Полный текст (4 743 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
والفرض أنه أصاب (قد سبق الفرث) بفتح الفاء وسكون الراء بعدها مثلثة السرجين ما دام في الكرش (والدم) أي جاوزهما ولم يعلق فيه منهما شيء بل خرجا بعده شبه خروجهم من الدين وكونهم لم يتعلقوا بشيء منه بخروج ذلك السهم. وفي مسندي الحميدي وابن أبي عمر من طريق أبي بكر مولى الأنصار عن علي أن ناسًا يخرجون من الذين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه أبدًا (آيتهم) علامتهم (رجل إحدى يديه) بالتثنية (أو قال: ثدييه) بالتثنية أيضًا والشك هل هي تثنية يد بالتحتية أو ثدي بالمثلثة ولأبي ذر عن المستملي ثدييه أي من غير شك قال في الفتح بالمثلثة فيهما فالشك عنده هو الثدي بالإفراد أو التثنية؟ قال ووقع في رواية الأوزاعي إحدى يديه تثنية يد ولم يشك وهو المعتمد ففي رواية شعيب ويونس إحدى عضديه (مثل ثدي المرأة) بالمثلثة والإفراد (أو قال: مثل البضعة) بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة أي القطعة من اللحم (تدردر) بفتح الفوقية والدالين المهملتين بينهما راء ساكنة آخره راء أخرى وأصله تتدردر فحذفت إحدى التاءين أي تتحرك وتجيء وتذهب، ولمسلم من رواية زيد بن وهب عن علي وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضد ليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض، وعند الطبري من طريق طارق بن زياد عن علي في يده شعرات سود (يخرجون على حين فرقة من الناس) بكسر الحاء المهملة وبعد التحتية الساكنة نون وبضم فاء فرقة أي زمان افتراق الناس ولأبي ذر عن المستملي على خير فرقة بالخاء المعجمة وبعد التحتية راء وفرقة بكسر الفاء. قال في فتح الباري: والأول المعتمد وهو الذي في مسلم وغيره وإن كان الآخر صحيحًا أي أفضل طائفة.
(وقال أبو سعيد الخدري) ﵁ بالسند السابق (أشهد) أني (سمعت) هذا الحديث (من النبي ﷺ وأشهد أن عليًّا) ﵁ (قتلهم) بالنهروان (وأنا معه) وفي رواية أفلح بن عبد الله عند أبي يعلى وحضرت مع علي يوم قتلهم بالنهروان، وعند الإمام أحمد والطبراني والحاكم من طريق عبيد الله بن شداد أنه دخل على عائشة مرجعه من العراق ليالي قتل علي فقالت له عائشة ﵂: تحدثني عن أمر هؤلاء القوم الذين قتلهم علي قال: إن عليًّا لما كاتب معاوية وحكما الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قرّاء الناس فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة وعتبوا عليه فقالوا انسلخت من قميص ألبسكه الله ومن اسم سمّاك الله به ثم حكمت الرجال في دين الله ولا حكم إلا لله، فبلغ ذلك عليًّا ﵁ فجمع الناس فدعا بمصحف عظيم فجعل يضربه بيده ويقول: أيها المصحف حدّث الناس فقالوا ما ذا إنسان إنما هو مداد وورق ونحن نتكلم بما رويناه منه فقال كتاب الله بيني وبين هؤلاء يقول الله في امرأة رجل ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ [النساء: ٣٥] الآية وأمة محمد ﷺ أعظم من امرأة رجل ونقموا عليَّ
أن كاتبت معاوية وقد كاتب رسول الله ﷺ سهيل بن عمرو ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] ثم بعث إليهم ابن عباس فناظرهم فرجع منهم أربعة آلاف فيهم عبد الله بن الكواء فبعث علي إلى الآخرين أن يرجعوا فأبوا فأرسل إليهم كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دمًا حرامًا ولا تقطعوا سبيلاً ولا تظلموا أحدًا فإن فعلتم نبذت إليكم الحرب. قال عبد الله بن شداد: فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدم الحرام الحديث. (جيء بالرجل) الذي قال ﷺ فيه: "إحدى يديه مثل ثدي المرأة" (على النعت الذي نعته النبي ﷺ ¬) أي على الوصف الذي وصفه وفي رواية أفلح فالتمسه علي فلم يجده ثم وجده بعد ذلك تحت جدار على هذا النعت وعند الطبري من طريق زيد بن وهب فقال عليّ: اطلبوا ذا الثدية فطلبوه فلم يجدوه فقال ما كذبت وما كذبت فطلبوه فوجدوه في وهدة من الأرض عليه ناس من القتلى فإذا رجل على يده مثل سلات السنور فكبّر عليّ
стр. 4342
والناس.
(قال) أبو سعيد (فنزلت فيه) في الرجل المذكور ولأبي ذر عن الحموي فيهم في الحرورية ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ [التوبة: ٥٨] أي يعيبك في قسم الصدقات حيث قال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. قال الحافظ ابن كثير: قال قتادة: وذكر لنا أن رجلاً من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى نبي الله ﷺ وهو يقسم ذهبًا وفضة فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت فقال نبي الله ﷺ "ويلك فمن ذا يعدل عليك بعدي" ثم قال نبي الله ﷺ "احذروا هذا وأشباهه فإن في أمتي أشباه هذا يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم فإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم".
٦٩٣٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ، حَدَّثَنَا يُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ فِى الْخَوَارِجِ شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَأَهْوَى بِيَدِهِ قِبَلَ الْعِرَاقِ: «يَخْرُجُ مِنْهُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة المنقري البصري ويقال له التبوذكى قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا الشيباني) بفتح الشين المعجمة سليمان قال: (حدّثنا يسير بن عمرو) بضم التحتية وفتح السين المهملة وسكون التحتية بعدها راء ابن عمرو بفتح العين أو ابن جابر الكوفي وقيل أصله أسير فسهلت الهمزة وله رؤية (قال: قلت لسهل بن حنيف) بفتح السين المهملة وسكون الهاء وحنيف بضم الحاء المهملة وفتح النون آخره فاء الأنصاري البدري (هل سمعت النبي ﷺ يقول في الخوارج شيئًا؟ قال: سمعته يقول وأهوى بيده) مدّها (قِبل العراق) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهته وعند مسلم من طريق عليّ بن مسهر عن الشيباني نحو المشرق.
(يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم) بالفوقية والقاف جمع ترقوة قال في القاموس. العظم ما بين ثغرة النحر والعاتق يعني أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها لعلمه تعالى باعتقادهم (يمرقون من الإسلام مروق السهم) أي كمروق السهم (من الرمية).
والحديث أخرجه مسلم في الزكاة والنسائي في فضائل القرآن.
٨ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ»
(باب قول النبي ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعوتهما واحدة). ولأبي ذر دعواهما بألف بعد الواو بدل الفوقية.
٦٩٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا عليّ) بن عبد الله المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله- ﷺ ¬):
(لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان) جماعتان جماعة عليّ وجماعة معاوية (دعواهما واحدة) أي كل واحد منهما يدعي أنه على الحق وصاحبه على الباطل بحسب اجتهادهما.
والحديث بهذا السند من إفراده.
٩ - باب مَا جَاءَ فِى الْمُتَأَوِّلِينَ
(باب ما جاء) من الأخبار (في) حق (المتأولين).
٦٩٣٦ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِىَّ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ، لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِى الصَّلَاةِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ أَوْ بِرِدَائِى فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِى هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِى سَمِعْتُكَ تَقْرَؤُهَا، فَانْطَلَقْتُ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ يَا: رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا وَأَنْتَ أَقْرَأْتَنِى سُورَةَ الْفُرْقَانِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ
اقْرَأْ يَا هِشَامُ» فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِى سَمِعْتُهُ يَقْرَؤُهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْرَأْ يَا عُمَرُ» فَقَرَأْتُ فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ».
(قال أبو عبد الله) البخاري وسقط قال أبو عبد الله لأبي ذر (وقال الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري الإمام المشهور مما وصله الإسماعيلي عن كاتب الليث عنه قال (حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد؟ الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن المسور بن مخرمة) بن نوفل الزهري أبا عبد الرحمن له صحبة (وعبد الرحمن بن عبد القاريّ) بتشديد التحتية من غير همزة والقارة هم ولد الهون بن خزيمة أخي أسد بن خزيمة ولد على عهده ﷺ ليس له منه سماع ولا رؤية (أخبراه أنهما سمعا عمر بن الخطاب) ﵁ (يقول: سمعت هشام بن حكيم) بفتح الحاء المهملة ابن حزام الأسدي (يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأها) ولأبي ذر يقرؤها بالواو وصورة الهمزة بدل الألف (على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ كذلك فكدت أساوره) بضم الهمزة بعدها سين مهملة أي أواثبه وأحمل عليه وهو (في الصلاة فانتظرته حتى سلم) منها (ثم) ولأبي ذر فلما سلم (لببته بردائه) بتشديد الموحدة الأولى مفتوحة وسكون الثانية جمعته عند صدره وبالتخفيف أيضًا (أو بردائي) شك من الراوي (فقلت
стр. 4343
من أقرأك هذه السورة قال أقرأنيها رسول الله ﷺ قلت) ولأبي ذر فقلت (له كذبت فوالله إن رسول الله ﷺ اقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرأها) ولأبي ذر تقروها بالواو بدل الهمزة وفيه إطلاق التكذيب على غلبة الظن فإن عمر إنما فعل ذلك عن اجتهاد منه لظنه أن هشامًا خالف الصواب قال عمر (فانطلقت) به (أقوده) أجره بردائه (إلى رسول الله ﷺ فقلت له يا رسول الله إني سمعت هذا) هشامًا (يقرأ بسورة الفرقان) بباء الجر في بسورة (على حروف لم تقرئنيها وأنت أقرأتني سورة الفرقان فقال رسول الله ﷺ ¬):
(أرسله يا عمر) بهمزة قطع أي أطلقه ثم قال ﵊ (اقرأ يا هشام فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأها قال): ولأبي ذر فقال (رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت ثم قال رسول الله ﷺ : اقرأ يا عمر فقرأت فقال: هكذا أنزلت ثم قال) ﷺ تطييبًا لقلب عمر لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) أي لغات (فاقرؤوا ما تيسر منه). أي من المنزل.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه ﷺ لم يؤاخذ عمر بتكذيبه لهشام ولا بكونه لببه بردائه وأراد الإيقاع به بل صدق هشامًا فيما نقله وعذر عمر في إنكاره وسبق في باب كلام الخصوم بعضهم في بعض في كتاب الأشخاص.
٦٩٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ ح حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ: ﴿يَا بُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: وحدّثنا (إسحاق بن إبراهيم) المشهور بابن راهويه قال: (أخبرنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجراح (ح) لتحويل السند.
(حدّثنا) ولأبي ذر: وحدّثنا (يحيى) بن موسى المعروف بخت قال: (حدّثنا وكيع عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: لما أنزلت هذه الآية) التي في سورة الأنعام (﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم﴾) أي لم يخلطوه (﴿بظلم﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال: رسول الله ﷺ ¬):
(ليس كما تظنون) أنه الظلم مطلقًا (إنما هو كما قال لقمان لابنه ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾) [لقمان: ١٣] لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه وبين من لا نعمة منه أصلاً.
ووجه المطابقة بين الحديث والترجمة من حيث إنه ﷺ لم يؤاخذ الصحابة بحملهم الظلم في الآية على عمومه حتى يتناول كل معصية بل عذرهم لأنه ظاهر في التأويل ثم بين لهم المراد بما رفع الإشكال.
والحديث سبق في أول كتاب استتابة المرتدين.
٦٩٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: غَدَا عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَلَا تَقُولُوهُ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِى بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» قَالَ: بَلَى قَالَ: «فَإِنَّهُ لَا يُوَافَي عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال (أخبرني) بالإفراد (محمود بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة الخزرجي الصحابيّ الصغير وجل روايته عن الصحابة
(قال: سمعت) ولأبي ذر عن الكشميهني: سمع (عتبان بن مالك) بكسر العين وسكون الفوقية ابن عجلان الأنصاري الصحابي (يقول: غدا علي) بتشديد التحتية (رسول الله ﷺ ¬) فيه حذف ذكره في باب المساجد في البيوت من طريق عقيل عن الزهري يلفظ: إنه أي عتبان أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم ووددت يا رسول الله إنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلّى قال فقال له رسول الله ﷺ : "سأفعل إن شاء الله" قال عتبان: فغدا عليّ رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له فلم يجلس حين دخل البيت ثم قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك" قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله -صَلَّى اللَّهُ
стр. 4344
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فكبر فقمنا فصفقنا فصلّى ركعتين ثم سلم قال وحبسناه على خزيرة صنعناها له قال: فثاب في البيت رجال من أهل الدار ذوو عدد فاجتمعوا (فقال: رجل) منهم لم يسم (ابن مالك بن الدخشن)؟ بضم الدال المهملة وسكون الخاء وضم الشين المعجمة آخره نون (فقال رجل منا): قيل هو عتبان بن مالك الراوي (ذلك) باللام ولأبي ذر بإسقاطها أي ابن الدخشن (منافق لا يحب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : ألا) بتخفيف اللام بعد الهمزة المفتوحة (تقولوه) تظنوه (يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) والقول بمعنى الظن كثير أنشد سيبويه:
أما الرحيل فدون بعد غد … فمتى تقول الدار تجمعنا
يعني: فمتى تظن الدار تجمعنا، والبيت لعمر بن أبي ربيعة المخزومي، وقيل مقتضى القياس تقولونه بالنون. وأجيب: بأنه جائز تخفيفًا قالوا حذف نون الجمع بلا ناصب وجازم لغة فصيحة أو هو خطاب لواحد والواو حدثت من إشباع الضمة، ولأبي ذر عن الكشميهني: ألا تقولونه بإثبات الهمزة قبل لا ونون الجمع، ولأبي ذر أيضًا عن الكشميهني والمستملي لا بلفظ النهي تقولوه بحذت النون. قال في الفتح: الذي رأيته لا تقولوه بغير ألف أوله وهو موجه وتفسير القول بالظن فيه نظر والذي يظهر أنه بمعنى الرؤية أو السماع اهـ.
ونقل في التوضيح عن ابن بطال أن القول بمعنى الظن كثير بشرط كونه في المخاطب وكونه مستقبلاً ثم أنشد البيت المذكور مضافًا إلى سيبويه وللأصيلي مما في الفرع كأصله إلا بإثبات الهمزة وتشديد اللام تقولوه بحذف النون.
(قال) الرجل المفسر بعتبان فيما قيل: (بلى، قال) ﷺ : (فإنه لا يوافي) بكسر الفاء وفي اليونينية بفتحها (عبد يوم القيامة به) أي بالتوحيد (إلاّ حرم الله عليه النار) إذا أدى الفرائض واجتنب المناهي أو الاراد تحريم التخليد جميعًا بين الأدلة.
والحديث سبق في الباب المذكور ومطابقته هنا للترجمة من حيث إنه ﷺ لم يؤاخذ القائلين في حق ابن الدخشن بما قالوا بل بين لهم أن إجراء أحكام الإسلام على الظاهر دون الباطن.
٦٩٣٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ فُلَانٍ قَالَ: تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِحِبَّانَ: لَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِى جَرَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ يَعْنِى عَلِيًّا قَالَ: مَا هُوَ لَا أَبَا لَكَ، قَالَ شَىْءٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ: قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالزُّبَيْرَ وَأَبَا مَرْثَدٍ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ قَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ حَاجٍ» قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: هَكَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ حَاجٍ «فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِى بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأْتُونِى بِهَا»، فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفْرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا وَكَانَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فَقُلْنَا: أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِى مَعَكِ؟ قَالَتْ: مَا مَعِى كِتَابٌ، فَأَنَخْنَا بِهَا بَعِيرَهَا فَابْتَغَيْنَا فِى رَحْلِهَا فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا فَقَالَ صَاحِبِى: مَا نَرَى مَعَهَا كِتَابًا قَالَ: فَقُلْتُ لَقَدْ عَلِمْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ حَلَفَ عَلِىٌّ وَالَّذِى يُحْلَفُ بِهِ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لأُجَرِّدَنَّكِ، فَأَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهْىَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ، فَأَخْرَجَتِ الصَّحِيفَةَ، فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ دَعْنِى فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا حَاطِبُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِى أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنِّى أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِى عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يُدْفَعُ بِهَا عَنْ أَهْلِى وَمَالِى، وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلاَّ لَهُ هُنَالِكَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. قَالَ: «صَدَقَ لَا تَقُولُوا لَهُ إِلاَّ خَيْرًا» قَالَ: فَعَادَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ دَعْنِى فَلأَضْرِبَ عُنُقَهُ قَالَ: «أَوَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمُ الْجَنَّةَ» فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ أَبُو عَبْد الله: خاخٍ أَصَحُّ، وَلَكِنْ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو عَوَانَةَ: حاجٍ وَحَاجٌ تَصْحيفٌ، وَهُوَ مَوْضِعٌ وَهُشَيْمٌ يَقُولُ: خاخٍ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي أبي الهذيل الكوفي (عن فلان) في روايتي أبي ذر والأصيلي هو سعد بن عبيدة وكذا وقع في رواية هشيم في الجهاد وعبد الله بن إدريس في الاستئذان وهو سلمي كوفي يكنى أبا حمزة وكان زوج بنت أبي عبد الرحمن السلمي شيخه في هذا الحديث أنه (قال: تنازع أبو عبد الرحمن) عبد الله بن ربيعة بفتح الموحدة وتشديد التحتية السلمي الكوفي المقرئ المشهور بكنيته ولأبيه صحبة (وحبان بن عطية) السلمي بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة وعند أبي ذر بفتحها وهو وهم قال في التقريب لا أعرف له رواية وإنما له ذكر في البخاري وهو من الطبقة الثانية (فقال أبو عبد الرحمن لحبان: لقد علمت الذي) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي علمت من الذي وله عن الكشميهني ما (جرأ)
بفتح الجيم والراء المشددة والهمزة أقدم (صاحبك على) إراقة (الدماء) أي دماء المسلمين (يعني عليًّا) ﵁ (قال) حبان (ما هو) الذي جرأه (لا أبالك) قال في الكواكب: جوزوا هذا التركيب تشبيهًا بالمضاف وإلاّ فالقياس لا أب لك وهو مما يستعمل دعامة للكلام ولا يراد به الدعاء عليه حقيقة اهـ. وهي كلمة تقال عند الحث على الشيء والأصل فيه أن الإنسان إذا وقع في شدة عاونه أبوه، فإذا قيل لا أبا لك فمعناه ليس لك أب جدّ في الأمر جدّ من ليس له معاون، ثم أطلق في الاستعمال في مواضع استبعاد ما يصدر من المخاطب من قول أو فعل (قال) أبو عبد الرحمن (شيء) جرأه (سمعته يقوله) صفة لشيء والضمير المنصوب فيه يرجع
стр. 4345
إلى شيء ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي يقول بحذف ضمير النصب (قال) حبان (ما هو؟) أي ذلك الشيء (قال) أبو عبد الرحمن قال علي (بعثني رسول الله ﷺ والزبير) بن العوّام (وأبا مرثد) بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة كنازًا بفتح الكاف والنون المشددة وبعد الألف زاي الغنوي بالغين المعجمة والنون المفتوحتين، وقوله والزبير نصب عطفًا على نون الوقاية لأن محلها النصب وفي مثل هذا العطف خلاف بين البصريين والكوفيين ومثله قراءة حمزة والأرحام بالخفض عطفًا على الضمير المجرور في به من غير إعادة الجار وهو مذهب كوفي لا يجيزه البصريون، وقد ذكرت مبحثه في كتابي الكبير في القراءات الأربعة عشر.
وسبق في غزوة الفتح من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن علي ذكر المقداد بدل أبي مرثد فيحتمل أن الثلاثة كانوا مع علي، وفي باب الجاسوس أنا والزبير والمقدام أي بالميم قال في الكواكب: ذكر القليل لا ينفي الكثير (وكلنا فارس) أي راكب فرسًا (قال):
(انطلقوا حتى تأتوا روضة حاج) بحاء مهملة وبعد الألف جيم موضع قريب من مكة أو بقرب المدينة نحو اثني عشر ميلاً (قال أبو سلمة) موسى بن إسماعيل شيخ المؤلّف فيه: (هكذا قال أبو عوانة) الوضاح (حاج) بالحاء المهملة والجيم. قال أبو ذر: كذا الرواية هنا، والصواب خاخ بخاءين معجمتين. قال النووي، قال العلماء: هو غلط من أبي عوانة وكأنه اشتبه عليه بمكان آخر يقال له ذات حاج بالحاء المهملة والجيم وهو موضع بين المدينة والشأم يسلكه الحاج والأصح خاخ بمعجمتين (فإن فيها امرأة) اسمها سارة كما عند ابن إسحاق أو كنود كما عند الواقدي (معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة) بالحاء والطاء المهملتين بينهما ألف آخره موحدة وبلتعة بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الفوقية والعين المهملة (إلى المشركين) بمكة (فائتوني بها) بالصحيفة (فانطلقنا على أفراسنا حتى أدركناها حيث قال لنا رسول) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ ¬) حال كونها (تسير على بعير لها. وكان) ولأبي ذر وقد كان أي حاطب (كتب إلى أهل مكة) صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل يخبرهم (بمسير رسول الله ﷺ إليهم) ولفظ الكتاب ذكرته في الجهاد وعند الواقدي فأتاها حاطب فكتب معها كتابًا إلى أهل مكة أن رسول الله ﷺ يريد أن يغزو فخذوا حذركم (فقلنا) لها (أين الكتاب الذي معك؟ قالت: ما معي كتاب فأنخنا بها بعيرها فابتغينا) أي طلبنا (هـ في رحلها فما وجدنا شيئًا فقال صاحبي) وفي نسخة صاحباي الزبير
وأبو مرثد (ما نرى معها كتابًا قال) علي: (فقلت) لهما (لقد علمنا) ولأبي ذر عن الكشميهني لقد علمتما (ما كذب رسول الله ﷺ ثم حلف علي) ﵁ (والذي يحلف به) فقال والله (لتخرجن الكتاب) بضم الفوقية وكسر الراء والجيم (أو لأجردنك) من ثيابك حتى تصيري عريانة (فأهوت) مالت بيدها (إلى حجزتها) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم بعدها زاي معقد إزارها (وهي محتجزة بكساء) شدته على وسطها زاد في حديث أنس عند ابن مردويه فقالت أدفعه إليكما على أن لا ترداني إلى النبي ﷺ واختلف في إسلامها والأكثر على أنها على دين قومها وقد عدت فيمن أهدر النبي ﷺ دمهم يوم الفتح لأنها كانت تغني بهجاء أصحابه (فأخرجت الصحيفة فأتوا بها) بالصحيفة (رسول الله ﷺ ¬) فقرئت عليه (فقال عمر) ﵁: (يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فأضرب) بالنصب (عنقه) وفي غزوة الفتح دعني أضرب عنق هذا المنافق (فقال رسول الله ﷺ يا حاطب ما حملك على ما صنعت قال: يا رسول الله ما لي) ولأبي ذر عن المستملي ما بي بالموحدة بدل اللام وهي أوجه (أن لا) بفتح الهمزة (أكون مؤمنًا بالله ورسوله) ولأبي ذر وبرسوله وفي رواية ابن عباس والله أني لنا صح لله ورسوله
стр. 4346
(ولكني أردت أن يكون لي عند القوم) مشركي مكة (يد) منة (يدفع بها) بضم التحتية وفي نسخة يدفع الله بها (عن أهلي ومالي وليس من أصحابك أحد إلا له هنالك) أي بمكة، ولأبي ذر عن الكشميهني: هناك بإسقاط اللام (من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله قال) ﷺ : (صدق) حاطب ويحتمل أن يكون عرف صدقه بما ذكره أو بوحي (لا) ولأبي ذر ولا (تقولوا له إلا خيرًا قال) عليّ (فعاد عمر) إلى قوله الأول في حاطب (فقال: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني) ولأبي ذر عن الكشميهني فدعني (فلأضرب عنقه) بكسر اللام والنصب.
قال في الكواكب وهو في تأويل مصدر محذوف وهو خبر مبتدأ محذوف أي اتركني لأضرب عنقه فتركك لي من أجل الضرب ويجوز سكون الباء والفاء زائدة على رأي الأخفش واللام للأمر ويجوز فتحها على لغة سليم وتسكينها مع الفاء على لغة قريش وأمر المتكلم نفسه باللام فصيح قليل الاستعمال ذكره ابن مالك في قوموا فلأصل لكم وبالرفع أي فوالله لأضرب، واستشكل قول عمر ثانيًا دعني أضرب عنقه بعد قول النبي ﷺ (صدق ولا تقولوا له إلا خيرًا) وأجيب: بأن عمر ظن أن صدقه في عذره لا يدفع عنه ما وجب عليه من القتل.
(قال) ﷺ : (أوليس من أهل بدر) استفهام تقريري وزاد الحارث عند أبي يعلى فقال عمر: بلى ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك فقال ﵊ (وما يدريك) يا عمر (لعل الله اطلع عليهم) على أهل بدر (فقال اعملوا ما شئتم) في المستقبل (فقد أوجبت لكم الجنة) وفي غزوة الفتح فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم أي إن ذنوبهم تقع مغفورة حتى لو تركوا فرضًا مثلاً لم يؤاخذوا بذلك، ويؤيده حديث سهل بن الحنظلية في قصة الذي حرس ليلة حنين فقال له النبي ﷺ هل نزلت الليلة؟ قال: لا إلا لقضاء حاجة قال: لا عليك أن لا تعمل بعدها والمتفق عليه أن أهل بدر مغفور لهم فيما يتعلق بالآخرة أما الحدود في الدنيا فلا فلقد جلد مسطحًا في
قصة الإفك (فاغرورقت عيناه) بالغين المعجمة الساكنة والراءين بينهما واو ساكنة ثم قاف افعوعلت من الغرق أي امتلأت عينا عمر من الدموع حتى كأنها غرقت (فقال) عمر ﵁ (الله ورسوله أعلم).
(قال أبو عبد الله) البخاري (خاخ) بالمعجمتين (أصح، ولكن كذا قال أبو عوانة) الوضاح (حاج) بالحاء المهملة ثم الجيم (وحاج) بالمهملة والجيم (تصحيف وهو موضع) بين مكة والمدينة (وهيثم) بفتح الهاء وبعد التحتية الساكنة مثلثة كذا في الفرع ولعله سبق قلم والذي في اليونينية ووقفت عليه من الأصول المعتمدة وهشيم بضم الهاء وفتح الشين المعجمة مصغرًا ابن بشير الواسطي في روايته عن أبي حصين مما وصله في الجهاد (يقول خاخ) بالمعجمتين وقوله قال أبو عبد الله ثابت في رواية المستملي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨٩ - كتاب الإكراه
(كتاب الإكراه) بكسر الهمزة وسكون الكاف وهو إلزام الغير بما لا يريده.
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] وَقَالَ: ﴿إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]
وَهْىَ تَقِيَّةٌ وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] فَعَذَرَ اللَّهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَالْمُكْرَهُ لَا يَكُونُ إِلاَّ مُسْتَضْعَفًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: التَّقِيَّةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ فَيُطَلِّقُ لَيْسَ بِشَىْءٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِىُّ وَالْحَسَنُ وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ».
(وقول الله تعالى) في سورة النحل وقول بالجر عطفًا على سابقه وسقطت الواو لغير أبي ذر مع الرفع على الاستئناف (﴿إلا من أكره﴾) استثناء ممن كفر بلسانه في قوله من كفر بالله من بعد إيمانه ووافق المشركين بلفظه مكرهًا لما ناله من الضرب والأذى (﴿وقلبه مطمئن﴾) ساكن (﴿بالإيمان﴾) بالله ورسوله. وقال ابن جرير عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ (كيف تجد قلبك) قال مطمئنًّا بالإيمان قال النبي ﷺ : (إن عادوا فعد).
ورواه البيهقي بأبسط من هذا وفيه أنه سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير وأنه قال: يا رسول الله ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير قال: (كيف تجد قلبك)؟ قال: مطمئنًّا بالإيمان قال: (إن عادوا فعد). وفي ذلك أنزل الله ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾
стр. 4347
ومن
ثم اتفق على أنه يجوز أن يواتي المكره على الكفر إبقاء لمهجته والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله.
وعند ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة ﵃ أنه أسرته الروم فجاؤوا به إلى ملكهم فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوّجك ابنتي فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملك العرب على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت فقال: إذًا أقتلك. قال أنت وذاك. قال: فأمر به فصلب وأمر الرماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى ثم أمر به فأنزل ثم أمر بقدر، وفي رواية ببقرة من نحاس فأحميت وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر فإذا هو عظام يلوح وعرض عليه فأبى فأمر به أن يلقى فيها فرفع في البكرة ليلقى فيها فبكى فطمع فيه ودعاه فقال: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذا القدر الساعة في الله فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة فى جسدي نفس تعذب هذا العذب في الله، وروي أنه قبّل رأسه وأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب ﵁: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ فقام فقبل رأسه.
(﴿ولكن من شرح بالكفر صدرًا﴾) أي طاب نفسًا وأعتقده (﴿فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾) [النحل: ١٠٦] في الدار الآخرة لأنهم ارتدوا عن الإسلام للدنيا.
(وقال) جل وعلا في سورة آل عمران: (﴿إلاّ أن تتقوا منهم تقاة﴾) [آل عمران: ٢٨] قال البخاري آخذًا من كلام أبي عبيدة (وهي تقية) أي إلا أن تخافوا من جهة الكافرين أمرًا تخافون أي إلا أن يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينيذٍ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطال المعاداة.
(وقال) تعالى في سورة النساء: (﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾) ملك الموت وأعوانه وتوفاهم ماض أو مضارع أصله تتوفاهم حذفت ثانية تاءيه (﴿ظالمي أنفسهم﴾) حال من ضمير المفعول في توفاهم أي في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة (﴿قالوا﴾) أي الملائكة توبيخًا لهم (﴿فيم كنتم﴾) في أي شيء كنتم من أمر دينكم (﴿قالوا كنا مستضعفين﴾) عاجزين عن الهجرة (﴿في الأرض﴾) [النساء: ٩٧] أرض مكة أو عاجزين عن إظهار الدين وإعلاء كلمته (إلى قوله: ﴿واجعل لنا من لدنك نصيرًا﴾) [النساء: ٧٥] كذا في رواية كريمة والأصيلي والقابسي ولا يحض ما فيه من التغيير لأن قوله: ﴿واجعل لنا من لدنك نصيرًا﴾ من آية أخرى متقدمة على الآية المذكورة والصواب، ما وقع في رواية أبي ذرلى قوله: ﴿عفوا غفورًا﴾ [النساء: ٩٩] أي لعباده قبل أن يخلقهم. وقال تعالى: (﴿والمستضعفين﴾) مجرور بالعطف على في سبيل الله أي في سبيل الله، وفي خلاص المستضعفين أو منصوب على الاختصاص أي واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين لأن سبيل الله عام في كل خير وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من
أعظم الخير وأخصه والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدّهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أيديهم مستضعفين يلقون منهم الأذى التشديد من الرجال والنساء والولدان بيان للمستضعفين وإنما ذكر الولدان مبالغة في الحث وتنبيهًا على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبيان إرغامًا لآبائهم وأمهاتهم وعن ابن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها الظالم وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها فأعطي أعراب القرية لأنه صفتها ﴿واجعل لنا من لدنك وليًّا﴾ [النساء: ٧٥] يتولى أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا (﴿واجعل لنا من لدنك نصيرًا﴾) [النساء: ٧٥] ينصرنا عليهم فاستجاب الله دعاءهم بأن يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة وجعل لمن بقي منهم وليًّا وناصرًا ففتح مكة على نبيه ﷺ فتولاهم ونصرهم ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها (فعذر الله المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به) إلا أن غلبوا (والمكره)
стр. 4348
بفتح الراء (لا يكون إلا مستضعفًا) بفتح العين (غير ممتنع من فعل ما أمر به) بضم الهمزة قال الكرماني: غرضه أن المستضعف لا يقدر على الامتناع من الترك أي تارك لأمر الله وهو معذور فكذلك المكره لا يقدر على الامتناع من الفعل فهو فاعل لأمر المكره فهو معذور أي كلاهما عاجزان.
(وقال الحسن) البصري فيما وصله ابن أبي شيبة عن وكيع عن هشام عنه (التقية) ثابتة (إلى يوم القيامة) لا تختص بعهده ﷺ .
(وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن أبي شيبة: (فيمن يكرهه اللصوص) بضم التحتية وكسر الراء على طلاق امرأته (فيطلقـ) ـها (ليس بشيء) فلا يقع طلاقه (وبه) بعدم الطلاق في ذلك.
(قال ابن عمر) ﵄ (وابن الزبير) عبد الله وقد أخرجها الحميدي في جامعه والبيهقي من طريقه (والشعبي) عامر بن شراحيل فيما وصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه (والحسن) البصري فيما وصله سعيد بن منصور.
(وقال النبي ﷺ ¬) فيما وصله في الأيمان بفتح الهمزة (الأعمال) بدون إنما (بالنية بالإفراد فالمكره لا نيّة له على ما أكره عليه بل نيته عدم الفعل.
٦٩٤٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلَالٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِى الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَالْوَلِيدَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِى يُوسُفَ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن خالد بن يزيد) من الزيادة الجمحي الإسكندراني (عن سعيد بن أبي هلال) الليث المدني (عن
هلال بن أسامة) بضم الهمزة هو هلال بن علي بن أسامة العامري المدني (أن أبا سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أخبره عن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي ﷺ كان يدعو في) قنوت (الصلاة) وفي تفسير سورة النساء؛ إنها صلاة العشاء، وفي كتاب الصلاة أنه ﷺ كان حين يرفع رأسه وفي الأدب لما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركوع قال: (اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة) أخا أبي جهل لأمه وهمزة أنج همزة قطع مفتوحة (وسلمة بن هشام) أخا أبي جهل (والوليد بن الوليد) ابن عم أبي جهل (اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين) من ذكر العام بعد الخاص ثم ذكر من حال بينهم وبين الهجرة فقال (اللهم اشدد وطأتك) بفتح الواو وسكون الطاء المهملة عقوبتك (على) كفار (مضر) أي قريش (وابعث عليهم سنين) مجدبة (كسني يوسف) ﵇ والمطابقة بين الحديث والترجمة من حيث إنهم كانوا مكرهين على الإقامة مع المشركين لأن المستضعف لا يكون إلا مكرهًا كما مرّ ومفهومه أن الإكراه على الكفر لو كان كفرًا لما دعا لهم وسماهم مؤمنين.
والحديث شرّ في مواضع كسورة النساء وكتاب الأدب.
١ - باب مَنِ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْقَتْلَ وَالْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ
(باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر).
٦٩٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ الطَّائِفِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله بن حوشب) بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة بينهما واو ساكنة آخره موحدة (الطائفي) بالفاء نزيل الكوفة قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (عن أنس ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ثلاث) أي خصال ثلاث صفة لمحذوف أو ثلاث خصال مبتدأ وسوّغ الابتداء به إضافته إلى الخصال والجملة بعده خبر وهي (من كنّ فيه وجد) أصاب (حلاوة الإيمان) باستلذاذه الطاعات ولا يجد ذلك إلا (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) وأن مصدرية خبر لمبتدأ محذوف أي أوّل الثلاثة كون الله ورسوله في محبته إياهما أكثر محبة من محبة سواهما من نفس وولد ووالد وأهل ومال وكل شيء (وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله وأن يكره أن يعود في الكفر) زاد في كتاب الإيمان بالكسر بعد إذ أنقذه الله منه (كما يكره أن يقذف في النار). وهذا هو المراد من الترجمة من كونه سوّى بين كراهة الكفر وبين كراهة دخول النار والقتل والضرب
والهوان أسهل عند المؤمن من دخول النار فيكون أسهل من الكفر أن اختار الأخذ بالشدة قاله ابن بطال.
والحديث سبق في الإيمان.
٦٩٤٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ سَمِعْتُ قَيْسًا سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِى وَإِنَّ عُمَرَ مُوثِقِى عَلَى الإِسْلَامِ وَلَوِ انْقَضَّ أُحُدٌ مِمَّا فَعَلْتُمْ بِعُثْمَانَ كَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضَّ.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن سليمان)
стр. 4349
الواسطي الملقب بسعدويه قال: (حدّثنا عباد) بفتح العين والموحدة المشددة ابن العوّام بتشديد الواو الواسطي (عن إسماعيل) بن أبي خالد أنه قال: (سمعت قيسًا) هو ابن أبي حازم بالحاء المهملة والزاي يقول (سمعت سعيد بن زيد) بكسر العين ابن عمرو بن نفيل العدوي أحد العشرة المبشرة بالجنة وهو ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته ﵁ (يقول: لقد رأيتني) بضم الفوقية أي رأيت نفسي (وإن عمر) بن الخطاب ﵁ (موثقي) بضم الميم وسكون الواو وكسر المثلثة والقاف بحبل أو قدّ (على الإسلام) كالأسير تضييقًا وإهانة لكوني أسلمت وفي باب إسلام عمر عن محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد القطان عن إسماعيل بن أبي خالد لو رأيتني موثقي عمر على الإسلام أنا وأخته وما أسلم وفي باب إسلام سعيد بن زيد عن قتيبة عن الثوري عن إسماعيل قبل أن يسلم عمر (ولو انقض) بالنون الساكنة والقاف والضاد المعجمة المشددة المفتوحتين انهدم ولأبي ذر عن الكشميهني انفض بالفاء بدل القاف أي تفرق (أُحد) الجبل المعروف بالمدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وجعل وفاتي بها على الإسلام والسنة في عافية بلا محنة (مما فعلتم بعثمان) بن عفان يوم الدار من القتل (كان محقوقًا) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وقافين بينهما واو ساكنة أي واجبًا (أن ينقض) أن ينهدم ولأبي ذر عن الكشميهني أن ينفض بالفاء أن يتفرق أي ولو تحركت القبائل لطلب ثار عثمان لفعلوا واجبًا.
والحديث ظاهر فيما ترجم له لأن سعيدًا وزوجته أخت عمر اختارا الهوان على الكفر.
٦٩٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: «أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِى الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد أنه قال (حدّثنا قيس) هو ابن أبي حازم (عن خباب بن الأرت) بفتح الخاء المعجمة والموحدة المشددة وبعد الألف موحدة ثانية والأرتّ بفتح الهمزة والراء بعدها فوقية مشددة ابن جندلة مولى خزاعة أنه (قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو) أي والحال أنه (متوسد بردة له) كساء أسود مربع (في ظل الكعبة فقلنا) له يا رسول الله (ألا) بالتخفيف للتحريض (تستنصر لنا) تطلب لنا من الله النصر على الكفار وسقط لنا لأبي ذر (ألا تدعو لنا؟ فقال) ﷺ :
(قد كان من قبلكم) من الأنبياء وأممهم (يؤخذ الرجل) منهم (فيحفر له في الأرض) حفرة (فيجعل فيها فيجاء) بضم التحتية وفتح الجيم ممدود (بالميشار) بكسر الميم وسكون التحتية بعدها شين معجمة وفي نسخة بالنون بدل التحتية وهي الآلة التي ينشر بها الأخشاب (فيوضع على رأسه فيجعل) بضم التحتبة وفتح العين (نصفين ويمشط) بضم التحتية وفتح الشين المعجمة (بأمشاط الحديد ما دون لحمه) أي تحته أو عنده (وعظمه فما يصده ذلك) النشر والمشط (عن دينه والله ليتمنّ) بفتح التحتية وكسر الفوقية وفتح الميم والنون مشددتين واللام للتوكيد أي ليكملن (هذا الأمر) بالرفع أي الإسلام (حتى يسير الراكب من صنعاء) قاعدة اليمن ومدينته العظمى (إلى حضرموت) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء والميم وسكون الواو بلدة باليمن أيضًا بينها وبين صنعاء مسافة بعيدة قيل أكثر من أربعة أيام (لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه) بنصب الذئب عطفًا على الجلالة الشريفة (ولكنكم تستعجلون).
ووجه دخول هذا الحديث في الترجمة من جهة أن طلب خباب الدعاء من النبي ﷺ على الكفار دال على أنهم كانوا قد اعتدوا عليهم بالأذى ظلمًا وعدوانًا. قال ابن بطال مما لخصه الحافظ ابن حجر في فتحه: إنما لم يجب النبي ﷺ سؤال خباب ومن معه بالدعاء على الكفار مع قوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] وقوله: ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا﴾ [الأنعام: ٤٣] لأنه علم أنه قد سبق القدر بما جرى عليهم من البلوى ليؤجروا عليها كما جرى به عادة الله في أتباع الأنبياء فصبروا على الشدة
стр. 4350
في ذات الله ثم كانت لهم العاقبة بالنصر وجزيل الأجر قال: فأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلة لأنهم لم يطلعوا على ما أطلع الله عليه النبي ﷺ اهـ
وتعقبه في الفتح بأنه ليس في الحديث تصريح بأنه ﵇ لم يدع لهم بل يحتمل أنه دعا وإنما قال قد كان من قبلكم يؤخذ إلى آخره تسلية لهم وإشارة إلى الصبر حتى تنقضي المدة المقدورة وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث ولكنكم تستعجلون اهـ.
وتعقبه العيني فقال قوله وليس في الحديث تصريح بأنه لم يدع لهم بل يحتمل أنه قد دعا هذا احتمال بعيد لأنه لو كان دعا لهم لما قال قد كان من قبلكم إلخ وقوله تسلية لهم إلخ لا يدل
على أنه دعا لهم بل يدل على أنهم لا يستعجلون في إجابة الدعاء في الدنيا على أن الظاهر منه ترك الاستعجال في هذا الوقت ولو كان يجاب لهم فيما بعد.
والحديث مضى في علامات النبوّة وفي مبعث النبي ﷺ .
٢ - باب فِى بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ فِى الْحَقِّ وَغَيْرِهِ
هذا (باب) بالتنوين (في) بيان (بيع المكره) بضم الميم وفتح الراء وهو الذي يحمل على بيع الشيء شاء أو أبى (ونحوه) أي المضطر (في الحق) المالي (وغيره) أي الجلاء أو المراد بالحق الدين وبغيره ما عداه مما يكون بيعه لازمًا، أو المراد بقوله وغيره الدين فيكون من الخاص بعد العام.
٦٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِى الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ» فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا» فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ: «ذَلِكَ أُرِيدُ» ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ: فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (عن سعيد المقبري) بضم الموحدة (عن أبيه) كيسان (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: بينما) بالميم (نحن في المسجد إذ خرج علينا) ولأبي الوقت إلينا (رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ فقال):
(انطلقوا إلى يهود) غير منصرف (فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس) بكسر الميم وسكون الدال المهملة آخره سين مهملة موضع قراءتهم التوراة وإضافة البيت إليه من إضافة العام إلى الخاص قاله في الكواكب. وقال في الفتح: المدراس كبير اليهود ونسب البيت إليه لأنه الذي كان صاحب دراسة كتبهم أي قراءتها قال: والصواب أنه على حذف الموصوف والمراد الرجل، وفي كتاب الجزية حتى جئنا بيت المدراس بتأخير الراء عن الألف بصيغة المفاعلة وهو من يدرس الكتاب ويعلمه غيره (فقام النبي ﷺ فناداهم) ولأبي ذر عن الكشميهني فنادى: (يا معشر يهود أسلموا) بكسر اللام (تسلموا) بفتحها (فقالوا) له ﷺ (قد بلغت يا أبا القاسم فقال) ﷺ : (ذلك) التبليغ واعترافكم به (أريد ثم قالها الثانية) يا معشر يهود أسلموا تسلموا (فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم، ثم قال الثالثة) ولأبي ذر في الثالثة (فقال: اعلموا أن الأرض) ولأبي ذر عن الكشميهني إنما الأرض (لله ورسوله) يحكم فيها بما أراه الله لكونه المبلغ عنه تعالى القائم بتنفيذ أوأمره (وإني أريد أن أجليكم) بضم الهمزة وفي اليونينية بفتحها وسكون الجيم وكسر اللام أي أخرجكم من
الأرض (فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه) ضمن وجد معنى بخل فعداه بالباء أو وجد من الوجدان والباء سببية أي فمن وجد منكم بماله شيئًا من المحبة أو هي للمقابلة.
قال الخطابي: استدلّ به البخاري على جواز بيع المكره وهو ببيع المضطر أشبه، وإنما المكره على البيع هو الذي يحمل على البيع أراد أو لم يرد واليهود لو لم يبيعوا أرضهم لم يلزموا بذلك وإنما شحوا على أموالهم فاختاروا بيعها فصاروا كأنهم اضطروا إلى بيعها كمن رهقه دين فاضطر إلى بيع ماله فيكون جائزًا ولو أكره عليه لم يجز اهـ.
قال في الفتح: إن البخاري لم يقتصر في الترجمة على المكره وإنما قال بيع المكره ونحوه في الحق فدخل في ترجمته المضطر، وكأنه أشار إلى الردّ على من لم يصحح بيع المضطر، وقوله ولو أكره عليه لم يجز مردود لأنه إكراه بحق (وإلا) بأن لم تجدوا شيئًا (فاعلموا أن الأرض) وللكشميهني أنما الأرض (لله ورسوله).
والحديث سبق في الجزية وأخرجه مسلم في المغازي وأبو داود في الخراج والنسائي في السير.
٣ - باب لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُكْرَهِ
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].
وهذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يجوز نكاح
стр. 4351
المكره) بفتح الراء وقوله تعالى: (﴿ولا تكرهوا فتياتكم﴾) إماءكم (﴿على البغاء﴾) على الزنا (﴿إن أردن تحصنًا﴾) تعففًا عن الزنا وإنما قيده بهذا الشرط لأن الإكراه لا يكون إلا مع إرادة التحصن فآمر المطيعة بالبغاء لا يسمى مكرهًا ولا أمره إكراهًا ولأنها نزلت على سبب فوقع النهي عن تلك الصفة وفيه توبيخ للموالي أي إذا رغبن في التحصن فأنتم أحق بذلك (﴿لتبتغوا عرض الحياة الدنيا﴾) أي لتبتغوا بإكراههن على الزنا أجورهن وأموالهن (﴿ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم﴾) [النور: ٣٣] لهن وإثمهن على من أكرههن، وفي مسند البزار عن الزهري قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي يقال لها معاذة يكرهها على الزنا فلما جاء الإسلام نزلت ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ إلى قوله: ﴿فإن الله من بعد إكراههنّ غفور رحيم﴾ وعند النسائي عن جابر أنه كان يقال لها مسيكة وكان يكرهها على الفجور وكانت لا بأس بها فتأبى فأنزل الله هذه الآية ﴿ولا تكرهوا﴾ الآية إلى آخرها. وسقط لأبي ذر من قوله إن أردن إلى آخر الآية وقال بعد ﴿البغاء﴾ إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾ واستشكل ذكر هذه الآية هنا. وأجيب: بأنه إذا نهي عن الإكراه فيما لا يحل فالنهي عن الإكراه فيما يحل بالطريق الأولى.
٦٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ ابْنَىْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْىَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَرَدَّ نِكَاحَهَا.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة الحجازي قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن عبد الرحمن ومجمع) بضم الميم الأولى وكسر الثانية المشددة بينهما جيم مفتوحة آخره عين مهملة (ابني يزيد بن جارية) بالجيم والراء بعدها تحتية (الأنصاري عن خنساء) بفتح الخاء المعجمة وسكون النون وبعد السين المهملة ألف فهمزة (بنت خذام) بكسر الخاء وفتح الذال المخففة المعجمتين ابن وديعة (الأنصارية) الأوسية (أن أباها) خذامًا (زوّجها وهي ثيب) قد أزيلت بكارتها بنكاح رجل من بني عوف كما في رواية محمد بن إسحاق عن حجاج بن السائب عن أبيه عن جدته خنساء (فكرهت ذلك) النكاح (فأتت النبي ﷺ ¬) فذكرت له ذلك (فردّ) ﵊ (نكاحها) فيه أنه لا بد من إذن الثيب في صحة النكاح وأن نكاح المكره لا يجوز وقال الكوفيون لو أكره على نكاح امرأة بعشرة آلاف درهم وصداق مثلها ألف جاز النكاح ولزمه ألف وبطل الزائد. قال سحنون: وكما أبطلوا الزائد على الألف بالإكراه فكذلك يلزمهم إبطال النكاح بالإكراه وفي أمره ﵊ باستثمار النساء في إبضاعهنّ دليل عليهم. قال: وقد جمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة فلو كان راضيًا بالنكاح وأكره على المهر يصح العقد اتفاقًا ويلزم المسمى بالدخول.
والحديث سبق في باب إذا زوّج ابنته وهي كارهة من كتاب النكاح.
٦٩٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِى عَمْرٍو هُوَ ذَكْوَانُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِى أَبْضَاعِهِنَّ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: فَإِنَّ الْبِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحِى فَتَسْكُتُ قَالَ: «سُكَاتُهَا إِذْنُهَا».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري ويحتمل أن يكون محمد بن يوسف البيكندي وشيخه سفيان بن عيينة (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن ابن أبي مليكة) عبد الله المكي (عن أبي عمرو) بفتح العين (هو ذكوان) مولى عائشة (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: قلت يا رسول الله يستأمر النساء في إبضاعهن) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول وفي بعض النسخ بالفوقية وأبضاعهنّ بفتح الهمزة. قال الكرماني: جمع بضع تعقبه فقال: ليس كذلك وليس بجمع بل هو بكسر الهمزة من أبضعت المرأة إبضاعًا إذا زوجتها وقال الجوهري البضع بالضم النكاح عن ابن السكيت قال يقال ملك بضع فلانة والمباضعة المجامعة يعني يستشار النساء في عقد نكاحهنّ (قال) ﷺ (نعم) يستأمر النساء في إبضاعهن وظاهره أنه ليس للولي تزويج
الثيب من غير استئذانها ومراجعتها والإطلاع على أنها راضية بصريح الإذن قالت عائشة (قلت) يا رسول الله (فإن البكر تستأمر) مبني للمفعول أي تستشار فيمن تتزوّج (فتستحي) بكسر الحاء ولأبي ذر فتستحيي بسكون الحاء وزيادة ياء أخرى
стр. 4352
لغتان بمعنى (فتسكت قال) ﷺ (سكاتها إذنها) للأب وغيره ما لم تكن قرينة ظاهرة في المنع كصياح وضرب خدّ.
وسبق الحديث في النكاح.
٤ - باب إِذَا أُكْرِهَ حَتَّى وَهَبَ عَبْدًا أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: فَإِنْ نَذَرَ الْمُشْتَرِى فِيهِ نَذْرًا، فَهْوَ جَائِزٌ بِزَعْمِهِ وَكَذَلِكَ إِنْ دَبَّرَهُ.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا أكره) بضم الهمزة الرجل (حتى وهب عبدًا أو باعه لم يجز) لم تصح الهبة ولا البيع.
(وقال) ولأبي ذر وبه قال: (بعض الناس) قيل الحنفية (فإن نذر المشتري) بكسر الراء من المكره (فيه) في الذي اشتراه (نذرًا فهو) أي البيع مع الإكراه (جائز) أي ماض عليه ويصح البيع وكذا الهبة (بزعمه) أي عنده (وكذلك إن دبره) أي دبر العبد الله اشتراه من المكره على بيعه فينعقد التدبير. قال في الكواكب: غرض البخاري أن الحنفية تناقضوا فإن بيع الإكراه إن كان ناقلاً للملك إلى المشتري فإنه يصح منه جميع التصرفات ولا يختص بالنذر والتدبير، وإن قالوا ليس بنا قل فلا يصح النذر والتدبير أيضًا، وحاصله أنهم صححوا التدبير والنذر بدون الملك وفيه تحكم وتخصيص بغير مخصص.
٦٩٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوكًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّى» فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ: فَسَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل قال: (حدّثنا حماد بن زيد) الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري (عن عمرو بن دينار) بفتح العين (عن جابر) الأنصاري (﵁ أن رجلاً من الأنصار) يقال له أبو مذكور (دبر مملوكًا) له اسمه يعقوب علق عتقه بموته (ولم يكن له مال غيره فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ فقال):
(من يشتريه) أي يعقوب المدبر (مني فاشتراه) منه (نعيم بن النحام) بضم نون الأول وفتح عينه المهملة وبعد التحتية الساكنة ميم وفتح نون الثاني وحائه المهملة وبعد الألف ميم (بثمانمائة درهم قال) عمرو بن دينار: (فسمعت جابرًا) ﵁ (يقول): كان يعقوب (عبدًا قبطيًّا) من قبط مصر (مات عام أوّل) بالفتح على البناء وهو من إضافة الموصوف لصفته وهو جائز عند
الكوفيين ممنوع عند البصريين فيؤولونه على حذف مضاف أي عام الزمن الأوّل، ووجه إدخال الحديث في الترجمة من جهة أن الذي دبره لما لم يكن له مال غيره وكان تدبيره سفهًا من فعله ردّه ﷺ وإن كان ملكه للعبد صحيحًا فمن لم يصح له ملكه إذا دبره أولى أن يردّ فعله.
والحديث سبق في العتق.
٥ - باب مِنَ الإِكْرَاهِ كَرْهٌ وَكُرْهٌ وَاحِدٌ
هذا (باب) بالتنوين (من الإكراه كره وكره) بفتح الكاف في الأول وضمها في الثاني ولأبي ذر بضم الكاف في الأوّل وفتحها في الثاني ونصب الهاء فيهما والمعنى (واحد) أو الفتح للإجبار والضم للمشقة وسقط هذا للنسفي.
٦٩٤٨ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ سُلَيْمَانُ بْنُ فَيْرُوزَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الشَّيْبَانِىُّ: وَحَدَّثَنِى عَطَاءٌ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِىُّ وَلَا أَظُنُّهُ إِلاَّ ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآيَةَ. قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجْهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِذَلِكَ.
وبه قال: (حدّثنا حسين بن منصور) بضم الحاء المهملة النيسابوري قال: (حدّثنا أسباط بن محمد) القرشي مولاهم الكوفي قال: (حدّثنا الشيباني) بفتح الشين المعجمة (سليمان بن فيروز) هو سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الكوفي (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس. قال) ولأبي ذر وقال (الشيباني: وحدّثني) بالإفراد (عطاء أبو الحسن السوائي) بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبعد الألف همزة الكوفي (ولا أظنه إلا ذكره عن ابن عباس ﵄) في قوله تعالى: (﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ الآية. قال: كانوا) أي أهل الجاهلية أو أهل المدينة أو في الجاهلية وأول الإسلام (إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوّجها) إن كانت جميلة بصداقها الأول (وإن شاؤوا زوّجوها) لمن أرادوا وأخذوا صداقها (وإن شاؤوا لم يزوّجوها) بل يحبسونها حتى تموت فيرثونها أو تفتدي نفسها (فهم) أي أولياء الرجل (أحق بها من أهلها) وفي اليونينية مصلح على كشط لأن شاؤوا زوّجها وإن شاؤوا لهم يزوّجها بالإفراد في زوّجها في الموضعين (فنزلت هذه الآية بذلك) ولأبي ذر في ذلك. وقال المهلب فيما نقله العيني ﵀: فائدة هذا الباب التعريف بأن كل من أمسك امرأته لأجل الإرث منها طمعًا أي تموت لا يحل له ذلك بنص القرآن.
والحديث سبق في تفسير سورة النساء.
٦ - باب إِذَا اسْتُكْرِهَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا
فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].
هذا (باب) بالتنوين (إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حدّ عليها) لأنها مكرهة
стр. 4353
واستكرهت بضم الفوقية وسكون الكاف وكسر الراء (في قوله) ولأبي ذر لقوله (تعالى: ﴿ومن يكرههن﴾) أي الفتيات (﴿فإن الله من بعد إكراههنّ غفور رحيم﴾) [النور: ٣٣] لهن ولعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة وهو الذي يخاف منه التلف فكانت آثمة.
ومناسبة الآية للترجمة من حيث إن في الآية دلالة على أن لا إثم على المكرهة على الزنا فيلزم أن لا يجب عليها الحدّ.
٦٩٤٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِى نَافِعٌ أَنَّ صَفِيَّةَ ابْنَةَ أَبِى عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الإِمَارَةِ وَقَعَ عَلَى وَلِيدَةٍ مِنَ الْخُمُسِ، فَاسْتَكْرَهَهَا حَتَّى افْتَضَّهَا، فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ وَنَفَاهُ، وَلَمْ يَجْلِدِ الْوَلِيدَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا قَالَ الزُّهْرِىُّ: فِى الأَمَةِ الْبِكْرِ يَفْتَرِعُهَا الْحُرُّ يُقِيمُ ذَلِكَ الْحَكَمُ مِنَ الأَمَةِ الْعَذْرَاءِ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا، وَيُجْلَدُ وَلَيْسَ فِى الأَمَةِ الثَّيِّبِ فِى قَضَاءِ الأَئِمَّةِ غُرْمٌ وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وبه قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام فيما وصله البغوي عن العلاء بن موسى عن الليث قال: (حدّثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (أن صفية ابنة) ولأبي ذر بنت (أبي عبيد) بضم العين وفتح الموحدة الثقفية ابنة عبد الله بن عمر (أخبرته أن عبدًا من رقيق الإمارة) بكسر الهمزة من مال الخليفة عمر ﵁ (وقع على وليدة) جارية (من الخمس) الذي يتصرف فيه الإمام أي زنى بها (فاستكرهها حتى اقتضها) بالقاف والضاد المعجمة المشددة أزال بكارتها والقضة بكسر القاف عذرة البكر (فجلده عمر) ﵁ (الحدّ ونفاه) غربه من أرض الجناية نصف سنة لأن حده نصف حد الحر وفيه أن عمر كان يرى أن الرقيق ينفى كالحر (ولم يجلد الوليدة من أجل أنه استكرهها). قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم واحد منهما وعند ابن أبي شيبة مرفوعًا بسند ضعيف عن وائل بن حجر قال: استكرهت امرأة في الزنا فدرأ رسول الله ﷺ عنها الحد (قال) ولأبي ذر وقال (الزهري) محمد بن مسلم (في الأمة البكر يفترعها) بالفاء والعين المهملة يقتضها (الحر يقيم) يقوّم (ذلك) الافتراع (الحكم) بفتحتين أي الحاكم (من الأمة العذراء بقدر قيمتها) أي من المفترع دية الافتراع بنسبة قيمتها وهو إرش النقص أي التفاوت بين كونها بكرًا وثيبًا ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر بقدر ثمنها (ويجلد وليس في الأمة الثيب) بالمثلثة (في قضاء الأمة غرم) بضم الغين المعجمة وسكون الراء غرامة (ولكن عليه الحد).
٦٩٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ -أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ- فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ إِلَىَّ بِهَا، فَأَرْسَلَ بِهَا فَقَامَ إِلَيْهَا فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّى فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَىَّ الْكَافِرَ فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : هاجر إبراهيم) خليل الله ﷺ من العراق إلى الشأم أو من بيت المقدس إلى مصر (بسارة) زوجته أم إسحاق ﵉ (دخل بها قرية) تسمى حران بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وبعد الألف نون بين دجلة والفرات وقيل الأردن وقيل مصر (فيها ملك) بكسر اللام (من الملوك أو جبار من الجبابرة) بالشك من الراوي (فأرسل) الملك (إليه) إلى الخليل ﵊ (أن أرسل) بهمزة قطع بعد سكون نون أن (إليّ) بتشديد الياء (بها) بسارة (فأرسل بها) الخليل إليه بعد إكراه الجبار له على إرسالها إليه (فقام إليها) ليصيبها (فقامت توضأ) أصله تتوضأ فحذفت إحدى التاءين (وتصلي فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك) إبراهيم أي إن كنت مقبولة الإيمان عندك (فلا تسلط عليّ) هذا (الكافر) الجبار (فغط) بفتح الفاء وضم الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي خنق وصرع (حتى ركض) حرك (برجله).
ومناسبة هذه القصة غير ظاهرة وليس فيها إلا سقوط الملامة عن سارة في خلوة الجبار بها لأنها مكرهة لكن ليس الباب معقودًا لذلك وإنما هو معقود لاستكراه المرأة على الزنا قاله ابن المنير، وقال ابن بطال، وتبعه في الكواكب وجه دخوله هنا مع أن سارة ﵍ كانت معصومة من كل سوء أنه لا ملامة عليها في الخلوة مكرهة فكذا المستكرهة على الزنا لا حدّ عليها.
والحديث سبق في آخر البيع وأحاديث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
٧ - باب يَمِينِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ إِنَّهُ أَخُوهُ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ نَحْوَهُ
وَكَذَلِكَ كُلُّ مُكْرَهٍ يَخَافُ فَإِنَّهُ يَذُبُّ عَنْهُ الْمَظَالِمَ وَيُقَاتِلُ دُونَهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، فَإِنْ قَاتَلَ دُونَ الْمَظْلُومِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا قِصَاصَ، وَإِنْ قِيلَ لَهُ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ، أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ أَوْ لَتَبِيعَنَّ عَبْدَكَ، أَوْ تُقِرُّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبُ هِبَةً وَتَحُلُّ عُقْدَةً، أَوْ لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ فِى الإِسْلَامِ وَسِعَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ». وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَوْ قِيلَ لَهُ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ أَوْ لَنَقْتُلَنَّ ابْنَكَ أَوْ أَبَاكَ أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، لَمْ يَسَعْهُ لأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ ثُمَّ نَاقَضَ فَقَالَ: إِنْ قِيلَ لَهُ لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ، أَوِ ابْنَكَ أَوْ لَتَبِيعَنَّ هَذَا الْعَبْدَ، أَوْ تُقِرُّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبُ يَلْزَمُهُ فِى الْقِيَاسِ، وَلَكِنَّا
نَسْتَحْسِنُ وَنَقُولُ: الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ، وَكُلُّ عُقْدَةٍ فِى ذَلِكَ بَاطِلٌ، فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِى رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، وَغَيْرِهِ بِغَيْرِ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «قَالَ: إِبْرَاهِيمُ لاِمْرَأَتِهِ هَذِهِ أُخْتِى» وَذَلِكَ فِى اللَّهِ وَقَالَ النَّخَعِىُّ: إِذَا كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ ظَالِمًا فَنِيَّةُ الْحَالِفِ وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَنِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ.
(باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه إذا خاف عليه القتل) بأن يقتله إن لم يحلف اليمين التي أكرهه الظالم عليها (أو نحوه) كقطع اليد لا حنث عليه كما قاله ابن بطال عن مالك والجمهور ولفظه: ذهب مالك والجمهور إلى أنّ من أكره على يمين إن لم يحلفها قتل
стр. 4354
أخوه المسلم لا حنث عليه وقال الكوفيون يحنث لأنه كان له أن يوري فلما ترك التورية صار قاصدًا لليمين فيحنث وأجاب الجمهور بأنه إذا أكره على اليمين فنيته مخالفة لقوله والأعمال بالنيات (وكذلك كل مكره) بفتح الراء (يخاف فإنه) أي المسلم (يذب) بفتح التحتية وضم الذال المعجمة يدفع (عنه الظالم ويقاتل دونه) أي عنه (ولا يخذله) بالذال المعجمة المضمومة لا يترك نصرته (فإن قاتل دون المظلوم) أي عنه غير قاصد قتل الظالم بل الدفع عن المظلوم فقط فأتى على الظالم (فلا قود عليه ولا قصاص) هو تأكيد لأنهما بمعنى أو القصاص أعم من النفس ودونها والقود في النفس غالبًا (وإن قيل له لتشربن الخمر) وأكرهه على ذلك (أو لتأكلن الميتة) وأكرهه على أكلها (أو لتبيعن عبدك) وأكرهه على بيعه (أو تقر بدين) لفلان على نفسك ليس عليك (أو تهب هبة) بغير طيب نفس منك (أو تحل) بفتح الفوقية وضم الحاء المهملة فعل مضارع (عقدة) بضم العين وسكون القاف آخره تاء تأنيث تفسخها كالطلاق والعتاق وفي بعض النسخ وكل عقدة بالكاف بدل الحاء مبتدأ مضاف لعقدة وخبره محذوف أي كذلك (أو لنقتلن) بنون قبل القاف (أباك أو أخاك في الإسلام) أعم من القريب وزاد أبو ذر عن الكشميهني وما أشبه ذلك (وسعه) بكسر السين المهملة جاز له جميم (ذلك) ليخلص أباه أو أخاه المسلم (لقول النبي ﷺ ¬) السابق ذكره في باب المظالم (المسلم أخو المسلم) يظلمه ولا يسلمه.
(وقال بعض الناس): قيل هم الحنفية (لو قيل له) أي لو قال ظالم لرجل (لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة أو لنقتلن ابنك أو أباك أو ذا رحم محرم) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة أو بضم الميم والتشديد (لم يسعه) أي يجز له أن يفعل ما أمره به (لأن هذا ليس بمضطر) في ذلك لأن الإكراه إنما يكون فيما يتوجه إلى الإنسان في خاصة نفسه لا في غيره وليس له أن يعصي الله حتى يدفع عن غيره بل الله سائل الظالم ولا يؤاخذ المأمور لأنه لم يقدر على الدفع إلا بارتكاب ما لا يحل له ارتكابه فليصبر على قتل ابنه فإنه لا إثم عليه فإن فعل يأثم وقال الجمهور لا يأثم (ثم ناقض) بعض الناس قوله هذا (فقال: إن قيل له) أي إن قال ظالم لرجل (لنقتلن) بنون بعد اللام الأولى (أباك أو ابنك أو لتبيعن هذا العبد أو تقرّ) ولأبي ذر أو لتقرن (بدين أو تهب) هبة (يلزمه في القياس) لما سبق أنه يصبر على قتل أبيه وعلى هذا ينبغي أن يلزمه كل ما عقد على نفسه من عقد ثم ناقض هذا المعنى بقوله (ولكنا نستحسن ونقول البيع والهبة وكل عقدة) بضم العين (في ذلك
باطل) فاستحسن بطلان البيع ونحوه بعد أن قال يلزمه في القياس ولا يجوز له القياس فيها وأجاب العيني بأن المناقضة ممنوعة لأن المجتهد يجوز له أن يخالف قياس قوله بالاستحسان والاستحسان حجة عند الحنفية. قال البخاري -رحمه الله تعالى-: (فرقوا) أي الحنفية (بين كل ذي رحم محرم وغيره) من الأجنبي (بغير كتاب ولا سنّة) فلو قال ظالم لرجل: لنقتلن هذا الرجل الأجنبي أو لتبيعن أو تقر أو تهب ففعل ذلك لينجيه من القتل لزمه جميع ما عقد على نفسه من ذلك ولو قيل له ذلك في المحارم لم يلزمه ما عقده في استحسانه، والحاصل أن أصل أبي حنيفة اللزوم في الجميع قياسًا لكنه يستثني من له منه رحم استحسانًا، ورأى البخاري أن لا فرق بين القريب والأجنبي في ذلك لحديث المسلم: أخو المسلم فإن المراد أخوّة الإسلام لا النسب، ثم استشهد لذلك بقوله:
(وقال النبي ﷺ ¬) فيما سبق موصولاً في أحاديث الأنبياء ﵈ (قال إبراهيم) ﷺ (لامرأته) لما طلبها الجبار ولأبي ذر عن الكشميهني لسارّة (هذه أختي) قال البخاري (وذلك في الله) أي في دين الله لا أخوة النسب إذ نكاح الأخت كان حرامًا في ملة إبراهيم، وهذه الأخوة توجب حماية أخيه المسلم والدفع عنه فلا يلزمه ما عقد من البيع ونحوه ووسعه الشرب والأكل ولا إثم عليه في ذلك كما لو قيل له: لتفعلن هذه الأشياء أو لنقتلنك وسعه
стр. 4355
في نفسه إتيانها ولا يلزمه حكمها وأجاب العيني بأن الاستحسان غير خارج عن الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فيتبعون أحسنه﴾ [الزمر: ١٨] وأما السنة فقوله ﷺ ما رآه المؤمنون حسنًا فهو حسن عند الله.
(وقال النخعي) بفتح النون والخاء المعجمة إبراهيم فيما وصله محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عنه (إذا كان المستحلف ظالمًا فنية الحالف وإن كان مظلومًا فنية المستحلف) قال في الكواكب فإن قلت: كيف يكون المستحلف مظلومًا؟ قلت: المدعي المحق إذا لم يكن له بنية ويستحلفه المدعى عليه فهو مظلوم، وعند المالكية النية نيّة المظلوم أبدًا وعند الكوفيين نية المظلوم أبدًا، وعند الشافعية نيّة القاضي وهي راجعة إلى نية المستحلف فإن كان في غير القاضي فنية الحالف.
٦٩٥١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِى حَاجَتِهِ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (أن سالمًا أخبره أن) أباه (عبد الله بن عمر ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ قال):
(المسلم أخو المسلم لا يظلمه) بفتح أوله (ولا يسلمه) بضم أوله أي ولا يخذله (ومن كان في) قضاء (حاجة أخيه) المسلم (كان الله في) قضاء (حاجته).
والحديث سبق في كتاب المظالم بهذا الإسناد.
٦٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ: «تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحيم) البزاز بمعجمتين الأولى مشددة بعد الموحدة المعروف بصاعقة قال: (حدّثنا سعيد بن سليمان) الواسطي وهو أيضًا من شيوخ المؤلّف قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة ابن بشير بضم الموحدة وفتح المعجمة الواسطي قال: (أخبرنا عبيد الله) بضم العين (ابن أبي بكر بن أنس عن) جده (أنس ﵁¬) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(انصر أخاك) المسلم (ظالمًا أو مظلومًا فقال رجل): لم أعرف اسمه (يا رسول الله أنصره) بهمزة قطع مفتوحة ورفع الراء (إذا كان مظلومًا أفرأيت) الفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة وأطلق الرؤية وأراد الإخبار والاستفهام وأراد الأمر أي أخبرني (إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال) ﷺ : (تحجزه) بالحاء المهملة الساكنة بعدها جيم فزاي ولأبي ذر عن الكشميهني تحجزه بالراء بدل الزاي (أو) قال (تمنعه من الظلم فإن ذلك) المنع (نصره) والشك من الراوي.
والحديث سبق في المظالم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٠ - كتاب الحيل
(كتاب الحيل) جمع حيلة وهي ما يتوصل به إلى المراد بطريق خفي.
١ - باب فِى تَرْكِ الْحِيَلِ
وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِى الأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا.
هذا (باب) بالتنوين (في ترك الحيل) وشطب في اليونينية على في فباب مضاف لتاليه (وإن لكل امرئ ما نوى في الأيمان) بفتح الهمزة (وغيرها) ولأبي ذر عن الكشميهني وغيره بالتذكير على إرادة اليمين المستفاد من صيغة الجمع وقوله وغيرها تفقه من البخاري لا من الحديث.
٦٩٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل قال: (حدّثنا حماد بن زيد) الأزدي الجهضمي (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري وسقط لأبي ذر ابن سعيد (عن محمد بن إبراهيم) التيمي (عن علقمة بن وقاص) بتشديد القاف الليثي المدني أنه (قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يخطب) على المنبر (قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية) بالإفراد والجملة مقول القول وإنما من أدوات الحصر. قال السكاكي في إعجاز القرآن: إن الواقع بعد إنما كان مبتدأ وخبر المحصور الثاني، فإذا قلنا إنما المال لزيد فالمال لزيد لا لغيره، وإذا قلنا إنما لزيد المال فالمحصور المال تقديره لا لغيره والأعمال
مبتدأ بتقدير مضاف أي إنما صحة الأعمال والخبر الاستقرار الذي تعلق به حرف الجر والباء في النية للسببية. أي: إنما الأعمال ثابت ثوابها بسبب النية وأفردها لأن المصدر المفرد يقوم مقام الجمع وإنما يجمع لاختلاف الأنواع (وإنما لامرئ ما نوى). وفي التعليق السابق كرواية أول الكتاب لكل امرئ ما نوى فمن نوى بعقد البيع الربا وقع في الربا ولا يخلصه من الإثم صورة
стр. 4356
البيع ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محللاً ودخل في الوعيد على ذلك باللعن ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح وكل شيء قصد به تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله كان إثمًا، واستدل به من قال لإبطال الحيل ومن قال بإعمالها لأن مرجع كل من الفريقين إلى نيّة العامل فإن كان في ذلك خلاص مظلوم مثلاً فهو مطلوب وإن كان فيه فوات حق فهو مذموم، وقد نص إمامنا الشافعي على كراهة نعاطي الحيل في تفويت الحقوق فقال بعض أصحابه: هي كراهة تنزيه، وقال كثير من محققيهم كالغزالي هي كراهة تحريم وقد نقل صاحب الكافي من الحنفية عن محمد بن الحسن قال ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق (فمن كانت هجرته) من مكة إلى المدينة (إلى الله) أي إلى طاعة الله (ورسوله) وجواب الشرط قوله: (فهجرته إلى الله ورسوله) ظاهره اتحاد الشرط والجزاء فهو كقوله من أكل أكل ومن شرب شرب وذلك غير مفيد، وأجاب عنه ابن دقيق العيد بأن التقدير فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله قصدًا ونية فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا قال ابن مالك هو كقوله لو مت مت على غير الفطرة. قال ابن فرحون: وإعراب قصدًا ونية يصح أن يكون خبر كان أي ذات قصد وذات نية وتتعلق إلى بالمصدر ويصح أن يكون إلى الله الخبر وقصدًا مصدر في محل الحال وأما قوله ثوابًا وأجرًا فلا يصح فيهما إلا الحال من الضمير في الخبر اهـ.
وسبق مزيد لذلك أول هذا الشرح.
(ومن هاجر إلى دنيا) بضم الدال وحكى ابن قتيبة كسرها ولا تنون على المشهور لأنها فعلى من الدنوّ وألف التأنيث تمنع من الصرف وحكى تنوينها. قال ابن جني: وهي لغة نادرة والدنيا ما على الأرض مع الجوّ والهواء أو كل مخلوق من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة والمراد بها في الحديث المال ونحوه (يصيبها) جملة من فعل وفاعل ومفعول في موضع جر صفة لدنيا ومتى تقدمت النكرة على الظرف أو المجرورات أو الجمل كانت صفات وإن تقدمت المعرفة كانت أحوالاً (أو امرأة يتزوّجها) وجواب الشرط قوله: ﴿فهجرته إلى ما هاجر إليه).
ووجه مطابقة الحديث للترجمة التي هي لترك الحيل أن مهاجر أم قيس جعل الهجرة حيلة في تزوّج أم قيس.
والحديث سبق مرارًا.
٢ - باب فِى الصَّلَاةِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه بيان دخول الحيلة (في الصلاة).
٦٩٥٤ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السعدي المروزي، وقيل البخاري وكان ينزل بمدينة بخارى بباب بني سعد ونسبه لجده وسقط لغير أبي ذر ابن نصر قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة ابن راشد (عن همام) بفتح الهاء والميم المشددة ابن منبه (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) أي إذا أحدث أحدكم لا تقبل صلاته إلى أن يتوضأ ولا يجوز تقديرها بلا المشددة لأن الكلام يصير لا يقبل الله صلاة أحدكم إلا أن يتوضأ ومفهومه أنه لو صلّى قبل الوضوء ثم توضأ قبلت فيفسد المعنى بتقديرها، ووجه تعلق الحديث بالترجمة قيل لأنه قصد الرد على الحنفية حيث صححوا صلاة من أحدث في الجلسة الأخيرة وقالوا: إن التحلل يحصل بكل ما يضاد الصلاة فهم متحيلون في صحة الصلاة مع وجود الحدث، ووجه الرد أنه محدث في صلاته فلا تصح لأن التحلل منها ركن فيها لحديث وتحليلها التسليم كما أن التحريم بالتكبير ركن فيها لكن انفصل الحنفية عن ذلك بأن السلام واجب لا ركن فإن سبقه الحدث بعد التشهد توضأ وسلم، وإن تعمده فالعمد قاطع وإذا وجد القطع انتهت الصلاة لكون السلام ليس ركنًا. وقال ابن بطال: فيه رد على أبي حنيفة في قوله إن المحدث في صلاته يتوضأ ويبني، ووافقه ابن أبي ليلى وقال مالك والشافعي: يستأنف الصلاة واحتجا بهذا الحديث، وتعقبه في المصابيح فقال:
стр. 4357
وفي الاحتجاج نظر وذلك لأن الغاية تقتضي ثبوت القبول بعدها ولا شك أن ما تقدم قبلها من المحدث صلاة وقعت بوجه مشروع وقبولها مشروط بدوام الطهارة إلى حين إكمالها أو بتجديد الطهارة عند وقوع الحدث في أثنائها لاتمامها بعد ذلك فيقبل حينئذٍ ما تقدم من الصلاة قبل الحدث وما وقع بعدها مما يكملها.
والحديث منطبق على هذا وليس فيه ما يدفعه فكيف يكون ردًّا على أبي حنيفة فتأمله.
٣ - باب فِى الزَّكَاةِ وَأَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ
وَلَا يُجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه بيان ترك الحيل (في) إسقاط (الزكاة وأن لا يفرق) بضم أوّله وفتح ثالثه المشدد (بين مجتمع) بكسر الميم الثانية (ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة).
٦٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِى فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري) قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (أبي) عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك ﵁ قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (ثمامة بن عبد الله بن أنس) بضم المثلثة وتخفيف الميم (أن أنسًا) ﵁ (حدّثه أن أبا بكر) الصديق ﵁ (كتب له فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ ولا يجمع) بضم أوّله وفتح ثالثه عطف على فريضة أي لا يجمع المالك والمصدق (بين متفرق) بتقديم الفوقية على الفاء فلو كان لكل شريك أربعون شاة فالواجب عليهما شاتان فإذا جمع تحيل بتنقيص الزكاة إذ يصير على كل واحد نصف شاة (ولا يفرق) بضم التحتية وفتح الراء مشددة (بين مجتمع) بكسر الميم الثانية (خشية) المالك كثرة (الصدقة) بنصب خشية مفعولاً لأجله، وقوله ولا يفرق أي لو كان بين الشريكين أربعون شاة لكل واحد عشرون فيفرق حتى لا يجب على واحد منهما زكاة.
ومطابقته للترجمة ظاهرة وسبق في الزكاة.
٦٩٥٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِى سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِى مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا» فَقَالَ: أَخْبِرْنِى بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ قَالَ: «شَهْرَ رَمَضَانَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا» قَالَ: أَخْبِرْنِى بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَالَ: وَالَّذِى أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» -أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ- إِنْ صَدَقَ». وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِى عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ وَهَبَهَا أَوِ احْتَالَ فِيهَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي مولاهم قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المدني (عن أبي سهيل) بضم السين المهملة مصغرًا نافع (عن أبيه) مالك بن أبي عامر (عن طلحة بن عبيد الله) بضم العين أحد العشرة المبشرة بالجنة ﵁ (أن أعرابيًّا) اسمه ضمام بن ثعلبة أو غيره (جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر) شعر (الرأس) أي متفرقه من عدم الرفاهية (فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليّ) بتشديد الياء (من الصلاة) في اليوم والليلة (فقال) ﷺ :
(الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئًا) وفي الإيمان قال هل عليّ غيرها قال لا إلا أن تطوع (فقال) الإعرابي: يا رسول الله (أخبرني بما فرض الله عليّ من الصيام قال) ﷺ : (شهر رمضان إلا
أن تطوع شيئًا) وفي الإيمان قال هل عليّ غيره قال لا إلا أن تطوع (قال أخبرني بما فرض الله عليّ من الزكاة. قال فأخبره رسول الله ﷺ شرائع الإسلام) ولأبي ذر بشرائع الإسلام بزيادة موحدة قبل المعجمة واجبات الزكاة وغيرها (قال) الإعرابي (والذي أكرمك) أي برسالته العامة (لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئًا فقال رسول الله ﷺ : أفلح) أي فاز الأعرابي (إن صدق أو دخل الجنة وإن صدق) ولأبي ذر عن الكشميهني أو أدخل الجنة بزيادة همزة مضمومة وكسر الخاء المعجمة والشك من الراوي.
واستشكل إذ مفهومه أنه إن تطوع لا يفلح وأجيب: بأن شرط اعتبار مفهوم المخالفة عدم مفهوم الموافقة وهاهنا مفهوم الموافقة ثابت لأن من تطوع يفلح بالطريق الأولى، ووجه إدخال هذا الحديث هنا أن المؤلّف ﵀ فهم من قوله ﷺ أفلح إن صدق إن من رام أن ينقص شيئًا من فرائض الله بحيلة يحتالها لا يفلح ولا يقوم له بذلك عند الله عذر وما أجازه الفقهاء من تصرف صاحب المال في ماله قرب حلول الحول لم يريدوا بذلك الفرار من الزكاة ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط قاله في المصابيح.
والحديث سبق في الإيمان.
(وقال بعض الناس): وهم الحنفية كما قيل فيما مر (في عشرين ومائة بعير حقتان) بكسر المهملة وتشديد القاف تثنية حقة وهي التي لها ثلاث سنين
стр. 4358
(فإن أهلكها) أي العشرين ومائة (متعمدًا) بأن ذبحها (أو وهبها أو احتال فيها) قبل الحول بيوم (فرارًا من الزكاة فلا شيء عليه) لأن ذلك لا يلزمه إلا بتمام الحول ولا يتوجه إليه معنى قوله خشية الصدقة إلا حينئذٍ، وهذا يقتضي على اصطلاح المؤلّف بإرادة الحنفية اختصاصهم بذلك لكن الشافعي وغيره يقولون بذلك أيضًا وأجيب بأن الشافعي وغيره وإن قالوا لا زكاة عليه لا يقولون لا شيء عليه لأنهم يلومونه على هذه النية، لكن. قال البرماوي: إنما يلام إذا كان حرامًا ولكن هو مكروه، وقال مالك: من فوت من ماله شيئًا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول لقوله ﷺ خشية الصدقة.
٦٩٥٧ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ فَيَطْلُبُهُ، وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ قَالَ: وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إسحاق) هو ابن راهويه كما جزم به أبو نعيم في المستخرج قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (معمر) هو ابن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري (عن همام) هو ابن منبه (عن أبي هريرة ﵁¬) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(يكون كنز أحدكم) وهو المال الذي يخبأ من غير أن تؤدّى زكاته (يوم القيامة شجاعًا) بضم الشين المعجمة بعدها جيم ذكر الحيات أو الذي يقوم على ذنبه ويواثب الراجل والفارس وربما بلغ الفارس (أقرع) لا شعر على رأسه لكثرة سمه وطول عمره (يفر منه صاحبه فيطلبه) ولأبي ذر ويطلبه بالواو بدل الفاء (ويقول أنا كنزك قال) ﷺ : (والله لن يزال) ولأبي ذر عن الكشميهني لا يزال (يطلبه حتى يبسط) صاحب المال (يده فيلقمها) بضم التحتية وفتح الميم (فاه). أي يلقم صاحب المال يده فم الشجاع وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة في الزكاة فيأخذ بلهزمتيه أي يأخذ الشجاع يد صاحب المال بشدقيه وهما اللهزمتان.
٦٩٥٨ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا». وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِى رَجُلٍ لَهُ إِبِلٌ فَخَافَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَبَاعَهَا بِإِبِلٍ مِثْلِهَا، أَوْ بِغَنَمٍ أَوْ بِبَقَرٍ أَوْ بِدَرَاهِمَ فِرَارًا مِنَ الصَّدَقَةِ بِيَوْمٍ احْتِيَالاً، فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ وَهْوَ يَقُولُ: إِنْ زَكَّى إِبِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ بِيَوْمٍ أَوْ بِسَنَةٍ جَازَتْ عَنْهُ.
(وقال رسول الله ﷺ ¬) بالسند السابق (إذا ما رب النعم) بفتح النون والمهملة وما زائدة أي إذا مالك الإبل (لم يعط حقها) أي زكاتها (تسلط عليه يوم القيامة تخبط) بفتح الفوقية وسكون المعجمة وكسر الموحدة بعدها طاء مهملة ولأبي ذر فتخبط (وجهه بأخفافها) جمع خف وهو للإبل كالظلف للشاة.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن فيه منع الزكاة بأيّ وجه كان من الوجوه المذكورة قاله العيني، وقال في الفتح وفي رواية أبي صالح: من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع فذكر نحو حديث الباب قال: وبه تظهر مناسبة ذكره في هذا الباب.
(وقال بعض الناس) يريد الإمام أبا حنيفة (في رجل له إبل فخاف أن تجب عليه الصدقة فباعها بإبل مثلها أو بغنم أو ببقر أو بدراهم فرارًا من الصدقة) الواجبة قبل الحول (بيوم احتيالاً فلا بأس) ولأبي ذر فلا شيء (عليه وهو) أي والحال أنه (يقول: إن زكى إبله قبل أن يحول الحول بيوم أو بسنة) ولأبي ذر أو بستة بكسر السين بعدها فوقية مشددة بدل النون (جازت) ولأبي ذر عن الكشميهني: أجزأت (عنه) التزكية قبل الحول فإذا كان التقديم على الحول مجزئًا فليكن التصرف فيها قبل الحول غير مسقط. وأجيب: بأن أبا حنيفة لم يتناقض في ذلك لأنه لا يوجب الزكاة إلا بتمام الحول ويجعل من قدّمها كمن قدم دينًا مؤجلاً قبل أن يحل.
٦٩٥٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الأَنْصَارِىُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْضِهِ عَنْهَا».
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذَا بَلَغَتِ الإِبِلُ عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فَإِنْ وَهَبَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، أَوْ بَاعَهَا فِرَارًا وَاحْتِيَالاً لإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَتْلَفَهَا فَمَاتَ فَلَا شَىْءَ فِى مَالِهِ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة قال: (حدّثنا ليث) هو ابن سعد الإمام المشهور (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: استفتى سعد بن عبادة الأنصاري) ﵁ (رسول الله ﷺ في ندر) صيام أو عتق أو صدقة أو غيرها (كان على أمه) عمرة (توفيت قبل أن تقضيه فقال رسول الله ﷺ ¬):
(اقضه عنها) قال المهلب فيما نقله عنه في الفتح فيه حجة على أن الزكاة لا تسقط
стр. 4359
بالحيلة ولا بالموت لأنه لما ألزم الولي بقضاء النذر عن أمه كان قضاء الزكاة التي فرضها الله تعالى أشد.
(وقال بعض الناس): أي الإمام أبو حنيفة ﵀ (إذا بلغت الإبل عشرين ففيها أربع شياه فإن وهبها قبل الحول أو باعها فرارًا واحتيالاً) ولأبي ذر أو احتيالاً (لإسقاط الزكاة فلا شيء عليه) لأنه زال عين ملكه قبل الحول (وكذلك وإن أتلفها فمات فلا شيء في ماله) لأن المال إنما تجب فيه الزكاة ما دام واجبًا في الذمة وهذا الذي مات لم يبق في ذمته منه شيء يجب على ورثته وفاؤه.
٤ - باب الْحِيلَةِ فِى النِّكَاحِ
(باب) ترك (الحيلة في النكاح) ولغير أبي ذر بتنوين باب وإسقاط تاليه.
٦٩٦٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِى نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَا الشِّغَارُ؟ قَالَ: يَنْكِحُ ابْنَةَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ ابْنَتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، وَيَنْكِحُ أُخْتَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ أُخْتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ احْتَالَ حَتَّى تَزَوَّجَ عَلَى الشِّغَارِ فَهْوَ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَقَالَ فِى الْمُتْعَةِ: النِّكَاحُ فَاسِدٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُتْعَةُ وَالشِّغَارُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ: بَاطِلٌ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بضم العين العمري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله) بن عمر (﵁) وعن أبيه (أن رسول الله ﷺ نهى) نهي تحريم (عن الشغار) بكسر الشين وفتح الغين المعجمتين قال عبيد الله: (قلت لنافع) مستفهمًا منه: (ما الشغار قال: ينكح) الرجل (ابنة الرجل وينكحه) الآخر (ابنته بغير صداق وينكح أخت الرجل وينكحه) الآخر (أخته بغير صداق) بل يضع كل واحدة منهما صداق الأخرى، واختلف في أصل الشغار في اللغة. فقيل: من شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول كأن العاقد يقول لا ترفع رجل ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك، وقيل مأخوذ من شغر البلد إذا خلا كأنه سمي بذلك لشغوره من الصداق. وقال ابن الأثير: كان
يقول الرجل شاغرني أي زوّجني ابنتك أو أختك أو من تلي أمرها حتى أزوّجك ابنتي أو أختي ولا يكون بينهما مهر، وقيل: الشغر البعد ومنه بلد شاغر إذا بعد عن الناصر والسلطان وكأن هذا العقد بعد عن طريق الحق. والحديث سبق في النكاح.
(وقال بعض الناس) أي الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- (إن احتال حتى تزوج على الشغار فهو) أي العقد (جائز والشرط باطل) فيجب لكل واحدة منهما مهر مثلها. وقال ابن بطال، قال أبو حنيفة: نكاح الشغار منعقد ويصلح بصداق المثل وكل نكاح فساده من أجل صداقه لا يفسخ عنده وينصلح بمهر المثل وقال الأئمة الثلاثة النكاح باطل لظاهر الحديث.
(وقال) أي أبو حنيفة (في المتعة) وهي أن يتزوجها بشرط أن يتمتع بها أيامًا ثم يخلي سبيلها (النكاح فاسد والشرط باطل) وهذا مبني على قاعدة السادة الحنفية وهي إن ما لم يشرع بأصله ووصفه باطل وما شرع بأصله دون وصفه فاسد فالنكاح مشروع بأصله وجعل البضع صداقًا وصف فيه فيفسد الصداق ويصح النكاح بخلاف المتعة فإنها لما ثبت أنها منسوخة صارت غير مشروعة بأصلها.
(وقال بعضهم) أي بعض الحنفية (المتعة والشغار) كل منهما (جائز والشرط باطل) في كل منهما. قال الحافظ ابن حجر: كأنه يشير إلى ما نقل عن زفر أنه أجاز المؤقت وألغى الشرط لأنه فاسد والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، وتعقبه العيني بأن مذهب زفر ليس كذلك بل عنده أن صورته أن يتزوج امرأة إلى مدة معلومة فالنكاح صحيح واشتراط المدة باطل قال: وعند أبي حنيفة وصاحبيه النكاح باطل.
٦٩٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنِ الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَىْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قِيلَ لَهُ إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِمُتْعَةِ النِّسَاءِ بَأْسًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ احْتَالَ حَتَّى تَمَتَّعَ فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ وَقَالَ بَعْضُهُمُ: النِّكَاحُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين وبعدها دالان أولاهما مشددة مهملاً ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله بن عمر) بضم العين فيهما العمري أنه قال: (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن عليّ عن أبيهما) محمد ابن الحنفية (أن) أباه (عليًّا) هو ابن أبي طالب (﵁) أنه (قيل له أن ابن عباس) ﵄ (لا يرى بمتعة النساء بأسًا) أي يصححها (فقال) عليّ (أن رسول الله ﷺ نهى عنها) نهي تحريم (يوم خيبر) بالخاء المعجمة آخره راء (وعن) أكل (لحوم الحمر الإنسية) بكسر الهمزة وسكون النون.
ومطابقة الحديث للترجمة غير ظاهرة لأن بطلان المتعة مجمع عليه والحديث سبق في النكاح.
(وقال بعض الناس) أبو حنيفة ﵀ (إن احتال حتى تمتع)
стр. 4360
أي عقد نكاح متعة (فالنكاح فاسد) والفساد عنده لا يوجب البطلان لاحتمال إصلاحه بلغاء الشرط منه فيحتمل في تصحيحه بذلك كما قال في بيع الربا لو حذف منه الزيادة صح البيع (وقال بعضهم) قيل هو زفر (النكاح جائز والشرط باطل) وسبق قريبًا.
٥ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الاِحْتِيَالِ فِى الْبُيُوعِ
وَلَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ فَضْلُ الْكَلإِ.
(باب) بيان (ما يكره من الاحتيال في البيوع و) باب بيان قوله (لا يمنع فضل الماء) الزائد على قدر الحاجة (ليمنع به فضل الكلأ) بفتح الكاف واللام بعدها همزة بوزن الجبل وهو العشب رطبًا ويابسًا ويمنع مبني للمفعول فيهما.
٦٩٦٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ فَضْلُ الْكَلإِ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(لا يمنع) بالبناء للمفعول (فضل الماء ليمنع) بالبناء للمفعول أيضًا (به فضل الكلأ) بوزن الجبل واللام في ليمنع لام العاقبة والمعنى أن من شق ماء بفلاة وكان حول ذلك الماء كلأ وليس حوله ماء غيره ولا يوصل إلى رعيه إلا إذا كانت المواشي ترد ذلك الماء فنهي صاحب الماء أن يمنع فضله لأنه إذا منعه منع رعي ذلك الكلأ، والكلأ لا يمنع لما في منعه من الإضرار بالناس ويلتحق به الرعاء إذا احتاجوا إلى الشرب لأنهم إذا منعوا من الشرب امتنعوا من الرعي هناك. وقال المهلب: المراد رجل كان له بئر وحولها كلأ مباح فأراد الاختصاص به فيمنع فضل ماء بئره أن يرده نعم غيره للشرب وهو لا حاجة به إلى الماء الذي يمنعه وإنما حاجته إلى الكلأ وهو لا يقدر على منعه لكونه غير مملوك له فيمنع الماء ليتوفر له الكلأ لأن النعم لا تستغني عن الماء بل إذا رعت الكلأ عطشت ويكون ماء غير البئر بعيدًا عنها فيرغب صاحبها عن ذلك الكلأ فيتوفر لصاحب البئر بهذه الحيلة اهـ.
ولم يذكر المؤلّف في الباب حديثًا فيه البيع المترجم به فيحتمل أن يكون مما ترجم له ولم يجد فيه حديثًا على شرطه فبيّض له وعطف عليه ولا يمنع فضل الماء وذكر الحديث المتعلق به.
والحديث سبق في كتاب الشرب.
٦ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّنَاجُشِ
(باب ما يكره) للتحريم (من التناجش) بضم الجيم بعدها شين معجمة.
٦٩٦٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ النَّجْشِ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين ابن جميل بفتح الجيم ابن طريف الثقفي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ نهى عن النجش) نهي تحريم وهو أن يزيد في الثمن بلا رغبة بل ليغرّ غيره.
ومطابقته للترجمة ظاهرة ووجه دخوله في كتاب الحيل من حيث إن فيه نوعًا من الحيلة لإضرار الغير، والحديث سبق في كتاب البيوع.
٧ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الْخِدَاعِ فِى الْبُيُوعِ
وَقَالَ أَيُّوبُ: يُخَادِعُونَ اللَّهَ كَمَا يُخَادِعُونَ آدَمِيًّا، لَوْ أَتَوُا الأَمْرَ عِيَانًا كَانَ أَهْوَنَ عَلَىَّ.
(باب ما ينهى من الخداع) بكسر الخاء المعجمة وتفتح ولأبي ذر عن الكشميهني عن الخداع بالعين المهملة بدل الميم (في البيوع) ولأبي ذر في البيع.
(وقال أيوب) السختياني فيما وصله وكيع في مصنفه عن سفيان بن عيينة عن أيوب (يخادعون الله كما) ولأبي ذر كأنما (يخادعون آدميًّا لو أتوا الأمر عيانًا) بكسر العين أي لو أعلنوا بأخذ الزائد على الثمن معاينة بلا تدليس (كان أهون عليّ) لأنه ما جعل الذين آلة للخداع.
٦٩٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلاً ذَكَرَ لِلنَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِى الْبُيُوعِ فَقَالَ: إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلاً) اسمه حبّان بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن منقذ بالقاف المكسورة والمعجمة بعدها الصحابي ابن الصحابي وقيل هو منقذ بن عمرو وصححه النووي في مبهماته (ذكر للنبي ﷺ أنه يخدع في البيوع) بضم التحتية وسكون الخاء المعجمة (فقال) له النبي ﷺ :
(إذا بايعت فقل لا خلابة) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام لا خديعة في الدين لأن الدين النصيحة.
والحديث سبق في البيوع.
٨ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الاِحْتِيَالِ لِلْوَلِىِّ فِى الْيَتِيمَةِ الْمَرْغُوبَةِ
وَأَنْ لَا يُكَمِّلَ صَدَاقَهَا.
(باب ما ينهى عن الاحتيال للولي في اليتيمة المرغوبة) التي ترغب وليها فيها (وأن لا يكمل) بكسر الميم مشددة (صداقها) ولأبي ذر لها صداقها.
٦٩٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧] قَالَتْ: هِىَ الْيَتِيمَةُ فِى حَجْرِ وَلِيِّهَا. فَيَرْغَبُ فِى مَالِهَا وَجَمَالِهَا فَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ نِسَائِهَا فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِى إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، ثُمَّ اسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧] فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (حدّثنا) ولأبي ذر
стр. 4361
أخبرنا (شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم (قال: كان عروة) بن الزبير (يحدّث أنه سأل عائشة) ﵂ عن معنى قوله تعالى: (﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا﴾) نكاح (﴿اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾) [النساء: ٣] أي من سواهن، وسقط لأبي ذر: من النساء (قالت) عائشة ﵂ (هي اليتيمة) التي مات أبوها تكون (في حجر وليها) القائم بأمورها (فيرغب في مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها بأدنى) بأقل (من سنّة نسائها) من مهر مثل أقاربها (فنهوا) بضم النون (عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن) بضم التحتية وسكون القاف أي يعدلوا (في إكمال الصداق) على عادتهن في ذلك. (ثم استفتى الناس رسول الله ﷺ بعد) بالبناء على الضم أي بعد ذلك كما في إحدى الروايات (فأنزل الله) تعالى (﴿ويستفتونك﴾) بالواو ولأبي ذر يستفتونك بإسقاطها (﴿في النساء﴾) [النساء: ١٢٧] (فذكر الحديث) وفي باب الأكفاء من كتاب النكاح بلفظ: إلى ترغبون أن تنكحوهن فأنزل الله لهن: إن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ونسبها في إكمال الصداق وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها وأخذوا غيرها من النساء قالت: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق، وقال ابن بطال: فيه أنه لا يجوز للولي أن يتزوج يتيمة بأقل من صداقها ولا أن يعطيها من العروض في صداقها ما لا يفي بقيمة صداق مثلها.
ومطابقة الحديث للترجمة واضحة.
٩ - باب إِذَا غَصَبَ جَارِيَةً فَزَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ
فَقُضِىَ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ الْمَيِّتَةِ ثُمَّ وَجَدَهَا صَاحِبُهَا فَهْىَ لَهُ وَيَرُدُّ الْقِيمَةَ وَلَا تَكُونُ الْقِيمَةُ ثَمَنًا.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْجَارِيَةُ لِلْغَاصِبِ لأَخْذِهِ الْقِيمَةَ وَفِى هَذَا احْتِيَالٌ لِمَنِ اشْتَهَى جَارِيَةَ رَجُلٍ لَا يَبِيعُهَا فَغَصَبَهَا وَاعْتَلَّ بِأَنَّهَا مَاتَتْ حَتَّى يَأْخُذَ رَبُّهَا قِيمَتَهَا فَيَطِيبُ لِلْغَاصِبِ جَارِيَةَ غَيْرِهِ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَمْوَالُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ وَلِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا غصب) رجل (جارية) لغيره فادّعى عليه أنه غصبها (فزعم أنها ماتت فقضي) عليه بضم القاف وكسر المعجمة أي فقضى الحاكم عليه (بقيمة البخارية الميتة) في زعمه (ثم وجدها صاحبها) الذي غصبت منه حيّة (فهي له وتردّ القيمة) التي حكم له بها على الغاصب (ولا تكون القيمة ثمنًا) لها لأنه وإنما أخذها لزعمه هلاكها فإذا تبين بطلانه رجع الحكم إلى الأصل.
(وقال بعض الناس): أي الإمام الأعظم أبو حنيفة ﵀ (الجارية) المذكورة (للغاصب لأخذه) أي لأخذ مالكها (القيمة) عنها من الغاصب. قال البخاري: (وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها فغصبها) منه (واعتل) احتج (بأنها ماتت حتى يأخذ ربها) مالكها (قيمتها فيطيب) بفتح التحتية بعد الفاء وكسر الطاء المهملة وسكون التحتية أو بضم ففتح وفتح بتشديد فيحل (للغاصب) بذلك (جارية غيره) وكذا في مأكول أو غيره ادّعى فساده أو حيوان مأكول ذبحه، ثم استدلّ البخاري لبطلان ذلك بقوله:
(قل النبي ﷺ ¬): فيما وصله مطولاً في أواخر الحج (أموالكم عليكم حرام) قال في الكواكب فإن قلت: مقابلة الجمع بالجمع تفيد التوزيع فيلزم أن يكون مال كل شخص حرامًا عليه. ثم أجاب بأنه كقولهم بنو تميم قتلوا أنفسهم أي قتل بعضهم بعضًا فهو مجاز للقرينة الصارفة عن ظاهرها كما علم من القواعد الشرعية، وأجاب العيني: بأن معنى أموالكم عليم حرام إذا لم يوجد التراضي وهاهنا قد وجد بأخذ الغاصب القيمة (و) قال ﷺ فيما وصله في هذا الباب و (لكل غادر) بالغين المعجمة والدال المهملة (لواء يوم القيامة) وأجاب العيني أيضًا بأنه لا يقال للغاصب في اللغة غادر لأن الغدر ترك الوفاء والغصب أخذ الشيء قهرًا وعدوانًا وقول الغاصب ماتت كذب وأخذ المالك القيمة رضا.
٦٩٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لكل غادر لواء يوم القيامة) أي علم (يعرف به) ولا ريب أن الاعتلال الصادر من الغاصب أن الجارية ماتت غدر وخيانة في حق أخيه المسلم، وقال ابن بطال: خالف أبا حنيفة الجمهور في ذلك، واحتج هو بأنه لا يجمع الشيء وبدله في مال شخص واحد، واحتج الجمهور بأنه لا يحل
مال مسلم إلا عن طيب نفسه ولأن القيمة إنما
стр. 4362
وجبت بناء على صدق دعوى الغاصب أن الجارية ماتت فلما تبين أنها لم تمت فهي باقية على ملك المغصوب منه لأنه لم يجر بينهما عقد صحيح فوجب أن تردّ إلى صاحبها. قال: وفرقوا بين الثمن والقيمة بأن الثمن في مقابلة الشيء القائم والقيمة في مقابلة الشيء المستهلك، وكذا في البيع الفاسد والفرق بين الغصب والبيع الفاسد أن البائع رضي بأخذ الثمن عوضًا عن سلعته وأذن للمشتري بالتصرف فيها فإصلاح هذا البيع أن يأخذ قيمة السلعة إن فاتت، والغاصب لم يأذن له المالك فلا يحل أن يتملكه الغاصب إلا إن رضي المغصوب منه بقيمته. والحديث من إفراده.
١٠ - باب
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة فهو كالفصل من السابق، وسقط لفظ باب للنسفي والإسماعيلي.
٦٩٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْضِىَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة أبو عبد الله العبدي البصري أخو سليمان بن كثير (عن سفيان) الثوري (عن هشام عن) أبيه (عروة) بن الزبير (عن زينب ابنة) ولأبي ذر بنت (أم سلمة) واسم أن زينب أبو سلمة بن عبد الأسد (عن) أمها (أم سلمة) هند بنت أبي أمية ﵂ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إنما أنا بشر) يطلق على الواحد كما هنا وعلى الجمع قوله تعالى: ﴿نذيرًا للبشر﴾ [المدثر: ٣٦] وليست إنما هنا للحصر التام بل لحصر بعض الصفات في الموقوف فهو حصر في البشرية بالنسبة إلى الاطّلاع على البواطن ويسمى هذا عند أهل البيان قصر قلب لأنه أتى به ردًّا على من يزعم أن من كان رسولاً يعلم الغيب ولا يخفى عليه المظلوم فأعلم ﷺ أنه كالبشر في بعض الصفات الخلقية وإن زاد عليهم بما أكرمه الله به من الكرامات من الوحي والإطلاع على المغيبات في أماكن وأنه يجوز عليه في الأحكام ما يجوز عليهم وإنه إنما يحكم بينهم بالظواهر فيحكم بالبيّنة واليمين وغيرهما مع جواز كون الباطن على خلاف ذلك، ولو شاء الله لأطلعه على باطن أمر الخصمين فحكم بيقين من غير احتياج إلى حجة من المحكوم له من بيّنة أو يمين لكن لما كانت أمته مأمورين باتّباعه والاقتداء بأقواله وأفعاله جعل له من الحكم في أقضيته ما يكون حكمًا لهم في أقضيتهم لأن الحكم بالظاهر أطيب للقلوب وأسكن للنفوس، وقال ﷺ ذلك توطئة لما يأتي بعد لأنه معلوم أنه ﷺ بشر (وأنكم تختصمون) زاد أبو ذر عن الكشميهني إليّ فلا أعلم
بواطن أموركم كما هو مقتضى الحالة البشرية وإنما أحكم بالظاهر (ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته) بالحاء المهملة أفعل تفضيل من لحن بكسر الحاء إذا فطن لحجته أي ألسن وأفصح وأبين كلامًا وأقدر على الحجة (من بعض) وهو كاذب (وأقضى) عطف على المنصوب السابق بالواو ولأبي ذر فأقضى (له) بسبب بلاغته (على نحو ما) أي الذي (أسمع) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي مما أسمع (فمن قضيت له من حق أخيه) وفي رواية بحق أخيه المسلم ولا مفهوم له لأنه خرج مخرج الغالب وإلا فالذمي والمعاهد كذلك وسقط لفظ حق لأبي ذر فيصير فمن قضيت له من أخيه (شيئًا) بظاهر يخالف الباطن فهو حرام (فلا يأخذ) بإسقاط الضمير المنصوب أي فلا يأخذ ما قضيت له. ولأبي ذر عن الكشميهني: فلا يأخذه (فإنما أقطع له قطعة) بكسر القاف طائفة (من النار) إن أخذها مع علمه بأنها حرام عليه وهذا من المبالغة في التشبيه جعل ما يتناوله المحكوم له بحكمه ﷺ وهو في الباطن باطل قطعة من النار، وقال في العدة: أطلق عليه ذلك لأنه سبب في حصول النار له فهو من مجاز التشبيه كقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا﴾ [النساء: ١٠] وحاصله أنه أخذ ما يؤول به إلى قطعة من النار فوضع المسبب وهو قطعة من النار موضع السبب وهو ما حكم له به.
وفي الحديث أن حكم الحاكم لا يحل ما حرم الله ورسوله ولا يحرمه فلو شهد شاهدا زور لإنسان بمال فحكم به لم يحل للمحكوم له ذلك المال، ولو شهدا عليه بقتل لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما وإن شهدا على أنه طلق امرأته لم يحل لمن علم كذبهما أن يتزوجها، فإن قيل: هذا الحديث ظاهره أنه يقع
стр. 4363
منه ﷺ حكم في الظاهر يخالف الباطن وقد اتفق الأصوليون على أنه ﷺ لا يقرّ على الخطأ في الأحكام. فالجواب: أنه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصول لأن مراد الأصوليين ما حكم فيه باجتهاده هل يجوز أن يقع فيه خطأ؟ فيه خلاف والأكثرون على أنه لا يخطئ في اجتهاده بخلاف غيره، وأما الذي في الحديث فليس من الاجتهاد في شيء لأنه حكم بالبيّنة ونحوها، فلو وقع منه ما يخالف الباطن لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح على ما استقر به التكليف وهو وجوب العمل بشاهدين مثلاً، فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك فالتقصير منهما، وأما الحكم فلا حيلة له فيه ولا عيب عليه بسببه بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد.
والحديث سبق في المظالم والشهادات ويأتي إن شاء الله تعالى بعونه وقوته في الأحكام.
١١ - باب فِى النِّكَاحِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه حكم شهادة الزور (في النكاح).
٦٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ وَلَا الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ» فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «إِذَا سَكَتَتْ».
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ لَمْ تُسْتَأْذَنِ الْبِكْرُ وَلَمْ تَزَوَّجْ فَاحْتَالَ رَجُلٌ فَأَقَامَ شَاهِدَىْ زُورٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا، فَأَثْبَتَ الْقَاضِى نِكَاحَهَا وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا، وَهْوَ تَزْوِيجٌ صَحِيحٌ.
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) أبو عمرو الفراهيدي الأزدي مولاهم البصري قال: (حدّثنا هشام) هو ابن أبي عبد الله سنبر بسين مهملة مفتوحة فنون ساكنة فموحدة مفتوحة بوزن جعفر الدستوائي قال: (حدّثنا يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة الطائي مولاهم أبو نصر اليماني (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا تنكح البكر) بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول أي لا تزوّج (حتى تستأذن) بالبناء للمفعول أيضًا أي يوجد منها الإذن (ولا الثيب) بالمثلثة التي زالت بكارتها (حتى تستأمر) بضم أوله يطلب أمرها وفرق بينهما لأن الأمر لا يكون إلا باللفظ والاذن بلفظ وغيره (فقيل: يا رسول الله كيف إذنها؟) أي إذن البكر (قال) ﷺ : (إذا سكتت) بفوقيتين لأن الغالب من حالها أن لا تظهر إرادة النكاح حياء.
والحديث سبق في النكاح.
(وقال بعض الناس): هو الإمام أبو حنيفة ﵀ (إن) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إذا (لم تستأذن البكر) بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول (ولم تزوّج) أصله تتزوج فحذف إحدى التاءين تخفيفًا (فاحتال رجل فأقام شاهدي زور) بإضافة شاهدي للاحقه ولأبي ذر شاهدين زوزًا أي شهدا زورًا (أنه تزوجها برضاها فأثبت القاضي نكاحها بشهادتهما) ولأبي ذر عن الكشميهني نكاحه (والزوج) أي والحال أن الزوج (يعلم أن الشهادة باطلة فلا بأس أن يطأها) ولا يأثم بذلك (وهو تزويج صحيح) لأن مذهبه ﵀ أن حكم القاضي ينفذ ظاهرًا وباطنًا.
٦٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ وَلَدِ جَعْفَرٍ تَخَوَّفَتْ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلِيُّهَا وَهْىَ كَارِهَةٌ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى شَيْخَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ ابْنَىْ جَارِيَةَ قَالَا: فَلَا تَخْشَيْنَ فَإِنَّ خَنْسَاءَ بِنْتَ خِذَامٍ أَنْكَحَهَا أَبُوهَا وَهْىَ كَارِهَةٌ فَرَدَّ النَّبِىُّ ﷺ ذَلِكَ. قَالَ سُفْيَانُ: وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ عَنْ أَبِيهِ إِنَّ خَنْسَاءَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني وسقط لأبي ذر ابن عبد الله قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) بكسر العين الأنصاري (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (أن امرأة) لم تسمّ (من ولد جعفر) قال الحافظ ابن حجر: يغلب على الظن أنه ابن أبي طالب قال: وتجاسر الكرماني فقال: المراد جعفر الصادق بن محمد الباقر وكان القاسم بن محمد جدّ جعفر الصادق لأمه اهـ.
وعند الإسماعيلي من رواية ابن أبي عمر عن سفيان أن امرأة من آل أبي جعفر (تخوفت أن يزوّجها وليها وهي) أي والحال أنها (كارهة فأرسلت إلى شيخين من الأنصار عبد الرحمن ومجمع) بضم الميم الأولى وكسر الثانية مشدّدة بينهما جيم مفتوحة آخره عين مهملة (ابني جارية) بالجيم والراء التحتية وهو جدهما وصحفه بعضهم بالحاء المهملة والمثلثة واسم أبيهما كما سبق في النكاح يزيد وزاد في رواية ابن أبي عمر تخبرهما أنه ليس لأحد من أمري شيء (قالا) لها: (فلا تخشين) بفتح الشين المعجمة على أنه خطاب للمرأة المتخوفة ومن معها، وفي رواية ابن أبي عمر فأرسلا إليها أن لا تخافي.
قال في الفتح: فدلّ على أنهما خاطبا من كانت أرسلته إليهما أو من أرسلا، وعلى الحالين فكان من أرسل في ذلك جماعة نسوة وظن السفاقسي أنه خطاب للمرأة وحدها فقال: الصواب فلا تخشين بكسر الياء وتشديد النون قال: ولو كان بلا تأكيد لحذفت النون اهـ.
(فإن خنساء) بفتح الخاء المعجمة وسكون النون وبالسين المهملة
стр. 4364
بعدها همزة ممدودًا الأنصارية (بنت خذام) بكسر الخاء وفتح الذال الخفيفة المعجمتين وبعد الألف ميم الأنصارية الأوسية (انكحها أبوها) خذام بن وديعة من رجل لم يسم، لكن قال الواقدي: إنه من بني مزينة (وهي) أي والحال أنها (كارهة) ذلك زاد في النكاح فأتت رسول الله ﷺ وعند عبد الرزاق أنها قالت: يا رسول الله إن أبي أنكحني وإن عم ولدي أحب إليّ (فردّ النبي ﷺ ذلك) النكاح (قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (وأما عبد الرحمن) بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (فسمعته يقول عن أبيه) القاسم (إن خنساء) فلم يذكر عبد الرحمن بن يزيد ولا أخاه فأرسله.
٦٩٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قَالُوا: كَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ».
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ احْتَالَ إِنْسَانٌ بِشَاهِدَىْ زُورٍ عَلَى تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ بِأَحمرِهَا، فَأَثْبَتَ الْقَاضِى نِكَاحَهَا إِيَّاهُ وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا قَطُّ، فَإِنَّهُ يَسَعُهُ هَذَا النِّكَاحُ وَلَا بَأْسَ بِالْمُقَامِ لَهُ مَعَهَا.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا شيبان) بفتح الشين المعجمة ابن عبد الرحمن النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تنكح) بالبناء للمفعول (الأيم حتى تستأمر) أي يطلب أمرها والأيم بفتح الهمزة وتشديد التحتية مكسورة وبعدها ميم من لا زوج لها بكرًا أو ثيبًا لكن المراد هنا الثيب بقرينة المقابلة للبكر في قوله: (ولا تنكح البكر) بالبناء للمفعول (حتى تستأذن) بالبناء للمفعول أيضًا (قالوا): يا
رسول الله (كيف إذنها؟) أي إذن البكر (قال) ﷺ إذنها (أن تسكت) غالبًا. وإنما وقع السؤال عن الإذن مع أن حقيقته معلومة لأن البكر لما كانت تستحي أن تفصح بإظهار رغبتها في النكاح احتيج إلى كيفية إذنها.
(وقال بعض الناس): هو الإمام أبو حنيفة (إن احتال إنسان بشاهدي زور على تزويج امرأة ثيب بأمرها فأثبت القاضي نكاحها إياه والزوج يعلم أنه لم يتزوجها قط فإنه يسعه) أي يجوز له (هذا النكاح ولا بأس بالمقام له معها) بضم ميم المقام لأن حكم الحاكم ينفذ ظاهرًا وباطنًا عنده كما مرّ، وقد نقل المهلب اتفاق العلماء على وجوب استئذان الثيب لقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ [البقرة: ٢٣٢] إذا تراضوا فدلّ على أن النكاح يتوقف على الرضا من الزوجين، وأمر النبي ﷺ باستئذان نكاح الثيب وردّ نكاح من زوجت كارهة فقول الإمام أبي حنيفة خارج عن هذا كله ذكره في الفتح.
٦٩٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» قُلْتُ: إِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحْيِى؟ قَالَ: «إِذْنُهَا صُمَاتُهَا».
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ هَوِىَ رَجُلٌ جَارِيَةً يَتِيمَةً أَوْ بِكْرًا، فَأَبَتْ فَاحْتَالَ فَجَاءَ بِشَاهِدَىْ زُورٍ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، فَأَدْرَكَتْ فَرَضِيَتِ الْيَتِيمَةُ فَقَبِلَ الْقَاضِى شَهَادَةَ الزُّورِ وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ حَلَّ لَهُ الْوَطْءُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بضم الميم واسمه زهير (عن ذكوان) مولى عائشة (عن عائشة رضي الله محئها) أنها (قالت قال رسول الله ﷺ ¬):
والحديث سبق في النكاح.
(وقال بعض الناس): هو أبو حنيفة الإمام (إن هوي) بفتح الهاء وكسر الواو أحب (رجل) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: إنسان (جارية) فتية من النساء (يتيمة) ولأني ذر عن الكشميهني: ثيبًا بدل يتيمة (أو بكرًا فأبت) أن تتزوجه (فاحتال فجاء بشاهدي زور على أنه يتزوجها فأدركت) أي بلغت الحلم (فرضيت اليتيمة) بذلك (فقبل القاضي شهادة الزور) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: بشهادة الزور (والزوج يعلم ببطلان ذلك) بباء الجر ولأبي ذر بطلان ذلك (حلّ له الوطء) مع علمه بكذب الشاهدين في ذلك، وظاهره أنها بعد الشهادة بلغت الحلم ورضيت، ويحتمل أنه يريد أنه جاء بشاهدين على أنها أدركت ورضيت فتزوجها فيكون داخلاً تحت الشهادة، وقال في الفتح: إن الاستئذان ليس بشرط في صحة النكاح ولو كان واجبًا، وحينئذ فالقاضي
أنشأ لهذا الزوج عقدًا مستأنفًا فيصح، وهذا قول أبي حنيفة واحتج بأثر عن علي في نحو هذا قال فيه: شاهداك زوّجاك وخالفه صاحباه.
١٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنِ احْتِيَالِ الْمَرْأَةِ مَعَ الزَّوْجِ وَالضَّرَائِرِ وَمَا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِى ذَلِكَ
(باب ما يكره من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر) جمع ضرة بفتح الضاد المعجمة والراء المشددة (وما نزل على النبي ﷺ ذلك).
стр. 4365
٦٩٧٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَيُحِبُّ الْعَسَلَ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ أَجَازَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا، أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِى: أَهْدَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةَ عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ شَرْبَةً، فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ قُلْتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ فَقُولِى لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ: لَا، فَقُولِى لَهُ مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدُ مِنْهُ الرِّيحُ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ: سَقَتْنِى حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ فَقُولِى لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، وَسَأَقُولُ: ذَلِكَ وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ قُلْتُ: تَقُولُ سَوْدَةُ وَالَّذِى لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أُبَادِرَهُ بِالَّذِى قُلْتِ لِى وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ فَرَقًا مِنْكِ، فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: «لَا» قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: «سَقَتْنِى حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ» قُلْتُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَىَّ قُلْتُ لَهُ: مِثْلَ ذَلِكَ، وَدَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: «لَا حَاجَةَ لِى بِهِ» قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا اسْكُتِى.
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) القرشي الهباري بفتح الهاء والموحدة المشددة وبعد الألف راء مكسورة فتحتية قال (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء) بالهمز والمد ويقصر فيكتب بالياء بدل الألف وعند الثعالبي في فقه اللغة أنها المجيع بفتح الميم وكسر الجيم بوزن عظيم وهو تمر يعجن بلبن (ويحب العسل) أفرده لشرفه لما فيه من الخواص فهو كقوله تعالى: ﴿وملائكته ورسله وجبريل﴾ [البقرة: ٩٨] (وكان إذا صلّى العصر أجاز على نسائه) بفتح الهمزة والجيم وبعد الألف زاي أي يقطع المسافة التي بين كل واحدة والتي تليها يقال أجاز الوادي إذا قطعه وسبق في الطلاق من رواية عليّ بن مسهر إذا صلّى العصر دخل على نسائه
(فيدنو منهن فدخل على حفصة) أم المؤمنين بنت عمر ﵄ (فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس) أي أقام أكثر مما كان يقيم قالت عائشة: (فسألت عن) سبب (ذلك) الاحتباس (فقال) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر فقيل (لي أهدت امرأة) ولأبي ذر عن الكشميهني لها امرأة (من قومها) لم أقف على اسمها (عكة عسل فسقت رسول الله ﷺ منه شربة) وسبق أن شربة العسل كانت عند زينب بنت جحش وهنا أنها عند حفصة وعند ابن مردويه عن ابن عباس أنها كانت عند سودة فيحمل على التعدد قالت عائشة (فقلت: أما) بالتخفيف والألف ولأبي ذر أم بحذفها (والله لنحتالن له) أي لأجله واللامان في لنحتالن بالفتح (فذكرت ذلك لسودة) بنت زمعة (قلت) ولأبي ذر وقلت لها: (إذا دخل عليك) النبي ﷺ (فإنه سيدنو) سيقرب (منك فقولي له: يا رسول الله أكلت مغافير) بالغين المعجمة والفاء قال ابن قتيبة صمغ حلو له رائحة كريهة (فإنه سيقول) لك (لا فقولي له ما هل الريح) زاد في الطلاق التي أجد منك (وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح) الغير طيب (فإنه سيقول) لك (سقتني حفصة شربة عسل فقولي له جرست) بفتح الجيم والراء والسين المهملة أي رعت (نحلة العرفط) بضم العين المهملة والفاء بينهما راء ساكنة آخره طاء مهملة الشجر الذي صمغه المغافير (وسأقول) أنا له (ذلك وقوليه أنت يا صفية) بنت حيي (فلما دخل) رسول الله ﷺ (على سودة) بنت زمعة قالت عائشة (قلت) ولأبي ذر قالت أي عائشة: (تقول سودة) لي: (والذي لا إله إلا هو لقد كدت) قاربت (أن أبادره) من المبادرة وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والكشميهني أن أبادئه بالموحدة من المبادأة بالهمزة، ولابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذر عن المستملي أناديه بالنون بدل الموحدة (بالذي قلت لي وأنه) ﷺ (لعلى الباب فرقًا) بفتح الراء خوفًا (منك فلما دنا) قرب (رسول الله ﷺ ¬) مني (قلت له: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال):
(لا) ما أكلت مغافير (قلت: فما هذه الريح؟) زاد في الطلاق: التي أجد منك (قال): (سقتني حفصة شربة عسل قلت) ولأبي ذر عن الحموي قالت أي سودة (جرست) رعت (نحله العرفط) قالت عائشة (فلما دخل عليّ قلت له مثل ذلك) القول الذي قلت لسودة أن تقول له (ودخل على صفية) بنت حيي (فقالت له مثل ذلك فلما دخل على حفصة قالت له: يا رسول الله ألا) بالتخفيف (أسقيك منه؟) بفتح الهمزة أي من العسل (قال: لا حاجة لي به قالت) عائشة ﵂ (تقول سودة سبحان الله لقد حرمناه) بتخفيف الراء أي منعناه ﷺ العسل (قالت) عائشة (قلت لها اسكتي) لئلا يفشو ذلك فيظهر ما دبرته لحفصة.
فإن قلت: كيف جاز على أزواجه ﵅ الاحتيال؟ أجيب: بأنه من مقتضيات الطبيعة للنساء في الغيرة وقد عفي عنهن.
والحديث سبق في الأطعمة والأشربة والطب والطلاق.
١٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الاِحْتِيَالِ فِى الْفِرَارِ مِنَ الطَّاعُونِ
(باب ما يكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون) بوزن فاعول وهو وخز
стр. 4366
أعدائنا من الجن كما في الحديث وهذا لا يعارضه قول ابن سينا سببه دم رديء يستحيل إلى جوهر سميّ يفسد العضو ويؤدّي إلى القلب كيفية رديئة فيحدث القيء والغثيان والغشي لأنه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة فيحدث منها المادة السمية ويهيج الدم بسببها.
٦٩٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ فَلَمَّا جَاءَ بِسَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ وَقَعَ بِالشَّأْمِ فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» فَرَجَعَ عُمَرُ مِنْ سَرْعَ.
وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا انْصَرَفَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبد الله بن عامر بن ربيعة) العنزي حليف بني عدي أبي محمد المدني ولد على عهد النبي ﷺ ولأبيه صحبة مشهورة (أن عمر بن الخطاب) ﵁ (خرج إلى الشام) في ربيع الثاني سنة ثماني عشرة يتفقد أحوال الرعية (فلما جاء بسرغ) بموحدة فمهملة مفتوحة وسكون الراء بعدها غين معجمة غير منصرف وينصرف قرية بطرف الشام مما يلي الشأم ولأبي ذر سرغ بإسقاط الموحدة (بلغه أن الوباء) بفتح الواو والموحدة والهمزة ممدودًا وهو المرض العام والمراد هنا الطاعون المعروف بطاعون عمواس (وقع بالشأم) فعزم على الرجوع بعد أن اجتهد ووافقه بعض الصحابة ممن معه على ذلك (فأخبره عبد الرحمن بن عوف) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(إذا سمعتم بأرض) ولأبي ذر به أي بالطاعون بأرض (فلا تقدموا) بفتح أوّله وثالثه ولأبي ذر فلا تقدموا بضم الأوّل وكسر الثالث (عليه) لأنه إقدام على خطر (وإذا وقع) الطاعون (بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا) منها (فرارًا منه). لأنه فرار من القدر فالأوّل تأديب وتعليم والآخر تفويض وتسليم (فرجع عمر من سرغ).
(وعن ابن شهاب) الزهري بالسند السابق (عن سالم بن عبد الله أن) جده (عمر) بن الخطاب ﵁ (إنما انصرف) من سرغ (من حديث عبد الرحمن) بن عوف ﵁ وفيه تقديم خبر الواحد على القياس لأن الصحابة اتفقوا على الرجوع اعتمادًا على خبر عبد الرحمن وحده بعد أن ركبوا المشقّة في المسير من المدينة إلى الشام ورجعوا ولم يدخلوا الشام، وروي أن انصراف عمر إنما كان من أبي عبيدة بن الجراح لأنه استقبله قائلاً جئت بأصحاب رسول الله ﷺ
تدخلهم أرضًا فيها الطاعون فقال عمر: يا أبا عبيدة أشككت؟ فقال أبو عبيدة: كأني يعقوب إذ قال لبنيه ﴿لا تدخلوا من باب واحد﴾ [يوسف: ٦٧] فقال عمر: والله لأدخلنها. فقال أبو عبيدة: لا تدخلها فردّه.
٦٩٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ الْوَجَعَ فَقَالَ: «رِجْزٌ -أَوْ عَذَابٌ- عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الأُمَمِ ثُمَّ بَقِىَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ فَيَذْهَبُ الْمَرَّةَ وَيَأْتِى الأُخْرَى، فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ بِأَرْضٍ وَقَعَ بِهَا فَلَا يَخْرُجْ فِرَارًا مِنْهُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرني بالخاء المعجمة والإفراد (عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد) بضم الهمزة ابن حارثة (يحدث سعدًا) هو ابن أبي وقاص والد عامر (أن رسول الله ﷺ ذكر الوجع) أي الطاعون (فقال):
(رجز) بالزاي عذاب (أو) قال (عذاب) بالشك من الراوي (عذب به بعض الأمم) لما كثر طغيانهم (ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع بأرض) ولأبي ذر عن الكشميهني به أي بالطاعون بأرض (فلا يقدمن) بفتح أوله وثالثه أو بضم أوّله وكسر ثالثه (عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارًا منه). من الطاعون. قال المهلب: والتحيل في الفرار من الطاعون بأن يخرج في تجارة أو لزيارة مثلاً وهو ينوي بذلك الفرار من الطاعون.
والحديث سبق في ذكر بني إسرائيل.
١٤ - باب فِى الْهِبَةِ وَالشُّفْعَةِ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ وَهَبَ هِبَةً أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى مَكَثَ عِنْدَهُ سِنِينَ، وَاحْتَالَ فِى ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ الْوَاهِبُ فِيهَا، فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَخَالَفَ الرَّسُولَ ﷺ فِى الْهِبَةِ وَأَسْقَطَ الزَّكَاةَ.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه ما يكره من الاحتيال (في) الرجوع عن (الهبة و) الاحتيال في إسقاط (الشفعة. وقال بعض الناس): الإمام أبو حنيفة (إن وهب) شخص (هبة ألف درهم أو أكثر حتى مكث) بفتح الكاف وضمها بعدها مثلثة الشيء الموهوب (عنده) عند الموهوب له (سنين واحتال) الواهب (في ذلك) بأن تواطأ مع الموهوب له أن لا ينصرف قاله في الفتح (ثم رجع الواهب فيها) أي في الهبة (فلا زكاة على واحد منهما، فخالف) هذا القائل (الرسول) أي ظاهر حديث الرسول (¬ ﷺ في الهبة)
стр. 4367
المتضمن للنهي عن العود فيها (وأسقط الزكاة) بعد أن حال عليها
الحول عند الموهوب له ووجوب زكاتها عليه عند الجمهور وأما الرجوع فلا يكون إلا في الهبة للولد.
٦٩٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «الْعَائِدُ فِى هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِى قَيْئِهِ، لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ».
واحتج البخاري ﵀. بقوله: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه) زاد مسلم من رواية أبي جعفر محمد بن علي الباقر عنه فيأكله (ليس لنا مثل السوء) بفتح السين أي لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحواله، وظاهر هذا المثل كما قاله النووي تحريم الرجوع في الهبة بعد القبض وهو محمول على هبة الأجنبي لا ما وهبه لولده، وقال العيني: لم يقل أبو حنيفة هذه المسألة على هذه الصورة بل قال: إن للواهب أن يرجع في هبته إذا كان الموهوب له أجنبيًّا وقد سلمها له لأنه قبل التسليم يجوز مطلقًا واستدلّ لجواز الرجوع بحديث ابن عباس عند الطبراني مرفوعًا: من وهب فيه هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها. وحديث ابن عمر مرفوعًا عند الحاكم وقال صحيح على شرطهما قال: ولم ينكر أبو حنيفة حديث العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه بل عمل بالحديثين معًا فعمل بالأول في جواز الرجوع، وبالثاني في كراهة الرجوع واستقباحه لا في حرمته وفعل الكلب يوصف بالقبح لا بالحرمة.
والحديث سبق في الهبة.
٦٩٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّمَا جَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ الشُّفْعَةَ فِى كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الشُّفْعَةُ لِلْجِوَارِ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى مَا شَدَّدَهُ فَأَبْطَلَهُ وَقَالَ: إِنِ اشْتَرَى دَارًا فَخَافَ أَنْ يَأْخُذَ الْجَارُ بِالشُّفْعَةِ فَاشْتَرَى سَهْمًا مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ، ثُمَّ اشْتَرَى الْبَاقِىَ وَكَانَ لِلْجَارِ الشُّفْعَةُ فِى السَّهْمِ الأَوَّلِ وَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِى بَاقِى الدَّارِ وَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ فِى ذَلِكَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المعروف بالمسندي قال: (حدّثنا هشام بن يوسف) الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄ أنه (قال: وإنما جعل
النبي ﷺ الشفعة) بضم الشين المعجمة وسكون الفاء وحكي ضمها وهي لغة الضم وشرعًا حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعوض (في كل ما لم يقسم) من العقار وما موصولة بمعنى الذي والصلة جملة لم يقسم والعائد المفعول الذي لم يسم فاعله وهو هنا محذوف أي فيما لم يقسم من العقار كما مر (فإذا وقعت الحدود) جمع حدّ وهو هنا ما تتميز به الأملاك بعد القسمة (وصرفت الطرق) بضم الصاد وكسر الراء مشدّدة ومخففة أي بينت مصارفها وشوارعها وجواب فإذا قوله: (فلا شفعة) لأنه صار مقسومًا وخرج عن الشركة فصار في حكم الجوار، والمعنى في الشفعة دفع ضرر مؤونة القسمة واستحداث المرافق المصعد والمنور والبالوعة في الحصة الصائرة إليه وظاهره أن لا شفعة للجار لأنه نفى الشفعة في كل مقسوم.
والحديث سبق في البيوع.
(وقال بعض الناس) هو أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- تشرع (الشفعة للجوار) بكسر الجيم المجاورة (ثم عمد) بفتحات أي محمد أبو حنيفة (إلى ما شدّده) بالشين المعجمة ولأبي ذر عن الكشميهني إلى ما سدده بالسين المهملة أي من إثبات الشفعة للجار كالشريك (فأبطله. وقال: إن اشترى دارًا) أي أراد شراءها كاملة (فخاف أن يأخذها الجار بالشفعة فاشترى) منها (سهمًا) واحدًا شائعًا (من مائة سهم) فيصير شريكًا لمالكها (ثم اشترى الباقي وكان) بالواو وسقطت لأبي ذر (للجار الشفعة في السهم الأول) فيصير أحق بالشفعة من الجار لأن الشريك في المشاع أحق من الجار (ولا شفعة له) أي للجار (في باقي الدار وله) أي للذي اشترى الدار وخاف أن يأخذها الجار (أن يحتال في ذلك) فناقض كلامه لأنه احتج في شفعة الجار بحديث الجار أحق يسقيه ثم تحيل في إسقاطها بما يقتضي أن يكون غير الجار أحق بالشفعة من الجار وليس فيه شيء من خلاف السنة، لكن المشهور عند الحنفية أن الحيلة المذكورة لأبي يوسف، وأما محمد بن الحسن فقال: يكره ذلك أشدّ الكراهة لما فيه من الضرر لا سيما إن كان بين المشتري والشفيع عداوة ويتضرر بمشاركته.
стр. 4368
٦٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ قَالَ: جَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِى، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى سَعْدٍ فَقَالَ أَبُو رَافِعٍ لِلْمِسْوَرِ: أَلَا تَأْمُرُ هَذَا أَنْ يَشْتَرِىَ مِنِّى بَيْتِى الَّذِى فِى دَارِى فَقَالَ: لَا أَزِيدُهُ عَلَى أَرْبَعِمِائَةٍ إِمَّا مُقَطَّعَةٍ وَإِمَّا مُنَجَّمَةٍ قَالَ: أُعْطِيتُ خَمْسَمِائَةٍ نَقْدًا فَمَنَعْتُهُنَّ، وَلَوْلَا أَنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ مَا بِعْتُكَهُ -أَوْ قَالَ- مَا أَعْطَيْتُكَهُ» قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ مَعْمَرًا لَمْ يَقُلْ هَكَذَا قَالَ: لَكِنَّهُ قَالَ: لِى هَكَذَا.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الشُّفْعَةَ، فَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ، فَيَهَبُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِى الدَّارَ وَيَحُدُّهَا وَيَدْفَعُهَا إِلَيْهِ وَيُعَوِّضُهُ الْمُشْتَرِى أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا يَكُونُ لِلشَّفِيعِ فِيهَا شُفْعَةٌ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن إبراهيم بن ميسرة) بفتح الميم والسين المهملة وسكون التحتية بينهما أنه (قال: سمعت عمرو بن الشريد) بفتح العين والشريد بفتح المعجمة وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فدال مهملة الثقفي (قال: جاء المسور بن مخرمة) بن نوفل القرشي ﵄ (فوضع يده على منكبي) بفتح الميم وكسر الكاف (فانطلقت معه إلى سعد) بسكون العين ابن أبي وقاص مالك وهو خال المسور بن مخرمة (فقال أبو رافع) أسلم القبطي مولى رسول الله ﷺ (للمسور) بن مخرمة (ألا تأمر هذا) يعني سعد بن أبي وقاص (أن يشتري مني بيتي الذي) بالإفراد ولأبي ذر عن الكشميهني بيتي بتشديد التحتية بعد فتح الفوقية اللذين بفتح الذال المعجمة وبعد التحتية نون على التثنية (في داري؟) ولأبي ذر في داره (فقال) سعد: (لا أزيده) في الثمن (على أربعمائة إما مقطعة وإما منجمة) أي مؤجلة على نقدات متفرقة والنجم الوقت المعين والشك من الراوي (قال) أبو رافع (أعطيت) بضم الهمزة (خمسمائة) مفعول ثان لأعطيت (نقدًا فمنعته) أي البيع (ولولا أني سمعت النبي) ولأبي ذر رسول الله ﷺ (¬ ﷺ يقول):
(الجار أحق بصقبه) بفتح الصاد المهملة والقاف وكسر الموحدة بقربه أو بقريبه بأن يتعهده ويتصدق عليه مثلاً قيل: هو دليل لشفعة الجوار. وأجيب: بأنه لم يقل أحق بشفعته وهو متروك الظاهر لأنه يستلزم أن يكون الجار أحق من الشريك وهو خلاف مذهب الحنفية (ما بعتكه) ولأبي ذر عن المستملي ما بعتك بإسقاط الضمير (أو قال: ما أعطيتكه؟) قال عليّ بن المديني (قلت لسفيان) بن عيينة (أن معمرًا) فيما رواه عبد الله بن المبارك عن معمر بن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبيه أخرجه النسائي (لم يقل هكذا). قال في الكواكب: أي أن الجار أحق بصقبه، بل قال الشفعة. وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: هذا الذي قاله لا أصل له وما أدري مستنده فيه ولفظ رواية معمر الجار أحق بصقبه كرواية أبي رافع سواء فالمراد بالمخالفة على ما رواه معمرًا بدال الصحابي بصحابي آخر وهو المعتمد (قال) سفيان (لكنه) أي إبراهيم بن ميسرة (قال) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قاله (لي هكذا) وحكى الترمذي عن البخاري أن الطريقين صحيحان وإنما صححهما لأن الثوري وغيره تابعوا سفيان بن عيينة على هذا الإسناد. قال المهلب: مناسبة ذكر حديث أبي رافع أن كل ما جعله النبي ﷺ حقًّا لشخص لا يجوز لأحد إبطاله بحيلة ولا غيرها.
(وقال بعض الناس) هو النعمان أيضًا ﵀: (إذا أراد أن يبيع) ولأبي ذر عن الكشميهني أن يقطع (الشفعة) ورجحها القاضي عياض، وقال الكرماني: يجوز أن يكون المراد بقوله أن يبيع الشفعة لازم البيع وهو الإزالة عن الملك (فله أن يحتال حتى يبطل الشفعة فيهب البائع للمشتري الدار ويحدها) بالحاء والدال المهملتين أي يصف حدودها التي تميزها (ويدفعها) أي الدار (إليه) إلى المشتري (ويعوّضه المشتري ألف درهم) مثلاً (فلا يكون للشفيع فيها شفعة) وإنما سقطت الشفعة في هذه الصورة لأن الهبة ليست معاوضة محصنة فاشتبهت الإرث.
٦٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ أَنَّ سَعْدًا سَاوَمَهُ بَيْتًا بِأَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالٍ فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» لَمَا أَعْطَيْتُكَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ اشْتَرَى نَصِيبَ دَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وَهَبَ لاِبْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن إبراهيم ميسرة) الطائفي نزل مكة (عن عمرو بن الشريد) الثقفي (عن أبي رافع) أسلم مولى رسول الله ﷺ (أن سعدًا) هو ابن أبي وقاص (ساومه بيتًا بأربعمائة مثقال فقال لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(الجار أحق بصقبه) بالصاد المهملة (لما) بفتح اللام وتخفيف الميم ولأبي ذر بسقبه بالسين بدل الصاد ما بإسقاط اللام (أعطيتك) بحذف ضمير المفعول ولأبي ذر عن الكشميهني أعطيتكه.
(وقال بعض الناس) الإمام أبو حنيفة ﵀ (إن اشترى نصيب دار فأراد أن يبطل الشفعة وهب) ما اشتراه (لابنه الصغير ولا يكون عليه يمين) في تحقيق الهبة ولا في جريان شروطها وقيد بالصغير لأن الهبة لو كانت للكبير وجب
стр. 4369
عليه اليمين فيتحيل في إسقاطها بجعلها للصغير ولو وهب لأجنبي فللشفيع أن يحلف الأجنبي أن الهبة حقيقة وأنها جرت بشروطها والصغير لا يحلف.
١٥ - باب احْتِيَالِ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ
(باب) كراهية (احتيال العامل) الذي يتولى في ماله وغيره (ليُهدى له) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول.
٦٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً عَلَى صَدَقَاتِ بَنِى سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتَبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَهَلاَّ جَلَسْتَ فِى بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا» ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّى أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلاَّنِى اللَّهُ، فَيَأْتِى فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِى أَفَلَا جَلَسَ فِى بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، إِلاَّ لَقِىَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِىَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِىَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟» بَصْرَ عَيْنِى وَسَمْعَ أُذُنِى.
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) أبو محمد القرشي الهباري الكوفي من ولد هبار بن الأسود واسمه عبد الله وعبيد لقب غلب عليه قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن أبي حميد) بضم الحاء عبد الرحمن أو المنذر (الساعدي) الأنصاري ﵁ أنه (قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلاً على صدقات بني سليم) بضم السن وفتح اللام (يدعى) الرجل (ابن اللتبية) بضم اللام وفتح الفوقية وسكونها وكسر الموحدة وتشديد التحتية عبد الله واللتبية اسم أمه قال ابن حجر لم أقف على تسميتها (فلما جاء) وفي الأحكام فلما قدم (حاسبه) النبي ﷺ أي أمر من حاسبه (قال: هذا مالكم وهذا هدية) أهديت لي (فقال رسول الله ﷺ ¬) له:
(فهلا) ولأبي ذر عن المستملي فهل بإسقاط الألف وتخفيف اللام (جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك وإن كنت صادقًا ثم خطبنا) ﷺ (فحمد الله) (وأثنى عليه) بما هو أهله (ثم قال: أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا) من الصدقة (بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحدًا) بنون التوكيد الثقيلة وبعد اللام همزة أي والله لأعرفن وفي نسخة فلا أعرفن بألف بعد اللام ثم همزة فلا ناهية للمتكلم صورة وفي المعنى نهي لقوله أحدًا (منكم لقي الله) حال كونه (يحمل بعيرًا) على عنقه حال كونه (له رغاء) بضم الراء وفتح الغين المعجمة وبالهمزة ممدودًا صفة لبعير أي صوت (أو) يحمل (بقرة) على عنقه (لها خوار) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة بعدها ألف فراء صوت أيضًا (أو) يحمل على عنقه (شاة تيعر) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء تصوّت (ثم رفع) ﷺ (يديه) بالتثنية والذي في اليونينية يده بالإفراد (حتى رئي) براء مضمومة فهمزة مكسورة فتحتية ولأبي ذر ريء بكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فهمزة (بياض إبطه) بالإفراد وفي نسخة إبطيه بالتثنية حال كونه (يقول: اللهم هل بلغت) ما أمرتني به (بصر عيني وسمع أذني) بفتح الموحدة وسكون الصاد المهملة وفتح الراء وسمع بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح العين كذا في الفرع كأصله وضبطه أكثرهم كذلك فيما قاله القاضي عياض. قال سيبويه: العرب تقول سمع أذني زيدًا ورأي عيني تقول ذلك بضم آخرهما. قال القاضي عياض: وأما الذي في كتاب الحيل فوجهه النصب على المصدر لأنه لم يذكر المفعول بعده، وقال في الفتح: وبصر بفتح الموحدة وضم الصاد وسمع بفتح السين وكسر الميم أي بلفظ الماضي فيهما أي أبصرت عيناي رسول الله ﷺ ناطقًا رافعًا يديه وسمعت كلامه فيكون من قول أبي حميد، وعلى القول بأنهما مصدران مضافان فمفعول بلغت، ويكون من قول رسول الله ﷺ ، لكن عند أبي عوانة من رواية ابن جريج عن هشام بصر عينا أبي حميد وسمع أذناه وحينئذٍ يتعين أن يكون بضم الصاد وكسر الميم، وفي رواية مسلم من طريق أبي الزناد عن عروة قلت لأبي حميد أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: من فيه إلى أذني، وقوله عيني وأذني
بالإفراد فيهما. وفي مسلم من طريق أبي أسامة بصر وسمع بالسكون فيهما والتثنية في أذنيّ وعينيّ وعنده من رواية ابن نمير بصر عيناي وسمع أذناي. قال المهلب: حيلة العامل ليهدى له تقع بأن يسامح بعض من عليه الحق فلذلك قال هلا جلس في بيت أبيه وأمه لينظر هل يهدى له. وقال في فتح الباري ومطابقة
стр. 4370
الحديث للترجمة من جهة تملكه ما أهدي إنما كان لعلة كونه عاملاً فاعتقد أن الذي أهدي له يستبد به دون أصحاب الحقوق التي عمل فيها فبين له ﷺ أن الحقوق التي عمل لأجلها هي السبب في الإهداء له وأنه لو أقام في منزله لم يهد له شيء فلا ينبغي له أن يستحلها بمجرد كونها وصلت إليه على طريق الهدية فإن ذلك إنما يكون حيث يتمحض الحق له.
والحديث سبق في الهبة والنذور والزكاة.
٦٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ».
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ اشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِىَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَمِائَةَ دِرْهَمٍ، وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِىَ مِنَ الْعِشْرِينَ الأَلْفَ، فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَإِلاَّ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ، فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ رَجَعَ الْمُشْتَرِى عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَهْوَ تِسْعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ لأَنَّ الْبَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِى الدِّينَارِ، فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقَّ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ: فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن إبراهيم بن ميسرة) الطائفي (عن عمرو بن الشريد) الثقفي (عن أبي رافع) اسمه أسلم أنه (قال: قال النبي) ولأبي ذر قال لنا النبي (¬ ﷺ ¬):
(الجار أحق بصقبه) ولأبي ذر بسقبه بالسين بدل الصاد أي أحق بقريبه بأن يتعهده ويتصدق عليه مثلاً وسبق ما فيه قريبًا.
(وقال بعض الناس) الإمام أبو حنيفة النعمان (إن اشترى) أي إن أراد أن يشتري (دارًا بعشرين ألف درهم) مثلاً (فلا بأس أن يحتال) على إسقاط الشفعة (حتى يشتري الدار بعشرين ألف درهم وينقده) بفتح التحتية أي ينقد البائع (تسعة آلاف درهم وتسعمائة درهم وتسعة وتسعين وينقده دينارًا بما) أي بمقابلة ما (بقي من العشرين الألف) ولأبي ذر ألف بإسقاط لام ألف يعني مصارفة عنها (فإن طلب الشفيع أخذها) بسكون الخاء بالشفعة أخذها (بعشرين ألف درهم) وهي
الثمن الذي وقع عليه العقد (وإلاَّ) بأن لم يرض أن يأخذها بالعشرين ألفًا (فلا سبيل له على الدار) لسقوط الشفعة لامتناعه من بذل الثمن الذي وقع عليه العقد (فإن استحقت الدار) بضم الفوقية وكسر الحاء المهملة أي ظهرت مستحقة لغير البائع (رجع المشتري على البائع بما دفع إليه وهو تسعة آلاف درهم وتسعمائة وتسعة وتسعون درهمًا ودينار) لكونه القدر الذي تسلمه منه ولا يرجع عليه بما وقع عليه العقد (لأن البيع) أي المبيع (حين استحق) بضم التاء مبنيًّا للمفعول للغير (انتقض) بالضاد المعجمة (الصرف) الذي وقع بين البائع والمشتري (في الدينار) ولأبي ذر في الدار (فإن وجد) بفتح الواو (بهذه الدار) المذكورة (عيبًا ولم تستحق) بالبناء للمجهول أي والحال أنها لم تخرج مستحقة (فإنه يردّها عليه بعشرين ألف درهم) ولأبي ذر بعشرين ألفًا، وهذا تناقض ظاهر لأن الأمة مجمعة وأبو حنيفة معهم على أن البائع لا يردّ في الاستحقاق والردّ بالعيب إلا ما قبض فكذلك الشفيع لا يشفع إلا بما نقد المشتري وما قبضه من البائع لا بما عقد، وأشار إلى ذلك بقوله: (قال) البخاري (فأجاز) أي أبو حنيفة ﵀ (هذا الخداع بين المسلمين) والخداع بكسر الخاء المعجمة أي الحيلة في إيقاع الشريك في الغبن الشديد إن أخذ بالشفعة أو إبطال حقه بسبب الزيادة في الثمن باعتبار العقد لو تركها.
(وقال) البخاري (قال النبي ﷺ ¬) وسقط واو وقال الأولى لأبي ذر (لا داء) ولأبي ذر بيع المسلم لا داء لا مرض (ولا خبثة) بكسر الخاء المعجمة وتضم وسكون الموحدة بعدها مثلثة بأن يكون المبيع غير طيب كأن يكون من قوم لم يحل سبيهم لعهد تقدّم لهم قاله أبو عبيدة. قال السفاقسي: وهذا في عهدة الرقيق. قال في الفتح: وإنما خصه بذلك لأن الخبر إنما ورد فيه (ولا غائلة) بالغين المعجمة مهموزًا ممدودًا لا سرقة ولا إباق.
وهذا الحديث سبق في أوائل البيوع في باب إذا بين البيعان ونصحا بلفظ ويذكر عن العدّاء بن خالد قال: كتب لي النبي ﷺ هذا ما اشترى محمد رسول الله ﷺ من العدّاء بن خالد بيع المسلم المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة. قال في الفتح: وسنده حسن وله طرق إلى العدّاء ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة موصولاً لكن فيه أن المشتري العدّاء من محمد رسول الله ﷺ ، وسبق ما في ذلك في الباب المذكور.
٦٩٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ بَيْتًا بِأَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالٍ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» مَا أَعْطَيْتُكَ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان
стр. 4371
(عن سفيان) الثوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن ميسرة) ضدّ الميمنة الطائفي (عن عمرو بن الشريد) بفتح العين والشين المعجمة آخره دال مهملة (أن أبا رافع) مولى رسول الله ﷺ اسمه أسلم (ساوم سعد بن مالك) أبا وقاص بن وهيب بن عبد مناف أحد العشرة وأول من رمى بسهم في سبيل
الله (بيتًا) في داره (بأربعمائة مثقال. وقال) أبو رافع بعد قوله أعطيت خمسمائة نقدًا فمنعته (لولا أني سمعت النبي ﷺ يقول):
(الجار أحق بصقبه) بالصاد ولأبي ذر بالسين (ما أعطيتك) البيت. قال في فتح الباري: قوله حدّثنا أبو نعيم حدّثنا سفيان إلى آخره كذا وقع للأكثر هذا الحديث وما بعده متصلاً بباب احتيال العامل وأظنه وقع هنا تقديم وتأخير، فإن الحديث وما بعده يتعلقان بباب الهبة والشفعة، فلما جعل الترجمة مشتركة جمع بين مسائلها، ومن ثم قال الكرماني: إنه من تصرف النقلة، وقد وقع عند ابن بطال هنا باب بلا ترجمة ثم ذكر الحديث وما بعده ثم ذكر باب احتيال العامل، وعلى هذا فلا إشكال لأنه حينئذٍ كالفصل من الباب، ويحتمل أن يكون في الأصل بعد قصة ابن اللتبية باب بلا ترجمة فسقطت الترجمة فقط أو بيّض لها في الأصل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩١ - كتاب التعبير
ثبتت البسملة هنا للجميع.
١ - باب أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ
(كتاب التعبير) أي تفسير الرؤيا وهو العبور من ظاهرها إلى باطنها قاله الراغب. وقال في المدارك: حقيقة عبرت الرؤيا ذكرت عاقبتها وآخر أمرها كما تقول: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه وهو عبره ونحوه أوّلت الرؤيا إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها، وقال البيضاوي: عبارة الرؤيا الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها من العبور وهو المجاوزة اهـ.
وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الإثبات وأنكروا التشديد، لكن قال الزمخشري عثرت على بيت أنشده المبرد في كتاب الكامل لبعض الأعراب:
رأيت رؤيا ثم عبرتها … وكنت للأحلام عبارا
وقال غيره: يقال عبر الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها وعبرتها. بالتشديد للمبالغة في ذلك، ولأبي ذر كتاب التعبير (وأول ما بدئ به رسول الله) ولأبي ذر عن المستملي باب بالتنوين أوّل ما بدئ به رسول الله (¬ ﷺ من الوحي) إليه (الرؤيا الصالحة) أي الحسنة أو الصادقة والمراد بها صحتها والرؤيا كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في النوم ففرق بينهما بتاء التأنيث كالقربة والقربى، وقال الراغب: بالهاء إدراك المرئي بحاسة البصر ويطلق على ما يدرك بالتخيل نحو: أرى أن زيدًا سافر، وعلى التفكر النظري نحو: إني أرى ما لا ترون، وعلى الرأي وهو اعتقاد أحد النقيضين من غلبة الظن. وقال ابن الأثير: الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في النوم من الأشياء، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن وغلب الحلم على ما يراه من الشر
والقبيح، ومنه قوله تعالى: ﴿أضغاث أحلام﴾ [يوسف: ٤٤] وتضم لام الحلم وتسكن، وفي الحديث: الرؤيا من الله والحلم من الشيطان.
قال التوربشتي: الحلم عند العرب مستعمل استعمال الرؤيا والتفريق بينهما إنما كان من الاصطلاحات الشرعية التي لم يضعها حليم ولم يهتد إليها حكيم بل سنّها صاحب الشرع للفصل بين الحق والباطل كأنه كره أن يسمي ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد فجعل الرؤيا عبارة عما كان من الله والحلم عما كان من الشيطان لأن الكلمة لم تستعمل إلا فيما يخيل للحاكم في منامه من قضاء الشهوة مما لا حقيقة له. قال صاحب فتوح الغيب: ولعل التوربشتي أراد بقوله ولم يهتد إليها حكيم ما عرفتها الفلاسفة على ما نقله القاضي البيضاوي في تفسيره الرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما
стр. 4372
من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها ما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة، ثم وإن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بأدنى شيء استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت إليه. انتهى.
وقال من ينتمي إلى الطب أن جميع الرؤيا تنسب إلى الاخلاط فيقول من غلبت عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجوّ وهكذا إلى آخره.
٦٩٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِىُّ فَأَخْبَرَنِى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِى النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فَكَانَ يَأْتِى حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهْوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِىَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهْوَ فِى غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ فَقَالَ: «اقْرَأْ فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَغَطَّنِى الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ --حَتَّى بَلَغَ- ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]» فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: «زَمِّلُونِى زَمِّلُونِى» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ: «يَا خَدِيجَةُ مَا لِى» وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ وَقَالَ: «قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِى» فَقَالَتْ لَهُ: كَلاَّ أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَىٍّ - وَهْوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخُو
أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِىَّ فَيَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ الإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِىَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَىِ ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ وَرَقَةُ: ابْنَ أَخِى مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِىُّ ﷺ مَا رَأَى فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِى فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَمُخْرِجِىَّ هُمْ؟» فَقَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِىَ وَإِنْ يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّىَ وَفَتَرَ الْوَحْىُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِىُّ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَىْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَىْ يُلْقِىَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْىِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالِقُ الإِصْبَاحِ ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ وَضَوْءُ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله المخزومي المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتع القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم. قال المؤلّف: (وحدّثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (معمر) هو ابن راشد ولفظ الحديث له لا لعقيل (قال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (فأخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير بن العوّام والفاء في فأخبرني للعطف على مقدر أي أنه روى له حديثًا وهو عند البيهقي في دلائله من وجه آخر عن الزهري عن محمد بن النعمان بن بشير مرسلاً فذكر قصة بدء الوحي مختصرة ونزول: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ إلى قوله: ﴿خلق الإنسان من علق﴾ [العلق: ١، ٢] قال محمد بن النعمان: فرجع رسول الله ﷺ بذلك. قال الزهري: فسمعت عروة بن الزبير يقول قالت عائشة فذكر الحديث مطوّلاً ثم عقبه بهذا الحديث (عن عائشة ﵂ أنه قالت: أوّل ما بدئ) بضم الموحدة وكسر المهملة بعدها همزة (به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة) التي ليس فيها ضغث، أو التي لا تحتاج إلى تعبير. وفي التعبير للقادري الرؤيا الصادقة ما يقع بعينه أو ما يعبر في المنام أو يخبر به من لا يكذب، وفي باب كيف بدء الوحي الصالحة بدل الصادقة وهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص فرؤيا الأنبياء كلها صادقة وقد تكون صالحة وهي الأكثر وغير صالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في الرؤيا يوم أحد، وقال (في النوم) بعد الرؤيا المخصوصة به لزيادة الإيضاح أو لدفع وهم من يتوهم أن الرؤيا تطلق على رؤية العين فهي صفة موضحة (فكان) ﷺ (لا يرى رؤيا إلا جاءت) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إلا جاءته (مثل فلق الصبح) قال القاضي البيضاوي: شبه ما جاءه
في اليقظة ووجده في الخارج طبقًا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه والفلق الصبح لكنه لما كان مستعملاً في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه للتخصيص والبيان إضافة العام إلى الخاص، وقال في شرح المشكاة: للفلق شأن عظيم ولذا جاء وصفًا لله تعالى في قوله: ﴿فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] وأمر بالاستعاذة برب الفلق لأنه ينبئ عن انشقاق ظلمة عالم الشهادة وطلوع تباشير الصبح بظهور سلطان الشمس وإشراقها الآفاق، كما أن الرؤيا الصالحة مبشرة تنبئ عن وفور أنوار عالم الغيب وإنارة مطالع الهدايات بسبب الرؤيا التي هي جزء يسير من أجزاء النبوة (فكان) ﷺ (يأتي حراء) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء ممدودة مذكر منصرف على الصحيح وقيل مؤنث غير منصرف (فيتحنث) بالحاء المهملة آخره مثلثة في غار (فيه وهو) أي التحنث (التعبد) بالخلوة ومشاهدة الكعبة منه والتفكر أو بما كان يلقى إليه من المعرفة (الليالي ذوات العدد) مع أيامهن والوصف بذوات العدد يفيد التقليل كدراهم معدودة، وقال الكرماني: يحتمل الكثرة إذ الكثير يحتاج إلى العدد وهو المناسب للمقام وإنما كان يخلو ﵊ بحراء دون غيره لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكانوا يعظمونه لجلالته وكبر سنّه فتبعه على ذلك فكان يخلو ﷺ بمكان جدّه وكان الزمن
стр. 4373
الذي يخلو فيه شهر رمضان فإن قريشًا كانت تفعله كما كان تصوم يوم عاشوراء (ويتزوّد لذلك) التعبد (ثم يرجع) إذا نفد ذلك الزاد (إلى خديجة) ﵂ (فتزوّده) ولأبي ذر عن الكشميهني فتزوّد بحذف الضمير (لمثلها) لمثل الليالي (حتى فجئه الحق) بفتح الفاء وكسر الجيم بعدها همزة أي جاءه الوحي بغتة وكأنه لم يكن متوقعًا للوحي قاله النووي، وتعقبه البلقيني سمي به لأن الله خصصه بالوحي (وهو) ﷺ (في غار حراء فجاءه الملك) جبريل ﵇ وفاء فجاءه تفسيرية أو تعقيبية أو سببية وحتى لانتهاء الغاية أي انتهى توجهه لغار حراء بمجيء جبريل (فيه) في الغار (فقال: اقرأ) وهل سلم قبل قوله اقرأ أم لا؟ الظاهر لا لأن المقصود إذ ذاك تفخيم الأمر وتهويله أو ابتداء السلام متعلق بالبشر لا الملائكة ووقوعه منهم على إبراهيم لأنهم كانوا في صورة البشر فلا يرد هنا ولا سلامهم على أهل الجنة لأن أمور الآخرة مغايرة لأمور الدنيا غالبًا، نعم في رواية الطيالسي إن جبريل سلم أولاً، لكن لم يرد أنه سلم عند الأمر بالقراءة قاله في الفتح (فقال له النبي ﷺ ¬):
(ما أنا بقارئ) ولغير أبي ذر فقلت: ما أنا بقارئ أي ما أحسن أن أقرأ (فأخذني) جبريل (فغطّني) ضمني وعصرني (حتى بلغ مني الجهد) بفتح الجيم ونصب الدال مفعول حذف فاعله أي بلغ الغط مني الجهد وبضم الجيم ورفع الدال أي بلغ مني الجهد مبلغه فاعل بلغ (ثم أرسلني) أطلقني (فقال: اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخدني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فغطني) ولأبي ذر عن الكشميهني فأخذني فغطني (الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني) قال في شرح المشكاة قوله ما أنا بقارئ أي حكمي كسائر الناس من أن حصول القراءة إنما هو بالتعلم وعدمه بعدمه فلذلك أخذه وغطّه مرارًا ليخرجه عن حكم سائر الناس ويستفرغ منه البشرية ويفرغ فيه من صفات الملكية (فقال) له حينئذ لما علم المعنى (﴿اقرأ
باسم ربك الذي خلق﴾) كل شيء وموضع باسم ربك النصب على الحال أي اقرأ مفتتحًا باسم ربك قل باسم الله ثم اقرأ (حتى بلغ ﴿ما لم يعلم﴾) [العلق: ١ - ٥] ولأبي ذر حتى بلغ: ﴿علّم الإنسان ما لم يعلم﴾ وفيه كما قال الطيبي إشارة إلى رد ما تصوّره ﷺ من أن القراءة إنما تتيسر بطريق التعليم فقط بل إنها كما تحصل بواسطة المعلم قد تحصل بتعليم الله بلا واسطة فقوله: علم بالقلم إشارة إلى العلم التعليمي وقول: علم الإنسان ما لم يعلم إشارة إلى العلم اللدني ومصداقه قوله تعالى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى﴾ [النجم: ٥] (فرجع بها) بالآيات المذكورة حال كونه (ترجف) تضطرب (بوادره) جمع بادرة وهي اللحمة بين العنق والمنكب، وقال ابن بري هي ما بين المنكب والعنق يعني أنها لا تختص بعضو واحد وإنما رجفت بوادره لما فجئه من الأمر المخالف للعادة لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها (حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني) مرتين أي غطّوني بالثياب ولفوني بها (فزملوه) بفتح الميم (حتى ذهب عنه الروع) بفتح الراء الفزع (فقال: يا خديجة ما لي وأخبرها) ولأبي ذر عن الكشميهني وأخبر (الخبر وقال: قد خشيت على نفسي) أن لا أقوى على مقاومة هذا الأمر ولا أقدر على حمل أعباء الوحي فتزهق نفسي ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عليٌّ بتشديد الياء (فقالت له) خديجة: (كلا) نفي وإبعاد أي لا خوف عليك (أبشر) بخير أو بأنك رسول الله حقًّا (فوالله لا يخزيك الله أبدًا) بضم التحتية وسكون الخاء المعجمة من الخزي ولأبي ذر عن الكشميهني لا يحزنك بالحاء المهملة والنون بدل المعجمة والياء من الحزن (إنك لتصل الرحم) أي القرابة (وتصدق الحديث وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام الثقل ويدخل فيه الإنفاق
стр. 4374
على الضيف واليتيم والعيال وغير ذلك (وتقري الضيف) بفتح الفوقية من غير همز أي تهيئ له طعامه ونزله (وتعين على نوائب الحق) حوادثه أرادت أنك لست ممن يصيبه مكروه لما جمع الله فيك من مكارم الأخلاق ومحاسن الشمائل.
وفيه دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال لمصلحة تطرأ، وفيه تأنيس من حصلت له مخافة من أمر، وفي دلائل النبوة للبيهقي من طريق أبي ميسرة مرسلاً أنه ﷺ قصّ على خديجة ما رأى في المنام فقالت له: أبشر فإن الله لا يصنع بك إلا خيرًا ثم أخبرها بما وقع له من شق البطن وإعادته فقالت له: أبشر إن هذا والله خير ثم استعلن له جبريل فذكر القصة فقال لها: أرأيتك الذي رأيت في المنام فإنه جبريل استعلن لي بأن ربي أرسله إليّ وأخبرها بما جاء به فقالت: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلاّ خيرًا فأقبل الذي جاءك من الله فإنه حق وأبشر فإنك رسول الله.
(ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به) مصاحبة له (ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو) أي ورقة (ابن عم خديجة) وهو (أخو أبيها) ولابن عساكر فيما ذكره في الفتح أخي أبيها بالجر في أخي صفة للعم ووجه الرفع أنه خبر مبتدأ محذوف وفائدته رفع المجاز في إطلاق العم فيه (وكان) ورقة (امرأً تنصّر) دخل في دين النصرانية (في الجاهلية) قبل البعثة المحمدية (وكان يكتب الكتاب العربي) وفي باب بدء الوحي العبراني (فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء
الله أن يكتب) أي الذي شاء الله كتابته (وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له) لورقة (خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك) محمد ﷺ (فقال) له ﷺ (ورقة ابن أخي) بنصب ابن منادى مضاف (ماذا ترى؟ فأخبره النبي ﷺ ما رأى) وفي بدء الوحي خبر ما رأى (فقال) له (ورقة هذا الناموس) جبريل صاحب سر الخير (الذي أنزل) بضم الهمزة (على موسى) بن عمران ﷺ ولم يقل عيسى مع كونه نصرانيًا لأن نزول جبريل ﵇ متفق عليه عند أهل الكتابين بخلاف عيسى ﷺ (يا ليتني فيها) في أيام النبوة ومدّتها (جذعًا) يعني شابًّا قويًا والجذع في الأصل للدواب فهو هنا استعارة وهو بالجيم المعجمة المفتوحتين وبالنصب بكان مقدّرة عند الكوفيين أو على الحال من الضمير في فيها وخبر ليت قوله فيها أي ليتني كائن فيها حال الشبيبة والقوّة لأنصرك وأبالغ في نصرتك (أكون) وفي بدء الوحي ليتني أكون (حيًّا حين يخرجك قومك) من مكة (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(أ) معاديّ (ومخرجيّ هم) بتشديد الياء المفتوحة وقال ذلك استبعادًا للإخراج وتعجبًا منه فيؤخذ منه كما قال السهيلي إن مفارقة الوطن على النفس شديدة لإظهاره ﵊ الإنزعاج لذلك بخلاف ما سمعه من ورقة من إيذائهم وتكذيبهم له (فقال ورقة) له: (نعم) مخرجوك (لم يأت رجل قط بما) ولأبي ذر عن الكشميهني بمثل ما (جئت به) من الوحي (إلاَّ عودي) لأن الإخراج عن المألوف سبب لذلك (وإن يدركني يومك) بجزم يدركني بأن الشرطية ورفع يومك فاعل يدركني أي يوم انتشار نبوتك (أنصرك) بالجزم جواب الشرط (نصرًا) بالنصب على المصدرية (مؤزرًا) من الإزر وهو القوة (ثم لم ينشب) بالشين المعجمة لم يلبث (ورقة أن توفي) بدل اشتمال من ورقة أي لم تلبث وفاته (وفتر الوحي) احتبس ثلاث سنين أو سنتين ونصفًا (فترة حتى حزن النبي ﷺ ¬) بكسر زاي حزن (فيما بلغنا) معترض بين الفعل ومصدره وهو (حزنًا) والقائل هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري من بلاغاته وليس موصولاً، ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور، والمعنى أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله ﷺ جمع في هذه القصة وهو عند ابن مردويه في التفسير بإسقاط قوله: فيما بلغنا ولفظه: فترة حزن النبي -صَلَّى اللَّهُ
стр. 4375
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منها حزنًا (غدا) بغين معجمة في الفرع من الذهاب غدوة، وفي نسخة عدا بالعين المهملة من العدو وهو الذهاب بسرعة (منه) من الحزن (مرارًا كي يتردّى) يسقط (من رؤوس شواهق الجبال) العالية (فكلما أوفى بذروة جبل) بكسر الذال المعجمة وتفتح وتضم أعلاه (لكي يلقي منه) من الجبل (نفسه) المقدسة إشفاقًا أن تكون الفترة لأمر أو سبب منه فتكون عقوبة من ربه ففعل ذلك بنفسه ولم يرد شرع بالنهي عن ذلك فيعترض به أو حزن على ما فاته من الأمر الذي بشره به ورقة، ولم يكن خوطب عن الله أنك رسول الله ﷺ ومبعوث إلى عباده. وعند ابن سعد من حديث ابن عباس بنحو هذا البلاغ الذي ذكره الزهري، وقوله: مكث أيامًا بعد مجيء الوحي لا يرى جبريل فحزن حزنًا شديدًا حتى كان يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء أخرى يريد أن يلقي نفسه (تبدى) ظهر الله جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا). وفي حديث ابن سعد المذكور: فبينا هو عامد لبعض تلك الجبال إذ سمع
صوتًا فوقف فزعًا ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعًا يقول: يا محمد أنت رسول الله حقًّا وأنا جبريل (فيسكن لذلك جأشه) بالجيم ثم الهمزة الساكنة ثم الشين المعجمة اضطراب قلبه (وتقرّ) بكسر القاف في الفرع وفي غيره بفتحها (نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل) لكي يلقي منه نفسه (تبدى) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بدا أي ظهر (له جبريل فقال له مثل ذلك) يا محمد إنك رسول الله حقًّا.
تنبيه:
قال في فتح الباري: قوله هنا فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا هذا وما بعده من زيادة معمر على رواية عقيل ويونس وصنيع المؤلّف يوهم أنه داخل في رواية عقيل، وقد جرى على ذلك الحمري في جمعه فساق الحديث إلى قوله وفتر الوحي، ثم قال: انتهى حديث عقيل المفرد عن ابن شهاب إلى حيث ذكرنا، وزاد عند البخاري في حديثه المقترن بمعمر عن الزهري فقال وفتر الوحي فترة حتى حزن فساقه إلى آخره.
قال الحافظ ابن حجر والذي عندي أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر فقد أخرج طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول الكتاب بدونه، وأخرجه مقرونًا هنا برواية معمر وبين أن اللفظ لمعمر وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر، وأخرجه أحمد ومسلم والإسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضًا من طريق جمع من أصحاب الليث عن الليث بدونها اهـ.
وقال عياض: إن قول معمر في فترة الوحي فحزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنًا غدًا منه مرارًا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال لا يقدح في هذا الأصل أي ما قرره من عدم طريان الشك عليه ﷺ لقول معمر عنه فيما بلغنا ولم يسنده ولا ذكر رواته ولا من حدث به ولا أن النبي ﷺ قاله، ولا يعرف مثل هذا إلا من جهته ﷺ مع أنه قد يحمل على أنه كان أوّل الأمر أو أنه فعل ذلك لما أحرجه من تكذيب من بلغه كما قال تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يومنوا بهذا الحديث أسفًا﴾ [الكهف: ٦] اهـ.
وحاصله أنه ذكر أنه غير قادح من وجهين أحدهما: فيما يتعلق بالمتن من جهة قوله: فيما بلغنا حيث لم يسنده وأنه لا يعلم ذلك إلا من جهة المنقول عنه، والثاني: أنه أوّل الأمر أو أنه فعل ذلك لما أحرجه من تكذيب قومه وفيه بحث إذ عدم إسناده لا يوجب قدحًا في الصحة بل الغالب على الظن أنه بلغه من الثقات لأنه ثقة، لا سيما ولم ينفرد معمر بذلك كما بأن في إطلاق هذا النفي نظرًا فعند ابن إسحاق عن عبيد بن عمير أنه وقع في المنام نظير ما وقع له في اليقظة من الغط والأمر بالقراءة وغير ذلك. قال في الفتح: وفي كون ذلك يستلزم وقوعه في اليقظة حتى يتوقعه نظر فالأولى ترك الجزم بأحد الأمرين.
قال الهروي: سبق وروينا أيضًا من طريق الدولابي مما في سيرة ابن سعيد الناس عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة الحديث وفيه: ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا حزنًا الخ. فاعتضدت كل رواية الأخرى، وكل من الزهري ومعمر ثقة وعلى تقدير الصحة لا يكون قادحًا كما ذكره عياض، لكن لا بالنسبة إلى أنه في أول الأمر لاستقرار الحال فيه مدة بل
стр. 4376
بالنسبة إلى ما أحرجه من التكذيب إذ لا شيء فيه قطعًا بدليل قوله تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم﴾ [الكهف: ٦] أي قاتل نفسك أسفًا وكان التعبير بقوله حصل له ذلك لما أحرجه أحسن من قوله فعل لأن الحزن حالة تحصل للإنسان يجدها من نفسه بسبب لا أنه من أفعاله الاختيارية.
وحديث الباب أخرجه المؤلّف في باب بدء الوحي.
(قال) ولأبي ذر وقال (ابن عباس) ﵄ فيما وصله الطبري من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] الإصباح (ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل) واعترض على المؤلّف بأن ابن عباس فسر الإصباح لا لفظ فالق الذي هو المراد هنا، لأن المؤلّف ذكره عقب هذا الحديث لما وقع فيه فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والإصباح مصدر سمي به الصبح أي شاق عمود الصبح عن سواد الليل أو فالق نور النهار. نعم قال مجاهد كما سبق في تفسير ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١] الفلق: الصبح. وأخرج الطبري عنه أيضًا في قوله فالق الإصباح. قال: إضاءة الصبح، وعلى هذا فالمراد بفلق الصبح إضاءته فالله يفلق ظلام الليل عن غرّة الصباح فيضيء الوجود ويستنير الأفق ويضمحل الظلام ويذهب الليل، وقول ابن عباس هذا ثابت في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني وكذا النسفيّ، ولأبي زيد المروزي عن الفربري.
٢ - باب رُؤْيَا الصَّالِحِينَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧].
(باب رؤيا الصالحين) والإضافة للفاعل وفي نسخة الصالحة وعليها يحتمل أن يكون الرؤيا بالتعريف (وقوله) بالجر عطفًا على السابق ولأبي ذر وقول الله (تعالى: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا﴾) أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوًّا كبيرًا وقال في فتوح الغيب هذا صدق بالفعل وهو التحقيق أي حقق رؤيته وحذف الجار وأوصل الفعل كقوله: ﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣] (﴿بالحق﴾) متلبسًا به فإن ما رآه كائن لا محالة في وقته المقدر له وهو العام القابل ويجوز أن يكون بالحق صفة مصدر محذوف أي صدقًا متلبسًا
بالحق وهو القصد إلى التمييز بين المؤمن المخلص وبين من في قلبه مرض وأن يكون قسمًا إما بالحق الذي هو نقيض الباطل أو بالحق الذي هو من أسمائه وجوابه (﴿لتدخلن المسجد الحرام﴾) وعلى الأول هو جواب قسم محذوف (﴿إن شاء الله﴾) حكاية من الله تعالى قول رسوله لأصحابه وقصه عليهم أو تعليم لعباده أن يقولوا في غداتهم مثل ذلك متأدّبين بأدب الله ومقتدين بسنته (﴿آمنين﴾) حال والشرط معترض (﴿محلقين﴾) حال من الضمير في آمنين (﴿رؤوسكم﴾) أي جميع شعورها (﴿ومقصرين﴾) بعض شعورها (﴿لا تخافون﴾) حال مؤكدة (﴿فعلم ما لم تعلموا﴾) من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل (﴿فجعل من دون ذلك﴾) من دون فتح مكة (﴿فتحًا قريبًا﴾) [الفتح: ٢٧] وهو فتح خيبر لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود وتحققت الرؤيا في العام القابل. وقد روي أنه ﷺ أري وهو بالحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه محلقين فلما نحر الهدي بالحديبية قال أصحابه: أين رؤياك: فنزلت رواه الفريابي وعبد بن حميد والطبري من طريق ابن أبي نجيح، وسقط لأبي ذر في روايته (﴿محلقين﴾) إلى آخرها وقال بعد قوله: ﴿آمنين﴾ إلى قوله: ﴿فتحًا قريبًا﴾.
٦٩٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»
[الحديث ٦٩٨٣ - طرفه في: ٦٩٩٤].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (عن أنس بن مالك) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(الرؤيا الحسنة) أي الصالحة (من الرجل الصالح) وكذا المرأة الصالحة غالبًا (جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة) مجازًا لا حقيقة لأن النبوّة انقطعت بموته ﷺ وجزء النبوّةِ لا يكون نبوة كما أن جزء الصلاة لا يكون صلاة. نعم إن وقعت من النبي ﷺ فهي جزء من أجزاء النبوّة حقيقة. وقيل: إن وقعت من غيره ﵇ فهي جزء من علم النبوّة لأن النبوّة وإن انقطعت فعلمها باق، وقول مالك ﵀ لما سئل أيعبر الرؤيا كل أحد فقال أبالنبوة تلعب، ثم قال: الرؤيا جزء
стр. 4377
من النبوّة فلا يلعب بالنبوة أجيب عنه: بأنه لم يرد أنها نبوة باقية وإنما أراد أنها لما أشبهت النبوّة من جهة الإطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلم فيها بغير علم.
وأما وجه كونها ستة وأربعين جزءًا فأبدى بعضهم له مناسبة وذلك أن الله أوحى إلى نبيه ﷺ في المنام ستة أشهر ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة حياته، ونسبتها إلى الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءًا لأنه عاش بعد النبوة ثلاثًا وعشرين سنة على الصحيح، فالستة الأشهر نصف سنة فهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وتعقبه الخطابي بأنه قاله على سبيل
الظن إذ إنه لم يثبت في ذلك خبر ولا أثر، ولئن سلمنا أن هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة لكنه يلحق بها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه فيها منامًا في طول المدة كما ثبت كالرؤيا في أحد ودخول مكة وحينئذ فيتلفق من ذلك مدة أخرى تزاد في الحساب فتبطل القسمة التي ذكرها. وأجيب: بأن المراد وحي المنام المتتابع كما وقع في غضون وحي اليقظة فهو يسير بالنسبة إلى وحي اليقظة فهو مغمور في جانب وحي اليقظة فلم يعتبر به اهـ.
وأما حصر العدد في السنّة والأربعين فقال المازري هو مما أطلع الله عليه نبيه ﷺ وقال ابن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا نبي أو ملك وإنما القدر الذي أراد ﷺ أن يبينه أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة لأن فيها إطلاعًا على الغيب من وجه ما وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة. وقال المازري أيضًا: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلاً فقد جعل الله حدًّا يقف عنده فيه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلاً، ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلاً وهذا من هذا القبيل. وفي مسلم من حديث أبي هريرة جزء من خمسة وأربعين، وله أيضًا عن ابن عمر جزء من سبعين جزءًا، وللطبراني عنه جزء من ستة وسبعين وسنده ضعيف، وعند ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعًا: جزء من ستة وعشرين، وعند الطبري في تهذيب الآثار عن ابن عباس جزء من خمسين، وللترمذي من طريق أبي رزين العقيلي جزء من أربعين، وللطبري من حديث عبادة جزء من أربعة وأربعين والمشهور ستة وأربعين.
قال في الفتح ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد أنه بحسب الوقت الذي حدث فيه ﷺ بذلك كأن يكون لما أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك وذلك وقت الهجرة ولما أكمل عشرين حدث بأربعين ولما أكمل اثنتين وعشرين حدث بأربعة وأربعين ثم بعدها بخمسة وأربعين ثم حدث بستة وأربعين في آخر حياته، وأما ما عدا ذلك من الروايات بعد الأربعين فضعيف ورواية الخمسين تحتمل أن تكون لجبر الكسر ورواية السبعين للمبالغة وما عدا ذلك لم يثبت اهـ.
وقلما يصيب مؤوّل في حصر هذه الأجزاء، ولئن وقع له الإصابة في بعضها لما تشهد له الأحاديث المستخرج منها لم يسلم له ذلك في بقيتها والتقييد بالصالح جرى على الغالب فقد يرى الصالح الأضعاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منه بخلاف العكس وحينئذ فالناس على ثلاثة أقسام: الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ورؤياهم كلها صدق وقد يكون فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير ومن عداهم يكون في رؤياهم الصدق، والأضعاث وهم على ثلاثة مستورون فالغالب استواء الحال في حقهم وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدًّا قاله المهلب فيما ذكره في الفتح.
فإن قلت: لم عبّر بلفظ النبوة دون لفظ الرسالة؟ أجيب: بأن السر فيه أن الرسالة تزيد على النبوة بالتبليغ بخلاف النبوة المجردة فإنها إطلاع على بعض المغيبات وكذلك الرؤيا.
والحديث أخرجه النسائي وابن ماجة في التعبير.
٣ - باب الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الرؤيا من الله) تعالى، وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٦٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ».
وبه قال:
стр. 4378
(حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا زهير) بن معاوية أبو خيثمة الكوفي قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (يحيي هو ابن سعيد) ولأبي ذر وهو ابن سعيد أي الأنصاري (قال: سمعت أبا سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (قال: سمعت أبا قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الرؤيا) يراها الشخص في النوم مما يسره (من الله) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي الصادقة وله عن الكشميهني الصالحة (والحلم من الشيطان) بضم الحاء المهملة وسكون اللام. وقال السفاقسي بضمهما وهو ما يراه النائم من الأمر الفظيع المهول. قال ابن نفيس في شامله: قد تحدث الأحلام لأمر في المأكول وذلك بأن يكون كثير التبخير أو التدخين فإذا تصعد ذلك إلى الدماغ وصادف انفتاح البطن الأوسط منه وهو من شأنه أن يكون متفتحًا حال النوم حرّك ذلك البخاري أو الدخان أرواح الدماغ وغيرها عن أوضاعها فيعرض عن ذلك أن تختلط الصور التي في مقدم الدماغ بعضها ببعض وينفصل بعضها من بعض فيحدث من ذلك صور ليست على وفق الصور الواردة من الحواس والقوة التي تدرك تلك الصور حينئذ ويلزم ذلك أن يحكم على تلك الصور بمعان تناسبها، فتكون تلك المعاني لا محالة مخالفة للمعاني المعهودة فلذلك تكون الأحلام حينئذ مشوشة فاسدة، وقد تحدث الأحلام لأمر مهمّ يتفكّر فيه في اليقظة فيستمر عمل القوة المفكرة في ذلك فيكون أكثر ما يرى متعلقًا به، وهذا مثل الصنائع والفكر في العلوم وكثيرًا ما يكون الفكر صحيحًا لأن القوة تكون حينئذٍ قد قويت بما عرض لها من الراحة، ولأجل توفر الأرواح حينئذ على القوى الباطنة، فلذلك كثيرًا ما ينحل حينئذ مسائل مشكلة وشبه معطلة وكثيرًا ما تستنتج الفكرة حينئذ مسائل لم تخطر أوّلاً بالبال وذلك لتعلقها بالفكرة المتقدمة في اليقظة وهذه الوجوه من الأحلام لا اعتبار لها في التعبير، وأكثر من تصدق أحلامه من يتجنب الكذب فلا يكون لمخيلته عادة بوضع الصور والمعاني الكاذبة، ولذلك الشعراء يندر جدًّا صدق أحلامهم لأن الشاعر من عادته التخيل لما ليس واقعًا وأكثر فكره إنما هو في وضع الصور والمعاني الكاذبة اهـ.
وإضافة الحلم إلى الشيطان لكونه على هواه ومراده أو لأنه الذي يخيل فيه ولا حقيقة له في نفس الأمر أو لأنه يحضره لا أنه يفعله إذ كل مخلوق لله تعالى، وأما إضافة الرؤيا وهي اسم للمرئيّ المحبوب إلى الله تعالى فإضافة تشريف وظاهره إن المضافة إلى الله لا لها يقال حلم والمضافة إلى الشيطان لا يقال لها رؤيا وهو تصرف شرعي وإلاّ فالكل يسمى رؤيا. وفي حديث آخر الرؤيا ثلاث فأطلق على كل رؤيا.
حديث الباب سبق في الطب وأخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
٦٩٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِى ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِىَ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّثْ بِهَا وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِىَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن الهاد) بغير تحتية بعد المهملة وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي (عن عبد الله بن خباب) بخاء معجمة مفتوحة وموحدتين الاللى مشددة بينهما ألف الأنصاري.
(عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ (إنه سمع النبي ﷺ يقول):
(إذا رأى أحدكم) في منامه (رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها) وفي مسلم حديث فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب، وفي الترمذي من حديث أبي رزين ولا يقصها إلا على وادّ، وفي أخرى ولا يحدث بها إلا لبيبًا أو حبيبًا، وفي أخرى لا تقص الرؤيا إلاّ على عالم أو ناصح. قيل: لأن العالم يؤوّلها على الخير مهما أمكنه، والناصح يرشد إلى ما ينفع، واللبيب العارف بتأويلها، والحبيب إن عرف خيرًا قاله وإن جهل أو شك سكت، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: وليتحدث بزيادة فوقية بعد التحتية وفتح الدال المهملة
стр. 4379
(وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان) لأنه الذي يخيل فيها أو أنها تناسب صفته من الكذب والتهويل وغير ذلك بخلاف الرؤيا الصادقة فأضيفت إلى الله إضافة تشريف وإن كان الجميع بخلق الله وتقديره كما أن الجميع عباد الله وإن كانوا عصاة قال تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] و ﴿عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ [الزمر: ٥٣] (فليستعذ) بالله (من شرها) أي من شر الرؤيا (ولا يذكرها لأحد) وفي مستخرج أبي نعيم حديث وإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه فلينفث ثلاث مرات ويتعوذ بالله من شرها. وفي باب الحلم من الشيطان عند المؤلّف فليبصق عن يساره، ولمسلم عن يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات وعند المؤلّف في
باب إذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثًا ولا يحدث بها أحدًا (فإنها لا تضره).
ومحصله أن الرؤيا الصالحة آدابها ثلاثة حمد الله عليها وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره وإن آداب الحلم أربعة التعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، وأن يتفل حين يستيقظ من نومه ولا يذكرها لأحد أصلاً. وفي حديث أبي هريرة عند المؤلّف في باب القيد في المنام وليقم فليصل لكن لم يصرح البخاري بوصله وصرح به مسلم، وعند مسلم وليتحول عن جنبه الذي كان عليه والحكمة في التفل كما قال بعضهم طرد الشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة أو إشارة إلى استقذاره. والصلاة جامعة لما ذكر على ما لا يخفى، وعند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النخعي قال: إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليقل إذا استيقظ أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسوله من شر رؤياي هذه أن يصيبني منها ما أكره في ديني ودنياي، وفي النسائي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان خالد بن الوليد يفزع في منامه فقال: يا رسول الله إني أروع في المنام فقال: "إذا اضطجعت فقل بسم الله أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون".
وحديث الباب أخرجه الترمذي والنسائي في الرؤيا واليوم والليلة.
٤ - باب الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة).
٦٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا لَقِيتُهُ بِالْيَمَامَةِ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ وَلْيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ». وَعَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير) اليماني (وأثنى عليه) مسدد (خيرًا) حال تحديثه (وقال لقيته باليمامة) بالتخفيف بين مكة والمدينة (عن أبيه) يحيى أنه قال: (حدّثنا أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم) بفتح الحاء المهملة واللام بوزن ضرب (فليتعوذ) بالله (منه) من الشيطان (وليبصق) طردًا للشيطان وتحقيرًا واستقذارًا له (عن شماله) لأنه محل الأقذار والمكروهات (فإنها) أي الرؤيا المكروهة (لا تضره) لأن الله تعالى جعل ما ذكر من
التعوذ وغيره سببًا للسلامة من المكروه المترتب على الرؤيا كما جعل الصدقة وقاية للمال وسببًا لدفع البلاء قاله النووي -رحمه الله تعالى-، وقد ورد النفث والتفل والبصق فقيل: النفث والتفل بمعنى ولا يكونان إلا بريق، وقال أبو عبيد يشترط في التفل ريق يسير ولا يكون في النفث، وقيل عكسه، وقيل الذي يجمع الثلاثة الحمل على التفل فإنه نفخ معه ريق فبالنظر إلى النفخ قيل له نفث وبالنظر إلى الريق قيل له بصاق.
(و) بالسند السابق (عن أبيه) أي عن أبي عبد الله وهو يحيى بن أبي كثير واسم أبي كثير صالح بن المتوكل (قال: حدّثنا عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه) أبي قتادة الحارث (عن النبي ﷺ مثله). أي مثل الحديث السابق. واعتراض الزركشي في تنقيحه على البخاري حيث قال وإدخاله حديث أبي قتادة في باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة لا وجه له أخذه من قول الإسماعيلي ليس هذا الحديث من هذا الباب
стр. 4380
في شيء وأجاب عنه في المصابيح بأن له وجهًا ظاهرًا وهو التنبيه على أن هذا الكلام وإن كان عامًا فهو مخصوص بالرؤيا الصالحة كما دلت عليه أحاديث الباب قال: وإذا كان مخصوصًا بالرؤيا الصالحة اتجه إدخاله في بابها اتجاهًا ظاهرًا اهـ. وهو مثل قول الحافظ ابن حجر وجه دخوله في هذه الترجمة إشارة إلى أن الرؤيا الصالحة إنما كانت جزءًا من أجزاء النبوة لكونها من الله تعالى بخلاف التي من الشيطان فإنها ليست من أجزاء النبوة.
٦٩٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة المعروف ببندار قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة السدوسي (عن أنس بن مالك) ﵁ (عن عبادة بن الصامت) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(رؤيا المؤمن من جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) قد سبق ما في ذلك قريبًا. قال الغزالي لا تظن أن تقدير النبي ﷺ يجري على لسانه كيفما اتفق بل لا ينطق إلا بحقيقة الحق فقوله رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة تقدير تحقق لكن ليس في قوة غيره أن يعرف علة تلك النسبة إلا بتخمين لأن النبوّة عبارة عما يختص به النبي ويفارق به غيره وهو مختص بأنواع من الخواص كل واحد منها يمكن انقاسمه إلى أقسام بحيث يمكننا أن نقسمها إلى ستة وأربعين جزءًا بحيث تقع الرؤيا الصحيحة جزءًا من جملتها، لكنه لا يرجع إلا إلى الظن والتخمين لا إنه الذي أراده النبي ﷺ حقيقة.
تنبيه:
قال في فتح الباري: خالف قتادة غيره فلم يذكروا عبادة بن الصامت في السند.
والحديث أخرجه مسلم في التعبير والترمذي والنسائي في الرؤيا.
٦٩٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ». رَوَاهُ ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَشُعَيْبٌ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[الحديث ٦٩٨٨ - طرفه في: ٧٠١٧].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي القرشي المكي المؤذن قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد ثقة حجة تكلم فيه بلا قادح (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) هو نظير قوله ﷺ : "السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة" أي من أخلاق أهل النبوة، وأما الحصر في السنّة والأربعين فالأولى أن يجتنب القول فيه ويتلقى بالتسليم لعجزنا عن حقيقة معرفته على ما هو عليه (رواه) أي الحديث السابق ولأبي ذر ورواه (ثابت) البناني فيما وصله المؤلّف عن معلى بن أسد في باب من رأى النبي ﷺ (وحميد) الطويل فيما وصله الإمام أحمد عن محمد بن أبي عدي عنه (وإسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة فيما سبق قريبًا (وشعيب) هو ابن الحبحاب فيما وصله ابن منده أربعتهم (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أي بغير واسطة لم يقل عن أنس عن عبادة بن الصامت كما في السابق.
٦٩٨٩ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِىُّ، عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي أبو إسحاق القرشي قال: (حدّثني ابن أبي حازم) بالمهملة والزاي أيضًا بينهما ألف عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة بن دينار (والدراوردي) عبد العزيز بن محمد بن عبيد وهو نسبة إلى دراورد قرية من قرى خراسان (عن يزيد بن عبد الله بن خباب) بالخاء المعجمة والموحدتين المشددة أولاهما بينهما ألف المعروف بابن الهاد (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول):
(الرؤيا الصالحة) وفي رواية الصادقة وهي المطابقة للواقع (جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) وقوله الصالحة تقييد لما أطلق في الروايتين السابقتين وكذا وقع التقييد في باب رؤيا الصالحين بالرجل الصالح فرؤيا الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة ومعنى صلاحها انتظامها واستقامتها فرؤيا الفاسق لا تعدّ من أجزاء النبوة، وأما رؤيا الكافر فلا تعدّ أصلاً، ولو صدقت رؤيهم أحيانًا فذاك كما يصدق الكذوب
следующие страницы →