Полный текст (4 743 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
(حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (ابن نمير) بضم النون وفتح الميم وسكون التحتية بعدها راء هو محمد بن عبد الله بن نمير قال: (حدّثنا ابن إدريس) عبد الله الأودي (عن إسماعيل) بن أبي خالد (عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن جرير) هو ابن عبد الله البجلي ﵁ أنه (قال: ما حجبني النبي ﷺ ¬) من دخولي على مجلسه المختص بالرجال (منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي) وفي المناقب: إلا ضحك.
٦٠٩٠ - وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّى لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِى صَدْرِى وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا».
(ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري وقال):
(اللهم ثبته) لفظ شامل للثبات على الخيل وعلى غيرها (واجعله هاديًا) لغيره (مهديًّا) في نفسه بفتح الميم وسكون الهاء.
والحديث سبق في الجهاد وفي فضل جرير.
٦٠٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِى مِنَ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: أَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «فَبِمَ شَبَهُ الْوَلَدِ»؟
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدثني (محمد بن المثنى) العنزي الحافظ قال: (حدّثنا
يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (عن زينب بنت أم سلمة) هند (عن) أمها (أم سلمة) زوج النبي ﷺ (أن أم سليم) بضم السين وفتح اللام الرميصاء بالصاد المهملة مصغرًا وهي أم أنس وزوج أبي طلحة الأنصاري (قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق) بسكون الحاء بوزن يستفعل وماضيه استحيا ولم يستعمل مجرّدًا عن السين والتاء وقال الزمخشري: يقال منه حيي فعلى هذا يكون استفعل فيه موافقًا للفعل المجرد، وقد جاء استفعل لاثني عشر معنى، للطلب نحو نسعتين، وللإيجاد كاستبعده، وللتحويل كاستأنس. والجمهور في يستحيي بياءين وعليه أكثر القرّاء، وقرأ ابن محيصن بياء واحدة من استحى يستحي فهو مستح مثل استقى يستقي وهي لغة تميم وبكر بن وائل أصله يستحيي بياءين نقلت حركة الأولى إلى الحاء فسكنت ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت فحذفت إحداهما للالتقاء والجمع مستحون ومستحين قاله الجوهري. ونقل بعضهم أن المحذوف هنا مختلف فيه فقيل عين الكلمة فوزنه يستفل وقيل لامها فوزنه يستفع ثم نقلت حركة اللام على القول الأوّل وحركة العين على القول الثاني إلى الفاء وهي الحاء ومن الحذف قوله:
ألا يستحي منا المليك ويتقي … محارمنا لا يتقي الدم بالدم
والمعنى أن الله لا يمتنع من أجل بيان الحق أي وأنا أيضًا لا أمتغ من السؤال عما أنا محتاجة إليه مما يستحي النساء في العادة من السؤال عنه وذكره بحضرة الرجال والمستحي يمتنع من فعل ما استحيا منه فالامتناع من لوازم الحياء فيطلق الحياء على الامتناع إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم، والحياء هو خجل النفس وأصله الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفًا من مواقعة القبيح ولا ريب أن هذا محال على الله تعالى (هل) ولأبي ذر عن الكشميهني فهل (على المرأة غسل)؟ بفتح الغين المعجمة مصدر غسل يغسل وبالضم الاغتسال فيقرأ بالوجهين في كل موضع يقال فيه وجب أو يستحب أو من سنة الغسل والفتح أشهر، لكن قال النووي: سألت ابن مالك فقال: إذا أريد الاغتسال فالمختار ضمه ويجوز فتحه على إرادة أنه يغسل يديه غسلاً، وقد يطلق الغسل بالضم على الماء كما في حديث قيس بن سعد أتانا رسول الله ﷺ فوضعنا له غسلاً فإنه بالضم بإجماع أهل الحديث والفقه وغيرهم لا بالكسر كما وقع لابن باطيش في كتاب ألفاظ التهذيب وهو غلط كما نبه عليه النووي لأن الغسل بالكسر ما يغسل به الرأس من خطمي وسدر ونحوهما وعلى المرأة يتعلق بغسل أي فهل غسل على المرأة (إذا احتلمت) وفي باب الغسل إذا هي احتلمت (قال) ﷺ :
(نعم) إذا احتلمت فعليها الغسل والاحتلام افتعال من الحلم بضم الحاء وسكون اللام وهو ما يراه النائم في نومه (إذا رأت الماء) أي المني بعد استيقاظها من النوم (فضحكت أم سلمة) وهذا موضع الترجمة إذ وقع ذلك بحضرته ﷺ ولم ينكره (فقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال النبي
стр. 3852
ﷺ فبم شبه الولد) بفتح المعجمة والموحدة مضافًا لتاليه أي فبأي شيء وصل شبه الولد بالأم، ولأبي ذر عن الكشميهني: فبم يشبه الولد.
والحديث سبق في باب إذا احتلمت المرأة في أبواب الغسل من الطهارة.
٦٠٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا، حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) أبو سعيد الجعفي الكوفي نزيل مصر (قال: حدثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرنا عمرو) بفتح العين ابن الحارث (أن أبا النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة سالم بن أبي أمية المدني (حدثه عن سليمان بن يسار) مولى ميمونة أم المؤمنين (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: ما رأيت النبي ﷺ ومستجمعًا) أي مجتمعًا (قط ضاحكًا) وهو منصوب على التمييز وإن كان مشتقًّا مثل لله دره فارسًا أي ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك بحيث يضحك ضحكًا تامًّا مقبلاً بكليته على الضحك ولأبي ذر عن الكشميهني ضحكًا أي مبالغًا في الضحك لم يترك منه شيئًا (حتى أرى منه لهواته) بفتح اللام والهاء جمع لهاة وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم (إنما كان يتبسم). ولا تضاد بين هذا وحديث أبي هريرة من خبر الأعرابي أنه ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه لأن أبا هريرة أخبر بما شاهد، ولا يلزم من قول عائشة ما رأيت أن لا يكون غيرها رأى والمثبت مقدم على النافي. والحديث سبق في سورة الأحقاف.
٦٠٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ لِى خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهْوَ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: قَحَطَ الْمَطَرُ فَاسْتَسْقِ رَبَّكَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ وَمَا نَرَى مِنْ سَحَابٍ فَاسْتَسْقَى فَنَشَأَ السَّحَابُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ مُطِرُوا حَتَّى سَالَتْ مَثَاعِبُ الْمَدِينَةِ، فَمَا زَالَتْ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ مَا تُقْلِعُ، ثُمَّ قَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ -أَوْ غَيْرُهُ- وَالنَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: غَرِقْنَا فَادْعُ رَبَّكَ يَحْبِسْهَا عَنَّا، فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَصَدَّعُ عَنِ الْمَدِينَةِ يَمِينًا وَشِمَالاً يُمْطَرُ مَا حَوَالَيْنَا وَلَا يُمْطِرُ مِنْهَا شَىْءٌ يُرِيهِمُ اللَّهُ كَرَامَةَ نَبِيِّهِ ﷺ وَإِجَابَةَ دَعْوَتِهِ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن محبوب) أبو عبد الله البناني البصري وليس هو محمد بن الحسن الملقب بمحبوب قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ وقال البخاري: (وقال لي خليفة) بن خياط العصفري: (حدّثنا يزيد بن زريع) الخياط أبو معاوية البصري قال: (حدّثنا سعيد) أي ابن أبي عروبة (عن قتادة عن أنس ﵁ أن رجلاً) أعرابيًّا (جاء إلى النبي ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب) على المنبر في مسجده الشريف (بالمدينة فقال): يا رسول الله (قحط المطر) بفتح القاف وكسر الحاء أي احتبس (فاستسق ربك) وفي
الاستسقاء فادع الله أن يسقينا (فنظر) ﷺ (إلى السماء وما نرى من سحاب) مجتمع فيها (فاستسقى) قال: (اللهم اسقنا فنشأ السحاب بعضه إلى بعض ثم مطروا حتى سالت مثاعب المدينة) بفتح الميم والمثلثة وبعد الألف عين مهملة مكسورة فموحدة جمع مثعب أي مسايل الماء التي بالمدينة (فما زالت) تمطر (إلى الجمعة المقبلة ما تقلع) بضم الفوقية وسكون القاف وكسر اللام ما تكف (ثم قام ذلك الرجل) الذي قال: قحط المطر (أو) رجل (غيره) بالشك (والنبي ﷺ يخطب) في يوم الجمعة الأخرى (فقال): يا رسول الله (غرقنا) من كثرة المطر (فادع ربك يحبسها عنا) بالجزم جواب الأمر (فضحك) ﷺ (ثم قال):
(اللهم حوالينا) منصوب على الظرفية وهو من الظروف المكانية المبهمة لأنه بمعنى الناحية ولا يخرجه عن الإبهام اختصاصه بالإضافة كما تقول جلست مكان زيد أي قعدت موضعه وهو مكان عبد الله وموضعه وهذا بخلاف الدار والمسجد فإنهما مختصان لأن ذلك لا يطلق على كل موضع بل هو بأصل وضعه لمعنى مخصوص والناصب لحوالينا مقدر أي اللهم اجعلها حوالينا (ولا) تجعلها (علينا) قال ذلك (مرتين أو ثلاثًا) فعلينا يتعلق بالمقدر كالظرف، والمراد بحوالي المدينة مواضع النبات والزرع لا في نفس المدينة وبيوتها ولا فيما حوالي المدينة من الطرق وإلاّ لم يزل بذلك شكواهم جميعًا (فجعل السحاب يتصدع) بوزن يتفعل أي يتفرق وفي الاستسقاء بلفظ يتقطع (عن المدينة) حال كونه (يمينًا وشمالاً يمطر ما حوالينا) من أهل اليمين والشمال (ولا يمطر فيها شيء) في المدينة (يريهم الله) (كرامة نبيه ﷺ ¬) عنده (وإجابة دعوته) وكم له ﷺ من دعوة مستجابة.
والحديث سبق في باب الاستسقاء على المنبر.
٦٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وَمَا يُنْهَى عَنِ الْكَذِبِ
(باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾) [التوبة: ١١٩] في إيمانهم دون المنافقين أو مع الذين لم يتخلفوا
стр. 3853
أو مع الذين صدقوا في دين الله نيَّةً وقولاً وعملاً، والآية تدل على أن الإيمان حجة لأنه أمر بالكون مع الصادقين فيلزم قبول قولهم (و) بيان (ما ينهى عن الكذب).
٦٠٩٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِى إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا».
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) أخو أبي بكر بن أبي شيبة قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إن الصدق يهدي إلى البر) بكسر الموحدة وتشديد الراء أي يوصل إلى الخيرات كلها والصدق يطلق على صدق اللسان وهو نقيض الكذب، والصدق في النية وهو الإخلاص فيراعى معنى الصدق في مناجاته ولا يكن ممن قال: وجّهت وجهي لله وهو غافل كاذب، والصدق في العزم على خير نواه أي يقوي عزم أنه إذا ولي مثلاً لا يظلم، والصدق في الوفاء بالعزم أي حال وقوع الولاية مثلاً، والصدق في الأعمال وأقله استواء سريرته وعلانيته، والصدق في المقامات كالصدق في الخوف والرجاء وغيرهما فمن اتصف بالستة كان صديقًا أو ببعضها كان صادقًا. وقال الراغب: الصدق مطابقة القول الضمير والمخبر عنه فإن انخرم شرط لم يكن صدقًا بل يكون كذبًا أو مترددًا بينهما على اعتبارين كقول المنافق: محمد رسول الله ﷺ فإنه يصح أن يقال صدق لكون المخبر عنه كذلك ويصح أن يقال كذب لمخالفة قوله لضميره (وإن البر يهدي) يوصل (إلى الجنة وإن الرجل ليصدق) في السر والعلانية ويتكرر ذلك منه (حتى يكون صديقًا) بكسر الصاد والدال المشددة وهو من أبنية المبالغة ونظيره الضحيك والمراد فرط صدقه حتى يصدق قوله العمل فالتنكير للتعظيم والتفخيم أي بلغ في الصدق إلى غايته ونهايته حتى دخل زمرتهم واستحق ثوابهم (وإن الكذب يهدي) يوصل (إلى الفجور) الذي هو ضد البر (وإن الفجور هدي) يوصل (إلى النار) قال تعالى: ﴿إن الإبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ [الانفطار: ١٤] (وإن الرجل ليكذب) ويتكرر ذلك منه (حتى يكتب) بضم أوّله مبنيًا للمفعول (عند الله كذابًا) أي يحكم له بذلك ويظهره للمخلوقين من الملأ الأعلى ويلقي ذلك في قلوب أهل الأرض وألسنتهم فيستحق بذلك صفة الكذابين وعقابهم، ولأبي ذر عن الكشميهني: حتى يكون بدل يكتب، وعن ابن مسعود مما ذكره الإمام مالك بلاغًا: لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب فينكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فيكتب عند الله من الكذابين.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الأدب أيضًا.
٦٠٩٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِى سُهَيْلٍ، نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِى عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (ابن سلام) ولأبي ذر محمد بن سلام قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري (عن أبي سهيل) بضم السين المهملة (نافع بن مالك بن أبي عامر) الأصبحي (عن أبيه عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(آية المنافق) والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان والنافقاء إحدى حجرة اليربوع فإذا أتي من قبل القاصعات وهو حجره الذي يقصع فيه أي يدخل ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج تقول نافق اليربوع أي أخذ في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق وهو الذي يدخل في الشرع في باب ويخرج من باب أيضًا يكتم الكفر ويظهر الإيمان كما أن اليربوع يكتم النافقاء ويظهر القاصعاء والآية العلامة أي علامة المنافق (ثلاث إذا حدث كذب) فأخبر عن الشيء على خلاف ما هو به (وإذا وعد أخلف) فلم يف بما وعد به (وإذا اؤتمن) أمانة (خان) فلم يؤدّها إلى أهلها. قال التوربشتي: من اجتمعت فيه هذه الخصال واستمرّت أحواله عليها فبالحري أن يسمى منافقًا، وأما المؤمن المفتون بها فإنه إن فعلها مرة تركها أخرى وإن أصر عليها زمانًا أقلع عنها زمانًا آخر وإن وجدت فيه خلة عدمت منه أخرى، وقال الخطابي: هذا القول إنما خرج على سبيل الإنذار للمرء المسلم والتحذير له أن يعتاد هذه الخصال فتفضي به إلى النفاق لا أنه منافق إن ندرت منه هذه الخصال أو فعل شيئًا منها من غير اعتياد.
والحديث سبق في باب علامة
стр. 3854
المنافق من كتاب الإيمان.
٦٠٩٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِى قَالَا الَّذِى رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ بِالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا جرير) هو ابن حازم قال: (حدّثنا أبو رجاء) بفتح الراء والجيم والهمز عمران العطاردي (عن سمرة بن جندب ﵁¬) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(رأيت) في المنام ملكين على صورة (رجلين) ولأبي ذر رأيت الليلة رجلين (أتياني قالا: الذي رأيته يشق شدقه) بضم أوله وفتح المعجمة. كذا أورده هنا مختصرًا ومطولاً في الجنائز فقال: رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي وأخرجاني إلى أرض مقدسة فإذا رجل قائم بيده كلوب من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق الحديث. وفيه فقلت لهما: طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت. قالا: نعم أما الذي رأيته يشق شدقه (فكذاب يكذب بالكذبة) بفتح الكاف وتكسر وسكون المعجمة (تحمل عنه) بضم الفوقية وفتح الميم (حتى تبلغ الآفاق) بمد الهمزة (فيصنع به) ما رأيت من شق شدقه (إلى يوم القيامة) لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد وإنما جعل عذابه في الفم لأنه موضع المعصية، وقوله فكذاب بالفاء. استشكل بأن الموصول الذي يدخل خبره الفاء يشترط أن يكون مبهمًا عامًّا. وأجاب ابن مالك بأنه نزل المعين المبهم منزلة العام إشارة إلى اشتراك من يتصف بذلك من العقاب المذكور.
٧٠ - باب فِى الْهَدْىِ الصَّالِحِ
هذا (باب) بالتنوين (في) بيان (الهدي الصالح) بفتح الهاء وسكون المهملة، وسقط لأبي ذر لفظ في فباب مضاف إلى الهدي، وفي حديث ابن عباس المروي في الأدب المفرد للمؤلّف مرفوعًا "الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوّة" وكذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود بسند حسن.
٦٠٩٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِى أُسَامَةَ حَدَّثَكُمُ الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقًا، قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلاًّ وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ مِنْ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ لَا نَدْرِى مَا يَصْنَعُ فِى أَهْلِهِ إِذَا خَلَا.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (إسحاق بن إبراهيم) قال في الفتح: هو ابن راهويه (قال: قلت لأبي أسامة) حماد بن أسامة (أحدثكم الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (قال: سمعت شقيقًا) أبا وائل (قال: سمعت حذيفة) بن اليمان (يقول: إن أشبه) ولأبي ذر زيادة ناس (دلاًّ) بفتح الدال المهملة وتشديد اللام حسن الحركة في المشي والحديث وغيرهما (وسمتًا) بفتح السين المهملة وسكون الميم حسن النظر في أمر الدين (وهديًا) بفتح الهاء وسكون المهملة وهو قريب من معنى الدل. قال الكرماني: وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل (برسول الله ﷺ لابن أم عبد) عبد الله بن مسعود واللام في لابن مفتوحة تأكيدًا بعد التأكيد بإنّ المكسورة التي في أول الحديث (من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه) أي إلى بيته فإذا رجع (لا ندري ما يصنع في أهله إذا خلا) بهم إذ يجوز أن يكون انبساطه يزيد أو ينقص عن هيئة رسول الله ﷺ في أهله ولم يذكر جواب أبي أسامة في آخر الحديث. وأجيب: بأن السكوت عن الجواب قائم مقام التصديق عند القرائن، وفي مسند إسحاق بن راهويه أنه قال في آخره: فأقرّ به أبو أسامة وقال: نعم وحديث الباب من أفراده.
٦٠٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُخَارِقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ طَارِقًا قَالَ: قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
[الحديث ٦٠٩٨ - طرفه في: ٧٢٧٧].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن مخارق) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف راء فقاف هو ابن عبد الله ويقال: ابن خليفة الأحمسي أنه (قال: سمعت طارقًا) هو ابن شهاب الأحمسي (قال: قال عبد الله) هو ابن مسعود لا عبد الله بن عمر: (إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هديُ محمد ﷺ ¬) بفتح الهاء وسكون الدال المهملة فيهما ويروى بضم الهاء وفتح الدال ضد الضلال زاد أبو نعيم في مستخرجه من طريق خليفة عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك وشر الأمور محدثاتها وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. والحديث ورد موقوفًا في كثير من الطرق، وفي بعضها مرفوعًا
من حديث جابر عند مسلم وأبي داود وغيرهما بألفاظ مختلفة، وحديث الباب من أفراده.
٧١ - باب الصَّبْرِ عَلَى الأَذَى
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
(باب) فضيلة (الصبر) أي حبس النفس عن المجازاة (على الأذى) قولاً وفعلاً، ولأبي ذر في الأذى
стр. 3855
(وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على المجرور السابق (﴿إنما يوفي الصابرون﴾) على تحمل المشاق من تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير (﴿أجرهم بغير حساب﴾) [الزمر: ١٠] قال ابن عباس ﵄: لا يهتدى إليه حساب الحساب ولا يعرف، وقال مالك بن أنس: هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها، وقد ذكر الله تعالى الصبر في خمسة وتسعين موضعًا من القرآن. وفي الصحيحين حديث: ما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر وهو عبارة عن ثبات باعث الذين في مقاومة باعث الهوى قاله في قوت الأحياء، وفي البلاء كتم الشكوى لغيره تعالى، والصبي والمجنون فيه مثابان إذ كسبهما التوجع ولا صبر عليهما فتأثير البلاء بلا صبر في التفكير غالبًا ومع الصبر فمزيد الأجر وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا.
٦٠٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِى الأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِىِّ، عَنْ أَبِى مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ -أَوْ لَيْسَ شَىْءٌ- أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن سفيان) أنه (قال: حدثني) بالإفراد (الأعمش) سليمان بن مهران (عن سعيد بن جبير عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب (السلمي) بضم السين المهملة وفتح اللام وكسر الميم (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ليس أحد أو ليس شيء) بالشك من الراوي (أصبر) أفعل تفضيل من الصبر أي أحلم (على أذى سمعه من الله) . قال الكرماني: صلة لقوله أصبر وأصبر بمعنى أحلم كما مرّ يعني حبس العقوبة عن مستحقها إلى زمان آخر يعني تأخيرها (إنهم ليدعون له) تعالى (ولدًا) بيان لسابقه واللام في ليدعون للتأكيد وداله ساكنة أي ينسبون إليه ما هو منزه عنه (وأنه) تعالى (ليعافيهم) في أنفسهم (ويرزقهم) صفة فعل من أفعاله تعالى فهو من صفات فعله لأن رازقًا يقتضي مرزوقًا، والله كان ولا مرزوق وكل ما لم يكن ثم كان فهو محدث والله تعالى موصوف بأنه الرزاق وصف نفسه بذلك قبل خلق الخلق يعني أنه تعالى سيرزق إذا خلق المرزوقين.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد ومسلم في التوبة والنسائي في النعوت.
٦١٠٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَسَمَ النَّبِىُّ ﷺ قِسْمَةً كَبَعْضِ مَا كَانَ يَقْسِمُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ قُلْتُ: أَمَّا أَنَا لأَقُولَنَّ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَأَتَيْتُهُ وَهْوَ فِى أَصْحَابِهِ فَسَارَرْتُهُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَغَضِبَ حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّى لَمْ أَكُنْ أَخْبَرْتُهُ ثُمَّ قَالَ: «قَدْ أُوذِىَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: سمعت شقيقًا) أبا وائل بن سلمة (يقول: قال عبد الله) بن مسعود ﵁: (قسم النبي ﷺ ¬) يوم حنين (قسمة كبعض ما كان يقسم) في غيرها من المغازي من تنفيل المؤلّفة (فقال رجل من الأنصار): اسمه معتب بن قشير المنافق كما قاله الواقدي (والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله) قال ابن مسعود (قلت: أما أنا) بفتح الهمزة وتشديد الميم ولأبي ذر عن الكشميهني أم بتخفيف الميم وحذف الألف بعدها (لأقولن) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أما بتخفيف الميم وإثبات الألف بعدها حرف تنبيه لأقولن (للنبي ﷺ ¬) مقالته (فأتيته وهو في أصحابه فساررته) بذلك (فشق ذلك على النبي ﷺ وتغير وجهه وغضب حتى وددت أني لم أكن أخبرته) بذلك (ثم قال) ﷺ :
(قد أوذي موسى) ﵇ (بأكثر من ذلك) الذي قاله الرجل الأنصاري (فصبر) أشار إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالدين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] والمراد براءته عن مضمون القول ومؤداه وهو الأمر المعيب، وأذى موسى ﵇ هو حديث المومسة التي أمرها قارون أن تزعم أن موسى ﵇ راودها حتى كان ذلك سبب هلاك قارون، أو لاتهامهم إياه بقتل هارون فأحياه الله تعالى فأخبرهم ببراءة موسى، أو قولهم آدر.
وهذا الحديث سبق في أحاديث الأنبياء، ويأتي إن شاء الله تعالى في الدعوات، وأخرجه مسلم في الزكاة.
٧٢ - باب مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالْعِتَابِ
(باب من لم يواجه الناس بالعتاب) حياء منهم.
٦١٠١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: صَنَعَ النَّبِىُّ ﷺ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّىْءِ أَصْنَعُهُ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّى لأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا مسلم) قال الحافظ ابن حجر: هو ابن صبيح أو الضحى، ووهم من زعم أنه ابن عمران البطين
стр. 3856
(عن مسروق) أبي عائشة بن الأجدع أحد الأعلام أنه قال: (قالت عائشة) ﵂: (صنع النبي ﷺ شيئًا) أي يقف على معرفته (فرخص فيه فتنزه عنه قوم) فاحترزوا عنه، ولم يعرف الحافظ ابن حجر أعيان القوم المذكورين (فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب فحمد الله ثم قال):
(ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه) ولم يقل ما بالك يا فلان على المواجهة (فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية) فجمع بين القوة العلمية والعملية.
والحديث أخرجه في الاعتصام، ومسلم في فضائل النبي ﷺ ، والنسائي في اليوم والليلة.
٦١٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ: هُوَ ابْنُ أَبِى عُتْبَةَ مَوْلَى أَنَسٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِى خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِى وَجْهِهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) لقب عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة السدوسي الحافظ المفسر أنه قال: (سمعت عبد الله هو ابن أبي عتبة) بضم العين وسكون الفوقية (مولى أنس عن أبي سعيد الخدري) ﵁ أنه (قال: كان النبي ﷺ أشدّ حياء) الحياء تغير وانكسار عند خوف ما يعاب أو يذم (من العذراء) بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة البكر لأن عذرتها وهي جلدة البكارة باقية إذا دخل عليها (في خدرها) بكسر الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة أي في سترها وهو من باب التفهيم لأن البكر في الخلوة يشتد حياؤها لأن الخلوة مظنّة وقوع الفعل بها (فإذا رأى) ﷺ (شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه) لتغيره بسبب ذلك.
والحديث سبق في صفة النبي ﷺ .
٧٣ - باب مَنْ كَفَّرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهْوَ كَمَا قَالَ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (من كفر) بتشديد الفاء ولأبي ذر من أكفر (أخاه) المسلم دعاه كافرًا أو نسبه إلى الكفر (بغير تأويل) في تكفيره (فهو) أي الذي أكفره (كما قال): لأخيه جواب الشرط في قوله: من كفر أي رجع عليه.
٦١٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا». وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ
عَمَّارٍ: عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن يحيى الذهلي (وأحمد بن سعيد) أي ابن صخر الدارمي. قال في الفتح: جزم بذلك أبو نصر الكلاباذي، وقال في الكواكب، قال الغساني: محمد هو ابن بشار بإعجام الشين أو ابن المثنى ضد المفرد وأحمد بن سعيد الدارمي بالدال والراء (قالا: حدّثنا عثمان بن عمر) بضم العين ابن فارس العبدي البصري قال: (أخبرنا علي بن المبارك) الهنائي (عن يحيى بن أبي كثير) أبي نصر اليماني الطائي مولاهم أحد الأعلام (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(إذا قال الرجل لأخيه) المسلم (يا كافر) ولأبي ذر قال الرجل لأخيه كافر بإسقاط حرف النداء وبالتنوين (فقد باء) بالموحدة والمد رجع (به) أي بالكفر (إحدهما) لأنه إن كان القائل صادقًا في نفس الأمر فالمرمي كافر وإن كان كاذبًا فقد جعل الرامي الإيمان كفرًا ومن جعل الإيمان كفرًا فقد كفر، كذا حمله البخاري على تحقق الكفر على أحدهما بمقتضى الترجمة ولذا ترجم عليه مقيدًا بغير تأويل، وحمله بعضهم على الزجر والتغليظ فيكون ظاهره غير مراد.
والحديث من أفراده.
(وقال عكرمة بن عمار) بتشديد الميم فيما وصله الحارث بن أبي أسامة وأبو نعيم في مستخرجه (عن يحيى) بن أبي كثير (عن عبد الله بن يزيد) من الزيادة مولى الأسود المخزومي وليس له في البخاري سوى هذا وآخر موصولاً في التفسير أنه (سمع أبا سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف أنه (سمع أبا هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬).
٦١٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن عبد الله بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم (عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(أيما رجل قال لأخيه) المسلم (يا كافر) ولأبي ذر بإسقاط أداة النداء والتنوين (فقد باء) رجع (بها) بالكلمة أو بالخصلة (أحدهما) قيل المراد بأحدهما القائل خاصة
стр. 3857
وهذا على مذهبهم في استعمال الكناية وترك التصريح بالسوء كقول الرجل لمن أراد أن يكذبه: والله إن أحدنا لكاذب ويريد خصمه على التعيين، وحمله بعضهم على المستحل لذلك إذ المسلم لا يكفر بالمعصية، أو المراد رجع عليه التكفير إذ كأنه كفر نفسه لأنه كفر من هو مثله، أو المراد أن ذلك يؤول به إلى الكفر لأن المعاصي بريد الكفر ويخاف على المكثر منها أن تكون عاقبة شؤمها المصير إليه.
٦١٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء مصغرًا ابن خالد قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي (عن ثابت بن الضحاك) بن خليفة بن ثعلبة الأنصاري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من حلف بملّة غير) ملّة (الإسلام) كأن يقول: إن فعل كذا فهو يهودي (كاذبًا فهو كما قال). كاذب لا كافر لأنه ما تعمد الكذب الذي حلف عليه التزام الملة التي حلف بها بل كان ذلك على سبيل الخديعة للمحلوف له وأما من حلف بها وهو فيما حلف عليه صادق فهو لتصحيح براءته من تلك الملة مثل أن يقول: هو يهودي إن أكل اليوم ولم يأكل فيه فلم يتوجه عليه إثم لعقد نيته على نفيها شرطها لكنه لا يبرأ من الملامة لمخالفته حديث: من كان حالفًا فليحلف بالله. نعم يكفر إن أراد أن يكون متصفًا بذلك إذا وقع المحلوف عليه لأن إرادة الكفر كفر (ومن فتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم) فعذابه من جنس علمه (ولعن المؤمن كقتله) لأن اللعن تبعيد من رحمة الله والقتل تبعيد من الحياة (ومن رمى مؤمنًا بكفر) كان قال: يا كافر (فهو) أي الرمي (كقتله) في التحريم أو في التألم، ووجه المشابهة أن النسبة إلى الكفر الموجب للقتل كالقتل في أن المتسبب للشيء كفاعله.
والحديث سبق في الجنائز.
٧٤ - باب مَنْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ مُتَأَوِّلاً أَوْ جَاهِلاً
وَقَالَ عُمَرُ لِحَاطِبٍ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ».
(باب من لم ير إكفار من قال ذلك) القول السابق في الترجمة المتقدمة حال كونه (متأولاً) بأن ظنه كذا (أو) قال حال كونه (جاهلاً) بحكم ذلك القول أو المقول فيه.
(وقال عمر) بن الخطاب ﵁ (لحاطب) بالحاء والطاء المهملتين بينهما ألف وآخره موحدة، ولأبي ذر بزيادة ابن أبي بلتعة مما سبق موصولاً في سورة الممتحنة لما ظن نفاقه بكتابه إلى أهل مكة يخبرهم أن النبي ﷺ يغزوهم (أنه منافق) وللحموي والمستملي أنه نافق بصيغة الماضي (فقال النبي ﷺ ¬) لعمر:
(وما يدريك لعل الله قد اطّلع الى) ولأبي ذر عن الكشميهني على (أهل بدر) الذين حضروا وقعتها (فقال: قد غفرت لكم) ومعنى الترجي راجع إلى عمر لأن وقوع هذا الأمر محقق عند النبي ﷺ .
٦١٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا سَلِيمٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ كَانَ يُصَلِّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَأْتِى قَوْمَهُ فَيُصَلِّى بِهِمُ الصَّلَاةَ فَقَرَأَ بِهِمُ الْبَقَرَةَ قَالَ: فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا وَنَسْقِى بِنَوَاضِحِنَا وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا الْبَارِحَةَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ فَتَجَوَّزْتُ فَزَعَمَ أَنِّى مُنَافِقٌ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ»؟ ثَلَاثًا «اقْرَأْ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَنَحْوَهَا».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبادة) الواسطي بفتح العين المهملة والموحدة المخففة كما ذكره الحفاظ الدارقطني وابن ماكولا وأبو علي الغساني والحافظ عبد الغني روى عنه البخاري هنا وفي كتاب الاعتصام قال: (أخبرنا يزيد) من الزيادة ابن هارون قال: (أخبرنا سليم) بفتح السين المهملة وكسر اللام ابن حبان الهذلي البصري قال: (حدّثنا عمرو بن دينار) قال: (حدّثنا جابر بن عبد الله) الأنصاري (أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي قومه) بني سلمة (فيصلّي بهم الصلاة) التي صلاها مع النبي ﷺ ، ولأبي ذر: صلاة وكانت صلاة العشاء، ولأبي داود والنسائي: صلاة المغرب، لكن قال البيهقي: رواية العشاء أصح (فقرأ بهم البقرة) ولمسلم فافتتح سورة البقرة (قال) جابر: (فتجوّز رجل) هو حزم بن أبي بن كعب كما عند أبي داود وابن حبان، وعند الخطيب هو سلم بن الحارث ولابن الأثير حرام بن ملحان أي فخفف (فصلّى) منفردًا (صلاة خفيفة) بأن يكون قطع الصلاة أو قطع القدوة (فبلغ ذلك معاذًا فقال: إنه منافق) قال ذلك متأولاً ظانًّا أن التارك للجماعة منافق (فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا) جمع ناضح بالضاد المعجمة والحاء المهملة
стр. 3858
البعير الذي يسقى عليه (وإن معاذًا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة فتجوّزت) في صلاتي (فزعم أني منافق فقال النبي ﷺ ¬):
(يا معاذ أفتان أنت) قال له ذلك (ثلاثًا). أي منفر عن الجماعة والهمزة للاستفهام الإنكاري (اقرأ) إذا كنت إمامًا (والشمس وضحاها وسبح اسم ربك الأعلى ونحوهما) من قصار المفصل.
والحديث سبق في الصلاة في باب إذا طوّل الإمام وكان للرجل حاجة فخرج.
٦١٠٧ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِى حَلِفِهِ: بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (إسحق) بن راهويه كما عند ابن السكن وجزم به في الفتح وقال الكلاباذي: ابن منصور قال: (أخبرنا أبو المغيرة) عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي من شيوخ البخاري قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن قال: (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم (عن حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم مصغرًا ابن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من حلف منكم فقال في حلفه) بفتح الحاء وكسر اللام ناسيًا أو جاهلاً (باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله) لأنه فعل صورة تعظيم الأصنام حين حلف بها فأمره أن يتدارك ذلك بكلمة التوحيد (ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك) بالجزم (فليتصدق) بما تيسر.
والحديث سبق في تفسير سورة النجم.
٦١٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِى رَكْبٍ وَهْوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ وَإِلاَّ فَلْيَصْمُتْ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا ليث) هو ابن سعد الفهمي الإمام ولأبي ذر الليث (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄ أنه أدرك) أباه (عمر بن الخطاب) ﵁ (في ركب وهو يحلف بأبيه) الواو للحال (فناداهم رسول الله ﷺ ¬):
(ألا) بتخفيف اللام للتنبيه (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) لأن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى فلا يضاهي بها غيره (فمن كان حالفًا فليحلف بالله وإلاّ فليصمت) ولأبي ذر عن الكشميهني: أو ليصمت بضم الميم فيهما ليسكت. قال في الفتح: وفي بعض طرق الحديث من حلف بغير الله فقد أشرك، لكن لما كان حلف عمر بذلك قبل أن يسمع النهي كان معذورًا. فلذا اقتصر ﷺ على نهيه ولم يؤاخذه لأنه تأوّل أن حق أبيه عليه يقتضي أنه يستحق أن يحلف به فبين له ﵊ الحكم. وقال في المصابيح: وجه المطابقة أن عمر ﵁ لما حلف بأبيه الخطاب ولم يكن الخطاب مؤمنًا والحلف فيه تعظيم للمحلوف به فيلزم أن يكون الحلف بالكافر تعظيمًا له لكن عذره بالتأويل فتأمله فإن فيه بحثًا على ما يظهر اهـ.
والحديث سبق في سورة النجم.
٧٥ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الْغَضَبِ وَالشِّدَّةِ لأَمْرِ اللَّهِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]
(باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله) (وقال الله تعالى: ﴿جاهد الكفار﴾) بالسيف (﴿والمنافقين﴾) بالقول الغليظ والوعظ البليغ أو بإقامة الحدود عليهم (﴿واغلظ عليهم﴾)
[التوبة: ٧٣] على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجّة باللسّان.
٦١٠٩ - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ ﷺ وَفِى الْبَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ وَقَالَتْ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ».
وبه قال: (حدّثنا يَسَرة بن صفوان) بفتح التحتية والمهملة والراء اللخمي قال: (حدّثنا إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: دخل عليّ) بتشديد الياء (النبي ﷺ وفي البيت قرام) بكسر القاف وتخفيف الراء ستر (فيه صور) بضم المهملة وفتح الواو وجمع صورة أي صور حيوانات (فتلون) أي تغيّر (وجهه) الشريف غضبًا لله تعالى (ثم تناول الستر) وهو القرام المذكور (فهتكه) أي جذبه فقطعه (وقالت) ﵂: (قال: النبي ﷺ ¬):
(من أشدّ) ولأبي ذر إن من أشد (الناس عذابًا يوم القيامة الذين يصوّرون هذه الصور). لأنهم يصوّرون الصور لتعبد أو لأنها صور ما كانوا يعبدونه فهم كفرة والكفرة أشد الناس عذابًا.
والحديث سبق في اللباس.
٦١١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّى لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِى مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل بن أبي خالد) الكوفي الحافظ أنه قال: (حدّثنا قيس بن أبي حازم) البجلي التابعي الكبير (عن أبي مسعود) عقبة بن عامر البدري
стр. 3859
(﵁) أنه (قال: أتى رجل) اسمه حزم بن أبي بن كعب أو سليم (النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عن) حضور الجماعة في (صلاة الغداة) وهي الصبح (من أجل فلان) معاذ أو أبي بن كعب (مما يطيل بنا) الباء في بنا باء التعدية ومن في من أجل لابتداء الغاية أي ابتداء تأخري لأجل إطالة فلان وفلانة كناية عن العلم. قال ابن الحاجب: وفلان وفلانة كناية عن أسماء الأناسي وهي أعلام، والدليل على علميتها منع صرف فلانة وليس فيه إلا التأنيث والتأنيث لا يمنع إلا مع العلمية ولأنه يمتنع دخول الألف واللام عليه اهـ. وفلانة
كما قال ممتنع وفلان منصرف وإن كان فيه العلمية لتخلف السبب الثاني والألف والنون فيه ليستا
زائدتين بل هو موضوع هكذا.
(قال) أبو مسعود (فما رأيت رسول الله- ﷺ قط) غضب غضبًا (أشد غضبًا في موعظة منه) أي أشد من غضبه ﷺ (يومئذ) وأشدّ لا ينصرف للوزن والصفة وقط بفتح القاف وضم الطاء مشددة ظرف زمان لاستغراق ما مضى يختص بالنفي، ولا يجوز دخولها على فعل الحال ولحن من قال: لا أفعله قط. وقال ابن مالك في شواهد التوضيح: قد تستعمل قط غير مسبوقة بنفي وهو مما خفي على كثير من النحويين لأن المعهود استعمالها لاستغراق الزمان الماضي بعد نفي نحو ما فعلته قط، وقد جاء في حديث حارثة بن وهب صلّى بنا رسول الله ﷺ ونحن أكثر ما كنا قط قال في العمدة: ويحتمل أن يكون الكلام بمعنى النفي والتقدير: ونحن ما كنا قط أكثر منا يومئذ (قال) أبو مسعود (فقال) ﷺ :
(يا أيها الناس إن منكم منفرين) للناس عن حضور الجماعة (فأيكم ما صلّى بالناس فليجوّز) أي فليخفف وما زائدة للتأكيد (فإن فيهم) في الناس (المريض) والشيخ (الكبير وذا الحاجة) أي صاحبها الذي يخشى فواتها لو طوّل فيصير ملتفتًا لحاجته فيتضرر إما بفواتها أو بترك الخشوع والخضوع.
والحديث سبق في صلاة الجماعة.
٦١١١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: بَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى رَأَى فِى قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً فَحَكَّهَا بِيَدِهِ فَتَغَيَّظَ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِى الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ حِيَالَ وَجْهِهِ، فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ حِيَالَ وَجْهِهِ فِى الصَّلَاةِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا جويرية) بضم الجيم مصغرًا ابن أسماء (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵁) وعن أبيه أنه (قال: بينا) بغير ميم (النبي ﷺ يصلي رأى في) جدار (قبلة المسجد نخامة) بضم النون وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف ميم ما يخرج من الصدر أو النخاعة بالعين من الصدر وبالميم من المعدة (فحكها) بالكاف أي النخامة (بيده فتغيظ) لله تعالى (ثم قال):
(إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله حيال وجهه) بكسر الحاء المهملة وتخفيف التحتية أي مقابل وجهه والله تعالى منزه عن الجهة والمكان فليس المراد ظاهر اللفظ إذ هو محال فيجب تأويله فقيل هو على التشبيه أي كأن الله في مقابلة وجهه وقيل غير ذلك مما يليق بالمقام العالي (فلا يتنخمن) أحدكم (حيال وجهه في الصلاة).
والحديث سبق في حلّ البصاق من كتاب الصلاة والمطابقة هنا بينه وبين الترجمة في قوله: فتغيظ.
٦١١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا رَبِيعَةُ بْنُ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِىَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: «مَالَكَ وَلَهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (محمد) هو ابن سلام قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) المدني الأنصاري الزرقي قال: (أخبرنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن) فروخ مولى آل المنكدر أبو عثمان فقيه المدينة صاحب الرأي (عن يزيد) من الزيادة (مولى المنبعث) بضم الميم وسكون النون وفتح الموحدة وكسر المهملة بعدها مثلثة مدني (عن زيد بن خالد الجهني) أبي عبد الرحمن أو أبي زرعة أو أبي طلحة شهد الحديبية ﵁ (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ ¬) الرجل هو عمير أبو مالك رواه الإسماعيلي وأبو موسى في الذيل من طريقه، وفي الأوسط للطبراني أنه زيد بن خالد الجهني، وفي رواية سفيان الثوري عن ربيعة عند المصنف: جاء أعرابي، وعند ابن بشكوال أنه بلال، وتعقب بأنه لا يقال له أعرابي، ولكن الحديث في أبي داود، وفي رواية صحيحة: جئت أنا ورجل معي فيفسر الأعرابي بغير أبي مالك ويحتمل أنه زيد بن خالد سألا عن ذلك وكذا
стр. 3860
بلال وفي معجم البغوي وغيره بسند جيد من طريق عقبة بن سويد عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ (عن اللقطة) قال في المقدمة: وهو أولى ما فسر به المبهم الذي في الصحيح (فقال) ﷺ :
(عرفها سنة) ظرف أي في سنة (ثم اعرف وكاءها) بكسر الواو وبالهمز ممدودًا خيطها الذي تشد به والفاعل ضمير الملتقط السائل بمعنى إذا وجدتها (وعفاصها) بكسر العين المهملة وبالفاء والصاد المهملة الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدًا كان أو غيره (ثم استنفق) بكسر الفاء وجزم القاف أي استمتع (بها) وتصرف فيها (فإن جاء ربها) مالكها (فأدها إليه قال) الرجل: (يا رسول الله ﷺ فضالة الغنم) ما حكمها (قال) ﷺ : (خذها فإنما هي لك) إن أخذتها (أو لأخيك) يجدها فيأخذها أو مالكها (أو للذئب) إن لم تأخذها أنت أو غيرك أو مالكها والمراد التحريض على أخذها حفظًا لحق صاحبها (قال) الرجل: (يا رسول الله فضالة الإبل) ما حكمها؟ (قال) زيد بن خالد: (فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرّت وجنتاه) من شدة الغضب (أو احمرّ وجهه) بالشك من الراوي (ثم قال: ما لك ولها) استفهام إنكاري مبتدأ والخبر في المجرور رأى ما كائن لك ولها معطوف على ما لك أي لم تأخذها وهي مستقلة بمعيشتها (معها حذاؤها) بكسر الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة (وسقاؤها) بكسر السين المهملة ممددًا، وهذا من المجاز عبّر ﷺ للرجل بما يفهم منه المنع من أخذها لأجل الحفظ، والسقاء وهو خفها وكرشها مع صبرها (حتى يلقاها ربها) مالكها
فهي لا تحتاج إلى حفظ لأنها محفوظة بما خلق الله فيها من القوة والمنعة وما يسر لها من الأكل والشرب.
والحديث سبق في اللقطة.
٦١١٣ - وَقَالَ الْمَكِّىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُجَيْرَةً مُخَصَّفَةً -أَوْ حَصِيرًا- فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى فِيهَا فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً، فَحَضَرُوا وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا الْبَابَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مُغْضَبًا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِى بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِى بَيْتِهِ إِلاَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ».
(وقال المكي) بن إبراهيم شيخ المؤلّف فيما وصله الإمام أحمد والدارمي في مسنديهما والمكي: اسم له لا نسبة لمكة (حدّثنا عبد الله بن سعيد) بكسر العين ابن أبي هند الفزاري (ح).
قال البخاري: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدثني بالواو (محمد بن زياد) الزيادي وليس له في البخاري إلا هذا الحديث قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) المعروف بغندر قال: (حدّثنا عبد الله بن سعيد) بكسر العين ابن أبي هند (قال: حدثني) بالإفراد (سالم أبو النضر) بالضاد المعجمة الساكنة (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين وفتح الموحدة (عن بسر بن سعيد) بضم الموحدة وسكون المهملة وسعيد بكسر العين المدني (عن زيد بن ثابت) الأنصاري (﵁) أنه (قال: احتجر) بالحاء المهملة الساكنة وفتح الفوقية والجيم بعدها راء ولأبي ذر عن الكشميهني احتجز بالزاي بدل الراء (رسول الله ﷺ حجيرة) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وسكون التحتية مصغرًا وللكشميهني حجيرة بفتح الحاء وكسر الجيم أي حوّط موضعًا من المسجد بحصير يستره ليصلّي فيه ولا يمر عليه أحد ومعنى التي بالزاي بناء حاجزًا أي مانعة بينه وبين الناس (مخصفة) بضم الميم وفتح المعجمة والمهملة المشددة بعدها فاء متخذة من سعف. قال ابن بطال: يقال خصفت على نفسي ثوبًا أي جمعت بين طرفيه بعود أو خيط وفي نسخة بخصفة بموحدة بدل الميم وتخفيف الصاد (أو حصيرًا) بالشك من الراوي وهما بمعنى واحد زاد في باب صلاة الليل في رمضان (فخرج رسول الله ﷺ يصلّي إليها فتتبع) بفتح الفوقيتين والموحدة المشددة (إليه رجال) من التتبع وهو الطلب أي طلبوا موضعه (وجاؤوا يصلون بصلاته ثم جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا) بالحاء والصاد المهملتين
والموحدة رموا (الباب) بالحصاء وهي الحصاة الصغيرة تنبيهًا له لظنهم أنه نسي (فخرج اليهم) ﷺ حال كونه (مغضبًا) بفتح الضاد لكونهم اجتمعوا بغير أمره ولم يكتفوا بالإشارة منه لكونه لم يخرج إليهم بل بالغوا وحصبوا بابه أو لكونه تأخر إشفاقًا عليهم لئلا تفرض
стр. 3861
عليهم وهم يظنون غير ذلك (فقال: لهم رسول الله ﷺ ¬):
(ما زال بكم) أي متلبسًا بكم (صنيعكم) أي مصنوعكم وهو صلاتكم (حنى ظننت) أي خفت (أنه سيكتب) أي سيفرض (عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة) المفروضة وما شرع جماعة.
والحديث سبق في باب صلاة الليل من كتاب الصلاة.
٧٦ - باب الْحَذَرِ مِنَ الْغَضَبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. [الشورى: ٣٧]
(باب الحذر من الغضب) وهو شعلة نار صفة شيطانية وحقيقته غليان دم القلب بنار غضبه لإرادة الانتقام (لقول الله تعالى) في سورة الشورى: (﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش﴾) أي الكبائر من هذا الجنس والكبيرة ما توعد عليه، وقرأ حمزة والكسائي كبير كقدير، ونقل الزمخشري عن ابن عباس أن الإثم هو الشرك، وتعقب بأنه تقدم ذكر الإيمان وهو يقتضي عدم الشرك، ولعل المراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والشبهات وبالفواحش ما يتعلق بالقوّة الشهوانية (﴿وإذا ما غضبوا﴾) من أمور دنياهم (﴿هم يغفرون﴾) [الشورى: ٣٧] أي هم الأخصاء بالغفران في حال الغضب أي يحملون ويكظمون الغيظ، وخص الغضب بلفظ الغفران لأن الغضب على طبع النار واستيلاؤه شديد ومقاومته صعبة، فلهذا خصه الله بهذا اللفظ وإذا أنصب بيغفرون ويغفرون خبر لهم والجملة عطف على الصلة وهو يجتنبون (﴿والذين﴾) ولأبي ذر وقوله : (﴿الذين﴾) (﴿ينفقون في السراء والضراء﴾) في حال اليسر والعسر وسواء كانوا في سرور أو حزن وسواء سرهم ذلك الإنفاق بأن كان على وفق طبعهم أو ساءهم بأن كان على خلافه فإنهم لا يتركونه (﴿والكاظمين الغيظ﴾) أي الممسكين الغيظ عن الإمضاء يقال: كظم القربة إذا ملأها وشدّ فاها، ومنه كظم الغيظ وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر أثرًا، والغيظ توقد حرارة القلب من الغضب. وقال ابن الأثير: كظم الغيظ تجرعه واحتمال سيئه والصبر عليه، وفي حديث سهل بن سعد عن أبيه عند أبي داود والترمذي وابن ماجة مرفوعًا من كظم غيطًا وهو يقدر أن ينفذهُ دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء وروي عن عائشة مما
ذكره في الكشاف أن خادمًا لها غاظها فقالت: لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء. قال في فتوح الغيب: جعلت ﵂ الانتقام شفاء للغيظ تنبيهًا على أن الغيظ مرض لأنه عرض نفساني يجده الإنسان عند غليان دم قلبه تريد أن المتقي إذا كظم غيظه لا يمرض قلبه فلا يحتاج إلى التشفي أي لا غيظ له حتى يتشفى بالانتقام (﴿والعافين عن الناس﴾) إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه، وفي شعب البيهقي عن عمرو بن الحصين مرفوعًا إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش ليقم الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا (﴿والله يحب المحسنين﴾) [آل عمران: ١٣٤] اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون أو للعهد فالإشارة إليهم والإحسان أن تحسن إلى المسيء فإن الإحسان إلى المحسن مكافأة، والآية كما في اللباب من أقوى الدلائل على أن الله تعالى يعفو عن العصاة لأنه مدح الفاعلين لهذه الخصال وهو أكرم الأكرمين والعفوّ الغفور الحليم الآمر بالإحسان. فكيف يمدح بهذا الخصال ويندب إليها ولا يفعلها إن ذلك لممتنع في العقول، وقد سقط في رواية أبي ذر قولها ﴿والعافين﴾ إلى آخرها. وقال بعد قوله ﴿والكاظمين الغيظ﴾ الآية.
واستدلّ البخاري ﵀ بآيتين للحذر من الغضب، لكن قال في فتح الباري: إنه ليس فيهما دليل على ذلك إلا أنه لما ضم من يكظم غيظه إلى من يجتنب الفواحش كان ذلك إشارة إلى المقصود، وتعقبه في عمدة القاري بأن في كل من الآيتين دلالة عليه لأن الأولى تمدح الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذا كان مدحًا يكون ضده ذمًّا ومن المذموم عدم التجاوز عند الغضب فدلّ على التحذير من الغضب المذموم، وأما الآية الثانية ففي مدح المتقين الموصوفين بهذه الأوصاف فدلّ على أن ضدها
стр. 3862
مذموم فعدم كظم الغيظ وعدم العفو عين الغضب فدلّ على التحذير منه والله الموفق.
٦١١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) الدمشقي التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(ليس التشديد بالصرعة إنما التشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) فلا يغضب والصرعة بضم المهملة وفتح الراء وهو من أبنية المبالغة وكل ما جاء بهذا الوزن بالضم والفتح كهمزة ولمزة وحفظة وضحكة، والمراد بالصرعة من يصرع الناس كثيرًا بقوته فنقل إلى الذي يملك نفسه عند الغضب فإنه إذا ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه وشر خصومه، ولذا قيل: أعدى عدوّ لك نفسك التي بين جنبيك، وهذا من الألفاظ التي نقلت عن موضوعها اللغوي لضرب من التوسع والمجاز
وهو من فصيح الكلام لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد ثارت عليه شهوة الغضب فقهرها بحلمه وصرعها بثباته كان كالصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه. وفي حديث ابن مسعود عند مسلم مرفوعًا "ما تعدون الصرعة فيكم"؟ قالوا: الذي لا يصرعه الرجال. وعند البزار بسند حسن عن أنس أن النبي ﷺ مرّ بقوم يصطرعون فقال (ما هذا) قالوا: فلان ما يصارع أحدًا إلا صرعه. قال: "أفلا أدلكم على من هو أشد منه رجل كلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه".
وحديث الباب أخرجه مسلم في الأدب والنسائي في اليوم والليلة.
٦١١٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنِّى لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِىُّ ﷺ قَالَ: إِنِّى لَسْتُ بِمَجْنُونٍ.
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) أبو الحسن العبسي مولاهم الحافظ قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفيّ (عن عديّ بن ثابت) الأنصاري أنه قال: (حدّثنا سليمان بن صرد) بضم السين وصرد بضم الصاد وفتح الراء الخزاعي الكوفي الصحابي ﵁ أنه (قال: استب رجلان) أي يسميا أي تشاتمًا (عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه) يشتمه حال كونه (مغضبًا) بفتح الضاد المعجمة (قد احمرّ وجهه) من شدة الغضب (فقال النبي ﷺ ¬):
(إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد) من الغضب (لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) لأن الشيطان هو الذي يزيد للإنسان الغضب فالاستعاذة من أقوى السلاح على دفع كيده (فقالوا) أي الصحابة (للرجل) وفي سنن أبي داود إنه معاذ بن جبل (ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ قال: إني لست بمجنون) أي يعلم أن الغضب نوع من مس الشيطان ولعله كما قال النووي من المنافقين أو من جفاة الأعراب.
والحديث سبق في صفة إبليس، وفي باب السباب واللعن، وفيه: أن الاستعاذة تعين على ترك الغضب، وكذا استحضار ما في كظم الغيظ من الفضل وما في عاقبة الغضب من الوعيد وأن يستحضر أن لا فاعل إلا الله وكل فاعل غيره فهو آلة له، فمن توجه إليه مكروه من غيره واستحضر أن لو شاء الله لم يمكن ذلك الغير منه اندفع غضبه لأنه لو غضب والحالة هذه كانت غضبه على ربه وهو خلاف العبودية، ولعل هذا هو السر في أمر الذي غضب بالاستعاذة لأنه إذا توجه إلى ربه حينئذ بالاستعاذة أمكنه استحضار ما ذكر والله الموفق.
٦١١٦ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِىِّ ﷺ : أَوْصِنِى قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: «لَا تَغْضَبْ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (يحيى بن يوسف) الزمي بكسر الزاي والميم المشددة قال: (أخبرنا أبو بكر هو ابن عياش) بالتحتية المشددة والشين المعجمة راوي عاصم أحد القرّاء السبعة (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً) اسمه جارية بالجيم ابن قدامة كما عند أحمد وابن حبان (قال للنبي ﷺ : أوصني قال) ﷺ له:
(لا تغضب) زاد الطبراني من حديث سعد بن عبد الله الثقفي ولك الجنة (فردد مرارًا قال) (لا تغضب) زاد في رواية ثلاثًا قال الخطابي: أي اجتنب أسباب الغضب
стр. 3863
ولا تتعرض لما يجلبه لأن نفس الغضب مطبوع في الإنسان لا يمكن إخراجه من جبلته.
وقال ابن حبان: أراد لا تعمل بعد الغضب شيئًا مما نهيت عنه لا أنه نهاه عن شيء جبل عليه ولا حيلة له في دفعه، وقد اشتملت هذه الكلمة اللطيفة من الحكم واستجلاب المصالح والنعم ودرء المفاسد والنقم على ما لا يحصى بالعدو، وقد بين ذلك ما نقله في الفتح وأشار إليه في قوت الأحياء مع زيادة: وهو أن الله خلق الغضب من النار وجعله غريزة في الإنسان فمهما صدأ ونوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم، لأن البشرة تحكي لون ما وراءها وهذا إذا غضب من دونه واستشعر القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب فيصفر اللون حزنًا، وإن كان على النظير تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ويترتب على الغضب تغير الظاهر والباطن كتغير اللون والرعدة في الأطراف وخروج الأفعال على غير ترتيب واستحالة الخلقة حتى لو تراءى الغضبان نفسه في حال غضبه لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته هذا كله في الظاهر. وأما الباطن فقبحه أشد من الظاهر لأنه يولد الحقد في القلب والحسد وإضمار السوء ويزيد الشماتة وهجر المسلم ومصارمته والإعراض عنه والاستهزاء والسخرية ومنع الحقوق بل أوّل شيء يقبح منه باطنه وتغير ظاهره ثمرة تغير باطنه وهذا كله أثره في الجسد، وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش الذي يستحي منه العاقل ويندم قائله عند سكون الغضب ويظهر أثر الغضب أيضًا في الفعل بالضرب والقتل وإن فات بهرب المغضوب عليه رجع إلى نفسه فيمزق ثوب نفسه ويلطم خدّه وربما سقط صريعًا وربما أغمي عليه وربما كسر الآنية وضرب من ليس له في ذلك جريمة، وبالاعتدال تتم المصالح وشفاء كل علة ضدها بلا إسراف فاقمع أسباب الغضب من الكبر والفخر والهزء والمزح والتعيير والمماراة والغدر والحرص على فضول المال أو الجاه، فإذا أغضبت تثبت ثم تفكّر فضل كظم الغيظ ونحوه وأحسن تفز بما أخبر به تعالى: ﴿إن
الله مع المحسنين﴾ [العنكبوت: ٦٩] أو اعف ولا تقابل فتقابل وأطع الله فيمن أساء إليك وأنله فضلك يمنح بحسن خلقك حبك وأرغم الشيطان بالمبالغة في الإحسان، فإنه متى علم الشيطان منك أنه كلما وسوس إليك بجفاء بادرت الوفاء صار أكثر كيده أنه لا يأتيك كي يمنعك مخالفته، ومتى ضررت عدوّك بما ضر دينك فبنفسك بدأت فاختر لنفسك ما يحلو وبالله التوفيق والمستعان.
والحديث أخرجه الترمذي في البر.
٧٧ - باب الْحَيَاءِ
(باب) فضل (الحياء) بالمد وهو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.
٦١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى السَّوَّارِ الْعَدَوِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِى إِلاَّ بِخَيْرٍ» فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ، مَكْتُوبٌ فِى الْحِكْمَةِ إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً، فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِى عَنْ صَحِيفَتِكَ؟!.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أبي السوّار) بفتح السين المهملة والواو المشددة بعد الألف راء حسان بن حريث بضم الحاء المهملة آخره مثلثة مصغرًا (العدوي قال: سمعت عمران بن حصين) الخزاعي أبا نجيد أسلم مع أبي هريرة ﵄ (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(الحياء لا يأتي إلا بخير) لأنه يحجز صاحبه عن ارتكاب المحارم ولذا كان من الإيمان كما في الحديث الآخر لأن الإيمان ينقسم إلى ائتمار بما أمر الله به وانتهاء عما نهى عنه وعند الطبراني من وجه آخر عن عمران بن حصين الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة. فإن قيل: الحياء من الغرائز فكيف جعل من الإيمان، أجيب: بأنه قد يكون غريزة وقد يكون تخلقًا ولكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على فعل الطاعة وحاجزًا من المعصية، ولا يقال رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير لأن ذلك ليس شرعيًّا. (فقال بشير بن كعب) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة مصغرًا العدوي البصري التابعي
стр. 3864
الجليل: (مكتوب في الحكمة) قال في الكواكب: هي العلم الذي يبحث فيه عن أحوال حقائق الموجودات وقيل: العلم المتقن الوافي (إن من الحياء وقارًا) حلمًا ورزانة (وإن من الحياء سكينة) دعة وسكونًا، ولأبي ذر عن الكشميهني السكينة بزيادة الألف واللام (فقال له عمران: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحيفتك). وفي رواية أبي قتادة العدوي عن عمران أن منه سكينة ووقار الله، ومنه ضعف وهذه الزيادة متعينة ولأجلها غضب عمران كما قاله في الفتح. وقال في
الكواكب: إنما غضب لأن الحجة إنما هي في سنة رسول الله ﷺ لا فيما يروى عن كتب الحكمة لأنه لا يدري ما في حقيقتها ولا يعرف صدقها، وقال القرطبي: إنما أنكر عليه من حيث إنه ساقه في معرض من يعارض كلام النبوّة بكلام غيره، وقيل لكونه خاف أن يخلط السنة بغيرها وإلاّ فليس في ذكر السكينة والوقار ما ينافي كونه خيرًا وفي رواية أبي قتادة فغضب عمران حتى احمرت عيناه وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه. قال الحافظ ابن حجر: وقد ذكر مسلم في مقدمة صحيحه لبشير بن كعب هذا قصة مع ابن عباس تشعر بأنه كان يتساهل في الأخذ عن كل من لقيه اهـ.
قلت: ولفظ مسلم عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ : فجعل لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع. فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف، وقوله فجعل لا يأذن لحديثه بفتح الذال المعجمة أي لا يسمع ولا يصغي وقوله مرة أي وقتًا ويعني به قبل ظهور الكذب والصعب والذلول في الإبل، فالصعب العسر المرغوب عنه، والذلول السهل الطيب المرغوب فيه أي سلك الناس كل مسلك مما يحمد ويذم وهيهات أي بعدت استقامتكم أو بعد أن يوثق بحديثكم.
٦١١٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ وَهْوَ يُعَاتَبُ فِى الْحَيَاءِ يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِى حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي قال:
(حدّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة) بفتح اللام الماجشون قال: (حدّثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سالم عن) أبيه (عبد الله بن عمر ﵄) أنه (قال: مرّ النبي ﷺ على رجل) زاد في الإيمان من الأنصار ولم يعرف اسمه ولا اسم أخيه الحافظ ابن حجر (وهو يعاتب أخاه) في النسب أو في الإسلام (في) شأن (الحياء) حال كونه (يقول: إنك لتستحي) بكسر الحاء وتحتية واحدة والذي في اليونينية بسكون الحاء وتحتيتين وللحموي والمستملي تستحيي بإسقاط اللام وسكون الحاء وتحتيتين (حتى كأنه يقول قد أضرّ بك) الحياء وكأنه كان كثير الحياء فكان ذلك يمنعه عن استيفاء حقوقه فعاتبه أخوه على ذلك (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(دعه) أي اتركه على هذا الخلق السني ثم زاده في ذلك ترغيبًا بقوله (فإن الحياء من الإيمان) أي شعبة منه فمن للتبعيض.
٦١١٩ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مَوْلَى أَنَسٍ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى عُتْبَةَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِى خِدْرِهَا.
وبه قال: (حدّثنا علي بن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة الجوهري الحافظ قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة السدوسي (عن مولى أنس) هو ابن مالك الأنصاري (قال أبو عبد الله) البخاري (اسمه عبد الله بن أبي عتبة) بضم العين وسكون الفوقية وقيل عبيد الله بالتصغير وقيل عبد الرحمن قال: (سمعت أبا سعيد) الخدري ﵁ (يقول: كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء) بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة البكر (في خدرها) بكسر الخاء المعجمة وسكون المهملة في سترها المعدّ لها في جانب البيت.
والحديث مضى في باب من لم يواجه الناس بالعتاب قريبًا وفي باب صفته ﷺ .
٧٨ - باب إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا لم تستح) بكسر الحاء
стр. 3865
(فاصنع ما شئت).
٦١٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِى فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) اليربوعي واسم أبيه عبد الله ونسبه لجده لشهرته به قال: (حدّثنا زهير) أبو خيثمة بن معاوية الحافظ الجعفي الكوفي قال: (حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر (عن ربعي بن حراش) بكسر الراء والعين المهملة بينهما موحدة ساكنة آخره تحتية مشددة وحراش بكسر الحاء المهملة وفتح الراء وبعد الألف معجمة أبي مريم العبسي الكوفي العابد المخضرم قال: (حدّثنا أبو مسعود) عقبة بن عامر البدري (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(إن مما أدرك الناس) بالرفع والعائد إلى ما محذوف أي ما أدركه الناس (من كلام النبوّة الأولى) بسكون الواو بعد الهمزة المضمومة أي من شرائع الأنبياء السابقين مما اتفقوا عليه ولم ينسخ ولم يبدل للعلم بصوابه واتفاق العقول على حسنه فالأوّلون والآخرون من الأنبياء على منهاج واحد في استحسانه (إذا لم تستح) بكسر الحاء أي إذا لم يكن معك حياء يمنعك من القبيح (فاصنع) وفي حديث بني إسرائيل فافعل (ما شئت) ما تأمرك به النفس من الهوى، وإذا أردت فعلاً ولم يكن مما يستحى من فعله شرعًا فافعل ما شئت فالأمر للإباحة وعلى الأوّل للتهديد كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠] أو بمعنى الخبر أي إذا لم يكن لك حياء يمنعك من القبيح صنعت ما شئت.
والحديث سبق في بني إسرائيل.
٧٩ - باب مَا لَا يُسْتَحْيَا مِنَ الْحَقِّ لِلتَّفَقُّهِ فِى الدِّينِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه بيان (ما لا يستحيا من الحق للتفقه في الدين) وهذا يخصص قوله في الحديث السابق الحياء خير كله إذا الحياء في السؤال عن الدين لا يجوز فهو مذموم كما لا يخفى وقوله يستحيا مبني للفعول.
٦١٢١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِى مِنَ الْحَقِّ فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه عن زينب ابنة) ولأبي ذر بنت (أبي سلمة) عبد الله (عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ (﵂) أنها (قالت: جاءت أم سليم) بضم السين وفتح اللام أم أنس بن مالك (إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي) بكسر الحاء (من الحق) أي لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيي منا قالته اعتذارًا عن تصريحها بما تنقبض عنه النفوس البشرية لا سيما بحضرة الرسالة أي إن الله تعالى بين لنا أن الحق ليس مما يستحيا منه وسؤالها هذا كان من الحق الذي ألجأت الضرورة إليه (فهل) يجب (على المرأة غسل) بغير زيادة من (إذا احتلمت) بغير زيادة هي أي وطئت في منامها (فقال) ﷺ :
(نعم) يجب عليها الغسل (إذا رأت الماء) أي المني موجودًا فالرؤية علمية تتعدى إلى مفعولين الثاني مقدر كما مرّ أو غير ذلك. قال أبو حيان: وحذف أحد مفعولي رأى وأخواتها عزيز، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم﴾ [آل عمران: ١٨] أي البخل خيرًا والظاهر أن الرؤية هنا بصرية فتتعدى إلى واحد، وينبني على ذلك أن المرأة إذا علمت أنها أنزلت ولم تر ماء لا غسل عليها.
والحديث سبق في الغسل.
٦١٢٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَلَا يَتَحَاتُّ» فَقَالَ الْقَوْمُ: هِىَ شَجَرَةُ كَذَا هِىَ شَجَرَةُ كَذَا فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِىَ النَّخْلَةُ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ فَاسْتَحْيَيْتُ فَقَالَ: «هِىَ النَّخْلَةُ». وَعَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا محارب بن
دثار) بكسر الدال المهملة وتخفيف المثلثة السدوسي قاضي الكوفة من جلة العلماء والزهاد (قال: سمعت ابن عمر) ﵄ (يقول: قال النبي ﷺ ¬):
(مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء لا يسقط ورقها ولا يتحات) بتشديد المثناة الفوقية الأخيرة مرفوعًا لا يتناثر ولا يحتك بعض أوراقها ببعض فتسقط (فقال القوم): وفيهم العمران (هي شجرة كذا هي شجرة كذا) قال ابن عمر: (فأردت أو أقول هي النخلة وأنا غلام شاب) وفي رواية مجاهد فأردت أن أقول هي النخلة فإذًا أنا أصغر القوم وله في الأطعمة فإذًا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم (فاستحييت فقال) النبي ﷺ : (هي النخلة) وعند البزار من طريق سفيان بن حسين عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن عمر بإسناد صحيح قال: قال النبي -صَلَّى اللَّهُ
стр. 3866
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مثل المؤمن كمثل النخلة ما أتاك منها نفعك) ففيه الإيضاح بالمقصود بأوجز عبارة وأحسن إشارة، وأما من زعم أن موقع التشبيه بين المسلم والنخلة من جهة كون النخلة إذا قطع رأسها ماتت، وأنها لا تحمل حتى تلقح وأن لطلعها رائحة كرائحة مني الآدمي أو لأنها تعشق أو لأنها تشرب من أعلاها فكلها كما قال في الفتح ضعيفة.
وسبق الحديث في كتاب العلم.
(وعن شعبة) بن الحجاج بالإسناد السابق أنه قال: (حدّثنا خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى الأنصاري المدني (عن حفص بن عاصم) أي ابن عمر بن الخطاب (عن ابن عمر) عمه (مثله) أي مثل الحديث السابق (وزاد) فيه قال ابن عمر: (فحدثت به) أبي (عمر فقال: لو كنت قلتها لكان أحب إليّ من كذا وكذا) أي من حُمر النعم كما في الرواية الأخرى، ووجه تمني عمر ما طبع الإنسان عليه من محبة الخير لنسله ولتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره ليزداد من النبي ﷺ حظوة.
٦١٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مَرْحُومٌ، سَمِعْتُ ثَابِتًا أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا فَقَالَتْ: هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِىَّ؟ فَقَالَتِ ابْنَتُهُ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا فَقَالَ: هِىَ خَيْرٌ مِنْكِ عَرَضَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهَا.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا مرحوم) بالحاء المهملة ابن عبد العزيز البصري العطار قال: (سمعت ثابتًا) البناني (أنه سمع أنسًا ﵁ يقول: جاءت امرأة) لم أعرف اسمها (إلى النبي ﷺ تعرض عليه نفسها) ليتزوجها (فقالت): يا رسول الله (هل لك حاجة فيّ)؟ أن تتزوجني (فقالت ابنته): أي ابنة أنس أمينة بضم الهمزة وفتح الميم وبعد التحتية الساكنة نون مصغرًا (ما أقل حياءها. فقال) أنس: (هي خير منك عرضت على رسول الله ﷺ نفسها) ليتزوّجها وتصير من أمهات المؤمنين.
ومطابقة الحديث للترجمة من هنا إذ المرأة لم تستح فيما سألته لما ذكر من إرادتها قربها من الرسول ﷺ على ما لا يخفى.
٨٠ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا»
وَكَانَ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ وَالْيُسْرَ عَلَى النَّاسِ.
(باب قول النبي ﷺ : يسروا ولا تعسروا. وكان) النبي ﷺ (يحب التخفيف واليسر على
الناس) ذكره في الموطأ من طريق الزهري عن عروة عن عائشة في حديث صلاة الضحى ولفظه:
وكان يحب ما خف على الناس.
٦١٢٤ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لَهُمَا: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا» قَالَ أَبُو مُوسَى: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضٍ يُصْنَعُ فِيهَا شَرَابٌ مِنَ الْعَسَلِ يُقَالُ لَهُ الْبِتْعُ وَشَرَابٌ مِنَ الشَّعِيرِ يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (إسحاق) هو ابن إبراهيم بن راهويه كما جزم به أبو نعيم وهو رواية ابن السكن أو ابن منصور وتردد الكلاباذي بينه وبين ابن راهويه وتبعه أبو علي الجياني قال: (حدّثنا النضر) بالنون والضاد المعجمة الساكنة ابن شميل قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه) أبي بردة عامر بن أبي موسى (عن جده) أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري أنه (قال: لما بعثه رسول الله ﷺ ومعاذ بن جبل) إلى اليمن قبل حجة الوداع (قال لهما):
(يسرا ولا تعسرا وبشرا) الناس بجزيل عطاء الله وسعة رحمته (ولا تنفرا) هم بذكر التخويف وأنواع الوعيد وفائدة قوله ولا تعسرا التصريح باللازم تأكيدًا ولأن المقام مقام إطناب لا إيجاز وقوله وبشرا بعد قوله ويسرا فيه الجناس الخطي (وتطاوعا) أي توافقا في الأمور (قال أبو موسى، الأشعري: (يا رسول الله إنا بأرض) أي أرض اليمن (يصنع فيها) ولأبي ذر عن المستملي بها (شراب من العسل يقال له البتع) بكسر الموحدة وسكون الفوقية وبالعين المهملة (وشراب من الشعير يقال له المزر) بكسر الميم وسكون الزاي (فقال رسول الله ﷺ : كل مسكر حرام).
والحديث سبق في آخر المغازي.
٦١٢٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي التياح) بفتح الفوقية وتشديد التحتية وبعد الألف حاء مهملة يزيد بن حميد الضبعي البصري أنه (قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ ¬):
(يسروا) أمر بالتيسير لينشطوا والمراد به فيما كان من النوافل شاقًّا لئلا يفضي بصاحبه إلى الملل فيتركه أصلاً وفيما رخص فيه من الفرائض كصلاة المكتوبة قاعدًا للعاجز والفطر في الفرض لمن سافر فشق عليه (ولا تعسروا) في الأمور (وسكنوا) أمر بالتسكين
стр. 3867
(ولا تنفروا) هو كالتفسير لسابقه والسكون ضد النفور كما أن ضد البشارة النذارة، والمراد تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلاً حبب إلى من يدخل فيه وتلقاه بانبساط وكانت عاقبته في الغالب الازدياد بخلاف ضده.
والحديث مضى في العلم في باب ما كان النبي ﷺ يتخوّلنا بالموعظة.
٦١٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلاَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ فِى شَىْءٍ قَطُّ إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي الحارثي (عن مالك) الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما خير رسول الله ﷺ ¬) بضم الخاء المعجمة وتشديد التحتية المكسورة (بين أمرين) من أمور الدنيا (قط إلاّ أخذ أيسرهما ما لم يكن) أيسرهما (إثمًا) أي يفضي إلى الإثم (فإن كان) الايسر (إثمًا كان) ﷺ (أبعد الناس منه) كالتخيير بين المجاهدة في العبادة والاقتصاد فيها فإن المجاهدة إن كانت بحيث تجرّ إلى الهلاك لا تجوز (وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه) خاصة (في شيء قط) كعفوه عن الذي جبذه بردائه حتى أثر في كتفه (إلا أن تنتهك) بضم الفوقية وسكون النون وفتح الفوقية والهاء لكن إذا انتهكت (حرمة الله فينتقم) ممن ارتكب ذلك (بها) أي بسببها (لله) لا لنفسه.
والحديث سبق في صفة النبي ﷺ .
٦١٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ بِالأَهْوَازِ قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِىُّ عَلَى فَرَسٍ فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ، فَانْطَلَقَتِ الْفَرَسُ فَتَرَكَ صَلَاتَهُ وَتَبِعَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَضَى صَلَاتَهُ وَفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْىٌ فَأَقْبَلَ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ، فَأَقْبَلَ فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِى أَحَدٌ
مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ إِنَّ مَنْزِلِى مُتَرَاخٍ فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُ لَمْ آتِ أَهْلِى إِلَى اللَّيْلِ وَذَكَرَ أَنَّهُ صَحِبَ النَّبِىَّ ﷺ فَرَأَى مِنْ تَيْسِيرِهِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الأزدي الأزرق أحد الأعلام (عن الأزرق بن قيس) الحازمي البصري أنه (قال: كنا على شاطئ نهر بالأهواز) موضع بخوزستان بين العراق وفارس (قد نضب) بفتح النون والضاد المعجمة بعدها موحدة ذهب (عنه الماء فجاء أبو برزة) نضلة بن عبيد (الأسلمي) الصحابي (على فرس فصلّى وخلى فرسه) تركها (فانطلقت الفرس فترك صلاته وتبعها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فخلى صلاته واتبعها (حتى أدركها فأخذها ثم جاء فقضى صلاته) أي أدّاها (وفينا رجل له رأي) فاسد بالتنوين للتحقير وإن يرى رأي الخوارج لا يرى ما يرى المسلمون من الدين (فأقبل يقول): وفي أواخر الصلاة فجعل رجل من الخوارج يقول: (انظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس فأقبل فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله ﷺ وقال: إن منزلي متراخ) بالخاء المعجمة متباعد (فلو صليت وتركت) الفرس بحذف المفعول ولأبي ذر وتركته (لم آت أهلي إلى الليل وذكر أنه صحب) ولأبي ذر عن المستملي أنه قد صحب (النبي ﷺ فرأى) بالفاء ولأبي ذر عن المستملي والحموي ورأى (من تيسيره) ﷺ كثيرًا ما حمله على فعله ذلك إذ لا يجوز له أن يفعله من تلقاء نفسه دون أن يشاهد مثله منه ﷺ .
والحديث سبق في باب إذ انفلتت الدابة في الصلاة من أواخر الصلاة.
٦١٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ ح وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِى الْمَسْجِدِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ- فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (ح) لتحويل السند.
(وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله الذهلي: (حدثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (أن أبا هريرة) ﵁ أخبره أن أعرابيًا اسمه ذو الخويصرة اليماني (بال في المسجد) النبوي (فثار) بالمثلثة فهاج (إليه الناس ليقعوا به) ليؤذوه (فقال لهم رسول الله ﷺ ¬):
(دعوه) اتركوه يبول في موضعه لأنه لو قطع عليه بوله لتضرر ولو أقاموه في أثنائه لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد (وأهريقوا) بهمزة قطع مفتوحة وسكون الهاء ولأبي ذر وهريقوا بحذف الهمزة وفتح الهاء أي صبوا
(على بوله ذنوبًا من ماء)
стр. 3868
بفتح الذال المعجمة الدلو
الملآن (أو سجلاً من ماء) بفتح السين المهملة وسكون الجيم دلوًا فيه الماء قل أو كثر (فإنما بعثتم) حال كونكم (ميسرين ولم تبعثوا) حال كونكم (معسرين) أسند البعث إلى الصحابة على طريق المجاز لأنه ﷺ هو المبعوث حقيقة لكنهم لما كانوا مبلغين عنه أطلق عليهم ذلك وأكد السابق وهو قوله ميسرين بنفي ضده في قوله: ولم تبعثوا معسرين تنبيهًا على المبالغة في التيسير.
والحديث سبق في باب صب الماء على البول في المسجد من الطهارة.
٨١ - باب الاِنْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: خَالِطِ النَّاسَ، وَدِينَكَ لَا تَكْلِمَنَّهُ، وَالدُّعَابَةِ مَعَ الأَهْلِ.
(باب) جواز (الانبساط إلى) ولأبي ذر عن الكشميهني مع (الناس. وقال ابن مسعود) عبد الله ﵁: (خالط الناس ودينك لا تكلمنه) بكسر اللام وفتح الميم والنون المشدّدة من الكلم بفتح الكاف وسكون اللام وهو الجرح ودينك بالنصب في الفرع أي لا تكلمن دينك ويجوز الرفع مبتدأ خبره لا تكلمنه أي خالط الناس لكن بشرط أن لا يحصل في دينك خلل وهذا الأثر وصله الطبراني في الكبير بلفظ خالطوا الناس وصافوهم بما يشتهون ودينكم فلا تكلمنه بضم الميم وزايلوهم (و) جواز (الدعابة) بضم الدال المهملة وتخفيف العين المهملة وبعد الألف موحدة الملاطفة في القول بالمزاح وغيره (مع الأهل) من غير إفراط ولا مداومة إذ ربما يؤول ذلك إلى القسوة والإيذاء والحقد وسقوط المهابة والوقار. نعم قد تكون الدعابة مستحبة كأن تكون لمصلحة كتطييب نفس المخاطب ومؤانسته.
٦١٢٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِى صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟
[الحديث ٦١٢٩ - طرفه في: ٦٢٠٣].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا أبو التياح) يزيد بن حميد الضبعي (قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا) بالملاطفة وطلاقة الوجه والمزاح (حتى يقول لأخ لي) من أمي (صغير) وهو ابن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري:
(يا أبا عمير) بضم العين مصغرًا (ما فعل النغير) بضم النون وفتح الغين المعجمة مصغر نغر بضم ثم فتح طير كالعصفور محمر المنقار وأهل المدينة يسمونه البلبل أي ما شأنه وحاله. وقال النووي: وفي الحديث جواز تكنية من لم يولد له وتكنية الطفل وأنه ليس كذبًا، وجواز المزح فيما ليس بإثم، وجواز السجع في الكلام الحسن بلا كلفة، وملاطفة الصبيان وتأنيسهم وبيان ما كان عليه النبي ﷺ من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع.
والحديث أخرجه مسلم في الصلاة والاستئذان وفضائل النبي ﷺ وأخرجه الترمذي في الصلاة وفي البر والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجة في الأدب.
٦١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ لِى صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِى فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَىَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِى.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (محمد) هو ابن سلام قال: (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين بينهما ألف آخره ميم قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ¬) أي بالتماثيل المسماة بلعب البنات، وعند أبي عوانة من رواية جرير عن هشام كنت ألعب بالبنات وهن اللعب، وعند أبي داود والنسائي من وجه آخر عن عائشة ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو حنين فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها قالت: فكشف الستر على بنات لعائشة لعب. فقال: "ما هذا يا عائشة"؟ قالت: بناتي. قالت: ورأى فرسًا مربوطًا له جناحان. فقال: "ما هذا" قلت: فرس. قال: "فرس له جناحان" قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة فضحك. فهذا صريح في أن المراد باللعب غير الآدميات خلافًا لمن زعم أن معنى الحديث اللعب مع البنات أي الجواري والباء هنا بمعنى مع، واستدل بالحديث على جواز اتخاذ اللعب من أجل لعب البنات بهن وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم القاضي عياض، ونقله عن الجمهور وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات
стр. 3869
لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن قالت عائشة ﵂: (وكان لي صواحب) أي جوار من أقراني (يلعبن معي) بهن (فكان رسول الله ﷺ إذا دخل) على الحجرة (يتقمعن) بتحتية وفوقية وقاف وميم مشددة وعين مهملة ساكنة بوزن يتفعلن، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بإسقاط التحتية، وللكشميهني كما في الفتح ينقمعن بنون ساكنة بعد التحتية وكسر الميم أي يتغيبن (منه) ﷺ يدخلن وراء الستر وأصله من قمع الثمرة أي يدخلن في الستر كما تدخل الثمرة في قمعها (فيسربهن) بسين مهملة مفتوحة وراء مشدّدة مكسورة بعدها موحدة أي يبعثهن ويرسلهن (إليّ فيلعبن معي).
والحديث أخرجه مسلم في الفضائل.
٨٢ - باب الْمُدَارَاةِ مَعَ النَّاسِ
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ إِنَّا لَنَكْشِرُ فِى وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ.
(باب) استحباب (المداراة مع الناس) وهي لين الكلام وترك الأغلاظ في القول وهي من أخلاق المؤمنين والفرق بينهما وبين المداهنة المحرمة أن المداراة الرفق بالجاهل في التعليم والفاسق
في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه والإنكار عليه باللطف حتى يردّ عما هو مرتكبه والمداهنة معاشرة المعلن بالفسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه باللسان ولا بالقلب.
(ويذكر) بضم التحتية وفتح الكاف (عن أبي الدرداء) عويمر بن مالك مما وصله ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي في غريب الحديث والدينوري في المجالسة من طريق أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء (إنّا لنكشر) بفتح النون وسكون الكاف وكسر الشين المعجمة بعدها راء أي نضحك ونتبسم (في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم) بلام التأكيد وبالعين من اللعن، ولأبي ذر عن الكشميهني: لتقليهم بقاف ساكنة بعد الفوقية ثم لام مكسورة فتحتية ساكنة من القلى وهي البغض.
٦١٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ حَدَّثَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ فَقُلْتُ: لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِى الْقَوْلِ فَقَالَ: «أَىْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن ابن المنكدر) محمد أنه (حدثه) أي أن ابن المنكدر حدث سفيان (عن عروة بن الزبير) ولغير أبي ذر عن ابن المنكدر حدثه عروة بن الزبير (أن عائشة) ﵂ (أخبرته أنه استأذن) في الدخول (على النبي ﷺ ¬) بيته (رجل) هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وكان يقال له الأحمق المطاع أو مخرمة بن نوفل (فقال) ﷺ :
(ائذنوا له) في الدخول (فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة) بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة فيهما والشك من الراوي والعشيرة الجماعة أو القبيلة أو الأدنى إلى الرجل من أهله وهم ولد أبيه وجده (فلما دخل) الرجل (ألان) ﷺ ، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لأن (له الكلام) ولأبي ذر في الكلام قالت عائشة (فقلت) له (يا رسول الله قلت ما قلت) في هذا الرجل (ثم) لما دخل (ألنت له في القول. فقال: أي عائشة) أي يا عائشة (إن شر الناس منزلة عند الله) يوم القيامة (من تركه أو) قال: (ودعه الناس اتقاء فحشه) بضم الفاء وسكون الحاء المهملة وقد كان الرجل من جفاة الأعراب. وقوله ودعه بتخفيف الدال. قال المازري: ذكر بعض النحاة أن العرب أماتوا مصدر يدع وماضيه والنبي ﷺ أفصح العرب وقد نطق بالمصدر في قوله: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات وبماضيه في هذا الحديث، وأجاب القاضي عياض: بأن المراد بقولهم أماتوا أي تركوا استعماله إلا نادرًا قال: ولفظ أماتوا يدل عليه ويؤيد ذلك أنه لم ينقل في الحديث إلا هذين الحديثين مع شك الراوي في حديث الباب مع كثرة استعمال تركه ولم ينقل عن أحد من
النحاة أنه لا يجوز. قال في فتح الباري: والنكتة في إيراد هذا الحديث هنا التلميح إلى ما وقع في بعض الطرق بلفظ المداراة وهو عند الحارث بن أبي أسامة من حديث صفوان بن عسال نحو حديث عائشة ﵂ وفيه فقال: إنه منافق أداريه عن نفاقه وأخشى أن يفسد عليّ غيره.
стр. 3870
وعند ابن عدي من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "مداراة الناس صدقة" وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط وفي سنده يوسف بن محمد بن المنكدر ضعفوه وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وأخرجه ابن أبي عاصم في آداب الحكماء بسند أحسن منه.
وفي حديث أبي هريرة: رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس أخرجه البزار بسند ضعيف، لكن قال شيخنا الحافظ السخاوي: لفظ رواية البزار التودد إلى الناس وهو باللفظ الذي نقله في فتح الباري في رواية مرسلة، وعند العسكر وغيره بل وفي رواية متصلة عند البيهقي في الشعب وبين أنها منكرة.
٦١٣٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُهْدِيَتْ لَهُ أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا فِى نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَةَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «خَبَأْتُ هَذَا لَكَ» قَالَ أَيُّوبُ: بِثَوْبِهِ أَنَّهُ يُرِيهِ إِيَّاهُ وَكَانَ فِى خُلُقِهِ شَىْءٌ. رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ. وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) الحجبي البصري قال: (أخبرنا ابن علية) بضم العين المهملة وفتح اللام قال: (أخبرنا أيوب) السختياني (عن عبد الله بن أبي مليكة) اسمه زهير وعبد الله هذا تابعي فحديثه مرسل (أن النبي- ﷺ أهديت له) بضم الهمزة وسكون الهاء (أقبية) جمع قباء (من ديباج) فارسي معرب أي ثوب يتخذ من إبريسم (مزررة بالذهب فقسمها) أي الأقبية (في) أي بين (أناس من أصحابه وعزل منها) ثوبًا (واحدًا لمخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة لأجل مخرمة والد المسور وكان مخرمة غائبًا (فلما جاء قال) له ﷺ :
(خبأت) ولأبي ذر عن الكشميهني قد خبأت (هذا) القباء (لك قال) أي أشار (أيوب) السختياني بالسند السابق: (بثويه) يستحضر فعله ﷺ عند كلامه مخرمة (أنه) ولأبي ذر: وأنه (يريه) أي يري مخرمة (إياه) أي الثوب الذي خبأه له ليطيب قلبه به (وكان في خلقه) أي مخرمة (شيء) من الشدة، فلذا كان في لسانه بذاءة.
(ورواه) أي الحديث (حماد بن زيد) فيما وصله المؤلّف في باب قسمة الإمام ما يقدم عليه (عن أيوب) السختياني عن عبد الله بن أبي مليكة أن النبي ﷺ الحديث.
(وقال حاتم بن وردان) البصري مما وصله البخاري في شهادة الأعمى وأمره ونكاحه من الشهادات (حدّثنا أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن المسور) بن مخرمة (قدمت
على النبي ﷺ أقبية) الحديث. ومراد المؤلّف بسياق هذا التعليق الأخير الإعلام بوصله، وأن روايتي ابن علية وحماد وإن كانت صورتهما الإرسال، لكن الحديث في الأصل موصول والله الموفق والمعين.
٨٣ - باب لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لَا حَكِيمَ إِلاَّ ذُو تَجْرِبَةٍ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. وقال معاوية) بن أبي سفيان: صخر بن حرب (لا حكيم) بالكاف المكسورة بوزن عظيم في الفرع (إلا ذو) أي صاحب (تجربة) وهذا لفظ أبي سعيد مرفوعًا أخرجه أحمد وصححه ابن حبان، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لا حلم بكسر الحاء المهملة وسكون اللام إلا بتجربة، ولأبي ذر عن الكشميهني: إلا لذي تجربة، والحلم التأني في الأمور المقلقة والمعنى أن المرء لا يوصف بالحلم حتى يجرب الأمور، وقيل المعنى لا يونس حليمًا كاملاً إلا من وقع في زلة وحصل منه خطأ فحينئذٍ يخجل. وقال ابن الأثير: معناه لا يحصل الحلم حتى يركب الأمور ويعثر فيها فيعتبر بها ويستبين مواضع الخطأ ويجتنبها، وقيل: المراد أن من جرب الأمور وعرف عواقبها آثر الحلم وصبر على قليل الأذى ليدفع به ما هو أكبر منه. وقال الطيبي: ويمكن أن يكون تخصيص الحليم بذي التجربة للإشارة إلى أن غير الحليم بخلافه فإن الحليم الذي ليس له تجربة قد يعثر في مواضع لا ينبغي له فيها الحلم بخلاف الحليم المجرب، وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة في مصنفه عن عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال معاوية: لا حلم إلا بالتجارب، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق علي بن مسهر عن هشام عن أبيه قال: كنت جالسًا عند معاوية فقال: لا حليم إلا ذو تجربة قالها ثلاثًا. وأخرج من حديث أبي سيد مرفوعًا: لا حليم إلا ذو عثرة ولا حكيم إلا ذو تجربة، وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان ومرّ.
٦١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد البلخي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح
стр. 3871
القاف ابن خالد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن ابن المسيب) سعيد (عن أبي هريرة ﵁ فإنه عن النبي ﷺ أنه قال):
(لا يلدغ المؤمن) بالدال المهملة والغين المعجمة على صيغة المجهول وهو ما يكون من ذوات السموم وأما الذي بالذال المعجمة والعين المهملة فما يكون من النار والمؤمن مرفوع بيلدغ (من جحر) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة (واحد مرتين). وقوله: يلدغ بالرفع على صيغة الخبر ومعناه الأمر أي ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتي من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى وقد
يكون ذلك في أمر الذين كما يكون في أمر الدنيا وهو أولاهما بالحذر، وروي بكسر الغين بلفظ النهي فيتحقق فيه معنى النهي على هذه الرواية قاله الخطابي. قال السفاقسي بعد ذكره له: وكذا قرأناه انتهى أي: لا يخدعن المؤمن ولا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع في مكروه، لكن قال التوربشتي: أرى أن الحديث لم يبلغ الخطابي على ما كان عليه وهو مشهور عند أهل السير وذلك أنه ﷺ منّ على أبي عزة الشاعر الجمحي وشرط عليه أن لا يجلب عليه، فلما بلغ مأمنه عاد إلى ما كان فأسر مرة أخرى فأمر بضرب عنقه وكلمه بعض الناس في المنّ عليه فقال: (لا يلدغ المؤمن) الحديث.
ونقل النووي عن القاضي عياض هذه القصة وقال: سبب هذا الحديث معروف وهو أنه ﷺ أسر أبا عزة الشاعر يوم بدر فمنّ عليه وعاهده أن لا يحرض عليه ولا يهجوه فأطلقه فلحق بقومه ثم رجع إلى التحريض والهجاء، ثم أسر يوم أُحد فسأله المنّ فقال ﷺ : "لا يلدغ المؤمن" الحديث: وهذا السبب يضعف الوجه الثاني.
وأجاب في شرح المشكاة بأنه يوجه بأن يكون ﷺ لما رأى من نفسه الزكية الكريمة الميل إلى الحلم والعفو عنه جرد منها مؤمنًا كاملاً حازمًا ذا شهامة ونهاه عن ذلك يعني ليس من شيمة المؤمن الحازم الذي يغضب لله ويذب عن دين الله أن ينخدع من مثل هذا الغادر المتمرد مرة بعد أخرى، فانته عن حديث الحلم وامض لشأنك في الانتقام منه والانتصار من عدو الله فإن مقام الغضب لله يأبى الحلم والعفو ومن أوصافه ﷺ أنه كان لا ينتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لها، وقد ظهر من هذا أن الحلم مطلقًا غير محمود كما أن الحرد كذلك فمقام التحلم مع المؤمنين مندوب إليه مع الأولياء والغلظة مع الأعداء. قال تعالى في وصف الصحابة ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩] فظهر من هذا أن القول بالنهي أولى والمقام له أدعى، وسلوك ما ذهب إليه أبو سليمان الخطابي ﵀ أوضح وأهدى وأحق أن يتبع وأحرى، وهذا الكلام منه ﷺ وأول ما قاله لأبي عزة المذكور، وأما قول السفاقسي وهذا مثل قديم تمثل به ﷺ إذ كان ﷺ كثيرًا ما يتمثل بالأمثال القديمة، وأصل ذلك أن رجلاً أدخل يده في جحر لصيد أو غيره فلدغته حيّة في يده فضربته العرب مثلاً فقالوا: لا يدخل الرجل يده في جحر فيلدغ منه مرة ثانية، فتعقبه في المصابيح بأنه إذا كان المثل العربي على الصورة التي حكاها فالنبي ﷺ لم يورده كذلك حتى يقال: إنه تمثل به. نعم أورد كلامًا بمعناه، وانظر فرق ما بين كلامه ﵊ وبين لفظ المثل المذكور، فطلاوة البلاغة على لفظه ﵊ وحلاوة العبارة فيه بادية يدركها ذو الذوق السليم عليه أفضل صلاة الله وأزكى التسنيم.
تنبيه:
قال شيخنا في الأحاديث المشتهرة، وسبقه إلى الإشارة لنحوه شيخه في فتح الباري: حديث لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة والعسكري كلهم من
حديث عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به مرفوعًا، لكن ليس عند ابن ماجة والعسكري واحد، وهو عند مسلم أيضًا من طريق ابن أخي ابن شهاب الزهري عن عمه به مثله، وتابعهما سعيد بن عبد العزيز أن هشام بن عبد الملك قضى عن الزهري سبعة آلاف دينار فقال هشام للزهري: لا تعد لمثلها. فقال
стр. 3872
الزهري: يا أمير المؤمنين حدثني سعيد وذكره بلفظ: لا يلسع المؤمن من جحر مرّتين، وكذا تابعهم يونس عن الزهري وهو الصواب وخالفهم زمعة بن صالح حيث رواه عن الزهري فقال عن سالم عن ابن عمر بلفظ: لا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين أخرجه القضاعي، وتابعه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري، لكن صالح وزمعة ضعيفان. وفي الباب عن عمرو بن عوف المزني عند الطبراني في الكبير والأوسط وإليه الإشارة يقول يعقوب في قصة ابنه عليهما الصلاة والسلام: ﴿هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل﴾ [يوسف: ٦٤].
٨٤ - باب حَقِّ الضَّيْفِ
(باب) بيان (حق الضيف).
٦١٣٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ»، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلْ قُمْ وَنَمْ وَصُمْ وَأَفْطِرْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّكَ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمُرٌ، وَإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ»، قَالَ فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَىَّ فَقُلْتُ: فَإِنِّى أُطِيقُ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ: «فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» قَالَ: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَىَّ قُلْتُ: إِنِّى أُطِيقُ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ: «فَصُمْ صَوْمَ نَبِىِّ اللَّهِ دَاوُدَ» قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِىِّ اللَّهِ دَاوُدَ؟ قَالَ: «نِصْفُ الدَّهْرِ».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) الكوسج الحافظ قال: (حدّثنا روح بن عبادة) بفتح الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة وعبادة بضم العين وتخفيف الدال المهملتين قال: (حدّثنا حسين) المعلم (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص ﵁ أنه (قال: دخل عليّ) بتشدلد التحتية (رسول الله ﷺ فقال) لي:
(ألم أخبر) بهمزة الاستفهام وأخبر بضم الهمزة وفتح الموحدة مبنيًا للمفعول (إنك تقوم الليل) أي في الليل (وتصوم النهار قلت: بلى) يا رسول الله (قال: ﵊ فلا
تفعل قم ونم وصم وأفطر) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الطاء (فإن لجسدك عليك حقًّا) فترفق به ولا تتعبه حتى تعجز عن القيام بالفرائض (وإن لعينك) بالإفراد (عليك حقًّا) من النوم (وإن لزورك) بفتح الزاي وسكون الواو ولضيفك (عليك حقًّا) وهذا موضع الترجمة (وإن لزوجك عليك حقًّا وإنك) بكسر الهمزة (عسى أن يطول بك عمر) بضمتين فتضعف فلا تستطيع المداومة على ذلك وخير العمل ما داوم عليه صاحبه وإن قل (وإن من حسبك) بسكون السين المهملة أي من كفايتك (أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام) أي يعينها (فإن بكل حسنة عشر أمثالها فذلك) أي صيام الثلاث من كل شهر هو (هو الدهر كله) في ثواب صيامه (قال) عبد الله بن عمرو (فشددت) على نفسي (فشدد عليّ) بتشديد التحتية وشدّد بضم الشين المعجمة مبنيًّا للمفعول (فقلت) يا رسول الله (فإني أطيق غير ذلك) أكثر منه (قال: فصم من كل جمعة ثلاثة أيام) أي يعينها (قال: فشددت) على نفسي (فشلد عليّ قلت إني أطيق غير ذلك) بإسقاط الفاء قبل قاف قلت ولفظة إني (قال) ﵊: (فصم صوم نبي الله داود. قلت: وما صوم نبي الله داود؟ قال: نصف الدهر) بأن تصوم يومًا وتفطر يومًا.
والحديث سبق في الصوم.
٨٥ - باب إِكْرَامِ الضَّيْفِ وَخِدْمَتِهِ إِيَّاهُ بِنَفْسِهِ
وَقَوْلِهِ: ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الحجرات: ٥١]، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ هُوَ زَوْرٌ، وَهَؤُلَاءِ زَوْرٌ وَضَيْفٌ وَمَعْنَاهُ أَضْيَافُهُ وَزُوَّارُهُ لأَنَّهَا مَصْدَرٌ مِثْلَ قَوْمٌ رِضًا وَعَدْلٌ وَيُقَالُ: مَاءٌ غَوْرٌ، وَبِئْرٌ وَمَاءَانِ غَوْرٌ وَمِيَاهٌ غَوْرٌ وَيُقَالُ الغَوْرُ: الغَائِرُ لَا تَنَالُهُ الدَّلَاءُ، كُلُّ شَيْءٍ غُرْتَ فِيهِ فَهُوَ مَغَارَةً تَزَاوَرُ تَمِيلُ مِنَ الزَّوْرِ وَالأَزْوَرُ: الأَمْيَلُ.
(باب) استحباب (إكرام الضيف) مصدر مضاف لمفعوله والفاعل محذوف أي إكرام المضيف (و) استحباب (خدمته إياه بنفسه) من عطف الخاص على العام إذ الإكرام أعم من أن يكون بالنفس أو بأحد (وقوله) بالجرّ عطفًا على السابق (﴿ضيف إبراهيم المكرمين﴾ [الذاريات: ٢٤].
(قال أبو عبد الله) المؤلّف: (يقال) في المفرد (هو زور و) في الجمع (هؤلاء زور) فيستوي فيه الجمع والمفرد (و) كذا (ضيف ومعناه أضيافه وزوَّاره لأنها مصدر مثل قوم رضا وعدل) يعني مرضيون وعدول فالمعنى جمع واللفظ مفرد (ويقال ماء غور وبئر غور وماءان غور ومياه غور) فهو وصف بالمصدر (ويقال الغور الغائر) الذي (لا تناله الدلاء كل شيء غرت فيه فهو مغارة تزاور تميل من الزور والأزور الأميل) ومنه زاره إذا مال إليه وكان أضياف إبراهيم اثني عشر ملكًا، وقيل تسعة عاشرهم جبريل وجعلهم ضيفًا لأنهم كانوا في صورة الضيف حيث أضافهم إبراهيم أو لأنهم كانوا في حسبانه كذلك قوله ﴿المكرمين﴾ أي عند الله كقوله ﴿بل عباد مكرمون﴾
[الأنبياء: ٢٦] وقيل لأنه خدمهم بنفسه وأخدمهم امرأته وعجل لهم القرى وثبت قوله قال أبو عبد الله الخ للكشميهني والمستملي وسقط لغيرهما.
٦١٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْكَعْبِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِىَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي الكلاعي قال:
стр. 3873
(أخبرنا مالك) الإمام الأعظم (عن سعيد بن أبي سعيد المقبري) بضم الموحدة واسم أبي سعيد كيسان (عن أبي شريح) بضم الشين المعجمة وفتح الراء آخره حاء مهملة خويلد بن عمرو بن صخر (الكعبي) بفتح الكاف وكسر الموحدة الخزاعي أسلم قبل الفتح وتوفي بالمدينة ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(من كان يؤمن بالله) الذي خلقه إيمانًا كاملاً (واليوم الآخر) الذي إليه معاده وفيه مجازاته (فليكرم ضيفه جائزته) بالرفع في الفرع مبتدأ خبره (يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام) أي تكلف يوم وليلة أو إتحاف يوم وليلة هذا إن قلنا إن اليوم والليلة من جملة أيام الضيافة الثلاثة، وإن قلنا بأنهما خارجان عنها فيقدر زيادة يوم وليلة بعد الضيافة، وبالنصب على أنه بدل الاشتمال أي: فليكرم جائزة ضيفه يومًا وليلة بنصب يومًا على الظرفية قاله السهيلي فيما حكاه الزركشي، وعند مسلم في رواية عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن أبي شريح: الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة انتهى.
قال في المصابيح: ويشبه اختلافهم في أن يوم الجائزة وليلتها داخلان في أيام الضيافة الثلاثة أو خارجان عنها ما وقع لهم من التردد في قوله ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يصلّي عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان" الحديث. وفي لفظ: "من صلّى على جنازة فله قيراط ومن اتبعها حتى توضع في القبر فله قيراطان" فلو اتبعها حتى توضع في القبر ولكن لم يصل عليها احتمل أن لا يحصل له شيء من القيراط إذ يحتمل أن يكون القيراط الثاني المزيد مرتبًا على وجود الصلاة قبله، ويحتمل أن يحصل له القيراط المزيد، وأما احتمال أن القيراطين يحصلان بالاتباع حتى توضع في القبر وإن لم يصل فهو هنا بعيد وأما احتمال أن من صلّى واتبع حتى تدفن يحصل له ثلاثة قراريط فمرتب على هذا الاحتمال، ونقل القاضي تاج الدين أن الشيخ أبا الحسن بن القزويني سأل أبا نصر بن الصباغ عن هذا؟ فقال: لا يحصل لمن صلّى واتبع إلا قيراطان، واستدلّ بقوله تعالى ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام﴾ [فصلت: ٩، ١٠] قال: فاليومان من جملة الأربعة بلا شك انتهى. وعند مسلم في رواية
عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن أبي شريح: الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة وهو يدل على المغايرة.
(فما بعد ذلك) مما يحضره له بعد ثلاثة أيام (فهو صدقة) استدلّ به على أن الذي قبلها واجب لأن المراد بتسميته صدقة التنفير عنه لأن كثيرًا من الناس خصوصًا الأغنياء يأنفون غالبًا من أكل الصدقة، واستدلّ ابن بطال لعدم الوجوب بقوله جائزته، والجائزة تفضل وإحسان ليست واجبة عليه عامة الفقهاء وتأوّلوا الأحاديث أنها كانت في أول الإسلام إذ كانت المواساة واجبة (ولا يحل له) أي للضيف (أن يثوي) بفتح التحتية وسكون المثلثة وكسر الواو أن يقيم (عنده) عند من أضافه (حتى يحرجه) بضم التحتية وسكون الحاء المهملة وبعد الراء المكسورة جيم من الحرج وهو الضيق ولمسلم حتى يؤثمه أي يوقعه في الإثم لأنه قد يغتابه لطول إقامته أو يعرّض له بما يؤذيه أو يظن به ظنًّا سيئًا ويستفاد من قوله حتى يحرجه أنه إذا ارتفع الحرج جازت الإقامة بعد بأن يحنتار المضيف إقامة الضيف أو يغلب على ظن الضيف أن المضيف لا يكره ذلك.
والحديث سبق في باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره من كتاب الأدب.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ مِثْلَهُ وَزَادَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام بسنده السابق (مثله) أي مثل الحديث السابق (وزاد) ابن أبي أويس (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) إيمانًا كاملاً (فليقل خيرًا أو ليصمت) بضم الميم من باب نصر أو بكسرها من باب ضرب يضرب أي ليسكت.
٦١٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى حَصِينٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (عبد الله بن محمد)
стр. 3874
المسندي الجعفي قال: (حدّثنا ابن مهدي) عبد الرحمن قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان الأسدي (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) إيمانًا كاملاً (فلا يؤذ جاره). وفي مسلم في حديث أبي هريرة من طريق الأعمش عن أنس صالح: فليحسن إلى جاره، وقد جاء تفسير الإكرام والإحسان إلى الجار وترك أذاه في عدة أحاديث رواها الطبراني من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده،
والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأبو الشيخ في الثواب من حديث معاذ بن جبل قالوا: يا رسول الله ما حق الجار؟ قال: "إن استقرضك أقرضته وإن استعانك أعنته وإن مرض عدته وإن احتاج أعطيته وإن افتقر عدت عليه وإذا أصابه خير هنيته وإذا أصابته مصيبة عزيته وإذا مات اتبعت جنازته ولا تستطيل عليه بالبناء فيحجب عنه الريح إلا بإذنه ولا تؤذيه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها وإن اشتريت فاكهة فأهدِ له وإن لم تفعل فادخلها سرًّا ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده". قال في الفتح: ألفاظهم متقاربة والسياق أكثره لعمرو بن شعيب، وفي حديث بهز بن حكيم: إن أعور سترته وأسانيدهم واهية، لكن اختلاف مخارجها يشعر بأن للحديث أصلاً.
(ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر) إيمانًا تامًّا (فليكرم ضيفه) بأن يزيد في قراه على ما كان يفعل في عياله (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر) إيمانًا كاملاً (فليقل خيرًا أو ليصمت). وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني والبيهقي في الزهد فليقل خيرًا ليغنم أو ليسكت عن شر ليسلم، وفي معنى الأمر بالصمت أحاديث كثيرة كحديث ابن مسعود عند الطبراني قلت: يا رسول الله أي الإيمان أفضل؟ الحديث. وفيه: "أن يسلم المسلمون من لسانك" وفي حديث البراء عند أحمد وصححه ابن حبان مرفوعًا: "فكف لسانك إلا من خير" وحديث ابن عمر عند الترمذي "من صمت نجا" وعنده من حديث ابن عمر: كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسي القلب. أسأل الله العافية.
٦١٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا فَمَا تَرَى فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِى لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِى يَنْبَغِى لَهُمْ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد بن أبي حبيب) المصري (عن أبي الخير) مرثد بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة اليزني (عن عقبة بن عامر) الجهني (¬﵁ أنه قال: قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا) بنونين وفتح أوّله أي لا يضيفوننا (فما ترى فيه؟ فقال لنا رسول الله ﷺ ¬):
(إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فأقبلوا) ذلك منهم (فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم) بضمير الجمع فهو على حد قوله ﴿ضيف إبراهيم المكرمين﴾ [الذاريات: ٢٤] كما مر الضيف مصدر يستوي فيه الجمع والواحد وقد حمل الليث الحديث على الوجوب عملاً بظاهر الأمر وأن يؤخذ ذلك منهم إن امتنعوا قهرًا وقال أحمد: بالوجوب على أهل البادية دون القرى، وتأوّله الجمهور على المضطرين فإن ضيافتهم واجبة، أو المراد خذوا من
أعراضهم أو هو محمول على من مرّ بأهل الذمة الذين شرط عليهم ضيافة من مرّ بهم من المسلمين وضعف هذا.
وسبق مزيد لهذا في كتاب المظالم في باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه.
٦١٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) أبو جعفر الجعفي الحافظ المسندي قال: (حدّثنا هشام) هو ابن يوسف قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه) اختلف في حد الرحم التي يجب صلتها فقيل كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام وأولاد الأخوال
стр. 3875
واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها في النكاح ونحوه، وجوّز ذلك في بنات الأعمام والأخوال، وقيل هو عام في كل رحم من ذوي الأرحام في الميراث يستوي فيه المحرم وغيره ويدل له قوله ﷺ - ﷺ "أدناك أدناك" (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا) ليغنم (أو ليصمت) أي يسكت عن سوء ليسلم وهذا من جوامع الكلم وجواهر الحكم التي لا يعرف أحد ما في بحار معانيها إلا من أمدّه بفيض مدده، وذلك أن القول كله إما خير أو شر أو آيل إلى أحدهما فيدخل في الخير كل مطلوب من الأحوال فرضها وندبها فأذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه وما عدا ذلك مما هو شر أو يؤول إليه فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت، ولا ريب أن خطر اللسان عظيم وآفاته كثيرة من الكذب والغيبة وتزكية النفس والخوض في الباطل، ولذلك حلاوة في القلب وعليه بواعث من الطبع ومن الشيطان، فالخائض في ذلك قلما يقدر على أن يزم لسانه ففي الخوض خطر وفي الصمت سلامة مع ما فيه من جمع الهمة ودوام الوقار والفراغ للعبادة والسلام من تبعات القول في الدنيا ومن الحساب في الآخرة قال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٨] وقال ﵊: "أملك عليك لسانك" أي اجعله مملوكًا لك فيما عليك وباله وتبعته، وأمسكه عما يضرك وأطلقه فيما ينفعك.
٨٦ - باب صُنْعِ الطَّعَامِ، وَالتَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ
(باب صنع الطعام والتكلف) لمن قدر عليه (للضيف).
٦١٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِى الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِى الدُّنْيَا فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّى صَائِمٌ قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ قَالَ: فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِى حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «صَدَقَ سَلْمَانُ». أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ السُّوَائِىُّ يُقَالُ: وَهْبُ الْخَيْرِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (محمد بن بشار) المعروف ببندار قال: (حدّثنا جعفر بن عون) بالنون أبو جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي قال: (حدّثنا أبو العميس) بضم العين المهملة وفتح الميم آخره مهملة مصغرًا عتبة بن عبد الله المسعودي الكوفي (عن عون بن أبي جحيفة) بالجيم المضمومة ثم الحاء المهملة والفاء مصغرًا وهب (عن أبيه) أنه (قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان) الفارسي (وأبي الدرداء) عويمر (فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء) زوجة أبي الدرداء واسمها خيرة بفتح الخاء وسكون التحتية بنت أبي حدرد الأسلمية صحابية بنت صحابي وليست هي زوجته أم الدرداء هجيمة التابعية (متبذلة) بفتح الفوقية والموحدة وكسر المعجمة المشددة أي لابسة ثياب البذلة بكسر الموحدة وسكون المعجمة المهنة وزنًا ومعنى أي أنها تاركة للباس الزينة (فقال لها: ما شأنك)؟ متبذلة يا أم الدرداء (قالت: أخوك أبو الدرداء لبس له حاجة في) نساء (الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا) وقربه إليه ليأكل (فقال) أبو الدرداء لسلمان (كل فإني صائم. قال) سلمان لأبي الدرداء (ما أنا بأكل) من طعامك شيئًا (حتى تأكل منه) وغرضه بذلك صرف أبي الدرداء عما يصنعه من الجهد في العبادة وغير ذلك مما تضررت منه أم الدرداء زوجته (فأكل) أبو الدرداء معه (فلما كان الليل) أي في أوّله (ذهب أبو الدرداء يقوم) يتهجد (فقال) له سلمان (نم فنام، ثم ذهب) أبو الدرداء (يقوم فقال) له سلمان: (نم فلما كان آخر الليل) وعند الترمذي فلما كان عند الصبح وللدارقطني فلما كان في وجه الصبح، ولأبي ذر من آخر الليل (قال سلمان) له: (قم الآن قال): وللطبراني فقاما فتوضآ (فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا ولنفسك) ولأبي ذر عن الكشميهني وإن لنفسك (عليك حقًّا ولأهلك عليك حقًّا فأعط) بهمزة قطع (كل ذي حق حقه فأتى) أبو الدرداء (النبي ﷺ فذكر ذلك) الذي قاله سلمان (له) ﷺ (فقال) له (النبي ﷺ ¬):
(صدق سلمان). وعند الدارقطني ثم خرجا إلى المصلّى فدنا أبو الدرداء ليخبر النبي بالذي قال له سلمان فقال له: يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقًّا مثل ما قال سلمان، ففي هذه الرواية أن النبي ﷺ أشار إليهما بأنه علم بطريق الوحي ما دار بينهما وليس ذلك في رواية محمد بن
بشار، فيحتمل أنه كاشفهما بذلك
стр. 3876
أولاً ثم أطلعه أبو الدرداء على صورة الحال فقال له: صدق سلمان. وعند الطبراني من وجه آخر عن محمد بن سيرين مرسلاً قال: كان أبو الدرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها فأتاه سلمان فذكر القصة مختصرة فقال النبي ﷺ : عويمر سلمان أفقه منك، وفيه تعيين الليلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدرداء.
(أبو جحيفة وهب السوائي) بضم السين المهملة وتخفيف الواو والمد (يقال) له: (وهب الخير) وقوله أبو جحيفة إلى آخره سقط لأبي ذر قال في فتح الباري: ووقع في التكلف للضيف حديث سلمان نهانا رسول الله ﷺ أن نتكلف للضيف أخرجه أحمد والحاكم، وفيه قصة سلمان مع ضيفه حيث طلب منه زيادة على ما قدم له فرهن مطهرته بسبب ذلك ثم قال الرجل لما فرغ: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا فقال له سلمان: لو قنعت ما كانت مطهرتي مرهونة انتهى. وقد كان سلمان إذا دخل عليه رجل دعا بما حضر خبزًا وملحًا وقال: لولا إنّا نهينا أن يتكلف بعضنا لتكلفت لك.
٨٧ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْغَضَبِ وَالْجَزَعِ عِنْدَ الضَّيْفِ
(باب) بيان (ما يكره من الغضب) الذي هو غليان دم القلب للانتقام (و) ما يكره من (الجزع) الذي هو نقيض الصبر (عند الضيف).
٦١٤٠ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِىُّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ ﵄ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ فَإِنِّى مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِئَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ: اطْعَمُوا فَقَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟ قَالَ: اطْعَمُوا، قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِئَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟ قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ، فَأَبَوْا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَىَّ فَلَمَّا جَاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَسَكَتُّ ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَسَكَتُّ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِى لَمَّا جِئْتَ فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: سَلْ أَضْيَافَكَ فَقَالُوا: صَدَقَ أَتَانَا بِهِ قَالَ: فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِى وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ فَقَالَ الآخَرُونَ: وَاللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ قَالَ: لَمْ أَرَ فِى الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ وَيْلَكُمْ مَا أَنْتُمْ لِمَ لَا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ، هَاتِ طَعَامَكَ فَجَاءَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ الأُولَى لِلشَّيْطَانِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (عياش بن الوليد) بالتحتية والشين المعجمة الرقام البصري قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي بالمهملة قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي إياس (الجريري) بضم الجيم مصغرًا (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن ملّ النهدي بفتح النون (عن
عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق (﵄ أن أبا بكر تضيف رهطًا) ثلاثة أي جعلهم أضيافًا له (فقال لعبد الرحمن): ابنه (دونك) أي الزم (أضيافك فإني منطلق إلى النبي ﷺ فافرغ) بهمزة وصل (من قراهم) بكسر القاف من ضيافتهم (قبل أن أجيء) من عند النبي ﷺ (فانطلق عبد الرحمن فأتاهم بما عنده) من الطعام (فقال) لهم (اطعموا) بهمزة وصل وفتح العين (فقالوا: أين رب منزلنا) أي صاحبه يعنون أبا بكر ﵁ (قال) لهم عبد الرحمن: (اطعموا، قالوا: ما نحن بآكلين حتى يجيء رب منزلنا. قال) لهم: (أقبلوا) بهمزة وصل وفتح الموحدة (عنا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عني (قراكم فإنه) أي أبا بكر (إن جاء ولم تطعموا) بفتح الأول والثالث (لنلقين منه) الأذى وما نكره (فأبوا) فامتنعوا أن يأكلوا (فعرفت أنه يجد) أي يغضب (عليّ فلما جاء) أبو بكر ﵁ (تنحيت عنه) أي جعلت نفسي في ناحية بعيدة عنه (فقال): ولأبي ذر قال: (ما صنعتم) بالأضياف؟ (فأخبروه) أنهم أبوا أن يأكلوا إلا إن حضر (فقال: يا عبد الرحمن) قال عبد الرحمن (فسكت) فرقًا منه (ثم قال) ثانيًا (يا عبد الرحمن) قال: عبد الرحمن (فسكت) فرقًا منه (فقال) في الثالثة (يا غنثر) بضم الغين المعجمة وسكون النون بعدها مثلثة مفتوحة فراء أي يا جاهل أو يا لئيم (أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما) بتشديد الميم أي إلا (جئت) كما عند سيبويه أي لا أطلب منك إلا مجيئك، ولأبي ذر عن الكشميهني: أجبت (فخرجت فقلت) له (سل أضيافك) فسألهم (فقالوا): ولأبي ذر قالوا (صدق أتانا به) أي بالقرى فلم نقبل (قال) أبو بكر: (فإنما انتظرتموني والله لا أطعمه الليلة) لأنه اشتد عليه تأخير عشائهم (فقال الآخرون): بفتح الخاء المعجمة (والله لا نطعمه حتى تطعمه قال) أبو بكر ﵁: (لم أر في الشر كالليلة) أي لم أر ليلة مثل هذه الليلة في الشر (ويلكم) أي يقصد بها الدعاء عليهم (ما أنتم) استفهام (لم لا) ولأبي ذر ألا (تقبلون عنا قراكم هات) يا عبد الرحمن (طعامك فجاءه) به ولأبي ذر فجاء به (فوضع) أبو بكر ﵁ (يده) فيه (فقال: بسم الله) الحالة (الأولى) وهي حالة غضبه وحلفه أن لا يطعم في تلك الليلة (للشيطان) أو اللقمة التي أحنث نفسه بها وأكل. وقال في المصابيح: لا شك أن إحناثه وأكله مع الضيف خير من المحافظة على برّه المفضي إلى ضيق صدر الضيف وحصول الوحشة له
стр. 3877
والقلق فكيف يكون ما هو خير منسوبًا للشيطان فالظاهر هو القول الأول (فأكل) أبو بكر ﵁ استمالة لقلوبهم (وأكلوا) أي الأضياف وقال ابن بطال: الأولى يعني اللقمة الأولى ترغيم للشيطان لأنه الذي حمله على الحلف وباللقمة الأولى وقع الحنث فيها.
٨٨ - باب قَولِ الضيفِ لِصاحبِهِ: والله لا آكل حتى تأكل فيه حديث أبي جُحيفة عن النبي ﷺ -
(باب قول الضيف لصاحبه والله لا أكل حتى تأكل فيه) أي في الباب (حديث أبي جحيفة) وهب السوائي (عن النبي ﷺ ¬).
٦١٤١ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ ﵄ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِضَيْفٍ لَهُ أَوْ بِأَضْيَافٍ لَهُ، فَأَمْسَى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ أُمِّى احْتَبَسْتَ عَنْ ضَيْفِكَ - أَوْ أَضْيَافِكَ - اللَّيْلَةَ قَالَ: مَا عَشَّيْتِهِمْ فَقَالَتْ عَرَضْنَا عَلَيْهِ - أَوْ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا أَوْ - فَأَبَى فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَسَبَّ وَجَدَّعَ وَحَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ فَاخْتَبَأْتُ أَنَا فَقَالَ يَا غُنْثَرُ فَحَلَفَتِ الْمَرْأَةُ لَا تَطْعَمُهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ فَحَلَفَ الضَّيْفُ - أَوِ الأَضْيَافُ - أَنْ لَا يَطْعَمَهُ أَوْ يَطْعَمُوهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ كَأَنَّ هَذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلاَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَنِى فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِى إِنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ قَبْلَ أَنْ نَأْكُلَ فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي بفتح النون وبالزاي المعروف بالزمن قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) هو محمد بن أبي عدي واسمه إبراهيم البصري (عن سليمان) بن طرخان التيمي (عن أبي عثمان) عبد الرحمن النهدي أنه (قال: قال عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق (﵄: جاء أبو بكر بضيف له أو بأضياف له) ثلاثة بالشك من الراوي وفي رواية أو أضياف بإسقاط الجار (فأمسى عند النبي ﷺ ¬) حتى صلّى العشاء (فلما جاء) أبو بكر (قالت له أمي) أم رومان ولأبي ذر قالت له أمي (احتبست عن ضيفك أو أضيافك) ولأبي ذر عن المستملي أو عن أضيافك (الليلة. قال) أبو بكر لأم رومان: (أوما عشيتهم) استفهام (فقالت) له: (عرضنا عليه) على الضيف الطعام (أو عليهم) على الأضياف (فأبوا) امتنعوا من الأكل (أو فأبى) فامتنع الضيف (فغضب أبو بكر) لذلك (فسبّ) أي شتم لظنه أنهم فرطوا في حق ضيفه (وجدع) بالجيم المفتوحة والدال المهملة المشددة وبعدها عين مهملة دعا بقطع الأنف أو الإذن أو الشفة ولأبي ذر عن الكشميهني وجزع (وحلف لا يطعمه) أي لا يأكله قال عبد الرحمن (فاختبأت أنا) فرقًا منه (فقال: يا غنثر) يا لئيم أو يا ثقيل (فحلفت المرأة) أم عبد الرحمن (لا تطعمه حتى يطعمه) أبو بكر (فحلف الضيف أو الأضياف أن لا يطعمه أو يطعموه حتى يطعمه) أبو بكر ولأبي ذر حتى تطعموه بالفوقية والجمع أي أبو بكر وزوجته وابنه (فقال أبو بكر: كأن هذه) الحالة أو اليمين (من الشيطان فدعا بالطعام فأكل وأكلوا فجعلوا لا يرفعون لقمة إلاّ ربا) زاد الطعام ولأبي ذر: إلاّ ربت أي اللقمة (من أسفلها أكثر منها) من اللقمة المرفوعة (فقال) أبو بكر لأم رومان: (يا أخت بني فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة وهو غنم بن مالك بن كنانة وأم رومان من ذرية الحارث بن غنم وهو أخو فراس فنسبها إلى بني فراس لكونهم أشهر من بني الحارث فالمعنى يا أخت القوم المنتسبين إلى بني فراس (ما هذا)؟ استفهام عن الزيادة الحاصلة في الطعام (فقالت: وقرة عيني) محمد ﷺ ولعله كان قبل النهي عن الحلف بغير الله (إنها الآن لأكثر) منها (قبل أن نأكل) بالنون منها
(فأكلوا وبعث بها) بالجفنة (إلى النبي ﷺ فذكر أنه أكل منها) وهذه كرامة من آياته ﷺ ظهرت على يد أبي بكر ﵁.
٨٩ - باب إِكْرَامِ الْكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الأَكْبَرُ بِالْكَلَامِ وَالسُّؤَالِ
(باب إكرام الكبير وببدأ الأكبر) في السن (بالكلام والسؤال) إذا تساويا في الفضل وإلاّ فيقدّم الفاضل.
٦١٤٢ و ٦١٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى الأَنْصَارِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِى حَثْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِى النَّخْلِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَكَلَّمُوا فِى أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «كَبِّرِ الْكُبْرَ» - قَالَ يَحْيَى: لِيَلِىَ الْكَلَامَ الأَكْبَرُ فَتَكَلَّمُوا فِى أَمْرِ صَاحِبِهِمْ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَتَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ -أَوْ قَالَ صَاحِبَكُمْ- بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ فِى أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ فَوَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ سَهْلٌ: فَأَدْرَكْتُ نَاقَةً مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ فَدَخَلَتْ مِرْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِى بِرِجْلِهَا. قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِى يَحْيَى عَنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ يَحْيَى: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مَعَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي بشين معجمة فحاء مهملة قاضي مكة ثقة حافظ قال: (حدّثنا حماد هو ابن زيد) أي ابن درهم الإمام أبو إسماعيل الأزدي الأزرق وسقط لفظ هو لأبي ذر (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن بشير بن يسار) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة في الأول وفتح التحتية والسين المهملة المخففة في الثاني الحارثي (مولى الأنصار عن رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبعد التحتية الساكنة جيم الأنصاري الحارثي الأوسي المدني (وسهل بن أبي حثمة) بفتح السين المهملة وسكون الهاء وأبو حثمة بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة واسمه عامر بن ساعدة الأنصاري الحارثي ﵄ (أنهما حدثاه) ولأبي الوقت أو حدثنا (أن عبد الله بن سهل) الأنصاري أخا عبد الرحمن بن سهل (ومحيصة) بضم الميم وفتح الحاء والصاد المهملتين بينهما تحتية مكسورة مشددة (ابن مسعود أتيا خيبر)
стр. 3878
في أصحاب لهما يمتارون تمرًا (فتفرقا) أي عبد الله بن سهل ومحيصة (في النخل فقتل عبد الله بن سهل) فوجده محيصة في عين مطروحًا قد كسرت عنقه وهو يتشحط في دمه (فجاء عبد الرحمن بن سهل) أخو عبد الله المقتول (وحويصة) بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد
التحتية المكسورة بعدها صاد مهملة (و) أخوه (محيصة ابنا مسعود إلى النبي- ﷺ فتكلموا) أي الثلاثة (في أمر صاحبهم) عبد الله المقتول (فبدأ عبد الرحمن) أخوه بالكلام (وكان أصغر القوم فقال النبي) ولأبي ذر فقال له النبي (¬ ﷺ ¬):
(كبر الكبر) بهمزة وصل وضم الكاف وتسكين الموحدة جمع الأكبر أي قدم الأكبر سنًّا للتكلم لتحقق صورة القصة وكيفيتها إلا أنه يدعيها إذ حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن (قال يحيى) بن سعيد الأنصاري (ليلي الكلام) ولأبي ذر يعني ليلي الكلام (الأكبر) سنًّا (فتكلموا في أمر صاحبهم) وفي الجهاد فسكت يعني عبد الرحمن فتكلما يعني حويصة ومحيصة (فقال النبي ﷺ : تستحقون قتيلكم) أي ديته (أو قال صاحبكم بأيمان خمسين) رجلاً (منكم) (قالوا يا رسول الله أمر لم نره) فكيف نحلف عليه (قال): ﷺ (فتبرئكم) بتشديد الراء المكسورة أي تخلصكم والذي في اليونينية فتبرئكم بسكون الباء الموحدة (يهود) من اليمين (في أيمان خمسين رجلاً منهم) وتبرأ إليكم من دعواكم (قالوا: يا رسول الله قوم كفار) كيف نأخذ أيمانكم؟ والحاصل أنه ﷺ بدأ بالمدعين في الأيمان فلما نكلوا ردها على المدعى عليهم فلم يرضوا بأيمانهم (فوداهم) بواو ودال مهملة مخففة مفتوحتين أعطاهم ديته ولأبي ذر ففداهم (رسول الله ﷺ من قبله) بكسر القاف وفتح الموحدة من عنده أو من بيت المال ولأبي ذر عن الكشميهني من قتله بفتح القاف وفوقية ساكنة بدل الموحدة.
(قال سهل): هو ابن أبي حثمة المذكور (فأدركت ناقة من تلك الإبل) التي وداها النبي ﷺ ، في ديته (فدخلت) بفتح اللام وسكون الفوقية أي الناقة (مربدًا لهم) بفتح الميم في اليونينية وفي غيرها بكسرها وفتح الموحدة أي الموضع الذي تجتمع فيه الإبل (فركضتني) أي رفستني (برجلها) قال ذلك ليبين ضبطه للحديث ضبطًا شافيًا بليغًا.
(قال الليث) بن سعد الإمام مما وصله مسلم والترمذي والنسائي (حدثني) بالإفراد (يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن بشير) هو ابن يسار الذكور (عن سهل) هو ابن أبي حثمة (قال يحيى) بن سعيد الأنصاري (حسبت أنه) أي بشيرًا (قال): عن سهل (مع رافع بن خديج).
(وقال ابن عيينة) سفيان مما وصله مسلم والنسائي (حدّثنا يحيى) بن سعيد (عن بشير عن سهل وحده) أي يقل ورافع بن خديج.
٦١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخْبِرُونِى بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَلَا تَحُتُّ وَرَقَهَا»، فَوَقَعَ فِى نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «هِىَ النَّخْلَةُ» فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِى قُلْتُ: يَا أَبَتَاهْ وَقَعَ فِى نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ
قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَهَا لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: مَا مَنَعَنِى إِلاَّ أَنِّى لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا فَكَرِهْتُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد (عن عبيد الله) بضم العين أنه قال: (حدثني) ولأبي ذر أخبرني بالإفراد فيهما (نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) لمن عنده من أصحابه:
(أخبروني) وعند الإسماعيلي أنبؤوني (بشجرة) ولأبي ذر شجرة بإسقاط الجار والنصب (مثلها) بفتح الميم والمثلثة كقوله (مثل المسلم) في النفع العام في جميع الأحوال (تؤتي أكلها) تعطي ثمرها (كل حين) أقته الله لأثمارها (بإذن ربها) بتيسير خالقها وتكوينه (ولا تحت) بالبناء للفاعل والمفعول (ورقها) برفع القاف ونصبها في اليونينية قال ابن عمر (فوقع في نفسي النخلة) ولأبي ذر أنها النخلة (فكرهت أن أتكلم وثم) بفتح المثلثة وهناك (أبو بكر وعمر) ﵄ هيبة منهما وتوقيرًا (فلما لم يتكلما قال النبي ﷺ : هي النخلة فلما خرجت مع أبي قلت: يا أبتاه) بسكون الهاء في الفرع كأصله وفي غيرهما بالضم (وقع في نفسي النخلة) ولأبي ذر عن الكشميهني: إنها النخلة (قال:
стр. 3879
ما منعك أن تقولها لو كنت قلتها كان أحب إليّ من كذا وكذا) في الرواية الأخرى من حمر النعم (قال) ابن عمر قلت يا أبتاه (ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت) ذلك لذلك. قال في الفتح: وكأن البخاري أشار بإيراد هذا الحديث هنا إلى أن تقديم الكبير حيث يقع التساوي أما لو كان عند الصغير ما ليس عند الكبير فلا يمنع من الكلام بحضرة الكبير لأن عمر تأسف حيث لم يتكلم ولده مع أنه اعتذر له بكونه بحضوره وحضور أبي بكر ومع ذلك تأسف على كونه لم يتكلم اهـ.
والحاصل أن الصغير إذا تخصص بعلم جاز له أن يتقدم به ولا يعدّ ذلك سوء أدب ولا تنقيصًا لحق الكبير، ولذا قال عمر: لو كنت قلتها كان أحب إليّ.
وهذا الحديث قد سبق في مواضع.
٩٠ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِى كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]. قَالَ ابْنُ عبَّاسٍ: فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ.
(باب ما يجوز) أن ينشد (من الشعر) وهو الكلام المقفى الموزون قصدًا والتقييد بالقصد مخرج ما وقع موزونًا اتفاقًا فلا يسمر شعرًا (و) ما يجوز من (الرجز) بفتح الراء والجيم بعدها زاي وهو نوع من الشعر عند الأكثر فعلى هذا يكون عطفه على الشعر من عطف الخاص على العام واحتج
القائل بأنه ليس بشعر بأنه يقال فيه راجز لا شاعر وسمي رجزًا لتقارب أجزائه واضطراب اللسان به يقال: رجز البعير إذا تقارب خطوه واضطراب لضعف فيه (و) ما يجوز من (الحداء) بضم الحاء وتخفيف الدال المفتوحة المهملتين يمد ويقصر سوق الإبل بضرب مخصوص والغناء ويكون بالرجز ْغالبًا، وأول من حدا الإبل عبد لمضر بن نزار بن معد بن عدنان كان في إبل لمضر فقصر فضربه مضر على يده فأوجعه فقال: يا يداه يا يداه، وكان حسن الصوت فأسرعت الإبل لما سمعته في السير فكان ذلك مبدأ الحداء رواه ابن سعد بسند صحيح عن طاوس مرسلاً، وأورده البزار موصولاً عن ابن عباس دخل حديث بعضهم في بعض ويلحق به غناء الحجيج المشوق للحج بذكر الكعبة البيت الحرام وغيرها من المشاعر العظام وما يحرض أهل الجهاد على القتال ومنه غناء المرأة لتسكيت الولد في المهد (و) بيان (ما يكره) إنشاده (منه) من الشعر والجائز من الشعر ما لم يكثر منه في المسجد وخلا عن الهجو وعن الإغراق في المدح والكذب المحض فالتغزل بمعين لا يسوغ.
(وقوله تعالى) بالجر عطفًا على السابق (﴿والشعراء﴾) مبتدأ خبره (﴿يتبعهم الغاوون﴾) أي لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ومدح من لا يستحق المدح والهجاء ولا يستحسن ذلك منهم إلا الغاوون أي السفهاء أو الراوون أو الشياطين أو المشركون، وسمى الثعلبي من شعراء المشركين: عبد الله بن الزبعري، وهبيرة بن أبي وهب، ومسافع بن عمرو، وأمية بن أبي الصلت. قال: الزجاج إذا مدح أو هجا شاعر بما لا يكون وأحب ذلك قوم وتابعوه فهم الغاوون (﴿ألم تر﴾) ولأبي ذر وقوله ألم تر (﴿أنهم في كل واد﴾) من الكلام (﴿يهيمون﴾) خبر أن أي في كل فن من الكذب يتحدثون أو في كل لغو وباطل يخوضون، كما يأتي قريبًا عن ابن عباس إن شاء الله تعالى، والهائم الذاهب على وجهه لا مقصد له وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأبخلهم على حاتم، وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله:
فبتن بجانبي مصرعات … وبت أفض أغلاق الختام
فقال: قد وجب عليك الحدّ فقال: قد درأ الله الحدّ عني بقوله: (﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾) حيث وصفهم بالكذب والخلف في الوعد ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين بقوله (﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾) كعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك (﴿وذكروا الله كثيرًا﴾) يعني كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرًا قالوه في توحيد الله والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد والأدب، ومدح رسول الله ﷺ والصحابة وصلحاء الأمة ونحو ذلك مما ليس فيه ذنب (﴿وانتصروا﴾) وهجوا (﴿من بعد ما ظلموا﴾) هجوا
стр. 3880
أي ردوا هجاء من هجا رسول الله ﷺ والمسلمين وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله ﷺ وهجاه. وعن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ قال له:
"اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" وكان يقول لحسان: "قل وروح القدس معك" وختم السورة بما يقطع أكباد المتدبرين وهو قوله: (﴿وسيعلم﴾) وما فيه من الوعيد البليغ وقوله (﴿الذين ظلموا﴾) وإطلاقه وقوله (﴿أي منقلب ينقلبون﴾) [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٥ - ٢٢٦ - ٢٢٧] وإبهامه. قال ابن عطاء: سيعلم المعرض عنا ما الذي فاته منا، وقوله أي نصب بينقلبون على المصدر لا بسيعلم لأن أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها أي ينقلبون أي انقلاب، وسياق الآية إلى آخر السورة ثابت في رواية كريمة والأصيلي، ووقع في رواية أبي ذر بعد قوله ﴿الغاوون﴾ أن قال إلى آخر السورة. ثم قال: وقوله ﴿وأنهم﴾ وذكر إلى آخر السورة كذا في الفرع وأصله، وفيه أيضًا على قوله ﴿وأنهم﴾ إلى آخر السورة علامة السقوط لأبي ذر أيضًا. وقال الحافظ ابن حجر وتبعه العيني: ووقع في رواية أبي ذر بين قوله ﴿يهيمون﴾ وبين قوله ﴿أنهم يقولون﴾ لفظ وقوله وهي زيادة لا يحتاج إليها.
(قال ابن عباس) في تفسير قوله ﴿في كل واد يهيمون﴾ فيما وصله ابن أبي حاتم والطبري (في كل لغو يخوضون).
٦١٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحافظ أبو بشر الحمصي مولى بني أمية (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام المخزومي (أن مروان بن الحكم) بن أبي العاص بن أمية أبا عبد الملك الأموي المدني ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين ومات سنة خمس في رمضان وله ثلاث أو إحدى وستون لا تثبت له صحبة (أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث) بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري ولد على عهده ﷺ (أخبره أن أبي بن كعب) سيد القراء الأنصاري الخزرجي (أخبره أن رسول الله ﷺ قال):
(إن من الشعر حكمه) أي قولاً صادقًا مطابقًا للحق، وقيل كلامًا نافعًا يمنع من الجهل والسفه، وإذا كان في الشعر حكمة كالمواعظ والأمثال التي تنفع الناس فيجوز إنشاده بلا ريب.
والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجة في الأدب.
٦١٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: بَيْنَمَا النَّبِىُّ ﷺ يَمْشِى إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَ:
هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأسود بن قيس) العبدي ويقال العجلي الكوفي أنه (قال: سمعت جندبًا) بضم الجيم وسكون النون ابن عبد الله بن سفيان البجلي الصحابي (يقول: بينما) بالميم (النبي ﷺ يمشي) وفي رواية ابن عيينة عن الأسود عن جندب كنت مع النبي ﷺ في غار وفي رواية ابن شعبة عن الأسود عند الطيالسي وأحمد خرج إلى الصلاة (إذ أصابه حجر فعثر) بفتح العين المهملة والمثلثة أي سقط (فدميت) بفتح الدال المهملة وكسر الميم وفتح التحتية (إصبعه فقال) ﷺ متمثلاً يقول عبد الله بن رواحة:
(هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت) بكسر التاء الفوقية في آخر القسمين على وفق الشعر. وقال الكرماني والتاء في الرجز مكسورة. وفي الحديث ساكنة، وقال غيره: إن النبي ﷺ تعمد إسكانها ليخرج القسمين عن الشعر، وردّ بأنه يصير من ضرب آخر من الشعر وهو من ضروب البحر الملقب بالكامل، وفي الثاني زحاف جائز، قال القاضي عياض: وقد غفل بعض الناس فروي دميت ولقيت بغير مدّ فخالف الرواية ليسلم من الإشكال فلم يصب، وقال في شرح المشكاة: قوله دميت صفة إصبع أي ما أنت يا إصبع موصوفة بشيء من الأشياء إلا بأن دميت كأنها لما توجعت خاطبها على سبيل الاستعارة أو الحقيقة معجزة مسليًا لها أي تثبتي على نفسك فإنك ما ابتليت بشيء من الهلاك والقطع سوى أنك دميت، ولم يكن ذلك هدرًا بل كان في سبيل الله ورضاه، وقد ذكر ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس أن جعفر بن أبي طالب لما قتل في غزوة مؤتة بعد أن قتل زيد
стр. 3881
بن الحارثة وأخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل فأصيبت إصبعه فارتجز وجعل يقول: هل أنت إلا إصبع الخ وزاد:
يا نفس إلا تقتلي تموتي … هذي حياض الموت قد صليت
وما تمنيتِ فقد لقيت … أن تفعلي فعلهما هديت
والصحيح أنه يجوز له ﷺ أن يتمثل بالشعر وينشده حاكيًا له عن غيره.
والحديث مضى في الجهاد.
٦١٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ»:
أَلَا كُلُّ شَىْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ … وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِى الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة المفتوحة والشين المعجمة المشدّدة ولأبي ذر حدثني بالإفراد محمد بن بشار قال: (حدّثنا ابن مهدي) عبد الرحمن قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن عبد الملك) بن عمير الكوفي قال: (حدّثنا أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة ﵁) أنه قال: (قال النبي ﷺ :
(أصدق كلمة قالها الشاعر) ولمسلم من طريق شعبة وزائدة عن عبد الملك إن أصدق بيت وذلك من وصف المعاني بما توصف به الأعيان كقولهم: شعر شاعر وخوف خائف، ثم يصاغ منه أفعل باعتبار ذلك المعنى مبالغة بما يوصف به فيقال: شعري أشعر من شعره، وخوفي أخوف من خوفه (كلمة لبيد) بفتح اللام وكسر الموحدة ابن ربيعة بن عامر العامري الصحابي من فحول الشعراء (ألا) بالتخفيف استفتاحية (كل شيء) مبتدأ أو مضاف للنكرة مفيد لاستغراق أفرادها نحو كل نفس ذائقة الموت (ما خلا الله باطل) خبر المبتدأ أي فانٍ مضمحل وإنما كان أصدق لأنه موافق لأصدق الكلام وهو قولها ﴿كل من عليها فان﴾ [الرحمن: ٦].
(وكاد) أي قارب (أمية بن أبي الصلت أن يسلم) بضم التحتية وسكون السين المهملة وكسر اللام أي في شعره وكان من شعراء الجاهلية، وأدرك مبادئ الإسلام، وبلغه خبر المبعث، لكنه لم يوفق للإيمان برسول الله ﷺ وكان يتعبد في الجاهلية وأكثر في شعره من التوحيد، وكان غوّاصًا على المعاني معتنيًا بالحقائق، ولذا استحسن ﷺ شعره واستزاد من إنشاده، ففي مسلم عن عمرو بن الشريد بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وبعد التحتية الساكنة دال مهملة عن أبيه قال: ردفت النبي ﷺ فقال: (هل معك من شعر أمية شيء)؟ قلت: نعم قال: (هيه) فأنشدته بيتًا فقال (إن كاد ليسلم). وهيه: كلمة استزادة منوّنة وغير منوّنة مبنية على الكسر. قال ابن السكيت: إن وصلت نوّنت. قلت: هيه حدّثنا وأصله إيه فأبدل من الهمزة هاء.
والحديث سبق في أيام الجاهلية.
٦١٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنَا لَيْلاً فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لِعَامِرِ بْنِ الأَكْوَعِ أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ قَالَ: وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلاً شَاعِرًا فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَاغْفِرْ فِدَاءٌ لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا … وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا
وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ هَذَا السَّائِقُ»؟ قَالُوا: عَامِرُ بْنُ الأَكْوَعِ. فَقَالَ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَجَبَتْ يَا نَبِىَّ اللَّهِ لَوْ أَمْتَعْتَنَا بِهِ. قَالَ: فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَرْنَاهُمْ حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ الْيَوْمَ الَّذِى فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا هَذِهِ النِّيرَانُ عَلَى أَىِّ شَىْءٍ تُوقِدُونَ»؟ قَالُوا: عَلَى
لَحْمٍ قَالَ: «عَلَى أَىِّ لَحْمٍ»؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَهْرِقُوهَا وَاكْسِرُوهَا». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: «أَوْ ذَاكَ». فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ: رَآنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَاحِبًا فَقَالَ لِى: «مَا لَكَ»؟ فَقُلْتُ: فِدًى لَكَ أَبِى وَأُمِّى زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ. قَالَ: «مَنْ قَالَهُ»؟ قُلْتُ: قَالَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ الأَنْصَارِىُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَذَبَ مَنْ قَالَهُ إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ» وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ قَلَّ عَرَبِىٌّ نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي قال: (حدّثنا حاتم بن إسماعيل) بالحاء المهملة الكوفي (عن يزيد بن أبي عبيد) مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع) ﵁ أنه (قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلاً فقال رجل من القوم) هو أسيد بن حضير (لعامر بن الأكوع) وهو عامر بن سنان بن عبد الله بن قشير الأسلمي المعروف بابن الأكوع عم سلمة بن الأكوع واسم الأكوع سنان ويقال أخوه: (لا تسمعنا من هنيهاتك)؟ بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية وبعد الهاء ألف ففوقية فكاف ولأبي ذر عن الكشميهني هنياتك بتحتية مشددة مفتوحة بدلاً من الهاء الثانية أي من كلماتك أو من أراجيزك (قال) سلمة بن الأكوع: (وكان عامر) أي ابن الأكوع (رجلاً شاعرًا فنزل يحدو بالقوم) حال كونه (يقول): قال في الأساس: حدا الإبل حدوًا وهو حادي الإبل وهم حداتها وحدا بها حداء إذا غنى لها. وقال في الفتح: يؤخذ منه جميع الترجمة لاشتماله على الشعر والرجز والحداء ويؤخذ منه أن الرجز من جملة الشعر وقول السفاقسي إن قوله:
(اللهم لولا أنت ما اهتدينا) ليس بشعر ولا رجز لأنه ليس بموزون ليس كذلك بل هو رجز موزون، وإنما زيد في أوّله سبب خفيف ويسمى الخزم بالمعجمتين. وقال في الكواكب: الموزون
стр. 3882
لا همّ وقوله لولا أنت ما اهتدينا كقوله وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله (ولا تصدقنا ولا صلينا … فاغفر فداء لك) بكسر الفاء والمد مرفوع منوّن في الفرع. قال المازري: لا يقال لله فداء لك لأنها كلمة إنما تستعمل لتوقع مكروه بشخص فيختار شخص آخر أن يحل به دون ذلك الآخر ويفديه فهو مجاز عن الرضا كأنه قال: نفسي مبذولة لرضاك أو وقعت هنا مخاطبة لسامع الكلام وقوله: (ما اقتفينا). ما اتبعنا أثره. وقال ابن بطال: المعنى اغفر لنا ما ارتكبنا من الذنوب وفداء لك دعاء أي أفدنا من عقابك على ما اقترفنا من ذنوبنا كأنه قال: اغفر لنا وافدنا فداء لك أي من عندك فلا تعاقبنا به، وحاصله أن جعل اللام للتبيين مثل هيت لك (وثبت الإقدام إن لاقينا) العدوّ كقوله تعالى: ﴿وثبت أقدامنا وانصرنا﴾ [البقرة: ٢٥٠] (وألقين سكينة علينا … ) مثل قوله ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ [الفتح: ٢٦] (إنا إذا صيح بنا﴾) بكسر
الصاد المهملة وسكون التحتية بعدها حاء مهملة أي إذا دعينا للقتال (أتينا … ) من الإتيان (وبالصياح) بالصوت العالي والاستغاثة (عوّلوا علينا … ) لا بالشجاعة (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع فقال) ﷺ : (يرحمه الله. فقال رجل من القوم) هو عمر بن الخطاب ﵁ (وجبت) له الشهادة (يا نبي الله) لأنه ﷺ ما كان يدعو لأحد بالرحمة يخصه بها إلا استشهد (لولا) هلا (أمتعتنا) أبقيته لنا لنتمتع (به) ولغير أبي ذر لو أمتعتنا (قال) سلمة: (فأتينا) أهل (خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا) ولأبي ذر عن الكشميهني فأصابتنا (مخمصة) مجاعة (شديدة ثم إن الله) تعالى (فتحها عليهم) حصنًا حصنًا (فلما أمسى الناس اليوم) ولأبي ذر عن الكشميهني مساء اليوم (الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانًا كثيرة فقال رسول الله ﷺ : ما هذه النيران على أي شيء توقدون؟ قالوا): نوقدها (على لحم. قال) ﷺ : (على أي لحم) أي على أي أنواع اللحوم (قالوا: على لحم حمر إنسية) بكسر الهمزة وسكون النون وللكشميهني الحمر ولأبي ذر الأنسية بإثبات ال فيهما وفتح نون الأنسية والهمزة (فقال رسول الله ﷺ : أهرقوها) بفتح الهمزة وسكون الهاء وبعد الراء المكسورة قاف من غير تحتية بينهما في الفرع وأصله، ولأبي ذر هريقوها بإسقاط الهمزة وفتح الهاء وإثبات تحتية ساكنة بعد الراء ففي الرواية الأولى الهاء زائدة وفي الأخرى منقلبة عن الهمزة أي صبوها (واكسروها. فقال رجل) أي يسم أو هو عمر (يا رسول الله أو) بسكون الواو (نهريقها) بضم النون وإثبات التحتية بعد الراء (ونغسلها؟ قال) ﷺ : (أو ذاك) بسكون الواو أي الغسل (فلما تصاف القوم) للقتال (كان سيف عامر) أي ابن الأكوع (فيه قصر) بكسر القاف وفتح الصاد (فتناول به يهوديًا) وفي غزوة خيبر ساق يهودي (ليضربه ويرجع) بلفظ المضارع ولأبي ذر عن الكشميهني فرجع بالفاء ولفظ الماضي (ذباب سيفه) أي طرفه الأعلى أو حده (فأصاب ركبة عامر فمات منه فلما قفلوا) رجعوا من خيبر (قال سلمة) بن الأكوع (رآني رسول الله ﷺ شاحبًا) بالشين المعجمة وبعد الألف حاء مهملة مكسورة فموحدة متغير اللون (فقال لي: ما لك) متغيرًا (فقلت: فدى لك أبي وأمي زعموا أن عامرًا حبط عمله) بكسر الموحدة لكونه قتل نفسه (قال) ﷺ : (من قاله؟ قلت: قاله فلان وفلان وفلان) ثلاثًا (وأسيد بن الحضير) بضم الهمزة والحضير بضم المهملة وفتح الضاد المعجمة ولأبي ذر حضير (الأنصاري، فقال رسول الله ﷺ : كذب من قاله إن له لأجرين) أجر الجهد في الطاعة وأجر الجهاد في سبيل الله (وجمع) ﷺ (بين إصبعيه إنه لجاهد مجاهد) بكسر الهاء فيهما (قلّ عربي نشأ) بالنون والشين المعجمة والهمزة، ولأبي ذر عن الكشميهني: مشى بالميم والمعجمة والقصر (بها) بالمدينة
стр. 3883
أو الحرب أو الأرض (مثله) أي مثل عامر.
والحديث سبق في غزوة خيبر.
٦١٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِىُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ فَقَالَ: «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ
سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ» قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِىُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ قَوْلُهُ سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ.
[الحديث ٦١٤٩ - أطرافه في: ٦١٦١، ٦٢٠٢، ٦٢٠٩، ٦٢١٠، ٦٢١١].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا إسماعيل) ابن علية قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: أتى النبي ﷺ على بعض نسائه ومعهن أم سليم) أم أنس، وفي رواية حماد بن زيد في باب المعاريض أنه كان في سفر ومن طريق شعبة عند الإسماعيلي والنسائي وكان معهم سائق وحاد، وفي رواية وهيب وأنجشة غلام النبي ﷺ يسوق بهن (فقال):
(ويحك يا أنجشة) بفتح الهمزة والجيم بينهما نون ساكنة وبعد الجيم شين معجمة فهاء تأنيث وكان حبشيًّا يكنى أبا مارية (رويدك سوقًا) ولأبي ذر عن الحموي سوقك (بالقوارير) وسقط من الفرع التنكزي لفظ سوقك وسوقًا وعلى إثباته الشراح وهو الذي في اليونينية ورويدك مصدر والكاف في موضع خفض أو اسم فعل والكاف حرف خطاب وسوقك بالنصب على الوجهين، والمراد حدوك إطلاقًا لاسم المسبب على السبب، وقال ابن مالك: رويدك اسم فعل بمعنى أرود أى أمهل والكاف المتصلة به حرف خطاب وفتحة داله بنائية، ولك أن تجعل رويدك مصدرًا مضافًا إلى الكاف ناصبًا سوقك وفتحة داله على هذا إعرابية، واختار أبو البقاء الوجه الأول، والقوارير جمع قارورة سميت بذلك لاستقرار الشراب فيها، وكنى عن النساء بالقوارير من الزجاج لضعف بنيتهن ورفتهن ولطافتهن، وقيل شبههن بالقوارير لسرعة انقلابهن عن الرضا وقلة دوامهن على الوفاء كالقوارير يسرع الكسر إليها ولا تقبل الجبر أي لا تحسن صوتك، فربما يقع في قلوبهن فكفه عن ذلك، وقيل أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب ولم يؤمن على النساء السقوط، إذا مشت رويدًا أمن على النساء، وهذا من الاستعارة البديعة لأن القوارير أسرع شيء تكسرًا فأفادت الكناية من الحض على الرفق بالنساء في السير ما لم تفده الحقيقة لو قال: ارفق بالنساء. وقال في شرح المشكاة: هي استعارة لأن المشبه به غير مذكور والقرينة حالية لا مقالية ولفظ الكسر ترشيح لها.
(قال أبو قلابة): عبد الله الجرمي بالسند السابق (فتكلم النبي ﷺ بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه) ثبت لفظ بها لأبي ذر (قوله سوقك بالقوارير).
قال في الكواكب فإن قلت: هذه استعارة لطيفة بليغة فلم تعاب؟ وأجاب: بأنه لعله نظر إلى أن شرط الاستعارة أن يكون وجه الشبه جليًا بين الأقوام وليس بين القارورة والمرأة وجه شبه ظاهر، والحق أنه كلام في غاية الحسن والسلامة عن العيوب، ولا يلزم في الاستعارة أن يكون جلاء وجه الشبه من حيث ذاتهما، بل يكفي الجلاء الحاصل من القرائن كما في المبحث فالعيب في العائب:
وكم من عائب قولاً صحيحًا … وآفته من الفهم السقيم
قال: ويحتمل أن يكون قصد أبي قلابة أن هذه الاستعارة تحسن من مثل رسول الله ﷺ في البلاغة ولو صدرت ممن لا بلاغة له لعبتموها قال: وهذا هو اللائق بمنصب أبي قلابة. وقال الداودي: هذا قاله أبو قلابة لأهل العراق لما كان عندهم من التكلف ومعارضة الحق بالباطل.
ومطابقة الأحاديث لما ترجم عليه ظاهرة. فإن قلت: قد نفى الله تعالى عنه ﷺ في كتابه أن يكون شاعرًا وفي الأحاديث أنه أنشد الشعر واستنشده. أجيب: بأن المنفي في الآية إنشاء الشعر لا إنشاده ويقال لمن قاله متمثلاً أو جرى على لسانه موزونًا من غير قصد أنه شاعر، وقد دل غير ما حديث على جواز وقوع الكلام منه منظومًا من غير قصد إلى ذلك، ولا يسمى مثل ذلك شعرًا ولا القائل به شاعرًا، وقد وقع كثير من ذلك في القرآن العظيم لكن غالبه أشطار أبيات، والقليل منه وقع وزن بيت تام وللعلامة الشهاب أبي الطيب الحجازي قلائد النحور في جواهر البحور
стр. 3884
ذكر فيها ما استخرج من القرآن العزيز مما جاء على أوزان البحور اتفاقًا.
فمن ذلك قوله مما هو من البحر الطويل:
أيا من طويل الليل بالنوم قصروا … أنيبوا وكونوا من أناس به تاهوا
وإن شئتموا تحيوا أميتوا نفوسكم … ولا تقتلوا النفس التي حرم الله
ومن البحر الوافر:
صدور الجيش يظفركم إله … بوافر سهمكم بالكافرين
ويخزهمو وينصركم عليهم … ويشف صدور قوم مؤمنين
ومن الكامل:
مات ابن موسى وهو بحر كامل … فهناكمو جمع الملائك مشترك
يأتيكم التابوت فيه سكينة … من ربكم وبقية مما ترك
ومن الرمل:
أيها الأرمل إن رمت عفافًا … فتزوج من نساء خيرات
مسلمات مؤمنات قانتات … تائبات عابدات سائحات
ومن مجزوّ الرمل:
أسعدوا المرمل تجزوا … ذاك أولى ما تعدون
لن تنالوا البر حتى … تنفقوا مما تحبون
ومن السريع:
يا أهل دين الله بشراكمو … أقر مولاكم به عينكم
إذ أنزل الله على المصطفى … اليوم أكملت لكم دينكم
ومن الخفيف:
لا تدع اليتيم يومًا وكن في … شأنه كله رؤوفًا رحيما
أرأيت الذي يكذب بالدين … فذلك الذي يدع اليتيما
ومن المضارع:
وضارع أهيل خير … تنل من رب يقينا
جنانًا مزخرفات … وهم فيها خالدون
ومن المجتث:
اجتث قلبي بذنبي … والله خيرًا يريد
وكيف أخشى ذنوبي … وهو الغفور الودود
وفي فتح الباري: جملة من الآيات من هذا المعنى، وكان الأولى بي ترك ذلك لكن جرى القلم بما حكم والله أسأل الرشاد إلى طريق السداد، وأن يختم لي بالإسلام والسنّة في عافية بلا محنة وأن يفر كربي.
٩١ - باب هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ
(باب) استحباب (هجاء المشركين) أي ذمهم في الشعر والهجاء والهجو بمعنى يقال هجوته بالواو ولا يقال هجيته بالياء.
٦١٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَكَيْفَ بِنَسَبِى»؟ فَقَالَ حَسَّانُ: لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ الْعَجِينِ.
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: لَا تَسُبُّهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن سلام قال: (حدّثنا عبدة) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة ابن سليمان قال: (أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂) أنها (قالت:
استأذن حسان بن ثابت) بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي ثم النجاري شاعر رسول الله ﷺ ، وأمه الفريعة بالفاء والعين المهملة مصغرًا خزرجية أيضًا أدركت الإسلام فأسلمت وبايعت. قال أبو عبيدة: فضل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ أيام النبوّة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام، وكان يهجو الذين كانوا يهجون رسول الله ﷺ واستأذن (رسول الله ﷺ في هجاء المشركين) ذمهم في شعره (فقال) له (رسول الله ﷺ : فكيف بنسبي) أي فكيف تهجوهم ونسبي فيهم فربما يصيبني شيء من الهجو (فقال حسان: لأسلنك منهم) لأتلطفن في تخليص نسبك من هجوهم بحيث لا يبقى جزء من نسبك فيما ناله الهجو (كما تسل الشعرة من العجين) فإنها لا يبقى عليها منه شيء وذلك بأن يهجوهم بأفعالهم وبما يختص عاره بهم.
والحديث مرّ في المغازي، وأخرجه مسلم
стр. 3885
في الفضائل.
(وعن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بالسند السابق أنه (قال: ذهبت أسب حسان) بن ثابت (عند عائشة) ﵂ لموافقته لأهل الإفك (فقالت: لا تسبه فإنه كان ينافح) بضم التحتية وفتح النون وبعد الألف فاء فحاء مهملة يدافع ويخاصم (عن رسول الله ﷺ ¬) والمراد بالمنافحة هنا هجاء المشركين ومجازاتهم على أشعارهم.
٦١٥١ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ الْهَيْثَمَ بْنَ أَبِى سِنَانٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِى قَصَصِهِ يَذْكُرُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ: الرَّفَثَ» يَعْنِى بِذَاكَ ابْنَ رَوَاحَةَ قَالَ:
فِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ … إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا … بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِى جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ … إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ
تَابَعَهُ عُقَيْلٌ وَقَالَ الزُّبَيْدِىُّ: عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدٍ وَالأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ.
وبه قال: (حدّثنا أصبغ) بالغين المعجمة ابن الفرج أبو عبد الله المصري وهو من إفراده قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن وهب) المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أن الهيثم بن أبي سنان) المدني (أخبره أنه سمع أبا هريرة) ﵁ (في قصصه) بفتح القاف والصاد الاسم وبكسر القاف جمع قصة والقص في الأصل البيان (يذكر النبي ﷺ يقول: إن أخًا لكم لا يقول الرفث) بالمثلثة أي الفحش (يعني) أبو هريرة (بذلك ابن رواحة) وهو عبد الله بن رواحة بفتح الراء والواو وبعد الألف حاء مهملة ابن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو الأنصاري الخزرجي الشاعر المشهور وليس له عقب من السابقين
الأوّلين من الأنصار وهو أحد النقباء ليلة العقبة شهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة (قال) يمدح النبي ﷺ (فينا) ولأبي ذر: وفينا (رسول الله ﷺ ¬) (يتلو كتابه). القرآن.
(إذا انشق معروف من الفجر ساطع) مرتفع صفة لمعروف أي أنه يتلو كتاب الله وقت انشقاق الوقت الساطع من الفجر (أرانا الهدى بعد العمى) بعد الضلالة (فقلوبنا به) ﷺ (موقنات أن ما قال) من أمور الغيب (واقع).
(يبيت) حال كونه (يجافي) يرفع (جنبه عن فراشه) كناية عن تهجده (إذا استثقلت بالمشركين) ولغير الكشميهني بالكافرين (المضاجع) وهذه الأبيات من البحر الطويل.
والحديث سبق في باب فضل من تعارّ من الليل من التهجد.
(تابعه) أي تابع يونس (عقيل) بضم العين ابن خالد في روايته (عن الزهري) محمد بن مسلم فيما وصله الطبراني في الكبير (وقال الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة محمد بن الوليد الشامي (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سعيد) بكسر العين ابن المسيب (والأعرج) عبد الرحمن بن هرمز كلاهما (عن أبي هريرة) فيما وصله البخاري في تاريخه الصغير والطبراني أيضًا.
٦١٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ ح وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِى أَخِى عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِىَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَيَقُولُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَا حَسَّانُ أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري ح) كذا في بعض الفروع المعتمدة.
(وحدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (أخي) أبو بكر واسمه عبد الحميد (عن سليمان) بن بلال (عن محمد بن أبي عتيق) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق التيمي القرشي وأبو عتيق كنية جده محمد (عن ابن شهاب) كذا في بعض الفروع المعتمدة (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري) ﵁ حال كونه (يستشهد أبا هريرة) ﵁ يطلب منه الإخبار (فيقول: يا أبا هريرة نشدتك بالله) بنون وشين معجمة مفتوحتين من غير ألف ولأبي ذر عن الحموي والمستملي نشدتك الله بإسقاط حرف الجرّ من الجلالة الشريفة والنصب أي أقسمت عليك بالله (هل سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(يا حسان أجب) دافعًا أو أجب الكفار (عن رسول الله ﷺ ¬) إذ هجوه وأصحابه ولما كان الهجو في المشركين والطعن في أنسابهم مظنة الفحش في الكلام وبذاءة اللسان، وذلك يؤدي أن يتكلم بما يكون عليه لأنه احتاج للتأييد من الله وأن يطهره من ذلك فقال ﷺ (اللهم أيّده) قوّه (بروح القدس) جبريل ﵇ (قال أبو هريرة: نعم) سمعته ﷺ يقول ذلك.
والحديث سبق في باب الشعر في المسجد من كتاب الصلاة.
٦١٥٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ لِحَسَّانَ: «اهْجُهُمْ» أَوْ قَالَ: «هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عدي بن ثابت) الأنصاري
стр. 3886
(عن البراء) ﵁ (أن النبي ﷺ قال لحسان) بن ثابت:
(اهجهم) بهمزة وصل وسكون الهاء وضم الجيم ثم الهاء (أو قال): (هاجهم) بفتح الهاء وألف بعدها وكسر الجيم والهاء بالشك من الراوي (وجبريل معك) بالتأييد والمعاونة.
والحديث سبق في بدء الخلق.
٩٢ - باب مَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى الإِنْسَانِ الشِّعْرُ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ
(باب ما يكره أن يكون الغالب) بالنصب كما في الفرع خبر كان (على الإنسان الشعر) بالرفع اسمها ويجوز العكس (حتى يصده) أي الشعر (عن ذكر الله والعلم والقرآن).
٦١٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا».
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين ابن باذام العبدي الكوفي قال: (أخبرنا حنظلة) بن أبي سفيان الجمحي القرشي (عن سالم) هو ابن عبد الله (عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لأن يمتلئ) بلام التأكيد وأن المصدرية في موضع رفع على الابتداء (جوف أحدكم قيحًا) نصب على التمييز والقيح المدة لا يخالطها دم وخبر المبتدأ قوله (خير له من أن يمتلئ شعرًا) ظاهره العموم في كل شعر لكنه مخصوص بما لم يكن حقًّا، وأما الحق فلا. كمدح الله ورسوله وما يشتمل على الذكر والزهد وسائر المواعظ مما لا إفراط فيه، وحمله ابن بطال على الشعر الذي هجي به النبي ﷺ ، وتعقبه أبو عبيد بأن الذي هجي به النبي لو كان شطر بيت كان كفرًا قال: والوجه عندي أن يمتلئ قلبه منه حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن والذكر فأما إذا كان الغالب القرآن
والذكر عليه فليس جوفه بممتلئ من الشعر. نعم أخرج أبو يعلى الموصلي عن جابر مرفوعًا "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا أو دمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا هجيت به" وفي سنده راوٍ لم يعرف، وأخرجه الطحاوي وابن عدي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة مثل حديث الباب. قال: فقالت عائشة لم يحفظ إنما قال: أن يمتلئ شعرًا هجيت به. قال في الفتح: وابن الكلبي واهي الحديث وشيخه أبو صالح ليس هو السمان المتفق على تخريجه في الصحيح عن أبي هريرة بل هو آخر ضعيف يقال له باذان فلم تثبت هذه الزيادة. وقال السهيلي: إن قلنا بما قالته عائشة من تخصيص النهي بمن يمتلئ جوفه من شعر هجي به ﷺ فليس في الحديث إلا عيب امتلاء الجوف منه فلا يدخل في النهي رواية اليسير على سبيل الحكاية ولا الاستشهاد به في اللغة، وحينئذٍ فلا يكفر قائله ولا فرق بينه وبين الكلام الذي ذموا به النبي ﷺ .
٦١٥٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (قال: سمعت أبا صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا يريه) ظاهره كما في بهجة النفوس أن المراد الجوف كله وما فيه من القلب وغيره، أو المراد القلب خاصة وهو الأظهر لأن أهل الطب يزعمون أن القيح إذا وصل إلى القلب شيء منه وإن كان يسيرًا فإن صاحبه يموت لا محالة بخلاف غير القلب مما في الجوف من الكبد والرئة. وعند الطحاوي والطبراني من حديث عوف بن مالك: لأن يمتلئ جوف أحدكم من عانته إلى لهاته قيحًا يتخضخض خير له من أن يمتلئ شعرًا وسنده حسن، ويريه بفتح التحتية وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة، ولأبي ذر عن الكشميهني: حتى يريه بزيادة حتى، ونسبها بعضهم للأصيلي فعلى حذف حتى مرفوع وعلى ثبوتها بالنصب. وذكر ابن الجوزي أن جماعة من المبتدئين يقرؤونها بالنصب مع إسقاط حتى جريًا على المألوف وهو غلط إذ ليس هنا ما ينصب، وقال الزركشي: رواه الأصيلي بالنصب على بدل الفعل من الفعل وأجرى إعراب يمتلئ على يريه ومعناه كما في الصحاح يأكله، وقيل معناه أن القيح يأكل جوفه، وقيل يصيب رئته. وتعقب بأن الرئة مهموزة العين. وأجيب: بأنه لا يلزم من كون الأصل مهموزًا أن لا يستعمل مسهلاً قال: في الفتح: ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم لهذا
стр. 3887
الحديث سبب ولفظه: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذ عرض لنا شاعر ينشد فقال: أمسكوا الشيطان لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا (خير من) ولأبي ذر عن الكشميهني له من (أن يمتلئ شعرًا) وهذا الزجر إنما هو لمن أقبل على الشعر وتشاغل له عن تلاوة القرآن والذكر والعبادة وألحق أبو عبد الله بن أبي جمرة بامتلاء
الجوف بالشعر المذموم المشغل عن الواجبات والمستحبات الامتلاء من السجع مثلاً ومن كل علم مذموم كالسحر وغيره من العلوم.
والحديث أخرجه مسلم في الطب وابن ماجة في الأدب.
٩٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ تَرِبَتْ يَمِينُكَ وَعَقْرَى حَلْقَى
(باب قول النبي ﷺ : تربت) أي افتقرت (يمينك) أو هي كلمة يراد بها التحريض على الفعل لا الدعاء أو يراد بها المبالغة في المدح كقولهم للشاعر قاتله الله لقد أجاد (وعقرى) أي عقرها الله (حلقى) أصابها وجع في حلقها.
٦١٥٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِى الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَىَّ بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا آذَنُ لَهُ، حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ أَخَا أَبِى الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِى، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِى امْرَأَةُ أَبِى الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِى وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِى امْرَأَتُهُ قَالَ: «ائْذَنِى لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ» قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير الحافظ المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: إن أفلح أخا أبي القعيس) بضم القاف وفتح العين المهملة وبعد التحتية الساكنة سين مهملة عم عائشة من الرضاعة وفي رواية لمسلم أفلح بن أبي قعيس وكذا عند البغوي من وجه آخر (استأذن) أن يدخل (علي) بتشديد التحتية (بعد ما نزل) ولأبي ذر بعدما أنزل (الحجاب فقلت: والله لا آذن له) أن يدخل عليّ (حتى أستأذن رسول الله ﷺ ¬) فيه (فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني) بالفوقية الساكنة قبل النون (امرأة أبي القعيس) قال في الفتح: لم أعرف اسمها (فدخل عليّ) بتشديد التحتية (رسول الله ﷺ فقلت) له: (يا رسول الله إن الرجل) أخا أبي القعيس (ليس هو) الذي (أرضعني ولكن أرضعتني امرأته قال) ﷺ :
(ائذني له) في الدخول عليك (فإنه عمك) من الرضاعة (تربت يمينك) فأثبت ﷺ عمومة الرضاع وألحقها بالنسب. ومطابقة الحديث لبعض الترجمة ظاهرة لا خفاء فيها، والحديث سبق في النكاح.
(قال عروة) بن الزبير بالسند السابق: (فبذلك) أي بسبب ما ذكر في هذا الحديث (كانت عائشة) ﵂ (تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب) ومبحث هذا سبق.
٦١٥٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَرَادَ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ فَرَأَى صَفِيَّةَ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً حَزِينَةً لأَنَّهَا حَاضَتْ فَقَالَ: «عَقْرَى حَلْقَى -لُغَةُ قُرَيْشٍ- إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا» ثُمَّ قَالَ: «أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ» -يَعْنِى الطَّوَافَ- قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «فَانْفِرِى إِذًا».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا الحكم) بن عتيبة بضم العين وفتح الفوقية وبعد التحتية الساكنة موحدة الكندي مولاهم فقيه الكوفة (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: أراد النبي ﷺ أن ينفر) بكسر الفاء يرجع من الحج (فرأى صفية) بنت حيي (على باب خبائها) بكسر الخاء المعجمة وبعد الموحدة ألف فهمزة ممدودًا أي خيمتها (كئيبة) من الكآبة أي سيئة الحال (حزينة لأنها حاضت) ولم تطف طواف الوداع فظنت أنه كطواف الزيارة في تمام الحج أنه لا يجوز تركه مع العذر وظن ﷺ أنها لم تطف الزيارة (فقال) لها:
(عقر حلقى) على وزن فعلى بفتح الفاء مقصورًا وحقهما التنوين ليكونا مصدرين أي عقرها الله عقرًا وحلقها حلقًا وهو دعاء لكنه (لغة قريش) يطلقونه ولا يريدون وقوعه بل عادتهم التكلم بمثله على سبيل التطلف وضبطه أبو عبيد في غريب الحديث بالقصر وبالتنوين، وذكر في الأمثال أنه في كلام العرب بالمدّ وفي كلام المحدثين بالقصر ولأبي ذر عن المستملي لفظة بالفاء والمعجمة منوّنًا بدل قوله لغة ولأبي ذر لقريش (إنك لحابستنا) عن الرحلة إلى المدينة (ثم قال) ﷺ مستفهمًا (أكنت أفضت يوم النحر يعني) ﵊ (الطواف) للزيارة؟ (قالت: نعم) أفضت (قال) ﵊: (فانفري إذًا) بالتنوين لأن حجك قد تم.
والحديث سبق في باب
стр. 3888
إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت من كتاب الحج وبالله المستعان على التكميل والتوفيق للصواب.
٩٤ - باب مَا جَاءَ فِى زَعَمُوا
(باب ما جاء في زعموا) في حديث أبي قلابة عند أحمد وأبي داود بإسناد رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا قال: قيل لأبي مسعود ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في زعموا؟ قال: بئس مطية الرجل، وفي المثل زعموا مطية الكذب، والأصل فيها أن تقال في الأمر الذي يعلم حقيقته فمن أكثر الحديث بما لا يتحقق حقيقته لم يؤمن عليه الكذب.
٦١٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِى طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِى طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ»؟
فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِى طَالِبٍ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غَسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّى أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي ولأبي ذر عن المستملي ابن يوسف بدل قوله ابن مسلمة وعبد الله بن يوسف هو أبو محمد الدمشقي ثم التنيسي الحافظ (عن مالك) الإمام (عن أبي النضر) بفتح النون وسكون المعجمة سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) المدني (أن أبا مرة) بضم الميم وتشديد الراء يزيد (مولى أم هانئ) فاختة (بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب) ﵂ (تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح) بمكة (فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره فسلمت عليه فقال):
(من هذه فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب فقال):
(مرحبًا بأم هانئ) أي لاقت رحبًا وسعة (فلما فرغ) رسول الله ﷺ (من غسله) بفتح الغين ولأبي ذر بضمها (قام فصلّى ثماني ركعات) حال كونه (ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف) من صلاته (قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي) علي بن أبي طالب وهي شقيقته لكنها خصت الأم لاقتضاء مزيد الشفقة والرعاية وقولها زعم أي: قال ومثله قول سيبويه في كتابه في أشياء يرتضيها زعم الخليل، والحاصل أنها قد تطلق ويراد بها القول وقد أطلقت ذلك أم هانئ في حق علي ولم ينكر عليها النبي ﷺ (أنه قاتل) بالتنوين اسم فاعل بمعنى الاستقبال (رجلاً) ففيه إطلاق اسم الفاعل على من عزم على التلبس بالفعل (قد أجرته) بالراء أي أمنته هو (فلان ابن هبيرة) ويجوز النصب قيل اسمه الحارث بن هشام المخزومي أو عبد الله بن أبي ربيعة أو زهير بن أبي أمية كما عند الزبير بن بكار في النسب (فقال رسول الله ﷺ : قد أجرنا من أجرت) أمّنا من أمّنت (يا أم هانئ) فليس لعلي قتله (قالت أم هانئ: وذاك) أي صلاته الثمان ركعات، ولأبي ذر عن الكشميهني وذلك باللام (ضحى) أي وقت ضحى.
والحديث سبق في باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحقًا به من كتاب الصلاة.
٩٥ - باب مَا جَاءَ فِى قَوْلِ الرَّجُلِ وَيْلَكَ
(باب ما جاء في قول الرجل) لغيره (ويلك) كلمة عذاب نصب على المصدر بفعل ملاق له في المعنى دون الاشتقاق ومثله ويحه وويسه أو على المفعول بتقدير ألزمك الله ويلك، وقيل أصلها وي كلمة تاؤه فلما أكثر قولهم وي لفلان وصلوها باللام وقدّروا أنها منها فأعربوها.
٦١٥٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ
النَّبِىَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: «ارْكَبْهَا» قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن يحيى بن دينار العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁ أن النبي رأى رجلاً) أي يسم (يسوق بدنة) ناقة تنحر بمكة يعني أنها هدي تساق إلى المحرم (فقال) ﷺ له:
(اركبها) (قال) الرجل: (إنها بدنة. قال) ﷺ : (اركبها) (قال) الرجل: (إنها بدنة. قال) ﷺ : (اركبها ويلك) بتكرير ذلك ثلاثًا. وقال له: ويلك تأديبًا له لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه أو لم يرد بها موضوعها الأصلي بل جرت على لسانه في المخاطبة من غير قصد، وقيل غير ذلك كما مرّ في الحج.
٦١٦٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ: «ارْكَبْهَا» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ» فِى الثَّانِيَةِ أَوْ فِى الثَّالِثَةِ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط لأبي ذر بن سعد (عن مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً) أي يسم (يسوق بدنة) زاد مسلم مقلدة (فقال له):
(اركبها قال: يا رسول الله إنها بدنة) أي هدي (قال اركبها ويلك) قالها (في) المرة (الثانية أو في) المرة (الثالثة) بالشك من الراوي.
والحديث سبق في الحج.
٦١٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى سَفَرٍ وَكَانَ مَعَهُ غُلَامٌ لَهُ: أَسْوَدُ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ يَحْدُو فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ بِالْقَوَارِيرِ».
وبه قال:
стр. 3889
(حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن ثابت البناني) بضم الموحدة (عن أنس بن مالك) سقط ابن مالك لأبي ذر قال: حماد أيضًا (وأيوب) السختياني وفي بعض النسخ ح للتحويل وأيوب (عن أبي قلابة) عبد الله الجرمي (عن أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: كان رسول الله ﷺ في سفر وكان معه غلام له أسود) اللون حبشيًّا حسن الصوت بالحداء (يقال: أنجشة يحدو) ببعض أمهات المؤمنين ومعهن أم أنس أم سليم (فقال له رسول الله ﷺ ¬):
(ويحك) بالحاء المهملة كلمة رحمة نصب بإضمار فعل كأنه قال: ألزمه الله ويحًا ولأبي ذر عن الحموي ويلك كلمة عذاب كما مرّ. وقال الترمذي: إنهما بمعنى واحد تقول ويح لزيد وويل لزيد، لكن عند الخرائطي في مساوئ الأخلاق بسند واه عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها في قصة: لا تجزعي من الويح فإنها كلمة رحمة ولكن اجزعي من الويل (يا أنجشة رويدك بالقوارير) أي ارفق بالنساء في السير لئلا يسقطن من شدة الإسراع.
والحديث سبق قريبًا.
٦١٦٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ ثَلَاثًا مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ وَلَا أُزَكِّى عَلَى اللَّهِ أَحَدًا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة المنقري قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو ابن خالد (هو خالد) هو ابن مهران الحذاء (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه) أبي بكرة بفتح الموحدة وسكون الكاف نفيع بن الحارث أنه (قال: أثنى رجل على رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرفهما (عند النبي ﷺ ¬) خيرًا (فقال) ﵊ له:
(ويلك قطعت عنق أخيك) بثنائك عليه لأنه أوقعه في الإعجاب بنفسه الموجب لهلاك دينه وقطع العنق مجاز عن القتل فهما مشتركان في الهلاك إلا أن هذا ديني قال له ﷺ : ويلك الخ (ثلاثًا) ثم قال ﷺ (من كان منكم مادحًا) أحدًا (لا محالة) بفتح الميم والحاء المهملة وتخفيف اللام لا بدّ (فليقل أحسب فلانًا) كذا وكذا (والله حسيبه) محاسبه على عمله (ولا أزكي) بهمزة مضمومة (على الله أحدًا) أي لا أشهد على الله جازمًا أنه عنده كذا وكذا لأنه لا يعرف باطنه أو لا يقطع به لأن عاقبة أمره لا يعلمها إلا الله والجملتان اعتراض وقوله (إن كان يعلم) متعلق بقوله فليقل.
والحديث سبق في الشهادات، وفي باب ما يكره من التمادح.
٦١٦٣ - حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، وَالضَّحَّاكِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: بَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قِسْمًا فَقَالَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ: رَجُلٌ مِنْ بَنِى تَمِيمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ فَقَالَ: «وَيْلَكَ مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ» فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِى فَلأَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ: «لَا إِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمُرُوقِ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ، سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ إِحْدَى
يَدَيْهِ مِثْلُ ثَدْىِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَشْهَدُ أَنِّى كُنْتُ مَعَ عَلِىٍّ، حِينَ قَاتَلَهُمْ فَالْتُمِسَ فِى الْقَتْلَى فَأُتِىَ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِى نَعَتَ النَّبِىُّ ﷺ .
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن إبراهيم) بن ميمون أبو سعيد المعروف بدحيم بن اليتيم قال: (حدّثنا الوليد) بن مسلم أبو العباس الدمشقي (عن الأوزاعي) عبد الرحمن (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (والضحاك) بن شراحيل ويقال شرحبيل المشرقي بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء بعدها قاف الهمداني ومشرق بطن من همدان (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ أنه (قال: بينا) بغير ميم (النبي ﷺ يقسم ذات يوم قسمًا) بكسر القاف مصححًا عليه في الفرع كأصله وسكون السين المهملة وكان تبرًا بعثه علي بن أبي طالب (فقال ذو الخويصرة) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وكسر الصاد المهملة مصغرًا نافع أو حرقوص بن زهير (رجل من بني تميم: يا رسول الله اعدل) في القسمة (قال) ﷺ :
(ويلك) دعاء عليه (من يعدل إذا لم أعدل فقال عمر) ﵁: يا رسول الله (ائذن لي فلأضرب عنقه) بكسر اللام والجزم جواب الشرط ولأبي ذر فلأضرب بالنصب فالفاء سببية ينصب بعدها المضارع (قال) ﷺ : (لا) تضرب عنقه (إن له أصحابًا) يصومون النهار ويقومون الليل (يحقر) بفتح أوّله وكسر القاف (أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون) يخرجون سريعًا (من الدين) الإسلامي من غير حظ ينالهم منه أو المراد بالدين الطاعة للإمام (كمروق السهم من الرمية) الصيد المرمي ولشدة سرعة خروج السهم من الرمية لقوة ساعد الرامي لا يعلق بالسهم من جسد الصيد شيء (ينظر) مبني للمفعول (إلى نصله) أي إلى حديده
стр. 3890
(فلا يوجد فيه) في النصل (شيء) من الصيد ولا غيره (ثم) ولأبي ذر (ينظر إلى نضيه) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وتشديد التحتية وهي القدح أي عود السهم (فلا يوجد فيه شيء) من الدم ولا غيره (ثم ينظر إلى قذذه) بضم القاف وفتح الذال المعجمة الأولى ريشه (فلا يوجد فيه شيء سبق) ولأبي ذر قد سبق أي السهم (الفرث) بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والمثلثة ما يجتمع في الكرش (والدم) فلم يظهر أثرهما فيه كما أن هؤلاء لا يتعلقون من الإسلام بشيء (يخرجون على حين فرقة) بكسر الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها نون وفرقة بضم الفاء أي على زمان افتراق، ولأبي ذر عن الكشميهني: على خير فرقة بالخاء المعجمة المفتوحة وبعد التحتية الساكنة راء أي أفضل فرقة بكسر الفاء طائفة (من الناس) علي بن أبي طالب وأصحابه (آيتهم) بمد الهمزة علامتهم (رجل) اسمه نافع أو ذو الخويصرة (إحدى يديه) بالتحتية أوّله تثنية يد (مثل ثدي المرأة) بالمثلثة وسكون الدال المهملة (أو) قال: (مثل البضعة) بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة وفتح العين المهملة القطعة من اللحم (تدردر) بفتح الفوقية والدالين المهملتين بينهما راء ساكنة وآخره راء أيضًا وأصله تتدردر فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا أي تتحرك.
(قال أبو سعيد) الخدري بالسند السابق (أشهد لسمعته) أي الحديث (من النبي ﷺ وأشهد أني كنت مع علي) ﵁ (حين قاتلهم) بالنهروان بقرب المدائن (فالتمس) بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول أي طلب الرجل المذكور (في القتلى) فوجد (فأتي به) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول إلى عليّ فإذا هو (على النعت الذي نعت النبي ﷺ ¬) أي على الوصف الذي وصفه به، والفرق بين الصفة والنعت أن النعت يكون بالحلية كالطويل والقصير والصفة بالأفعال نحو ضارب وخارج، وحينئذٍ لا يقال الله منعوت بل يقال موصوف، وقيل: النعت ما كان لشيء خاص كالعرج والعمى والعور لأن ذلك يخص موضعًا من الجسد والصفة ما لم تكن لشيء مخصوص كالعظيم والكريم فلذلك قال أبو سعيد هنا على نعت النبي ﷺ فافهم فإن فيه دقة. وقال الجوهري والمجد الشيرازي: الصفة كالعلم والسواد وأما النحويون فلا يريدون بالصفة هذا لأن الصفة عندهم هي النعت والنعت هو اسم الفاعل نحو ضارب، والمفعول نحو مضروب وما يرجع إليهما من طريق المعنى.
والحديث سبق في علامات النبوّة.
٦١٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ: «وَيْحَكَ» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِى فِى رَمَضَانَ قَالَ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً» قَالَ: مَا أَجِدُهَا قَالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ» قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قَالَ: مَا أَجِدُ فَأُتِىَ بِعَرَقٍ فَقَالَ: «خُذْهُ فَتَصَدَّقْ بِهِ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَى غَيْرِ أَهْلِى فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا بَيْنَ طُنُبَىِ الْمَدِينَةِ أَحْوَجُ مِنِّى فَضَحِكَ النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ قَالَ: «خُذْهُ».
تَابَعَهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ وَيْلَكَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن) المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا الأوزاعي) عبد الرحمن قال: (حدثني) بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري (عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً) قيل هو سلمة بن صخر أو سلمان بن صخر أو أعرابي (أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت) أي فعلت ما هو سبب هلاكي (قال) ﷺ له:
(ويحك) مالك (قال: وقعت على أهلي) أي جامعت زوجتي (في رمضان. قال) ﷺ : (أعتق
رقبة. قال: ما أجدها قال) ﷺ : (فصم شهرين متتابعين. قال: لا أستطيع. قال) ﷺ : (فأطعم
ستين مسكينًا) بهمزة قطع مفتوحة وكسر العين أعم من الفقير (قال: ما أجد) وفي حديث ابن عمر قال: والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي (فأتي) بضم الهمزة النبي ﷺ (بعرق) بفتح العين والراء بعدها قاف والعرق المكتل يسع خمسة عشر صاعًا (فقال) ﷺ : (خذه فتصدق به) أي بالتمر
الذي فيه (فقال: يا رسول الله أعلى غير أهلي فوالذي نفسي بيده ما بين طنبي) بطاء مهملة ونون مضمومتين وموحدة مفتوحة تثنية طنب واحد أطناب الخيمة فاستعاره للطرف وللناحية. وقال في الكواكب: شبه المدينة بفسطاط مضروب وحرتيها بالطنبين أراد ما بين لابتي (المدينة أحوج)
следующие страницы →