← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

على إرادة التنوين فحذف لالتقاء الساكنين فبقي الله منصوبًا لا مجرورًا للإضافة وذاكر جرّ عطفًا على مستعتب أي ذكرته ما كان بيننا من المودة فوجدته غير راجع بالعتاب من قبح ما فعل والحمد هو التنوين وكسره لالتقاء الساكنين (أي واحد) يريد أن أحدًا واحدًا بمعنى وأصل أحد وحد بفتحتين قال: كأن رحلي وقد زال النهار بنا … بذي الجليل على مستأنس وحد فأبدلت الواو همزة وأكثر ما يكون في المكسورة والمضمومة كوجوه ووسادة وقيل ليسا مترادفين. قال في شرح المشكاة والفرق بينهما من حيث اللفظ من وجوه. الأول: أن أحدًا لا يستعمل في الإثبات على غير الله تعالى فيقال: الله أحد ولا يقال زيد أحد كما يقال زيد واحد وكأنه بني لنفي ما يذكر معه من العدد. الثاني: أن نفيه يعم ونفي الواحد قد لا يعم ولذلك صح أن يقال ليس في الدار واحد بل فيها اثنان ولا يصح ذلك في أحد ولذلك قال الله تعالى: ﴿لستن كأحد من النساء﴾ [الأحزاب: ٣٢] ولم يقل كواحدة. الثالث: أن الواحد يفتح به العدد ولا كذلك الأحد. الرابع: أن الواحد تلحقه التاء بخلاف الأحد. ومن حيث المعنى أيضًا وجوه: الأول: أن أحدًا من حيث الثناء أبلغ من واحد كأنه من الصفات المشبهة التي بنيت لمعنى الثبات ويشهد له الفروق اللفظية المذكورة. الثاني: أن الوحدة تطلق ويراد بها عدم التثني والنظير كوحدة الشمس والواحد يكثر إطلاقه بالمعنى الأول والأحد يغلب استعماله في الثاني ولذلك لا يجمع. قال الأزهري: سئل أحمد بن يحيى عن الآحاد أنه جمع أحد فقال: معاذ الله ليس للأحد جمع ولا يبعد أن يقال جمع واحد كالأشهاد في جمع شاهد ولا يفتح به الأحد. الثالث: ما ذكره بعض المتكلمين في صفات الله تعالى خاصة وهو أن الواحد باعتبار الذات والأحد باعتبار الصفات وحظ العبد أن يغوص لجة التوحيد وشمتغرق فيه حتى لا يرى من الأزل إلى الأبد غير الواحد الصمد. قال الشيخ أبو بكر بن فورك: الواحد في وصفه تعالى له ثلاثة معان. أحدها: أنه لا قسم لذاته وأنه غير متبعض ولا متحيز. والثاني: أنه لا شبيه له والعرب تقول فلان واحد في عصره أي لا شبيه له. والثالث: أنه واحد على معنى أنه لا شريك له في أفعاله يقال فلان متوحد في هذا الأمر أي ليس يشركه فيه أحد اهـ. والضمير في "هو" فيه وجهان: أحدهما: أنه يعود على ما يفهم من السياق فإنه جاء في سبب نزولها عن أبيّ بن كعب أن المشركين قالوا للنبي ﷺ انسب لنا ربك فنزلت. رواه الترمذي والطبري والأول من وجه آخر مرسلًا وقال: هذا أصح وصحح الموصول ابن خزيمة والحاكم وحينئذ فجوز أن يكون الله مبتدأ واحد خبره والجملة خبر الأول ويجوز أن يكون الله بدلًا واحد الخبر وأن يكون الله خبرًا أول واحد خبرًا ثانيًا وأن يكون أحد خبر مبتدأ محذوف أي هو أحد. والثاني: أنه ضمير الشأن لأنه موضع تعظيم والجملة بعده خبره مفسرة ولم يثبت لفظ الأحد في جامع الترمذي والدعوات للبيهقي نعم ثبت اللفظان في جامع الأصول. ١ - باب ٤٩٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ. وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْوًا أَحَدٌ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم) بتشديد الذال المعجمة أي بعض بني آدم وهم من أنكر البعث (ولم يكن له ذلك) التكذيب (وشتمني ولم يكن له ذلك) الشتم (فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعبدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته وأما شتمه إيّاي فقوله اتخذ الله ولدًا) وإنما كان شتمًا لما فيه من التنقيص لأن الولد إنما يكون عن والد يحمله ثم يضعه ويستلزم ذلك سبق نكاح والناكح يستدعي باعثًا له على ذلك والله تعالى منزّه عن ذلك (وأنا الأحد الصمد) فعل بمعنى مفعول كالقنص والنقص (لم ألد

стр. 3257

ولم أُولد) لأنه لما كان تعالى واجب الوجود ذاته قديمًا موجودًا قبل وجود الأشياء وكان كل مولود محدثًا انتفت عنه الوالدية ولما كان لا يشبهه أحد من خلقه ولا يجانسه حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالد انتفت عنه الوالدية ولأبي ذر لم يلد ولم يولد (ولم يكن لي كفوًا أحد) أي مكافئًا ومماثلًا فلي متعلق بكفوًا وقدم عليه لأنه محط القصد بالنفي وأخر أحد وهو اسم يكن عن خبرها رعاية للفاصلة، وقوله لم يكن لي بعد قوله لم يلد التفات. قال الشيخ عز الدّين بن عبد السلام -رحمه الله تعالى- السلوب الواجبة لله تعالى على قسمين أحدهما سلب نقيصة كالسنة والنوم والموت، والثاني ليس سلبًا للنقص بل سلبًا للمشارك في الكمال كسلب الشريك، وأما قوله تعالى: ﴿لم يلد ولم يولد﴾ فإنه سلب للنقص إذ الولد والوالد لا يكونان إلا من جسمين وهما من الأغيار والأغيار نقص وإن كانا يدلان بالتزام على أن الولد مثل الوالد فيعود إلى سلب المشاركة في الكمال. ٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ، قَالَ أَبُو وَائِلٍ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدَدُهُ (قوله: ﴿الله الصمد﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي قوله : ﴿الله الصمد﴾ (والعرب تسمي أشرافها الصمد. قال أبو وائل): بالهمز شقيق بن سلمة مما وصله الفريابي (هو السيد الذي انتهى سُؤدَدُه) وقال ابن عباس: الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم وهو من صمد إذا قصد وهو الموصوف به على الإطلاق فإنه مستغنٍ عن غيره مطلقًا وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته. وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه وعن الحسن الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له، وعن عكرمة الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم، وعن الضحاك والسدي الذي لا جوف له! وعن عبد الله بن يزيد الصمد نور يتلألأ وكل هذه الأوصاف صحيحة في صفاته تعالى على ما لا يخفى. ٤٩٧٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، أَنْ يَقُولَ إِنِّي لَنْ أُعِيدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ». ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤًا أَحَدٌ﴾ ﴿كُفُوًا﴾ وَكَفِيئًا وَكِفَاءً وَاحِدٌ. وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) المروزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرني معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) زاد أبو ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر. قال الله تعالى كما في الفرع كأصله. (كذبني ابن آدم) المنكر للبعث (ولم يكن له ذلك) التكذيب (وشتمني ولم يكن له ذلك) الشتم، وثبت ذلك للكشميهني (أما) ولأبي ذر فأما (تكذيبه إيّاي أن يقول إني لن أعيده كما بدأته) بغير فاء قبل همزة أن، وبه استدلّ من جوّز حذف الفاء من جواب أما (وأما شتمه إيّاي أن يقول) بغير فاء أيضًا (اتخذ الله ولدًا وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أُولد ولم يكن لي كفوًا أحد) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولم يكن له على طريق الالتفات. (﴿لم يلد ولم يُولد * ولم يكن له كفوًّا أحد﴾) قدّم لم يلدان كان العرف سبق المولود لأنه الأهم لقولهم ولد الله وقوله ولم يولد كالحجة على أنه لم يلد، وقال في هذه السورة لم يلد وفي الإسراء لم يتخذوا ولدًا لأن من النصارى من يقول عيسى ولد الله حقيقة ومنهم من يقول إن الله اتخذه ولدًا تشريفًا فنفى الأمرين وسقط قوله لم يلد الخ لأبي ذر. (﴿كفوًّا﴾) بضمتين (وكفيئًا) بفتح الكاف وبعد الفاء المكسورة تحتية فهمزة بوزن فعيل. (وكفاء) بكسر الكاف وفتح الفاء ممدودًا (واحد) في المعنى. ونقل في فتوح الغيب عن الغزالي أنه قال: الواحد هو الواحد الذي هو مدفوع الشركة والأحد الذي لا تركيب فيه فالواحد نفي للشريك والمثل والأحد نفي للكثرة في ذاته فالصمد الغني المحتاج إليه غيره وهو أحدي الذات وواحديّ الصفات، لأنه لو كان له شريك في ملكه لما كان غنيًّا يحتاج إليه غيره بل كان محتاجًا في قوامه ووجوده إلى أجزاء تريبية فالصمد دليل على الوحدانية والأحدية، ولم يلد دليل على أن وجوده المستمر ليس مثل وجود الإنسان الذي يبقى نوعه بالتوالد والتناسل بل هو وجود مستمر أزلي ولم يولد دليل على أن وجوده ليس مثل وجود الإنسان الذي يتحصل بعد العدم، ويبقى دائمًا إما في جنة عالية لا يفنى وإما في هاوية لا ينقطع ولم يكن له كفوًّا أحد دليل على أن الوجود الحقيقي الذي له تعالى هو الوجود الذي يفيد وجود غيره ولا يستفيد هو

стр. 3258

الوجود من غيره فقوله تعالى أحد دليل على إثبات ذاته المقدسة المنزهة والصمدية تقتضي نفي الحاجة عنه واحتياج غيره إليه ولم يلد إلى آخر السورة سلب ما يوصف به غيره عنه ولا طريق في معرفته تعالى أوضح من سلب صفات المخلوقات عنه. ولما اشتملت هذه السورة مع قصرها على جميع المعارف الإلهية والرد على مَن ألحد فيها جاء أنها تعدل ثلث القرآن كما سيأتي ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى في كتاب فضائل القرآن، وهل يحمل ذلك على الأجزاء أو على غيرها فذهب الفقهاء والمفسرون إلى أن لقارئها من الثواب ثلث ما لقارئ جملته وليس في الجواب أكثر من أن الله يهب ما يشاء لمن يشاء، وأجاب المتكلفون بجواب يمكن إرادته قالوا: القرآن ثلاثة أقسام: قسم فيما يجوز أن يوصف به وما لا يجوز، وقسم من أمر الدنيا، وقسم من أمر الآخرة ولم تتضمن سورة الإخلاص غير القسم الواحد فصارت تعدل ثلثه ولهذا سميت سورة الإخلاص لأنها خلصت في صفاته خاصة، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في محله قريبًا بعون الله وقوته وسقط قوله: كفوًّا وكفيئًا الخ لغير أبي ذر. [١١٣] سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿الفَلَقُ﴾: الصُّبْحُ. ﴿غَاسِقٍ﴾: اللَّيْلُ. ﴿إِذَا وَقَبَ﴾: غُرُوبُ الشَّمْسِ. يُقَالُ: أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ. ﴿وَقَبَ﴾: إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَ. ([١١٣] سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾) مكية أو مدنية وآيها خمس. (بسم الله الرحمن الرحيم). ثبت لفظ سورة والبسملة لأبي ذر. (وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي (﴿الفلق﴾: الصبح) لأن الليل يفلق عنه ويفرق فعل بمعنى مفعول أي مفلوق وتخصيصه لما فيه من تغير الحال وتبدّل وحشة الليل بسرور النور وقيل هو كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات والسحاب عن المطر والأرحام عن الأولاد، وثبت قوله الفلق الصبح لأبي ذر وسقط لغيره. (﴿وغاسق﴾) بالرفع وبالجر وهو الموافق للتنزيل (الليل) أي العظيم ظلامه. (﴿إذا وقب﴾) أي (غروب الشمس يقال: أبين من فرق وفلق الصبح) الأول بالراء والثاني باللام. (﴿وقب﴾: إذا دخل في كل شيء وأظلم) بغروب الشمس، وقيل المراد القمر فإنه يكسف فيغسق ووقوبه دخوله في الكسوف. وفي حديث عائشة عند الترمذي والحاكم أنه ﷺ أخذ بيدها فأراها القمر حين طلع وقال: تعوّذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب. قال في شرح المشكاة لما سحر النبي ﷺ ، استشفى بالمعوّذتين لأنهما من الجوامع في هذا الباب فتأمل في أولاهما كيف خص وصف المستعاذ به برب الفلق أي بفالق الإصباح لأن هذا الوقت وقت فيضان الأنوار ونزول الخيرات والبركات وخص المستعاذ منه بما خلق فابتدأ بالعام في قوله: ﴿من شر ما خلق﴾ أي من شر خلقه ثم ثنى بالعطف عليه ما هو شره أخفى وهو نقيض انفلاق الصبح من دخول الظلام واعتكاره المعني بقوله: ﴿ومن شر غاسق إذا وقب﴾ [الفلق: ٣] لأن انبثاث الشر فيه أكثر والتحرز منه أصعب ومنه قولهم الليل أخفى للويل. ٤٩٧٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ وَعَبْدَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "قِيلَ لِي" فَقُلْتُ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . [الحديث ٤٩٧٦ - طرفه في: ٤٩٣٧]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني الثقفي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عاصم) هو ابن أبي النجود بفتح النون وبالجيم المضمومة آخره دال مهملة أحد القراء السبعة (وعبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن أبي لبابة بضم اللام وتخفيف الموحدة الأسدي كلاهما (عن زر بن حبيش) بكسر الزاي وتشديد الراء وحبيش بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة آخره معجمة مصغرًا وسقط ابن حبيش لأبي ذر أنه (قال: سألت أبيّ بن كعب عن المعوّذتين) بكسر الواو المشددة وعند ابن حبان وأحمد من طريق حماد بن سلمة بن عاصم قلت لأُبيّ بن كعب إن ابن مسعود لا يكتب المعوّذتين في مصحفه (فقال) أُبيّ (سألت رسول الله ﷺ ¬) عنهما (فقال): ولأبي ذر قال (قيل لي) بلسان جبريل (فقلت) قال أبي (فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ ¬). وعند الحافظ أبي يعلى عن علقمة قال: كان عبد الله يحك المعوّذتين من المصحف ويقول: إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوّذ بهما ولم يكن عبد الله يقرأ بهما، ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن يزيد وزاد ويقول: إنهما ليستا من كتاب

стр. 3259

الله وهذا مشهور عند كثير من القرّاء والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتبهما في مصحفه، وحينئذ فقول النووي في شرح المهذّب أجمع المسلمون على أن المعوّذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد شيئًا منها كفر، وما نقل عنه ابن مسعود باطل ليس بصحيح فيه نظر كما نبه عليه في الفتح إذ فيه طعن في الروايات الصحيحة بغير مستند وهو غير مقبول وحينئذ فالمصير إلى التأويل أولى، وقد تأوّل القاضي أبو بكر الباقلاني ذلك بأن ابن مسعود لم ينكر قرآنيتهما وإنما أنكر إثباتهما في المصحف فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيء إلا إن كان النبي ﷺ أذن في كتابته فيه وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك فليس فيه جحد لقرآنيتهما، وتعقب بالرواية السابقة الصريحة التي فيها ويقول إنهما ليستا من كتاب الله. وأجيب: بإمكان حمل لفظ كتاب الله على المصحف فيتمشى التأويل المذكور قاله في فتح الباري، ويحتمل أيضًا أنه لم يسمعهما من النبي ﷺ ولم يتواترا عنده، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة فقد أجمع الصحابة عليهما وأثبتوهما في المصاحف التي بعثوها إلى سائر الآفاق. [١١٤] سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْوَسْوَاسِ إِذَا وُلِدَ خَنَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ ذَهَبَ، وَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ اللَّهُ ثَبَتَ عَلَى قَلْبِهِ. ([١١٤] سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾) مكية أو مدنية وآيها ست، فإن قلت: إنه تعالى رب جميع العالمين فلِمَ خص الناس؟ أجيب: لشرفهم أو لأن المأمور هو الناس. وسقط لفظ سورة لغير أبي ذر. (ويُذكر عن ابن عباس) ولأبي ذر وقال ابن عباس: (الوسواس إذا ولد) بضم الواو وكسر اللام (خنسه الشيطان) اعترضه السفاقسي بأن المعروف في اللغة خنس إذا رجع وانقبض، وقال الصغاني الأولى نخسه مكان خنسه فإن سلمت اللفظة من الانقلاب والتصحيف فالمعنى أزاله عن مكانه لشدّة نخسه وطعنه بإصبعه في خاصرته (فإذا ذكر الله ذهب وإذا لم يذكر الله) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (ثبت على قلبه) والتعبير بيذكر أولى لأن إسناده إلى ابن عباس ضعيف أخرجه الطبراني وغيره. وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس قال: الوسواس هو الشيطان يولد المولود والوسواس على قلبه فهو يصرفه حيث شاء فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل جثم على قلبه فوسوس، وعند سعيد بن منصور من طريق عروة بن رويم قال: سأل عيسى ﵇ ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فأراه فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا ترك منّاه وحدّثه وقوله: ﴿يوسوس في صدور الناس﴾ [الناس: ٥] هل يختص ببني آدم أو يعم بني آدم والجن فيه قولان. ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليبًا. ٤٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ح. وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ زِرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي "قِيلَ لِي": فَقُلْتُ. قَالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عبدة بن أبي لبابة) بضم اللام وبين الموحدتين الخفيفتين ألف الأسدي (عن زر بن حبيش) قال سفيان: (وحدّثنا) أيضًا (عاصم) هو ابن أبي النجود (عن زر) أنه (قال: سألت أُبيّ بن كعب قلت) له يا (أبا المنذر): هي كنية أُبيّ (إن أخاك) في الدين (ابن مسعود) عبد الله (يقول: كذا وكذا) يعني أن المعوّذتين ليستا من القرآن كما مرّ التصريح به في حديث (فقال أُبيّ: سألت رسول الله ﷺ ¬) عنهما (فقال لي: قيل لي) بلسان جبريل ولأبي ذر فقيل لي (فقلت) كما قيل لي (قال) أُبي: (فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ ¬) وهذا مما اختلف فيه ثم ارتفع الخلاف ووقع الإجماع عليه فلو أنكر أحد اليوم قرآنيته كفر. وفي مسلم من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم يرَ مثلهن قط ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١] و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ [الناس: ١]. وعنه أيضًا أمرني رسول الله- ﷺ أن أقرأ بالمعوّذات في دُبر كل صلاة، رواه أبو داود والترمذي، وعند النسائي عنه أيضًا أن النبي ﷺ قرأ بهما في صلاة الصبح، وقد روي ذلك من طرق قد

стр. 3260

تفيد التواتر يطول إيرادها والله الموفق للصواب. تمّ التفسير والله أعلم بأسرار كتابه في يوم الاثنين الحادي والعشرين من شعبان سنة عشر وتسعمائة أحسن الله تعالى بمنّه وكرمه عاقبتنا وللمسلمين فيها وكفانا كل مهمة ويسر إكمال هذا المجموع ونفع به وجعله خالصًا لوجهه الكريم أستودعه تعالى ذلك فإنه الحفيظ الجواد الكريم الرؤوف الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أفضل الصلاة وأتمّ التسليم آمين. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٦٦ - كتاب فضائل القرآن جمع فضيلة، واختلف هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟ فذهب الأشعري والقاضي أبو بكر إلى أنه لا فضل لبعضه على بعض، لأن الأفضل يُشعِر بنقص المفضول، وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه. وقال قوم بالأفضلية لظواهر الأحاديث كحديث أعظم سورة في القرآن، ثم اختلفوا فقال قوم: الفضل راجع إلى عظم الأجر والثواب، وقال آخرون: بل لذات اللفظ وأن ما تضمنته آية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالة على وحدانيته تعالى وصفاته ليس موجودًا مثلًا في: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] فالتفضيل بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة. وقال الخويي: من قال إن ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] أبلغ من: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ بجعل المقابلة بين ذكر الله وذكر أبي لهب وبين التوحيد والدعاء على الكافرين فذلك غير صحيح، بل ينبغي أن يقال ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ دعاء عليه بالخسران فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه؟ وكذلك في: ﴿قل هو الله أحد﴾ لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها، فالعالم إذا نظر إلى: تبت في باب الدعاء بالخسران ونظر إلى ﴿قل هو الله أحد﴾ في باب التوحيد لا يمكنه أن يقول أحدهما أبلغ من الآخر، وهذا التقييد يغفل عنه من لا علم عنده بعلم البيان ولعل الخلاف في هذه المسألة يلتفت إلى الخلاف المشهور أن كلام الله شيء واحد أم لا؟ وعند الأشعري أنه لا يتنوّع في ذاته بل بحسب متعلقاته، وليس لكلام الله الذي هو صفة ذاته بعض، لكن بالتأويل والتعبير وفهم السامعين اشتمل على أنواع المخاطبات ولولا تنزله في هذه المواقع لما وصلنا إلى فهم شيء منه، وسقطت البسملة لأبي ذر وثبت له لفظ كتاب وسقط لغيره. ١ - باب كَيْفَ نُزُولُ الْوَحْيِ وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الأَمِينُ. الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ (باب كيف نزول الوحي)؟ ولأبي ذر: نزل الوحي بلفظ الماضي، وسقط له لفظ باب (وأول ما نزل) منه. (وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿المهيمن﴾) في قوله تعالى بالمائدة: (ومهيمنًا عليه [المائدة: ٤٨] هو (الأمين) وهو أيضًا (القرآن أمين على كل كتاب قبله) من الكتب السماوية. ٤٩٧٨ و ٤٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَا: لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا. وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين العبسي مولاهم الكوفي (عن شيبان) بفتح الشين المعجمة ابن عبد الرحمن النحوي التميمي مولاهم البصري أبي معاوية (عن يحيي) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف أنه (قال: أخبرتني) بالإفراد (عائشة وابن عباس) ﵃ (قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن) نزولًا متتابعًا بعد مدة وحي المنام وفترة الوحي سنتين ونصفًا أو ثلاثًا (وبالمدينة عشرًا) ولأبي ذر عن الكشميهني عشر سنين، ومباحث ذلك سبقت آخر المغازي. وأخرج النسائي عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة الحديث. وظاهر حديث الباب أنه نزل كله بمكة والمدينة خاصة وهو كذلك، نعم نزل منه في غيرهما حيث كان ﷺ في سفر حج أو عُمرة أو غزاة، ولكن الاصطلاح أن كل ما نزل قبل الهجرة فمكي وما بعدها فمدني. ٤٩٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أَبِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ: «مَنْ هَذَا»؟ أَوْ كَمَا قَالَ: قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ. فَلَمَّا قَامَ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلاَّ إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ أَوْ كَمَا قَالَ: قَالَ أَبِي قُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدثنا معتمر) هو ابن سليمان التيمي قال: (سمعت أبي) هو سليمان (عن أبي عثمان) عبد الرحمن النهدي أنه (قال: أُنبئت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أي أُخبرت (أن جبريل أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة) زوجته ﵂ (فجعل يتحدّث) معه (فقال النبي ﷺ لأم سلمة): (من هذا؟ أو كما قال) شك

стр. 3261

من الراوي مع بقاء المعنى في ذهنه (قالت: هذا دحية) الكلبي (فلما قام) ﵊ (قالت) أم سلمة (والله ما حسبته إلاّ إياه) أي دحية (حتى سمعت خطبة النبي ﷺ يخبر خبر جبريل أو كما قال): قال في الفتح: ولم أقف في شيء من الروايات على بيان هذا الخبر في أي قصة، ويحتمل أن يكون في قصة بني قريظة ففي دلائل البيهقي والغيلانيات من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها رأت النبي ﷺ يكلم رجلًا وهو راكب فلما دخل قلت: من هذا الرجل الذي كنت تكلمه؟ قال: بمن تشبّهيه؟ قلت: بدحية بن خليفة. قال: ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة اهـ. وتعقبه العيني: بأن الرائية في حديث الباب أم سلمة وهنا عائشة وباختلاف الرواة، وأجاب في انتقاض الاعتراض: بأنه ليس في شيء من ذلك ما يمنع احتمال اتحاد القصة فرآه كلٌّ من عائشة وأم سلمة، كذا قال فليتأمل، وسقط لأبي ذر لفظ خبر قال معتمر. (قال أبي) سليمان (قلت لأبي عثمان) النهدي (ممن سمعت هذا)؟ الحديث (قال): سمعته (من أسامة بن زيد) حِب رسول الله ﷺ . ٤٩٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلاَّ أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [الحديث ٤٩٨١ - أطرافه في: ٧٢٧٤]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثنا سعيد المقبري) بضم الموحدة (عن أبيه) كيسان (عن أبي هريرة ﵁¬) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (ما من الأنبياء نبيّ إلا أُعطي) من المعجزات (ما) موصول مفعول ثانٍ لأُعطي أي الذي (مثله) مبتدأ خبره (﴿آمن﴾) بالمدّ (عليه) أي لأجله (البشر) والجملة صلة الموصول وعلى بمعنى اللام وعبّر بهما لتضمنها معنى الغلبة أي يؤمنون بذلك مغلوبًا عليهم بحيث لا يستطيعون دفعه عن أنفسهم. وقال الطيبي: لفظ عليه حال أي مغلوبًا عليه في التحدي والمباراة أي ليس نبي إلاّ قد أعطاه الله من المعجزات الشيء الذي صفته أنه إذا شوهد اضطر الشاهد إلى الإيمان به، وتحريره أن كل نبيّ اختص بما يثبت دعواه من خارق العادات بحسب زمانه كقلب العصا ثعبانًا لأن الغلبة في زمن موسى ﵇ للسحر فأتاهم بما يوافق السحر فاضطرهم إلى الإيمان به، وفي زمان عيسى ﵊ الطبّ فجاء بما هو أعلى من الطب وهو إحياء الموتى، وفي زمان نبينا ﷺ البلاغة وكان بها فخارهم فيما بينهم حتى علّقوا القصائد السبع بباب الكعبة تحديًا لمعارضتها فجاء بالقرآن من جنس ما تناهوا فيه بما عجز عنه البلغاء الكاملون في عصره اهـ. ويحتمل أن يكون المعنى أن القرآن ليس له مثل لا صورة ولا حقيقة. قال تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣]. بخلاف معجزات غيره فإنها وإن لم يكن لها مثل حقيقة يحتمل أن يكون لها صورة. (وإنما كان الذي أُوتيت) من المعجزات ولأبي ذر: أُوتيته (وحيًا أوحاه الله إليّ) وهو القرآن وليست معجزاته ﷺ منحصرة في القرآن فالمراد أنه أعظمها وأكثرها فائدة فإنه يشتمل على الدعوة والحجّة وينتفع به إلى يوم القيامة ولذا رتب عليه قوله (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا) أي أمة (يوم القيامة) إذ باستمرار المعجزة ودوامها يتجدد الإيمان ويتظاهر البرهان، وهذا بخلاف معجزات سائر الرسل فإنها انقرضت بانقراضهم وأما معجزة القرآن فإنها لا تبيد ولا تنقطع وآياته متجددة لا تضمحل وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وأخباره بالمغيبات لا تتناهى، فلا يمر عصر من الأعصار إلاّ ويظهر فيه شيء مما أخبر به ﵊. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام ومسلم في الإيمان والنسائي في التفسير وفضائل القرآن. ٤٩٨٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ، ثُمَّ تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ. وبه قال: (حدّثنا عمرو بن محمد) بفتح العين البغدادي الناقد قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك ﵁ أن الله تعالى تابع على رسوله ﷺ الوحي) أي أنزله متتابعًا متواترًا (قبل وفاته) أي قربها

стр. 3262

(حتى توفاه) أي إلى الزمن الذي وقعت فيه وفاته (أكثر ما كان الوحي) نزولًا عليه من غيره من الأزمنة لأنه في أول البعثة فتر فترة ثم كثر ولم ينزل بمكة من السور الطوال إلاّ القليل ثم كان الزمن الأخير من الحياة النبوية أكثر نزولًا لأن الوفود بعد فتح مكة كثروا وكثر سؤالهم عن الأحكام. وقد ذكر ابن يونس في تاريخ مصر في ترجمة سعيد بن أبي مريم مما حكاه في الفتح أن سبب تحديث أنس بذلك سؤال الزهري له: هل فتر الوحي عن النبي ﷺ قبل أن يموت؟ قال: بل أكثر ما كان وأجمه، وسقطت التصلية لأبي ذر، وثبت قوله الوحي من قوله تابع على رسول الله ﷺ الوحي للكشميهني وسقط لغيره. (ثم توفي رسول الله ﷺ بعد) بالضم مبنيًّا لقطع الإضافة عنه أي بعد ذلك. وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي في فضائل القرآن. ٤٩٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ مَا أُرَى شَيْطَانَكَ إِلاَّ قَدْ تَرَكَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأسود بن قيس) العبدي أنه (قال: سمعت جندبًا) بضم الجيم والدال المهملة ابن عبد الله بن سفيان البجلي ﵁ (يقول: اشتكى) مرض (النبي ﷺ فلم يقم) للتهجد (ليلة أو ليلتين فأتته امرأة) وهي حمالة الحطب العوراء أخت أبي سفيان بن حرب (فقال: يا محمد ما أرى) بضم همزة أرى، ولأبي ذر بفتحها (شيطانك) إلاّ قد تركك فأنزل الله (﴿والضحى﴾) وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس وخصه بالقسم لأنه الساعة التي كلم الله تعالى فيها موسى أو المراد النهار كله لمقابلته بالليل بقوله: (﴿والليل إذا سجى﴾) أي سكن والمراد سكون الناس والأصوات فيه وجواب القسم (﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾) أي ما تركك منذ اختارك وما أبغضك منذ أحبك والتوديع مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقًا فقد بالغ في تركك وسقط قوله: ﴿والليل﴾ الخ لأبي ذر وقال الى قوله: ﴿وما قلى﴾. والحديث سبق في تفسير سورة الضحى. ٢ - باب نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ هذا (باب) بالتنوين (نزل القرآن بلسان قريش) أي بلغة معظمهم (والعرب) من عطف العام على الخاص. ﴿قرآنًا﴾ ولأبي ذر وقول الله تعالى: ﴿قرآنًا عربيًّا﴾ ﴿بلسان عربي مبين﴾) قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لم تقم دلالة قاطعة على نزول القرآن جميعه بلسان قريش بل ظاهر قوله تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنًا عربيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أنه نزل بجميع ألسنة العرب لأن اسم العرب يتناول الجميع تناولًا واحدًا، وقال أبو شامة أي ابتداء نزوله بلغة قريش ثم أبيح أن يقرأ بلغة غيرهم. ٤٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَنْسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا) ولغير أبي ذر حدّثنا (شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (وأخبرني) بالإفراد والواو للعطف على مقدّر ذكره في الباب اللاحق ولأبي ذر: فأخبرني (أنس بن مالك قال: فأمر عثمان) ﵁ (زيد بن ثابت) كاتب الوحي وقدوة الفرضيين (وسعيد بن العاص) بن أحيحة الأموي (وعبد الله بن الزبير) بن العوّام (وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها) أي الآيات أو السور أو الصحف المحضرة من بيت حفصة ولأبي ذر عن الكشميهني أن ينسخوا ما (في المصاحف) أي ينقلوا الذي فيها إلى مصاحف أخرى والأول هو الأولى لأنه كان في مصحف لا مصاحف (وقال لهم) عثمان (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في) لغة (عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش فإن القرآن أنزل بلسانهم) أي معظمه (ففعلوا) ما أمرهم به عثمان. وهذا الحديث مرّ في باب نزول القرآن بلسان قريش في المناقب. ٤٩٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، وَقَالَ مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْهِ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى أَنْ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا هُوَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا»؟ فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ». وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء والميم المشددة ابن يحيى بن دينار العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة قال: (حدّثنا عطاء) أي ابن أبي رباح (وقال) وفي نسخة ح وقال: (مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان سقط لغير أبي ذر ابن سعيد (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح المذكور (قال: أخبرني) بالإفراد أيضًا (صفوان بن يعلى بن أمية أن) أباه

стр. 3263

(يعلى كان يقول: ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل) بضم أوله وفتح ثالثه (عليه الوحي) رفع مفعول ناب عن الفاعل ولأبي ذر بفتح أوله وكسر ثالثه (فلما كان النبي ﷺ بالجعرانة) بكسر الجيم وسكون العين المهملة وقد تكسر وتشدد الراء موضع قريب من مكة أحد مواقيت الإحرام (وعليه ثوب قد أظلّ عليه) بفتح الهمزة والظاء المعجمة (ومعه ناس) ولأبي ذر عن الحموي ومعه الناس (من أصحابه إذ جاءه رجل). قال في المقدمة حكى ابن فتحون في الذيل أن اسمه عطاء بن منبه وعزاه لتفسير الطرسوسي وفيه نظر، وقال: إن صح فهو أخو يعلى بن منبه، وفي الشفاء للقاضي عياض ما يُشعِر أن اسمه عمرو بن سواد والصواب أنه يعلى بن أمية راوي الحديث كما أخرجه الطحاوي من حديث شعبة عن قتادة عن عطاء أن رجلًا يقال له يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة (متضمخ) بالضاد والخاء المعجمتين متلطخ (بطيب فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم) أي بعمرة كما في الحج (في جبة بعد ما تضمخ) تلطخ (بطيب؟ فنظر النبي ﷺ ساعة فجاء له الوحي فأشار عمر إلى يعلى أن) ولأبي ذر عن الحموي أي (تعال فجاه يعلى فأدخل رأسه) ليرى النبي ﷺ حال نزول الوحي (فإذا هو) ﵊ (محمرّ الوجه يغط) بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة يتردد صوت نفسه من شدة ثقل الوحي (كذلك ساعة ثم سرّي) بضم السن المهملة وتشديد الراء المكسورة أي كشف (عنه) ما كان يجده من شدة الثقل الوحي (فقال): (أين الذي يسألني عن العُمرة آنفًا فالتمس الرجل) بضم التاء مبنيًا للمفعول (فجيء به إلى النبي ﷺ فقال) له: (أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات) هل قوله ثلاث مرات من جملة مقوله ﵊ فيكون نصًّا في تكرار الغسل ثلاثًا أو العامل فيه قال: أي قال له ﵊ ثلاث مرات اغسله فلا يكون نصًّا على التثليث. وسبق مزيد لذلك في الحج. (وأما الجبة فانزعها) عنك (ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجّك) من الطواف والسعي والحلق والاحتراز عن محظورات الإحرام. وهذا الحديث صورته صورة المرسل لأن صفوان بن يعلى ما حضر ذلك وقد ساقه في كتاب العمرة من الحج بالإسناد المذكور هنا عن أبي نعيم فقال فيه عن صفوان بن يعلى عن أبيه فوضح أنه ساقه هنا على لفظ رواية ابن جريج. قيل: وجه دخول هذا الحديث هنا التنبيه على أن الوحي بالقرآن والسُّنَّة على صفة واحدة ولسان واحد. ٣ - باب جَمْعِ الْقُرْآنِ (باب جمع القرآن) في الصحف ثم جمع تلك الصحف في المصحف بعد النبي ﷺ وإنما ترك النبي ﷺ جمعه في مصحف واحد لأن النسخ كان يرد على بعضه فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعضه لأدى إلى الاختلاف والاختلاط فحفظه الله تعالى في القلوب إلى انقضاء زمن النسخ فكان التأليف في الزمن النبوي والجمع في الصحف في زمن الصديق والنسخ في المصاحف في زمن عثمان وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده ﷺ لكنه غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور. ٤٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِى فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵁. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (عن إبراهيم بن سعد) بسكون العين الزهري العوفي أنه قال: (حدّثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد بن السباق) بضم العين من غير إضافة لشيء والسباق بفتح السين المهملة وتشديد الموحدة المدني التابعي (أن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إليّ) بتشديد الياء (أبو بكر) الصديق ﵁ (مقتل) أي عقب مقتل (أهل اليمامة) أي من قتل بها من الصحابة في وقعة مسيلمة الكذاب لما ادّعى النبوّة وقوي أمره بعد وفاته ﵊ بارتداد كثير من العرب فخذله الله وقتله بالجيش الذي جهزه أبو بكر ﵁ وقتل بسبب ذلك من الصحابة قيل سبعمائة أو أكثر (فإذا عمر بن الخطاب) ﵁ (عنده قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد

стр. 3264

استحرّ) بالسين الساكنة والفوقية والحاء المهملة والراء المشددة المفتوحات اشتد وكثر (يوم) وقعة (اليمامة بقرّاء القرآن) وسمى منهم في رواية سفيان بن عيينة عن الزهري في فوائد الدير عاقولي سالمًا مولى حذيفة (وإني أخشى أن يستحرّ) بلفظ المضارع أي يشتد ولأبي ذر إن استحرّ (القتل) اشتد (بالقراء بالمواطن) أي في الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار (فيذهب كثير من القرآن) بقتل حفظته والفاء في فيذهب للتعقيب (وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن) قال أبو بكر لزيد: (قلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لم يفعل (رسول الله ﷺ . قال عمر: هذا والله خير) ردّ لقول أبي بكر كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ وإشعار بأن من البدع ما هو حسن وخير (فلم يزل عمر يراجعني) في ذلك (حتى شرح الله صدري لذلك) الذي شرح له صدر عمر (ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد، قال أبو بكر) لي يا زيد (إنك رجل شاب) أشار به إلى حدّة نظره وبُعده عن النسيان وضبطه وإتقانه (عاقل لا نتهمك) أشار إلى عدم كذبه وأنه صدوق وفيه تمام معرفته وغزارة علومه وشدّة تحقيقه وتمكنه من هذا الشأن (وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه) بصيغتي الأمر (فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان) ثقله (أثقل عليّ مما أمرني به) أبو بكر (من جمع القرآن). فإن قلت: كيف عبّر أولًا بقوله: لو كلفوني وأفرده في قوله مما أمرني به؟ أجيب: بأنه جمع باعتبار أبي بكر ومن وافقه وأفرد باعتبار أنه الآمر بذلك وحده وإنما قال زيد ذلك خشية من التقصير في ذلك لكن الله تعالى يسّره له تصديقًا لقوله تعالى: ﴿ولقد يسّرنا القرآن للذكر﴾ [القمر: ٥٤]. (قلت) لهم: (كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال) أبو بكر (هو) أي جمعه (والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄ فتتبعت القرآن) حال كوني (أجمعه) وقت التتبع مما عندي وعند غيري (من العسب) بضم العين والسين المهملتين ثم الموحدة جريد النخل العريض العاري عن الخوص (واللخاف) بكسر اللام وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف فاء الحجارة الرقاق أو هي الخزف بالخاء والزاي المعجمتين والفاء (وصدور الرجال) حيث لا يجد ذلك مكتوبًا أو الواو بمعنى مع أي أكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدور. وعند أبي داود أن عمر ﵁ قام فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب قال: وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شاهدان، وهذا يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبًا حتى يشهد به مَن تلقّاه سماعًا مع كون زيد كان يحفظه فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط، ولأبي داود أيضًا من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه ورجاله ثقات مع انقطاعه، ولعل المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب أو المراد أنهما يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ أو أنهما يشهدان أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن وكان غرضهم أن لا يكتب إلاّ من عين ما كتب بين يديه ﷺ لا من مجرد اللفظ والمراد بصدور الرجال الذين جمعوا القرآن وحفظوه في صدورهم كاملًا في حياته ﷺ كأُبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل. (حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة) بن أوس بن يزيد بن حرام وأبو خزيمة مشهور بكنيته لا يعرف اسمه وشهد بدرًا وما بعدها (الأنصاري) النجاري (لم أجدها) مكتوبة (مع أحد غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة) ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذٍ أن لا تكون تواترت عند مَن تلقّاها من النبي ﷺ

стр. 3265

وإنما كان زيد يطلب التثبّت عمن تلقاها بغير واسطة ولقد اجتمع في هذه الآية كما قاله الخطابي زيد بن ثابت، وأبو خزيمة، وعمر، وسقط قوله: ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ لأبي ذر. (فكانت الصحف) التي جمع فيها زيد بن ثابت القرآن (عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته) حتى توفاه الله (ثم عند حفصة بنت عمر ﵁) وعنها لأنها كانت وصية عمر فاستمر ما كان عنده عندها إلى أن شرع عثمان في كتابة المصحف. وهذا الحديث سبق في تفسير براءة. ٤٩٨٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ. فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ. وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل المنقري التبوذكي قال: (حدّثنا إبراهيم) بن سعد العوفي قال: (حدّثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم (أن أنس بن مالك حدّثه أن حذيفة بن اليمان) واسم اليمان حسيل بمهملتين مصغرًا وقيل حسل بكسر ثم سكون العبسي بالموحدة حليف الأنصار (قدم على عثمان) المدينة في خلافته (وكان) عثمان (يغازي أهل الشام) أي يجهّز أهل الشام (في فتح أرمينية) بكسر الهمزة وتفتح وسكون الراء وكسر الميم والنون بينهما تحتية ساكنة وبعد النون تحتية أخرى مخففة وقد تثقل مدينة عظيمة بين بلاد الروم وخلاط قريبة من أرزن الروم. قال ابن السمعاني: يضرب بحسنها وطيب هوائها وكثرة مياهها وشجرها المثل (وأذربيجان) وأمر أهل الشام أن يجمعوا (مع) ولأبي ذر عن الكشميهني في (أهل العراق) في غزوهما وفتحهما. وأذربيجان بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الجيم وبعد الألف نون قرأت في معجم ياقوت وفتح قوم الذال وسكون الراء ومدّ آخرون الهمزة مع ذلك، وروي عن المهلب ولا أعرف للمهلب هذا آذربيجان بمدّ الهمزة وسكون الذال فيلتقي ساكنان وكسر الراء ثم ياء ساكنة وباء موحدة مفتوحة وجيم وألف ونون وهو اسم اجتمعت فيه خمس موانع من الصرف العجمة والتعريف والتأنيث والتركيب ولحاق الألف والنون، وهو إقليم واسع ومن مشهور مدنه تبريز وهو صقع جليل ومملكة عظيمة وخيرات واسعة وفواكه جمة لا يحتاج السالك فيها إلى حمل إناء للماء لأن المياه جارية تحت أقدامه أين توجه وأهلها صباح الوجوه حمرها ولهم لغة يقال لها الأذرية لا يفهمها غيرهم وفي أهلها لين وحُسن معاملة إلا أن البخل يغلب على طباعهم وهي بلاد فتن وحروب ما خلت قطّ من فتنة فيها فلذلك أكثر مدنها خراب، وافتتحت أولًا في أيام عمر بن الخطاب كان أنفذ المغيرة بن شعبة الثقفي واليًا على الكوفة ومعه كتاب إلى حذيفة بن اليمان بولاية أذربيجان فورد عليه الكتاب بنهاوند فسار منها إلى أذربيجان في جيس كثيف فقاتل المسلمون قتالًا شديدًا، ثم إن المرزبان صالح حذيفة على ثمانمائة ألف درهم على أن لا يقتل منهم أحدًا ولا يسبيه ولا يهدم بيت نار، ثم عزل عمر حذيفة وولى عتبة بن فرقد على أذربيجان، ولما استعمل عثمان بن عفان الوليد بن عتبة على الكوفة عزل عتبة بن فرقد عن أذربيجان فنقضوا فغزاهم الوليد بن عتبة سنة خمس وعشرين وكان حذيفة من جملة مَن غزا معه. (فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هده الأمة) المحمدية (قبل أن يختلفوا في الكتاب) أي القرآن (اختلاف اليهود والنصارى) في التوراة والإنجيل، وفي رواية عمارة بن غزية أن حذيفة قال: يا أمير المؤمنين أدرك الناس قال: وما ذاك؟ قال: غزوت فرج أرمينية فإذا أهل الشام يقرأون بقراءة أُبيّ بن كعب ويأتون بما لم يسمع أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرأون بقراءة ابن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضًا. وروى ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال: قال عليّ: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منّا. قال: ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول قراءتي خير من قراءتك، وهذا لا يكاد أن يكون كفرًا. قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن تجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا:

стр. 3266

نعم ما رأيت. (فأرسل عثمان إلى حفصة) ﵂ (أن أرسلي إلينا بالصحف) التي كان أبو بكر أمر زيدًا بجمعها (ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص) الأموي (وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام) وفي كتاب المصاحف لابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين اثني عشر رجلًا من قريش والأنصار منها أُبيّ بن كعب، وفي رواية مصعب بن سعد فقال عثمان: مَن أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت. قال: فأيّ الناس أعرب؟ وفي رواية أفصح؟ قالوا: سعيد بن العاص. قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد، ووقع عند ابن أبي داود تسمية جماعة ممن كتب أو أملى منهم: مالك بن أبي عامر جد مالك بن أنس، وكثير بن أفلح، وأُبيّ بن كعب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس (فنسخوها) أي الصحف (في المصاحف و) ذلك بعد أن (قال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة): سعيد، وعبد الله، وعبد الرحمن لأن الأول أموي والثاني أسدي والثالث مخزومي وكلها من بطون قريش (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن) أي من عربيته (فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل) معظمه (بلسانهم) أي بلغتهم (ففعلوا) ذلك كما أمرهم (حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة) فكانت عندها حتى توفيت فأخذها مروان حين كان أميرًا على المدينة من قبل معاوية فأمر بها فشققت وقال: إنما فعلت هذا لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب فيها مرتاب. رواه ابن أبي داود وغيره. (فأرسل) عثمان (إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا) وكانت خمسة على المشهور فأرسل أربعة وأمسك واحدًا. وقال الداني في المقنع: أكثر العلماء أنها أربعة أرسل واحدًا للكوفة وآخر للبصرة وآخر للشام وترك واحدًا عنده، وقال أبو حاتم فيما رواه عنه ابن أبي داود كتب سبعة مصاحف إلى مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة وحبس بالمدينة واحدًا (وأمر بما سواه) أي سوى المصحف الذي استكتبه والتي نقلت منه وسوى الصحف التي كانت عند حفصة (من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) بسكون الحاء المهملة وفتح الراء؛ ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يحرق بفتح المهملة وتشديد الراء مبالغة في إذهابها وسدًّا لمادة الاختلاف. وقال في شرح السُّنَّة في هذا الحديث البيان الواضح أن الصحابة ﵃ جمعوا بين الدفّتين القرآن المنزل من غير أن يكونوا زادوا أو نقصوا منه شيئًا باتفاق منهم من غير أن يقدّموا شيئًا أو يؤخّروه بل كتبوه في المصاحف على الترتيب المكتوب في اللوح المحفوظ بتوقيف جبريل ﵇ على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية بموضعها وأين تكتب. وقال عبد الرحمن السلمي: كان قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة وهي التي قرأها ﷺ على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه وولاه عثمان كتبة المصاحف. قال السفاقسي: فكان جمع أبي بكر خوف ذهاب شيء من القرآن بذهاب حملته إذ إنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، وجمع عثمان لما أكثر الاختلاف في وجوه قراءته حين قرؤوا بلغاتهم حتى أدّى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضًا فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مقتصرًا من اللغات على لغة قريش إذ هي أرجحها. ٤٩٨٨ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ. (قال ابن شهاب) الزهري بالإسناد السابق (وأخبرني) بالواو والإفراد ولأبي ذر فأخبرني بالفاء والإفراد أيضًا (خارجة بن زيد بن ثابت) أنه (سمع) أباه (زيد بن ثابت قال: فقدت) بفتح القاف (آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف) أي في زمن عثمان لا في زمن أبي بكر لأن الذي فقده في خلافة أبي بكر الآيتان من آخر سورة براءة (قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بهما فالتمسناها) أي طلبناها (فوجدناها مع خزيمة

стр. 3267

بن أبي ثابت الأنصاري) بالمثلثة ابن الفاكه بن ثعلبة ذي الشهادتين وهو غير أبي خزيمة بالكنية الذي وجد معه آخر التوبة (﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾) [الأحزاب: ٢٣] فألحقناها في سورتها في (الصحف) بضم الصاد من غير ميم في الفرع والذي في اليونينية بالميم. ٤ - باب كَاتِبِ النَّبِيِّ ﷺ - (باب) ذكر (كاتب النبي ﷺ ¬) بإفراط لفظ كاتب. ٤٩٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ ابْنَ السَّبَّاقِ قَالَ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاتَّبِعِ الْقُرْآنَ. فَتَتَبَّعْتُ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إِلَى آخِرِهِ. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد الزهري (أن ابن السباق) عبيدًا (قال: إن زيد بن ثابت قال: أرسل إليّ أبو بكر ﵁) في زمن خلافته (قال: إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فاتبع القرآن) بهمزة وصل وتشديد الفوقية وكسر الموحدة قال زيد: (فتتبعت) أي القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ما في الباب السابق، وفي رواية ابن عيينة عن ابن شهاب القصب أو العسب والكرانيف وجرائد النخل. وفي رواية شعيب من الرقاع وعند عمارة بن غزية وقطع الأديم (حتى وجدت سورة التوبة آيتين) منها (مع ابن خزيمة الأنصاري لم أجدهما) مكتوبتين (مع أحد غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ إلى آخرها) سقط لأبي ذر قوله عزيز الخ. ٤٩٩٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ادْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِيءْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ، وَالْكَتِفِ أَوِ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ وَخَلْفَ ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَإِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن موسى) بن باذام الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن السبيعي (عن البراء) بن عازب ﵁ أنه (قال لما نزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾ قال) لي (النبي ﷺ ¬): (ادع لي زيدًا وليجيء) بسكون اللام والجزم (باللوح والدواة) بفتح الدال بالإفراد، ولأبي ذر عن الحموي والدوي بضم الدال وكسر الواو وتحتية مشدّدة (والكتف أو الكتف والدواة، ثم قال) له لما حضر: (اكتب ﴿لا يستوي القاعدون﴾ وخلف ظهر النبي ﷺ عمرو ابن أم مكتوم) بفتح العين وسكون الميم (الأعمى قال) ولأبي ذر فقال (يا رسول الله فما تأمرني ففي رجل ضرير البصر) لا أستطيع الجهاد (فنزلت مكانها) مكان الآية في الحال قيل قبل أن يجف القلم (﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين في سبيل الله غير أولي الضرر﴾) ولأبي ذر: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله غير أولي الضرر. قال الحافظ أبو ذر نفسه وهذا على معنى التفسير لا على التلاوة، ومراد البخاري من الحديث الأول قوله: إنك كنت تكتب الوحي، وقوله في الآخر اكتب ولم يذكر من الكتاب سوى زيد بن ثابت وقد كتب الوحي غيره ولم يكتب زيد إلا بمكة لأنه إنما أسلم بعد الهجرة ولكثرة كتابته الوحي أطلق عليه الكاتب، وكان ربما غاب فكتب غيره وقد كتب الوحي قبله أُبيّ بن كعب، وهو أول من كتب الوحي بالمدينة وأوّل من كتبه بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح لكنه ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح، وممن كتب له ﷺ في الجملة الخلفاء الأربعة والزبير بن العوّام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وعبد الله بن الأرقم الزهري وشرحبيل ابن حسنة، وعبد الله بن رواحة في آخرين. ٥ - باب أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ هذا (باب) بالتنوين (أُنزل القرآن على سبعة أحرف). ٤٩٩١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ». وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء آخره راء نسبه إلى جده لشهرته به واسم أبيه كثير بالمثلثة وسعيد هذا من حفاظ المصريين وثقاتهم قال: (حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد إمام المصريين قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) بضم العين المهملة ابن خالد وللأصيلي عن عقيل (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (أن ابن عباس) وللأصيلي أن عبد الله بن عباس (﵄ حدّثه أن رسول الله ﷺ قال): (أقرأني جبريل) القرآن (على حرف) قال في الفتح: وهذا مما لم يصرّح ابن عباس بسماعه له منه ﷺ وكأنه سمعه من أُبيّ بن كعب

стр. 3268

فقد أخرج النسائي من طريق عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب نحوه (فراجعته) ولمسلم من حديث أُبيّ فرددت إليه أن هوّن على أمتي وفي رواية له إن أمتي لا تطيق ذلك (فلم أزل أستريده) أطلب منه أن يطلب من الله الزيادة في الأحرف للتوسعة (ويزيدني) أي ويسأل جبريل ربه تعالى فيزيدني (حتى انتهى إلى سبعة أحرف) وفي حديث أُبيّ المذكور ثم أتاه الثانية فقال على حرفين ثم أتاه الثالثة فقال على ثلاثة أحرف ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ على سبعة أحرف فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا هـ. وحديث الباب سبق في بدء الخلق. ٤٩٩٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيَّ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ. فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ». فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ: «اقْرَأْ يَا عُمَرُ»، فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ». وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) المصري قال: (حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام المصري قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن المسور بن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة ابن نوفل الزهري (وعبد الرحمن بن عبد) بتنوين عبد من غير إضافة إلى شيء (القاري) بتشديد التحتية نسبة إلى القارة بطن من خزيمة بن مدركة والقارة لقبه واسمه أثيع بالمثلثة مصغرًا (حدّثناه أنهما سمعا عمر بن الخطاب) ﵁ (يقول: سمعت هشام بن حكيم) ولأبي ذر والأصيلي زيادة ابن حزام وهو أسديّ على الصحيح (يقرأ سورة الفرقان) لا سورة الأحزاب إذ هو غلط (في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره) بهمزة مضمومة وسين مهملة أي آخذ برأسه أو أواثبه (في الصلاة فتصبرت) أي تكلفت الصبر (حتى سلم) أي فرغ من صلاته (فلببته) بفتح اللام وتشديد الموحدة الأولى في الفرع وأصله، وقال عياض التخفيف أعرف (بردائه) أي جمعته عليه عند لبته لئلا ينفلت مني وهذا من عمر على عادته في الشدّة بالأمر بالمعروف (فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ) ها؟ بحذف الضمير (قال): وللأصيلي فقال هشام: (أقرأنيها رسول الله ﷺ ¬) قال عمر ﵁ (فقلت) له: (كذبت فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأتـ) ـها فيه إطلاق التكذيب على غلبة الظن فإنه إنما فعل ذلك عن اجتهاد منه لظنه أن هشامًا خالف الصواب وساغ له ذلك لرسوخ قدمه في الإسلام وسابقته بخلاف هشام فإنه من مسلمة الفتح فخشي أن لا يكون أتقن القراءة، ولعل عمر لم يكن سمع حديث: أنزل القرآن على سبعة أحرف قبل ذلك (فانطلقت به أقوده) أجرّه بردائه (إلى رسول الله ﷺ فقلت) يا رسول الله (إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان) بباء الجر وللأربعة سورة الفرقان (على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله ﷺ ¬): (أرسله) بهمزة قطع أي أطلقه ثم قال له ﵊ (اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ بها (فقال رسول الله ﷺ : كذلك أنزلت، ثم قال) ﵊: (اقرأ يا عمر فقرأت القراءة التي أقرأني) بها (فقال رسول الله ﷺ : كذلك أُنزلت) ولم يقف الحافظ ابن حجر على تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان، نعم جمع ما اختلف فيه من المتواتر والشاذ من هذه السورة وسبقه إلى ذلك ابن عبد البر مع فوت ثم قال: والله أعلم بما أنكر منها عمر على هشام وما قرأ به عمر. ثم قال: ﵊ تطييبًا لقلب عمر لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) جمع حرف مثل فلس وأفلس أي لغات أو قرأت فعلى الأول يكون المعنى على أوجه من اللغات لأن أحد معاني الحرف في اللغة الوجه. قال تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ [الحج: ١١] وعلى الثاني يكون من إطلاق الحرف على الكلمة مجازًا لكونه بعضها. (فاقرؤوا ما تيسر منه) أي من الأحرف المنزل بها، فالمراد بالتيسر في الآية غير المراد به

стр. 3269

في الحديث لأن الذي في الآية المراد به القلة والكثرة، والذي في الحديث ما يستحضره القارئ من القراءات فالأول من الكمية والثاني من الكيفية. وقد وقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام. منها لأُبي بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل، وعمرو بن العاص مع رجل في آية من القرآن رواه أحمد. وابن مسعود مع رجل في سورة من آل حم رواه ابن حبان والحاكم، وأما ما رواه الحاكم عن سمرة رفعه: أُنزل القرآن على ثلاثة أحرف فقال أبو عبد الله: تواترت الأخبار بالسبعة إلا في هذا الحديث. قال أبو شامة: يحتمل أن يكون بعضه أنزل على ثلاثة أحرف كجذوة والراهب أو أراد أنزل ابتداء على ثلاثة أحرف ثم زيد إلى سبعة توسعة على العباد والأكثر أنها محصورة في السبعة وهل هي باقية إلى الآن يقرأ بها أم كان ذلك ثم استقر الأمر على بعضها وإلى الثاني ذهب الأكثر كسفيان بن عيينة وابن وهب والطبري والطحاوي، وهل استقر ذلك في الزمن النبوي أم بعده؟ والأكثر على الأول واختاره القاضي أبو بكر بن الطيب وابن عبد البر وابن العربي وغيرهم لأن ضرورة اختلاف اللغات ومشقة نطقهم بغير لغتهم اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر فأذن لكلٍّ أن يقرأ على حرفه أي طريقته في اللغة إلى أن انضبط الأمر وتدربت الألسن وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة، فعارض جبريل ﵇ النبي ﷺ القرآن مرتين في السنة الأخيرة واستقر على ما هو عليه الآن فنسخ الله تعالى تلك القراءة المأذون فيها بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التي تلقاها الناس. ويشهد له ما عند الترمذي عن أُبيّ أنه ﷺ قال لجبريل: "إني بعثت إلى أمة أميّة فيهم الشيخ الفاني والعجوز الكبير والغلام" قال: فمرهم أن يقرؤوا على سبعة أحرف وفي بعضها كقوله: هلم وتعال وأقبل وأسرع واذهب واعجل لكن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي أي أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته بل ذلك مقصور على السماع من رسول الله ﷺ كما يشير إليه قول كلٍّ من عمر وهشام أقرأني النبي ﷺ . ولئن سلمنا إطلاق الإباحة بقراءة المرادف ولو لم يسمع لكن الإجماع من الصحابة في زمن عثمان الموافق للعرضة الأخيرة يمنع ذلك كما مرّ، واختلف في المراد بالسبعة، قال ابن العربي: لم يأتِ في ذلك نص ولا أثر، وقال ابن حبان: إنه اختلف فيها على خمسة وثلاثين قولًا. قال المنذري: إن أكثرها غير مختار، وقال أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي هذا من المشكل الذي لا يُدرى معناه لأن الحرف يأتي لمعانٍ، وعن الخليل بن أحمد: سبع قراءات وهذا أضعف الوجوه فقد بيّن الطبري وغيره أن اختلاف القراء إنما هو حرف واحد من الأحرف السبعة وقيل سبعة أنواع كل نوع منها جزء من أجزاء القرآن فبعضها أمر ونهي ووعد ووعيد وقصص وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، وفيه حديث ضعيف من طريق ابن مسعود، ورواه البيهقي بسند مرسل وهو قول فاسد وقيل سبع لغات لسبع قبائل من العرب متفرقة في القرآن فبعضه بلغة تميم وبعضه بلغة أزد وربيعة وبعضه بلغة هوازن وبكر وكذلك سائر اللغات ومعانيها واحدة، وإلى هذا ذهب أبو عبيد وثعلب وحكاه ابن دريد عن أبي حاتم، وبعضهم عن القاضي أبي بكر وقال الأزهري: وابن حبان: إنه المختار وصححه البيهقي في الشعب، واستنكره ابن قتيبة واحتج بقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ [إبراهيم: ٤]. وأجيب: بأنه لا يلزم من هذه الآية أن يكون أرسل بلسان قريش فقط لكونهم قومه بل أرسل بلسان جميع العرب ولا يرد عليه كونه بعث إلى الناس كافّة عربًا وعجمًا لأن القرآن أنزل باللغة العربية وهو بلغه إلى طوائف العرب وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم. وقال ابن الجزري: تتبعت القراءات صحيحها وشاذها وضعيفها ومنكرها فإذا هي ترجع إلى سبعة أوجه من الاختلاف لا تخرج عن ذلك وذلك إما في الحركات بلا تغير في المعنى

стр. 3270

والصورة نحو البُخْل والبَخَل ويحسب بوجهين أو بتغير في المعنى فقط نحو: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ [البقرة: ٣٧] وادّكر بعد أمه وأمة، وأما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة نحو: تبلو وتتلو وننجيك ببدنك وننجيك ببدنك أو عكس ذلك نحو: بسطة بصطة أو بتغيرهما نحو: أشد منكم ومنهم ويأتل ويتأل وفامضوا إلى ذكر الله، وأما في التقديم والتأخير نحو: فيقتلون ويقتلون، وجاءت سكرة الحق بالموت أو في الزيادة والنقصان نحو؛ أوصى ووصى والذكر والأنثى وأما نحو اختلاف الإظهار والإدغام مما يعبر عنه بالأصول فليس من الاختلاف الذي يتنوّع فيه اللفظ أو المعنى لأن هذه الصفات في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا ولئن فرض فيكون من الأول انتهى. وحديث الباب مضى في كتاب الخصومات. ٦ - باب تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ (باب تأليف القرآن) أي جمع آيات السورة أو جمع السور مرتبة. ٤٩٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ، فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ وَمَا يَضُرُّكَ، قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ، قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا. وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا لَقَالُوا لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]. وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلاَّ وَأَنَا عِنْدَهُ. قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ، فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ. وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي الوقت حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) قاضي صنعاء (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال): أخبرني فلان بكذا (وأخبرني يوسف بن ماهك) بفتح الهاء وكسرها يصرف ولا يصرف للعجمة والعلمية فالعطف على مقدّر وقال ابن حجر وما عرفت عليه ثم رأيت الواو ساقطة من رواية النسفيّ (قال: إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂ إذ جاءها) رجل (عراقي) لم يعرف الجاحظ ابن حجر اسمه (فقال) لها (أيّ الكفن خير)؟ الأبيض أو غيره (قالت: ويحك) كلمة ترحم (وما) أي أيّ شيء (يضرك)؟ بعد موتك في أيّ كفن كفنت (قال: يا أم المؤمنين أرينى مصحفك. قالت: لم)؟ أريكه (قال: لعلى أؤلف القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف). قال في الفتح: الظاهر لي أن هذا العراقي كان ممن يأخذ بقراءة ابن مسعود وكان ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يرجع عن قراءته ولا على إعدام مصحفه فكان تأليف مصحفه مغايرًا لتأليف عثمان، ولا ريب أن تأليف المصحف العثماني أكثر مناسبة من غيره فلهذا أطلق العراقي أنه غير مؤلف وهذا كله على أن السؤال إنما وقع عن ترتيب السور، ولذا (قالت) له عائشة (وما يضرك)؟ بضم الضاد المعجمة والراء المشددة من الضرر ولأبوي ذر والوقت والأصيلي بكسر الصاد بعدها تحتية ساكنة من الضير (أيه) بفتح الهمزة والتحتية المشددة بعدها هاء مضمومة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أية بفوقية بدل الهاء منوّنة (قرأت قبل) أي قبل قراءة السورة الأخرى (إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار) سورة ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] إذ ذاك لازم من قوله فيها إن كذب وتولى وسندع الزبانية أو المدثر وذكرهما صريح فيها في قوله وما أدراك ما سقر وفي جنات يتساءلون لكن الذي نزل أولًا من سورة اقرأ خمس آيات فقط أو المراد بالأولية بعد الفترة وهي المدثر فلعل آخرها نزل قبل نزول بقية اقرأ أو بتقدير من أي من أول ما نزل (حتى إذا ثاب) بالمثلثة والموحدة بينهما ألف أي رجع (الناس إلى الإسلام) واطمأنت نفوسهم عليه وتيقنوا أن الجنة للمطيع والنار للعاصي (نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدًا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدًا) وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف فاقتضت الحكمة الإلهية ترتيب النزول على ما ذكر (لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية) صغيرة (ألعب: ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾) [القمر: ٤٦] من سورة القمر التي ليس فيها ذكر شيء من الأحكام (وما نزلت سورة البقرة والنساء) المشتملتان على الأحكام من الحلال والحرام (﴿إلا وأنا عنده﴾) بعد الهجرة بالمدينة وأرادت بذلك تأخر نزول الأحكام وسقط لأبي ذر سورة فالبقرة ومعطوفها مرفوعان. (قال: فأخرجت له) أي للعراقي: (المصحف فأملت) بسكون الميم وتخفيف اللام وبتشديدها مع فتح الميم في اليونينية بتشديد الميم فليحرر (عليه آي السورة) ولأبي ذر

стр. 3271

السور أي آيات كل سورة كأن قالت له مثلًا سورة البقرة كذا وكذا آية، وهذا يؤيد أن السؤال وقع عن تفصيل آيات كل سورة وقد ذكر بعض الأئمة آيات السور مفردة كابن شيطا والجعبري وفي مجموعي لطائف الإشارات لفنون القراءات ما يكفي ويشفي. ٤٩٩٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ وَطَهَ وَالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي. وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي إنه (قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد) ولأبي ذر زيادة ابن قيس أخا الأسود بن يزيد بن قيس (قال: سمعت ابن مسعود) ﵁ (يقول في) شأن سورة (بني إسرائيل) وهي سورة الإسراء (و) في شأن سورة (الكهف و) شأن سورة (مريم و) شأن سورة (طه و) شأن سورة (الأنبياء) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أو الأنبياء (أنهن) أي الخمسة (من العتاق الأول) بكسر العين، والعرب تجعل كل شيء بلغ الغاية في الجودة عتيقًا والأول بضم الهمزة وفتح الواو المخففة والأولية باعتبار نزولهن (وهن من تلادي) بكسر الفوقية وتخفيف اللام وبعد الألف دال مهملة أي مما نزل قديمًا ومع ذلك فهنّ مؤخرات في ترتيب المصحف العثماني وهذا الحديث مرّ في التفسير. ٤٩٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ سَمِعَ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ: تَعَلَّمْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أنبأنا) من الإنباء (أبو إسحاق) عمرو السبيعي أنه (سمع البراء ﵁) زاد الأصيلي ابن عازب (قال: تعلمت) سورة (﴿سبح اسم ربك﴾) زاد الأصيلي وأبو الوقت ﴿الأعلى﴾ (قبل أن يقدم النبي ﷺ ¬) أي المدينة فهي من أوائل ما نزل ومع ذلك فهي متأخرة في المصحف فالتأليف يكون بالتقديم والتأخير. وهذا الحديث سبق في التفسير أيضًا. ٤٩٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ: قَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَؤُهُنَّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ وَدَخَلَ مَعَهُ عَلْقَمَةُ، وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ آخِرُهُنَّ الْحَوَامِيمُ. وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري المروزي (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق) أبي وائل بن سلمة أنه (قال: قال عبد الله) بن مسعود (قد علمت) وللأصيلي وابن عساكر لقد تعلمت (النظائر) أي السور المتماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكم أو القصص أو السور المتقاربة في الطول أو القصر (التي كان النبي ﷺ يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة) ولأبي ذر عن الكشميهني إسقاط لفظ كل وفي نسخة اثنين كل ركعة بإسقاط الجار (فقام عبد الله) يعني ابن مسعود من مجلسه ودخل بيته (ودخل معه علقمة) بن قيس النخعي (وخرج علقمة) المذكور (فسألناه) عنها (فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف) مصحف (ابن مسعود آخرهن الحواميم) ولأبي ذر من الحواميم حم الدخان وعمّ يتساءلون، ولابن خزيمة من طريق أبي خالد الأحمر عن الأعمش مثل هذا الحديث وزاد قال الأعمش: أولهن الرحمن وآخرهن الدخان وذكر الدخان في المفصل تجوّز لأنها ليست منه، نعم يصح على أحد الأقوال في حدّ المفصل وقد مر في باب الجمع بين السورتين في ركعة من كتاب الصلاة سرد السور العشرين فيما أخرجه أبو داود وفي الحديث دليل على أن تأليف مصحف ابن مسعود على غير التأليف العثماني ولم يكن على ترتيب النزول. وقيل: إن مصحف علي بن أبي طالب كان على ترتيب النزول أوّله اقرأ ثم المدثر ثم ن والقلم وهكذا إلى آخر المكي ثم المدني وهل ترتيب المصحف العثماني كان باجتهاد من الصحابة أو توقيفيًّا، فذهب إلى الأول الجمهور ومنهم القاضي أبو بكر بن الطيب فيما اعتمده واستقر عليه رأيه من قوله وأنه فوّض ذلك إلى أمته بعده وذهبت طائفة إلى الثاني، والخلاف لفظي لأن القائل بالأول يقول إنه رمز إليهم ذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته، ولذلك قال الإمام مالك: وإنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ . وهناك قول ثالث وهو أن كثيرًا من السور قد كان علم ترتيبه في حياته ﷺ كالسبع الطوال والحواميم والمفصل وكقوله اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران وإلى هذا مال ابن عطية،

стр. 3272

وقال بعضهم: لترتيب وضع السور في المصحف أشياء تطلعك على أنه توقيفي صادر عن حكيم. أحدها: بحسب الحروف كما في الحواميم، وثانيها لموافقة أول السور لآخر ما قبلها كآخر الحمد في المعنى وأول البقرة، وثالثها للوزن في اللفظ كآخر تبت وأول الإخلاص، ورابعها لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى مثل الضحى وألم نشرح. وقال بعضهم: سورة الفاتحة تضمنت الإقرار بالربوبية والالتجاء إليه في دين الإسلام والصيانة عن دين اليهودية والنصرانية، وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين، وآل عمران مكملة لمقصودها، فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصرم، وسورة النساء تتضمن أحكام الأنساب التي بين الناس، والمائدة سورة العقود وبها تمّ الدين انتهى. وأما ترتيب الآيات فإنه توقيفي بلا شك ولا خلاف أنه من النبي ﷺ وهو أمر واجب وحكم لازم فقد كان جبريل يقول ضع آية كذا في موضع كذا وفيه حديث أخرجه البيهقي في المدخل والدلائل والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرطهما. ٧ - باب كَانَ جِبْرِيلُ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ فَاطِمَةَ ﵍: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ إِلاَّ حَضَرَ أَجَلِي هذا (باب) بالتنوين (كان جبريل يعرض القرآن) بفتح الياء وكسر الراء (على النبي ﷺ ¬) أي يستعرضه ما أقرأه إياه. (وقال مسروق): هو ابن الأجدع التابعي مما وصله المؤلّف في علامات النبوّة (عن عائشة) أم المؤمنين (﵂ عن فاطمة) بنت النبي ﷺ ﵍ أسرّ إليّ النبي ﷺ ¬): (أن جبريل يعارضني) أي يدارسني ولأبي ذر كان يعارضني (بالقرآن كل سنة) أي مرة (وإنه) ولأبي ذر عن الحموي وإني (عارضني) هذا (العام مرتين ولا أراه) بضم الهمزة أي ولا أظنه (إلا حضر أجلي) والمعارضة مفاعلة من الجانبين كأن كلاًّ منهما كان تارة يقرأ والآخر يسمع. ٤٩٩٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة المكي المؤذن قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين الزهري العوفي أبو إسحاق الزهري (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان النبي) وفي نسخة كان رسول الله (¬ ﷺ أجود الناس) أي أسخاهم (بالخير) بنصب أجود خبر كان (وأجود) بالرفع (ما يكون في شهر رمضان) أثبت له الأجودية المطلقة أولًا ثم عطف عليها زيادة ذلك في رمضان لئلا يتخيل من قوله وأجود ما يكون في شهو رمضان أن الأجودية خاصة منه برمضان فهو احتراس بليغ ثم بيّن سبب الأجودية المذكورة بقوله (لأن جبريل) ﵇ (كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ) رمضان وظاهره أنه كان يلقاه في كل رمضان منذ أنزل عليه القرآن إلى رمضان الذي توفي بعده وليس بمقيد برمضانات الهجرة وإن كان صيام شهر رمضان إنما فرض بعد الهجرة إذ إنه كان يسمى به قبل فرض صومه، نعم يحتمل أنه لم يعارضه في رمضان من السنة الأولى لوقوع ابتداء النزول فيها، ثم فتر الوحي ثم تتابع وسقط الضمير من يلقاه لأبي الوقت والأصيلي فكان (يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن) أي بعضه أو معظمه لأن أول رمضان من البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه ثم كذلك كل رمضان بعده إلى الأخير فكان نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور وكان في سنة عشر إلى أن توفي ﷺ ومما نزل في تلك المدة ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] فإنها نزلت يوم عرفة بالاتفاق ولما كان ما نزل في تلك الأيام قليلًا اغتفروا أمر معارضته فاستفيد منه إطلاق القرآن على بعضه مجازًا وحينئذٍ فلو حلف ليقرآن القرآن فقرأ بعضه لا يحنث إلا إن قصد كله (فإذا لقيه جبريل كان) ﵊ (أجود بالخير من الريح المرسلة) أي المطلقة فهو من الاحتراس لأن الريح منها العقيم الضار، ومنها المبشر بالخير فوصفها بالمرسلة ليعين الثاني قال تعالى: ﴿هو الذي يرسل الرياح مبشرات﴾ [الروم: ٤٦] فالريح المرسلة تستمر مدة إرسالها وكذا كان عمله ﷺ

стр. 3273

في رمضان ديمة لا ينقطع وفيه استعمال أفعل التفضيل في الإسناد الحقيقي والمجازي لأن الجود منه ﷺ حقيقة ومن الريح مجاز. فإن قلت: ما الحكمة في تخصيص الليل المذكور بمعارضة القرآن؟ أجيب: بأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم والليل مظنة ذلك بخلاف النهار فإن فيه الشواغل والعوارض على ما لا يخفى ولعله ﷺ كان يقسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان أجزاء فيقرأ كل ليلة جزءًا في جزء من الليلة وبقية ليلته لما سوى ذلك من تهجد وراحة وتعهد أهله ويحتمل أنه كان يعيد ذلك الجزء مرارًا بحسب تعدّد الحروف المنزل بها القرآن. وهذا الحديث قد سبق أول الصحيح وفي كتاب الصوم. ٤٩٩٨ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا، فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ. وبه قال: (حدّثنا خالد بن يزيد) الكاهلي قال: (حدّثنا أبو بكر) هو ابن عياش بالتحتية والمعجمة (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: كان) أي جبريل (يعرض على النبي ﷺ القرآن) وسقط لغير الكشميهني لفظ القرآن أي بعضه أو معظمه (كل عام مرة) ليالي رمضان من زمن البعثة أو من بعد فترة الوحي إلى رمضان الذي توفي بعده (فعرض عليه) القرآن (مرتين في العام الذي قبض) زاد الأصيلي فيه: واختلف هل كانت العرضة الأخيرة بجميع الأحرف السبعة أو بحرف واحد منها وعلى الثاني فهل هو الحرف الذي جمع عليه عثمان الناس أو غيره، فعند أحمد وغيره من طريق عبيدة السلماني أن الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة ونحوه عند الحاكم من حديث سمرة وإسناده حسن وقد صححه هو، وأخرج أبو عبيد من طريق داود بن أبي هند قال قلت للشعبي قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] أما كان ينزل عليه في سائر السنة؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض مع النبي ﷺ في رمضان ما أنزل عليه فيحكم الله ما يشاء وينسخ ما يشاء فكأن السر في عرضه مرتين في سنة الوفاة استقراره على ما كتب في المصحف العثماني والاقتصار عليه وترك ما عداه، ويحتمل أن يكون لأن رمضان في السنة الأولى من نزول القرآن لم يقع فيه مدارسة لوقوع ابتداء النزول في رمضان ثم فتر الوحي فوقعت المدارسة في السنة الأخيرة من رمضان مرتين ليستوي عدد السنين والعرض. (وكان) ﷺ (يعتكف كل عام عشرًا) من رمضان (فاعتكف عشرين) يومًا من رمضان (في العام الذي قبض) زاد الأصيلي فيه مناسبة لعرض القرآن مرتين، وسبق في الاعتكاف مباحث الاعتكاف والله الموفق والمعين. ٨ - باب الْقُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ - هذا (باب) ذكر (القرّاء) الذين اشتهروا بحفظ القرآن والتصدي لتعليمه (من أصحاب النبي ﷺ ¬) على عهده. ٤٩٩٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ وَمُعَاذٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ». وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين الحوضي النمري البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) بفتح العين ابن مرة لا السبيعي ووهم الكرماني (عن إبراهيم) النخعي (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه قال: (ذكر عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص (عبد الله بن مسعود فقال) أي ابن عمرو: (لا أزال أحبه) لأني (سمعت النبي ﷺ يقول خذوا القرآن) أي تعلموه (من أربعة من عبد الله بن مسعود) سقط لفظ ابن مسعود للأصيلي وأبي الوقت (وسالم) أي ابن معقل بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف مولى أبي حذيفة (ومعاذ) وللأصيلي زيادة ابن جبل (وأبي بن كعب) وفيه محبة من يكون ماهرًا في القرآن والأربعة المذكورون اثنان منهم من المهاجرين وهما المبدوء بهما والآخران من الأنصار. وقد مرّ الحديث في الناقب. ٥٠٠٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ. قَالَ شَقِيقٌ فَجَلَسْتُ فِي الْحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا يَقُولُ: غَيْرَ ذَلِكَ. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا شقيق بن سلمة) أبو وائل (قال خطبنا عبد الله بن مسعود) ثبت ابن مسعود ولأبي ذر ﵁ (فقال:

стр. 3274

والله لقد أخذت من في) أي من فم (رسول الله ﷺ بضعًا) بكسر الموحدة وسكون المعجمة ما بين الثلث إلى التسع (وسبعين سورة) بالموحدة بعد السين وزاد عاصم عن زر عن عبد الله وأخذت بقية القرآن عن أصحابه ولم أقف على تعيين السور المذكورة، وإنما قال ابن مسعود ذلك لما أمر بالمصاحف أن تُغَيَّر وتُكتَب على المصحف العثماني وساءه ذلك وقال: أفأترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ رواه أحمد وابن أبي داود من طريق الثوري وإسرائيل وغيرهما عن أبي إسحاق عن خمير بمعجمة مصغرًا ابن مالك (والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله) ووقع عند النساني من طريق عبدة وابن أبي داود من طريق أبي شهاب كلاهما عن الأعمش عن أبي وائل أني أعلمهم بإسقاط من (وما أنا بخيرهم) إذ لا يلزم من زيادة الفضل في صفة من صفاته الأفضلية المطلقة والأعلمية بكتاب الله لا تستلزم الأعلمية المطلقة ولا ريب أن العشرة المبشرة أفضل اتفاقًا. (وقال شقيق) أبو وائل بالسند المذكور (فجلست في الحلق) بكسر الحاء المهملة وفتح اللام في الفرع وضبطه في الفتح بفتحهما (أسمع ما يقولون) في قول ابن مسعود هذا (فما سمعت رادًّا) بتشديد الدال أي عالمًا (يقول غير ذلك) مما يخالف قول ابن مسعود، وأما قول الزهري فيما أخرجه ابن أبي داود فبلغني أن ذلك كرهه من قول ابن مسعود رجال من أصحاب رسول الله ﷺ فإنه محمول على أن الذين كرهوا ذلك من غير الصحابة الذين شاهدهم شقيق بالكوفة. ٥٠٠١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَحْسَنْتَ". وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ، فَقَالَ: "أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَتَشْرَبَ الْخَمْرَ". فَضَرَبَهُ الْحَدَّ. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (محمد بن كثير) أبو عبد الله العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان الكوفي (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي أنه (قال: كنا بحمص) بلدة من بلاد الشام مشهورة (فقرأ ابن مسعود) عبد الله (سورة يوسف فقال رجل) لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمه نعم قال: قيل إنه نهيك بن سنان (ما هكذا أنزلت قال) أي ابن مسعود ولأبي ذر فقال: (قرأت) كذا (على رسول الله ﷺ فقال: أحسنت ووجد) ابن مسعود (منه) من الرجل (ريح الخمر فقال) له: (أتجمع أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر، فضربه الحدّ) أي رفعه إلى الولاية فضربه وأسند الضرب إليه مجازًا لكونه كان سببًا فيه والمنقول عنه أنه كان يرى وجوب الحد بمجرد وجود الرائحة أو أن الرجل اعترف بشربها بلا عذر، لكن وقع عند الإسماعيلي أثر هذا الحديث النقل عن علي أنه أنكر على ابن مسعود جلده الرجل بالرائحة وحدها إذ لم يقرّ أو لم يشهد له. ومبحث ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الحدود بعون الله وفضله وإنما أنكر الرجل كيفية الإنزال جهلًا منه لا أصل النزول وإلاّ لكفر إذ الإجماع قائم على أن من جحد حرفًا مجمعًا عليه فهو كافر. ٥٠٠٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان قال: (حدّثنا مسلم) أبو الضحى بن صبيح لا غيره (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: قال عبد الله) بن مسعود (¬﵁: والله الذي لا إله غيره) وسقطت الجلالة لأبي ذر (ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت) بمكة أو بالمدينة أو غيرهما (ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمَ أنزلت) بغير ألف بعد الميم ولأبي ذر عن الكشميهني فيما بإثبات الألف وله عن الحموي والمستملي فيمن بالنون بدل الألف (ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه) بسكون الموحدة وضم اللام والذي في اليونينية فتح الموحدة وتشديد اللام مكسورة ولأبي ذر عن الكشميهني والحموي تبلغنيه بفتح الموحدة وكسر اللام مشدّدة وزيادة نون بعد الغين فتحتية ساكنة (الإبل لركبت إليه) للأخذ عنه ولأبي عبيد من طريق ابن سيرين نُبِّئت أن ابن مسعود قال: لو علمت أحدًا تبلغنيه الإبل أحدث عهدًا بالعرضة

стр. 3275

الأخيرة مني لأتيته ولعله احترز عن سكان السماء كما قاله في الكواكب واستنبط جواز ذكر الإنسان ما فيه من الفضيلة بقدر الحاجة. ٥٠٠٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. تَابَعَهُ الْفَضْلُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ. وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن غياث قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة البصري الحافظ قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة السدوسي (قال: سألت أنس بن مالك ﵁ من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ قال): جمعه (أربعة كلهم من الأنصار أُبيّ بن كعب) من بني النجار (ومعاذ بن جبل) من بني الخزرج (وزيد بن ثابت) من بني النجار (وأبو زيد) سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس من الأوس، وقيل اسمه معبد أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهده ﷺ ومات ولا عقب له، واستبعد ابن الأثير أن يكون هذا ممن جمع القرآن. قال: لأن الحديث يرويه أنس بن مالك وذكرهم وقال أحد عمومتي أبو زيد وأنس من بني عدي بن النجار وهو خزرجي فكيف يكون هذا وهو أوسي اهـ. وليس في هذا الحديث ما ينفي جمعه عن غير المذكورين (تابعه) أي تابع حفص بن عمر في رواية هذا الحديث (الفضل) بن موسى الشيباني (عن حسين بن واقد) بالقاف (عن ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميم ابن عبد الله قاضي البصرة (عن) جده (أنس) أي ابن مالك وهذه المتابعة وصلها إسحاق بن راهويه في مسنده. ٥٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَثُمَامَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ. وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة العمي أبو الهيثم أخو بهز بن أسد البصري قال: (حدّثنا عبد الله بن المثنى) بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري أبو المثنى البصري صدوق إلا أنه كثير الغلط قال: (حدّثني) بالإفراد (ثابت البناني) بضم الموحدة وتخفيف النون واسم أبيه أسلم أبو محمد البصري (وثمامة) بضم المثلثة ابن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري) كلاهما (عن أنس) وللأصيلي عن أنس بن مالك ﵁ أنه (قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن) على جميع وجوهه وقراءاته أو لم يجمعه كله تلقيًا من فِيَّ النبي ﷺ بلا واسطة أو لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته وما لم ينسخ أو مع أحكامه والتفقه فيه أو كتابته وحفظه (غير أربعة أبو الدرداء) عويمر بن مالك وقيل ابن عامر وقيل ابن ثعلبة الخزرجي (ومعاذ بن جبل) السلمي بالفتح (وزيد بن ثابت) النجاري (وأبو زيد) سعد بن عبيد الأوسي والحصر لعله باعتبار ما ذكر قال المازري لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك لأن التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه وإلاّ فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرّقهم في البلاد وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهده ﷺ وهذا في غاية البعد في العادة اهـ. وقد وقع في رواية الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في أوّل الحديث افتخر الحيان الأوس والخزرج فقال الأوس: منا أربعة مَن اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومَن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومَن حمته الدبر عاصم بن ثابت. فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكرهم، فلعل مراد أنس بقوله لم يجمع القرآن غيرهم أي من الأوس بقرينة المفاخرة المذكورة لا النفي عن المهاجرين. وقال ابن كثير: أنا لا أشك أن الصدّيق ﵁ قرأ القرآن وقد نص عليه الأشعري مستدلاًّ بأنه صحّ أنه ﷺ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأكثرهم قرآنًا" وتواتر عنه ﷺ أنه قدّمه للإمامة ولم يكن ﷺ يأمر بأمر ثم يخالفه بلا سبب فلولا أن أبا بكر كان متّصفًا بما يقدمه في الإمامة على سائر الصحابة وهو القراءة لما قدّمه فلا يسوغ نفي حفظ القرآن عنه بغير دليل، وقد صح في البخاري أنه بنى مسجدًا بفناء داره فكان يقرأ القرآن أي ما نزل

стр. 3276

منه إذ ذاك وجمع عليّ القرآن على ترتيب النزول. وقال ابن عمر فيما رواه النسائي بإسناد صحيح جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة الحديث. وعدّ أبو عبيد القراء من الصحابة من المهاجرين الخلفاء الأربعة وطلحة وسعدًا وابن مسعود وحذيفة وسالمًا وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة، ومن النساء عائشة وحفصة وأم سلمة، ولكن بعض هؤلاء إنما أكمله بعده ﷺ ، وعند ابن أبي داود في كتاب الشريعة من المهاجرين أيضًا تميم بن أوس الداري وعقبة بن عامر ومن الأنصار عبادة بن الصامت وأبا حليمة معاذًا ومجمع بن حارثة وفضالة بن عبيد ومسلمة بن مخلد، وممن جمعه أيضًا أبو موسى الأشعري فيما ذكره الداني وعمرو بن العاص وسعد بن عبادة، وبالجملة فيتعذر ضبطهم على ما لا يخفى ولا يتمسك بما في هذه الأحاديث لما ذكرناه وكيف يكون ذلك مع ما ورد من قتل القراء ببئر معونة ويوم اليمامة لا سيما مع ما في هذه الأحاديث من الاضطراب في العدد والنفي والإطلاق وليس فيها شيء من المرفوع إلى النبي ﷺ ، وقد تعقب الإسماعيلي الحديثين الأخيرين باختلافهما بالحصر وعدمه مع ذكر أبي الدرداء بدل أُبيّ بن كعب فقال: لا يجوزان في الصحيح مع تباينهما بل الصحيح أحدهما وجزم البيهقي بأن ذكر أبي الدرداء وهم والصواب أُبيّ بن كعب وقال الداودي: لا أرى ذكر أبي الدرداء محفوظًا. (قال) أنس (ونحن ورثناه) بكسر الراء مخففة أي أبا زيد لأنه مات ولم يترك عقبًا وهو أحد عمومة أنس كما في المناقب وهو يردّ على من سمى أبا زيد المذكور سعد بن عبيد بن النعمان أحد بني عمرو بن عوف لأن أنسًا خزرجي وسعد بن عبيد أوسي، وعند ابن أبي داود بإسناد على شرط البخاري إلى ثمامة عن أنس أن أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن قال: وكان رجلًا منّا من بني عدي بن النجار أحد عمومتي ومات ولم يدع عقبًا ونحن ورثناه، وقال ابن أبي داود حدّثنا أنس بن خالد الأنصاري قال هو قيس بن السكن بن زعوراء من بني عدي بن النجار. قال ابن أبي داود: مات قريبًا من وفاة رسول الله ﷺ فذهب علمه ولم يؤخذ عنه وكان عقبيًّا بدريًّا قال الحافظ ابن حجر فهذا يرفع الإشكال من أصله. ٥٠٠٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ أُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَيٍّ وَأُبَيٌّ يَقُولُ أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا أَتْرُكُهُ لِشَيْءٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي الحافظ قال: (أخبرنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري (عن حبيب بن أبي ثابت) الأسدي (عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم أحد الأعلام (عن ابن عباس) أنه (قال: قال عمر) ﵃ (أُبيّ) أي ابن كعب (أقرؤنا) لكتاب الله (وإنّا لندع) لنترك (من لحن أبي) بفتح اللام والحاء المهملة في اليونينية مصححًا عليه وبسكونها في الفرع أي من قراءته مما نسخت تلاوته (وأُبيّ) أي والحال أن أُبيًّا (يقول أخدته) أي الذي يتركه عمر من لحنه (من في) أي فم (رسول الله ﷺ فلا أتركه لشيء) يقوله لي غير النبي ﷺ لا لنسخ ولا لغيره واستدلّ عليه عمر بقوله (قال الله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسأها﴾) ولأبي ذر أو ننسها بضم النون وكسر السين من غير همز على قراءة نافع وابن عامر والكوفيين (﴿نأتِ بخير منها أو مثلها﴾) [البقرة: ١٠٦] والنسخ يكون على أقسام ما نسخ قراءته وبقي حكمه كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما والحكم فقط نحو ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤] والحكم والتلاوة نحو عشر رضعات يحرمن والمراد هنا الأول والأخير على ما لا يخفى. والحديث مذكور في تفسير البقرة. ٩ - باب فَاتِحَةِ الْكِتَابِ (باب فاتحة الكتاب) ولأبوي ذر والوقت باب فضل فاتحة الكتاب قال علي لو أردت أن أملي وقر بعير على الفاتحة لفعلت. ٥٠٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. قَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ». فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ قُلْتَ ألا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ». وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان قال: (حدّثنا) ولأبي زر أخبرنا (شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثني) بالإفراد (خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأنصاري المدني (عن حفص بن عاصم) أي ابن عمر بن الخطاب (عن أبي سعيد بن المعلى) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة واسمه الحارث أو رافع ونقل عن الحافظ الدمياطي أنه

стр. 3277

قال: الصحيح هو الحارث بن أوس بن المعلى وما عداه باطل وحينئذٍ فيكون ممن نسب إلى جده وهو كثير من فعل النسابة فلا يقال إنه خطأ أنه (قال: كنت أصلى فدعاني النبي ﷺ فلم أجبه) لأنه ﵊ منعهم من الكلام في الصلاة ومن قطعها وزاد في سورة الأنفال حتى صلّيت ثم أتيته (قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي قال) ﵊ وللأصيلي فقال: (ألم يقل الله) تعالى: (﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾)، وحد الضمير لأن استجابة الرسول كاستجابته تعالى والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال واستدلّ به على وجوب إجابته وهل تقطع الصلاة أم لا فيه بحث مر في أول التفسير (ثم قال) ﵊: (ألا) بالتخفيف (أعلمك أعظم سورة في القرآن) أجْرًا ومضاعفة في الثواب بحسب انفعالات النفس وخشيتها وتدبرها (قبل أن تخرج من المسجد، فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج) من المسجد (قلت: يا رسول الله إنك قلت ألا أعلمك أعظم سورة من القرآن) ولأبي ذر والأصيلي في القرآن (قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾) خبر مبتدأ محذوف أي هي السورة التي أوّلها الحمد لله رب العالمين (هي السبع المثاني) لأنها سبع آيات وتثنى في كل ركعة أو من الثناء لاشتمالها عليه (والقرآن العظيم الذي أُوتيته) واسم القرآن يقع على البعض كما يقع على الكل ويدل له قوله تعالى: ﴿بما أوحينا إليك هذا القرآن﴾ [يوسف: ٣] يعني سورة يوسف. وقد مر الحديث في أوّل التفسير وفي سورة الأنفال. ٥٠٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا، فَنَزَلْنَا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غُيَّبٌ، فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَأْبُنُهُ بِرُقْيَةٍ، فَرَقَاهُ فَبَرَأَ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ شَاةً وَسَقَانَا لَبَنًا فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كُنْتَ تَرْقِي قَالَ: مَا رَقَيْتُ إِلاَّ بِأُمِّ الْكِتَابِ قُلْنَا. لَا تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ أَوْ نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ». وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِهَذَا. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن المثنى) العنزي البصري قال: (حدّثنا وهب) هو ابن جرير بن حازم الأزدي الحافظ قال: (حدّثنا هشام) هو ابن حسان (عن محمد) هو ابن سيرين (عن) أخيه (معبد) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة ابن سيرين (عن أبي سعيد) بكسر العين سعد بن مالك (الخدري) بالدال المهملة ﵁ أنه (قال: كنا في مسير لنا) وعند الدارقطني في سرية ولم يعينها (فنزلنا) أي ليلًا كما في الترمذي على حيٍّ من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم كما عند المؤلف في الإجارة (فجات جارية فقالت: إن سيد الحيّ سليم) أي لديغ بعقرب ولم تسم الجارية ولا سيد الحي (وإن نفرنا غيب) بفتح الغين المعجمة والتحتية جمع غائب كخادم وخدم وللأصيلي وأبي الوقت غيب بضم الغين وتشديد التحتية المفتوحة كراكع وركع (فهل منكم راق) كقاض يرقيه (فقام معها رجل) هو أبو سعيد كما في مسلم، ولا مانع من أن يكنّي الرجل عن نفسه، فلعل أبا سعيد صرّح تارة وكنّى أخرى والحمل على التعدد بعيد جدًّا لا سيما مع اتحاد المخرج والسياق والسبب (ما كنا نأبنه) بنون فهمزة ساكنة فموحدة مضمومة وتكسر فنون أي ما كنا نتهمه (برقية فرقاه فبرأ) وفي الإجارة فكأنما نشط من عقال (فأمر له) سيد الحي ولأبي ذر لنا (بثلاثين شاة) جعلًا على الرقية (وسقانا لبنًا فلما رجع) الذي رقاه (قلنا له) مستفهمين منه (كنت تحسن رقية أو كنت ترقي)؟ بفتح التاء وكسر القاف (قال: لا ما رقيتـ) ـه (إلا بأم الكتاب) بفتح القاف بغير ضمير (قلنا لا تحدثوا) بسكون الحاء المهملة بعد ضم (شيئًا) في الثلاثين شاة (حتى نأتي أو نسأل النبي ﷺ ¬) بالشك من الراوي (فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي ﷺ فقال): (وما كان يدريه أنها) أي الفاتحة (رقية اقسموا) الجعل (واضربوا لي بسهم) أي بنصيب فعله تطييبًا لقلوبهم. فإن قلت: ما موضع الرقية من الفاتحة؟ أجيب: بأن الفاتحة كلها رقية لما اختصت به من كونها مبدأ القرآن وحاوية لجميع علومه لاشتماله على الثناء على الله تعالى والإقرار بعبادته والإخلاص له وسؤال الهداية منه والإشارة إلى الاعتراف بالعجز عن القيام بنعمه وإلى شأن المعاد وبيان عاقبة الجاحدين إلى غير ذلك من السر البديع والبرهان الرفيع قاله الطبري فيما نقله في الفتح. (وقال أبو معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله المقعد (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد مما وصله الإسماعيلي قال: (حدّثنا

стр. 3278

هشام) هو ابن حسان قال: (حدّثنا محمد بن سيرين) قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (معبد بن سيرين عن أبي سعيد الخدري بهذا) الحديث ومراده بسياقه التصريح بتحديث من عنعن عنه في السابق. ١٠ - باب فَضْلُ الْبَقَرَةِ (باب فضل البقرة) ولأبي ذر: باب فضل سورة البقرة. ٥٠٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي البصري قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن إبراهيم) النخعي (عن عبد الرحمن) بن يزيد النخعي (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو البدري (﵁ عن النبي ﷺ قال: من قرأ بالآيتين) قال في المصابيح فإن قلت: ما هذه الباء التي في قوله بالآيتين؟ قلت: ذهب بعضهم إلى أنها زائدة، وقيل ضمن الفعل معنى التبرك فعدي بالباء، وعلى هذا نقول قرأت بالسورة ولا تقول قرأت بكتابك لفوات معنى التبرك قاله السهيلي، ولأبي الوقت: قرأ الآيتين بحذف الباء. ٥٠٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». قال المؤلّف: (حدّثنا) ولأبي ذر وحدّثنا بالواو وفي نسخة ح وحدّثنا (أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عبد الرحمن بن يزيد) النخعي (عن أن مسعود) عقبة البدري (﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة) وهما ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخرها (في ليلة كفتاه) أجزأتا عنه من قيام الليل أو عن قراءة القرآن مطلقًا أو من الشيطان وشره أو دفعتا عنه شرَّ الإنس والجن. وعن ابن مسعود من طريق عاصم عن زر عن علقمة من قرأ خاتمة البقرة أجزأت عنه قيام ليلة وعند الحاكم وصححه عن النعمان بن بشير رفعه: إن الله كتب كتابًا وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا يقرآن في دار فيقربها الشيطان ثلاث ليال، وزاد أبو عبيد من مرسل ابن جبير فاقرؤوهما وعلّموهما أبناءكم فإنهما قرآن وصلاة ودعاء. ٥٠١٠ - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَّ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَكَ وَهْوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ». (وقال عثمان بن الهيثم) بن الجهم أبو عمرو العبدي البصري المؤذن مما وصله الإسماعيلي وأبو نعيم من طرق إلى عثمان بن الهيثم ولم يصرح فيه المؤلّف بالتحديث وزعم ابن العربي أنه منقطع قال: (حدّثنا عوف) بالفاء ابن أبي جميلة بالجيم المفتوحة الأعرابي العبدي البصري (عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁¬) أنه (قال: وكّلني رسول الله) ولأبي الوقت: النبي (¬ ﷺ بحفظ زكاة) الفطر من (رمضان فأتاني آتٍ فجعل يحثو) بسكون الحاء المهملة وضم المثلثة يقال: حثا يحثو وحثى يحثي أي يأخذ بكفّيه (من الطعام) وكان تمرًا (فأخذته) أي الذي حثي (فقلت) له: (لأرفعنّك إلى رسول الله ﷺ فقص الحديث) بنحو ما سبق في الوكالة من قوله قال إني محتاج وعليّ عيال ولي حاجة شديدة قال: فخليت عنه فأصبحت، فقال النبي ﷺ : "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة" قال: قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته فخليت سبيله. قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ أنه سيعود فرصدته، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ قال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟ " قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته فخليت سبيله قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود" فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنّك إلى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود. قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: ما هي (فقال إذا أويت) أي أتيت (إلى فراشك) للنوم وأخذت مضجعك (فاقرأ آية الكرسي لن يزال) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لم يزل (معك من الله حافظ) يحفظك (ولا يقربك شيطان حتى تصبح وقال): بالواو وسقطت لأبي الوقت ولأبي ذر والأصيلي فقال: (النبي ﷺ : صدقك) بتخفيف الدال فيما قاله في آية الكرسي (وهو كذوب) من التتميم البليغ وذلك

стр. 3279

لأنه لما أوهم مدحه بوصفه بصفة الصدق استدرك نفيه عنه بصيغة المبالغة أي صدقك في هذا القول مع أن عادته الكذب المستمر (ذاك شيطان) من الشياطين. ١١ - باب فَضْلُ الْكَهْفِ (باب فضل الكهف) ولأبي الوقت: سورة الكهف وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٥٠١١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ. وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين ابن فروخ الحراني الجزري سكن مصر قال: (حدّثنا زهير) بضم الزاي وفتح الهاء بعدها تحتية ساكنة فراء ابن معاوية قال: (حدّثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) ﵁ وللأصيلي زياد ابن عازب أنه (قال: كان رجل) قيل هو أسيد بن حضير (يقرأ سورة الكهف) لكن سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا أن الذي كان يقرؤه أسيد سورة البقرة (وإلى جانبه حصان) بكسر الحاء وفتح الصاد المهملتين فحل كريم من الخيل (مربوط بشطنين) تثنية شطن بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة آخره نون حبل، ولعله ربط باثنين لشدة صعوبته (فتغشته) أي أحاطت به (سحابة فجعلت تدنو وتدنو) مرتين أي تقرب منه (وجعل فرسه) المربوط بشطنين (ينفر) بفتح أوله وكسر الفاء (فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال) ﷺ : (تلك) التي غشيتك (السكينة) وهي فيما رواه الطبري وغيره عن عليّ روح هفافة لها وجه كوجه الإنسان وقيل غير ذلك (تنزلت) بْتاء ونون وتشديد الزاي وبعد اللام تاء تأنيث ولأبي ذر عن الكشميهني تنزل بتاءين بلا تاء تأنيث بعد اللام (بالقرآن) وللترمذي مع القرآن أو على القرآن. ١٢ - باب فَضْلُ سُورَةِ الْفَتْحِ (باب فضل سورة الفتح) سقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٥٠١٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ عُمَرُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ. قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) إمام الأئمة (عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم مولى عمر بن الخطاب (أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره) عند الطبراني أنه الحديبية (وعمر بن الخطاب يسير معه ليلًا) ظاهره الإرسال، لكن رواه الترمذي من هذا الوجه متصلًا بلفظ عن أبيه سمعت عمر بل فى هذا الحديث نفسه ما يدل للاتصال حيث قال فيه قال عمر: فحركت بعيري إذ مقتضاه أنه سمعه يقول ذلك (فسأله عمر عن شيء فلم يجبه رسول الله ﷺ ثم سأله) ﵊ عمر (فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه) بتكرير السؤال ثالثًا لظنه أنه لم يسمعه (فقال عمر: ثكلتك) بفتح المثلثة وكسر الكاف الأولى فقدتك (أمك) دعاء على نفسه لما وقع منه من الإلحاح (نزرت) بزاي مخففة في الفرع وتثقل بعدها راء (رسول الله ﷺ ¬) ألححت عليه وبالغت في سؤاله (ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك قال عمر: فحركت بعيري حتى كنت أمام الناس وخشيت) بكسر الشين المعجمة (أن ينزل) بفتح أوّله وكسر الزاي (فيّ قرآن) بتشديد الياء (فما نشبت) بفتح النون وكسر الشين المعجمة أي فما لبثت (أن سمعت صارخًا) لم يسم (يصرخ) زاد الأصيلي لي (قال: فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن قال: فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه) أي فردّ عليّ السلام (فقال): (لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس) لما فيها من البشارة بالفتح والمغفرة (ثم قرأ) ﵊: (﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾) [الفتح: ١] أي قضينا لك قضاءً بيّنّا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل ليطوفوا بالبيت من الفتاحة وهي الحكومة أو المراد فتح مكة عدة له بالفتح وجيء به على لفظ الماضي لأنه في تحققه بمنزلة الكائن وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر به ما لا يخفى. ١٣ - باب فَضْلِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فِيهِ عُمْرَةُ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - (باب فضل ﴿قل هو الله أحد﴾) [الإخلاص: ١] سقط لفظ باب لغير أبي ذر (فيه) أي في فضل ﴿قل هو الله أحد﴾ (عمرة) بنت عبد الرحمن (عن عائشة) ﵂ (عن النبي ﷺ ¬). وهذا طرف من حديث أوّله أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ وفي آخره أخبروه أن الله يحبه وسيأتي موصولًا إن شاء الله تعالى بعون الله وقوّته في أول كتاب التوحيد تامًّا. وهذا التعليق

стр. 3280

ثبت لأبوي ذر والوقت. ٥٠١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ». [الحديث ٥٠١٣ - طرفاه في: ٦٦٤٣ - ٧٣٧٤]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام دار الهجرة ابن أنس الأصبحي (عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه) عبد الله (عن أبي سعيد الخدري) رضي الله عنه (أن رجلًا) هو أبو سعيد الخدري كما عند أحمد (سمع رجلًا) قيل: هو قتادة بن النعمان لأنه أخوه لأمه وكانا متجاورين وجزم بذلك ابن عبد البر فكأنه أبهم نفسه وأخاه (يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾) [الإخلاص: ١] لها حال كونه (يرددها فلما أصبح) أبو سعيد (جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك) الذي سمعه من الرجل (له) ﵊ (وكأن الرجل) الذي جاء وذكر (يتقالّها) بتشديد اللام أي يعتدّ أنها قليلة في العمل لا في التنقيص. وعند الدارقطني من طريق إسحاق بن الطباع عن مالك في هذا الحديث إن لي جارًا يقوم بالليل فما يقرأ إلا بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ (فقال رسول الله ﷺ ¬): (والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن) باعتبار معانيه لأنه أحكام وأخبار وتوحيد، وقد اشتملت هي على الثالث فكانت ثلثًا بهذا الاعتبار واعترض بأنه يلزم منه أن تكون آية الكرسي وآخر الحشر كلٌّ منهما ثلث القرآن ولم يرد ذلك لكن قال أبو العباس القرطبي: إنها اشتملت على اسمين من أسماء الله تعالى متضمنين جميع أوصاف الكمال لم يوجدا في غيرها من السور وهما الأحد الصمد لأنهما يدلان على أحديّة الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال وبيان ذلك أن الأحد يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال لأنه الذي انتهى سؤدده فكان يرجع الطلب منه وإليه ولا يتم ذلك على وجه التحقيق إلا لمن حاز جميع فضائل الكمال، وذلك لا يصلح إلاّ لله تعالى، فلما اشتملت هذه السورة على معرفة الذات المقدسة كانت بالنسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذات وصفات الفعل ثلثًا. اهـ. وقال قوم: أي تعدل ثلث القرآن في الثواب، وضعفه ابن عقيل فقال: لا يجوز أن يكون المعنى فله أجْر ثلث القرآن، واحتج بحديث من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، واستدل ابن عبد البر لذلك يقول إسحاق بن راهويه ليس المراد أن من قرأها ثلاث مرات كمن قرأ القرآن كله هذا لا يستقيم ولو قرأها مائتي مرة ثم قال ابن عبد البر على أني أقول السكوت في هذه المسألة أفضل من الكلام فيها وأسلم. اهـ. وظاهر الأحاديث ناطق بتحصيل الثواب مثل من قرأ ثلث القرآن كحديث مسلم والترمذي احشدوا فسأقرأ عليكم ثلث القرآن فخرج يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ ثم قال: ألا إنها تعدل ثلث القرآن، وإذا حملناه على ظاهره فهل ذلك الثلث معين أو أي ثلث كان منه فيه نظر وعلى الثاني فمن قرأها ثلاثًا كان من قرأ ختمة كاملة. ٥٠١٤ - وَزَادَ أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَخِي قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ. (وزاد أبو معمر) بسكون العين بين فتحتين عبد الله بن عمرو المنقري قاله الدمياطي. وقال المزي كابن عساكر أنه إسماعيل بن إبراهيم الهذلي وصوّبه في الفتح بأن الحديث إنما يعرف بالهذلي بل لا نعرف للمنقري عن إسماعيل بن جعفر شيئًا وقد وصله النسائي عن إسماعيل الهذلي به. قال (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي (عن مالك بن أنس) الإمام وسقط ابن أنس للأصيلي (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري) أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أخي) لأمي (قتادة بن النعمان أن رجلًا قام في زمن النبي ﷺ يقرأ من السحر: ﴿قل هو الله أحد﴾ لا يزيد عليها فلما أصبحنا أتى رجل) ولأبي ذر أتى الرجل (النبي ﷺ نحوه) أي نحو الحديث السابق ولفظه عند الإسماعيلي فقال: يا رسول الله إن فلانًا قام الليلة يقرأ من السحر ﴿قل هو الله أحد﴾ فساق السورة يرددها لا يزيد عليها وكأن الرجل يتقالها فقال النبي ﷺ : "إنها لتعدل ثلث القرآن". ٥٠١٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَالضَّحَّاكُ الْمَشْرِقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ». فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: «اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ». قَالَ الفربري: سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم وراق أبي عبد الله قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ الْمَشْرِقِىِّ مُسْنَدٌ. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال. (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا

стр. 3281

إبراهيم) النخعي (والضحاك) بالضاد المعجمة والحاء المهملة المشددة ابن شراحيل وقيل شرحبيل (المشرقي) بفتح الميم وكسر الراء في الفرع كالدارقطني وابن ماكولا وكذا هو عند أبي ذر وقيده العسكري بكسر الميم وفتح الراء نسبة إلى مشرق بن زيد بن جشم بن حاشد بطن من همدان وقال من فتح الميم صحف قال في الفتح وكأنه يشير إلى قول ابن أبي حاتم مشرق موضع وهو بالقاف اتفافًا وبالفاء تصحيف كلاهما أعني إبراهيم والضحاك (عن أبي سعيد الخدري ﵁) وسقط الخدري للأصيلي أنه (قال: قال النبي ﷺ لأصحابه): (أيعجز أحدكم) بكسر الجيم من باب ضرب يضرب والهمزة للاستفهام الاستخباري في القاموس والعجوز بالضم الضعف والفعل كضرب وسمع فهو عاجز من عواجز (أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة) ولأبوي ذر والوقت بثلث بزيادة الموحدة ولأبي ذر وحده في ليلته (فشق ذلك عليهم، وقالوا: أيّنا يطيق ذلك يا رسول الله فقال) ﵊: (الله الواحد الصمد ثلث القرآن) وعند الإسماعيلي من رواية أبي خالد الأحمر عن الأعمشي فقال: يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ فهي ثلث القرآن. قال في الفتح: فكأن رواية الباب بالمعنى، ويحتمل أن يكون بعض رواته كان يقرؤها كذلك كما جاء أن عمر كان يقرأ الله أحد الله الصمد بغير قل في أولها أو سمى السورة بهذا الاسم لاشتمالها على الصفتين المذكورتين، وقد قيل في معنى الثلث غير ما ذكر أن المراد من عمل بما تضمنته من الإخلاص والتوحيد كان كمن قرأ ثلث القرآن. وقال الطيبي: ﴿قل هو الله أحد﴾ في معنى لا إله إلا الله لوجهين أحدهما: أنه تعالى وحده هو الصمد المرجوع إليه في حوائج المخلوقات ولا صمد سواه ولو صوّر سواه صمد لفسد نظام العوالم ومن ثم كرر الله وأوقع الصمد المعرف خبرًا له وقطعه جملة مستأنفة على بيان الموجب، ثانيهما أن الله هو الأحد في الإلهية إذ لو تصوّر غيره لكان إما أن يكون فوقه فيها وهو محال وإليه الإشارة بقوله: ﴿لم يولد﴾ أو دونه فلا يستقيم أيضًا لهاليه لمح بقوله: ﴿لم يلد﴾ أو مساويًا له وهو محال أيضًا وإليه رمز بقوله: ﴿ولم يكن له كفوًّا أحد﴾، ويجوز أن يكون الجمل المنفية تعليلًا للجملة الثانية المثبتة كأنه لما قيل هو الصمد المعبود الخالق الرازق المثيب المعاقب ولا صمد سواه. قيل: لِمَ كان كذلك؟ أجيب: لأنه ليس فوقه أحد يمنعه من ذلك ولا مُساوٍ يعاونه ولا دونه يستقل به، وقد أخرج الترمذي عن ابن عباس وأنس بن مالك قالا: قال رسول الله ﷺ : " ﴿إذا زلزلت﴾ تعدل نصف القرآن، و"قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن، و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ تعدل ربع القرآن". وأخرج الترمذي أيضًا وابن أبي شيبة وأبو الشيخ من طريق سلمة بن وردان عن أنس: الكافرون والنصر تعدل كلٍّ منهما ربع القرآن وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن زاد ابن أبي شيبة وأبو الشيخ، وآية الكرسي تعدل ربع القرآن. قال في الفتح: وهو حديث ضعيف لضعف سلمة وإن حسنه الترمذي فلعله تساهل فيه لكونه في فضائل الأعمال وكذا صححه الحاكم من حديث ابن عباس وفي سنده يمان بن المغيرة وهو ضعيف عندهم. اهـ. وأبدى القاضي البيضاوي الحكمة فقال: يحتمل أن يقال المقصود الأعظم بالذات من القرآن بيان المبدأ والمعاد وإذا زلزلت مقصورة على ذكر المعاد مستقلة ببيان أحواله فتعادل نصفه، وأما ما جاء أنها ربعه فلأنه يشتمل على تقرير التوحيد والنبوّات وبيان أحكام المعاش وأحوال المعاد وهذه السورة مشتملة على القسم الأخير، وأما الكافرون فمحتوية على القسم الأول منها لأن البراءة عن الشرك إثبات للتوحيد فيكون كل واحد منهما كأنه ربع. فإن قلت: هلا حملوا المعادلة على التسوية في الثواب على المقدار المنصوص عليه؟ أجيب: بأنه منعهم من ذلك لزوم فضل إذا زلزلت على سورة الإخلاص والقول الجامع فيه ما ذكره الشيخ التوربشتي ﵀ من قوله نحن، وإن سلكنا هذا المسلك بمبلغ علمنا نعتقد ونعترف أن بيان ذلك على الحقيقة إنما

стр. 3282

يتلقى من قبل الرسول صلوات الله وسلامه عليه فإنه هو الذي ينتهى إليه في معرفة حقائق الأشياء والكشف عن خفيات العلوم، فأما القول الذي نحن بصدده ونحوم حوله على مقدار فهمنا فهو وإن سلم من الخلل والزلل لا يتعدى عن ضرب من الاحتمال نقله الطيبي في شرح المشكاة. (قال الفربري) أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح: (سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم) بالحاء المهملة والفوقية (وراق أبي عبد الله) محمد بن إسماعيل البخاري أي كاتبه الذي كان يكتب له (قال أبو عبد الله) البخاري (عن إبراهيم) النخعي عن أبي سعيد: (مرسل) أي منقطع (وعن الضحاك المشرقي) بفتح ميم المشرقي وكسر الراء لأبي ذر قال اليونيني وقد اختلف فيه الحفاظ: (مسند) ظاهره أن المؤلّف كان يطلق على المنقطع لفظ المرسل وعلى المتصل لفظ المسند والمشهور في الاستعمال أن المرسل ما يضيفه التابعي إلى النبي ﷺ والمسند ما يضيفه الصحابي إلى النبي ﷺ بشرط أن يكون ظاهر الإسناد إليه الاتصال وثبت قال الفربري إلى آخر قوله أبي عبد الله لأبي ذر وسقط لغيره قال أبو عبد الله الخ … ١٤ - باب فَضْلِ الْمُعَوِّذَاتِ (باب فضل المعوّذات) بكسر الواو وثبت لفظ باب لأبي ذر. ٥٠١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام الأعظم (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى) أي مرض (يقرأ على نفسه بالمعوّذات) الثلاث الإخلاص والفلق والناس. وفي حديث ابني حبان وخزيمة وأحمد تعيينهن وأطلق على الأولى لما اشتملت عليه من صفة الرب تعالى وخصّ المستعاذ منه في الثانية بما خلق فابتدأ بالعام في قوله: ﴿من شر ما خلق﴾ [الفلق: ٢] ثم ثنى بالعطف في قوله: ﴿ومن شر غاسق﴾ [الفلق: ٣] لأن انبثاث الشر فيه أكثر والتحرز منه أصعب ووصف المستعاذ به في الثالثة بالرب ثم بالملك ثم بالإله وأضافها إلى الناس وكرره وخص المستعاذ منه بالوسواس المعنيّ به الموسوس من الجنة والناس، فكأنه قيل كما قال الزمخشري أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهو إلههم ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم (وينفث) بضم الفاء بعدها مثلثة أي يخرج الريح من فمه في يده مع شيء من ريقه ويمسح جسده الشريف المقدس (فلما اشتد وجعه) في مرضه الذي توفي فيه (كنت أقرأ عليه) المعوّذات (وأمسح بيده) على جسده (رجاء بركتها) وكذا كان ﵊ يقرأ بهن على نفسه. ٥٠١٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عروة عن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [الحديث ٥٠١٧ - طرفاه في: ٥٧٤٨، ٦٣١٩]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط لأبي ذر ابن سعيد قال: (حدّثنا المفضل) بضم الميم وفتح الفاء والضاد المعجمة المشددة (ابن فضالة) بن عبيد بن ثمامة أبو معاوية الرعيني القتباني بكسر القاف وسكون الفوقية وبعدها موحدة المصري قاضي مصر فاضل عابد مجاب الدعوة ثقة أخطأ ابن سعد في تضعيفه وثبت ابن فضالة للأصيلي وأبي ذر وهو بفتح الفاء (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) ﵂ (أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه) للنوم وأخذ مضجعه (كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما). قال المظهري: الفاء للتعقيب وظاهره يدل على أنه ﷺ نفث في كفيه أوّلًا، ثم قرأ وهذا لم يقل به أحد وليس فيه فائدة، ولعل هذا سهو من الكاتب أو من راوٍ لأن النفث ينبغي أن يكون بعد التلاوة ليوصل بركة القرآن واسم الله تعالى إلى بشرة القارئ أو المقروء له. اهـ. وتعقبه الطيبي فقال من ذهب إلى تخطئة الرواة الثقات العدول ومن اتفقت الأمة على صحة روايته وضبطه وإتقانه بما سنح له من الرأي الذي هو أوهن من بيت العنكبوت فقد خطأ نفسه وخاض فيما لا يعنيه هلاّ قاس هذه الفاء على ما في قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ﴾ [النحل: ٩٨] وقوله: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤] على أن التوبة عين القتل

стр. 3283

ونظيره في كلام الله تعالى العزيز غير عزيز والمعنى جمع كفيه ثم عزم على النفث فيهما فقرأ فيهما، أو لعل السر في تقديم النفث على القراءة مخالفة السحرة البطلة على أن أسرار الكلام النبوي جلت عن أن تكون مشرع كل وارد وبعض من لا يد له في علم المعاني لما أراد التقصي عن الشبهة تشبث بأنه جاء في صحيح البخاري بالواو وهي تقتضي الجمعية لا الترتيب وهو زور وبهتان حيث لم أجد فيه وفي كتاب الحميدي وجامع الأصول إلا بالفاء اهـ وقد ثبت في رواية أبي ذر عن الكشميهني يقرأ بلا فاء ولا واو فيهما (﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما) أي يبدأ بالمسح بيديه (على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات). قال في شرح المشكاة: قوله يبدأ بيان لجملة قوله يمسح بهما ما استطاع لكن قوله: ما استطاع من جسده وقوله يبدأ يقتضيان أن يقدر يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، ثم ينتهي إلى ما أدبر من جسده، ورواية عقيل عن ابن شهاب هذه وإن اتحد سندها بالسابقة، لكن فيها أنه كان يقرأ بالمعوّذات عند النوم فهي مغايرة لحديث مالك السابق فالذي يترجح أنهما حديثان عن ابن شهاب بسند واحد قاله في الفتح. ١٥ - باب نُزُولِ السَّكِينَةِ وَالْمَلَائِكَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن) وسقط لأبي ذر لفظ قراءة وله في رواية عند القراءة. ٥٠١٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ عِنْدَهُ إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ وَسَكَتَتِ الْفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ». قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا، قَالَ: «وَتَدْرِي مَا ذَاكَ»؟ قَالَ: لَا قَالَ: «تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ». قَالَ ابْنُ الْهَادِ، وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ. (وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله أبو عبيد في فضائل القرآن عن يحيى بن بكير عن الليث بالإسنادين الآتيين قال: (حدّثني) بالإفراد (يزيد بن الهاد) بلا ياء هو ابن أسامة بن عبد الله بن شدّاد بن الهاد (عن محمد بن إبراهيم) التيمي التابعي الصغير (عن أسيد بن حضير) بضم الهمزة وحضير بالحاء المهملة والضاد المعجمة وتصغيرهما ويزيد بن الهاد لم يدرك أسيدًا فروايته عنه منقطعة لكن الاعتماد في وصل الحديث على السند الآخر (قال بينما) بالميم (هو) أي أسيد (يقرأ من الليل سورة البقرة) في السابقة سورة الكهف فيحتمل التعدد (وفرسه مربوط) بالتذكير ولأبي ذر والأصيلي مربوطة (عنده) بالتأنيث والقياس الأول لأنه مذكر (إذ جالت الفرس) بالجيم أي اضطربت شديدًا (فسكت) عن القراءة (فسكنت) أي الفرس عن الاضطراب (فقرأ فجالت الفرس) سقط لفظ الفرس لأبي ذر (فسكت وسكنت الفرس ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف) أسيد (وكان ابنه يحيى) في ذلك الوقت (قريبًا منها) من الفرس (فأشفق) خاف أسيد (أن تصيبه) أي ابنه يحيى (فلما اجترّه) بالجيم وتشديد الراء أي اجتر أسيد ابنه يحيى من المكان الذي هو فيه حتى لا يصيبه الفرس (رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها فلما أصبح) أسيد (حدّث النبي ﷺ ¬) بذلك (فقال له) ﵊: (اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير) مرتين وليس أمرًا بالقراءة حالة التحديث، بل المعنى كان ينبغي لك أن تستمر على قراءتك وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة وتستكثر من القراءة، التي هي سبب بقائها قاله النووي. قال الطيبي: يريد أن اقرأ لفظه أمر وطلب للقراءة في الحال ومعناه تحضيض وطلب للاستزادة في الزمان الماضي أي هلاّ زدت، وكأنه ﷺ استحضر تلك الحالة العجيبة الشأن فأمره تحريضًا عليه، والدليل على أن المراد من الأمر الاستزادة وطلب دوام القراءة والنهي عن قطعها قوله (قال: فأشفقت) أي خفت (يا رسول الله) إن دمت على القراءة (أن تطأ) الفرس ابني (يحيى وكان منها) أي من الفرس (قريبًا فرفعت رأسي فانصرفت) وللأصيلي وانصرفت (إليه فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة) بضم الظلة المعجمة وتشديد اللام قال ابن بطال هي السحابة كانت فيها الملائكة ومعها السكينة فإنها تنزل أبدًا مع الملائكة (فيها) في الظلة (أمثال المصابيح) وفي رواية إبراهيم بن سعد أمثال السرج (فخرجت) بالخاء والجيم كذا لجميعهم قال عياض: وصوابه فعرجت بالعين (حتى لا أراها) وعند أبي عبيد عرجت إلى السماء

стр. 3284

حتى ما يراها (قال) ﵊: (وتدري ما ذاك؟ قال: لا. قال: تلك الملائكة دنت) أي قربت (لصوتك) وكان أسيد حسن الصوت وفي رواية يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهاد عند الإسماعيلي اقرأ أسيد فقد أُوتيت من مزامير آل داود ففيه إشارة إلى الباعث على استماع الملائكة لقراءته (ولو قرأت) أي ولو دمت على قراءتك (لأصبحت) أي الملائكة (ينظر الناس إليها لا تتوارى) لا تستتر (منهم) وعند أبي عبيد من رواية ابن أبي ليلى عن أسيد لرأيت الأعاجيب. (قال ابن الهاد) فيما وصله أبو نعيم عن أبي بكر بن خلاد عن أحمد بن إبراهيم بن ملحان عن يحيى بن بكير عن الليث عن ابن الهاد (وحدّثني) بالإفراد (هذا الحديث) السابق (عبد الله بن خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى مولى بني عدي بن النجار (عن أبي سعيد الخدري عن أسيد بن حضير) بالحاء المهملة والضاد المعجمة وهذا موصول فالاعتماد عليه. قال في الفتح: وجاء عن الليث فيه إسناد ثالث أخرجه النسائي من طريق شعيب بن الليث وداود بن منصور كلاهما عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن الهاد بإسناده هذا السابق فقط. ١٦ - باب مَنْ قَالَ: لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ إِلاَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ (باب من قال لم يترك النبي ﷺ إلاَّ ما) جمعه الصحابة من القرآن (بين الدفتين) بفتح الدال والفاء المشدّدة أي اللوحتين ولم يفتهم منه شيء بذهاب حملته ولم يكتموا منه شيئًا خلافًا لما ادّعته الروافض لتصحيح دعواهم الباطلة أن التنصيص على إمامة علي بن أبي طالب واستحقاقه للخلافة كان ثابتًا عند موت النبي ﷺ في القرآن فكتموه. ٥٠١٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلاَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلاَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عبد العزيز بن رفيع) بضم الراء وفتح الفاء الأسدي المكي أنه (قال: دخلت أنا وشداد بن معقل) بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال الأولى المهملة ومعقل بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف الأسدي الكوفي التابعي الكبير (علي بن عباس ﵁) وعن أبيه (فقال له شداد بن معقل) مستفهمًا منه (أترك النبي ﷺ ¬) بعد موته (من شيء) زاد الإسماعيلي سوى القرآن (قال) ابن عباس مجيبًا له (ما ترك إلا ما بين الدفتين) وللإسماعيلي اللوحين بدل الدفتين أي لم يدع من القرآن مما يتلى (قال) ابن رفيع (ودخلنا على محمد ابن الحنفية فسألناه) عن ذلك أيضًا (فقال ما ترك) ﵊ (إلا ما بين الدفتين) ولا يرد على هذا حديث على السابق في العلم ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة لأنه أراد الأحكام التي كتبها عنه ﷺ ولم ينفِ أن عنده أشياء أُخَر من الأحكام لم يكن كتمها. ونفي ابن عباس وابن الحنفية وارد على ما يتعلق بالنص في القرآن من إمامة علي. واستدلّ المؤلّف ﵀ على بطلان مذهب الرافضة بمحمد ابن الحنفية أحد أئمتهم في دعواهم وهو ابن علي وبابن عباس ابن عمه وأشدّ الناس له لزومًا فلو كان شيء مما ادّعوه لكانا أحق الناس بالاطّلاع عليه ولما وسعهما كتمانه فللَّهِ درُّ المؤلّف ما أدق نظره وألطف إشارته ﵀ وإيانا. ١٧ - باب فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ (باب فضل القرآن على سائر الكلام) هذه الترجمة كما نبّه عليه في الفتح لفظ حديث أخرج الترمذي معناه بسند رجاله ثقات إلا عطية الكوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الرب من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" أي من شغله القرآن عن الذكر والمسألة اللذين ليسا في القرآن كالدعوات والدليل عليه التذييل بقوله وفضل كلام الله الخ وقال المظهري ينبغي أن لا يظن القارئ أنه إذا لم يطلب من الله حوائجه لا يعطيه أكمل الإعطاء فإنه من كان لله كان الله له. وعن العارف أبي عبد الله بن خبيق قدّس الله سره شغل القرآن القيام بموجباته من إقامة فرائضه والاجتناب عن محارمه فإن الرجل إذا أطاع الله فقد ذكره وإن قلّ صلاته وصومه وإن عصاه

стр. 3285

نسيه وإن كثر صلاته وصومه وعند ابن الضريس من طريق الجراح بن الضحاك عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان رفعه "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ثم قال: "وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" وذلك أنه منه وقد بيّن العسكري أن هذه الزيادة من قول أبي عبد الرحمن السلمي. ٥٠٢٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا. وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ، وَلَا رِيحَ لَهَا». [الحديث ٥٠٢٠ - أطرافه في: ٥٠٥٩، ٥٤٢٧، ٧٥٦٠]. وبه قال: (حدّثنا هدبة بن خالد) بضم الهاء وسكون الدال المهملة (أبو خالد) وسقطت الكنية لأبي ذر قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى بن دينار الشيباني البصري قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة السدوسي قال: (حدّثنا أنس بن مالك) ثبت ابن مالك في رواية الأصيلي (عن أبي موسى الأشعري) سقط قوله الأشعري لغير الأصيلي (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (مثل الذي يقرأ القرآن) ويعمل به (كالأترجة) بضم الهمزة وسكون الفوقية وضم الراء وفتح الجيم المشددة وتخفف ويزاد قبلها نون ساكنة وتحذف الهمزة مع الوجهين فهي أربعة ومع التخفيف ثمان (طعمها طيب وريحها طيب) ومنظرها حسن وملمسها لين فاقع لونها تسرّ الناظرين تتوق إليها النفس قبل التناول يفيد أكلها بعد الالتذاذ بذوقها طيب نكهة ودباغ معدة وقوّة هضم ويستخرج من حبها دهن له منافع وحامضها يسكن غلمة النساء ويجلو اللون والكلف وقشرها في الثياب يمنع السوس ويتداوى به وهو مفرح بالخاصية وقيل إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج فناسب أن يمثل به قارئ القرآن الذي لا يقربه شيطان وغلاف قلبه أبيض فيناسب قلب المؤمن (والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة) بالفوقية وسكون الميم (طعمها طيب ولا ريح لها ومثل الفاجر) أي المنافق (الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر) ونبّه في اليونينية أن قوله ومثل الفاجر الخ ثابت في أصل أي الوقت وأن سقوطه غلط (ومثل الفاجر) أي المنافق "الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها". قال شارح مشكاة المصابيح: إن هذا التشبيه والتمثيل في الحقيقة وصف لموصوف اشتمل على معنى معقول صرف لا يبرزه عن مكنونه إلا تصويره بالمحسوس المشاهد، ثم إن كلام الله المجيد له تأثير في باطن العبد وظاهره وإن العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم مَن له النصيب الأوفر من ذلك التأثير وهو المؤمن القارئ ومنهم مَن لا نصيب له البتّة وهو المنافق الحقيقي، ومنهم مَن تأثر ظاهره دون باطنه وهو المرائي أو بالعكس وهو المؤمن الذي لا يقرؤه وإبراز هذه المعاني وتصويرها في المحسوسات ما هو مذكور في الحديث ولم يجد ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك لأن المشبهات والمشبه بها واردة على التقسيم الحاصر، لأن الناس إما مؤمن أو غير مؤمن. والثاني إما منافق صرف أو ملحق به، والأول إما مواظب على القراءة أو غير مواظب عليها، فعلى هذا قس الأثمار المشبه بها ووجه التشبيه في المذكورات مركب منتزع من أمرين محسوسين طعم وريح ثم إن إثبات القراءة في قوله ﷺ يقرأ القرآن على صيغة المضارع ونفيها في قوله لا يقرأ ليس المراد منهما حصولها مرة ونفيها بالكلية بل المراد منهما الاستمرار والدوام عليها وإن القراءة دأبه وعادته أو ليس ذلك من هجيراه كقولك فلان يقري الضيف ويحمي الحرم اهـ. وفي هذا الحديث فضيلة حامل القرآن، ومطابقته للترجمة من حيث ثبوت فضل قارئ القرآن على غيره فيستلزم فضل القرآن على سائر الكلام كما فضل الأترج على سائر الفواكه، وفيه رواية تابعي عن صحابي وصحابي عن صحابي، وهي رواية قتادة عن أنس عن أبي موسى. وأخرجه أيضًا في التوحيد، ومسلم في الصلاة، وأبو داود في الأدب، والترمذي في الأمثال، والنسائي في الوليمة. ٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن سفيان) الثوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر -رضي الله

стр. 3286

عنهما- عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (إنما أجلكم في أجل من) وللأصيلي ما (خلا) مضى (من الأمم كما بين) أجزاء وقت (صلاة العصر ومغرب الشمس ومثلكم) مع نبيكم (ومثل اليهود والنصارى) مع أنبيائهم (كمثل رجل استعمل عمالًا فقال من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط) مرتين لأبي ذر عن الكشميهني ولغيره مرة واحدة (فعملت اليهود) إلى نصف النهار (فقال من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر) وزاد الأصيلي على قيراط (فعملت النصارى) إلى العصر (ثم أنتم) أيها المسلمون (تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين) بالتكرار مرتين واستكملوا أجْر الفريقين (قالوا) أي اليهود والنصارى (نحن أكثر عملًا) لأن الوقت من الصبح إلى العصر أكثر من وقت العصر إلى الغروب (وأقل عطاء قال: هل ظلمتكم) أي نقصتكم (من حقكم)؟ أي الذي شرطته لكم (قالوا: لا) لم تنقصنا من أجْرنا شيئًا (قال: فذاك) ولأبي ذر فذلك باللام (فضلي أُوتيه مَن شئت). ومطابقة هذا الحديث من جهة ثبوت فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وثبوت الفضل لها بما ثبت من فضل كتابها الذي أمرت بالعمل به. وهذا الحديث سبق في باب مَن أدرك ركعة من العصر من كتاب الصلاة. ١٨ - باب الْوَصَاةِ بِكِتَابِ اللَّهِ (باب الوصاة) بألف بعد الصاد ولأبي ذر عن الكشميهني الوصية بالتحتية المشددة بدل الألف (بكتاب الله . ٥٠٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى آوْصَى النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي قال: (حدّثنا مالك بن مغول) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وبعد الواو المفتوحة لام البجلي قال: (حدّثنا طلحة) بن مصرف بكسر الراء بوزن الفاعل اليامي بالتحتية والميم (قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى) بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة علقمة (آوصى) بمد الهمزة وسكون الواو (النبي ﷺ ¬) بالأمارة لأحد أو بالمال (فقال: لا) لم يوصِ قال طلحة (فقلت: كيف كتب) بضم الكاف (على الناس الوصية) في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية﴾ [البقرة: ١٨٠] (أُمروا بها ولم يوصِ) ﷺ (قال) ابن أبي أوفى (أوصى) ﵊ (بكتاب الله) أي التمسك به والعمل بمقتضاه وحفظه حسًّا ومعنى فيكرم ويصان ولا يسافر به إلى أرض العدوّ ويُدام على تلاوته وتعلمه وتعليمه. وهذا الحديث قد مرّ في الوصايا. ١٩ - باب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (باب من لم يتغن) أي يستغن (بالقرآن وقوله تعالى: ﴿أولم يكفهم أنّا أنزلنا عليك الكتاب﴾) [العنكبوت: ٥١] آية القرآن العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم ونبأ ما بعدهم وحكم ما بينهم (﴿يتلى عليهم﴾) [العنكبوت: ٥١] في كل مكان وزمان فلا يزال معهم آية ثابتة لا يزول. وقال أحمد عن وكيع أي يستغنى به عن أخبار الأمم الماضية فليس المراد بالاستغناء في الآية الاستغناء الذي هو ضد الفقر، وقد أخرج الطبري وغيره كما قال في الفتح من طريق عمرو بن دينار عن يحيى بن جعفر قال: جاء ناس من المسلمين بكتب قد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود فقال النبي ﷺ : كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم فنزلت ﴿أولم يكفهم أنّا أنزلنا عليك الكتاب﴾ [العنكبوت: ٥١] الآية وفي ذكر المؤلّف هذه الآية عقب الترجمة إشارة إلى أن معنى التغني الاستغناء وسقط ﴿يتلى عليهم﴾ لغير أبي ذر عن الكشميهني. ٥٠٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ». وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ يُرِيدُ يَجْهَرُ بِهِ. [الحديث ٥٠٢٣ - أطرافه في ٥٠٢٤، ٧٤٨٢، ٧٥٤٤]. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ (أنه كان يقول قال رسول الله ﷺ ¬): (لم يأذن الله) بفتح المعجمة لم يستمع (لشيء) بالشين المعجمة (ما أذن) بكسر المعجمة ما استمع أي كاستماعه (للنبي ﷺ يتغنى بالقرآن) يحسن صوته به أو يستغني به ولأبي ذر للنبي أن يتغنى بالقرآن ولأبي الوقت للنبي يتغنى (قال صاحب له) أي لأبي سلمة (يريد) بقوله يتغنى به (يجهر به) والصاحب المذكور هو

стр. 3287

عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب كما بيّنه الزبيدي عن ابن شهاب في هذا الحديث فيما أخرجه ابن أبي داود عن محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات. وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في التوحيد. ٥٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ». قَالَ سُفْيَانُ: تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) سقط لفظ ابن عبد الرحمن لغير أبي ذر (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال: ما أذِنَ الله لشيء) بالمعجمة وبعد التحتية الساكنة همزة ولأبي ذر عن الكشميهني لنبي (ما أذن للنبي ﷺ ¬) بزيادة لام ولأبي ذر عن الكشميهني لنبي بإسقاطها وقول الحافظ ابن حجر إن كانت رواية زيادة اللام محفوظة فهي للجنس ووهم مَن ظنها للعهد وتوهم أن المراد نبينا ﷺ وشرحه على ذلك تعقبه العيني فقال هذا الذي ذكره عين الوهم والأصل في الألف واللام أن تكون للعهد خصوصًا في الفرد وعى ما ذكره يفسد المعنى لأنه يكون على هذه الصورة لم يأذن الله لنبي من الأنبياء ما أذن لجنس النبي وهذا فاسد. اهـ. وأجاب في انتقاض الاعتراض بأنه إنما شرحه على رواية الأكثر وهي ما أذن لشيء بشين معجمة وياء مهموزة ولا فساد فيه. اهـ. وثبتت التصلية لأبي الوقت وقوله أذن بفتح الهمزة وكسر الذال المعجمة في الماضي وكذا في المضارع مشترك بين الإطلاق والاستماع تقول أذنت آذن بالمد فإن أردت الإطلاق فالمصدر بكسر ثم سكون وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين أي ما استمع كاستماعه لصوت نبي (أن يتغنى بالقرآن) وسقط لفظ أن عند أبي نعيم من وجه آخر وصوّبه ابن الجوزي، وقال إن إثباتها وهم من بعض الرواة لروايتهم بالمعنى، فظن المثبت المساواة فوقع في الخطأ لأن الحديث لو كان بإثبات أن لكان من الإِذن بكسر الهمزة وسكون الذال بمعنى الإباحة والإطلاق، وليس مرادًا هنا وإنما هو من الأُذن بفتحتين وهو الاستماع والمراد به هنا إجزال مثوبة القارئ وإكرامه لا حقيقته التي هي أن يميل المستمع بأُذنه إلى جهة مَن يسمعه إذ هو محُال في حقه تعالى فالمراد ثمرة ذلك على ما لا يخفى (قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (تفسيره) أي قوله يتغنى (يستغني به) عن غيره من الكتب السالفة أو من الإكثار من الدنيا وارتضى ذلك أبو عبيد في تفسيره وقال إنه جائز في كلام العرب واحتج بقول ابن مسعود من قرأ آل عمران فهو غني وقيل المراد به الغنى المعنوي وهو غنى النفس وهو القناعة لا المحسوس الذي هو ضد الفقر فإن ذلك لا يحصل بمجرد ملازمة القرآن وقال النووي معناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء تحسين الصوت به اهـ. ويؤيده قوله في الرواية السابقة. وقال صاحب له يجهر به قال الطيبي: لأنها جملة مبنية لقوله يتغنى بالقرآن فلم يكن المبين على خلاف البيان كذلك يتغنى بالقرآن في الرواية الأولى بيان لقوله ما أذن لنبي أي صوته فكيف يحمل على غير حسن الصوت على أن الاستماع ينبو عن الاستغناء وينصره الحديث المروي بلفظ ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به قال الشافعي: ولو كان معنى يتغنى بالقرآن على الاستغناء لقال يستغني وتحسين الصوت هو يتغنى وتعقبه بعضهم فقال: إن في صدق الملازمة نظرًا إذا ثبت أن تغنى بمعنى استغنى وصرّح بعضهم بصحته كما مرّ، واستشهد بقوله ﷺ في الخيل ورجل ربطها تغنيًّا وتعفّفًا ولا خلاف في هذا أنه مصدر تغنى بمعنى استغنى وتعفف ونقل ابن الجوزي عن الشافعي أن المراد به التحزن قال في الفتح: ولم أره صريحًا إنما قال في مختصر المزني وأحب أن يقرأ حدرًا وتحزينًا. اهـ. والحدر الإدراج من غير تمطيط والتحزين رقة الصوت وتصييره كصوت الحزين، وقال ابن الأنباري في الزاهر المراد بالتغني التلذّذ به كما يستلذ أهل الطرب بالغناء فأطلق عليه تغنيًا من حيث إنه يفعل عنده كما يفعل عند الغناء، وقيل المراد الترنم به لحديث ابن أبي داود والطحاوي عن أبي هريرة حسن الترنم

стр. 3288

بالقرآن. قال الطبري: والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارئ وطرّب به قال ولو كان معناه الاستغناء لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى. اهـ. ويمكن كما في الفتح الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة وهو أنه يحسن به صوته جاهرًا به مترنمًا على طريق التحزّن مستغنيًا به عن غيره طالبًا به غنى النفس راجيًا به غنى اليد. ومباحث تحسين الصوت وحكم القراءة بالألحان تأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. ٢٠ - باب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ (باب اغتباط صاحب القرآن) أي تمنى مثل ما له من نعمة القرآن من غير أن تتحوّل عنه. ٥٠٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا حَسَدَ إِلاَّ عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهْوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ». [الحديث ٥٠٢٥ - أطرافه في: ٧٥٢٩]. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (سالم بن عبد الله أن) أباه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول): (لا حسد) أي لا غبطة جائزة في شيء (إلا على) وجود (اثنتين) أي خصلتين إحداهما (رجل) أي خصلة رجل (آتاه الله الكتاب) أي القرآن (وقام به) تلاوةًَ وعملًا (آناء الليل) أي ساعاته وزاد أبو نعيم في مستخرجه وآناء النهار (و) ثانيهما (رجل) أي خصلة (أعطاه الله مالًا فهو يتصدّق به) على المحتاج (آناء الليل وآناء النهار) أي ساعاتهما بإثبات آناء النهار هنا وحذفها في الأولى كما مر وقيل إن فيه تخصيصًا لإباحة نوع من الحسد وإن كانت جملته محظورة وإنما رخص فيه لما يتضمن مصلحة في الدين قال أبو تمام: وما حاسد في المكرمات بحاسد وكما رخص في الكذب لتضمن فائدة هي فوق آفة الكذب. وقال في شرح المشكاة: أثبت الحسد لإرادة المبالغة في تحصيل النعمتين الخطيرتين يعني ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم فينبغي أن يتحرّى ويجتهد في تحصيلهما، فكيف بالطريق المحمود لا سيما وكل واحدة من الخصلتين بلغت غاية لا أمد فوقها ولو اجتمعتا في امرئ بلغ من العلياء كل مكان. ٥٠٢٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ. وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهْوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ». [الحديث ٥٠٢٦ - أطرافه في: ٧٢٣٢، ٧٥٢٨]. وبه قال: (حدّثنا علي بن إبراهيم) بن عبد المجيد اليشكري الواسطي أو هو علي بن الحسين بن إبراهيم بن أشكاب نسبه إلى جده أو هو علي بن عبد الله بن إبراهيم والأول قول الأكثر، والثاني جزم به ابن عدي والثالث قول الدارقطني وابن منده قال: (حدّثنا روح) بفتح الراء وبعد الواو الساكنة حاء مهملة ابن عبادة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش أنه قال: (سمعت ذكوان) أبا صالح السمان (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (لا حسد) أي لا غبطة جائزة في شيء (إلا في) خصلتين (اثنتين) خصلة (رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار) ساعاتهما (فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان) من القرآن (فعملت) به (مثل ما يعمل) من تلاوته آناء الليل وآناء النهار (و) خصلة (رجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه) بضم الياء وكسر اللام وفيه مبالغة لأنه يدل على أنه لا يبقى من المال بقية ولما أوهم الإسراف والتبذير كمله بقوله (في الحق) كما قيل لأسرف في الخير (فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أُوتي فلان) من المال (فعملت) فيه (مثل ما يعمل) من إهلاكه في الحق. وهذا الحديث أخرجه النسائي في الفضائل. ٢١ - باب خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ هذا (باب) بالتنوين (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). ٥٠٢٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». قَالَ: وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الْحَجَّاجُ، قَالَ: وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا. [الحديث ٥٠٢٧ - أطرافه في: ٥٠٢٨]. وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم وسكون النون الأنماطي السلمي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (علقمة بن مرثد) بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة الحضرمي الكوفي قال: (سمعت سعد بن عبيدة) بضم العين مصغرًا وسكون عين سعد الكوفي أبا حمزة (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب (السلمي) بضم السين المهملة وفتح اللام (عن عثمان) بن عفان (﵁) واختلف في سماع أبي عبد الرحمن من عثمان ووقع التصريح بتحديث عثمان لأبي عبد الرحمن عند ابن

стр. 3289

عدي بلفظ عن عبد الكريم عن أبي عبد الرحمن حدّثني عثمان لكن في إسناده مقال: (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) مخلصًا فيهما ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أو علمه بأو التي للتنويع لا للشك (قال) سعد بن عبيدة (وأقرأ أبو عبد الرحمن) السلمي الناس القرآن (في إمرة عثمان) بن عفان ﵁ (حتى كان الحجاج) بن يوسف أميرًا على العراق (قال) أبو عبد الرحمن (وذاك) الحديث المرفوع في أفضلية القرآن هو (الذي أقعدني مقعدي هذا) الذي أقرئ الناس فيه وهذا يدل على أن أبا عبد الرحمن سمع الحديث المذكور في ذلك الزمان وإذا سمعه فيه ولم يوصف بالتدليس اقتضى سماعه ممن عنعنه وهو عثمان ولا سيما مع ما اشتهر عند القرّاء أنه قرأ على عثمان وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود فكان ذلك أولى من قول من قال إنه لم يسمع منه. ٥٠٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن علقمة بن مرثد) بالمثلثة بوزن جعفر (عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ : إن أفضلكم من تعلّم القرآن وعلّمه). بالواو وللأربعة أو علمه والأولى أظهر في المعنى لأن التي بأو تقتضي إثبات الأفضلية المذكورة لمن فعل أحد الأمرين فيلزم أن مَن تعلّم القرآن ولو لم يعلمه غيره يكون خيرًا ممن عمل بما فيه مثلًا وإن لم يتعلمه، ولا ريب أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدّي لا يقال إن من لازم هذا أفضلية المقرئ على الفقيه لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء النفوس إذ كانوا يدرون معاني القرآن بالسليقة أكثر من دراية من بعدهم بالاكتساب. فإن قلت: المقرئ أفضل ممن هو أعظم غناء في الإسلام بالمجاهدة والرباط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أجيب: بأن ذلك دائر على النفع المتعدي فمن كان حصوله عنده أكثر كان أفضل فلعل من مضمرة في الحديث بعد أن وفي الحديث الحث على تعليم القرآن وقد سئل الثوري عن الجهاد وإقراء القرآن فرجح الثاني واحتج بهذا الحديث أخرجه ابن أبي داود قاله في الفتح. ٥٠٢٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ». فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: «أَعْطِهَا ثَوْبًا». قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: «أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ». فَاعْتَلَّ لَهُ فَقَالَ: «مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»، قَالَ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: «فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ». وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عون) بفتح العين فيهما وآخر الثاني نون ابن أوس الواسطي نزيل البصرة قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين الساعدي الأنصاري ﵁ أنه (قال: أتت النبي ﷺ امرأة) قيل هي خولة بنت حكيم وقيل أم شريك وقيل ميمونة ولا يصح ذلك لأن الأوليان لم تتزوّجا وأما ميمونة فهي إحدى زوجاته ﷺ ولم يزوّجها لغيره (فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله) ولأبي ذر عن الحموي وللرسول (¬ ﷺ فقال) ﷺ لها: (ما لي في النساء من حاجة، فقال رجل) لم يسم (زوّجنيها) يا رسول الله (قال) ﵊ (أعطها ثوبًا) صداقًا (قال) الرجل (لا أجد) ثوبًا (قال: أعطها ولو) كان الذي تعطيها (خاتمًا من حديد) كلمة من بيانية (فاعتل) قال الكرماني أي حزن وتضجر (له) أي لأجل ذلك (فقال) ﵊ له ولأبوي الوقت وذر قال: (ما معك) أي أيّ شيء تحفظه (من القرآن؟ قال): معي سورة (كذا وكذا) في رواية أبي داود عن أبي هريرة سورة البقرة والتي تليها وعند الدارقطني عن ابن مسعود البقرة وسور من المفصل ولتمام الرازي عن أبي أمامة زوّج النبي ﷺ رجلًا من الأنصار على سبع سور (قال) ﵊ (فقد زوّجتكها بما معك من القرآن) الباء في بما للتعويض وتسمى باء المقابلة على تقدير مضاف أي زوّجتكها بتعليمك إياها ما معك من القرآن. وقال الحنفية بل للسببية، والمعنى زوّجتكها بسبب ما معك من القرآن.

стр. 3290

ومباحث ذلك تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى في كتاب النكاح. ٢٢ - باب الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ (باب) استحباب (القراءة) للقرآن (عن ظهر القلب) من غير نظر في المصحف لأن ذلك أمكن في التوصل إلى التعليم. ٥٠٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي. فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ لَهُ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ»؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا». فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. قَالَ: «انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ». فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ». فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا. عَدَّهَا قَالَ: «أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتَكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ». وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البلخي قال: (حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن) القاريّ المدني نزيل الإسكندرية (عن أبي حازم) سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الساعدي ﵁ (أن امرأة) خولة أو غيرها كما مر قريبًا (جاءت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي) أي أكون لك زوجة بلا مهر وفيه أنه ينعقد نكاحه ﷺ بلفظ الهبة خصوصية له وليس المراد حقيقة الهبة لأن الحرّ لا يملك نفسه وليس له تصرف فيها ببيع ولا هبة في شريعتنا (فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعد النظر) بتشديد العين رفعه (إليها وصوّبه) بتشديد الواو وبعدها بموحدة خفضه (ثم طأطأ رأسه) خفضه (فلما رأت المرأة أنه) ﷺ (لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجل من أصحابه) لم يسم (فقال: يا رسول الله) وللأربعة أي رسول الله (إن لم يكن لك بها حاجبة فزوّجنيها) ولم يقل هبنيها لأن لفظ الهبة من خصائصه ﷺ وإن بمعنى إذ لأنه لا يظن بالصحابي أن يسأل في مثل هذا إلا بعد أن يعلم بقرينة الحال أنه لا حاجة له ﷺ بها (فقال) ﵊ (له): (هل عندك من شيء) تصدقها (فقال: لا والله يا رسول الله) ما عندي شيء (قال) ﵊ له: (اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئًا) عندهم تصدقها إياه (فذهب) الرجل (ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئًا. قال: انظر ولو) كان الذي تجده (خاتمًا من حديد) ولأبي ذر خاتم بالرفع على أن كان المقدّرة تامة (فذهب) إلى أهله (ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا) وجدت (خاتمًا) ولأبي ذر ولا خاتم (من حديد، ولكن هذا إزاري) أصدقها إياه (قال) ولأبي الوقت فقال (سهل) الساعدي مدرجًا في الحديث (ما له رداء فلها نصفه فقال رسول الله ﷺ : ما تصنع بإزارك إن لبسته) بسكون السين (لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته) بسكون الفوقية (لم يكن عليك شيء) أي منه (فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام فرآه رسول الله ﷺ موليًا) مدبرًا ذاهبًا معرضًا (فأمر به فدعي) بضم الدال وكسر العين (فلما جاء قال) ﵊ له: (ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا) بالتكرار ثلاثًا (عدّها) ولأبي ذر وعدّها وقد سبق قريبًا تفسيرهن (قال) ﵊: (أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال) ولأبي الوقت فقال: (نعم. قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن) كذا وقع هنا ملكتكها ورواية الأكثرين بلفظ زوجتكها قال الدارقطني وهو الصواب وجمع النووي بأنه يحتمل صحة اللفظين ويكون جرى لفظ التزويج أولًا ثم لفظ التمليك ثانيًا أي لأنه ملك عصمتها بالتزويج السابق. وفي هذا الحديث فضيلة قراءة القرآن عن ظهر قلب وقد صرّح كثير بأن القراءة من المصحف نظرًا أفضل من ظهر القلب واستدلّ له بحديث عند أبي عبيد في فضائل القرآن عن بعض أصحاب النبي ﷺ رفعه فضل قراءة القرآن نظرًا على من يقرؤه ظهرًا كفضل الفريضة على النافلة وإسناده ضعيف وعن ابن مسعود موقوفًا بإسنادٍ صحيح أديموا النظر في المصحف والأولى أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. ٢٣ - باب اسْتِذْكَارِ الْقُرْآنِ وَتَعَاهُدِهِ (باب استذكار القرآن) أي طلب ذكره بضم المعجمة (وتعاهده) أي تجديد العهد به بملازمة تلاوته. ٥٠٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام الأعظم (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال): (إنما مثل صاحب القرآن) أي الذي ألف تلاوته مع القرآن (كمثل صاحب الإبل المعقلة) بضم الميم وسكون العين المهملة

стр. 3291

وفتح القاف أو بتشديد القاف مع فتح العين أي المشدودة بالعقال وهو الحبل الذي يشدّ في ركبة البعير (إن عاهد عليها أمسكها) أي استمرّ إمساكه لها (وإن أطلقها) من عقلها (ذهبت) أي انفلتت والحصر في قوله إنما هو حصر مخصوص بالنسبة إلى الحفظ والنسيان بالتلاوة والترك وشبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه أن يشرد فما دام التعاهد موجودًا فالحفظ موجود كما أن البعير ما دام مشدودًا بالعقال فهو محفوظ وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورًا. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة والنسائي في الفضائل والصلاة. ٥٠٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بِئْسَ مَا لأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ نُسِّيَ، وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ». [الحديث ٥٠٣٢ - أطرافه في: ٥٠٣٩]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن عرعرة) السامي بالمهملة القرشي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (قال: قال النبي ﷺ ¬): (بئس ما لأحدهم) ما نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس أي بئس شيئًا وقوله (أن يقول) مخصوص بالذم أي بئس شيئًا كائنًا للرجل قوله (نسيت) بفتح النون وكسر السين مخففة (آية كيت وكيت) كلمتان يعبر بهما عن الجمل الكثيرة والحديث الطويل وسبب الذم ما في ذلك من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة فلو تعاهده بتلاوته والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره فكأنه إذا قال: نسيت الآية الفلانية فكأنه شهد على نفسه بالتفريط فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد لأنه يورث النسيان (بل نسي) بضم النون وتشديد السين المكسورة في جميع الروايات في البخاري وأكثر الروايات في غيره وبل إضراب عن القول بنسبة النسيان إلى النفس المسبب عن عدم التعاهد إلى القول بالإنساء الذي لا صنع له فيه فإذا نسيه إلى نفسه أوهم أنه انفرد بفعله، فالذي ينبغي أن يقول أنسيت أو نسيت مبنيًّا للمفعول فيهما أي إن الله هو الذي أنساني فينسب الأفعال إلى خالقها لما فيه من الإقرار بالعبودية والاستسلام لقدرة الربوبية نعم يجوز نسبة الأفعال إلى مكتسبها بدليل الكتاب والسُّنّة كما لا يخفى وقيل معنى نسي عوقب بالنسيان لتفريطه في تعاهده واستذكاره وقيل إن فاعل نسيت النبي ﷺ كأنه قال: لا يقل أحد عني أي نسيت آية كذا فإن الله هو الذي أنساني لذلك لحكمة نسخه ورفع تلاوته وليس لي في ذلك صنع (واستذكروا القرآن) السين للمبالغة أي اطلبوا من أنفسكم مذاكرته والمحافظة على قراءته والواو في قوله: واستذكروا كما قال في شرح المشكاة عطف من حيث المعنى على قوله بئس ما لأحدهم أي لا تقصروا في معاهدته واستذكاره (فإنه أشد تفصيًا) بفتح الفاء وكسر الصاد المشددة وتخفيف التحتية بعدها منصوب على التمييز أي تفلتًا (من صدور الرجال من النعم) وهي الإبل لا واحد له من لفظه لأن شأن الإبل طلب التفلت ما أمكنها فمتى لم يتعاهدها صاحبها بربطها تفلتت فكذلك حافظ القرآن إذا لم يتعاهده تفلت بل هو أشد وإنما كان ذلك لأن القرآن ليس من كلام البشر بل هو من كلام خالق القوى والقدر وليس بينه وبين البشر مناسبة قريبة لأنه حادث وهو قديم لكن الله بلطفه العميم وكرمه القديم من عليهم ومنحهم هذه النعمة العظيمة، فينبغي أن يتعاهد بالحفظ والمواظبة ما أمكن فقد يسّره تعالى للذكر وإلاّ فالطاقة البشرية تعجز قواها عن حفظه وحمله قال تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ [القمر: ١٧] ﴿الرحمن علم القرآن﴾ [الرحمن: ١] ﴿ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل﴾ [الحشر: ٢١] الآية. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة والترمذي في القراءات والنسائي في الصلاة وفضائل القرآن. ٠٠٠٠ - : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ مِثْلَهُ. تَابَعَهُ بِشْرٌ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ شُعْبَةَ. وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدَةَ عَنْ شَقِيقٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا عثمان) بن أبي شيبة قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (مثله) أي الحديث السابق وهذه الطريق ثابتة عند الكشميهني والنسفيّ ساقطة لغيرهما (تابعه) أي تابع محمد بن عرعرة (بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة ابن محمد المروزي شيخ المصنف (عن ابن المبارك) عبد الله المروزي (عن شعبة) بن الحجاج وليس بشر بمنفرد بهذه المتابعة بل رواها الإسماعيلي من طريق حبان بن موسى عن ابن المبارك (وتابعه) أي تابع ابن عرعرة (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز فيما وصله مسلم (عن عبدة) بسكون الموحدة ابن أبي لبابة بضم اللام وتخفيف الموحدتين (عن شقيق) أبي وائل بن سلمة أنه قال: (سمعت عبد الله) بن مسعود ﵁ يقول (سمعت النبي ﷺ ¬) فذكره ولم يقل في رواية مسلم ما بعد قوله: بل نسي. ٥٠٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا». وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراء ابن عبد الله (عن) جده (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (تعاهدوا القرآن) بالحفظ والترداد (فوالذي نفسي بيده لهو) أي القرآن (أشد تفصيًا) وفي حديث عقبة بن عامر بلفظ أشد تفلتًا (من الإبل في عقلها) بضم العين والقاف وتسكن وللكشميهني من عقلها بدل في وهي تكون بمعنى من ومع والعقل جمع عقال مثل كتاب وكتب يقال عقلت البعير أعقله عقلًا وهو أن تثني وظيفه مع ذراعه فتشدهما جميعًا في وسط الذراع وذلك الحبل هو العقال. ٢٤ - باب الْقِرَاءَةِ عَلَى الدَّابَّةِ (باب) جواز (القراءة) للراكب (على الدابة). ٥٠٣٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِيَاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهْوَ يَقْرَأُ عَلَى رَاحِلَتِهِ سُورَةَ الْفَتْحِ. وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم الأنماطي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو إياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية معاوية بن قرة المزني البصري (قال: سمعت عبد الله بن مغفل) بالغين المعجمة والفاء المشددة المفتوحتين المزني نسبة إلى أمه مزينة (قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته) ناقته (سورة الفتح) زاد المؤلّف من طريق مسلم بن إبراهيم عن شعبة في تفسير الفتح فرجع فيها أي ردّد صوته بالقراءة وفي التوحيد من طريق أخرى كيف ترجيعه قال: آآآ ثلاث مرات، وأراد المؤلّف بهذا الحديث كما قيل الرد على من كره القراءة على الدابة المنقول عن بعض السلف فيما نقله ابن أبي داود. ٢٥ - باب تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ (باب تعليم الصبيان القرآن) لأنه أدعى إلى ثبوته ورسوخه عندهم كما قيل التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، وقال بعضهم مما ذكره ابن الجوزي في تنبيه الغمر بمواسم العمر: إن الغصون إذا قوّمتها اعتدلت … ولا يلين إذ قوّمته الخشب قد ينفع الأدب الأحداث في مهل … وليس ينفع في ذي الشيبة الأدب وعند ابن سعد بإسناد صحيح أن ابن عباس قال سلوني عن التفسير فإني حفظت القرآن وأنا صغير. وفي تهذيب النووي أن سفيان بن عيينة حفظ القرآن وهو ابن أربع سنين وقد جاء كراهية تعليم الصبيان القرآن عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي من جهة حصول الملال له والحق إن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص. ٥٠٣٥ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ هُوَ الْمُحْكَمُ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ. [الحديث ٥٠٣٥ - أطرافه في: ٥٠٣٦]. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن أبي بشر) بكسر

стр. 3292

الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري (عن سعيد بن جبير قال: كان الذي تدعونه المفصل) بفتح الصاد المهملة المشددة الذي كثرت فصوله من السور وهو من الحجرات إلى آخر القرآن على الصحيح من عشرة أقوال (هو المحكم) الذي ليس بمنسوخ (قال) سعيد بن جبير: (وقال ابن عباس) رضي الله عهما: (توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم). واستشكل القاضي عياض وأنا ابن عشر بما مر في الصلاة من وجه آخر أنه كان في حجة الوداع ناهز الاحتلام وعنه أنه كان عند الوفاة النبوية ابن خمس عشرة. وقال الفلاس ابن ثلاث

стр. 3293

عشرة. وعند البيهقي أربع عشرة وحكى الشافعي ست عشرة وعند البيهقي أيضًا عنه أنه قال: قرأت المحكم على عهده ﷺ وأنا ابن اثنتي عشرة وأجاب عياض باحتمال أن يكون قوله وأنا ابن عشر سنين راجعًا إلى حفظ القرآن لا إلى الوفاة النبوية. فالتقدير توفي النبي ﷺ وقد جمعت المحكم وأنا ابن عشر سنين ففيه تقديم وتأخير وتعقبه العيني بأن الجملتين يعني قوله وأنا ابن عشر سنين وقوله وقد قرأت المحكم وقعتا حالين والحال قيد فكيف يقال فيه تقديم وتأخير. اهـ. وأجاب في الفتح بأنه يمكن الجمع بين مختلف الروايات بأنه كان حين الوفاة النبوية ابن ثلاث عشرة ودخل في التي بعدها فمن قال خمس عشرة جبر الكسرين ومن قال ثلاث عشرة ألغى الكسر في التي بعدها ومن قال عشرًا ألغى الكسر أصلًا. اهـ. وتعقبه العيني فقال لا كسر هنا حتى يجبر أو يلغى لأن الكسر على نوعين: أصم وهو الذي لا يمكن أن ينطق به إلا بالجزئية كجزء من أحد عشر وجزء من تسعة وعشرين. ومنطق وهو على أربعة أقسام مفرد وهو من النصف إلى العشر وهي الكسور التسعة ومكرر كثلاثة أسباع وثمانية أتساع ومركب وهو الذي يذكر بالواو العاطفة كنصف وثلث وكربع وتسع ومضاف كنصف عشر وثلث سبع وثمن تسع وقد يتركب من المنطق والأصم كنصف جزء من أحد عشر والظاهر أن الصواب مع الداودي أن رواية الباب وهم. اهـ. وأجاب في الانتقاض بأن المراد بجبر الكسر وإلغائه في عبارة أهل الحديث ما زاد على الستة من الشهور وما زاد على عقد العشرة وغيرها من السنين فلما لم يعرف العيني هذا الاصطلاح جنح لمحبته في الاعتراض إلى تفسير الكسر في اصطلاح أهل الحساب وعلى تقدير تسليم ما صوّبه من كلام الداودي من أن رواية عشر سنين وهم فماذا يصنع في بقية الاختلاف. اهـ. ٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ جَمَعْتُ الْمُحْكَمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ وَمَا الْمُحْكَمُ قَالَ: الْمُفَصَّلُ. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت حدّثني بالإفراد (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدورقي البغدادي الحافظ قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة ابن بشير بوزن عظيم أبو معاوية السلمي الواسطي حافظ بغداد قال: (أخبرنا أبو بشر) جعفر بن أبي وحشية (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه قال: (جمعت المحكم) الذي ليس بمنسوخ (في عهد رسول الله ﷺ ¬) قال ابن جبير (فقلت له) لابن عباس (وما المحكم قال المفصل) بالصاد المهملة السور التي كثرت فصولها وفي الرواية الأولى أن تفسير المفصل بالمحكم من كلام ابن جبير قال الحافظ ابن حجر وهو دال على أن الضمير في قوله في الرواية الأخرى فقلت له وما المحكم لسعيد بن جبير وفاعل قلت هو أبي بشر بخلاف ما يتبادر أن الضمير لابن عباس وفاعل فقلت سعيد بن جبير. اهـ. وتعقبه العيني فقال هذا تصرف واهٍ لأن الظاهر من السياق أن السائل سعيد والمجيب ابن عباس ولا يستلزم كون سعيد فسر المفصل في الحديث واحد جاء من طريقين مجملًا ومبيّنًا فمن الذي توقف أن يفسر المجمل بالمبين. ٢٦ - باب نِسْيَانِ الْقُرْآنِ وَهَلْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا؟ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦] (باب نسيان القرآن) لعدم تعاهده (وهل يقول) الرجل (نسيت آية كذا وكذا) نعم لا يمتنع ذلك إن كان نسيانه عن أمر ديني كالجهاد (وقول الله تعالى) مخاطبًا لنبيه ﷺ (﴿سنقرئك فلا تنسى﴾) أي سنعلمك القرآن حتى لا تنساه (﴿إلاّ ما شاء الله﴾) [الأعلى: ٦] أن ينسخه وهذا بشارة من الله لنبيّه أن يحفظ عليه الوحي حتى لا يتفلت منه شيء إلا ما شاء الله أن ينسخه فيذهب به عن حفظه برفع حكمه وتلاوته وسأل ابن كيسان النحوي جنيدًا عنه فقال: فلا تنسى العمل به فقال مثلك يصدّر، وقيل قوله فلا تنسى على النهي والألف مزيدة للفاصلة كقوله: السبيلا فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته. واختلف في نسيان القرآن فصرح النووي في الروضة بأن نسيانه أو شيء منه كبيرة لحديث أبي داود عرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أرَ ذنبًا أعظم من سورة أو آية

стр. 3294

أُوتيها رجل ثم نسيها. وأخرج أبو داود من طريق أبي العالية موقوفًا كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه واحتج الروياني لذلك بأن الإعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به والتهاون بأمره. ٥٠٣٧ - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا». وبه قال: (حدّثنا ربيع بن يحيى) أبو الفضل الأشناني البصري قال: (حدّثنا زائدة) بن قدامة قال: (حدّثنا هشام عن) أبيه (عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: سمع النبي) ولأبي الوقت رسول الله (¬ ﷺ رجلًا) اسمه عبد الله بن يزيد الأنصاري أي سمع صوت رجل حال كونه (يقرأ في المسجد قال) ﵊: (يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا) قال الحافظ ابن حجر لم أقف على تعيين الآيات المذكورة. اهـ. ويجوز النسيان عليه ﷺ فيما ليس طريقه البلاع والتعليم وهذا الحديث من أفراده. ٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ: أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا. تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبيد بن ميمون) قال: (حدّثنا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق (عن هشام) هو ابن عروة يعني عن أبيه عن عائشة بالمتن المذكور (وقال) زيادة عليه (أسقطتهنّ من سورة كذا) أي بالنسيان (تابعه) أي تابع محمد بن عبيد (علي بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة (وعبدة) بن سليمان بواو العطف على السابق وللكشميهني عن عبدة قال الحافظ ابن حجر وهو غلط لأن عبدة رفيق علي بن مسهر لا شيخه (عن هشام) أي ابن عروة. ٥٠٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا». وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي الوقت حدّثني (أحمد بن أبي رجاء) عبد الله بن أيوب زاد أبو ذر هو أبو الوليد الهروي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: سمع رسول الله ﷺ رجلًا) هو عبد الله بن يزيد (يقرأ في سورة بالليل) بتنوين سورة وبالليل بالموحدة أوله ظرف (فقال) ﵇: (يرحمه الله لقد) ولأبي عساكر وأبي الوقت قد (أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (من سورة كذا وكذا) وفي اليونينية أذكرني الله آية كذا بإثبات الجلالة بعد أذكرني ألحقها بالحمرة. قال في الفتح وهي مفسرة لقوله في الرواية الأولى أسقطتها فكأنه قال أسقطتها نسيانًا لا عمدًا. ٥٠٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بِئْسَ مَا لأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ». وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن أبي مسعود ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (بئس ما لأحدهم) بئس كلمة ذم وما نكرة موصوفة والمخصوص بالذم (يقول نسيت آية كيت وكيت) كلمة يعبر بها عن الحديث الطويل ومثلها ذيت وذيت قال ثعلب كيت للأفعال وذيت للأسماء (بل هو نسي) بتشديد السين ورواه بعض رواة مسلم مخففًا وسبق قريبًا معنى المشدّد وليس النسيان من فعل الناسي بل من فعل الله يحدثه عند إهمال تكريره ومراعاته وأما المخفف فمعناه أن الرجل تركه غير ملتفت إليه فهو كقوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] أي تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة. ٢٧ - باب مَنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقُولَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ كَذَا وَكَذَا (باب من لم ير بأسًا أن يقول) المرء (سورة البقرة وسورة كذا وسورة كذا) خلافًا لمن قال لا يقال إلا السورة التي يذكر فيها كذا، واحتج لذلك بحديث أنس رفعه لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذا القرآن كله ولكن قولوا السورة التي تذكر فيها البقرة وكذلك القرآن كله أخرجه ابن قانع في فوائده والطبراني في الأوسط. وفى سنده عنبس بن ميمون العطار وهو ضعيف وأورده ابن الجوزي في الموضوعات وفي حديث تأليف القرآن أنه ﷺ كان يقول: ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ولا شك أن ذلك أحوط لكن استقر الإجماع على الجواز في المصاحف والتفاسير. ٥٠٤٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال:

стр. 3295

(حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (وعبد الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود) عقبة بن عامر البدري (الأنصاري) ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (الآيتان من آخر سورة البقرة) وهما ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخرها (من قرأ بهما في ليلة كفتاه) عن قيام الليل أو من الشيطان وقيل غير ذلك مما سبق وهذا الحديث سبق في فضل سورة البقرة. ٥٠٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَبْتُهُ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقُودُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، وَإِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ. فَقَالَ: «يَا هِشَامُ اقْرَأْهَا». فَقَرَأَهَا الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ: «اقْرَأْ يَا عُمَرُ». فَقَرَأْتُهَا الَّتِي أَقْرَأَنِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) ولأبو الوقت وذر وابن عساكر حدّثني بالإفراد فيهما (عروة بن الزبير) ثبت ابن الزبير في رواية أبي ذر (عن حديث المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري) بتشديد التحتية من غير همز (أنهما سمعا عمر بن الخطاب ﵁ يقول سمعت هشام بن حكيم بن حزام) بالحاء المهملة والزاي (يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة) بضم الهمزة وفتح السين المهملة آخذ برأسه أواثبه ولأبي ذر عن الكشميهني أثاوره بالمثلثة بدل السين قال عياض: والمعروف الأول (فانتظرته حتى سلم) من صلاته (فلببته) بفتح اللام وبموحدتين الأولى مشددة وتخفف والأخرى ساكنة أي جمعت عليه ثيابه عند لبته لئلا يتفلت مني (فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ) ها (قال أقرأنيها رسول الله ﷺ فقلت له: كذبت) أي أخطأت (فوالله إن رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك) أي تقرؤها (فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ أقوده) أي أجره حتى أتيت النبي ﷺ (فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها وإنك أقرأتني سورة الفرقان فقال) ﵊: (يا هشام اقرأها) قال عمر (فقرأها القراءة التي سمعته) يقرؤها (فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت ثم قال) ﵇: (اقرأ يا عمر) قال عمر (فقرأتها) أي السورة بالقراءة (التي أقرأنيها، فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت. ثم قال رسول الله ﷺ ¬) تطييبًا لقلب عمر لئلا ينكر تصويب القراءتين المختلفتين (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف) أوجه (فاقرؤوا ما تيسر منه) أي من المنزل وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور وأنه للتيسير. وهذا الحديث قد سبق في باب أنزل القرآن على سبعة أحرف ومطابقته هنا لما ترجم له واضحة. ٥٠٤٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَارِئًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا، آيَةً أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا». وبه قال: (حدّثنا بشر بن آدم) بكسر الموحدة وسكون المعجمة أبو عبد الله الضرير البغدادي قال: (أخبرنا علي بن مسهر) أبو الحسن الكوفي الحافظ قال: (أخبرنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: سمع النبي ﷺ قارئًا) اسمه عبد الله بن يزيد (يقرأُ من الليل في المسجد) أي سورة (فقال) ﵊: (يرحمه الله) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يرحم الله بحذف المفعول والله (لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها) نسيانًا لا عمدًا (من سورة كذا وكذا) قال في القاموس كذا كناية عن الشيء الكاف حرف التشبيه وذا للإشارة. وقال في المعنى: إنها ترد على ثلاثة أوجه أن تكون كلمتين باقيتين على أصلهما وهما كاف التشبيه وذا الإشارية كقولك رأيت زيدًا فاضلًا ورأيت عمرًا كذا وتكون كلمة واحدة مركبة من كلمتين مكنيًّا بها عن غير عدد كما في الحديث أنه يقال للعبد يوم القيامة أتذكر يوم كذا وكذا وتكون كلمة واحدة مركبة مكنيًّا بها عن العدد كقوله كذا وكذا درهمًا. ٢٨ - باب التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ. فِيهَا يُفْرَقُ: يُفَصَّلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَقْنَاهُ: فَصَّلْنَاهُ (باب الترتيل) أي التأني (في القراءة) للقرآن (وقوله تعالى) لنبيه ﷺ (﴿ورتل
следующие страницы →