Полный текст (4 743 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه، وفي سنده عبد الله بن يونس حجازي ما روى عنه سوى يزيد بن الهاد، ولم يذكر المؤلّف حديثًا هنا، ولعله أراد أن يلحق فيه ما هو على شرطه فاخترمته المنية قبل.
٢٨ - باب مَنِ ادَّعَى أَخًا أَوِ ابْنَ أَخٍ
(باب) حكم (من ادّعى أخًا أو ابن أخ).
٦٧٦٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِى غُلَامٍ فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِى عُتْبَةَ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَىَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِى يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِى مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا
بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَاحْتَجِبِى مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ» قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البلخي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ أنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص) مالك بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري شهد المشاهد كلها وهو أحد العشرة (وعبد بن زمعة) بن قيس بن عبد شمس القرشي العامري أخو سودة بنت زمعة أم المؤمنين ﵄ (في غلام) اسمه عبد الرَّحمن (فقال سعد: هذا) الغلام عبد الرَّحمن (يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص) ذكره ابن منده في الصحابة مستدلاً بقول أخيه سعد هنا (عهد إليّ أنه ابنه انظر إلى شبهه) وليس في ذلك ما يدل على إسلامه وقد اشتد إنكار أبي نعيم على ابن منده في ذلك وقال: إنه الذي كسر رباعية النبي ﷺ وما علمت له إسلامًا اهـ.
وبالجملة فليس في شيء من الآثار ما يدل على إسلامه بل فيها ما يصرح بموته على الكفر والله أعلم.
(وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي) زمعة (من وليدته) أي أمته (فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبهًا بيّنًا بعتبة فقال) ﷺ :
(هو) أي الغلام أخ (لك يا عبد) ولأبي ذر: يا عبد بن زمعة فألحقه ﵊ به لما استلحقه لأن إقراره قائم مقام الأب الميت في حياته فيثبت نسبه وقال مالك وأبو حنيفة: لا يثبت. (الولد للفراش وللعاهر الحجر) أي الخيبة (واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة) تورعًا واحتياطًا (قالت: فلم ير سودة) الغلام (قط) ولأبي ذر عن الكشميهني بعد قوله ﷺ : احتجبي منه. ورأيت في هامش فرع اليونينية وقال: إنه منقول منها هذا الباب في نسخة أبي ذر قبل باب ميراث العبد النصراني، ويليه أعني باب ميراث العبد النصراني باب إثم من انتفى من ولده ورقّم على باب من ادّعى أخًا أو ابن أخ علامة المستملي والكشميهني انتهى.
٢٩ - باب مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ
(باب من ادّعى) أي انتسب (إلى غير أبيه).
٦٧٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهْوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا خالد هو ابن عبد الله) الطحان الواسطي قال: (حدّثنا خالد) هو ابن مهران الحذاء (عن أبي عثمان) عبد الرَّحمن النهدي (عن
سعد) بسكون العين ابن أبي وقاص (﵁) أنه (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(من ادعى إلى غير أبيه وهو) أي والحال أنه (يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام) إن استحل ذلك أو هو محمول على الزجر والتغليظ للتنفير عنه، واستشكل بأن جماعة من خيار الأمة انتسبوا إلى غير آبائهم كالمقداد بن الأسود إذ هو ابن عمرو. وأجيب: بأن الجاهلية كانوا لا يستنكرون أن يتبنى الرجل غير أبيه الذي خرج من صلبه فينسب إليه ولم يزل ذلك في أول الإسلام حتى نزل ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم﴾ ونزل: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥] فغلب على بعضهم النسب الذي كان يدعى به قبل الإسلام فصار إنما يذكر للتعريف بالأشهر من غير أن يكون من المدعو وتحول عن نسبه الحقيقي فلا يقتضيه الوعيد إذ الوعيد المذكور إنما تعلق بمن انتسب إلى غير أبيه على علم منه بأنه ليس أباه.
٦٧٦٧ - فَذَكَرْتُهُ لأَبِى بَكْرَةَ فَقَالَ: وَأَنَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قال أبو عثمان النهدي (فذكرته) أي الحديث (لأبي بكرة) نفيع (فقال: وأنا سمعته أذناي) بفتح العين وسكون الفوقية (ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ ¬).
والحديث تقدّم في غزوة حنين.
٦٧٦٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ».
وبه قال: (حدّثنا أصبغ) بالصاد المهملة والغين المعجمة بينهما موحدة مفتوحة (ابن الفرج) بالفاء والجيم الفقيه قال ابن معين: كان أعلم خلق الله برأي مالك قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن الحارث المصري (عن جعفر بن ربيعة) الكندي (عن عراك) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء وبعد الألف كاف ابن مالك
стр. 4237
الغفاري (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه) وانتسب لغيره (فهو كفر) ولأبي ذر عن الكشميهني فقد كفر أي كفر النعمة، فليس المراد الكفر الذي يستحق عليه الخلود في النار بل كفر حق أبيه أي ستر حقه أو المراد التغليظ والتشنيع عليه إعظامًا لذلك، وإلاّ فكل حق شرعي إذا ستر فستره كفر ولم يعبر في كل ستر على حق بهذا اللفظ، وإنما عبّر به في المواضع التي يقصد فيها الذم البليغ وتعظيم الحق الستور.
والحديث سبق في مناقب قريش.
٣٠ - باب إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ ابْنًا
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا ادعت المرأة ابنًا) بتشديد الدال المهملة من ادعت.
٦٧٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ ﵇، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ: ائْتُونِى بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ، إِلاَّ يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ: إِلاَّ الْمُدْيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن) عبد الرَّحمن بن هرمز (الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(كانت امرأتان) أي يسميا (معهما ابناهما) أي يسميا أيضًا (جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت لصاحبتها إنما ذهب) الذئب (بابنك وقالت) ولأبي ذر فقالت (الأخرى إنما ذهب بابنك فتحاكما) أي المرأتان وذكر باعتبار الشخصين ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فتحاكمتا (إلى داود ﵇ فقضى به) بالولد الباقي (للكبرى) للمرأة الكبرى منهما لكونه كان في يدها وعجزت عن إقامة البيّنة (فخرجتا على سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه) بالقصة (فقال: ائتوني بالسكين) بكسر السين وسميت سكينًا لأنها تسكن حركة الحيوان (أشقه) أي الولد (بينهما) نصفين، وفي سنن النسائي الكبرى فقالت الكبرى نعم اقطعوه (فقالت الصغرى) منهما له (لا تفعل) ذلك (يرحمك الله هو ابنها) أي ابن الكبرى (فقضى به للصغرى) لجزعها الدال على عظيم شفقتها، ولم يعمل بإقرارها بأنه لصاحبتها. واستشكل نقض سليمان حكم أبيه داود. وأجيب: بأنهما حكما بالوحي وحكم سليمان كان ناسخًا أو كان بالاجتهاد، وجاز النقض لدليل أقوى، وتعقب الأول بأن سليمان حينئذ لم يكن يوحى إليه إذ كان عمره حينئذ إحدى عشرة سنة.
(قال أبو هريرة) ﵁ بالسند السابق: (والله إن سمعت) بكسر الهمزة أي ما سمعت (بالسكين قط إلا يومئذ وما كنا نقول إلاّ المدية) بضم الميم وتكسر وتفتح وقيل لها مدية لأنها تقطع مدى حياة الحيوان.
والحديث سبق في ترجمة سليمان من أحاديث الأنبياء.
٣١ - باب الْقَائِفِ
(باب) حكم (القائف) بالقاف وآخره فاء وهو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر.
٦٧٧٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَىَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: «أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء قال: (حدّثنا الليث) بن سعد إمام المصريين (عن ابن شهاب) محمد الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: إن رسول الله ﷺ دخل عليّ) بتشديد الياء البيت حال كونه (مسرورًا) حال كونه (تبرق) تضيء وتستنير من السرور (أسارير وجهه) وهي الخطوط التي في الجبهة واحدها سر وسرر وجمعها أسرار وأسرة وجمع الجمع أسارير (فقال) ﷺ :
(ألم تري) حرف جزم ومعه همزة التقرير وتري مجزوم به بحذف النون والرؤية علمية وسدت إن في قوله (أن مجززًا) مسدّ مفعوليها ولذا فتحت أن ومجززًا بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي الأولى المشددة وتفتح اسم إن وسمي مجززًا لأنه كان يجز ناصية الأسير في زمن الجاهلية ويطلقه وهو ابن الأعور بن جعدة المدلجي (نظر آنفًا) خبر إن وآنفًا بالمدّ ويقصر زمان أي الساعة (إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن هذه الأقدام عضها من) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لمن (بعض) أي لكائنة من بعض أو مخلوقة من بعض كقوله تعالى: ﴿بعضكم من بعض﴾ [النساء: ٢٥] أي مخلوقون من بعض وسبب سروره ﵊ أن الجاهلية كانت تقدح في نسب أسامة لكونه أسود شديد السواد لكون أمه كانت سوداء وزيد أبيض من القطن، فلما قال مجزز ما قال مع اختلاف اللون سر
стр. 4238
ﷺ بذلك لكونه كافأ لهم عن الطعن فيه لاعتقادهم ذلك.
والحديث أخرجه مسلم في النكاح وأبو داود في الطلاق والترمذي في الولاء والنسائي في الطلاق.
٦٧٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهْوَ مَسْرُورٌ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِىَّ دَخَلَ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا؟ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ذات يوم) أي يومًا البيت وهو من إضافة المسمى إلى اسمه أو ذات مقحم (وهو مسرور فقال):
(يا) ولأبي ذر: أي (عائشة ألم تري أن مجززًا المدلجي) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام والجيم بعدها تحتية نسبة إلى مدلج بن مرّة بن عبد مناف بن كنانة وكانت القيافة فيهم، وفي بني أسد والعرب تعترف لهم بذلك وليس ذلك خاصًّا بهم على الصحيح، فرُوِيَ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان فائقًا وقد كان قرشيًّا لا مدلجيًّا ولا أسديًّا (دخل عليّ) بتشديد الياء وسقط لغير أبي ذر عليّ (فرأى أسامة) زاد أبو ذر: ابن زيد (وزيدًا) أي ابن حارثة (وعليهما قطيفة) أي كساء (قد غطيا رؤوسهما) بها (وبدت أقدامهما) أي ظهرت (فقال: إن هذه الأقدام بعضها) كائنة أو مخلوقة (من بعض).
وفي الحديث العمل بالقافة لتقريره ﷺ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد. وقال الحنفية: الحكم بها باطل لأنها حدس، وذلك لا يجوز في الشريعة، وليس في حديث الباب حجة في إثبات الحكم بها لأن أسامة كان قد ثبت نسبه قبل ذلك فلم يحتج الشارع في إثبات ذلك إلى قول احد، وإنما تعجب من إصابه مجزز.
ووجه إدخال هذا الحديث في كتاب الفرائض الردّ على من زعم أن القائف لا يعتبر بقوله فإن من اعتبر قوله فعمل به لزم منه حصول التوارث بين الملحق والملحق به.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨٦ - كتاب الحدود
(كتاب الحدود) جمع حد وهو الحاجز بين الشيئين يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، وحدّ الزنا والخمر سمي به لكونه مانعًا لمتعاطيه عن معاودة مثله مانعًا لغيره أن يسلك مسلكه، وفي رواية أبي ذر تأخير البسملة عن لفظ كتاب.
(وما يحذر من الحدود) أي كتاب بيان أحكام الحدود وبيان الحدود وبيان ما يحذر من الحدود ولأبي ذر عن المستملي باب ما يحذر من الحدود وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي ولم يذكر البخاري هنا حديثًا.
١ - باب لَا يُشْرَبُ الْخَمْرُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُنْزَعُ مِنْهُ نُورُ الإِيمَانِ فِى الزِّنَا
هذا (باب) بالتنوين (لا يشرب الخمر) بضم التحتية وفتح الراء مبنيًّا للمفعول والخمر رفع نائب الفاعل وللمستملي فيما ذكره في الفتح وهو في اليونينية لأبي ذر باب الزنا وشرب الخمر أي التحذير من تعاطيهما، وسقط لأبي ذر لا يشرب الخمر (وقال ابن عباس) ﵄: مما وصله ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (ينزع منه) بضم أوله وفتح الزاي والضمير في منه للزاني (نور الإيمان في الزنا). ورواه أبو جعفر الطبري من طريق مجاهد عن ابن عباس سمعت النبي ﷺ يقول: "من زنى نزع الله منه نور الإِيمان من قلبه فإن شاء أن يرده إليه ردّه". وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا عند أبي داود: "إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان عليه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الإيمان". ويحتمل أن يكون الذي نقص منه الحياء المعبر عنه بالنور والحياء من الإِيمان.
٦٧٧٢ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا
يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهْوَ مُؤْمِنٌ». وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ إِلاَّ النُّهْبَةَ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف المخزومي مولاهم المصري وبكير اسم جده واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن) بن الحارث بن هشام المخزومي (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إذا استحله مع العلم بتحريمه أو يسلب الإيمان حال تلبسه بالكبيرة فإذا فارقها عاد إليه أو هو من باب التغليظ للتنفير عنه أو معناه نفي الكمال وإلا فالمعصية لا تخرج المسلم عن الإيمان خلافًا للمعتزلة المكفرين بالذنب القائلين بتخليد العاصي في النار (ولا يشرب الخمر حين يشربـ) ـه (وهو مؤمن) إذا استحله كما مرّ
стр. 4239
(ولا يسرق حين يسرق) ولأبي ذر ولا يسرق السارق حين يسرق (وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة) بضم النون مالاً منهوبًا جهرًا قهرًا ظلمًا لغيره (يرفع الناس إليه) إلى الناهب (فيها أبصارهم) لا يقدرون على دفعه ولو تضرعوا إليه (وهو مؤمن) أو هو كناية عن عدم التستر بذلك فيكون صفة لازمة للنهب بخلاف السرقة والاختلاس فإنه يكون في خفية والانتهاب أشدّ لما فيه من مزيد الجراءة وعدم المبالاة ولم يذكر الفاعل في الشرب وما بعده ففيه كما قال ابن مالك حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه والتقدير: ولا يشرب الشارب الخمر الخ .. ولا يرجع الضمير إلى الزاني لئلا يختص به بل هو عام في كل من شرب، وكذا في الباقي وقد ذكر الفاعل في لا يسرق في رواية أبي ذر كما مرّ.
والحديث أخرجه مسلم في الأشربة وابن ماجة في الفتن.
(وعن ابن شهاب) الزهري بالسند السابق (عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف كلاهما (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ بمثله) أي بمثل حديث أبي بكرة عن أبي هريرة ﵁ هذا (إلا النهبة) فليست فيه.
٢ - باب مَا جَاءَ فِى ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ
(باب ما جاء في ضرب شارب الخمر).
٦٧٧٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ح حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ضَرَبَ فِى الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ.
[الحديث ٦٧٧٣ - طرفه في: ٦٧٧٦].
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سخبرة الأزدي الحوضي قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ (أن النبي ﷺ ح) للتحويل.
قال البخاري بالسند إليه: (وحدّثنا آدم) ولأبي ذر: ابن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا قتادة عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ ضرب) أي أمر بالضرب (في الخمر بالجريد والنعال) الباء في بالجريد باء الآلة والجريد سعف النخل وسمي به لأنه جرد عن الخوص (وجلد) أي أمر بالجلد فيه (أبو بكر) الصديق ﵁ في خلافته (أربعين) جلدة، وهذا لفظ طريق هشام عن قتادة وأما لفظ طريق شعبة فأخرجه البيهقي في الخلافيات من طريق جعفر بن محمد القلانسي عن آدم شيخ البخاري فيه بلفظ: إن النبي ﷺ أتي برجل شرب الخمر فضربه بجريدتين نحوًا من أربعين، ثم صنع أبو بكر مثل ذلك فلما كان عمر استشار الناس فقال له عبد الرَّحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون ففعله عمر.
وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة مثل رواية آدم إلا أنه قال: وفعله أبو بكر فلما كان عمر أي في خلافته استشار الناس فقال عبد الرَّحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، وأمر به عمر ولم يقل عن النبي ﷺ أربعين، نعم في رواية مسلم أنه ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين، وقوله في الرواية السابقة: نحوًا من أربعين قيل لا بدّ من تأويله بأنه إنما عبر بنحو لعدم التساوي في الضرب والآلة، وإلاّ فالحدود إنما تكون محدودة وكون الراوي حاكيًا ذلك عن واقعة لا يلزم منه أن يكون تقريبًا بل تحديدًا وإن كان الراوي لم يحرر التحديد فيه فغايته أن يكون أربعين فوجب القول بأنها الحد، لا سيما وانضم إليها رواية مسلم السابقة ونحوها مما فيه الجزم بالأربعين ونحو قد تأتي بمعنى مثل، وفي مسلم أيضًا من طريق معاذ بن هشام عن أبيه ثم جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرَّحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود قال: فجلد عمر ثمانين والريف بكسر الراء كل أرض فيها زرع ونخل أو ما قارب المياه من أرض العرب وغيرها، أو ما فيه زرع وخصب أو هو الخصب والسعة في المأكل والمشرب، وعند النسائي من طريق يزيد بن هارون عن شعبة فضربه بالنعال نحوًا من أربعين ثم أتى به أبو بكر فصنع به مثل ذلك، ورواه همام عن قتادة بلفظ. فأمر قريبًا من عشرين رجلاً فجلده كل رجل جلدتين بالجريد أخرجه أحمد والبيهقي.
قال في الفتح: وبهذا يجمع بين ما اختلف فيه على شعبة وأن جملة الضربات كانت نحو أربعين بجريدتين فتكون الجملة ثمانين.
стр. 4240
وفي مسلم من طريق حضين بحاء مهملة وضاد معجمة مصغرًا ابن المنذر أن عثمان أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر فقال لعبد الله بن جعفر: اجلده فجلده فلما بلغ أربعين قال: أمسك جلد رسول الله ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنّة. وهذا
أحبّ إليّ ففيه الجزم بأنه ﷺ جلد أربعين، وسائر الأخبار ليس فيه عدد إلا بعض الروايات عن أنس ففيه نحو الأربعين والجمع بينهما أن عليًّا أطلق الأربعين فهو حجة على من ذكرها بلفظ التقريب، فمذهب الشافعية أن حدّ الحرّ أربعون جلدة لما سبق، وحدّ غيره ولو مبعضًا عشرون على النصف من الحر كنظائره متوالية في كل من الأربعين والعشرين بحيث يحصل بها زجر وتنكيل فلا تفرق على الأيام والساعات لعدم الإِيلام، وللإِمام زيادة على الحدّ إن رآه فيبلغ الحد ثمانين وغيره أربعين كما فعله عمر ﵁ ورآه عليّ ﵁ قال: لأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وحدّ الافتراء ثمانون. رواه الدارقطني فجعل سبب السبب سببًا وأجرى على الأول ما أجرى على الآخر، والزيادة على الحدّ تعازير لا حدّ وإلاّ لما جاز تركها.
واعترض بأن وضع التعزير النقص عن الحد فكيف يساويه؟ وأجيب: بأن ذلك تعازير لأن ذلك لجنايات تولدت من الشارب. قال الرافعي: وليس شافيًا فإن الجناية لم تتحقق حتى يعزر والجنايات التي تتولد من الخمر لا تنحصر فلتجز الزيادة على الثمانين وقد منعوها قال: وفي قصة تبليغ الصحابة الضرب ثمانين ألفاظ مشعرة بأن الكل حد وعليه فحد الشارب مخصوص من بين سائر الحدود بأن يتحتم بعضه ويتعلق بعضه باجتهاد الإمام، ومذهب الحنفية والمالكية أن الثمانين حد وكذا عند الحنابلة على الصحيح عندهم، وقد اختلف النقل عن الصحابة في التحديد والتقدير في الحد، والذي تحصل من ذلك ستة. أحدها: أن النبي ﷺ لم يجعل في ذلك حدًّا معلومًا بل كان يقتصر على ضرب الشارب على ما يليق به. الثاني: أنه أربعون بغير زيادة. الثالث: مثله لكن للإمام أن يبلغ به ثمانين وهل الزيادة من تمام الحد أو تعزير قولان: الرابع: أنه ثمانون بغير زيادة عليها. الخامس: كذلك وتجوز الزيادة تعزيرًا. السادس: إن شرب فجلد ثلاث مرات فعاد فى الرابعة وجب قتله، وقيل إن شرب أربعًا فعاد في الخامسة وجب قتله وهو قول شاذ.
والحديث أخرجه مسلم في الحدود وكذا الترمذي وابن ماجة.
٣ - باب مَنْ أَمَرَ بِضَرْبِ الْحَدِّ فِى الْبَيْتِ
(باب من أمر بضرب الحد في البيت).
٦٧٧٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: جِئَ بِالنُّعَيْمَانِ أَوْ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ شَارِبًا فَأَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ مَنْ كَانَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ قَالَ: فَضَرَبُوهُ فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ.
وبه قال: (حدثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (عن أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان (عن عقبة بن الحارث) بن عامر بن نوفل أبي سروعة القرشي المكي هو من أفراد البخاري أنه
(قال: جيء بالنعيمان) بالتصغير (أو بابن النعيمان) بالشك من الراوي وجيء بالبناء للمجهول وسبق في الوكالة أن الذي جاء به هو عقبة بن الحارث ﵁ كما رواه الإسماعيلي ولفظه جئت بالنعيمان (شاربًا) نصب على الحال أي شاربًا مسكرًا أي متصفًا بالسكر لأنه حين جيء به لم يكن شاربًا حقيقة بل كان سكران (فأمر النبي ﷺ من كان بالبيت) وفي نسخة من كان في البيت (أن يضربوه قال) عقبة: (فضربوه فكنت أنا فيمن ضربه بالنعال) بكسر النون.
وفي الحديث جواز ضرب الحدّ في البيوت سرًّا خلافًا لمن منعه محتجًا بظاهر ما روي عن عمر في قصة ولده عبد الرَّحمن أبي شحمة لما شرب بمصر فحدّه عمرو بن العاص في البيت أن عمر ﵁ أنكر عليه، وأحضر ولده أبا شحمة وضربه الحد جهرًا كما رواه ابن سعد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عمر مطوّلاً والجمهور على الاكتفاء وحملوا صنيع عمر على المبالغة في تأديب ولده لا أن إقامة الحد لا تصح إلا جهرًا.
والحديث سبق في الوكالة.
٤ - باب الضَّرْبِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ
(باب الضرب بالجريد والنعال) في شرب الخمر.
٦٧٧٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بِنُعَيْمَانَ أَوْ بِابْنِ نُعَيْمَانَ وَهْوَ سَكْرَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ مَنْ فِى الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ، فَضَرَبُوهُ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَكُنْتُ فِيمَنْ ضَرَبَهُ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قاضي مكة قال:
стр. 4241
(حدّثنا وهيب بن خالد) بضم الواو ابن عجلان الباهلي مولاهم أبو بكر البصري (عن أيوب) السختياني (عن عبد الله بن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام وهو جده (عن عقبة بن الحارث) ﵁ (أن النبي ﷺ أتي بنعيمان) بضم النون (أو بابن نعيمان) بضم النون أيضًا بالشك هل الذي أتي به نعيمان أو ابنه ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بالنعيمان أو بابن النعيمان بزيادة ألف ولام فيهما (وهو سكران) بعدم الصرف (فشق) ذلك (عليه) زاده الله شرفًا لديه وعند النسائي فشق على النبي ﷺ مشقة شديدة (وأمر من في البيت أن يضربوه) الحد (فضربوه بالجريد والنعال) قال عقبة (وكنت) بالواو ولأبي ذر فكنت (فيمن ضربه) وفيه أن الحد يحصل بالضرب بالجريد والنعال وكذا بالعصا المعتدلة وأطراف الثياب بعد فتلها حتى تشتد إذ القصد الإيلام وكذا بالسوط وتمسك به من قال: يجوز إقامة الحد على السكران في حال سكره، والجمهور على خلافه، وأولوا الحديث بأن المراد ذكر سبب الضرب لا أن ذلك الوصف استمر به في حال ضربه لأن المقصود بالضرب في الحد الإيلام ليحصل الردع به.
وسبق في الباب الذي قبل هذا أن في كتاب الوكالة أن في رواية للإسماعيلي جئت بالنعيمان من غير شك، وكذا عند الزبير بن بكار وابن منده بغير شك أيضًا وهو النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، وكان كثير المزاح يضحك النبي ﷺ من مزاحه وهو صاحب سويبط بن حرملة فقال يومًا له: لأغيظنك فجاء إلى أناس جلبوا ظهرًا فقال: ابتاعوا منا غلامًا عربيًّا فارهًا وهو ذو لسان، ولعله يقول: أنا حرّ فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوه لا تفسدوا عليّ غلامي فقالوا بل نبتاعه منك بعشر قلائص فأقبل بها يسوقها وأقبل بالقوم حتى عقلوه ثم قال: دونكم هذا هو فجاء القوم فقالوا قد اشتريناك فقال سويبط: هو كاذب أنا رجل حرّ فقالوا قد أخبرنا خبرك فطرحوا الحبل في رقبته وذهبوا به وجاء أبو بكر فأخبر به فذهب هو وأصحاب له فردوا القلائص وأخذوه، فلما عادوا إلى النبي ﷺ وأخبروه الخبر ضحك النبي ﷺ وأصحابه حولاً.
وروي أنه جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه فقال بعض أصحاب النبي ﷺ لنعيمان لو نحرتها فأكلناها فإنا قد قرمنا إلى اللحم ويغرم رسول الله ﷺ ثمنها قال: فنحرها نعيمان ثم خرج الأعرابي فصاح به واعقرياه يا محمد، فخرج النبي ﷺ فقال "من فعل هذا": قالوا نعيمان فأتبعه يسأل عنه فوجدوه في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب مستخفيًا فأشار إليه رجل ورفع صوته يقول: ما رأيته يا رسول الله وأشار بإصبعه حيث هو فأخرجه رسول الله ﷺ فقال له: "ما حملك على هذا"؟ قال: الذين دلوك عليّ يا رسول الله هم الدين أمروا فجعل رسول الله ﷺ يمسح وجهه ويضحك وغرم ثمنها وكان يشرب الخمر فلما كثر ذلك منه قال له رجل من أصحاب النبي ﷺ لعنك الله فقال النبي ﷺ : "لا تفعل فإنه يحب الله ورسوله".
٦٧٧٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَلَدَ النَّبِىُّ ﷺ فِى الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ.
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي البصري قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة السدوسي (عن أنس) ﵁ أنه (قال: جلد النبي ﷺ في الخمر بالجريد والنعال وجلد أبو بكر) ﵁ (أربعين) ولا منافاة بين قوله ضرب وجلد لأن المراد من قوله جلد ضرب فأصاب جلده وليس المراد ضربه بالجلد.
٦٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ: «اضْرِبُوهُ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ: لَا تَقُولُوا هَكَذَا لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ.
[الحديث ٦٧٧٧ - طرفه في: ٦٧٨١].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا أبو ضمرة أنس) أي ابن عياض (عن يزيد بن الهاد) هو يزيد من الزيادة ابن عبد الله بن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد نسبه إلى جده الأعلى (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي (عن أبي سلمة)
стр. 4242
بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: أُتي) بضم الهمزة (النبي ﷺ برجل) يحتمل أن يكون هو النعيمان أو عبد الله الذي كان يلقب حمارًا والثاني أقرب (قد شرب) خمرًا (قال) ﷺ :
(اضربوه) أي يذكر عددًا فقيل لأنه لم يكن محدودًا بعدد مخصوص حينئذٍ (قال أبو هريرة ﵁ فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه) أي بعد فتله للإيلام (فلما انصرف) من الضرب (قال بعض القوم) قيل إنه عمر ﵁ (أخزاك الله قال) ﷺ : (لا تقولوا هكذا) أي لا تدعوا عليه بالخزي وهو الذل والهوان (لا تعينوا عليه الشيطان) لأن الشيطان يريد بتزيينه له المعصية أن يحصل له الخزي فإذا دعوا عليه بالخزي فكأنهم قد حصلوا مقصود الشيطان وقال البيضاوي: لا تدعوا عليه بهذا الدعاء، فإن الله إذا أخزاه استحوذ عليه الشيطان أو لأنه إذا سمع منكم انهمك في المعاصي وحمله اللجاج والغضب على الإصرار فيصير الدعاء وصلة ومعونة في إغوائه وتسويله.
والحديث أخرجه أبو داود في الحدود.
٦٧٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ سَمِعْتُ عُمَيْرَ بْنَ سَعِيدٍ النَّخَعِىَّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ ﵁ قَالَ: مَا كُنْتُ لأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ، فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِى نَفْسِى إِلاَّ صَاحِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ وَذَلِكَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) الحجبي بفتح المهملة والجيم ثم موحدة البصري قال: (حدّثنا خالد بن الحارث) بن عبيد بن سالم الهجيمي البصري قال: (حدّثنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا أبو حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي قال: (سمعت عمير بن سعيد) بضم العين وفتح الميم في الأول وكسر العين في الثاني (النخعي قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁) أنه (قال: ما كنت لأقيم) اللام لتأكيد النفي (حدًّا على أحد فيموت فأجد في نفسي) أي فأحزن عليه والفعلان بالنصب كذا في الفرع ونص عليه في الفتح وقال الكرماني فيموت بالنصب فأجد بالرفع وقوله فيموت مسبب عن أقيم وأجد مسبب عن السبب والمسبب معًا والاستثناء في قوله (إلا صاحب الخمر) منقطع فصاحب يجب نصبه إلا عند تميم أي لكن أجد من حد صاحب الخمر إذا مات شيئًا، ويجوز أن يقدر ما أجد من موت أحد يقام عليه الحد شيئًا إلا من موت صاحب الخمر فيكون متصلاً قاله في شرح المشكاة وصاحب
الخمر أي شارب الخمر (فإنه لو مات وديته) بتخفيف الدال المهملة أعطيت ديته لمن يستحقها. وعند النسائي وابن ماجة من رواية الشعبي عن عمير بن سعيد قال: سمعت عليًّا يقول: من أقمنا عليه حدًّا فمات فلا دية له إلا من ضربناه في الخمر.
وقال في المصابيح: فإن قلت: لا شك أن الاستثناء المتقدم متصل وحكمه نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه ضرورة أن الاستثناء من النفي إثبات وبالعكس وحكم المستثنى منه عدم الوجدان في النفس والثابت للمستثنى كونه يودى وليس نقيضًا للأول. وأجاب: بأنه يلزم من القيام بديته ثبوت الوجدان في النفس من أمره ولذلك يديه على تقدير موته فهو حينئذٍ جار على القاعدة والمعنى فإنه لو مات وجدت في نفسي منه فوديته فحذف السبب وأقام المسبب مقامه.
(وذلك) إشارة إلى قوله ما كنت لأقيم الخ (أن رسول الله ﷺ لم يسنه) أي لم يقدر فيه حدًّا مضبوطًا وقد اتفقوا على أن من وجب عليه حد فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي فمات فلا دية فيه ولا كفارة على الإمام ولا على جلاده ولا في بيت المال إلا في حد الخمر فعن عليّ ما تقدم، وقال الشافعي: إن ضرب بغير السوط فلا ضمان وإن شرب بالسوط ضمن قبل الدّية وقيل قدر تفاوت ما بين الجلد بالسوط وبغيره والدية في ذلك على عاقلة الإمام، وكذلك لو مات فيما زاد على الأربعين. وقال الطيبي: ويحتمل أن يراد بقوله لم يسنه الحد الذي يؤدّي إلى التعزير كما في حديث أنس ومشاورة عمر عليًّا ﵄ قال: وتلخيص المعنى أنه إنما خاف من سنة سنها عمر وقوّاها برأي عليّ لا ما سنه رسول الله ﷺ .
والحديث أخرجه مسلم في الحدود وكذا أبو داود وابن ماجة.
٦٧٧٩ - حَدَّثَنَا مَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْجُعَيْدِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِمْرَةِ أَبِى بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ.
وبه قال:
стр. 4243
(حدّثنا مكي بن إبراهيم) البلخي (عن الجعيد) بضم الجيم وفتح العين المهملة ابن عبد الرَّحمن التابعي الصغير (عن يزيد بن خصيفة) بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة بعدها تحتية ساكنة ثم فاء الكوفي وهو يزيد بن عبد الله بن خصيفة (عن السائب) بالهمزة بعد الألف (ابن يزيد) من الزيادة الكندي ﵁ أنه (قال: كنا نؤتى) بضم النون وفتح الفوقية (بالشارب) الخمر (على عهد رسول الله ﷺ ¬) وقد كان السائب صغيرًا جدًّا في عهد رسول الله ﷺ لأنه كان ابن ست سنين فبعد أن يشارك من كان يجالس النبي ﷺ فيما ذكر من ضرب الشارب فمراده بقوله كنا أي الصحابة ﵃ ويحتمل أن يحضر مع أبيه أو غيره فيشاركهم في ذلك فيكون الإسناد على حقيقته (وإمرة أبي بكر) بكسر الهمزة وسكون الميم أي خلافته رضي الله
عنه (وصدرًا من خلافة عمر) ﵁ أوائل خلافته (فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا) فنضربه بها (حتى كان آخر إمرة عمر) بنصب آخر لأبي ذر وبالرفع لغيره (فجلد أربعين حتى إذا عتوا) بفتح العين المهملة والفوقية تجبروا وانهمكوا في الطغيان وبالغوا في الفساد في شرب الخمر (وفسقوا) أي خرجوا عن الطاعة (جلد ثمانين) سوطًا زاد عبد الرَّزاق. وقال: هذا أدنى الحدود.
واستشكل قوله: حتى كان آخر إمرة عمر الخ هذا بما في سنن أبي داود والنسائي من حديث عبد الرَّحمن بن أزهر في قصة الشارب الذي ضربه النبي ﷺ بحنين وفيه: فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد أن الناس قد انهكموا في الشرب وتحاقروا العقوبة قال: وعنده المهاجرون والأنصار فسألهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين فإنه يدل على أن أمر عمر بجلد ثمانين كان في وسط إمارته فإن خالدًا مات في وسط خلافة عمر وظاهر قوله حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين أن التحديد بها إنما وقع في آخر خلافة عمر وليس كذلك لما في قصة خالد المذكورة. وأجيب: بأن المراد بالغاية المذكورة استمرار الأربعين.
٥ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ لَعْنِ شَارِبِ الْخَمْرِ وَإِنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنَ الْمِلَّةِ
(باب ما يكره من لعن شارب الخمر) بسكون العين والكراهة للتنزيه عند قصد محض السب وللتحريم عند قصد معناه الأصلي وهو الإِبعاد من رحمة الله (وأنه) أي الشارب (ليس بخارج) بمعصيته بشربه (من الملة) الإسلامية فالنفي في حديث لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن السابق نفي للكمال.
٦٧٨٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِى اللَّيْثُ، حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِى الشَّرَابِ فَأُتِىَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة ويحيى هو ابن عبد الله بن بكير المصري المخزومي قال: (حدثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام قال: (حدثني) بالإفراد أيضًا (خالد بن يزيد) البجلي (عن سعيد بن أبي هلال) بكسر العين الليثي المدني (عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم الحبشي مولى عمر بن الخطاب (عن عمر بن الخطاب) ﵁ (أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ ¬) أي زمنه (كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا) باسم الحيوان المعروف (وكان يضحك رسول الله ﷺ ¬) بضم التحتية وسكون الضاد المعجمة وكسر المهملة بأن يفعل أو يقول: في حضرته
المقدسة ما يضحك منه، وعند أبي يعلى من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم بسند الباب أن رجلاً كان يلقب حمارًا وكان يهدي لرسول الله ﷺ العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبي ﷺ فقال: أعط هذا متاعه فما يزيد النبي ﷺ على أن يتبسم ويأمر به فيعطى وفي حديث عبد الله بن عمرو بن حزم وكان لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم جاء فقال: يا رسول الله هذا أهديته لك فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه. فقال: اعط هذا الثمن فيقول ألم تهده لي فيقول ليس عندي فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه قال: وقد وقع نحو هذا لنعيمان فيما ذكره الزبير بن بكار في كتاب الفكاهة والمزاح.
(وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب) أي بسبب شربه الشراب المسكر (فأتي) بضم الهمزة (به يومًا) وقد شرب المسكر وكان في غزوة خيبر كما قاله
стр. 4244
الواقدي (فأمر) ﷺ (به فجلد) وللواقدي فأمر به فخفق بالنعال وحينئذٍ فيكون معنى فجلد أي ضرب ضربًا أصاب جلده (فقال) ولأبي ذر قال: (رجل من القوم) وعند الواقدي فقال عمر ﵁: (اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به) بضم التحتية وفتح الفوقية وما مصدرية أي ما أكثر إتيانه وللواقدي ما أكثر ما يضرب وفي رواية معمر ما أكثر ما يشرب وما أكثر ما يجلد (فقال النبي ﷺ ¬):
(لا تلعنوه فوالله ما علمت) أي الذي علمت (أنه) بفتح همزة أن واسمها الضمير وخبرها (يحب الله ورسوله) وأن مع اسمها وخبرها سد مسد مفعولي علمت لكونه مشتملاً على المنسوب والمنسوب إليه، والضمير في أنه يعود إلى الموصول والموصول مع صلته خبر مبتدأ محذوف تقديره هو الذي علمت والجملة جواب القسم، قاله المظهري. قال الطيبي: وفيه تعسف، وقال صاحب المطالع: ما موصولة وأنه بكسر الهمزة مبتدأ وقيل بفتحها وهو مفعول علمت. قال الطيبي: فعلى هذا علمت بمعنى عرفت وأنه خبر الموصول قال: وجعل ما نافية أظهر لاقتضاء القسم أن يتلقى بحرف النفي وبأن وباللام بخلاف الموصول ولأن الجملة القسمية جيء بها مؤكدة لمعنى النهي مقررة للإنكار، ولأبي ذر عن الكشميهني إلا أنه بزيادة إلا وفتح همزة أنه ولأبي ذر إنه بكسر الهمزة ورواية الكشميهني مؤيدة لقول الطيبي إن جعلت ما نافية الخ كما قال بعد ذلك، ويؤيده أنه وقع في شرح السنة فوالله ما علمت إلا أنه في رواية الواقدي فإنه يحب الله ورسوله ولا إشكال فيها لأنها جاءت تعليلاً لقوله لا تفعل.
وفي الحديث الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر لثبوت النهي عن لعنه وأنه لا تنافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب لأنه ﷺ أخبر أن المذكور يحب الله ورسوله مع ما صدر منه وكراهة لعن شارب الخمر، وقيل المنع في حق من أقيم عليه الحد لأن الحد كفر عنه الذنب، وقيل المنع مطلقًا في حق ذي الزلة والجواز مطلقًا في حق المهاجرين، وصوّب ابن المنير أن المنع مطلقًا في حق المعين والجواز في حق غير المعين لأنه في حق غير المعين زجر عن تعاطي ذلك الفعل، واحتج الإمام البلقيني على جواز لعن المعين بالحديث الوارد في المرأة
إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح وتعقبه بعضهم بأن اللاعن لها الملائكة فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم، ولئن سلمنا فليس في الحديث تسميتها. وأجيب: بأن الملك معصوم والتأسي بالمعصوم مشروع.
والحديث من إفراده.
٦٧٨١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِسَكْرَانَ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ: مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله بن جعفر) المديني قال: (حدّثنا أنس بن عياض) أبو ضمرة قال: (حدّثنا ابن الهاد) هو عبد الله بن شداد بن الهاد (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث التيمي (عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: أتي) بضم الهمزة (النبي ﷺ بسكران) تقدم أنه النعيمان أو ابن النعيمان بالتصغير فيهما وبالشك (فأمر بضربه) ولأبي ذر عن المستملي فقام ليضربه قال في الفتح: وهو تصحيف (فمنا من يضربه بيده ومنا من يضربه بنعله ومنا من يضربه بثوبه فلما انصرف قال رجل) قيل إنه عمر بن الخطاب ﵁: (ما له أخزاه الله) أي أذله (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) المسلم لأن الله إذا أخزاه استحوذ عليه الشيطان، وقيل غير ذلك مما سبق قريبًا في باب الضرب بالجريد والنعال.
وفي الحديث كلما قال القرطبي إن السكر بمجرده موجب للحدّ لأن الفاء للتعليل كقوله: سها فسجد ولم يفصل هل سكر من ماء عنب أو غيره ولا هل شرب قليلاً أو كثيرًا ففيه حجة للجمهور على الكوفيين في التفرقة.
٦ - باب السَّارِقِ حِينَ يَسْرِقُ
(باب السارق حين يسرق) بكسر الراء.
٦٧٨٢ - حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ».
[الحديث ٦٧٨٢ - طرفه في: ٦٨٠٩].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (عمرو بن علي) بفتح العين أي ابن بحر الصيرفي قال: (حدّثنا عبد الله بن داود) بن عامر الكوفي قال: (حدّثنا فضيل بن غزوان) بضم
الفاء وفتح المعجمة مصغرًا وغزوان بفتح العين المعجمة
стр. 4245
وسكون الزاي الكوفي (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يزني الزانمي حين يزني وهو مؤمن) إيمانًا كاملاً أو يحمل على المستحل منع العلم بالحرمة في الشرع (ولا يسرق حين يسرق) في يسرق ضمير مستتر مرفوع راجع إلى السارق الدال عليه قوله يسرق بالالتزام لأن يسرق يستلزم سارقًا وحسن ذلك تقدم نظيره وهو لا يزني الزاني وليس يرجع إلى الزاني لفساد المعنى ولأبي ذر ولا يسرق السارق حين يسرق (وهو مؤمن) وسبق في كتاب المظالم عن الفربري أنه قال وجدت بخط أبي جعفر يعني وراق البخاري قال أبو عبد الله البخاري: تفسيره أن ينزع منه يريد نور الإيمان اهـ.
والإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان ونوره الأعمال الصالحة واجتناب المناهي فإذا زنى أو شرب الخمر أو سرق ذهب نوره وبقي في الظلمة فإن تاب رجع إلى الله.
والحدي مرّ في المظالم والحدود وغيرهما.
٧ - باب لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ
(باب) حكم (لعين السارق إذا لم يسم) أي لم يعين.
٦٧٨٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» قَالَ الأَعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلُ، كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يَسْوَى دَرَاهِمَ.
[الحديث ٦٧٨٣ - طرفه في: ٦٧٩٩].
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) قال: (حدثني) بالإفراد (أبي) حفص النخعي الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: سمعت أبا صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده) فيه جواز لعن غير المعين من العصاة لأنه لعن الجنس مطلقًا ويحتمل أن يكون خبرًا ليرتدع من سمعه عن السرقة ويحتمل أن لا يراد به حقيقة اللعن بل التنفير فقط وقال في شرح المشكاة: لعل المراد باللعن هنا الإهانة والخذلان كأنه قيل لما استعمل أعز شيء عنده في أحقر شيء خذله الله حتى قطع (ويسرق الحبل) بالحاء المهملة المفتوحة والموحدة الساكنة (فتقطع يده).
(قال الأعمش) بالسند السابق (كانوا) أي الراوون لهذا الحديث (يرون) بفتح التحتية من الرأي ولأبي ذر بضمها من الظن (أنه بيض الحديد) ولأبي ذر عن الكشميهني بيضة الحديد أي التي تكون على رأس المقاتل (والحبل كانوا يرون) بفتح أوله وضمه ما مر (أنه) أي الحبل المذكور
(منها) أي من الحبال (ما يسوى) بفتح التحتية والواو بينهما سين مهملة ساكنة ولأبي ذر ما يساوي بضم ففتح فألف فكسر (دراهم).
قال في الكواكب: أي ثلاثة كأنه نظر إلى أن أقل الجمع ثلاثة وتعقب الأعمش ابن قتيبة فقال قوله في هذا الحديث أن البيضة بيضة الحديد التي تجعل في الرأس في الحرب، وإن الحبل من حبال السفن تأويل لا يجوز عند من يعرف صحيح كلام العرب لأن كل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة، وهذا ليس موضع تكثير لما يسرقه السارق ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح الله فلانًا عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وتعرض للعقوبة بالغلول في جراب مسك وإنما العادة في مثل هذا أن يقال لعنه الله تعرض لقطع اليد في حبل رث أو في كبة شعر أو رداء خلق وكل ما كان نحو ذلك كان أبلغ اهـ.
وتبعه الخطابي وعبارته تأويل الأعمش هذا غير مطابق للحديث ومخرج الكلام وإنما وجه الحديث وتأويله ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء عاقبتها فيما قل وكثر من المال يقول إن سرقة الشيء اليسير الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة والحبل الخلق الذي لا قيمة له إذا تعاطاها فاستمرت به العادة لم ينشب أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقهما حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع يده يقول فليحذر هذا الفعل وليتوقه قبل أن تملكه العادة ويتمرن عليها ليسلم من عاقبته اهـ.
لكن أخرج ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه قطع يد سارق في بيضة حديد ثمنها ربع دينار قال في الفتح: رجاله ثقات مع انقطاعه ولعل هذا مستند التأويل الذي أشار إليه الأعمش: وقال الكرماني: غرض الأعمش أنه لا قطع في الشيء القليل بل النصاب كربع دينار.
والحديث أخرجه مسلم في الحدود والنسائي في
стр. 4246
القطع وابن ماجة في الحدود.
٨ - باب الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الحدود كفارة).
٦٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِىِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِى مَجْلِسٍ فَقَالَ: «بَايِعُونِى عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا». وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّهَا. «فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهْوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) غير منسوب وجزم أبو نعيم في المستخرج أنه الفريابي أو هو البيكندي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (ابن عيينة) سفيان (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي إدريس) عائذ الله بالذال المعجمة (الخولاني) بالخاء المعجمة (عن عبادة بن الصامت ﵁) أنه (قال: كنا عند النبي ﷺ في مجلس فقال):
(بايعوني) بكسر التحتية أي عاقدوني (على) التوحيد (أن لا تشركوا بالله شيئًا و) على أن (لا تسرقوا) حذف المفعول ليدل على العموم (ولا تزنوا وقرأ هذه الآية كلها) وهي قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية (فيمن وفي منكم) بتخفيف الفاء (فأجره على الله) فضلاً (ومن أصاب من ذلك شيئًا) غير الشرك (فعوقب به) أي بسببه (فهو) أي العقاب (كفارته) فلا يعاقب عليه في الآخرة زاد الترمذي من حديث علي وصححه: فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة واستشكل بحديث أبي هريرة عند البزار وصححه الحاكم أنه ﷺ قال لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا وأجيب بأن حديث الباب أصح إسنادًا، وبأن الحاكم لا يخفى تساهله في التصحيح وسبق في كتاب الإيمان مزيد بحث لذلك فليراجع (ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه إن شاء غفر له) بفضله (وإن شاء عذبه) بعدله.
والحديث سبق في الإِيمان ما مرّ.
٩ - باب ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى، إِلاَّ فِى حَدٍّ أَوْ حَقٍّ
هذا (باب) بالتنوين (ظهر المؤمن حمى) أي محمي محفوظ عن الإيذاء (إلا في حدّ) وجب عليه (أو حق) لآدمي.
٦٧٨٥ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ أَبِى قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَلَا أَىُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً»؟ قَالُوا: أَلَا شَهْرُنَا هَذَا؟ قَالَ: «أَلَا أَىُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً»؟ قَالُوا: أَلَا بَلَدُنَا هَذَا؟ قَالَ: «أَلَا أَىُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً»؟ قَالُوا: أَلَا يَوْمُنَا هَذَا؟ قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قَدْ حَرَّمَ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ»؟ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ أَلَا نَعَمْ. قَالَ: «وَيْحَكُمْ -أَوْ وَيْلَكُمْ- لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن عبد الله) قال الحاكم: هو الذهلي فيكون نسبه لجدّه واسم أبيه يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس أو هو محمد بن عبد الله بن أبي الثلج بالمثلثة والجيم قال: (حدّثنا عاصم بن علي) الواسطي قال: (حدّثنا عاصم بن محمد عن)
أخيه (واقد بن محمد) بالقاف أنه قال: (سمعت أبي) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (قال عبد الله) بن عمر بن الخطاب ﵄: (قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع) بمنى في خطبته التي خطبها يوم النحر:
(ألا) بالتخفيف للتنبيه (أيّ شهر تعلمونه أعظم حرمة)؟ برفع أي (قالوا: ألا) بالتخفيف (شهرنا هذا) الحجة (قال) ﷺ : (ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة قالوا: ألا بلدنا هذا) البلد الحرام (قال: ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا). يوم النحر في الكواكب: فإن قلت: صح إن أفضل الأيام يوم عرفة. وأجاب بأن المراد باليوم وقت أداء المناسك وهما في حكم شيء واحد (قال) ﷺ : (فإن الله ﵎ سقط لأبي ذر ما بعد الجلالة الشريفة (قد حرم دماءكم) ولأبي ذر قد حرم عليكم ودماءكم (وأموالكم وأعراضكم) بفتح الهمزة (ألا بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا) بالتخفيف (هل بلغت) قال ذلك (ثلاثًا كل ذلك يجيبونه) أي الصحابة (ألا نعم) بلغت (قال) ﷺ (ويحكم) بالحاء المهملة كلمة رحمة (أو) قال (ويلكم) كلمة عذاب (لا ترجعن) بضم العين وبالنون الثقيلة خطاب للجماعة ولمسلم لا ترجعوا (بعدي) بعد موقفي هذا أو بعد وفاتي (كفارًا) أي لا يكفر بعضكم بعضًا فتستحلوا القتال أو لا تكن أفعالكم أفعال الكفار (يضرب بعضكم رقاب بعض) برفع يضرب جملة مستأنفة مبنية لقوله:
لا ترجعوا بعدي كفارًا.
والحديث سبق في الحج في باب الخطبة أيام منى والله أعلم.
١٠ - باب إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالاِنْتِقَامِ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ
(باب) وجوب (إقامة الحدود و) وجوب (الانتقام لحرمات الله).
٦٧٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا خُيِّرَ النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِى شَىْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو ابن عبد الله بن بكير المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت: ما خير النبي ﷺ ¬) بضم الخاء
стр. 4247
المعجمة وتشديد التحتية المكسورة (بين أمرين) من أمور الدنيا (إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثم) ولغير الكشميهني ما لم يأثم.
قال الكرماني فإن قلت: كيف يخير النبي ﷺ في أمرين أحدهما إثم؟ وأجاب: بأن التخيير إن كان من الكفار فظاهر وإن كان من الله والمسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم كالتخيير في المجاهدة في العبادة والاقتصاد فيها فإن المجاهدة بحيث تجر إلى الهلاك لا تجوز اهـ.
ونحوه أجاب به ابن بطال والأقرب كما قال في الفتح إن فاعل التخيير الآدمي وهو ظاهر وأمثلته كثيرة ولا سيما إذ صدر من كافر.
(فإذا كان الإثم كان أبعدهما) أي أبعد الأمرين (منه) ﷺ (والله ما انتقم) ﷺ (لنفسه في شي له يؤتى إليه قط) بضم التحتية وفتح الفوقية (حتى تنتهك) بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية بينهما نون ساكنة (حرمات الله) بارتكاب معاصيه (فينتقم لله) بالرفع أي فهو ينتقم، ولأبي ذر فينتقم بالنصب عطفًا على تنتهك.
والحديث سبق في باب صفة النبي ﷺ .
١١ - باب إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ
(باب) وجوب (إقامة الحدود على الشريف والوضيع).
٦٧٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُسَامَةَ كَلَّمَ النَّبِىَّ ﷺ فِى امْرَأَةٍ فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى الْوَضِيعِ، وَيَتْرُكُونَ الشَّرِيفَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ فَاطِمَةُ فَعَلَتْ ذَلِكَ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (أن أسامة) بن زيد (كلم النبي ﷺ ¬) للشفاعة (في امرأة) اسمها فاطمة المخزومية وكانت سرقت حليًّا فقالوا من يكلم فيها النبي ﷺ حتى لا تقطع يدها لم يجسر أحد أن يكلمه في ذلك فكلمه أسامة بن زيد (فقال) ﷺ :
(إنما هلك من كان قبلكم إنهم) أي لأنهم (كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون الشريف) فلا يقيمون عليه الحد، ولأبي ذر عن الكشميهني ويتركون على الشريف أي يتركون إقامة الحد على الشريف (والذي نفسي بيده لو) فعلت (فاطمة) ﵂ بنت النبي ﷺ ذلك ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لو أن فاطمة (فعلت ذلك لقطعت يدها).
والحديث سبق في بني إسرائيل والمناقب وأخرجه أصحاب السنن الأربعة ومسلم.
١٢ - باب كَرَاهِيَةِ الشَّفَاعَةِ فِى الْحَدِّ إِذَا رُفِعَ إِلَى السُّلْطَانِ
(باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان).
٦٧٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِى سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ»؟ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا».
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن سليمان) بفتح السين في الأول وضمها في الثاني البزاز بزايين أولاهما مشددة البغدادي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن قريشًا) أي من أدرك ذلك منهم بمكة عام الفتح والنبي ﷺ مقيم بمكة مما في مسلم وقريشًا بالتنوين مصروفًا على إرادة الحي ولو أريد القبيلة منع (أهمتهم المرأة) فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل الذي كان زوج أم سلمة أم المؤمنين قتل أبوها كافرًا يوم بدر قتله حمزة ووهم من زعم أن له صحبة (المخزومية) نسبة إلى مخزوم بن يقظة بفتح التحتية والقاف بعدها ظاء معجمة مشالة ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ومخزوم أخو كلاب بن مرة الذي ينسب إليه بنو عبد مناف (التي سرقت) وفي ابن ماجة: أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله ﷺ ، وعند ابن سعد من مرسل حبيب بن أبي ثابت أنها سرقت حليًّا وجمع بينهما بأن الحلي كان في القطيفة، وفي مسلم أنها كانت تستعير المتاع وتجحده لكن القطع بالسرقة لا بجحد المتاع خلافًا للإمام أحمد والجمهور على أن جحد المتاع ذكر للتعريف جميعًا للروايات أو رواية الجحد شاذة لا يعمل بها لمخالفتها الباقي، ولذا لم يذكرها البخاري وإنما انفرد بها مسلم ومعنى أهمتهم أي صيرتهم ذوي هم خوفًا من لحوق العار وافتضاحهم بها بين القبائل وظنوا إمكان الشفاعة في مثل ذلك فلما جاء أهلها إلى من يشفع لهم فيها عند رسول الله ﷺ .
(فقالوا: من يكلم رسول الله ﷺ ¬) أي يشفع أن لا تقطع إما عفوًا وإما بفداء (ومن
стр. 4248
يجترئ) بالجيم والهمزة أي من يتجاسر (عليه) بطريق الإدلال (إلا أسامة) ولأبي ذر إلا أسامة بن زيد وأسامة بالرفع على الفاعلية فيحتاج إلى ضمير من جملة يجترئ يعود على من لأن من مبتدأ والخبر الجملة فلا بدّ من ضمير يعود على المبتدأ وهو الضمير المجرور والتقدير وأي شخص يجترئ كما يجترئ أسامة عليه، والمعنى لا يجترئ عليه منا أحد لمهابته ولما لا تأخذه في دين الله رأفة وما يجترئ عليه إلا أسامة وعليه يتعلق بيجترئ ونظير هذا التركيب هنا قوله تعالى ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥] قال أبو البقاء: من مبتدأ ويغفر خبره وإلاّ الله فاعل يغفر أو بدل من المضمر فيه وهو الوجه لأنك إذا جعلت الله فاعلاً احتجت إلى تقدير ضمير أي ومن يغفر الذنوب غير الله، لكن قال في الدر: جعله الجلالة فاعلاً يقرب من الغلط فإن الاستفهام هنا لا
يراد به حقيقته إنما يراد به النفي، والوجه أن الجلالة بدل من الضمير ويصح أن يكون أسامة مرفوعًا على أنه بدل من فاعل يجترئ وهو وجه الإعراب كما قال أبو البقاء، ويجوز النصب على الاستثناء ووقع في حديث مسعود بن الأسود فجئنا إلى النبي ﷺ فقلنا نحن نفديها بأربعين أوقية فقال تطهر خير لها فلما سمعنا لين النبي ﷺ أتينا أسامة، وفي رواية يونس السابقة في الفتح ففزع قومها إلى أسامة، وفي رواية أيوب بن موسى في الشهادات فلم يجترئ أحد أن يكلمه إلا أسامة (حب رسول الله ﷺ ¬) بكسر الحاء المهملة أي محبوبه ويجري عليه إعراب أسامة إن كان مرفوعًا فنعته مرفوع وإن كان منصوبًا فنعته منصوب ويجوز البدل (فكلم) أسامة (رسول الله ﷺ فقال) ﷺ له:
(أتشفع) بهمزة الاستفهام وفيها معنى الإنكار والجملة معمولة للقول، وفي رواية يونس فكلمه فتلوّن وجه رسول الله ﷺ فقال أتشفع (في) ترك (حدّ من حدود الله ثم قام) ﷺ (فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضلّ من قبلكم) وفي رواية أبي الوليد هلك وفي رواية سفيان عند النسائي إنما هلك بنو إسرائيل ولأبي ذر عن الكشميهني من كان قبلكم (إنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه) فلا يحدونه (وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد) قال ابن دقيق العيد الظاهر أن هذا الحصر ليس عامًّا فإنّ بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك على حصر مخصوص وهو الإهلاك بسبب المحاباة في الحدود فلا ينحصر في حد السرقة (وأيم الله) مرفوع بالابتداء وخبره محذوف أي قسمي أو يميني أو لازم لي (لو أن فاطمة) ﵂ (بنت محمد) ﷺ (سرقت لقطع محمد يدها).
وعند ابن ماجة عن محمد بن رمح شيخه في هذا الحديث سمعت الليث يقول: عقب هذا الحديث قد أعاذها الله من أن تسرق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول مثل هذا فينبغي أن لا يذكر هذا الحديث في الاستدلال ونحوه إلا بهذه الزيادة، ووقع للشافعي رحمة الله عليه أنه لما ذكر هذا الحديث قال: فذكر عضوًا شريفًا من امرأة شريفة فاستحسنوا ذلك منه لما فيه من الأدب البالغ، وفي قوله لقطع محمد يدها التجريد، وإنما خص ﷺ فاطمة بالذكر لأنها أعز أهله عنده فأراد المبالغة في تثبيت إقامة الحدّ على كل مكلف وترك المحاباة في ذلك ولأن اسم السارقة وافق اسمها ﵂ فناسب أن يضرب المثل بها. وزاد في رواية يونس السابقة في غزوة الفتح ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. وفي حديث ابن عمر عند النسائي: قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها وزاد أبو داود في تعليقه عن محمد بن عبد الرَّحمن فشهد عليها وزاد يونس أيضًا. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد وتزوجت، وفي الحديث منع الشفاعة في الحدود وهو مقيد في الترجمة بما إذا رفع إلى السلطان، وفي مرسل حبيب بن أبي ثابت أنه ﷺ قال لأسامة لما شفع: "أتشفع في حدّ فإن الحدود إذا انتهت فليس لها مترك". وعند الدارقطني من حديث الزبير مرفوعًا اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي
стр. 4249
فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان وإن على السلطان إذا بلغته أن يقيمها.
١٣ - باب
قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وَفِى كَمْ يُقْطَعُ؟ وَقَطَعَ عَلِىٌّ مِنَ الْكَفِّ وَقَالَ قَتَادَةُ فِى امْرَأَةٍ سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ شِمَالُهَا: لَيْسَ إِلاَّ ذَلِكَ.
(باب قول الله تعالى ﴿والسارق والسارقة﴾) ارتفعا بالابتداء والخبر محذوف تقديره فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أو الخبر (﴿فاقطعوا أيديهما﴾) [المائدة: ٣٨] أي يديهما. والمراد اليمينان بدليل قراءة عبد الله والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم رواه الترمذي ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط لأن المعنى، والذي سرق والذي سرقت فاقطعوا أيديهما والاسم الموصول تضمن معنى الشرط وبدأ بالرجل لأن السرقة من الجراءة وهي في الرجال أكثر وقدمت الزانية على الزاني لأن داعية الزنا في الإناث أكثر، ولأن الأنثى سبب في وقوع الزنا إذ لا يتأتى غالبًا إلا بطواعيتها وأتى بصيغة الجمع ثم التثنية إشارة إلى أن المراد جنس السارق فلوحظ فيه المعنى فجمع والتثنية بالنظر إلى الجنسين المتلفظ بهما. وقال القرطبي أبو عبد الله: أوّل من حكم بقطع السارق في الجاهلية الوليد بن المغيرة وأمر الله تعالى بقطعه في الإسلام فكان أوّل سارق قطعه رسول الله ﷺ في الإسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم، وقطع أبو بكر يد الفتى الذي سرق العقد وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبد الرَّحمن بن سمرة والسرقة بفتح السين وكسر الراء ويجوز إسكانها مع فتح السين وكسرها، والأصل في القطع بها قبل الإجماع الآية السابقة، وأركان السرقة الموجبة للقطع سرقة وسارق ومسروق فأما السرقة فهي أخذ مال خفية ليس للآخذ أخذه من حرز مثله فلا يقطع مختلس ومنتهب وجاحد لنحو وديعة وعند الترمذي مما صححه ليس على المختلس والمنتهب والخائن قطع وأما السارق فشرطه أن يكون ملتزمًا للأحكام عالمًا بالتحريم مختارًا بغير إذن وأصالة فلا يقطع حربي ولو معاهدًا ولا صبي ومجنون ومكره ومأذون له وأصيل وجاهل بالتحريم قرب عهده بالإسلام أو بعد عن العلماء ويقطع مسلم وذمي بمال مسلم وذمي.
(و) أما المسروق فاختلف (في كم يقطع) فعند الشافعية في ربع دينار خالص أو قيمته، وعند المالكية يقطع بسرقة طفل من حرز مثله بأن يكون في دار أهله أو بربع دينار ذهبًا فصاعدًا أو ثلاثة دراهم فضة فأكثر فإن نقص فلا قطع وعند الحنفية عشر دراهم أو ما قيمته عشرة دراهم مضروبة. وقال الحنابلة يقطع بجحد عارية وسرقة ملح وتراب وأحجار ولبن وكلا وسرجين طاهر وثلج وصيد لا بسرقة ماء وسرجين نجس ويقطع طرار وهو الذي يبط الجيب وغيره ويأخذ منه أو بعد سقوطه نصابًا وبسرقة مجنون ونائم وأعجمي لا يميز ولو كان كبيرًا.
(وقطع عليّ) ﵁ (من الكف) وفي الفتح أن في نسخة من البخاري وقطع عليّ الكف بإسقاط حرف الجرّ وعند الدارقطني موصولاً أن عليًّا قطع من المفصل، وذكر الشافعي رحمه
الله في كتاب الاختلاف أن عليًّا كان يقطع من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصة ويقول: أستحيي من الله أن أتركه بلا عمل، وعند الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ أمر بقطع السارق الذي سرق رداء صفوان من المفصل أي مفصل الكوع قال ابن الرفعة: وادعى الماوردي أنه فعل مجمع عليه والمعنى فيه أن البطش بالكف وما زاد من الذراع تابع ولذا يجب في الكف دية اليد وفيما زاد حكومة.
(وقال قتادة) فيما وصله الإمام أحمد في تاريخه كما قاله مغلطاي في شرحه: (في امرأة سرقت فقطعت شمالها ليس إلا ذلك) فلا يقطع بعد ذلك يمينها والجمهور على أن أوّل شيء يقطع من السارق اليد اليمنى لقراءة ابن مسعود شاذة فاقطعوا أيمانهما والقراءة الشاذة كخبر الواحد في الاحتجاج بها فالقول بإجزاء لشمال مطلقًا شاذ كما هو ظاهر ما نقل هنا عن قتادة، وفي الموطأ إن كان عمدًا أوجب القصاص على القاطع ووجب قطع اليمنى
стр. 4250
وإن كان خطأ وجبت الدّية وتجزئ عن السارق، وكذا قال أبو حنيفة: وعن الشافعية لو قال: مستحق يمين للجاني فقطعها المستحق فمهدرة سواء علم القاطع أنها اليسار أم لا أو قصد جعلها عنها ظانًّا إجزاءها أو أخرجها دهشًا وظناها اليمين أو ظن القاطع الأجزاء فدية لليسار لأنه لم يبذلها مجانًا فلا قود لها لتسليط مخرجها بجعلها عوضًا في الأولى وللدهشة القريبة في مثل ذلك في الثانية بقسميها، ويبقى قود اليمين في المسائل الثلاث لأنه لم يستوفه ولا عفا عنه لكنه يؤخر حتى تندمل يساره إلا في ظن القاطع الأجزاء عنها فلا قود لها بل يجب لها دية وهذا كله في القصاص، فلو كان إخراج اليسار وقطعها في حد السرقة أجزأت عن اليمين إذا فعل المقطوع ذلك لدهشة أو لظن إجزائها عن اليمين، فلو قصد بإخراجها إباحتها لم تقع حدًّا. كذا استدركه القاضي حسين على الأصحاب وحمل إطلاقهم عليه وتبعه عليه في الوجيز والحاوي وإطلاق الأصحاب يقتضي وقوعه حدًّا مطلقًا لأن القصد منه التنكيل، وقد حصل بخلاف القصاص فإن مبناه على المماثلة.
٦٧٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «تُقْطَعُ الْيَدُ فِى رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا». تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ وَابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ.
[الحديث ٦٧٨٩ - طرفاه في: ٦٧٩٠، ٦٧٩١].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن ابن شهاب) الزهري (عن عمرة) بنت عبد الرَّحمن الأنصارية (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: قال النبي ﷺ ¬):
(تقطع اليد) السارقة (في) سرقة (ربع دينار) ذهبًا (فصاعدًا) نصب على الحال المؤكدة.
والحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة في الحدود والنسائي في القطع.
(تابعه) ولأبي ذر وتابعه أي تابع إبراهيم بن سعد (عبد الرَّحمن بن خالد) الفهمي المصري مما وصله الذهلي في الزهريات (وابن أخي الزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم مما وصله أبو عوانة في صحيحه من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن ابن أخي ابن شهاب عن عمه (ومعمر) بفتح الميمين ابن راشد مما وصله الإمام أحمد عن عبد الرزاق عنه الثلاثة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب.
٦٧٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِى رُبُعِ دِينَارٍ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس) واسم أبي أويس عبد الله بن عبد الله الأصبحي ابن أخت الإمام مالك بن أنس وصهره على ابنته (عن ابن وهب) عبد الله المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (وعمرة) بنت عبد الرَّحمن كلاهما (عن عائشة) ﵂ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال: تقطع يد السارق في ربع دينار) وهذا مما يحتج به للشافعية في التحديد بربع الدينار.
٦٧٩١ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقْطَعُ فِى رُبُعِ دِينَارٍ».
وبه قال: (حدّثنا عمران بن ميسرة) ضد الميمنة البصري يقال له صاحب الأديم قال: (حدّثنا بعد الوارث) بن سعيد البصري قال: (حدّثنا الحسين) بن ذكوان المعلم البصري (عن يحيى) ولأبي ذر عن يحيى بن أبي كثير بالمثلثة (عن محمد بن عبد الرَّحمن الأنصاري عن عمرة بنت عبد الرَّحمن) أنها (حدثته أن عائشة ﵂ حدثتهم عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(يقطع) بالتحتية ولأبي ذر تقطع اليد بالفوقية وبزيادة اليد (في ربع دينار). كذا رواه مختصرًا. وأخرجه أبو داود عن أحمد بن صالح عن ابن وهب بلفظ القطع في ربع دينار فصاعدًا والنسائي من طريق عبد الله بن المبارك عن يونس بلفظ يد السارق في ربع دينار فصاعدًا، وأخرجه الطحاوي من رواية جماعة عن عمرة موقوفًا على عائشة قال ابن عيينة: ورواية يحيى مشعرة بالرفع ورواية الزهري صريحة فيه وهو أحفظهم، وكأن البخاري أراد الاستظهار لرواية الزهري عن عمرة بموافقة محمد بن عبد الرَّحمن الأنصاري عنها لما وقع في رواية ابن عيينة عن الزهري من الاختلاف في لفظ المتن هل هو من قوله ﷺ أو من فعله؟ وفي رواية يحيى بن يحيى وجماعة عن ابن عيينة كان رسول الله ﷺ يقطع
стр. 4251
السارق في ربع دينار فصاعدًا. ورواه الشافعي والحميدي وجماعة عن ابن عيينة بلفظ قال رسول الله ﷺ "تقطع اليد" الحديث قاله في الفتح.
٦٧٩٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ يَدَ السَّارِقِ لَمْ تُقْطَعْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ فِى ثَمَنِ مِجَنٍّ حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسٍ.
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة واسمه إبراهيم العبسي الكوفي أخو أبو بكر بن أبي شيبة قال: (حدّثنا عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن سليمان (عن هشام) ولأبي ذر زيادة ابن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير أنه (قال: أخبرتني) بتاء التأنيث والإفراد (عائشة) ﵂ (أن يد السارق لم تقطع على عهد النبي ﷺ إلا في ثمن مجن) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون مفعول من الاجتنان وهو الاستتار والاختفاء مما يحاذره المستتر وكسرت ميمه لأنه آلة في ذلك قال عمر بن أبي ربيعة:
فكان مجني دون من كنت أتقي … ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
وفيه شاهد على حذف الهاء في ثلاثة لأنه عدد شخوص فحمله على المعنى لأنه أراد بالشخوص المرأة فأنث العدد لذلك وصف أنه استتر بثلاث نسوة عن أعين الرقباء واستظهر في محل التخلص منهم بهن والكاعب التي نهد ثديها والمعصر الداخلة في عصر شبابها (حجفة) بحاء مهملة فجيم ففاء مفتوحات عطف بيان للمجن وهي الدرقة وتكون من خشب أو من عظم وتغلف بالجلد (أو ترس) بضم الفوقية وسكون الراء بعدها مهملة هو كالحجفة إلا أنه يطابق فيه بين جلدين والشك من الراوي والغالب أن ثمنه لا ينقص عن ربع دينار.
والحديث أخرجه مسلم في الحدود.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ.
[الحديث ٦٧٩٢ - طرفاه في: ٦٧٩٣، ٦٧٩٤].
وبه قال: (حدّثنا عثمان) هو ابن أبي شيبة قال: (حدّثنا حميد بن عبد الرَّحمن) بن حميد الرؤاسي قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (مثله) أي مثل الحديث السابق عن عثمان.
٦٧٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِى أَدْنَى مِنْ حَجَفَةٍ، أَوْ تُرْسٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذُو ثَمَنٍ. رَوَاهُ وَكِيعٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلاً.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: لم تكن تقطع يد السارق في أدنى) أي في أقل (من) سرقة (حجفة أو ترس) بالشك (كل واحد منهما) من الحجفة والترس (ذو ثمن) رفع خبر المبتدأ الذي هو كل واحد والتنوين في ثمن للتنكير أي ثمن يرغب فيه احترازًا
عن الشيء التافه وليس المراد ترسًا بعينه ولا حجفة بعينها، وإنما المراد الجنس والقطع كان يقع في كل شيء يبلغ قدر ثمن المجن سواء كان ثمن المجن كثيرًا أو قليلاً والاعتماد إنما هو على الأقل فيكون نصابًا فلا تقطع فيما دونه.
(رواه) أي الحديث المذكور (وكيع) هو ابن الجراح الكوفي فيما رواه ابن أبي شيبة (وابن إريس) عبد الله الأودي الكوفي فيما وصله الدارقطني والبيهقي كلاهما (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (مرسلاً) ولفظ الأول عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان السارق في عهد النبي ﷺ يقطع في ثمن المجن وكان المجن يومئذٍ له ثمن ولم يكن يقطع في الشيء التافه، والثاني مثل سياق أبي سلمة الآتي بعد.
٦٧٩٤ - حَدَّثَنِى يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِى أَدْنَى مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ تُرْسٍ أَوْ حَجَفَةٍ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَا ثَمَنٍ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي سكن بغداد قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (قال هشام بن عروة: أخبرنا) أي قال: أخبرنا هشام بن عروة (عن أبيه عن عائشة ﵂) أنها (قالت: لم تقطع يد سارق على عهد النبي ﷺ في أدنى) أقل (من ثمن المجن ترس) بيان (أو حجفة) بتقديم الحاء المهملة على الجيم والفتح فيهما وتاليهما (وكان كل واحد منهما ذا ثمن) بنصب ذا فيما وقفت عليه من الأصول المعتمدة وهي مصلحة في الفرع على كشط، وقال في فتح الباري: أنه كذا ثبت في الأصول قال: وأفاد الكرماني أنه وقع في بعض النسخ وكان كل واحد منهما ذو ثمن بالرفع وخرجه على تقدير ضمير الشأن في كان اهـ.
قلت: وظن العيني أن قول الحافظ ابن حجر ذلك في رواية عبدة عن هشام فقال متعقبًا له بما نصه
стр. 4252
وقال بعضهم: وكان كل واحد منهما ذا ثمن فزاد لفظ وكان ونصب ذا ثم قال: كذا ثبت في الأصول ثم قال: وأفاد الكرماني الخ ثم قال: قلت هذا التصرف منهما ما أبعده أما قول هذا القائل كذا ثبت في الأصول فغير مسلم بل الذي ثبت في الأصول هو العبارة التي ذكرتها يعني لفظ رواية عبدة لأنها على القاعدة السالمة عن الزيادة فيه المؤدية إلى تقدير شيء قال: وأما كلام الكرماني بأنه وقع في بعض النسخ فغير مسلم أيضًا لأن مثل هذا الذي يحتاج فيه إلى تأويل غالبًا من النساخ الجهلة اهـ.
وهذا ذهول لأن الحافظ ابن حجر إنما قال ذلك في رواية أبي أسامة لا في رواية عبدة. ولفظه: ورواية أبي أسامة عن هشام جامعة بين الروايتين المذكورتين أولاً وقوله فيها وكان كل واحد منهما ذا ثمن الخ وفد ذكر العيني ﵀ رواية أبي أسامة بلفظها على عادته وفيها وكان
كل واحد منهما ذا ثمن بالنصب كما مر ثم قال بعد تعريف الرواة: وبقية الشرح قد مرت عن قريب.
والحديث رواه مسلم وقوله ورواه وكيع وابن إدريس مؤخر عن طريق أبي أسامة عند غير أبي ذر.
٦٧٩٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ فِى مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ قِيمَتُُه.
[الحديث ٦٧٩٥ - أطرافه في: ٦٧٩٦، ٦٧٩٧، ٦٧٩٨].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (مالك بن أنس) الأصبحي أمام الأئمة (عن نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قطع) أمر بقطع يد سارق بحذف المفعول (في) سرقة (مجن) حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وفي معناها السببية (ثمنه) مبتدأ خبره (ثلاثة دراهم) أي فضة وأدخل التاء في ثلاثة لأنه عدد مذكر. وقال ابن حجر ﵀ أورد هذا الحديث من حديث مالك قال ابن حزم: لم يروه عن ابن عمر غير نافع وقال ابن عبد البر: هو أصح حديث روي في ذلك (تابعه محمد بن إسحاق) عن نافع في قوله ثمنه وروايته موصولة عند الإسماعيلي من طريق عبد الله بن المبارك عن مالك ومحمد بن إسحاق وعبيد الله بن عمر ثلاثتهم عن نافع عن النبي ﷺ أنه قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم.
(وقال الليث) بن سعد الإمام مما وصله مسلم عن قتيبة محمد بن رمح عنه (حدثني) بالإفراد (نافع) كالجماعة لكنه قال: (قيمته) بدل قولهم ثمنه وقيمة الشيء ما تنتهي إليه الرغبة في شراء الشيء وهذه المتابعة، وقول الليث الخ ثابتان لأبي ذر هنا.
٦٧٩٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَطَعَ النَّبِىُّ ﷺ فِى مِجَنٍّ قِمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا جويرية) بضم الجيم وفتح الواو مصغرًا ابن أسماء الضبعي (عن نافع عن ابن عمر) ﵄ أنه (قال قطع النبي ﷺ ¬) أي أمر بقطع يد سارق (في) سرقة (مجن ثمنه ثلاثة دراهم) وقد روي أن بلالاً هو الذي باشر قطع يد فاطمة المخزومية فيحتمل أنه كان موكلاً بذلك ويحتمل غيره ولم يكن النبي ﷺ باشر القطع بنفسه.
والحديث من أفراده.
٦٧٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِى نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَطَعَ النَّبِىُّ ﷺ فِى مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب أنه (قال: حدثني) بالإفراد (نافع عن) مولاه (عبد الله) بن عمر ﵄ أنه (قال: قطع النبي ﷺ ¬) أمر بقطع يد سارق (في) سرقة (مجن ثمنه ثلاثة دراهم).
٦٧٩٨ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَطَعَ النَّبِىُّ ﷺ يَدَ سَارِقٍ فِى مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِى نَافِعٌ قِيمَتُهُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (إبراهيم بن المنذر) الحزامي قال: (حدّثنا أبو ضمرة) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياض قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف (عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قطع النبي ﷺ يد سارق في) سرقة (مجن ثمنه ثلاثة دراهم) والثمن في الأصل ما يقابل به الشيء في عقد البيع، وله ضابط في الفقه مشهور، وليس المراد به حقيقته بل ما ذكر في الرواية الأخرى وهو القيمة وأطلق عليها ثمنًا مجازًا أو لتساويهما في ذلك الوقت أو في ظن الراوي أو باعتبار الغلبة والدراهم جمع درهم بكسر الدال وفيه ثلاث لغات أفصحها فتح الهاء، والثاني كسرها، والثالث درهام بزيادة ألف بعد الهاء قال الشاعر:
стр. 4253
لو أن عند مائتي درهام … لجاز في إنفاقها خاتامي
واختلف في القدر الذي يقطع به السارق على مذاهب، فقيل في كل قليل وكثير تافه وغير تافه ونقل عن ابن بنت الشافعي، وقيل في كل قليل وكثير إلا في التافه فلا وقيل لا يجب إلا في أربعين درهمًا أو أربعة دنانير، وقيل في درهمين وقيل فيما زاد على درهمين ولم يبلغ الثلاثة، وقيل في ثلاثة دراهم ويقوّم ما عداها بها وهو رواية عن أحمد، وحكاه الخطابي عن مالك، وقيل مثله إلا أنه إن كان المسروق ذهبًا فنصابه ربع دينار وإن كان غيرهما فإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع به إلا لم يقطع ولو كان نصف دينار وهو قول مالك المعروف عند أصحابه وهو رواية عن أحمد، وقيل مثله إلا إن كان المسروق غيرهما قطع به إذا بلغت قيمة أحدهما وهو المشهور عن أحمد. وقيل مثله لكن لا يكتفى بأحدهما إذا كانا غالبين فلو كان أحدهما غالبًا فالمعوّل عليه وهو قول بعض المالكية، وقيل ربع دينار أو ما بلغ قيمته من فضة أو عرض وهو مذهب الشافعية، وقيل أربعة دراهم نقله القاضي عياض عن بعض الصحابة، وقيل ثلث دينار، وقيل خمسة دراهم وقيل عشرة دراهم أو ما بلغ قيمتها من ذهب أو عرض وهو قول الحنفية، وقيل دينار أو ما بلغ
قيمته من فضة أو عرض، وقيل ربع دينار فصاعدًا من الذهب ويقطع في القليل والكثير من الفضة والعروض، واحتج له بأن التحديد في الذهب ثبت صريحًا في حديث عائشة ولم يثبت التحديد صريحًا في غيره فبقي عموم الآية على حاله فيقطع فيما قلّ أو كثر إلا في التافه وهو موافق للشافعي إلا في قياس أحد النقدين على الآخر، وأيّده الشافعي بأن الصرف يومئذٍ كان موافقًا لذلك، واستدلّ بأن الدّية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الفضة اثنا عشر ألف درهم (تابعه محمد بن إسحاق. وقال الليث: حدثني نافع قيمته) سبق هذا عقب حديث إسماعيل عن مالك عن نافع وأنه ثابت عقبه لأبي ذر وهو ساقط له هنا ثابت لغيره.
٦٧٩٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (قال: سمعت أبا صالح) ذكوان الزيات (قال: سمعت أبا هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لعن الله السارق) فيه جواز لعن غير المعين من العصاة لأنه لعن الجنس مطلقًا أو المراد منه الإهانة والخذلان كأنه لما استعمل أعز شيء عنده في أحقر شيء خذله الله حتى قطع (يسرق البيضة) من الحديد التي تبلغ قيمتها ربع دينار فصاعدًا (فتقطع يده وشرق الحبل) الذي تبلغ قيمته ربع دينار فصاعدًا (فتقطع يده) ففيه إشارة إلى ترجيح تأويل الأعمش السابق في باب لعن السارق إذا لم يسم.
١٤ - باب تَوْبَةِ السَّارِقِ
(باب توبة السارق) إذا تاب.
٦٨٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ امْرَأَةٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَتْ تَأْتِى بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَابَتْ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (ابن وهب) عبد الله (عن يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (أن النبي ﷺ قطع يد امرأة) أي أمر بقطع يدها واسمها فاطمة المخزومية كما مر (قالت عائشة) ﵂ بالسند المذكور: (وكانت) ﵂ (تأتي بعد ذلك) إليّ
(فأرفع حاجتها إلى النبي ﷺ فتابت) من السرقة (وحسنت توبتها) ووصف التوبة بالحسن يقتضي رفع الفسوق عنه وقبول شهادته.
والحديث سبق في الشهادات مطوّلاً.
٦٨٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِىُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى رَهْطٍ فَقَالَ: «أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِى فِى مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِى الدُّنْيَا، فَهْوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا تَابَ السَّارِقُ بَعْدَ مَا قُطِعَ يَدُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَكُلُّ مَحْدُودٍ كَذَلِكَ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد الجعفي) المسندي قال: (حدّثنا هشام بن يوسف) الصنعاني قاضيها قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي إدريس) عائذ الله بن عبد الله (عن عبادة بن الصامت ﵁) أنه (قال: بايعت رسول الله ﷺ في رهط) قال أبو عبيد: ما دون العشرة وقيل إلى ثلاثة (فقال) ﷺ :
(أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا) حذف المفعول ليعم (ولا تقتلوا أولادكم)
стр. 4254
يريد وأد البنات ولأبي ذر ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم (ولا تأتوا ببهتان) بكذب يبهت سامعه أي يدهشه لفظاعته كالرمي بالزنا (تفترونه بين أيديكم وأرجلكم) أي من قبل أنفسكم فكنى باليد والرجل عن الذات لأن معظم الأفعال بهما (ولا تعصوني) ولأبي ذر ولا تعصوا (في معروف) وهو ما عرف من الشارع حسنه نهيًا وأمرًا (فمن وفى) بالتخفيف ويشدد أي ثبت على العهد (منكم فأجره على الله) فضلاً ووعدًا بالجنة (ومن أصاب) منكم أيها المؤمنون (من ذلك شيئًا) غير الشرك (فأخذ به) أي فعوقب به (في الدنيا) بأن أقيم عليه الحد (فهو) أي العقاب (كفارة له) فلا يعاقب عليه في الآخرة (وطهور) يطهره الله به من دنس المعصية وإذا وصف بالتطهير مع التوبة عاد إلى ما كان عليه قبل فتقبل شهادته (ومن ستره الله فذلك) مفوّض (إلى الله إن شاء عذبه) بعدله (وإن شاء غفر له) بفضله.
(قال أبو عبد الله) البخاري -رحمه الله تعالى-: (إذا تاب السارق بعدما قطع) ولأبي ذر عن الكشميهني وقطعت (يده قبلت شهادته وكل محدود كذلك إذا تاب قبلت شهادته): ولأبي ذر عن الكشميهني: وكذلك كل الحدود إذا تاب أصحابها قبلت شهادتهم، وقول البخاري هذا ثابت في رواية الكشميهني ساقط في رواية غيره، والله الموفق والمعين.
стр. 4255
١٥ - باب المحاربين من أهل الكفر والردة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(كتاب المحاربين) بكسر الراء (من أهل الكفر والردة) زاد النسفيّ في روايته ومن يجب عليه الحدّ في الزنا.
قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
(وقول الله تعالى): بثبوت الواو والجرّ لأبي ذر ولغيره قول الله تعالى بالحذف والرفع على الاستئناف (﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾) يحاربون الله أي يحاربون أولياءه كذا قرّره الجمهور، وقال الزمخشري: يحاربون رسول الله ومحاربة المسلمين في حكم محاربته أي المراد الإخبار بأنهم يحاربون رسول الله وإنما ذكر اسم الله تعالى تعظيمًا وتفخيمًا لمن يحارب (﴿ويسعون في الأرض فسادًا﴾) مصدر واقع موقع الحال أي يسعون في الأرض مفسدين أو مفعول من أجله أي يحاربون ويسعون لأجل الفساد وخبر جزاء قوله: (﴿أن يقتلوا﴾) وما عطف عليه قصاصًا من غير صلب إن أفردوا القتل (﴿أو يصلبوا﴾) مع القتل إن جمعوا بين القتل وأخذ المال وهل يقتل ويصلب أو يصلب حيًّا وينزل ويطعن حتى يموت خلاف (﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم﴾) إن أخذوا المال ولم يقتلوا (﴿من خلاف﴾) حال من الأيدي والأرجل أي مختلفة فتقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى (﴿أو ينفوا من الأرض﴾) [المائدة: ٣٣] ينفوا من بلد إلى آخر وفسر أبو حنيفة رحمة الله عليه النفي بالحبس وأو للتنويع أو للتخيير، فالإمام مخيّر بين هذه العقوبات في قاطع الطريق، وسقط لأبي ذر من قوله ﴿ويسعون﴾ الخ وقال بعد قوله: ﴿ورسوله﴾ الآية، والجمهور على أن هذه الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يسعى في الأرض بالفساد ويقطع الطريق، وهو قول مالك والشافعي والكوفيين.
وقال الضحاك: نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا. وقال الكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر وذلك أن النبي ﷺ وادع هلال بن عويمر وهو أبو بردة الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن مرّ بهلال بن عويمر إلى رسول الله ﷺ فهو آمن لا يهاج فمرّ قوم من بني كنانة يريدون
стр. 4256
الإسلام بناس من أسلم من قوم هلال بن عويمر ولم يكن هلال شاهدًا فنهدوا إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزل جبريل بالقضية، ولهذا ذهب البخاري إلى أن الآية نزلت في أهل الكفر والردة.
٦٨٠٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنِى أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِىُّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا،
فَفَعَلُوا فَصَحُّوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا وَاسْتَاقُوا فَبَعَثَ فِى آثَارِهِمْ فَأُتِىَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا الوليد بن مسلم) الأموي قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرَّحمن قال: (حدثني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة قال: (حدثني) بالإفراد أيضًا (أبو قلابة) عبد الله بن زيد (الجرميّ) بفتح الجيم وسكون الراء (عن أنس ﵁) أنه (قال: قدم على النبي ﷺ ¬) سنة ست (نفر) من الثلاثة إلى العشرة من الرجال (من عكل) بضم العين المهملة وسكون الكاف قبيلة معروفة (فأسلموا فاجتووا المدينة) بالجيم الساكنة وفتح الفوقية والواو الأولى وضم الثانية أي أصابهم الجوى وهو داء الجوف إذا تطاول أو كرهوا الإقامة بها لسقم أصابهم (فأمرهم) رسول الله ﷺ (أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا أبوالها وألبانها) للتداوي (ففعلوا) الشرب المذكور (فصحوا) من ذلك الداء (فارتدوا) عن الإسلام (وقتلوا رعاتها) أي رعاة الإبل، وسبق في الوضوء وقتلوا راعي النبي ﷺ وأنه يسار النوبي (واستاقوا) بحذف المفعول ولأبي ذر واستاقوا الإبل (فبعث) ﷺ (في آثارهم) بمدّ الهمزة أي وراءهم الطلب عشرين أميرهم كرز فأدركوهم فأخذوا (فأتي بهم) النبي ﷺ أسارى (فقطع أيديهم وأرجلهم) من خلاف (وسمل) بفتح المهملة والميم واللام فقأ (أعينهم) أي أمر ﷺ بذلك لأنه باشر ذلك بنفسه الزكية (ثم لم يحسمهم) بسكون الحاء وكسر السين المهملتين أي لم يكوِ مواضع القطع لينقطع الدم بل تركهم (حتى ماتوا).
وزاد عبد الرزاق في آخر هذا الحديث قال: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [المائدة: ٣٣] الآية. وأخرج الطبري من طريق ابن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس في آخر قصة العرنيين قال: فذكر لنا هذه الآية نزلت فيهم ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ وعند الإسماعيلي من طريق مروان بن معاوية عن معاوية بن أبي العباس عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ قال: هم من عكل، وفي الصحيحين أنهم كانوا من عكل وعرينة.
والحديث سبق في باب أبوال الإِبل في كتاب الوضوء.
١٦ - باب لَمْ يَحْسِمِ النَّبِىُّ ﷺ الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ حَتَّى هَلَكُوا
هذا (باب) بالتنوين (لم يحسم النبي ﷺ ¬) لم يكوِ موضع القطع من (المحاربين من أهل الردّة حتى هلكوا) لأنه أراد إهلاكهم فأما من قطع في سرقة مثلاً فإنه يجب حسمه لأنه لا يؤمن معه التلف غالبًا ينزف الدم قاله ابن بطال.
٦٨٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنِى الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَطَعَ الْعُرَنِيِّينَ وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن الصلت) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام بعدها فوقية (أبو يعلى) التوزي بفتح الفوقية وتشديد الواو بعدها زاي قال: (حدّثنا الوليد) بن مسلم (قال: حدثني) ولأبي ذر أخبرني بالإفراد فيهما (الأوزاعي) عبد الرَّحمن (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي قلابة) عبد الله الجرمي (عن أنس) ﵁ (أن النبي ﷺ قطع) أي أمر بقطع أيدي (العرنيين) وأرجلهم لما قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا الإبل (ولم يحسمهم) لم يكوِ مواضع القطع (حتى ماتوا) والعرنيون منسوبون إلى عرينة قبيلة.
وسبق في الباب الذي قبل هذا الباب أنهم من عكل وفي المغازي أن ناسًا من عكل وعرينة، وإنما لم يحسمهم لأنهم كانوا كفارًا والله أعلم.
١٧ - باب لَمْ يُسْقَ الْمُرْتَدُّونَ الْمُحَارِبُونَ حَتَّى مَاتُوا
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لم يسق) بضم التحتية وفتح القاف مبنيًّا للمفعول (المرتدون) رفع نائب عن الفاعل (المحاربون) أي لم يسق النبي ﷺ المرتدين من المحاربين (حتى ماتوا).
٦٨٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا فِى الصُّفَّةِ فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْغِنَا رِسْلاً فَقَالَ: «مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلاَّ أَنْ تَلْحَقُوا بِإِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » فَأَتَوْهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا وَقَتَلُوا الرَّاعِىَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ الصَّرِيخُ فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِى آثَارِهِمْ فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ حَتَّى أُتِىَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا، وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَمَا حَسَمَهُمْ، ثُمَّ أُلْقُوا فِى الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَمَا سُقُوا حَتَّى مَاتُوا.
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (عن وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله الجرمي (عن أنس
стр. 4257
﵁) أنه (قال: قدم رهط) رجال دون العشرة (من عكل) القبيلة المشهورة (على النبي ﷺ ¬) سنة ست من الهجرة (كانوا في الصفة) وهي السقيفة التي كانت في المسجد النبوي يأوي إليها الغرباء وفقراء المهاجرين (فاجتووا المدينة) استوخموها (فقال) قائل منهم وفي نسخة فقالوا: (يا رسول الله أبغنا) بهمزة قطع مفتوحة وسكون الموحدة وكسر الغين المعجمة اطلب لنا (رسلاً) بكسر الراء وسكون السين المهملة لبنًا (فقال): ولأبي ذر قال:
(ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله ﷺ ¬) سقطت التصلية لأبي ذر قال في الفتح: فيه تجريد، وسياق الكلام يقتضي أن يقول بإبلي، ولكنه كقول كبير القوم يقول لكم الأمير مثلاً، ومنه قوله الخليفة يقول لكم أمير المؤمنين، وتعقبه العيني بأنه التفات لا تجريد (فأتوها) أي أتى
العكليون الإبل (فشربوا ألبانها وأبوالها حتى صحّوا) من الدواء (وسمنوا) بعد الهزال (وقتلوا) ولأبي ذر عن الكشميهني فقتلوا (الراعي) يسارًا النوبي (واستاقوا الذود) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإبل (فأتى النبي ﷺ الصريخ) بالصاد المهملة آخره خاء معجمة والرفع على الفاعلية أي مستغيث (فبعث الطلب) بفتحتين جمع الطالب (في آثارهم فما ترجل) بالراء والجيم فما ارتفع (النهار حتى أتي بهم) إلى النبي ﷺ (فأمر بمسامير فأحميت) بالنار (فكحلهم بها وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم) بالحاء والسين المهملتين ما كوى مواضع القطع من أيديهم وأرجلهم لأنهم كانوا كفارًا (ثم ألقوا في الحرة) بفتح الحاء المهملة والراء المشددة أرض ذات حجارة سود (يستسقون) يطلبون الماء يشربونه (فما سقوا حتى ماتوا) بضم السين المهملة والقاف لأنهم كفار أو لكفرهم نعمة السقي التي أنعشتهم من المرض الذي كان بهم (قال أبو قلابة) عبد الله الجرمي بالسند السابق (سرقوا) الإبل (وقتلوا) الراعي (وحاربوا الله ورسوله) ﷺ .
١٨ - باب سَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَعْيُنَ الْمُحَارِبِينَ
(باب سمر النبي ﷺ ¬) بفتح السين المهملة وسكون الميم مصدر مضاف لفاعله وهو النبي ﷺ وقوله (أعين المحاربين) نصب على المفعولية، ولأبي ذر باب بالتنوين أي هذا باب يذكر فيه سمر النبي ﷺ بفتح السين والميم بلفظ الماضي والنبي فاعله وتاليه مفعوله.
٦٨٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ -أَوْ قَالَ عُرَيْنَةَ- وَلَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ قَالَ: مِنْ عُكْلٍ، قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَشَرِبُوا حَتَّى إِذَا بَرِئُوا قَتَلُوا الرَّاعِىَ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ فَبَلَغَ النَّبِىَّ ﷺ غُدْوَةً، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِى إِثْرِهِمْ، فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ حَتَّى جِئَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ فَأُلْقُوا بِالْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ.
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين ابن جميل بن طريف أبو رجاء الثقفي مولاهم قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله الجرمي (عن أنس بن مالك) ﵁ (أن رهطًا) بفتح الراء وسكون الهاء دون العشرة (من عكل) بضم العين المهملة وسكون الكاف قبيلة مشهورة (أو قال: عرينة) بضم العين المهملة وفتح الراء وسكون التحتية وفتح النون قبيلة أيضًا ولأبي ذر أو قال: من عرينة (ولا أعلمه إلا قال: من عكل قدموا المدينة) سنة ست فاستوخموها (فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح) بكسر اللام بعدها قاف وبعد الألف حاء مهملة جمع لقحة وهي الناقة الحلوب وكانت خمس عشرة لقحة (وأمرهم أن يخرجوا) إليها (فيشربوا من أبوالها وألبانها) ليتداووا بذلك من داء بطونهم (فشربوا) من أبوالها وألبانها (حتى إذا برؤوا)
بكسر الراء وتفتح من ذلك الداء (قتلوا الراعي) يسارًا النوبي (واستاقوا النعم) بفتح النون والعين واحد الأنعام أي الإبل (فبلغ النبي) ولأبي ذر فبلغ ذلك النبي (¬ ﷺ غدوة) بضم الغين المعجمة وسكون الدال المهملة (فبعث الطلب) أي سرية أميرها كرز بن جابر لطلبهم (في أثرهم) بكسر الهمزة وسكون المثلثة (فما ارتفع النهار حتى جيء بهم) ولأبي ذر عن الكشميهني حتى أتي بهم إليه ﷺ (فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم) بفتح القاف والطاء وأيديهم نصب على المفعولية وأرجلهم عطف عليه، ولأبي ذر عن الكشميهني فقطع بضم القاف وكسر
стр. 4258
الطاء أيديهم مفعول نائب عن فاعله وتاليه عطف عليه (وسمر) بفتحتين وتخفيف الميم (أعينهم) نصب مفعول، ولأبي ذر وسمر بضم السين وكسر الميم مشددة أعينهم رفع نائب فاعل. قال القاضي عياض: سمر العين بالتخفيف كحلها بالمسمار الحديد المحمى وبالتشديد في بعض النسخ والأول أوجه (فألقوا) بضم الهمز بعد الفاء (بالحرة) الأرض المعروفة خارج المدينة حال كونهم (يستسقون فلا يسقون) وقال في الكواكب: وكانت قصتهم قبل نزول الحدود والنهي عن المثلة، وقيل ليس منسوخًا وإنما فعل ﷺ ما فعل قصاصًا، وقيل النهي عن المثلة نهي تنزيه (قال أبو قلابة: هؤلاء) أي العكليون أو العرنيون (قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله).
١٩ - باب فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الْفَوَاحِشَ
(باب فضل من ترك الفواحش) جمع فاحشة وهي كل ما اشتدّ قبحه من الذنوب فعلاً أو قولاً ويطلق في الغالب على الزنا. قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة﴾ [الإسراء: ٣٢].
٦٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِى خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسْجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا قَالَ: إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سلام) بالتخفيف ولأبي ذر بالتشديد كذا نسبه في الفرع كأصله وقال في الفتح: حدّثنا محمد غير منسوب فقال أبو علي الغساني وقع في رواية الأصيلي محمد بن مقاتل، وفي رواية القابسي محمد بن سلام والأول هو الصواب لأن محمد مقاتل معروف بالرواية عن عبد الله بن المبارك. قال الحافظ ابن حجر: ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هذا الحديث الخاص عند ابن سلام، والذي أشار إليه الجياني قاعدة في تفسير من أبهم واستمر إبهامه فيكون كثرة أخذه وملازمته قرينة في تعيينه، أما إذا ورد التنصيص عليه فلا وقد صرح أيضًا بأنه محمد بن
سلام أبو ذر في روايته عن شيوخه الثلاثة وكذا هو في معظم النسخ من رواية كريمة وأبي الوقت قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك (عن عبيد الله بن عمر) بضم العين فيهما ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (عن خبيب بن عبد الرَّحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الأولى الأنصاري المدني (عن حفص بن عاصم) أي ابن عمر بن الخطاب (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(سبعة) أي من الأشخاص ليدخل النساء فيما يمكن أن يدخلن فيه شرعًا والتقييد بالسبعة لا مفهوم له فقد روي غيرها والذي تحصل من ذلك اثنان وتسعون سبقت الإشارة إليها في الزكاة وقوله سبعة مبتدأ خبره (يظلهم الله يوم القيامة في ظله) أي ظل عرشه (يوم لا ظل إلا ظله) ظل العرش. أحدها (إمام عادل) يضع الشيء في محله، وعادل اسم فاعل من عدل يعدل فهو عادل (و) ثانيها (شاب نشأ في عبادة الله) زاد الجوزقي من رواية حماد بن زيد حتى توفي على ذلك لأن عبادته أشق من غيره لغلبة شهوته (و) ثالثها (رجل ذكر الله في خلاء) بفتح الخاء المعجمة فلام فألف فهمزة ممدودًا في موضع وحده إذ لا يكون ثمّ شائبة رياء وفي نسخة خاليًا أي من الناس أو من الالتفات إلى غير المذكور وإن كان في ملأ (ففاضت) بفاءين فألف فضاد معجمة أي سألت (عيناه) من خشية الله كما زاده الجوزقي في روايته أو من الشوق إليه تعالى وإسناد الفيض إلى العين مع أن الفائض هو الدمع لا العين مبالغة لأنه يدل على أن العين صارت دمعًا فياضًا (و) رابعها (رجل قلبه معلق في المسجد) بالإفراد ولأبي ذر في المساجد أي من شدة حبه لها وإن كان خارجًا عنها وهو كناية عن انتظاره أوقات الصلاة (و) خامسها (رجلان تحابّا في الله) أي بسببه لا لغرض دنيوي ولم يقل في هذه الرواية اجتمعا عليه وتفرقا عليه (و) سادسها (رجل دعته) طلبته (امرأة ذات منصب) بفتح الميم وسكون النون وكسر الصاد المهملة صاحبة نسب شريف (وجمال إلى نفسها) إلى الزنا (قال) ولأبي ذر فقال (إني أخاف الله) وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى (و) سابعها (رجل تصدّق) بصدقة تطوعًا (فأخفاها) ولأبي ذر تصدق فأخفى (حتى لا تعلم شماله ما صنعت) وفي الزكاة وغيرها ما تنفق (يمينه) كأن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه فيدفع له مثلاً درهمًا فيما يساوي نصف درهم فهي في الصورة مبايعة وفي
стр. 4259
الحقيقة صدقة.
والحديث سبق في الصلاة والزكاة والرقاق.
٦٨٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِىٍّ ح وَحَدَّثَنِى خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ تَوَكَّلَ لِى مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، تَوَكَّلْتُ لَهُ بِالْجَنَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن أبي بكر) المقدّمي قال: (حدّثنا عمر بن علي) بضم عين الأول عم محمد الراوي عنه وهو مدلس لكنه صرح بالتحديث (ح).
قال البخاري (وحدثني) بالإفراد (خليفة) بن خياط واللفظ له قال: (حدّثنا عمر بن علي) بضم عين عمر قال: (حدّثنا أبو حازم) سلمة بن دينار الأعرج (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين فيهما (الساعدي) ﵁ أنه قال (قال النبي ﷺ ¬):
(من توكل) أي من تكفل (لي ما بين رجليه) فرجه (وما بين لحييه) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة منبت اللحية والأسنان وثني باعتبار أن له أعلى وأسفل أي لسانه إذ أكثر بلاء الإنسان من الفرج واللسان (توكلت) تكفلت (له بالجنة) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: الجنة بإسقاط حرف الجر أي ضمنت له الجنة.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن من حفظ لسانه وفرجه يكون له فضل من ترك الفواحش أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب.
٢٠ - باب إِثْمِ الزُّنَاةِ
قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾.
(باب إثم الزناة) بضم الزاي جمع زانٍ كعصاة جمع عاصٍ (قول الله) بالرفع على الاستئناف، ولأبي ذر وقول الله (تعالى) بالجر عطفًا على المجرور السابق في سورة الفرقان (﴿ولا يزنون﴾) [الفرقان: ٦٨] وأولها: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ [الفرقان: ٦٨] قال القاضي ناصر الدين: نفى عنهم أمهات المعاصي بعد ما أثبت لهم أصول الطاعات إظهارًا لكمال إيمانهم وإشعارًا بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك وتعريضًا للكفرة بأضداده، وقول الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾) بالقصر على الأكثر والمدّ لغة وهي نهي عن دواعي الزنا كالمس والقبلة ونحوهما ولو أريد النهي عن نفس الزنا لقال: ولا تزنوا (﴿إنه كان فاحشة﴾) معصية مجاوزة حدّ الشرع والعقل (﴿وساء سبيلاً﴾) [الإسراء: ٣٢] وبئس طريقًا طريقه، وسقط لأبي ذر وساء سبيلاً.
٦٨٠٨ - أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَنَسٌ قَالَ: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِى سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ -وَإِمَّا قَالَ- مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، أَنَّ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِلْخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ».
وبه قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (داود بن شبيب) بفتح المعجمة وكسر الموحدة الأولى أبو سليمان الباهلي البصري قال: (حدّثنا همام) أبو يحيى البصري (عن قتادة) بن دعامة أنه قال (أخبرنا أنس) هو ابن مالك ﵁ (قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكموه أحد بعدي) لأنه كان آخر الصحابة موتًا بالبصرة (سمعته من النبي ﷺ سمع النبي ﷺ يقول):
(لا تقوم الساعة وإما) بكسر الهمزة وتشديد الميم (قال) ﷺ : (من أشراط الساعة) أي من علاماتها (أن يرفع العلم) بموت العلماء (ويظهر الجهل) بفتح التحتية (ويشرب الخمر) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول أي يكثر شربه (ويظهر الزنا) أي يفشو (ويقل الرجال) لكثرة القتل فيهم بسبب الفتن (ويكثر النساء حتى يكون للخمسين) بلامين أولاهما مكسورة، ولأبي ذر لخمسين (امرأة القيّم الواحد) هل المراد بالخمسين الحقيقة أو المجاز عن الكثرة سبق الإلمام بذلك في كتاب العلم، ويحتمل أن يكون المراد بالقيّم من يقوم عليهن سواء كنّ موطوءات أم لا، أو أن ذلك يكون في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقول الله الله فيتزوج الواحد بغير عدد جهلاً بالحكم الشرعي.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: ويظهر الزنا لأن معناه أنه يشتهر بحيث لا يتكاتم به لكثرة من يتعاطاه، والحديث من أفراده.
٦٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَزْنِى الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِى وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ». قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الإِيمَانُ؟ مِنْهُ قَالَ: هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي بالنون المفتوحة والزاي البصري المعروف بالزمن قال: (أخبرنا إسحاق بن يوسف) الواسطي الأزرق قال: (أخبرنا الفضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة (ابن غزوان) بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن) فيه نفي الإيمان في حالة ارتكاب الزنا ومقتضاه أنه يعود إليه الإيمان بعد فراغه وهذا هو الظاهر أو أنه يعود إليه إذا أقلع الإقلاع الكلي فلو فرغ مصرًّا على تلك المعصية فهو كالمرتكب فيتجه أن نفي الإيمان عنه مستمر
стр. 4260
ويؤيده قول ابن عباس الآتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى (ولا يسرق) السارق (حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب) الشارب (حين يشرب) المسكر (وهو مؤمن ولا يقتل) القاتل مؤمنًا بغير حق (وهو مؤمن).
(قال عكرمة) بالسند السابق: (قلت لابن عباس) ﵄: (كيف ينزع) بضم التحتية وفتح الزاي (منه الإيمان)؟ عند ارتكابه الزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس (قال: هكذا وشبك بين أصابعه ثم أخرجها) وفي حديث أبي داود والحاكم بسند صحيح من طريق سعيد المقبري أنه سمع أبا هريرة رفعه: إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان عليه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الإيمان. وعند الحاكم من طريق ابن حجيرة أنه سمع أبا هريرة رفعه: من زنى أو شرب
الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان قميصه عن رأسه (فإن تاب) المرتكب من ذلك (عاد إليه) الإيمان (هكذا وشبك بين أصابعه).
وأخرج الطبري من طريق نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس ﵄ قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن فإذا زايل رجع إليه الإيمان ليس إذا تاب منه ولكن إذا تأخر عن العمل به، ويؤيده أن المصرّ وإن كان إثمه مستمرًا لكن ليس إثمه كمن باشر العمل كالسرقة مثلاً. وقال الطيبي: يحتمل أن يكون الذي نقص من الإيمان المذكور الحياء وهو المعبر عنه في الحديث الآخر بالنور، وقد سبق حديث الحياء من الإيمان فيكون التقدير: لا يزني حين يزني الخ .. وهو يستحيي من الله لأنه لو استحيا منه وهو يعرف أنه شاهد حاله لم يرتكب ذلك وإلى ذلك تصح إشارة ابن عباس بتشبيك أصابعه ثم إخراجها منها ثم إعادتها إليها.
٦٨١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن ذكوان) بالذال المعجمة أبي صالح السمان (عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) كامل أو محمول على المستحل مع العلم بالتحريم أو هو خبر بمعنى النهي أو أنه شابه الكافر في عمله وموقع التشبيه أنه مثله في جواز قتاله في تلك الحالة ليكف عن المعصية ولو أدى إلى قتله (ولا يسرق) السارق (حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب) أي الخمر (حين يشربها وهو مؤمن والتوبة معروضة) على فاعلها (بعد) أي بعد ذلك. وقد تضمن الحديث التحري من ثلاثة أمور هي أعظم أصول المفاسد وأضدادها من أصول المصالح وهي استباحة الفروج المحرمة، وما يؤدي إلى اختلال العقل، وخص الخمر بالذكر في الرواية الأخرى لكونها أغلب الوجوه في ذلك، والسرقة لكونها أعلى الوجوه التي يؤخذ بها مال الغير بغير حق.
٦٨١١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِى مَنْصُورٌ وَسُلَيْمَانُ عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ أَبِى مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» قُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِى وَاصِلٌ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِثْلَهُ، قَالَ عَمْرٌو: فَذَكَرْتُهُ
لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ حَدَّثَنَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ وَوَاصِلٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ أَبِى مَيْسَرَةَ قَالَ: دَعْهُ دَعْهُ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم الفلاس قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا سفيان) الثوري قال: (حدثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (وسليمان) بن مهران الأعمش كلاهما (عن أن وائل) شقيق بن سلمة (عن أن ميسرة) عمرو بن شرحبيل (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم)؟ عند الله، وعن أحمد أي الذنب أكبر؟ (قال) ﷺ :
(أن تجعل لله ندًّا) بكسر النون وتشديد الدال المهملة مثلاً وشريكًا (وهو خلقك) الواو للحال. قال المظهري: أكبر الذنوب أن تدعو لله شريكًا مع علمك بأنه لم يخلقك أحد غير الله (قلت): يا رسول الله (ثم أي)؟ بالتنوين عوضًا عن المضاف إليه وأصله: ثم أي شيء من الذنوب أكبر بعد الكفر؟ (قال) ﷺ : أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك) بفتح التحتية والعين ولغير الكشميهني أن تقتل ولدك أجل بإسقاط حرف الجر ونصب أجل على نزع الخافض ولا خلاف أن أكبر الذنوب بعد الكفر قتل النفس المسلمة بغير حق لا سيما قتل الولد خصوصًا قتله خوف الإطعام فإنه ذنب آخر أيضًا لأنه بفعله لا يرى الرزق في الله تعالى (قلت: ثم أي)؟ أعظم عند الله (قال: أن تزاني حليلة جارك) بضم الفوقية
стр. 4261
وبعد الزاي ألف، وللمستملي والكشميهني أن تزني بحليلة جارك. والحليلة بحاء مهملة زوجة جارك التي يحل له وطؤها أو التي تحل معه في فراشه، فالزنا ذنب كبير خصوصًا من سكن جوارك والتجأ بأمانتك وثبت بينك وبينه حق الجوار، وفي الحديث: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، فالزنا بزوجة الجار يكون زنا وإبطال حق الجوار والخيانة معه فيكون أقبح وإذا كان الذنب أقبح يكون الإثم أعظم.
والحديث سبق في التفسير ويأتي إن شاء الله تعالى في التوحيد.
(قال يحيى) بن سعيد القطان (وحدّثنا سفيان) الثوري قال: (حدثني) بالإفراد (واصل) هو ابن حيان بالتحتية المشددة المعروف بالأحدب (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود أنه قال (قلت: يا رسول الله) فذكر (مثله) أي مثل الحديث السابق.
(قال عمرو) بفتح العين ابن علي الفلاس (فذكرته) أي الحديث المذكور (لعبد الرَّحمن) بن مهدي (وكان) أي والحال أن عبد الرَّحمن كان (حدّثنا) بهذا الحديث (عن سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان (و) عن (منصور) أي ابن المعتمر (و) عن (واصل) الأحدب الثلاثة (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن أبي ميسرة) عمرو بن شرحبيل (قال) عبد الرَّحمن بن مهدي: (دعه دعه) مرتين أي اترك هذا الإسناد الذي ليس فيه ذكر أبي ميسرة بين أبي وائل وبين عبد الله بن مسعود.
قال في الفتح: والحاصل أن الثوري حدّث بهذا الحديث عن ثلاثة أنفس حدثوه به عن أبي وائل فأما الأعمش ومنصور فأدخلا بين أبي وائل وبين ابن مسعود أبا ميسرة، وأما وأصل فحذفه فضبطه يحيى القطان عن سفيان هكذا مفصلاً، وأما عبد الرَّحمن فحدّث به أولاً بغير تفصيل فحمل رواية واصل على رواية منصور والأعمش فجمع الثلاثة وأدخل أبا ميسرة في السند، فلما ذكر له عمرو بن علي أن يحيى فصله كأنه تردّد فيه فاقتصر على التحديث به عن سفيان عن منصور والأعمش حسب وترك طريق واصل، وهذا معنى قوله: دعه دعه أي اتركه والضمير للطريق التي اختلفا فيها وهي رواية واصل، وقد زاد الهيثم بن خلف في روايته فيما أخرجه الإسماعيلي عنه عن عمرو بن علي بعد قوله: دعه فلم يذكر فيه واصلاً بعد ذلك فعرف أن معنى قوله دعه أي اترك السند الذي ليس فيه ذكر أبي ميسرة.
وقال في الكواكب: حاصله أن أبا وائل وإن كان قد روى كثيرًا عن عبد الله فإن هذا الحديث لم يروه عنه. قال: وليس المراد بذلك الطعن عليه لكن ظهر له ترجيح الرواية بإسقاط الواسطة لموافقة الأكثرين، والذي جنح إليه في فتح الباري أنه إنما تركه لأجل التردد فيه في كلام يطول ذكره والله الموفق والمعين.
٢١ - باب رَجْمِ الْمُحْصَنِ
وَقَالَ الْحَسَنُ مَنْ زَنَى بِأُخْتِهِ حَدُّهُ حَدُّ الزَّانِى.
(باب رجم المحصن).
إذا زنى، والمحصن بفتح الصاد من الإحصان وهو من الثلاثة التي جئن نوادر. يقال: أحصن فهو محصن وأسهب فهو مسهب وألقح فهو ملقح وتكسر الصار على القياس فمعنى المفتوح أحصن نفسه بالتزوّج عن عمل الفاحشة والمحصن المتزوّج والمراد به من جامع في نكاح صحيح.
(وقال الحسن) البصري، ولأبي ذر عن المستملي كما في الفرع كأصله، وقال في الفتح عن الكشميهني وحده وقال منصور: دل الحسن وزيفوه (من زنى بأخته حده حدّ الزاني) ولأبي ذر عن الكشميهني حدّ الزنا أي كحدّ الزنا وهو الجلد، وعند ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث قال: سألت عمرًا ما كان الحسن يقول فيمن تزوّج ذات محرم وهو يعلم؟ قال: عليه الحدّ.
٦٨١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِىٍّ ﵁ حِينَ رَجَمَ الْمَرْأَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ: قَدْ رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا سلمة بن كهيل) بضم الكاف وفتح الهاء الحضرمي أبو يحيى الكوفي (قال: سمعت الشعبي) عامر بن شراحيل (يحدّث عن علي ﵁ حين رجم المرأة) شراحة الهمدانية بضم الشين المعجمة
وتخفيف الراء بعدها حاء مهملة والهمدانية بفتح الهاء وسكون الميم بعدها دال مهملة (يوم الجمعة) وفي رواية علي بن الجعد أن عليًّا أتي بامرأة زنت فضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة
стр. 4262
وكذا عند النسائي من طريق بهز بن أسد عن شعبة (وقال: قد رجمتها بسنّة رسول الله) ولأبي ذر لسنّة رسول الله بلام بدل الموحدة (¬ ﷺ ¬) زاد علي بن الجعد عن شعبة عن سلمة عند الإسماعيلي وجلدتها بكتاب الله وتمسك به من قال: إن الزاني المحصن يجلد ثم يرجم، وإليه ذهب أحمد في رواية عنه. وقال الجمهور: لا يجمع بينهما وهو رواية عن أحمد قال المرداوي في تنقيح المقنع: ولا يجلد قبل الرجم، وقد ثبت في قصة ماعز أن النبي ﷺ رجمه ولم يذكر الجلد قال إمامنا الشافعي ﵀: فدلت السُّنّة على أن الجلد ثابت على البكر وساقط عن الثيب، وقيل إن الجمع بين الجلد والرجم خاص بالشيخ والشيخة لحديث: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة.
والحديث أخرجه النسائي في الرجم.
٦٨١٣ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الشَّيْبَانِىِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ أَمْ بَعْدُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِى.
[الحديث ٦٨١٣ - طرفه في: ٦٨٤٠].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق) هو ابن شاهين الواسطي قال: (حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله الطحان (عن الشيباني) بفتح الشين المعجمة سليمان أبي إسحاق بن أبي سليمان فيروز أنه قال: (سألت عبد الله بن أبي أوفى) اسمه علقمة الأسلمي ﵁ (هل رجم رسول الله ﷺ ؟ قال نعم. قلت: قبل) نزول (سورة النور) يريد قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢] (أم بعد)؟ ولأبي ذر عن الكشميهني أم بعدها؟ (قال) ابن أبي أوفى: (لا أدري) رجم قبل نزولها أم بعده وقد قام الدليل على أن الرجم وقع بعد نزول سورة النور، لأن نزولها كان في قصة الإفك سنة أربع أو خمس أو ست، والرجم كان بعد ذلك لأن أبا هريرة حضره، وإنما أسلم سنة سبع وابن عباس إنما جاء مع أمه إلى المدينة سنة تسع، وفائدة هذا السؤال أن الرجم إن كان وقع قبلها فيحتمل أن يدعي نسخه بالتنصيص فيها على أن حدّ الزاني الجلد، وإن كان بعدها فيستدل به على نسخ الجلد في حق المحصن، لكن عورض بأنه من نسخ الكتاب والسنّة وفيه خلاف. وأجيب: بأن الممنوع نسخ الكتاب بالسنّة إذا جاءت من طريق الآحاد وأما السُّنّة المشهورة فلا، وأيضًا فلا نسخ وإنما هو مخصص بغير المحصن.
والحديث أخرجه مسلم في الحدود.
٦٨١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ أَتَى
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَ وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (محمد بن مقاتل) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: حدثني) ولأبي ذر أخبرني بالإفراد فيهما (أبو سلمة بن عبد الرَّحمن) بن عوف (عن جابر بن عبد الله الأنصاري) ﵄ (أن رجلاً من أسلم) اسمه ماعز بن مالك الأسلمي (أتى رسول الله ﷺ فحدثه أنه) ولأبي ذر عن الكشميهني أن (قد زنى فشهد) أي أقرّ (على نفسه) بالزنا (أربع شهادات فأمر به رسول الله ﷺ فرجم وكان قد أحصن) بالبناء للمفعول فيهما، ولأبي ذر أحصن بفتح الهمزة والصاد.
والحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي في الحدود والنسائي في الجنائز.
٢٢ - باب لَا يُرْجَمُ الْمَجْنُونُ وَالْمَجْنُونَةُ
وَقَالَ عَلِىٌّ لِعُمَرَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يُدْرِكَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ؟.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يرجم) الرجل (المجنون و) لا المرأة (المجنونة) إذا زنيا في حالة الجنون إجماعًا فلو طرأ الجنون بعده، فالجمهور أنه لا يؤخر إلى الإقامة لأنه يراد به التلف فلا معنى للتأخير بخلاف الجلد فإنه يراد به الإيلام فيؤخر.
(وقال علي) هو ابن أبي طالب (لعمر) بن الخطاب ﵄ وقد أتي بمجنونة وهي حبلى فأراد أن يرجمها (أما علمت أن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق) من جنونه (وعن الصبي حتى يدرك) الحلم (وعن النائم حتى يستيقظ) من نومه وصله البغوي في الجعديات موقوفًا وهو مرفوع حكمًا، وهو عند أبي داود والنسائي وابن حبان مرفوعًا عن ابن عباس: مرّ علي بن أبي طالب بمجنونة بني فلان قد زنت فأمر عمر برجمها فردّها عليّ وقال لعمر: أما تذكر أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله وعن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ" قال: صدقت فخلى عنها. هذه رواية جرير بن حازم عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن
стр. 4263
عباس عند أبي داود، وسندها متصل، لكن أعلّه النسائي بأن جرير بن حازم حدث بمصر أحاديث غلط فيها، لكن له شاهد من حديث أبي إدريس الخولاني أخبرني غير واحد من الصحابة منهم شداد بن أوس وثوبان أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم في الحد عن الصغير حتى يكبر وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وعن المعتوه الهالك" أخرجه الطبراني، وقد أخذ العلماء بمقتضى ذلك لكن ذكر ابن حبان أن المراد برفع القلم ترك كتابة الشر عنهم دون الخير قال
الحافظ زين الدين العراقي: هو ظاهر في الصبي دون المجنون والنائم لأنهما في حيز من ليس قابلاً لصحة العبادة منه لزوال الشعور فالذي ارتفع عن الصبي قلم المؤاخذة لا قلم الثواب لقوله ﷺ للمرأة لما سألته ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر.
٦٨١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ فِى الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ»؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف (وسعيد بن المسيب) بن حزم الإمام أبي محمد المخزومي أحد الأعلام وسيد التابعين (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: أتى رجل) هو ماعز بن مالك (رسول الله ﷺ وهو في المسجد) حال من رسول الله ﷺ والجملة التالية معطوفة على أتى (فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه) ﵊ (حتى ردّد عليه أربع مرات) بدالين أولهما مشددة ولأبي ذر عن الكشميهني حتى رد لإسقاط الدال الثانية (فلما شهد) أقرّ (على نفسه أربع شهادات) ولأبي ذر: أربع مرات وجواب لما قوله (دعاه النبي ﷺ فقال) له:
(أبك جنون) بهمزة الاستفهام وجنون مبتدأ أو الجار متعلق بالخبر والمسوّغ للابتداء بالنكرة تقدم الخبر في الظرف وهمزة الاستفهام (قال: لا) ليس بي جنون (قال) ﷺ : (فهل أحصنت)؟ تزوجت (قال: نعم) أحصنت (فقال النبي ﷺ : اذهبوا به) الباء للتعدية أو الحال أي اذهبوا مصاحبين له (فارجموه) وقد تمسك بهذا الحنفية والحنابلة في اشتراط الإقرار أربع مرات، أنه لا يكتفي بما دونها قياسًا على الشهود.
وأجيب: عن المالكية والشافعية في عدم اشتراط ذلك بما فى حديث العسيف من قوله ﷺ : "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" ولم يقل فإن اعترفت أربع مرات، وبحديث رجم الغامدية بالغين المعجمة والميم المكسورة بعدها دال مهملة إذ لم ينقل أنه تكرر إقرارها وأما التكرار هنا فإنما كان للاستثبات والتحقيق والاحتياط في درء الحد بالشبه كقوله "أبك جنون" فإنه من التثبت ليتحقق حاله أيضًا فإن الإنسان غالبًا لا يصر على إقرار ما يقتضي هلاكه من غير سؤال مع أن له طريقًا إلى سقوط الإثم بالتوبة. وفي حديث أبي سعيد عند مسلم ثم سأل قومه فقالوا: ما نعلم به بأسًا إلا أنه أصاب شيئًا لا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن من يقام فيه الحدّ، وهذا مبالغة في تحقيق حاله وفي صيانة دم المسلم فيبنى الأمر عليه لا على مجرد إقراره بعدم الجنون فإنه لو كان
مجنونًا لم يفد قوله إنه ليس به جنون لأن إقراره المجنون غير معتبر، فهذه هي الحكمة في سؤاله عنه قومه وقال القرطبي: إن ذلك قاله لما ظهر عليه من الحال الذي يشبه حال المجنون وذلك أنه دخل منتفش الشعر ليس عليه رداء يقول: زنيت فطهرني كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة، واسم المرأة التي زنى بها فاطمة فتاة هزال، وقيل منيرة، وفي طبقات ابن سعد مهيرة.
٦٨١٦ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِى مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ.
(قال ابن شهاب) محمد بن مسلم بالسند السابق: (فأخبرني) بالإفراد (من سمع جابر بن عبد الله) قال في الفتح: صرح يونس ومعمر في روايتهما بأنه أبو سلمة بن عبد الرَّحمن فكأن الحديث كان عند أبي سلمة عن أبي هريرة كما عند سعيد بن المسيب وعنده زيادة عليه عن جابر (قال: فكنت فيمن ربه فرجناه بالمصلّى) مكان صلاة العيد والجنائز وخبر كان في المجرور ومن بمعنى الذي وصلتها جملة
стр. 4264
رجمه والمعنى في جماعة من رجمه، وأعاد الضمير على لفظ من ولو أعاده على معناها لقال فيمن رجموه. وفي الكلام تقديم وتأخير أي: فرجمناه بالمصلّى فكنت فيمن رجمه أو يقدر فكنت فيمن أراد حضور رجمه فرجمناه (فلما أذلقته الحجارة) بالذال المعجمة والقاف أصابته بحدّها وبلغت منه الجهد حتى قلق وجواب لما قوله (هرب فأدركناه بالحرة) الحاء المهملة المفتوحة والراء المشدّدة موضع ذو حجارة سود ظاهر المدينة (فرجمناه) زاد معمر في روايته الآتية إن شاء الله تعالى قريبًا حتى مات قال في مقدمة الفتح: والذي رجمه لما هرب فقتله عبد الله بن أنيس، وحكى الحاكم عن ابن جريج أنه عمر، وكان أبو بكر الصديق رأس الذين رجموه ذكره ابن سعد، وفي حديث نعيم بن هزال: هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه أخرجه أبو داود وصححه الحاكم والترمذي وهو حجة للشافعي ومن وافقه أن الهارب من الرجم إذا كان بالإقرار يسقط عن نفسه الرجم، وعند المالكية لا يترك إذا هرب بل يتبع ويرجم لأن النبي ﷺ لم يلزمهم ديته مع أنهم قتلوه بعد هربه. وأجيب: بأنه لم يصرح بالرجوع وقد ثبت عليه الحدّ، وعند أبي داود من حديث بريدة قال: كنا أصحاب رسول الله ﷺ نتحدّث أن ماعزًا والغامدية لو رجعا لم يطلبهما.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الحدود والنسائي في الرجم.
٢٣ - باب لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (للعاهر) أي للزاني (الحجر).
٦٨١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدٌ وَابْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِى مِنْهُ يَا سَوْدَةُ». زَادَ لَنَا قُتَيْبَةُ عَنِ اللَّيْثِ: وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: اختصم سعد) بسكون العين ابن أبي وقاص (وابن زمعة) عبد في ابن وليدة زمعة وكان عتبة عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال: ابن أخي عهد إليّ فيه فتساوقا إلى النبي ﷺ فقال سعد: يا رسول الله إن أخي كان عهد إليّ فيه فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه (فقال النبي ﷺ ¬):
(هو لك يا عبد بن زمعة) بضم عبد ونصب ابن (الولد للفراش) أي لصاحب الفراش (واحتجبي منه) من ابن وليدة زمعة واسمه عبد الرَّحمن (يا سودة) استحبابًا للاحتياط، وسودة هي بنت زمعة أم المؤمنين ﵂. قال البخاري بالسند إليه: (زاد لنا قتيبة) بن سعيد، وسقط لنا لأبي ذر، وقال في البيوع: حدّثنا قتيبة (عن الليث) بن سعد (وللعاهر الحجر).
٦٨١٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ».
وبه قال: (حدّثنا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة) ﵁ يقول (قال النبي ﷺ ¬):
(الولد للفراش) حرة كانت أو أمة (وللعاهر الحجر) سبق في الفرائض وغيرها أن المراد بقوله الحجر الخيبة أي لا حق له في النسب، وقيل معناه وللزاني الرجم بالحجر وأنه استبعد بأن ذلك ليس لجميع الزناة بل للمحصن، لكن في ترجمة البخاري هنا إيماء إلى ترجيح القول بأن الرجم بالحجر فيكون المراد منه أن الرجم مشروع للزاني المحصن والله أعلم.
والحديث سبق في مواضع.
٢٤ - باب الرَّجْمِ فِى الْبَلَاطِ
(باب الرجم في البلاط) ولأبي ذر عن الكشميهني، وفي الفتح وتبعه في العمدة عن المستملي بالبلاط بالموحدة بدل في والباء ظرفية أيضًا موضع معروف عند باب المسجد النبوي وكان مفروشًا بالبلاط وليس المراد الآلة التي يرجم بها.
٦٨١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِىٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ أَحْدَثَا جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُمْ: «مَا تَجِدُونَ فِى كِتَابِكُمْ»؟ قَالُوا: إِنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا تَحْمِيمَ الْوَجْهِ وَالتَّجْبِيَةَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ادْعُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالتَّوْرَاةِ، فَأُتِىَ بِهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى
آيَةِ الرَّجْمِ وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرُجِمَا عِنْدَ الْبَلَاطِ فَرَأَيْتُ الْيَهُودِىَّ أَجْنَأَ عَلَيْهَا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عثمان) ولأبي ذر زيادة ابن كرامة العجلي الكوفي وهو من أفراده قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم واللام المخففة بينهما خاء معجمة ساكنة القطواني الكوفي أحد مشايخ البخاري روى عنه هنا بالواسطة (عن سليمان) بن بلال أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن دينار) المدني (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: أتي رسول الله ﷺ ¬) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بيهودي) أي يسم (ويهودية) اسمها بسرة كما ذكره ابن العربي في أحكام القرآن (وقد أحدثنا جميعًا)
стр. 4265
أي فعلاً أمرًا فاحشًا وهو الزنا (فقال) ﷺ (لهم) أي لليهود:
(ما تجدون في) التوراة (كتابكم قالوا: إن أحبارنا) بالحاء المهملة والموحدة أي علماءنا (أحدثوا) ابتكروا (تحميم الوجه) أي تسويده بالفحم (والتجبية) بالفوقية المفتوحة والجيم الساكنة والموحدة المكسورة هو الإركاب معكوسًا وقيل أن يحمل الزانيان على حمار مخالفًا بين وجوههما، وقال في الفتح: المعتمد ما قاله أبو عبيدة التجبية أن يضع اليدين على الركبتين وهو قائم فيصير كالراكع، وقال الفارابي: جبّى بفتح الجيم وتشديد الموحدة قام قيام الراكع وهو عريان. (قال عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام (ادعهم يا رسول الله بالتوراة فأتي بها) بضم الهمزة (فوضع أحدهم) هو عبد الله بن صوريا (يده على آية الرجم) المكتوبة في التوراة (وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها فقال ابن سلام: ارفع يدك) عنها فرفعها (فإذا آية الرجم تحت يده فأمر بهما رسول الله ﷺ ¬) أن يرجما (فرجما) بعد إخراجهما إلى محل الرجم وإنما فعل ذلك إقامة للحجة عليهم وإظهارًا لما كتموه وبدلوه لا ليعرف الحكم ولا لتقليدهم.
(قال ابن عمر) ﵄ بالسند السابق: (فرجما عند البلاط) بين السوق والمسجد النبوي وفائدة ذكر البلاط الإشارة إلى جواز الرجم من غير حفيرة لأن المواضع المبلطة لم تحفر غالبًا أو أن الرجم يجوز في الأبنية ولا يختص بالمصلّى ونحوه مما هو خارج المدينة (فرأيت اليهودي أجنأ عليها) بفتح الهمزة والنون بينهما جيم ساكنة آخره همزة مفتوحة أي أكب، ولأبي ذر: أحنى بالحاء المهملة مقصورًا ومعناهما واحد يعني أكب عليها يقيها الحجارة.
والحديث أخرجه مسلم.
٢٥ - باب الرَّجْمِ بِالْمُصَلَّى
(باب الرجم بالمصلّى) أي عند مصلّى العيد والجنائز وهي من جهة بقيع الغرقد.
٦٨٢٠ - حَدَّثَنِى مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ النَّبِىَّ ﷺ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى شَهِدَ عَلَى
نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : «أَبِكَ جُنُونٌ»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «آحْصَنْتَ» قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ، فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ خَيْرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ. لَمْ يَقُلْ يُونُسُ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمود) وللنسفي محمود بن غيلان وهو المروزي قال: (حدّثنا عبد الرَّزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري ﵄ (أن رجلاً من أسلم) اسمه ماعز بن مالك (جاء النبي ﷺ فاعترف بالزنا فأعرض عنه النبي ﷺ حتى شهد) أقر (على نفسه) به (أربع مرات، فقال له النبي ﷺ ¬):
(أبك جنون قال: لا قال: آحصنت) بمد الهمزة أي أتزوجت ودخلت بها وأصبتها (قال: نعم فأمر به) ﷺ (فرجم بالمصلّى) أي عندها (فلما أذلقته) بالذال المعجمة والقاف أوجعته (الحجارة) أي حجارة الرمي فأل للعهد (فرّ) بالفاء المفتوحة والراء المشددة أي هرب (فأدرك) بضم الهمزة بالحرة (فرجم حتى مات فقال له النبي ﷺ خيرًا) أي ذكره بخير وفي حديث بريدة عند مسلم فكان الناس فيه فريقين قائل يقول هلك لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول ما توبة أفضل من توبة ماعز، وفيه: لقد تاب توبة لم قسمت على أمة لوسعتهم. وفي حديث أبي عزيزة عند النسائي: لقد رأيته بين أنهار الجنة ينغمس. قال: يعني يتنعم، وفي حديث أبي ذر عند أحمد قد غفر له وأدخله الجنة (وصلّى) ﷺ (عليه) خالف محمود بن غيلان عن عبد الرزاق محمد بن يحيى الذهلي وجماعة عن عبد الرزاق فقالوا في آخره لم يصل عليه (و) قال البخاري: (لم يقل يونس) بن يزيد الأيلي فيما وصله المؤلّف في باب رجم المحصن (وابن جريج) فيما وصله مسلم في روايتهما (عن الزهري) محمد بن مسلم (فصلّى عليه). وزاد في رواية المستملي وحده عن الفربري. سئل أبو عبد الله البخاري هل قوله فصلّى عليه يصح أم لا؟ قال: رواه معمر أي ابن راشد قيل للبخاري أيضًا هل رواه غير معمر قال: لا. قال الحافظ ابن حجر: واعترض على البخاري في جزمه بأن معمرًا روى هذه الزيادة مع أن المنفرد بها إنما هو محمود بن غيلان عن عبد الرزاق، وقد خالفه العدد الكثير من
стр. 4266
الحفاظ فصرحوا بأنه لم يصلِّ عليه، لكن ظهر لي أن البخاري قويت عنده رواية محمود بالشواهد، فقد أخرج عبد الرزاق أيضًا وهو في السنن لأبي قرة من وجه آخر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قصة ماعز قال: فقيل يا رسول الله أتصلي عليه؟ قال: لا. فلما كان من الغد قال: "صلوا على صاحبكم" فصلّى عليه رسول الله ﷺ والناس. قال الحافظ ابن حجر: فهذا الخبر يجمع الاختلاف فتحمل رواية النفي على أنه لم يصل عليه حين رجم ورواية الإثبات على أنه صلّى في اليوم الثاني، وقد اختلف في هذه المسألة فالمعروف عن مالك أنه يكره للإمام وأهل الفضل الصلاة على المرجوم ردعًا لأهل المعاصي وهو قول أحمد، وعند الشافعي لا يكره وهو قول الجمهور.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الحدود وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.
٢٦ - باب مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا دُونَ الْحَدِّ فَأَخْبَرَ الإِمَامَ
فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا قَالَ عَطَاءٌ: لَمْ يُعَاقِبْهُ النَّبِىُّ ﷺ ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَلَمْ يُعَاقِبِ الَّذِى جَامَعَ فِى رَمَضَانَ، وَلَمْ يُعَاقِبْ عُمَرُ صَاحِبَ الظَّبْىِ. وَفِيهِ عَنْ أَبِى عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب من أصاب ذنبًا دون الحد) أي ارتكب ذنبًا لا حد له شرعًا كالقبلة والغمرّة (فأخبر الإمام) به (فلا عقوبة عليه بعد التوبة إذا جاء) إلى الإمام حال كونه (مستفتيًا) بسكون الفاء طالبًا جواب ذلك، ولأبي ذر عن الكشميهني مستعتبًا بالعين المهملة الساكنة بدل الفاء وبعد الفوقية موحدة بدل التحتية من الاستعتاب وهو طلب الرضا وإزالة العتب. وقال في العمدة وللكشميهني: مستغيثًا بالغين المعجمة المكسورة والمثلثة بعد التحتية من الاستغاثة وهي طلب الغوث، وزاد في الفتح عن الكشميهني مستعينًا بالسين المهملة والنون قبل الألف، وفي نسخة مما في الفرع كأصله مستقيلاً بالقاف بدل الفوقية وبعدها تحتية فلام ألف أي طالبًا للإقالة، وغرض البخاري أن الصغيرة بالتوبة يسقط عنها التعزير.
(قال عطاء): هو ابن أبي رباح (لم يعاقبه النبي ﷺ ¬) أي لم يعاقب الذي أخبره أنه وقع في معصية بل أمهله حتى صلّى معه ثم أخبره أن صلاته كفرت ذنبه (وقال ابن جريج) عبد الملك: (ولم يعاقب) النبي ﷺ (الذي جامع) أهله (في) نهار (رمضان) بل أعطاه ما يكفر به (ولم يعاقب عمر) بن الخطاب ﵁ (صاحب الظبي) قبيصة بن جابر إذ اصطاد ظبيًا وهو محرم وإنما أمره بالجزاء ولم يعاقبه عليه وهذا وصله سعيد بن منصور بسند صحيح عن قبيصة (وفيه) أي وفي معنى الحكم المذكور في الترجمة (عن أبي عثمان) عبد الرَّحمن بن مل النهدي (عن ابن مسعود) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) ولأبي ذر عن أبي مسعود قال الحافظ ابن حجر: وهو غلط والصواب ابن مسعود وزاد أبو ذر عن الكشميهني بعد قوله وسلم مثله وهي زيادة لا حاجة إليها لأنه يصير ظاهره أن النبي ﷺ لم يعاقب صاحب الظبي، وهذا وصله المؤلّف في باب الصلاة كفارة في أوائل كتاب المواقيت من رواية سليمان التيمي عن أبي عثمان عن ابن مسعود بلفظ: إن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ فأخبره فأنزل الله تعالى ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤] فقال: يا رسول الله ألي هذا؟ قال: "لجميع أمتي كلهم".
٦٨٢١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلاً وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِى رَمَضَانَ فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «هَلْ
تَجِدُ رَقَبَةً»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن حميد بن عبد الرَّحمن) بن عوف الزهري (عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً) اسم سلمة بن صخر فيما رواه ابن أبي شيبة وابن الجارود وبه جزم عبد الغني، وتعقب بأن سلمة هو المظاهر في رمضان، وإنما أتى أهله في الليل رأى خلخالها في القمر. قال الحافظ ابن حجر: والسبب في ظنهم أنه المحترق أن ظهاره من امرأته كان شهر رمضان وجامع ليلاً كما هو صريح في حديثه، وأما المحترق ففيه رواية أبي هريرة أنه أعرابي وأنه جامع نهارًا فتغايرا نعم اشتركا في قدر الكفارة وفي الإتيان بالتمر وفي الإعطاء وفي قول كل منهما على أفقر منا (وقع بامرأته في) نهار (رمضان فاستفتى رسول الله ﷺ ¬) عن ذلك (فقال) له:
(هل تجد رقبة) تعتقها (قال: لا) أجدها (قال: هل تستطيع صيام شهرين قال: لا) أستطيع (قال: فأطعم ستين
стр. 4267
مسكينًا).
٦٨٢٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أَتَى رَجُلٌ النَّبِىَّ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ قَالَ: احْتَرَقْتُ قَالَ: «مِمَّ ذَاكَ»؟ قَالَ: وَقَعْتُ بِامْرَأَتِى فِى رَمَضَانَ قَالَ لَهُ: «تَصَدَّقْ» قَالَ: مَا عِنْدِى شَىْءٌ فَجَلَسَ وَأَتَاهُ إِنْسَانٌ يَسُوقُ حِمَارًا وَمَعَهُ طَعَامٌ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا أَدْرِى مَا هُوَ، إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ»؟ فَقَالَ: هَا أَنَا ذَا قَالَ: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ» قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنِّى مَا لأَهْلِى طَعَامٌ قَالَ: «فَكُلُوهُ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْحَدِيثُ الأَوَّلُ أَبْيَنُ قَوْلُهُ أَطْعِمْ أَهْلَكَ.
(وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله المؤلّف في التاريخ الصغير والطبراني في الأوسط (عن عمرو بن الحارث) بفتح العين ابن يعقوب أبي أيوب الأنصاري مولاهم أحد الأعلام (عن عبد الرَّحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر التيمي أبي محمد الفقيه ابن الفقيه (عن محمد بن جعفر بن الزبير) بن العوّام (عن عباد بن عبد الله بن الزبير) هو ابن عم محمد بن جعفر (عن عائشة) ﵂ أنها قالت: (أتى رجل) هو سلمة بن صخر إن صح (النبي ﷺ في المسجد) بطيبة في رمضان (قال) ولأبي ذر فقال: (احترقت) أطلق على نفسه أنه احترق لاعتقاده أن مرتكب الإثم يعذب بالنار فهو مجاز عن العصيان أو أنه يحترق يوم القيامة فجعل المتوقع كالواقع وعبّر عنه بالماضي (قال) ﷺ له:
(مم ذاك)؟ بغير لام (قال: وقعت بامرأتي) وطئتها (في) نهار (رمضان. قال) ﷺ (له تصدّق) فيه اختصار إذ الكفارة مرتبة فإن التصدق بعد الإعتاق والصيام (قال: ما عندي شيء) أتصدق به (فجلس) الرجل (فأتاه) ﷺ (إنسان) أي أعرف اسمه (يسوق حمارًا ومعه طعام قال): ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فقال (عبد الرَّحمن) بن القاسم: (ما أدري ما هو) أي الطعام في رواية أبي هريرة التصريح بأنه تمر في مكتل (إلى النبي ﷺ فقال: أين المحترق)؟ أثبت له وصف الاحتراق إشارة إلى أنه لو أصر على ذلك لاستحق ذلك (فقال: ها أنا ذا) يا رسول الله (قال: خذ هذا) الطعام (فتصدق به) كفارة (قال: على أحوج مني)؟ استفهام محذوف الأداة (ما لأهلي طعام. قال) ﷺ : (فكلوه). سقطت الهاء من فكلوه لأبي ذر (قال أبو عبد الله) المؤلّف: (الحديث الأول) المروي عن أبي عثمان النهدي (أبين قوله أطعم أهلك) وسقط قوله: قال أبو عبد الله الخ لأبي ذر.
٢٧ - باب إِذَا أَقَرَّ بِالْحَدِّ
وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ لِلإِمَامِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ؟.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا أقرّ) شخص (بالحدّ) عند الإمام (ولم يبين) كأن قال: إن أصبت ما يوجب الحدّ فأقمه عليّ (هل للإمام أن يستر عليه)؟ أم لا.
٦٨٢٣ - حَدَّثَنِى عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِىُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَىَّ قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى النَّبِىُّ ﷺ الصَّلَاةَ قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِىَّ كِتَابَ اللَّهِ. قَالَ: «أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا»؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ -أَوْ قَالَ- حَدَّكَ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدثنا (عبد القدوس بن محمد) أي ابن عبد الكبير بن شعيب بن الحبحاب بالحاءين المهملتين والموحدتين البصري العطار من أفراد المؤلّف ليس له في البخاري غير هذا الحديث قال: (حدثني) بالإفراد (عمرو بن عاصم) بفتح العين وسكون الميم (الكلابي) بكسر الكاف وبالموحدة الحافظ قال: (حدّثنا همام بن يحيى) العوذي الحافظ قال: (حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن) عمه (أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل) هو أبو اليسر بن عمرو واسمه كعب قاله في المقدمة (فقال: يا رسول الله إني أصبت) فعلاً يوجب (حدًّا فأقمه عليّ. قال) أنس: (ولم يسأله) النبي ﷺ (عنه) أي لم يستفسره لأنه قد يدخل في التجسس المنهي عنه أو إيثارًا للستر (قال) أنس:
(وحضرت الصلاة فصلّى) الرجل (مع النبي ﷺ فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًّا فأقم فيّ كتاب الله) أي ما حكم به تعالى في كتابه من الحدّ (قال):
(أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم. قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك -أو قال- حدّك) أي ما يوجب حدّك، والشك من الراوي، ويحتمل أن يكون ﷺ اطلع بالوحي على أن الله قد غفر له لكونها واقعة عين وإلاّ لكان يستفسره عن الحد ويقيمه عليه قاله الخطابي، وجزم النووي وجماعة أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر بدليل قوله: إنه كفرته الصلاة بناء على أن الذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر.
٢٨ - باب هَلْ يَقُولُ الإِمَامُ لِلْمُقِرِّ: لَعَلَّكَ لَمَسْتَ أَوْ غَمَزْتَ؟
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (هل يقول الإمام للمقر) بالزنا (لعلك لمست) المرأة (أو غمزتـ) ـها بعينك أو بيدك.
٦٨٢٤ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِىُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ»؟ قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَنِكْتَهَا»؟ لَا يَكْنِى قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا بالجمع (عبد الله بن محمد الجعفي) المسندي قال: (حدّثنا وهب بن جرير)
стр. 4268
بفتح الجيم قال: (حدّثنا أبي) جرير بن حازم بن زيد البصري (قال: سمعت يعلى بن حكيم) الثقفي مولاهم البصري (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: لما أتى ماعز بن مالك) الأسلمي (النبي ﷺ ¬) فقال: إنه زنى فأعرض عنه فأعاد عليه مرارًا فسأل قومه: أمجنون هو؟ قالوا: ليس به بأس. أخرجه أحمد وأبو داود عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس بسند على شرط البخاري (قال) ﷺ (له):
(لعلك قبّلت) المرأة فالمفعول محذوف للعلم به (أو غمزتـ) ـها بعينك أو بيدك وعند الإِسماعيلي بلفظ لعلك قبلت أو لمست (أو نظرت) إليها فأطلق على كل ذلك زنا لكنه لا حد في ذلك (قال: لا يا رسول الله. قال) ﷺ : (أنكتها)؟ بهمزة استفهام فنون مكسورة فكاف ساكنة ففوقية فهاء فألف من النيك (لا يكنى) بفتح التحتية وسكون الكاف وكسر النون من الكناية أي أنه ذكر هذا اللفظ صريحًا ولم يكنّ عنه بلفظ آخر كالجماع لأن الحدود لا تثبت بالكنايات، وفي حديث نعيم بن هزال عند أبي داود هل ضاجعتها؟ قال: نعم قال: فهل باشرتها؟ قال: نعم قال: هل جامعتها؟ قال: نعم (قال) ابن عباس (فعند ذلك) الإقرار بصريح الزنا (أمر) ﷺ (برجمه) وفيه جواز تلقين المقر في الحدود والتصريح بما يستحيا من التلفظ به للحاجة الملجئة لذلك.
٢٩ - باب سُؤَالِ الإِمَامِ الْمُقِرَّ هَلْ أَحْصَنْتَ؟
(باب سؤال الإمام) الأعظم أو نائبه (المقر) بالزنا (هل أحصنت) أي تزوجت ووطئت.
٦٨٢٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى اللَّيْثُ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِى سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ وَهْوَ فِى الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى زَنَيْتُ يُرِيدُ نَفْسَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِىُّ ﷺ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِى أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَجَاءَ لِشِقِّ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِى أَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ «أَبِكَ جُنُونٌ»؟ قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: «أَحْصَنْتَ»؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «اذْهَبُوا فَارْجُمُوهُ».
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء وبعد التحتية الساكنة راء جد سعيد واسم أبيه كثير أبو عثمان الأنصاري المصري الحافظ (قال: حدثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام قال: (حدثني) بالإفراد أيضًا (عبد الرَّحمن بن خالد) أمير مصر (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن ابن السيب) سعيد (وأبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف (أن أبا هريرة) ﵁ (قال: أتى رسول الله ﷺ رجل من الناس) ليس من أكابرهم ولا بالمشهور فيهم (وهو) أي والحال أنه ﷺ (في المسجد فناداه يا رسول الله: إني زنيت يريد نفسه) ليبين أنه لم يكن مستفتيًا من جهة الغير بل مسند ذلك لنفسه (فأعرض عنه النبي ﷺ فتنحى) بالحاء المهملة أي انتقل الرجل (لشق وجهه) بكسر الشين المعجمة للجانب (الذي أعرض قبله) بكسر القاف وفتح الموحدة مقابلاً له (فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض) ﷺ (عنه فجاء لشق وجه النبي ﷺ الذي أعرض عنه فلما شهد على نفسه أربع شهادات) أنه زنى وجواب لما قوله (دعاه النبي ﷺ فقال):
(أبك جنون) الهمزة للاستفهام وجنون مبتدأ والجار متعلق بالخبر والمسوغ للابتداء بالنكرة تقدم الخبر في الظرف وهمزة الاستفهام (قال: لا) ليس بي جنون (يا رسول الله. فقال: أحصنت)؟ استفهام حذفت منه الأداة (قال: نعم) أحصنت (يا رسول الله. قال) ﷺ : (اذهبوا فارجموه). ولأبي ذر: اذهبوا به والباء باء التعدية، ويحتمل الحال أي اذهبوا مصاحبين له فارجموه.
٦٨٢٦ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى مَنْ سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ.
(قال ابن شهاب) الزهري بالسند السابق: (أخبرني) بالإفراد (من سمع جابرًا) هو أبو سلمة بن عبد الرَّحمن (قال): وفي نسخة يقول (فكنت فيمن رجمه) سبق أن تعلقت بالذوات كما هنا تعدت إلى مفعولين الثاني فعل مضارع من الأفعال الصوتية، وقيل هو في محل حال إن كان
الأوّل معرفة أو في محل صفة إن كان نكرة وخبر كان في المجرور ومن بمعنى الذي وصلتها جملة رجمه والمعنى في جماعة من رجمه وأعاد على لفظ ولو أعاد على معناها لقال فيمن رجموه (فرجمناه بالمصلّى) أي عند مصلّى الجنائز بالبقيع وفي الكلام تقديم وتأخير أي: فرجمناه بالمصلّى فكنت فيمن رجمه أو كنت فيمن أراد حضور رجمه
стр. 4269
فرجمناه (فلما أذلقته) بالذال المعجمة الساكنة والقاف أقلقته أو أوجعته. وقال النووي: أي أصابته بحدّها (الحجارة جمز) بفتح الجيم والميم والزاي وثب مسرعًا وليس بالشديد العدو بل كالقفز، وفي حديث أبي سعيد فاشتد واشتددنا خلفه (حتى أدركناه بالحرة) خارج المدينة (فرجمناه) زاد في الرواية السابقة في باب الرجم بالمصلّى حتى مات. وعند الترمذي من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: في قصة ماعز: فلما وجد مسّ الحجارة فرّ يشتد حتى مرّ برجل معه لحي جمل فضربه به وضربه الناس حتى مات. وعند أبي داود والنسائي من رواية يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه في هذه القصة وجد مسّ الحجارة فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه فنزع له وظيف بعير فرماه به فقتله. قال في الفتح: وظاهر هذا يخالف رواية أبي هريرة أنهم ضربوه معه ويجمع بأن قوله فقتله أي كان سببًا في قتله.
وفي هذا الحديث منقبة عظيمة لماعز لأنه استمر على طلب إقامة الحدّ عليه مع توبته ليتم تطهيره ولم يرجع عن إقراره مع أن الطبع البشري يقتضي أن لا يستمر، على الإقرار بما يقتضي إزهاق نفسه فجاهد نفسه على ذلك وقوي عليها، وفيه التثبت في إزهاق نفس المسلم والمبالغة في صيانته لما وقع في هذه القصة من ترديده والإيماء إليه بالرجوع والإشارة إلى قبول دعواه إن ادعى خطأ في معنى الزنا ومباشرة دون الفرج مثلاً وأن إقرار المجنون لاغ.
٣٠ - باب الاِعْتِرَافِ بِالزِّنَا
(باب) بيان حكم (الاعتراف بالزنا).
٦٨٢٧ و ٦٨٢٨ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ فِى الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ قَالَا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ، وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ فَقَالَ: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِى قَالَ: «قُلْ» قَالَ: إِنَّ ابْنِى كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِى أَنَّ عَلَى ابْنِى جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، الْمِائَةُ شَاةٍ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا قُلْتُ لِسُفْيَانَ: لَمْ يَقُلْ فَأَخْبَرُونِى أَنَّ عَلَى ابْنِى الرَّجْمَ فَقَالَ: أَشُكُّ فِيهَا مِنَ الزُّهْرِىِّ فَرُبَّمَا قُلْتُهَا وَرُبَّمَا سَكَتُّ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظناه) أي الحديث (من في الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أي من فمه وعند الحميدي عن سفيان حدّثنا الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود (أنه سمع أبا هريرة وزيد بن خالد) الجهني ﵄ (قالا: كنا عند النبي ﷺ ¬) وهو جالس في المسجد (فقام رجل) أي من الأعراب كما في الشروط ولم يقف الحافظ ابن حجر على اسمه ولا على اسم خصمه (فقال): يا رسول الله (أنشدك الله) بفتح الهمزة وسكون النون وضم الشين المعجمة والدال المهملة أي أسألك الله أي بالله ومعنى السؤال هنا القسم كأنه قال: أقسمت عليك بالله أو معناه ذكرتك بتشديد الكاف وحينئذٍ فلا حاجة لتقدير حرف الجر فيه، ولذا قال الفارسي: أجروه مجرى ذكرتك وإذا قلنا معناه سأل كان متعديًا لمفعولين ليس ثانيهما المجرور بالباء لفظًا أو تقديرًا كما يتوهمه كثير بل مفعوله الثاني ما يأتي بعده فإذا قلت: أنشدك الله أن تكرمني فالمصدر المؤوّل من أن تكرمني هو مفعوله الثاني وقس على ذلك، ولو قلنا معناه ذكرتك الله فالمراد به الإِقسام عليه فهذان مفعولاه، وحينئذٍ فما بعد على تقدير حرف جر. فإذا قيل: نشدتك الله أن تكرمني كان معناه ذكرتك الله في إكرامي، ثم إن العرب تأتي بعد هذا التركيب بإلاّ مع أن صورة لفظه إيجاب ثم يأتون بعده بفعل ولا يستثنى فيقولون: أنشدك الله إلا فعلت كذا، وذلك لأن المعنى على النفي والحصر فحسن الاستثناء، وأما وقوع الفعل بعد إلا فعلى تأويله بالمصدر وإن لم يكن فيه حرف مصدري لضرورة افتقار المعنى إلى ذلك وهو من المواضع التي يقع فيها الفعل موقع الاسم كما قاله صاحب المفصل. قال: وقد أوقع الفعل المتعدي موقع الاسم المستثنى في قوله: أنشدك الله إلا ما فعلت، وتعقبه البرماوي بأن تقييده بالفعل المتعدي لا معنى له. قال أبو حيان: فهو كلام يعنون به النفي المحصور فيه المفعول. قال: وقد صرح بما المصدرية مع الفعل بعد إلا يعني كما وقع في هذا الحديث بعد أنشدك (إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله) أي لا أسألك بالله إلا القضاء بيننا بكتاب الله.
قال في العدّة في المسألة مذهبان آخران حكاهما أبو حيان. أحدهما أن إلا جواب القسم لأنها في الكلام على معنى الحصر فدخلت هنا لذلك المعنى كأنك قلت: نشدتك بالله لا تفعل شيئًا إلا كذا فحذف الجواب وترك ما يدل عليه، والثاني قاله في البسيط أن إلا أيضًا جواب
стр. 4270
للقسم، لكن على أن الأصل نشدتك الله لتفعلنّ كذا ثم أوقعوا موقع المضارع الماضي ولم يدخلوا لام التوكيد لأنها لا تدخل على الماضي فجعلوا بدلها إلا وحملوها عليها فتلخص أن الاستثناء في هذا التريب مفرّغ، وقوله بكتاب الله أي بما تضمنه كتاب الله أو أن المراد به حكم الله المكتوب على المكلفين من الحدود والأحكام إذا الرجم ليس في القرآن، ويحتمل أن يراد به القرآن وكان ذلك قبل أن تنسخ آية الرجم لفظًا وإنما سألا أن يحكم بينهما بحكم الله، وهما يعلمان أنه لا يحكم إلا بحكم الله ليفصل بينهما بالحكم الصرف لا بالنصائح والترغيب فيما هو الأرفق بهما إذ للحاكم أن يفعل ولكن برضا الخصمين.
(فقام خصمه وكان أفقه منه) يحتمل كما قال الحافظ الزين العراقي أن يكون الراوي كان عارفًا بهما قبل أن يتحاكما فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول مطلقًا أو في هذه القضية الخاصة أو استدل بحسن أدبه في استئذانه أوّلاً وترك رفع صوته إن كان الأوّل رفعه، والخصم في الأول مصدر خصمه يخصمه إذا نازعه وغالبه، ثم أطلق على المخاصم وصار اسمًا له فلذا يطلق على الواحد والاثنين والأكثر بلفظ واحد مذكرًا كان المخاصم أو مؤنثًا لأنه بمعنى ذو كذا على قول البصريين في رجل عدل ونحوه قال تعالى: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب﴾ [ص: ٢١] وربما ثني وجمع للتنبيه على فائدة تراد في الكلام نحو لا تخف خصمان ونحو ذلك (فقال): يا رسول الله (افض بيننا بكتاب الله وائذن لي) أي في أن أتكلم وفي رواية ابن أبي شيبة عن سفيان حتى أقول (قال) ﷺ :
(قل قال: إن ابني كان عسيفًا) بفتح العين وكسر السين المهملتين وبالفاء أجيرًا (على هذا) أبي عنده أو على بمعنى اللام كقوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾. قال الكرماني، وتبعه العيني والبرماوي: وهذا القول الخ من جملة كلام الرجل أي الأول لا الخصم ولعله تمسك بقوله في الصلح، فقال الأعرابي إن ابني بعد قوله في أول الحديث جاء أعرابي، وتعقبه في فتح الباري كما سبق في الصلح بأن هذه الزيادة شاذة والمحفوظ ما في سائر الطرق كما في رواية سفيان هنا فالاختلاف فيه على ابن أبي ذئب (فزنى بامرأته) أي يعرف الحافظ ابن حجر اسمها ولا اسم الابن (فافتديت منه بمائة شاة وخادم) بمائة شاة يتعلق بافتديت، ومنه أي الرجم والشاة تذكر وتؤنث وأصلها شاهة لأن تصغيرها شويهة وشوية والجمع شياه بالهاء تقول ثلاث شياه إلى العشرة فإذا جاوزت فالتاء فإذا كثرت قلت هذه شاء كثير بالهمزة ومن للبدلية كقوله تعالى: (﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ [التوبة: ٣٨] أي بدل الآخرة (ثم سألت رجالاً من أهل العلم) قال في الفتح: لم أقف على أسمائهم ولا على عددهم (فأخبروني أن على ابني جلد مائة) بإضافة جلد للاحقه كقوله: (وتغريب عام وعلى امرأته الرجم) لإِحصانها (فقال النبي ﷺ : و) حق (الذي نفسي بيده) فالذي مع صلته وعائده مقسم به ونفسي مبتدأ وبيده في محل الخبر وبه متعلق حرف الجر وجواب القسم قوله: (لأقضين بينكما بكتاب الله جل ذكره) بتشديد النون للتأكيد ولأبي ذر بينكم بالجمع (المائة شاة والخادم ردّ عليك) وفي الصلح الوليدة ولا تنافي بينهما لأن الخادم يطلق على الذكر والأنثى، وقوله ردّ من إطلاق المصدر على المفعول أي مردود نحو نسج اليمن أي منسوجة لذلك كان بلفظ واحد للواحد والمتعدّد، وقوله المائة شاة هو على مذهب الكوفيين والمعنى أنه يجب رد ذلك إليك وفيه دليل على أن المأخوذ بالعقود الفاسدة كما في هذا الصلح الفاسد لا يملك بل يجب رده على صاحبه. قال في العدة: وهو أجود مما استدل به البخاري من حديث بلال أوّه عين الربا لا تفعل فإن ذاك الحديث ليس فيه أمر بالرد إنما فيه النهي عن مثل هذا (وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام) وهذا يتضمن أن ابنه كان بكرًا وأنه اعترف بالزنا فإن إقرار الأب عليه لا يقبل أو يكون أضمر اعترافه أي إن كان ابنك اعترف بالزنا فعليه جلد مائة وتغريب عام والسابق أوجه لأنه في مقام الحكم وقرينة اعترافه
стр. 4271
حضوره مع أبيه كما في الرواية الأخرى إن ابني هذا وسكوته على ما
نسبه إليه وفي رواية عمر بن شعيب كان ابني أجيرًا لامرأة هذا وابني لم يحصن فصرح بكونه بكرًا وفيه التغريب للبكر الزاني وبه تمسك الشافعية خلافًا لأبي حنيفة فلا يقول به لأن إيجابه زيادة على النص والزيادة على النص بخبر الواحد نسخ فلا يجوز (واغد يا أنيس) بضم الهمزة وفتح النون آخره سين مهملة مصغرًا ابن الضحاك الأسلمي على الأصح (على امرأة هذا فإن اعترفت) بالزنا (فارجمها فغدا عليها فاعترفت فرجمها). والمراد بالغدوّ الذهاب كما يطلق الرواح على ذلك وليس المراد حقيقة الغدوّ وهو التبكير في أوّل النهار كما لا يراد بالرواح التوجه نصف النهار، ويدل له رواية مالك ويونس وصالح بن كيسان وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر وإنما بعثه لإِعلام المرأة بأن هذا الرجل قذفها بابنه فلها عليه حدّ القذف فتطالبه به أو تعفو إلا أن تعترف بالزنا فلا يجب عليه حدّ القذف بل عليها حد الزنا وهو الرجم لأنها كانت محصنة فذهب إليها أنيس فاعترفت به فأمر ﷺ برجمها فرجمت. قال النووي: كذا أوّله العلماء من أصحابنا وغيرهم ولا بدّ منه لأن ظاهره أنه بعث لطلب إقامة حدّ الزنا وهو غير مراد لأن حدّ الزنا لا يتجسس له بل يستحب تلقين المقر به الرجوع فيتعين التأويل المذكور وفي الحديث أنه يستحب للقاضي أن يصبر على قول أحد الخصمين احكم بيننا بالحق ونحوه إذا تعدى عليه خصمه ونظير ذلك قوله تعالى حكاية عن قول الخصمين اللذين دخلا على داود ﴿فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط﴾ [ص: ٢٢] ويحتمل أن يكون ذلك على حد قوله تعالى: قل رب احكم بالحق في أن المراد التعريض بأن خصمه على الباطل وأن الحكم بالحق سيظهر باطله قال عليّ بن المديني:
(قلت لسفيان) بن عينة: (لم يقل) أي الرجل الذي قال إن ابني كان عسيفًا في كلامه (فأخبروني أن على ابني الرجم فقال) سفيان (أشك فيها) أي في سماعها وللمستملي الشك فيها (من الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (فربما قلتها وربما سكت) عنها.
والحديث مضى في الوكالة والشروط والنذور وغيرها وأخرجه بقية الستة.
٦٨٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَمْلُ أَوْ الاِعْتِرَافُ قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا حَفِظْتُ أَلَا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله) مصغرًا ابن عبد الله بن عتبة (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال عمر) بن الخطاب ﵁ (لقد خشيت) بفتح الخاء وكسر الشين المعجمتين خفت (أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا) بفتح التحتية وكسر
الضاد المعجمة من الضلال (بترك فريضة أنزلها الله) تعالى في كتابه العزيز في قوله: والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة كما روي من طرق عدة متعاضدة أنها كانت متلوّة فنسخت تلاوتها وبقي حكمها معمولاً به (ألا) بالتخفيف (وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن) بفتح الهمزة والصاد والواو وفي وقد للحال (إذا قامت البيّنة) بزناه (أو كان الحمل) بالميم الساكنة ثابتًا ولأبي ذر الحبل بالموحدة المفتوحة بدل الميم (أو الاعتراف) من الزاني أنه زنى.
(قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (كذا حفظت) جملة معترضة بين قوله أو الاعتراف وقوله ﴿ألا﴾ بالتخفيف وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده وهذا من قول عمر ﵁.
ومطابقة الحديث لما ترجم به من قوله وإن الرجم حق الخ.
٣١ - باب رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا إِذَا أَحْصَنَتْ
(باب رجم الحبلى من الزنا) ولأبي ذر في الزنا (إذا أحصنت) بأن تزوّجت واتفقوا على أنها لا ترجم إلا بعد الوضع.
٦٨٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَبَيْنَمَا أَنَا فِى مَنْزِلِهِ بِمِنًى وَهْوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِى آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا إِذْ رَجَعَ إِلَىَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلاً أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِى فُلَانٍ يَقُولُ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلَانًا فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِى بَكْرٍ إِلاَّ فَلْتَةً فَتَمَّتْ، فَغَضِبَ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ: إِنِّى إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِى النَّاسِ فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ، حِينَ تَقُومُ فِى النَّاسِ وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وَأَنْ لَا يَعُوهَا وَأَنْ لَا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ فَتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا فَيَعِى أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فِى عَقِبِ ذِى الْحَجَّةِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَجَّلْنَا الرَّوَاحَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى أَجِدَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ جَالِسًا إِلَى رُكْنِ الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ حَوْلَهُ تَمَسُّ رُكْبَتِى رُكْبَتَهُ، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مُقْبِلاً قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: لَيَقُولَنَّ الْعَشِيَّةَ مَقَالَةً لَمْ
يَقُلْهَا مُنْذُ اسْتُخْلِفَ فَأَنْكَرَ عَلَىَّ وَقَالَ: مَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّى قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِى أَنْ أَقُولَهَا لَا أَدْرِى لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَىْ أَجَلِى فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَمَنْ خَشِىَ أَنْ لَا يَعْقِلَهَا فَلَا أُحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَىَّ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَالرَّجْمُ فِى كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الاِعْتِرَافُ ثُمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنْ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ أَلَا ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تُطْرُونِى كَمَا أُطْرِىَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّ قَائِلاً مِنْكُمْ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا فَلَا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِى بَكْرٍ فَلْتَةً، وَتَمَّتْ أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِى بَكْرٍ مَنْ بَايَعَ رَجُلاً عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الَّذِى بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ إِلاَّ أَنَّ الأَنْصَارَ، خَالَفُونَا وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ فِى سَقِيفَةِ بَنِى سَاعِدَةَ، وَخَالَفَ عَنَّا عَلِىٌّ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِى بَكْرٍ: فَقُلْتُ لأَبِى بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْهُمْ لَقِيَنَا مِنْهُمْ رَجُلَانِ صَالِحَانِ فَذَكَرَا مَا تَمَالَى عَلَيْهِ الْقَوْمُ فَقَالَا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقُلْنَا: نُرِيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَا: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقْرَبُوهُمُ اقْضُوا أَمْرَكُمْ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ فِى سَقِيفَةِ بَنِى سَاعِدَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ قَالُوا: يُوعَكُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلاً تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَكَتِيبَةُ الإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا، وَأَنْ يَحْضُنُونَا مِنَ الأَمْرِ فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَكُنْتُ زَوَّرْتُ مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِى أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَىْ أَبِى بَكْرٍ، وَكُنْتُ أُدَارِى مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِكَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّى وَأَوْقَرَ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِى فِى تَزْوِيرِى إِلاَّ قَالَ: فِى بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا، أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا حَتَّى سَكَتَ فَقَالَ: مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ وَلَنْ يُعْرَفَ هَذَا الأَمْرُ إِلاَّ لِهَذَا الْحَىِّ مِنْ قُرَيْشٍ هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ،
فَأَخَذَ بِيَدِى وَبِيَدِ أَبِى عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَهْوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا، فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ غَيْرَهَا كَانَ وَاللَّهِ أَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِى لَا يُقَرِّبُنِى ذَلِكَ مِنْ إِثْمٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ اللَّهُمَّ إِلاَّ أَنْ تُسَوِّلَ إِلَىَّ نَفْسِى عِنْدَ الْمَوْتِ شَيْئًا لَا أَجِدُهُ الآنَ فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ فَكَثُرَ اللَّغَطُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ حَتَّى فَرِقْتُ مِنَ الاِخْتِلَافِ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ بَايَعَتْهُ الأَنْصَارُ وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، قَالَ عُمَرُ: وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِى بَكْرٍ خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلاً مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ فَيَكُونُ فَسَادٌ فَمَنْ بَايَعَ رَجُلاً عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُتَابَعُ هُوَ وَلَا الَّذِى بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: كنت أقرئ) أي أعلم (رجالاً من المهاجرين) القرآن (منهم
стр. 4272
عبد الرَّحمن بن عوف) ولم يعرف الحافظ ابن حجر اسم أحد منهم غيره (فبينما) بالميم (أنا في منزله بمنى) بالتنوين وكسر الميم (وهو عند عمر بن الخطاب) ﵁ (في آخر حجة حجها) عمر ﵁ سنة ثلاث وعشرين وجواب بينما قوله (إذ رجع إليّ) بتشديد الياء (عبد الرَّحمن) بن عوف (فقال: لو رأيت رجلاً) قال في الفتح: لم أقف على اسمه (أتى أمير المؤمنين اليوم) لرأيت عجبًا فالجواب محذوف أو كلمة لو للتمني فلا تحتاج إلى الجواب (فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان) لم يسم (يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانًا) قال في في مسند البزار والجعديات بإسناد ضعيف: إن المراد بالذي يبايع له طلحة بن عبيد الله ولم يسم القائل ولا الناقل قال: ثم وجدته في الأنساب للبلاذري بإسناد قوي من رواية هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري بالإسناد المذكور في الأصل ولفظه: قال عمر بلغني أن الزبير قال: لو قد مات عمر لبايعنا عليًّا الحديث وهذا أصح. وقال في الشرح: قوله لقد بايعت فلانًا هو طلحة بن عبيد الله أخرجه البزار من طريق أبي معشر عن زيد بن أسلم عن أبيه، وعن عمر مولى غفرة بضم الغين المعجمة وسكون الفاء قالا قدم على أبي بكر مال فذكر قصة طويلة في قسم الفيء ثم قال: حتى إذا كان من آخر السنة التي حج فيها عمر قال بعض الناس: لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلانًا يعنون طلحة بن عبيد الله، ونقل ابن بطال عن المهلب أن الذي عنوا أنهم يبايعونه رجل من الأنصار ولم يذكر مستنده، وأبدى الكرماني سؤالاً هنا فقال فإن قلت: لو حرف لازم أن يدخل على الفعل وهاهنا دخل على الحرف. وأجاب: بأن قد هاهنا في تقدير الفعل إذ معناه لو تحقق موته أو قد مقحم.
(فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة) بفتح الفاء وسكون اللام بعدها فوقية ثم تاء تأنيث أي فجأة أي من غير تدبر (فتمت) أي المبايعة بذلك (فغضب عمر) ﵁ زاد ابن إسحاق عند ابن أبي شيبة غضبًا ما رأيته غضب مثله منذ كان (ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم) بالميم في اليونينية وفي غيرها بالنون (هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم) بفتح التحتية وسكون الغين المعجمة وكسر الصاد المهملة منصوب بحذف النون، وفي رواية مالك يغتصبوهم بزيادة تاء الافتعال، ويروى أن يغضبونهم بالنون بعد الواو وهي لغة كقوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٨] بالرفع وهو تشبيههم أن بما المصدرية فلا ينصبون بها أي الذين يقصدون أمورًا ليست من وظيفتهم ولا مرتبتهم فيريدون أن يباشروها بالظلم والغضب ولأر ذر عن الكشميهني: أن يعضبوهم بالعين المهملة والضاد المعجمة وفتح أوّله.
(قال عبد الرَّحمن) بن عوف ﵁ (فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل) ذلك فيه جواز الاعتراض على الإمام في الرأي إذا خشي من ذلك الفتنة واختلاف الكلمة (فإن الموسم يجمع رعاع الناس) براء مفتوحة وعينين مهملتين بينهما ألف الجهلة الأراذل أو الشباب منهم (وغوغائهم) بغينين معجمتين مفتوحتين بينهما واو ساكنة ممدودًا الكثير المختلط من الناس، وقال في الفتح: أصله صغار الجراد حين يبدأ في الطيران ويطلق على السفلة المسرعين إلى الشر (فإنهم هم الذين يغلبون على قربك) بضم القاف وسكون الراء بعدها موحدة أي المكان الذي يقرب منك. قال في الفتح: ووقع في رواية الكشميهني وابن زيد المروزي على قرنك بكسر القاف وبعد الراء نون بدل الموحدة قال: وهو خطأ انتهى. وعزاها في المصابيح للأصيلي وقال: إن الأولى هي الظاهرة انتهى. والذي في حاشية فرع اليونينية كأصلها معزوًّا لأبي ذر عن الكشميهني قومك بالميم بدل النون، وفي رواية ابن وهب عن مالك على مجلسك (حين تقوم في الناس) للخطبة لغلبتهم ولا يتركون المكان القريب إليك لأولي النهي من الناس (وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها) بضم التحتية وفتح الطاء المهملة بعدها تحتية مكسورة مشددة من أطار الشيء إذا أطلقه ولأبي ذر عن الحمويّ يطير بها بفتح التحتية وكسر الطاء
стр. 4273
وسكون التحتية (عنك كل مطير) وفي نسخة كل مطير بفتح الميم وكسر الطاء أي يحملونها على غير وجهها (وأن لا يعوها) لا يعرفوا المراد منها (وأن لا يضعوها على مواضعها) وقال في الكواكب وفي بعض الروايات: وأن لا يضعونها بإثبات النون. قال: وترك النصب جائز مع النواصب لكنه خلاف الأفصح وفيه أنه لا يوضع دقيق العلم إلا عند أهل الفهم له والمعرفة بمواضعه دون العام (فأمهل) بقطع الهمزة وكسر الهاء (حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسُّنّة فتخلص) بضم اللام بعدها صاد مهملة مضمومة والذي في الفرع وأصله فتخلص بالنصب مصححًا عليه أي تصل (بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول) بالنصب وصحح عليه في الفرع كأصله (ما قلت) حال كونك (متمكنًا) بكسر الكاف منه (فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها، فقال عمر) ﵁ (أما) بتخفيف الميم وألف بعدها حرف
استفتاح ولأبي ذر عن الكشميهني أم (والله) بحذف الألف (إن شاء لأقومن بذلك أوّل مقام أقومه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أقوم (بالمدينة) بحذف الضمير (قال ابن عباس) ﵄: (فقدمنا المدينة) من مكة (في عقب ذي الحجة) بفتح العين وكسر القاف عند الأصيلي وعنده غيره بضم فسكون والأوّل أولى لأن الثاني يقال لما بعد التكملة والأوّل لما قرب منها يقال جاء عقب الشهر بالوجهين إذا جاء وقد بقيت منه بقية، وجاء عقبة بضم العين إذا جاء بعد تمامه والواقع لأن قدوم عمر ﵁ كان قبل أن ينسلخ ذو الحجة في يوم الأربعاء.
(فلما كان يوم الجمعة) برفع يوم أو بالنصب على الظرفية (عجلنا الرواح) بنون الجمع وللأصيلي وأبي ذر وأبي الوقت عجلت بتاء المتكلم وللكشميهني بالرواح، وزاد سفيان فيما رواه البزار وجاءت الجمعة وذكرت ما حدثني عبد الرَّحمن بن عوف فهجرت إلى المسجد (حين زاغت الشمس) زالت عند اشتداد الحرّ (حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) بضم النون وفتح الفاء أحد العشرة (جالساً إلى ركن المنبر) وقوله: حتى أجد بالنصب مصلحة على كشط في الفرع وكذا رأيت النصب في اليونينية. وقال في الكواب: بالرفع. قال ابن هشام: لا يرفع الفعل بعد حتى إلا إذا كان حالاً ثم إن كانت حاليته بالنسبة إلى زمن التكلم فالرفع واجب كقوله: سرت حتى أدخلها إذا قلت ذلك وأنت في حالة الدخول، وإن كانت حاليته ليست حقيقية بل كانت محكية جاز نصبه إذا لم تقدر الحكاية نحو: وزلزلوا حتى يقول الرسول: وقراءة نافع بالرفع بتقدير حتى حالتهم حينئذٍ أن الرسول والذين آمنوا معه يقولون كذا وكذا (فجلست حوله) وفي رواية الإسماعيلي حذوه وفي رواية معمر فجلست إلى جنبه (تمس ركبتي ركبته فلم أنشب) بفتح الهمزة والشين المعجمة بينهما نون ساكنة آخره موحدة أي أمكث (أن خرج عمر بن الخطاب) ﵁ بفتح همزة إن أي خرج من مكانه إلى جهة المنبر (فلما رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل): ليستعد ويحضر فهمه (ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف) وفي رواية مالك لم يقلها أحد (قط قبله فأنكر عليّ) بتشديد الياء استبعادًا لذلك منه لأن الفرائض والسنن قد تقرّرت، وزاد سفيان فغضب سعيد (وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله) وكان القياس كما نبه عليه الكرماني وتبعه البرماوي أن يقول ما عسى أن يقول فكأنه في معنى رجوت وتوقعت (فجلس عمر) ﵁ (على المنبر فلما سكت المؤذنون) بالفوقية بعد الكاف من السكوت ضد النطق وضبطها الصغاني سكب بالموحدة بدل الفوقية أي أذنوا فاستعير السكب للإِضافة في الكلام كما يقال أفرغ في أذني كلامًا أي ألقى وصب (قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدّر لي) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (أن أقولها لا أدري لعلها بين أيدي أجلي) بقرب وفاتي وهذا من موافقات عمر ﵁ التي جرت على لسانه فوقعت كما قال
стр. 4274
وفي رواية أبي معشر عند البزار أنه قال في خطبته هذه: فرأيت رؤيا وما ذاك إلا عند اقتراب أجلي رأيت ديكًا نقرني، وفي مرسل سعيد بن المسيب مما في الموطأ أن عمر لما صدر من الحج دعا
الله أن يقبضه إليه غير مضيع ولا مفرط. وقال في آخر القصة: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر ﵁ (فمن عقلها) بفتح العين المهملة والقاف (ووعاها) حفظها (فليحدث بها حيث انتهت به راحلته) فيه الحض لأهل العلم والضبط على التبليغ والنشر في الأسفار (ومن خشي أن لا يعقلها) بكسر الشن والقاف (فلا أحل) بضم الهمزة وكسر الحاء المهملة (لأحد) كان الأصل أن يقول لا أحل له ليرجع الضمير إلى الموصول لكن لما كان القصد الربط قام عموم أحد مقام الضمير (أن يكذب علي) بتشديد الياء (إن الله) بعث محمدًا ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قال ذلك توطئة لما سيقوله رفعًا للريبة ودفعًا للتهمة (فكان مما) ولأبي ذر عن الكشميهني: فيما بالفاء بدل الميم (أنزل الله) في الكتاب (آية الرجم) وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وآية بالنصب والرفع في اليونينية وقال الطيبي بالرفع اسم كان وخبرها من التبعيضية في قوله مما ففيه تقديم الخبر على الاسم وهو كثير (فقرأناها وعقلناها ووعيناها) ثم نسخ لفظها وبقي حكمها (فلذا رجم رسول الله ﷺ ¬) أي أمر برجم المحصنين (ورجمنا بعده فأخشى) فأخاف (إن) بكسر الهمزة (طال بالناس زمان أن يقول) بفتح الهمزة (قائل) منهم: (والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا) بفتح التحتية (بترك فريضة أنزلها الله) تعالى في كتابه في الآية المذكورة المنسوخة (والرجم في كتاب الله حق) في قوله تعالى ﴿أو يجعل الله لهن سبيلاً﴾ [النساء: ١٥] بين النبي ﷺ أن المراد به رجم الثيب وجلد البكر ففي مسند أحمد من حديث عبادة بن الصامت قال: أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ ذات يوم فلما أسري عنه قال: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً الثيب بالثيب والبكر بالبكر. الثيب: جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر: جلد مائة ثم نفي سنة ورواه مسلم وأصحاب السنن من طرق بلفظ: خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً. البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب جلد مائة، والرجم قال في شرح المشكاة: التكرير في قوله: خذوا عني يدل على ظهور أمر قد خفي شأنه وأبهم فإن قوله قد جعل الله لهن سبيلاً مبهم في التنزيل ولم يعلم ما تلك السبيل أي الحدّ الثابت في حق المحصن وغيره، وقوله: البكر بالبكر بيان للمبهم وتفصيل للمجمل مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] وقد ذهب الإمام أحمد إلى القول بمقتضى هذا الحديث وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد لأنه ﷺ رجم ماعزًا والغامدية واليهوديين ولم يجلدهم فدلّ على أن الجلد ليس بمحتم بل هو منسوخ، فعلم أن الرجم في كتاب الله حق (على من رنى إذا أحصن) بضم الهمزة أي تزوّج وكان بالغًا عاقلاً (من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة) بالزنا بشرطها المقرر في الفروع (أو كان الحبل) بفتح الحاء المهملة والموحدة أي وجدت المرأة الخلية من زوج أو سيد حبلى ولم تذكر شبهة ولا إكراهًا (أو) كان (الاعتراف) أي الإقرار بالزنا والاستمرار عليه (ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله) مما نسخت تلاوته وبقي حكمه (أن لا ترغبوا عن آبائكم) فتنتسبوا إلى غيرهم (فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) إن
استحللتموه أو هو للتغليظ (أو إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم) بالشك فيما كان من القرآن (ألا) بالتخفيف حرف استفتاح كلام غير السابق (ثم) وفي رواية مالك ألا و (إن رسول الله ﷺ قال: لا تطروني) بضم الفوقية وسكون المهملة لا تبالغوا في مدحي بالباطل (كما أطري) بضم الهمزة (عيسى ابن مريم) وفي رواية سفيان
стр. 4275
كما أطرت النصارى عيسى في جعله إلهًا مع الله أو ابن الله (وقولوا عبد الله ورسوله) وفي رواية مالك: فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله، ووجه إيراد عمر ذلك هنا أنه خاف على من لا قوّة له في الفهم أن يظن بشخص استحقاقه الخلافة فيقوم في ذلك مع أن المذكور لا يستحق فيظن به ما ليس فيه فيدخل في النهي، أو أن الذي وقع منه في مدح أبي بكر ليس من الإِطراء المنهي عنه، ولذا قال: ليس فيكم مثل أبي بكر.
(ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول والله لو مات) ولأبي ذر: لو قد مات (عمر بايعت فلانًا فلا يغترن) بتشديد الراء والنون (امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة) أي فجأة من غير مشورة مع جميع من كان ينبغي أن يشاوروا، أو المراد أن أبا بكر ومن معه تفلتوا في ذهابهم إلى الأنصار فبايعوا أبا بكر بحضرتهم، وقال ابن حبان: إنما كانت فلتة لأن ابتداءها كان من غير ملأ كثير (وتمت ألا) بالتخفيف (وإنها كانت كذلك) أي فلتة (ولكن الله) بتشديد النون أو تخفيفها (وقى) بتخفيف القاف أي دفع (شرها وليس منكم) ولأبي ذر فيكم (من تقطع الأعناق) أي أعناق الإبل من كثرة السير (إليه مثل أبي بكر) في الفضل والتقدم لأنه سبق كل سابق فلا يطمع أحد أن يقع له مثل ما وقع لأبي بكر ﵁ من المبايعة له أوّلاً في الملأ اليسير ثم اجتماع الناس إليه وعدم اختلافهم عليه لما تحققوا من استحقاقه لما اجتمع فيه من الصفات المحمودة من قوّته في الله ولين جانبه للمسلمين وحسن خلقه وورعه التام فلم يحتاجوا في أمره إلى نظر ولا إلى مشاورة أخرى وليس غيره في ذلك مثله (من بايع رجلاً عن) ولأبي ذر عن الكشميهني كما في الفرع وأصله: من (غير مشورة من المسلمين) بفتح الميم وضم الشين المعجمة وسكون الواو وبسكون الشين وفتح الواو (فلا يبايع هو ولا الذي بايعه) بالموحدة وفتح الياء قبل العين فيهما كذا في الفرع وأصله، وفي فتح الباري فلا يبايع بالموحدة وجاء بالمثناة الفوقية وهو أولى لقوله هو ولا الذي تابعه اهـ. أي من الأتباع (تغرة أن يقتلا) أي المبايع والمبايع، وقوله: تغرة بمثناة فوقية مفتوحة وغين معجمة مكسورة وراء مشددة بعدها هاء تأنيث مصدر غررته إذا ألقيته في الغرر. قال في المصابيح: والذي يظهر لي في إعرابه أن يكون تغرة حالاً على المبالغة أو على حذف مضاف أي: ذا تغرة أي مخافة أن يقتلا فحذف المضاف الذي هو مخافة وأقيم المضاف إليه مقامه وهو تغرة، والمعنى أن من فعل ذلك فقد غرر بنفسه وبصاحبه وعرضهما للقتل (وأنه) بكسر الهمزة (قد كان من خبرنا) بموحدة مفتوحة (حين توفى الله نبيه ﷺ أن الأنصار خالفونا) بفتح الهمزة خبر كان وفي رواية أبي ذر عن المستملي من خيرنا بالتحتية الساكنة بدل الموحدة يعني أبا بكر ﵁ أن الأنصار بكسر الهمزة على أن ابتداء كلام آخر، وفي الفرع كأصله إلا أن الأنصار بكسر الهمزة وتشديد اللام، وقال العيني: إنها بالتخفيف لافتتاح الكلام ينبه بها المخاطب على ما يأتي وأنها على
رواية غير المستملي معترضة بين خبر كان واسمها، وسقطت لفظة ألا لأبي ذر كما في الفرع وأصله.
(واجتمعوا بأسرهم) بأجمعهم (في سقيفة بني ساعدة) بفتح السين وكسر العين وفتح الدال المهملات أي صفتهم وكانوا يجتمعون عندها لفصل القضايا وتدبير الأمور (وخالف عنا عليّ والزبير ومن معهما) فلم يجتمعوا معنا عندها حينئذٍ (واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار) وفي رواية جويرية عن مالك: فبينا نحن في منزل رسول الله ﷺ إذا برجل ينادي من وراء الجدار: أخرج إليّ يا ابن الخطاب. فقلت: إليك إني مشغول. قال: أخرج إليّ إنه قد حدث أمر إن الأنصار اجتمعوا فأدركهم قبل أن يحدثوا أمرًا يكون بينكم فيه حرب، فقلت لأبي بكر: انطلق (فانطلقنا نريدهم) زاد جويرية فلقينا أبا عبيدة بن الجراح فأخذ أبو بكر بيده يمشي بيني وبينه (فلما دنونا) قربنا (منهم لقينا) بكسر القاف وفتح الياء منهم
следующие страницы →