Полный текст (4 743 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
حضوره مع أبيه كما في الرواية الأخرى إن ابني هذا وسكوته على ما
نسبه إليه وفي رواية عمر بن شعيب كان ابني أجيرًا لامرأة هذا وابني لم يحصن فصرح بكونه بكرًا وفيه التغريب للبكر الزاني وبه تمسك الشافعية خلافًا لأبي حنيفة فلا يقول به لأن إيجابه زيادة على النص والزيادة على النص بخبر الواحد نسخ فلا يجوز (واغد يا أنيس) بضم الهمزة وفتح النون آخره سين مهملة مصغرًا ابن الضحاك الأسلمي على الأصح (على امرأة هذا فإن اعترفت) بالزنا (فارجمها فغدا عليها فاعترفت فرجمها). والمراد بالغدوّ الذهاب كما يطلق الرواح على ذلك وليس المراد حقيقة الغدوّ وهو التبكير في أوّل النهار كما لا يراد بالرواح التوجه نصف النهار، ويدل له رواية مالك ويونس وصالح بن كيسان وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر وإنما بعثه لإِعلام المرأة بأن هذا الرجل قذفها بابنه فلها عليه حدّ القذف فتطالبه به أو تعفو إلا أن تعترف بالزنا فلا يجب عليه حدّ القذف بل عليها حد الزنا وهو الرجم لأنها كانت محصنة فذهب إليها أنيس فاعترفت به فأمر ﷺ برجمها فرجمت. قال النووي: كذا أوّله العلماء من أصحابنا وغيرهم ولا بدّ منه لأن ظاهره أنه بعث لطلب إقامة حدّ الزنا وهو غير مراد لأن حدّ الزنا لا يتجسس له بل يستحب تلقين المقر به الرجوع فيتعين التأويل المذكور وفي الحديث أنه يستحب للقاضي أن يصبر على قول أحد الخصمين احكم بيننا بالحق ونحوه إذا تعدى عليه خصمه ونظير ذلك قوله تعالى حكاية عن قول الخصمين اللذين دخلا على داود ﴿فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط﴾ [ص: ٢٢] ويحتمل أن يكون ذلك على حد قوله تعالى: قل رب احكم بالحق في أن المراد التعريض بأن خصمه على الباطل وأن الحكم بالحق سيظهر باطله قال عليّ بن المديني:
(قلت لسفيان) بن عينة: (لم يقل) أي الرجل الذي قال إن ابني كان عسيفًا في كلامه (فأخبروني أن على ابني الرجم فقال) سفيان (أشك فيها) أي في سماعها وللمستملي الشك فيها (من الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (فربما قلتها وربما سكت) عنها.
والحديث مضى في الوكالة والشروط والنذور وغيرها وأخرجه بقية الستة.
٦٨٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَمْلُ أَوْ الاِعْتِرَافُ قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا حَفِظْتُ أَلَا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله) مصغرًا ابن عبد الله بن عتبة (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال عمر) بن الخطاب ﵁ (لقد خشيت) بفتح الخاء وكسر الشين المعجمتين خفت (أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا) بفتح التحتية وكسر
الضاد المعجمة من الضلال (بترك فريضة أنزلها الله) تعالى في كتابه العزيز في قوله: والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة كما روي من طرق عدة متعاضدة أنها كانت متلوّة فنسخت تلاوتها وبقي حكمها معمولاً به (ألا) بالتخفيف (وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن) بفتح الهمزة والصاد والواو وفي وقد للحال (إذا قامت البيّنة) بزناه (أو كان الحمل) بالميم الساكنة ثابتًا ولأبي ذر الحبل بالموحدة المفتوحة بدل الميم (أو الاعتراف) من الزاني أنه زنى.
(قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (كذا حفظت) جملة معترضة بين قوله أو الاعتراف وقوله ﴿ألا﴾ بالتخفيف وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده وهذا من قول عمر ﵁.
ومطابقة الحديث لما ترجم به من قوله وإن الرجم حق الخ.
٣١ - باب رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا إِذَا أَحْصَنَتْ
(باب رجم الحبلى من الزنا) ولأبي ذر في الزنا (إذا أحصنت) بأن تزوّجت واتفقوا على أنها لا ترجم إلا بعد الوضع.
٦٨٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَبَيْنَمَا أَنَا فِى مَنْزِلِهِ بِمِنًى وَهْوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِى آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا إِذْ رَجَعَ إِلَىَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلاً أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِى فُلَانٍ يَقُولُ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلَانًا فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِى بَكْرٍ إِلاَّ فَلْتَةً فَتَمَّتْ، فَغَضِبَ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ: إِنِّى إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِى النَّاسِ فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ، حِينَ تَقُومُ فِى النَّاسِ وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وَأَنْ لَا يَعُوهَا وَأَنْ لَا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ فَتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا فَيَعِى أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فِى عَقِبِ ذِى الْحَجَّةِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَجَّلْنَا الرَّوَاحَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى أَجِدَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ جَالِسًا إِلَى رُكْنِ الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ حَوْلَهُ تَمَسُّ رُكْبَتِى رُكْبَتَهُ، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مُقْبِلاً قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: لَيَقُولَنَّ الْعَشِيَّةَ مَقَالَةً لَمْ
يَقُلْهَا مُنْذُ اسْتُخْلِفَ فَأَنْكَرَ عَلَىَّ وَقَالَ: مَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّى قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِى أَنْ أَقُولَهَا لَا أَدْرِى لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَىْ أَجَلِى فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَمَنْ خَشِىَ أَنْ لَا يَعْقِلَهَا فَلَا أُحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَىَّ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَالرَّجْمُ فِى كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الاِعْتِرَافُ ثُمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنْ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ أَلَا ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تُطْرُونِى كَمَا أُطْرِىَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّ قَائِلاً مِنْكُمْ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا فَلَا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِى بَكْرٍ فَلْتَةً، وَتَمَّتْ أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِى بَكْرٍ مَنْ بَايَعَ رَجُلاً عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الَّذِى بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ إِلاَّ أَنَّ الأَنْصَارَ، خَالَفُونَا وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ فِى سَقِيفَةِ بَنِى سَاعِدَةَ، وَخَالَفَ عَنَّا عَلِىٌّ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِى بَكْرٍ: فَقُلْتُ لأَبِى بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْهُمْ لَقِيَنَا مِنْهُمْ رَجُلَانِ صَالِحَانِ فَذَكَرَا مَا تَمَالَى عَلَيْهِ الْقَوْمُ فَقَالَا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقُلْنَا: نُرِيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَا: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقْرَبُوهُمُ اقْضُوا أَمْرَكُمْ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ فِى سَقِيفَةِ بَنِى سَاعِدَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ قَالُوا: يُوعَكُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلاً تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَكَتِيبَةُ الإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا، وَأَنْ يَحْضُنُونَا مِنَ الأَمْرِ فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَكُنْتُ زَوَّرْتُ مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِى أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَىْ أَبِى بَكْرٍ، وَكُنْتُ أُدَارِى مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِكَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّى وَأَوْقَرَ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِى فِى تَزْوِيرِى إِلاَّ قَالَ: فِى بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا، أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا حَتَّى سَكَتَ فَقَالَ: مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ وَلَنْ يُعْرَفَ هَذَا الأَمْرُ إِلاَّ لِهَذَا الْحَىِّ مِنْ قُرَيْشٍ هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ،
فَأَخَذَ بِيَدِى وَبِيَدِ أَبِى عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَهْوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا، فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ غَيْرَهَا كَانَ وَاللَّهِ أَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِى لَا يُقَرِّبُنِى ذَلِكَ مِنْ إِثْمٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ اللَّهُمَّ إِلاَّ أَنْ تُسَوِّلَ إِلَىَّ نَفْسِى عِنْدَ الْمَوْتِ شَيْئًا لَا أَجِدُهُ الآنَ فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ فَكَثُرَ اللَّغَطُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ حَتَّى فَرِقْتُ مِنَ الاِخْتِلَافِ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ بَايَعَتْهُ الأَنْصَارُ وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، قَالَ عُمَرُ: وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِى بَكْرٍ خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلاً مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ فَيَكُونُ فَسَادٌ فَمَنْ بَايَعَ رَجُلاً عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُتَابَعُ هُوَ وَلَا الَّذِى بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: كنت أقرئ) أي أعلم (رجالاً من المهاجرين) القرآن (منهم
стр. 4272
عبد الرَّحمن بن عوف) ولم يعرف الحافظ ابن حجر اسم أحد منهم غيره (فبينما) بالميم (أنا في منزله بمنى) بالتنوين وكسر الميم (وهو عند عمر بن الخطاب) ﵁ (في آخر حجة حجها) عمر ﵁ سنة ثلاث وعشرين وجواب بينما قوله (إذ رجع إليّ) بتشديد الياء (عبد الرَّحمن) بن عوف (فقال: لو رأيت رجلاً) قال في الفتح: لم أقف على اسمه (أتى أمير المؤمنين اليوم) لرأيت عجبًا فالجواب محذوف أو كلمة لو للتمني فلا تحتاج إلى الجواب (فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان) لم يسم (يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانًا) قال في في مسند البزار والجعديات بإسناد ضعيف: إن المراد بالذي يبايع له طلحة بن عبيد الله ولم يسم القائل ولا الناقل قال: ثم وجدته في الأنساب للبلاذري بإسناد قوي من رواية هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري بالإسناد المذكور في الأصل ولفظه: قال عمر بلغني أن الزبير قال: لو قد مات عمر لبايعنا عليًّا الحديث وهذا أصح. وقال في الشرح: قوله لقد بايعت فلانًا هو طلحة بن عبيد الله أخرجه البزار من طريق أبي معشر عن زيد بن أسلم عن أبيه، وعن عمر مولى غفرة بضم الغين المعجمة وسكون الفاء قالا قدم على أبي بكر مال فذكر قصة طويلة في قسم الفيء ثم قال: حتى إذا كان من آخر السنة التي حج فيها عمر قال بعض الناس: لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلانًا يعنون طلحة بن عبيد الله، ونقل ابن بطال عن المهلب أن الذي عنوا أنهم يبايعونه رجل من الأنصار ولم يذكر مستنده، وأبدى الكرماني سؤالاً هنا فقال فإن قلت: لو حرف لازم أن يدخل على الفعل وهاهنا دخل على الحرف. وأجاب: بأن قد هاهنا في تقدير الفعل إذ معناه لو تحقق موته أو قد مقحم.
(فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة) بفتح الفاء وسكون اللام بعدها فوقية ثم تاء تأنيث أي فجأة أي من غير تدبر (فتمت) أي المبايعة بذلك (فغضب عمر) ﵁ زاد ابن إسحاق عند ابن أبي شيبة غضبًا ما رأيته غضب مثله منذ كان (ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم) بالميم في اليونينية وفي غيرها بالنون (هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم) بفتح التحتية وسكون الغين المعجمة وكسر الصاد المهملة منصوب بحذف النون، وفي رواية مالك يغتصبوهم بزيادة تاء الافتعال، ويروى أن يغضبونهم بالنون بعد الواو وهي لغة كقوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٨] بالرفع وهو تشبيههم أن بما المصدرية فلا ينصبون بها أي الذين يقصدون أمورًا ليست من وظيفتهم ولا مرتبتهم فيريدون أن يباشروها بالظلم والغضب ولأر ذر عن الكشميهني: أن يعضبوهم بالعين المهملة والضاد المعجمة وفتح أوّله.
(قال عبد الرَّحمن) بن عوف ﵁ (فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل) ذلك فيه جواز الاعتراض على الإمام في الرأي إذا خشي من ذلك الفتنة واختلاف الكلمة (فإن الموسم يجمع رعاع الناس) براء مفتوحة وعينين مهملتين بينهما ألف الجهلة الأراذل أو الشباب منهم (وغوغائهم) بغينين معجمتين مفتوحتين بينهما واو ساكنة ممدودًا الكثير المختلط من الناس، وقال في الفتح: أصله صغار الجراد حين يبدأ في الطيران ويطلق على السفلة المسرعين إلى الشر (فإنهم هم الذين يغلبون على قربك) بضم القاف وسكون الراء بعدها موحدة أي المكان الذي يقرب منك. قال في الفتح: ووقع في رواية الكشميهني وابن زيد المروزي على قرنك بكسر القاف وبعد الراء نون بدل الموحدة قال: وهو خطأ انتهى. وعزاها في المصابيح للأصيلي وقال: إن الأولى هي الظاهرة انتهى. والذي في حاشية فرع اليونينية كأصلها معزوًّا لأبي ذر عن الكشميهني قومك بالميم بدل النون، وفي رواية ابن وهب عن مالك على مجلسك (حين تقوم في الناس) للخطبة لغلبتهم ولا يتركون المكان القريب إليك لأولي النهي من الناس (وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها) بضم التحتية وفتح الطاء المهملة بعدها تحتية مكسورة مشددة من أطار الشيء إذا أطلقه ولأبي ذر عن الحمويّ يطير بها بفتح التحتية وكسر الطاء
стр. 4273
وسكون التحتية (عنك كل مطير) وفي نسخة كل مطير بفتح الميم وكسر الطاء أي يحملونها على غير وجهها (وأن لا يعوها) لا يعرفوا المراد منها (وأن لا يضعوها على مواضعها) وقال في الكواكب وفي بعض الروايات: وأن لا يضعونها بإثبات النون. قال: وترك النصب جائز مع النواصب لكنه خلاف الأفصح وفيه أنه لا يوضع دقيق العلم إلا عند أهل الفهم له والمعرفة بمواضعه دون العام (فأمهل) بقطع الهمزة وكسر الهاء (حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسُّنّة فتخلص) بضم اللام بعدها صاد مهملة مضمومة والذي في الفرع وأصله فتخلص بالنصب مصححًا عليه أي تصل (بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول) بالنصب وصحح عليه في الفرع كأصله (ما قلت) حال كونك (متمكنًا) بكسر الكاف منه (فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها، فقال عمر) ﵁ (أما) بتخفيف الميم وألف بعدها حرف
استفتاح ولأبي ذر عن الكشميهني أم (والله) بحذف الألف (إن شاء لأقومن بذلك أوّل مقام أقومه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أقوم (بالمدينة) بحذف الضمير (قال ابن عباس) ﵄: (فقدمنا المدينة) من مكة (في عقب ذي الحجة) بفتح العين وكسر القاف عند الأصيلي وعنده غيره بضم فسكون والأوّل أولى لأن الثاني يقال لما بعد التكملة والأوّل لما قرب منها يقال جاء عقب الشهر بالوجهين إذا جاء وقد بقيت منه بقية، وجاء عقبة بضم العين إذا جاء بعد تمامه والواقع لأن قدوم عمر ﵁ كان قبل أن ينسلخ ذو الحجة في يوم الأربعاء.
(فلما كان يوم الجمعة) برفع يوم أو بالنصب على الظرفية (عجلنا الرواح) بنون الجمع وللأصيلي وأبي ذر وأبي الوقت عجلت بتاء المتكلم وللكشميهني بالرواح، وزاد سفيان فيما رواه البزار وجاءت الجمعة وذكرت ما حدثني عبد الرَّحمن بن عوف فهجرت إلى المسجد (حين زاغت الشمس) زالت عند اشتداد الحرّ (حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) بضم النون وفتح الفاء أحد العشرة (جالساً إلى ركن المنبر) وقوله: حتى أجد بالنصب مصلحة على كشط في الفرع وكذا رأيت النصب في اليونينية. وقال في الكواب: بالرفع. قال ابن هشام: لا يرفع الفعل بعد حتى إلا إذا كان حالاً ثم إن كانت حاليته بالنسبة إلى زمن التكلم فالرفع واجب كقوله: سرت حتى أدخلها إذا قلت ذلك وأنت في حالة الدخول، وإن كانت حاليته ليست حقيقية بل كانت محكية جاز نصبه إذا لم تقدر الحكاية نحو: وزلزلوا حتى يقول الرسول: وقراءة نافع بالرفع بتقدير حتى حالتهم حينئذٍ أن الرسول والذين آمنوا معه يقولون كذا وكذا (فجلست حوله) وفي رواية الإسماعيلي حذوه وفي رواية معمر فجلست إلى جنبه (تمس ركبتي ركبته فلم أنشب) بفتح الهمزة والشين المعجمة بينهما نون ساكنة آخره موحدة أي أمكث (أن خرج عمر بن الخطاب) ﵁ بفتح همزة إن أي خرج من مكانه إلى جهة المنبر (فلما رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل): ليستعد ويحضر فهمه (ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف) وفي رواية مالك لم يقلها أحد (قط قبله فأنكر عليّ) بتشديد الياء استبعادًا لذلك منه لأن الفرائض والسنن قد تقرّرت، وزاد سفيان فغضب سعيد (وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله) وكان القياس كما نبه عليه الكرماني وتبعه البرماوي أن يقول ما عسى أن يقول فكأنه في معنى رجوت وتوقعت (فجلس عمر) ﵁ (على المنبر فلما سكت المؤذنون) بالفوقية بعد الكاف من السكوت ضد النطق وضبطها الصغاني سكب بالموحدة بدل الفوقية أي أذنوا فاستعير السكب للإِضافة في الكلام كما يقال أفرغ في أذني كلامًا أي ألقى وصب (قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدّر لي) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (أن أقولها لا أدري لعلها بين أيدي أجلي) بقرب وفاتي وهذا من موافقات عمر ﵁ التي جرت على لسانه فوقعت كما قال
стр. 4274
وفي رواية أبي معشر عند البزار أنه قال في خطبته هذه: فرأيت رؤيا وما ذاك إلا عند اقتراب أجلي رأيت ديكًا نقرني، وفي مرسل سعيد بن المسيب مما في الموطأ أن عمر لما صدر من الحج دعا
الله أن يقبضه إليه غير مضيع ولا مفرط. وقال في آخر القصة: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر ﵁ (فمن عقلها) بفتح العين المهملة والقاف (ووعاها) حفظها (فليحدث بها حيث انتهت به راحلته) فيه الحض لأهل العلم والضبط على التبليغ والنشر في الأسفار (ومن خشي أن لا يعقلها) بكسر الشن والقاف (فلا أحل) بضم الهمزة وكسر الحاء المهملة (لأحد) كان الأصل أن يقول لا أحل له ليرجع الضمير إلى الموصول لكن لما كان القصد الربط قام عموم أحد مقام الضمير (أن يكذب علي) بتشديد الياء (إن الله) بعث محمدًا ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قال ذلك توطئة لما سيقوله رفعًا للريبة ودفعًا للتهمة (فكان مما) ولأبي ذر عن الكشميهني: فيما بالفاء بدل الميم (أنزل الله) في الكتاب (آية الرجم) وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وآية بالنصب والرفع في اليونينية وقال الطيبي بالرفع اسم كان وخبرها من التبعيضية في قوله مما ففيه تقديم الخبر على الاسم وهو كثير (فقرأناها وعقلناها ووعيناها) ثم نسخ لفظها وبقي حكمها (فلذا رجم رسول الله ﷺ ¬) أي أمر برجم المحصنين (ورجمنا بعده فأخشى) فأخاف (إن) بكسر الهمزة (طال بالناس زمان أن يقول) بفتح الهمزة (قائل) منهم: (والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا) بفتح التحتية (بترك فريضة أنزلها الله) تعالى في كتابه في الآية المذكورة المنسوخة (والرجم في كتاب الله حق) في قوله تعالى ﴿أو يجعل الله لهن سبيلاً﴾ [النساء: ١٥] بين النبي ﷺ أن المراد به رجم الثيب وجلد البكر ففي مسند أحمد من حديث عبادة بن الصامت قال: أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ ذات يوم فلما أسري عنه قال: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً الثيب بالثيب والبكر بالبكر. الثيب: جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر: جلد مائة ثم نفي سنة ورواه مسلم وأصحاب السنن من طرق بلفظ: خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً. البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب جلد مائة، والرجم قال في شرح المشكاة: التكرير في قوله: خذوا عني يدل على ظهور أمر قد خفي شأنه وأبهم فإن قوله قد جعل الله لهن سبيلاً مبهم في التنزيل ولم يعلم ما تلك السبيل أي الحدّ الثابت في حق المحصن وغيره، وقوله: البكر بالبكر بيان للمبهم وتفصيل للمجمل مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] وقد ذهب الإمام أحمد إلى القول بمقتضى هذا الحديث وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد لأنه ﷺ رجم ماعزًا والغامدية واليهوديين ولم يجلدهم فدلّ على أن الجلد ليس بمحتم بل هو منسوخ، فعلم أن الرجم في كتاب الله حق (على من رنى إذا أحصن) بضم الهمزة أي تزوّج وكان بالغًا عاقلاً (من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة) بالزنا بشرطها المقرر في الفروع (أو كان الحبل) بفتح الحاء المهملة والموحدة أي وجدت المرأة الخلية من زوج أو سيد حبلى ولم تذكر شبهة ولا إكراهًا (أو) كان (الاعتراف) أي الإقرار بالزنا والاستمرار عليه (ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله) مما نسخت تلاوته وبقي حكمه (أن لا ترغبوا عن آبائكم) فتنتسبوا إلى غيرهم (فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) إن
استحللتموه أو هو للتغليظ (أو إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم) بالشك فيما كان من القرآن (ألا) بالتخفيف حرف استفتاح كلام غير السابق (ثم) وفي رواية مالك ألا و (إن رسول الله ﷺ قال: لا تطروني) بضم الفوقية وسكون المهملة لا تبالغوا في مدحي بالباطل (كما أطري) بضم الهمزة (عيسى ابن مريم) وفي رواية سفيان
стр. 4275
كما أطرت النصارى عيسى في جعله إلهًا مع الله أو ابن الله (وقولوا عبد الله ورسوله) وفي رواية مالك: فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله، ووجه إيراد عمر ذلك هنا أنه خاف على من لا قوّة له في الفهم أن يظن بشخص استحقاقه الخلافة فيقوم في ذلك مع أن المذكور لا يستحق فيظن به ما ليس فيه فيدخل في النهي، أو أن الذي وقع منه في مدح أبي بكر ليس من الإِطراء المنهي عنه، ولذا قال: ليس فيكم مثل أبي بكر.
(ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول والله لو مات) ولأبي ذر: لو قد مات (عمر بايعت فلانًا فلا يغترن) بتشديد الراء والنون (امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة) أي فجأة من غير مشورة مع جميع من كان ينبغي أن يشاوروا، أو المراد أن أبا بكر ومن معه تفلتوا في ذهابهم إلى الأنصار فبايعوا أبا بكر بحضرتهم، وقال ابن حبان: إنما كانت فلتة لأن ابتداءها كان من غير ملأ كثير (وتمت ألا) بالتخفيف (وإنها كانت كذلك) أي فلتة (ولكن الله) بتشديد النون أو تخفيفها (وقى) بتخفيف القاف أي دفع (شرها وليس منكم) ولأبي ذر فيكم (من تقطع الأعناق) أي أعناق الإبل من كثرة السير (إليه مثل أبي بكر) في الفضل والتقدم لأنه سبق كل سابق فلا يطمع أحد أن يقع له مثل ما وقع لأبي بكر ﵁ من المبايعة له أوّلاً في الملأ اليسير ثم اجتماع الناس إليه وعدم اختلافهم عليه لما تحققوا من استحقاقه لما اجتمع فيه من الصفات المحمودة من قوّته في الله ولين جانبه للمسلمين وحسن خلقه وورعه التام فلم يحتاجوا في أمره إلى نظر ولا إلى مشاورة أخرى وليس غيره في ذلك مثله (من بايع رجلاً عن) ولأبي ذر عن الكشميهني كما في الفرع وأصله: من (غير مشورة من المسلمين) بفتح الميم وضم الشين المعجمة وسكون الواو وبسكون الشين وفتح الواو (فلا يبايع هو ولا الذي بايعه) بالموحدة وفتح الياء قبل العين فيهما كذا في الفرع وأصله، وفي فتح الباري فلا يبايع بالموحدة وجاء بالمثناة الفوقية وهو أولى لقوله هو ولا الذي تابعه اهـ. أي من الأتباع (تغرة أن يقتلا) أي المبايع والمبايع، وقوله: تغرة بمثناة فوقية مفتوحة وغين معجمة مكسورة وراء مشددة بعدها هاء تأنيث مصدر غررته إذا ألقيته في الغرر. قال في المصابيح: والذي يظهر لي في إعرابه أن يكون تغرة حالاً على المبالغة أو على حذف مضاف أي: ذا تغرة أي مخافة أن يقتلا فحذف المضاف الذي هو مخافة وأقيم المضاف إليه مقامه وهو تغرة، والمعنى أن من فعل ذلك فقد غرر بنفسه وبصاحبه وعرضهما للقتل (وأنه) بكسر الهمزة (قد كان من خبرنا) بموحدة مفتوحة (حين توفى الله نبيه ﷺ أن الأنصار خالفونا) بفتح الهمزة خبر كان وفي رواية أبي ذر عن المستملي من خيرنا بالتحتية الساكنة بدل الموحدة يعني أبا بكر ﵁ أن الأنصار بكسر الهمزة على أن ابتداء كلام آخر، وفي الفرع كأصله إلا أن الأنصار بكسر الهمزة وتشديد اللام، وقال العيني: إنها بالتخفيف لافتتاح الكلام ينبه بها المخاطب على ما يأتي وأنها على
رواية غير المستملي معترضة بين خبر كان واسمها، وسقطت لفظة ألا لأبي ذر كما في الفرع وأصله.
(واجتمعوا بأسرهم) بأجمعهم (في سقيفة بني ساعدة) بفتح السين وكسر العين وفتح الدال المهملات أي صفتهم وكانوا يجتمعون عندها لفصل القضايا وتدبير الأمور (وخالف عنا عليّ والزبير ومن معهما) فلم يجتمعوا معنا عندها حينئذٍ (واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار) وفي رواية جويرية عن مالك: فبينا نحن في منزل رسول الله ﷺ إذا برجل ينادي من وراء الجدار: أخرج إليّ يا ابن الخطاب. فقلت: إليك إني مشغول. قال: أخرج إليّ إنه قد حدث أمر إن الأنصار اجتمعوا فأدركهم قبل أن يحدثوا أمرًا يكون بينكم فيه حرب، فقلت لأبي بكر: انطلق (فانطلقنا نريدهم) زاد جويرية فلقينا أبا عبيدة بن الجراح فأخذ أبو بكر بيده يمشي بيني وبينه (فلما دنونا) قربنا (منهم لقينا) بكسر القاف وفتح الياء منهم
стр. 4276
(رجلان صالحان) عويم بن ساعدة ومعن بن عدي الأنصاري كما سماهما المصنف في غزوة بدر، وكذا رواه البزار في مسند عمر. قال في المقدمة: وفيه ردّ على من زعم أن عويم بن ساعدة مات في حياته ﷺ (فذكرا ما تمالى) ولأبي ذر: ما تمالأ بالهمزة أي اتفق (عليه القوم) من أنهم يبايعون لسعد بن عبادة (فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم) لا بعد أن زائدة (اقضوا أمركم) وفي رواية سفيان: أمهلوا حتى تقضوا أمركم (فقلت: والله لنأتينهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمّل) بتشديد الميم الثانية مفتوحة أي متلفف بثوبه (بين ظهرانيهم) بفتح الظاء المعجمة والنون في وسطهم (فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك) بضم التحتية وفتح العين المهملة أي يحصل له الوعك وهو حمى بنافض ولذا زمّل في ثوب.
(فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم) قال في المقدمة: قيل هو ثابت بن قيس بن شماس وهو الظاهر لأنه خطيب الأنصار (فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله) لدينه (وكتيبة الإسلام) بمثناة فوقية فموحدة وفتح الكاف بوزن عظيمة الجيش المجتمع (وأنتم معشر المهاجرين) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي معاشر المهاجرين (رهط) من ثلاثة إلى عشرة أي فأنتم قليل بالنسبة إلى الأنصار (وقد دفت) بفتح الدال المهملة والفاء المشددة سارت (دافة) بزيادة ألف بين الدال والفاء رفقة قليلة من مكة إلينا من الفقر (من قومكم) أيها المهاجرون (فإذا هم يريدون أن يختزلونا) بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة وفتح الفوقية وكسر الزاي بعدها لام يقطعونا (من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر) أي من الإمارة ويستأثروا بها علينا ويحضنونا بالحاء المهملة الساكنة وضم الضاد المعجمة وتكسر، ولأبي ذر عن المستملي: أي يخرجونا قاله أبو عبيدة كذا في الفرع وأصله أي يخرجونا مع قوله قاله أبو عبيدة يقال: حضنه واحتضنه عن الأمر أخرجه في ناحية عنه واستبد به أو حبسه عنه، وفي رواية أبي عليّ بن السكن مما في فتح الباري يحتصونا بمثناة فوقية قبل الصاد المهملة المشدّدة. قال: وللكشميهني يحصونا بإسقاط الفوقية وهي بمعنى الاقتطاع
والاستئصال قال عمر ﵁: (فلما سكت) خطيب الأنصار (أردت أن أتكلم وكنت زوّرت) بفتح الزاي والواو المشددة بعدها ساكنة هيأت وحسنت ولأبي ذر قد زوّرت (مقالة أعجبتني أريد) ولأبي ذر عن الكشميهني أردت (أن أقدمها بين يدي أبي بكر) قال الزهري فيما رأيته في اللامع: أراد عمر بالمقالة أن رسول الله ﷺ لم يمت (وكنت أداري) بضم الهمزة وكسر الراء بعدها تحتية وللأصيلي أدارئ بالهمز أدافع (منه بعض) ما يعتريه من (الحدّ) بالحاء المفتوحة والدال المشددة المهملتين أي الحدّة كالغضب ونحوه (فلما أردت أن أتكلم. قال أبو بكر) رضي الله- عنه: (على رسلك) بكسر الراء وسكون السين المهملة أي استعمل الرفق والتؤدة (فكرهت أن أغضبه) بضم الهمزة وسكون الغين وكسر الضاد المعجمتين وبالموحدة، ولأبي ذر عن الكشميهني: أن أعصيه بفتح الهمزة وبالعين والصاد المهملتين ثم التحتية (فتكلم أبو بكر) ﵁ (فكان هو أحلم مني) أحلم بالحاء المهملة الساكنة واللام المفتوحة من الحلم وهو الطمأنينة عند الغضب (وأوقر) بالقاف من الوقار التأني في الأمور والرزانة عند التوجه إلى المطالب (والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل) زاد الكشميهني منها (حتى سكت فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل) زاد ابن إسحاق في روايته عن الزهري أنا والله يا معشر الأنصار ما ننكر فضلكم ولا بلاءكم في الإسلام ولا حقكم الواجب علينا (ولن يعرف) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول (هذا الأمر) أي الخلافة (إلا لهذا الحيّ من قريش هم) أي قريش، ولأبي ذر عن الكشميهني: هو أي
стр. 4277
الحي (أوسط العرب) أعدلها وأفضلها (نسبًا ودارًا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا) بكسر المثناة التحتية (أيهما شئتم) فإن قلت: كيف جاز لأبي بكر أن يقول ذلك وقد جحله ﷺ إمامًا في الصلاة وهي عمدة الإسلام؟ أجيب: بأنه قاله تواضعًا وأدبًا وعلمًا منه أن كلاًّ منهما لا يرى نفسه أهلاً لذلك مع وجوده وأنه لا يكون للمسلمين إلا إمام واحد.
قال عمر: (فأخذ) أبو بكر (بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو) أي أبو بكر (جالس بيننا فلم أكره مما قال) أي أبو بكر (غيرها كان والله أن أقدم) بضم الهمزة وفتح الدال المشددة (فتضرب عنقي لا يقرّبني) بضم أوله وفتح القاف (ذلك) الضرب لعنقي (من إثم) أي ضربًا لا أعصي الله به (أحب إلي) بتشديد الياء (من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر) ﵁ (اللهم إلا أن تسوّل) بكسر الواو المشددة أي تزين (إليّ) بالهمزة وتشديد الياء ولأبي ذر لي (نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن فقال قائل الأنصار): حباب بن المنذر بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة الأولى البدري، ولأبي ذر عن الكشميهني من الأنصار (أنا جذيلها المحكك) بضم الجيم وفتح الذال المعجمة مصغر الجذل بفتح الجيم وكسرها وسكون المعجمة وهو أصل الشجر ويراد به هنا الجذع الذي تربط إليه الإبل الجرباء وتنضم إليه لتحتك والتصغير للتعظيم والمحكك بضم الميم وفتح الحاء وفتح الكاف الأولى مشددة اسم مفعول ووصفه بذلك لأنه صار أملس لكثرة ذلك يعني أنا ممن يستشفى به كما تستشفي الإبل الجرباء بهذا الاحتكاك (وعذيقها) بالذال المعجمة والقاف مصغر عذق بفتح العين وسكون المعجمة النخلة وبالكسر العرجون (المرجّب) بضم الميم وفتح الراء
والجيم المشدّدة بعدها موحدة اسم مفعول من قولك رجبت النخلة ترجيبًا إذا دعمتها ببناء أو غيره خشية عليها لكرامتها وطولها وكثرة حملها أن تقع أو ينكسر شيء من أغصانها أو يسقط شيء من حملها، وقيل هو ضم أعذاقها إلى سعفها وشدها بالخوص لئلا تنفضها الريح أو هو وضع الشوك حولها لئلا تصل إليها الأيدي المتفرقة (منا) معشر الأنصار (أمير ومنكم أمير يا معشر قريش فكثر اللغط) بفتح اللام والغين المعجمة الصوت والجلبة (وارتفعت الأصوات حتى فرقت) بكسر الراء خفت (من الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر) أبايعك (فبسط يده). وأخرج النسائي من طريق عاصم عن زر بن حبيش بسند حسن أن عمر قال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يؤم بالناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر. وعند الترمذي وحسنه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد قال: قال أبو بكر: ألست أحق الناس بهذا الأمر؟ ألست أول من أسلم؟ ألست صاحب كذا؟ وأخرج الذهلي في الزهريات بسند صحيح عن ابن عباس عن عمر قال: قلت يا معشر الأنصار إن أولى الناس بنبي الله ثاني اثنين إذ هما في الغار ثم أخذت بيده (فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار) بفوقية ساكنة بعد العين (ونزونا) بنون وزاي مفتوحتين وثبنا (على سعد بن عبادة فقال قائل منهم): لم يسم (قتلتم سعد بن عبادة) أي صيرتموه بالخذلان وسلب القوة كالمقتول قال عمر (فقلت: قتل الله سعد بن عبادة) إخبار عما قدره الله تعالى من منعه الخلافة أو دعاء عليه لكونه لم ينصر الحق، واستجيب له فقيل إنه تخلف عن البيعة وخرج إلى الشأم فوجد ميتًا في مغتسله وقد اخضرّ جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول ولا يرونه:
قد قتلنا سيد الخز … رج سعد بن عبادة
فرميناه بسهمين … فلم نخط فؤاده
(قال عمر) ﵁: (وإنا) بكسر الهمزة وتشديد النون (والله ما وجدنا فيما حضرنا) بسكون الراء. قال الكرماني، وتبعه البرماوي والعيني: أي من دفن رسول الله ﷺ
стр. 4278
(من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر) ﵁ لأن إهمال أمر المبايعة كان يؤدي إلى الفساد الكليّ، وأما دفنه ﷺ فكان العباس وعلي وطائفة مباشرين لذلك. وقال في الفتح: فيما حضرنا بصيغة الفعل الماضي ومن أمر في موضع المفعول أي حضرنا في تلك الحالة أمور فما وجدنا منها أقوى من مبايعة أبي بكر، والأمور التي حضرت حينئذٍ الاشتغال بالمشاورة واستيعاب من يكون أهلاً لذلك قال: وجعل بعض الشراح فيها الاشتغال بتجهيزه ﷺ مشكل بدفنه وهو محتمل، لكن ليس في سياق القصة إشعار به بل تعليل عمر يرشد إلى الحصر فيما يتعلق بالاستخلاف وهو قوله: (خشينا) أي خفنا (إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا فإما بايعناهم) بالموحدة أوله وللكشميهني تابعناه بالمثناة الفوقية والموحدة قبل الغين (على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساد) ولأبي ذر والأصيلي فسادًا بالنصب خبر كان (فمن بايع رجلاً على غير
مشورة) بضم المعجمة (من المسلمين فلا يتابع) بضم التحتية وفتح الفوقية وبعد الألف موحدة والجزم على النهي وفي اليونينية بالرفع (هو ولا الذي بايعه) بالموحدة وبعد الألف تحتية (تغرّة) بفتح الفوقية وكسر المعجمة وتشديد الراء مفتوحة بعدها هاء تأنيث منونة مخافة (أن يقتلا) فلا يطمعن أحد أن يبايع وتتم له المبايعة كما وقع لأبي بكر الصديق ﵁.
ومطابقة الحديث لما ترجم به في قوله: إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة.
٣٢ - باب الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِى لَا يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢ - ٣]
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: رَأْفَةٌ: فِى إِقَامَةِ الْحُدُودِ.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (البكران) بكسر الموحدة من الرجال والنساء وهما من لم يجامع في نكاح صحيح إذا زنيا (يجلدان) خبر المبتدأ الذي هو البكران (وينفيان ﴿الزانية والزاني﴾) مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف أي فيما فرض عليكم الزانية والزاني أي جلدهما أو الخبر (﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾) ودخلت الفاء في فاجلدوا لتضمنهما معنى الشرط إذ اللام بمعنى الذي وتقديره: التي زنت والذي زنى فاجلدوهما والخطاب للأئمة لأن إقامة الحدّ من الدين وهو على الكل، وقدم الزانية لأن الزنا في الأغلب يكون بتعريضها للرجل وعرض نفسها عليه والجلد حكم يخص من ليس بمحصن لما دلّ على أن حدّ المحصن هو الرجم وزاد الشافعي عليه تغريب الحر سنة للحديث وليس في الآية ما يدفعه لينسخ أحدهما الآخر (﴿ولا تأخذكم بهما رأفة﴾) رحمة (﴿في دين الله﴾) في طاعته إقامة حدوده فتعطلوه أو تسامحوا فيه (﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾) يوم البعث فإن الإيمان يقتضي الجد في طاعة الله والاجتهاد في إقامة أحكامه (﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾) ثلاثة أو أربعة عدد شهود الزنا زيادة في التنكيل فإن التفضيح قد ينكل أكثر ما ينكل التعذيب (﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾) أي المناسب لكل منهما ما ذكر لأن المشاكلة علة الإلفة (﴿وحرم ذلك﴾) أي نكاح الزواني (﴿على المؤمنين﴾) [النور: ٢، ٣] الأخيار نزل ذلك في ضعفة المهاجرين لما هموا أن يتزوجوا بغايا يكرين أنفسهن لينفقن عليهم من اكتسابهن على عادة الجاهلية فقيل التحريم خاص بهم، وقيل عام ونسخ بقوله: ﴿وانكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] وسقط لأبي ذر من قوله (إن كنتم تؤمنون) إلخ وقال بعد قوله: ﴿في دين الله﴾ الآية. (قال ابن عيينة) سفيان في تفسير قوله: (رأفة: إقامة الحدود) ولأبي ذر: في إقامة الحدّ.
٦٨٣١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ: جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ.
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد بن درهم أبو غسان الكوفي قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن سلمة قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (عن زيد بن خالد الجهني) ﵁ أنه (قال: سمعت النبي ﷺ يأمر فيمن زنى) رجل أو امرأة (ولم يحصن) بضم أوّله وفتح الصاد (جلد مائة) بنصب جلد على نزع الخافض (وتغريب عام) ولاء إلى مسافة القصر لأن المقصود إيحاشه بالبعد
стр. 4279
عن الأهل والوطن فأكثر إن رآه الإمام لأن عمر غرّب إلى الشأم، وعثمان إلى مصر، وعليًّا إلى البصرة، ولا يكفي تغريبه إلى ما دون مسافة القصر إذ لا يتم الإيحاش المذكور به لأن الأخبار تتواصل إليه حينئذٍ. وحكى ابن نصر في كتاب الإجماع: الاتفاق على نفي الزاني إلا عند الكوفيين وعليه الجمهور، وادعى الطحاوي أنه منسوخ، واختلف القائلون بالتغريب فقال الشافعي بالتعميم للرجل والمرأة، وفي قول له لا ينفى الرقيق، وخص مالك النفي بالرجل وقيده بالحر، وعن أحمد روايتان واحتج من شرط الحرية بأن في نفي العبد عقوبة لمالكه لمنعه منفعته مدة نفيه وتصرف الشرع يقتضي أن لا يعاقب غير الجاني.
وهذا الحديث سبق في الشهادات في باب شهادة القاذف واختصر عبد العزيز من السند ذكر أبي هريرة ومن المتن سياق قصة العسيف واقتصر منها على ما ذكره، ويحتمل أن يكون ابن شهاب اختصره لما حدث به عبد العزيز قاله في الفتح.
٦٨٣٢ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِى عُرْوَةَ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَرَّبَ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّنَّةَ.
(قال ابن شهاب) محمد بن مسلم بالسند السابق (وأخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوام (أن عمر بن الخطاب) ﵁ (غرّب) وهذا منقطع لأن عروة لم يسمع من عمر لكنه ثبت عن عمر من وجه آخر أخرجه النسائي والترمذي وصححه ابن خزيمة والحاكم من رواية عبيد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب (ثم لم تزل) بفتح الفوقية والزاي (تلك السُّنة) بضم السين المهملة زاد عبد الرزاق في روايته عن مالك حتى غرب مروان ثم ترك الناس ذلك.
٦٨٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْىِ عَامٍ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي سيد التابعين (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن) بفتح الصاد مبنيًّا للمفعول (بنفي عام بإقامة الحدّ عليه) أي ملتبسًا بها جامعًا بينهما فالباء بمعنى مع، وفي رواية النسائي أن ينفى عامًّا مع إقامة الحد عليه، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق حجاج بن محمد عن الليث، والمراد بإقامة الحد ما ذكر في رواية عبد العزيز جلد المائة، وأطلق عليها الحدّ لكونها بنص القرآن، وقد تمسك بهذه الرواية من ذهب إلى أن النفي تعزير وأنه ليس جزءًا من الحد. وأجيب: بأن الحديث يفسر بعضه بعضًا وقد وقع التصريح في قصة العسيف من لفظ النبي ﷺ أن عليه جلد مائة وتغريب عام وهو ظاهر في كون الكل حده ولم يختلف على رواته في لفظه فهو أرجح من حكاية الصحابي مع الاختلاف.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في الرجم.
٣٣ - باب نَفْىِ أَهْلِ الْمَعَاصِى وَالْمُخَنَّثِينَ
(باب نفي أهل المعاصي والمخنثين) بفتح الخاء المعجمة والنون.
٦٨٣٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَعَنَ النَّبِىُّ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ وَأَخْرَجَ فُلَانًا وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا.
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا يحيى) بن أبي كثير (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال) وهم المتشبهون في كلامهم بالنساء تكسرًا وتعطفًا لا من يؤتى (و) لعن (المترجلات من النساء) اللاتي يتشبهن بالرجال تكلفًا. (وقال) ﷺ :
(أخرجوهم من بيوتكم وأخرج) ﷺ (فلانًا) هو أنجشة العبد الحادي، وعند أبي داود من طريق أبي هاشم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه فقال: ما بال هذا؟ قيل: يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى النقيع يعني بالنون (وأخرج عمر) ﵁ (فلانًا). هو ماتع بفوقية بعد الألف وقيل إنه بالنون، وسقط لغير أبي ذرّ لفظ عمر، وحينئذٍ فالعامل في الأول والثاني النبي ﷺ قال الكرماني: هما يعني اللذين أخرجهما ﷺ ماتع وهيت بكسر الهاء وسكون التحتية بعدها فوقية. وفي كتاب المغرّبين لأبي الحسن المدايني من طريق الوليد بن سعد قال: سمع عمر قومًا
стр. 4280
يقولون أبو ذؤيب أحسن أهل المدينة فدعا به فقال: أنت لعمري فأخرج من المدينة فقال: إن كنت مخرجي فإلى البصرة حيث أخرجت ابن عمر نصر بن حجاج وساق قصة جعدة السلمي وأنه كان يخرج مع النساء إلى البقيع ويتحدث إليهن حتّى كتب
بعض الغزاة إلى عمر يشكو ذلك فأخرجه، وإذا ثبت النفي في حق من لم يقع منه كبيرة فوقوعه فيمن أتى بكبيرة أولى، وعن مسلمة بن محارب عن إسماعيل بن مسلم أن أمية بن يزيد الأسدي ومولى مزينة كانا يحتكران الطعام بالمدينة فأخرجهما عمر ﵁.
والحديث سبق في اللباس وأخرجه أبو داود في الأدب وأخرجه الترمذي والنسائي أيضًا.
٣٤ - باب مَنْ أَمَرَ غَيْرَ الإِمَامِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ غَائِبًا عَنْهُ
(باب من أمر غير الإمام) الأوجه كلما نبه عليه في الكواكب أن يقول من أمره الإمام (بإقامة الحد) على مستحقه حال كون الغير أو المقام عليه الحدّ (غائبًا عنه) عن الإمام. وقول الكرماني: إن في قول البخاري من أمر غير الإمام تعجرفًا. قال البرماوي: لا عجرفة فيه إذ عادة البخاري التعميم في المعنى فيقول: باب من فعل كذا فيكون الفاعل لذلك معينًا إشارة إلى أن الحكم عام فقوله من أمر هو الإمام، وقوله غير الإمام أي غيره فأقام الظاهر مقام المضمر لأنه لم يكن قد صرّح به ولكن التركيب غير واضح.
٦٨٣٥ و ٦٨٣٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ جَالِسٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ اقْضِ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِكِتَابِ اللَّهِ إِنَّ ابْنِى كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِى أَنَّ عَلَى ابْنِى الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ بِمِائَةٍ مِنَ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَزَعَمُوا أَنَّ مَا عَلَى ابْنِى جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَقَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الْغَنَمُ وَالْوَلِيدَةُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا» فَغَدَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا.
وبه قال: (حدّثنا عاصم بن عليّ) الواسطي قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عتبة ابن مسعود (عن أبي هريرة وزيد بن خالد) الجهني ﵄ (أن رجلاً من الأعراب) لم يسم (جاء إلى النبي ﷺ وهو جالس) في المسجد (فقال: يا رسول الله ﷺ اقض) أي بيننا (بكتاب الله) أي بحكم الله الذي قضى به على المكلفين (فقام خصمه) لم يسم (فقال: صدق اقض له يا رسول الله بكتاب الله ان ابني كان عسيفًا) أجيرًا (على هذا) أي له فعلى بمعنى اللام، وهذا من قول الخصم لا من قول الأعرابي خلافًا لما قرره الكرماني وتبعه العيني والبرماوي كما نبه عليه في الفتح وسبق قريبًا في باب الاعتراف بالزنا (فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت) أي منه (بمائة من الغنم ووليدة) وفي باب الاعتراف بالزنا وخادم (ثم سألت أهل العلم فزعموا) وفي الباب المذكور فأخبروني (أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام) لأنه كان بكرًا وأقرّ بالزنا (فقال) رسول الله ﷺ :
(و) الله (الذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما الغنم والوليد فردّ) فمردود (عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأما أنت يا أنيس) بضم الهمزة وفتح النون مصغرًا (فاغد على امرأة هذا) فاذهب إليها فإن اعترفت بالزنا (فارجمها فغدا) فذهب (أنيس) إليها فاعترفت بالزنا (فرجمها) لأنها كانت محصنة ولم يكن بعثه إليها لطلب إقامة حدّ الزنا لأن حدّ الزنا لا يتجسس له بل يستحب تلقين المقر الرجوع عنه وإنما بعثه ليعلمها بأن الرجل قذفها بابنه فلها عليه حدّ القذف فتطالبه به أو تعفو عنه والله أعلم.
والحديث أخرجه في مواضع كثيرة كالأحكام والوكالة والشروط وأخرجه بقية أصحاب الكتب الستة.
٣٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥].
(باب قول الله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً﴾) غنى واعتلاء وأصله الفضل والزيادة وهو مفعول يستطع (﴿أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾) في موضع نصب بطولاً أو بفعل يقدر صفة له أي ومن لم يستطع منكم أن يعتلي نكاح المحصنات أو من لم يستطع غنى يبلغ به نكاح المحصنات يعني الحرائر لقوله: (﴿فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾) إمائكم المؤمنات وفي ظاهره حجة للشافعي حيث حرّم نكاح الأمة على من ملك صداق حرة ومنع نكاح الأمة الكتابية مطلقًا، وجوّزه أبو حنيفة وأوّل التقييد في النص للاستحباب، واستدلّ بأن الإيمان ليس بشرط في الحرائر اتفاقًا مع التقييد به (﴿والله أعلم بإيمانكم﴾) فاكتفوا بظاهر الإيمان فإنه العالم بالسرائر وبتفاضل ما بينكم في الأيمان فرب أمة تفضل الحرّة فيه فمن حقكم أن تعتبروا فضل الإيمان فضل النسب، والمراد تأنيسهم
стр. 4281
بنكاح الإماء ومنعهم عن الاستنكاف عنه ويؤيده (﴿بعضكم من بعض﴾) أي أنتم وأرقاؤكم متناسبون نسبكم من آدم ودينكم الإسلام (﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾) أي أربابهن واعتبار إذنهنّ مطلقًا لا إشعار له على أن لهنّ أن يباشرن العقد بأنفسهن حتى يحتج به الحنفية فالسيد هو ولي أمته لا تزوّج إلا بإذنه وكذلك هو ولي عبده ليس له أن يتزوّج بغير إذنه كما في الحديث: أيما عبد تزوّج بغير إذن مواليه فهو مجاهر أي زان. وفي الحديث أيضًا: لا تزوّج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها (﴿وأتوهن أجورهن بالمعروف﴾) وأدوا إليهنّ
مهورهن بغير مطل وضرار وملاك مهورهنّ مواليهنّ فكان أداؤها إليهنّ أداء إلى الموالي لأنهنّ وما في أيديهنّ مال الموالي إذ التقدير فآتوا مواليهنّ فحذف المضاف (﴿محصنات﴾) عفائف حال من المفعول في وآتوهن (﴿غير مسافحات﴾) زوان علانية (﴿ولا متخذات أخدان﴾) زوان سرًّا والأخدان الأخلاء في السر (﴿فإذا أحصنّ﴾) بالتزويج (﴿فإن أتين بفاحشة﴾) زنا (﴿فعليهنّ نصف ما على المحصنات﴾) الحرائر (﴿من العذاب﴾) من الحدّ وهو يدل على أن حدّ العبد نصف حدّ الحرّ وأنه لا يرجم لأن الرجم لا يتنصف (﴿ذلك﴾) أي نكاح الإماء (﴿لمن خشي العنت منكم﴾) لمن خاف الإثم الذي يؤدي إليه غلبة الشهوة (﴿وإن تصبروا﴾) أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين (﴿خير لكم والله غفور﴾) لمن يصبر (﴿رحيم﴾) [النساء: ٢٥] بأن رخص له وسقط لأبي ذر من قوله: (﴿المؤمنات﴾) إلى آخره وقال بعد: (﴿المحصنات﴾) الآية، وسقط أيضًا للأصيلي من قوله: (﴿والله أعلم﴾) إلخ وقال بعد قوله: (﴿من فتياتكم المؤمنات﴾) إلى قوله: (﴿وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم﴾) وزاد أبو ذر عن المستملي غير مسافحات زواني ولا متخذات أخدان أخلاء، وسبق ولم يذكر في هذا الباب حديثًا كما صرح به الإسماعيلي بل اقتصر على الآية اكتفاء بها عن الحديث المرفوع، نعم أدخل ابن بطال فيه حديث أبي هريرة التالي لهذا الباب.
باب إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا زنت الأمة) ما حكمها؟ وسقط الباب والترجمة للأصيلي وعليه شرح ابن بطال كما مرّ.
٦٨٣٧ و ٦٨٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ قَالَ: «إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ».
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِى بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي الدمشقي الأصل قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) ولأبي ذر زيادة ابن عتبة (عن أبي هريرة وزيد بن خالد) الجهني (﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت) تحدّ أم لا. (ولم تحصن) بفتح الصاد في محل الحال من فاعل زنت وصحبت الواو على المختار عندهم وقد جاءت بغير واو في قوله تعالى: ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾ [آل عمران: ١٧٤] وسئل مبني لما لم يسم فاعله وسئل يتعدى بعن وتقييد حدها بالإحصان ليس بقيد وإنما هو حكاية حال والمراد بالإحصان هنا ما هي عليه من عفة وحرية لا الإحصان بالتزويج لأن حدّها الجلد سواء تزوّجت أم لا (قال) ﷺ :
(إذا) ولأبي الوقت: إن (زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها) إنما أعاد الزنا في الجواب غير مقيد بالإحصان للتنبيه على أنه لا أثر له، وأن الموجب في الأمة مطلق الزنا والخطاب في فاجلدوها لملاك الأمة فيدل على أن السيد يقيم على عبده وأمته الحدّ ويسمع البيّنة عليهما، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد والجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم خلافًا لأبي حنيفة في آخرين، واستثنى مالك القطع في السرقة لأن في القطع مثلة فلا يؤمن السيد أن يريد أن يمثل بعبده فيخشى أن يتصل الأمر بمن يعتقد أنه يعتق بذلك فيمنع من مباشرته القطع سدًّا للذريعة (ثم بيعوها) وأتى بثم لأن الترتيب مطلوب لمن يريد التمسك بأمته الزانية وأما من يريد بيعها من أول مرة فله ذلك ولو في قوله: (ولو بضفير) شرطية بمعنى أن أي وإن كان بضفير فيتعلق بضفير بخبر كان المقدرة وحذف كان بعد لو هذه كثير، ويجوز أن يكون التقدير ولو تبيعونها بضفير فيتعلق حرف الجر بالفعل والضفير
стр. 4282
بالضاد المعجمة والفاء فعيل بمعنى مفعول وهو الحبل المضفور، وعبّر بالحبل للمبالغة في التنفير عنها وعن مثلها لما في ذلك من الفساد والأمر ببيعها للندب عند الشافعية والجمهور ولا يضر عطفه على الأمر بالحدّ مع كونه للوجوب لأن دلالة الاقتران ليست بحجة عند غير المزني وأبي يوسف، وزعم ابن الرفعة أنه للوجوب ولكن نسخ.
(قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري بالسند السابق: (لا أدري بعد الثالثة) وفي رواية أبعد بهمزة التسوية وأصلها الاستفهام لكن لما كان المستفهم يستوي عنده الوجود والعدم وكذا المستفهم سميت بذلك أي لا أدري هل يجلدها ثم يبيعها ولو بضفير بعد الزنية الثالثة (أو الرابعة). وفي الحديث أن الزنا عيب يرد به الرقيق للأمر بالحط من قيمة المرقوق إذا وجد منه الزنا كما جزم به النووي، وتوقف فيه ابن دقيق العيد لجواز أن يكون المقصود الأمر بالبيع ولو انحطت القيمة فيكون ذلك متعلقًا بأمر وجودي لا إخبارًا عن حكم شرعي إذ ليس في الحديث تصريح بالأمر بالحط من القيمة انتهى.
والحديث سبق في البيع في باب بيع العبد الزاني.
٣٦ - باب لَا يُثَرَّبُ عَلَى الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَا تُنْفَى
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يثرب على الأمة) بضم التحتية وفتح المثلثة وكسر الراء المشددة بعدها موحدة كذا لأبي ذر بكسرها ولغيره بفتحها أي لا يعنفها ولا يوبخها (إذا زنت ولا تنفى) بضم الفوقية وسكون النون وفتح الفاء صيانة لحق مالكها.
٦٨٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ».
تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن سعيد المقبري عن أبيه) كيسان مولى بني ليث (عن أبي هريرة) ﵁ (أنه) أي كيسان (سمعه) أي سمع أبا هريرة (يقول: قال النبي ﷺ ¬):
(إذا زنت الأمة فتبين) أي تحقق (زناها) وثبت (فليجلدهما) أي سيدها الحدّ الواجب المعروف من صريح الآية. ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] (ولا يثرب) أي لا يعيرها. قال البيضاوي: كان تأديب الزناة قبل مشروعية الحدّ التثريب وحده فأمرهم بالحدّ ونهاهم عن الاقتصار على التثريب، وقيل: المراد به النهي عن التثريب بعد الجلد فإنه كفارة لما ارتكبته فلا يجمع عليها العقوبة بالحدّ والتعبير (ثم إن زنت) أي الثانية (فليجلدها ولا يثرب ثم إن زنت الثالثة فليبعها) ندبًا (ولو بحبل من شعر) قيد بالشعر لأنه كان الأكثر في حبالهم. واستنبط من قوله فليبعها عدم النفي لأن المقصود من النفي الإبعاد عن الوطن الذي وقعت فيه المعصية وهو حاصل بالبيع (تابعه) أي تابع الليث (إسماعيل بن أمية عن سعيد) المقبري (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) في المتن فقط لا في السند لأنه نقص منه قوله عن أبيه ورواية إسماعيل وصلها النسائي من طريق بشر بن المفضل عن إسماعيل بن أمية، ولفظه مثل لفظ الليث إلا أنه قال إن عادت فزنت فليبعها والباقي سواء.
وحديث الباب سبق في البيوع والله أعلم.
٣٧ - باب أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِحْصَانِهِمْ إِذَا زَنَوْا وَرُفِعُوا إِلَى الإِمَامِ
(باب) بيان (أحكام أهل الذمة) اليهود والنصارى (و) بيان (إحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام) بأنفسهم أو جاء بهم غيرهم للدعوى عليهم.
٦٨٤٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى عَنِ الرَّجْمِ فَقَالَ: رَجَمَ النَّبِىُّ ﷺ فَقُلْتُ: أَقَبْلَ النُّورِ أَمْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِى.
تَابَعَهُ عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمُحَارِبِىُّ وَعَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمَائِدَةُ.
وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري البصري ويقال له التبوذكي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا الشيباني) بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية بعدها موحدة فألف فنون فتحتية سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي قال: (سألت عبد الله بن أبي أوفى) واسمه علقمة بن خالد الأسلمي (عن الرجم) أي عن حكم رجم من ثبت أنه زنى وهو محصن
(فقال: رجم النبي ﷺ فقلت: أقبل) نزول آية سورة (النور) الزانية والزاني (أم) رجم (بعده؟) بعد النزول، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بعد بضم الدال من غير ضمير (قال: لا أدري) فيه دلالة على أن الصحابي الجليل قد يخفى عليه بعض الأمور الواضحة وأن الجواب بلا أدري من العالم لا عيب عليه فيه بل يدل على تحريه وتثبته (تابعه) أي تابع عبد الواحد (علي بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء بعدها راء أبو الحسن القرشي
стр. 4283
الكوفي فيما وصله ابن أبي شيبة (وخالد بن عبد الله) الطحان فيما وصله المؤلّف في باب رجم المحصن (والمحاربي) بضم الميم بعدها حاء مهملة وبعد الألف راء مكسورة فموحدة عبد الرحمن بن محمد الكوفي (وعبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة وسكون التحتية (ابن حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم الضبي الكوفي فيما وصله الإسماعيلي الأربعة (عن الشيباني) سليمان في روايته عن عبد الله بن أبي أوفى (وقال بعضهم): هو عبيدة بن حميد أحد المذكورين (المائدة) بدل سورة النور والمائدة رفع في رواية أبي ذر ولغيره بالجر بتقدير سورة المائدة (والأول) القائل سورة النور (أصح).
٦٨٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا تَجِدُونَ فِى التَّوْرَاةِ فِى شَأْنِ الرَّجْمِ؟» فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ قَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِى عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس بن عبد الله أبو عبد الله الأصبحي ابن أخت مالك وصهره على ابنته قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄) أنه (قال: إن اليهود) من خيبر وذكر ابن العربي عن الطبري والثعلبي عن المفسرين منهم كعب بن الأشرف، وكعب بن أسعد، وسعيد بن عمرو، ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبي الحقيق، وشاس بن قيس، ويوسف بن عازوراء (جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ¬) في السنة الرابعة في ذي القعدة (فذكروا له أن رجلاً) لم يسم وفتحت أن لسدّها مسدّ المفعول (منهم وامرأة) تسمى بسرة بضم الموحدة وسكون المهملة (زنيا) وقوله منهم يتعلق بمحذوف صفة لرجل وصفة المرأة محذوفة لدلالة ما تقدم عليه فالتقدير وامرأة منهم، ويجوز أن يتعلق منهم بحال من ضمير الرجل والمرأة في زنيا والتقدير أن رجلاً وامرأة زنيا منهم أي في حال كونهما من اليهود، وعند أبي داود من طريق الزهري سمعت رجلاً من مزينة ممن تتبع العلم وكان عند سعيد بن المسيب يحدّث عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا
بها عند الله وقلنا فتيا نبي من أنبيائك قال: فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا (فقال لهم رسول الله ﷺ ¬):
(ما تجدون في التوراة) ما مبتدأ من أسماء الاستفهام وتجدون جملة في محل الخبر والمبتدأ والخبر معمول للقول وتقدير الاستفهام أي شيء تجدونه في التوراة فيتعلق حرف الجر بمفعول ثان لتجدون (في شأن الرجم) إنما سألهم إلزامًا لهم بما يعتقدونه في كتابهم الموافق لحكم الإسلام إقامة للحجة عليهم. وإظهارًا لما كتموه وبدّلوه من حكم التوراة فأرادوا تعطيل نصّها ففضحهم الله وذلك إما بوحي من الله إليه أنه موجود في التوراة لم يغير وإما بإخبار من أسلم منهم كعبد الله بن سلام كما يأتي (فقالوا: نفضحهم ويجلدون) بفتح النون والمعجمة بينهما فاء ساكنة أي نجد أن نفضحهم ويجلدوا فيكون نفضحهم معمولاً على الحكاية لنجد المقدّر أي ادعوا أن ذلك في التوراة على زعمهم وهم كاذبون، ويحتمل أن يكون ذلك مما فسروا به التوراة ويكون مقطوعًا عن الجواب أي الحكم عندنا أن نفضحهم ويجلدوا فيكون خبر مبتدأ محذوف بتقدير أن وإنما أتى بأحد الفعلين مبنيًّا للفاعل والآخر مبنيًّا للمفعول إشارة إلى أن الفضيحة موكولة إليهم إلى اجتهادهم أي نكشف مساوئهم، وفي رواية أيوب عن نافع في التوحيد قالوا: نسخم وجوههما ونخزيهما. وفي رواية عبيد الله بن عمر قالوا: نسوّد وجوههما ونحممهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما.
(قال عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام (كذبتم إن فيها الرجم) فائتوا بالتوراة (فأتوا بالتوراة فنشروها) أي فتحوا التوراة وبسطوا (فوضع أحدهم) هو عبد الله بن صوريا (يده على آية الرجم) منها (فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم) وقد وقع بيان ما في التوراة من آية الرجم في رواية أبي هريرة ولفظه: المحصن والمحصنة إذا
стр. 4284
زنيا فقامت عليهما البيّنة رجما وإن كانت المرأة حبلى تربّص بها حتى تضع ما في بطنها. وعند أبي داود من حديث جابر: إنا نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. زاد البزار من هذا الوجه فإن وجدوا الرجل مع المرأة في بيت أو في ثوب أو على بطها فهي ريبة وفيها عقوبة (قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم) وفي رواية البزار قال يعني النبي ﷺ : فما منعكم أن ترجموهما؟ قالوا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، وفي حديث البراء نجد الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحدّ فقلنا تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم (فأمر بهما) بالزانيين (رسول الله ﷺ فرجما) قال ابن عمر (فرأيت الرجل يحني) بفتح التحتية وسكون الحاء المهملة وكسر النون بعدها تحتية والرؤية بصرية فيكون يحني في موضع الحال وقوله (على المرأة) يتعلق به أي يعطف عليها (يقيها الحجارة) يحتمل أن تكون الجملة بدلاً من يحني أو حالاً أخرى وأل في الحجارة للعهد أي حجارة الرمي، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: يجنأ بجيم بدل الحاء المهملة وفتح النون بعدها همزة. قال ابن دقيق العيد: إنه الراجح في الرواية أي
أكبّ عليها. وغرض المؤلّف أن الإسلام ليس شرطًا في الإحصان وإلاّ لم يرجم اليهوديين، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. وقال المالكية ومعظم الحنفية: شرط الإحصان الإسلام وأجابوا عن حديث الباب بأنه ﷺ وإنما رجمهما بحكم التوراة وليس هو من حكم الإسلام في شيء وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم فإن في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن. وأجيب: بأنه كيف يحكم عليهم بما لم يكن في شرعه مع قوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩] وفي قولهم وإن في التوراة الرجم على من لم يحصن نظر لما تقدم من رواية المحصن والمحصنة الخ … ويؤيده أن الرجم جاء ناسخًا للجلد كما تقدم تقريره ولم يقل أحد أن الرجم شرع ثم نسخ بالجلد، وإذا كان أصل الرجم باقيًا منذ شرع فما حكم عليهما بالرجم بمجرد حكم التوراة بل يشرعه الذي استمر حكم التوراة عليه.
والحديث سبق في باب علامات النبوة.
٣٨ - باب إِذَا رَمَى امْرَأَتَهُ أَوِ امْرَأَةَ غَيْرِهِ بِالزِّنَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالنَّاسِ هَلْ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهَا فَيَسْأَلَهَا عَمَّا رُمِيَتْ بِهِ؟
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا رمى) الرجل (امرأته وامرأة غيره بالزنا عند الحاكم و) عند (الناس) كان يقول: امرأتي أو امرأة فلان زنت (هل على الحاكم أن يبعث إليها) أي إلى المرأة المرمية بالزنا (فيسألها عما رميت به) من الزنا وجواب الاستفهام محذوف لم يذكره اكتفاء بما في الحديث تقديره فيه خلاف والجمهور على أن ذلك بحسب ما يراه الحاكم.
٦٨٤٢ و ٦٨٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الآخَرُ وَهْوَ أَفْقَهُهُمَا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِى أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ: «تَكَلَّمْ» قَالَ: إِنَّ ابْنِى كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا -قَالَ: مَالِكٌ وَالْعَسِيفُ: الأَجِيرُ- فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِى أَنَّ عَلَى ابْنِى الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِى ثُمَّ إِنِّى سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِى أَنَّ مَا عَلَى ابْنِى جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ» وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا وَأَمَرَ أُنَيْسًا الأَسْلَمِىَّ أَنْ يَأْتِىَ امْرَأَةَ الآخَرِ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام الأئمة، (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد) الجهني ﵄ (أنهما أخبراه أن رجلين) أي يسميا (اختصما إلى
رسول الله ﷺ فقال أحدها): يا رسول الله (اقض بيننا بكتاب الله) بحكم الله الذي قضى به على المكلفين (وقال الآخر وهو أفقههما: أجل) بفتح الهمزة والجيم وتخفيف اللام أي نعم (يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي) ولأبي ذر وأذن لي بإسقاط الياء التي بعد الهمزة (أن أتكلم) استدلّ به على كونه أفقه من الآخر (قال ﷺ ¬):
(تكلم قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا -قال مالك والعسيف الأجير- فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لى) ولأبي ذر عن الكشميهني وجارية لي بإسقاط الموحدة، وفي رواية عمرو بن شعيب فسألت من لا يعلم فأخبرني أن على ابنك الرجم فافتديت منه (ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام وإنما الرجم على امرأته فقال رسول الله ﷺ : أما) بالتخفيف (و) الله (الذي نفسي بيده لأقضين
стр. 4285
بينكما بكتاب الله أما غنمك) المائة (وجاريتك فردّ عليك) فمردودة عليك (وجلد ابنه مائة) أي أمر من يجلده فجلده (وغرّبه) من موطن الجناية (عامًّا وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر) ليعلمها أن الرجل قذفها بابنه فلها عليه حدّ القذف فتطالبه أو تعفو عنه (فإن اعترفت) أنه زنى بها (فارجمها) أي بعد إعلامي أو فوّض إليه الأمر فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولهم يحكم، وقد دلّ قوله فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت أنه ﷺ هو الذي حكم فيها بعد أن أعلمه أنيس باعترافها قاله عياض، ولأبي ذر رجمها فأتاها أنيس فاعلمها وكان لقوله فإن اعترفت مقابلاً يعني فإن أنكرت فاعلمها أن لها مطالبة بحدّ القذف فحذف لوجود الاحتمال فلو أنكرت وطلبت لأجيبت (فاعترفت) بالزنا (فرجمها) بعد أن أعلم النبي ﷺ باعترافها مبالغة في الاستثبات مع أنه كان علق له رجمها على اعترافها. وفي الحديث أن الصحابة كانوا يفتون في عهده ﷺ وفي بلده.
وذكر محمد بن سعد في طبقاته أن منهم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وعبد الرحمن بن عوف وأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وفيه أن الحدّ لا يقبل الفداء وهو مجمع عليه في الزنا والسرقة والحرابة وشرب المسكر، واختلف في القذف والصحيح أنه كغيره. وإنما يجري الفداء في البدن كالقصاص في النفس والأطراف.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة فيمن قذف امرأة غيره أما من قذف امرأته فمأخوذ من كون زوج المرأة كان حاضرًا ولم ينكر ذلك كذا في الفتح قال: وقد صحح النووي وجوب إرسال الإمام إلى المرأة ليسألها عما رميت به، واحتج ببعث أنيس إلى المرأة وتعقب بأنه فعل وقع في واقعة حال لا دلالة فيه على الوجوب لاحتمال أن يكون سبب البعث ما وقع بين زوجها وبين والد العسيف من الخصام والمصالحة على الحدّ واشتهار القصة حتى صرح والد العسيف بما صرح به ولم ينكر عليه زوجها فالإرسال إلى هذه يختص بمن كان على مثلها من التهمة القوية بالفجور والله أعلم.
٣٩ - باب مَنْ أَدَّبَ أَهْلَهُ أَوْ غَيْرَهُ دُونَ السُّلْطَانِ
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا صَلَّى فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ وَفَعَلَهُ أَبُو سَعِيدٍ.
(باب من أدّب أهله) كزوجته وأرقائه (أو) أدّب (غيره) أي غير أهله (دون) إذن (السلطان) له في ذلك.
(وقال أبو سعيد) سعد بن مالك بسكون العين الخدري فيما سبق موصولاً في باب يردّ المصلي من مرّ بين يديه من كتاب الصلاة (عن النبي ﷺ : إذا صلى فأراد أحد أن يمر بين يديه فليدفعه فإن أبى) امتنع إلا أن يمر (فليقاتله. وفعله) أي دفع المارّ بين يديه حالة صلاته (أبو سعيد) الخدري ﵁، وفعله مذكور في الباب المذكور بلفظ: رأيت أبا سعيد يصلّي فأراد شاب أن يجتاز بين يديه فدفعه أبو سعيد في صدره من غير استئذان حاكم، ولذا لم ينكر عليه مروان بل استفهمه عن السبب فلما ذكره له أقرّه عليه.
٦٨٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ أَبُو بَكْرِ ﵁ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِى فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَعَاتَبَنِى وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِى خَاصِرَتِى وَلَا يَمْنَعُنِى مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: جاء أبو بكر ﵁) في تفسير سورة المائدة بهذا السند أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ وبالناس وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر (ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخدي) بالذال المعجمة قد نام (فقال: حبست رسول الله ﷺ و) حبست (الناس وليسوا على ماء) وليس معهم ماء (فعاتبني) أبو بكر (وجعل يطعن) بضم العين (بيده في خاصرتي ولا يمنعني من التحرك) ولأبي ذر عن الكشميهني من التحوّل بالواو واللام بدل الراء والكاف (إلا مكان رسول الله ﷺ ¬) على فخذي (فأنزل الله) تعالى (آية التيمم) في سورة المائدة.
وهذا
стр. 4286
الحديث سبق في التفسير.
٦٨٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِى لَكْزَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِى قِلَادَةٍ فَبِى الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَوْجَعَنِى نَحْوَهُ، لَكَزَ وَوَكَزَ: وَاحِدٌ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) الكوفي نزيل مصر قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن الحارث المصري (أن عبد الرحمن بن القاسم حدّثه عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: أقبل أبو بكر) ﵁ أي لما فقدت قلادتها وأقاموا على غير ماء (فلكزني لكزة شديدة) بالزاي فيهما أي ضربني ضربة شديدة (وقال: حبست الناس في قلادة) بكسر القاف (فبي الموت) أي فالموت ملتبس بي (لمكان رسول الله ﷺ ¬) على فخذي أخاف انتباهه من نومه (وقد أوجعني) لكز أبي بكر إياي وقوله (نحوه) أي نحو الحديث السابق وزاد أبو ذر عن المستملي (لكز ووكز): بالواو بدل اللام (واحد). في المعنى وهو من كلام أي عبيدة قال: اللكز الضرب بالجمع على الصدر، وقال أبو زيد في جميع الجسد والجمع بضم الجيم وسكون الميم الضرب بجميع الأصابع المضمومة يقال ضربه بجُمع كفه.
٤٠ - باب مَنْ رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً فَقَتَلَهُ
(باب) حكم (من رأى مع امرأته رجلاً فقتله).
٦٨٤٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ وَرَّادٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِى لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّى».
وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري قال: (حدّثنا عبد الملك) بن عمير (عن وراد) بفتح الواو والراء المشددة وبعد الألف دال مهملة وللمستملي زيادة كاتب المغيرة (عن المغيرة) بن شعبة أنه (قال: قال سعد بن عبادة) الأنصاري ﵁ (لو رأيت رجلاً مع امرأتي) أي غير محرم لها (لضربته بالسيف غير مصفح) بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الفاء بعدها حاء مهملة غير ضارب بعرضه بل بحدّه للقتل والإهلاك (فبلغ ذلك) الذي قاله سعد (النبي) ولأبي ذر رسول الله (¬ ﷺ فقال):
(أتعجبون من غيرة سعد) بفتح الغين المعجمة. قال في الصحاح: مصدر قولك غار الرجل على أهله يغار غيرًا وغيرة وغارًا أو ورجل غيور وغيران وجمع غيور غير وجمع غيران غيارى وغيارى ورجل مغيار وقوم مغايير، وامرأة غيور ونسوة غير، وامرأة غيرى ونسوة غيارى، وقال الكرماني: الغيرة المنع أي تمنع من التعلق بأجنبي بنظر أو غيره، وقال في النهاية: الغيرة الحمية والأنفة يقال رجل غيور وامرأة غيور بلا تاء مبالغة كشكور لأن فعولاً يستوي فيه الذكر والأنثى
(لأنا أغير منه) بلام التأكيد (والله أغير مني) وغيرة الله تعالى منعه عن المعاصي، وقد اختلف في حكم من رأى مع امرأته رجلاً فقتله فقال الجمهور: عليه القود، وقال الإمام أحمد: إن أقام بيّنة أنه وجده مع امرأته فدمه هدر، وقال إمامنا الشافعي: يسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل إن كان ثيبًا وعلم أنه نال منها ما يوجب الغسل، ولكن لا يسقط عنه القود في ظاهر الحكم، وقال الداوديّ الحديث دال على وجوب القود فيمن قتل رجلاً وجده مع امرأته لأن الله وإن كان أغير من عباده فإنه أوجب الشهود في الحدود فلا يجوز لأحد أن يتعدى حدود الله ولا يسقط الدم بدعوى. وقال ابن حبيب: إن كان المقتول محصنًا فالذي ينجي قاتله من القتل أن يقيم أربعة شهداء أنه فعل بامرأته وإن كان غير محصن فعلى قاتله القود وإن أتى بأربعة شهداء.
والحديث سبق في أواخر النكاح في باب الغيرة.
٤١ - باب مَا جَاءَ فِى التَّعْرِيضِ
(باب ما جاء في التعريض) بالعين المهملة آخره ضاد معجمة وهو ضد التصريح.
٦٨٤٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهُ أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِى وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «مَا أَلْوَانُهَا؟» قَالَ: حُمْرٌ قَالَ: «فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟» قَالَ: أُرَاهُ عِرْقٌ نَزَعَهُ قَالَ: «فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) إمام دار الهجرة (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ جاءه أعرابي) اسمه ضمضم بن قتادة رواه عبد الغني بن سعيد في المبهمات وابن فتحون من طريقه وأبو موسى في الذيل، وعند أبي داود من رواية ابن وهب أن أعرابيًّا من فزارة وكذا عند بقية أصحاب الكتب الستة (فقال: يا رسول الله إن امرأتي) لم أقف على اسمها (ولدت غلامًا) لم أقف على اسمه أيضًا (أسود) صفة لغلام وهو لا ينصرف للوزن والصفة أي وأنا أبيض، فكيف يكون ابني فعرض بأن أمه أتت
стр. 4287
به من الزنا (فقال) النبي ﷺ له:
(هل لك من إبل قال) الرجل: (نعم، قال) ﷺ (ما ألوانها؟) ما مبتدأ من أسماء الاستفهام وألوانها الخبر (قال) الرجل ألوانها (حمر) جمع أحمر وأفعل فعلاء لا يجمع إلا على فعل (قال) ﷺ (فيها) ولأبي ذر هل فيها أي جمل (أورق) لا ينصرف كأسود في لونه بياض إلى سواد من الورقة وهو اللون الرمادي ومنه قيل للحمامة ورقاء، ولأبي ذر عن الحموي من أورق بزيادة من في اسم كان الذي هو أورق وزيدت هنا لتقدم الاستفهام الذي هو بمعنى النفي وصح ذلك فيها كما صح في قوله تعالى: ﴿أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر﴾
[الأحقاف: ٣٣] قالوا الباء زائدة في خبر إن لتقدم معنى النفي على الجملة (قال) الرجل (نعم) فيها أورق (قال) ﷺ (فأنّى) بفتح الهمزة والنون المشددة أي من أين (كان ذلك) اللون الأورق وأبواها ليسا بهذا اللون (قال) الرجل (أراه) بضم الهمزة أي أظنه (عرق) بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف أي أصل من النسب ومنه فلان معرق في النسب والحسب، وفي المثل: العرق نزّاع، والعرق الأصل مأخوذ من عرق الشجر (نزعه) بفتح النون والزاي والعين جذبه إليه وقلبه، وأخرجه من لون أبويه والمعنى أن ورقها إنما جاء لأنه كان في أصولها البعيدة ما كان في هذا اللون (قال) ﵊ (فلعل ابنك هذا نزعه عرق).
قال الخطابي: وإنما سأله عن ألوان الإبل لأن الحيوانات تجري طباع بعضها على مشاكلة بعض في اللون والخلقة وقد يندر منها شيء لعارض فكذلك الآدمي يختلف بحسب نوادر الطباع ونوازع العروق انتهى.
وفائدة الحديث المنع عن نفي الولد بمجرد الأمارات الضعيفة بل لا بدّ من تحقق وظهور دليل قويّ كأن لا يكون وطئها أو أتت بولد قبل ستة أشهر من مبدأ وطئها، واستدلّ به الشافعي على أن التعريض بالقذف لا يعطى حكم التصريح فتبعه البخاري حيث أورد هذا الحديث فليس التعريض قذفًا وإلاّ لما كان تعريضًا. وقال المالكية: التعريض من غير الأب إذا أفهم الرمي بالزنا أو اللواط أو نفي النسب كالتصريح في ترتب الحدّ كقوله لمن يخاصمه: أما أنا فلست بزان أو لست بلائط أو أبي معروف وهو ثمانون جلدة والحديث سبق في الطلاق.
٤٢ - باب كَمِ التَّعْزِيرُ وَالأَدَبُ؟
هذا (باب) بالتنوين (كم التعزير والأدب) تنقسم كم إلى استفهامية بمعنى أيّ عدد قليلاً كان أو كثيرًا وإلى خبرية بمعنى عدد كثير والمراد هنا الأول والتعزير مصدر عزر. قال في الصحاح: التعزير التأديب ومنه سمي الضرب دون الحدّ تعزيرًا، وقال في المدارك: وأصل العزر المنع ومنه التعزير لأنه منع من معاودة القبيح انتهى.
ومنه عزره القاضي أي أدّبه لئلا يعود إلى القبيح ويكون بالقول والفعل بحسب ما يليق به، وأما الأدب فبمعنى التأديب وهو أعمّ من التعزير لأن التعزير يكون بسبب المعصية بخلاف الأدب ومنه تأديب الوالد وتأديب المعلم.
٦٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلاَّ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».
[الحديث ٦٨٤٨ - طرفاه في: ٦٨٤٩، ٦٨٥٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثني) بالإفراد (يزيد بن أبي حبيب) أبو رجاء المصري واسم أبي حبيب سويد (عن بكير بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الكاف ابن الأشج (عن سليمان بن يسار) ضد اليمين (عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله) الأنصاري (عن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء هانئ بن نيار بكسر النون وتخفيف التحتية الأوسي (﵁) أنه (قال: كان النبي ﷺ يقول):
(لا يجلد) بضم التحتية وسكون الجيم وفتح اللام جملة معمولة للقول خبر بمعنى الأمر والفعل مبني لما لم يسم فاعله والمفعول محذوف يدل عليه السياق أي لا يجلد أحد (فوق عشر جلدات) بفتحات مصححًا عليه في الفرع كأصله (إلا في حدّ من حدود الله). والمجرور متعلق بيجلد فيكون الاستثناء مفرغًا لأن ما قبل إلا عمل فيما بعدها ومن حدود الله متعلق بصفة لحد والتقدير إلاّ في موجب حدّ من حدود الله تعالى.
قال في الفتح: ظاهره أن المراد بالحدّ ما ورد فيه
стр. 4288
من الشارع عدد من الجلد أو الضرب مخصوص أو عقوبة مخصوصة والمتفق عليه من ذلك أصل الزنا والسرقة وشرب المسكر والحرابة والقذف بالزنا والقتل والقصاص في النفس والأطراف والقتل في الارتداد، واختلف في تسمية الأخيرين حدًّا، واختلف في مدلول هذا الحديث فأخذ بظاهره الإمام أحمد في المشهور عنه، وبعض الشافعية. وقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة: تجوز الزيادة على العشرة، ثم اختلفوا فقال الشافعي لا يبلغ أدنى الحدود وهل الاعتبار بحدّ الحر أو العبد؟ قولان: وقال الآخرون هو إلى رأي الإمام بالغًا ما بلغ وأجابوا عن ظاهر الحديث بوجوه. منها الطعن فيه فإن ابن المنذر ذكر في إسناده مقالاً، وقال الأصيلي اضطرب إسناده فوجب تركه وتعقب بأن عبد الرحمن ثقة، وقد صرح بسماعه في الرواية الآتية وإبهام الصحابي لا يضر، وقد اتفق الشيخان على تصحيحه وهما العمدة في التصحيح، ومنها أن عمل الصحابة بخلافه يقتضي نسخه، فقد كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن لا تبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطًا، وعن عثمان ثلاثين وضرب عمر أكثر من الحدّ أو من مائة وأقره الصحابة. وأجيب: بأنه لا يلزم في مثل ذلك النسخ. ومنها حمله على واقعة عين بذنب معين أو رجل معين قاله الماوردي وفيه نظر.
والحديث أخرجه مسلم في الحدود وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
٦٨٤٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «لَا عُقُوبَةَ فَوْقَ عَشْرِ ضَرَبَاتٍ، إِلاَّ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عليّ) بفتح العين وسكون الميم الباهلي البصري الصيرفي قال: (حدّثنا فضيل بن سليمان) بضم الفاء وفتح المعجمة وسليمان بضم السين وفتح اللام النميري
الصيرفي البصري قال: (حدّثنا مسلم بن أبي مريم) السلمي قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن جابر) الأنصاري (عمن سمع النبي ﷺ ¬) أبهم الصحابي وقد سماه حفص بن ميسرة وهو أوثق من فضيل بن سليمان فيما أخرجه الإسماعيلي فقال عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه، وقال الإسماعيلي: ورواه إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جابر عن رجل من الأنصار قال الحافظ ابن حجر ﵀: وهذا لا يعين أحد التفسيرين فإن كلاًّ من جابر وأبي بردة أنصاري قال الإسماعيلي: لم يدخل الليث عن يزيد بين عبد الرحمن وأبي بردة أحدًا وقد وافقه سعيد بن أبي أيوب عن يزيد كذلك، وحاصل الاختلاف هل هو صحابي مبهم أو مسمى الراجح الثاني ثم الراجح أنه أبو بردة بن نيار وهل بين عبد الرحمن وأبي بردة واسطة وهو أبو جابر أو لا. الراجح الثاني أيضًا أنه (قال):
(لا عقوبة فوق عشر ضربات) بسكون الشين وضربات بفتح الراء (إلا في حدّ من حدود الله) .
فائدة:
قال بعض المالكية في مؤدب الأطفال لا يزيد على ثلاث. قال ابن دقيق العيد: وهذا تحديد يبعد إقامة الدليل المبين عليه، ولعله أخذه من أن الثلاث اعتبرت في مواضع وفي ذلك ضعف وقد يؤخذ هذا من حديث أول نزول الوحي فإن فيه أن جبريل ﵇ قال: اقرأ فقال ﷺ : "ما أنا بقارئ" فغطّه ثلاث مرات فأخذ منه أن تنبيه المعلم للمتعلم لا يكون بأكثر من ثلاث.
٦٨٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، إِذْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ، فَحَدَّثَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بُرْدَةَ الأَنْصَارِىَّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَجْلِدُوا فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلاَّ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) الكوفي نزيل مصر قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن الحارث المصري (أن بكيرًا) بضم الموحدة ابن عبد الله بن الأشجّ (حدّثه قال: بينما) بالميم (أنا جالس عند سليمان بن يسار) ضد اليمين (إذ جاء عبد الرحمن بن جابر فحدّث سليمان بن يسار) نصب على المفعولية (ثم أقبل علينا سليمان بن يسار فقال: حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن جابر أن أباه) جابر بن عبد الله الأنصاري (حدّثه أنه سمع أبا بردة الأنصاري) ﵁ (قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(لا تجلدوا) بلفظ الجمع ولأبي الوقت لا يجلد مبنيًّا للمفعول أحد (فوق عشرة أسواط) فوق ظرف وهو نعت لمصدر محذوف أي جلدًا فوق عشرة مضاف إليه وأسواط جمع سوط أي فوق ضربات سوط كما تقول
стр. 4289
ضربته عشرة أسواط أي ضربات بسوط فأقيمت الآلة مقام الضرب في ذلك، ومعنى الحديث بطرقه الثلاثة واحد لكن ألفاظه مختلفة، ففي الأول عشر جلدات، وفي الثاني عشر ضربات، وفي الثالث عشرة أسواط. (إلا في حدّ من حدود الله) .
٦٨٥١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوَاصِلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّكُمْ مِثْلِى إِنِّى أَبِيتُ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِ» فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ» كَالْمُنَكِّلِ بِهِمْ حِينَ أَبَوْا.
تَابَعَهُ شُعَيْبٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَيُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الموحدة وفتح الكاف المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ ¬) نهي تحريم أو تنزيه أو ليس نهيًا بل إرشادًا راجعًا إلى مصلحة دنيوية (عن الوصال) في الصوم فرضًا أو نفلاً وهو صوم يومين فصاعدًا من غير أكل وشرب بينهما فإنه وصل الصوم بالصوم ولو قلنا إنه بالليل يصير مفطرًا حكمًا (فقال له) ﷺ (رجال من المسلمين) ولأبي ذر عن الكشميهني رجل بالإفراد ولم يسم (فإنك يا رسول الله تواصل، فقال رسول الله ﷺ ¬):
(أيكم مثلي) بكسر الميم وسكون المثلثة (إني أبيت يطعمني ربي ويسقين) كذا بغير ياء بعد النون في الفرع كالمصحف العثماني في سورة الشعراء وجملة يطعمني حالية أي يجعل فيه قوة الطاعم والشارب أو هو على ظاهره بأن يطعم من طعام الجنة ويسقى من شرابها والصحيح الأول لأنه لو كان حقيقة لم يكن مواصلاً (فلما أبوا) امتنعوا (أن ينتهوا عن الوصال) لظنهم أن النهي للتنزيه (واصل) ﷺ (بهم يومًا ثم يومًا) أي يومين ليبين لهم الحكمة في ذلك (ثم رأوا الهلال فقال) ﷺ (لو تأخر) الشهر (لزدتكم) في الوصال إلى أن تعجزوا عنه (كالمنكل بهم) بضم الميم وفتح النون وكسر الكاف مشددة أي المعاقب لهم ولأبي ذر لهم باللام بدل الموحدة (حين أبوا) امتنعوا عن الانتهاء عن الوصال.
وهذا موضع الترجمة وفيه كما قال المهلب أن التعزير موكول إلى رأي الإمام لقوله: لو امتد الشهر لزدتكم فدلّ أن للإمام أن يزيد على التعزير ما يراه لكن الحديث ورد في عدد من الضرب متعلق بشيء محسوس، وهذا يتعلق بشيء متروك وهو الإمساك عن المفطرات والألم فيه يرجع إلى التجويع والتعطيش وتأثيرهما في الأشخاص متفاوت جدًّا، والظاهر أن الذين واصل بهم كان لهم إقتدار على ذلك في الجملة فأشار إلى أن ذلك لو تمادى حتى ينتهي إلى عجزهم عنه لكان هو المؤثر في زجرهم، فيستفاد منه أن المراد من التعزير ما يحصل به الردع قاله في الفتح.
قال في عمدة القارئ: والحديث بهذا الوجه من أفراده.
(تابعه) أي تابع عقيلاً (شعيب) هو ابن أبي حمزة فيما رواه المؤلّف في باب التنكيل من كتاب الصيام (ويحيى بن سعيد) الأنصاري فيما وصله الذهلي في الزهريات (ويونس) بن يزيد فيما وصله مسلم الثلاثة في روايتهم (عن الزهري) محمد بن مسلم (وقال عبد الرحمن بن خالد) الفهمي أمير مصر لهشام بن عبد الملك بن مروان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن سعيد) بكسر العين ابن المسيب (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) فخالفهم عبد الرحمن فقال: عن سعيد بن المسيب، وسيأتي الكلام على رواية عبد الرحمن هذه في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته.
٦٨٥٢ - حَدَّثَنِى عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا أَنْ يَبِيعُوهُ فِى مَكَانِهِمْ حَتَّى يُئْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عياش بن الوليد) بفتح العين المهملة والتحتية المشددة وبعد الألف شين معجمة الرقام البصري قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي قال: (حدّثنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سالم عن) أبيه (عبد الله بن عمر) ﵄ (أنهم كانوا يضربون) بضم أوله وفتح ثالثه (على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جزافًا) بكسر الجيم وفتحها وضمها وفتح الزاي والكسر هو الذي في اليونينية فقط أي من غير كيل ولا وزن والنصب
стр. 4290
بتقدير شراء مجازفة أو على الحال (أن يبيعوه) أي أن لا يبيعوه أو أن مصدرية أي يضربون لبيعهم إياه (في مكانهم حتى يؤووه) حتى للغاية وأن مقدرة بعدها أي إلى إيوائهم إياه (إلى رحالهم) أي منازلهم والمراد به النهي عن بيع المبيع حتى يقبضه وفيه جواز تأديب من خالف الأمر الشرعي بتعاطي العقود الفاسدة ومشروعية إقامة المحتسب في الأسواق قاله في فتح الباري.
والحديث سبق في البيوع.
٦٨٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ، عَنْ
عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ فِى شَىْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ حَتَّى تُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة العتكي المروزي الحافظ أبو عبد الرحمن وعبدان لقبه قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: ما انتقم رسول الله ﷺ ¬) ما عاقب أحدًا (لنفسه في شيء يؤتى إليه) بضم التحتية وفتح الفوقية بل يعفو عنه كعفوه عن الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه الشريف (حتى ينتهك) بضم أوله وسكون النون وفتح الفوقية والهاء أي يرتكب شيء (من حرمات الله) (فينتقم لله). لا لنفسه ممن ارتكب تلك الحرمة وينتقم نصب عطف على المنصوب السابق.
والحديث مطابقته للترجمة من حيث إنه ﷺ كان ينتقم إذا انتهكت حرمة من حرم الله إما بالضرب أو بغيره فهو داخل في باب التعزير والتأديب، وسبق في صفته ﷺ وأخرجه مسلم في الفضائل.
٤٣ - باب مَنْ أَظْهَرَ الْفَاحِشَةَ وَاللَّطْخَ وَالتُّهَمَةَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ
(باب من أظهر الفاحشة) بأن يتعاطى ما يدل عليها عادة (و) من أظهر (اللطخ) بفتح اللام وسكون الطاء المهملة بعدها خاء معجمة قال الجوهري لطخه بكذا فتلطخ به أي لوّثه به فتلوّث ولطخ فلان بشر أي رمي به (و) من أظهر (التهمة) بضم الفوقية وفتح الهاء في الفرع وبسكونها (بغير بيّنة) ولا إقرار ما حكمه؟.
٦٨٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ بْنُ عَبدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِىُّ: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: شَهِدْتُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ زَوْجُهَا: كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكْتُهَا. قَالَ: فَحَفِظْتُ ذَاكَ مِنَ الزُّهْرِىِّ، إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهْوَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَهُوَ، وَسَمِعْتُ الزُّهْرِىَّ يَقُولُ: جَاءَتْ بِهِ لِلَّذِى يُكْرَهُ.
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني وثبت ابن عبد الله لأبي ذر قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال الزهري) محمد بن مسلم (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء في الأول والعين في الثاني الساعدي ﵁ أنه (قال: شهدت المتلاعنين) بفتح النون الأولى عويمر العجلاني وزوجته خولة (وأنا ابن خمس عشرة) زاد أبو ذر سنة فذكر التمييز والواو في وأنا للحال (فرّق) ﷺ (بينهما فقال زوجها: كذبت عليها) يا رسول الله (إن أمسكتها) فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره النبي ﷺ بطلاقها (قال) سفيان (فحفظت ذاك) بغير لام المذكور بعد (من الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (إن جاءت به) بالولد (كذا وكذا) أي أسود أعين ذا إليتين (فهو) صادق عليها
(وإن جاءت به كذا وكذا) أحمر قصيرًا (كأنه وحرة) بفتح الواو والحاء المهملة والراء دويبة كسام أبرص أو دويبة حمراء تلصق بالأرض كالوزغة تقع في الطعام فتفسده فيقال طعام وحر (فهو) كاذب ففيه الكناية والاكتفاء قال سفيان (وسمعت الزهري يقول: جاءت به) أي بالولد (للذي يكره) بضم أوله وفتح ثالثه وهو شبهه بمن رميت به.
والحديث سبق في الطلاق.
٦٨٥٥ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: هِىَ الَّتِى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا امْرَأَةً عَنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ» قَالَ: لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ.
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن القاسم بن محمد) أي ابن أبي بكر الصديق أنه (قال: ذكر ابن عباس) ﵄ (المتلاعنين) بلفظ التثنية (فقال عبد الله بن شداد) بالمعجمة والمهملتين الأولى مشدّدة بينهما ألف الليثي (هي التي قال رسول الله ﷺ ¬):
(ولو كنت راجمًا امرأة عن) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من بالميم المكسورة بدل العين (غير بيّنة). لرجمتها. (قال) ابن عباس (لا تلك امرأة أعلنت) بالفجور والحديث مر في اللعان.
٦٨٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِىٍّ: فِى ذَلِكَ قَوْلاً ثُمَّ انْصَرَفَ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلاَّ لِقَوْلِى فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِى وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ، سَبِطَ الشَّعَرِ، وَكَانَ الَّذِى ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ آدَمَ خَدْلاً كَثِيرَ اللَّحْمِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ بَيِّنْ» فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِى ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَهُمَا فَقَالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِى الْمَجْلِسِ: هِىَ الَّتِى قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، رَجَمْتُ هَذِهِ» فَقَالَ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِى الإِسْلَامِ السُّوءَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الفهمي إمام المصريين قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن محمد) أي ابن أبي بكر الصديق
стр. 4291
كذا بإثبات قوله عن القاسم بن محمد في رواية أبي ذر، وقال الحافظ ابن حجر: ووقع لبعضهم بإسقاط القاسم بن محمد من السند وهو غلط وقد أسقطه العيني (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: ذكر
التلاعن) بضم الذال المعجمة مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر عن الحموي والمستملي المتلاعنان (عند النبي ﷺ فقال عاصم بن عدي) بفتح العين المهملة وكسر الدال المهملة وتشديد التحتية العجلاني ثم البلوي (في ذلك قولاً ثم انصرف فأتاه) أي أتى عاصمًا (رجل من قومه) هو عويمر (يشكو أنه وجد مع أهله) امرأته (رجلاً) كذا لأبي ذر بإثبات المفعول ولغيره بحذفه (فقال عاصم: ما ابتليت) بضم الفوقية الأولى مبنيًّا للمفعول من الابتلاء (بهذا إلا لقولي فذهب) عاصم (به) بالرجل الذي شكا له (إلى النبي ﷺ فأخبره بالذي وجد عليه امرأته وكان ذك الرجل مصفرًا) لونه (قليل اللحم سبط العشر) بفتح السين المهملة وسكون الموحدة وكسرها وصحح عليه في الفرع كأصله نقيض الجعد (وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله آدم) بمد الهمزة اسمر شديد السمرة (خدلاً) بفتح الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة وللأصيلي خدلاً بكسرها مع تخفيف اللام فيهما ممتلئ الساق غليظه (كثير اللحم، فقال النبي ﷺ ¬):
(اللهم بيّن فوضعت) ولدًا (شبيهًا بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها فلاعن النبي ﷺ بينهما فقال رجل) هو عبد الله بن شداد (لابن عباس في المجلس) مستفهمًا (هي) المرأة (التي قال النبي) ولأبوي ذر والوقت قال رسول الله: (¬ ﷺ ولو رجمت أحدًا بغير بيّنة رجمت هذه؟ فقال) ابن عباس (لا تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء) لأنه لم يقم عليها البيّنة بذلك ولا اعترفت فدلّ على أن الحد لا يجب بالاستفاضة قال في الفتح ولم أعرف اسم هذه المرأة وكأنهم تعمدوا إبهامها سترًا عليها وعند ابن ماجة بسند صحيح من حديث ابن عباس لو كنت راجمًا أحدًا بغير بيّنة لرجمت فلانة فقد ظهر فيها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها.
٤٤ - باب رَمْىِ الْمُحْصَنَاتِ
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور الآيتان: ٤ - ٥] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣] [النور: ٦] ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا﴾ [النور: ٤] الآية.
(باب) حكم (رمي المحصنات) أي قذف الحرائر العفيفات (وقول الله : (﴿والذين يرمون المحصنات﴾) يقذفون بالزنا الحرائر العفيفات المسلمات المكلفات والقذف يكون بالزنا وبغيره والمراد هنا قذفهن بالزنا بأن يقولوا يا زانية لذكر المحصنات عقب الزواني ولاشتراط أربعة شهداء بقوله: (﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾) على زناهن برؤيتهم (﴿فاجلدوهم﴾) أي كل واحد منهم (﴿ثمانين جلدة﴾) إن كان القاذف حرًّا ونصب ثمانين نصب المصادر وجلدة على التمييز (﴿ولا
تقبلوا لهم شهادة﴾) في شيء (﴿أبدًا﴾) ما لم يتب وعند أبي حنيفة إلى آخر عمره (﴿وأولئك هم الفاسقون﴾) لإتيانهم كبيرة (﴿إلا الذين تابوا﴾) عن القذف (﴿من بعد ذلك وأصلحوا﴾) أعمالهم (﴿فإن الله غفور﴾) لهم قذفهم (﴿رحيم﴾) [النور: ٤، ٥] بهم بإلهامهم التوبة فيها ينتهي فسقهم وتقبل شهادتهم، وسقط لأبي ذر من قوله: (﴿ثمانين جلدة﴾) إلى آخره وقال بعد قوله: (﴿فاجلدوهم﴾) الآية. (﴿إن الذين يرمون﴾) بالزنا (﴿المحصنات﴾) العفائف (﴿الغافلات﴾) السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور (﴿المؤمنات﴾) بما يجب الإيمان به (﴿لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾) [النور: ٢٣] جعل القذفة ملعونين في الدارين وتوعدهم بالعذاب الأليم العظيم في الآخرة إن لم يتوبوا وقيل مخصوص بمن قذف أزواجه ﷺ وسقط لأبي ذر من قوله لعنوا إلى آخر الآية وقال بعد المؤمنات الآية.
(وقول الله) تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾) بالزنا (﴿ثم لم يأتوا﴾ الآية﴾). قال الحافظ أبو ذر الهروي: كذا وقع في البخاري ثم لم والتلاوة (﴿ولم يكن﴾) وهذا ثابت في رواية أبي ذر.
٦٨٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (سليمان) بن بلال (عن ثور بن زيد) بالمثلثة المدني (عن أبي الغيث) بالمعجمة والمثلثة سالم مولى ابن مطيع (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي
стр. 4292
ﷺ ¬) أنه (قال):
(اجتنبوا السبع الموبقات) بضم الميم وسكون الواو وكسر الموحدة بعدها قاف فألف ففوقية المهلكات وسميت بذلك لأنها سبب لإهلاك مرتكبها قاله المهلب والمراد بها الكبائر (قالوا: يا رسول الله وما هن؟) الموبقات (قال) ﷺ : هن (الشرك بالله) بأن تتخذ معه إلهًا غيره (والسحر) بكسر السين وسكون المهملتين وهو أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة والذي عليه الجمهور أن له حقيقة تؤثر بحيث تغير المزاج (وقتل النفسى التي حرم الله) قتلها (إلا بالحق) كالقصاص والقتل على الردة والرجم (وأكل الربا) وهو في اللغة الزيادة (وأكل مال اليتيم) بغير حق (والتولي يوم الزحف) أي الإعراض والفرار يوم القتال في الجهاد (وقذف المحصنات) بفتح الصاد جمع محصنة مفعولة أي التي أحصنها الله من الزنا وبكسرها اسم فاعلة أي التي حفظت فرجها من الزنا (المؤمنات) فخرج الكافرات (الغافلات) بالغين المعجمة والفاء كناية عن البريئات لأن البريء غافل عما بهت به من الزنا والتنصيص على عدد لا ينفي غيره، إذ ورد في أحاديث أخر كاليمين الفاجرة
وعقوق الوالدين والإلحاد في المحرم والتعرب بعد الهجرة وشرب الخمر وقول الزور والغلول والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله والسرقة وترك التنزه. من البول وشتم أبي بكر وعمر والنميمة ونكث العهد والصفقة وفراق الجماعة.
واختلف في حدّ الكبيرة فقيل: كل ما أوجب الحد من المعاصي، وقيل: ما توعد عليه بنص الكتاب أو السنة. وقال الشيخ عز الدّين بن عبد السلام: لم أقف على ضابط للكبيرة يعني يسلم من الاعتراض والأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها. قال: وضبطها بعضهم بكل ذنب قرن به وعيد أو لعن، وقال ابن الصلاح: لها أمارات منها إيجاب الحد، ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب والسنة، ومنها وصف فاعلها بالفسق، ومنها اللعن. وقال أبو العباس القرطبي: كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدة العقاب أو علق عليه الحد أو شدة النكير عليه فهو كبيرة. وقال ابن عبد السلام أيضًا: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر فهي من الكبائر، فحكم القاضي بغير الحق كبيرة فإن شاهد الزور متسبب متوسل فإذا جعل السبب كبيرة فالمباشرة أكبر من تلك الكبيرة، فلو شهد اثنان بالزور على قتل موجب للقصاص فسلمه الحاكم إلى الوليّ فقتله وكلهم عالمون بأنهم باطلون فشهادة الزور كبيرة والحكم بها أكبر منها ومباشرة القتل أكبر من الحكم.
وحديث الباب سبق في الوصايا والطب.
٤٥ - باب قَذْفِ الْعَبِيدِ
(باب) حكم (قذف العبيد) الأرقاء والإضافة فيه إلى المفعول وطوي ذكر الفاعل أو إلى الفاعل.
٦٨٥٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِى نُعْمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهْوَ بَرِئٌ مِمَّا قَالَ: جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن فضيل بن غزوان) بضم الفاء وفتح المعجمة في الأوّل وبفتح المعجمة وسكون الزاي وبعد الواو المفتوحة ألف فنون في الثاني الضبي مولاهم (عن ابن أبي نعم) بضم النون وسكون العين المهملة عبد الرحمن البجلي الزاهد (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول):
(من قذف مملوكه) وعند الإسماعيلي من قذف عبده بشيء (وهو) أي والحال أنه (بريء مما
قال) سيده عنه (جلد) السيد (يوم القيامة) يوم الجزاء عند زوال ملك السيد المجازي وانفراد الباري تعالى بالملك الحقيقي والتكافؤ في الحدود ولا مفاضلة حينئذٍ إلا بالتقوى (إلا أن يكون) المملوك (كما قال) السيد عنه فلا يجلد، وعند النسائي من حديث ابن عمر: من قذف مملوكه كان لله في ظهره حدّ يوم القيامة إن شاء أخذه إن شاء عفا عنه، وظاهره أنه لا حدّ على السيد في الدنيا إذ لو وجب عليه لذكره.
وهذا الحديث أخرجه مسلم
стр. 4293
في الأيمان والنذور وأبو داود في الأدب والترمذي في البر والنسائي في الرجم.
٤٦ - باب هَلْ يَأْمُرُ الإِمَامُ رَجُلاً فَيَضْرِبُ الْحَدَّ غَائِبًا عَنْهُ وَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ
هذا (باب) بالتنوين (هل يأمر الإمام رجلاً فيضرب الحد) رجلاً وجب عليه الحدّ حال كونه (غائبًا عنه) عن الإمام بأن يقول له اذهب إلى فلان الغائب فأقم عليه الحدّ (وقد فعله عمر) بن الخطاب ﵁ أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عنه ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وفعله عمر بإسقاط قد، وقال في الفتح: ثبت هذا الأثر في رواية الكشميهني.
٦٨٥٩ و ٦٨٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ قَالَا: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ، فَقَالَ صَدَقَ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «قُلْ» فَقَالَ: إِنَّ ابْنِى كَانَ عَسِيفًا فِى أَهْلِ هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ، وَإِنِّى سَأَلْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِى أَنَّ عَلَى ابْنِى جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ فَقَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْمِائَةُ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَيَا أُنَيْسُ اغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَسَلْهَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني) ﵄ أنهما (قالا: جاء رجل) من الإعراب لم يسم (إلى النبي ﷺ فقال): يا رسول الله (أنشدك الله) فعل ومفعول ونصب الجلالة بإسقاط الخافض أي أقسم عليك بالله (إلا قضيت بيننا بكتاب الله) الجملة من قضيت في محل الحال وشرط الفعل الواقع حالاً بعد إلا أن يكون مقترنًا بقد أو يتقدم إلا فعل منفي كقوله تعالى: ﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين﴾ [الأنعام: ٤] ولما لم يأت هنا شرط الحال. قال ابن مالك: التقدير ما أسألك إلا فعلك فهي في معنى كلام آخر. قال ابن الأثير: المعنى أسألك
وأقسم عليك أن ترفع نشيدتي أو صوتي بأن تلبي دعوتي وتجيبني. وقال ابن مالك في شواهد التوضيح: التقدير ما نشدتك إلا الفعل وبتقدير ابن مالك هنا وفي التسهيل يحصل شرط الحال بعد إلا، وقوله بكتاب الله أي بحكم الله (فقام خصمه) لم يسم (وكان أفقه منه) جملة معترضة لا محل لها من الإعراب (فقال: صدق) يا رسول الله (اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي يا رسول الله) أن أقول (فقال النبي ﷺ ¬):
(قل) ما في نفسك أو ما عندك (فقال: إن ابني كان عسيفًا) بالعين والسين المهملتين وبالفاء أجيرًا (في) خدمة (أهل هذا فزنى بامرأته) معطوف على كان عسيفًا (فافتديت منه بمائة شاة وخادم وإني سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وإن على امرأة هذا الرجم فقال) النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده) أي وحق الذي نفسي بيده فالذي مع صلته وعائده مقسم به ونفسي مبتدأ وبيده في محل الخبر وبه يتعلق حرف الجر وجواب القسم قوله: (لأقضين بينكما بكتاب الله) أي بما تضمنه كتاب الله أو بحكم الله وهو أولى لأن الحكم فيه التغريب والتغريب ليس مذكورًا في القرآن (المائة) شاة (والخادم ردّ) أي مردود (عليك وعلى ابنك جلد مائة) جلد مبتدأ والخبر في المجرور (وتغريب عام) مصدر غرب وهو مضاف إلى ظرفه لأن التقدير أن يجلد مائة وأن يغرب عامًا وليس هو ظرفًا على ظاهره مقدّرًا بفي لأنه ليس المراد التغريب فيه حتى يقع في جزء منه بل المراد أن يخرج فيلبث عامًا فيقدّر يغرب بيغيب أي يغيب عامًا (ويا أنيس) هو رجل من أسلم (اغدُ على امرأة هذا) اذهب إليها متأمرًا عليها وحاكمًا عليها واغد مضمن معنى اذهب لأنهم يستعملون الرواح والغدو بمعنى الذهاب يقولون رحت إلى فلان وغدوت إلى فلان فيعدونها بإلى بمعنى الذهاب، فيحتمل أن يكون أتى بعلى لفائدة الاستعلاء (فسلها) بفتح السين وسكون اللام بلا همز هل تعفو عن الرجل فيما ذكر عنها من القذف أو لا (فإن اعترفت) بالزنا (فارجمها) فذهب أنيس إليها (فاعترفت) بالزنا (فرجمها) بعد أن راجع النبي ﷺ أو بما له من التأمر عليها والحكم من قبله ﷺ ، وإنما خص أنيسًا لأنه أسلميّ والمرأة أسلمية والحديث سبق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨٧ - كتاب الدّيات
(كتاب الدّيات) بتخفيف التحتية جمع دية وهي المال الواجب بالجناية على الحرّ في نفس أو فيما دونها وهاؤها عوض عن فاء الكلمة وهي مأخوذة من الودي وهو دفع الدّية يقال وديت القتيل أديه وديًا (وقول الله تعالى): بالرفع قال في الفتح سقطت
стр. 4294
الواو لأبي ذر والنسفيّ اهـ.
قلت والذي في الفرع كأصله علامة أبي ذر على الواو من غير علامة السقوط وفي مثلها يشير إلى ثبوتها عند من رقم علامته.
١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]
(﴿ومن يقتل مومنًا متعمدًا﴾) حال من ضمير القاتل أي قاصدًا قتله لإيمانه وهو كفر أو قتله مستحلاً لقتله وهو كفر أيضًا (﴿فجزاؤه جهنم﴾) [النساء: ٩٣] إن جازاه والخلود المذكور بعد المراد به طول المقام.
٦٨٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ» قَالَ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» قَالَ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِىَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد الضبي القاضي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عمرو بن شرحبيل) بفتح العين وسكون الميم في الأول وضم المعجمة وفتح الراء
وسكون المهملة وكسر الموحدة آخره لام الهمداني الكوفي أنه (قال: قال عبد الله) بن مسعود ﵁ (قال رجل: يا رسول الله) هو عبد الله بن مسعود كما في باب إثم الزناة بلفظ عن عبد الله قال قلت: يا رسول الله (أي الذنب أكبر عند الله؟ قال) ﷺ :
(أن تدعو لله ندًّا) بكسر النون وتشديد المهملة مثلاً وشريكًا (وهو) أي والحال أنه (خلقك قال) ابن مسعود (ثم أيّ؟) قال الزركشي بالتنوين والتشديد على رأي ابن الخشاب قال في المصابيح: بل وعلى قول كل ذي فطرة سليمة وقد سبق الردّ على من أوجب الوقف عليه بالسكون ولم يجز تنوينه بما فيه مقنع في كتاب الصلاة أي أيّ شيء أكبر من الذنوب بعد الكفر (قال) ﷺ : (ثم أن تقتل ولدك أن) ولأبي ذر عن الكشميهني خشية أن (يطعم معك) لأنك لا ترى الرزق من الله وقول الكرماني لا مفهوم له لأن القتل مطلقًا أعظم تعقبه في الفتح بأن لا يمتنع أن يكون الذنب أعظم من غيره وبعض أفراده أعظم من بعض (قال) ابن مسعود: يا رسول الله (ثم أيّ؟) كذا في اليونينية وسبق توجيهه (قال) ﷺ : (ثم إن تزاني بحليلة) بالموحدة ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر حليلة (جارك) بالحاء المهملة أي زوجة جارك (فأنزل الله تصديقها) أي تصديق المسألة أو الأحكام أو الواقعة وتصديقها مفعول له: (﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله﴾) قتلها (﴿إلا بالحق﴾) متعلق بالفعل المحذوف أو بلا يقتلون (﴿ولا يزنون ومن يفعل ذلك﴾) أي ما ذكر من الثلاثة (﴿يلق أثامًا﴾) [الفرقان: ٦٨] أي عقوبة، وسقط لابن عساكر من قوله: (﴿ولا يزنون وقال بعد ﴿إلا بالحق﴾ الآية. ولأبي ذر ﴿ولا يزنون﴾ الآية وثبت ﴿يلق أثامًا﴾ للأصيلي ولغير من ذكر بعد قوله: ﴿ومن يفعل ذلك﴾ الآية.
٦٨٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِى فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا».
[الحديث: ٦٨٦٢ - طرفه في: ٦٨٦٣].
وبه قال: (حدّثنا عليّ) غير منسوب وهو ابن الجعد الجوهري الحافظ وليس هو ابن المديني لأنه لم يدرك إسحاق بن سعيد قال: (حدّثنا إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن ابن عمر ﵄¬) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لن يزال) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لا يزال (المؤمن في فسحة) بضم الفاء وسكون السين وفتح الحاء المهملتين أي سعة (من دينه) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية بعدها نون من الدين (ما لم يصب دمًا حرامًا) بأن يقتل نفسًا بغير حق فإنه يضيق عليه دينه لما أوعد الله على القتل عمدًا بغير حق بما توعد به الكافر.
وفي معجم الطبراني الكبير من حديث ابن مسعود بسند رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا مثل حديث ابن عمر موقوفًا، وزاد في آخره: فإذا أصاب دمًا حرامًا نزع منه الحياء، ولأبي ذر عن
الكشميهني: لن يزال المؤمن في فسحة من ذنبه بذال معجمة مفتوحة فنون ساكنة بعدها موحدة أي يصير في ضيق بسبب ذنبه لاستبعاده العفو عنه لاستمراره في الضيق المذكور والفسحة في الذنب قبوله للغفران بالتوبة، فإذا وقع القتل ارتفع القبول قاله ابن العربي. قال في الفتح: وحاصله أنه فسره على رأي ابن عمر في عدم قبول توبة القاتل انتهى.
والحديث من أفراده.
٦٨٦٣ - حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ مِنْ وَرْطَاتِ الأُمُورِ الَّتِى لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (أحمد بن يعقوب) المسعودي الكوفي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (إسحاق) ولأبي ذر والأصيلي وابن
стр. 4295
عساكر إسحاق بن سعيد قال: (سمعت أبي) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص (يحدث عن عبد الله بن عمر) ﵁ موقوفًا (قال: إن من ورطات الأمور) بفتح الواو وسكون الراء من ورطات مصححًا عليه في الفرع كأصله وقال ابن مالك صوابه تحريكها مثل تمرة وتمرات وركعة وركعات وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي (التي لا مخرج) بفتح الميم والراء بينهما معجمة آخره جيم (لمن أوقع نفسه فيها) بل يهلك فلا ينجو (سفك الدم) نصب بأن أي إراقة الدم (الحرام بغير حله) أي بغير حق من الحقوق المحلة للسفك، وقوله: بغير حله بعد قوله الحرام للتأكيد والمراد بالسفك القتل بأيّ صفة كانت لكن لما كان الأصل إراقة الدم عبر به، وفي الترمذي وقال حسن عن عبد الله بن عمر وزوال الدنيا كلها أهون عند الله من قتل رجل مسلم.
٦٨٦٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِى الدِّمَاءِ».
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين ابن باذام العبسي الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(أول) بالرفع مبتدأ (ما يقضى) بضم أوّله وفتح الضاد المعجمة مبنيًّا للمفعول في محل الصفة وما نكرة موصوفة والعائد الضمير في يقضي أي أول قضاء يقضى (بين الناس) أي يوم القيامة كما في مسلم (في الدماء). قال ابن فرحون: في الدماء في محل رفع خبر عن أول فيتعلق حرف الجر بالاستقرار المقدّر فيكون التقدير أول قضاء يقضى كائن أو مستقر في الدماء قال: ولا يصح أن يكون يوم في محل الخبر لأن التقدير يصير أوّل قضاء يقضى كائن يوم القيامة لعدم الفائدة فيه ولا منافاة بين قوله هنا أول ما يقضى في الدماء وبين قوله في حديث النسائي عن أبي هريرة
مرفوعًا: أول ما يحاسب به العبد الصلاة، لأن حديث الباب فيما بينه وبين غيره من العباد والآخر فيما بينه وبين ربه تعالى.
٦٨٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِىٍّ حَدَّثَهُ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِىَّ حَلِيفَ بَنِى زُهْرَةَ حَدَّثَهُ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ يَدِى بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ بِشَجَرَةٍ وَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ آقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقْتُلْهُ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَىَّ ثُمَّ قَالَ: بَعْدَ مَا قَطَعَهَا أَأَقْتُلُهُ قَالَ: «لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِى قَالَ:».
وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِى عَمْرَةَ: عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِلْمِقْدَادِ «إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِى إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِى إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِنْ قَبْلُ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روّاد العتكي المروزي الحافظ قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (عطاء بن يزيد) الليثي (أن عبيد الله) يضم العين (ابن عديّ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين آخره تحتية مشددة ابن الخيار بكسر المعجمة وتخفيف التحتية النوفلي (حدّثه أن المقداد بن عمرو) بفتح العين (الكندي) المعروف بابن الأسود (حليف بني زهرة) بضم الزاي وسكون الهاء (حدّثه وكان) المقداد ﵁ (شهد بدرًا مع النبي ﷺ أنه قال: يا رسول الله أن) حرف شرط (لقيت كافرًا) ولأبي ذر والأصيلي أني بصيغة الإخبار عن الماضي فيكون سؤاله عن شيء وقع قالوا والذي في نفس الأمر بخلافه وإنما سأل عن حكم ذلك إذا وقع ويؤيده رواية غزوة بدر بلفظ أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار (فاقتتلنا فضرب يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ) بمعجمة أي التجأ (بشجرة) مثلاً ولأبي ذر عن الكشميهني ثم لاذ مني بشجرة أي منع نفسه مني بها (وقال: أسلمت لله) أي دخلت في الإسلام (أأقتله بعد أن قالها؟) أي كلمة أسلمت لله (قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تقتله) بالجزم بعد أن قالها (قال: يا رسول الله فإنه طرح) أي قطع بالسيف (إحدى يدي) بتشديد الياء (ثم قال ذلك) القول وهو أسلمت لله (بعدما قطعها أأقتله؟) بهمزة الاستفهام كالسابق (قال) ﵊: (لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله) قال الكرماني فيما نقله عنه في الفتح: القتل ليس سببًا لكون كل منهما بمنزلة الآخر لكنه مؤوّل عند النجاة بالإخبار أي هو سبب لإخباري لك بذلك وعند البيانيين المراد لازمه كقوله يباح دمك إن عصيت
والمعنى أنه بإسلامه معصوم الدم فلا تقطع يده بيدك التي قطعها في حال كفره (وأنت بمنزلته
стр. 4296
قبل أن يقول كلمته) أسلمت لله (التي قالها)، والمعنى كما قاله الخطابي إن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم فإذا أسلم صار مصون الدم كالمسلم فإن قتله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحًا بحق القصاص كالكافر بحق الدين، وليس المراد إلحاقه به في الكفر كما تقول الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة، وحاصله اتحاد المنزلتين مع اختلاف المأخذ فالأول أنه مثلك في صون الدم، والثاني أنك مثله في الهدر، وقيل معناه أنه مغفور له بشهادة التوحيد كما أنك مغفور لك بشهود بدر، وفي مسلم من رواية معمر عن الزهري في هذا الحديث أنه قال: لا إله إلا الله.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الأيمان وأبو داود في الجهاد والنسائي في السير.
(وقال حبيب بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم القصاب الكوفي لا يعرف اسم أبيه (عن سعيد) بكسر العين ابن جبير (عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: قال النبي ﷺ للمقداد) المعروف بابن الأسود:
(إذا كان رجل مؤمن) ولأبي ذر عن الكشميهني رجل ممن (يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته) قال في الكواكب فإن قلت: كيف يقطع يده وهو ممن يكتم إيمانه؟ وأجاب: بأنه فعل ذلك دفعًا للصائل قال أو السؤال كأنه على سبيل الفرض والتمثيل لا سيما وفي بعضها إن لقيت بحرف الشرط (فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة قبل) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من قبل.
وهذا التعليق وصله البزار والطبراني في الكبير.
٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا إِلاَّ بِحَقٍّ حَيِىَ النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعًا
(باب قول الله تعالى) سقط ما بعد الباب لأبي ذر (﴿ومن أحياها﴾ قال ابن عباس) ﵄ معناها فيما وصله ابن أبي حاتم (من حرم قتلها إلا بحق) من قصاص (﴿فكأنما أحيا الناس جميعًا﴾) [المائدة: ٣٢] لسلامتهم منه ولغير الأصيلي وأبي ذر عن المستملي حيي الناس منه جميعًا، والمراد من هذه الآية قوله: ﴿من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾ [المائدة: ٣٢] كما يدل عليه ما في أول حديث الباب من قوله: إلا كان على ابن آدم الأوّل كفل منها وفيها تغليظ أمر القتل والمبالغة في الزجر عنه من جهة أن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استيجاب غضب الله وعقابه. وقال الحسن: المعنى أن قاتل النفس الواحدة يصير إلى النار كما لو قتل الناس جميعًا. وقال في المدارك: ومن أحياها ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة من قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك وجعل قتل الواحد كقتل الجميع وكذلك الإحياء ترغيبًا وترهيبًا لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصوّر أن قتلها كقتل
الناس جميعًا عظم ذلك عليه فثبطه وكذا الذي أراد إحياءها إذا تصور أن حكمه حكم إحياء جميع الناس رغب في ذلك.
٦٨٦٧ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا».
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وفتح الصاد المهملة ابن عقبة أبو عامر السوائي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن عبد الله بن مرة) بضم الميم وفتح الراء مشددة الخارفي بالخاء المعجمة والراء والفاء المكسورتين الكوفي (عن مسروق) هو ابن الأجدع الهمداني أحد الأعلام (عن عبد الله) بن مسعود (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا تقتل نفس) أي ظلمًا كما في رواية حفص بن غياث (إلا كان على ابن آدم الأول) قابيل (كفل) بكسر الكاف وسكون الفاء نصيب (منها) زاد في الاعتصام: وربما قال سفيان من دمها وزاد في آخره لأنه أول من سن القتل.
والحديث سبق في خلق آدم وأخرجه مسلم في الحدود.
٦٨٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَخْبَرَنِى عَنْ أَبِيهِ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال واقد بن عبد الله): بالقاف نسبه أبو الوليد شيخ المؤلّف لجده فقول أبي ذر وقع هنا واقد بن عبد الله والصواب واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر هو كذلك لكن لما وقع وجه وهو نسبته لجده ووقع للمصنف في الأدب من رواية خالد بن الحارث عن شعبة فقال عن واقد بن محمد (أخبرني) بالإفراد (عن أبيه) محمد بن زيد وهذا من تقديم الاسم على الصيغة والتقدير حدّثنا شعبة أخبرني واقد بن عبد الله عن أبيه محمد أنه (سع عبد الله بن عمر)
стр. 4297
﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال) في حجة الوداع عند جمرة العقبة واجتماع الناس للرمي وغيره:
(لا ترجعوا بعدي) لا تصيروا بعد موقفي أو موتي (كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) مستحلين لذلك أو لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار في ضرب رقاب المسلمين أو المراد الزجر عن الفعل وليس ظاهره مرادًا وقوله يضرب بالرفع على الاستئناف بيانًا لقوله لا ترجعوا أو حالاً من ضمير لا ترجعوا أو صفة ويجوز جزمه بتقدير شرط أي فإن ترجعوا يضرب.
والحديث سبق في العلم ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوّته في كتاب الفتن.
٦٨٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُدْرِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِىُّ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ اسْتَنْصِتِ النَّاسَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة ابن عثمان أبو بكر العبدي مولاهم الحافظ بندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عليّ بن مدرك) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الراء النخعي الكوفي أنه (قال: سمعت أبا زرعة) هرمًا بفتح الهاء وكسر الراء (ابن عمرو بن جرير عن) جده (جرير) بفتح الجيم بن عبد الله أسلم في رمضان سنة عشر ﵁ أنه (قال: قال لي النبي ﷺ في حجة الوداع):
(استنصت الناس) أي اطلب منهم الإنصات ليسمعوا الخطبة ثم قال ﷺ بعد أن أنصتوا (لا ترجعوا بعدي كفارًا) أي كالكفار (يضرب بعضكم رقاب بعض) فيه استعمال رجع كصار معنى وعملاً قال ابن مالك ﵀ وهو مما خفي على أكثر النحويين (رواه) أي قوله في الحديث لا ترجعوا بعدي كفارًا (أبو بكرة) نفيع الثقفي الصحابي ﵁ فيما سبق مطوّلاً في الحج (وابن عباس) ﵄ فيما سبق أيضًا في الحج كلاهما (عن النبي ﷺ ¬).
٦٨٧٠ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ - أَوْ قَالَ- الْيَمِينُ الْغَمُوسُ» شَكَّ شُعْبَةُ، وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: «الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ -أَوْ قَالَ- وَقَتْلُ النَّفْسِ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) المعروف ببندار قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) المعروف بغندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن فراس) بفاء مكسورة فراء بعدها ألف فسين مهملة ابن يحيى الخارفي بالخاء المعجمة وبعد الألف راء ففاء (عن الشعبي) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة بعدها موحدة مكسورة عامر (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص ﵄ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): ولأبي ذر عن رسول الله ﷺ وللأصيلي قال النبي ﷺ :
(الكبائر) وهي كل ما توعد عليه بعقاب (الإشراك بالله) أي اتخاذ الله غيره تعالى (وعقوق الوالدين) بعصيان أمرهما وترك خدمتهما (أو قال: اليمين الغموس) بفتح الغين المعجمة وهو الحلف على ماض متعمدًا للكذب أو أن يحلف كاذبًا ليذهب بمال غيره وسمي غموسًا لأنه يغمس
صاحبه في الإثم أو النار أو الكفارة (شك شعبة) بن الحجاج وفي الأيمان والنذور واليمين الغموس بالواو من غير شك.
(وقال معاذ) بضم الميم آخره ذال معجمة ابن معاذ أيضًا العنبري (حدّثنا شعبة) بن الحجاج فيما وصله الإسماعيلي (قال: الكبائر) هي (الإشراك بالله واليمين الغموس وعقوق الوالدين أو قال وقتل النفس). بدل عقوق الوالدين شك شعبة أيضًا، وجوّز الكرماني أن يكون هذا التعليق من مقول ابن بشار فيكون موصولاً.
٦٨٧١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْكَبَائِرُ» وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ -أَوْ قَالَ- وَشَهَادَةُ الزُّورِ».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) الكوسج أبو يعقوب المروزي قال: (حدّثنا ولأبي ذر أخبرنا (عبد الصمد) بن عبد الوارث العنبري البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن أبي بكر) أي ابن أنس أنه (سمع) جده (أنسًا) ولأبي ذر أنس بن مالك (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الكبائر) قال البخاري بالسند إليه: (وحدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (عمرو) بفتح العين زاد أبو ذر وهو ابن مرزوق قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (شعبة) بن الحجاج (عن ابن أبي بكر) هو عبيد الله (عن) جده (أنس بن مالك) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس) بغير حق (وعقوق الوالدين وقول الزور -أو قال- وشهادة الزور) بالشك من الراوي وفي الحديث دلالة على انقسام
стр. 4298
الكبائر في عظمها إلى كبير وأكبر ويؤخذ منه ثبوت الصغائر لأن الكبيرة بالنسبة إليها أكبر منها، ولا يلزم من كون هذه المذكورات أكبر الكبائر استواء رتبتها في نفسها فالإشراك أكبر الذنوب ولا يقال كيف عدّ الكبائر أربعًا أو خمسًا وهي أكثر لأنه ﷺ لم يتعرض للحصر بل ذكر ﷺ في كل مجلس ما أوحي إليه أو سنح له باقتضاء حال السائل وتفاوت الأوقات.
والحديث سبق في الشهادات والأدب وأخرجه مسلم في الأيمان والترمذي في البيوع والتفسير والنسائي في القضاء والتفسير والقصاص.
٦٨٧٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵄ يُحَدِّثُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ قَالَ: فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ قَالَ: وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ، قَالَ:
فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ قَالَ: فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِىُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِى حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: فَقَالَ لِى: «يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَىَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّى لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن زرارة) بفتح العين وسكون الميم وزرارة بضم الزاي وفتح الراءين بينهما ألف مخففًا ابن واقد الكلابي النيسابوري قال: (حدّثنا) ولأبي ذر والأصيلي أخبرنا (هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير بضم الموحدة وفتح المعجمة الواسطي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر والأصيلي أخبرنا (حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن الواسطي التابعي الصغير قال: (حدّثنا أبو ظبيان) بفتح الظاء المعجمة وسكون الموحدة وتخفيف التحتية حصين أيضًا ابن جندب المذحجي بضم الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدها جيم التابعي الكلبير (قال: سمعت أسامة بن زيد بن حارثة) بالمثلثة مولى رسول الله ﷺ (¬﵄ يحدث قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة) بضم الحاء المهملة وفتح الراء والقاف قبيلة (من جهينة) في رمضان سنة سبع أو ثمان (قال: فصبحنا القوم) أتيناهم صباحًا بغتة قبل أن يشعروا بنا فقاتلناهم (فهزمناهم قال) أسامة: (ولحقت أنا ورجل من الأنصار) قال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمه (رجلاً منهم) اسمه مرداس بن عمرو الفدكي أو مرداس بن نهيك الفزاري (قال) أسامة: (فلما غشيناه) بفتح الغين وكسر الشين المعجمتين لحقناه (قال: لا إله إلا الله قال) أسامة (فكف عنه الأنصاري فطعنته) ولأبى ذر والأصيلي وابن عساكر وطعنته بالواو بدل الفاء (برمحي حتى قتلته قال: فلما قدمنا) المدينة (بلغ ذلك) أي قتلي له بعد قوله لا إله إلا الله (النبي ﷺ قال) أسامة (فقال لي) ﷺ :
(يا أسامة أقتلته بعدما) ولأبي ذر عن الكشميهني بعد أن (قال لا إله إلا الله قال) أسامة (قلت: يا رسول الله وإنما كان متعوّذًا) بكسر الواو المشددة بعدها معجمة أي لم يكن قاصدًا للإيمان بل كان غرضه التعوّذ من القتل (قال: أقتلته بعد أن) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر بعدما (قال لا إله إلا الله). وفي مسلم من حديث جندب بن عبد الله أنه ﷺ قال له: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة (قال) أسامة (فما زال) (يكرّرها) أي يكرّر مقالته أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله (علي) بتشديد الياء (حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) لآمن من جريرة هذه الفعلة ولم يتمن أن لا يكون مسلمًا قبل ذلك، وإنما تمنى أن يكون إسلامه ذلك اليوم لأن الإسلام يجبّ ما قبله.
٦٨٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، عَنِ الصُّنَابِحِىِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: إِنِّى مِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَزْنِىَ، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ، وَلَا نَنْتَهِبَ وَلَا نَعْصِىَ بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (يزيد) بن أبي حبيب المصري (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله (عن الصنابحي) بضم الصاد المهملة بعدها نون فألف فموحدة فحاء مهملة مكسورتين عبد الرحمن بن عسيلة بمهملتين مصغرًا (عن عبادة بن الصامت ﵁¬) أنه (قال: إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ ¬) ليلة العقبة بمنى وكانوا اثني عشر نقيبًا (بايعناه على) التوحيد (أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نزني ولا نسرق) أي شيئًا ففيه حذف المفعول ليدل على العموم (ولا نقتل النفس التي حرم الله) إلا بالحق (ولا ننتهب) بفوقية قبل الهاء المكسورة من الانتهاب، ولأبي ذر عن الكشميهني: ولا ننهب بإسقاط الفوقية وفتح الهاء من النهب كذا في الفرع، والذي في اليونينية ولا نبهت بنون مفتوحة
стр. 4299
فموحدة ساكنة فهاء مفتوحة ففوقية (ولا نعصي) بالعين والصاد المهملتين أي في المعروف كما في الآية (بالجنة) متعلق بقوله بايعناه أي بايعناه بالجنة، ولأبي ذر عن الكشميهني ولا نقضي بالقاف والضاد المعجمة بدل المهملتين بالجنة يتعلق بقوله ولا نقضي بالقاف أي ولا نحكم بالجنة من قبلنا، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فالجنة بالفاء بدل الموحدة والرفع أي فلنا الجنة إن تركنا ما ذكر من الإشراك وما بعده (إن غشينا) بفتح الغين وكسر الشين المعجمة كذا في الفرع وفي اليونينية وغيرها وعليه شرح الكرماني وتبعه العيني إن فعلنا ذلك أي ترك الإشراك وما بعده (فإن غشينا) بزيادة الفاء أي فعلنا (من ذلك) المبايع على تركه (شيئًا كان قضاء ذلك) أي حكمه (إلى الله) إن شاء عاقب إن شاء عفا عنه.
قال في الفتح وظاهر الحديث أن هذه البيعة على هذه الكيفية كانت ليلة العقبة وليس كذلك وإنما كانت ليلة العقبة على المنشط والمكره في العسر واليسر إلى آخره. وأما البيعة المذكورة هنا فهي التي تسمى بيعة النساء وكانت بعد ذلك بمدة فإن آية النساء التي فيها البيعة المذكورة نزلت بعد عمرة الحديبية في زمن الهدنة وقبل فتح مكة فكأن البيعة التي وقعت للرجال على وفقها كانت عام الفتح انتهى.
وقد وقع الإلمام بشيء من هذا في كتاب الإيمان من هذا الشرح فليراجع.
٦٨٧٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا». رَوَاهُ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[الحديث ٦٨٧٤ - طرفه في: ٧٠٧٠].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي قال: (حدّثنا جويرية) بضم الجيم وفتح الواو مخففًا ابن أسماء (عن نافع عن) مولاه (عبد الله ﵁¬) ولأبي ذر زيادة ابن عمر ﵄ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من حمل علينا السلاح) أي قاتلنا (فليس منا) إن استباح ذلك أو أطلق ذلك اللفظ مع احتمال إرادة أنه ليس على الملة للمبالغة في الزجر والتخويف وقوله علينا يخرج به ما إذا حمله للحراسة لأنه يحمله لهم لا عليهم (رواه) أي الحديث المذكور (أبو موسى) عبد الله بن قيس (عن النبي ﷺ ¬) كما سيأتي إن شاء الله تعالى موصولاً في كتاب الفتن بعون الله وقوّته.
٦٨٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِى أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ: قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِى النَّارِ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن المبارك) العيشي البصري قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الأزدي الأزرق قال: (حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة أبو بكر السختياني الإمام (ويونس) بن عبيد بضم العين أحد أئمة البصرة كلاهما (عن الحسن) البصري (عن الأحنف) بالحاء المهملة بعدها نون ففاء (ابن قيس) السعدي البصري واسمه الضحاك والأحنف لقبه أنه (قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ في وقعة الجمل وكان الأحنف تخلف عنه (فلقيني أبو بكرة) نفيع بن الحارث (فقال) لي: (أين تريد؟ قلت) له (أنصر هذا الرجل) عليًّا ﵁ (قال: ارجع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(إذا التقى المسلمان بسيفيهما) بالتثنية فضرب كل واحد منهما الآخر ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بسيفهما بالإفراد (فالقاتل) بالفاء جواب إذا، ولأبي ذر: القاتل بإسقاطها نحو:
من يفعل الحسنات الله يشكرها.
(والمقتول في النار). إذا كان قتالهما بلا تأويل بل على عداوة دنيوية أو طلب ملك مثلاً فأما من قاتل أهل البغي أو دفع الصائل فقتل فلا أما إذا كانا صحابيين فأمرهما عن اجتهاد لإصلاح الدين وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه حسمًا للمادة قال أبو بكرة (قلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال ﷺ : (أنه) أي المقتول (كان حريصًا على قتل صاحبه). فيه أن من عزم على المعصية يأثم ولو لم يفعلها كما استدلّ به الباقلاني وأتباعه. وأجيب: بأن هذا شرع في الفعل والاختلاف إنما هو فيمن عزم ولم يفعل شيئًا.
وهذا الحديث سبق في كتاب الإيمان.
٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]
(باب قول الله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب﴾) أي فرض (﴿عليكم القصاص في القتلى﴾) جمع قتيل والمعنى فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة
стр. 4300
بين القتلى (﴿الحرّ بالحرّ﴾) مبتدأ وخبر أي الحرّ مأخوذ أو مقتول بالحر (﴿والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من﴾) جهة (﴿أخيه شيء﴾) من العفو لأن عفا لازم وفائدته الإشعار بأن بعض العفو كالعفو التام في إسقاط القصاص والأخ ولي المقتول وذكره بلفظ الأخوة بعثًا له على العطف لما بينهما من الجنسية والإسلام (﴿فاتباع﴾) أي فليكن اتباع أو فالأمر اتباع (﴿بالمعروف﴾) أي يطالب العافي القاتل بالدّية مطالبة جميلة (﴿وأداء﴾) وليؤدّ القاتل بدل الدم (﴿إليه﴾) إلى العافي (﴿بإحسان﴾) بأن لا يمطله ولا يبخسه (﴿ذلك﴾) الحكم المذكور من العفو وأخذ الدّية (﴿تخفيف من ربكم ورحمة﴾) فإنه كان في التوراة القتل لا غير وفي الإنجيل العفو لا غير وأبيح لنا القصاص والعفو وأخذ المال بطريق الصلح توسعة وتيسيرًا (﴿فمن اعتدى بعد ذلك﴾) التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل أو القتل بعد أخذ الدّية أو العفو (﴿فله عذاب أليم﴾) [البقرة: ١٧٨] في الآخرة، وسقط لأبي ذر من قوله: (الحرّ بالحرّ) إلى آخرها وقال بعد قوله: ﴿في القتلى﴾ الآية وسقط للأصيلي من قوله: ﴿الحرّ بالحرّ﴾ وقال إلى قوله: (﴿أليم﴾) وقال ابن عساكر في روايته ﴿إلى عذاب أليم﴾ وزاد الأصيلي في الترجمة، وإذا لم يزل يسأل القاتل بضم التحتية من يسأل حتى أقر والإقرار في الحدود ولم يذكر المؤلّف حديثًا في هذا الباب.
٤ - باب سُؤَالِ الْقَاتِلِ حَتَّى يُقِرَّ وَالإِقْرَارِ فِى الْحُدُودِ
(باب سؤال) الإمام (القاتل) أي المتهم به ولم تقم عليه به بيّنة (حتى يقر) فيقيم عليه الحدّ (والإقرار في الحدود) قال في الفتح كذا للأكثر، ووقع للنسفي وكريمة وأبي نعيم في المستدرك بحذف الباب وبعد قوله عذاب أليم وإذا لم يزل يسأل القاتل حتى أقر والإقرار في الحدود قال: وصنيع الأكثر أشبه.
٦٨٧٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا أَفُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّىَ الْيَهُودِىُّ فَأُتِىَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ.
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم وسكون النون الأنماطي البصري قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى الحافظ (عن قتاة) بن دعامة أما الخطاب السدوسي الأعمى الحافظ المفسر (عن أنس بن مالك ﵁ أن يهوديًّا) لم يسم (رضّ) بفتح الراء والضاد المعجمة المشددة رضخ ودق (رأس جارية) أمة أو حرة لم تبلغ وفي بعض طرق الحديث أنها كانت من الأنصار (بين حجرين فقيل لها) أي قال لها رسول الله ﷺ :
(من فعل بك هذا؟) الرض (أ) فعله (فلان أو فلان) ومن استفهامية محلها رفع بالابتداء وخبرها في فعلها والعائد الضمير في فعل وهذا مفعول به ولا يظهر إعراب في المبتدأ لأنه من أسماء الاستفهام التي بنيت لتضمنها معنى حرف الاستفهام وكذا لا يظهر إعراب في المفعول لأنه من أسماء الإشارة وبك يتعلق بفعل وفلان مصروف.
قال ابن الحاجب: فلان وفلانة كناية عن أسماء الأناسي وهي أعلام، والدليل على علميتها منع صرف فلانة وليس فيه إلا التأنيث والتأنيث لا يمنع إلا مع العلمية ولأنه يمتنع من دخول الألف واللام عليه انتهى.
قال ابن فرحون: وفلانة كما قال ممتنع وفلان منصرف وإن كان فيه العلمية لتخلف السبب الثاني والألف والنون فيه ليستا زائدتين بل هو موضوع هكذا، وقال في المجيد: وقل كناية عن نكرة نحويًّا رجل وهو مختص بالنداء وفلة بمعنى يا امرأة ولام فل ياء أو واو وليس مرخمًا من فلان خلافًا للفراء ووهم ابن عصفور وابن مالك وصاحب البسيط قولهم: فل كناية عن العلم لفلان، وفي كتاب سيبويه أنه كناية عن النكرة بالنقل عن العرب انتهى.
ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر فلان أو فلان بحذف همزة الاستفهام، ولأبي ذر عن الكشميهني أفلان بهمزة الاستفهام أم فلان بالميم بدل الواو (حتى) أي تكرر ذلك حتى (سمي) لها (اليهودي) بضم السين وكسر الميم مشددة فاليهودي رفع نائب عن الفاعل ولأبي ذر بفتح السين والميم مبنيًّا للفاعل فاليهودي نصب على المفعولية زاد في الأشخاص والوصايا فأومأت برأسها (فأتي به) بضم الهمزة وكسر الفوقية أي اليهودي (النبي ﷺ فلم يزل به حتى أقر) زاد أبو ذر عن الكشميهني به أي بالفعل (فرضّ) بضم الراء أي دق (رأسه بالحجارة). وفي الأشخاص فرضخ رأسه
стр. 4301
بين حجرين.
والحديث مضى في الأشخاص والوصايا.
٥ - باب إِذَا قَتَلَ بِحَجَرٍ أَوْ بِعَصًا
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا قتل) شخص شخصًا (بحجر أو بعصا) هل يقتل بما قتل به أو بالسيف.
٦٨٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: فَرَمَاهَا يَهُودِىٌّ بِحَجَرٍ قَالَ: فَجِئَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِهَا رَمَقٌ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فُلَانٌ قَتَلَكِ» فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا فَأَعَادَ عَلَيْهَا قَالَ: «فُلَانٌ قَتَلَكِ؟» فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا فَقَالَ لَهَا فِى الثَّالِثَةِ: «فُلَانٌ قَتَلَكِ؟» فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَتَلَهُ بَيْنَ الْحَجَرَيْنِ.
وبه قال: (حدّثنا محمد) قال الكلاباذي هو محمد بن عبد الله بن نمير وقال أبو علي بن السكن هو محمد بن سلام (قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد الأودي أبو محمد أحد الأعلام (عن شعبة) بن الحجاج الحافظ أبي بسطام العتكي أمير المؤمنين في الحديث (عن هشام بن زيد بن أنس عن جده أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: خرجت جارية) أمة أو حرة لم تبلغ كالغلام في الذكر الذي لم يبلغ (عليها أوضاح) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الضاد المعجمة وبعد الألف حاء مهملة جمع وضح قال أبو عبيد حليّ الفضة (بالمدينة. قال) أنس: (فرماها يهودي) لم يسم (بحجر قال) أنس: (فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق) بفتح الراء والميم بعدها قاف أي بقية من الحياة (فقال لها رسول الله ﷺ ¬):
(فلان قتلك فرفعت) أي المرأة (رأسها) أشارت بها لا (فأعاد) ﷺ (عليها قال: فلان قتلك فرفعت) أي المرأة (رأسها) أن لا (فقال) ﷺ (لها: في الثالثة فلان قتلك فخفضت رأسها) أي نعم فلان قتلني (فدعا به رسول الله ﷺ ¬) فسأله فاعترف (فقتله بين الحجرين) بالألف واللام ويحتمل الجنسية والعهد وهو حجة للجمهور أن القاتل يقتل بما قتل به ويؤيده قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦] وقوله تعالى: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] وخالف الكوفيون محتجين بحديث البزار لا قول إلا بالسيف وضعف، وقد ذكر البزار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده. وقال ابن عدي طرقه كلها ضعيفة وعلى تقدير ثبوته فإنه على خلاف قاعدتهم في أن السنة لا تنسخ الكتاب ولا تخصصه.
والحديث أخرجه مسلم في الحدود وأبو داود في الدّيات وكذا النسائي وابن ماجة.
٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
(باب قول الله تعالى: ﴿أن النفس بالنفس﴾) أول الآية وكتبنا عليهم فيها أي وفرضنا على اليهود في التوراة أن النفس مأخوذة بالنفس مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق (﴿والعين﴾) مفقوءة (﴿بالعين والأنف﴾) مجدوع (﴿بالأنف والأذن﴾) مقطوعة (﴿بالأذن والسن﴾) مقلوعة (﴿بالسن
والجروح قصاص﴾) أي ذات قصاص (﴿فمن تصدق﴾) من أصحاب الحق (﴿به﴾) بالقصاص وعفا عنه (﴿فهو كفارة له﴾) فالتصدق به كفارة للمتصدق بإحسانه (﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾) من القصاص وغيره (﴿فأولئك هم الظالمون﴾) [المائدة: ٤٥] بالامتناع عن ذلك وهذه الآية الكريمة وإن وردت في اليهود فإن حكمها مستمر في شريعة الإسلام لما ذهب إليه أكثر الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي متقررًا ولم ينسخ، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية، واحتج أبو حنيفة أيضًا بعمومها على قتل المسلم بالكافر الذمي وعلى قتل الحر بالعبد وخالفه الجمهور فيهما لحديث الصحيحين لا يقتل مسلم بكافر، وقد حكي الإمام الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك. قال ابن كثير: ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية، وسقط لأبي ذر والأنف إلى آخرها وقال بعد بالعين الآية. وقال ابن عساكر إلى آخره وسقط للأصيلي من قوله والعين.
٦٨٧٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِى، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن عبد الله بن مرة) الخارقي (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله) أن هي المخففة من الثقيلة بدليل أنه عطف عليها الجملة التالية ولأن الشهادة بمعنى العلم لأن شرطها أن يتقدمها علم أو ظن فالتقدير أشهد أنه لا إله إلا الله فحذف اسمها وبقيت الجملة في محل الخبر (وأني رسول الله) صفة ثانية ذكرت لبيان أن المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين، وقال
стр. 4302
في شرح المشكاة: الظاهر أن يشهد حال جيء به مقيدًا للموصوف مع صفته إشعارًا بأن الشهادة هي العمدة في حقن الدم (إلا بإحدى) خصال (ثلاث): وحرف الجر متعلق بحال والتقدير إلا متلبسًا بفعل إحدى ثلاث فيكون الاستثناء مفرغًا لعمل ما قبل إلا فيما بعدها ثم إن المستثنى منه يحتمل أن يكون من الدم فيكون التقدير لا يحل دم امرئ مسلم إلا دمه متلبسًا بإحدى الثلاث ويحتمل أن يكون الاستثناء من امرئ فيكون التقدير لا يحل دم امرئ مسلم إلا أمرًا متلبسًا بإحدى ثلاث خصال فمتلبسًا حال من امرئ وجاز لأنه وصف (النفس بالنفس) بالجر والرفع فيحل قتلها قصاصًا بالنفس التي قتلتها عدوانًا وظلمًا وهو مخصوص بولي الدم لا يحل قتله لأحد سواه فلو قتله غيره لزمه القصاص والباء في بالنفس للمقابلة (والثيب) أي المحصن المكلف الحر ويطلق الثيب على الرجل والمرأة بشرط التزوّج والدخول (الزاني) يحل قتله بالرجم فلو قتله مسلم غير الإمام فالأظهر عند الشافعية لا قصاص على قاتله لإباحة دمه
والزاني بالياء على الأصل ويروى بحذفها اكتفاء بالكسر كقوله تعالى: ﴿الكبير المتعال﴾ [الرعد: ٩] (والمارق) الخارج (من الدين) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني والمفارق لدينه التارك له (التارك الجماعة) من المسلمين، ولأبي ذر وابن عساكر: للجماعة بلام الجر، وفي شرح المشكاة: والتارك للجماعة صفة مؤكدة للمارق أي الذي ترك جماعة المسلمين وخرج من جملتهم وانفرد عن زمرتهم، واستدلّ بهذا الحديث على أن تارك الصلاة لا يقتل بتركها لكونه ليس من الأمور الثلاثة وقد اختلف فيه والجمهور على أنه يقتل حدًّا لا كفرًا بعد الاستتابة "فإن تاب وإلاّ قتل". وقال أحمد وبعض المالكية وابن خزيمة من الشافعية: إنه يكفر بذلك ولو لم يجحد وجوبها، وقال الحنفية: لا يكفر ولا يقتل لحديث عبادة عند أصحاب السنن وصححه ابن حبان مرفوعًا: خمس صلوات كتبهن الله على العباد الحديث. وفيه: ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذّبه وإن شاء أدخله الجنة والكافر لا يدخل الجنة. وتمسك الإمام أحمد بظواهر أحاديث وردت في تكفيره وحملها من خالفه على المستحل جمعًا بين الأخبار واستثنى بعضهم مع الثلاثة قتل الصائل فإنه يجوز قتله للدفع.
والحديث أخرجه مسلم وأبو داود في الحدود والترمذي في الدّيات والنسائي في المحاربة.
٧ - باب مَنْ أَقَادَ بِالْحَجَرِ
(باب من أقاد) أي اقتص (بالحجر).
٦٨٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ فَجِئَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِهَا رَمَقٌ فَقَالَ: «أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟» فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ، فَقَتَلَهُ النَّبِىُّ ﷺ بِحَجَرَيْنِ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة بندار قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن هشام بن زيد عن) جده (أنس ﵁ أن يهوديًّا) لم يسم (قتل جارية على أوضاح) بضاد محجمة وحاء مهملة حلي من فضة (لها فقتلها بحجر فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق) بعض الحياة (فقال) لها:
(أقتلك) بهمزة الاستفهام أي فلان وأسقطه للعلم به. نعم ثبت في اليونينية (فأشارت برأسها أن لا) بنون بدل الياء وكلاهما يجيء لتفسير سابقه والمراد أنها أشارت إشارة مفهمة يستفاد منها لو نطقت لقالت لا (ثم قال) ﷺ (الثانية) ولأبي ذر وابن عساكر في الثانية أي أقتلك فلان (فأشارت برأسها أن لا ثم سألها) س (الثالثة فأشارت برأسها) إشارة مفهمة (إن نعم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أي نعم بالتحتية بدل النون وكلاهما كما مر تفسير لما قبله والباء في برأسها في الثلاثة
باء الآلة (فقتله) فأمر بقتله بعد اعترافه (النبي ﷺ ¬) فقتل (بحجرين) وفي الباب السابق بين الحجرين.
٨ - باب مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (من قتل) بضم الأول وكسر الثاني (له قتيل) قال في الكواكب فإن قلت: الحي يقتل لا القتيل لأن قتل القتيل محال؟ وأجاب: بأن المراد القتيل بهذا القتل لا بقتل سابق قال ومثله يذكر في علم الكلام على سبيل المغلطة قالوا: لا يمكن إيجاد موجود لأن الموجود إما يوجده في حال وجوده فهو تحصيل الحاصل وأما حال العدم فهو جمع بين النقيضين فيجاب
стр. 4303
باختيار الشق الأوّل إذ ليس إيجادًا للموجود بوجود سابق ليكون تحصيل الحاصل بل إيجاد له بهذا الوجود وكذا حديث من قتل قتيلاً فله سلبه (فهو) أي ولي القتيل (بخير النظرين) أما الدّية وأما القصاص.
٦٨٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلاً مِنْ بَنِى لَيْثٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِى، أَلَا وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِى هَذِهِ حَرَامٌ لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلاَّ مُنْشِدٌ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ» فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ فَقَالَ: اكْتُبْ لِى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اكْتُبُوا لأَبِى شَاهٍ» ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ الإِذْخِرَ فَإِنَّمَا نَجْعَلُهُ فِى بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِلاَّ الإِذْخِرَ».
وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْبَانَ فِى الْفِيلِ قَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِى نُعَيْمٍ: الْقَتْلَ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا شيبان) بفتح الشين المعجمة وبعد التحتية الساكنة موحدة فألف فنون ابن عبد الرحمن النحوي البصري نزيل الكوفة (عن يحيى) بن أبي كثير الطائي واسم أبي كثير صالح (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ (أن خزاعة) بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي المخففة وبعد الألف عين مهملة القبيلة المشهورة (قتلوا رجلاً) وكانت خزاعة قد غلبوا على مكة وحكموا فيها ثم أخرجوا منها فصاروا في ظاهرها ورواية شيبان في باب كتابة العلم من كتاب العلم قال المؤلّف محوّلاً للسنة.
(وقال عبد الله بن رجاء) ضد الخوف ابن المثنى شيخ المؤلّف ووصله البيهقي من طريق هشام بن علي السيرافي عنه قال: (حدّثنا حرب) بفتح المهملة وسكون الراء بعدها موحدة ابن شداد ولفظ الحديث له (عن يحيى) بن أبي كثير أنه قال: (حدّثنا أبو سلمة) بن عبد الرحمن قال: (حدّثنا أبو هريرة) ﵁ (أنه) أي أن الشأن (عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلاً) لم يسم (من بني ليث) بالمثلثة القبيلة المشهورة المنسوبة إلى ليث بن بكر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر (بقتيل لهم في الجاهلية) اسمه أحمر واسم الخزاعي الذي قتل خراش بالخاء والشين المعجمتين بينهما راء بألف ابن أمية وذكر ابن هشام أن المقتول من بني ليث اسمه جندب بن الأكوع. قال في الفتح: ورأيت في الجزء الثالث من فوائد أبي علي بن خزيمة أن اسم الخزاعي القاتل هلال بن أمية فإن ثبت فلعل هلالاً لقب خراش. وفي مغازي ابن إسحاق حدّثني سعيد بن أي سندر الأسلمي عن رجل من قومه قال: كان معنا رجل يقال له أحمر وكان شجاعًا وكان إذا نام غطّ فإذا طرقهم شيء صاحوا به فيثور مثل الأسد فغزاهم قوم من هذيل في الجاهلية فقال لهم ابن الأثوع: بالثاء المثلثة والعين المهملة لا تعجلوا حتى أنظر فإن كان أحمر فيهم فلا سبيل إليهم فاستمع إليهم فإذا غطيط أحمر فمشى إليه حتى وضع السيف في صدره فقتله وأغاروا على الحيّ فلما كان عام الفتح، وكان الغد من يوم الفتح أتى ابن الأثوع الهذلي حتى دخل مكة وهو على شركه فرأته خزاعة فعرفوه فأقبل خراش بن أمية فقال افرجوا عن الرجل فطعنه بالسيف في بطنه فوقع قتيلاً (فقام رسول الله ﷺ فقال): وفي رواية شيبان في العلم فأخبر بذلك النبي ﷺ فركب راحلته فخطب فقال:
(إن الله حبس) منع (عن مكة الفيل) بالفاء والتحتية الحيوان المعروف المشهور في قصة أبرهة وهي أنه لما غلب على اليمن وكان نصرانيًّا بنى كنيسة وألزم الناس بالحج إليها فاستغفل بعض العرب الحجبة وتغوط فيها وهرب فغضب أبرهة وعزم على تخريب الكعبة فتجهز في جيش كثيف واستصحب معه فيلاً عظيمًا فلما قرب من مكة قدم الفيل فبرك الفيل وكانوا كلما قدموه نحو الكعبة تأخر وأرسل الله عليهم طيرًا مع كل واحد ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره ألقوها عليهم فلم يبق أحد منهم إلا أصيب وأخذته الحكة فكان لا يحك أحد منهم جلده إلا تساقط لحمه (وسلط عليهم) على أهل مكة (رسوله) ﷺ (والمؤمنين) ﵃ (ألا) بالتخفيف إن الله قد حبس عنها (وأنها لم تحل) بفتح فكسر (لأحد قبلي) الجار يتعلق بتحل وقيل يتعلق بخبر كان تقديره أي لا تحل لأحد كان كائنًا (ولا تحل لأحد من بعدي) برفع تحل وزيادة من قبل بعدي والذي في اليونينية ولا تحل لأحد بعدي بإسقاط من (ألا) بالتخفيف وفتح الهمزة (وإنما) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إنها بالهاء بدل الميم (أحلت لي) أن أقاتل فيها (ساعة من نهار) ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر (ألا) بالتخفيف (وإنها ساعتي هذه حرام) قوله وإنها ساعتي إن
стр. 4304
واسمها وساعتي الخبر وهذه يحتمل أن تكون بدلاً من ساعتي أو عطف بيان ويحتمل أن يكون الكلام تم عند قوله ساعتي ثم ابتدأ فقال هذه أي مكة حرام ويكون قد
حذف صفة ساعتي أي إنها ساعتي التي أنا فيها وعلى الأول يكون قوله حرام خبر مبتدأ محذوف أي هي حرام (لا يختلى) بضم التحتية وسكون المعجمة وفتح الفوقية واللام لا يجز (شوكها) إلا المؤذي (ولا يعضد) بالضاد المعجمة مبنيًّا للمفعول لا يقطع (شجرها ولا يلتقط) بفتح التحتية مبنيًّا للفاعل (ساقطتها) نصب مفعول أي ما سقط فيها بغفلة مالكه (إلا منشد) فليس لواجدها سوى التعريف فلا يملكها عند الشافعية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولا تلتقط بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول ساقطتها رفع نائب عن الفاعل إلا لمنشد بزيادة لام قبل الميم والاستثناء مفرغ لأنه متعلق بتلتقط ساقطتها فتلتقط بمعنى تباح أي لا تباح لقطتها أو لا تجوز إلا لمنشد فهو ملموح منه معنى فعل آخر (ومن قتل قتيل) أي ومن قتل له قريب كان حيًّا فصار قتيلاً بذلك القتل. وقال في العمدة: قتيل فعيل بمعنى مفعول سمي بما آل إليه حاله وهو في الأصل صفة لمحذوف أي لوليّ قتيل ويحتمل أن يضمن قتل معنى وجد له قتيل. قال: ولا يصح هذا التقدير في قوله ﵇ من قتل قتيلاً فله سلبه، والأول من قبيل تسمية العصير خمرًا وجواب من الشرطية قوله (فهو) أي المقتول له (بخير النظرين إما يودى) بضم التحتية وسكون الواو وفتح الدال المهملة أي يعطي القاتل أو أولياؤه لأولياء المقتول الدّية (وإما يقاد) بضم أوله والرفع أي يقتل قال المهلب وغيره يستفاد منه أن الولي إذا سئل في العفو على مال إن شاء قبل ذلك وإن شاء اقتص وعلى الولي اتباع الأولى في ذلك وليس فيه ما يدل على إكراه القاتل على بذل الدّية ولأبي ذر إما أن يودي بزيادة أن قوله اما أن يقاد (فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه) بالشين المعجمة بعدها ألف فهاء وهو في محل صفة ثانية وتركيبه تركيب إضافي كأبي هريرة (فقال اكتب لي يا رسول الله) الخطبة التي سمعتها منك (فقال رسول الله ﷺ اكتبوا) الخطبة (لأبي شاه) قال ابن دقيق العيد كان قد وقع الاختلاف في الصدر الأول في كتابة غير القرآن وورد فيه نهي ثم استقرّ الأمر بين الناس على الكتابة لتقييد العلم بها وهذا الحديث يدل على ذلك لإذنه ﵊ لأبي شاه (ثم قام رجل من قريش) هو العباس بن عبد المطلب ﵁ (فقال: يا رسول الله):
(إلا الإذخر) بكسر الهمزة وبالمعجمتين الحشيش المعروف ذا العرف الطيب (فإنما) بالميم بعد النون (نجعله في بيوتنا) للسقف فوق الخشب (وقبورنا) لنسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات والاستثناء من محذوف يدل عليه ما قبله تقديره حرم الشجر والخلا إلا الإذخر فيكون استثناء متصلاً (فقال رسول الله ﷺ ¬) بما أوحي إليه (إلا الإذخر وتابعه) أي تابع حرب بن شداد (عبيد الله) بضم العين ابن موسى بن باذام الكوفي شيخ المؤلّف في روايته (عن شيبان) بن عبد الرحمن عن يحيى عن أبي سلمة (في الفيل) بالفاء وهذه المتابعة وصلها مسلم (قال): ولأبي ذر وقال: (بعضهم) هو الإمام محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري (عن أبي نعيم) الفضل بن دكين (القتلى) بالقاف والفوقية.
(وقال عبيد الله) بضم العين ابن موسى بن باذام في روايته عن شيبان بالسند المذكور: (إما أن يقاد) بضم التحتية (أهل القتيل) أي يؤخذ لهم بثأرهم. وهذا وصله مسلم بلفظ إما أن يعطي الدّية وإما أن يقاد أهل القتيل.
٦٨٨١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ قِصَاصٌ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] إِلَى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِى الْعَمْدِ قَالَ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَنْ يَطْلُبَ بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّىَ بِإِحْسَانٍ.
وبه قال: (حدّثنا قنية بن سعيد) قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كانت في بني إسرائيل قصاص) قال في الفتح: أنث كانت باعتبار معنى القصاص وهو المماثلة والمساواة وقال العيني باعتبار معنى المقاصة: (ولم تكن فيهم الدّية) وكانت في شريعة عيسى ﵇ الدّية فقط ولم يكن فيها قصاص فإن ثبت ذلك
стр. 4305
امتازت شريعة الإسلام بأنها جمعت الأمرين فكانت وسطى لا إفراط ولا تفريط (فقال الله) تعالى في كتابه: (لهده الأمة ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾) [البقرة: ١٧٨] إلى هذه الآية (﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾) [البقرة: ١٧٨] (قال ابن عباس) ﵄ مفسرًا لقوله تعالى: ﴿فمن عفي﴾ (فالعفو أن يقبل) وليّ المقتول (الدية في العمد) ويترك الدم (قال) ابن عباس أيضًا: ﴿فاتباع بالمعروف﴾ [البقرة: ١٧٨] هو (أن يطلب) ولي المقتول الدّية من القاتل (بمعروف) ولأبي ذر أن يطلب بضم التحتية وفتح اللام مبنيًّا للمفعول (ويؤدّي) القاتل الدّية (بإحسان). وذكر الطبري عن الشعبي أن هذه الآية نزلت في حيّين من العرب كان لأحدهما طول على الآخر في الشرف فكانوا يتزوجون من نسائهم بغير مهر وإذا قتل منهم عبد قتلوا به حرًّا أو امرأة قتلوا بها رجلاً.
تنبيه:
قال في الفتح قوله فقال الله لهذه الأمة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ إلى هذه الآية ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ كذا وقع في رواية قتيبة ووقع هنا عند أبي ذر وأكثر ووقع هنا في رواية النسفيّ والقابسي إلى قوله: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ ووقع في رواية ابن أبي عمر في مسنده ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج إلى قوله في هذه الآية، وبهذا يظهر المراد وإلا فالأول يوهم أن قوله فمن عفي له في آية تلي الآية المبدوء بها وليس كذلك انتهى.
٩ - باب مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ
(باب) حكم (من طلب دم امرئ بغير حق).
٦٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِى الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِى الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن عبد الله بن أبي حسين) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بضم الحاء المهملة النوفلي نسبه إلى جده قال: (حدّثنا نافع بن جبير) بضم الجيم مصغرًا ابن مطعم القرشي (عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ قال):
(أبغض الناس إلى الله) أبغض أفعل التفضيل بمعنى المفعول من البغض وهو شاذ ومثله أعدم من العدم إذا افتقر وإنما يقال أفعل من كذا للمفاضلة في الفعل الثاني وقال في الصحاح وقولهم ما أبغضه لي شاذ لا يقاس عليه والبغض من الله إرادة إيصال المكروه والمراد بالناس المسلمون (ثلاثة) امرؤ (ملحد) بضم الميم وسكون اللام وكسر الحاء بعدها دال مهملتين مائل عن القصد (في الحرام) المكي. قال سفيان الثوري في تفسيره عن السدي عن مرة عن عبد الله يعني ابن مسعود: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه ولو أن رجلاً بعدن أبين همّ أن يقتل رجلاً بهذا البيت لأذاقه الله من عذاب أليم، وفي تفسير ابن أبي حاتم: حدّثنا أحمد بن سنان حدّثنا يزيد بن هارون أخبرنا شعبة عن السدّي أنه سمع مرّة يحدث عن عبد الله يعني ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم﴾ [الحج: ٢٥] قال لو أنّ رجلاً أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم. قال شعبة: هو رفعه لنا وأنا لا أرفعه لكم. قال يزيد: هو قد رفعه، ورواه أحمد عن يزيد بن هارون به. قال الحافظ ابن كثير: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري. ووقفه أشبه من رفعه ولهذا صمم شعبة على وقفه من كلام ابن مسعود وكذا رواه إسباط وسفيان الثوري عن السدي عن مرّة عن ابن مسعود انتهى.
واستشكل فإن ظاهره أنّ فعل الصغيرة في المحرم المكي أشدّ من فعل الكبيرة في غيره. وأجيب: بأن الإلحاد في العرف مستعمل في الخارج عن الدين فإذا وصف به من ارتكب معصية كان في ذلك إشارة إلى عظمها وقد يؤخذ ذلك من سياق قوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج: ٢٥] فإن الإتيان بالجملة الاسمية يفيد ثبوت الإلحاد ودوامه والتنوين للتعظيم فيكون إشارة إلى عظم الذنب، وقال ابن كثير: أي يهتم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار، وقوله: (بظلم) أي عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأوّل، وقال ابن عباس فيما رواه عنه عليّ بن أبي طلحة (بظلم) بشرك. وقال مجاهد: أن يعبد غير الله وهذا من خصوصيات المحرم فإنه يعاقب الناوي فيه الشر إذا كان عازمًا عليه ولو لم يوقعه.
(و) ثاني الثلاثة الذين هم أبغض الناس إلى الله (مبتغ) بضم الميم وسكون الموحدة وبعد الفوقية غين معجمة طالب (في الإسلام
стр. 4306
سنة الجاهلية) اسم جنس يعم جميع ما كان عليه أهل الجاهلية من الطيرة والكهانة والنوح وأخذ الجار بجاره وأن يكون له الحق عند شخص فيطلبه من
غيره، (ومطلب دم امرئ بغير حق) بضم الميم وتشديد الطاء وكسر اللام بعدها موحدة مفتعل من الطلب أي متطلب فأبدلت التاء طاء وأدغمت في الطاء أي المتكلف للطلب المبالغ فيه (ليهريق دمه) بضم التحتية وفتح الهاء وتسكن وخرج بقوله بغير حق من طلب بحق كالقصاص مثلاً.
وقال الكرماني، فإن قلت: الإهراق هو المحظور المستحق لمثل هذا الوعيد لا مجرد الطلب. وأجاب: بأن المراد الطلب المترتب عليه المطلوب أو ذكر الطلب ليلزم في الإهراق بالطريق الأولى ففيه مبالغة.
والحديث من أفراده.
١٠ - باب الْعَفْوِ فِى الْخَطَإِ بَعْدَ الْمَوْتِ
(باب العفو) من وليّ المقتول عن القاتل (في) القتل (الخطأ) بأن لم يقصد كأن زلق فوقع عليه (بعد الموت) يتعلق بالعفو أي بعد موت المقتول وليس المراد عفو المقتول إذ هو محال كما لا يخفى.
٦٨٨٣ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ. وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِى زَكَرِيَّا، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِى النَّاسِ يَا عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِى أَبِى فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ.
وبه قال: (حدّثنا فروة) بفتح الفاء وسكون الراء ولأبي ذر وابن عساكر فروة بن أبي المغراء بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها راء ممدودًا الكندي الكوفي قال: (حدّثنا عليّ بن مسهر) بضم الميم وسكون السين المهملة وبعد الهاء المكسورة راء أبو الحسن الكوفي الحافظ (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها قالت (هزم المشركون يوم) وقعة (أحد) بضم الهاء وكسر الزاي وسقط لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر من قوله عن أبيه إلخ، ولفظ عليّ بن مسهر سبق في باب من حنث ناسيًا من كتاب الأيمان والنذور وحوّل المصنف السند فقال.
(وحدّثني) بالإفراد (محمد بن حرب) الواسطي النشائي بالنون المكسورة والشين المعجمة بعدها مدّة كان يبيع النشاء قال: (حدّثنا أبو مروان يحيى بن أبي زكريا) وزاد ابن عساكر وأبو ذر عن المستملي يعني الواسطي واللفظ له لا لعلي بن مسهر (عن هشام عن) أبيه (عروة عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت: صرخ إبليس) بفتح الصاد المهملة والراء المخففة بعدها معجمة (يوم) وقعة (أحد في الناس) الذين يقاتلون (يا عباد الله) احذروا أو اقتلوا (أخراكم) بضم الهمزة وسكون الخاء المعجمة (فرجعت أولاهم على أخراهم) بضم الهمزة فيهما (حتى قتلوا اليمان) بفتح التحتية والميم المخففة وبعد الألف نون مكسورة مصحح عليها في الفرع وفي غيره بفتحها مصححًا
عليها أيضًا أي قتل المسلمون اليمان والد حذيفة (فقال حذيفة): هذا (أبي أبي) مرتين لا تقتلوه فلم يسمعوا منه (فقتلوه) خطأ ظانين أنه من المشركين (فقال حذيفة: غفر الله لكم). قال في الكواكب: فدعا لهم وتصدق بديته على المسلمين (قال: وقد كان انهزم منهم) أي من المشركين (قوم حتى لحقوا بالطائف). البلد المشهور.
والحديث سبق في باب صفة إبليس من كتاب بدء الخلق.
١١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢].
(باب قول الله تعالى) في سورة النساء: (﴿وما كان لمؤمن﴾) وما صح له ولا استقام وليس من شأنه (﴿أن يقتل مؤمناً﴾) ابتداء بغير حق (﴿إلاَّ خطأ﴾) صفة مصدر محذوف أي قتلاً خطأ أو على الحال أي لا يقتله في شيء من الأحوال إلا حال الخطأ أو مفعول له أي لا يقتله لعلة إلا للخطأ (﴿ومن قتل مؤمنًا﴾) قتلاً (﴿خطأ فتحرير رقبة﴾) مبتدأ والخبر محذوف أي فعليه تحرير رقبة أي عتقها والرقبة النسمة (﴿مؤمنة﴾) محكوم بإسلامها قيل لما أخرج نفسًا مؤمنة من جملة الإحياء لزمه أن يدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قيد الرقّ كإحيائها من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات إذ الرق أثر من آثار الكفر والكفر موت حكمًا أو من كان ميتًا فأحييناه وإنما وجب عليه ذلك لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ (﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾) مؤدّاة إلى ورثته عوضًا عما فاتهم من قريبهم يقتسمونها كما يقتسمون الميراث لا فرق بينها وبين سائر التركات فيقضى منها الدين وتنفذ الوصية إلى آخره وإنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله (﴿إلا أن يصدّقوا﴾) أي يتصدقوا عليه بالدّية أي يعفوا عنه فلا تجب
стр. 4307
(﴿فإن كان﴾) المقتول خطأ (﴿من قوم عدوّ لكم﴾) أعداء لكم أي كفرة محاربين والعدوّ يطلق على الجمع (﴿وهو﴾) أي المقتول (مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾) فعلى قاتله الكفارة دون الدّية لأهله إذ لا وراثة بينه وبينهم لأنهم محاربون (﴿وإن كان﴾) أي المقتول (﴿من قوم بينكم﴾) بين المسلمين (﴿وبينهم ميثاق﴾) عهد ذمة أو هدنة (﴿فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾) كالمسلم ولعله فيما إذا كان المقتول معاهدًا أو كان له وارث مسلم (﴿فمن لم يجد﴾) رقبة بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها (﴿فصيام شهرين﴾) فعليه صيام شهرين (﴿متتابعين﴾) لا إفطار بينهما بل يسرد صومهما إلى آخرهما فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيص أو نفاس استأنف (﴿توبة من الله﴾) أي قبولاً من الله ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعني شرع ذلك توبة منه أو فليتب توبة فهو نصب على
المصدر (﴿وكان الله عليمًا﴾) بما أمر (﴿حكيمًا﴾) [النساء: ٩٢] فيما قدر وسقط لأبي ذر وابن عساكر من قوله: (﴿ومن قتل مؤمنًا﴾) خطأ إلى (﴿حكيمًا﴾) وقالا بعد قوله: ﴿إلا خطأ) الآية وهذه الآية أصل في الدّيات فذكر فيها ديتين وثلاث كفارات ذكر الدّية والكفارة بقتل المؤمن في دار الإسلام والكفارة دون الدّية في قتل المؤمن في دار الحرب في صف المشركين إذا حضر معهم الصف فقتله مسلم، وذكر الدّية والكفارة في قتل الذمي في دار الإسلام، ولم يذكر المؤلّف في هذا الباب حديثًا عند الأكثر.
١٢ - باب إِذَا أَقَرَّ بِالْقَتْلِ مَرَّةً قُتِلَ بِهِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا أقر) شخص (بالقتل مرة) واحدة (قتل به) أي بذلك الإقرار وسقط لفظ باب للنسفي وقال بعد قوله خطأ الآية وإذا أقر إلى آخره ثم ذكر الحديث كغيره وحينئذٍ فيحتاج إلى مناسبة بين الآية والحديث ولم تظهر أصلاً فالصواب كما في الفتح إثبات الباب كما في رواية غير النسفيّ.
٦٨٨٤ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا أَفُلَانٌ أَفُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّىَ الْيَهُودِىُّ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فَجِئَ بِالْيَهُودِىِّ فَاعْتَرَفَ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ وَقَدْ قَالَ هَمَّامٌ: بِحَجَرَيْنِ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (إسحاق) غير منسوب. قال أبو علي الجياني: يشبه أن يكون ابن منصور قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (حبان). وقال الحافظ ابن حجر: ولا يبعد أن يكون إسحاق هذا ابن راهويه فإنه كثير الرواية عن حبان أي بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن هلال الباهلي قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى بن دينار البصري قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة ولأبي ذر عن قتادة أنه قال: (حدّثنا أنس بن مالك) ﵁ (أن يهوديًّا رضّ رأس جارية) دق رأسها (بين حجرين فقيل) مبني لما لم يسم فاعله والقائم مقام الفاعل ضمير المصدر أي قيل قول فقال النبي ﷺ (لها):
(من فعل بك هذا؟) استفهام ليعرف المتهم من غيره فيطالب فإن اعترف أقيم عليه الحكم (أفلان أفلان) فعل بك ذلك (حتى سمي اليهودي) بضم السين مبنيًّا للمفعول واليهودي رفع نائب الفاعل (فأومأت) بالهمز بعد الميم (برأسها) أن نعم (فجيء باليهودي) فسئل (فاعترف) بذلك فاعترف معطوف على محذوف (فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بالحجارة) بضم الراء من فرض مبنيًّا للمفعول والحجارة بالجمع (وقد قال همام بحجرين) بالتثنية.
ومطابقة الحديث للترجمة مأخوذة من إطلاق قوله فجيء باليهودي فاعترف فإنه لم يذكر فيه عددًا والأصل عدمه.
والحديث سبق في الأشخاص والوصايا والدّيات في باب من أقاد بالحجر وأخرجه بقية الجماعة والله الموفق.
١٣ - باب قَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ
(باب قتل الرجل بالمرأة).
٦٨٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَتَلَ يَهُودِيًّا بِجَارِيَةٍ قَتَلَهَا عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) ضم الزاي وفتح الراء آخره مهملة مصغرًا قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين ابن أبي عروبة (عن قتاة) بن دعامة (عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قتل يهوديًّا بجارية) بسببها (قتلها على أوضاح لها) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها ضاد معجمة فألف فحاء مهملة حلي من الدراهم الصحاح قاله الجوهري وسمي به لأنه من الفضة وهي بيضاء والواضح البياض وصرح في رواية بالحلي بدل الأوضاح.
ومطابقة الحديث للترجمة واضحة
стр. 4308
وفيه دليل على أن القتل بالحجر والمثقل الذي يحصل به القتل غالبًا يوجب القصاص وهو قول أكثر أهل العلم كمالك والشافعي ولم ير بعضهم القصاص إذا كان القتل بالمثقل وهو قول أصحاب أبي حنيفة.
١٤ - باب الْقِصَاصِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِى الْجِرَاحَاتِ
وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ وَيُذْكَرُ، عَنْ عُمَرَ تُقَادُ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ فِى كُلِّ عَمْدٍ يَبْلُغُ نَفْسَهُ فَمَا دُونَهَا مِنَ الْجِرَاحِ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِبْرَاهِيمُ وَأَبُو الزِّنَادِ عَنْ أَصْحَابِهِ وَجَرَحَتْ أُخْتُ الرُّبَيِّعِ إِنْسَانًا فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «الْقِصَاصُ».
(باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات. وقال أهل العلم): أي جمهورهم (يقتل الرجل بالمرأة. ويذكر) بضم أوّله (عن عمر) بن الخطاب ﵁ (تقاد المرأة من الرجل) بضم الفوقية بعدها قاف أي يقتص منها إذا قتلت الرجل (في كل) قتل (عمد يبلغ نفسه) نفس الرجل (فما دونها) دون النفس (من الجراح) في كل عضو من أعضائها عند قطعها من أعضائه وهذا وصله سعيد بن منصور من طريق النخعي قال كان فيما جاء به عروة البارقي إلى شريح من عند عمر قال: جرح الرجال والنساء سواء وسنده صحيح لكن لم يصح سماع النخعي من شريح، فلذا ذكر المؤلّف أثر عمر بصيغة التمريض.
(وبه) أي بما رواه عمر ﵁ (قال عمر بن عبد العزيز وإبراهيم) النخعي أخرج
ابن أبي شيبة من طريق الثوري عن جعفر بن برقان عن عمر بن عبد العزيز عن مغيرة عن إبراهيم النخعي قال القصاص بين الرجل والمرأة في العمد سواء (وأبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن أصحابه) كعبد الرحمن بن هرمز الأعرج والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير أخرج البيهقي من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: وكل من أدركت من فقهائنا وذكر السبعة في مشيخة سواهم أهل فقه وفضل ودين أنهم كانوا يقولون: المرأة تقاد بالرجل عينًا بعين وأذنًا بأذن وكل شيء من الجوارح على ذلك وإن قتلها قتل بها.
(وجرحت) بالجيم المفتوحة (أخت الربيع) بضم الراء وفتع الموحدة وتشديد التحتية المكسورة بعدها عين مهملة بنت النضر بنون مفتوحة فمعجمة ساكنة (إنسانًا فقال النبي ﷺ : القصاص). بالرفع في الفرع وفي غيره بالنصب على الإغراء، وللنسفي كتاب الله القصاص. وهذا طرف من حديث أخرجه مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانًا قال أبو ذر: كذا وقع هنا، والصواب الربيع بنت النضر عمة أنس، وقيل: الصواب وجرحت الربيع بحذف لفظ أخت وهو موافق لما في البقرة من وجه آخر عن أنس أن الربيع بنت النضر عمته كسرت ثنية جارية، وقد جزم ابن حزم بأنهما قضيتان صحيحتان وقعتا لامرأة واحدة إحداهما أنها جرحت إنسانًا فقضي عليها بالضمان والأخرى أنها كسرت ثنية جارية فقضي عليها بالقصاص.
٦٨٨٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِى عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَدَدْنَا النَّبِىَّ ﷺ فِى مَرَضِهِ فَقَالَ: «لَا تَلُدُّونِى» فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلاَّ لُدَّ غَيْرَ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ولأبي ذر زيادة ابن بحر الباهلي الصيرفي البصري قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا موسى بن أبي عائشة) الهمداني الكوني (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت: لددنا النبي ﷺ ¬) بفتح اللام والدال المهملة بعدها أخرى ساكنة ثم نون من اللدود أي جعلنا في أحد شقي فمه بغير اختياره دواء (في مرضه) الذي توفي فيه (فقال) ﷺ :
(لا تلدوني) بضم اللام (فقلنا) امتناعه (كراهية المريض للدواء) فرفع كراهية خبر مبتدأ محذوف ولأبي ذر كراهية بالنصب مفعولاً له أي نهانا لكراهته الدواء أي لم ينهنا نهي تحريم، بل كرهه كراهية المريض للدواء، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: الدواء بالألف واللام بدل لام الجر (فلما أفاق) ﷺ (قال: لا يبقى أحد منكم إلا لد) قصاصًا لفعلهم وعقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه
عن ذلك، وفيه إشارة إلى مشروعية القصاص من المرأة بما جنته على الرجل لأن الذين لدوه كانوا رجالاً ونساء وقد ورد التصريح في بعض طرقه بأنهم لدوا ميمونة وهي صائمة من أجل عموم الأمر (غير العباس) بنصب غير ولأبي ذر بالرفع فلا تلدوه (فإنه لم يشهدكم) أي يحضركم حالة اللدود.
وفي الحديث أخذ الجماعة بالواحد، وسبق في باب
стр. 4309
مرض النبي ﷺ ووفاته.
١٥ - باب مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ أَوِ اقْتَصَّ دُونَ السُّلْطَانِ
(باب من أخذ حقه) من جهة غريمه (أو اقتص) منه في نفس أو طرف (دون السلطان).
٦٨٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (أن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (حدّثه أنه سمع أبا هريرة) ﵁ (يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول):
(نحن الآخرون) في الدنيا (السابقون) وزاد أبو ذر يوم القيامة.
٦٨٨٨ - وَبِإِسْنَادِهِ «لَوِ اطَّلَعَ فِى بَيْتِكَ أَحَدٌ، وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ خَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ»
[الحديث ٦٨٨٨ - طرفه في: ٦٩٠٢].
(وبإسناده) أي الحديث السابق إلى النبي ﷺ أنه قال: (لو اطلع) بتشديد الطاء (في بيتك أحد ولم تأذن له) أن يطلع فيه (خذفته) بالخاء والذال المعجمتين المفتوحتين ففاء رميته (بحصاة) أي بأن جعلها بين إبهامه وسبابته (ففقأت عينه) فقلعتها أو أطفأت ضوءها ولأبي ذر حذفته بالحاء المهملة بدل المعجمة قال القرطبي الرواية بالمهملة خطأ لأن في نفس الخبر أنه الرمي بالحصاة وهو بالمعجمة جزمًا (ما كان عليك من جناح). بضم الجيم من إثم ولا مؤاخذة. وفي رواية صححها ابن حبان والبيهقي: فلا قول ولا دية وهذا مذهب الشافعية، وعبارة النووي ومن نظر إلى حرمه في داره من كوّة أو ثقب فرماه بخفيف كحصاة فأعماه أو أصاب قرب عينه فجرحه فمات فهدر بشرط عدم محرم وزوجة للناظر اهـ.
والمعنى فيه المنع من النظر وإن كانت حرمه مستورة أو منعطفة لعموم الأخبار ولأنه لا يدري متى تستتر وتنكشف فيحسم باب النظر وخرج بالدار المسجد والشارع ونحوهما، وبالثقب الباب والكوّة الواسعة، والشباك الواسع العيون ويقرب عينه ما لو أصاب موضعًا بعيدًا عنها فلا يهدر في الجميع. وقال المالكية الحديث خرج مخرج التغليظ وقوله في الحديث ولم يأذن احتراز عمن اطلع بإذن.
٦٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ فِى بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَدَّدَ إِلَيْهِ مِشْقَصًا فَقُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن حميد) الطويل (أن رجلاً) هو الحكم بن أبي العاص (اطلع) بتشديد الطاء (في بيت النبي ﷺ فسدد) بالسين المهملة وتشديد الدال المهملة الأولى كذا لأبي ذر والأصيلي أي صوّب (إليه) النبي ﷺ (مشقصًا) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة بعدها قاف مفتوحة فصاد مهملة منصوب على المفعولية النصل العريض ولأبي ذر عن الحموي والباقين فشدد بالشين المعجمة قال عياض هو وهم قال يحيى (فقلت) لحميد (من حدثك بهدا) الحديث؟ (قال): حدّثني به (أنس بن مالك) ﵁.
وهذا الحديث صورته في الأول مرسل لأن حميدًا لم يدرك القصة. وقوله: فقلت من حدثك بهذا؟ قال: أنس يدل على أنه مسند موصول.
١٦ - باب إِذَا مَاتَ فِى الزِّحَامِ أَوْ قُتِلَ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا مات) شخص (في الزحام أو قتل) ولابن بطال زيادة به أي بالزحام.
٦٨٩٠ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ: أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ فَصَاحَ إِبْلِيسُ أَىْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِىَ وَأُخْرَاهُمْ فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ فَقَالَ: أَىْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِى أَبِى قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ قَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا زَالَتْ فِى حُذَيْفَةَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد وللأصيلي حدّثنا ولأبي ذر أخبرنا (إسحاق بن منصور) الكوسج الحافظ قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (أبو أسامة) حماد بن أسامة (قال هشام: أخبرنا) هو من تقديم اسم الراوي على الصيغة وهو جائز أي قال أبو أسامة أخبرنا هشام (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: لما كان يوم) وقعة (أُحُد هزم المشركون) بضم الهاء وكسر الزاي مبنيًّا للمفعول (فصاح إبليس) في المسلمين (أي عباد الله) قاتلوا (أخراكم فرجعت أولاهم) لأجل قتال أخراهم ظانين أنهم من المشركين (فاجتلدت) بالجيم الساكنة فالفوقية فاللام فالدال المهملة المفتوحات ففوقية فاقتتلت (هي وأخراهم، فنظر حذيفة) بن اليمان (فإذا هو بأبيه اليمان) يقتله المسلمون يظنونه من المشركين (فقال: أي عباد) هذا (أبي) هذا (أبي) لا تقتلوه (قالت) عائشة (فوالله ما احتجزوا) بالحاء المهملة الساكنة ثم الفوقية والجيم المفتوحتين والزاي أي ما انفصلوا أو ما انكفوا عنه أو ما تركوه (حتى قتلوه. فقال حذيفة) معتذرًا عنهم لكونهم قتلوه ظانين
أنه من المشركين (غفر الله لكم. قال عروة) بالسند المذكور (فما زالت في حذيفة منه) أي من ذلك
стр. 4310
الفعل وهو العفو أو من قتلهم لأبيه (بقية) أي من حزن على أبيه ولأبي ذر والأصيلي بقية خير أي من دعاء واستغفار لقاتل أبيه (حتى لحق بالله) .
وعند السراج في تاريخه من طريق عكرمة أن والد حذيفة قتل يوم أحد قتله بعض المسلمين وهو يظن أنه من المشركين فوداه رسول الله ﷺ ورجاله ثقات مع إرساله، وفي المسألة مذاهب فقيل تجب ديته في بيت المال لأنه مات بفعل قوم من المسلمين فوجبت ديته في بيت مال المسلمين، وقيل تجب على جميع من حضر لأنه مات بفعلهم فلا يتعداهم إلى غيرهم. وقال الشافعي: يقال لوليه ادّع على من شئت واحلف فإن حلفت استحقيت الدّية، وإن نكلت حلف المدعى عليه على النفي وسقطت المطالبة وتوجيهه أن الدم لا يجب إلا بالطلب. وقال مالك دمه هدر لأنه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد.
١٧ - باب إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً فَلَا دِيَةَ لَهُ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا قتل) شخص (نفسه خطأ فلا دية له) قال الإسماعيلي ولا إذا قتلها عمدًا أي فلا مفهوم لقوله خطأ. قال في الفتح: والذي يظهر أن البخاري إنما قيد بالخطأ لأنه على الخلاف.
٦٨٩١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَسْمِعْنَا يَا عَامِرُ مِنْ هُنَيْهَاتِكَ فَحَدَا بِهِمْ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَنِ السَّائِقُ»؟ قَالُوا: عَامِرٌ فَقَالَ: «﵀» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلاَّ أَمْتَعْتَنَا بِهِ فَأُصِيبَ صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ فَقَالَ الْقَوْمُ: حَبِطَ عَمَلُهُ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِى وَأُمِّى زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: «كَذَبَ مَنْ قَالَهَا، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ وَأَىُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ».
وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) الحنظلي البلخي الحافظ قال: (حدّثنا يزيد بن أبي عبيد) بضم العين مولى سلمة بن الأكوع (عن) مولاه (سلمة) بن الأكوع أبي مسلم واسم الأكوع سنان بن عبد الله ﵁ أنه (قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر) قرية كانت لليهود على نحو أربع مراحل من المدينة (فقال رجل منهم): هو أسيد بن حضير (أسمعنا) بكسر الميم (يا عامر) هو ابن سنان عم سلمة بن الأكوع (من هنيهاتك) بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية بعدها هاء فألف ففوقية فكاف أراجيزك ولابن عسكر وأبي ذر عن الكشميهني من هنياتك بتحتية مشددة بدل الهاء الثانية تصغير هناتك واحدة هناة وتقلب الياء هاء كما في الرواية الأولى (فحدا) عامر (بهم) أي ساقهم منشدًا للأراجيز يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا
إلى آخر الأبيات.
(فقال النبي ﷺ : من السائق؟ قالوا) هو (عامر. فقال) ﷺ ﵀ قالوا: يا رسول الله هلا أمتعتنا به؟) بهمزة مفتوحة وسكون الميم بحياة عامر قبل إسراع الموت له لأنه ﷺ ما قال مثل ذلك لأحد ولا استغفر لإنسان قط يخصه بالاستغفار عند القتال إلا استشهد، وفي غزوة خيبر قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله لولا أمتعتنا به، ووقع في مسلم أن هذا الرجل هو عمر بن الخطاب (فأصيب) عامر (صبيحة ليلته) تلك وذلك أن سيفه كان قصيرًا فتناول به يهوديًا ليضربه به فرجع ذبابه فأصاب ركبته، ولم يذكر في هذه الطريق كيفية قتله على عادته ﵀ في ذكر الترجمة بالحكم، ويكون قد أورد ما يدل على ذلك صريحًا في مكان آخر حرصًا على عدم التكرار بغير فائدة وليبعث الطالب على تتبع طرق الحديث والاستكثار منها ليتمكن من الاستنباط (فقال القوم): ومنهم أسيد بن حضير كما عند المؤلّف في الأدب (حبط عمله) بكسر الموحدة أي بطل لأنه (قتل نفسه فلما رجعت وهم يتحدثون أن عامرًا حبط عمله) قال سلمة (فجئت إلى النبي ﷺ فقلت: يا نبي الله) ولأبي ذر يا رسول الله (فداك) بفتح الفاء (أبي وأمي زعموا أن عامرًا حبط عمله. فقال) ﷺ (كذب من قالها) أي كلمة حبط عمله (إن له لأجرين) أجر الجهد في الطاعة وأجر الجهاد في سبيل الله واللام في لأجرين للتأكيد (اثنين) تأكيد لأجرين (إنه لجاهد) مرتكب للمشقة في الخير (مجاهد) في سبيل الله (وأي قتل) بفتح القاف وسكون الفوقية (يزيده عليه) أي يزيد الأجر على أجره، ولأبي ذر عن الكشميهني: وأي قتيل بكسر الفوقية وزيادة تحتية ساكنة يزيد عليه بإسقاط الهاء من يزيده، وللأصيلي وأي قتيل يزيده.
وهذا الحديث حجة لجمهور أن من قتل نفسه لا يجب فيه شيء إذ لم ينقل أنه ﷺ أوجب في هذه القصة شيئًا وقال الكرماني: والظاهر أن قوله أي في الترجمة فلا دية له لا وجه له
следующие страницы →