(عن البراء) ﵁ (أن النبي ﷺ قال لحسان) بن ثابت:
(اهجهم) بهمزة وصل وسكون الهاء وضم الجيم ثم الهاء (أو قال): (هاجهم) بفتح الهاء وألف بعدها وكسر الجيم والهاء بالشك من الراوي (وجبريل معك) بالتأييد والمعاونة.
والحديث سبق في بدء الخلق.
٩٢ - باب مَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى الإِنْسَانِ الشِّعْرُ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ
(باب ما يكره أن يكون الغالب) بالنصب كما في الفرع خبر كان (على الإنسان الشعر) بالرفع اسمها ويجوز العكس (حتى يصده) أي الشعر (عن ذكر الله والعلم والقرآن).
٦١٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا».
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين ابن باذام العبدي الكوفي قال: (أخبرنا حنظلة) بن أبي سفيان الجمحي القرشي (عن سالم) هو ابن عبد الله (عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لأن يمتلئ) بلام التأكيد وأن المصدرية في موضع رفع على الابتداء (جوف أحدكم قيحًا) نصب على التمييز والقيح المدة لا يخالطها دم وخبر المبتدأ قوله (خير له من أن يمتلئ شعرًا) ظاهره العموم في كل شعر لكنه مخصوص بما لم يكن حقًّا، وأما الحق فلا. كمدح الله ورسوله وما يشتمل على الذكر والزهد وسائر المواعظ مما لا إفراط فيه، وحمله ابن بطال على الشعر الذي هجي به النبي ﷺ ، وتعقبه أبو عبيد بأن الذي هجي به النبي لو كان شطر بيت كان كفرًا قال: والوجه عندي أن يمتلئ قلبه منه حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن والذكر فأما إذا كان الغالب القرآن
والذكر عليه فليس جوفه بممتلئ من الشعر. نعم أخرج أبو يعلى الموصلي عن جابر مرفوعًا "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا أو دمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا هجيت به" وفي سنده راوٍ لم يعرف، وأخرجه الطحاوي وابن عدي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة مثل حديث الباب. قال: فقالت عائشة لم يحفظ إنما قال: أن يمتلئ شعرًا هجيت به. قال في الفتح: وابن الكلبي واهي الحديث وشيخه أبو صالح ليس هو السمان المتفق على تخريجه في الصحيح عن أبي هريرة بل هو آخر ضعيف يقال له باذان فلم تثبت هذه الزيادة. وقال السهيلي: إن قلنا بما قالته عائشة من تخصيص النهي بمن يمتلئ جوفه من شعر هجي به ﷺ فليس في الحديث إلا عيب امتلاء الجوف منه فلا يدخل في النهي رواية اليسير على سبيل الحكاية ولا الاستشهاد به في اللغة، وحينئذٍ فلا يكفر قائله ولا فرق بينه وبين الكلام الذي ذموا به النبي ﷺ .
٦١٥٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (قال: سمعت أبا صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا يريه) ظاهره كما في بهجة النفوس أن المراد الجوف كله وما فيه من القلب وغيره، أو المراد القلب خاصة وهو الأظهر لأن أهل الطب يزعمون أن القيح إذا وصل إلى القلب شيء منه وإن كان يسيرًا فإن صاحبه يموت لا محالة بخلاف غير القلب مما في الجوف من الكبد والرئة. وعند الطحاوي والطبراني من حديث عوف بن مالك: لأن يمتلئ جوف أحدكم من عانته إلى لهاته قيحًا يتخضخض خير له من أن يمتلئ شعرًا وسنده حسن، ويريه بفتح التحتية وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة، ولأبي ذر عن الكشميهني: حتى يريه بزيادة حتى، ونسبها بعضهم للأصيلي فعلى حذف حتى مرفوع وعلى ثبوتها بالنصب. وذكر ابن الجوزي أن جماعة من المبتدئين يقرؤونها بالنصب مع إسقاط حتى جريًا على المألوف وهو غلط إذ ليس هنا ما ينصب، وقال الزركشي: رواه الأصيلي بالنصب على بدل الفعل من الفعل وأجرى إعراب يمتلئ على يريه ومعناه كما في الصحاح يأكله، وقيل معناه أن القيح يأكل جوفه، وقيل يصيب رئته. وتعقب بأن الرئة مهموزة العين. وأجيب: بأنه لا يلزم من كون الأصل مهموزًا أن لا يستعمل مسهلاً قال: في الفتح: ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم لهذا
стр. 3887
الحديث سبب ولفظه: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذ عرض لنا شاعر ينشد فقال: أمسكوا الشيطان لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا (خير من) ولأبي ذر عن الكشميهني له من (أن يمتلئ شعرًا) وهذا الزجر إنما هو لمن أقبل على الشعر وتشاغل له عن تلاوة القرآن والذكر والعبادة وألحق أبو عبد الله بن أبي جمرة بامتلاء
الجوف بالشعر المذموم المشغل عن الواجبات والمستحبات الامتلاء من السجع مثلاً ومن كل علم مذموم كالسحر وغيره من العلوم.
والحديث أخرجه مسلم في الطب وابن ماجة في الأدب.
٩٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ تَرِبَتْ يَمِينُكَ وَعَقْرَى حَلْقَى
(باب قول النبي ﷺ : تربت) أي افتقرت (يمينك) أو هي كلمة يراد بها التحريض على الفعل لا الدعاء أو يراد بها المبالغة في المدح كقولهم للشاعر قاتله الله لقد أجاد (وعقرى) أي عقرها الله (حلقى) أصابها وجع في حلقها.
٦١٥٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِى الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَىَّ بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا آذَنُ لَهُ، حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ أَخَا أَبِى الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِى، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِى امْرَأَةُ أَبِى الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِى وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِى امْرَأَتُهُ قَالَ: «ائْذَنِى لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ» قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير الحافظ المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: إن أفلح أخا أبي القعيس) بضم القاف وفتح العين المهملة وبعد التحتية الساكنة سين مهملة عم عائشة من الرضاعة وفي رواية لمسلم أفلح بن أبي قعيس وكذا عند البغوي من وجه آخر (استأذن) أن يدخل (علي) بتشديد التحتية (بعد ما نزل) ولأبي ذر بعدما أنزل (الحجاب فقلت: والله لا آذن له) أن يدخل عليّ (حتى أستأذن رسول الله ﷺ ¬) فيه (فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني) بالفوقية الساكنة قبل النون (امرأة أبي القعيس) قال في الفتح: لم أعرف اسمها (فدخل عليّ) بتشديد التحتية (رسول الله ﷺ فقلت) له: (يا رسول الله إن الرجل) أخا أبي القعيس (ليس هو) الذي (أرضعني ولكن أرضعتني امرأته قال) ﷺ :
(ائذني له) في الدخول عليك (فإنه عمك) من الرضاعة (تربت يمينك) فأثبت ﷺ عمومة الرضاع وألحقها بالنسب. ومطابقة الحديث لبعض الترجمة ظاهرة لا خفاء فيها، والحديث سبق في النكاح.
(قال عروة) بن الزبير بالسند السابق: (فبذلك) أي بسبب ما ذكر في هذا الحديث (كانت عائشة) ﵂ (تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب) ومبحث هذا سبق.
٦١٥٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَرَادَ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ فَرَأَى صَفِيَّةَ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً حَزِينَةً لأَنَّهَا حَاضَتْ فَقَالَ: «عَقْرَى حَلْقَى -لُغَةُ قُرَيْشٍ- إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا» ثُمَّ قَالَ: «أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ» -يَعْنِى الطَّوَافَ- قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «فَانْفِرِى إِذًا».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا الحكم) بن عتيبة بضم العين وفتح الفوقية وبعد التحتية الساكنة موحدة الكندي مولاهم فقيه الكوفة (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: أراد النبي ﷺ أن ينفر) بكسر الفاء يرجع من الحج (فرأى صفية) بنت حيي (على باب خبائها) بكسر الخاء المعجمة وبعد الموحدة ألف فهمزة ممدودًا أي خيمتها (كئيبة) من الكآبة أي سيئة الحال (حزينة لأنها حاضت) ولم تطف طواف الوداع فظنت أنه كطواف الزيارة في تمام الحج أنه لا يجوز تركه مع العذر وظن ﷺ أنها لم تطف الزيارة (فقال) لها:
(عقر حلقى) على وزن فعلى بفتح الفاء مقصورًا وحقهما التنوين ليكونا مصدرين أي عقرها الله عقرًا وحلقها حلقًا وهو دعاء لكنه (لغة قريش) يطلقونه ولا يريدون وقوعه بل عادتهم التكلم بمثله على سبيل التطلف وضبطه أبو عبيد في غريب الحديث بالقصر وبالتنوين، وذكر في الأمثال أنه في كلام العرب بالمدّ وفي كلام المحدثين بالقصر ولأبي ذر عن المستملي لفظة بالفاء والمعجمة منوّنًا بدل قوله لغة ولأبي ذر لقريش (إنك لحابستنا) عن الرحلة إلى المدينة (ثم قال) ﷺ مستفهمًا (أكنت أفضت يوم النحر يعني) ﵊ (الطواف) للزيارة؟ (قالت: نعم) أفضت (قال) ﵊: (فانفري إذًا) بالتنوين لأن حجك قد تم.
والحديث سبق في باب
стр. 3888
إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت من كتاب الحج وبالله المستعان على التكميل والتوفيق للصواب.
٩٤ - باب مَا جَاءَ فِى زَعَمُوا
(باب ما جاء في زعموا) في حديث أبي قلابة عند أحمد وأبي داود بإسناد رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا قال: قيل لأبي مسعود ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في زعموا؟ قال: بئس مطية الرجل، وفي المثل زعموا مطية الكذب، والأصل فيها أن تقال في الأمر الذي يعلم حقيقته فمن أكثر الحديث بما لا يتحقق حقيقته لم يؤمن عليه الكذب.
٦١٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِى طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِى طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ»؟
فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِى طَالِبٍ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غَسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّى أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي ولأبي ذر عن المستملي ابن يوسف بدل قوله ابن مسلمة وعبد الله بن يوسف هو أبو محمد الدمشقي ثم التنيسي الحافظ (عن مالك) الإمام (عن أبي النضر) بفتح النون وسكون المعجمة سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) المدني (أن أبا مرة) بضم الميم وتشديد الراء يزيد (مولى أم هانئ) فاختة (بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب) ﵂ (تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح) بمكة (فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره فسلمت عليه فقال):
(من هذه فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب فقال):
(مرحبًا بأم هانئ) أي لاقت رحبًا وسعة (فلما فرغ) رسول الله ﷺ (من غسله) بفتح الغين ولأبي ذر بضمها (قام فصلّى ثماني ركعات) حال كونه (ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف) من صلاته (قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي) علي بن أبي طالب وهي شقيقته لكنها خصت الأم لاقتضاء مزيد الشفقة والرعاية وقولها زعم أي: قال ومثله قول سيبويه في كتابه في أشياء يرتضيها زعم الخليل، والحاصل أنها قد تطلق ويراد بها القول وقد أطلقت ذلك أم هانئ في حق علي ولم ينكر عليها النبي ﷺ (أنه قاتل) بالتنوين اسم فاعل بمعنى الاستقبال (رجلاً) ففيه إطلاق اسم الفاعل على من عزم على التلبس بالفعل (قد أجرته) بالراء أي أمنته هو (فلان ابن هبيرة) ويجوز النصب قيل اسمه الحارث بن هشام المخزومي أو عبد الله بن أبي ربيعة أو زهير بن أبي أمية كما عند الزبير بن بكار في النسب (فقال رسول الله ﷺ : قد أجرنا من أجرت) أمّنا من أمّنت (يا أم هانئ) فليس لعلي قتله (قالت أم هانئ: وذاك) أي صلاته الثمان ركعات، ولأبي ذر عن الكشميهني وذلك باللام (ضحى) أي وقت ضحى.
والحديث سبق في باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحقًا به من كتاب الصلاة.
٩٥ - باب مَا جَاءَ فِى قَوْلِ الرَّجُلِ وَيْلَكَ
(باب ما جاء في قول الرجل) لغيره (ويلك) كلمة عذاب نصب على المصدر بفعل ملاق له في المعنى دون الاشتقاق ومثله ويحه وويسه أو على المفعول بتقدير ألزمك الله ويلك، وقيل أصلها وي كلمة تاؤه فلما أكثر قولهم وي لفلان وصلوها باللام وقدّروا أنها منها فأعربوها.
٦١٥٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ
النَّبِىَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: «ارْكَبْهَا» قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن يحيى بن دينار العوذي بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁ أن النبي رأى رجلاً) أي يسم (يسوق بدنة) ناقة تنحر بمكة يعني أنها هدي تساق إلى المحرم (فقال) ﷺ له:
(اركبها) (قال) الرجل: (إنها بدنة. قال) ﷺ : (اركبها) (قال) الرجل: (إنها بدنة. قال) ﷺ : (اركبها ويلك) بتكرير ذلك ثلاثًا. وقال له: ويلك تأديبًا له لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه أو لم يرد بها موضوعها الأصلي بل جرت على لسانه في المخاطبة من غير قصد، وقيل غير ذلك كما مرّ في الحج.
٦١٦٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ: «ارْكَبْهَا» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ» فِى الثَّانِيَةِ أَوْ فِى الثَّالِثَةِ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط لأبي ذر بن سعد (عن مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً) أي يسم (يسوق بدنة) زاد مسلم مقلدة (فقال له):
(اركبها قال: يا رسول الله إنها بدنة) أي هدي (قال اركبها ويلك) قالها (في) المرة (الثانية أو في) المرة (الثالثة) بالشك من الراوي.
والحديث سبق في الحج.
٦١٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى سَفَرٍ وَكَانَ مَعَهُ غُلَامٌ لَهُ: أَسْوَدُ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ يَحْدُو فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ بِالْقَوَارِيرِ».
وبه قال:
стр. 3889
(حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن ثابت البناني) بضم الموحدة (عن أنس بن مالك) سقط ابن مالك لأبي ذر قال: حماد أيضًا (وأيوب) السختياني وفي بعض النسخ ح للتحويل وأيوب (عن أبي قلابة) عبد الله الجرمي (عن أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: كان رسول الله ﷺ في سفر وكان معه غلام له أسود) اللون حبشيًّا حسن الصوت بالحداء (يقال: أنجشة يحدو) ببعض أمهات المؤمنين ومعهن أم أنس أم سليم (فقال له رسول الله ﷺ ¬):
(ويحك) بالحاء المهملة كلمة رحمة نصب بإضمار فعل كأنه قال: ألزمه الله ويحًا ولأبي ذر عن الحموي ويلك كلمة عذاب كما مرّ. وقال الترمذي: إنهما بمعنى واحد تقول ويح لزيد وويل لزيد، لكن عند الخرائطي في مساوئ الأخلاق بسند واه عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها في قصة: لا تجزعي من الويح فإنها كلمة رحمة ولكن اجزعي من الويل (يا أنجشة رويدك بالقوارير) أي ارفق بالنساء في السير لئلا يسقطن من شدة الإسراع.
والحديث سبق قريبًا.
٦١٦٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ ثَلَاثًا مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ وَلَا أُزَكِّى عَلَى اللَّهِ أَحَدًا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة المنقري قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو ابن خالد (هو خالد) هو ابن مهران الحذاء (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه) أبي بكرة بفتح الموحدة وسكون الكاف نفيع بن الحارث أنه (قال: أثنى رجل على رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرفهما (عند النبي ﷺ ¬) خيرًا (فقال) ﵊ له:
(ويلك قطعت عنق أخيك) بثنائك عليه لأنه أوقعه في الإعجاب بنفسه الموجب لهلاك دينه وقطع العنق مجاز عن القتل فهما مشتركان في الهلاك إلا أن هذا ديني قال له ﷺ : ويلك الخ (ثلاثًا) ثم قال ﷺ (من كان منكم مادحًا) أحدًا (لا محالة) بفتح الميم والحاء المهملة وتخفيف اللام لا بدّ (فليقل أحسب فلانًا) كذا وكذا (والله حسيبه) محاسبه على عمله (ولا أزكي) بهمزة مضمومة (على الله أحدًا) أي لا أشهد على الله جازمًا أنه عنده كذا وكذا لأنه لا يعرف باطنه أو لا يقطع به لأن عاقبة أمره لا يعلمها إلا الله والجملتان اعتراض وقوله (إن كان يعلم) متعلق بقوله فليقل.
والحديث سبق في الشهادات، وفي باب ما يكره من التمادح.
٦١٦٣ - حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، وَالضَّحَّاكِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: بَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قِسْمًا فَقَالَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ: رَجُلٌ مِنْ بَنِى تَمِيمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ فَقَالَ: «وَيْلَكَ مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ» فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِى فَلأَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ: «لَا إِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمُرُوقِ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ، سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ إِحْدَى
يَدَيْهِ مِثْلُ ثَدْىِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَشْهَدُ أَنِّى كُنْتُ مَعَ عَلِىٍّ، حِينَ قَاتَلَهُمْ فَالْتُمِسَ فِى الْقَتْلَى فَأُتِىَ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِى نَعَتَ النَّبِىُّ ﷺ .
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن إبراهيم) بن ميمون أبو سعيد المعروف بدحيم بن اليتيم قال: (حدّثنا الوليد) بن مسلم أبو العباس الدمشقي (عن الأوزاعي) عبد الرحمن (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (والضحاك) بن شراحيل ويقال شرحبيل المشرقي بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء بعدها قاف الهمداني ومشرق بطن من همدان (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ أنه (قال: بينا) بغير ميم (النبي ﷺ يقسم ذات يوم قسمًا) بكسر القاف مصححًا عليه في الفرع كأصله وسكون السين المهملة وكان تبرًا بعثه علي بن أبي طالب (فقال ذو الخويصرة) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وكسر الصاد المهملة مصغرًا نافع أو حرقوص بن زهير (رجل من بني تميم: يا رسول الله اعدل) في القسمة (قال) ﷺ :
(ويلك) دعاء عليه (من يعدل إذا لم أعدل فقال عمر) ﵁: يا رسول الله (ائذن لي فلأضرب عنقه) بكسر اللام والجزم جواب الشرط ولأبي ذر فلأضرب بالنصب فالفاء سببية ينصب بعدها المضارع (قال) ﷺ : (لا) تضرب عنقه (إن له أصحابًا) يصومون النهار ويقومون الليل (يحقر) بفتح أوّله وكسر القاف (أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون) يخرجون سريعًا (من الدين) الإسلامي من غير حظ ينالهم منه أو المراد بالدين الطاعة للإمام (كمروق السهم من الرمية) الصيد المرمي ولشدة سرعة خروج السهم من الرمية لقوة ساعد الرامي لا يعلق بالسهم من جسد الصيد شيء (ينظر) مبني للمفعول (إلى نصله) أي إلى حديده
стр. 3890
(فلا يوجد فيه) في النصل (شيء) من الصيد ولا غيره (ثم) ولأبي ذر (ينظر إلى نضيه) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وتشديد التحتية وهي القدح أي عود السهم (فلا يوجد فيه شيء) من الدم ولا غيره (ثم ينظر إلى قذذه) بضم القاف وفتح الذال المعجمة الأولى ريشه (فلا يوجد فيه شيء سبق) ولأبي ذر قد سبق أي السهم (الفرث) بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والمثلثة ما يجتمع في الكرش (والدم) فلم يظهر أثرهما فيه كما أن هؤلاء لا يتعلقون من الإسلام بشيء (يخرجون على حين فرقة) بكسر الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها نون وفرقة بضم الفاء أي على زمان افتراق، ولأبي ذر عن الكشميهني: على خير فرقة بالخاء المعجمة المفتوحة وبعد التحتية الساكنة راء أي أفضل فرقة بكسر الفاء طائفة (من الناس) علي بن أبي طالب وأصحابه (آيتهم) بمد الهمزة علامتهم (رجل) اسمه نافع أو ذو الخويصرة (إحدى يديه) بالتحتية أوّله تثنية يد (مثل ثدي المرأة) بالمثلثة وسكون الدال المهملة (أو) قال: (مثل البضعة) بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة وفتح العين المهملة القطعة من اللحم (تدردر) بفتح الفوقية والدالين المهملتين بينهما راء ساكنة وآخره راء أيضًا وأصله تتدردر فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا أي تتحرك.
(قال أبو سعيد) الخدري بالسند السابق (أشهد لسمعته) أي الحديث (من النبي ﷺ وأشهد أني كنت مع علي) ﵁ (حين قاتلهم) بالنهروان بقرب المدائن (فالتمس) بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول أي طلب الرجل المذكور (في القتلى) فوجد (فأتي به) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول إلى عليّ فإذا هو (على النعت الذي نعت النبي ﷺ ¬) أي على الوصف الذي وصفه به، والفرق بين الصفة والنعت أن النعت يكون بالحلية كالطويل والقصير والصفة بالأفعال نحو ضارب وخارج، وحينئذٍ لا يقال الله منعوت بل يقال موصوف، وقيل: النعت ما كان لشيء خاص كالعرج والعمى والعور لأن ذلك يخص موضعًا من الجسد والصفة ما لم تكن لشيء مخصوص كالعظيم والكريم فلذلك قال أبو سعيد هنا على نعت النبي ﷺ فافهم فإن فيه دقة. وقال الجوهري والمجد الشيرازي: الصفة كالعلم والسواد وأما النحويون فلا يريدون بالصفة هذا لأن الصفة عندهم هي النعت والنعت هو اسم الفاعل نحو ضارب، والمفعول نحو مضروب وما يرجع إليهما من طريق المعنى.
والحديث سبق في علامات النبوّة.
٦١٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ: «وَيْحَكَ» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِى فِى رَمَضَانَ قَالَ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً» قَالَ: مَا أَجِدُهَا قَالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ» قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قَالَ: مَا أَجِدُ فَأُتِىَ بِعَرَقٍ فَقَالَ: «خُذْهُ فَتَصَدَّقْ بِهِ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَى غَيْرِ أَهْلِى فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا بَيْنَ طُنُبَىِ الْمَدِينَةِ أَحْوَجُ مِنِّى فَضَحِكَ النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ قَالَ: «خُذْهُ».
تَابَعَهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ وَيْلَكَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن) المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا الأوزاعي) عبد الرحمن قال: (حدثني) بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري (عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً) قيل هو سلمة بن صخر أو سلمان بن صخر أو أعرابي (أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت) أي فعلت ما هو سبب هلاكي (قال) ﷺ له:
(ويحك) مالك (قال: وقعت على أهلي) أي جامعت زوجتي (في رمضان. قال) ﷺ : (أعتق
رقبة. قال: ما أجدها قال) ﷺ : (فصم شهرين متتابعين. قال: لا أستطيع. قال) ﷺ : (فأطعم
ستين مسكينًا) بهمزة قطع مفتوحة وكسر العين أعم من الفقير (قال: ما أجد) وفي حديث ابن عمر قال: والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي (فأتي) بضم الهمزة النبي ﷺ (بعرق) بفتح العين والراء بعدها قاف والعرق المكتل يسع خمسة عشر صاعًا (فقال) ﷺ : (خذه فتصدق به) أي بالتمر
الذي فيه (فقال: يا رسول الله أعلى غير أهلي فوالذي نفسي بيده ما بين طنبي) بطاء مهملة ونون مضمومتين وموحدة مفتوحة تثنية طنب واحد أطناب الخيمة فاستعاره للطرف وللناحية. وقال في الكواكب: شبه المدينة بفسطاط مضروب وحرتيها بالطنبين أراد ما بين لابتي (المدينة أحوج)
стр. 3891
ولأبي ذر عن الكشميهني أفقر (مني فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه) تعجبًا وهي وسط الأسنان، ولا منافاة بين قوله في الرواية الأخرى نواجذه لظهورها عند الضحك وقد يطلق كل منهما على الآخر (قال): ولأبي ذر وقال: (خذه) وله عن الكشميهني ثم قال: أطعمه أهلك أي من تلزمك نفقته أو زوجتك أو مطلق أقاربك.
والحديث سبق في الصيام.
(تابعه) أي تابع الأوزاعي (يونس) بن يزيد الأيلي في روايته (عن الزهري) محمد بن مسلم فيما وصله البيهقي وقال: ويحك وما ذاك. (وقال عبد الرحمن بن خالد) الفهمي أمير مصر لهشام بن عبد الملك في روايته (عن الزهري) وقال: (ويلك) بدل (ويحك). وهذا وصله الطحاوي من طريق الليث حدثني عبد الرحمن فذكره.
٦١٦٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِىُّ حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِىُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِى عَنِ الْهِجْرَةِ؟ فَقَالَ «وَيْحَكَ إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ»؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَهَلْ تُؤَدِّى صَدَقَتَهَا»؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن عبد الرَّحمن) بن عيسى الدمشقي ابن بنت شرحبيل أبو أيوب قال: (حدّثنا الوليد) بن مسلم الدمشقي قال: (حدّثنا أبو عمرو) بفتح العين عبد الرحمن (الأوزاعي) بالزاي قال: (حدثني) بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم (الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي) المدني نزيل الشام (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله أخبرني عن الهجرة) وفي باب الهجرة إلى المدينة أن أعرابيًّا سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة أي أن يبايعه على الإقامة بالمدينة ولم يكن الأعرابي من أهل مكة الذين وجبت عليهم الهجرة قبل الفتح (فقال) ﷺ له:
(ويحك إن شأن الهجرة) أي القيام بحقها (شديد) لا يقدر عليه (فهل لك من إبل قال: نعم. قال) ﷺ : (فهل تؤدي صدقتها)؟ زكاتها (قال: نعم قال: فاعمل من وراء البحار) من وراء القرى والمدن سواء كنت مقيمًا في بلدك أو غيرها من أقصى بلاد الإسلام، وإن كنت أبعد من المدينة والقرية يقال لها البحرة لاتساعها، وقال في الفتح: ووقع في رواية الكشميهني من وراء التجار بفوقية ثم جيم قال: وهو تصحيف (فإن الله لن يترك) بكسر الفوقية أي لن ينقصك (من)
ثواب (عملك شيئًا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لم يترك بالجازم بدل الناصب وسكون الراء للجزم وفي رواية ذكرها في الفتح لن يترك بفتح التحتية وسكون الفوقية من الترك والكاف أصلية.
والحديث سبق في الزكاة والهجرة.
٦١٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَيْلَكُمْ» -أَوْ وَيْحَكُمْ- قَالَ شُعْبَةُ: شَكَّ هُوَ «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». وَقَالَ النَّضْرُ: عَنْ شُعْبَةَ وَيْحَكُمْ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَيْلَكُمْ أَوْ وَيْحَكُمْ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) الحجبي البصري قال: (حدّثنا خالد بن الحارث) الهجيمي بالجيم أبو عثمان المصري الحافظ قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام الواسطي ثم البصري كان سفيان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث (عن واقد بن محمد بن زيد) بالقاف والدال المهملة ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني أنه (قال: سمعت أبي) محمد بن زيد (عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ويلكم أو ويحكم قال شعبة) بن الحجاج: (شك هو) أي شيخه واقد بن محمد هل قال ﷺ ويلكم أو ويحكم (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) لا تكن أفعالكم تشبه أفعال الكفار في ضرب رقاب المسلمن مستحلين.
(وقال النضر) بالمعجمة الساكنة ابن شميل بضم المعجمة (عن شعبة) بن الحجاج بالسند السابق (ويحكم) بالحاء ولم يشك. (وقال عمر بن محمد) بضم العين أخو واقد المذكور مما وصله في أواخر المغازي من طريق ابن وهب عن عمر (عن أبيه) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن جده ابن عمر (ويلكم أو ويحكم) كقول أخيه واقد قال في الفتح: فدلّ على أن الشك فيه من محمد بن زيد أو ممن فوقه والله أعلم.
٦١٦٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةٌ؟ قَالَ: «وَيْلَكَ وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا»؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلاَّ أَنِّى أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: «إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» فَقُلْنَا: وَنَحْنُ كَذَلِكَ قَالَ: «نَعَمْ». فَفَرِحْنَا يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا فَمَرَّ غُلَامٌ لِلْمُغِيرَةِ وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِى فَقَالَ: «إِنْ أُخِّرَ هَذَا، فَلَنْ يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». وَاخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عاصم) بفتح العين وسكون الميم القيسي البصري الكلابي قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العوذي (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ (أن رجلاً من أهل البادية) قال في المقدمة لم أعرف اسمه، لكن في الدارقطني ما يدل على أنه ذو الخويصرة اليماني وهو الذي بال في المسجد (أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله متى الساعة قائمة)؟ برفع قائمة على أنه خبر
стр. 3892
الساعة فمتى ظرف متعلق به وبنصبه على الحال من الضمير المستكن في متى إذ هو على هذا التقدير خبر عن الساعة فهو ظرف مستقر، ولما كان سؤال الرجل يحتمل أن يكون على وجه التعنت وأن يكون على وجه الخوف فامتحنه النبي ﷺ حيث (قال) له:
(ويلك ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها) زاد مسلم من طريق معمر عن الزهري عن أنس من كبير عمل أحمد عليه نفسي (إلا أني أحب الله ورسوله قال) ﷺ : (إنك مع من أحببت) لما امتحنه وظهر من جوابه إيمانه ألحقه بمن ذكر، وليس المراد بالمعية التساوي فإنه يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول وذلك لا يجوز، بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بَعُدَ المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا وإذا أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك. قال أنس (فقلنا) ولأبي ذر عن الكشميهني فقالوا (ونحن كذلك) نكون مع من أحببنا (قال) ﷺ (نعم ففرحنا) بذلك (يومئذ فرحًا شديدًا) وحق لهم ذلك (فمرّ غلام للمغيرة) بن شعبة الثقفي واسم الغلام محمد كما في مسلم وقيل سعيد كما عند الباوردي في الصحابة، وعند ابن سعد الدوسي، وفي مسلم أنه غلام من أزد شنوءة. قال في الفتح: فيحتمل التعدد أو اسم الغلام سعد ويدعى محمدًا، وبالعكس، ودوس من أزد شنوءة فيحتمل أن يكون حالف الأنصار قال أنس: (وكان) الغلام (من أقراني) مثلي في السن (فقال) ﷺ : (إن أخر هذا) الغلام بأن يمت في صغره (فلن يدركه الهرم) بنصب يدركه بلن، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فلم يدره بالجزم بلم وأسند الإدراك للهرم إشارة إلى أن الأجل كالقاصد للشخص (حتى تقوم الساعة) أي ساعدة الحاضرين عنده ﷺ قال الداودي: لأنهم كانوا أعرابًا فلو قال لهم: لا أدري لارتابوا فكلمهم بالمعاريض، وفي مسلم عن عائشة: كان الأعرابي إذا قدموا على النبي ﷺ سألوه عن الساعة متى الساعة فينظر إلى أحدث إنسان منهم سنًّا فيقول: إن يعش هذا حتى يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم، وهذه الرواية كما قال القاضي عياض رواية واضحة يفسر بها كل ما ورد من الألفاظ المشكلة في غيرها، أو المراد المبالغة في تقريبها لا التحديد بأنها تقوم عند بلوغ المذكور الهرم، وفي رواية البارودي المذكورة بدل قوله حتى تقوم الساعة لا يبقى منكم عين تطرف وبهذا كما في الفتح يتضح المراد.
(واختصره) أي هذا الحديث (شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة قال: (سمعت أنسًا عن النبي ﷺ ¬) وصله مسلم من رواية محمد بن جعفر عن شعبة ولم يسق لفظه، بل أحال على رواية سالم بن أبي الجعد عن أنس، وساقها أحمد في مسنده عن محمد بن جعفر بلفظ: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ وقال: متى الساعة: قال: (ما أعددت لها)؟ قال: حب الله ورسوله. قال: (أنت
مع من أحببت) ولم يقل ما زاده همام. فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: (نعم) ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا فمرّ غلام الخ .. بل اختصره كما قال المؤلّف.
ومطابقة الأحاديث للترجمة ظاهرة وفيها ما اختلف الرواة في لفظه هل هو ويل أو ويح؟ وفيها ما جزم فيه بأحدهما ومجموعها يدل على أن كلاًّ منهما مرجعه ذلك أي أنه يعرف إن كان المراد الذم أو غيره من السياق لأن في بعضها الجزم بويل وليس حمله على العذاب بظاهر، والحاصل أن الأصل في كل منهما ما ذكر وقد يستعمل أحدهما موضع الآخر.
٩٦ - باب عَلَامَةِ حُبِّ اللَّهِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]
(باب) بيان (علامة حب الله) ولأبي ذر الحب في الله لقوله) تعالى (﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾) [آل عمران: ٣١] محبة العبد لله إيثاره طاعته على غير ذلك ومحبة الله للعبد أن يرضى عنه ويحمده على فعله، وعن الحسن فيما أخرجه ابن أبي حاتم قال: كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقًا من عمل، فأنزل هذه الآية فمن ادّعى محبته تعالى وخالف سنّة رسوله فهو كذّاب وكتاب الله يكذبه، وقيل محبة الله معرفته ودوام
стр. 3893
خشيته ودوام اشتغال القلب به وتذكره ودوام الإنس به، وقيل هي اتّباع النبي ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله إلا ما خص به، وقال في الكواكب: يحتمل أن يراد بالترجمة محبة الله للعبد فهو المحب أو محبته لله فهو المحبوب أو المحبة بين العباد في ذات الله بحيث لا يشوبها شيء من الرياء، والآية مساعدة للأولين إذ اتباع الرسول علامة للأولى لأنها مسببة للاتباع وللثانية لأنها سببية له.
٦١٦٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ».
[الحديث ٦١٦٨ - طرفه في: ٦١٦٩].
وبه قال: (حدّثنا بشر بن خالد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة العسكري الفرضي قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) غندر (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أو هو عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري (عن النبي ﷺ أنه قال):
(المرء مع من أحب) في الجنة بحسن نيته من غير زيادة عمل لأن محبته لهم كطاعتهم والمحبة من أفعال القلوب فأثيب على معتقده لأن النية الأصل والعمل تابع لها وليس من لازم المعية الاستواء في الدرجات.
والحديث أخرجه مسلم في الأدب.
٦١٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقُولُ فِى رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ». تَابَعَهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي وائل) شقيق أنه (قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁ جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ¬) الرجل هو أبو ذر رواه أحمد من حديثه أو أبو موسى كما قال في المقدمة (فقال: يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم)؟ في العمل والفضل (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(المرء) رجل أو امرأة (مع من أحب) في الجنة مع رفع الحجب حتى تحصل الرؤية والمشاهدة وكل في درجته. (تابعه) أي تابع جرير بن عبد الحميد (جرير بن حازم) البصري فيما وصله أبو نعيم في كتاب المحبين (و) تابعه أيضًا (سليمان بن قرم) بفتح القاف وسكون الراء فيما وصله مسلم (و) كذا تابعه (أبو عوانة) الوضاح فيما وصله أبو عوانة يعقوب في صحيحه فيما رواه الثلاثة (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي وائل) شقيق (عن عبد الله) ولم ينسبه كل من أبي نعيم في كتاب المحبين ولا من بعده (عن النبي ﷺ ¬).
٦١٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِىِّ ﷺ الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ قَالَ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ».
تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان ولأبي ذر: حدّثنا الأعمش (عن أبي وائل عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ كذا صرح به أبو نعيم بأن عبد الله هو أبو موسى. قال في فتح الباري: وهذا يؤيد قول بندار أن عبد الله حيث لم ينسبه، فالمراد به في هذا الحديث أبو موسى وأن من نسبه ظن أنه ابن مسعود لكثرة مجيء ذلك على هذه الصورة في رواية أبي وائل، ولكنه هنا خرج عن القاعدة وتبين برواية من صرح بأنه أبو موسى الأشعري أن المراد بعبد الله عبد الله بن قيس وهو أبو موسى الأشعري ولم أر من صرح في روايته عن الأعمش بأنه عبد الله بن مسعود إلا ما وقع في رواية جرير بن عبد الحميد هذه يعني السابقة في هذا الباب عند البخاري عن قتيبة عنه.
(قال) أي أبو موسى (قيل للنبي ﷺ ¬) يا رسول الله (الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم) بالألف بعد الميم المشددة وهي أبلغ من لم فإن النفي بلما أبلغ لأنه يستمر إلى الحال كقوله:
فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل … وإلاّ فأدركني ولما أمزق
فيؤخذ منه هنا أن الحكم ثابت ولو بعد اللحاق. وقال في الكواكب: وفي كلمة لما إشعار بأنه يتوقع اللحوق يعني هو قاصد لذلك ساع في تحصيل تلك المرتبة له، وعند مسلم ولما يلحق بعملهم، وفي حديث صفوان بن عسال عند أبي نعيم ولم يعمل بمثل عملهم (قال) ﷺ (المرء مع من أحب) إذ لكل امرئ ما نوى. قال في الفتح: جمع أبو نعيم الحافظ طرق هذا الحديث في كتاب المحبين مع المحبوبين وبلغ عدد الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم بهذا اللفظ يعني المرء مع من أحب
стр. 3894
وفي بعضها بلفظ حديث أنس مع من أحببت (تابعه) أي تابع سفيان الثوري (أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين (ومحمد بن عبيد) بضم العين بن نمير كلاهما عن الأعمش فيما وصله مسلم.
٦١٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا أَبِى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ مَتَّى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا»؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ، وَلَا صَدَقَةٍ وَلَكِنِّى أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا أبي) عثمان بن جبلة (عن شعبة) بن الحجاج (عن عمرو بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة وفتح عين عمرو (عن سالم بن أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة بعدها دال مهملة واسمه رافع الكوفي (عن أنس بن مالك) ﵁ (أن رجلاً سأل النبي ﷺ متى الساعة) قائمة (يا رسول الله)؟ قال في الفتح: الرجل هو ذو الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد وحديثه في ذلك مخرج عند الدارقطني ومن زعم أنه أبو موسى أو أبو ذر فقد وهم فإنهما وإن اشتركا في معنى الجواب وهو أن المرء مع من أحب فقد اختلف سؤالهما فإن كلاًّ من أبي موسى أو أبي ذر إنما سأل عن الرجل يحب القوم ولم يلق بهم وهذا سأل متى الساعة (قال) ﷺ :
(ما أعددت لها)؟ قال في شرح المشكاة: سلك مع السائل طريق الأسلوب الحكيم لأنه سأل عن وقت الساعة وأيان مرساها فقيل له: فيم أنت من ذكراها وإنما يهمك أن تهتم بأهبتها وتعتني بما ينفعك عند إرسائها من العقائد الحقية، والأعمال الصالحة المرضية. فأجاب حيث (قال: ما أعددت لها من كثير صلاة) بالمثلثة (ولا صوم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولا صيام (ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله قال: أنت مع من أحببت) أي ملحق بهم وداخل زمرتهم وزاد أبو نعيم الأصبهاني من طريق سلام بن أبي الصهباء عن ثابت عن أنس ولك ما احتسبت.
٩٧ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ اخْسَأْ
(باب) بيان (قول الرجل للرجل اخسأ) بسكون الخاء المعجمة وفتح السين المهملة بعدها همزة ساكنة زجر وإبعاد لمن قال أو فعل ما لا ينبغي له مما يسخط الله تعالى أي اسكت سكوت ذل وهوان.
٦١٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ، سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لاِبْنِ صَائِدٍ «قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا فَمَا هُوَ»؟ قَالَ: الدُّخُّ قَالَ: «اخْسَأْ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا سلم بن زرير) بفتح السين المهملة وسكون اللام وزرير بفتح الزاي وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فراء أخرى العطاردي قال: (سمعت أبا رجاء) بالجيم عمران بن ملحان بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة العطاردي مشهور بكنيته قال: (سمعت ابن عباس ﵄) يقول (قال رسول الله ﷺ لابن صائد) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لابن صياد بالتحتية المشددة.
(قد خبأت لك خبيئًا) ولأبي ذر خبأ أي أضمرت لك في صدري وكان ﷺ قد أضمر له في صدره الشريف يوم تأتي السماء بدخان مبين كما هو عند الإمام أحمد (فما هو)؟ (قال) ابن صياد هو (الدخ) أراد أن يقول: الدخان فلم يستطع أن يتمها على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجن (قال) ﷺ له: (اخسأ) وهي كلمة يزجر بها الكلب ويطرد أي اسكت صاغرًا مطرودًا.
والحديث من أفراده.
٦١٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فِى أُطُمِ بَنِى مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ»؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَرَضَّهُ النَّبِىُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ: «مَاذَا تَرَى»؟ قَالَ: يَأْتِينِى صَادِقٌ وَكَاذِبٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّى خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا» قَالَ هُوَ الدُّخُّ؟ قَالَ: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْذَنُ لِى فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ يَكُنْ هُوَ لَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِى قَتْلِهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم بن عبد الله أن) أباه (عبد الله بن عمر) ﵄ (أخبره أن) أباه (عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط) دون العشرة (من أصحابه) ﵃ (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة جهة (ابن صياد) لما ذكر أن عينه ممسوحة والأخرى ناتئة فأشفق النبي ﷺ أن يكون هو الدجال (حتى وجده يلعب مع الغلمان في أطم) بضم الهمزة وسكون الطاء المهملة حصن (بني مغالة) بفتح الميم والغين المعجمة وبعد الألف لام مفتوحة مخففة قبيلة من الأنصار (وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم فلم يشعر) أي ابن صياد (حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده ثم قال) له:
(أتشهد أني رسول الله؟ فنظر إليه) ابن صياد (فقال: أشهد أنك رسول الأميين) العرب (ثم قال ابن صياد) لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 3895
وَسَلَّمَ- (أتشهد أني رسول الله فرضّه) بالضاد المعجمة المشددة فدفعه (النبي ﷺ ¬) حتى وقع فتكسر يقال رض الشيء فهو رضيض ومرضوض وقال الخطابي: الصواب الصاد المهملة أي قبض عليه بثوبه فضم بعضه إلى بعض (ثم قال) ﷺ : (آمنت بالله ورسله ثم قال لابن صياد) ليظهر كذبه المنافي لدعواه الرسالة (ماذا ترى؟ قال: يأتيني صادق وكاذب. قال رسول الله ﷺ : خلط عليك الأمر) بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام المكسورة أي خلط عليك شيطانك ما يلقي إليك (قال رسول الله ﷺ : إني خبأت) أي أضمرت (لك خبيئًا) شيئًا في صدري، ولأبي ذر: خبأ بسكون الموحدة وإسقاط التحتية، وعند الطبراني في الأوسط أنه ﷺ كان خبأ له سورة الدخان وكأنه أطلق السورة وأراد بعضها (قال) ابن صياد (هو الدخ) فنطق ببعض الكلمة (قال) له ﷺ : (اخسأ) بهمزة وصل (فلن تعدو قدرك) بالفوقية في تعدو فقدرك منصوب به أي لا تتجاوز قدرك وقدر أمثالك من الكهان الذين يحفظون من إلقاء الشيطان كلمة واحدة من جمل كثيرة أو بالتحتية فمرفوع أي لا يبلغ قدرك أن تطالع بالغيب من قبل الوحي المخصوص بالأنبياء ولا من قبل الإلهام، وإنما قال ابن صياد: هو الدخ بما ألقاه الشيطان إما لأن النبي ﷺ تكلم بذلك بينه وبين نفسه فسمعه الشيطان أو حدّث به بعض أصحابه (قال عمر) ﵁: (يا رسول الله أتأذن لي فيه أضرب عنقه) بالجزم في أضرب مصححًا عليه في الفرع كأصله جواب الطلب. (قال رسول الله ﷺ : إن يكن هو) الدجال، ولأبي ذر عن الكشميهني أن يكنه بوصل الضمير وعلى رواية الفصل فهو تأكيد للضمير المستتر وكان تامة أو وضع هو موضع إياه أي إن يكن إياه (لا تسلط عليه) لأن الذي يقتله إنما هو عيسى صلوات الله وسلامه عليه (وإن لم يكن هو) بفصل الضمير ووصله كما مرّ (فلا خير لك في قتله) ولم يأذن في قتله مع ادّعائه النبوّة لأنه كان غير بالغ أو لأنه كان في أيام مهادنة اليهود أو كان يرجو إسلامه.
٦١٧٤ - قَالَ سَالِمٌ: فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِىُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِى فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّقِى بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهْوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِى قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ -أَوْ زَمْزَمَةٌ- فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِىَّ ﷺ وَهْوَ يَتَّقِى بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ: أَىْ صَافِ وَهْوَ اسْمُهُ هَذَا مُحَمَّدٌ فَتَنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ».
(قال سالم): هو ابن عبد الله بن عمر بالإسناد المتقدم (فسمعت عبد الله بن عمر يقول: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ أي بعد انطلاقه هو وعمر في رهط (وأبي بن كعب الأنصاري) سقط الأنصاري لأبي ذر حال كونهما (يؤمّان) يقصدان (النخل التي فيها ابن صياد حتى إذا دخل رسول الله ﷺ طفق) بكسر الفاء جعل (رسول الله ﷺ يتقي) يخفي نفسه (بجذوع النخل) بالذال المعجمة حتى لا يراه (وهو) أي والحال أنه (يختل) بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية بعدها لام يستغفل (أن يسمع من ابن صياد شيئًا) من كلامه الذي يقوله في خلوته (قبل أن يراه) ابن صياد كي يعلم هو وأصحابه أهو كاهن أو ساحر (وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة) كساء له خمل (له فيها) في القطيفة (رمرمة) براءين مهملتين وميمين صوت خفي (أو زمزمة) بزايين معجمتين وميمين أيضًا ومعناهما واحد أو صوت تديره العلوج في خياشيهما وحلوقها من غير استعمال لسان ولا شفة فيفهم بعضها عن بعض والشك من الراوي (فرأت أم ابن صياد النبي ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل فقالت لابن صياد: أي صاف وهو اسمه هذا محمد) ﷺ (فتناهى) عما كان فيه وسكت (ابن صياد. قال رسول الله ﷺ لو تركته) أمه بحيث إنه لا يعلم بي (بين) لكم باختلاف كلماته ما يهون عليكم شأنه أو بيّن ما في نفسه.
٦١٧٥ - قَالَ سَالِمٌ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: «إِنِّى أُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِىٍّ إِلاَّ وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّى سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِىٌّ لِقَوْمِهِ، تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: خَسَأتُ الكَلْبَ بَعَّدْتُهُ، خَاسِئِينَ مُبْعَدِينَ.
(قال سالم): بالسند المذكور أولاً (قال عبد الله) بن عمر: قام رسول الله ﷺ في الناس خطيبًا (فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال):
(إني أنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذر قومه) ولأبي ذر أنذره قومه بإثبات الضمير (لقد أنذره نوح قومه) خصّه بعد التعميم لأن نوحًا أبو البشر الثاني وذريته هم الباقون في الدنيا (ولكني) بالتحتية بعد النون وسقطت الواو
стр. 3896
لأبي ذر وللكشميهني ولكن بحذف التحتية (سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه تعلمون) بالخبر الصدق (أنه أعور) عين اليمنى (وأن الله ليس بأعور) واختلف السلف في أمر ابن صياد بعد كبره فروي أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى يراه الناس، وقيل لهم اشهدوا. وكان ابن
عمر وجابر يحلفان أن ابن صياد هو الدجال لا يشكان فيه فقيل لجابر إنه أسلم فقيل إنه دخل مكة وكان بالمدينة فقال: وإن دخل مكة. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن جابر قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة وهذا يبطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصلي عليه قاله الخطابي.
(قال أبو عبد الله) المؤلّف (خسأت الكلب) أي (بعدته) بتشديد العين المهملة (خاسئين) أي (مبعدين) بضم الميم وسكون الموحدة وفتح العين قاله أبو عبيدة وهو ثابت في رواية المستملي والكشميهني.
٩٨ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ مَرْحَبًا
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِفَاطِمَةَ ﵍: «مَرْحَبًا بِابْنَتِى» وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ».
(باب قول الرجل) لآخر (مرحبًا) بفتح الميم والحاء المهملة بينهما راء ولأبي ذر عن المستملي باب قول النبي ﷺ مرحبًا.
(وقالت عائشة) ﵂ (قال النبي ﷺ لفاطمة ﵍ (مرحبًا بابنتي) أي لاقيت رحبًا وسعة وهذا طرف من حديث وصله من علامات النبوّة (وقالت أم هانئ) فاختة بنت أبي طالب فيما سبق موصولاً في باب ما جاء في زعموا (جئت إلى النبي ﷺ ¬) سقط لفظ إلى لأبي ذر (فقال: مرحبًا بأم هانئ) بالموحدة قبل الهمزة ولأبي ذر عن الكشميهني يا أم هانئ منادى مضاف.
٦١٧٦ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَبِى جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ الَّذِينَ جَاءُوا غَيْرَ خَزَايَا، وَلَا نَدَامَى» فَقَالُوا، يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا حَىٌّ مِنْ رَبِيعَةَ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مُضَرُ وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِى الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ وَنَدْعُو بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا فَقَالَ: «أَرْبَعٌ وَأَرْبَعٌ: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا فِى الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ».
وبه قال: (حدّثنا عمران بن ميسرة) ضد الميمنة قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد الثقفي قال: (حدّثنا أبو التياح) يزيد بن حميد الضبعي البصري (عن أبي جمرة) بالجيم والراء نضر بن عمران الضبعي البصري (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: لما قدم وفد عبد القيس) بن أفصى بن دعمي وهو أبو قبيلة كانوا ينزلون البحرين (على النبى ﷺ ¬) وكانوا أربعة عشر رجلاً (قال) لهم:
(مرحبًا بالوفد الذين جاؤوا) حال كونهم (غير خزايا) غير أذلاء ومرحبًا نصب على المصدرية بفعل مضمر أي صادفوا رحبًا بالضم أي سعة (ولا ندامى) جمع نادم على غير قياس أو ندمان لغة في نادم فجمعه المذكور على القياس (فقالوا: يا رسول الله إنّا حي من ربيعة) بن نزار بن معد بن عدنان (وبيننا وبينك مضر) وفي الإيمان هذا الحي من كفار مضر (وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام) لحرمة القتال فيه عندهم (فأمرنا بأمر فصل) بالصاد المهملة يفصل بين الحق والباطل (ندخل به) بسببه (الجنة) إذا قبله الله برحمته (وندعو به من) بفتح الميم أي الذي استقر (وراءنا) أي خلفنا من قومنا (فقال) ﷺ : الذي آمركم به (أربع و) الذي أنهاكم عنه (أربع أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) المفروضتين (وصوم رمضان) ولأبي ذر وصوموا رمضان (وأعطوا) بهمزة قطع (خمُس ما غنمتم) لأنهم كانوا أصحاب غنائم (ولا تشربوا) ما انتبذ (في الدباء) اليقطين (والحنتم) الجرار الخضر (والنقير) ما ينقر في أصل النخلة فيوعى فيه (والمزفت) المطلي بالزفت لأنه يسرع إليها الإسكار فربما شرب منها من لا يشعر بذلك ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر.
والحديث سبق في الإيمان في باب أداء الخُمس من الإيمان.
٩٩ - باب مَا يُدْعَى النَّاسُ بِآبَائِهِمْ
(باب ما يدعى الناس بآبائهم) أي دعاء الداعي الناس بأسماء آبائهم يوم القيامة فما مصدرية والمصدر مضاف إلى مفعوله والفاعل محذوف.
٦١٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْغَادِرُ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إن الغادر) الناقض للعهد الغير الوافي به وثبت لفظ إن لأبي ذر (يرفع) بضم أوله ولأبي ذر عن الكشميهني ينصب (له لواء) علم (يوم القيامة) ليعرف به (يقال هذه غدرة) بفتح الغين المعجمة وسكون الدال المهملة (فلان بن فلان) باسمه واسم أبيه لأنه أشد في التعريف وأبلغ في التمييز وفيه
стр. 3897
رد على من قال إنه لا يدعى الناس يوم القيامة إلا بأمهاتهم سترًا على آبائهم قاله الخطابي. نعم روي ذلك في حديث ابن عباس عند الطبراني لكن بسند ضعيف جدًّا.
والحديث أخرجه مسلم في المغازي.
٦١٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ، هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب أبو عبد الرحمن الحارثي أحد الأعلام (عن مالك) هو أنس الأصبحي إمام دار الهجرة (عن عبد الله بن دينار) المدني مولى ابن عمر (عن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال):
(إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان) قال في بهجة النفوس: الغدر على عمومه في الجليل والحقير، وفيه أن لصاحب كل ذنب من الذنوب التي يريد إظهارها علامة يعرف بها صاحبها. ويؤيده قوله تعالى: ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ [الرحمن: ٤١] وظاهر الحديث أن لكل غدرة لواء فعلى هذا يكون للشخص الواحد عدة ألوية بعدد غدراته، والحكمة في نصب اللواء أن العقوبة تقع غالبًا بضد الذنب، فلما كان الغدر من الأمور الخفية ناسب أن تكون عقوبته بالشهرة ونصب اللواء أشهر الأشياء عند العرب اهـ.
وقال غيره وفيه العمل بظواهر الأمور قال في فتح الباري: وهو يقتضي حمل الآباء على من كان ينسب إليه في الدنيا لا على من هو في نفس الأمر وهو المعتمد.
١٠٠ - باب لَا يَقُلْ خَبُثَتْ نَفْسِى
هذا (باب) بالتنوين (لا يقل) أحدكم (خبثت نفسي) بفتح الخاء المعجمة وضم الموحدة بالمثلثة.
٦١٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِى، وَلَكِنْ لِيَقُلْ، لَقِسَتْ نَفْسِى».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي) بفتح اللام والسين المهملة بينهما قاف مكسورة وهي بمعنى خبثت لكنه ﷺ كره لفظ الخبث واختار اللفظ السالم من البشاعة وقد كان ﷺ يعجبه الاسم الحسن ويتفاءل به ويكره الاسم القبيح ويغيره. قال في المصابيح: إن صح هذا قدح في قولهم إنه يجوز في كل لفظين مترادفين أن يوضع أحدهما مكان الآخر.
والحديث أخرجه مسلم في الأدب والنسائي في اليوم والليلة.
٦١٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِى، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِى».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي أمامة) أسعد (بن سهل عن أبيه) سهل بن حنيف الأنصاري (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي). وعند أبي داود من طريق حماد بن سلمة عن هشام بلفظ جاشت بجيم وشين معجمة بدل خبثت ومعناها غثت بغين معجمة ثم مثلثة وهو يرجع إلى معنى خبثت، وهذا النهي محمول على الأدب لا على الإيجاب وكذلك الأمر يقول لقست فإن عبر بما يؤدي معناه كفى ولكن ترك الأولى.
(تابعه) أي تابع يونس بن يزيد (عقيل) بضم العين وفتح القاف بالسند المذكور والمتن، ووصلها الطبراني من طريق نافع بن يزيد عن عقيل بضم العين وفتح القاف بالسند المذكور والمتن، وهذه المتابعة ساقطة لأبي ذر.
والحديث أخرجه مسلم في الأدب أيضًا وكذا أبو داود، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة.
١٠١ - باب لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ
هذا (باب) بالتنوين (لا تسبوا الدهر) رواه مسلم بهذا اللفظ وزاد فإن الله هو الدهر.
٦١٨١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ: يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) المخزومي مولاهم المصري واسم أبيه عبد الله ونسبه لجده لشهرته به قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (قال: قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ ¬):
(قال الله) تعالى (يسب بنو آدم الدهر) الليل والنهار بأن يقولوا نحو يا بؤس الدهر أو يا خيبة الدهر لأنهم كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله ويضيفون كل حادث
стр. 3898
يحدث إلى الدهر والزمان وأشعارهم ناطقة بشكوى الزمان، وهذا مذهب الدهرية من الكفار والدهرية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، ويزعمون أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى فكابروا العقول وكذبوا المنقول ووافقهم مشركو العرب، وإليه ذهب آخرون ولكنهم معترفون ْبوجود الصانع الإله الحق جل وعز، ولكنهم كانوا ينزهون أن تنسب إليه المكاره ويضيفونها إلى الدهر فكانوا كذلك يسبون الدهر، وفي تفسير سورة الجاثية قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب
الدهر (وأنا الدهر) أي خالقه أو المدبر للأمور أو مقلب الدهر ولذلك عقبه بقوله (بيدي الليل والنهار). وعند أحمد من وجه آخر بسند صحيح عن أبي هريرة: "لا تسبوا الدهر فإن الله تعالى، قال: أنا الدهر الأيام والليالي إليّ أجدّدها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك" فإذا سب ابن آدم الدهر على أنه فاعل هذه الأمور عاد السب إلى الله لأنه هو الفاعل والدهر إنما هو ظرف لمواقع هذه الأمور فالمعنى أنا مصرف الدهر فحذف اختصارًا للفظ واتساعًا في المعنى.
والمطابقة بين الحديث والترجمة في قوله: يسب بنو آدم الدهر لأن المعنى في الحقيقة يرجع إلى لا تسبوا الدهر وصرح بذلك في مسلم، والحديث أخرجه مسلم أيضًا.
٦١٨٢ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ».
[الحديث ٦١٨٢ - طرفه في: ٦١٨٣].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (عياش بن الوليد) بالتحتية والشين المعجمة الرقام البصري قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا تسموا العنب الكرم) بفتح الكاف وسكون الراء لأنه يتخذ منه الخمر فكره تسميته به لأن فيها تقريرًا لما كانوا يتوهمونه من تكريم شاربها (ولا تقولوا خيبة الدهر) بالخاء المعجمة والموحدة المفتوحتين بينهما تحتية ساكنة نصب على الندبة كأنه فقد الدهر لما يصدر عنه مما يكرهه فندبه متفجعًا عليه أو متوجعًا منه أو هو دعاء عليه بالخيبة. وعند مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة وادهراه وادهراه والخيبة الحرمان والخسران وقد خاب يخيب وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل (فإن الله هو الدهر) أي الفاعل لما يحدث فيه. قال في بهجة النفوس: لا يخفى أن من سب الصنعة فقد سب صانعها فمن سب الليل والنهار أقدم على أمر عظيم بغير معنى ومن سب ما يقع فيهما من الحوادث وذلك أغلب ما يقع من الناس فلا شيء في ذلك اهـ.
وقال جماعة من المحققين: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر لكن يكره له ذلك لتشبهه بأهل الكفر في الإطلاق. وقال القاضي عياض: زعم بعض من لا تحقيق عنده أن الدهر من أسماء الله وهو غلط فإن الدهر مدة زمان الدنيا.
١٠٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ»
وَقَدْ قَالَ: «إِنَّمَا الْمُفْلِسُ الَّذِى يُفْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» كَقَوْلِهِ: «إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ
عِنْدَ الْغَضَبِ» كَقَوْلِهِ: «لَا مُلْكَ إِلاَّ لِلَّهِ فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ الْمُلْكِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُلُوكَ أَيْضًا فَقَالَ: «﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾» [النمل: ٣٤].
(باب قول النبي ﷺ ¬) وفي حديث الباب عن أبي هريرة (إنما الكرم قلب المؤمن) يقال رجل كرم وامرأة كرم ورجلان كرم ونسوة كرم كله بفتح الراء وإسكانها بمعنى كريم وصف بالمصدر كعدل وضيف وليس الحصر في قوله إنما الكرم على ظاهره وإنما المعنى أن الأحق باسم الكرم قلب المؤمن ولم يرد أن غيره لا يسمى كرمًا (وقد قال) النبي ﷺ : (إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة) رواه الترمذي لكن بلفظ أتدرون من المفلس قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع قال رسول الله ﷺ : "المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار. وليس المراد أن من يفلس في الدنيا لا يسمى مفلسًا وذلك (كقوله) ﷺ في حديث أبي هريرة السابق (إنما الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب) و (كقوله لا ملك)
стр. 3899
بضم الميم وسكون اللام (إلا الله) ولا صريح في النفي وإلاّ في الإثبات فيقتضي الحصر ولأبي ذر عن الكشميهني لا ملك إلا الله تعالى بفتح الميم وكسر اللام (فوصفه بانتهاء الملك) بضم الميم وهو عبارة عن انقطاع الملك عنده أي لا ملك بعده فالملك الحقيقي لله تعالى وقد يطلق على غيره مجازًا كما قال: (ثم ذكر الملوك أيضًا فقال: ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها﴾) [النمل: ٣٤] وهو جمع ملك.
٦١٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَيَقُولُونَ الْكَرْمُ إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ويقولون) الواو عاطفة على محذوف أي لا يقولون الكرم قلب المؤمن ويقولون (الكرم) شجر العنب فالكرم مبتدأ محذوف الخبر ويجوز أن يكون خبرًا أي يقولون شجر العنب الكرم (إنما الكرم قلب المؤمن) لما فيه من نور الإيمان وتقوى الإسلام، وليس المراد حقيقة النهي عن تسمية العنب كرمًا بل المراد بيان المستحق لهذا الاسم المشتق من الكرم، وفي حديث سمرة عند البزار والطبراني مرفوعًا: إن اسم الرجل المؤمن في الكتب الكرم من أجل ما كرمه الله على الخليقة وأنكم تدعون الحائط من العنب الكرم الحديث. وقال ابن الأنباري: إنهم سموا العنب كرمًا لأن الخمر المتخذ منه يحث على السخاء ويأمر بمكارم الأخلاق حتى قال شاعرهم:
والخمر مشتقة المعنى من الكرم
فلهذا نهى عن تسمية العنب بالكرم حتى لا يسمى أصل الخمر باسم مأخوذ الكرم، وجعل المؤمن الذي يتقي شربها ويرى الكرم في تركها أحق بهذا الاسم الحسن.
والحديث أخرجه مسلم في الأدب أيضًا.
١٠٣ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ فَدَاكَ أَبِى وَأُمِّى
فِيهِ الزُّبَيْرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب قول الرجل) لغيره (فداك) بفتح الفاء والقصر (أبي وأمي. فيه) أي في هذا القول ما رواه (الزيير) بن العوّام (عن النبي ﷺ ¬) السابق موصولاً في مناقبه بلفظ جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة يوم الأحزاب في النساء الحديث، وفيه قول الزبير فلما رجعت جمع لي النبي ﷺ أبويه فقال: فداك أبي وأمي أي تفدى بهما، وسقط قوله عن النبي ﷺ لغير أبي ذر.
٦١٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِى سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُفَدِّى أَحَدًا غَيْرَ سَعْدٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «ارْمِ فَدَاكَ أَبِى وَأُمِّى» أَظُنُّهُ يَوْمَ أُحُدٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بضم الميم وفتح المهملة ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري أنه قال: (حدثني) بالإفراد (سعد بن إبراهيم) بسكون العين ابن عبد الرحمن بن عوف (عن عبد الله بن شداد) بالشين المعجمة وتشديد الدال الأولى المهملة ابن الهاد الليثي المدني (عن علي ﵁¬) أنه (قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يفدي) بضم التحتية وفتح الفاء وكسر الدال المهملة المشددة ولأبي ذر عن الكشميهني يفدي بفتح أوّله وسكون الفاء (أحدًا غير سعد) هو ابن أبي وقاص ﵁ (سمعته يقول) له:
(ارم) قريشًا بالنبل (فداك أبي وأمي) وهذا لا يناف سماع غيره ففي غيره فقد صح أنه فدى الزبير كما مر لكنه لا يرد على عليّ ﵁ لأنه إنما نفى سماعه لنفي تفدية غير سعد (أظنه) أي صدور هذا كان (يوم) غزوة (أُحُد) وذاك في المغازي يوم أحد بالجزم من غير شك.
والحديث قد سبق في المغازي والجهاد.
١٠٤ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ: جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاكَ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا.
(باب) جواز (قول الرجل) لمن يحبه من عالم أو غيره (جعلني الله فداءك) بكسر الفاء والمدّ. (وقال أبو بكر) الصديق ﵁ فيما سبق موصولاً في الهجرة من حديث أبي سعيد
(للنبي ﷺ ¬) لما قال: إن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله (فديناك بآبائنا وأمهاتنا).
٦١٨٥ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَفِيَّةُ مُرْدِفَهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ، فَصُرِعَ النَّبِىُّ ﷺ وَالْمَرْأَةُ وَأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: أَحْسِبُ اقْتَحَمَ عَنْ بَعِيرِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاءَكَ هَلْ أَصَابَكَ مِنْ شَىْءٍ؟ قَالَ: «لَا وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْمَرْأَةِ» فَأَلْقَى أَبُو طَلْحَةَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَصَدَ قَصْدَهَا فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَيْهَا فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ، فَشَدَّ لَهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِمَا فَرَكِبَا فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ أَوْ قَالَ: أَشْرَفُوا عَلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ.
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا بشر بن المفضل) بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة والمفضل بفتح الضاد المعجمة المشددة ابن لاحق البصري قال: (حدّثنا يحيى بن أبي إسحاق) مولى الحضارمة (عن أنس بن مالك أنه أقبل هو وأبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري عن عسفان إلى المدينة (مع النبي ﷺ ومع النبي ﷺ صفية) بنت حييّ أم المؤمنين حال كونه (مردفها) ولأبي ذر مردفها بالرفع
стр. 3900
خبر مبتدأ محذوف (على راحلته، فلما كانوا) ولأبي ذر عن الكشميهني كان (ببعض الطريق عثرث الناقة) بفتح العين المهملة والمثلثة (فصرع) بضم الصاد المهملة أي سقط (النبي ﷺ والمرأة) صفية (وأن) بفتح الهمزة (أبا طلحة قال) أنس: (أحسب اقتحم عن بعيره) بالقاف الساكنة والحاء المهملة رمى نفسه من غير روية (فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله جعلني الله فداءك) بكسر الفاء والهمزة (هل أصابك من شيء؟ قال) ﷺ :
(لا ولكن عليك بالمرأة) صفية فاحفظها وانظر في أمرها (فألقى أبو طلحة) ﵁ (ثوبه على وجهه) حتى لا يرى صفية، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فألوى بثوبه (فقصد قصدها) أي نحا نحوها ومشى إلى جهتها (فألقى ثوبه عليها) ليسترها به (فقامت المرأة) صفية (فشدّ لهما على راحلتهما فركبا) أي النبي ﷺ وصفية (فساروا) أي النبي ﷺ ومن معه (حتى إذا كانوا بظهر المدينة) أي بظاهرها (أو قال: أشرفوا) بالشين المعجمة والفاء (على المدينة قال النبي ﷺ ¬):
(آيبون) جمع آيب راجعون إلى الله (تائبون) راجعون عما هو مذموم شرعًا إلى ما هو محمود قاله تعليمًا لأمته أو تواضعًا (عابدون لربنا حامدون فلم يزل يقولها) أي هذه الكلمات (حتى دخل المدينة).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: جعلني الله فداءك على ما لا يخفى، وفيه دليل على جواز ذلك إذ لو كان غير سائغ لنهى النبي ﷺ قائله ولأعلمه قيل لا يلزم من تسويغ قول ذلك للنبي ﷺ أن يسوغ ذلك لغيره لأن نفسه الشريفة أعز من أنفس القائلين وآبائهم. وأجيب: بأن الأصل عدم الخصوصية. وفي حديث ابن عمر أنه قال لفاطمة: (فداك أبوك). وفي حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال لأصحابه: (فداكم أبي وأمي). وحديث أنس أنه ﷺ قال مثل ذلك للأنصار رواها ابن أبي عاصم، وأما ما رواه مبارك بن فضالة عن الحسن قال: دخل الزبير على النبي ﷺ وهو شاك قال: كيف تجدك جعلني الله فداءك قال ما تركت أعرابيتك بعد؟ فقال الطبري: لا حجة فيه على المنع لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصحة وعلى تقدير ثبوت ذلك فليس فيه صريح المنع بل فيه إشارة إلى أنه ترك الأولى في القول للمريض إما بالتأنيس والملاطفة وإما بالدعاء والتوجع.
والحديث سبق في الجهاد.
١٠٥ - باب أَحَبِّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ
(باب) بيان (أحب الأسماء إلى الله .
٦١٨٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ فَقُلْنَا: لَا نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ، وَلَا كَرَامَةَ فَأَخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: «سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ».
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي الحافظ قال: (أخبرنا ابن عيينة) سفيان قال: (حدّثنا ابن المنكدر) محمد (عن جابر) الأنصاري (﵁) أنه (قال: ولد) بضم الواو (لرجل) لم أقف على اسمه (منا غلام فسماه القاسم فقلنا لا نكنيك) فتح النون وسكون الكاف (أبا القاسم ولا كرامة) نصب أي لا نكرمك كرامة (فأخبر) بفتح الهمزة والموحدة الرجل (النبي ﷺ ¬) وفي رواية قال في الفتح إنها للأكثر فأخبر بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول النبي (فقال) ﷺ له:
(سم ابنك عبد الرحمن). وفي حديث مسلم عن ابن عمر مرفوعًا: "إن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" وإنما كانا أحب لتضمنهما ما هو واجب لله تعالى ووصف للإنسان وواجب له وهو العبودية ثم أضيف العبد إلى الرب إضافة حقيقية فصدقت أفراد هذين الاسمين وما يلحق بهما كعبد الرحيم وعبد القادر وشرفت بهذا التركيب فحصلت لها هذه الفضيلة.
والحديث أخرجه مسلم في الاستئذان.
١٠٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «سَمُّوا بِاسْمِى وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى» قَالَهُ أَنَسٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب قول النبي ﷺ سموا) أبناءكم (باسمي) محمد أو أحمد (ولا تكتنوا) بسكون الكاف وفتح الفوقية وضم النون ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولا تكنوا بفتح الكاف والنون المشدّدة على حذف إحدى التاءين (بكنيتي) بالياء. قال في الفتح: وللأصيلي بكنوتي بالواو بدل التحتية وهي بمعناها
стр. 3901
تقول كنيته وكنوته معنى والكنية ما أوله أب أو أم كأبي القاسم وأبي عبد الله وأم الخير والاسم ما عري عنه (قاله) بالهاء أي ما سبق لأبي الوقت قال بإسقاط الضمير ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فيه (أنس عن النبي ﷺ ¬) فيما سبق موصولاً في البيوع وصفة النبي ﷺ بلفظ سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي.
٦١٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ فَقَالُوا: لَا نَكْنِيهِ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: «سَمُّوا بِاسْمِى وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين المهملة ابن مسرهد بن مسربل الأسدي الحافظ البصري أبو الحسن قال: (حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله الواسطي الطحان أحد الأعلام يقال إنه اشترى نفسه من الله ثلاث مرات بوزنه فضة قال: (حدّثنا حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي أبو هذيل الكوفي (عن سالم) هو ابن أبي الجعد (عن جابر) الأنصاري (¬﵁¬) أنه (قال ولد لرجل منا) أي أعرف اسمه (غلام فسماه القاسم فقالوا: لا نكنيه) بفتح النون وسكون الكاف بأبي القاسم (حتى نسأل النبي ﷺ ¬) عن حكم ذلك فسألوه (فقال):
(سموا باسمي ولا تكنوا) بسكون الكاف وضم النون ولأبي ذر تكنوا بفتح الكاف والنون المشددة (بكنيتي) أبي القاسم والحديث مر في الخمس.
٦١٨٨ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ «سَمُّوا بِاسْمِى وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن أيوب) السختياني (عن ابن سيرين) محمد أنه قال: (سمعت أبا هريرة) ﵁ يقول: (قال: قال أبو القاسم- ﷺ سموا باسمي ولا تكنوا) بإسكان الكاف ولأبي ذر ولا تكنوا بفتح الكاف والنون المشدد: (بكنيتي).
٦١٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ:
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ فَقَالُوا: لَا نَكْنِيكَ بِأَبِى الْقَاسِمِ وَلَا نُنْعِمُكَ عَيْنًا فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «أَسْمِ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: سمعت ابن المنكدر) محمدًا (قال: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) يقول (ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم) بفتح السين والميم المشددة ولأبي ذر فأسماه بزيادة همزة مفتوحة وسكون السين (فقالوا) له: (لا نكنيك بأبي القاسم) بفتح النون وسكون الكاف (ولا ننعمك عينًا) بضم النون الأولى وسكون الثانية وكسر العين المهملة أي لا نقر عينك بذلك (فأتى) الرجل (النبي ﷺ فذكر ذلك) الذي قالوه (له) ولأبي ذر عن الكشميهني فذكروا (فقال) له النبي ﷺ :
(أسم ابنك عبد الرحمن) بهمزة قطع وسكون السين وقد اختلف في التكني بأبي القاسم فقيل لا يجوز مطلقًا سواء كان اسمه محمدًا أو أحمد أو لم يكن لظاهر الحديث، وذلك لأنه لما كان ﷺ يكنى أبا القاسم لأنه يقسم بين الناس من قِبل الله تعالى ما يوحى إليه وينزلهم منازلهم التي يستحقولها في الشرف والفضل وقسم الغنائم، ولم يكن أحد منهم يشاركه في هذا المعنى منع أن يكنى به غيره لهذا المعنى. قال البيضاوي: هذا إذا أريد به المعنى المذكور، وأما لو كني به أحد للنسبة إلى ابن له اسمه قاسم أو للعلمية المجردة جاز ويدل له التعليل المذكور.
الثاني: إن هذا كان في بدء الأمر ثم نسخ فيجوز التكني به اليوم لكل أحد مطلقًا اسمه محمد وغيره وعلته التباس خطابه بخطاب غيره ويدل عليه نهيه عنه في حديث أنس المروي في البيع من البخاري عقب ما سمع رجلاً يقول: يا أبا القاسم فالتفت إليه ﷺ فقال: لم أعنك. قال القاضي عياض: وهذا مذهب جمهور السلف وفقهاء الأمصار.
الثالث: أنه ليس بمنسوخ وإنما كان النهي للتنزيه والأدب لا للتحريم.
الرابع: أن النهي عن الجمع فلا بأس بالكنية وحدها لمن لا يسمى باسمه ﷺ لحديث جابر: "من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي" رواه أبو داود وهو كقولهم: اشرب اللبن ولا تأكل السمك أي حين شربه فيكون النهي عن الجمع بينهما.
الخامس: المنع من التسمية بمحمد مطلقًا لحديث أنس تسمونهم محمدًا ثم تلعنونهم رواه البزار وأبو يعلى بسند لين وكتب عمر إلى أهل الكوفة لا تسموا أحدًا باسم نبي، وإنما فعل ذلك إعظامًا لاسم النبي ﷺ لئلا ينتهك وكان سمع رجلاً يقول لمحمد بن زيد بن الخطاب: يا محمد
стр. 3902
فعل الله بك وفعل فدعاه وقال: لا أرى رسول الله ﷺ يسب بك فغيّر اسمه، لكن ورد ما يدل على أن عمر ﵁ رجع عن ذلك وكره مالك التسمية بأسماء الملائكة كجبريل.
١٠٧ - باب اسْمِ الْحَزْنِ
(باب) ذكر (اسم الحزن) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي بعدها نون ضد السهل واستعمل في الخلق يقال في فلان حزونة أي في خلقه غلظ وقساوة.
٦١٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَاهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا اسْمُكَ»؟ قَالَ: حَزْنٌ قَالَ: «أَنْتَ سَهْلٌ» قَالَ: لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِى قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتِ الْحُزُونَةُ فِينَا بَعْدُ.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السعدي المروزي وقيل البخاري قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام اليماني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن ابن المسيب) سعيد التابعي الكبير (عن أبيه) المسيب ممن بايع تحت الشجرة (أن أباه) حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي من المهاجرين (جاء إلى النبي ﷺ فقال) ﷺ له:
(ما اسمك؟ قال: حزن. قال: أنت سهل) وعند الإسماعيلي بل اسمك سهل (قال: لا أغير اسمًا سمانيه أبي) وفي رواية أحمد بن صالح عند أحمد فقال: لا السهل يوطأ ويمتهن وجمع بينهما في الفتح أن كلاًّ منهما فنقل بعض الرواة ما لم ينقله الآخر (قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة) أي الصعوبة (فينا بعد) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بعده أي بعد قول جده ذلك، والمعنى كما قال السفاقسي امتناع التسهيل فيما يريدونه أو الصعوبة في أخلاقهم، قال الداودي: إلا أن سعيدًا أفضى به ذلك إلى الغضب في الله.
والحديث من أفراده.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَحْمُودٌ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ .. بِهَذَا.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (ومحمود) هو ابن غيلان (قالا: حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد (عن ابن المسيب) سعيد (عن أبيه) المسيب (عن جده) حزن (بهذا) الحديث السابق. قال في الكواكب: والأمر بتغيير الاسم أي من حزن إلى سهل لم يكن على وجه الوجوب لأن الأسماء لم يسم بها لوجود معانيها في المسمى وإنما هي للتمييز ولو كان للوجوب لم يسغ له أن يثبت عليه وأن لا يغير. نعم الأولى التسمية بالاسم الحسن وتغيير القبيح إليه كذلك الأولى أن لا يسمى بما معناه التزكية والمذمة بل يسمى بما كان صدقًا وحقًّا كعبد الله ونحوه.
١٠٨ - باب تَحْوِيلِ الاِسْمِ إِلَى اسْمٍ أَحْسَنَ مِنْهُ
(باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه).
٦١٩١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: أُتِىَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِى أُسَيْدٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وُلِدَ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَأَبُو أُسَيْدٍ جَالِسٌ فَلَهَا النَّبِىُّ ﷺ بِشَىْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَمَرَ أَبُو أُسَيْدٍ بِابْنِهِ فَاحْتُمِلَ مِنْ فَخِذِ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَفَاقَ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: «أَيْنَ الصَّبِىُّ»؟ فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: قَلَبْنَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «مَا اسْمُهُ»؟ قَالَ: فُلَانٌ. قَالَ: «وَلَكِنْ أَسْمِهِ الْمُنْذِرَ» فَسَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ الْمُنْذِرَ.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي مولاهم البصري قال: (حدّثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشدّدة وبعد الألف نون محمد بن مطرّف بكسر الراء المشددة (قال: حدثني) بالإفراد (أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج (عن سهل) بفتح السين المهملة وسكون الهاء ابن سعد الساعدي (قال: أُتي) بضم الهمزة وكسر الفوقية (بالمنذر) بضم الميم وسكون النون وكسر المعجمة (ابن أبي أسيد) بضم الهمزة وفتح المهملة وسكون الياء مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري (إلى النبي ﷺ حين ولد) ليحنكه ويبارك عليه (فوضعه) ﷺ (على فخذه) بالذال المعجمة إكرامًا لأبيه (وأبو أسيد) والده (جالس فلها) بفتح الهاء في الفرع كأصله وهي لغة طيئ وبكسرها بوزن علم وهي اللغة المشهورة أي اشتغل (النبي ﷺ بشيء بين يديه) عن الصبي فنسيه (فأمر أبو أسيد بابنه فاحتمل) بضم الفوقية وكسر الميم فرفع (من فخذ النبي ﷺ فاستفاق النبي ﷺ ¬) هو استفعل من أفاق إذا رجع إلى ما كان قد شغل عنه وعاد إلى نفسه فلم ير الصبي (فقال):
(أين الصبي)؟ (فقال): أبوه (أبو أسيد قلبناه) بفتح القاف وتخفيف اللام بعدها موحدة ولأبي ذر عن الكشميهني أقلبناه بزيادة همزة قبل القاف. قال السفاقسي: والصواب حذفها لكن أثبتها غيره لغة أي رددناه إلى المنزل (يا رسول الله. قال: ما اسمه؟ قال: فلان) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تعيينه فكأنه كان سماه اسمًا ليس مستحسنًا فسكت عن تعيينه أو سماه فنسيه بعض الرواة (قال) ﷺ : ليس هذا الاسم الذي سميته به اسمه الذي
стр. 3903
يليق به (ولكن) ولأبي ذر قال: لا ولكن (اسمه المنذر فسماه) ﵊ (يومئذ المنذر) تفاؤلاً أن يكون له علم ينذر به قاله الداودي ومثله قول الطيبي لعله ﵊ تفاءل به ولمح إلى معنى التفقه في الدين في قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ إلى قوله: ﴿ولينذروا قومهم﴾ [التوبة: ١٢٢] وسقطت الواو من قوله: ولكن في رواية أبي ذر.
ومطابقته للترجمة واضحة والحديث أخرجه مسلم في الأدب.
٦١٩٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ فَقِيلَ: تُزَكِّى نَفْسَهَا فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : زَيْنَبَ.
وبه قال (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي الحافظ قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) غندر (عن شعبة) بن الحجاج (عن عطاء بن أبي ميمونة) مولى أنس بن مالك (عن أبي رافع) نفيع المدني ثم البصري (عن أبي هريرة) ﵁ (أن زينب) هي بنت جحش أم المؤمنين كما في مسلم وأبي داود أو هي زينب بنت أم سلمة ربيبته ﷺ كما رواه ابن مردويه في تفسير سورة الحجرات من طريقها (كان اسمها برّة) بفتح الموحدة والراء المشدّدة (فقيل تزكي نفسها) لأن لفظ برة مشتق من البر (فسماها رسول الله ﷺ زينب) وقد وقع مثل ذلك لجويرية بنت الحارث أم المؤمنين. رواه مسلم وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس بلفظ: كان اسم جويرية برة فحوّل النبي ﷺ اسمها فسماها جويرية كره أن يقال خرج من عند برة.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الاستئذان وابن ماجة في الأدب.
٦١٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَحَدَّثَنِى أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «مَا اسْمُكَ»؟ قَالَ: اسْمِى حَزْنٌ قَالَ: «بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ» قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِى قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ.
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء الرازي الصغير قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الحميد بن جبير بن شيبة) بفتح الشين المعجمة والموحدة بينهما تحتية ساكنة ابن عثمان الحجبي (قال: جلست إلى سعيد بن المسيب فحدثني) بالإفراد (أن جدّه حزنًا قدم على النبي ﷺ ¬) تقدم في الباب السابق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه أن أباه جاء إلى النبي ﷺ فرواه موصولاً عن أبيه عن جدّه ورواه هنا عن جده مرسلاً فأسقط أباه وقاعدة البخاري أن الاختلاف في الوصل والإرسال لا يقدح المرسل في الموصول إذا كان الذي وصل أحفظ من الذي أرسل كما هنا، فإن الزهري أحفظ من عبد الحميد والقاعدة عند إمامنا الشافعي أن المرسل إذا جاء موصولاً من وجه آخر تبين صحة مخرج المرسل (فقال) ﷺ لحزن:
(ما اسمك؟ قال: اسمي حزن. قال: بل أنت سهل قال: ما أنا بمغير اسمًا سمانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد) وفي الحديث أن التغيير ليس على وجه المنع من التسمي بالقبيح بل على وجه الاختيار فيجوز تسمية الرجل القبيح بحسن والفاسق بصالح لأنه ﷺ
لم يلزم حزنًا لما امتنع من تحويل اسمه إلى سهل بذلك ولو كان ذلك لازمًا لما أقره على قوله: ما أنا بمغير اسمًا سمانيه أبي. والله الموفق للصواب. والحديث سبق قبل هذا الباب.
١٠٩ - باب مَنْ سَمَّى بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ
وَقَالَ أَنَسٌ: قَبَّلَ النَّبِىُّ ﷺ إِبْرَاهِيمَ، يَعْنِى ابْنَهُ.
(باب من سمى) ابنه أو غيره (بأسماء الأنبياء) عليهم الصلاة والسلام كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (وقال أنس) فيما سبق موصولاً في الجنائز: (قبل النبي ﷺ إبراهيم يعني ابنه) وهذا التعليق ثابت في رواية الكشميهني ساقط في غيرها.
٦١٩٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قُلْتُ لاِبْنِ أَبِى أَوْفَى: رَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَاتَ صَغِيرًا وَلَوْ قُضِىَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِىٌّ عَاشَ ابْنُهُ وَلَكِنْ لَا نَبِىَّ بَعْدَهُ.
وبه قال: (حدّثنا ابن نمير) بضم النون وفتح الميم هو محمد بن عبد الله بن نمير فنسبه لجده قال: (حدّثنا محمد بن بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة العبدي قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي خالد البجلي قال: (قلت لابن أبي أوفى) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الفاء عبد الله الصحابي ابن الصحابي واسم أبي أوفى علقمة: (رأيت إبراهيم) أي هل رأيت إبراهيم (ابن النبي ﷺ ؟ قال): نعم رأيته، وعند ابن منده والإسماعيلي قال: نعم كان أشبه الناس به لكنه (مات صغيرًا) ثم ذكر السبب فقال: (ولو قضي) بضم القاف وكسر الضاد المعجمة (أن يكون بعد محمد ﷺ نبي عاش ابنه) إبراهيم (ولكن لا نبي بعده) لأنه خاتم النبيين، وعند ابن ماجة من
стр. 3904
حديث ابن عباس لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ صلّى عليه وقال: "إن له مرضعًا في الجنة ولو عاش لكان صديقًا نبيًّا" وفي إسناده أبو شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي وهو ضعيف، ومن طريقه أخرجه ابن منده في المعرفة وقال: إنه غريب، وعند أحمد وابن منده من طريق السدي عن أنس قال: إن إبراهيم قد ملأ المهد ولو بقي لكان نبيًّا لكنه لم يكن ليبقى فإن نبيكم آخر الأنبياء ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي وقد توارد عليه جماعة من الصحابة. وأما استنكار ابن عبد البر حديث أنس حيث قال بعد إيراده في التمهيد: لا أدري ما هذا فقد ولد لنوح غير نبي ولو لم يلد النبي الأنبياء لكان كل أحد نبيًا لأنهم من ولد نوح ولا يلزم من الحديث المذكور ما ذكره لما لا يخفى، وكأنه سلف النووي ﵁ في قوله في تهذيب الأسماء واللغات، وأما ما روي عن بعض المتقدمين لو عاش إبراهيم لكان نبيًّا فباطل وجسارة على الكلام على المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم من الزلل. قال الحافظ ابن حجر: في الإصابة وغيرها: وهو عجيب مع وروده عن ثلاثة من الصحابة وكأنه لم يظهر له وجه تأويله فأنكره، وقال في الفتح: ويحتمل أن لا يكون استحضر ذلك
عن الصحابة المذكورين فرواه عن غيرهم ممن تأخر عنهم فقال ذلك، وجوابه أن القضية الشرطية لا تستلزم الوقوع ولا يظن بالصحابي أن يهجم على مثل هذا بظنه والله أعلم.
والحديث أخرجه ابن ماجة.
٦١٩٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِى الْجَنَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قاضي مكة قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن عدي بن ثابت) الأنصاري أنه (قال: سمعت البراء) بن عازب ﵁ (قال: لما مات إبراهيم ﵇ قال رسول الله ﷺ ¬):
(إن له مرضعًا) بضم الميم وكسر الضاد المعجمة تتم إرضاعه (في الجنة) لأنه لما مات كان ابن ستة عشر شهرًا رواه ابن منده أو ثمانية عشر شهرًا رواه أحمد في مسنده عن عائشة، وقيل عاش سبعين يومًا حكاه البيهقي وكانت وفاته في ربيع الأول، وقيل في رمضان، وقيل في ذي الحجة، وهذا القول الثالث باطل على القول بأنه مات سنة عشر لأن النبي ﷺ كان في حجة الوداع إلا إن كان مات في آخر ذي الحجة وعلى القول بأنه عاش سبعين يومًا يكون مات سنة ثمان والله أعلم.
والحديث سبق في الجنائز.
٦١٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَمُّوا بِاسْمِى، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى، فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ». وَرَوَاهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن حصين بن عبد الرحمن) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين السلمي أبي الهذيل الكوفي (عن سالم بن أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة الأشجعي مولاهم الكوفي (عن جابر بن عبد الله الأنصاري) ﵁ وسقط قوله ابن عبد الله الأنصاري لأبي ذر أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ ¬):
(سموا باسمي) محمد أو أحمد (ولا تكتنوا) بسكون الكاف بعدها فوقية مفتوحة ولأبي ذر: ولا تكنوا بفتح الكاف بعدها نون مفتوحة مشددة (بكنيتي) أبي القاسم، ولأبي ذر عن الكشميهني بكنوتي بالواو بدل الياء ومعناهما واحد (فإنما أنا قاسم أقسم بينكم) مال الله أي وغيري ليس بهذه المنزلة فالكنية إنما تكون سبب وصف صحيح في المكني به والحصر هنا ليس بحصر مطلق بل بالحصر المقيد.
ومباحث الحديث سبقت قريبًا في باب قول النبي ﷺ : سموا باسمي.
(ورواه) أي الحديث (أنس عن النبي ﷺ ¬) فيما وصله في البيوع وفي صفة النبي ﷺ من طريق حميد عن أنس بلفظ: (سموا اسمي ولا تكتنوا بكنيتي).
٦١٩٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَمُّوا بِاسْمِى، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى، وَمَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِى، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ صُورَتِى، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو موسى التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري قال: (حدّثنا أبو حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين بعدها تحتية ساكنة فنون عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(سموا) أبناءكم (باسمي ولا تكتنوا) بسكون الكاف، ولأبي ذر ولا تكنوا بفتح الكاف بعدها نون مشددة
стр. 3905
وأصله تتكنوا فحذفت إحدى التاءين (بكنيتي) ولأبي ذر عن الكشميهني بكنوتي بالواو (ومن رآني) أي رأى مثال صورتي (في المنام فقد رآني) قال في شرح المشكاة: الشرط والجزاء اتحدا فدل على التناهي في المبالغة أي من رآني فقد رأى حقيقتي على كمالها لا شبهة ولا ارتياب فيما رأى. وقال غيره: فقد رآني ليس بجزاء الشرط حقيقة بل لازمه نحو: فليستبشر فإنه قد رآني والحق أن ما يراه مثال حقيقة روحه المقدسة التي هي محل النبوّة وما يراه من الشكل ليس هو روح النبي ﷺ ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق (فإن الشيطان لا يتمثل) لا يتصوّر (صورتي) هذا كالتتميم للمعنى والتعليل للحكم، ولأبي ذر عن الكشميهني في صورتي.
وبقية المباحث المتعلقة بهذا تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته في كتاب التعبير: وقوله: ومن رآني الخ حديث آخر جمعه مع سابقه ولاحقه بالإسناد السابق (ومن) ولأبي ذر فمن بالفاء بدل الواو (كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده) أي فليتخذ موضعًا لمقامه (من النار) وتقدّم في كتاب العلم شيء من مباحثه والله الموفق.
٦١٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: وُلِدَ لِى غُلَامٌ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إِلَىَّ. وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِى مُوسَى.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بن دكين أبو كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء وبعد التحتية الساكنة دال
مهملة (ابن أبي بردة عن) جدّه (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر وقيل الحارث (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ أنه (قال: ولد لي غلام فأتيت به النبي ﷺ فسماه إبراهيم فحنكه) أي دلك سقف فمه (بتمرة) بعد أن مضغها عقب تسميته إبراهيم كاسم خليل الله (ودعا له بالبركة ودفعه إليّ) بتشديد التحتية (وكان) إبراهيم هذا (أكبر ولد أبي موسى) قال في الفتح: وهذا يشعر بأن أبا موسى كني قبل أن يولد له وإلاّ فلو كان الأمر على ذلك لكني بابنه إبراهيم المذكور ولم ينقل أنه كان يكنى أبا إبراهيم، والحديث مرّ في العقيقة.
٦١٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ. رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا زائدة حدّثنا زياد بن علاقة) بكسر العين المهملة وتخفيف اللام وبالقاف الثعلبي قال: (سمعت المغيرة بن شعبة) الثقفي شهد الحديبية وولي الكوفة غير مرة ﵁ (قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم) ابن النبي ﷺ سنة عشر كما جزم به الواقدي وقال: يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الأول (رواه) أي هذا الحديث (أبو بكرة) نفيع (عن النبي- ﷺ ¬) فيما سبق موصولاً في الكسوف لكن ليس فيه يوم مات إبراهيم، وفي هذه الأحاديث جواز التسمية بأسماء الأنبياء، وقد ثبت عن سعيد بن المسيب أنه قال: أحب الأسماء إلى الله تعالى أسماء الأنبياء.
١١٠ - باب تَسْمِيَةِ الْوَلِيدِ
(باب) حكم (تسمية الوليد) بفتح الواو وكسر اللام بعدها تحتية ساكنة فدال مهملة.
٦٢٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا رَفَعَ النَّبِىُّ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِى يُوسُفَ».
وبه قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (أبو نعيم الفضل بن دكين) سقط لأبي ذر الفضل بن دكين قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سعيد) أي ابن المسيب (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: لما) بتشديد الميم (رفع النبي ﷺ رأسه من الركعة قال) بعد قوله سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد:
(اللهم أنج الوليد) بقطع همزة أنج مفتوحة مجزوم بالطلب وكسر للساكنين (ابن الوليد) بن المغيرة المخزومي (و) أنج (سلمة بن هشام) أخا أبي جهل بن هشام (و) أنج (عياش بن أبي ربيعة) أخا أبي جهل لأمه (و) أنج (المستضعفين بمكة من المؤمنين) من عطف العام على الخاص وسقط قوله من المؤمنين من اليونينية: (اللهم اشدد) بهمزة وصل (وطأتك) بفتح الواو وسكون الطاء المهملة ثم
همزة أي اشدد بأسك أو عقوبتك (على) كفار قريش أولاد (مضر) بن نزار بن معد بن عدنان (اللهم اجعلها) أي الموطأة أو الأيام أو السنين وقد نصوا على جواز عود الضمير على المتأخر لفظًا ورتبة إذا كان مخبرًا عنه بخبر يفسره كقوله: ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ [الأنعام: ٢٩]
стр. 3906
وما نحن فيه من هذا القبيل أي واجعل السنين (عليهم سنين كسني يوسف) الصديق ﵊ في القحط وبلوغ غاية الجهد والضراء، وموضع الترجمة قوله: الوليد بن الوليد على ما لا يخفى.
وأما حديث ابن مسعود عند الطبراني نهى رسول الله ﷺ أن يسمي الرجل عبده أو ولده حربًا أو برة أو وليدًا فسنده ضعيف جدًّا. وفي حديث معاذ بن جبل عند الطبراني أيضًا قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فذكر حديثًا فيه قال الوليد: اسم فرعون هادم شرائع الإسلام يبوء بدمه رجل من أهل بيته وسنده ضعيف جدًّا وفسر بالوليد بن يزيد بن عبد الملك لفتنة الناس به حتى خرجوا عليه فقتلوه وانفتحت الفتن على الأمة بسبب ذلك وكثر فيهم القتل.
وحديث الباب مرّ في باب يهوي بالتكبير من كتاب الصلاة.
١١١ - باب مَنْ دَعَا صَاحِبَهُ فَنَقَصَ مِنِ اسْمِهِ حَرْفًا
وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: لِى النَّبِىُّ ﷺ : «يَا أَبَا هِرٍّ».
(باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفًا) بتخفيف قاف فنقص (وقال أبو حازم) سلمان الأشجعي الكوفي مما وصله المؤلّف في الأطعمة (عن أبي هريرة ﵁ قال لي النبي) ولأبي ذر عن أبي هريرة عن النبي (¬ ﷺ يا أبا هرّ) بكسر الهاء وتشديد الراء وفي اليونينية بفتحها فنقل اللفظ من التصغير والتأنيث إلى التكبير والتذكير فهو وإن كان نقصانًا من اللفظ ففيه زيادة في المعنى قاله ابن بطال.
٦٢٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَائِشَ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ» قُلْتُ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، قَالَتْ: وَهْوَ يَرَى مَا لَا نَرَى.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (حدثني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ ¬):
(يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام) بفتح الشين من عائش ويجوز ضمها وبإسقاط هاء التأنيث على الترخيم، وهذا ونحوه يجوز ترخيمه مطلقًا مما هو علم كفاطمة أو غير علم كجارية زائدًا على ثلاثة أحرف أو كان على ثلاثة فقط كشاة تقول: يا فاطم ويا جاري ويا شا، ومنه قاله يا شا ادجني بحذف ياء التأنيث للترخيم، وأما ما ليس بمؤنث بالهاء فلا يرخم إلا بشرط أن يكون
رباعيًّا فأكثر وأن يكون علمًا وأن لا يكون مركبًا تركيب إضافة ولا إسناد، وذلك كعثمان وجعفر فنقول: يا عمّ ويا جعف فلا يرخم نحو زيد وقائم وقاعد وعبد شمس وشاب قرناها وما ركب تركيب مزج فيرخم بحذف عجزه فتقول فيمن اسمه معد يكرب يا معدي (قلت) ولأبي ذر قالت (وعليه السلام ورحمة الله. قالت: وهو) ﷺ (يرى ما لا ترى) ولأبي ذر: أرى بالهمز بدل النون والرؤية أمر يخلقه الله في الرائي فإن خلقها فيه رأى، وإلاّ فلا فلذا اختص بها ﷺ في رؤية جبريل حينئذ دون عائشة.
والحديث مرّ في المناقب.
٦٢٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ فِى الثَّقَلِ وَأَنْجَشَةُ غُلَامُ النَّبِيِّ ﷺ يَسُوقُ بِهِنَّ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «يَا أَنْجَشَ، رُوَيْدَكَ سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد قال: (حدّثنا أيوب) هو السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد (عن أنس ﵁) أنه (قال: كانت أم سليم) هي أم أنس (في الثقل) بفتح المثلثة والقاف متاع المسافر (وأنجشة) الحبشي (غلام النبي ﷺ يسوق بهن) بالنساء (فقال النبي ﷺ ¬):
(يا أنجش) بإسقاط الهاء وفتح الشين المعجمة وضمها مرخمًا (رويدك سوقك بالقوارير) أي لا تعجل في سوق النساء فإنهن كالقوارير في سرعة الانفعال والتأثر.
والحديث مرّ في باب ما يجوز من الشعر.
١١٢ - باب الْكُنْيَةِ لِلصَّبِىِّ وَقَبْلَ أَنْ يُولَدَ لِلرَّجُلِ
(باب) جواز (الكنية للصبي) وسقط باب لغير أبي ذر فالكنية رفع (و) جواز الكنية (قبل أن يولد للرجل) ولأبي ذر عن الكشميهني قبل أن يلد الرجل.
٦٢٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِى أَخٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمٌ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ»؟ نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِى بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِى تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ، ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّى بِنَا.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن عبد الحميد الثقفي (عن أبي التياح) يزيد بن حميد (عن أنس) ﵁ أنه (قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقًا) بضم الخاء المعجمة وقال: هذا توطئة لقوله (وكان لي أخ) من أمه أم سليم (يقال له أبو
عمير) بضم العين وفتح الميم ابن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري وكان اسمه عبد الله فيما جزم به الحاكم أبو أحمد، وقيل اسمه حفص
стр. 3907
كما عند ابن الجوزي في الكنى مات على عهد النبي ﷺ ، وعن أنس قال: كان لأبي طلحة ابن يشتكي فخرج أبو طلحة في بعض حاجاته فقبض الصبي الحديث وهذا هو الصبي المقبوض قال ﷺ "بارك الله لكما في ليلتكما" فولدت له بعد ذلك عبد الله بن أبي طلحة فبورك فيه وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه وإخوته كانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم (قال: أحسبه) أظنه (فطيم) بالرفع صفة لقوله لي أخ وأحسبه اعتراض بين الصفة والموصوف أي مفطوم بمعنى فصل رضاعه ولأبي ذر فطيمًا بالنصب مفعولاً ثانيًا لأحسب (وكان) النبي ﷺ (إذا جاء) إلى أم سليم (قال) لأبي عمير يمازحه:
(يا أبا عمير ما فعل النغير) تصغير نغر بضم النون وفتح النون المعجمة (كان يلعب) أي يتلهى (به) أبو عمير وكان قد مات وحزن عليه والنغير طائر يشبه العصفور وقيل فراخ العصافير قال عياض والراجح أنه طائر أحمر المنقار وفي رواية ربعي فقالت أم سليم: ماتت صعوته التي كان يلعب بها فقال النبي: يا أبا عمير ما فعل النغير قال أنس: (فربما حضر) النبي ﷺ (الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط) بكسر الموحدة (الذي تحته فيكنس وينضح) مبنيان للمفعول والنضح بالضاد المعجمة ثم الحاء المهملة الرش بالماء (ثم يقوم) ﵊ (ونقوم خلفه فيصلّي بنا).
وفي الحديث جواز تكنية الصغير، والحديث مطابق للجزء الأول من الترجمة، وقول صاحب الفتح والركن الثاني مأخوذ بالإلحاق بطريق الأولى، تعقبه في عمدة القاري فقال: هذا كلام غير موجه لأن جواز التكني للصبي لا يستلزم التكني للرجل قبل أن يولد له فكيف يصح الإلحاق به فضلاً عن الأولوية؟ والظاهر أنه لم يظفر بحديث على شرطه مطابق للجزء الثاني فلذلك لم يذكر له شيئًا. وقال ابن بطال: بناء اللقب والكنية إنما هو على معنى التكرمة والتفاؤل له أن يكون أبًا وأن يكون له ابن وإذا جاز للصبي في صغره فالرجل قبل أن يولد له أولى بذلك اهـ.
وفي حديث صهيب عند أحمد وابن ماجة وصححه الحاكم أن عمر قال له: مالك تكنى أبا يحيى وليس لك ولد قال: إن النبي ﷺ كناني وعن علقمة عن ابن مسعود عند الطبراني بسند صحيح أن النبي ﷺ كناه أبا عبد الرحمن، وقال بعضهم: بادروا أبناءكم بالكنى قبل أن تغلب عليها الألقاب.
وحديث الباب فيه فوائد جمعها أبو العباس بن القاص من الشافعية في جزء مفرد وسبقه إلى ذلك أبو حاتم الرازي أحد أئمة الحديث ثم الترمذي في الشمائل ثم الخطابي.
١١٣ - باب التَّكَنِّى بِأَبِى تُرَابٍ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ كُنْيَةٌ أُخْرَى
(باب) جواز (التكني بأبي تراب وإن كانت له كنية أخرى) سابقة قبل ذلك.
٦٢٠٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
قَالَ: إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ عَلِىٍّ ﵁ إِلَيْهِ لأَبُو تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ أَنْ يُدْعَى بِهَا، وَمَا سَمَّاهُ أَبُو تُرَابٍ إِلاَّ النَّبِىُّ ﷺ غَاضَبَ يَوْمًا فَاطِمَةَ فَخَرَجَ فَاضْطَجَعَ إِلَى الْجِدَارِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَجَاءَهُ النَّبِىُّ ﷺ يَتْبَعُهُ فَقَالَ: هُوَ ذَا مُضْطَجِعٌ فِى الْجِدَارِ فَجَاءَهُ النَّبِىُّ ﷺ وَامْتَلأَ ظَهْرُهُ تُرَابًا فَجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ يَقُولُ: «اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ».
وبه قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام البجلي الكوفي قال: (حدّثنا سليمان) بن بلال قال: (حدثني) بالإفراد (أبو حازم) سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الساعدي الأنصاري أنه (قال: إن كانت أحب أسماء عليّ ﵁ إليه لأبو تراب) إن مخففة من الثقيلة ولفظ كانت زائدة كقوله:
وجيران لنا كانوا كرام
وأحب منصوب اسم إن وإن كانت مخففة لأن تخفيفها لا يوجب إلغاءها قاله في الكواكب، وأنث كانت باعتبار الكنية. وقال السفاقسي: أنث على تأنيث الأسماء مثل: ﴿وجاءت كل نفس﴾ [ق: ٢١] وفيه إطلاق الاسم على الكنية واللام في لأبو تراب للتأكيد (وإن كان ليفرح) بلام التأكيد أيضًا وإن مخففة من الثقيلة أيضًا والضمير لعلي (أن يدعى بها) بضم أوله وفتح العين أن ينادى بها ولأبي الوقت أن يدعاها، وللحموي والمستملي أن يدعوها بضم العين بعدها واو فهاء أي يذكرها وفي الفتح عن رواية النسفيّ أن ندعوها بنون بدل الياء أي نذكرها (وما سماه أبو تراب إلا النبي ﷺ ¬) برفع أبو على الحكاية وصوّب النصب السفاقسي على المفعولية وهو ظاهر نعم قيل إن في بعض النسخ بالنصب كذلك وسبب تكنيته بها أنه (غاضب يومًا فاطمة) زوجته ﵄ (فخرج) من عندها خشية أن
стр. 3908
يبدو منه في حالة الغيظ ما لا يليق بجناب فاطمة فحسم مادة الكلام إلى أن تسكن فورة الغضب من كل منهما (فاضطجع إلى الجدار إلى المسجد) كذا في رواية النسفيّ كما قاله في الفتح، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إلى الجدار في المسجد بلفظ في بدل إلى في الثاني، وللكشميهني في جدار المسجد (فجاء النبي ﷺ يتبعه) بسكون الفوقية مخففًا كذا في فرع اليونينية كهي قال في الفتح قوله يتبعه بتشديد المثناة من الإتباع، وقال العيني: ويروى من الثلاثي، ولأبي ذر عن الكشميهني: يبتغيه بموحدة ساكنة فمثناة فوقية فغين معجمة من الابتغاء أي يطلبه (فقال):
(هوذا) أي عليّ (مضطجع في الجدار فجاءه النبي ﷺ و) الحال أنه قد (امتلأ ظهره ترابًا فجعل النبي ﷺ يمسح التراب عن ظهره ويقول: اجلس يا أبا تراب) فاشتق له النبي ﷺ من حالته هذه الكنية. قال الخليل: يقال لمن كان قائمًا اقعد ولمن كان نائمًا أجلس، وتعقبه ابن دحية بحديث الموطأ حيث قال للقائم اجلس، وفيه كرم خلق النبي ﷺ لأنه توجه نحو علي ليترضاه ومسح التراب عن ظهره ليبسطه وداعبه بالكنية المذكورة ولم يعاتبه على مغاضبته لابنته مع رفيع
منزلتها عنده ففيه استحباب الرفق بالأصهار وترك معاتبتهم إبقاء لمودتهم، وفيه أيضًا أن أهل الفضل قد يقع بينهم وبين أزواجهم ما جبل الله عليه البشر من الغضب وليس ذلك بعيب وفيه جواز تكنية الشخص بأكثر من كنية فإن عليًّا كانت نيته أبا الحسن.
١١٤ - باب أَبْغَضِ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ
(باب أبغض الأسماء إلى الله) .
٦٢٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ : أخنى) بهمزة مفتوحة فخاء معجمة ساكنة فنون مفتوحة بعدها ألف مقصورة أي أفحش من الخنى وهو الفحش، ولأبي ذر عن المستملي: أخنع بالعين المهملة بدل الألف أي أذل وأوضع (الأسماء) وفي مسلم عن أبي هريرة من وجه بلفظ أبغض، وفي لفظ أبغض، وفي لفظ أخبث الأسماء (يوم القيامة عند الله رجل تسمى ملك الأملاك) بكسر اللام والأملاك جمع ملك بالكسر وبالفتح جمع مليك، ولأبي ذر بملك الأملاك بزيادة موحدة أي سمى نفسه بذلك أو سمي بذلك فرضي به، واستمر عليه وذلك لأن هذا من صفات الحق ﷻ وذلك لا يليق بمخلوق والعباد إنما يوصفون بالذل والخضوع والعبودية.
قال في المصابيح، فإن قلت: كيف جاز جعل رجل خبرًا عن أخنى الأسماء؟ وأجاب: بأنه على حذف مضاف أي اسم رجل تسمى ملك الأملاك اهـ.
وزاد في شرح المشكاة أن يراد بالاسم المسمى مجازًا أي أخنى الرجال رجل كقوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] وفيه من المبالغة أنه إذا قدس اسمه عما لا يليق به فكان ذاته بالتقديس أولى وهنا إذا كان الاسم محكومًا عليه بالهوان والصغار فكيف بالمسمى، وإذا كان حكم المسمى ذلك فكيف بالمسمي.
والحديث من أفراده.
٦٢٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: «أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَالَ سُفْيَانُ: غَيْرَ مَرَّةٍ أَخْنَعُ الأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ». قَالَ سُفْيَانُ: يَقُولُ غَيْرُهُ تَفْسِيرُهُ شَاهَانْ شَاهْ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (رواية) نصب على التمييز أي من حيث الرواية عن النبي ﷺ أنه (قال):
(أخنع اسم) بالعين أي أشدّ ذلاًّ (عند الله) وفي الرواية السابقة يوم القيامة والتقييد بيوم القيامة مع أن حكمه في الدنيا كذلك للإشعار بترتب ما هو مسبب عنه من إنزال الهوان وحلول العقاب. (وقال سفيان) بن عيينة بالسند السابق: (غير مرة أخنع الأسماء) بالعين (عند الله رجل تسمى بملك الأملاك) بكسر اللام وزاد ابن أبي شيبة في روايته عند مسلم لا مالك إلا الله وهو استئناف لبيان تعليل تحريم التسمية بهذا الاسم فنفى جنس الملاك بالكلية لأن المالك الحقيقي ليس إلا هو ومالكية الغير
стр. 3909
عارية مستردة إلى مالك الملوك فمن تسمى بهذا الاسم نازع الله في رداء كبريائه واستنكف أن يكون عبد الله فيكون له الخزي والنكال (قال سفيان) أيضًا (يقول غيره). أي غير أبي الزناد (تفسيره) بالفارسية أي ملك الأملاك (شاهان) لين معجمة مفتوحة فألف فنون ساكنة (شاه) بشين معجمة فألف فهاء ساكنة وليست هاء تأنيث، وعند أحمد قال: سفيان مثل شاهان شاه، وزاد الإسماعيلي من رواية محمد بن الصباح عن سفيان مثل ملك الصين وقد كانت التسمية بذلك كثرت في ذلك الزمان فنبه سفيان على أن الاسم الذي ورد الخبر بذمه لا ينحصر في ملك الأملاك بل كل ما أدى إلى معناه بأي لسان كان فهو مراد بالذم، وزعم بعضهم أن الصواب شاه شاهان بالتقديم والتأخير، وليس كذلك لأن قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف فإذا أرادوا قاضي القضاة بلسانهم؟ قالوا: موبذان موبذ فموبذ هو القاضي وموبذان جمعه، وكذا شاه هو الملك وشاهان هو الملوك، ويؤخذ من الحديث تحريم التسمي بهذا الاسم لورود الوعيد التشديد ويلحق به ما في معناه كأحكم الحاكمين وسلطان السلاطين وأمير الأمراء، وهل يلحق به من تسمى بأقضى القضاة؟ فقال الزمخشري في كشافه عند قوله تعالى: ﴿أحكم الحاكمين﴾ [هود: ٤٥] بالمنع من أن يلقب بأقضى القضاة وتعقبه ابن المنير بحديث "أقضاكم عليّ وقد وجدت التسمية بقاضي القضاة في العصر القديم من عهد أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة ﵀، وكان الماوردي يلقب بأقضى القضاة مع منعه من تلقيب الملك الذي كان في زمانه بملك الملوك. وقال العيني: يمتنع أن يقال أقضى القضاة لأن معناه أحكم الحاكمين، وهذا أبلغ من قاضي القضاة لأنه أفعل تفضيل قال: ومن جهل أهل زماننا من مسطري سجلات القضاة يكتبون للنائب أقضى القضاة وللقاضي الكبير قاضي القضاة.
١١٥ - باب كُنْيَةِ الْمُشْرِكِ
وَقَالَ مِسْوَرٌ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِى طَالِبٍ».
(باب) حكم (كنية المشرك. وقال مسور): بكسر الميم وسكون السين المهملة ابن مخرمة ومما وصله البخاري في أواخر كتاب النكاح في باب ذب الرجل عن ابنته (سمعت النبي ﷺ يقول)
وهو على المنبر إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن (إلا أن يريد ابن أبي طالب) أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم الحديث. فذكر أبا طالب المشرك بكنيته في غيبته وكان اسمه عبد مناف.
٦٢٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى أَخِى، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأُسَامَةُ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِى بَنِى حَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَسَارَا حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ فَإِذَا فِى الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَفِى الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ ابْنُ أُبَىٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ وَقَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ، فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ فِى مَجَالِسِنَا فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاغْشَنَا فِى مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ، حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْفِضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَابَّتَهُ فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَىْ سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ» يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَىْ رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِى أَنْتَ اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ، فَوَالَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ وَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِى أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ وَقَالَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٩] فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَأَوَّلُ فِى الْعَفْوِ عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا فَقَتَلَ اللَّهُ بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفَّارِ وَسَادَةِ قُرَيْشٍ، فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَنْصُورِينَ غَانِمِينَ مَعَهُمْ أُسَارَى مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفَّارِ وَسَادَةِ قُرَيْشٍ قَالَ ابْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ: وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ فَبَايِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم قال البخاري: (حدّثنا) ولأبي ذر وحدّثنا بواو العطف على السند السابق
(إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (أخي) عبد الحميد (عن سليمان) بن بلال (عن محمد بن أبي عتيق) هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق واسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (أن أسامة بن زيد ﵄ أخبره أن رسول الله- ﷺ ركب على حمار عليه قطيفة) كساء (فدكية) بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف والتحتية المشدّدة نسبة لقرية قرب المدينة تسمى فدك ولأبي ذر على قطيفة فدكية (وأسامة) بن زيد (وراءه) حال كونه (يعود سعد بن عبادة في) منازل (بني حارث بن الخزرج) بغير ألف ولام في حارث (قبل وقعة بدر فسارا) أي النبي ﷺ وأسامة (حتى مرّا بمجلس فيه عبد الله بن أبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية منوّنة (ابن سلول) برفع ابن صفة لعبد الله لأن سلول أم عبد الله وهي بفتح السين المهملة (وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي) بضم التحتية وسكون السين المهملة أي قبل أن يظهر إسلامه ولم يسلم قط (فإذا في المجلس أخلاط) بالخاء المعجمة الساكنة أنواع (من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان) بالمثلثة وجر عبدة بدلاً مما قبله (واليهود) عطف على عبدة أو على المشركين (وفي المسلمين) ولأبي ذر عن الكشميهني وفي المجلس بدل وفي المسلمين (عبد الله بن رواحة) بفتح الراء والواو المخففة والحاء المهملة الخزرجي الأنصاري الشاعر
стр. 3910
فلما غشيت المجلس (عجاجة الدابة) بفتح العين المهملة والجيمين بينهما ألف مخففًا أي غبارها (خمر) بفتح الخاء المعجمة والميم المشدّدة بعدها راء غطى (ابن أبي) عبد الله (أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا) بالموحدة بعد المعجمة أي لا تثيروا علينا الغبار (فسلم رسول الله ﷺ عليهم) ناويًا المسلمين (ثم وقف فنزل) عن الدابة (فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال له عبد الله بن أبي ابن سلول) للنبي ﷺ (أيها المرء لا) شيء (أحسن مما تقول) بفتح الهمزة والسين المهملة بينهما حاء مهملة ساكنة أفعل تفضيل اسم لا وخبرها شيء المقدر (إن كان حقًّا) ويجوز أن تكون إن كان حقًّا شرطًا ولأبي ذر عن الكشميهني لا أحسن بضم الهمزة وكسر السين ما تقول بإسقاط الميم الأولى (فلا تؤذنا) مجزوم بحذف حرف العلة وعلى القول بأن إن كان حقًّا شرط فجزاؤه فلا تؤذنا (به) بقولك (في مجالسنا) بالجمع (فمن جاءك فاقصص عليه. قال عبد الله بن رواحة) ﵁ (بلى يا رسول الله فاغشنا) بهمزة وصل وفتح الشين المعجمة زاد أبو ذر عن الكشميهني به أي بقولك (في مجالسنا) بالجمع (فإنا نحب ذلك، فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون) بالتحتية ثم الفوقية ثم المثلثة المفتوحات أي قاربوا أن يثب بعضهم على بعضهم فيقتتلوا (فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم) بالخاء والضاد المعجمتين بينهما فاء مشددة مكسورة وفي اليونينية بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة يسكتهم (حتى سكتوا) بالفوقية من السكوت وللحموي والمستملي سكنوا بالنون بدل الفوقية (ثم ركب رسول الله ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة) يعوده (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(أي سعد) وفي تفسير آل عمران يا سعد (ألم تسمع ما قال أبو حباب) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة الأولى المخففة (يريد) ﷺ (عبد الله بن أبي) وهذا موضع الترجمة لأن عبد الله لم
يكن يظهر الإسلام فذكره النبي ﷺ بكنيته في غيبته (قال: كذا وكذا فقال سعد بن عبادة: أي) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يا (رسول الله ﷺ بأبي أنت) أي مفدي بأبي (اعف عنه واصفح فو) الله (الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك) بفتح الهمزة والزاي (ولقد اصطلح أهل هذه البحرة) بفتح الموحدة وسكون الحاء المهملة البلدة وهي المدينة النبوية ولأبي ذر عن الكشميهني البحيرة بضم الموحدة مصغرًا (على أن يتوّجوه) بتاج الملك (ويعصبوه بالعصابة) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بعصابة أي بعصابة الملك (فلما ردّ الله ذلك) الذي اصطلحوا عليه (بالحق الذي أعطاك رق) غص ابن أبي (بذلك) الحق الذي أعطاك (فذلك) الحق الذي (فعل به ما رأيت) من فعله وقوله القبيح (فعفا عنه رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ وأصحابه) ﵃ (يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى. قال الله تعالى: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب﴾) [آل عمران: ١٨٦] يعني اليهود والنصارى (الآية. وقال) تعالى: (﴿ودّ كثير من أهل الكتاب﴾) [البقرة: ١٠٩] الآية (فكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به) والتأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء (حتى أذن) تعالى (له) ﷺ (فيهم) بالقتال فترك العفو عنهم بالنسبة للقتال (فلما غزا رسول الله ﷺ بدرًا فقتل الله بها من قتل من صناديد الكفار وسادة قريش) جمع صنديد وهو السيد الشجاع (فقفل) بالفاء أي رجع (رسول الله ﷺ وأصحابه) من بدر (منصورين) على الكفار (غانمين معهم أسارى) بضم الهمزة (من صناديد الكفار وسادة قريش قال ابن أبي) بالتنوين (ابن سلول) برفع ابن (ومن معه من المشركين عبدة الأوثان) لما رأوا نصر المسلمين ومغنمهم: (هذا أمر قد توجه) أي ظهر وجهه (فبايعوا) بكسر التحتية (رسول الله ﷺ على الإسلام فأسلموا) بفتح اللام، ولأبي ذر: وأسلموا بالواو وكسر اللام.
والحديث مرّ في تفسير
стр. 3911
سورة آل عمران.
٦٢٠٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَىْءٍ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ: «نَعَمْ هُوَ فِى ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِى الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري قال: (حدّثنا عبد الملك) بن عمير (عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عباس بن عبد المطلب) ﵁ أنه (قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة وسكون الواو وبالطاء المهملة يحفظك ويرعاك (ويغضب لك)؟ لأجلك (قال) ﷺ :
(نعم) نفعته (هو في ضحضاح) بضادين معجمتين وحاءين مهملتين (من نار) موضع قريب
القعر خفيف العذاب (لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) أي في الطبق الذي في قعر جهنم والنار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض.
وفي هذا الحديث أنه ﷺ سمع تكنية أبي طالب من العباس فأقره، وقد جوّزوا ذكر الكافر بكنيته إذا كان لا يعرف إلا بها كما في أبي طالب، أو كان على سبيل التألف رجاء إسلامهم، أو تحصيل منفعة منهم لا على سبيل التكريم فإنا مأمورون بالإغلاظ عليهم، وأما ذكر أبي لهب بالكنية دون اسمه عبد العزى فقيل لاجتناب نسبته إلى عبودية الصنم وقيل للإشارة إلى أنه سيصلّى نارًا ذات لهب.
والحديث سبق في ذكر أبي طالب.
١١٦ - باب الْمَعَارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ
وَقَالَ إِسْحَاقُ: سَمِعْتُ أَنَسًا مَاتَ ابْنٌ لأَبِى طَلْحَةَ فَقَالَ: كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَدَأَ نَفَسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ وَظَنَّ أَنَّهَا صَادِقَةٌ.
هذا (باب) بالتنوين (المعاريض) من التعريض خلاف التصريح (مندوحة) بفتح الميم وسكون النون وضم الدال وبالحاء المهملتين أي في المعاريض من الاتساع ما يغني (عن الكذب. وقال إسحاق) بن عبد الله بن أبي طلحة زيد الأنصاري مما سبق موصولاً في الجنائز (سمعت أنسًا) ﵁ يقول (مات ابن لأبي طلحة فقال: كيف الغلام)؟ وكان جاهلاً بموته (قالت أم سليم): أم الغلام (هدأ نفسه) بفتح الهاء والدال المهمملة بعدها همزة ونفسه بفتح الفاء واحد الأنفاس أي سكن نفسه وانقطع بالموت (وأرجو أن يكون قد استراح) من بلاء الدنيا وألم أمراضها (وظن) أبو طلحة (أنها صادقة) باعتبار ما فهمه من كلامها لأن مفهومه أن الصبي تعافى لأن النفس إذا سكن أشعر بالنوم والعليل إذا نام أشعر بزوال مرضه أو خفته، فالمرأة صادقة باعتبار مرادها وأما خبرها بذلك فهو غير مطابق للأمر الذي فهمه أبو طلحة، فمن ثم قال الراوي: وظن أنها صادقة ومثل ذلك لا يسمى كذبًا على الحقيقة بل مندوحة عن الكذب.
٦٢٠٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ فِى مَسِيرٍ لَهُ فَحَدَا الْحَادِى فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «ارْفُقْ يَا أَنْجَشَةُ وَيْحَكَ بِالْقَوَارِيرِ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن ثابت البناني) بضم الموحدة (عن أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: كان النبي ﷺ في مسير له فحدا الحادي) أنجشة الحبشي والحدو سوق الإبل والغناء لها (فقال النبي ﷺ ¬):
(ارفق يا أنجشة ويحك بالقوارير) متعلق بقوله ارفق، ولأبي ذر: ويحك القوارير بإسقاط الجار ونصب القوارير أي النساء فهو من المعاريض وهي التورية بالشيء عن الشيء كما مر معناه.
والحديث سبق قريبًا.
٦٢١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ وَأَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ فِى سَفَرٍ، وَكَانَ غُلَامٌ يَحْدُو بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ» قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: يَعْنِى النِّسَاءَ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد) بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم ابن زيد (عن ثابت) البناني (عن أنس و) عن حماد بن زيد عن (أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد (عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان في سفر وكان غلام يحدو بهن) أي بالنساء (يقال له أنجشة فقال النبي ﷺ ¬):
(رويدك) نصب على الإغراء أو مفعول بفعل مضمر أي الزم رويدك أو المصدر أي أرود رويدك أي أمهل (يا أنجشة سوقك) نصب على الظرفية أي في سوقك (بالقوارير قال أبو قلابة) بالسند (يعني) بالقوارير (النساء).
٦٢١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِىِّ ﷺ حَادٍ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : «رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ» قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِى ضَعَفَةَ النِّسَاءِ.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق أخبرنا حبان) قال في المقدمة: قال أبو علي الجياني: لم أجد إسحاق هذا منسوبًا عن أحد من رواة الكتاب، ولعله إسحاق بن منصور فإن مسلمًا قد روى في صحيحه عن حبان بن هلال. قال الحافظ ابن حجر ﵀: رأيته في رواية أبي على محمد بن عمر الشبوي في باب البيعان بالخيار قد قال فيه: حدّثنا
стр. 3912
إسحاق بن منصور حدّثنا حبان فهذه قرينة تقوّي ما ظنه أبو علي اهـ.
وحبان بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة آخره نون ابن هلال الباهلي قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى بن دينار قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أنس بن مالك) ﵁ (قال: كان لنبي ﷺ حاد) بالتنوين من غير تحتية (يقال له أنشجة وكان حسن الصوت فقال له النبي ﷺ ¬) وقد سمعه يحدو بالنساء:
(رويدك يا أنجشة لا تكسر القوارير) بجزم تكسر على النهي كسر للساكنين (قال قتادة) بالسند (يعني) بالقوارير (ضعفة النساء) لسرعة التأثر فيهن.
٦٢١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا لأَبِى طَلْحَةَ فَقَالَ: «مَا رَأَيْنَا مِنْ شَىْءٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بضم الميم وفتح السين وتشديد الدال الأولى المهملة ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج أنه (قال: حدثني) بالإفراد (قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: كان بالمدينة فزع) بفتح الفاء والزاي بعدها مهملة خوف فاستغاثوا (فركب رسول الله ﷺ فرسًا) اسمه مندوب (لأبي طلحة) زيد بن سهل زوج أم سليم واستبرأ الخبر (فقال) ﷺ لما رجع:
(ما رأينا من شيء) يقتضي نوعًا (وإن وجدناه) أي الفرس (لبحرًا) بلام التأكيد وإن مخففة من الثقيلة وبحرًا المفعول الثاني لوجدنا وشبه الفرس بالبحر لسعة خطوه وسرعة جريه. قال في فتح الباري: وكأن البخاري استشهد بحديثي أنس لجواز التعريض والجامع بين التعريض وبين ما دلا عليه استعمال اللفظ في غير ما وضع له لمعنى جامع بينهما. وقال ابن المنير في شرح التراجم: حديث القوارير والفرس ليسا من المعاريض بل من المجاز فكان البخاري لما رأى ذلك جائزًا قال: فالمعاريض التي هي حقيقة أولى بالجواز اهـ. ومحل جواز استعمال المعاريض إذا كانت فيما يخلص من الظلم أو يحصل الحق وأما استعمالها في إبطال حق أو تحصيل باطل فلا يجوز.
والحديث سبق في الجهاد.
١١٧ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلشَّىْءِ لَيْسَ بِشَىْءٍ وَهْوَ يَنْوِى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لِلْقَبْرَيْنِ: "يُعَذَّبَانِ بِلَا كَبِيرٍ وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ".
(باب قول الرجل للشيء) الموجود (ليس بشيء وهو) أي والحال أنه (ينوي أي ليس بحق. وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله المؤلّف في كتاب الطهارة (قال النبي ﷺ للقبرين: يعذبان) بفتح الذال المعجمة المشدّدة (بلا كبير) نفي (وإنه لكبير) إثبات فكأنه قال لشيء ليس بشيء وهذا التعليق ثابت لأبوي الوقت وذر ساقط لغيرهما.
٦٢١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسُوا بِشَىْءٍ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّىْءِ يَكُونُ حَقًّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّىُّ فَيَقُرُّهَا فِى أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (محمد بن سلام) السلمي مولاهم البخاري البيكندي قال: (أخبرنا مخلد بن يزيد) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة ويزيد من الزيادة الحرّاني قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أخبرني) بالإفراد (يحيي بن عروة) بن الزبير بن العوّام (أنه سمع) أباه (عروة يقول: قالت عائشة)
﵂ (سأل أناس) ذكر في مسلم ممن سأل معاوية بن الحكم السلمي (رسول الله ﷺ عن الكهان) بضم الكاف وتشديد الهاء جمع كاهن وهو من يدعي علم الأخبار المستقبلة (فقال لهم رسول الله ﷺ ¬):
(ليسوا بشيء) فيما يتعاطونه من علم الغيب أي ليس قولهم بصحيح يعتمد عليه كما يعتمد قول النبي ﷺ الذي يخبر عن الوحي (قالوا: يا رسول الله فإنهم يحدثون أحيانًا بالشيء) من الغيب (يكون حقًّا فقال رسول الله ﷺ : تلك الكلمة من الحق يخطفها) بكسر الطاء في الفرع مصلحة والمشهور فتحها وفي اليونينية كشط الخفضة ولم يضبط الطاء أي يأخذها (الجني) بسرعة (فيقرها) بفتح التحتية وضم القاف مصححًا عليها في الفرع كأصله وبتشديد الراء أي يصوّت بها (في أذن وليه) الكاهن (قرّ الدجاجة) بتثليث الدال المهملة حكاه ابن معين الدمشقي وابن مالك وغيرهما، وقرّ الدجاجة صوتها إذا قطعته ويروى بالزاي بدل الدال واختارها التوربشتي وردّ رواية الدال. قال في شرح المشكاة: لا ارتياب أن قرّ الدجاجة مفعول مطلق وفيه
стр. 3913
معنى التشبيه فكما يصح أن يشبه إيراد ما اختطفه من الكلام في أذن الكاهن بصب الماء في القارورة يصح أن يشبه ترديد كلام الجني في أذن الكاهن بترديد الدجاجة صوتها في أذن صواحبها كما نشاهد الذيكة إذا وجدت شيئًا فتقرّ وتسمع صواحبها فيجتمعن عليها وباب التشبيه باب واسع لا يفتقر إلا إلى العلاقة على أن الاختطاف هاهنا مستعار للكلام من خطف الطير فتكون الدجاجة أنسب من القارورة لحصول الترشيح في الاستعارة. قال: ويؤيد ما ذهبنا إليه قول ابن الصلاح أن الأصل قرّ الدجاجة بالدال فصحف إلى قرّ الزجاجة بالزاي (فيخلطون فيها) في الكلمة التي سمعها استراقًا من الوحي (أكثر من مائة كذبة) بفتح الكاف وسكون المعجمة وقوله فيخلطون جمع بعد الإفراد نظرًا إلى الجنس.
والحديث مرّ في باب الكهانة من الطب.
١١٨ - باب رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ١٨]، وَقَالَ أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ: عَنْ عَائِشَةَ رَفَعَ النَّبِىُّ ﷺ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ.
(باب) جواز (رفع البصر إلى السماء) وقوله تعالى: (﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾) طويلة ثم تبرك حتى تركب ويحمل عليها ثم تقوم (﴿وإلى السماء كيف رفعت﴾) [الغاشية: ١٧ - ١٨] رفعًا بعيد المدى بلا مساك ولا عمد ثم نجومها تكثر حتى لا تدخل في حساب الخلق، وتخصيص هذين والآيتين بعدهما وهما الجبال والأرض باعتبار أن هذا خطاب للعرب وحث لهم على الاستدلال والمرء إنما يستدل بما تكثر مشاهدته له والعرب تكون في البوادي ونظرهم فيها إلى السماء والأرض والجبال والإبل فهي أعز أموالهم وهم لها أكثر استعمالاً منهم لسائر الحيوانات، ولأنها مجمع جميع المآرب المطلوبة من الحيوان وهي الغسل والدر والحمل والركوب
والأكل بخلاف غيرها، ولأن خلقها أعجب من غيرها فإنه سخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها لا تمانع صغيرًا وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار، وجعلها بحيث تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما حملت وتجرّه إلى البلاد الشاسعة، وصبرها على احتمال العطش حتى أن أظماءها لترتفع إلى العشر فصاعدًا، وجعلها ترعى كل نابت في البراري ما لا يرعاه سائر البهائم. وغرض البخاري من هذه الآية ذكر السماء لينص على جواز رفع البصر إليها، وأما النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة فخاص بها لما هو مطلوب فيها من الخشوع وجمع الهمة وتطهير السر من السوى بحيث لا يكون فيه متسع لغيرها إذ المصلي يناجي ربه.
(وقال أيوب) بن أبي تميمة السختياني (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن عائشة) ﵂: (رفع النبي ﷺ رأسه إلى السماء) وصله أحمد وهو طرف من حديث أوّله مات رسول الله ﷺ في بيتي ويومي وبين سحري ونحري الحديث وفيه فرفع بصره إلى السماء وقال: "الرفيق الأعلى" وهو عند البخاري في الوفاة النبوية من طريق حماد بن زيد عن أيوب بلفظ فرفع رأسه إلى السماء. وهذا التعليق ثبت في رواية المستملي والكشميهني وسقط لغيرهما.
٦٢١٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ثُمَّ فَتَرَ عَنِّى الْوَحْىُ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى، سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِى إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِى جَاءَنِى بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِىٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ».
وبه قال: (حدّثنا ابن بكير) ولأبي ذر: يحيى بن بكير قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (يقول: أخبرني) بالإفراد (جابر بن عبد الله) ﵄ (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ثم فتر عني الوحي) احتبس بعد نزول ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [الأعلى: ١] ثلاث سنين أو سنتين ونصفًا (فبينما) بالميم وفي اليونيية بإسقاطها (أنا أمشي) وجواب بينما (سمعت صوتًا من السماء) في أثناء أوقات المشي (فرفعت بصري إلى السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء) هو جبريل (قاعد على كرسي بين السماء والأرض) الحديث.
وسبق في بدء الوحي أول الكتاب.
٦٢١٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِى شَرِيكٌ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ فِى بَيْتِ مَيْمُونَةَ وَالنَّبِىُّ ﷺ عِنْدَهَا فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ أَوْ بَعْضُهُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِى الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) أي ابن أبي كثير المدني قال: (أخبرني) بالإفراد (شريك) بفتح الشين المعجمة ابن عبد الله بن أبي نمر (عن كريب) بضم الكاف ابن أبي مسلم مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: بت في بيت ميمونة) أم المؤمنين خالته ﵂ (والنبي
стр. 3914
ﷺ عندها) في نوبتها (فلما كان ثلث الليل الآخر) بمد الهمزة ولأبي ذر عن الكشميهني الأخير بقصر الهمزة وزيادة تحتية بعد المعجمة (أو بعضه) شك من الراوي (قعد) ﷺ (فنظر إلى السماء فقرأ عشر آيات من سورة آل عمران (﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات﴾) لأدلة واضحة على صانع قديم عليم حكيم قادر (﴿لأولي الألباب﴾) [آل عمران: ١٩٠] لمن خلص عقله عن الهوى خلوص اللب عن القشر فيرى أن العرض المحدث في الجواهر يدل على حدوث الجواهر لأن جوهرًا ما لا يخلو عن عرض حادث وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث، ثم حدوثها يدل على محدثها وذا قديم وإلا لاحتاج إلى محدث آخر إلى ما لا يتناهى وحسن صنعه يدل على علمه وإتقانه يدل على حكمته وبقاؤه يدل على قدرته قال رسول الله ﷺ : "ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها" رواه. . . . . (١). . . . . . ويحكى أن في بني إسرائيل من إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة فعبدها فتى فلم تظله فقالت له أمه: لعل فرطة فرطت منك في مدتك قال: ما أذكر. قالت: لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر. قال: لعل. قالت: فما أتيت إلا من ذاك.
والحديث مرّ في أبواب الوتر وتفسير سورة آل عمران، ومطابقته للترجمة لا خفاء فيها، وسقط لأبي ذر (﴿واختلاف الليل والنهار﴾) الخ. وقال: بعد قوله (﴿والأرض﴾) الآية.
١١٩ - باب نَكْتِ الْعُودِ فِى الْمَاءِ وَالطِّينِ
(باب) ذكر (نكت العود) بفتح النون وبعد الكاف الساكنة فوقية يقال نكت في الأرض إذا ضرب فأثر فيها ولأبي ذر من نكت العود (في الماء والطين).
٦٢١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى مُوسَى أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِى حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَفِى يَدِ النَّبِيِّ ﷺ عُودٌ يَضْرِبُ بِهِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَفْتِحُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» فَذَهَبْتُ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: «افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» فَإِذَا عُمَرُ فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: «افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ -أَوْ تَكُونُ-» فَذَهَبْتُ فَإِذَا عُثْمَانُ فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِى قَالَ: قَالَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عثمان بن غياث) بكسر الغين المعجمة آخره مثلثة البصري قال: (حدّثنا أبو عثمان) عبد الرحمن بن ملّ (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ (أنه كان مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة) في بستان من بساتينها وكان فيه بئر أريس كما في الرواية الأخرى (وفي يد النبي ﷺ عود يضرب به بين الماء والطين) ويحتمل أن يكون هذا العود هو المحضرة التي كان ﷺ يتوكأ عليها ولأبي ذر عن الكشميهني في الماء والطين (فجاء رجل يستفتح) يطلب أن يفتح له باب الحائط ليدخل فيه (فقال النبي ﷺ ¬) بعد أن استأذنه (افتح) زاد أبو ذر عن الكشميهني له (وبشره بالجنة فذهبت فإذا أبو بكر) الصديق ولأبي ذر عن الكشميهني فإذا هو أبو بكر (ففتحت له وبشرته بالجنة فاستفتح رجل آخر فقال) ﷺ (افتح له وبشره بالجنة فإذا) هو (عمر) بن الخطاب ﵁ (ففتحت له وبشرته بالجنة ثم استفتح وجل آخر وكان) ﷺ (متكئًا فجلس فقال: افتح) زاد أبو ذر له (وبشره بالجنة على بلوى) غير منوّن أي مع بلوى (تصيبه) هي قتله في الدار (أو تكون فذهبت فإذا) هو (عثمان ففتحت) ولأبي ذر فقمت ففتحت (له وبشرته بالجنة فأخبرته) بالفاء ولأبي ذر وأخبرته (بالذي قال) ﷺ على بلوى تصيبه (قال) عثمان (الله المستعان) أي على مرارة الصبر على ما أنذر به ﷺ من البلاء.
وفيه علم من أعلام نبوّته ﷺ حيث وقع ما أشار إليه ﷺ ، وموافقة الحديث للترجمة لا تخفى، والنكت بالعصا يقع كثيرًا عند التفكّر في شيء لكن لا يسوغ استعماله إلا فيما لا يضر فلو ضر بجدار أو غيره منع.
والحديث مرّ في المناقب والله الموفق.
١٢٠ - باب الرَّجُلِ يَنْكُتُ الشَّىْءَ بِيَدِهِ فِى الأَرْضِ
(باب) ذكر (الرجل ينكت الشيء بيده في الأرض) ينكت بالفوقية.
٦٢١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِىِّ عَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِى جَنَازَةٍ فَجَعَلَ يَنْكُتُ الأَرْضَ بِعُودٍ فَقَالَ: «لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ فُرِغَ مِنْ مَقْعَدِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ» فَقَالُوا: أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] الآيَةَ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة بندار قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) محمد واسم أبي عدي إبراهيم البصري (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) هو الأعمش لا التيمي (ومنصور) هو ابن المعتمر (عن سعد بن عبيدة) بسكون العين في الأول
وضمها في الثاني الكوفي السلمي ختن أبي
стр. 3915
عبد الرحمن السلمي (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب (السلمي) المقري الكوفي (عن عليّ ﵁) أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة) في البقيع (فجعل ينكت الأرض) بالفوقية ولأبي ذر في الأرض (بعود) وفي الجنائز فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته وهذا الفعل يقع غالبًا ممن يتفكّر في شيء يريد استحضار معانيه (فقال):
(ليس منكم من أحد إلا وقد فرغ) بضم الفاء وكسر الراء (من مقعده من الجنة والنار) ومن بيانية (فقالوا): وفي الجنائز فقال رجل، وفسر بعلي وبسراقة بن جعشم وبعمر (أفلا نتكل) نعتمد زاد في الجنائز على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة (قال) ﷺ : (اعملوا فكل) من أهل السعادة والشقاوة (ميسر) أي لما خلق له (﴿فأما من أعطى واتقى﴾) [الليل: ٥] الآية) واستدلّ بذلك على إمكان معرفة الشقي من السعيد في الدنيا لأن العمل علامة على الجزاء فيحكم بظاهر الأمر وأمر الباطن إلى الله تعالى.
١٢١ - باب التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ
(باب التكبير والتسبيح عند التعجب).
٦٢١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَتْنِى هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجَرِ»؟ يُرِيدُ بِهِ أَزْوَاجَهُ «حَتَّى يُصَلِّينَ رُبَّ كَاسِيَةٍ فِى الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِى الآخِرَةِ» وَقَالَ ابْنُ أَبِى ثَوْرٍ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِىِّ ﷺ طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لَا». قُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (حدثتني) بالفوقية بعد المثلثة مع الإفراد (هند بنت الحارث) الفراسية بكسر الفاء وبالسين المهملة بعد الراء والألف (أن أم سلمة) هند بنت أبي أمية أم المؤمنين (¬﵂ قالت: استيقظ النبي ﷺ ¬) ليلة (فقال):
(سبحان الله ماذا أنزل من الخزائن) أي خزائن الرحمة (وماذا أنزل من الفتن) من العذاب، وقيل المراد بالخزائن إعلامه ﷺ بما سيفتح على أمته من الأموال بالغنائم من البلاد التي يفتحونها وأن الفتن تنشأ عن ذلك، ماذا استفهام متضمن معنى التعجب، ولأبي ذر: من الفتنة بالإفراد (من يوقظ صواحب الحجر يريد) ﷺ (به أزواجه) ﵅ (حتى يصلّين رب كاسية) عرفتها (في الدنيا) ثيابًا رقيقة لا تمنع إدراك البشرة (عارية) معاقبة (في الآخرة) بفضيحة التعري (وقال ابن
أبي ثور): بالمثلثة هو عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور مما وصله المؤلّف في العلم (عن ابن عباس عن عمر) ﵃ أنه (قال: قلت للنبي ﷺ طلقت نساءك)؟ بإسقاط أداة الاستفهام (قال: لا) لم أطلقهن قال عمر: (قلت) متعجبًا (الله أكبر).
٦٢١٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ ح وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَخِى عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَىٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزُورُهُ وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فِى الْمَسْجِدِ فِى الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً مِنَ الْعِشَاءِ ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ مَعَهَا النَّبِىُّ ﷺ يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ الَّذِى عِنْدَ مَسْكَنِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ مَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَفَذَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ» قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا مَا قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنِ ابْنِ آدَمَ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب قال البخاري (ح).
(وحدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (أخي) عبد الحميد (عن سليمان) بن بلال (عن محمد بن أبي عتيق عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن علي بن الحسين) بضم الحاء وفتح السين زين العابدين (أن صفية بنت حييّ زوج النبي ﷺ أخبرته أنها جاءت رسول الله ﷺ ¬) حال كونها (تزوره وهو) أي والحال أنه (معتكف في المسجد في العشر الغوابر) بفتح الغين المعجمة والواو وبعد الألف موحدة فراء البواقي (من رمضان) وتطلق الغوابر على المواضي وهو من الأضداد (فتحدثت عنده ساعة من العشاء ثم قامت تنقلب) تنصرف إلى بيتها (فقام معها النبي ﷺ يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد الذي عند مسكن أم سلمة زوج النبي ﷺ مرّ بهما رجلان من الأنصار) أي يسميا (فسلما على رسول الله ﷺ ثم نفذا) بفتح النون والفاء والذال المعجمة مضيا (فقال لهما رسول الله ﷺ ¬):
(على رسلكما) بكسر الراء وسكون السين المهملة هينتكما (إنما هي صفية بنت حييّ فقالا: سبحان الله يا رسول الله) أي تنزه الله أن يكون رسوله متهمًا بما لا ينبغي أو كناية عن تعجبهما من هذا القول المذكور بقرينة قوله (وكبر عليهما) بضم الموحدة أي عظم وشق (ما قال) وسقط لغير أبي ذر قوله ما قال: (قال) ﷺ : (إن
стр. 3916
الشيطان يجري) بالجيم والراء (من ابن آدم) ولأبي ذر يبلغ من الإنسان (مبلغ الدم) أي كمبلغ الدم ووجه التشبيه كما في الكواكب عدم المفارقة وكمال الاتصال (وإني خشيت) عليكما (أن يقذف) الشيطان (في قلوبكما) شيئًا تهلكان بسببه، وأشار المصنف بسياق ما ذكره هنا إلى الرد على من منع استعمال ذلك عند التعجب وقد وردت أحاديث
كثيرة صحيحة في قوله: سبحان الله عند التعجب، وقد وقع حديث صفية هذا مؤخرًا في رواية غير أبي ذر آخر هذا الحديث كما ترى والله أعلم.
وقد سبق في الاعتكاف في باب هل يخرج المعتكف لحوائجه وفي صفة إبليس وفي الخمس.
١٢٢ - باب النَّهْىِ عَنِ الْخَذْفِ
(باب) بيان (النهي عن الخذف) بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين وبالفاء وهو رمي الحصى بالأصابع.
٦٢٢٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ الأَزْدِىَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِىِّ قَالَ: نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة أنه (قال: سمعت عقبة بن صهبان) بضم العين وسكون القاف في الأول وضم الصاد المهملة وسكون الهاء في الثاني (الأزدي) بفتح الهمزة وسكون الزاي والدال مهملة نسبة إلى أزد بن الغوث قبيلة (يحدث عن عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة (المزني) نسبة إلى مزينة بنت كلب قبيلة كبيرة أنه (قال):
(نهى النبي ﷺ عن الخذف) قال ابن بطال: هو الرمي بالسبابة والإبهام (وقال) ﵊ (إنه لا يقتل الصيد) بل ربما تلف لغير مأكلة وذلك منهي عنه (ولا ينكأ العدوّ) بالهمز وفتح أوله وللأربعة ولا ينكى بغير همز مع كسر الكاف وقال: القاضي عياض في مشارقه الرواية بفتح الكاف مهموز الآخر وهي لغة والأشهر ينكى أي بغير همز مع كسر الكاف ومعناه المبالغة في الأذى (وإنه يفقأ العين) أي يقلعها (وبكسر السن) والغرض النهي عن أذى المسلمين وهو من آداب الإسلام.
والحديث مرّ في الصيد وغيره.
١٢٣ - باب الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ
(باب) مشروعية (الحمد للعاطس) والحكمة فيه كما قاله الحليمي أن العطاس يدفع الأذى عن الدماغ الذي فيه قوّة الفكر، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس وبسلامته تسلم الأعضاء فيظهر بهذا أنه نعمة جليلة يناسب أن تقابل بالحمد لما فيه من الإقرار لله بالحق والقدرة وإضافة الخلق إليه لا إلى الطبائع.
٦٢٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ فَقِيلَ لَهُ: فَقَالَ: «هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَهَذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ».
[الحديث ٦٢٢١ - طرفه في: ٦٢٢٥].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (حدّثنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا سليمان) بن طرخان التيمي (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: عطس) بفتح الطاء المهملة (رجلان) هما عامر بن الطفيل وابن أخيه كما في الطبراني من حديث سهل بن سعد (عند النبي ﷺ فشمت أحدهما) فقال له: يرحمك الله (ولم يشمت الآخر) بالشين المعجمة والميم المشددة في الكلمتين وأصله إزالة شماتة الأعداء والتفعيل للسلب نحو: جلدت البعير أي أزلت جلده فاستعمل للدعاء بالخير لتضمنه ذلك فكأنه دعا له أن لا يكون في حالة من يشمت به، أو أنه إذا حمد الله أدخل على الشيطان ما يسوءه فشمت هو بالشيطان، وفي اليونينية فسمت أحدهما ولم يسمت الآخر بالسين المهملة فيهما. قال أبو ذر: بالسين المهملة في كل موضع عند الحموي أي دعا له بأن يكون لم سمت حسن، وقيل إنه أفصح. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: المعنى في اللفظين بديع وذلك أن العاطس ينحل كل عضو في رأسه وما يتصل به من العنق ونحوه فكأنه إذا قيل له يرحمك الله كان معناه أعطاك الله رحمة يرجع بها بدنك إلى حاله قبل العطاس ويقيم على حاله من غير تغيير، فإن كان السمت بالمهملة فمعناه رجع كل عضو إلى سمته الذي كان عليه، وإن كان بالمعجمة فمعناه صان الله شوامته أي قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال. قال: وشوامت كل شيء قوائمه التي بها قوامه فقوام الدابة بسلامة قوائمها التي ينتفع بها إذا سلمت وقوام الآدمي بسلامة قوائمه التي بها قوامه وهو رأسه وما يتصل به من عنق وصدر اهـ.
وفي اليونينية لأبي ذر عن الحموي فسمت بالمهملة ولم يشمت بالمعجمة اهـ.
وفي الأدب المفرد للمؤلّف وصححه ابن حبان
стр. 3917
من حديث أبي هريرة: عطس رجلان عند النبي ﷺ أحدهما أشرف من الآخر وإن الشريف لم يحمد الله فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر (فقيل له): يا رسول الله شمت هذا ولم تشمت الآخر (فقال) ﷺ :
(هذا حمد الله) فشمته (وهذا لم يحمد الله) فلم أشمته، ولأبي ذر عن الكشميهني لم يحمد بحذف الجلالة.
وفي حديث أبي هريرة المذكور أن هذا ذكر الله فذكرته وأنت نسيت الله فنسيتك، والنسيان يطلق على الترك أيضًا والسائل هو العاطس الذي لم يحمد الله كما سيأتي إن شاء الله تعالى بما فيه من البحث قريبًا بعد ثلاثة أبواب بعون الله وقوّته.
وفي الحديث مشروعية الحمد، وقوله في حديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى بعد بابين
فليقل الحمد لله ظاهر في الوجوب، لكن نقل النووي الاتفاق على استحبابه، وأما لفظه فنقل ابن بطال وغيره عن طائفة أنه لا يزيد على الحمد لله كما في حديث أبي هريرة المذكور، وفي حديث أبي مالك الأشعري رفعه: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال ومثله في حديث علي عند النسائي، وحديث ابن عمر عند الترمذي والبزار والطبراني.
وفي حديث ابن مسعود في الأدب المفرد للبخاري يقول: الحمد لله رب العالمين، وعن علي موقوفًا مما رواه في الأدب المفرد برجال ثقات من قال عند عطسة سمعها: الحمد لله رب العالمين على كل حال ما كان لم يجد وجع الضرس ولا الأذن أبدًا وحكمه الرفع لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن علي مرفوعًا بلفظ: "من بادر العاطس بالحمد لله عوفي من وجع الخاصرة ولم يشك ضرسه أبدًا" وسنده ضعيف. وعن ابن عباس مما في الأدب المفرد والطبراني بسند لا بأس به: إذا عطس الرجل فقال: الحمد لله. قال الملك: رب العالمين فإن قال: رب العالمين. قال الملك: يرحمك الله. وعن أم سلمة مما أخرجه أبو جعفر الطبري في التهذيب بسند لا بأس به: عطس رجل عند النبي ﷺ فقال: الحمد لله، فقال له النبي ﷺ "يرحمك الله" وعطس آخر فقال: الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فقال: "ارتفع هذا على تسع عشرة درجة".
تنبيه:
قال الحافظ ابن حجر: لا أصل لما اعتاده الناس من استكمال قراءة الفاتحة بعد العطاس، وكذا العدول عن الحمد إلى أشهد أن لا إله إلا الله أو تقديمها على الحمد فمكروه.
والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب، وأبو داود في الأدب، والترمذي في الاستئذان، والنسائي في اليوم والليلة، وابن ماجة في الأدب.
١٢٤ - باب تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ.
(باب) مشروعية (تشميت العاطس إذا حمد الله فيه) أي في تشميت العاطس حديث رواه (أبو هريرة) ﵁ وهذا ثابت لأبي ذر.
٦٢٢٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِى، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ -أَوْ قَالَ حَلْقَةِ الذَّهَبِ-، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالسُّنْدُسِ، وَالْمَيَاثِرِ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأشعث) باللام والمعجمة آخره مثلثة ولأبي ذر أشعث (بن سليم) بضم السين مصغرًا أبي الشعثاء المحاربي أنه (قال: سمعت معاوية بن سويد بن مقرن) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء مشددة بعدها نون المزني (عن البراء) بن عازب (¬﵁¬) أنه (قال: أمرنا النبي ﷺ بسبع ونهانا عن سبع) بالموحدة بعد السين فيهما (أمرنا بعيادة المريض) أي زيارته سواء كان مسلمًا أو ذميًّا قريبًا كان للعائد أو جارًا له وفاء بصلة الرحم وحق الجوار (واتباع الجنازة) بكسر الجيم في الفرع بالمشي خلفها، وبه قال الحنفية. وعند الشافعية الأفضل المشي أمامها وحملوا قوله: اتباع الجنازة على الأخذ في طريقها والسعي لأجلها، وإنما ألجأهم لذلك حديث ابن عمر عند أبي داود أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة (وتشميت العاطس) أي إذا حمد الله كما قال في حديث الباب التالي، فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته وهو كقوله: أمرنا ظاهر في الوجوب بل عند البخاري من حديث أبي هريرة خمس تجب على المسلم للمسلم فذكر فيها التشميت وهو عند مسلم أيضًا، وقال به جمهور أهل الظاهر، وقال أبو عبد الله في بهجة النفوس، قال جماعة من علمائنا أي
стр. 3918
المالكية أنه فرض عين وقوّاه ابن القيم في حواشي السنن بأنه جاء بلفظ الوجوب الصريح وبلفظ الحق الدال عليه وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، ويقول الصحابي أمرنا رسول الله ﷺ قال: ولا ريب أن الفقهاء يثبتون وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء، وقال قوم: هو فرض كفاية يسقط بفعل البعض، ورجحه أبو الوليد بن رشد، وقال به الحنفية وجمهور الحنابلة. وقال الشافعية: مستحب على الكفاية وقد خص من عموم الأمر من لم يحمد كما يأتي إن شاء الله تعالى، والكافر كما في أبي داود وصححه الحاكم عن أبي موسى أن اليهود كانوا يتعاطسون عنده ﷺ رجاء أن يقول: يرحمكم الله فكان يقول يهديكم الله ويصلح بالكم، وإذا تكرر منه العطاس فزاد على الثلاث ففي حديث أبي هريرة عند البخاري في الأدب المفرد قال: يشمته واحدة واثنتين وثلاثًا فما كان بعد ذلك فهو زكام.
وروي مرفوعًا عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه مرفوعًا أخرجه في الموطأ وهل يقول لمن تتابع عطاسه أنت مزكوم في الثانية أو في الثالثة أو الرابعة؟ أقوال. والصحيح في الثالثة، ومعناه أنك لست ممن يشمت بعدها لأن الذي بك مرض وليس من العطاس المحمود الناشئ عن خفة البدن فيدعى له بالعافية، وكذا يخص من العموم من كره التشميت ويطرد ذلك في السلام والعيادة، وفيه تفصيل لابن دقيق العيد فلا يمتنع إلا ممن خاف منه ضررًا كعادة سلاطين مصر لا يشمت أحدهم إذا عطس، ولا يسلم عليه إذا دخل عليه، وكذا عند الخطبة يوم الجمعة لأن التشميت يخل بالإنصات المأمور به ومن عطس وهو يجامع أو في الخلاء فيؤخر ثم يحمد ويشمته من سمعه.
(وإجابة الداعي) إلى وليمة النكاح إلا لمانع شرعي كفرش حرير (وردّ السلام ونصر المظلوم) سواء كان مسلمًا أو ذميًّا بالقول أو بالفعل (وإبرار المقسم) بميم مضمومة وكسر السين أي تصديق
من أقسم عليك وهو أن تفعل ما سأله الملتمس وأقسم عليه أن يفعله، ولأبي ذر عن الكشميهني القسم وبإسقاط الميم وفتحتين.
(ونهانا عن سبع عن) لبس (خاتم الذهب أو قال: حلقة الذهب) بسكون اللام والشك من الراوي (وعن لبس الحرير) للرجال وسقط لفظ لبس لأبي ذر (والديباج) المتخذ من الإبريسم (والسندس) ما رق من الديباج (والمياثر) بالمثلثة جمع ميثرة بكسر الميم مفعلة من الوثار وأصلها موثرة فقلبت الواو ياء لكسرة الميم، وهي مراكب العجم تعمل من حرير أو ديباج وتتخذ كالفراش الصغير وتحشى بنحو قطن يجعلها الراكب تحته على السرج، فإن كانت من حرير أو ديباج حرمت، والمناهي سبعة ذكر منها خمسة وأسقط منها القسي وآنية الفضة وسبقا في اللباس.
والحديث مضى في الجنائز والمظالم واللباس والطب والنكاح ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته في النذور.
١٢٥ - باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْعُطَاسِ، وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّثَاؤُبِ
(باب ما يستحب من العطاس) بضم العين (وما يكره من التثاوب) بالفوقية ثم المثلثة والواو بغير همز في الفرع وأصله. قال في الكواكب؛ وهو بالهمز على الأصح وهو تنفس ينفتح منه الفم من الامتلاء وثقل النفس وكدورة الحواس.
٦٢٢٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِىُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاوُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِذَا قَالَ: هَا ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ».
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي اياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية العسقلاني أصله خراساني يكنى أبا الحسن ونشأ ببغداد قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب واسمه هشام بن سعد المدني قال: (حدّثنا سعيد المقبري) بضم الموحدة (عن أبيه) كيسان المدني مولى أم شريك (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إن الله يحب العطاس) الذي لا ينشأ عن زكام لأنه يكون من خفة البدن وانفتاح السدد وذلك مما يقتضي النشاط لفعل الطاعة والخير (ويكره التثاؤب) لأنه يكون عن غلبة امتلاء البدن والإكثار من الأكل والتخليط فيه فيؤدي إلى الكسل والتقاعد عن العبادة وعن
стр. 3919
الأفعال المحمودة فالمحبة والكراهة المذكوران منصرفان إلى ما ينشأ عن سببهما (فإذا عطس) بفتح الطاء (فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته) احتج به من قال بالوجوب وسبق ما فيه في الباب قبله (وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان) لأنه الذي يزين للنفس شهوتها من امتلاء البدن بكثرة المآكل
(فليرده) الذي يتثاوب (ما استطاع) إما بوضع يده على فمه أو بتطبيق الشفتين (فإذا قال ها) هي حكاية صوت المتثاوب (ضحك منه الشيطان) فرحًا بتشويه صورته.
والحديث سبق في بدء الخلق.
١٢٦ - باب إِذَا عَطَسَ كَيْفَ يُشَمَّتُ؟
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا عطس) أحد (كيف يشمت) بفتح الميم المشددة على صيغة المجهول.
٦٢٢٤ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ -أَوْ صَاحِبُهُ- يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ».
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) أبو غسان الهندي الحافظ قال: (حدّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون بكسر الجيم بعدها شين معجمة مضمومة المدني نزيل بغداد قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن دينار) المدني العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن مولى ابن عمر (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله) وعند أبي داود عن موسى بن إسماعيل عن عبد العزيز المذكور بلفظ فليقل الحمد لله على كل حال (وليقل له أخوه) في الإسلام (أو صاحبه) شك من الراوي (يرحمك الله) يحتمل أن يكون دعاء بالرحمة وأن يكون خبرًا على طريق البشارة قاله ابن دقيق العيد. قال: فكأن المشمت بشر العاطس بحصول الرحمة له في المستقبل بسبب حصولها له في الحال لكونها دفعت ما يضره، وفي الحديث أنه يخصه بالدعاء، وفي شعب الإيمان للبيهقي وصححه ابن حبان من طريق حفص بن عاصم عن أبي هريرة رفعه: لما خلق الله آدم عطس فألهمه ربه أن قال: الحمد لله، فقال له ربه: يرحمك ربك. وأخرج الطبري عن ابن مسعود قال: يقول يرحمنا الله وإياكم، وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر بنحوه، وفي الأدب المفرد بسند صحيح عن أبي جمرة بالجيم عن ابن عباس: إذا شمت يقول عافانا الله وإياكم من النار يرحمكم الله. قال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث يقتضي أن السُّنّة لا تتأدى إلا بالمخاطبة، وأما ما اعتاده كثير من الناس من قولهم للرئيس يرحم الله سيدنا فخلاف السُّنّة، وبلغني عن بعض الفضلاء أنه شمت رئيسًا فقال: يرحمك الله يا سيدنا فجمع الأمرين وهو حسن (فإذا قال له: يرحمك الله فليقل) له جوابًا عن التشميت (يهديكم الله ويصلح بالكلم) حالكم أو شأنكم.
قال في الكواكب: اعلم أن الشارع إنما أمر العاطس بالحمد لما حصل له من المنفعة بخروج ما احتقن في دماغه من الأبخرة. قال الأطباء: العطسة تدل على قوة طبيعة الدماغ وصحة مزاجه فهي نعمة، وكيف لا وهي جالبة للخفة المؤدّية إلى الطاعات فاستدعى الحمد عليها، ولما كان ذلك بغير الوضع الشخصي لحصول حركات غير مضبوطة بغير اختيار، ولهذا قيل إنها زلزلة البدن أريد إزالة ذلك الانفعال عنه بالدعاء له والاشتغال بجوابه ولما دعا له كان مقتضى ﴿وإذا حييتم بتحية فحيّوا بأحسن منها﴾ [النساء: ٨٦] أن يكافئه بأكثر منها فلهذا أمر بالدعوتين الأولى لفلاح الآخرة وهو الهداية المقتضية له، والثانية لصلاح حاله في الدنيا وهو إصلاح البال فهو دعاء له بخير الدارين وسعادة المنزلتين، وعلى هذا قس أحكام الشريعة وآدابها اهـ.
وقد ذهب الكوفيون إلى أنه يقول: يغفر الله لنا ولكم، وهذا أخرجه الطبري عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما. قال ابن بطال: ذهب مالك والشافعي إلى أن يتخير بين اللفظتين. وقال ابن رشد: الثاني أولى لأن المكلف محتاج إلى طلب المغفرة والجمع بينهما أحسن إلا للذمي.
والحديث أخرجه أبو داود في الأدب والنسائي في اليوم والليلة.
١٢٧ - باب لَا يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ إِذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ
هذا (باب) بالتنوين (لا يشمت العاطس إذا لم يحمد الله) بفتح ميم يشمت على صيغة المجهول وسقط باب لأبي ذر.
٦٢٢٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِىُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَمَّتَّ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِى؟ قَالَ: «إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَلَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ».
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) العسقلاني قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا سليمان)
стр. 3920
بن طرخان (التيمي) أبو المعتمر نزل البصرة (قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول: عطس) بفتح الطاء (رجلان عند النبي ﷺ فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فقال الرجل) العاطس الذي لم يشمت (يا رسول الله شمّت هذا ولم تشمتني. قال):
(إن هذا حمد الله ولم تحمد الله). وفي الطبراني من حديث سهل أن الرجلين هما عامر بن الطفيل بن مالك وابن أخيه، وكان عامر قدم المدينة ووقع بينه وبين ثابت بن قيس بحضرة النبي ﷺ كلام، ثم عطس ابن أخيه فحمد فشمته النبي ﷺ ، ثم عطس عامر فلم يحمد فلم يشمته فسأله، ومات عامر هذا كافرًا فكيف يخاطب النبي ﷺ بقوله: يا رسول الله فيحتمل كما قال في الفتح: أن يكون قالها غير معتقد بل باعتبار ما يخاطبه المسلمون، وأشار المصنف ﵀ بهذه الترجمة إلى أن الحكم عام وليس مخصوصًا بالرجل الذي وقع له ذلك وإن كانت واقعة حال لا
عموم فيها، لكن ورد الأمر بذلك فيما أخرجه مسلم من حديث أبي موسى بلفظ: إذا عطس أحدكم فشمّتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه، وهل هذا النهي للتحريم أو التنزيه؟ الجمهور على أنه للتنزيه. قال النووي: يستحب لمن حضر من عطس فلم يحمد أن يذكره الحمد ليحمد فيشمته.
(لطيفة):
أخرج ابن عبد البر بسند جيد عن أبي داود صاحب السنن أنه كان في سفينة فسمع عاطسًا على الشط حمد فاكترى قاربًا بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمّته ثم رجع فسئل عن ذلك فقال: لعله يكون مجاب الدعوة فلما رقدوا سمعوا قائلاً يقول: يا أهل السفينة إن أبا داود اشترى الجنة من الله بدرهم ذكره في الفتح.
١٢٨ - باب إِذَا تَثَاوَبَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا تثاوب) بالواو، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي تثاءب بالهمز (فليضع يده على فيه) ليغطي بها ما انفتح منه حفظًا له عن الانتفاح بسبب ذلك ويحصل ذلك بنحو الثوب أيضًا مما يحصل به الغرض.
٦٢٢٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ».
وبه قال: (حدّثنا عاصم بن علي) الواسطي التيمي مولاهم قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن سعيد المقبري عن أبيه) كيسان (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب) بالهمزة مصححًا عليه في الفرع وأصله، وقد أنكر الجوهري كونه بالواو فقال: تقول تثاءبت على تفاعلت ولا تقل تثاوبت. وقال غير واحد: إنهما لغتان وبالهمز والمد أشهر (فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقًّا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله) أي حقًّا في حسن الآداب ومكارم الأخلاق (وأما التثاؤب) بالواو (فإنما هو من الشيطان) قال ابن العربي: كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان لأنه بواسطته وذلك بالامتلاء من الأكل الناشئ عنه التكاسل وهو بواسطة الشيطان (فإذا تثاءب أحدكم فليردّه ما استطاع) أي يأخذ في أسباب رده وليس المراد أنه يملك دفعه لأنه الذي وقع لا يرد حقيقة أو المعنى إذا أراد أن يتثاوب (فإن أحدكم إذا تثاءب) بالهمز مصححًا عليه في الفرع (ضحك منه الشيطان) حقيقة أو مجازًا عن الرضا به، والأصل الأول إذ لا ضرورة تدعو إلى العدول عن الحقيقة، وفي مسلم من
حديث أبي سعيد: فإن الشيطان يدخل، وهذا يحتمل أن يراد الدخول حقيقة وهو وإن كان يجري من الإنسان مجرى الدم لكنه لا يتمكن منه ما دام ذاكرًا لله تعالى والمتثاوب في تلك الحالة غير ذاكر فيتمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقة، ويحتمل أن يكون أطلق الدخول وأراد التمكن منه لأن من شأن من دخل في شيء أن يكون تمكن منه.
وفي حديث أبي سعيد المقبري عن أبيه عند ابن ماجة: إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه ولا يعوي فإن الشيطان يضحك منه. ويعوي بالعين المهملة فشبه التثاؤب الذي يسترسل معه بعواء الكلب تنفيرًا عنه واستقباحًا له، فإن الكلب يرفع رأسه ويفتح فاه ويعوي، والمتثاوب إذا أفرط في التثاؤب شابهه، ومن ثم تظهر النكتة في كونه يضحك منه لأنه صيره ملعبة له بتشويه خلقته في تلك الحالة
стр. 3921
ولم يتعرض لأبي اليدين يضعها، وقع في صحيح أبي عوانة أنه قال عقب الحديث: ووضع سهيل يعني راويه عن أبي سعيد عن أبيه يده اليسرى على فيه، وهو محتمل لإرادة التعليم خوف إرادة وضع اليمنى بخصوصها، وفي حديث أبي هريرة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه التثاؤب في الصلاة من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع، فقيّد بحالة الصلاة فيحتمل أن يحمل المطلق على المقيد وللشيطان غرض قوي في التشويش على المصلي في صلاته، ويحتمل أن تكون كراهته في الصلاة أشد، ولا يلزم من ذلك أن لا يكره في غير حالة الصلاة ويؤيد كراهته مطلقًا كونه مطلقًا وبذلك صرح النووي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧٩ - كتاب الاستئذان
وهو طلب الإذن في الدخول لمحل لا يملكه المستأذن وقد أجمعوا على مشروعيته وتظاهرت به دلائل القرآن والسنّة.
١ - باب بَدْءِ السَّلَامِ
(باب بدء السلام) بفتح الباء الموحدة وسكون الدال المهملة وبالواو من غير همز، ولأبي ذر بدء بالهمز بمعنى الابتداء أي أوّل ما وقع السلام، وأشار بالترجمة للسلام مع الاستئذان إلى أنه لا يؤذن لمن لم يسلم كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته في الباب التالي مبحثه.
٦٢٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن جعفر) البيكندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحافظ الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد البصري (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(خلق الله آدم على صورته) الضمير عائد على آدم أي خلقه تمامًا مستويًا (طوله ستون ذراعًا) لم يتغير عن حاله ولا كان من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم جنينًا ثم طفلاً ثم رجلاً حتى تم طوله فلم يتنقل من الأطوار كذريته، وفيه كما قال ابن بطال: إبطال قول الدهرية أنه لم يكن قط إنسان إلا من نطفة ولا نطفة إلا من إنسان، وقيل: إن لهذا الحديث سببًا حذف من هذه الرواية
وإن أوله قصة الذي ضرب عبده فنهاه النبي ﷺ عن ذلك وقال له: "إن الله خلق آدم على صورته". رواه. . . . . (١). . . . . . . وللبخاري في الأدب المفرد وأحمد من طريق ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة مرفوعًا: لا يقولن قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك، وقيل الضمير لله لما في بعض الطرق على صورة الرحمن أي على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك، وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء وقال التوربشتي: وأهل الحق في ذلك طبقتين.
إحداهما المتنزهون عن التأويل مع نفي التشبيه وإحالة العلم إلى علم الله تعالى الذي أحاط بكل شيء علمًا وهذا أسلم الطريقتين.
والطبقة الأخرى يرون الإضافة فيها إضافة تكريم وتشريف وذلك أن الله تعالى خلق آدم على صورة لم يشاكلها شيء من الصور في الجمال والكمال وكثرة ما احتوت عليه من الفوائد الجليلة. وقال الطيبي: تأويل الخطابي في هذا المقام حسن يجب المصير إليه لأن قوله طوله بيان لقوله على صورته كأنه قيل خلق آدم على ما عرف من صورته الحسنة وهيئته من الجمال والكمال وطول القامة، وإنما خص الطول منها لأنه لم يكن متعارفًا بين الناس، وقال القرطبي: كأن من رواه على صورة الرحمن أورده بالمعنى متمسكًا بما توهمه فغلط في ذلك، وقوله ستون ذراعًا يحتمل أن يريد بقدر ذراع نفسه أو الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين والأول أظهر لأن ذراع كل أحد ربعه، فلو كان بالذراع المعهود كانت يده قصيرة في جنب طول جسده.
(فلما خلقه قال) ولأبي ذر خلقه الله قال: (اذهب فسلّم على أولئك النفر) عدة من الرجال من ثلاثة إلى عشرة. وقال في شرح المشكاة: وتخصيص السلام بالذكر لأنه فتح باب المودّات وتأليف القلوب المؤدي إلى استكمال الإيمان، كما ورد: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا إلى قوله: أفشوا السلام
стр. 3922
والسلام هو اسم الله فالمعنى اسم الله عليك أي أنت في حفظه وقيل السلامة أي السلامة مستعلية عليك ملازمة لك ولأبي ذر نفر (من الملائكة جلوس) قال في الفتح: ولم أقف على تعيينهم (فاستمع) بالفوقية وكسر الميم ولأبي ذر عن الكشميهني فاسمع بإسقاط الفوقية وفتح الميم (ما يحيونك) بالحاء المهملة بين التحتيتين ولأبي ذر كما في الفتح يجيبونك بالجيم المكسورة والتحتية الساكنة بعدها موحدة من الجواب (فإنها) أي الكلمات التي يحيون أو يجيبون بها (تحيتك وتحية ذريتك) المسلمين شرعًا لكن في حديث عائشة مرفوعًا: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين" أخرجه ابن ماجة وصححه ابن خزيمة وهو يدل على أنه شرع لهذه الأمة دونهم (فقال) لهم آدم (السلام عليكم) واستدلّ بهذا على أن هذه
الصيغة هي المشروعة لابتداء السلام لقوله فهي تحيتك وتحية ذريتك فلو حذف اللام جاز. قال تعالى: (﴿سلام عليكم﴾) [الرعد: ٢٤] لكن اللام أولى لأنها للتفخيم، وقال النووي ولو قال: وعليكم السلام بالواو لا يكون سلامًا ولا يستحق جوابًا لأنها لا تصلح للابتداء قاله المتولي، فلو أسقط الواو أجزأ ويجب الجواب لأنه سلام، وكرهه الغزالي في الإحياء، وعن بعض الشافعية فيما نقله ابن دقيق العيد أن المبتدئ لو قال: عليكم السلام لم يجز لأنها صيغة جواب قال: والأولى الجواز لحصول مسمى السلام (فقالوا) له الملائكة (السلام عليك) استدلّ به على جواز أن يقع الرد باللفظ الذي ابتدئ به كما مر ويأتي مزيد لذلك قريبًا إن شاء الله تعالى، ولأبي ذر عن الكشميهني عليك السلام (ورحمة الله فزادوه) الملائكة (ورحمة الله) وهو مستحب اتفاقًا، فلو زاد المبتدئ رحمة الله استحب أن يزاد وبركاته ولو زاد وبركاته فهل تشرع الزيادة في الردّ؟ وكذا لو زاد المبتدئ على بركاته هل يشرع له ذلك؟ عن ابن عباس مما في الموطأ قال: انتهى السلام إلى البركة، وعن ابن عمر الجواز ففي الموطأ عنه أنه زاد في الجواب والغاديات والرائحات، وفي الأدب المفرد عن سالم مولى ابن عمر أنه أتى ابن عمر مرة فقال: السلام عليكم، فقال السلام عليكم ورحمة الله، ثم أتيته فزدته وبركاته فردّ وزادني وطيب صلواته واتفقوا على وجوب الرد على الكفاية. قال الحليمي: وإنما كان الرد واجبًا لأن السلام معناه الأمان فإذا ابتدأ به المسلم أخاه فلم يجبه فإنه يتوهم منه الشر فيجب عليه دفع ذلك التوهم عنه (فكل من يدخل الجنة) هو مرتب على ما سبق من قوله خلق الله آدم على صورته فالفاء فصيحة ولأبي ذر والأصيلي يعني الجنة. قال في الفتح: كأن لفظ الجنة سقط فزيد فيه يعني (على صورة أم) خبر المبتدأ الذي هو فكل من (فلم يزل الخلق ينقص) من طوله وجماله (بعد) أي بعد آدم (حتى الآن) فإذا دخلوا الجنة عادوا إلى ما كان عليه أبوهم من الحسن والجمال وطول القامة. قيل: وقوله فلم يزل الخ هو معنى قوله تعالى: (﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين﴾) [التين: ٥] قيل إن في الحديث أن الملائكة يتكلمون بالعربية وعورض باحتمال أن يكون بغير اللسان العربي ثم لما خلق العرب ترجم بلسانهم.
والحديث سبق في بدء الخلق وأخرجه مسلم.
٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور: ٢٧، ٢٨، ٢٩] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِى الْحَسَنِ لِلْحَسَنِ إِنَّ نِسَاءَ الْعَجَمِ يَكْشِفْنَ صُدُورَهُنَّ وَرُءُوسَهُنَّ قَالَ: اصْرِفْ بَصَرَكَ
عَنْهُنَّ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهْمَ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] وَقَالَ قَتَادَةُ: عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] خَائِنَةَ الأَعْيُنِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى مَا نُهِىَ عَنْهُ وَقَالَ الزُّهْرِىُّ: فِى النَّظَرِ إِلَى الَّتِى لَمْ تَحِضْ مِنَ النِّسَاءِ لَا يَصْلُحُ النَّظَرُ إِلَى شَىْءٍ مِنْهُنَّ مِمَّنْ يُشْتَهَى النَّظَرُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، وَكَرِهَ عَطَاءٌ النَّظَرَ إِلَى الْجَوَارِى يُبَعْنَ بِمَكَّةَ إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَشْتَرِىَ.
(باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم﴾) [النور: ٢٧] أي بيوتًا لستم تملكونها ولا تسكنونها، وهذا مما أدّب الله تعالى به عباده (﴿حتى تستأنسوا﴾) تستأذنوا. كذا روي عن ابن عباس أخرجه سعيد بن منصور وقرأ به، وأخرج البيهقي في الشعب بسند صحيح عن إبراهيم النخعي قال في مصحف ابن مسعود: حتى تستأذنوا، وعن سعيد بن منصور عن إبراهيم قال في مصحف عبد الله: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في أحكام القرآن عن ابن عباس واستشكله. وأجيب: بأن ابن عباس بناه على قراءته التي تلقاها عن أبيّ بن كعب، وأما اتفاق الناس على قراءتها بالسين فلموافقة خط المصحف الذي وقع على عدم الخروج عما يوافقه وكانت قراءة أبي
стр. 3923
من الأحرف التي تركت القراءة بها والاستئناس في الأصل الاستعلام والاستكشاف استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرًا مكشوفًا أي تستعلموا أيطلق لكم الدخول أم لا. وذلك بتسبيحة أو بتكبيرة أو تنحنح ما في حديث أبي أيوب عند أبي حاتم بسند ضعيف قال: قلت يا رسول الله هذا السلام فما الاستئناس؟ قال: "يتكلم الرجل بتسبيحة أو تكبيرة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت" وأخرج الطبري من طريق قتادة قال: الاستئناس هو الاستئذان ثلاثًا، فالأولى ليسمع والثانية ليتأهبوا له والثالثة إن شاؤوا أذنوا له وإن شاؤوا ردّوا. وقال البيهقي: معنى حتى تستأنسوا تستبصروا ليكون الدخول على بصيرة فلا يصادف حالة يكره صاحب المنزل أن تطلعوا عليها. (﴿وتسلموا على أهلها﴾) بأن تقولوا السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات، فإن أذن وإلاّ رجع، وهل يقدم السلام أو الاستئذان؟ الصحيح تقديم الاستئذان. وأخرج أبو داود وابن أبي شيبة بسند جيد عن ربعي بن حراش حدثني رجل أنه استأذن على النبي ﷺ وهو في بيته فقال: أألج؟ فقال لخادمه: أخرج إلى هذا فعلمه. فقال: قل السلام عليكم أألج؟ الحديث. وصححه الدارقطني، وعن الماوردي إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدّم السلام وإلاّ قدّم الاستئذان.
(﴿ذلكم﴾) أي الاستئذان والتسليم (﴿خير لكم﴾) من تحية الجاهلية والدخول بغير إذن وكان الرجل من أهل الجاهلية إذا دخل بيت غيره يقول: حييتم صباحًا وحييتم مساء ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد (﴿لعلكم تذكرون﴾) أي قيل لكم هذا لكي تذكروا وتتعظوا وتعملوا بما أمرتم به في باب الاستئذان، وينبغي للمستأذن أن لا يقف تلقاء الباب
بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره لحديث أن عند أبي داود قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول: السلام عليكم السلام عليكم، وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور تفرد به أبو داود (﴿فإن لم تجدوا فيها﴾) في البيوت (﴿أحدًا﴾) من الآذنين (﴿فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم﴾) حتى تجدوا من يأذن لكم أو فإن لم تجدوا فيها أحدًا من أهلها ولكم فيها حاجة فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها لأن التصرف في ملك الغير لا بدّ من أن يكون برضاه (﴿وإن قيل لكم ارجعوا﴾) أي إذا كان فيها قوم فقالوا ارجعوا (﴿فارجعوا﴾) ولا تلجوا في إطلاق الإذن، ولا تلحوا في تسهيل الحجاب، ولا تقفوا على الأبواب لأن هذا مما يجلب الكراهة، وإذا نهي عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما أدى إليها من قرع الباب بعنف والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك، وعن أبي عبيد ما قرعت بابًا على عالم قط (﴿هو أزكى لكم﴾) أي الرجوع أطيب لكم وأطهر لما فيه من سلامة الصدور والبعد عن الريبة أو أنفع وأنمى خيرًا (﴿والله بما تعملون عليم﴾) وعيد للمخاطبين بأنه عالم بما يأتون وما يذرون وبما خوطبوا به فموف جزاءه عليه (﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا﴾) في أن تدخلوا (﴿بيوتًا غير مسكونة﴾) استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها ما ليس بمسكون منها كالخانات والربط (﴿فيها متاع لكم﴾) أي منفعة كاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرحال والسلع وقيل الخربات يتبرز فيها والمتاع التبرز (﴿والله يعلم ما تبدون وما تكتمون﴾) [النور: ٢٧ - ٢٩] وعيد للذين يدخلون الدور والخربات الخالية من أهل الريب، وسقط في رواية الأصيلي من قوله ﴿ذلكم خير لكم﴾ إلى قوله: ﴿متاع لكم﴾ وقال في فتح الباري: وساق البخاري في رواية كريمة والأصيلي الآيات الثلاث اهـ. ولأبي ذر مما في الفرع وأصله باب قوله ﴿لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم﴾ إلى قوله ﴿وما تكتمون﴾.
(وقال سعيد بن أبي الحسن) البصري التابعي (للحسن) البصري أخيه (إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن. قال) الحسن لأخيه سعيد: (اصرف بصرك عنهن) يدل له (قول الله) ولأبي ذر عن الكشميهني يقول الله ولأبي ذر تعالى (﴿قل
стр. 3924
للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾) من للتبعيض والمراد غضّ البصر عما يحرم (﴿ويحفظوا فروجهم﴾) عن الزنا (وقال قتادة) فيما أخرجه ابن أبي حاتم في قوله: ويحفظوا فروجهم قال: (﴿عما لا يحل لهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾) [النور: ٣٠، ٣١] فلا يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته وربته وإن اشتهت غضت بصرها رأسًا ولا تنظر إلى المرأة إلا إلى مثل ذلك، وغضها بصرها من الأجانب أصلاً أولى بها، وقدم غض الأبصار على حفظ الفروج، لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور ووجه ذكر المؤلّف هذا عقب ذكر الآيات الثلاث المذكورة الإشارة إلى أن أصل مشروعية الاستئذان الاحتراز من وقع النظر إلى ما لا يريد صاحب المنزل النظر إليه لو دخل بلا إذن وأعظم ذلك النظر إلى النساء الأجنبيات. وسقط جميع ذلك من رواية
النسفيّ فقال بعد قوله: ﴿حتى تستأنسوا﴾ الآيتين وقول الله ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ الآية. وقل للمؤمنات يغضضن.
(خائنة الأعين من النظر إلى ما نهي عنه) بضم النون نهي، ولكريمة ما نهى الله عنه، وسقط لأبي ذر لفظ من، وعن ابن عباس مما عند ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿يعلم خائنة الأعين﴾ [غافر: ١٩] قال: هو الرجل ينظر إلى المرأة الحسناء تمر به أو يدخل بيتًا هي فه فإذا فطن له غض بصره، وقد علم الله تعالى أنه يودّ أن لو اطّلع على فرجها وإذا قدر عليها زنى بها.
(وقال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (في النظر إلى التي لم تحض من النساء) ولأبي ذر عن الكشميهني: إلى ما لا يحل من النساء (لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه) ولأبي ذر عن الكشميهني إليهن (وإن كانت صغيرة. وكره عطاء) هو ابن أبي رباح مما وصله ابن أبي شيبة (النظر إلى الجواري يبعن) ولأبي ذر: اللاتي يبعن (بمكة إلا أن يريد أن يشتري) منهن فيسوغ، وهذا الأثر وسابقه سقطا للنسفي.
٦٢٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ وَكَانَ الْفَضْلُ رَجُلاً وَضِيئًا فَوَقَفَ النَّبِىُّ ﷺ لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ وَضِيئَةٌ تَسْتَفْتِى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَالْتَفَتَ النَّبِىُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَأَخْلَفَ بِيَدِهِ فَأَخَذَ بِذَقَنِ الْفَضْلِ فَعَدَلَ وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِى الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِى شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِىَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَهَلْ يَقْضِى عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ قَالَ: «نَعَمْ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سليمان بن يسار) بالتحتية والمهملة المخففة قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن عباس ﵄ قال: أردف رسول الله ﷺ الفضل بن عباس) أركبه (يوم النحر خلفه على عجز راحلته) في حجة الوداع وعجز بفتح العين المهملة وضم الجيم بعدها زاي أي مؤخرها (وكان الفضل) ﵁ (رجلاً وضيئًا) من الوضاءة وهي الجمال والحسن (فوقف النبي ﷺ للناس يفتيهم وأقبلت امرأة من خثعم) بفتح الخاء المعجمة والعين المهملة بينهما مثلثة ساكنة قبيلة مشهورة (وضيئة) لحسنها وجمالها (تستفتي رسول الله ﷺ فطفق الفضل) فجعل الفضل (ينظر إليها وأعجبه حسنها فالتفت النبي ﷺ والفضل ينظر إليها فأخلف) ﵊ (بيده) بهمزة مفتوحة وخاء معجمة ساكنة وبعد اللام فاء أي مدها إلى خلفه (فأخذ بذقن الفضل) بفتح الذال المعجمة والقاف (فعدل) بتخفيف الدال (وجهه عن النظر إليها) حين علم بإدامة نظره إليها أنه أعجبه حسنها فخشي عليه فتنة الشيطان ففيه حرمة
النظر إلى الأجنبيات (فقالت: يا رسول الله إن فريضة الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة) أي وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة وزاد في حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة وإن شددته على الراحلة خشيت أن أقتله (فهل يقضي) يجزي (عنه) الحج (أن أحج عنه) نيابة (قال):
(نعم) يجزي، وفي الحديث غض البصر خشية الفتنة ومقتضاه أنه إذا أمنت الفتنة لم يمتنع لأنه لم يحوّل وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها فخشي عليه الفتنة.
والحديث سبق في الحج في باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة.
٦٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا؟ فَقَالَ: «إِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ». قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ».
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (أخبرنا أبو عامر)
стр. 3925
عبد الملك العقدي قال: (حدّثنا زهير) بضم الزاي مصغرًا ابن محمد التيمي الخراساني (عن زيد بن أسلم) مولى عمر بن الخطاب (عن عطاء بن يسار) بالتحتية والمهملة (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال):
(إياكم) للتحذير (والجلوس) بالنصب (بالطرقات) ولأبي ذر عن الكشميهني في الطرقات (فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بدّ) فراق منها (نتحدث فيها) فيه دليل على أن أمره لهم لم يكن للوجوب بل على طريق الترغيب والأولى إذ لو فهموا الوجوب لم يراجعوه هذه المراجعة قاله القاضي عياض (فقال: إذ) بسكون المعجمة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فإذا (أبيتم) بالموحدة امتنعتم (إلا المجلس) بفتح اللام مصدر ميمي إلا الجلوس في مجالسكم وفي اليونينية بكسر اللام (فأعطوا) بهمزة قطع (الطريق حقه قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال): حق الطريق (غض البصر) عن كل محرم (وكفّ الأذى) عن الخلق (وردّ السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) مع القدرة عليهما. وزاد عمر في حديثه عند أبي داود: وتغيثوا الملهوف وتهدوا الضال، وفي حديث أبي طلحة: وإرشاد ابن السبيل وتشميت العاطس إذا حمد، وعند البزار وأعينوا على المحمولة، والبراء عند الترمذي: اهدوا السبيل وأعينوا المظلوم وأفشوا السلام، وسهل بن حنيف عند الطبراني: ذكر الله كثيرًا، ووحشي بن حرب عند الطبراني: واهدوا الأغبياء وأعينوا المظلوم.
وحديث الباب سبق في المظالم ومناسبته لما ترجم به هنا لا خفاء بها.
٣ - باب السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]
هذا (باب) بالتنوين (السلام اسم من أسماء الله تعالى، وإذا حييتم) أي سلم عليكم فإن التحية في ديننا بالسلام في الدارين فسلّموا على أنفسكم تحية من عند الله (﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ [الأحزاب: ٤٤] (بتحية) هي تفعلة من حيا يحيي تحية (﴿فحيّوا بأحسن منها﴾) أي قولوا وعليكم السلام ورحمة الله إذا قال: السلام عليكم وزيدوا وبركاته إذا قال: ورحمة الله كما مرّ (﴿أو ردّوها﴾) أو أجيبوها بمثلها فردّ السلام جوابه بمثله لأن المجيب يرد قول المسلم ففيه حذف مضاف أي ردوا مثلها.
وروي: ما من مسلم يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة، وسقط لأبي ذر: أو ردوها.
٦٢٣٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِى شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِىُّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِى الصَّلَاةِ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ: أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الْكَلَامِ مَا شَاءَ».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدثني) بالإفراد (شقيق) هو ابن سلمة أبو وائل (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ قلنا) في التشهد (السلام على الله قبل عباده) أي قبل السلام على عباده (السلام على جبريل السلام على ميكائيل السلام على فلان) ولأبي ذر زيادة وفلان، وفي رواية عبد الله بن نمير عن الأعمش عند ابن ماجة يعنون الملائكة، وللإسماعيلي من رواية علي بن مسهر فعند الملائكة (فلما انصرف النبي ﷺ ¬) أي فرغ من الصلاة (أقبل علينا بوجهه فقال):
(إن الله هو السلام) قال النووي: السلام اسم من أسماء الله يعني السالم من النقائص، ويقال المسلم أولياءه وقيل المسلم عليهم اهـ. فهو مصدر نعت به والمعنى ذو السلامة من كل آفة ونقيصة. وقد ثبت في القرآن في أسمائه تعالى السلام المؤمن، وفي الأدب المفرد من حديث أنس بسند حسن: السلام من أسماء الله وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم، وأخرجه البزار من
حديث ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا، والبيهقي في شعبه من حديث أبي هريرة مرفوعًا بسند ضعيف، وعن ابن عباس موقوفًا السلام اسم الله وهو تحية أهل الجنة. أخرجه البيهقي في الشعب، والظاهر أن البخاري أخذ بعض الحديث لما لم يجد شيئًا صريحًا على شرطه فجعله ترجمة وأورد ما يؤدي معناه على شرطه هو حديث التشهد. قال في شرح المشكاة: ووظيفة العارف من قوله السلام أن يتخلق به بحيث يسلم قلبه من الحقد والحسد وإرادة الشر وجوارحه عن ارتكاب المحظورات واقتراف الآثام ويكون مسالمًا