ﷺ ¬):
(جاورت) في غار (حراء) بالصرف (فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت) أي وصلت إلى بطن (الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فإذا هو) يعني الملك (جالس على العرش) ولأبي ذر على كرسي بدل عرش (بين السماء والأرض فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا عليّ ماءً باردًا وأنزل عليّ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾) والظاهر أن الذي أنبأ يحيى بن أبي كثير عروة بن الزبير والذي أنبأ أبا سلمة عائشة فإن
الحديث مشهور عن عروة عن عائشة، ويحتمل أن يكون مراده بأوّلية المدثر أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي أو مقيدة بالإنذار لا أوّلية مطلقة.
٣ - باب ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿وثيابك فطهّر﴾) [المدثر: ٤] أي عن النجاسة أو قصرها خلاف جر العرب ثيابهم خيلاء فربما أصابتها النجاسة وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٩٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَثِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَّرُونِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ -إِلَى- ﴿وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ وَهْيَ الأَوْثَانُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين مصغرًا ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري قال المصنف: (وحدّثني) بالإفراد وفي بعض النسخ ح لتحويل السند. وحدّثني بالإفراد أيضًا (عبد الله بن محمد) المسندي قال (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري فأخبرني) بالإفراد. ولأبي ذر قال الزهري: قال أخبرني بالإفراد وفي غير اليونينية قال الزهري فأخبرني (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄ أنه (قال: سمعت النبي ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي) أي في حال التحديث عن احتباس الوحي عن النزول (فقال في حديثه):
(فبينا) بغير ميم (أنا أمشي) جواب بينا قوله (إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء) هو جبريل (جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثثت) بجيم مفتوحة في الفرع كأصله مضمومة في غيرهما فهمزة مكسورة فمثلثة ساكنة ففوقية فزعت (منه رعبًا) أي خوفًا ولأبي ذر: فجثثت بمثلثتين ففوقية من غير همزة قاله الكرماني. من الجث وهو القطع (فرجعت) إلى خديجة (فقلت زملوني زملوني) مرتين (فدثروني) غطّوني (فأنزل الله تعالى) ولأبي ذر (﴿يا أيها المدثر﴾ -إلى-) قوله: (﴿والرجز فاهجر﴾ قبل أن تفرض الصلاة) فيه إشعار بأن الأمر بتطهير الثياب كان قبل فرض الصلاة (و) الرجز (هي الأوثان) وأنّث الضمير في قوله وهي باعتبار أن الخبر جمع وفسر بالجمع نظرًا إلى الجنس قاله الكرماني.
٤ - باب ﴿وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يُقَالُ الرِّجْزُ وَالرِّجْسُ الْعَذَابُ
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿والرجز فاهجر﴾) [المدثر: ٥] أي دم على هجره (يقال الرجز) بالزاي (والرجس) بالسين (العذاب) هذا قول أبي عبيدة وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٩٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي، سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَجَئِثْتُ مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرِّجْزَ، الأَوْثَانَ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري: (سمعت أبا سلمة) بن عبد الرحمن (قال: أخبرني) بالإفراد (جابر بن عبد الله) الأنصاري (أنه سمع رسول الله ﷺ يحدّث عن فترة الوحي):
(فبينا) بغير ميم (أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري قبل السماء) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهتها (فإذا الملك الذي جاءني بحراء) وهو جبريل (قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه) بفتح الجيم في اليونينية وفي غيرها بضمها وكسر الهمزة وسكون المثلثة بعدها فوقية خفت منه (حتى هويت) بفتح الهاء والواو وسقطت (إلى الأرض فجئت أهلي فقلت زملوني زملوني) مرتين (فزملوني) بفتح الميم المشددة (فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر﴾ -إلى قوله- ﴿فاهجر﴾) [المدثر: ١ - ٥] وسقط: قم فأنذر لغير أبي ذر.
(قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن بالسند السابق: (والرجز الأوثان ثم) بعد نزول ﴿يا أيها المدثر﴾ (حمي الوحي) أي أكثر (وتتابع) ولم يكتف بقوله حمي لأنه لا يستلزم الاستمرار والدوام.
стр. 3222
[٧٥] سورة الْقِيَامَةِ
([٧٥] سورة الْقِيَامَةِ)
مكية أربعون آية.
١ - باب وَقَوْلُهُ:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿سُدًى﴾: هَمَلًا. ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾:
سَوْفَ أَتُوبُ، سَوْفَ أَعْمَلُ. ﴿لَا وَزَرَ﴾: لَا حِصْنَ.
(وقوله) : (﴿لا تحرك به﴾) [القيامة: ١٦] أي بالقرآن والخطاب للنبي- ﷺ (﴿لسانك﴾) قبل أن يتم جبريل وحيه (﴿لتعجل به﴾) مخافة أن ينفلت منك (وقال ابن عباس) فيما وصله الطبري (﴿سدّى﴾) [القيامة: ٣٦] معناه (هملًا) بفتحتين أي مهملًا لا يكلف بالشرائع ولا يجازى.
(﴿ليفجر أمامه﴾) [القيامة: ٥] قال ابن عباس فيما وصله الطبري من طريق العوفي يقول الإنسان (سوف أتوب سوف أعمل) عملًا صالحًا قبل يوم القيامة حتى يأتيه الموت على شرّ، ولابن أبي حاتم عنه قال: هو الكافر يكذب بالحساب ويفجر أمامه أي يدوم على فجوره بغير توبة.
(﴿لا وزر﴾) [القيامة: ١١] قال ابن عباس: أي (لا حصن) أي لا ملجأ: قال الشاعر:
لعمرك ما للفتى من وزر … من الموت يدركه والكبر
٤٩٢٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ - وَكَانَ ثِقَةً - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ حَرَّكَ بِهِ لِسَانَهُ. وَوَصَفَ سُفْيَانُ يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا موسى بن أبي عائشة) الكوفي الهمداني قال سفيان (وكان) أي ابن أبي عائشة (ثقة) وصفه بذلك تأكيدًا (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي حرك به لسانه، ووصف سفيان) بن عيينة كيفية التحريك وفي رواية سعيد بن منصور: وحرك سفيان شفتيه (يريد) ﵊ بهذا التحريك (أن يحفظه) أي القرآن (فأنزل الله) تعالى: (﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾) لتأخذه على عجلة مخافة تفلته.
٢ - باب ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾
هذا (باب) بالتنوين (﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾) [القيامة: ١٧] أي قراءته فهو مصدر مضاف للمفعول والفاعل محذوف والأصل وقراءتك إياه والقرآن مصدر بمعنى القراءة وسقط لأبي ذر إن علينا الخ ولفظ باب لغيره.
٤٩٢٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾: يَخْشَى أَنْ يَتْفَلِتَ مِنْهُ. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾: أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، وَقُرْآنَهُ أَنْ تَقْرَأَهُ. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يَقُولُ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ
﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أَنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ.
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغرًا ابن باذام العبسي الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (عن موسى بن أبي عائشة) الكوفي (أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك﴾ قال) ابن جبير مجيبًا لموسى: (وقال) ولأبي ذر: قال (ابن عباس) ﵄: (كان) أي النبي ﷺ (يحرك شفتيه إذا أنزل عليه) بهمزة مضمومة ولأبي ذر نزل عليه بحذفها (فقيل له) على لسان جبريل: (﴿لا تحرك به لسانك﴾) وكان (يخشى أن يتفلت منه) أي القرآن والذي في اليونينية ينفلت بالنون بعد التحتية بدل الفوقية (﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾) سقط وقرآنه لأبي ذر أي (أن نجمعه في صدرك) أي ضمنًا أن نحفظه عليك ﴿إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] وتكلفنا جمعه (وقرآنه أن تقرأه) بلسانك (﴿فإذا قرآناه﴾ يقول: أنزل عليه) مع جبريل (﴿فاتبع قرآنه﴾) قراءته (﴿ثم إن علينا بيانه﴾) [القيامة: ١٨] أي (أن نبينه على لسانك) وفسره غير ابن عباس ببيان ما أشكل من معانيه وفيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.
٣ - باب ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَرَأْنَاهُ بَيَّنَّاهُ فَاتَّبِعْ اعْمَلْ بِهِ
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾) [القيامة: ١٨] وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. (قال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (قرأناه) أي (بيناه فاتبع) أي (اعمل به) وقال ابن عباس أيضًا فيما ذكره ابن كثير: ثم إن علينا بيانه نبين حلاله وحرامه.
٤٩٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ الَّتِي فِي ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧] قَالَ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ثُمَّ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ، قَالَ: فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٥] تَوَعُّدٌ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البغلاني قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد بن قرط بضم القاف وبعد الراء الساكنة طاء مهملة الكوفي (عن موسى بن أبي عائشة) الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄ (في قوله) تعالى: (﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل عليه بالوحي وكان) عليه الصلاة
والسلام (مما يحرك به لسانك وشفتيه) بالتثنية واقتصر في رواية أبي عوانة عن موسى بن أبي عائشة في بدء الوحي على ذكر الشفتين، وكذلك إسرائيل عن ابن أبي عائشة في الباب السابق قريبًا واقتصر سفيان على اللسان
стр. 3223
والجميع مراد إما لأن التحريكين متلازمان غالبًا أو المراد يحرك به فمه المشتمل على الشفتين واللسان لكن لما كان اللسان هو الأصل في النطق اقتصر في الآية عليه قاله في الفتح.
(فيشتد عليه) حالة نزول الوحي لثقله ولذا كان يلحقه البرحاء (وكان يعرف منه) ذلك الاشتداد حالة النزول عليه، وعند ابن أبي حاتم من طريق يحيى التيمي عن ابن أبي عائشة وكان إذا نزل عليه عرف في تحريكه شفتيه يتلقى أوله ويحرك به شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره (فأنزل الله) تعالى بسبب اشتداده عليه (الآية التي في) سورة (﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾) وهي قوله تعالى: (﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جعه وقرآنه﴾ قال: علينا أن نجمعه في صدرك) وعن قتادة فيما رواه الطبري أن معنى جمعه تأليفه (وقرآنه) أي تقرؤه أنت (﴿فإذا قرآناه﴾) عليك بلسان جبريل (﴿فاتبع قرآنه﴾) أي (فإذا أنزلناه فاستمع) زاد أبو عوانة في بدء الوحي وأنصت (﴿ثم إن علينا بيانه﴾) أي (علينا أن نبينه بلسانك قال) أي ابن عباس (فكان) ﵊ (إذا أتاه جبريل أطرق) أي سكت (فإذا ذهب) جبريل (قرأه) النبي ﷺ (كما وعد الله) زاد أبو ذر على الوجه الذي ألقاه عليه.
(﴿أولى لك فأولى﴾) [القيامة: ٣٥]. (توعد) وتهديد والكلمة اسم فعل واللام للتبيين أي وليك ما تكره يا أبا جهل وقرب منك، وقوله: فأولى أي فهو أولى بك من غيره وثبت أولى الخ لأبي ذر.
[٧٦] سورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). يُقَالُ مَعْنَاهُ ﴿أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾، وَهَلْ تَكُونُ جَحْدًا وَتَكُونُ خَبَرًا، وَهَذَا مِنَ الْخَبَرِ، يَقُولُ: كَانَ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ. ﴿أَمْشَاجٍ﴾: الأَخْلَاطُ. مَاءُ الْمَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ، الدَّمُ وَالْعَلَقَةُ، وَيُقَالُ: إِذَا خُلِطَ مَشِيجٌ، كَقَوْلِكَ خَلِيطٌ، وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ مَخْلُوطٍ. وَيُقَالَ سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا، وَلَمْ يُجْرِ بَعْضُهُمْ. ﴿مُسْتَطِيرًا﴾: مُمْتَدًّا الْبَلَاءُ. وَالْقَمْطَرِيرُ الشَّدِيدُ: يُقَالَ يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وَيَوْمٌ قُمَاطِرٌ، وَالْعَبُوسُ وَالْقَمْطَرِيرُ وَالْقُمَاطِرُ وَالْعَصِيبُ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الأَيَّامِ فِي الْبَلَاءِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ ﴿أَسْرَهُمْ﴾: شِدَّةُ الْخَلْقِ وَكُلُّ شَيْءٍ شَدَدْتَهُ مِنْ قَتَبٍ فَهْوَ مَأْسُورٌ.
([٧٦] سورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾)
مكية وآيها إحدى وثلاثون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر (يقال) وفي بعض النسخ وقال يحيى يعني ابن زياد الفراء (ومعناه ﴿أتى على الإنسان﴾ [الدهر: ١] (وهل تكون جحدًا) أي نفيًا (وتكون خبرًا) يخبر بها عن أمر مقرر فتكون على بابها للاستفهام التقريري ولذلك فسر بقد وأصله أهل كقوله:
سائل فوارس يربوع بشدتنا … أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم
(وهذا) الذي في الآية (من الخبر) الذي بمعنى قد والمعنى كما في الكشاف أقد أتى على التقرير والتقريب جميعًا أي أتى على الإنسان قبل زمن قريب حين من الدهر لم يكن فيه شيئًا مذكورًا أي كان شيئًا منسيًّا غير مذكور أو هي للاستفهام التقريري لمن أنكر البعث كأنه قيل لمن أنكر البعث ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا﴾ فيقول: نعم فيقال له من أحدثه وكوّنه بعد عدمه كيف يمتنع عليه بعثه وإحياؤه بعد موته وهو معنى قوله: ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون أي فهلا تذكرون فتعلمون أن من أنشأ شيئًا بعد أن لم يكن قادر على إعادته بعد موته وعدمه فهي هنا للاستفهام التقريري لا للاستفهام المحض وهذا هو الذي يجب أن يكون لأن الاستفهام لا يرد من الباري جل وعلا إلا على هذا النحو وما أشبهه (يقول: كان) الإنسان (شيئًا فلم يكن مذكورًا) بل كان شيئًا منسيًّا غير مذكور بالإنسانية (وذلك من حين خلقه من طين إلى أن ينفخ فيه الروح) والمراد بالإنسان آدم وحين من الدهر أربعون سنة أو المراد الجنس وبالحين مدة الحمل.
(﴿أمشاج﴾) أي (الأخلاط) وهي (ماء المرأة وماء الرجل) يختلطان في الرحم فأيهما علا على الآخر كان الشبه له ثم ينتقل بعده من طور إلى طور ومن حال إلى حال وهي (الدم والعلقة) ثم المضعة ثم عظمًا يكسوه لحمًا ثم ينشئه خلقًا آخر.
وعند ابن أبي حاتم من طريق عكرمة قال: من الرجل الجلد والعظم ومن المرأة الشعر والدم، وقيل إن الله تعالى جعل في النطفة أخلاطًا من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فعلى هذا يكون التقدير من نطفة ذات أمشاج وأمشاج نعت لنطفة ووقع الجمع صفة لمفرد لأنه في معنى
стр. 3224
الجمع لأن المراد بها مجموع مني الرجل والمرأة وكلٌّ منهما مختلف الأجزاء في الرقة والقوام والخواص ولذلك يصير كل جزء منهما مادّة عضو.
(ويقال إذا خلط) شيء بشيء (مشيج) بفتح الميم بوزن فعيل (كقولك له خليط) وسقط لفظ له لغير أبي ذر (وممشوج مثل مخلوط).
(ويقال) ولأبي ذر في نسخة ويقرأ (سلاسلًا وأغلالًا) بتنوين سلاسلًا وأغلالًا وهي قراءة نافع وهشام وأبي بكر والكسائي للتناسب لأن ما قبله وما بعده منوّن منصوب، وقال الكسائي وغيره من أهل الكوفة إن بعض العرب يصرفون جميع ما لا ينصرف إلا أفعل التفضيل، وعن
الأخفش يصرفون مطلقًا وهم بنو أسد لأن الأصل في الأسماء الصرف وترك الصرف لعارض فيها وإن هذا الجمع قد يجمع وإن كان قليلًا قالوا صواحب وصواحبات فلما جمع شابه المفرد فانصرف.
(ولم يجزه بعضهم) بضم الياء وكسر الجيم وبعد الزاي الساكنة هاء أي لم يجز التنوين بعضهم كذا في الفرع وسقطت الهاء في غيره وفي اليونينية بالراء بدل الزاي وسكون الجيم وضبطه في الفتح بالراء المكسورة من غير هاء. قال: والمراد أن بعض القراء أجرى سلاسل وبعضهم لم يجرها أي لم يصرفها. قال: وهو اصطلاح قديم يقولون للاسم المصروف مجرى، قال: وذكر عياض أن في رواية الأكثر بالزاي وهو الأوجه، وقال العيني: لم يبين وجه الأوجهية بل الراء أوجه على ما لا يخفى وفي البرماوي ولم يجز بعضهم بجيم مكسورة وزاي من الجواز وعند الأصيلي ولم يجر براء مشددة أي لم يصرفه، وقال في الكشاف فأغلظ وأساء، إن صاحب هذه القراءة ممن ضري برواية الشعر ومرن لسانه على صرف ما لا ينصرف. قال في الانتصاف: هو يعني الزمخشري يرى أن القراءات المستفيضة غير موقوفة على النقل والتواتر وجعل التواتر من جملة غلط اللسان والحق أنها متواترة عن النبي ﷺ وهي لغة من صرف في منثور الكلام جميع ما لا ينصرف إلا أفعل والقراءات تشتمل على اللغات المختلفة.
(﴿مستطيرًا﴾) قال الفرّاء (ممتدًّا) والشر (البلاء) والشدة (والقمطرير) هو (الشديد) الكريه (يقال يوم قمطرير) شديد (ويوم قماطر) بضم القاف وبعد الميم ألف فطاء مكسورة فراء قال الشاعر:
ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها … ولج بها اليوم الشديد القماطر
والقمطرير أصله كما قال الزجاج من اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورنت بأنفها (والعبوس) في قوله (﴿يومًا عبوسًا﴾ [الدهر: ١٠] (والقمطرير) بفتح القاف (والقماطر) بضمها (والعصيب) في قوله: ﴿يوم عصيب﴾ (أشد ما يكون من الأيام في البلاء) وأطولها.
(وقال معمر): بسكون العين بين ميمين مفتوحتين آخره راء هو أبو عبيدة بن المثنى قال في الفتح: وليس هو ابن راشد (﴿أسرهم﴾) أي (شدة الخلق) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام وفي التفسير أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب (وكل شيء شددته من قتب) بفتح القاف والفوقية آخره موحدة ولأبي ذر وغبيط بغين معجمة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية ساكنة فطاء مهملة رحل للنساء يشد على الهودج وفي نسخة مأسور الغبيط شيء تركبه النساء يشبه المحفة (فهو مأسور) مربوط وسقط لأبي ذر عن المستملي من قوله معمر إلى هنا، وثبت له من روايته عن الحموي والكشميهني، وزاد في غير الفرع أصله قبله وعليه شرح في الفتح وقال: إنه ثبت للنسفي.
وقال الحسن أي البصري النضرة في الوجه أي حسنًا فيه وإضاءة والسرور في القلب، وقال ابن عباس ﵄: الأرائك هي السرر، وقال مقاتل: السرر في الحجال من الدر والياقوت، وقال البراء مما وصله سعيد بن منصور في قوله تعالى: ﴿وذللت قطوفها﴾ [الدهر: ١٤]. يقطفون
ثمارها كيف شاؤوا قيامًا وقعودًا ومضطجعين وعلى أي حال كانوا.
وقال مجاهد: في قوله ﴿سلسبيلًا﴾ [الدهر: ١٨] أي حديد الجرية في مسيله وعن بعضهم فيما حكاه ابن جرير
стр. 3225
إنما سميت بذلك لسلاستها في الحلق، وقال قتادة مستعذب ماؤها، وروى محيي السُّنَّة عن مقاتل سميت سلسبيلًا لأنها تسيل عليهم في طرقهم ومنازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى سائر الجنان ويؤيده قوله تسمى وأما إذا جعلت صفة كما قال الزجاج فمعنى تسمى توصف.
[٧٧] سورة وَالْمُرْسَلَاتِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ. ﴿جِمَالَاتٌ﴾: حِبَالٌ. ﴿ارْكَعُوا﴾: صَلُّوا. ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾: لَا يُصَلُّونَ. وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾، فَقَالَ: إِنَّهُ ذُو أَلْوَانٍ: مَرَّةً يَنْطِقُونَ، وَمَرَّةً يُخْتَمُ عَلَيْهِمْ.
([٧٧] سورة وَالْمُرْسَلَاتِ)
ولأبي ذر سورة والمرسلات وهي مكية وآيها خمسون.
(وقال مجاهد) في قوله تعالى: (﴿جمالات﴾) [المرسلات: ٣٣] أي (حبال) بالحاء المهملة أي حبال السفن وهذا إنما يكون على قراءة رويس جمالات بضم الجيم وأما على قراءة الكسر فجمع جمال أو جمالة جمع جمل للحيوان المعروف وسقط لغير أبي ذر وقال: مجاهد:
(﴿اركعوا﴾) أي (صلوا: ﴿لا يركعون﴾) [المرسلات: ٤٨] (لا يصلون) فأطلق الركوع وأراد الصلاة من إطلاق الجزء وإرادة الكل وثبت لا يركعون لأبي ذر.
(وسئل ابن عباس) عن قوله تعالى (﴿لا ينطقون﴾) [المرسلات: ٣٥] وعن قوله جل وعلا (﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾) [الأنعام: ٢٣] وعن قوله (﴿اليوم نختم على أفواههم﴾) [يس: ٦٥] ما الجمع بين ذلك (فقال) مجيبًا عنه (أنه) أي يوم القيامة (ذو ألوان مرة ينطقون) فيشهدون على أنفسهم بما صنعوا ولا يكتمون الله حديثًا (ومرة يختم عليهم) أي على أفواههم ومرة يختصمون ثم يكون ما شاء الله يحلفون ويجحدون فيختم على أفواههم وسقط لغير أبي ذر على أفواههم ولا يركعون.
٤٩٣٠ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ فَابْتَدَرْنَاهَا، فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدثنا (محمود) هو ابن غيلان قال: (حدثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن موسى وهو شيخ المؤلّف أخرج هذا الحديث عنه بالواسطة (عن إسرائيل) بن يونس (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) يعني ابن مسعود (¬﵁¬) أنه (قال: كنا مع رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر مع النبي (¬ ﷺ ¬) في غار بمنى (وأنزلت) بالواو ولأبي ذر فأنزلت (عليه ﴿والمرسلات﴾ وإنا لنتلقاها) أي والمرسلات (من فيه) فمه (فخرجت حية) تقع على الذكر والأنثى ودخلت الهاء لأنه واحد من جنس كبطة ودجاجة (فابتدرناها) أي تسابقنا أيّنا يدركها أوّلًا ليقتلها (فسبقتنا فدخلت جحرها) بتقديم الجيم على الحاء المهملة (فقال رسول الله ﷺ : وفيت شركم كما وقيتم شرها) بضم الواو وكسر القاف مخففة فيهما.
٤٩٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا، وَعَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ. وَتَابَعَهُ أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ. وَقَالَ حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ: قَالَ: يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة وبعد المهملة هاء تأنيث (ابن عبد الله) الصفار الخزاعي قال: (أخبرنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس (عن منصور) يعني ابن المعتمر (بها) أي الحديث المذكور (وعن إسرائيل) أيضًا بالإسناد السابق (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود (مثله) أي مثل الحديث السابق أيضًا والحاصل أنه زاد لإسرائيل شيخًا آخر وهو الأعمش (وتابعه) أي تابع يحيى بن آدم فيما وصله الإمام أحمد (أسود بن عامر) الملقب بشاذان الشامي (عن إسرائيل) بن يونس.
(وقال حفص) هو ابن غياث فيما وصله بعد باب (وأبو معاوية) محمد بن خازم الضرير فيما وصله مسلم (وسليمان بن قرم) بقاف مفتوحة فراء ساكنة فميم الضبي بالضاد المعجمة والموحدة الكوفي وهو ضعيف الحفظ وليس له في الجامع سوى هذا التعليق السابق في بدء الخلق الثلاثة (عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود) شاذان (قال) ولأبي ذر وقال (يحيى بن حماد) الشيباني البصري شيخ المؤلّف فيما وصله الطبراني (أخبرنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن مغيرة) بن مقسم الكوفي (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود ومراده بهذا أن مغيرة وافق إسرائيل في شيخ إبراهيم وأنه علقمة (وقال ابن إسحاق) محمد صاحب المغازي فيما وصله أحمد (عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه) الأسود الملقب بشاذان (عن عبد الله) بن مسعود ومراده أن للحديث أصلًا عن الأسود من غير
стр. 3226
رواية طريق الأعمش ومنصور.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَارٍ: إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فَتَلَقَّيْنَاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا، إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكُمُ، اقْتُلُوهَا» قَالَ فَابْتَدَرْنَاهَا فَسَبَقَتْنَا قَالَ: فَقَالَ: «وُقِيَتْ شَرَّكُمْ، كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن عامر أنه (قال: قال عبد الله) بن مسعود (بينا) بغير ميم (نحن مع رسول الله ﷺ في غار) بمنى وجواب بينا قوله (إذ نزلت عليه ﴿والمرسلات﴾ فتلقيناها من فيه، وإن فاه) أي فمه (لرطب بها) لم يجف ريقه لأنه كان أوّل زمان نزولها (إذ خرجت حيّة فقال رسول الله ﷺ ¬):
(عليكم اقتلوها قال: فابتدرناها) أي تسابقنا أينا يدركها أوّلًا (فسبقتنا) زاد في السابقة فدخلت جحرها (قال) ابن مسعود (فقال) ﵊ (وقيت شركم كما وقيتم شرها) منصوب مفعول ثان.
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾
(باب قوله: ﴿إنها﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله إنها أي النار (﴿ترمي بشرر﴾) وهو ما تطاير منها متفرقًا (﴿كالقصر﴾) [المرسلات: ٣٢] من البناء في عظمه وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٩٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾، قَالَ: كُنَّا نَرْفَعُ الْخَشَبَ بِقَصَرٍ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ أَوْ أَقَلَّ. فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ، فَنُسَمِّيهِ الْقَصَرَ.
[الحديث ٤٩٣٢ - طرفه في: ٤٩٣٣].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن عابس) بعين مهملة وبعد الألف موحدة مكسورة فمهملة النخعي الكوفي (قال: سمعت ابن عباس) ﵄ (يقول) في قوله تعالى (﴿إنها ترمي بشرر كالقصر﴾) بفتح القاف والصاد في الفرع مصلحة مصححًا عليها كاليونينية وهي قراءة ابن عباس والحسن جمع قصرة بالفتح أعناق الإبل والنخل وأصول الشجر (قال: كنا نرفع الخشب بقصر) بباء الجرّ وفتح القاف والصاد المهملة والتنوين مصححًا عليها في الفرع وضبطها في الفتح بكسر الموحدة والقاف وفتح الصاد كالكرماني (ثلاث أذرع) بنصب ثلاثة ويجوز إضافة بقصر إلى ثلاثة أي بقدر ثلاثة أذرع (أو أقل فنرفعه للشتاء) أي لأجل الشتاء والاستسخان به (فنسميه القصر) بفتحتين وكان ابن عباس فسر قراءته بما ذكر وسقط لغير أبي ذر كالقصر قال:
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ﴾
(باب قوله: ﴿كأنه﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى كأنه (﴿جمالات صُفْرٌ﴾) [المرسلات: ٣٣] في هيئتها ولونها وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٩٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] قَالَ: كُنَّا نَعْمِدُ إِلَى الْخَشَبَةِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ وَفَوْقَ ذَلِكَ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ، فَنُسَمِّيهِ الْقَصَرَ. ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ﴾: حِبَالُ السُّفْنِ، تُجْمَعُ حَتَّى تَكُونَ كَأَوْسَاطِ الرِّجَالِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني الإفراد (عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم الفلاس البصري قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (أخبرنا سفيان) الثوري قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن عابس) النخعي (قال: سمعت ابن عباس ﵄) يقول في قوله تعالى: (﴿ترمي بشرر كالقصر﴾) بفتحتين (قال: كنا نعمد) بكسر الميم (إلى الخشبة) ولأبي ذر إلى الخشب (ثلاثة أذرع وفوق ذلك) ولأبي ذر عن المستملي أو فوق ذلك (فنرفعه للشتاء) أي لأجل الشتاء والاستسخان به (فنسميه القصر) بفتحتين. وقال أبو حاتم القصر أصول الشجر الواحدة قصرة وفي الكشاف هي أعناق الإبل وأعناق النخيل نحو شجرة وشجر: (﴿كأنه جمالاتٌ صفر﴾) بكسر الجيم وفي الفرع كأصله بضمها هي (حبال السفن تجمع) بعضها إلى بعض لتقوى (حتى تكون كأوساط الرجال) وهذا من تتمة الحديث كما قاله في الفتح.
٣ - باب ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿هذا يوم لا ينطقون﴾) [المرسلات: ٣٥].
٤٩٣٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ بْنِ غِياثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ، إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اقْتُلُوهَا». فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وُقِيَتْ شَرَّكُمْ، كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا». قَالَ عُمَرُ: حَفِظْتُهُ مِنْ أَبِي فِي غَارٍ بِمِنًى.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) وسقط لغير أبي ذر ابن غياث قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن عامر (عن عبد الله) بن مسعود أنه (قال: بينما) بالميم (نحن مع النبي ﷺ في غار) بمنى (إذ نزلت عليه ﴿والمرسلات﴾ فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وإن فاه لرطب بها إذ
وثبت) ولأبي ذر عن الكشميهني إذ وثب بالتذكير (علينا حيّة فقال النبي ﷺ ¬): (اقتلوها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي اقتلوه (فابتدرناها) لنقتلها (فذهبت، فقال النبي ﷺ : وقيت شركم كما وقيتم شرها قال عمر) بن حفص بن غياث شيخ المؤلّف: (حفظته) أي الحديث ولأبي ذر عن الكشميهني حفظت بحذف الضمير المنصوب (من أبي) حفص وزاد (في غار بمنى).
стр. 3227
[٧٨] سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾: لَا يَخَافُونَهُ. ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾: لَا يُكَلِّمُونَهُ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ. ﴿صوابًا﴾: حَقًّا فِي الدُّنْيا وَعَمِلَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿وَهَّاجًا﴾: مُضِيئًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿غَسَّاقًا﴾: غَسَقَتْ عَيْنُهُ، وَيَغْسِقُ الجُرْحَ يَسِيلُ كَأَنَّ الغَسَّاقَ وَالغَسِيقَ وَاحِدٌ. ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾: جَزَاءً كَافِيًا، أَعْطَانِي مَا أَحْسَبَنِي، أَيْ كَفَانِي.
([٧٨] سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾)
مكية وآيها أربعون.
(قال) ولأبي ذر وقال (مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى (﴿لا يرجون حسابًا﴾) [النبأ: ٢٧] أي (لا يخافونه) لإنكارهم البعث.
(﴿لا يملكون منه خطابًا﴾) أي (لا يكلمونه) خوفًا منه (إلا أن يأذن لهم) في الكلام ولأبي ذر عن الكشميهني والحموي لا يملكونه بدل لا يكلمونه.
(﴿صوابًا﴾) أي (حقًّا في الدنيا وعمل به) وقيل قال لا إله إلا الله.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿وهاجًا﴾) أي (مضيئًا) من وهجت النار إذا أضاءت.
(وقال غيره) غير ابن عباس (﴿غساقًا﴾) أي (غسقت عينه) غسقًا أظلمت وقال ابن عباس الغساق الزمهرير يحرقهم برده وقيل هو صديد أهل النار وثبت من قوله صوابًا إلى هنا لأبي ذر (ويغسق الجرح يسيل) منه ماء أصفر (وكأن الغساق والغسيق واحد) وسقط هذا لغير أبي ذر وذكره المؤلّف في بدء الخلق (﴿عطاءً حسابًا﴾) أي (جزاءً كافيًا) مصدر أقيم مقام الوصف (أعطاني ما أحتسبني أي كفاني) وقال قتادة فيما رواه عبد الرزاق عطاء حسابًا أي كثيرًا.
١ - باب ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ زُمَرًا
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿يوم ينفخ في الصور فتأتون﴾) من قبوركم إلى الموقف (﴿أفواجًا﴾) [النبأ: ١٨] أي (زمرًا).
٤٩٣٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالَ: أَرْبَعُونَ، يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَ: ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلاَّ يَبْلَى، إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا وَهْوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد) هو ابن سلام البيكندي قال: (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ما بين النفختين) نفخة الإماتة ونفخة البعث (أربعون، قال): وفي سورة الزمر من طريق عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن الأعمش قالوا بالجمع أي أصحاب أبي هريرة له (أربعون يومًا قال) أبو هريرة (أبيت) أي امتنعت من الأخبار بما لا أعلم (قال) أصحابه (أربعون شهرًا قال) أبو هريرة (أبيت قال) السائل: (أربعون سنة قال) أبو هريرة: (أبيت) أي امتنعث عن تعيين ذلك وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس قال بين النفختين أربعون سنة (قال: ثم ينزل الله من الماء ماء فينبتون) أي الأموات (كما ينبت البقل ليس من الإنسان) أي غير الأنبياء (شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا) بالنصب على الاستثناء ولأبي ذر إلا عظم واحد (وهو عجب الذنب) بفتح العين وسكون الجيم وهو عظم لطيف في رأس العصعص بين الأليتين (ومنه يركب الخلق يوم القيامة).
وهذا الحديث سبق بالزمر.
[٧٩] سورة وَالنَّازِعَاتِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الآيَةَ الْكُبْرَى﴾: عَصَاهُ، وَيَدُهُ. يُقَالُ: النَّاخِرَةُ وَالنَّخِرَةُ سَوَاءٌ، مِثْلُ الطَّامِعِ وَالطَّمِعِ، وَالْبَاخِلِ وَالْبَخِيلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النَّخِرَةُ الْبَالِيَةُ وَالنَّاخِرَةُ الْعَظْمُ الْمُجَوَّفُ الَّذِي تَمُرُّ فِيهِ الرِّيحُ فَيَنْخَرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحَافِرَةِ﴾: الَّتِي أَمْرُنَا الأَوَّلُ إِلَى الْحَيَاةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى مُنْتَهَاهَا، وَمُرْسَى السَّفِينَةِ حَيْثُ تَنْتَهِى.
([٧٩] سورة وَالنَّازِعَاتِ)
مكية وآيها خمس أو ست وأربعون.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿الآية الكبرى﴾) [النازعات: ٢٠] هي (عصا) التي قلبت حيّة (ويده) البيضاء من آياته التسع.
(ويقال الناخرة والنخرة) بالألف أبو بكر وحمزة والكسائي وبحذفها الباقون (سواء) في المعنى
أي بالية (مثل الطامع والطمع) بفتح الطاء وكسر الميم (والباخل والبخيل) بالتحتية بعد المعجمة وفي نسخة والبخل بحذفها والناخرة اسم فاعل والنخرة صفة مشبهة. قال العيني: وفي تمثيليه بالطامع الخ نظر لما ذكر من أن الناخر اسم فاعل الخ والتفاوت بينهما في التذكير والتأنيث ولو قال مثل صانعة وصنعة ونحو ذلك لكان أصوب وسقط يقال لأبي ذر ولأبي ذر عن الكشميهني والناحل والنحيل بالنون والحاء المهملة فيهما بدل سابقهما.
(وقال بعضهم) فارقًا بينهما (النخرة البالية والناخرة العظم المجوّف الذي تمر فيه الريح فينخر) أي يصوّت حتى يسمع له نخير. (وقال ابن عباس) مما رواه ابن أبي حاتم (﴿الحافرة﴾) من قوله: ﴿أئنا لمردودون في الحافرة﴾ [النازعات: ١٠] (التي أمرنا) ولأبي ذر إلى أمرنا (الأول إلى الحياة) بعد أن نموت من قولهم رجع فلان في حافرته أي طريقه التي جاء فيها فحفرها أي أثر فيها بمشيه وقيل الحافرة
стр. 3228
الأرض التي فيها قبورهم ومعناه أئنا لمردودون ونحن في الحافرة.
(وقال غيره) غير ابن عباس (﴿أيان مرساها﴾) [النازعات: ٤٢] أي (متى منتهاها) ومستقرها (ومرسى السفينة) بضم الميم (حيث تنتهي) والضمير في مرساها للساعدة وقوله تعالى: ﴿فيما أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها﴾ [النازعات: ٤٣] أي ليس علمها إليك ولا إلى أحد بل مردّها إلى الله تعالى فهو الذي يعلم وقتها على التعيين.
١ - باب
٤٩٣٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ: هَكَذَا بِالْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ، «بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» ﴿الطَّامَّةُ﴾: تَطُمُّ عَلَى كُلِّ شَيءٍ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن المقدام) بكسر الميم وسكون القاف قال: (حدّثنا الفضيل بن سليمان) بضم الفاء والسين مصغرين النميري بالتصغير البصري قال: (حدّثنا أبو حازم) بحاء مهملة فزاي معجمة سلمة قال: (حدّثنا سهل بن سعد) الساعدي (¬﵁ قال):
(رأيت رسول الله ﷺ قال بإصبعيه) بالتثنية أي ضم بينهما (هكذا بالوسطى والتي تلي الإبهام) وهي المسبحة وأطلق القول وأراد به الفعل (بعثت) بضم الباء الموحدة مبنيًّا للمفعول أي أرسلت (والساعة) يوم القيامة (كهاتين) الإصبعين والساعة نصب مفعول معه ويجوز الرفع عطفًا على ضمير الرفع المتصل مع عدم الفاصل وهو قليل وفي رواية أبي ضمرة عن أبي حازم عند ابن جرير وضم بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام وقال ما مثلي ومثل الساعة إلاّ كفرسي رهان.
قال القاضي عياض: وقد حاول بعضهم في تأويله إن نسبة ما بين الإصبعين كنسبة ما بقي من الدنيا إلى ما مضى وإن جملتها سبعة آلاف سنة واستند إلى أخبار لا تصح وذكر ما أخرجه أبو
داود في تأخير مدة الأمة نصف يوم وفسره بخمسمائة سنة فيؤخذ من ذلك أن الذي بقي نصف سبع وهو قريب مما بين السبابة والوسطى في الطول. قال: وقد ظهر عدم صحة ذلك لوقوع خلافه ومجاوزة هذا المقدار فلو كان ذلك ثابتًا لم يقع خلافه انتهى. فالصواب الإعراض عن ذلك وتأتي إن شاء الله تعالى بعونه ومنه بقية مبحث ذلك في الرقاق.
(﴿الطامة﴾) [النازعات: ٣٤] (تطم على كل شيء) بكسر الطاء في المستقبل عند أبي ذر.
[٨٠] سورة عَبَسَ
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ﴿عَبَسَ﴾: كَلَحَ وَأَعْرَضَ. وَقَالَ غَيْرُهُ. ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾: لَا يَمَسُّهَا إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾: جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً لأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ، فَجُعِلَ التَّطْهِيرُ لِمَنْ حَمَلَهَا أَيْضًا. ﴿سَفَرَةٍ﴾: الْمَلَائِكَةُ، وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ، سَفَرْتُ أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، وَجُعِلَتِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ وَقَالَ غَيْرُهُ تَصَدَّى: تَغَافَلَ عَنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿لَمَّا يَقْضِ﴾: لَا يَقْضِ أَحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿تَرْهَقُهَا﴾: تَغْشَاهَا شِدَّةٌ. ﴿مُسْفِرَةٌ﴾: مُشْرِقَةٌ. ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَةٍ. ﴿أَسْفَارًا﴾: كُتُبًا. ﴿تَلَهَّى﴾: تَشَاغَلَ. يُقَالُ وَاحِدُ الأَسْفَارِ سِفْرٌ.
([٨٠] سورة عَبَسَ)
مكية وآيها إحدى وأربعون.
(بسم الله الرحمن الرحيم). سقطت البسملة لغير أبي ذر.
(﴿عبس﴾) النبي ﷺ وزاد أبو ذر وتولى (كلح) بفتحتين قال في الصحاح: الكلوح تكشر في عبوس وقد كلح الرجل كلوحًا وكلاحًا (وأعرض) هو تفسير وتولى أي أعرض بوجهه الكريم لأجل أن جاءه الأعمى عبد الله بن أم مكتوم وعنده صناديد قريش يدعوهم إلى الإسلام فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله وكرر ذلك ولم يعلم أنه مشغول بذلك، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكرمه وعبس وأعرض عنه فعوتب في ذلك بما نزل عليه في هذه السورة فكان بعد ذلك يقول له إذا جاء: مرحبًا بمن عاتبني الله فيه ويبسط له رداءه (وقال غيره): سقط هذا لأبي ذر وهو الصواب كما لا يخفى.
(﴿مطهرة﴾) من قوله: ﴿في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة﴾ [عبس: ١٣ - ١٤] (لا يمسها إلا المطهرون وهم الملائكة وهذا مثل قوله) : (﴿فالمدبرات أمرًا﴾) [النازعات: ٥] قال الكرماني: لأن التدبير لمحمول خيول الغزاة فوصف الحامل يعني الخيول به فقيل فالمدبرات (جعل الملائكة والصحف مطهرة) بفتح الهاء المشدّدة (لأن الصحف يقع عليها التطهير فجعل التطهير لمن حملها أيضًا) بضم جيم جعل مبنيًّا للمفعول وهذا قاله الفراء. وقيل: مطهرة منزهة عن أيدي الشياطين.
(﴿سفرة﴾) [عبس: ١٥] بالخفض ولأبي ذر بالرفع والأول موافق للتنزيل (الملائكة وأحدهم سافر سفرت) أي بين القوم (أصلحت بينهم وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته) إلى أنبيائه (كالسفير الذي يصلح بين القوم) ومنه قوله:
فما أدع السفارة بين قومي … ولا أمشي بغش إن مشيت
وقيل: السفرة جمع سافر وهو الكاتب ومثله كاتب وكتبة، ولأبي ذر وتأديبه بالموحدة بعد التحتية
стр. 3229
من الأدب فليتأمل.
(وقال غيره) سقط لأبي ذر كالسابق (تصدى) أي (تغافل عنه) قال الحافظ أبو ذر ليس هذا بصحيح وإنما يقال تصدى للأمر إذا رفع رأسه إليه فأما تلهى فتغافل وتشاغل عنه انتهى لأنه لم يتغافل عن المشرك إنما تغافل عمن جاءه يسعى.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿لما يقض﴾) [عبس: ٢٣] أي (لا يقضي أحد) من لدن آدم إلى هذه الغاية (ما أمر به) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول إذ لم يخل أحد من تقصير ما (وقال ابن عباس) مما وصله ابن أبي حاتم (﴿ترهقها﴾) أي (تغشاها) قترة أي (شدة) وقيل سواد وظلمة.
(﴿مسفرة﴾) أي (مشرقة) مضيئة.
(﴿بأيدي سفرة﴾ وقال ابن عباس): وفي نسخة بإسقاط الواو وهو الأوجه في معنى بأيدي سفرة (كتبة) أي من الملائكة ينسخون من اللوح المحفوظ أو الوحي (﴿أسفارًا﴾) أي (كتبًا) ذكره استطرادًا.
(﴿تلهى﴾) [عبس: ١٥] أي (تشاغل يقال واحد الأسفار سفر) وهي الكتب العظام وسقط يقال لأبي ذر.
٤٩٣٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهْوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهْوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهْوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (قال سمعت زرارة بن أوفى) بفتح الفاء والهمزة (يحدث عن سعد بن هشام) الأنصاري (عن عائشة) ﵂ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(مثل الذي يقرأ القرآن) بفتح الميم والمثلثة صفته (وهو حافظ له) لا يتوقف فيه ولا يشق عليه لجودة حفظه وإتقانه كونه (مع السفرة الكرام) جمع سافر ككاتب وكتبة وهم الرسل لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات الله ولأبي ذر زيادة البررة أي المطيعين أو المراد أن يكون رفيقًا للملائكة السفرة لاتصاف بعضهم بحمل كتاب الله، أو المراد أنه عامل بعملهم وسالك مسالكهم
من كون أنهم يحفظونه ويؤذونه إلى المؤمنين ويكشفون لهم ما يلتبس عليهم (ومثل الذي) أي وصفة الذي (يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد) لضعف حفظه مثل من يحاول عبادة شاقة يقوم بأعبائها مع شدتها وصعوبتها عليه (فله أجران) أجر القراءة وأجر التعب، وليس المراد أن أجره أكثر من أجر الماهر بل الأول أكثر ولذا كان مع السفرة ولمن رجح ذلك أن يقول الأجر على قدر المشقّة لكن لا نسلم أن الحافظ الماهر خالٍ عن مشقة لأنه لا يصير كذلك إلا بعد عناء كثير ومشقة شَديدة غالبًا والواو في قوله وهو حافظ وهو يتعاهده ولاحقه الثلاثة للحال وجواب المبتدأ الذي هو مثل محذوف تقديره كونه في الأول ومثل من يحاول في الثاني كما مرّ.
[٨١] سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ﴿انْكَدَرَتْ﴾: انْتَثَرَتْ. وَقَالَ الْحَسَنُ ﴿سُجِّرَتْ﴾: ذَهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى قَطْرَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿الْمَسْجُورُ﴾: الْمَمْلُوءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿سُجِرَتْ﴾: أفْضى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا. ﴿وَالْخُنَّسُ﴾: تَخْنِسُ فِي مُجْرَاهَا تَرْجِعُ. وَتَكْنِسُ تَسْتَتِرُ كَمَا تَكْنِسُ الظِّبَاءُ. ﴿تَنَفَّسَ﴾: ارْتَفَعَ النَّهَارُ. ﴿وَالظَّنِينُ﴾: الْمُتَّهَمُ. وَالضَّنِينُ: يَضَنُّ بِهِ. وَقَالَ عُمَرُ ﴿النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾: يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ قَرَأَ ﵁ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. ﴿عَسْعَسَ﴾: أَدْبَرَ.
([٨١] سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾)
مكية وآيها تسع وعشرون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر.
(﴿انكدرت﴾: انتثرت) من السماء وسقطت على الأرض (وقال الحسن) البصري فيما وصله الطبري (﴿سجرت﴾) في قوله تعالى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ [التكوير: ٦] أي (ذهب) ولأبي ذر يذهب (ماؤها فلا يبقى) فيها (قطرة) ولأبي ذر فلا تبقى بالفوقية. وقال ابن عباس أوقدت فصارت نارًا تضطرم.
(وقال مجاهد) فيما وصله الطبري: (﴿المسجور﴾ المملوء) وسبق بسورة الطور (وقال غيره) غير مجاهد (﴿سجرت﴾ أفضى) ولأبي ذر أفضي بضم الهمزة وكسر الضاد (بعضها إلى بعض فصارت بحرًا واحدًا) وهو معنى قول السدّي فيما أخرجه ابن أبي حاتم.
(﴿والخنس﴾ تخنس) بفتح التاء وكسر النون (في مجراها ترجع) وراءها بينا ترى النجم في آخر البرج إذا كرّ راجعًا إلى قوله (وتكنس) بكسر النون (تستتر) تخفي تحت ضوء الشمس (كما تكنس الظباء) بالجمع ولأبي ذر كما يكنس الظبي أي يستتر في كناسه وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر والمراد النجوم الخمسة زحل والمشتري والمريخ وزهرة وعطارد.
(﴿تنفس﴾) [التكوير: ١٨] أي (ارتفع النهار) وقال ابن الخازن في تنفسه قولان أحدهما أن في إقباله روحًا ونسيمًا فجعل ذلك نفسًا على المجاز الثاني أنه شبه الليل بالمكروب المحزون فإذا حصل له التنفس وجد راحة فكأنه تخلص من الحزن فعبر عنه بالتنفس وهو استعارة لطيفة.
(﴿والظنين﴾) بالظاء في قراءة ابن كثير وأبي عمرو
стр. 3230
والكسائي (المتهم) من الظنة وهي التهمة (والضنين) بالضاد (يضنّ به) أي لا يبخل بالتبليغ والتعليم.
(وقال عمر) بن الخطاب فيما وصله عبد بن حميد (﴿النفوس﴾ زوجت يزوّج) بفتح الواو مشددة الرجل (نظيره من أهل الجنة والنار ثم قرأ) عمر (﵁: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾) [الصافات: ٢٢] وأخرج الفراء من طريق عكرمة قال: يقرن الرجل في الجنة بقرينه الصالح في الدنيا ويقرن الرجل الذي كان يعمل السوء في الدنيا بقرينه الذي كان يعينه في النار، وقيل يزوّج المؤمنون بالحور العين ويزوّج الكافرون بالشياطين. حكاه القرطبي في تذكرته.
(﴿عسعس﴾) [التكوير: ١٧] أي (أدبر) وقال الحسن: أقبل ظلامه وهو من الأضداد ويدل على أن المراد هنا أدبر قوله والصبح إذا تنفس أي امتدّ ضوءه حتى يصير نهارًا.
[٨٢] سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ ﴿فُجِّرَتْ﴾: فَاضَتْ. وَقَرَأَ الأَعْمَشُ وَعَاصِمٌ ﴿فَعَدَلَكَ﴾: بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ بِالتَّشْدِيدِ، وَأَرَادَ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ. وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي فِي أَىِّ صُورَةٍ شَاءَ: إِمَّا حَسَنٌ وَإِمَّا قَبِيحٌ، وَطَوِيلٌ وَقَصِيرٌ.
([٨٢] سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾)
مكية وآيها تسع عشرة.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر.
(وقال الربيع بن خيثم) بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة فيما رواه عبد بن حميد في قوله تعالى: ﴿فجرت﴾) [الانفطار: ٣] أي (فاضت) قال الزركشي: ينبغي قراءته بالتخفيف فإنها القراءة المنسوبة للربيع صاحب هذا التفسير.
(وقرأ الأعمش وعاصم) وكذا حمزة والكسائي (﴿فعدلك﴾) (الانفطار: ٧] (بالتخفيف وقرأه) ولأبي ذر: وقرأ (أهل الحجاز) وأبو عمرو البصري وابن عامر الشامي (بالتشديد وأراد معتدل الخلق) أي جعله متناسب الأطراف فلم يجعل إحدى يديه أطول ولا إحدى عينيه أوسع (ومن خفف يعني في أي صورة شاء إما حسن وإما قبيح وطويل وقصير) ولأبي ذر: أو طويل أو قصير قاله الفراء.
[٨٣] سورة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿بَلْ رَانَ﴾: ثَبْتُ الْخَطَايَا. ﴿ثُوِّبَ﴾: جُوزِيَ. الرحيق: الخمر. ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: طِينُهُ. التَّسْنِيمُ: يَعْلُو شَرَابَ أَهْلِ الجَنَّة. وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُطَفِّفُ لَا يُوَفِّي غَيْرَهُ.
([٨٣] سورة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾)
مكية أو مدنية وآيها ستّ وثلاثون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿بل ران﴾) [المطففين: ١٤] وسقط لغير أبي ذر أي (ثبت الخطايا) بفتح المثلثة وسكون الموحدة بعدها مثناة فوقية حتى غمرتها والران الغشاوة على القلب كالصدأ على الشيء الصقيل من سيف ونحوه قال:
وكم ران من ذنب على قلب فاجر … فتاب من الذنب الذي ران فانجلى
وأصل الرين الغلبة ومنه رانت الخمر على عقل شاربها، ومعنى الآية أن الذنوب غلبت على قلوبهم وأحاطت بها، وفي الترمذي وقال: حسن صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة فإن هو نزع واستغفر صقلت فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي ذكر الله في كتابه: كلا بل ران على قلوبهم.
(﴿ثوب﴾) [المطففين: ٣٦] أي (جوزي) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي. (الرحيق) أي (الخمر) الخالص من الدنس (﴿ختامه مسك﴾) [المطففين: ٢٦] أي (طينه) أو آخر شربه يفوح منه رائحة المسك.
(التنسيم يعلو شراب أهل الجنة) أي ينصب عليهم من علو في غرفهم ومنازلهم أو يجري في الهواء متسنمًا ينصب في أوانيهم على قدر ملئها فإذا امتلأت أمسك وهذا ثابت للنسفي وحده من قوله الرحيق الخ …
(وقال غيره) غير مجاهد (المطفف) هو الذي (لا يوفي غيره) حقه في المكيال والميزان والطفف النقص ولا يكاد المتطفف يسرق في الكيل والوزن إلا الشيء التافه الحقير وقوله غيره بعد قوله لا يوفي ثابت في رواية أبي ذر عن الكشميهني.
١ - بَاب ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
(﴿يوم يقوم الناس﴾) من قبورهم (﴿لرب العالمين﴾) [المطففين: ٦] لأجل أمره وحسابه وجزائه وهذه الآية ثبتت لأبي ذر.
٤٩٣٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ».
[الحديث ٤٩٣٨ - أطرافه في: ٦٥٣١].
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) القرشي الحزامي المدني قال: (حدّثنا معن) هو ابن عيسى القزاز قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم والحديث من غرائبه وليس في موطئه (عن نافع عن
стр. 3231
عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي) ولأبي ذر رسول الله (¬ ﷺ قال):
(﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾) [المطففين: ٦] يوم القيامة وتدنو الشمس منهم مقدار ميل (حتى يغيب أحدهم في رشحه) بفتح الراء وسكون المعجمة في الفرع وضبطه في الفتح والمصابيح بفتحتين جميعًا عرقه لأنه يخرج من بدنه شيئًا فشيئًا كما يترشح الإناء المتحلل الأجزاء، وفي رواية سعيد بن داود حتى أن العرق يلجم أحدهم (إلى أنصاف أذنيه).
قال الكرماني: فإن قلت: ما وجه إضافة الجمع إلى المثنى وهل هو مثل صغت قلوبكما؟ وأجاب: بأنه لما كان لكل شخص أُذنان بخلاف القلب لا يكون مثله بل يصير من باب إضافة الجمع إلى الجمع حقيقة ومعنى انتهى.
وحكى القاضي أبو بكر بن العربي أن كل أحد يقوم عرقه معه وهو خلاف المعتاد في الدنيا فإن الجماعة إذا وقفوا في الأرض المعتادة أخذهم الماء أخذًا واحدًا لا يتفاوتون فيه وهذا من القدرة التي تخرق العادات والإيمان بها من الواجبات، ويأتي لذلك إن شاء الله تعالى في محله بعون الله تعالى وفضله وكرمه.
[٨٤] سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾: يَأْخُذُ كِتَابَهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ. ﴿وَسَقَ﴾: جَمَعَ مِنْ دَابَّةٍ. ﴿ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾: لَا يَرْجِعَ إِلَيْنَا.
([٨٤] سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾)
ثبت لفظ سورة لأبي ذر.
(قال) ولأبي ذر: وقال (مجاهد): فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿كتابه بشماله﴾) [الحاقة: ٥] أي (يأخد كتابه من وراء ظهره) تجعل يده من وراء ظهره فيأخذ بها كتابه وتغل يمناه إلى عنقه.
(﴿وسق﴾) [الانشقاق: ١٧] أي (جمع) ما دخل عليه (من دابة) وغيرها.
(﴿ظن أن لن يحور﴾ [الانشقاق: ١٤]. أي (لا يرجع إلينا) ولا يبعث والحور الرجوع.
١ - باب ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾) [الانشقاق: ٨].
سوف من الله واجب والحساب اليسير هو عرض عمله عليه كما يأتي إن شاء الله تعالى في هذا الحديث وثبت التبويب وتاليه لأبي ذر.
٤٩٣٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ح.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) الفلاس قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عثمان بن الأسود) الجمحي أنه (قال: سمعت ابن أبي مليكة) عبد الله قال: (سمعت عائشة) ﵂ (قالت: سمعت النبي ﷺ ¬).
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح.
قال المؤلّف: (حدّثنا) ولأبي ذر: وحدّثنا (سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) الجهضمي البصري (عن أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ¬).
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي يُونُسَ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلاَّ هَلَكَ». قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قَالَ: «ذَاكَ الْعَرْضُ يُعْرَضُونَ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ».
وقال المؤلّف أيضًا: (حدّثنا) ولأبي ذر: وحدّثنا (مسدد) بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد الدال المهملة الأولى ابن مسرهد (عن يحيى) بن سعيد القطان (عن أبي يونس حاتم بن أبي صغيرة) بالصاد المهملة المفتوحة والغين المعجمة المكسورة الباهلي البصري (عن ابن أبي مليكة عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن عائشة ﵂) فهذه ثلاثة أسانيد صرح في الأوّلين منها بأن ابن أبي مليكة حمل الحديث عن عائشة بغير واسطة، وفي الثالث بواسطة القاسم بن محمد عنها فحمله النووي على أنه سمعه من عائشة وسمعه من القاسم عنها فحدّث به على الوجهين. قال في الفتح: وهو مجرد احتمال وقد وقع التصريح بسماع ابن أبي مليكة له من عائشة كما في السند الأول فانتفى القول بإسقاط رجل من السند وتعين الحمل على أنه سمعه من عائشة ثم من القاسم عنها أو بالعكس والسر فيه أن في روايته بالواسطة ما ليس في
روايته بغير واسطة. (قالت: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ليس أحد يحاسب إلا هلك، قالت: قلت يا رسول الله جعلني الله فداءك)، بالهمز (أليس يقول الله : ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا﴾ قال) ﵊: (ذاك) بكسر الكاف (العرض يعرضون) بأن تعرض عليه أعماله فيعرف الطاعة والمعصية ثم يثاب على الطاعة ويتجاوز عن المعصية ولا يطالب بالعذر فيه (ومن نوقش الحساب) بضم النون وكسر القاف مبنيًا للمفعول والحساب نصب بنزغ الخافض أي من استقصى أمره في الحساب (هلك) بالعذاب في النار أو أن نفس عرض الذنوب والتوقيف على
стр. 3232
قبيح ما سلف والتوبيخ عذاب وفيه بحث يأتي إن شاء الله تعالى في الرقاق.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الرقاق ومسلم في صفة النار والترمذي والنسائي في التفسير.
٢ - باب ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿لتركبنّ طبقًا عن طبق﴾) [الانشقاق: ١٩] أصله لتركبونن فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال والواو لالتقاء الساكنين وفتح الباء ابن كثير وحمزة والكسائي خطابًا للواحد والباقون بضمها خطابًا للجمع وسقط لفظ باب وما بعده لغير أبي ذر.
٤٩٤٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (سعيد بن النضر) بسكون الضاد المعجمة البغدادي قال: (أخبرنا هشيم) بضم الهاء مصغرًا ابن بشير قال: (أخبرنا أبو بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (جعفر بن إياس) بكسر الهمزة وتخفيف الياء ابن أبي وحشية (عن مجاهد) المفسر أنه (قال: قال ابن عباس) في قوله تعالى: (﴿لتركبن﴾) بضم الموحدة وفي اليونينية بفتحها (﴿طبقًا عن طبق﴾) أي (حالًا بعد حال. قال: هذا نبيكم ﷺ ¬) يعني يكون ذلك الظفر والغلبة على المشركين حتى يختم لك بجميل العاقبة فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم في كفرهم، وقيل سماء بعد سماء كما وقع في الإسراء، والمعنى على الجمع لترك بن أيها الناس حالًا بعد حال وأمرًا بعد أمر وذلك في موقف القيامة أو الشدائد والأهوال الموت ثم البعث ثم العرض أو حال الإنسان حالًا بعد حال رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم كهل ثم شيخ.
[٨٥] سورة الْبُرُوجِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الأُخْدُودِ﴾: شَقٌّ فِي الأَرْضِ. ﴿فَتَنُوا﴾: عَذَّبُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الوَدُودُ: الحَبِيبُ: المَجِيدُ الكَرِيمُ.
([٨٥] سورة البروج)
مكية وآيها اثنتان وعشرون وسقط لغير أبي ذر سورة.
(قال) ولأبي ذر وقال (مجاهد) فيما رواه عبد بن حميد في قوله: (﴿الأخدود﴾) [البروج: ٤] هو (شق في الأرض) وقال غيره المستطيل في الأرض. وروى مسلم عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال: كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر فلما كبر قال للملك إني قد كبرت فابعث إليَّ غلامًا أعلّمه السحر فبعث إليه غلامًا يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه فكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب فقال له: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس فرماها فقتلها ومضى الناس فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي بنيّ أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل عليّ، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني. قال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك فآمن بالله فشفاه الله فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك؟ فقال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: الله ربي وربك فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الغلام فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بنيّ قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل. قال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الراهب فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقّه به حتى وقع شقّاه ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم به ذروته فإن رجع عن دينه وإلاّ فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله فدفعه إلى
стр. 3233
نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلاّ فاقذفوه فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهمًا من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: بسم الله ربّ هذا الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد فصلبه على جذع ثم أخذ سهمًا من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: بسم الله
ربّ هذا الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه موضع السهم فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذره قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدّت وأضرم النيران وقال: مَن لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق.
(﴿فتنوا﴾) [البروج: ١٠] أي (عذبوا) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي.
(وقال ابن عباس الودود) هو (الحبيب) المتودد إلى أوليائه بالكرامة (المجيد) أي (الكريم) وقول ابن عباس هذا ساقط في الفرع كأصله ثابت في رواية النسفيّ وحده.
[٨٦] سورة الطَّارِقِ
هُوَ النَّجْمُ، وَمَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ. ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾: المُضِيءُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالْمَطَرِ ﴿ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ الأرض تَتصدَّعُ بِالنَّباتِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾: لَحَقٌّ. ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: إِلاَّ عَلَيهَا حَافِظٌ.
([٨٦] سورة الطَّارِقِ)
ثبت لفظ سورة لأبي ذر وهي مكية وآيها سبع عشرة.
(هو) أي الطارق (النجم وما أتاك ليلًا فهو طارق) ولا يسمى ذلك بالنهار فسمي به النجم لظهوره ليلًا (﴿النجم الثاقب﴾) هو (المضيء) وهذا كله ثابت للنسفي وحده ساقط في الفرع كأصله.
(وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي (﴿ذات الرجع﴾) [الطارق: ١١] هي (سحاب يرجع المطر) ولأبي ذر ترجع بالفوقية بدل التحتية وعلى هذا يجوز أن يراد بالسماء السحاب).
(﴿ذات﴾) ولأبي ذر وذات (﴿الصدع﴾) [الطارق: ١٢]. هي (الأرض تتصدع بالنبات) والعيون.
(وقال ابن عباس: ﴿لقول فصل﴾) [الطارق: ١٣] أي (لحق) وجدّ يفصل بين الحق والباطل.
(﴿لما عليها حافظ﴾) [الطارق: ٤] أي (إلا عليها حافظ) وهذا التفسير على تشديد ميم لما وهي قراءة عاصم وابن عامر وحمزة وإن نافية وثبت قوله وقال ابن عباس إلى آخره للنسفي وحده وسقط من الفرع كأصله.
[٨٧] سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿قّدَّرَ فَهَدَى﴾: قَدَّرَ لِلإِنسَانِ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ. ﴿وَهَدَى الأَنْعَامَ﴾: لِمَراتِعَها.
([٨٧] سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾)
ثبت سورة الأعلى لأبي ذر وهي مكية وآيها تسع عشرة.
ومعنى (﴿سبح اسم ربك﴾) أي نزّه ربك (الأعلى) عما يصفه الملحدون فالاسم صلة وبه يحتج من جعل الاسم والمسمى واحدًا لأن أحدًا لا يقول سبحان اسم الله بل سبحان الله وقال قوم: أي نزّه تسمية ربك بأن تذكره وأنت له معظِّم ولذكره محترم فجعلوا الاسم بمعنى التسمية فكما أنه يجب تنزيه ذاته وصفاته عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب.
وقد سبق في أول هذا المجموع مزيد لذلك والله الموفق.
(وقال مجاهد) في قوله (﴿قدّر فهدى﴾) [الأعلى: ٣] أي (قدّر للإنسان الشقاء والسعادة) (﴿وهدى الأنعام﴾ لمراتعها) وصله الطبري وثبت للنسفي وحده.
٤٩٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَاءَ فَمَا جَاءَ، حَتَّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) لقب عبد الله بن عثمان (قال أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان بن جبلة (عن شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب ﵁ أنه (قال: أول مَن قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ ¬) المدينة من المهاجرين (مصعب بن عمير) بضم العين مصغرًا وضم ميم مصعب (وابن أم مكتوم) عمرو بن قيس العامر (فجعلا يقرئاننا القرآن) أي ما نزل منه (ثم جاء) المدينة أيضًا (عمار) يعني ابن ياسر (وبلال) المؤذن (وسعد) يعني ابن أبي وقاص (ثم جاء) أيضًا (عمر بن
стр. 3234
الخطاب) ﵁ (في) جملة (عشرين) من الصحابة ذكر منهم ابن إسحاق زيد بن الخطاب وسعيد بن زيد بن عمرو وعمرًا وعبد الله ابني سراقة وخنيس بن حذافة وواقد بن عبد الله وخولي بن أبي خولي وأخاه هلالًا وعياش بن أبي ربيعة وخالدًا وإياسًا وعامرًا وعاقلًا بني البكير وهم الثلاثة عشر فلعل الباقي كانوا أتباعًا لهم (ثم جاء النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به) أي كفرحهم به فهو نصب بنزع الخافض (حتى رأيت الولائد) جمع وليدة الصبية والأمة (والصبيان يقولون: هذا رسول الله ﷺ قد جاء) حذفت التصلية لأبي ذر قال: لأن الصلاة عليه إنما كان ابتداء مشروعيتها
في السنة الخامسة من الهجرة، والظاهر أنه يشير إلى آية الأمر بها وهذا غير متجه لأنه قد ورد في حديث الإسراء ذكر الصلاة على النبي ﷺ والإسراء كان بمكة فلا وجه للإنكار قال البراء: (فما جاء) ﵊ المدينة (حتى قرأت: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ في سورة مثلها) وزاد في الهجرة من المفصل وثبت لفظ مثلها لأبي ذر.
[٨٨] سورة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: النَّصَارَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾: بَلَغَ إِنَاهَا وَحَانَ شُرْبُهَا. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾: بَلَغَ إِنَاهُ. ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾: شَتْمًا. الضَّرِيعُ: نَبْتٌ يُقَالَ لَهُ: الشِّبْرِقُ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ الضَّرِيعَ إِذَا يَبِسَ وَهْوَ سَمٌّ ﴿بِمُسَيْطِرٍ﴾: بِمُسَلَّطٍ وَيُقْرَأُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿إِيَابَهُمْ﴾: مَرْجِعَهُمْ.
([٨٨] سورة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾)
مكية وآيها ست وعشرون ولأبي ذر سورة هل أتاك بسم الله الرحمن الرحيم وسقط له حديث الغاشية ولغيره البسملة.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿عاملة ناصبة) [الغاشية: ٣] (النصارى) وزاد ابن أبي حاتم واليهود والثعلبي والرهبان يعني أنهم عملوا ونصبوا في الدين على غير دين الإسلام فلا يقبل منهم وقيل عاملة ناصبة في النار كجر السلاسل وخوضها في النار خوض الإبل في الوحل والصعود والهبوط في تلالها ووهادها.
(وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي (﴿عين آنية﴾) [الغاشية: ٥] بلغ (إناها) بكسر الهمزة بعد النون ألف غير مهموز وقتها في الحر فلو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت وقال أبو ذر إناها حينها. (وحان شربها: ﴿حميم آن﴾ بلغ إناه) أي حان (﴿لا تسمع فيها﴾) أي الجنة (﴿لاغية﴾) [الغاشية: ١١]. أي (شتمًا) ولا غيره من الباطن.
(الضريع) ولأبي ذر ويقال الضريع (نبت) له شوك (يقال له الشبرق) بكسر المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة (تسميه أهل الحجاز الضريع إذا يبس وهو سم) لا تقر به دابة لخبثه.
(﴿بمسيطر﴾) [الغاشية: ٢٢] أي (بمسلط) فتقتلهم وتكرههم على الإيمان وهذا منسوخ بآية القتال. (ويقرأ) مصيطر (بالصاد والسين) وهذه قراءة هشام وهي على الأصل.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن المنذر في قوله (﴿إيابهم﴾) [الغاشية: ٢٥] أي (مرجعهم) بعد الموت.
[٨٩] سورة وَالْفَجْرِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْوَتْرُ: اللَّهُ. ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: الْقَدِيمَةِ. وَالْعِمَادُ: أَهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ. ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ. ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾: السَّفُّ وَ ﴿جَمًّا﴾: الْكَثِيرُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهْوَ شَفْعٌ. السَّمَاءُ شَفْعٌ. ﴿وَالْوَتْرُ﴾: اللَّهُ ﵎. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ. ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ. ﴿تَحَاضُّونَ﴾: تُحَافِظُونَ. وَيَحُضُّونَ: يَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ. ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾: الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ. وَقَالَ الْحَسَنُ. ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا، وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَأَمَرَ بِقَبْضِ رُوحِهَا وَأَدْخَلَهَا اللَّهُ الْجَنَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ. ﴿جَابُوا﴾: نَقَبُوا، مِنْ جِيبَ الْقَمِيصُ قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ. يَجُوبُ الْفَلَاةَ: يَقْطَعُهَا. ﴿لَمًّا﴾: لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ، أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ.
([٨٩] سورة وَالْفَجْرِ)
مكية وآيها تسع وعشرون وثبت سورة لأبي ذر.
(قال مجاهد الوتر: الله) لانفراده بالألوهية وحذف ما بعد مجاهد لأبي ذر.
(﴿إرم ذات العماد﴾) [الفجر: ٧] أي (القديمة) يعني عادًا الأولى ولأبي ذر يعني القديمة وفي اليونينية إرم ذات بكسر الهمز وسكون الراء وفتح الميم ورويت عن الضحاك لكن بفتح الهمزة وأصله إرم على وزن فعل كفخذ فخفف (والعماد) رفع مبتدأ خبره (أهل عمود) أي خيام (لا يقيمون) في بلد وكانوا سيّارة ينتجعون الغيث وينتقلون إلى الكلأ حيث كان، وعن ابن عباس إنما قيل لهم ذات العماد لطولهم واختار الأول ابن جرير وردّ الثاني. قال ابن كثير: فأصاب وحينئذٍ فالضمير يعود على القبيلة قال: وأما ما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية من ذكر مدينة يقال لها إرم ذات العماد مبنية بلبن الذهب والفضة وأن حصباءها لآلئ وجواهر وترابها بنادق المسك إلى غير ذلك من الأوصاف وأنها تنتقل فتارة تكون بالشام وتارة باليمن وأخرى بغيرهما من الأرض فمن خرافات الإسرائيليين وليس لذلك حقيقة.
وأما ما أخرجه ابن أبي حاتم من
стр. 3235
طريق وهب بن منبه عن عبد الله بن أبي قلابة في هذه القصة أيضًا وذكر عجائبها فقال في افتح فيها ألفاظ منكرة وراويها عبد الله بن أبي قلابة لا يعرف. وفي إسناده ابن لهيعة ومثله ما يخبر به كثير من الكذبة المتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض بها قناطير الذهب والفضة والجواهر واليواقيت واللآلئ والإكسير، لكن عليها موانع تمنع من الوصول إليها فيحتالون على أموال ضعفة العقول والسفهاء فيأكلونها بحجة صرفها في بخورات ونحوها من الهذيانات وتراهم ينفقون على حفرها الأموال الجزيلة ويبلغون في العمق غاية ولا
يظهر لهم إلا التراب والحجر الكدان فيفتقر الرجل منهم وهو مع ذلك لا يزداد إلا طلبًا حتى يموت.
(﴿سوط عذاب﴾) [الفجر: ١٣] (الذي) ولأبي ذر الذين (عذبوا به) وعن قتادة مما رواه ابن أبي حاتم كل شيء عذب به فهو سوط عذاب.
(﴿أكلًا لمَّا﴾) [الفجر: ١٩] (السفّ) من سففت إلى أسفه سفًّا.
(وجما الكثير) أي يحبون جمع المال وسقط واو جمًّا لأبي ذر.
(وقال مجاهد) في قوله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾ [الفجر: ٣] (كل شيء خلقه) تعالى (فهو شفع السماء شفع) أي للأرض كالذكر والأنثى (﴿والوتر﴾) بفتح الواو وتكسر هو (الله ﵎ وسبق.
(وقال غيره) غير مجاهد (﴿سوط عذاب﴾ كلمة تقولها العرب لكل نوع من العذاب يدخل فيه السوط) قاله الفراء.
(﴿لبالمرصاد﴾) [الفجر: ١٤] (إليه المصير) وقال ابن عباس بحيث يسمع ويرى وقيل يرصد أعمال بني آدم لا يفوته شيء منها.
(﴿تحاضون﴾) بفتح التاء والحاء فألف وبها قرأ الكوفيون أي (تحافظون وتحضون) بغير ألف (تأمرون بإطعامه) المساكين.
(﴿المطمئنة﴾) [الفجر: ٢٧] هي (المصدقة بالثواب) وهي الثابتة على الإيمان (وقال الحسن) البصري فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿يا أيها النفس المطمئنة﴾) [الفجر: ٢٧] إذا أراد الله (قبضها اطمأنت إلى الله واطمأن الله إليها) إسناد الاطمئنان إلى الله مجاز يراد به لازمه وغايته من نحو إيصال الخير وفيه المشاكلة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي واطمأن إليه بتذكير الضمير أي إلى الشخص (ورضيت عن الله ورضي الله عنها¬) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عنه (فأمر) بالفاء ولأبي ذر وأمر (بقبض روحها وأدخلها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أيضًا وأدخله (الله الجنة وجعله من عباده الصالحين) وقال عطاء النفس المطمئنة هي العارفة بالله التي لا تصبر عن الله طرفة عين.
(وقال غيره) غير الحسن (﴿جابوا﴾) أي (نقبوا) بالتخفيف أي نقبوا الصخر وأصل الجيب القطع مأخوذ (من جيب القميص) أي (قطع له جيب) وكذلك قولهم فلان (يجوب الفلاة) أي (يقطعها) وجيب بفتح الجيم وجر الموحدة بمن والقميص خفض وبكسر الجيم ونصب الموحدة والقميص رفع وسقط لفظ من لأبي ذر.
(﴿لمًّا﴾) في قوله تعالى: (﴿ويأكلون التراث أكلًا لمًّا﴾ (لممته أجمع أتيت على آخره) قاله أبو عبيدة وسبق معناه وسقط لأبي ذر.
[٩٠] سورة ﴿لَا أُقْسِمُ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: مَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ. ﴿وَوَالِدٍ﴾: آدَمَ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾. ﴿لُبَدًا﴾: كَثِيرًا. وَالنَّجْدَيْنِ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ. ﴿مَسْغَبَةٍ﴾: مَجَاعَةٍ. ﴿مَتْرَبَةٍ﴾: السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ. يُقَالُ: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾: فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾. ﴿فِي كَبَدٍ﴾: شِدَّةٍ.
([٩٠] سورة ﴿لَا أُقْسِمُ﴾)
مكية وآيها عشرون ولأبي ذر سورة: لا أقسم.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿بهذا البلد﴾: مكة) ولأبي ذر ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾ [البلد: ٢] مكة (ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم) أي أنت على الخصوص تستحله دون غيرك لجلالة شأنك كما جاء لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وأنت على هذا من باب التقديم للاختصاص نحو أنا عرفت وقال الواحدي إن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا فوعد نبيه ﷺ أن يحلها له يقاتل فيها وأن يفتحها على يده ويكون فيها حلاًّ والجملة اعتراض بين المقسم به وما عطف عليه.
(﴿ووالد﴾ آدم ﴿وما ولد﴾) [البلد: ٣] أي من الأنبياء والصالحين من ذريته لأن الكافر وإن كان من ذريته لكن لا حرمة له حتى يقسم به أو المراد بوالد إبراهيم وبما ولد محمد ﷺ وما بمعنى من قال في الأنوار وإيثار ما على من لمعنى التعجب كما في قوله تعالى: (﴿والله أعلم بما وضعت﴾ [آل عمران: ٣٦].
(﴿لبدًا﴾) [البلد: ٦] بضم اللام وفتح الموحدة لأبي ذر جمع
стр. 3236
لبدة كغرفة وغرف وهي قراءة العامة ولغير أبي ذر لبدًا بكسر اللام أي (كثيرًا) من تلبد الشيء إذا اجتمع.
(والنجدين) هما (الخير والشر) قال الزجاج النجدان الطريقان الواضحان والنجد المرتفع من الأرض والمعنى ألم نبين له طريقي الخير والشر وقال ابن عباس النجدين الثديين وهما مما يقسم به العرب تقول أما ونجديها ما فعلت تريد ثديي المرأة لأنهما كالنجدين للبطن.
(﴿مسغبة﴾) [البلد: ١٤] أي (مجاعة) والسغب الجوع.
(﴿متربة﴾) ولأبي ذر برفع الثلاثة أي (الساقط في التراب) ليس له بيت لفقره.
(يقال ﴿فلا اقتحم العقبة﴾) [البلد: ١١، ١٤] (فلم يقتحم العقبة) فلم يجاوزها (في الدنيا) ليأمن (ثم فسر العقبة فقال: ﴿وما أدراك﴾) أي أعلمك (﴿ما العقبة﴾) التي يقتحمها وبين سبب جوازها بقوله (﴿فك رقبة﴾) برفع الكاف على إضمار مبتدأ أي هو فك وخفض رقبة بالإضافة من
الرق بإعاقتها (﴿أو إطعام﴾) بهمزة مكسورة وألف بعد العين ورفع ميم إطعام منوّنًا وقراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي فك بفتح الكاف فعلًا ماضيًا رقبة نصب أطعم فعلًا ماضيًا أيضًا (﴿في يوم ذي مسغبة﴾) [البلد: ١١، ١٤] مجاعة وهذا تنبيه على أن النفس لا توافق صاحبها في الإنفاق لوجه الله تعالى البتة فلا بد من التكلف وحمل المشقّة على النفس والذي يوافق النفس الافتخار والمراواة فكأنه تعالى ذكر هذا المثل بإزاء ما قال أهلكت مالًا لبدًا والمراد بيان الإنفاق المفيد وإن ذلك الإنفاق مضرّ قاله صاحب الفرائد فيما حكاه في فتوح الغيب.
(﴿في كبد﴾) [البلد: ٤] أي (شدة) أي شدة خلق وقال ابن عباس في نصب وقيل شدة مكايد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة وهذا ثابت للنسفي وحده.
[٩١] سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿ضُحَاهَا﴾: ضَوْؤُهَا. ﴿إِذَا تَلَاهَا﴾: تَبِعَهَا. ﴿وَطَحَاهَا﴾: دَحَاهَا. ﴿دَسَّاهَا﴾: أَغْوَاهَا. ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: عَرَّفَهَا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾: بِمَعَاصِيهَا. ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾: عُقْبَى أَحَدٍ.
([٩١] سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾)
مكية وآيها خمس عشرة.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ سورة والبسملة لأبي ذر.
(وقال مجاهد: ﴿ضحاها﴾) أي (ضوءها: ﴿إذا تلاها﴾) أي (تبعها) طالعًا عند غروبها (﴿وطحاها﴾) أي (دحاها).
(﴿دساها﴾) أي (أغواها) وأصله دسسها فكثر الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة.
(﴿فألهمها﴾) أي (عرّفها الشقاء والسعادة) وهذا كله ثابت للنسفي ساقط من الفرع كأصله.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿بطغواها﴾) أي (بمعاصيها).
(﴿ولا يخاف عقباها﴾) أي (عقبى أحد).
٤٩٤٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ». مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ. وَذَكَرَ النِّسَاءَ فَقَالَ: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ يَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ». ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ وَقَالَ: «لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ»؟ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (أنه أخبره عبد الله بن زمعة) بفتح الزاي وسكون الميم وفتحها وبالعين المهملة وأمه قريبة أخت أم سلمة أم المؤمنين ﵄ (أنه سمع النبي ﷺ يخطب) فخطب وذكر ما قصده من الموعظة أو غيرها (وذكر الناقة) المذكورة في هذه السورة وهي ناقة صالح (و) ذكر (الذي عقر) ها وهو قدار بن سالف وهو أحيمر ثمود الذي قال الله تعالى فيه فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(﴿إذ انبعث أشقاها﴾ انبعث) قام (لها رجل عزيز) شديد قوي (عارم) بعين وراء مهملتين جبار صعب مفسد خبيث (منيع) قوي ذو منعة (في رهطه) قومه (مثل أبي زمعة) جد عبد الله بن زمعة المذكور في عزته ومنعته في قومه ومات كافرًا بمكة (وذكر) ﵊ في خطبته (النساء) أي ما يتعلق جهن استطرادًا فذكر ما يقع من أزواجهن (فقال: يعمد) بكسر الميم أي يقصد (أحدكم يجلد) ولأبي ذر فيجلد (امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من آخر يومه) أي يجامعها (ثم وعظهم) ﵊ (في ضحكهم). ولأبي ذر عن الكشميهني في ضحك (من الضرطة وقال: لم يضحك أحدكم مما يفعل) وكانوا في الجاهلية إذا وقع ذلك من أحد منهم في مجلس يضحكون فنهاهم عن ذلك.
(وقال أبو معاوية) محمد بن خازم مما وصله إسحاق بن راهويه في مسنده (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عبد الله بن زمعة) أنه قال (قال النبي ﷺ : مثل أبي زمعة
стр. 3237
عم الزيير بن العوّام) أي عمه مجازًا لأنه الأسود بن المطلب بن أسد والعوام بن خويلد بن أسد فنزل ابن العم منزلة الأخ فأطلق عليه عما بهذا الاعتبار كذا جزم الدمياطي باسم أبي زمعة هنا وهو المعتمد قاله في فتح الباري.
[٩٢] سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿بِالْحُسْنَى﴾: بِالْخَلَفِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿تَرَدَّى﴾: مَاتَ. ﴿وَتَلَظَّى﴾: تَوَهَّجُ. وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: تَتَلَظَّى.
([٩٢] سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾)
مكية وآيها إحدى وعشرون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت سورة والبسملة لأبي ذر.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿بالحسنى﴾) ولأبي ذر ﴿وكذب بالحسنى﴾ (بالخلف) أي لم يوقن أن الله سيخلف عليه ما أنفقه في طاعته (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿تردى﴾) أي (مات) وقيل تردى في حفرة القبر وقيل في قعر جهنم (﴿وتلظى﴾) أي (توهج)
وتتوقد (وقرأ عبيد بن عمير) بضم عينهما مصغرين فيما وصله سعيد بن منصور (تتلظى) بتاءين على الأصل.
١ - باب ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى (﴿والنهار إذا تجلى﴾) أي ظهر بزوال ظلمة الليل وثبت باب وما بعده لأبي ذر.
٤٩٤٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: دَخَلْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ الشَّأْمَ، فَسَمِعَ بِنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَأَتَانَا فَقَالَ: أَفِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: فَأَيُّكُمْ أَقْرَأُ؟ فَأَشَارُوا إِلَيَّ، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ١ - ٣] قَالَ: آنْتَ سَمِعْتَهَا مِنْ فِي صَاحِبِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَأَنَا سَمِعْتُهَا مِنْ فِي النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَؤُلَاءِ يَأْبَوْنَ عَلَيْنَا.
وبه قال: (حدّثنا قبيصة بن عقبة) السوائي العامري قال: (حدّثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري (عن الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس أنه (قال: دخلت في نفر من أصحاب عبد الله) يعني ابن مسعود (الشام فسمع بنا أبو الدرداء) عويمر بن مالك (فأتانا فقال: أفيكم) بهمزة الاستفهام الاستخباري (من يقرأ)؟ القرآن (فقلنا: نعم، قال: فأيكم أقرأ)؟ أي أحفظ أو أحسن قراءة قال علقمة (فأشاروا إليّ) بتشديد الياء (فقال: اقرأ فقرأت (﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى﴾) بحذف ﴿وما خلق﴾ وبالخفض (قال) أي أبو الدرداء ولأبي الوقت فقال: (آنت سمعتها) بمد الهمزة (من في صاحبك)؟ عبد الله بن مسعود أي من فمه (قلت: نعم قال) أبو الدرداء (وأنا سمعتها من في النبي) أي من فمه (¬ ﷺ ¬) كذلك (وهؤلاء) يعني أهل الشام (يأبون علينا) بفتح الموحدة ويقولون المتواترة وما خلق الذكر والأنثى.
٢ - باب ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾) [الليل: ١٣] ثبت باب لأبي ذر.
٤٩٤٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ كُلُّنَا: قَالَ: فَأَيُّكُمْ يَحْفَظُ؟ وَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَةَ، قَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قَالَ عَلْقَمَةُ: ﴿وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى﴾ قَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ هَكَذَا، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ وَاللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) سقط ابن حفص لغير أبي ذر قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) النخعي أنه (قال: قدم أصحاب عبد الله) يعني ابن مسعود هم علقمة بن قيس وعبد الرحمن والأسود ابنا يزيد النخعي (على أبي الدرداء) وهذا صورته صورة إرسال لأن إبراهيم لم يحضر القصة لكن في الرواية السابقة عن إبراهيم عن علقمة وحينئذٍ فلا إرسال في هذه الرواية (فطلبهم فوجدهم فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله) يعني ابن مسعود (قال) أي علقمة (كلنا) يقرأ على قراءته (قال) أبو الدرداء (فأيكم يحفظ) ولأبي ذر أحفظ (وأشاروا) ولأبي ذر فأشاروا (إلى علقمة) بن قيس (قال) أبو الدرداء: (كيف سمعته)؟ يعني ابن مسعود (يقرأ: ﴿والليل إذا يغشى﴾ قال علقمة: ﴿والذكر والأنثى﴾) بالخفض (قال) أبو الدرداء (أشهد أني سمعت النبي ﷺ يقرأ هكذا وهؤلاء) أي أهل الشام (يريدوني) ولأبي ذر يريدونني (على أن أقرأ ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ والله لا أتابعهم) على هذه القراءة قال ذلك لما تيقنه من سماع ذلك من رسول الله ﷺ ولعله لم يعلم بنسخه ولم يبلغه مصحف عثمان المجمع عليه المحذوف منه كل منسوخ.
٣ - باب قَوْلُهُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾
قوله (فأما) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى (﴿فأما من أعطى﴾) الطاعة (﴿واتقى﴾) المعصية.
٤٩٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فِي جَنَازَةٍ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ». ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش) سليمان (عن سعد بن عبيدة) بسكون العين في الأول وضمها في الثاني مصغرًا أبي حمزة بالحاء المهملة والزاي ختن أبي عبد الرحمن السلمي (عن أبي عبد الرحمن السلمي) بضم السين وفتح اللام (عن عليّ) هو ابن أبي طالب (¬﵁¬) أنه (قال: كنا مع النبي
стр. 3238
ﷺ بقيع الغرقد) مقبرة المدينة منّ الله عليّ بالدفن بها مع خاتمة الإسلام (في جنازة) لم يسم صاحبها (فقال) ﷺ :
(ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار) موضع قعوده منهما كناية عن كونه من أهل الجنة أو النار باستقراره فيها والواو المتوسطة بينهما لا يمكن أن تجري على ظاهرها فإن ما النافية ومن الاستغراقية يقتضيان أن يكون لكل أحد مقعد من النار ومقعد من الجنة فيجب أن يقال إن الواو بمعنى أو وقد ورد بلفظ أو من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن
الأعمش في الباب الآتي بعد الباب اللاحق (فقالوا: يا رسول الله أفلا نتّكل)؟ أي أفلا نعتمد على كتابنا الذي قدر الله علينا وعند ابن مردويه في تفسيره من طريق جابر أن السائل عن ذلك سراقة بن جعشم وفي مسند أحمد أنه أبو بكر وفي مسند عمر لأبي بكر المروزي والبزار أنه عمر وقيل في الراوي (فقال) ﵊ (اعملوا فكلٌّ ميسر) أي مهيأ لما خلق له ثم قرأ (﴿فأما من أعطى واتقى * وصدّق بالحسنى﴾ -إلى قوله- ﴿للعسرى﴾) [الليل: ٥ - ١٠] وسقط لأبي ذر وصدق الخ وقال بعد قوله: ﴿واتقى﴾ الآية.
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾
هذا (باب قوله: (﴿وصدق بالحسنى﴾) أي بالكلمة الحسنى وهي ما دل على حق ككلمة التوحيد والباب وتاليه ثابتان لأبي ذر.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ، ﵁ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد البصري قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن سعد بن عبيدة) بالتصغير (عن أبي عبد الرحمن) السلمي (عن عليّ ﵁) أنه (قال: كنا قعودًا عند النبي ﷺ فذكر الحديث) السابق زاد أبو ذر نحوه.
٥ - باب ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله جل وعلا (﴿فسنيسره لليسرى﴾) أي للجنة وثبت باب لأبي ذر.
٤٩٤٦ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ عُودًا يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥] الآيَةَ، قَالَ شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنِي بِهِ مَنْصُورٌ فَلَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ.
وبه قال: (حدّثنا بشر بن خالد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة الفرائضي العسكري قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن جعفر) غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) الأعمش (عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان في جنازة) لم يسم صاحبها (فأخذ عودًا ينكتُ) بمثناة نوقية يضرب به (في الأرض) فعل المتفكّر في شيء مهمّ (فقال):
(ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من النار أو من الجنة. قالوا): قيل السائل سراقة وقيل علي الراوي وقيل عمر (يا رسول الله أفلا نتكل) أي نعتمد على كتابنا وندع العمل (قال) ﵊: (اعملوا فكل ميسر) زاد في رواية في الباب اللاحق لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل الشقاوة ثم قرأ (﴿فأما من أعطى واتقى * وصدّق بالحسنى﴾ [الليل: ٥] الآية.
وقال الخطابي: في قولهم ألا نتكل على كتابنا مطالبة منهم بأمر يوجب تعطيل العبودية وروم أن يتخذوا حجة لأنفسهم في ترك العمل فأعلمهم ﷺ بقوله اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له بأمرين لا يبطل أحدهما بالآخر باطن هو العلامة الموجبة في علم الربوبية وظاهر هو القسمة اللازمة في حق العبودية وهي أمارة مخيلة غير مفيدة حقيقة للعلم ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب والأجل المضروب في العمر مع المعالجة بالطب فإنك تجد المغيب فيهما علة موجبة والظاهر البادي سببًا مخيلًا وقد اصطلح الناس خاصتهم وعامتهم أن الظاهر فيهما لا يترك لسبب الباطن. قال في فتوح الغيب: تلخيصه عليكم بشأن العبودية وما خلقتم لأجله وأمرتم به وكلوا أمر الربوبية الغيبية إلى صاحبها فلا عليكم بشأنها.
(قال شعبة) بن الحجاج بالإسناد السابق: (وحدّثني به) بالحديث المذكور (منصور) هو ابن المعتمر (فلم أنكره من حديث سليمان) أي الأعمش بل وافق حديثه فما أنكر منه شيئًا.
٦ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾
(باب قوله) : (﴿وأما من بخل﴾) بما أمر به (﴿واستغنى﴾ بشهوات الدنيا) وثبت لأبي ذر باب قوله.
٤٩٤٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ». فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ». ثُمَّ قَرَأَ: «﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾».
وبه قال: (حدّثتا يحيى) هو ابن موسى البلخي المشهور بخت قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي بضم الراء وبالهمزة بعدها سين
стр. 3239
مهملة (عن الأعمش) سليمان (عن سعد بن عبيدة) ختن أبي عبد الرحمن (عن أبي عبد الرحمن) السلمي (عن علي ﵁) وفي اليونينية ﵇ أنه (قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ ¬) في جنازة في بقيع الغرقد (فقال):
(ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار. فقلنا) ولأبي ذر قلنا: (يا رسول الله أفلا نتكل) أي على كتابنا وندع العمل (قال: لا اعملوا فكلٌّ ميسر) أي لما خلق له (ثم
قرأ) ﵊ (﴿فأما من أعطى واتقى* وصدّق بالحسنى *فسنيسره لليسرى﴾) فسنهيئه للخلة التي تؤدي إلى يسر (إلى قوله: ﴿فسنيسره للعسرى﴾) للخلة المؤدية للعسر والشدة لدخول النار. قال الطيبي: وأما وجه تأنيث اليسرى والعسرى فإن كان المراد منهما جماعة الأعمال فذلك ظاهر وإن كان المراد عملًا واحدًا فيرجع التأنيث إلى الحالة أو الفعلة ويجوز أن يراد الطريقة اليسرى والعسرى.
٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾
قوله: ﴿وكذب﴾ ولأبي ذر (باب) بالتنوين أي في (قوله) جل وعلا: (﴿وكذب بالحسنى﴾).
٤٩٤٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً». قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥] الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) هو ابن محمد بن أبي شيبة ونسبه لجده لشهرته به العبسي الكوفي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد الرازي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁) أنه (قال: كنا في جنازة) لم يسم صاحبها (في بقيع الغرقد) مقبرة المدينة (فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة والراء عصا (فنكس) بفتح النون والكاف مشددة بعدها سين مهملة (فجعل ينكت بمخصرته) في الأرض (ثم قال) ﵊:
(ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة) مولودة (إلا كتب مكانها) الذي تصير إليه (من الجنة والنار وإلا قد كتبت) ولأبي ذر عن الكشميهني وإلا كتبت بإسقاط قد وله عن الحموي والمستملي أو قد كتبت (شقية أو سعيدة) ولأبي ذر أو قد كتبت سعيدة (قال) ولأبي ذر فقال (رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة) ولأبي ذر إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء) ولأبي ذر من أهل الشقاوة (فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة) ولأبي ذر أهل الشقاء (قال) ﵊: (أما
أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء) ولأبي ذر عن الكشميهني الشقاوة (ثم قرأ) ﵊ (﴿فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى﴾ الآية) إلى آخرها.
٨ - باب ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿فسنيسره للعسرى﴾) وسقط لغير أبي ذر باب.
٤٩٤٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥]» الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان أنه (قال: سمعت سعد بن عبيدة) بسكون العين الأولى وضم الثانية (يحدّث عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁¬) أنه (قال: كان النبي ﷺ جنازة) بالبقيع (فأخد شيئًا فجعل ينكت) بالفوقية (به الأرض) في الرواية السابقة فجعل ينكت بمخصرته في الأرض (فقال):
(ما منكم من أحد إلا وقد) ولأبي ذر إلا قد (كتب مقعده) أي موضع قعوده (من النار ومقعده) موضع قعوده (من الجنة. قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا) المكتوب في الأزل (وندع العمل) أي نتركه إذ لا فائدة فيه مع سبق القضاء لكل واحد منا بالجنة أو النار (قال) ﵊ مجيبًا لهم (اعملوا فكلٌّ ميسر) مهيأ (لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعاة وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة) ولأبي ذر عن الكشميهني فسييسر بسين بعد الفاء بدل الياء وعن الحموي والمستملي الشقاء بالمد وإسقاط الواو والهاء وسقط لأبي ذر لفظ أهل قال المظهري جوابه ﵊ بقوله اعملوا هو من أسلوب الحكيم منعهم عليه
стр. 3240
الصلاة والسلام عن الاتكال وترك العمل وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من امتثال أمر مولاه وعبوديته وتفويض الأمر إليه. قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] ولا يدخل أحد الجنة بعمله (ثم قرأ) ﵊ (﴿فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى﴾ الآية).
وقد ذكر ابن جرير أن هذه الآية نزلت في الصديق ثم روى بسنده إلى عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة وكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن فقال له أبوه أي
بني أراك تعتق أناسًا ضعافًا فلو أنك تعتق رجالًا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك فقال أي أبت إنما أريد ما عند الله قال فحدّثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه ﴿فأما من أعطى﴾ إلى آخرها وذكر غير واحد من المفسرين أن قوله تعالى ﴿وسيجنبها الأتقى﴾ [الليل: ١٧] إلى آخرها نزلت فيه أيضًا حتى أن بعضهم حكى إجماع المفسرين عليه ولا شك أنه داخل فيها وأولى لأمة بعمومها ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع الأوصاف الحميدة.
[٩٣] سُورَةُ وَالضُّحَى
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿إِذَا سَجَى﴾: اسْتَوَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَظْلَمَ وَسَكَنَ. ﴿عَائِلًا﴾: ذُو عِيَالٍ.
([٩٣] سُورَةُ وَالضُّحَى)
مكية وآيها إحدى عشرة.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ سورة والبسملة لأبي ذر.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي: (﴿إذا سجى﴾) ولأبي ذر إذا سجا مكتوب بالألف بدل الياء (استوى. وقال غيره) غير مجاهد معناه (أظلم) ولأبي ذر سجا أظلم قاله الفراء وقال الفراء وقال ابن الأعرابي اشتدّ ظلامه (و) قيل (سكن) ومنه سجا البحر يسجو سجوًّا أي سكنت أمواجه وليلة ساجية ساكنة الريح (﴿عائلًا﴾) قال أبو عبيدة: أي (ذو عيال) يقال أعال الرجل أي كثر عياله وعال أي افتقر.
١ - باب قَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
هذا (باب قوله: ﴿ما ودعك﴾) ما تركك منذ اختارك (﴿ربك وما قلى﴾) وما أبغضك منذ أحبك وحذف المفعول استغناء بذكره فيما ممبق ومراعاة للفواصل وثبت باب لأبي ذر.
٤٩٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) التميمي اليربوعي الكوفي ونسبه لجده واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا زهير) بضم الزاي مصغرًا ابن معاوية قال: (حدّثنا الأسود بن قيس) العبدي (قال: سمعت جندب بن سفيان) بضم الجيم والدال المهملة وفتحها أيضًا وهو جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي (﵁ قال: اشتكى) مرض (رسول الله ﷺ فلم يقم) للتهجد (ليلتين) وفي
نسخة ليلة بالإفراد (أو ثلاثًا) بالشك والنصب على الظرفية (فجاءت امرأة) هي العوراء بنت حرب أخت أبي سفيان وهي حمالة الحطب زوج أبي لهب كما عند الحاكم (فقالت) متهكمة: (يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك) فتح القاف وكسر الراء قربه يقربه بفتح الراء متعديًا ومنه لا تقربوا الصلاة وأما قرب بضمها فهو لازم تقول قرب الشيء إذا دنا وقربته بالكسر أي دنوت منه وهنا متعدٍّ (من ليلتين أو ثلاثًا) نصب وفي نسخة أو ثلاث ولأبي ذر أو ثلاثة خفض بمنذ (فأنزل الله (﴿والضحى﴾) وقت ارتفاع الشمس أو النهار كله (﴿والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى﴾) وقدم الليل على النهار في السورة السابقة باعتبار الأصل والنهار في هذه باعتبار الشرف.
٢ - باب قَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ: مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ.
(باب قوله: ﴿ما﴾) وللمستملي باب بالتنوين أي في قوله تعالى ما (﴿ودعك ربك وما قلى﴾ تقرأ) ودعك (بالتشديد) في الدال وهي قراءة العامة (وبالتخفيف) وهي قراءة عروة وهشام ابنه وأبي حيوة وابن أبي عبلة وهما (بمعنى واحد) أي (ما تركك ربك. وقال ابن عباس) مما وصله ابن أبي حاتم (ما تركك وما أبغضك).
٤٩٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا الْبَجَلِيَّ قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أُرَى صَاحِبَكَ إِلاَّ أَبْطَأَكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشدّدة بندار قال: (حدّثنا محمد بن جعفر غندر) ولأبي ذر إسقاط محمد بن جعفر وقال حدّثنا غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأسود بن قيس) العبدي أنه (قال: سمعت جندبًا البجلي) بفتح الموحدة والجيم يقول (قالت امرأة) هي خديجة أم المؤمنين توجعًا
стр. 3241
وتأسفًا (يا رسول الله: ما أرى) بضم الهمزة ما أظن ولأبي ذر ما أرى بفتحها (صاحبك) جبريل (إلا أبطأك﴾) أي جعلك بطيئًا في القراءة لأن بطأه في الإقراء بطء في قراءته أو هو من باب حذف حرف الجر وإيصال الفعل به قاله الكرماني (فنزلت ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾).
وهذا الحديث سبق في باب ترك القيام للمريض.
[٩٤] سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لك﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وِزْرَكَ﴾: فِي الْجَاهِلِيَّةِ. ﴿أَنْقَضَ﴾: أَثْقَلَ.
﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْرِ يُسْرًا آخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]: وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿فَانْصَبْ﴾: فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ. وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لك صَدْرَكَ﴾: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ.
([٩٤] سورة ﴿ألم نشرح لك﴾)
مكية وآيها ثمان.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ لك والبسملة لأبي ذر.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي: (﴿وزرك﴾) أي الكائن (في الجاهلية) من ترك الأفضل والذهاب إلى الفاضل.
(﴿أنقض﴾) أي (أثقل) بمثلثة فقاف فلام كذا في الفرع كأصله وعزاها في الفتح لابن السكن وفي نسخة أتقن وقال القاضي عياض إنها كذا في جميع النسخ بفوقية وبعد القاف نون وهو وهم والصواب الأول وأصله الصوت والنقيض صوت المحامل والرحال بالحاء المهملة (﴿مع العسر يسرًا﴾ قال ابن عيينة) سفيان: (أي مع ذلك العسر يسرًا آخر) لأن النكرة إذا أعيدت نكرة فهي غير الأولى فاليسر هنا اثنان والعسر واحد قال الفراء إذا ذكرت العرب نكرة ثم أعادتها منكرة مثلها صارتا اثنتين كقولك إذا كسبت درهمًا فأنفق درهمًا فإن الثاني غير الأوّل فإذا أعادتها معرفة فهي هي أي نحو قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا* فعصى فرعون الرسول﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] وذكر الزجاج نحوه وقال السيد في الأمالي: وإنما كان العسر معرفًا واليسر منكرًا لأن الاسم إذا تكرر منكرًا فالثاني غير الأول كقولك جاءني رجل فقلت لرجل كذا وكذا وكذلك إن كان الأول معرفة والثاني نكرة نحو حضر الرجل فأكرمت رجلًا (كقوله) جل وعلا: (﴿هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾) [التوبة: ٥٢] أي كما ثبت للمؤمنين تعدد الحسنى كذا ثبت لهم تعدد اليسر "ولن يغلب عسر يسرين" رواه سعيد بن منصور وعبد الرزاق من حديث ابن مسعود بلفظه قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه ولن يغلب عسر يسرين" ثم قال: ﴿إن مع العسر يسرًا *إن مع العسر يسرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] وإسناده ضعيف وعن جابر عند ابن مردويه قال: قال رسول الله ﷺ : "أوحي إليّ أن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا ولن يغلب عسر يسرين".
(وقال مجاهد) فيما وصله ابن المبارك في الزهد: (﴿فانصب﴾) أي (في حاجتك إلى ربك) وقال ابن عباس: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء وارغب إليه في المسألة.
(ويذكر عن ابن عباس) مما وصله ابن مردويه بإسناد فيه راوٍ ضعيف في قوله تعالى: (﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ شرح الله صدره للإسلام) وقيل ألم نفتح قلبك ونوسعه للإيمان والنبوة والعلم
والحكمة والاستفهام إذا دخل على النفي قرره فصار المعنى قد شرحنا وسقط لغير أبي ذر لك صدرك.
[٩٥] سورة وَالتِّينِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ التِّينُ وَالزَّيْتُونُ الَّذِي يَأْكُلُ النَّاسُ. يُقَالُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾؟ فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِأَنَّ النَّاسَ يُدَانُونَ بِأَعْمَالِهِمْ؟ كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَاب؟ ِ
([٩٥] سورة وَالتِّينِ)
مكية أو مدنية وآيها ثمان وثبت لفظ سورة لأبي ذر.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (هو التين والزيتون الذي يأكل الناس) وخصهما بالقسم لأن التين فاكهة طيبة لا فضل لها وغذاء لطيف سريع الهضم ودواء كثير النفع لأنه يلين الطبع ويحلل البلغم ويطهر الكليتين ويزيل رمل المثانة ويفتح سدة الكبد والطحال ويسمن البدن ويقطع البواسير وينفع من النقرس ويشبه فواكه الجنة لأنه بلا عجم ولا يمكث في المعدة ويخرج بطريق الرشح، وأما الزيتون ففاكهة وإدام ودواء وله دهن لطيف كثير المنافع وينبت في الجبال التي ليست فيها دهنية فلما كان فيهما
стр. 3242
هذه المنافع الدالّة على قدرة خالقهما لا جرم أقسم الله بهما، وعن ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم مسجد نوح الذي بني على الجودي، وقيل التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيلياء.
(يقال: ﴿فما يكذبك﴾) أي (فما الذي يكذبك بأن الناس يدانون بأعمالهم) يجُازون بها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يدالون باللام بدل النون والأول هو الصواب (كأنه قال: ومن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب) زاد الفراء بعد ما تبين له كيفية خلقه وما استفهامية في محل رفع بالابتداء والخبر الفعل بعدها والمخاطب الرسول وقيل الإنسان على طريقة الالتفات.
١ - باب
٤٩٥٢ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ. أَخْبَرَنِي عَدِيٌّ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَقَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. ﴿تَقْوِيمٍ﴾: الْخَلْقِ.
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) البرساني قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال أخبرني) بالإفراد (عدي) هو ابن ثابت (قال: سمعت البراء) بن عازب (﵁ أن النبي ﷺ كان في سفر فقرأ في) صلاة (العشاء في إحدى الركعتين) في النسائي في الركعة الأولى (بالتين والزيتون) وفي كتاب الصحابة لابن السكن في ترجمة ورقة بن خليفة رجل من أهل اليمامة أنه
قال: سمعنا بالنبي ﷺ فأتيناه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا وأسهم لنا وقرأ في الصلاة بالتين والزيتون إنا أنزلناه في ليلة القدر. قال في الفتح: فيمكن إن كانت في الصلاة التي عين البراء بن عازب أنها العشاء أن يقال قرأ في الأولى بالتين وفي الثانية بالقدر.
(﴿تقويم﴾) قال مجاهد (الخلق) بفتح الخاء وسكون اللام يعني أنه خص الإنسان بانتصاب القامة وحسن الصورة وكل حيوان منكب على وجهه وقوله في أحسن تقويم صفة لمحذوف أي في تقويم أحسن تقويم وسقط لأبي ذر تقويم الخلق.
[٩٦] سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: اكْتُبْ فِي الْمُصْحَفِ فِي أَوَّلِ الإِمَامِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَاجْعَلْ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ خَطًّا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿نَادِيَهُ﴾: عَشِيرَتَهُ. ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾: الْمَلَائِكَةَ. وَقَالَ مَعْمَرٌ ﴿الرُّجْعَى﴾: الْمَرْجِعُ. ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾: لَنَأْخُذَنْ. ﴿وَلَنَسْفَعَنْ﴾: بِالنُّونِ وَهْيَ الْخَفِيفَةُ. ﴿سَفَعْتُ﴾ بِيَدِهِ: أَخَذْتُ.
([٩٦] سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾)
مكية وآيها تسع عشرة.
وقولها (﴿اقرأ باسم ربك﴾) أي اقرأ القرآن مفتتحًا باسمه مستعينًا به وسقط لفظ سورة لغير أبي ذر.
(وقال) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي حدّثنا (فتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن يحيى بن عتيق) الطفاوي بضم الطاء وبالفاء (عن الحسن) البصري (قال: اكتب في المصحف في أوّل الإمام) أول القرآن الذي هو الفاتحة (بسم الله الرحمن الرحيم) فقط (واجعل بين السورتين خطًّا) يكون علامة فاصلة بينهما من غير بسملة وهو مذهب حمزة حيث قرأ بالبسملة أول الفاتحة فقط.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿ناديه﴾) أي (عشيرته) فليستنصر بهم وأصل النادي المجلس الذي يجمع الناس ولا يسمى ناديًا ما لم يكن فيه أهله.
(﴿الزبانية﴾) أي (الملائكة) وسموا بذلك لأنهم يدفعون أهل النار إليها بشدّة مأخوذ من الزبن وهو الدفع (وقال معمر) أبو عبيدة (﴿الرجعى﴾) هي (المرجع) في الآخرة وفيه تهديد لهذا الإنسان من عاقبة الطغيان وسقط معمر لغير أبي ذر وحينئذٍ فيكون من قول مجاهد والأول أوجه لوجوده عن أبي عبيد (﴿لنسفعن﴾) أي (لنأخذن) بناصيته فلنجرنه إلى النار ولغير أبي ذر قال لنأخذن (﴿ولنسفعن﴾ بالنون وهي الخفيفة) وفي رسم المصحف بالألف (سفعت بيده) بفتح السين والفاء وسكون العين أي (أخذت) قاله أبو عبيدة أيضًا.
١ - باب
هذا (باب) بالتنوين بدون ترجمة وهو ثابت لأبي ذر.
٤٩٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مَرْوَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ سَلْمَوَيْهِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَلْحَقُ بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ. قَالَ: وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ. اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ بِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهْوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيِةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]». فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، فَزَمَّلُوهُ. حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. قَالَ لِخَدِيجَةَ: «أَيْ خَدِيجَةُ مَا لِي لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»؟ فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ. قَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلاَّ أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ. وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَهْوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ، مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، قَالَ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا. لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا ذَكَرَ حَرْفًا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ»؟ قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ أُوذِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ حَيًّا أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) القرشي المصري ونسبه لجده لشهرته به واسم أبيه عبد الله وسقط ابن بكير لغير أبي ذر قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام المصري (عن عقيل) بضم العين مصغرًا ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري قال المؤلّف:
(وحدّثني) بالإفراد وسقطت الواو لغير أبي ذر (سعيد بن مروان) بكسر العين أبو عثمان البغدادي نزيل نيسابور قال: (حدّثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة) بكسر الراء وسكون الزاي قال: (أخبرنا أبو صالح) سليمان ولقبه (سلمويه) بفتح السين المهملة
стр. 3243
واللام وسكنها أبو ذر ابن صالح الليثي المروزي قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله) بن المبارك (عن يونس بن يزيد) من الزيادة أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن شهاب) الزهري (أن عروة بن الزبير) بن العوّام (أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ ¬) ﵂ (قالت) واللفظ للسند الثاني (كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ ¬) زاد في بدء الوحي من الوحي (الرؤيا الصادقة في النوم) وعائشة لم تدرك ذلك فيحمل على أنها سمعت ذلك منه ﷺ ويؤيده قولها الآتي إن شاء الله تعالى فجاءه الملك فقال اقرأ الخ وفي باب بدء الوحي الرؤيا الصالحة في النوم (فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت) مجيئًا (مثل فلق الصبح) عبر به لأن شمس النبوة قد كانت مبادئ أنوارها الرؤيا إلى أن ظهرت أشعتها وتم نورها (ثم حبب إليه الخلاء) بالمد أي الاختلاء لأن فيه فراغ القلب والانقطاع عن الخلق (فكان يلحق) بفتح الحاء المهملة بعد اللام الساكنة آخره قاف وفي بدء الوحي يخلو ولابن إسحاق يجاور (بغار حراء) بالصرف على إرادة المكان جبل على يسار الذاهب إلى منى (فيتحنث فيه) بالمثلثة بعد النون (قال) عروة أو من دونه من الرواة (والتحنث) هو (التعبد الليالي ذوات العدد) مع أيامهن واقتصر على الليالي لأنهن أنسب للخلوة وزاد عبيد بن عمير عند ابن إسحاق فيطعم من يرد عليه من المساكين وعنده أيضًا أنه كان يعتكف فيه شهر رمضان (قبل أن يرجع إلى أهله) عياله (ويتزوّد لذلك) التعبد أو الخلوة (ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد بمثلها) بالموحدة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لمثلها باللام بدل الموحدة والضمير لليالي أو الخلوة أو العبادة أو المرة السابقة ويحتمل أن يكون المراد أنه يتزوّد لمثلها إذا حال الحول وجاء ذلك الشهر الذي جرت عادته أن يخلو فيه قال في الفتح وهذا عندي أظهر (حتى فجئه) بكسر الجيم أي أتاه (الحق) وهو الوحي مفاجأة (وهو في غار حراء) جملة في موضع الحال (فجاءه الملك) جبريل (فقال: اقرأ. فقال رسول الله ﷺ ¬):
(ما أنا بقارئ) ما نافية واسمها أنا وخبرها بقارئ أي ما أحسن أن أقرأ (قال فأخذني) جبريل (فغطني) أي ضمني وعصرني (حتى بلغ مني الجهد) بفتح الجيم والنصب أي بلغ الغط مني الجهد وبضم الجيم والرفع أي بلغ الجهد مبلغه (ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ فأخدني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد) وإنما فعل به ذلك ليفرغه عن النظر إلى أمر الدنيا ويقبل بكليته إلى ما يلقي إليه (ثم أرسلني قال ﴿اقرأ باسم ربك﴾) قال الحافظ ابن حجر لعل الحكمة في تكرير الإقراء الإشارة إلى انحصار الإيمان الذي ينشأ الوحي بسببه في ثلاث القول والعمل والنية وإن الوحي يشتمل على ثلاثة التوحيد والأحكام والقصص وفي تكرير الغط الإشارة إلى الشدائد الثلاث التي وقعت له ﵊ وهي الحصر في الشعب وخروجه في الهجرة وما وقع يوم أُحُد في الإرسالات الثلاث إلى حصول التيسير له عقب الثلاث المذكورة (﴿الذي خلق﴾) الخلائق
(﴿خلق الإنسان﴾) الجنس (﴿من علق﴾) جمع علقة وهي القطعة اليسيرة من الدم الغليظ (﴿اقرأ وربك الأكرم﴾) الذي لا يوازيه كريم ولا يعادله في الكرم نظير (﴿الذي علم﴾) الخط (﴿بالقلم﴾) قال قتادة القلم نعمة من الله عظيمة لولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش (﴿علم الإنسان﴾) من العلوم والخط والصناعات (﴿ما لم يعلم﴾ الآيات) قبل تعليمه وسقط لأبي ذر قوله ﴿الذي علم بالقلم﴾ وقال الآيات إلى قولها ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ وهي خمس آيات وتاليها إلى آخرها نزل في أبي جهل وضم إليها (فرجع بها) أي بالآيات الخمس أو بسبب تلك الغطة (رسول الله ﷺ ترجف بوادره) جمع بادرة وهي اللحمة التي بين الكتف والعنق تضطرب عند الفزع ولأبي ذر عن الكشميهني فؤاده أي قلبه (حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني) مرتين
стр. 3244
للحموي والمستملي من التزميل وهو التلفيف وطلب ذلك ليسكن ما حصل له من الرعدة من شدة هول الأمر وثقله (فزملوه) بفتح الميم كما أمرهم (حتى ذهب عنه الروع) بفتح الراء أي الفزع (قال لخديجة: أي خديجة ما لي لقد) ولأبي ذر عن الكشميهني قد (خشيت على نفسي) أن لا أطيق حمل أعباء الوحي لما لقيته عند لقاء الملك (فأخبرها الخبر قالت خديجة) له ﵊: (كلا) أي لا خوف عليك (أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا) بالخاء المعجمة والزاي المكسورة وفي مرسل عبيد بن عمير أبشر يا ابن عم واثبت فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة (فوالله إنك لتصل الرحم) أي القرابة (وتصدق الحديث وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام الضعيف المنقطع واليتيم (وتكسب المعدوم) بفتح التاء وكسر السين تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك (وتقري الضيف) بفتح أوّله من الثلاثي (وتعين على نوائب الحق) حوادثه.
(فانطلقت به خديجة) مصاحبة له (حتى أتت به ورقة بن نوفل) أي ابن أسد (وهو ابن عم خديجة أخي) ولأبي ذر أخو (أبيها) لأنه ورقة بن نوفل بن أسد وهي خديجة بنت خويلد بن أسد (وكان) ورقة (امرأ تنصّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب) أي كتابته وذلك لتمكنه في دين النصارى ومعرفته بكتابهم (وكان) ورقة (شيخًا كبيرًا) حال كونه (قد عمي فقالت خديحة: يا عم) ولأبي ذر يا ابن عم (اسمع من ابن أخيك) تعني النبي ﷺ لأن الأب الثالث لورقة هو الأخ للأب الرابع لرسول الله ﷺ أي اسمع منه الذي يقوله. (قال) له ﵊ (ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي ﷺ خبر ما رأى فقال) له (ورقة: هذا الناموس) أي جبريل (الذي أنزل) بضم الهمزة (على موسى) وفي رواية الزبير بن بكار على عيسى وقد سبق في بدء الوحي مبحث ذلك (ليتني) وفي بدء الوحي يا ليتني بأداة النداء (فيها) في مدة النبوّة أو الدعوة (جدعًا) بفتح الجيم والمعجمة أي: ليتني شاب فيها (ليتني أكون حيًّا ذكر) ورقة بعد ذلك (حرفًا) وهي في الرواية الأخرى إذ يخرجك قومك أي من مكة (قال رسول الله ﷺ : أو مخرجي هم) بفتح الواو وتشديد التحتية وهم مبتدأ ومخرجي خبره مقدمًا وقدم الهمزة على العاطف لأن الاستفهام له الصدر نحو أو لم ينظروا والاستفهام للإنكار
وبقية المباحث سبقت أوّل الكتاب (قال ورقة: نعم لم يأت رجل بما جئت به) من الوحي (إلا أُوذي) بضم الهمزة وكسر الذال المعجمة وفي بدء الوحي إلا عُودِيَ (وإن يدركني) بالجزم بإن الشرطية (يومك) فاعل يدركني أي يوم انتشار نبوّتك (حيًّا أنصرك) بالجزم جواب الشرط (نصرًا مؤزرًا) قومًا بليغًا صفة لنصر المنصوب على المصدرية (ثم لم ينشب ورقة) لم يلبث (أن توفي وفتر الوحي) أي احتبس (فترة حتى حزن رسول الله ﷺ ¬) وللحموي النبي (¬ ﷺ ¬).
زاد في التعبير من طريق معمر عن الزهري فيما بلغنا حزنًا غدًا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدّى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا فيسكن لذلك جأشه وتقرّ نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدًا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك. وهذه الزيادة خاصة برواية معمر والقائل فيما بلغنا الزهري وليس موصولًا. نعم يحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور وسقط قوله فيما بلغنا عند ابن مردويه في تفسيره من طريق محمد بن كثير عن معمر.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: والأوّل هو المعتمد، وقوله غدًا بالغين المعجمة من الذهاب غدوة أو بالعين المهملة من العدوة وهو الذهاب بسرعة وأما إرادته ﵊ إلقاء نفسه من رؤوس شواهق الجبال فحزنًا على ما فاته من الأمر الذي بشره به ورقة وحمله القاضي عياض على أنه لما أخرجه من
стр. 3245
تكذيب من بلغه كقوله تعالى: ﴿لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا﴾ [الكهف: ٦] أو خاف أن الفترة لأمر أو سبب منه فخشي أن يكون عقوبة من ربه ففعل ذلك بنفسه ولم يرد بعد شرع عن ذلك فيعترض به.
وأما ما روى ابن إسحاق عن بعضهم أن النبي ﷺ قال وذكر جواره بحراء قال: فجاءني وأنا نائم فقال: اقرأ وذكر نحو حديث عائشة ﵂ في غطه له وإقرائه ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١]. قال: فانصرف عني وهببت من نومي كأنما صوّرت في قلبي ولم يكن أبغض إليّ من شاعر أو مجنون، ثم قلت لا تحدّث عني قريش بهذا أبدًا لأعمدنّ إلى حالق من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنّها. فأجاب عنه القاضي بأنه إنما كان قبل لقائه جبريل وقيل إعلام الله له بالنبوّة وإظهاره واصطفائه بالرسالة. نعم خرّج الطبري من طريق النعمان بن راشد عن ابن شهاب أن ذلك بعد لقاء جبريل فذكر نحو حديث الباب وفيه فقال: يا محمد أنت رسول الله حقًّا. قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق جبل أي علوه. وأجيب: بأن ذلك لضعف قوته عن تحمل ما حمله من أعباء النبوّة وخوفًا مما يحصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعًا كما يطلب الرجل إلى أخيه من غمٍّ يناله في العاجل ما يكون فيه زواله عنه ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلًا.
٤٩٥٤ - قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَهْوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، قَالَ فِي حَدِيثِهِ: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي، سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي
بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَفَرِقْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي». فَدَثَّرُوهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَهْيَ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ، قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ.
(قال محمد بن شهاب) الزهري بالإسناد الأول من السندين المذكورين أول هذا الباب: (فأخبرني) بالإفراد عروة بما سبق وأخبرني (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف وسقط ابن عبد الرحمن لغير أبي ذر (أن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي) ولم يدرك جابر زمان القصة وهو محمول على أن يكون سمعه من النبي ﷺ (قال في حديثه):
(بينا) بغير ميم (أنا أمشي سمعت) وفي بدء الوحي إذ سمعت (صوتًا من السماء فرفعت بصري) ولأبي ذر عن الكشميهني رأسي (فإذا الملك الذي جاءني بحراء) هو جبريل ﵇ (جالس على كرسي بين السماء والأرض) وجالس رفع خبر عن الملك (ففرقت) بكسر الراء وسكون القاف أي خفت (منه فرجعت) إلى أهلي بسبب الفرق (فقلت) لهم (زملوني زملوني) مرتين (فدثروه) بالهاء (فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾) عن النجاسة أو قصرها (﴿والرجز فاهجر﴾) دُمْ على هجرها.
(قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن بالسند السابق (و) الرجز: (هي الأوثان التي كان أهل الجاهلية يعبدونـ) ـها (قال: ثم تتابع الوحي) وأنّث ضمير الرجز بقوله وهي اعتبارًا بالجنس.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾
(قوله) جل وعلا: (﴿خلق﴾) ولأبي ذر باب خلق (﴿الإنسان من علق﴾).
٤٩٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ. فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣].
وبه قال: (حدّثنا ابن بكير) يحيى بن عبد الله المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين بن خالد (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (أن عائشة ﵂ قالت: أول) ولأبي ذر عن عائشة أول (ما بدئ به رسول الله ﷺ ¬) أي من الوحي (الرؤيا الصالحة) ولأبي ذر عن الكشميهني الصادقة زاد في رواية في النوم وهي تأكيد وإلاّ فالرؤيا مختصة بالنوم (فجاءه الملك فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾) وسقط السهيلي من هذا الأمر ثبوت البسملة في أول الفاتحة لأن هذا الأمر هو أول شيء نزل من القرآن فأولى مواضع امتثاله أول القرآن.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾
(باب قوله: ﴿اقرأ﴾) ولأبي ذر بالتنوين اقرأ (﴿وربك الأكرم﴾).
٤٩٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، قَالَ مُحَمَّدُ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، جَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ١ - ٤].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني الإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بسكون العين ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (ح) لتحويل السند كما مرّ.
(وقال الليث) بن سعد فيما وصله المؤلّف في بدء الوحي (حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين ابن خالد (قال محمد) هو ابن مسلم بن شهاب الزهري (أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله -صَلَّى اللَّهُ
стр. 3246
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الرؤيا الصادقة) بالقاف ولم يقل هنا في النوم ثم (جاءه الملك) جبريل (فقال ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾) الحديث اختصره هنا.
٤ - باب ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى (﴿الذي علم بالقلم﴾) ثبت هذا لأبي ذر.
٤٩٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي». فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) هو ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: سمعت عروة) بن الزبير يقول (قالت عائشة ﵂ فرجع النبي ﷺ إلى خديجة فقال: زملوني زملوني) مرتين (فذكر الحديث) كما سبق.
٤ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾
(باب قوله تعالى: ﴿كلا لئن لم ينته﴾) عما هو عليه من الكفر (﴿لنسفعن بالناصية﴾) لنجرن
بناصيته إلى النار (﴿ناصية كاذبة خاطئة﴾) بدل من الناصية ووصفها بذلك مجاز وإنما المراد صاحبها وسقط ناصية الخ ولأبي ذر وثبت له لفظ باب.
٥ - باب
٤٩٥٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «لَوْ فَعَلَهُ لأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ». تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى) قال الكرماني: هو إما ابن موسى وإما ابن جعفر قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام (عن معمر) هو ابن راشد (عن عبد الكريم) بن مالك (الجزري) بالجيم المفتوحة والزاي (عن عكرمة) أنه قال: (قال ابن عباس) ﵄: (قال أبو جهل) عمرو بن هشام ولم يدرك ابن عباس القصة فيحمل على سماعه ذلك منه ﷺ (لئن رأيت محمدًا يصلّي عند الكعبة لأطأن على عنقه فبلغ) ذلك (النبي ﷺ فقال) ﵊:
(لو فعله لأخذته الملائكة) وأخرج النسائي من طريق أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ نحو حديث ابن عباس وزاد في آخره فلم يفجأهم منه إلا وهو أي أبو جهل ينكص على عقبيه ويتقي بيده، فقيل له: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة فقال النبي ﷺ : "لو دنا لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" (تابعه) أي تابع عبد الرزاق فيما وصله عبد العزيز البغوي في منتخب المسند له (عمرو بن خالد) بفتح العين الحراني من شيوخ المؤلّف (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمرو بفتح العين الرقي (عن عبد الكريم) الجزري.
[٩٧] سورة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾
يُقَالُ الْمَطْلَعُ هُوَ الطُّلُوعُ، وَالْمَطْلِعُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُطْلَعُ مِنْهُ. أَنْزَلْنَاهُ الْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ الْقُرْآنِ، إنا أَنْزَلْنَاهُ مَخْرَجَ الْجَمِيعِ، وَالْمُنْزِلُ هُوَ اللَّهُ وَالْعَرَبُ تُوَكِّدُ فِعْلَ الْوَاحِدِ فَتَجْعَلُهُ بِلَفْظِ الْجَمِيعِ لِيَكُونَ أَثْبَتَ وَأَوْكَدَ.
([٩٧] سورة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾)
مكية أو مدنية وآيها خمس ولغير أبي ذر سورة القدر وفي نسخة ﴿إنّا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١].
(يقال المطلع) بفتح اللام (هو الطلوع والمطلع) بكسرها وهي قراءة الكسائي (الموضع الذي يطلع منه أنزلناه) ولأبي ذر وقال أنزلناه (الهاء كناية عن القرآن) قال في الأنوار: فخمه بإضماره من غير ذكره شهادة له بالنباهة المغنية عن التصريح كما عظمه بأن أسند إنزاله إليه أي بقوله: ﴿إنا
أنزلناه) خرج (مخرج الجميع، والمنزل هو الله تعالى. والعرب تؤكد فعل الواحد فتجعله بلفظ الجميع ليكون) ولأبي ذر عن المستملي ليكن (أثبت وأوكد) والنحاة يعبّرون بقولهم المعظم نفسه كما نبه عليه السفاقسي وثبت "إنا" من قوله: ﴿إنّا أنزلناه﴾ لأبي ذر.
[٩٨] سورة ﴿لَمْ يَكُنْ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ﴿مُنْفَكِّينَ﴾: زَائِلِينَ. ﴿قَيِّمَةٌ﴾: الْقَائِمَةُ. ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: أَضَافَ الدِّينَ إِلَى الْمُؤَنَّثِ.
([٩٨] سورة ﴿لَمْ يَكُنْ﴾)
مكية أو مدنية وآيها ثمان.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ سورة والبسملة لأبي ذر.
(﴿منفكين﴾) [البيّنة: ١] أي (زائلين) أي عمّا هم عليه.
(﴿قيّمة﴾) أي (القائمة. ﴿دين القيّمة﴾ أضاف الدين إلى المؤنث) على تأويل الذين بالملة أو التاء تاء المبالغة كعلامة.
١ - باب
٤٩٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لأُبَيٍّ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]» قَالَ: وَسَمَّانِي قَالَ: «نَعَمْ. فَبَكَى».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك ﵁) أنه قال: (قال النبي ﷺ لأبي) هو ابن كعب:
(إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لم يكن الذين كفروا﴾) وعند الترمذي إن الله أمرني
стр. 3247
أن أقرأ عليك القرآن: قال فقرأ عليه: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ [البيّنة: ١] وزاد الحاكم من وجه آخر عن زر بن حبيش عن أُبي بن كعب أن النبي ﷺ قرأ عليه لم يكن وقرأ فيها إن الدين عند الله الحنيفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية من يفعل خيرًا فلن يكفره، وخص أُبَيًّا للتنويه به في أنه أقرأ الصحابة فإذا قرأ عليه ﷺ مع عظيم منزلته كان غيره بطريق لتبع له. وقال الحافظ ابن كثير: وإنما قرأ ﷺ هذه السورة تثبيتًا له وزيادة لإيمانه لأنه كان نكر على ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قراءة شيء من القرآن على خلاف ما أقرأه رسول الله ﷺ فاستقرأهما ﵊ وقال لكلٍّ منهما أصبت. قال أبي: فأخذني الشك فضرب ﵊ في صدره
قال ففضت عرقًا وكأنما أنظر إلى الله فرقًا وأخبره ﵊ أن جبريل أتاه فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف رواه أحمد والنسائي وأبو داود ومسلم. فلما نزلت هذه السورة قرأها ﵊ قراءة إبلاغ وإنذار لا قراءة تعلم واستذكار.
(قال) أبي له ﵊ (وسماني) لك (قال) ﵊ (نعم. فبكى) أبي فرحًا وسرورًا أو خشوعًا وخوفًا من التقصير في شكر تلك النعمة وعند أبي نعيم في أسماء الصحابة حديث مرفوع لفظه "إن الله ليسمع قراءة ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ فيقول أبشر عبدي فوعزتي لأمكنن لك في الجنة حتى ترضى" لكن قال الحافظ عماد الدين: إنه حديث غريب جدًّا.
٢ - باب
٤٩٦٠ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُبَيٍّ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ». قَالَ أُبَيٌّ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ. قَالَ: «اللَّهُ سَمَّاكَ». فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي. قَالَ قَتَادَةُ: فَأُنْبِئْتُ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البيّنة: ١].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني (حسان بن حسان) أبو علي المصري (حدّثنا همام) هو ابن يحيى (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ لأُبي): (إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن) مطلق فيتناول ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ غيرها (قال أُبي: آلله) بمدّ الهمزة (سماني لك. قال: الله سماك) زاد الكشميهني لي (فجعل أُبي يبكي. قال قتادة) بن دعامة: (فأنبئت) ظاهره أنه من غير أنس (أنه) ﵊ (قرأ عليه) على أُبي (﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾).
٤٩٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمُنَادِي حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ الْقُرْآنَ». قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ وَقَدْ ذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ: «نَعَمْ» فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (أحمد بن أبي داود أبو جعفر المنادي) بكسر الدال. وعند النسفيّ حدّثنا أبو جعفر المنادي قيل: وهم البخاري في تسميته أحمد وأن اسم أبي جعفر هذا محمد بن عبيد بن يزيد وأبو داود كنية أبيه وأجيب بأن البخاري أعرف باسم شيخه من غيره فليس وهمًا قال: (حدّثنا روح) بفتح الراء وسكون الواو ثم حاء مهملة ابن عبادة قال: (حدّثنا سعيد بن أبي عروبة) بعين مهملة مفتوحة فراء مضمومة وبعد الواو الساكنة موحدة (عن
قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) وسقط ابن مالك لأبي ذر ﵁ (أن نبي الله ﷺ قال لأُبي بن كعب):
(إن الله أمرني أن أقرئك القرآن) أي أعلمك بقراءتي عليك كيف تقرأ فلا منافاة بين قوله أقرأ عيك وأقرئك وقد يقال كان في قراءة أُبي قصور فأمر الله رسوله ﵊ أن يقرئه على التجويد وأن يقرأ عليه ليتعلم منه حسن القراءة وجودتها (قال: آلله سماني لك) استفسره لأنه جوّز أن يكون أمره أن يقرأ على رجل من أمته غير معين فيؤخذ منه الاستثبات في المحتملات (قال: نعم. قال وقد ذكرت عند رب العالمين. قال) ﷺ : (نعم. فذرفت) بفتح المعجمة والراء تساقطت بالدموع (عيناه) وفي الحديث استحباب القراءة على أهل العلم وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه.
فائدة: ذكر العلاّمة حسين بن علي بن طلحة الرجراجي المغربي في الباب السابع عشر من كتابه الفوائد الجميلة في الآيات الجليلة في السور التي تلقى على الحلماء في المناظرة عن النبي ﷺ أنه قال: إن الملائكة المقربين ليقرؤون سورة لم يكن منذ خلق الله السماوات والأرض لا يفترون عن قراءتها كذا قال والعهدة عليه.
стр. 3248
[٩٩] سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾
قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ يُقَالُ: أَوْحَى لَهَا أَوْحَى إِلَيْهَا، وَوَحَى لَهَا وَوَحَى إِلَيْهَا وَاحِدٌ.
([٩٩] سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾)
مصدر مضاف لفاعله أي اضطرابها المقدّر لها عند النفخة الأولى أو الثانية.
(قوله: (﴿فمن﴾) ولأبي ذر سورة إذا زلزلت. بسم الله الرحمن الرحيم باب: ﴿فمن﴾ (﴿يعمل مثقال ذرة﴾) زنة نملة صغيرة (﴿خيرًا يره﴾) [الزلزلة: ٧] جواب الشرط في الموضعين يرَ ثوابه وهي مدنية أو مكية وآيها تسع (يقال: أوحى لها) أي (أوحى إليها ووحى لها ووحى إليها) بغير ألف في الآخرين (واحد) في المعنى فاللام بمعنى إلى وإنما أوثرت على إلى لموافقة الفواصل وقيل اللام بمعنى من أجل والموحى إليه محذوف أي أوحى إلى الملائكة من أجل الأرض، والصواب أن الأمر بالكلام للأرض نفسها وأذن لها أن تخبر عما عمل عليها قيل إن الله تعالى يخلق في الأرض الحياة والنطق حتى تخبر بما أمرها الله تعالى، وهذا مذهب أهل السُّنَّة.
وقال الزجاج: أوحى لها القرار فاستقرت وهذا ساقط للحموي.
٤٩٦٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ،
وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ. وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ فِي الْمَرْجِ وَالرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ. وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِي بِهِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، فَهْيَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَجْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهْيَ لَهُ سِتْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً فَهْيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ». فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ، قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهَا إِلاَّ هَذِهِ الآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ و ٨]».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس المدني قال: (حدّثنا) وبالإفراد لأبي ذر (مالك) الإمام الأعظم (عن زيد بن أسلم) العدوي (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(الخيل لثلاثة، لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر فأما) الرجل (الذي) هي (له أجر فرجل ربطها) للجهاد (في سبيل الله) تعالى (فأطال لها) في الحبل الذي ربطها به حتى تسرح للرعي (في مرج) موضع كلأ وسقط لها لأبي ذر (أو روضة) بالشك (فما أصابت) أي ما أكلت وشربت ومشت (في طيلها ذلك) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية أي حبلها المربوطة فيه (في المرج) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من المرج (والروضة) بغير ألف قبل الواو (كان له) أي لصاحبها (حسنات) في الآخرة (ولو أنها قطعت طيلها) المذكور (فاستنت) بفتح الفوقية وتشديد النون أي عدت بمرح ونشاط (شرفًا) بفتح المعجمة والراء والفاء (أو شرفين) شوطًا أو شوطين فبعدت عن الموضع الذي ربطها صاحبها فيه ترعى ورعت في غيره (كانت آثارها) بالمثلثة في الأرض بحوافرها عند مشيها (وأرواثها) بالمثلثة (حسنات له) لصاحبها في الآخرة (ولو أنها مرت بنهر) بفتح الهاء وسكونها (فشربت منه) بغير قصد صاحبها (ولم يرد أن يسقي به كان ذلك) أي شربها وإرادته أن يسقيها (حسنات له) في الآخرة (فهي) بالفاء ولأبي ذر وهي (لذلك الرجل) الذي ربطها (أجر).
أما الذي هي له ستر فهو (رجل ربطها تغنيّا) أي استغناء عن الناس (وتعففًا) عن سؤالهم يتردد عليها لحاجاته (ولم ينس حق الله في رقابها) بأن يؤدي زكاة تجارتها (ولا ظهورها) بتأنَّ يركب عليها في سبيل الله (فهي) أي الخيل ولأبي ذر عن الكشميهني فهو أي ذلك الفعل الذي فعله (له ستر) يحجبه عن الفاقة.
(و) أما الذي هي عليه وزر فهو (رجل ربطها فخرًا) أي لأجل الفخر (ورياء) أي إظهارًا للطاعة والباطن بخلافه (ونواء) بكسر النون وفتح الواو ممدودًا أي عداوة زاد في الجهالة لأهل الإسلام (فهي على ذلك) الرجل (وزر فسئل) بالفاء وضم السين مبنيًّا للمجهول والسائل
صعصعة بن ناجية ولأبي ذر وسئل (رسول الله ﷺ عن الحمر) هل لها حكم الخيل (قال: ما أنزل الله عليّ فيها إلا هذه الآية الفاذة) بالفاء والمعجمة المشددة القليلة المثل المنفردة في معناها (الجامعة) لكل الخيرات والسرور (﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾) [الزلزلة: ٧ و ٨] روى الإمام أحمد عن صعصعة بن معاوية عمّ الفرزدق أنه أتى النبي ﷺ فقرأ الآية فقال حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها.
١ - باب ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله جل وعلا (﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾) [الزلزلة: ٨] ثبت لفظ باب لأبي ذر.
٤٩٦٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ فَقَالَ: «لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي سكن مصر (قال: حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (ابن وهب) عبد الله المصري
стр. 3249
قال: (أخبرني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) العدوي (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة ﵁) أنه قال: (سُئل النبي ﷺ عن الحمر) أي عن صدقة الحمر (فقال):
(لم ينزل) بضم أوله وفتح ثالثه (عليّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة) أي المنفردة في معناها فذ الرجل عن أصحابه إذا شدّ عنهم (﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾). فقال ابن عباس ﵄: ليس مؤمن ولا كافر عمل خيرًا أو شرًّا في الدنيا إلا أراه الله إياه يوم القيامة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته فيغفر الله له سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فتردّ حسناته تحسيرًا ويعذب بسيئاته. قال في فتوح الغيب: وهذا يساعده النظم والمعنى والأسلوب.
أما النظم فإن قوله: ﴿فمن يعمل﴾ تفصيل لما عقب به من قوله: ﴿يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم﴾ [الزلزلة: ٦] فيجب التوافق والأعمال جمع مضاف يفيد الشمول والاستغراق ويصدر الناس مقيد بقوله (أشتاتًا) فيفيد أنهم على طرائق شتى للنزول في منازلهم من الجنة والنار بحسب أعمالهم المختلفة ومن ثمة كانت الجنة ذات درجات والنار ذات دركات.
وأما المعنى فإنها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها لقوله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية.
وأما الأسلوب فإنها من الجوامع الحاوية لفوائد الدين أصلًا وفرعًا.
[١٠٠] سُورَةُ وَالْعَادِيَاتِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْكَنُودُ: الْكَفُو. يُقَالُ ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: رَفَعْنَ بِهِ غُبَارًا. ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾: مِنْ أَجْلِ حُبِّ الْخَيْرِ. ﴿لَشَدِيدٌ﴾: لَبَخِيلٌ، وَيُقَالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ. ﴿حُصِّلَ﴾: مُيِّزَ.
([١٠٠] سُورَةُ وَالْعَادِيَاتِ)
مكية أو مدنية وآيها إحدى عشرة والعاديات جمع عادية وهي الجارية بسرعة والمراد الخيل ولأبي ذر سورة والعاديات وله زيادة والقارعة.
(وقال مجاهد): مما وصله الفريابي (الكنود) هو (الكفور) من كند النعمة كنودًا.
(يقال ﴿فأثرن به نقعًا﴾) قال أبو عبيدة أي (رفعن به غبارًا) وقوله ﴿فأثرن﴾ عطف الفعل على الاسم لأن الاسم في تأويل الفعل لوقوعه غير صلة لأل، والضمير في به للصبح أي فأثرن في وقت الصبح غبارًا أو للمكان وإن لم يجر له ذكر لأن الإثارة لا بد لها من مكان وروى البزار والحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ خيلًا فلبث شهرًا لا يأتيه خبرها فنزلت ﴿والعاديات ضبحًا﴾ ضبحت بأرجلها ﴿فالموريات قدحًا﴾ قدحت الحجارة فأورت بحوافرها ﴿فالمغيرات صبحًا﴾ صبحت القوم بغارة ﴿فأثرن به نقعًا﴾ التراب ﴿فوسطن به جمعًا﴾ صبحت القوم جميعًا وفي إسناده ضعف.
(﴿لحب الخير﴾) أي (من أجل حب الخير) فاللام تعليلية أي لأجل حب المال (﴿لشديد﴾) أي (لبخيل) وقيل لقوي مبالغ فيه (ويقال للبخيل شديد) وزاد في الكشاف متشدد قال طرفة:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي … عقيلة مال الفاحش المتشدد
وقوله: يعتام أي يختار وعقيلة كل شيء أكرمه والفاحش البخيل الذي جاوز الحد في البخل يقول أرى الموت يختار كرام الناس وكرائم الأموال التي يضن بها.
(﴿حُصِّل﴾) أي (ميز) وقيل جمع في الصحف أي أظهر محصلًا مجموعًا كإظهار اللب من القشر.
[١٠١] سورة الْقَارِعَةِ
﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾: كَغَوْغَاءِ الْجَرَادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَذَلِكَ النَّاسُ يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ. ﴿كَالْعِهْنِ﴾: كَأَلْوَانِ الْعِهْنِ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ كَالصُّوفِ.
([١٠١] سورة القارعة)
مكية وآيها عشر وسقطت لأبي ذر.
(﴿كالفراش المبثوث﴾) أي (كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضًا كذلك الناس) يوم القيامة (يجول بعضهم في بعض) وإنما شبه الناس بذلك عند البعث لأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة بك كل واحدة تذهب إلى غير جهة أخرى فدلّ بهذا التشبيه على أن الناس في البعث يفزعون فيذهب كل واحد إلى غير جهة الآخر وقال في الدرّ وفي تشبيه
стр. 3250
الناس بالفراش مبالغات شتى منها الطيش الذي يلحقهم وانتشارهم في الأرض وركوب بعضهم بعضًا والكثرة والضعف والذلة والمجيء من غير ذهاب والقصد إلى الداعي من كل جهة والتطاير إلى النار (﴿كالعهن﴾) أي (كألوان العهن) أي المختلفة قاله الفراء.
(وقرأ عبد الله) بن مسعود ﵁ (كالصوف) يعني أن الجبال تتفرق أجزاؤها في ذلك اليوم حتى تصير كالصوف المتطاير عند الندف وإذا كان هذا تأثير القارعة في الجبال العظيمة الصلدة فكيف حال الإنسان الضعيف عند سماع صوت القارعة وسقط لأبي ذر كالعهن الخ.
[١٠٢] سورة ﴿أَلْهَاكُمُ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿التَّكَاثُرُ﴾: مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ.
[١٠٢] سورة ﴿أَلْهَاكُمُ﴾
مكية أو مدنية وآيها ثمان.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذر كالسورة.
(وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن المنذر (﴿التكاثر﴾ من الأموال والأولاد) أي شغلكم ذلك عن طاعة الله.
[١٠٣] سورة وَالْعَصْرِ
وَقَالَ يَحْيَى الدَّهْرُ أَقْسَمَ بِهِ.
([١٠٣] سورة وَالْعَصْرِ)
مكية وآيها ثلاث.
(وقال يحيى) بن زياد الفراء العصر هو (الدهر أقسم به) تعالى أي بالدهر لاشتماله على الأعاجيب والعِبر، وقيل التقدير ورب العصر وثبتت البسملة لأبي ذر كالعصر الثاني وسقط له وقال يحيى.
[١٠٤] سورة ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ﴿الْحُطَمَةُ﴾: اسْمُ النَّارِ مِثْلُ سَقَرَ وَلَظَى.
([١٠٤] سورة ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾)
مكية وآيها تسع.
والهمزة واللمزة فيما قاله ابن عباس بالنميمة المفرقون بين الأحبّة وقيل الهمزة الذي يعيبك في الغيب واللمزة الذي يعيبك في الوجه.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذر كالسورة.
(﴿الحطمة﴾ اسم النار مثل سقر ولظى) وقيل اسم للدركة الثالثة منها وسميت حطمة لأنها تحطم العظام وتكسرها والمعنى: (يا أيها الهمزة اللمزة) الذي يأكل لحوم الناس ويكسر من أعراضهم إن وراءك الحطمة التي تأكل لحوم الناس وعظامهم أي وتكسر العظام.
[١٠٥] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أَلَمْ تَعْلَمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَبَابِيلَ﴾: مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: هِيَ سَنْكِ وَكِلْ.
([١٠٥] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾)
مكية وآيها خمس وسقط لأبي ذر (﴿ألم تر﴾).
(قال مجاهد: (﴿ألم تر﴾) أي (ألم تعلم) يا محمد وإنما قال ذلك لأنه ﷺ لم يدرك قصة أصحاب الفيل لأن مولده ﵊ في تلك السنة وهو وإن لم يشهدها فقد شاهد آثارها وسمع بالتواتر أخبارها فكأنه رآها وهذا ثابت لأبي ذر عن المستملي وليس هذا من تفسير مجاهد فالصواب إسقاط قوله قال مجاهد.
(قال مجاهد): فيما وصله الفريابي عنه (﴿أبابيل﴾) أي (متتابعة مجتمعة) نعت لطير لأنه اسم جمع قال ابن عباس ﵄ كانت طيرًا لها خراطيم وأكف كأكف الكلاب وقيل غير ذلك وأبابيل قيل لا واحد له كأساطير وقيل واحده أبول كعجول وعجاجيل، وقيل إبال.
(وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله الطبري في قوله تعالى: (﴿من سجيل﴾ هي سنك) بفتح السين المهملة وبعد النون الساكنة كاف مكسورة الحجر (وكل) بكسر الكاف وبعدها لام الطين فارسي معرب، وقيل السجيل الديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار والمعنى ترميهم بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدوّن مما كتب الله في ذلك الكتاب.
стр. 3251
[١٠٦] سورة ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿لإِيلَافِ﴾: أَلِفُوا ذَلِكَ فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. ﴿وَآمَنَهُمْ﴾: مِنْ كُلِّ عَدُوِّهِمْ فِي حَرَمِهِمْ.
([١٠٦] سورة ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾)
مكية وآيها أربع ولأبي ذر سورة لإيلاف وسقط له لفظ قريش.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿لإيلاف﴾ ألفوا ذلك) الارتحال (فلا يشق عليهم في الشتاء) إلى اليمن (و) لا في (الصيف) إلى الشام في كل عام فيستعينون بالرحلتين للتجارة على المقام بمكة لخدمة البيت الذي هو فخرهم وفي متعلق هذا اللام أوجه فقيل بسابقها لأن الله تعالى ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة فجعلهم كعصف مأكولًا ﴿لإيلاف قريش﴾ أي أهلك أصحاب الفيل لتبقى قريش وما ألفوا ويؤيده أنهما في مصحف أُبيّ سورة واحدة وقيل متعلقة بمقدر أي أعجب لنعمتي على قريش، وقيل فليعبدوا وإنما دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط أي فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لإيلافهم فإنها أظهر نعمة عليهم.
(﴿وآمنهم﴾) أي (من كل عدوّ هم في حرمهم) وقيل آمنهم من الجذام فلا يصيبهم ببلدهم وقيل بمحمد ﷺ .
[١٠٧] سورة ﴿أَرَأَيْتَ﴾
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿لإِيلَافِ﴾: لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿يَدُعُّ﴾: يَدْفَعُ عَنْ حَقِّهِ، يُقَالُ هُوَ مِنْ دَعَعْتُ، يُدَعُّونَ يُدْفَعُونَ. ﴿سَاهُونَ﴾: لَاهُونَ. ﴿وَالْمَاعُونَ﴾: الْمَعْرُوفَ كُلُّهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ ﴿الْمَاعُونُ﴾: الْمَاءُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ أَعْلَاهَا: الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَأَدْنَاهَا عَارِيَّةُ الْمَتَاعِ.
([١٠٧] سورة ﴿أَرَأَيْتَ﴾)
مكية أو مدنية وآيها سبع ولأبي ذر سورة أرأيت.
(وقال ابن عيينة) سفيان فيما ذكره في تفسير (﴿لإيلاف﴾ لنعمتي على قريش) وعند أبي ذر هذا مقدم على سورة أرأيت وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
(وقال مجاهد ﴿يدع﴾ يدفع) أي اليتيم (عن حقه يقال: هو من دععت يدعون) أي (يدفعون).
(﴿ساهون﴾) أي (لاهون) عن الصلاة تهاونًا.
(﴿والماعون﴾) هو (المعروف كله) كالقصعة والدلو (وقال بعض العرب) فيما حكاه الفراء
(﴿الماعون﴾ الماء. وقال عكرمة: أعلاها الزكاة المفروضة وأدناها عارية المتاع).
كالمنخل والغربال والدلو والإبرة.
[١٠٨] سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرِ﴾
([١٠٨] سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرِ﴾)
مكية أو مدنية وآيها ثلاث وثبت لأبي ذر لفظ سورة.
١ - باب وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿شَانِئَكَ﴾: عَدُوَّكَ
(باب وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن مردويه في قوله تعالى: (﴿شانئك﴾) أي (عدوك) وسقط للحموي وقال ابن عباس: فقط.
٤٩٦٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: «أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن التيمي مولاهم أبو معاوية البصري نزيل الكوفة قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁) أنه (قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال):
(أتيت على نهر حافتاه) بتخفيف الفاء جانباه (قباب اللؤلؤ مجوّف) ولغير أبي ذر مجوفًا (فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر) زاد البيهقي الذي أعطاك ربك فأهوى الملك بيده فاستخرج من طينه مسكًا أذفر، وأخرجه المؤلّف بهذا في الرقاق من طريق همام عن أبي هريرة ﵁ والكوثر بوزن فوعل من الكثرة وهو وصف مبالغة في المفرط الكثرة.
٤٩٦٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْكَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ: سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] قَالَتْ: نَهَرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ ، شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ. رَوَاهُ زَكَرِيَّاءُ وَأَبُو الأَحْوَصِ وَمُطَرِّفٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ.
وبه قال: (حدّثنا خالد بن يزيد الكاهلي) أبو الهيثم المقري الكحال قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن أبي عبيدة) عامر بن عبد الله بن مسعود ﵁ (عن عائشة) ﵂ (قال): أي أبو عبيدة (سألتها) يعني عائشة (عن قوله تعالى) ولأبي ذر عن قول الله : (﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ قالت): هو (نهر) في الجنة (أُعطيه نبيكم ﷺ ¬) زاد النسائي في بطنان الجنة (شاطئاه) أي جانباه (عليه) أي على الشاطئ. قال البرماوي كالكرماني: والضمير في عليه عائد إلى جنس الشاطئ ولهذا لم يقل عليهما
قال وفي بعضها شاطئاه در مجوّف (در مجوّف) بفتح الواو ومشددة صفة لدر وخبره الجار والمجرور والجملة خبر المبتدأ الأول الذي هو شاطئاه (آنيته
стр. 3252
كعدد النجوم رواه) ولأبي ذر ورواه (زكريا) بن أبي زائدة فيما رواه عليّ بن المديني عن يحيى بن زكريا عن أبيه (وأبو الأحوص) سلام بن سليم فيما وصلة أبو بكر بن أبي شيبة بلفظ الكوثر نهر بفناء الجنة شاطئاه درمجوّف وفيه من الأباريق عدد النجوم ولفظ رواية زكريا قريب من هذه (ومطرّف) هو ابن طريف بالطاء المهملة، فيما وصله النسائي، الثلاثة (عن أبي إسحاق) السبيعي
٤٩٦٦ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ فِى الْكَوْثَرِ هُوَ الْخَيْرُ الَّذِى أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. قَالَ أَبُو بِشْرٍ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَرٌ فِى الْجَنَّةِ. فَقَالَ سَعِيدٌ النَّهَرُ الَّذِى فِى الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِى أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ
وبه قال (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال (حدثنا هشيم) بضم الهاء مصغرًا الواسطي قال (حدثنا) ولأبي ذر أخبرنا (أبو بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية الواسطي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر هو الخير الذي أعطاه الله إياه قال أبو بشر) جعفر بالسند السابق (قلت لسعيد بن جبير فإن الناس) كأبي إسحاق وقتادة (يزعمون أنه) أي الكوثر (نهر في الجنة فقال سعيد النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه) وهذا تأويل من سعيد جمع به بين حديثي عائشة وابن عباس ﵃ فلا تنافي بينهما لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير نعم ثبت التصريح بأنه نهر من لفظ النبي ﷺ ففي مسلم من طريق المختار بن فلفل عن أنس ﵁ بينما نحن عند النبي ﷺ إذا أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا ما أضحكك يا رسول الله قال "نزلت عليَّ سورة فقراً بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ إلى آخرها ثم "قال أتدرون ما الكوثر" قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير فالمصير إليه أولى ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد بحث لذلك في كتاب الرقاق بعون الله تعالى
واشتملت هذه السورة مع كونها أقصر سور القرآن على معان بديعة وأساليب بليغة إسناد الفعل للمتكلم المعظم نفسه وإيراده بصيغة الماضي تحقيقاً لوقوعه كأتى أمر الله وتأكيد الجملة بان والاتيان بصيغة تدل على مبالغة الكثرة والالتفات من ضمير المتكلم إلى الغائب في قوله لربك.
[١٠٩] سورة قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ
يُقَالُ (لَكُمْ دِينُكُمْ) الْكُفْرُ. (وَلِىَ دِينِ) الإِسْلَامُ وَلَمْ يَقُلْ دِينِى، لأَنَّ الآيَاتِ بِالنُّونِ فَحُذِفَتِ الْيَاءُ كَمَا قَالَ يَهْدِينِ وَيَشْفِينِ. وَقَالَ غَيْرُهُ (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) الآنَ، وَلَا أُجِيبُكُمْ فِيمَا بَقِىَ مِنْ عُمُرِى (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ). وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا).
سورة ﴿قل يا أيها الكافرون﴾
مكية وآيها ست وثبت لفظ سورة لأبي ذر.
(يقال ﴿لكم دينكم﴾) أي (الكفر ﴿ولي دين﴾) أي (الإسلام) وهذا قبل الأمر بالجهاد، وقال في الأنوار لكم دينكم الذي أنتم عليه لا تتركونه ولي دين الذي أنا عليه لا أرفضه فليس فيه إذن في الكفر ولا منع عن الجهاد ليكون منسوخاً بآية القتال اللهم إلا إذا فسر بالمشاركة وتقرير كل من الفريقين على دينه (ولم يقل ديني) بالياء بعد النون (لأن الآيات) التي قبلها (بالنون فحذفت الياء) رعاية لتناسب الفواصل وهو نوع من أنواع البديع (كما قال) فهو (يهدين ويشفين) بحذف الياء فيهما لذلك قاله الفراء.
(وقال غيره) أي غير الفراء وسقط ذا لأبي ذر وهو الصواب لأنه لم يسبق في كلام المصنف عزو فتصويب الحافظ بن حجر ﵀ لإثباته فيه نظر لا يخفى (﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ الآن ولا أجيبكم فيما بقي من عمري) أن أعبد ما تعبدون (﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ وهم الذين قال) الله تعالى (﴿وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً﴾) وما في هذه السورة بمعنى الذي فإن كان المراد بها الأصنام كما في الآية الأولى والثالثة فواضح لأنهم غير عقلاء وما أصلها أن تكون لغير العقلاء وإذا أريد بها الباري تعالى كما في الثانية والرابعة فاستدل به من جوّز وقوعها على أهل العلم ومن منع جعلها مصدرية والتقدير ولا أنتم عابدون عبادتي أي مثل عبادتي وقال أبو مسلم ما في الأوليين بمعنى الذي والمقصود المعبود [وما في الأخرى] (١) مصدرية أي لا أعبد عبادتكم المبنية على الشك وترك النظر ولا أنتم تعبدون مثل عبادتي المبنية على اليقين والحاصل أنها كلها بمعنى الذي أو مصدرية أو الأوليان بمعنى الذي والأخريان مصدريتان وهل التكرار للتأكيد أم لا.
стр. 3253
[١١٠] سورة إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ
(﴿سورة إذا جاء نصر الله﴾)
مدنية وآيها ثلاث
١ - باب (بسم الله الرحمن الرحيم)
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر وثبت لفظ سورة له.
٤٩٦٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ مَا صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) إِلاَّ يَقُولُ فِيهَا «سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى».
[الحديث ٤٩٦٧ - أطرافه في ٧٩٤، ٨١٧، ٤٢٩٣، ٤٩٦٨]
وبه قال (حدثنا الحسن بن الربيع) بفتح الراء ابن سفيان البلخي الكوفي قال (حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت ما صلى النبي ﷺ صلاة بعد أن) نزلت عليه إذا جاء نصر الله والفتح إلا بقول فيها) في الصلاة (سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) هضماً لنفسه واستقصار لعمله أو استغفر لأمته وقدّم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار على طريقة النزول من الخالق إلا الخلق
وهذا الحديث قد سبق في باب التسبيح والدعاء في السجود من كتاب الصلاة
٢ - باب
٤٩٦٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى». يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ.
[الحديث ٤٩٦٨ - أطرافه في ٧٩٤، ٨١٧، ٤٢٩٣، ٤٩٦٧].
وبه قال (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) قال (حدثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت كان رسول الله ﷺ يكثر) أي بعد نزول سورة إذا جاء نصر الله (أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأوّل القرآن) يعمل بما أمر به من التسبيح والتحميد والاستغفار فيه في قوله تعالى ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ في أشرف الأوقات والأحوال
٣ - باب ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى (﴿ورأيت الناس يدخلون في دين الله﴾) أي الإسلام (﴿أفواجاً﴾) جماعات بعد ما كان يدخل فيه واحد واحد وذلك بعد فتح مكة جاء العرب من أقطار الأرض طائعين ونصب أفواجاً على الحال من فاعل يدخلون
وثبت لفظ باب لأبي ذر.
٤٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾) قَالُوا فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ قَالَ مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ.
[الحديث ٤٩٦٩ - أطرافه في ٣٦٢٧، ٤٢٩٤، ٤٤٣٠، ٤٩٧٠]
قوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]
تَوَّابٌ عَلَى الْعِبَادِ، وَالتَّوَّابُ مِنَ النَّاسِ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ.
وبه قال (حدثنا عبد الله بن أبي شيبة) أخو عثمان قال (حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي (عن سفيان) هو الثوري ولأبي ذر قال حدثنا سفيان (عن حبيب بن أبي ثابت) قيس ويقال هند بن دينار الأسدي مولاهم الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄ (أن عمر ﵁ سألهم) أي أشياخ بدر كما في الرواية اللاحقة إن شاء الله تعالى (عن قوله تعالى ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ قالوا) أي الأشياخ (فتح المدائن والقصور قال) عمر (ما تقول يا ابن عباس قال) أقول (أجل أو مثل) بالتنوين فيهما (ضرب لمحمد ﷺ نعيت له نفسه) بضم النون وكسر العين مبنياً للمفعول من نعي الميت ينعاه نعياً إذا أذاع موته وأخبر به
(قوله ﴿فسبح﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى فسبح (﴿بحمد ربك﴾) أي متلبسا بحمده (﴿واستغفره إنه كان تواباً﴾ تواب على العباد) أي رجاع عليهم بالمغفرة وقبول التوبة (والتواب من الناس التائب من الذنب) الذي اقترفه قاله الفراء
٤٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِى مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِى نَفْسِهِ فَقَالَ لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ. فَدَعَا ذَاتَ يَوْمٍ - فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ - فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِى يَوْمَئِذٍ إِلاَّ لِيُرِيَهُمْ. قَالَ مَا تَقُولُونَ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ، إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا. وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لِى أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَا. قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ، قَالَ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). فَقَالَ عُمَرُ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ مَا تَقُولُ.
[الحديث ٤٩٧٠ - أطرافه في ٣٦٢٧، ٤٢٩٤، ٤٤٣٠، ٤٩٦٩]
وبه قال (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال (حدثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن أبي بشر) جعفر بن أبي وحشية (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال كان عمر) ﵁ (يدخلني) عليه في مجلسه (مع أشياخ بدر) الذين شهدوا وقعتها من المهاجرين والأنصار (فكأن بعضهم) بالهمزة وتشديد النون وهو عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة كما صرح به في علامات النبوة (وجد) غضب (في نفسه فقال) لعمر (لم تدخل هذا معنا) أي وعادتك أن تدخل الناس عليك على قدر منازلهم في السابقة (ولنا أبناء مثله) في السن فلم تدخلهم (فقال عمر إنه) أي ابن عباس (من حيث علمتم) من جهة قرابته من رسول الله ﷺ أو من جهة ذكائه وزيادة معرفته، وعند عبد الرزاق: إن له لساناً سؤلاً وقلباً عقولاً، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أنه من قد علمتم (فدعا) بحذف ضمير المفعول أي دعا عمر ابن عباس ولأبي ذر عن الكشميهني فدعاه (ذات يوم فأدخله معهم) أي مع الأشياخ وفي غزوة الفتح فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم (فما رئيت) بضم الراء وكسر الهمزة أي ما ظننت ولغير أبي
стр. 3254
ذر فما ربت بكسر الراء وسكون الموحدة (أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم) مني مثل ما رأى هو مني من العلم. وعند ابن سعد فقال: أما إني سأريكم اليوم ما تعرفون به فضيلته ثم (قال) لهم: (ما تقولون في قوله تعالى) ولأبي ذر: بدل قوله تعالى: (﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فقال بعضهم: أمرنا نحمد) ولأبي ذر: أن نحمد (الله ونستغفره إذا نصرنا) بضم النون على عدونا (وفتح علينا) وفي الباب السابق قالوا: فتح المدائن والقصور (وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا فقال) عمر (لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له) ولأبي ذر علمه بتشديد اللام وإسقاط الهمزة (قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وذلك علامة أجلك). وعند ابن سعد فهو آيتك في الموت ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾ [النصر: ٣] لأن الأمر بالاستغفار يدل على دنوّ الأجل وكان ﷺ بعد نزولها يكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه. (فقال عمر) لابن عباس ﵄: (ما أعلم منها إلا ما تقول) زاد أحمد فقال عمر: فكيف تلومونني على حب ما ترون؟
[١١١] سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ﴿تَبَابٌ﴾: خُسْرَانٌ. ﴿تَتْبِيبٌ﴾: تَدْمِيرٌ.
([١١١] سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾)
مكية وآيها خمس وسقط قوله وتب لأبي ذر وثبت له سورة وأسند الفعل لليدين في قوله: (﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾) [المسد: ١] مجازًا لأن أكثر الأفعال تزاول بهما وإن كان المراد جملة المدعوّ عليه وقوله تبت دعاء وتب إخبار أي وقد وقع ما دعي عليه به أو كلاهما دعاء، ويكون في هذا شبه من مجيء العام بعد الخاص لأن اليدين بعض وإن كان حقيقة اليدين غير مرادة قاله في الدر.
وقال الإمام: يجوز أن يراد بالأول هلاك عمله، وبالثاني هلاك نفسه ووجهه أن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه وعمله فأخبر الله تعالى أنه محروم من الأمرين ويوضحه أن قوله: ﴿ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ [المسد: ٢] إشارة إلى هلاك عمله، وقوله: ﴿سيصلى نارًا ذات لهب﴾ [المسد: ٣] إشارة إلى هلاك نفسه.
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لأبي ذر وسقطت لغيره.
(﴿تباب﴾) في قوله : ﴿وما كيد فرعون إلا في تباب﴾ [فاطر: ٣٧] (خسران).
(﴿تتبيب﴾) في قوله تعالى: ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾ [هود: ١٠١] (تدمير).
١ - باب
٤٩٧١ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ، «يَا صَبَاحَاهْ» فَقَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ، أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ»؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ مَا جَمَعْتَنَا إِلاَّ لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ. فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وَقَدْ تَبَّ. هَكَذَا قَرَأَهَا الأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ.
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدثنا عمرو بن مرة) بفتح العين ومرة بضم الميم وتشديد الراء ابن عبد الله الجملي الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾) [الشعراء: ٢١٤] (ورهطك منهم المخلصين) تفسير لقوله عشيرتك أو قراءة شاذة قرأها ابن عباس ثم نسخت تلاوتها (خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا) بكسر عين صعد (فهتف) أي صاح:
(يا صباحاه) بسكون الهاء في اليونينية كلمة يقولها المستغيث وأصلها إذا صاحوا للغارة لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون في الصباح وكأن القائل يا صباحاه يقول قد غشينا الصباح فتأهبوا للعدوّ (فقالوا): يعني قريشًا (من هذا)؟ أي فقيل: هذا محمد (فاجتمعوا إليه فقال) لهم: (أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا) أي عسكرًا (تخرج من سفح هذا الجبل) أسفله حيث يسفح فيه الماء (أكنتم مصدقي) أصله مصدقين لي سقطت النون لإضافته إلى ياء المتكلم وأدغمت ياء الجمع في ياء المتكلم (قالوا: ما جربنا عليك كذبًا قال: فإني نذير) منذر (لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب) لعنه الله: (تبًّا لك) نصب على المصدر بإضمار فعل أي ألزمك الله هلاكًا وخسرانًا (ما جمعتنا إلا لهذا) ولأبي ذر عن المستملي ألهذا جمعتنا؟ (ثم قام) صلوات الله وسلامه عليه (فنزلت: (﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾) [المسد: ١] سقط وتب لأبي ذر (وقد تب هكذا قرأها الأعمش يومئذ) وهي تؤيد أنها إخبار بوقوع ما دعي به عليه ولم يدرك ابن
стр. 3255
عباس هذه القصة.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾
(باب قوله): ﴿وتب﴾ ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله : (﴿وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾) [المسد: ٣] ما الأولى نافية أو استفهام إنكار وعلى الثاني تكون منصوبة المحل بما بعدها أي أي شيء أغنى المال وقدمت لأن لها صدر الكلام والثانية بمعنى الذي فالعائد محذوف أو مصدرية أي وكسبه.
٤٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ فَنَادَى: «يَا صَبَاحَاهْ». فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي»؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ إِلَى آخِرِهَا. قَوْلِهِ: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سلام) السلمي مولاهم البيكندي قال: (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين الضرير قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن عمرو بن مرة) الجملي بفتح الجيم والميم (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء) مسيل وادي مكة (فصعد إلى الجبل) يعني الصفا ورقي عليه (فنادى):
(يا صباحاه. فاجتمعت إليه قريش فقال: أرأيتم) أي أخبروني (إن حدّثتكم أن العدوّ مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني)؟ ولأبي ذر: تصدقونني (قالوا: نعم. قال: فإني نذير) منذر (لكم بين يدي عذاب شديد) أي قدامه (فقال أبو لهب) عليه اللعنة: (ألهذا جمعتنا)؟ بهمزة الاستفهام الإنكاري (تبًّا لك) أي ألزمك الله تبًّا وزاد في سورة الشعراء سائر اليوم أي بقيته (فأنزل الله : ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ إلى آخرها) أي خسرت جملته وعادة العرب أن تعبر ببعض الشيء عن كله.
(قوله: ﴿سيصلى﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى: سيصلى (﴿نارًا ذات لهب﴾) أبي تلهب وتوقد.
٤٩٧٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان قال: (حدّثني) بالإفراد (عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه قال: (قال أبو لهب) لعنه الله لما صعد النبي ﷺ على الصفا واجتمعوا إليه وقال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد (تبًّا لك ألهذا) جمعتنا؟ فنزلت (﴿تبت يدا أبي لهب﴾) وزاد أبو ذر إلى آخرها قيل وخص اليد لأنه رمى النبي ﷺ بحجر فأدمى عقبه فلذا ذكرها وإن كان المراد جملة بدنه وذكره بكنيته دون اسمه عبد العزى لأنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب وافقت حاله كنيته فكان جديرًا أن يذكر بها.
٣ - باب ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَمَّالَةُ الْحَطَبِ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ يُقَالُ: مِنْ مَسَدٍ لِيفِ الْمُقْلِ وَهْيَ السِّلْسِلَةُ الَّتِي فِي النَّارِ.
(﴿وامرأته﴾) ولأبي ذر باب قوله تعالى: وامرأته أم جميل العوراء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان بن حرب (﴿حمالة الحطب﴾) الشوك والسعدان تلقيه في طريق النبي ﷺ وأصحابه لتعقرهم بذلك وهو قول ابن عباس.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (حمالة الحطب تمشي) إلى المشركين (بالنميمة) توقع بها بين النبي ﷺ وبينهم وتلقي العداوة بينهم وتوقد نارها كما توقد النار للحطب فكنى عن ذلك بحملها الحطب.
(﴿في جيدها﴾) عنقها (﴿حبل من مسد﴾ يقال من مسد ليف المقل) وذلك هو الحبل الذي كانت تحتطب به فبينما هي ذات يوم حاملة الحزمة أعيت فقعدت على حجر لتستريح أتاها ملك فجذبها من خلفها فأهلكها (و) قيل (هي السلسلة التي في النار) من حديد درعها سبعون ذراعًا تدخل في فمها وتخرج من دبرها ويكون سائرها في عنقها فتلت من جديد فتلًا محكمًا، وهذه الجملة حال من حمالة الحطب الذي هو نعت لامرأته أو خبر مبتدأ مقدّر.
[١١٢] قَوْلُهُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). يُقَالُ: لَا يُنَوَّنُ ﴿أَحَدٌ﴾ أَيْ وَاحِدٌ.
([١١٢] قَوْلُهُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾)
ولأبي ذر: سورة الصمد وهي مكية أو مدنية وآيها أربع أو خمس.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر.
(يقال) هو قول أبي عبيدة في المجاز (لا ينوّن ﴿أحد﴾) في الوصل فيقال أحد الله بحذف التنوين لالتقاء الساكنين ورويت قراءة عن زيد بن علي وأبان بن عثمان والحسن وأبي عمرو في رواية عنه كقوله:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف
وقوله:
فألفيته غير مستعتب … ولا ذاكر الله إلاّ قليلًا
стр. 3256
على إرادة التنوين فحذف لالتقاء الساكنين فبقي الله منصوبًا لا مجرورًا للإضافة وذاكر جرّ
عطفًا على مستعتب أي ذكرته ما كان بيننا من المودة فوجدته غير راجع بالعتاب من قبح ما فعل والحمد هو التنوين وكسره لالتقاء الساكنين (أي واحد) يريد أن أحدًا واحدًا بمعنى وأصل أحد وحد بفتحتين قال:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا … بذي الجليل على مستأنس وحد
فأبدلت الواو همزة وأكثر ما يكون في المكسورة والمضمومة كوجوه ووسادة وقيل ليسا مترادفين. قال في شرح المشكاة والفرق بينهما من حيث اللفظ من وجوه.
الأول: أن أحدًا لا يستعمل في الإثبات على غير الله تعالى فيقال: الله أحد ولا يقال زيد أحد كما يقال زيد واحد وكأنه بني لنفي ما يذكر معه من العدد.
الثاني: أن نفيه يعم ونفي الواحد قد لا يعم ولذلك صح أن يقال ليس في الدار واحد بل فيها اثنان ولا يصح ذلك في أحد ولذلك قال الله تعالى: ﴿لستن كأحد من النساء﴾ [الأحزاب: ٣٢] ولم يقل كواحدة.
الثالث: أن الواحد يفتح به العدد ولا كذلك الأحد.
الرابع: أن الواحد تلحقه التاء بخلاف الأحد.
ومن حيث المعنى أيضًا وجوه:
الأول: أن أحدًا من حيث الثناء أبلغ من واحد كأنه من الصفات المشبهة التي بنيت لمعنى الثبات ويشهد له الفروق اللفظية المذكورة.
الثاني: أن الوحدة تطلق ويراد بها عدم التثني والنظير كوحدة الشمس والواحد يكثر إطلاقه بالمعنى الأول والأحد يغلب استعماله في الثاني ولذلك لا يجمع. قال الأزهري: سئل أحمد بن يحيى عن الآحاد أنه جمع أحد فقال: معاذ الله ليس للأحد جمع ولا يبعد أن يقال جمع واحد كالأشهاد في جمع شاهد ولا يفتح به الأحد.
الثالث: ما ذكره بعض المتكلمين في صفات الله تعالى خاصة وهو أن الواحد باعتبار الذات والأحد باعتبار الصفات وحظ العبد أن يغوص لجة التوحيد وشمتغرق فيه حتى لا يرى من الأزل إلى الأبد غير الواحد الصمد.
قال الشيخ أبو بكر بن فورك: الواحد في وصفه تعالى له ثلاثة معان. أحدها: أنه لا قسم لذاته وأنه غير متبعض ولا متحيز. والثاني: أنه لا شبيه له والعرب تقول فلان واحد في عصره أي لا شبيه له. والثالث: أنه واحد على معنى أنه لا شريك له في أفعاله يقال فلان متوحد في هذا الأمر أي ليس يشركه فيه أحد اهـ.
والضمير في "هو" فيه وجهان:
أحدهما: أنه يعود على ما يفهم من السياق فإنه جاء في سبب نزولها عن أبيّ بن كعب أن المشركين قالوا للنبي ﷺ انسب لنا ربك فنزلت. رواه الترمذي والطبري والأول من وجه آخر مرسلًا وقال: هذا أصح وصحح الموصول ابن خزيمة والحاكم وحينئذ فجوز أن يكون الله مبتدأ واحد خبره والجملة خبر الأول ويجوز أن يكون الله بدلًا واحد الخبر وأن يكون الله خبرًا أول واحد خبرًا ثانيًا وأن يكون أحد خبر مبتدأ محذوف أي هو أحد.
والثاني: أنه ضمير الشأن لأنه موضع تعظيم والجملة بعده خبره مفسرة ولم يثبت لفظ الأحد في جامع الترمذي والدعوات للبيهقي نعم ثبت اللفظان في جامع الأصول.
١ - باب
٤٩٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ. وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْوًا أَحَدٌ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(قال الله تعالى: كذبني ابن آدم) بتشديد الذال المعجمة أي بعض بني آدم وهم من أنكر البعث (ولم يكن له ذلك) التكذيب (وشتمني ولم يكن له ذلك) الشتم (فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعبدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته وأما شتمه إيّاي فقوله اتخذ الله ولدًا) وإنما كان شتمًا لما فيه من التنقيص لأن الولد إنما يكون عن والد يحمله ثم يضعه ويستلزم ذلك سبق نكاح والناكح يستدعي باعثًا له على ذلك والله تعالى منزّه عن ذلك (وأنا الأحد الصمد) فعل بمعنى مفعول كالقنص والنقص (لم ألد
стр. 3257
ولم أُولد) لأنه لما كان تعالى واجب الوجود ذاته قديمًا موجودًا قبل وجود الأشياء وكان كل مولود محدثًا انتفت عنه الوالدية ولما كان لا يشبهه أحد من خلقه ولا يجانسه حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالد انتفت عنه الوالدية ولأبي ذر لم يلد ولم يولد (ولم يكن لي كفوًا أحد) أي مكافئًا ومماثلًا فلي متعلق بكفوًا وقدم عليه لأنه محط القصد بالنفي وأخر أحد وهو اسم يكن عن خبرها رعاية للفاصلة، وقوله لم يكن لي بعد قوله لم يلد التفات.
قال الشيخ عز الدّين بن عبد السلام -رحمه الله تعالى- السلوب الواجبة لله تعالى على قسمين أحدهما سلب نقيصة كالسنة والنوم والموت، والثاني ليس سلبًا للنقص بل سلبًا للمشارك في الكمال كسلب الشريك، وأما قوله تعالى: ﴿لم يلد ولم يولد﴾ فإنه سلب للنقص إذ الولد والوالد
لا يكونان إلا من جسمين وهما من الأغيار والأغيار نقص وإن كانا يدلان بالتزام على أن الولد مثل الوالد فيعود إلى سلب المشاركة في الكمال.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾
وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ، قَالَ أَبُو وَائِلٍ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدَدُهُ
(قوله: ﴿الله الصمد﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي قوله : ﴿الله الصمد﴾ (والعرب تسمي أشرافها الصمد. قال أبو وائل): بالهمز شقيق بن سلمة مما وصله الفريابي (هو السيد الذي انتهى سُؤدَدُه) وقال ابن عباس: الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم وهو من صمد إذا قصد وهو الموصوف به على الإطلاق فإنه مستغنٍ عن غيره مطلقًا وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته. وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه وعن الحسن الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له، وعن عكرمة الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم، وعن الضحاك والسدي الذي لا جوف له! وعن عبد الله بن يزيد الصمد نور يتلألأ وكل هذه الأوصاف صحيحة في صفاته تعالى على ما لا يخفى.
٤٩٧٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، أَنْ يَقُولَ إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ». ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤًا أَحَدٌ﴾ ﴿كُفُوًا﴾ وَكَفِيئًا وَكِفَاءً وَاحِدٌ.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) المروزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرني معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) زاد أبو ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر. قال الله تعالى كما في الفرع كأصله.
(كذبني ابن آدم) المنكر للبعث (ولم يكن له ذلك) التكذيب (وشتمني ولم يكن له ذلك) الشتم، وثبت ذلك للكشميهني (أما) ولأبي ذر فأما (تكذيبه إيّاي أن يقول إني لن أعيده كما بدأته) بغير فاء قبل همزة أن، وبه استدلّ من جوّز حذف الفاء من جواب أما (وأما شتمه إيّاي أن يقول) بغير فاء أيضًا (اتخذ الله ولدًا وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أُولد ولم يكن لي كفوًا أحد) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولم يكن له على طريق الالتفات.
(﴿لم يلد ولم يُولد * ولم يكن له كفوًّا أحد﴾) قدّم لم يلدان كان العرف سبق المولود لأنه الأهم لقولهم ولد الله وقوله ولم يولد كالحجة على أنه لم يلد، وقال في هذه السورة لم يلد وفي الإسراء لم يتخذوا ولدًا لأن من النصارى من يقول عيسى ولد الله حقيقة ومنهم من يقول إن الله
اتخذه ولدًا تشريفًا فنفى الأمرين وسقط قوله لم يلد الخ لأبي ذر.
(﴿كفوًّا﴾) بضمتين (وكفيئًا) بفتح الكاف وبعد الفاء المكسورة تحتية فهمزة بوزن فعيل.
(وكفاء) بكسر الكاف وفتح الفاء ممدودًا (واحد) في المعنى. ونقل في فتوح الغيب عن الغزالي أنه قال: الواحد هو الواحد الذي هو مدفوع الشركة والأحد الذي لا تركيب فيه فالواحد نفي للشريك والمثل والأحد نفي للكثرة في ذاته فالصمد الغني المحتاج إليه غيره وهو أحدي الذات وواحديّ الصفات، لأنه لو كان له شريك في ملكه لما كان غنيًّا يحتاج إليه غيره بل كان محتاجًا في قوامه ووجوده إلى أجزاء تريبية فالصمد دليل على الوحدانية والأحدية، ولم يلد دليل على أن وجوده المستمر ليس مثل وجود الإنسان الذي يبقى نوعه بالتوالد والتناسل بل هو وجود مستمر أزلي ولم يولد دليل على أن وجوده ليس مثل وجود الإنسان الذي يتحصل بعد العدم، ويبقى دائمًا إما في جنة عالية لا يفنى وإما في هاوية لا ينقطع ولم يكن له كفوًّا أحد دليل على أن الوجود الحقيقي الذي له تعالى هو الوجود الذي يفيد وجود غيره ولا يستفيد هو
стр. 3258
الوجود من غيره فقوله تعالى أحد دليل على إثبات ذاته المقدسة المنزهة والصمدية تقتضي نفي الحاجة عنه واحتياج غيره إليه ولم يلد إلى آخر السورة سلب ما يوصف به غيره عنه ولا طريق في معرفته تعالى أوضح من سلب صفات المخلوقات عنه.
ولما اشتملت هذه السورة مع قصرها على جميع المعارف الإلهية والرد على مَن ألحد فيها جاء أنها تعدل ثلث القرآن كما سيأتي ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى في كتاب فضائل القرآن، وهل يحمل ذلك على الأجزاء أو على غيرها فذهب الفقهاء والمفسرون إلى أن لقارئها من الثواب ثلث ما لقارئ جملته وليس في الجواب أكثر من أن الله يهب ما يشاء لمن يشاء، وأجاب المتكلفون بجواب يمكن إرادته قالوا: القرآن ثلاثة أقسام: قسم فيما يجوز أن يوصف به وما لا يجوز، وقسم من أمر الدنيا، وقسم من أمر الآخرة ولم تتضمن سورة الإخلاص غير القسم الواحد فصارت تعدل ثلثه ولهذا سميت سورة الإخلاص لأنها خلصت في صفاته خاصة، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في محله قريبًا بعون الله وقوته وسقط قوله: كفوًّا وكفيئًا الخ لغير أبي ذر.
[١١٣] سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿الفَلَقُ﴾: الصُّبْحُ. ﴿غَاسِقٍ﴾: اللَّيْلُ. ﴿إِذَا وَقَبَ﴾: غُرُوبُ الشَّمْسِ. يُقَالُ: أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ. ﴿وَقَبَ﴾: إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَ.
([١١٣] سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾)
مكية أو مدنية وآيها خمس.
(بسم الله الرحمن الرحيم). ثبت لفظ سورة والبسملة لأبي ذر.
(وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي (﴿الفلق﴾: الصبح) لأن الليل يفلق عنه ويفرق فعل بمعنى مفعول أي مفلوق وتخصيصه لما فيه من تغير الحال وتبدّل وحشة الليل بسرور النور وقيل هو كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات والسحاب عن المطر والأرحام عن الأولاد، وثبت قوله الفلق الصبح لأبي ذر وسقط لغيره.
(﴿وغاسق﴾) بالرفع وبالجر وهو الموافق للتنزيل (الليل) أي العظيم ظلامه.
(﴿إذا وقب﴾) أي (غروب الشمس يقال: أبين من فرق وفلق الصبح) الأول بالراء والثاني باللام.
(﴿وقب﴾: إذا دخل في كل شيء وأظلم) بغروب الشمس، وقيل المراد القمر فإنه يكسف فيغسق ووقوبه دخوله في الكسوف. وفي حديث عائشة عند الترمذي والحاكم أنه ﷺ أخذ بيدها فأراها القمر حين طلع وقال: تعوّذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب.
قال في شرح المشكاة لما سحر النبي ﷺ ، استشفى بالمعوّذتين لأنهما من الجوامع في هذا الباب فتأمل في أولاهما كيف خص وصف المستعاذ به برب الفلق أي بفالق الإصباح لأن هذا الوقت وقت فيضان الأنوار ونزول الخيرات والبركات وخص المستعاذ منه بما خلق فابتدأ بالعام في قوله: ﴿من شر ما خلق﴾ أي من شر خلقه ثم ثنى بالعطف عليه ما هو شره أخفى وهو نقيض انفلاق الصبح من دخول الظلام واعتكاره المعني بقوله: ﴿ومن شر غاسق إذا وقب﴾ [الفلق: ٣] لأن انبثاث الشر فيه أكثر والتحرز منه أصعب ومنه قولهم الليل أخفى للويل.
٤٩٧٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ وَعَبْدَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "قِيلَ لِي" فَقُلْتُ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
[الحديث ٤٩٧٦ - طرفه في: ٤٩٣٧].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني الثقفي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عاصم) هو ابن أبي النجود بفتح النون وبالجيم المضمومة آخره دال مهملة أحد القراء السبعة (وعبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن أبي لبابة بضم اللام وتخفيف الموحدة الأسدي كلاهما (عن زر بن حبيش) بكسر الزاي وتشديد الراء وحبيش بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة آخره معجمة مصغرًا وسقط ابن حبيش لأبي ذر أنه (قال: سألت أبيّ بن كعب عن المعوّذتين) بكسر الواو المشددة وعند ابن حبان وأحمد من طريق حماد بن سلمة بن عاصم قلت لأُبيّ بن كعب إن ابن مسعود لا يكتب المعوّذتين في مصحفه (فقال) أُبيّ (سألت رسول الله ﷺ ¬) عنهما (فقال): ولأبي ذر قال (قيل لي) بلسان جبريل (فقلت) قال أبي (فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ ¬).
وعند الحافظ أبي يعلى عن علقمة قال: كان عبد الله يحك المعوّذتين من المصحف ويقول: إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوّذ بهما ولم يكن عبد الله يقرأ بهما، ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن يزيد وزاد ويقول: إنهما ليستا من كتاب
стр. 3259
الله وهذا مشهور عند كثير من القرّاء والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتبهما في مصحفه، وحينئذ فقول النووي في شرح المهذّب أجمع المسلمون على أن المعوّذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد شيئًا منها كفر، وما نقل عنه ابن مسعود باطل ليس بصحيح فيه نظر كما نبه عليه في الفتح إذ فيه طعن في الروايات الصحيحة بغير مستند وهو غير مقبول وحينئذ فالمصير إلى التأويل أولى، وقد تأوّل القاضي أبو بكر الباقلاني ذلك بأن ابن مسعود لم ينكر قرآنيتهما وإنما أنكر إثباتهما في المصحف فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيء إلا إن كان النبي ﷺ أذن في كتابته فيه وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك فليس فيه جحد لقرآنيتهما، وتعقب بالرواية السابقة الصريحة التي فيها ويقول إنهما ليستا من كتاب الله.
وأجيب: بإمكان حمل لفظ كتاب الله على المصحف فيتمشى التأويل المذكور قاله في فتح الباري، ويحتمل أيضًا أنه لم يسمعهما من النبي ﷺ ولم يتواترا عنده، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة فقد أجمع الصحابة عليهما وأثبتوهما في المصاحف التي بعثوها إلى سائر الآفاق.
[١١٤] سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْوَسْوَاسِ إِذَا وُلِدَ خَنَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ ذَهَبَ، وَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ اللَّهُ ثَبَتَ عَلَى قَلْبِهِ.
([١١٤] سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾)
مكية أو مدنية وآيها ست، فإن قلت: إنه تعالى رب جميع العالمين فلِمَ خص الناس؟ أجيب: لشرفهم أو لأن المأمور هو الناس.
وسقط لفظ سورة لغير أبي ذر.
(ويُذكر عن ابن عباس) ولأبي ذر وقال ابن عباس: (الوسواس إذا ولد) بضم الواو وكسر اللام (خنسه الشيطان) اعترضه السفاقسي بأن المعروف في اللغة خنس إذا رجع وانقبض، وقال الصغاني الأولى نخسه مكان خنسه فإن سلمت اللفظة من الانقلاب والتصحيف فالمعنى أزاله عن مكانه لشدّة نخسه وطعنه بإصبعه في خاصرته (فإذا ذكر الله ذهب وإذا لم يذكر الله) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (ثبت على قلبه) والتعبير بيذكر أولى لأن إسناده إلى ابن عباس ضعيف أخرجه الطبراني وغيره.
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس قال: الوسواس هو الشيطان يولد المولود والوسواس على قلبه فهو يصرفه حيث شاء فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل جثم على قلبه فوسوس، وعند سعيد بن منصور من طريق عروة بن رويم قال: سأل عيسى ﵇ ربه أن يريه
موضع الشيطان من ابن آدم فأراه فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا ترك منّاه وحدّثه وقوله: ﴿يوسوس في صدور الناس﴾ [الناس: ٥] هل يختص ببني آدم أو يعم بني آدم والجن فيه قولان. ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليبًا.
٤٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ح. وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ زِرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي "قِيلَ لِي": فَقُلْتُ. قَالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عبدة بن أبي لبابة) بضم اللام وبين الموحدتين الخفيفتين ألف الأسدي (عن زر بن حبيش) قال سفيان: (وحدّثنا) أيضًا (عاصم) هو ابن أبي النجود (عن زر) أنه (قال: سألت أُبيّ بن كعب قلت) له يا (أبا المنذر): هي كنية أُبيّ (إن أخاك) في الدين (ابن مسعود) عبد الله (يقول: كذا وكذا) يعني أن المعوّذتين ليستا من القرآن كما مرّ التصريح به في حديث (فقال أُبيّ: سألت رسول الله ﷺ ¬) عنهما (فقال لي: قيل لي) بلسان جبريل ولأبي ذر فقيل لي (فقلت) كما قيل لي (قال) أُبي: (فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ ¬) وهذا مما اختلف فيه ثم ارتفع الخلاف ووقع الإجماع عليه فلو أنكر أحد اليوم قرآنيته كفر.
وفي مسلم من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم يرَ مثلهن قط ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١] و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ [الناس: ١]. وعنه أيضًا أمرني رسول الله- ﷺ أن أقرأ بالمعوّذات في دُبر كل صلاة، رواه أبو داود والترمذي، وعند النسائي عنه أيضًا أن النبي ﷺ قرأ بهما في صلاة الصبح، وقد روي ذلك من طرق قد
стр. 3260
تفيد التواتر يطول إيرادها والله الموفق للصواب.
تمّ التفسير والله أعلم بأسرار كتابه في يوم الاثنين الحادي والعشرين من شعبان سنة عشر وتسعمائة أحسن الله تعالى بمنّه وكرمه عاقبتنا وللمسلمين فيها وكفانا كل مهمة ويسر إكمال هذا المجموع ونفع به وجعله خالصًا لوجهه الكريم أستودعه تعالى ذلك فإنه الحفيظ الجواد الكريم الرؤوف الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أفضل الصلاة وأتمّ التسليم آمين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٦ - كتاب فضائل القرآن
جمع فضيلة، واختلف هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟ فذهب الأشعري والقاضي أبو بكر إلى أنه لا فضل لبعضه على بعض، لأن الأفضل يُشعِر بنقص المفضول، وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه. وقال قوم بالأفضلية لظواهر الأحاديث كحديث أعظم سورة في القرآن، ثم اختلفوا فقال قوم: الفضل راجع إلى عظم الأجر والثواب، وقال آخرون: بل لذات اللفظ وأن ما تضمنته آية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالة على وحدانيته تعالى وصفاته ليس موجودًا مثلًا في: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] فالتفضيل بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة.
وقال الخويي: من قال إن ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] أبلغ من: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ بجعل المقابلة بين ذكر الله وذكر أبي لهب وبين التوحيد والدعاء على الكافرين فذلك غير صحيح، بل ينبغي أن يقال ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ دعاء عليه بالخسران فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه؟ وكذلك في: ﴿قل هو الله أحد﴾ لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها، فالعالم إذا نظر إلى: تبت في باب الدعاء بالخسران ونظر إلى ﴿قل هو الله أحد﴾ في باب التوحيد لا يمكنه أن يقول أحدهما أبلغ من الآخر، وهذا التقييد يغفل عنه من لا علم عنده بعلم البيان ولعل الخلاف في هذه المسألة يلتفت إلى الخلاف المشهور أن كلام الله شيء واحد أم لا؟ وعند الأشعري أنه لا يتنوّع في ذاته بل بحسب متعلقاته، وليس لكلام الله الذي هو صفة ذاته بعض، لكن بالتأويل والتعبير وفهم السامعين اشتمل على أنواع المخاطبات ولولا تنزله في هذه المواقع لما وصلنا إلى فهم شيء منه، وسقطت البسملة لأبي ذر وثبت له لفظ كتاب وسقط لغيره.
١ - باب كَيْفَ نُزُولُ الْوَحْيِ وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الأَمِينُ. الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ
(باب كيف نزول الوحي)؟ ولأبي ذر: نزل الوحي بلفظ الماضي، وسقط له لفظ باب
(وأول ما نزل) منه.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿المهيمن﴾) في قوله تعالى بالمائدة: (ومهيمنًا عليه [المائدة: ٤٨] هو (الأمين) وهو أيضًا (القرآن أمين على كل كتاب قبله) من الكتب السماوية.
٤٩٧٨ و ٤٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَا: لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا.
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين العبسي مولاهم الكوفي (عن شيبان) بفتح الشين المعجمة ابن عبد الرحمن النحوي التميمي مولاهم البصري أبي معاوية (عن يحيي) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف أنه (قال: أخبرتني) بالإفراد (عائشة وابن عباس) ﵃ (قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن) نزولًا متتابعًا بعد مدة وحي المنام وفترة الوحي سنتين ونصفًا أو ثلاثًا (وبالمدينة عشرًا) ولأبي ذر عن الكشميهني عشر سنين، ومباحث ذلك سبقت آخر المغازي.
وأخرج النسائي عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة الحديث. وظاهر حديث الباب أنه نزل كله بمكة والمدينة خاصة وهو كذلك، نعم نزل منه في غيرهما حيث كان ﷺ في سفر حج أو عُمرة أو غزاة، ولكن الاصطلاح أن كل ما نزل قبل الهجرة فمكي وما بعدها فمدني.
٤٩٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أَبِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ: «مَنْ هَذَا»؟ أَوْ كَمَا قَالَ: قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ. فَلَمَّا قَامَ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلاَّ إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ أَوْ كَمَا قَالَ: قَالَ أَبِي قُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدثنا معتمر) هو ابن سليمان التيمي قال: (سمعت أبي) هو سليمان (عن أبي عثمان) عبد الرحمن النهدي أنه (قال: أُنبئت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أي أُخبرت (أن جبريل أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة) زوجته ﵂ (فجعل يتحدّث) معه (فقال النبي ﷺ لأم سلمة):
(من هذا؟ أو كما قال) شك