمد بن عزيز السختياني صاحب غريب القرآن من أن معنى العابدين الجاحدين وفسر على هذا إن كان له ولد فأنا أول الجاحدين. وهذا معروف من قول العرب إن كان هذا الأمر قط يعني ما كان وقال السدي معناه لو كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أي من عبده بذلك ولكن لا ولد له وثبت هنا قوله وقال قتادة في أم الكتاب جملة الكتاب أصل الكتاب السابق قريبًا في رواية غير أبي ذر. (﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحًا أن كنتم قومًا مسرفين﴾) [الزخرف: ٥] بفتح الهمزة أي لأن كنتم. قال في الأنوار. وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بكسرها على أنها شرطية وإسرافهم كان متحققًا وأن إنما تدخل على غير المحقق أو المحقق المبهم الزمان وأجاب في الكشاف بأنه من الشرط الذي يصدر عن المدلي بصحة الأمر والمتحقق لثبوته كقول الأجير إن كنت عملت لك عملًا فوفني حقي وهو عالم بذلك ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في إيصال حقي فعل من له شك في استحقاقه إياه تجهيلًا له وقيل المعنى على المجازاة والمعنى أفنضرب عنكم الذكر صفحًا متى أسرفتم أي إنكم متروكون من الإنذار متى كنتم قومًا مسرفين أي (مشركين) سقط مشركين لأبي ذر (والله لو أن هذا القرآن رفع حيث رده أوائل هذه الأمة لهلكوا) قاله قتادة فيما وصله ابن أبي حاتم وزاد ولكن الله عاد عليهم بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه وزاد غير ابن أبي حاتم عشرين سنة أو ما شاء الله. (﴿فأهلكنا أشد منهم بطشًا﴾) [الزخرف: ٨] أي من القوم المسرفين. ((ومضى مثل الأولين) [الزخرف: ٨] أي (عقوبة الأولين) قاله قتادة فيما وصله عبد الرزاق. (﴿جزءًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وجعلوا له من عباده جزءًا﴾ [الزخرف: ١٥] أي (عدلًا) بكسر العين وسكون الدال وفي آل ملك عدلًا بفتح العين وسكون الدال أي مثلًا فالمراد بالجزء هنا إثبات الشركاء لله تعالى لأنهم لما أثبتوا الشركاء زعموا أن كل العبادة ليست لله بل

стр. 3152

بعضها جزء له تعالى وبعضها جزء لغيره، وقيل معنى الجعل أنهم أثبتوا لله ولدًا لأن ولد الرجل جزء منه والأول أولى لأنّا إذا حملنا الآية على إنكار الشريك لله والآية اللاحقة على إنكار الولد كان ذلك جامعًا للرد على جميع المبطلين. [٤٤] سورة الدُّخَانِ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿رَهْوًا﴾: طَرِيقًا يَابِسًا. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: عَلَى مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ. ﴿فَاعْتُلُوهُ﴾: ادْفَعُوهُ. ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ﴾: أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا عِينًا يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ. ﴿تَرْجُمُونِ﴾: الْقَتْلُ. وَرَهْوًا: سَاكِنًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿كَالْمُهْلِ﴾: أَسْوَدُ كَمُهْلِ الزَّيْتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿تُبَّعٍ﴾: مُلُوكُ الْيَمَنِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعًا لأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ، وَالظِّلُّ يُسَمَّى تُبَّعًا لأَنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ. ([٤٤] سورة الدُّخَانِ) مكية إلا قوله: ﴿إنّا كاشفو العذاب﴾ الآية وهي سبع أو تسع وخمسون آية، ولأبي ذر: سورة حم الدخان (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿رهوًا﴾) في قوله تعالى: ﴿واترك البحر رهوًا﴾ [الدخان: ٢٤] أي (طريقًا يابسًا) زاد الفريابي كهيئته يوم ضربه وزاد أبو ذر ويقال رهوًا ساكنًا يقال الخيل رهوًا أي ساكنة قال النابغة: والخيل تمرح رهوًا في أعنتها … كالطير ينجو من الشؤبوب ذي البرد وعن أبي عبيدة رهوًا منفتحًا فرجًا على ما تركته روي أنه لما انفلق البحر لموسى وطلع منه خاف أن يدركه فرعون فأراد أن يضربه ليعود حتى لا يلحقه فقيل له اتركه إنهم جند مغرقون. (﴿على العالمين﴾) ولأبي ذر على علم على العالمين (على من بين ظهريه) أي اخترنا مؤمني بني إسرائيل على عالمي زمانهم. (﴿فاعتلوه﴾) في قولها ﴿خذوه فاعتلوه﴾ [الدخان: ٤٧] أي (ادفعوه) دفعًا عنيفًا. ﴿وزوجناهم بحور﴾ [الدخان: ٥٤] (أنكحناهم) ولأبي ذر بحور عين أنكحناهم (حورًا عينًا يحار فيها الطرف) والعين جمع عيناء العظيمة العينين من النساء الواسعتهما وليس المراد عقد التزويج ولأبي ذر هنا فاعتلوه ادفعوه. ويقال أن (﴿ترجمون﴾) في قوله: (﴿وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون﴾ [الدخان: ٢٠] المراد بالرجم هنا (القتل) وقال ابن عباس ترجمون بالقتل وهو الشتم يقولون هو ساحر وقال قتادة بالحجارة: (ورهوًا ساكنًا) كذا هو هنا في اليونينية وفرعها وسبق ذكره لأبي ذر. (وقال ابن عباس) فيما رواه ابن أبي حاتم في (﴿كالمهل﴾) من قوله: ﴿إنّ شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] هو (أسود كمهل الزيت) أي كدرديه أو عكر القطران أو ما أذيب من الذهب والفضة أو من كل المنطبعات كالحديد. (وقال غيره) أي غير ابن عباس في (﴿تبع﴾) من قوله تعالى: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ [الدخان: ٣٧] هم (ملوك اليمن كل واحد منهم يسمى تبعًا لأنه يتبع صاحبه) وقيل لأن أهل الدنيا كانوا يتبعونه وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام (والظل يسمى تبعًا لأنه يتبع الشمس) قاله أبو عبيدة وقالت عائشة فيما رواه عبد الرزاق كان تبع رجلًا صالحًا. ١ - باب: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ قَتَادَةُ (فَارْتَقِبْ) فَانْتَظِرْ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله : (﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾) [الدخان: ١٠] وسقط لغير أبي ذر لفظ باب وقوله فارتقب فقط (قال قتادة) فيما وصله عبد بن حميد (فارتقب) أي (فانتظر) وللأصيلي انتظر بإسقاط الفاء. ٤٨٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَضَى خَمْسٌ: الدُّخَانُ، وَالرُّومُ، وَالْقَمَرُ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ. وبه قال: (حدّثنا عبدان) عبد الله بن عثمان المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري (عن الأعمش) سليمان (عن مسلم) هو ابن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عبد الله) هو ابن مسعود ﵁ أنه (قال: مضى خمس) من علامات الساعة (الدخان) بتخفيف الخاء المذكور في قوله هنا: ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠] (والروم) في قوله: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢] (والقمر) في قوله: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١] (والبطشة) في قوله هنا: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦] (واللزام) في قوله: ﴿فسوف يكون لزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] وهو الهلكة أو الأسر ويدخل في ذلك يوم بدر كما فسره به ابن مسعود وغيره فيكون أربعًا أو اللزام يكون في القيامة ولتحقق وقوعه عدّ ماضيًا. وهذا الحديث سبق في الفرقان. ٢ - باب ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله: (﴿يغشى الناس﴾) أي يحيط بهم الدخان (﴿هذا عذاب أليم﴾) [الدخان: ١١] في محل نصب بالقول وذلك القول حال أي قائلين ذلك وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٨٢١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ هَذَا لأَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجَهْدِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١] قَالَ: فَأُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ اللَّهَ لِمُضَرَ فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ قَالَ: «لِمُضَرَ؟ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ»، فَاسْتَسْقَى، فَسُقُوا، فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ عَادُوا إِلَى حَالِهِمْ حِينَ أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] قَالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ. وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن موسى البلخي قال: (حدّثنا أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين (عن الأعمش) سليمان

стр. 3153

بن مهران (عن مسلم) أبي الضحى بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: قال عبد الله) هو ابن مسعود (إنما كان هذا) القحط والجهد اللذان أصابا قريشًا حتى رأوا بينهم وبين السماء كالدخان من شدة الجوع (لأن قريشًا لما استعصوا على النبي ﷺ ¬) أي حين أظهروا العصيان ولم يتركوا الشرك (دعا عليهم بسنين) قحط (كسني يوسف) الصديق ﵇ المذكورة في سورته (فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام) زاد في الرواية الآتية إن شاء الله تعالى والميتة (فجعل الرجل) منهم (ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد) من ضعف بصره أو لأن الهواء يظلم عام القحط لقلة الأمطار وكثرة الغبار (فأنزل الله تعالى) ولأبي ذر (﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾ قال) أي ابن مسعود (فأُتي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (رسول الله ﷺ فقيل يا رسول الله) والآتي هو أبو سفيان كما عند المؤلّف لكن في المعرفة لابن منده في ترجمة كعب بن مرة قال: دعا رسول الله ﷺ على مضر فأتيته فقلت: يا رسول الله قد نصرك الله وأعطاك واستجاب لك وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم فهذا أولى أن يفسر به القائل بقوله يا رسول الله بخلاف أبي سفيان، فإنه وإن كان جاء أيضًا مستشفعًا لكنه لم يكن أسلم حينئذٍ ولأبي ذر فقيل يا رسول الله (استسق الله لمضر فإنها قد هلكت) من القحط والجهد قال في الفتح إنما قال لمضر لأن غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز وكان الدعاء بالقحط على قريش وهم سكان مكة فسرى القحط إلى مَن حولهم. (قال) ﵊ مجيبًا لأبي سفيان أو لكعب بن مرة: أتأمرني أن أستسقي المضر)؟ مع ما هم عليه من معصية الله والإشراك به (إنك لجريء) أي ذو جراءة حيث تشرك بالله وتطلب رحمته (فاستسقى) ﵊ وزاد أبو ذر لهم (فسقوا) بضم السين والقاف (فنزلت ﴿إنكم عائدون﴾) [الدخان: ١٥] أي إلى الكفر غب الكشف وكانوا قد وعدوا بالإيمان إن كشف عنهم العذاب (فلما أصابتهم الرفاهية) بتخفيف التحتية بعد الهاء المكسورة والذي في اليونينية أصابتهم بفوقية بعد الموحدة بعد التوسع والراحة (عادوا إلى حالهم) من الشرك (حين أصابتهم الرفاهية فأنزل الله (﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون﴾) [الدخان: ١٦] (قال: يعني يوم بدر) ظرف ليوم. ٣ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (باب قوله تعالى: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنّا مؤمنون﴾) [الدخان: ١٢] أي عذاب القحط والجهد أو عذاب الدخان الآتي قرب قيام الساعة أو عذاب النار حين يدعون إليها في القيامة أو دخان يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ورجح الأول بأن القحط لما اشتد على أهل مكة أتاه أبو سفيان فناشده الرحم ووعده إن كشف عنهم آمنوا فلما كشف عادوا ولو حملناه على الآخرين لم يصح لأنه لا يصح أن يقال لهم حينئذٍ إنّا كاشفو العذاب قليلًا إنكم عائدون وسقط قوله لغير أبي ذر. ٤٨٢٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ: لِمَا لَا تَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ، إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا غَلَبُوا النَّبِيَّ ﷺ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ». فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ، أَكَلُوا فِيهَا الْعِظَامَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الْجَهْدِ، حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجُوعِ، قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فَقِيلَ لَهُ: إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَادُوا، فَدَعَا رَبَّهُ، فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٥] إِلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]. وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن موسى البلخي قال: (حدّثنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجراح (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: دخلت على عبد الله) يعني ابن مسعود ﵁ (فقال: إن من العلم أن تقول لما لا تعلم الله أعلم) قد سبق في سورة الروم سبب قول ابن مسعود هذا من وجه آخر عن الأعمش ولفظه عن مسروق بينا رجل يحدّث في كندة فقال يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام ففزعنا فأتيت ابن مسعود وكان متكئًا فغضب فجلس فقال من علم فليقل ومن لم يعلم فليقل الله أعلم (إن الله) تعالى (قال لنبيه ﷺ : ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾) [ص: ٨٦] والقول فيما لا يعلم قسم من التكلف (إن قريشًا لما غلبوا النبي) بتخفيف اللام وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني لما غلبوا على النبي (-صَلَّى اللَّهُ

стр. 3154

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) بخروجهم عن طاعته وتماديهم في كفرهم (واستعصوا عليه) بفتح الصاد (قال): (اللهم أعنّي عليهم بسبع) من السنين (كسبع يوسف) في الشدة والقحط (فأخدتهم سنة حتى أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد حتى يجعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من) الظلمة التي في أبصارهم بسبب (الجوع قالوا: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾) وعد بالإيمان إن كشف عنهم عذاب الجوع (فقيل له) ﷺ : (إن كشفنا عنهم) ذلك العذاب (عادوا) إلى كفرهم (فدعا) ﵊ (ربه فكشف عنهم) ذلك (فعادوا) إلى الكفر (فانتقم الله منهم يوم بدر) فذلك قوله تعالى: (﴿يوم﴾) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي ﴿فارتقب يوم﴾ (﴿تأتي السماء بدخان مبين﴾ إلى قوله جل ذكره: (﴿إنّا منتقمون﴾). وهذا الحديث سبق في سورة ص. ٤ - باب ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ الذِّكْرُ وَالذِّكْرَى وَاحِدٌ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله: (﴿أنّى لهم الذكرى﴾) أي من أين لهم التذكّر والاتّعاظ (﴿وقد جاءهم﴾) ما هو أعظم وأدخل في وجوب الطاعة وهو (﴿رسول مبين﴾) [الدخان: ١٣] ظاهر الصدق وهو محمد ﷺ (الذكر والذكرى واحد) وسقط باب لغير أبي ذر. ٤٨٢٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَعَا قُرَيْشًا كَذَّبُوهُ، وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ». فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى كَانُوا يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ، فَكَانَ يَقُومُ أَحَدُهُمْ فَكَانَ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَانِ، مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٥] حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: وَالْبَطْشَةُ الْكُبْرَى يَوْمَ بَدْرٍ. وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بالحاء المهملة والزاي البصري الأزدي (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: دخلت على عبد الله) يعني ابن مسعود ﵁ (ثم قال) فيه حذف اختصره والظاهر أن الذي اختصره قول مسروق بينا رجل يحدّث في كندة إلى قوله؛ فأتيت ابن مسعود وكان متكئًا فغضب فجلس فقال من علم فليقل ومن لم يعلم فليقل الله أعلم ثم قال: (إن رسول الله ﷺ لما دعا قريشًا) إلى الإسلام (كذبوه واستعصوا عليه فقال): (اللهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف. فأصابتهم سنة حصّت) بالحاء والصاد المشددة المهملتين أي أذهبت (كل شيء) ولغير الأصيلي وأبي ذر يعني كل شيء (حتى كانوا يأكلون الميتة وكان يقوم أحدهم فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجهد والجوع) زاد في الروم فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله (ثم قرأ﴾) ﵇ (﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٥]). زاد أبو ذر والأصيلي ﴿يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾ [الدخان: ١١] (حتى بلغ ﴿إنّا كاشفو العذاب قليلًا إنكم عائدون﴾. قال عبد الله) يعني ابن مسعود (أفيكشف عنهم العذاب)؟ بهمزة الاستفهام وضم الياء مبنيًّا للمفعول (يوم القيامة؟ قال) أي عبد الله (والبطشة الكبرى يوم بدر) يريد تفسير قوله: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦]. ٥ - باب ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله: (﴿ثم تولوا﴾) أي أعرضوا (﴿عنه وقالوا معلم﴾) هذا القرآن من بعض الناس وقال آخرون إنه (﴿مجنون﴾) [الدخان: ١٤] والجن يلقون إليه ذلك حاشاه الله من ذلك وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٨٢٤ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ، وَمَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ ، وَقَالَ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَأَى قُرَيْشًا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ» فَأَخَذَتْهُمُ السَّنَةُ حَتَّى حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ وَالْجُلُودَ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ، وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَيْ مُحَمَّدُ، إِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ. فَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: «تَعُودُوا بَعْدَ هَذَا». فِي حَدِيثِ مَنْصُورٍ: ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ -إِلَى- ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] أَيُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ؟ فَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ، وَقَالَ أَحَدُهُمُ: الْقَمَرُ وَقَالَ الآخَرُ: الرُّومُ. وبه قال: (حدّثنا بشر بن خالد) أبو محمد العسكري قال: (أخبرنا) وللأصيلي حدّثنا (محمد) هو ابن جعفر الملقب بغندر (عن شعبة) بن الحجاج وللأصيلي حدّثنا شعبة (عن سليمان) بن مهران الأعمش (ومنصور) هو ابن المعتمر كلاهما (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: قال عبد الله) هو ابن مسعود (إن الله بعث محمدًا ﷺ وقال: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾) [ص: ٨٦] فيه حذف اختصره أيضًا كما دلّ عليه السابق (فإن رسول الله ﷺ لما رأى قريشًا استعصوا عليه) فلم يؤمنوا (فقال) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر قال: (اللهم أعني عليهم بسبع) من السنين (كسبع يوسف) بن يعقوب ﵉ (فأخذتهم السنة حتى حصت) أذهبت (كل شيء حتى أكلوا العظام والجلود فقال) ولأبوي ذر الوقت والأصيلي وقال بالواو بدل الفاء (أحدهم) القياس أن يقول أحدهما بالتثنية لأن المراد سليمان ومنصور فيحتمل أن يكون

стр. 3155

على قول إن أقل الجمع اثنان (حتى أكلوا الجلود والميتة وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان). استشكل بما سبق فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجوع. وأجيب: بالحمل على أن مبدأه كان من الأرض ومنتهاه ما بين السماء والأرض وباحتمال وجود الأمرين بأن يخرج من الأرض بخار كهيئة الدخان من شدة حرارة الأرض ووهجها من عدم المطر ويرون بينهم وبين السماء مثل الدخان من فرط حرارة الجوع. (فأتاه) ﵊ (أبو سفيان فقال: أي محمد إن قومك هلكلوا) ولغير أبي ذر والأصيلي قد هلكوا (فادع الله أن يكشف عنهم). ما أصابهم (فدعا) لهم ﵊ أن يكشف الله عنهم (ثم قال: تعودوا) إلى الكفر (بعد هذا) قال الزركشي: كذا وقع تعودوا بحذف نون الرفع وصوابه تعودون بإثباتها. قال العلامة البدر الدماميني: ليس حذفها خطأ بل هو ثابت في الكلام الفصيح نظمًا ونثرًا ومنه قراءة الحسن واليزيدي تظاهرًا بتشديد الظاء أي أنتما ساحران تتظاهران فحذف المبتدأ وهو ضمير المخاطبين وأدغمت التاء في الظاء وحذفت النون تخفيفًا وفي الحديث لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا وللأصيلي تعودون بإثبات النون على الأصل (في حديث منصور) هو ابن المعتمر ثم قرأ (﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ -إلى- ﴿عائدون﴾) قال ابن مسعود: (أيكشف عذاب الآخرة)؟ ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أنكشف بالنون مبنيًّا للفاعل عنهم عذاب الآخرة (فقد مضى الدخان والبطشة واللزام، وقال أحدهم): سليمان ومنصور وثالث معهما أو أحدهما كما مرّ (القمر) يعني انشقاقه (وقال الآخر: الروم) يعني ﴿غلبت الروم﴾ ولأبي ذر والروم بالواو. ٦ - باب ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ (باب ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾) [الدخان: ١٦] وسقط لأبي ذر يوم نبطش الخ. ٤٨٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: اللِّزَامُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَالْقَمَرُ، وَالدُّخَانُ. وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن موسى البلخي قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح (عن الأعمش) سليمان (عن مسلم) هو أبو الضحى (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: خمس قد مضين) أي وقعن (اللزام) وهو الأسر والهلكة يوم بدر (والروم) أي غلبتهم (والبطشة) الكبرى يوم بدر (والقمر) يعني انشقاقه (والدخان) الحاصل لقريش بسبب القحط لكن أخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن علي قال آية الدخان لم تمض بعد يأخذ المؤمن كهيئة الزكام وينفخ الكافر حتى ينقدّ، ولمسلم من حديث أبي سريحة بمهملتين الأولى مفتوحة حذيفة بن أسيد بفتح الهمزة الغفاري رفعه "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة" الحديث. [٤٥] سورة الْجَاثِيَةِ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿جَاثِيَةً﴾: مُسْتَوْفِزِينَ عَلَى الرُّكَبِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿نَسْتَنْسِخُ﴾: نَكْتُبُ. ﴿نَنْسَاكُمْ﴾: نَتْرُكُكُمْ. ([٤٥] سورة الْجَاثِيَةِ) مكية وهي سبع أو ست وثلاثون آية ولأبي ذر سورة حم الجاثية (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر. (﴿جاثية﴾) في قوله تعالى: ﴿وترى كل أمة جاثية﴾ [الجاثية: ٢٨] أي (مستوفزين) بالزاي (على الركب) من الخوف. (وقال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد في قوله تعالى: (﴿نستنسخ﴾) أي (نكتب) أي أمر الملائكة أن تكتب أعمالكم وسقط لأبي ذر وقال مجاهد فقط. (﴿ننساكم﴾) في قوله تعالى: ﴿اليوم ننساكم﴾ [الجاثية: ٣٤] أي (نترككم) في العذاب كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. ١ - باب ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ الآيَةَ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿وما يهلكنا﴾) وما يفنينا (﴿إلا الدهر﴾) [الجاثية: ٢٤] الأمر الزمان وطول العمر واختلاف الليل والنهار (الآية). وزاد في الفرع وما لهم بذلك الذي قالوه من علم علموه إن هم إلا يظنون إذ لا دليل لهم عليه وضرب على ذلك في الأصل. ٤٨٢٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سعيد بن المسيب) بفتح التحتية المشددة (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) ولأبوي ذر والوقت قال النبي (¬ ﷺ ¬): (قال الله يؤذيني ابن آدم) أي يخاطبني
следующие страницы →