← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

عبد الله) بضم الموحدة مصغرًا (ابن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء (عن جده أبي بردة عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ (أراه) بضم الهمزة أظنه (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (رأيت في رؤيا) ولأبي ذر رؤياي بزيادة تحتية بعد الألف (أني هززت سيفًا) هو ذو الفقار بفتح الهاء والزاي الأولى وسكون الثانية بعدها فوقية (فانقطع صدره فإذا هو) أي تأويله (ما أصيب من المؤمنين) بالقتل (يوم) غزوة (أُحد ثم هززته) مرة (أخرى فعاد أحسن ما كان فإذا هو) أي تأويله (ما جاء الله به من الفتح) لمكة (واجتماع المؤمنين) وإصلاح حالهم. قال المهلب: هذه الرؤيا من ضرب المثل ولما كان ﷺ يصول بأصحابه عبر عن السيف بهم عن هزه بأمره لهم بالحرب وعن القطع فيه بالقتل فيهم وفي الهمزة الأخرى لما عاد إلى حالته من الاستواء عبّر عنه باجتماعهم والفتح عليهم، وقد قال المعبرون: من تقلّد سيفًا فإنه ينال سلطان ولاية أو وديعة يعطاها أو زوجة ينكحها إن كان عزبًا أو ولد إن كانت زوجته حاملاً وإن جرد سيفًا وأراد قتل شخص فهو لسانه يجرّده في خصومة. والحديث سبق في علامات النبوة بأتمّ من هذا. ٤٥ - باب مَنْ كَذَبَ فِى حُلُمِهِ (باب) ثم (من كذب في حلمه) بضم الحاء واللام وضبطه في الفتح وغيره بسكون اللام. ٧٠٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِى أُذُنِهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبِ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ». قَالَ سُفْيَانُ: وَصَلَهُ لَنَا أَيُّوبُ وَقَالَ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ: مَنْ كَذَبَ فِى رُؤْيَاهُ وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ أَبِى هَاشِمٍ الرُّمَّانِىِّ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَوْلَهُ مَنْ صَوَّرَ وَمَنْ تَحَلَّمَ وَمَنِ اسْتَمَعَ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) بن المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) ﵄ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (من تحلّم) بتشديد اللام من باب التفعل (بحلم) بضم اللام وسكونها (لم يره) صفة لقوله بحلم وجزاء الشرط قوله (كلف) بضم الكاف وتشديد اللام المكسورة وزاد الترمذي من حديث على يوم القيامة (أن يعقد بين شعرتين) تثنية شعيرة (ولن) يقدر أن (يفعل) وذلك لأن إيصال إحداهما بالأخرى غير ممكن عادة وهو كناية عن استمرار التعذيب ولا دلالة فيه على جواز التكليف بما لا يطاق لأنه ليس في دار التكليف، وعند أحمد من رواية عباد بن عباد عن أيوب عذب حتى يعقد بين شعيرتين وليس عاقدًا وعنده في رواية همام عن قتادة من تحلم كاذبًا دفع إليه شعيرة وعذب حتى يعقد بين طرفيها وليس بعاقد وفي اختصاص الشعير بذلك دون غيره لما في المنام من الشعور بما دل عليه فحصلت المناسبة بينهما من جهة الاشتقاق، وإنما اشتد الوعيد في ذلك مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه إذ قد تكون شهادته في قتل أو حدّ لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره والكذب على الله أشدّ من الكذب على المخلوقين. قال الله تعالى: ﴿ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم﴾ [هود: ١٨] الآية وإنما كان كذبًا على الله لحديث الرؤيا جزء من النبوة وما كان من أجزاء النبوّة فهو من قبل الله قاله الطبري فيما نقله عنه في الفتح (ومن استمع إلى حديث قوم وهم له) لمن استمع (كارهون) لا يريدون استماعه (أو يفرون منه) بالشك من الراوي وعند أحمد من رواية عباد بن عباد وهم يفرون ولم يشك (صب) بضم المهملة وتشديد الموحدة (في أذنه الآنك) بفتح الهمزة الممدودة وضم النون بعدها كاف الرصاص المذاب (يوم القيامة) جزاء من جنس عمله (ومن صوّر صورة) حيوانية (عذب وكلف أن ينفخ فيها) الروح (وليس بنافخ) أي وليس بقادر على النفخ فتعذيبه يستمر لأنه نازع الخالق في قدرته. (قال سفيان) بن عيينة (وصله) أي الحديث المذكور (لنا أيوب) السختياني المذكور. (وقال قتيبة) بن سعيد (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن قتادة) بن دعامة (عن عكرمة عن أبي هريرة) ﵁ (قوله) أي قول أبي هريرة (من كذب في رؤياه) وهذا وصله في نسخة قتيبة عن أبي عوانة رواية النسائي عنه من طريق عليّ بن محمد الفارسي عن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيويه عن النسائي بلفظه عن أبي هريرة قال: من كذب في رؤيا كلف أن يعقد بين طرفي شعيرة ومن استمع الحديث ومن صور الحديث

стр. 4412

ووصله أيضًا أبو نعيم في المستخرج من طريق خلف بن هشام عن أبي عوانة بهذا السند كذلك موقوفًا. (وقال شعبة) بن الحجاج فيما وصله الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن معاذ العنبري عن أبيه عن شعبة (عن أبي هاشم) بألف بعد الهاء يحيى بن دينار ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عن أبي هشام بألف بعد الشين قال في الفتح وهو غلط (الرماني) بضم الراء وفتح الميم المشددة وبعد الألف نون كان ينزل قصر الرمان بواسط (سمعت عكرمة) يقول (قال أبو هريرة) ﵁ (قوله من صوّر) زاد أبو ذر صورة (ومن تحلم) أي كاذبًا كلف أن يعقد شعيرة (ومن استمع) أي إلى حديث قوم إلى آخره. ٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنِ اسْتَمَعَ وَمَنْ تَحَلَّمَ وَمَنْ صَوَّرَ نَحْوَهُ. تَابَعَهُ هِشَامٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ. وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن شاهن بن الحارث الواسطي أبو بشر قال: (حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله الطحان (عن خالد) الحذاء (عن عكرمة عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: من استمع ومن تحلّم ومن صوّر نحوه) أي نحو الحديث السابق، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق وهب بن منبه عن خالد بن عبد الله فذكره بهذا السند إلى ابن عباس عن النبي ﷺ فرفعه ولفظه من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك ومن تحلم كلف أن يعقد شعيرة يعذب بها وليس بفاعل ومن صور صورة عذّب حتى يعقد بين شعيرتين وليس عاقدًا. (تابعه) أي تابع خالد الحذاء (هشام) هو ابن حسان القردوسي بضم القاف والمهملة بينهما راء ساكنة وبعد الواو سين مهملة (عن عكرمة عن ابن عباس قوله) أي من قوله موقوفًا عليه، وهذه المتابعة الموقوفة لم يرها الحافظ ابن حجر كما قاله في المقدمة. والمطابقة في قوله ومن تحلم لكنه قال في الترجمة من كذب في حلمه إشارة لما ورد في بعض طرقه عند الترمذي عن عليّ رفعه من كذب في حلمه كلف يوم القيامة عقد. والحديث أخرجه أبو داود في الأدب. ٧٠٤٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِىَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَ». وبه قال: (حدّثنا علي بن مسلم) الطوسي نزيل بغداد قال: (حدّثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار مولى ابن عمر) صدوق يخطئ ولم يخرج له البخاري شيئًا إلا وله فيه متابع أو شاهد (عن أبيه) عبد الله بن دينار العدوي مولاهم المدني الثقة (عن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال): (من) ولأبي ذر وابن عساكر: إن من (أفرى الفرى) بفاء ساكنة بعد همزة مفتوحة في الأولى وكسرها في الثانية مع القصر جمع فرية الكذبة العظيمة التي يعجب منها أي أعظم الكذب (أن يري) الشخص بضم التحتية وكسر الراء (عينيه) بالتثنية منصوب بالياء مفعول يرى (ما لم تر) ولابن عساكر ما لم تره أي ينسب إلى عينيه أنهما رأيا ويخبر عنهما بذلك، والحديث من أفراده. ٤٦ - باب إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلَا يُخْبِرْ بِهَا وَلَا يَذْكُرْهَا هذا (باب) بالتنوين (إذا رأى) الشخص في منامه (ما يكره فلا يخبر بها) بالرؤيا أحدًا (ولا يذكرها) لأحد. ٧٠٤٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِى، حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: وَأَنَا كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِى حَتَّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلاَّ مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَلْيَتْفِلْ ثَلَاثًا وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ». وبه قال: (حدّثنا سعيد بن الربيع) الهروي نسبة لبيع الثياب الهروية البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد ربه بن سعيد) الأنصاري أنه (قال: سمعت أبا سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (يقول: لقد كنت أرى الرؤيا) ولابن عساكر أرى بعيني الرؤيا (فتمرضني) بضم الفوقية وسكون الميم وكسر الراء وضم الضاد المعجمة (حتى سمعت أبا قتادة) الحارث وقيل النعمان وقيل عمر الأنصاري (يقول: وأنا كنت لأرى) باللام ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني أرى (الرؤيا) في منامي (تمرضني حتى سمعت النبي ﷺ يقول): (الرؤيا الحسنة من الله فإذا رأى أحدكم) في منامه (ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب) لأن الحبيب إن عرف خيرًا قاله وإن جهل أو شك سكت بخلاف غيره فإنه يعبرها له بغير ما يحب بغضًا وحسدًا فربما وقع ما فسر به إذ الرؤيا لأول عابر، وفي الترمذي لا يحدث بها إلا لبيبًا أو حبيبًا (وإذا رأى) فيه (ما يكره فليتعوّذ بالله من شرها) أي الرؤيا (ومن شر الشيطان) لأنه الذي يخيل فيها (وليتفل) بضم الفاء ولغير أبي ذر بكسرها أي عن يساره (ثلاثًا). أي ثلاث مرات استقذارًا للشيطان واحتقارًا له كما يفعل الإنسان عند الشيء

стр. 4413

القدّر يراه أو يذكره ولا شيء أقذر من الشيطان فأمر بالتفل عند ذكره وكونه ثلاثًا مبالغة في إحسائه (ولا يحدّث بها أحدًا فإنها) أي الرؤيا المكروهة (لن تضره) لأن ما ذكر من التعوّذ وغيره سبب للسلامة من ذلك. ٧٠٤٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِىُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِىَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ». وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي ابن عمر بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوّام أبو إسحاق القرشي الأسدي الزبيري المدني قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار (والدراوردي) عبد العزيز بن محمد (عن يزيد) من الزيادة ولأبي ذر عن المستملي زيادة ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي بالمثلثة (عن عبد الله بن خباب) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى (عن أبي سعيد الخدري) بالدال المهملة ﵁ (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول): (إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله فليحمد الله عليها) على الرؤيا، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عليه أي على المرئي (وليحدث بها) أي من يحبه (وإذا رأى غير ذلك مما يكره) بفتح التحتية وسكون الكاف (فإنما هي من الشيطان) أي من طبعه وعلى وفق رضاه (فليستعذ) أي بالله (من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره) نصب بلن، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لا تضره. قال الداودي: يريد ما كان من الشيطان وأما ما كان من خير أو شر فهو واقع لا محالة كرؤيا النبي ﷺ البقر والسيف. قال: وقوله ولا يذكرها لأحد يدل على أنها إن ذكرت فربما أضرت. فإن قلت: قد مرّ أن الرؤيا قد تكون منذرة ومنبهة للمرء على استعداد البلاء قبل وقوعه رفقًا من الله بعباده لئلا يقع على غرة فإذا وقع على مقدمة وتوطين كان أقوى للنفس وأبعد لها من أذى البغتة فما وجه كتمانها؟ أجيب: بأنه إذا أخبر بالرؤيا المكروهة يسوء حاله لأنه لم يأمن من أن تفسر له بالمكروه فيستعجل الهم ويتعذب بها ويترقب وقوع المكروه فيسوء حاله ويغلب عليه اليأس من الخلاص من شرها ويجعل ذلك نصب عينيه، وقد كان ﷺ داواه من هذا البلاء الذي عجله لنفسه بما أمره به من كتمانها والتعوذ بالله من شرها وإذا لم تفسر له بالمكروه بقي بين الطمع والرجاء فلا يجزع لأنها من قبل الشيطان أو لأن لها تأويلاً آخر محبوبًا فأراد ﷺ أن لا تتعذب أمته بانتظارهم خروجها بالمكروه، فلو أخبر بذلك كله دهره دائمًا من الاهتمام بما لا يؤذيه أكثره وهذه حكمة بالغة فجزاه الله عنا ما هو أهله. والحديث سبق في باب الرؤيا من الله. ٤٧ - باب مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ (باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب) في العبارة إذ المدار على إصابة الصواب فحديث الرؤيا لأول عابر المروي عن أنس مرفوعًا معناه إذا كان العابر الأول عالمًا فعبر وأصاب وجه التعبير، وإلا فهي لمن أصاب بعده، لكن يعارضه حديث أبي رزين أن الرؤيا إذا عبرت وقعت إلا أن يدعى تخصيص عبرت بأن يكون عابرها عالمًا مصيبًا ويعكر عليه قوله في الرؤيا المكروهة ولا يحدث بها أحد فقيل في حكمة النهي أنه ربما فسرها تفسيرًا مكروهًا على ظاهرها مع احتمال أن تكون محبوبة في الباطن فتقع على ما فسر. وأجيب: باحتمال أن تكون تتعلق بالرائي فله إذا قصها على أحد ففسرها له على المكروه أنه يبادر غيره ممن يصيب فيسأله فإن قصر الرائي فلم يسأل الثاني وقعت على ما فسر الأول. ٧٠٤٦ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّى رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِى الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ وَإِذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ ثُمَّ وُصِلَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِى أَنْتَ وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّى فَأَعْبُرَهَا فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «اعْبُرْ» قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَالإِسْلَامُ، وَأَمَّا الَّذِى يَنْطِفُ مِنَ الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ تَنْطُفُ، فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِى أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ، فَيُعْلِيكَ اللَّهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ فَأَخْبِرْنِى يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِى أَنْتَ أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا» قَالَ: فَوَاللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّى بِالَّذِى أَخْطَأْتُ قَالَ: «لَا تُقْسِمْ». وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري بالميم ونسبه لجده قال: (حدّثنا الليث) بن سعد المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (أن ابن عباس ﵄ كان يحدث أن رجلاً) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (أتى رسول الله ﷺ ¬) وفي مسلم من طريق سليمان بن كثير عن الزهري أن رسول الله ﷺ كان مما يقول لأصحابه: "من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها" فجاء رجل وعنده أيضًا من رواية سفيان بن عيينة: جاء رجل إلى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 4414

وَسَلَّمَ- منصرفه من أحد (فقال): يا رسول الله (إني رأيت الليلة في المنام ظلة) بضم الظاء المعجمة وتشديد اللام سحابة لأنها تظل ما تحتها، وزاد الدارمي من طريق سليمان بن كثير وابن ماجة من طريق سفيان بن عيينة بين السماء والأرض (تنطف) بسكون النون وضم الطاء المهملة وكسرها تقطر (السمن والعسل فأرى الناس يتكففون) أي يأخذون بأكفهم (منها فالمستكثر) أي فمنهم المستكثر في الأخذ (و) منهم (المستقل) فيه أي منهم الآخذ كثيرًا والآخذ قليلاً (وإذا سبب) أي حبل (واصل من الأرض إلى السماء فأراك) يا رسول الله (أخذت به فعلوت) وفي رواية سليمان بن كثير المذكورة فأعلاك الله (ثم أخذ به) بالسبب ولابن عساكر ثم أخذه (رجل آخر فعلاً به ثم أخذ به) ولابن عساكر أيضًا ثم أخذه (رجل آخر فعلاً به ثم أخذ به) ولابن عساكر أيضًا ثم أخذه (رجل آخر فانقطع ثم وصل) بضم الواو وكسر الصاد (فقال أبو بكر) الصديق ﵁: (يا رسول الله بأبي أنت) مفدي (والله لتدعني) بفتح اللام للتأكيد والدال والعين وكسر النون المشددة لتتركني (فأعبرها) بضم الموحدة وفتح الراء، وزاد سليمان في روايته وكان من أعبر الناس للرؤيا بعد رسول الله ﷺ (فقال النبي ﷺ ¬) له: (اعبر) ولأبي ذر اعبرها بالضمير المنصوب (قال) أبو بكر: (أما الظلة فالإسلام) لأن الظلة نعمة من نعم الله على أهل الجنة وكذلك كانت على بني إسرائيل وكذلك كان ﷺ تظله الغمامة قبل نبوته وكذلك الإسلام يقي الأذى وينعم به المؤمن في الدنيا والآخرة (وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف) قال تعالى في العسل: ﴿شفاء للناس﴾ [النحل: ٦٩] وفي القرآن: ﴿شفاء لما في الصدور﴾ [يونس: ٥٧] ولا ريب أن تلاوة القرآن تحلو في الأسماع كحلاوة العسل في المذاق بل أحلى (فالمستكثر من القرآن والمستقل) منه (وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله) أي يرفعك به (ثم يأخد به رجل من بعدك فيعلو به) فسّر بالصديق ﵁ لأنه يقوم بالحق بعده ﷺ في أمته (ثم يأخذ رجل) ولأبي ذر يأخذ به رجل (آخر) هو عمر بن الخطاب ﵁ (فيعلو به ثم يأخذ) ولأبي ذر عن الكشميهني ثم يأخذ به (رجل آخر) هو عثمان بن عفان ﵁ (فينقطع به ثم يوصل) بالتخفيف والذي في اليونينية ثم يوصل (له فيعلو به) يعني أن عثمان كاد أن ينقطع عن اللحاق بصاحبيه بسبب ما وقع له من تلك القضايا التي أنكروها فعبر عنها بانقطاع الحبل ثم وقعت له الشهادة فاتصل فالتحق بهم (فأخبرني) بكسر الموحدة وسكون الراء (يا رسول الله بأبي أنت) مفدي (أصبت) في هذا التعبير (أم أخطأت؟ قال النبي ﷺ ¬) له (أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا) قيل خطؤه في التعبير لكونه عبّر بحضوره ﷺ إذا كان ﷺ أحق بتعبيرها، وقيل أخطأ لمبادرته تعبيرها قبل أن يأمره به، وتعقب بأنه ﵊ أذن له في ذلك وقال اعبرها. وأجيب: بأنه لم يأذن له ابتداء بل بادر هو بالسؤال أن يأذن له في تعبيرها فأذن له، وقال: أخطأت في مبادرتك للسؤال أن تتولى تعبيرها، لكن في إطلاق الخطأ على ذلك نظر فالظاهر أنه أراد الخطأ في التعبير لا لكونه التمس التعبير. قال ابن هبيرة: إنما أخطأ لكونه أقسم ليعبرنها بحضرته ﷺ ولو كان أخطأ في التعبير لم يقرّه عليه وقيل: أخطأ لكونه عبّر السمن والعسل بالقرآن فقط وهما شيئان كان من حقه أن يعبرهما بالقرآن والسنّة لأنها بيان للكتاب المنزّل عليه وبهما تتم الأحكام كتمام اللذة بهما، وقيل وجه الخطأ أن الصواب في التعبير أن الرسول ﷺ هو الظلة، والسمن والعسل القرآن والسُّنّة، وقيل: يحتمل أن يكون السمن والعسل العلم والعمل وقيل الفهم والحفظ.

стр. 4415

وتعقب ذلك في المصابيح فقال: لا يكاد ينقضي العجب من هؤلاء الذين تعرضوا إلى تبيين الخطأ في هذه الواقعة مع سكوت النبي ﷺ عن ذلك وامتناعه منه بعد سؤال أبي بكر له في ذلك حيث (قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت) في وثبت قوله يا رسول الله لأبي ذر وابن عساكر (قال) ﷺ : (لا تقسم) فكيف لا يسع هؤلاء من السكوت ما وسع النبي ﷺ وماذا يترتب على ذلك من الفائدة فالسكوت عن ذلك هو المتعين اهـ. وحكى ابن العربي أن بعضهم سئل عن بيان الوجه الذي أخطأ فيه أبو بكر فقال: من الذي يعرفه؟ ولئن كان تقدم أبي بكر بين يدي النبي ﷺ للتعبير خطأ فالتقدم بين يدي أبي بكر لتعيين خطئه أعظم وأعظم فالذي يقتضيه الدين الكف عن ذلك. وأجاب في الكواكب: بأنهم إنما قدموا على تبيين ذلك مع أنه ﷺ لم يبينه لأن هذه الاحتمالات لا جزم فيها أو لأنه كان يلزم في بيانه مفاسد للناس واليوم زال ذلك. إرشاد: قال الحافظ ابن حجر أثابه الله: جميع ما ذكر من لفظ الخطأ ونحوه إنما أحكيه عن قائليه ولست راضيًا بإطلاقه في حق الصديق ﵁ اهـ. وقوله ﵊ "لا تقسم" بعد إقسام أبي بكر ﵁ أي لا تكرر يمينك. قال النووي: قيل إنما لم يبر النبي ﷺ قسم أبي بكر لأن إبرار القسم مخصوص بما إذا لم يكن هناك مفسدة ولا مشقة ظاهرة قال: ولعل المفسدة في ذلك ما علمه من انقطاع السبب بعثمان وهو قتله وتلك الحروب والفتن المريبة فكره ذكرها خوف شياعها. والحديث أخرجه مسلم في التعبير وأبو داود في الإيمان والنذور والنسائي وابن ماجة في الرؤيا. ٤٨ - باب تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ (باب) جواز (تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح) قبل طلوع الشمس أو استحبابها لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها ومعرفته ما يستبشر به من الخير أو يحذر من الشر ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالتفكر في معاشه قاله المهلب. ٧٠٤٧ - حَدَّثَنِى مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هِشَامٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟» قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ: «إِنَّهُ أَتَانِى اللَّيْلَةَ آتِيَانِ وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِى وَإِنَّهُمَا قَالَا لِى: انْطَلِقْ وَإِنِّى انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِى بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَهَدْهَدُ الْحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالَ: قَالَا لِى انْطَلِقْ قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِى أَحَدَ شِقَّىْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ» قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ: فَيَشُقُّ قَالَ: «ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى قَالَ: قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِى انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ» قَالَ: فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ قَالَ: فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِى انْطَلِقِ انْطَلِقْ؟ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ» حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذَا فِى النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِى ذَلِكَ الَّذِى قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ، فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِى انْطَلِقِ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلاً مَرْآةً، وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا؟ قَالَ: قَالَا لِى انْطَلِقِ انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَىِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولاً فِى السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِى انْطَلِقِ انْطَلِقْ قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ قَالَ: قَالَا لِى ارْقَ فِيهَا قَالَ: فَارْتَقَيْنَا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ قَالَ: قَالَا لَهُمُ اذْهَبُوا فَقَعُوا فِى ذَلِكَ النَّهَرِ، قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِى كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ فِى الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِى أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالَ: قَالَا لِى هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ قَالَ: فَسَمَا بَصَرِى صُعُدًا فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ قَالَ: قَالَا هَذَاكَ مَنْزِلُكَ قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا ذَرَانِى فَأَدْخُلَهُ قَالَا: أَمَّا الآنَ فَلَا وَأَنْتَ دَاخِلُهُ قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا فَإِنِّى قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا فَمَا هَذَا الَّذِى رَأَيْتُ قَالَ: قَالَا لِى أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِى أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِى أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِى مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِى، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِى أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِى النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِى عِنْدَ النَّارِ، يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِى فِى الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ» قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطَرٌ مِنْهُمْ قَبِيحًا فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (مؤمل بن هشام أبو هشام) بألف بعد الشين فيهما وعند أبي ذر أبو هاشم وقال: صوابه أبو هشام أي بألف بعد الشين بموافقة كنيته لاسم أبيه ومؤمل بفتح الميم الثانية بوزن محمد اليشكري البصري ختن إسماعيل ابن علية روى عنه البخاري هنا وفي الزكاة والحج والتهجد وبدء الخلق وتفسير براءة قال: (حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم) المشهور بابن علية أمه قال: (حدّثنا عوف) الأعرابي قال: (حدّثنا أبو رجاء) عمران العطاردي قال: (حدثنا سمرة بن جندب) بضم الدال وفتحها (﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر) ولأبي ذر عن الكشميهني يعني مما يكثر (أن يقول لأصحابه): (هل رأى أحد منكم من رؤيا؟) قال في شرح المشكاة مما قرأته فيه مما خبر كان وما موصولة ويكثر صلته والضمير الراجع إلى ما فاعل يقول وأن يقول فاعل يكثر وهل رأى أحد منكم هو المقول أي رسول الله ﷺ كائنًا من النفر الذين كثر منهم هذا القول فوضع ما موضع من تفخيمًا وتعظيمًا لجانبه كقوله تعالى: ﴿والسماء وما بناها﴾ [الشمس: ٥] وسبحان ما سخركن لنا، وتحريره كان رسول الله ﷺ ممن يجيد تعبير الرؤيا وكان له مشارك في ذلك منهم لأن الإكثار من هذا القول لا يصدر إلا ممن تدرب فيه ووثق بإصابته كقولك: كان زيد من العلماء بالنحو ومنه قول صاحبي السجن ليوسف ﵇: ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين﴾ [يوسف: ٣٦] أي المجيدين في عبارة الرؤيا وعلمًا ذلك مما رأياه منه إذ يقص عليه بعض أهل السجن هذا من حيث البيان وأما من طريق النحو فيحتمل أن يكون قوله: هل رأى أحد منكم من رؤيا مبتدأ والخبر مقدم عليه على تأويل هذا القول مما يكثر رسول الله ﷺ أن يقوله ولكن أين الثريا من الثرى! اهـ. فأشار بقوله: ولكن أين الثريا كما قال في الفتح إلى ترجيح الوجه السابق والمتبادر هو الثاني وهو الذي اتفق عليه أكثر الشارحين. (قال) سمرة بن جندب (فيقص

стр. 4416

عليه) ﷺ (من شاء الله أن يقص) بفتح الياء وضم القاف فيهما كذا في رواية النسفيّ من بالنون ولغيره ما وهي للمقصوص ومن للقاص (وأنه قال لنا) لفظ لنا ثابت في بعض الأصول المعتمدة ساقط من اليونينية (ذات غداة) لفظ الذات مقحم أو هو من إضافة المسمى إلى اسمه (﴿إنه أتاني الليلة آتيان﴾) بمدّ الهمزة وكسر الفوقية، وفي حديث عليّ عند ابن أبي حاتم ملكان، وفي الجنائز من رواية جرير أنهما جبريل وميكائيل (وإنهما ابتعثاني) بموحدة ساكنة وفوقية فعين مهملة فمثلثة وبعد الألف نون أرسلاني ولأبي ذر عن الكشميهني انبعثا بي بنون فموحدة وبعد الألف موحدة (وأنهما قالا لي انطلق) بكسر اللام مرة واحدة (وإني انطلقت معهما) معطوف على قوله وأنهما قالا لي أي حصل منهما القول ومني الانطلاق وزاد جرير بن حازم في روايته إلى الأرض المقدسة وفي حديث عليّ فانطلقا بي إلى السماء (وإنا أتينا على رجل مضطجع) وفي رواية جرير مستلق على قفاه. قال الطيبي: وذكر ﵊ إن المؤكدة أربع مرات تحقيقًا لما رآه وتقريرًا لقوله: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (وإذا) رجل (آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي) بفتح الياء وكسر الواو بينهما هاء ساكنة ولأبي ذر يهوي بضم أوله من الرباعي (بالصخرة لرأسه فيثلغ) بفتح التحتية وسكون المملثة وبعد اللام المفتوحة غين معجمة أي فيشدخ (رأسه) والشدخ كسر الشيء الأجوف (فيتهدهد) بتحتية ففوقية فهاء مفتوحات فدالين مهملتين الأولى منهما ساكنة بينهما هاء مفتوحة ولأبي ذر عن المستملي فيتدهدأ بزيادة همزة آخره وفي الفرع كأصله علامة ابن عساكر فوق الهمزة لكنه ضبب على العلامة المذكورة وللكشميهني فيتدادا بدالين بينهما ألف وآخره ألف أخرى من غير همز ولا هاء وله مما في الفتح يتدأدأ بهمزتين الأولى ساكنة والهمزة تبدل من الهاء كثيرًا ولأبي ذر عن الحموي فيتدهده بدالين بينهما هاء ساكنة وآخره هاء أخرى فيتدحرج (الحجر) ويندفع من علو إلى سفل (هاهنا) أي إلى جهة الضارب (فيتبع) بالتخفيف الرجل القائم (الحجر فيأخذه) ليصنع به كما صنع أولاً (فلا يرجع إليه) إلى الذي ثلغ رأسه (حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود) الرجل (عليه) على المضطجع (فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى) ولأبي ذر مرة الأولى (قال) ﷺ . (قلت لهما) أي للملكين (سبحان الله ما هذان) الرجلان؟ (قال) ﵇ (قالا) أي الملكان (لي انطلق انطلق) بالتكرار مرتين لأبي ذر في الفرع كأصله وفي الأول بغير تكرار، وقال في الفتح بالتكرار في المواضع كلها وسقط في بعضها التكرار لبعضهم (قال) ﵇ (فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا) رجل (آخر قائم عليه بكلوب من حديد) بفتح الكاف وتضم وضم اللام المشددة له شعب يعلق بها اللحم (وإذا هو) أي الرجل القائم (يأتي أحد شقي وجهه) أي وجه المستلقي لقفاه (فيشرشر) بمعجمتين وراءين. قال صاحب العين فيشرشر أي فيقطع (شدقه) بكسر المعجمة والإفراد جانب فمه. (إلى قفاه) ويقطع (منخره) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة (إلى قفاه وعينه إلى قفاه) بفراد العين كالمنخر. (قال: وربما قال أبو رجاء) العطاردي (فيشق) بدل فيشرشر (قال: ثم يتحوّل إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من) شق (ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود) الرجل (عليه فيفعل) به (مثل ما فعل المرة الأولى قال قلت) لهما (سبحان الله ما هذان) الرجلان أي ما شأنهما (قال: قالا لي انطلق انطلق) بالتكرار مرتين لأبي ذر وكذا في نسخة لابن عساكر (فانطلقنا فأتينا على مثل التنور) بفتح الفوقية وتشديد النون المضموبة الذي يخبز فيه، وفي رواية جرير في الجنائز فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نار. قال الداودي ولعل ذلك التنور على جهنم (قال: فأحسب) بالفاء

стр. 4417

ولأبي ذر وأحسب (أنه كان يقول فإذا فيه لغط) بالمعجمة ثم المهملة جلبة وصيحة لا يفهم معناها (وأصوات. قال: فاطلعنا فيه) في الثقب (فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب) بفتح الهاء وهو لسان النار أو شدة اشتعالها (من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا) بضادين معجمتين مفتوحتين بينهما واو ساكنة وآخره واو أخرى ساكنة أيضًا بلا همز بلفظ الماضي صاحوا (قال قلت لهما) ولأبي ذر لهم (ما هؤلاء) الرجال والنساء العراة؟ (قال: قالا لي انطلق انطلق) مرتين (قال؛ فانطلقنا فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح) عامّ يعوم (وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح) بصيغة المضارع فيهما، وفي الفتح بفتحتين وتخفيف الموحدة في الثاني (ثم يأتي ذلك) الرجل (الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر) بتحتية مفتوحة ففاء ساكنة فغين معجمة مفتوحة فيفتح (له فاه) فمه (فيلقمه حجرًا) بضم التحتية (فينطلق يسبح) في النهر (ثم يرجع إليه كلما) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي كما (رجع إليه فغر) فتح (له فاه فألقمه حجرًا قال: قلت لهما ما) شأن (هذان) الرجلان؟ (قال: قالا لي انطلق انطلق) بالتكرار مرتين (قال: فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرأة) بفتح الميم وسكون الراء وهمزة ممدودة ثم هاء تأنيث أي كريه المنظر (كأكره) بفتح الهاء وكسرها (ما أنت راء رجلاً مرآة) بفتح الميم (وإذا عنده نار يحشها) بحاء مهملة وشين معجمة مشددة مضمومتين يحركها ويوقدها ولأبي ذر وابن عساكر نار له يحشها (ويسعى حولها قال قلت لهما: ما هذا) الرجل؟ (قال: قالا لي انطلق انطلق) بالتكرار مرتين (فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة) بضم الميم وسكون العين المهملة بعدها فوقية فميم مشددة مفتوحتين آخره هاء تأنيث طويلة النبات وقيل غطاها الخصب والكلأ كالعمامة على الرأس، وضبطها بعضهم بكسر الفوقية وتخفيف الميم. قال السفاقسي: ولا يظهر له وجه. وأجاب في المصابيح فقال: يلوح لي فيه وجه مقبول وذلك أن خضرة الزرع إذا اشتدت وصفت بما يقتضي السواد كقوله تعالى: ﴿والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى﴾ [الأعلى: ٤] وقد ذهب الزجاج إلى أن أحوى حال من المرعى أخر عن الجملة المعطوفة وأن المراد وصفه بالسواد لأجل خضرته فكذلك تقول وصفت الروضة بشدة خضرتها بالسواد فقيل معتمة من قولك أعمّ الليل إذا أظلم فتأمله اهـ. وبه قال الحافظ ابن حجر ولفظه الذي يظهر لي أنه من العتمة وهي شدة الظلام فوصفها بشدة الخضرة كقوله: ﴿مدهامتان﴾ [الرحمن: ٦٤] (فيها) في الروضة (من كل نور الربيع) بفتح النون أي زهره، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من كل لون الربيع (وإذا بين ظهري الروضة) بفتح الراء وكسر التحتية تثنية ظهر أي وسطها (رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء) بنصب طولاً على التمييز (وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط) قال في شرح المشكاة أصل التركيب إذا حول الرجل ولدان ما رأيت ولدانًا قط أكثر منهم ولما كان هذا التركيب متضمنًا معنى النفي جاز زيادة من، وقط التي تختص بالماضي المنفي (قال: قلت لهما ما هذا) الرجل الطويل؟ (ما هؤلاء) الولدان؟ قال الطيبي: ومن حق الظاهر أن يقول من هذا فكأنه ﷺ لما رأى حاله من الطول المفرط خفي عليه أنه من أيّ جنس هو أبشر أم ملك أم غير ذلك؟ وسقط لأبي ذر ما هذا (قال: قالا فانطلق انطلق) مرتين (قال فانطلقنا فانتهينا إلى روضة معظيمة لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن) وعند الإمام أحمد والنسائي إلى دوحة بدل روضة وهي الشجرة الكبيرة (قال: قالا لي ارق فيها) أي في الشجرة (قال فارتقينا فيها) وفي رواية الإمام أحمد والنسائي فصعدا بي في الشجرة (فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب) بكسر الموحدة وفتح اللام: بلبن ذهب (ولبن فضة) جمع لبنة وأصلها ما يبنى به من طين (فأتينا باب المدينة فاستفتحنا) ها

стр. 4418

(ففتح لنا) بضم الفاء مبنيًّا للمفعول (فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر) نصف (من خلقهم) بفتح الخاء وسكون اللام بعدها قاف هيئتهم (كأحسن) خبر قوله شطر والكاف زائدة (ما أنت راء) بهمزة منونة ولأبي ذر رائي بتحتية ساكنة بعد الهمزة والجملة صفة رجال (وشطر كأقبح ما أنت راء) ولأبي ذر رائي ويحتمل أن يكون بعضهم موصوفين بأن خلقتهم حسنة وبعضهم قبيحة وأن يكون كل واحد منهم بعضه حسن وبعضه قبيح (قال: قالا) أي الملكان (لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر) لتغسل تلك الصفة القبيحة بهذا الماء الخالص (قال: وإذا نهر معترض يجري) عرضًا (كأن ماءه المحض) بالحاء المهملة والضاد المعجمة اللبن الخالص (في البياض فذهبوا فوقعوا فيه) في النهر (ثم رجعوا إلينا) حال كونهم (قد ذهب ذلك السوء عنهم) وهو القبح (فصاروا في أحسن صورة قال) ﵊: (قالا لي هذا) المدينة (جنة عدن) أي إقامة (وهذاك منزلك قال) صلوات الله وسلامه عليه (فسما) بفتح المهملة والميم مخففة أي نظر (بصري صعدًا) بضم المهملتين وتنوين الدال المهملة ارتفع كثيرًا (فإذا قصر مثل الربابة) بفتح الراء والموحدتين بينهما ألف السحابة (البيضاء قال: قالا لي هذاك منزلك قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني) بفتح المعجمة والراء المخففة اتركاني (فأدخله) جواب الأمر منصوب بتقدير أن أو مجزوم على الجواب (قالا أما الآن فلا وأنت داخله) في الأخرى، وفي رواية جرير في الجنائز قالا إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملت أتيت منزلك وقد قيل إنه ﷺ رفع بعد موته إلى الجنة وعورض بقوله ﷺ . "أنا أول من تنشق عنه الأرض" فإنه يشعر بأنه في قبره الشريف. وأجيب: باحتمال أن لروحه الشريفة انتقالات من مكان إلى آخر وتصرفات في الكون كيف شاء الله. (قال: قلت لهما فإني قد رأيت منذ الليلة عجبًا) سقط قد لأبي ذر (فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي أما) بفتح الهمزة والميم المخففة (إنّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (سنخبرك) عنه (أمّا) بالتشديد (الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ بالقرآن فيرفضه) بضم الفاء الثانية وكسرها يتركه (وينام عن الصلاة المكتوبة) جعلت العقوبة في رأسه لنومه عن الصلاة والنوم موضعه الرأس (وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر) بفتح الشينين (شدقه) بكسر الشين (إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو) بالغين المعجمة يخرج (من بيته) مبكرًا (فيكذب الكذبة) بفتح الكاف وسكون الذال المعجمة (تبلغ الآفاق) زاد في الجنائز فيصنع به إلى يوم القيامة وإنما استحق التعذيب لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد وهو فيها غير مكره، وقال ابن العربي: شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة بمحل المعصية، وقال ابن هبيرة: لما كان الكاذب يساعد أنفه وعينه لسانه على الكذب بترويج باطله وقعت المشاركة بينهم في العقوبة (وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فإنهم الزنا والزواني) ومناسبة العري لأن عادتهم التستر بالخلوة فعوقبوا بالهتك ولما كانت جنايتهم من أعضائهم السفلى ناسب أن يكون عذابهم من تحتهم (وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر) بضم التحتية وفتح القاف والحجر نصب مفعول ثان، ولأبي ذر وابن عساكر الحجارة بالجمع (فإنه آكل الربا) بمدّ همزة آكل وكسر كافها وفي إلقامه الحجر إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئًا كما أن المرابي يتخيل أن ماله يزداد والله يمحقه (وأما الرجل الكريه المرآة) بفتح الميم وسكون الراء وبالمد (الذي عند النار) ولأبي ذر عن الكشميهني عنده النار بزيادة الضمير والرفع (يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم) وإنما كان كريه المنظر لأن فيه زيادة في عذاب أهل النار (وأما الرجل الطويل الذي في الرَوضة فإنه إبراهيم ﷺ وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة) الإسلامية.

стр. 4419

(قال) سمرة (فقال بعض المسلمين) قال في الفتح: لم أقف على اسمه (يا رسول الله ﷺ وأولاد المشركين؟) الذين ماتوا على الفطرة داخلون في زمرة هؤلاء الولدان؟ سقطت الواو الأولى من قوله وأولاد لابن عساكر (فقال رسول الله ﷺ ¬) مجيبًا (وأولاد المشركين) منهم وظاهره الحكم لهم بالجنة ولا يعارضه قوله إنهم مع آبائهم لأن ذلك في الدنيا (وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسنًا) ولأبي ذر شطرًا منهم حسن بنصب الأول ورفع الثاني وللأصيلي وابن عساكر برفع شطر وحسن (وشطر منهم قبيحًا) ولأبي ذر وابن عساكر بنصب الأول ورفع الثاني وفي نسخة أبي ذر والصواب شطر وشطر بالرفع كذا رأيته في حاشية الفرع منسوبًا لليونينية ثم رأيته فيها كذلك وللنسفي والإسماعيلي بالرفع في الجميع على أن كان تامة والجملة حالية (فإنهم قوم خلطوا) بتخفيف اللام (عملاً صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم). خاتمة: ومن آداب المعبر ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر أنه كتب إلى أبي موسى إذا رأى أحدكم رؤيا فقصّها على أخيه فليقل: خير لنا وشر لأعدائنا، ورجاله ثقات لكن سنده منقطع، وعند الطبراني والبيهقي في الدلائل من حديث ابن زمل الجهني وهو بكسر الزاي وسكون الميم بعدها لام قال: كان النبي ﷺ إذا صلّى الصبح قال: "هل رأى أحد منكم شيئًا؟ " قال ابن زمل: فقلت أنا يا رسول الله. قال: "خيرًا تلقاه وشرًّا تتوقاه وخير لنا وشر على أعدائنا والحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك" الحديث. وسنده ضعيف جدًّا، وينبغي أن يكون العابر دينًا حافظًا تقيًّا ذا علم وصيانة كاتمًا لأسرار الناس في رؤياهم وأن يستغرق السؤال من السائل بأجمعه وأن يرد الجواب على قدر السؤال للشريف والوضيع ولا يعبر عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ولا عند الزوال ولا في الليل، ومن أدب الرائى أن يكون صادق اللهجة وأن ينام على وضوء على جنبه الأيمن وأن يقرأ عنده والشمس والليل والتين وسورتي الإخلاص والمعوذتين ويقول: اللهم إني أعوذ بك من سيء الأحلام وأستجير بك من تلاعب الشيطان في اليقظة والمنام. اللهم إني أسألك رؤيا صالحة صادقة نافحة حافظة غير منسية اللهم أرني في منامي ما أحب، ومن آدابه أن لا يقصها على امرأة ولا على عدوّ ولا على جاهل. وهذا آخر كتاب التعبير فرغ منه يوم الاثنين العشرين من شعبان سنة ٩١٥. ٩٢ - كتاب الفتن بكسر الفاء وفتح الفوقية جمع فتنة وهي المحنة والعذاب والشدة وكل مكروه وآيل إليه كالكفر والإثم والفضيحة والفجور والمصيبة وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة فقد ذم الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله تعالى: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾ [البقرة: ١٩١] و ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين﴾ [البروج: ١٠] الآية. (بسم الله الرحمن الرحيم) قال في الفتح: كذا في رواية الأصيلي وكريمة تأخير البسملة ولغيرهما تقديمها والذي في الفرع كأصله رقم عليه علامة أبي ذر بعد التصحيح وعلامة التقديم والتأخير عليهما لابن عساكر. ١ - باب مَا جَاءَ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. وَمَا كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُحَذِّرُ مِنَ الْفِتَنِ. (ما جاء) ولأبي ذر: باب ما جاء (في) بيان (قول الله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصّة﴾ [الأنفال: ٢٥]). أي اتقوا ذنبًا يعمكم أثره كإقرار المنكر بين أظهركم والمداهنة في الأمر بالمعروف وافتراق الكلمة وظهور البدع والتكاسل في الجهاد على أن قوله لا تصيبن إما جواب الأمر على معنى إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم، وفيه أن جواب الشرط متردّد فلا تليق به النون المؤكدة لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه كقوله: ﴿ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم﴾ [النمل: ١٨] وإما صفة لفتنة ولا للنفي وفيه شذوذ لأن النون لا تدخل النفي في غير القسم والنهي على إرادة القول كقوله:

стр. 4420

حتى إذا جن الظلام واختلط … جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قطّ وإما جواب قسم محذوف كقراءة من قرأ لتصيبن وإن اختلفا في المعنى، ويحتمل أن يكون نهيًا بعد الأمر باتقاء الذنب عن التعرض للظلم فإن وباله يصيب الظالم خاصة ويعود عليه ومن في منكم على الوجه الأول للتبعيض وعلى الأخيرين للتبيين، وفائدته التنبيه على أن الظلم منكم أقبح من غيركم قاله في أسرار التنزيل. وروى أحمد والبزار من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير قال قلنا للزبير يعني في قصة الجمل يا أبا عبد الله ما جاء بكم ضيعتم الخليفة الذي قتل يعني عثمان بالمدينة ثم جئتم تطلبون بدمه يعني بالبصرة؟ فقال الزبير: إنّا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذي ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥] لم نكن نحسب أنّا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت. وعند أحمد بسند حسن من حديث عدي بن عميرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة" (و) بيان (ما كان النبي ﷺ يحذر) بتشديد المعجمة (من الفتن) في أحاديث الباب وغيره المتضمنة للوعيد على التبديل والأحداث لأن الفتن غالبًا إنما تنشأ عن ذلك. ٧٠٤٨ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا عَلَى حَوْضِى أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَىَّ فَيُؤْخَذُ بِنَاسٍ مِنْ دُونِى فَأَقُولُ: أُمَّتِى فَيَقُولُ: لَا تَدْرِى مَشَوْا عَلَى الْقَهْقَرَى» قَالَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ نُفْتَنَ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا بشر بن السريّ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة والسري بفتح السين المهملة وكسر الراء وتشديد التحتية البصري سكن مكة وكان يلقب بالأفوه قال: (حدّثنا نافع بن عمر) بن عبد الله القرشي المكي (عن ابن أبي مليكة) عبد الله واسم أبي مليكة زهير أنه (قال: قالت أسماء) بنت أبي بكر الصديق ﵄ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (أنا على حوضي) يوم القيامة (أنتظر من يرد عليّ) بتشديد الياء أي من يحضرني ليشرب (فيؤخذ بناس من دوني) أي بالقرب مني (فأقول: أمتي) وفي باب الحوض من الرقاق فأقول يا رب مني ومن أمتي (فيقول) أي فيقول الله ولأبي ذر وابن عساكر فيقال (لا تدري) يا محمد (مشوا على القهقرى) بفتح القافين بينهما هاء ساكنة مقصور الرجوع إلى خلف أي رجعوا الرجوع المعروف بالقهقرى أي ارتدّوا عما كانوا عليه. (قال ابن أبي مليكة) عبد الله بالسند السابق: (اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع) أي نرتدّ (على أعقابنا أو نفتن) زاد في باب الحوض عن ديننا. ٧٠٤٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، لَيُرْفَعَنَّ إِلَىَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ، حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ لأُنَاوِلَهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِى فَأَقُولُ: أَىْ رَبِّ أَصْحَابِى فَقُولُ: لَا تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ». وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف أبو سلمة التبوذكي بفتح المثناة وضم الموحدة وسكون الواو وفتح المعجمة مشهور بكنيته واسمه قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن مغيرة) بن المقسم بكسر الميم الضبي الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (قال: قال عبد الله) بن مسعود ﵁ (قال النبي ﷺ ¬): (أنا فرطكم) بفتح الفاء والراء وبالطاء المهملة أي أنا أتقدمكم (على الحوض) لأهيئه لكم (ليرفعن) أي ليظهرن ولأبي ذر فليرفعنّ (إليّ) بتشديد الياء (رجال منكم) لأراهم (حتى إذا أهويت) ملت (لأناولهم اختلجوا) بسكون الخاء المعجمة وضم الفوقية وكسر اللام وضم الجيم اجتذبوا واقتطعوا (دوني فأقول: أي رب أصحابي) أي أمتي (فيقول) الله تعالى إنك (لا تدري ما أحدثوا) من الارتداد عن الإسلام أو من المعاصي الكبيرة البدنية أو الاعتقادية (بعدك). ٧٠٥٠ و ٧٠٥١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا، لَيَرِدُ عَلَىَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِى، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ». قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَنِى النُّعْمَانُ بْنُ أَبِى عَيَّاشٍ وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلاً فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فِيهِ قَالَ: «إِنَّهُمْ مِنِّى فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِى مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِى» وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) المخزومي ونسبه لجده واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن) القارّي بتشديد التحتية (عن أبي حازم) سلمة بن دينار أنه (قال: سمعت سهل بن سعد) بسكون العين الساعدي الأنصاري ﵁ (يقول: سمعت النبي ﷺ يقول): (أنا فرطكم على الحوض) بفتح الفاء والراء أي أتقدمكم فعل

стр. 4421

بمعنى فاعل وفي الدعاء للطفل الميت اللهم اجعله لنا فرطًا أي أجرًا يتقدمنا حتى نرد عليه (من) ولأبي ذر فمن (ورده شرب منه) بلفظ الماضي ولأبي ذر عن الكشميهني يشرب بلفظ المضارع (ومن شرب منه لم يظمأ) أي لم يعطش (بعده أبدًا) وسقط لفظ بعده لأبي ذر (ليرد) ولأبي ذر ليردنّ (عليّ) بتشديد التحتية (أقوام أعرفهم ويعرفوني) ولأبي ذر ويعرفونني بنونين (ثم يحال بيني وبينهم). (قال أبو حازم) سلمة بالسند السابق (فسمعني النعمان بن أبي عياش) بالتحتية والشين المعجمة الزرقي (وأنا أحدّثهم هذا) الحديث (فقال: هكذا سمعت سهلاً)؟ الساعدي وتاء سمعت مفتوحة وهو استفهام حذفت أداته قال أبو حازم (فقلت: نعم) سمعته (قال) النعمان: (وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري) ﵁ (لسمعته يزيد فيه قال: إنهم) أي الذين يحال بينه وبينهم (مني) من أمتي (فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا) كذا لأبي ذر عن الكشميهني ولغيره ما بدّلوا (بعدك فأقول سحقًا سحقًا) بُعدًا بُعدًا (لمن بدل) دينه (بعدي) أي أبعده الله وليس فيه دلالة على أنه لا يشفع لهم بعد لأن الله تعالى قد يلقي لهم ذلك في قلبه وقتًا ليعاقبهم بما شاء إلى وقت يشاء ثم يعطف قلبه عليهم فيشفع لهم، ففي الحديث شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أي ما عدا الشرك. والحديث أخرجه مسلم في فضل النبي ﷺ . ٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ - «سَتَرَوْنَ بَعْدِى أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا». وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِى عَلَى الْحَوْضِ». (باب قول النبي ﷺ ¬) للأنصار (سترون بعدي أمورًا تنكرونها. وقال عبد الله بن زيد) أي ابن عاصم العاصمي مما وصله المؤلّف في كتاب المغازي في غزوة حنين (قال النبي ﷺ ¬) للأنصار (اصبروا) على ما تلقون بعدي من الأثرة (حتى تلقوني على الحوض). ٧٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا». قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد القطان) ثبت القطان لأبي ذر قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا زيد بن وهب) أبو سليمان الهمداني الجهني الكوفي مخضرم ثقة جليل لم يصب من قال في حديثه خلل قال: (سمعت عبد الله) بن مسعود بن غافل الهذلي ﵁ (قال: قال لنا رسول الله ﷺ ¬): (إنكم سترون) من أمراء (بعدي أثرة) بفتح الهمزة والمثلثة والراء أو بضم الهمزة وسكون المثلثة استئثارًا واختصاصًا بحظوظ دنيوية يؤثرون بها غيركم (وأمورًا تنكرونها) من أمور الدين وسقطت الواو الأولى من أمورًا لابن عساكر وحينئذٍ فقوله أمورًا بدل من أثرة (قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله)؟ أن نفعل إذا وقع ذلك (قال: أدّوا إليهم) أي إلى الأمراء (حقهم) الذي لهم المطالبة به وفي رواية الثوري عن الأعمش في علامات النبوّة تؤدون الحقوق التي عليكم أي بذل المال الواجب في الزكاة والنفس والخروج إلى الجهاد عند التعيين ونحوه (وسلوا الله حقكم). وفي رواية الثوري وتسألون الله الذي لكم أي بأن يلهمهم أنصافكم أو يبدّلكم خيرًا منهم، وقال الداودي: سلوا الله أن يأخذ لكم حقكم ويقيض لكم من يؤديه إليكم، وقيل تسألون الله سرًّا لأنهم إن سألوه جهرًا أدى إلى الفتنة، وظاهر هذا الحديث العموم في المخاطبين كما قاله في الفتح. قال: ونقل السفاقسي عن الداودي أنه خاص بالأنصار وكأنه أخذه من حديث عبد الله بن زيد الذي قبله ولا يلزم من مخاطبة الأنصار بذلك أن يختص بهم فقد ور دما يدل على التعميم، وفي حديث عمر في مسنده للإسماعيلي من طريق أبي مسلم الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه قال: أتاني جبريل فقال: إن أمتك مفتتنة من بعدك فقلت من أين قال من قبل أمرائهم وقرّائهم يمنع الأمراء الناس الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون ويتبع القراء أهواء الأمراء فيفتنون. قلت: فكيف يسلم من يسلم منهم؟ قال: بالكف والصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه. وحديث الباب سبق في علامات النبوّة. ٧٠٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنِ الْجَعْدِ، عَنْ أَبِى رَجَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». [الحديث ٧٠٥٣ - طرفاه في: ٧٠٥٤، ٧١٤٣]. وبه قال: (حدّثنا مسدد) أبو الحسن الأسدي البصري ابن مسرهد بن مسربل بن مغربل (عن عبد الوارث) بن سعيد ولابن عساكر حدّثنا

стр. 4422

عبد الوارث (عن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة أبي عثمان الصيرفي (عن أبي رجاء) عمران العطاردي (عن ابن عباس) رضي الله عهما (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (من كره من أميره شيئًا) من أمر الدين (فليصبر) على ذلك المكروه ولا يخرج عن طاعة السلطان (فإنه من خرج من السلطان) أي من طاعته (شبرًا) أي قدر شبر كناية عن معصية السلطان ولو بأدنى شيء (مات ميتة جاهلية) بكسر الميم كالجلسة بيان لهيئة الموت وحالته التي يكون عليها أي كما يموت أهل الجاهلية من الضلالة والفرقة وليس لهم إمام يطاع، وليس المراد أنه يموت كافرًا بل عاصيًا. وفي الحديث أن السلطان لا ينعزل بالفسق إذ في عزله سبب للفتنة وإراقة الدماء وتفريق ذات اليمين فالمفسدة في عزله أكثر منها في بقائه. والحديث أخرجه البخاري في الأحكام أيضًا ومسلم في المغازي. ٧٠٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْجَعْدِ أَبِى عُثْمَانَ، حَدَّثَنِى أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِىُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي البصري قال: (حدثنا حماد بن زيد) بفتح الحاء المهملة والميم المشددة ابن درهم الأزدي الجهضمي (عن الجعد أبي عثمان) بن دينار اليشكري بتحتية مفتوحة فشين معجمةساك نة فكاف مضمومة الصيرفي البصري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (أبو رجاء) بن ملحان بكسر الميم وسكون اللام بعدها حاء مهملة (العطاردي قال: سمعت ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه فإنه) فإن الشأن (من فارق الجماعة) أي جماعة الإسلام وخرج عن طاعة الإمام (شبرًا) أي ولو بأدنى شيء (فمات إلا مات ميتة جاهلية) أي فمات على هيئة كان يموت عليها أهل الجاهلية لأنهم كانوا لا يرجعون إلى طاعة أمير ولا يتبعون هدى إمام بل كانوا مستنكفين عن ذلك مستبدين بالأمور، ومن استفهامية والاستفهام إنكاري فحكمه حكم النفي فكأنه يقول: ما فارق أحد الجماعة شبرًا إلا مات ميتة جاهلية أو حذف ما النافية فهي مقدرة أو إلا زائدة أو عاطفة على رأي الكوفيين، وفي هذه الأحاديث حجة في ترك الخروج على أئمة الجور ولزوم السمع والطاعة لهم وقد أجمع الفقهاء على أن الإمام المتغلب تلزم طاعته ما أقام الجماعات والجهاد إلا إذا وقع منه كفر صريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر. ٧٠٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِى أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهْوَ مَرِيضٌ قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: دَعَانَا النَّبِىُّ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري (عن عمرو) بفتح العين ابن الحارث (عن بكير) بضم الموحدة مصغرًا ابن عبد الله بن الأشج (عن بسر بن سعيد) بكسر العين وبسر بضم الموحدة وسكون السين المهملة مولى الحضرمي (عن جنادة بن أبي أمية) بضم الجيم وتخفيف النون السدوسي واسم أبي أمية كثير أنه (قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو) أي والحال أنه (مريض فقلنا) له: (أصلحك الله) في جسمك لتعافى من مرضك أو أعم (حدّثنا بحديث ينفعك الله به سمعتهُ من النبي ﷺ قال: دعانا النبي ﷺ ¬) ليلة العقبة (فبايعنا) بفتح العين ﷺ وروي فبايعنا بإسكانها أي فبايعنا نحن النبي ﷺ ولأبي ذر والأصيلي فبايعناه بإثبات ضمير المفعول. ٧٠٥٦ - فَقَالَ: فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِى مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ. [الحديث ٧٠٥٦ - طرفه في: ٧٢٠٠]. (فقال) ﷺ : (فيما أخذ علينا) أي فيما اشترط علينا (أن بايعنا) بفتح الهمزة والعين مفسرة (على السمع والطاعة) له (في منشطنا ومكرهنا) بفتح الميم فيهما وبالمعجمة بعد النون الساكنة في الأوّل وسكون الكاف في الثاني مصدران ميميان أي في حالة نشاطنا والحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به (وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا) بفتحات أو بضم الهمزة وسكون المثثة أي إيثار الأمراء بحظوظهم واختصاصهم إياها بأنفسهم (وأن لا ننازع الأمر) أي الملك (أهله). قال في شرح المشكاة: هو كالبيان لسابقه لأن معنى عدم المنازعة هو الصبر على الأثرة، وزاد أحمد من طريق عمير بن هانئ عن عبادة وإن رأيت أن لك أي وإن اعتقدت أن لك في الأمر حقًّا فلا تعمل بذلك الرأي بل

стр. 4423

اسمع وأطع إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة. وعند ابن حبان وأحمد من طريق أبي النضر عن جنادة وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك (إلا أن تروا). فإن قلت: كان المناسب أن يقال إلا أن نرى بنون المتكلم. أجيب: بأن التقدير بايعنا قائلاً إلا أن تروا (كفرًا بواحًا) بفتح الموحدة والواو والحاء المهملة ظاهرًا يجهر ويصرح به (عندكم من الله فيه برهان) نص من قرآن أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل فلا يجوز الخروج على الإمام ما دام فعله يحتمل التأويل. والحديث أخرجه مسلم في المغازي. ٧٠٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا وَلَمْ تَسْتَعْمِلْنِى؟ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِى». وبه قال: (حدّثنا محمد بن عرعرة) القرشي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) ﵁ (عن أسيد بن حضير) بضم الهمزة وضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة مصغرين ابن سماك بن عتيك أبي عبيد الأنصاري الأشهلي (أن رجلاً) هو أسيد الراوي (أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استعملت فلانًا) هو عمرو بن العاصي (ولم تستعملني قال) ﵊ مجيبًا للسؤال: (إنكم سترون) بفتح الفوقية (بعدي أثرة) بضم الهمزة وسكون المثلثة أي استئثارًا للحظ الدنيوي (فاصبروا) إذا وقع لكم ذلك (حتى تلقوني) وإنما أجاب بقوله: إنكم سترون إشارة إلى أن استعمال فلان المذكور ليس لمصلحة خاصة به بل لك ولجميع المسلمين. والحديث سبق في فضائل الأنصار. ٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «هَلَاكُ أُمَّتِى عَلَى يَدَىْ أُغَيْلِمَةٍ سُفَهَاءَ» (باب قول النبي ﷺ : هلاك أمتي على يدي) بالتثنية (أغيلمة) بضم الهمزة وفتح الغين المعجمة وسكون التحتية وكسر اللام وفتح الميم بعدها هاء تأنيث صبيان أو الضعفاء العقول والتدبير والدين ولو كانوا بالغين زاد في بعض النسخ عن أبي ذر من قريش (سفهاء). ٧٠٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى جَدِّى قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ فِى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَمَعَنَا مَرْوَانُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ يَقُولُ: «هَلَكَةُ أُمَّتِى عَلَى يَدَىْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ». فَقَالَ مَرْوَانُ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غِلْمَةً فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ بَنِى فُلَانٍ وَبَنِى فُلَانٍ لَفَعَلْتُ: فَكُنْتُ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّى إِلَى بَنِى مَرْوَانَ حِينَ مَلَكُوا بِالشَّأْمِ: فَإِذَا رَآهُمْ غِلْمَانًا أَحْدَاثًا قَالَ لَنَا عَسَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ؟ قُلْنَا: أَنْتَ أَعْلَمُ. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا عمرو بن يحيى) بفتح العين (ابن سعيد بن عمرو بن سعيد) بكسر عين سعيد فيهما وفتح عين عمرو وسقط لابن عساكر ابن عمرو بن سعيد (قال: أخبرني) بالإفراد (جدي) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المدني ثم الدمشقي ثم الكوفي (قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة) ﵁ (في مسجد النبي ﷺ بالمدينة) زمن معاوية ﵁ (ومعنا مروان) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الذي ولي الخلافة بعد ذلك (قال أبو هريرة سمعت الصادق) في نفسه (المصدوق) عند الله ﷺ (يقول): (هلكة أمتي على يدي) بفتح الدال تثنية يد ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني أيدي بزيادة همزة بصيغة الجمع (غلمة) بكسر المعجمة وسكون اللام (من قريش). وعند أحمد والنسائي من رواية سماك عن أبي ظالم عن أبي هريرة: إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش وبزيادة سفهاء تقع المطابقة بين الحديث والترجمة. وعند ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: أعوذ بالله من إمارة الصبيان قال إن أطعتموهم هلكتم أي في دينكم وإن عصيتموهم أهلكوكم أي في دنياكم بإزهاق النفس أو بإذهاب المال أو بهما، وعند ابن أبي شيبة أن أبا هريرة كان يمشي في السوق يقول: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان. قالوا وما إمارة الصبيان؟ وقد استجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة. قال في الفتح: وفي هذا اشارة إلى أن أوّل الأغيلمة كان في سنة ستين وهو كذلك فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها وبقي إلى سنة أربع وستين فمات ثم ولي ولده معاوية ومات بعد أشهر. (فقال مروان) بن الحكم المذكور (لعنة الله عليهم غلمة) بالنصب على الاختصاص (فقال أبو هريرة) ﵁: (لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت) وكان أبا هريرة كان يعرف أسماءهم وكان ذلك من الجراب الذي لم يبثه فلم يبين أسامي أمراء الجور وأحوالهم نعم كان يكني عن بعضه ولا يصرح به خوفًا على نفسه، وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد أخرجها الطبراني وغيره غالبها فيه مقال وبعضها جيد قال عمرو بن يحيى (فكنت أخرج مع جدي) سعيد بن عمرو (إلى بني مروان)

стр. 4424

بن الحكم (حين ملكوا) ولّوا الخلافة (بالشام) وغيرها ولأبي ذر حين ملكوا بضم الميم وكسر اللام مشددة (فإذا رآهم غلمانًا أحداثًا) جمع حدث أي شبانًا وأوّلهم يزيد ولابن عساكر غلمان أحداث (قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم) فقال أولاده وأتباعه ممن سمع منه ذلك (قلنا) له (أنت أعلم) وإنما تردّد عمرو في أنهم المراد بحديث أبي هريرة من جهة كون أبي هريرة لم يفصح بأسمائهم. تنبيه: قال التفتازاني وقد اختلفوا في جواز لعن يزيد بن معاوية فقال في الخلاصة وغيرها أنه لا ينبغي اللعن عليه ولا على الحجاج لأن النبي ﷺ نهى عن لعن المصلين ومن كان من أهل القبلة، وأما ما نقل عنه ﷺ من اللعن لبعض أهل القبلة فلما أنه يعلم من أحوال الناس ما لا يعلمه غيره وبعضهم أطلق اللعن عليه لما أنه كفر حين أمر بقتل الحسين ﵁، واتفقوا على جواز اللعن على من قتله أو أمر به أو أجازه أو رضي به، والحق أن رضا يزيد بقتل الحسين ﵁ وإهانته أهل البيت النبوي مما تواتر معناه وإن كانت تفاصيله آحادًا فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه انتهى. والحديث سبق في علامات النبوّة وأخرجه مسلم. ٤ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ» (باب قول النبي ﷺ : ويل للعرب من شر قد اقترب). ٧٠٥٩ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِىَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ ﵅ أَنَّهَا قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِىُّ ﷺ مِنَ النَّوْمِ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وَعَقَدَ سُفْيَانُ تِسْعِينَ أَوْ مِائَةً قِيلَ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ». وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد بن درهم أبو غسان النهدي الكوفي قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (أنه سمع الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير (عن زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان أم المؤمنين (عن زينب ابنة جحش) أم المؤمنين (﵁) ولأبي ذر بنت جحش (أنها قالت: استيقظ النبي ﷺ من النوم) حال كونه (محمرًّا وجهه). وفي آخر الفتن من طريق ابن شهاب عن عروة أن رسول الله ﷺ دخل عليها يومًا فرغًا فيحتمل أنه دخل عليها بعد أن استيقظ من نومه فزعًا وكانت حمرة وجهه من ذلك الفزع، وعند أبي عوانة من طريق سليمان بن كثير عن الزهري فرغًا محمرًّا وجهه أي حال كونه (يقول): (لا إله إلا الله ويل) كلمة تقال لمن وقع في هلكة (للعرب من شرٍّ قد اقترب) أراد به الاختلاف الذي ظهر بين المسلمين من وقعة عثمان ﵁ وما وقع بين علي ومعاوية ﵄، وخصّ العرب بالذكر لأنهم أوّل من دخل في الإسلام وللإنذار بأن الفتن إذا وقعت كان الهلاك إليهم أسرع (فتح اليوم) بضم الفاء مبنيًّا للمفعول ونصب اليوم على الظرفية (من ردم يأجوج ومأجوج) من سدهما الذي بناه ذو القرنين بيننا وبينهم (مثل هذه) بالرفع مفعول ناب عن فاعله (وعقد سفيان) بن عيينة (تسعين) بأن جعل طرف إصبعه السبابة اليمنى في أصلها وضمها ضمًّا محكمًا بحيث انطوت عقدتاها حتى صارت كالحية المطوية (أو) عقد (مائة) بأن عقد التسعين لكن بالخنصر اليسرى، وعلى هذا فالتسعون والمائة متقاربان ولذا وقع فيهما الشك (قيل) وفي آخر الفتن قالت زينب فقلت يا رسول الله (أنهلك) بكسر اللام (وفينا الصالحون؟ قال) ﷺ : (نعم إذا كثر الخبث) بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة أي الزنا أو أولاد الزنا أو الفسوق والفجور. وفي الفتح ترجيح الأخير قال: لأنه قابله بالصلاح، وفي الحديث ثلاث صحابيات: زينب بنت أم سلمة ربيبة النبي ﷺ ، وأم حبيبة رملة زوجة النبي ﷺ ، وأم المؤمنين زينب بنت جحش. وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريق الحميدي فقال في روايته عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة. وقال في آخره قال الحميدي قال سفيان أحفظ في هذا الحديث. وقال الحميدي قال سفيان حفظت عن الزهري أربع نسوة قد رأين النبي ﷺ اثنتين من أزواجه أم حبيبة وزينب بنت جحش وثنتين ربيبتيه زينب بنت أم سلمة وحبيبة بنت أم حبيبة أبوها عبد الله بن جحش فزاد حبيبة كالنسائي وابن ماجة. وحديث الباب سبق في أحاديث الأنبياء

стр. 4425

وعلامات النبوّة وأخرجه بقية الأئمة إلاّ أبا داود. ٧٠٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، وَحَدَّثَنِى مَحْمُودٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى»؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَإِنِّى لأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَوَقْعِ الْقَطْرِ». وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير وسقط عن عروة لغير ابن عساكر قال المؤلّف (وحدّثني) بالإفراد (محمود) هو ابن غيلان قال: (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحافظ أبو بكر الصنعاني أحد الأعلام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد الأزدي مولاهم (عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد) حِب رسول الله ﷺ وابن حِبه (﵄) أنه (قال: أشرف النبي ﷺ ¬) أي اطّلع من علو (على أطم) بضمتين حصن أو قصر (من آطام المدينة) بمد الهمزة والطاء مهملة فيهما (فقال) ﵊: (هل ترون ما أرى؟ قالوا: لا) يا رسول الله (قال: فإني لأرى الفتن) أي ببصري أي بأن كشف لي فأبصرت ذلك عيناي حال كونها (تقع خلال) بكسر الخاء المعجمة أوساط (بيوتكم) أو تقع مفعول ثان (كوقع القطر) بسكون قاف كوقع، ولابن عساكر وأبي ذر عن المستملي المطر بالميم بدل القاف وهما بمعنى، وفيه إشارة إلى قتل عثمان ﵁ بالمدينة وانتشار الفتن في غيرها فما وقع من القتال بصفين والجمل كان بسبب قتل عثمان والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين فكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك أو عن شيء تولد عنه. والحديث سبق في الحج والمظالم وعلامات النبوّة وأخرجه مسلم في الفتن عن أبي بكر بن أبي شيبة. ٥ - باب ظُهُورِ الْفِتَنِ (باب ظهور الفتن). ٧٠٦١ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّمَ هُوَ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ الْقَتْلُ». وَقَالَ شُعَيْبٌ: وَيُونُسُ وَاللَّيْثُ وَابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا عياش بن الوليد) بتشديد التحتية آخره معجمة الرقام البصري قال: (أخبرنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي بالسين المهملة البصري قال: (حدّثنا معمر) بفتح الميمين ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سعيد) بكسر العين ابن المسيب (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (يتقارب الزمان) بأن يعتدل الليل والنهار أو يدنو قيام الساعة أو تقصر الأيام والليالي أو يتقارب في الشر والفساد حتى لا يبقى من يقول: الله الله أو المراد بتقاربه تسارع الدول في الانقضاء والقرون إلى الانقراض فيتقارب زمانهم، وتتدانى أيامهم أو تتقارب أحواله في أهله في قلة الدين حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف وينهى عن منكر لغلبة الفسق وظهور أهله، أو المراد قصر الأعمال بالنسبة إلى كل طبقة فالطبقة الأخيرة أقصر أعمارًا من الطبقة الأخيرة التي قبلها وفي حديث أنس عند الترمذي مرفوعًا: لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة. وما تضمنه هذا الحديث قد وجد في هذا الزمان فإنا نجد من سرعة الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبله والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان، وهذا من علامات قرب الساعة. وقال النووي: والمراد بقصره عدم البركة فيه وإن اليوم مثلاً يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يتقارب الزمن بإسقاط الألف بعد الميم وهي لغة فيه شاذة لأن فعلاً بالفتح لا يجمع على أفعل إلا حروفًا يسيرة زمن وأزمن وجبل وأجبل وعصب وأعصب. (وينقص العمل) بتحتية مفتوحة فنون ساكنة فقاف مضمومة فصاد مهملة والعمل بالعين والميم بعدها لام، ولأبي ذر عن الكشميهني مما هو في فرع اليونينية كأصلها ويقبض العلم بضم التحتية بعدها قاف ساكنة فموحدة فضاد معجمة والعلم بتقديم اللام على الميم، وقال في فتح الباري: قوله وينقص العلم يعني بالنون والصاد المهملة كذا للأكثر، وفي رواية المستملي والسرخسيّ العمل يعني بدل العلم قال ومثله في رواية شعيب عن الزهري عن حميد عن عبد الرحمن عن أبي هريرة عند مسلم اهـ. وقد قيل إن نقصان العمل الحسيّ ينشأ عن نقص الدين ضرورة وأما المعنوي فبسبب ما يدخل من الخلل بسبب سوء المطعم وقلة المساعد على العمل

стр. 4426

والنفس ميالة إلى الراحة وتحنّ إلى جنسها ولكثرة شياطين الإنس الذي هم أضر من شياطين الجن. (ويلقى الشح) بتثليث الشين وهو البخل في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه فيترك التعليم والفتوى ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير وليس المراد أصل الشحّ لأنه لم يزل موجودًا، فالمراد غلبته وكثرته وليس بينه وبين قوله في كتاب الأنبياء ويفيض المال حتى لا يقبله أحد تعارض إذ كلٍّ منهما في زمان غير زمان الآخر وقوله: ويلقى بضم فسكون ففتح وقال الحميدي لم يضبط الرواة هذا الحرف، ويحتمل أن يكون بتشديد القاف بمعنى يتلقى ويتعلم ويتواصى به ويدعى إليه من قوله تعالى: ﴿ولا يلقاها إلا الصابرون﴾ [القصص: ٨٠] أي لا يعلمها وينبه عليها ولو قيل يلقى بتخفيف القاف لكان أبعد لأنه لو ألقي لترك ولم يكن موجودًا اهـ. قال في المصابيح: وهذا غير لازم إذ يمكن أن المراد يلقى الشحّ في القلوب أي يطرح فيها فيكون حينئذٍ موجودًا معدومًا. (وتظهر الفتن) أي كثرتها وهذا موضع الترجمة (ويكثر الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم (قالوا: يا رسول الله أيم) بفتح الهمزة وتشديد التحتية وفتح الميم مخففة أي أيّ شيء (هو)؟ أي الهرج والأكثر على حذف الألف بعد ميمها تخفيفًا، ولأبي ذر أيما بضم التحتية وبعد الميم ألف وضبطه بعضهم بتخفيف التحتية أي بحذف الياء الثانية كما قالوا أيش في موضع أي شيء وفي رواية عنبسة بن خالد عن يونس عند أبي داود قيل يا رسول الله أيش هو (قال): هو (القتل القتل) بالتكرار مرتين. (وقال شعيب) هو ابن أبي حمزة مما وصله المؤلّف في الأدب (ويونس) بن يزيد مما وصله مسلم في صحيحه بلفظ ويقبض العلم وقدم وتظهر الفتن على ويلقى الشح وقالوا: وما الهرج؟ قال: "القتل" ولم يكرر لفظ القتل. (والليث) بن سعد الإمام فيما وصله الطبراني في الأوسط (وابن أخي الزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم مما وصله في الأوسط أيضًا أربعتهم (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن حميد) بضم الحاء وفتح الميم ابن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) يعني أن هؤلاء الأربعة خالفوا معمرًا في قوله في الحديث السابق عن الزهري عن سعيد، فجعلوا شيخ الزهري حميدًا لا سعيدًا وصنيع المؤلّف ﵀ يقتضي أن الطريقين صحيحان فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في الأدب كما مر ولعله رأى أن ذلك غير قادح لأن الزهري صاحب حديث فيكون الحديث عنده عن شيخين ولا يلزم من ذلك اطّراده في كل مَن اختلف عليه في شيخه إلا أن يكون مثل الزهري في كثرة حديثه وشيوخه. قال ابن بطال: وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عيانًا فقد نقص العلم وظهر الجهل، وألقي الشح في القلوب وعمّت الفتن وكثر القتل. قال في الفتح: الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى مما يقابله إلا النادر والواقع أن الصفات المذكورة وجدت مباديها من عهد الصحابة ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض وكلما مضت طبقة ظهر البعض الكثير في التي تليها ويشير إليه قوله في حديث الباب التالي: لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه. وحديث الباب أخرجه مسلم في القدر وابن ماجة في الفتن. ٧٠٦٢ و ٧٠٦٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِى مُوسَى فَقَالَا: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ لأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ». وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين أبو محمد العبسي الحافظ أحد الأعلام وفي نسخة معتمدة كما في الفتح حدّثنا مسدد حدّثنا عبيد الله بن موسى وسقط في غيرها: وقال عياض: ثبت للقابسي عن أبي ذر المروزي وسقط مسدد للباقين وهو الصواب. الحافظ ابن حجر: وعليه اقتصر أصحاب الأطراف اهـ. وفي هامش الفرع مما عزاه للأصيلي في نسخة أبي ذر حدّثنا مسدد صح قال في الحاشية سقط ذكر مسدد في نسخة وإسقاطه صواب وهو في نسخة عند الأصيلي اهـ. قلت: وكذا رأيته في اليونينية

стр. 4427

وعبيد الله يروي (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق). بفتح المعجمة أبي وائل بن سلمة أنه (قال: كنت مع عبد الله) هو ابن مسعود (وأبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵄ (فقالا: قال النبي ﷺ ¬): (إن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم) بموت العلماء فكلما مات عالِم نقص العلم بالنسبة إلى فَقْد حامله وينشأ عن ذلك الجهل بما كان ذلك العالمِ ينفرد به عن بقية العلماء (ويكثر فيها الهَرجُ، والهَرْجُ) هو (القتل). ٧٠٦٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ قَالَ: جَلَسَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو مُوسَى فَتَحَدَّثَا فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ». وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) بضم العين قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان قال: (حدّثنا شقيق) أبو وائل (قال: جلس عبد الله) بن مسعود (وأبو موسى) الأشعري (فتحدّثنا فقال أبو موسى قال النبي ﷺ ¬): (إن بين يدي الساعة) أي قبلها على قرب منها (أيامًا) والتنوين للتقليل وللحموي والمستملي لأيامًا بزيادة اللام (يرفع فيها العلم) بموت العلماء (وينزل فيها الجهل) بظهور الحوادث المقتضية لترك الاشتغال بالعلم (ويكثر فيها الهَرْجُ والهَرْجُ القتل) يحتمل أن يكون مرفوعًا وهو الظاهر، وأن يكون من تفسير الراوي وظاهره أن القائل هو أبو موسى وحده بخلاف الرواية السابقة فإنها صريحة في أن أبا موسى وابن مسعود قالاه. ٧٠٦٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ: إِنِّى لَجَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِى مُوسَى ﵄ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ مِثْلَهُ وَالْهَرْجُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْقَتْلُ. وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة أنه (قال: إني لجالس مع عبد الله) بن مسعود (وأبي موسى) الأشعري (﵄ فقال أبو موسى: سمعت النبي ﷺ مثله) أي مثل الحديث السابق (والهرج بلسان الحبشة) ولأبي ذر وابن عساكر بلسان الحبش (القتل) قال القاضي عياض: هذا وهم من بعض الرواة فإنها عربية صحيحة اهـ. ويأتي ما فيه في الحديث الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى وأصل الهرج في اللغة العربية الاختلاط يقال هرج الناس اختلطوا واختلفوا فقوله: والهرج الخ إدراج من أبي موسى كما صرح به في الحديث التالي. ٧٠٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَحْسِبُهُ رَفَعَهُ قَالَ: «بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ أَيَّامُ الْهَرْجِ يَزُولُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ فِيهَا الْجَهْلُ». قَالَ أَبُو مُوسَى: وَالْهَرْجُ: الْقَتْلُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ. وبه قال: (حدّثنا محمد) ولأبي ذر زيادة ابن بشار بالموحدة والمعجمة المشددة وهو الملقب ببندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن واصل) هو ابن حيان بالحاء المهملة المفتوحة والتحتية المفتوحة المشددة الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ قال أبو وائل (وأحسبه) أي أحسب عبد الله بن مسعود (رفعه) رفع الحديث إلى النبي ﷺ (قال): (بين يدي الساعة أيام الهرج) بإضافة أيام لتاليها (يزول العلم) بزوال أهله ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر يزول فيها أي في أيام الهرج العلم (ويظهر فيها الجهل) لذهاب العلماء والاشتغال بالفتن عن العلم (قال أبو موسى) الأشعري (والهرج: القتل بلسان الحبشة). قال في الفتح: أخطأ من قال إن الهرج القتل بلسان العربية وهم من بعض الرواة، ووجه الخطأ أنها لا تستعمل في اللغة العربية بمعنى القتل إلا على طريق المجاز لكون الاختلاط مع الاختلاف يفضي كثيرًا إلى القتل وكثيرًا ما يسمون الشيء باسم ما يؤول إليه واستعمالها في القتل بطريق الحقيقة هو بلسان الحبشة فكيف يدعى على مثل أبي موسى الأشعري الوهم في تفسير لفظة لغوية بل الصواب معه، واستعمال العرب الهرج بمعنى القتل لا يمنع كونها لغة الحبشة. ٧٠٦٧ - وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنِ الأَشْعَرِىِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: تَعْلَمُ الأَيَّامَ الَّتِى ذَكَرَ النَّبِىُّ ﷺ أَيَّامَ الْهَرْجِ نَحْوَهُ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ». (وقال أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن عاصم) هو ابن أبي النجود أحد القراء السبعة المشهورين (عن أبي وائل) شقيق (عن الأشعري) أبي موسى ﵁ (أنه قال لعبد الله) بن مسعود ﵁ (تعلم الأيام التي ذكر النبي (¬ ﷺ أيام الهرج نحوه) أي نحو الحديث المذكور بين يدي الساعة أيام الهرج. (قال) ولأبي ذر وقال (ابن مسعود) عبد الله بالسند السابق (سمعت النبي ﷺ يقول): (من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء). وعند مسلم من حديث ابن مسعود أيضًا مرفوعًا: لا تقوم الساعة إلا

стр. 4428

على شرار الناس، وروي أيضًا من حديث أبي هريرة رفعه: إن الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، وله أيضًا: لا تقوم الساعة على أحد يقول: لا إله إلا الله. فإن قلت: قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة" ظاهره أنها تقوم على قوم صالحين. أجيب: بحمل الغاية فيه على وقت هبوب الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن ومسلم فلا يبقى إلا الشرار فتهجم الساعة عليهم بغتة. ٦ - باب لَا يَأْتِى زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِى بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يأتي زمان إلا الذى بعده شر منه). ٧٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ: «اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِى عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِى بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ». سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الزبير) بضم الزاي (ابن عدي) بفتح العين وكسر الدال المهملتين الكوفي الهمداني بسكون الميم من صغار التابعين ليس له في البخاري إلا هذا الحديث أنه (قال: أتينا أنس بن مالك) ﵁ (فشكونا) ولأبي ذر عن الكشميهني فشكوا (إليه ما نلقى) وللأصيلي ما يلقوا، ولأبي ذر وابن عساكر: ما يلقون (من الحجاج) بن يوسف الثقفي الأمير المشهور من ظلمه وتعدّيه وفي قوله فشكونا إليه ما يلقون التفات (فقال) أنس (اصبروا) عليه (فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) أي حتى تموتوا وعند الطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود قال أمس خير من اليوم واليوم خير من غد، وكذلك حتى تقوم الساعة، ولأبي ذر وابن عساكر: أشر منه بوزن أفعل على الأصل لأنه أفعل تفضيل لكن مجيئه كذلك قليل، وعند الإسماعيلي من رواية محمد بن القاسم الأسدي عن الثوري ومالك بن مغول ومسعر وأبي سنان الشيباني أربعتهم عن الزبير بن عدي بلفظ: لا يأتي على الناس زمان إلاّ شر من الزمان الذي كان قبله (سمعته من نبيكم ﷺ ¬). واستشكل هذا الإطلاق بأن بعض الأزمنة قد يكون فيه الشر أقل من سابقه ولو لم يكن إلا زمن عمر بن عبد العزيز وهو بعد زمن الحجاج بيسير. وأجاب الحسن البصري: بأنه لا بدّ للناس من تنفس فحمله على أكثر الأغلب، وأجاب غيره بأن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء، وفي زمن عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده لقوله ﷺ المروي في الصحيحين "خير القرون قرني". وحديث الباب أخرجه الترمذي في الفتن. ٧٠٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ ح. وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِى أَخِى، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً فَزِعًا يَقُولُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْخَزَائِنِ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ لِكَىْ يُصَلِّينَ رُبَّ كَاسِيَةٍ فِى الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِى الآخِرَةِ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (ح) لتحويل السند قال البخاري: (وحدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (أخي) أبو بكر عبد الحميد (عن سليمان) ولأبي ذر زيادة ابن بلال (عن محمد بن أبي عتيق) هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر التيمي المدني نسبه لجده (عن ابن شهاب) الزهري (عن هند بنت الحارث الفراسية) بكسر الفاء وبالسين المهملة نسبة إلى بني فراس بطن من كنانة وهم إخوة قريش قيل إن لهند هذه صحبة (أن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: استيقظ) انتبه (رسول الله ﷺ ¬) من نومه وليست السين في استيقظ للطلب (ليلة) نصب على الظرفية حال كونه (فزعًا) بفتح الفاء وكسر الزاي أي خائفًا حال كونه (يقول): (سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن) كخزائن فارس والروم مما فتح على الصحابة وقوله سبحان الله ماذا استفهام متضمن معنى التعجب ولابن عساكر إسقاط ليلة واسم الجلالة الشريفة من قوله أنزل الله ولأبي ذر عن الكشميهني أنزل بضم الهمزة وكسر الزاي الليلة من الخزائن جمع خزانة وهو ما يحفظ فيه الشيء (وماذا أُنزل من الفتن) بضم الهمزة (من يوقظ) أي من ينتدب فيوقظ (صواحب الحجرات) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم والذي

стр. 4429

في اليونينية بضم الجيم أيضًا (يريد) ﷺ (أزواجه) ﵁ (لكي يصلّين) ويستعذن مما أراه الله من الفتن النازلة كي يوافقن المرجوّ فيه الإجابة وخصّهنّ الحاضرات حينئذٍ (رب كاسية في الدنيا) بالثياب لوجود الغنى (عارية في الآخرة) من الثواب لعدم العلم في الدنيا أو كاسية بالثياب الشفافة التي لا تستر العورة عارية في الآخرة جزاء على ذلك، أو كاسية من نعم الله عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب، أو كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح عارية في الآخرة من العمل لا ينفعها صلاح زوجها، وهذا وإن ورد في أمهات المؤمنين فالعبرة بعموم اللفظ وفيه إشارة إلى تقديم المرء ما يفتح عليه من خزائن الدنيا للآخرة يوم يحشر الناس عراة فلا يكسى إلا الأول فالأول في الطاعة والصدقة والإنفاق في سبيل الله. والحديث سبق في باب العلم والعظة بالليل من كتاب العلم. ٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» (باب قول النبي ﷺ : من حمل علينا السلاح) وهو ما أعد للحرب من آلة الحديد (فليس منا). ٧٠٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) أبو محمد الدمشقي ثم التنيسي الكلاعي الحافظ قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي الإمام (عن نافع) الفقيه مولى ابن عمر من أئمة التابعين وأعلامهم (عن) مولاه (عبد الله بن عمر ﵄) وسقط لابن عساكر لفظ عبد الله (أن رسول الله ﷺ قال): (من حمل علينا السلاح) مستحلاًّ لذلك (فليس منا). بل هو كافر بما فعله من استحلال ما هو مقطوع بتحريمه ويحتمل أن يكون غير مستحل فيكون المراد بقوله فليس منا أي ليس على طريقتنا كقوله ﵊: "ليس منا من شقّ الجيوب وما أشبهه". وهذا الحديث أخرجه مسلم في الإيمان والنسائي في المحاربة. ٧٠٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا». وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني الكوفي مشهور بكنيته أبي كريب قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن سلمة (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراء ابن عبد الله (عن) جده (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر أو الحارث (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (من حمل علينا السلاح) لقتالنا معشر المسلمين بغير حق ولمسلم من حديث سلمة بن الأكوع مَن سلّ علينا السيف، وعند البزار من حديث أبي بكرة، ومن حديث سمرة ومن حديث عمرو بن عوف مَن شَهَرَ علينا السلاح، وفي سند كلٍّ منها لين لكنها يعضد بعضها بعضًا وفي حديث أبي هريرة عند أحمد: مَن رمانا بالنّبل بالنون والموحدة (فليس منا). لما في ذلك من تخويف المسلمين إدخال الرعب عليهم وكأنه كنّى بالحمل عن المقاتلة أو القتل للملازمة الغالبة ومن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله والفقهاء مجُمِعون على أن الخوارج من جملة المؤمنين وأن الإيمان لا يزيله إلا الشرك بالله وبرسله. نعم الوعيد المذكور في هذا الحديث لا يتناول مَن قاتل البغاة من أهل الحق فيحمل على البغاة ومن بدأ بالقتال ظالمًا والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرّض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر كما حكاه في الفتح وغيره. وهذا الحديث أعني حديث محمد بن العلاء عند ابن عساكر في نسخة وليس في الأصل وقد أخرجه مسلم في الإيمان والترمذي وابن ماجة في الحدود. ٧٠٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِى لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِى يَدِهِ، فَيَقَعُ فِى حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ». وبه قال: (حدّثنا محمد) غير منسوب فجزم الحاكم فيما ذكره الجياني بأنه محمد بن يحيى الذهلي وقال الحافظ ابن حجر يحتمل أن يكون هو ابن رافع فإن مسلمًا أخرج هذا الحديث عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق وتعقبه العيني فقال هذا الاحتمال بعيد فإن إخراج مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق لا يستلزم إخراج البخاري كذلك قال: (أخبرنا عبد الرزاق) أبو بكر بن همام بن نافع الصنعاني أحد الأعلام (عن معمر) بفتح الميمين ابن راشد (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم بعدها ابن منبه أنه

стр. 4430

قال: (سمعت أبا هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح) بإثبات التحتية بعد المعجمة من قوله لا يشير نفي بمعنى النهي ولبعضهم بإسقاطها بلفظ النهي قال في الفتح وكلاهما جائز (فإنه) أي الذي يشير (لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده) بفتح التحتية وكسر الزاي بينهما نون ساكنة آخره عين مهملة أي يقلعه من يده فيصيب به الآخر أو يشد يده فيصيبه ولأبي ذر عن الكشميهني ينزغ بفتح الزاي بعدها غين معجمة أي يحمل بعضهم على بعض بالفساد (فيقع) في معصية تُفضي به إلى أن يقع (في حفرة من النار) يوم القيامة وفيه النهي عما يُفضي إلى المحذور وإن لم يكن المحذور محققًا سواء كان ذلك في جدّ أو هزل. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأدب. ٧٠٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو يَا أَبَا مُحَمَّدٍ سَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ بِسِهَامٍ فِى الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا» قَالَ: نَعَمْ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) بن المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: قلت لعمرو) هو ابن دينار (يا أبا محمد سمعت) بفتح التاء (جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄ (يقول: مرّ رجل) أي أعرف اسمه (بسهام في المسجد فقال له رسول الله ﷺ ¬): (أمسك) بهمزة قطع مفتوحة وكسر السين (بنصالها) جمع نصل وهو حديد السهم ويجمع أيضًا على نصول (قال) عمرو بن دينار جوابًا السؤال سفيان بن عيينة (نعم) سمعته يقول ذلك وسقط قوله نعم في باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد من كتاب الصلاة، وقول ابن بطال حديث جابر لا يظهر فيه الإسناد لأن سفيان لم يقل إن عمرًا قال له نعم فبان بقوله نعم في الرواية الأخرى إسناد الحديث. قال في الفتح: هذا مبني على المذهب المرجوح في اشتراط قول الشيخ نعم إذا قال له القارئ مثلاً أحدّثك فلان؟ والمذهب الراجح الذي عليه أكثر المحققين أن ذلك لا يشترط بل يكتفى بسكوت الشيخ إذا كان متيقظًا. ٧٠٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلاً مَرَّ فِى الْمَسْجِدِ بِأَسْهُمٍ قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا لَا يَخْدِشُ مُسْلِمًا. وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الإمام أبو إسماعيل الأزدي أحد الأعلام (عن عمرو بن دينار) أبي محمد الجمحي مولاهم المكي (عن جابر) ﵁ (أن رجلاً مرّ في المسجد) النبوي (بأسهم) جمع سهم في القلة وفيه دلالة على أن قوله في الأول بسهام أنها سهام قليلة (قد أبدى) أي أظهر (نصولها) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني بدا نصولها (فأمر) ﷺ الرجل (أن يأخذ بنصولها) أي يقبض عليها بكفه كما في الرواية اللاحقة وفي نسخة فأمر بضم الهمزة (لا يخدش مسلمًا). بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة من خدش يخدش أي لا يقشر جلد مسلم، والخدش أول الجراح وهذا تعليل للأمر بالإمساك على النصال. ٧٠٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِى مَسْجِدِنَا أَوْ فِى سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا، أَوْ قَالَ فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا شَىْءٌ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بضم الموحدة ابن عبد الله (عن) جدّه (أبي بردة عن) أبيه (أبي موسى) الأشعري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (إذا مرّ أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل) بفتح النون وسكون الموحدة السهام العربية لا واحد لها من لفظها وأو للتنويع لا للشك والواو في قوله ومعه للحال (فليمسك على نصالها) عدّاه بعل للمبالغة وإلاّ فالأصل فليمسك بنصالها (أو قال) ﷺ (فليقبض بكفه) عليها وليس المراد خصوص ذلك بل يحرص على أن لا يصيب مسلمًا بوجه من الوجوه كما دل عليه التعليل بقوله (أن يصيب) بفتح الهمزة أي كراهية أن يصيب ولمسلم لئلا يصيب بها (أحدًا من المسلمين منها شيء). ولأبي ذر والأصيلي: بشيء بزيادة حرف الجر. ٨ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (باب قول النبي ﷺ : لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض). ٧٠٧٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا شقيق) أبو وائل بن سلمة (قال: قال عبد الله) بن مسعود ﵁ (قال النبي ﷺ ¬): (سباب المسلم) بكسر السين وتخفيف الموحدة مصدر مضاف للمفعول يقال سب

стр. 4431

يسب سبًّا وسبابًا. قال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السب وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه يريد بذلك عيبه، وقال غيره: السباب هنا مثل القتال فيقتضي المفاعلة، ولأحمد عن غندر عن شعبة سباب المؤمن (فسوق) وهو في اللغة الخروج وفي الشرع الخروج عن طاعة الله ورسوله وهو في الشرع أشد العصيان قال تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧] ففيه تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بغير حق بالفسق (وقتاله) ومقاتلته (كفر) ظاهره غير مراد فلا متمسك به للخوارج لأنه لما كان القتال أشد من السباب لأنه مُفضٍ إلى إزهاق الروح عبّر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر ولم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير معتمدًا على ما تقرر من القواعد، أو المعنى إذا كان مستحلاًّ أو أن قتال المؤمن من شأن الكافر أو المراد الكفر اللغوي الذي هو التغطية، لأن حق المسلم على المسلم أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه فلما قاتله كان كأنه غطى هذا الحق. والحديث سبق في الإيمان. ٧٠٧٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم الأنماطي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرني) بالإفراد (واقد) بالقاف ولأبي ذر واقد بن محمد أي العمري (عن أبيه) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر (عن ابن عمر) ﵄ (أنه سمع النبي ﷺ يقول) في حجة الوداع عند جمرة العقبة: (لا ترجعوا) بصيغة النهي أي لا تصيروا ولأبي ذر مما في الفتح لا ترجعون (بعدي كفارًا) بصيغة الخبر (يضرب بعضكم رقاب بعض) برفع يضرب في الفرع كأصله قيل وهو الذي رواه المتقدمون والمتأخرون وفيه وجوه أن يكون جملة صفة لكفارًا أي: لا ترجعوا بعدي كفارًا متّصفين بهذه الصفة القبيحة يعني ضرب بعضكم رقاب بعض، وأن يكون حالاً من ضمير لا ترجعوا أي لا ترجعوا بعدي كفارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعض، وأن يكون جملة استئنافية كأنه قيل: كيف يكون الرجوع كفارًا؟ فقال: يضرب بعضكم رقاب بعض. فعلى الأوّل يجوز أن يكون معناه لا ترجعوا عن الدين بعدي فتصيروا مرتدّين مقاتلين بضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق على وجه التحقيق، وأن يكون لا ترجعوا الكفار المقاتل بعضهم بعضًا على وجه التشبيه بحذف أداته، وعلى الثاني يجوز أن يكون معناه لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرض بينكم باستحلال القتل بغير حق وأن يكون لا ترجعوا حال المقاتلة لذلك كالكفار في الانهماك في تهييج الشر وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض في ضرب الرقاب، وعلى الثالث يجوز أن يكون معناه لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق فإنه فعل الكفار وأن يكون لا يضرب بعضكم رقاب بعض كفعل الكفار على ما مرّ وروي بالجزم بدلاً من لا ترجعوا أو جزاء لشرط مقدّر على مذهب الكسائي أي فإن ترجعوا يضرب بعضكم. والحديث سبق في أوائل الديات. ٧٠٧٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ، وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ هُوَ أَفْضَلُ فِى نَفْسِى مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَلَا تَدْرُونَ أَىُّ يَوْمٍ هَذَا»؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ»؟ قُلْنَا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَىُّ بَلَدٍ هَذَا؟ أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ»؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا فِى بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ»، فَكَانَ كَذَلِكَ قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ حُرِّقَ ابْنُ الْحَضْرَمِىِّ حِينَ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ: أَشْرِفُوا عَلَى أَبِى بَكْرَةَ فَقَالُوا: هَذَا أَبُو بَكْرَةَ يَرَاكَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَحَدَّثَتْنِى أُمِّى عَنْ أَبِى بَكْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ دَخَلُوا عَلَىَّ مَا بَهَشْتُ بِقَصَبَةٍ. وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا قرة بن خالد) بضم القاف وفتح الراء المشددة السدوسي قال: (حدّثنا ابن سيرين) محمد (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن) أبيه (أبي بكرة) نفيع بضم النون وفتح الفاء ابن الحارث الثقفي وسقط لابن عساكر عن أبي بكرة (وعن رجل آخر) هو حميد بن عبد الرحمن كما في كتاب الحج في باب الخطبة أيام منى. قال الكرماني: هو ابن عوف، وقال الحافظ ابن حجر: هو الحميري وكلاهما سمع من أبي بكرة وسمع منه محمد بن سيرين (وهو) أي حميد (أفضل في نفسي من عبد الرحمن بن أبي بكرة) لأنه دخل في الولايات وكان حميد زاهدًا (عن أبي بكرة) نفيع ﵁ (أن رسول الله ﷺ خطب الناس) يوم النحر بمنى فقال: (ألا تدرون) بتخفيف اللام (أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال حتى ظننا) وفي باب الخطبة أيام منى من كتاب الحج فسكت حتى ظننا (أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليس بيوم النحر)؟

стр. 4432

بالموحدة قبل التحتية في يوم (قلنا بلى يا رسول الله قال) ﷺ ولأبي ذر فقال (أي بلد هذا) بالتذكير (أليست بالبلدة)؟ ولأبى ذر عن الحموي زيادة الحرام بتأنيث البلدة وتذكير الحرام الذي هو صفتها وذلك أن لفظ الحرام اضمحل منه معنى الوصفية وصار اسمًا والبلدة اسم خاص بمكة وهي المراد بقوله إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وخصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه وأكرمها عليه وأشار إليها إشارة تعظيم لها دالاًّ على أنها موطن بيته ومهبط وحيه (قلنا بلى يا رسول الله قال) ﷺ (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم) جمع عرض بكسر العين وهو موضع المدح والذم هن الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه (وأبشاركم) بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها معجمة ظاهر جلد الإنسان والمعنى فإن انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم (عليكم حرام) إذا كان بغير حق (كحرمة يومكم هذا) يوم النحر (في شهركم هذا) ذي الحجة (في بلدكم هذا) مكة وشبه الدماء والأموال والأعراض والأبشار في الحرمة باليوم وبالشهر والبلد لاشتهار الحرمة فيها عندهم، وإلاّ فالمشبه إنما يكون دون المشبه به ولهذا قدم السؤال عنها مع شهرتها لأن تحريمها أثبت في نفوسهم إذ هي عادة سلفهم وتحريم الشرع طارئ وحينئذ فإنما شبه الشيء بما هو أعلى منه باعتبار ما هو مقرر عندهم. وهذا وإن كان سبق في موضعين العلم والحج فذكره هنا لبعد العهد به، وقال في اللامع كالكواكب لم يذكر في هذا الرواية أي شهر مع أنه قال بعد في شهركم هذا كأنه لتقرر ذلك عندهم، وحرمة البلد وإن كانت متقررة أيضًا لكن الخطبة كانت بمنى وربما قصد به دفع وهم من يتوهم أنها خارجة عن الحرم أو من يتوهم إن البلدة لم تبق حرامًا لقتاله ﷺ فيها يوم الفتح، واختصره الراوي اعتمادًا على سائر الروايات مع أنه لا يلزم ذكره في صحة التشبيه اهـ. وسقط لابن عساكر لفظ هذا من قوله يومكم هذا. ثم قال ﷺ (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام يا قوم (هل بلغت)؟ ما أمرني به الله تعالى (قلنا: نعم) بلغت (قال: اللهم اشهد فليبلغ الشاهد) أي الحاضر هذا المجلس (الغائب) عنه وهو نصب مفعول سابقه (فإنه رب مبلغ) بفتح اللام المشددة بلغه كلامي بواسطة (يبلغه) غيره بكسرها كذا في الفرع بفتح ثم كسر وعليه جرى في الفتح. وقال في الكواكب بكسرهما، وصوّبه العيني متعقبًا لابن حجر قلت: وكذا هو في اليونينية بكسر اللام فيهما والضمير الراجع إلى الحديث مفعول أول له (من) بفتح الميم ولأبي ذر عن الكشميهني لمن (هو أوعى) أحفظ (له) ممن بلغه مفعول ثانٍ فقال محمد بن سيرين (فكان كذلك) أي وقع التبليغ كثيرًا من الحافظ إلى الأحفظ والذي يتعلق به رب محذوف تقديره يوجد أو يكون. (قال) ﷺ بالسند السابق من رواية محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة (لا ترجعوا) تصيروا (بعدي) بعد موقفي أو بعد موتي (كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) برفع يضرب ومر ما فيه قريبًا قال عبد الرحمن بن أبي بكرة (فلما كان يوم حرق) بضم الحاء المهملة (ابن الحضرمي) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء عبد الله بن عمرو، وقول الدمياطي إن الصواب أحرق بالهمزة المضمومة تعقبه في الفتح بأن أهل اللغة جزموا بأنهما لغتان أحرقه وحرقه والتشديد للتكثير، وتعقبه العيني فقال: هذا كلام من لا يذوق من معاني التراكيب شيئًا، وتصويب الدمياطي باب الأفعال لكون المقصود حصول الإحراق، وليس المراد المبالغة فيه حتى يذكر باب التفعيل (حين حرقه جارية بن قدامة) بالجيم والتحتية وقدامة بضم القاف ابن مالك بن زهير بن الحصن التميمي السعدي، وكان السبب في ذلك أن معاوية كان وجه ابن الحضرمي إلى البصرة يستنفرهم على قتال عليّ ﵁ فوجه عليّ جارية بن قدامة فحصره فتحصن منه ابن الحضرمي في دار

стр. 4433

فأحرقها جارية عليه ذكره العسكري، وقال الطبري في حوادث سنة ثمان وثلاثين من طريق أبي الحسن المدايني، وكذا أخرجه عنه ابن أبي شيبة في أخبار البصرة أن عبد الله بن عباس خرج من البصرة وكان عاملها لعليّ واستخلف زياد ابن سمية على البصرة فأرسل معاوية عبد الله بن عمرو بن الحضرمي ليأخذ له البصرة، فنزل في بني تميم وانضمت إليه العثمانية فكتب زياد إلى عليّ يستنجده فأرسل إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي فقتل غيلة فبعث عليّ بعده جارية بن قدامة فحصر ابن الحضرمي في الدار التي نزل فيها ثم أحرق الدار عليه وعلى من معه وكانوا سبعين رجلاً أو أربعين وجواب فلما قوله (قال) جارية لجيشه (أشرفوا) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وكسر الراء بعدها فاء (على أبي بكرة) نفيع فانظروا هل هو على الاستسلام والانقياد أم لا (فقالوا) له: (هذا أبو بكرة يراك) وما صنعت بابن الحضرمي وربما أنكر عليك بكلام أو بسلاح. (قال عبد الرحمن) بن أبي بكرة بالسند السابق: (فحدّثتني أمي) هالة بنت غليظ العجلية كما ذكره خليفة بن خياط وقال ابن سعد اسمها هولة (عن أبي بكرة) نفيع (أنه قال): لما سمع قولهم ربما أنكر عليك بسلاح أو كلام وكان في علية له (لو دخلوا عليّ) داري (ما بهشت) بفتح الموحدة والهاء وسكون الشين المعجمة بعدها فوقية وللحموي والمستملي ما بهشت بكسر الهاء لغتان أي ما دافعتهم (بقصبة) كأنه قال ما مددت يدي إلى قصبة ولا تناولتها لأدافع بها عني لأني لا أرى قتال المسلمين فكيف أقاتلهم بسلاح. والحديث مرّ في الحج. ٧٠٧٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا تَرْتَدُّوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». وبه قال: (حدّثنا أحمد بن إشكاب) بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة وبعد الألف موحدة مصروف الصفار الكوفي قال: (حدّثنا محمد بن فضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة (عن أبيه) فضيل بن غزوان بفتح الغين وسكون الزاي المعجمتين (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ : لا ترتدّوا) وفي الحج من وجه آخر عن فضيل لا ترجعوا (بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) من جزم يضرب أوّله على الكفر الحقيقي الذي فيه ضرب الأعناق ويحتاج إلى التأويل بالمستحل مثلاً ومن رفعها فكأنه أراد الحال أو الاستئناف فلا يكون متعلقًا بما قبله، ويحتمل كما قاله في الفتح أن يكون متعلقًا به وجوابه ما تقدم. والحديث تقدم من وجه آخر بأتم من هذا في الحج. ٧٠٨٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُدْرِكٍ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» ثُمَّ قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي البصري قاضي مكة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن علي بن مدرك) بضم الميم وكسر الراء بينهما مهملة ساكنة النخعي الكوفي أنه قال: (سمعت أبا زرعة) هرمًا بفتح الهاء (ابن عمرو بن جرير عن جده جرير) بفتح الجيم ابن عبد الله البجلي ﵁ أنه (قال: قال لي رسول الله ﷺ في حجة الوداع) عند جمرة العقبة واجتماع الناس للرمي وغيره. (استنصت الناس، ثم قال) ﷺ بعد أن أنصتوا (لا ترجعوا) ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني لا ترجعن بنون ثقيلة بعد العين المضمومة (بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) أي لا تكن أعمالكم شبيهة بأعمال الكفار في ضرب رقاب المسلمين ومر ما قيل غير ذلك. وقال المظهري، يعني إذا فارقت الدنيا فاثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى ولا تظلموا أحدًا ولا تحاربوا المسلمين. والحديث سبق في العلم. ٩ - باب تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم). ٧٠٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَحَدَّثَنِى صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِى وَالْمَاشِى فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِى مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبيد الله) بضم العين ابن محمد بن زيد مولى عثمان بن عفان الأموي أبو ثابت القرشي المدني الفقيه قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين (عن أبيه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن) عمه (أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ (قال إبراهيم) بن سعد (وحدّثني) بالإفراد (صالح بن كيسان) بفتح الكاف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب) سقط لابن عساكر لفظ سعيد (عن أبي هريرة) ﵁

стр. 4434

أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : ستكون فتن) بكسر الفاء وفتح الفوقية بصيغة الجمع ولأبي ذر عن المستملي فتنة بالإفراد (القاعد فيها) أي القاعد في زمن الفتن أو الفتنة عنها (خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي) والمراد من يكون مباشرًا لها في الأحوال كلها يعني أن بعضهم في ذلك أشد من بعض فأعلاهم الساعي فيها بحيث يكون سببًا لإثارتها ثم من يكون قائمًا بأسبابها وهو الماشي ثم من يكون مباشرًا لها وهو القائم ثم من يكون مع النظارة ولا يقاتل وهو القاعد كذا قرره الداودي (من تشرف) بفتح الفوقية والمعجمة والراء المشددة بعدها فاء أي تطلع (لها) بأن يتصدى ويتعرض لها ولا يعرض عنها (تستشرفه) بالجزم تهلكه بأن يشرف منها على الهلاك يقال أشرف المريض إذا أشفى على الموت (فمن وجد فيها) ولأبي ذر عن الكشميهني منها (ملجأ) بفتح الميم والجيم بينهما لام ساكنة آخره همز موضعًا يلتجئ إليه من شرها (أو معاذًا) بفتح الميم وبالذال المعجمة وضبطه السفاقسي بضم الميم وهو بمعنى الملجأ (فَليَعذ به) أي ليعتزل فيه ليسلم من الفتنة. وهذا الحديث أورده المصنف هنا من رواية سعد بن إبراهيم عن أبيه عن أبي سلمة ومن رواية ابن شهاب عن أبي سلمة لم يذكر لفظ رواية سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة وذكرها مسلم من طريق أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد، وفي أوله تكون فتنة النائم فيها خير من اليقظان واليقظان فيها خير من القاعد. ٧٠٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِى، وَالْمَاشِى فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِى، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن أبا هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي) في الرواية الأولى والقائم فيها (والماشي فيها خير من الساعي) وزاد الإسماعيلي من طريق الحسن بن إسماعيل الكلبي عن إبراهيم بن سعد في أوله النائم فيها خير من اليقظان واليقظان فيها خير من القاعد. والحسن بن إسماعيل وثقه النسائي وهو من شيوخه وعند أحمد وأبي داود من حديث ابن مسعود النائم فيها خير من المضطجع وهو المراد باليقظان في الرواية السابقة وفيه والماشي فيها خير من الراكب والمراد بالأفضلية في هذه الخيرية من يكون أقل شرًّا ممن فوقه على التفصيل السابق. (من تشرف لها تستشرفه) قال التوربشتي أي من تطلع لها دعته إلى الوقوع فيها والتشرف التطلع واستعير هنا للإصابة بشرها أو أريد به أنها تدعوه إلى زيادة النظر إليها وقيل إنه من استشرفت الشيء أي علوته يريد من انتصب لها صرعته وقيل هو من المخاطرة والإشفاء على الهلاك أي من خاطر بنفسه فيها أهلكته. قال الطيبي ولعل الوجه الثالث أولى لما يظهر من معنى اللام في لها وعليه كلام الفائق وهو قوله أي من غالبها غالبته (فمن وجد ملجأً أو معاذًا فَلْيَعذ به) بفتح الميمين ومعناهما واحد كما مرّ. وفيه التحذير من الفتن وأن شرها يكون بحسب الدخول فيها والمراد بالفتن جميعها، أو المراد ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل وعلى الأول، فقالت طائفة بلزوم البيوت، وقال آخرون بالتحول عن بلد الفتنة أصلاً، ثم اختلفوا فمنهم من قال إذا هجم عليه في شيء من ذلك يكف يده ولو قتل، ومنهم من قال يدافع عن نفسه وماله وأهله وهو معذور إن قتل أو قتل. ١٠ - باب إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا التقى المسلمان بسيفيهما) فالقاتل والمقتول في النار. ٧٠٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِى لَيَالِىَ الْفِتْنَةِ فَاسْتَقْبَلَنِى أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ» قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ». قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لأَيُّوبَ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِى بِهِ فَقَالَا: إِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَسَنُ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِى بَكْرَةَ. وبه قال (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) أبو محمد الحجبي بفتح الحاء المهملة والجيم والموحدة المكسورة البصري قال: (حدّثنا حماد) بفتح الحاء المهملة والميم المشددة ابن زيد بن درهم الإمام أبو إسماعيل الأزدي الأزرق (عن رجل لم يسمِّهِ) حماد قال الحافظ ابن حجر: هو عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة وكان سيئ الضبط هكذا جزم المزي في التهذيب بأنه المبهم في هذا الموضع وجوّز غيره

стр. 4435

كمغلطاي أي يكون هو هشام بن حسان القردوسي وفيه بعد اهـ. (عن الحسن) البصري أنه (قال: خرجت بسلاحي ليالي الفتنة) التي وقعت بين عليّ وعائشة وهي وقعة الجمل ووقعة صفين (فاستقبلني أبو بكرة) نفيع بن الحارث الثقفي سقط هنا الأحنف بن قيس بين الحسن وأبي بكرة كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (فقال) لي (أين تريد) زاد مسلم يا أحنف (قلت) له (أريد نصرة ابن عم رسول الله ﷺ ¬) يعني عليًّا ﵁ (قال) أبو بكرة (قال: رسول الله ﷺ ¬) ولمسلم فقال لي يا أحنف ارجع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما) بفتح الفاء بعدها تحتية ساكنة أي ضرب كل منهما وجه الآخر أي ذاته (فكلاهما) القاتل والمقتول (من أهل النار) أي سيستحقانها وقد يعفو الله عنهما أو ذلك محمول على من استحل ذلك، ولأبي ذر عن الكشميهني في النار (قيل: فهذا القاتل) يستحق النار (فما بال المقتول)؟ فما ذنبه حتى يدخلها والقائل ذلك هو أبو بكرة (قال) ﷺ : (إنه أراد) ولأبي الوقت قد أراد (قتل صاحبه) وفي الإيمان أنه كان حريصًا على قتل صاحبه أي جازمًا بذلك مصممًا عليه وبه استدلّ من قال بالمؤاخذة بالعزم وإن لم يقع الفعل. وأجاب من لم يقل بذلك إن في هذا فعلاً وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال ولا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار أن يكونا في مرتبة واحدة فالقاتل يعذب على القتال والقتل والمقتول يعذب على القتال فقط فلم يقع التعذيب على العزم المجرد. وبالسند السابق هنا (قال حماد بن زيد فذكرت هذا الحديث لأيوب) السختياني (ويونس بن عبيد) بضم العين ابن دينار القيسي البصري (وأنا أريد أن يحدّثناني به فقالا: إنما روى هذا الحديث الحسن) البصري (عن الأحنف) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح النون بعدها فاء (ابن قيس) السعدي التميمي البصري واسمه الضحاك والأحنف لقبه وشهر به (عن أبي بكرة) نفيع يعني أن عمرو بن عبيد الرجل الذي لم يسم في السند السابق أخطأ حيث أسقط الأحنف بين الحسن وأبي بكرة. نعم وافقه قتادة كما عند النسائي من وجهين عنه عن الحسن عن أبي بكرة إلا أنه اقتصر على الحديث دون القصة. قال في الفتح: فكأن الحسن كان يرسله عن أبي بكرة فإذا ذكر القصة أسنده. وسقط قوله الحديث من قوله هذا الحديث لابن عساكر. ٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا وَقَالَ مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ وَهِشَامٌ وَمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى بَكْرَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ. وبه قال: (حدّثنا سليمان) بن حرب الواشحي قال: (حدّثنا حماد) أي ابن زيد بن درهم (بهذا) الحديث المذكور على الموافقة لرواية حماد بن زيد عن أيوب ويونس بن عبيد. (وقال مؤمل) بالهمزة وفتح الميم الثانية المشددة. قال العيني: كالكرماني هو ابن هشام أي اليشكري بتحتية ومعجمة أبو هشام البصري وقال الحافظ ابن حجر في المقدمة والشرح: هو ابن إسماعيل أبو عبد الرحمن البصري نزيل مكة أدركه البخاري ولم يلقه لأنه مات سنة ست ومائتين وذلك قبل أن يرحل البخاري ولم يخرج عنه إلا تعليقًا وهو صدوق كثير الخطأ قاله أبو حاتم الرازي قال: وقد وصل هذه الطريق الإسماعيلي من طريق أبي موسى محمد بن المثنى قال: حدّثنا مؤمل بن إسماعيل قال: (حدّثنا حماد بن زيد) السابق قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (ويونس) بن عبيد (وهشام) هو ابن حسان الأزدي مولاهم الحافظ (ومعلى بن زياد) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة القرشي (عن الحسن) البصري (عن الأحنف) بن قيس (عن أبي بكرة) نفيع (عن النبي ﷺ ¬). وأخرجه الإمام أحمد عن مؤمل عن حماد عن الأربعة فكأن البخاري أشار إلى هذه الطريق قاله في الفتح. (ورواه) أي الحديث المذكور (معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد الأزدي مولاهم (عن أيوب) السختياني فيما وصله مسلم والنسائي والإسماعيلي بلفظ عن أيوب عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة سمعت رسول الله ﷺ فذكر الحديث دون القصة. (ورواه بكار بن عبد العزيز

стр. 4436

عن أبيه) عبد العزيز بن عبد الله بن أبي بكرة وليس له ولا لابنه بكار في البخاري إلا هذا الحديث (عن أبي بكرة) نفيع ووصله الطبراني بلفظ سمعت رسول الله ﷺ أن فتنة كائنة القاتل والمقتول في النار إن المقتول قد أراد قتل القاتل. (وقال غندر): محمد بن جعفر (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن ربعي بن حراش) بكسر الحاء المهملة آخره شين معجمة والراء مخففة الأعور الغطفاني التابعي المشهور وسقط ابن حراش لابن عساكر (عن أبي بكرة) نفيع (عن النبي ﷺ ¬) ووصله الإمام أحمد مرفوعًا بلفظ: "إذا التقى المسلمان حمل أحدهما على صاحبه السلاح فهما على جرف جهنم فإذا قتله وقعا فيها جميعًا". (ولم يرفعه سفيان) الثوري (عن منصور) أي ابن المعتمر بالسند المذكور إلى النبي ﷺ ، ووصله النسائي بلفظ قال: إذا حمل الرجلان المسلمان السلاح أحدهما على الآخر فهما على جرف جهنم فإذا قتل أحدهما الآخر فهما في النار، ولا يلزم من ذلك استمرار البقاء في النار. وهذا الوعيد المذكور محمول على من قاتل بغير تأويل سائغ بل لمجرد طلب الملك، وعند البزار في حديث: القاتل والمقتول في النار زيادة وهي إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار. ١١ - باب كَيْفَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةٌ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (كيف الأمر إذا لم تكن) توجد (جماعة) مجتمعون على خليفة. ٧٠٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، حَدَّثَنِى بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِىَّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِى فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِى جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ». قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْىٍ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ». قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا؟ قَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا». قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ» قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي قال: (حدّثنا الوليد بن مسلم) الحافظ أبو العباس عالم أهل الشام قال: (حدّثنا ابن جابر) عبد الرحمن بن يزيد قال: (حدّثني) بالإفراد (بسر بن عبيد الله) بضم الموحدة وسكون السين المهملة وضم العين (الحضرمي) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة (أنه سمع أبا إدريس) عائذ الله (الخولاني) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو (أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله من الشر) قال في شرح المشكاة أي الفتنة ووهن عُرا الإسلام واستيلاء الضلال وفشو البدعة (مخافة) أي لأجل مخافة (أن يدركني) وكلمة أن مصدرية (فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر) من كفر وقتل ونهب وإتيان فواحش (فجاءنا الله بهذا الخير) ببعثك وتشييد مباني الإسلام وهدم قواعد الكفر والضلال (فهل بعد هذا الخير) الذي نحن فيه (من شر؟ قال) ﷺ : (نعم) قال حذيفة (قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال) ﷺ : (نعم وفيه دخن) بفتح المهملة والمعجمة بعدها نون مصدر دخنت النار تدخن إذا ألقي عليها حطب رطب فإنه يكثر دخانها وتفسد أي فساد واختلاف وفيه إشارة إلى كدر الحال وأن الخير الذي يكون بعد الشر ليس خالصًا بل فيه كدر قال حذيفة (قلت) يا رسول الله (وما دخنه؟ قال: قوم يهدون) بفتح أوله (بغير هدي) بتحتية واحدة منونة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هديي بزيادة الإضافة بعد الأخرى أي بغير سنتي وطريقتي (تعرت منهم) الخير فتقبل والشر (وتنكر) وهو من المقابلة المعنوية. قال القاضي عياض: المراد بالشر الأول الفتن التي وقعت بعد عثمان وبالخير الذي بعده ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز وبالذين تعرف منهم وتنكر الأمراء بعده فكان فيهم من يتمسك بالسُّنّة والعدل وفيهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور، ويحتمل أن يراد بالشر زمان قتل عثمان وبالخير بعده زمان خلافة علي ﵁ والدخن: الخوارج ونحوهم، والشر بعده زمان الذين يلعنونه على المنابر وقيل: وتنكر خبر بمعنى الأمر أي أنكروا عليهم صدور المنكر عنهم قال حذيفة: (قلت) يا رسول الله (فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم) بضم الدال من دعاة أي جماعة يدعون الناس إلى الضلالة ويصدّونهم عن الهدي بأنواع من التلبيس وأطلق عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم كما يقال لمن أمر بفعل محرم وقف على شفير جهنم (من أجابهم إليها قذفوه) بالذال المعجمة (فيها) في النار. قال حذيفة

стр. 4437

(قلت يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا) بكسر الجيم وسكون اللام من أنفسنا وعشيرتنا (ويتكلمون بألسنتنا) أي من العرب وقيل من بني آدم وقيل إنهم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن مخالفون (قلت) يا رسول الله (فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال) ﵊: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) بكسر الهمزة أميرهم أي وإن جار، وعند مسلم من طريق أبي الأسود عن حذيفة تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وعند الطبراني من رواية خالد بن سبيع فإن رأيت خليفة فالزمه وإن ضرب ظهرك (قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال) صلوات الله وسلامه عليه (فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة) بفتح الفوقية والعين المهملة والضاد المعجمة. المشددة قال التوربشتي: أي تمسك بما يصبرك وتقوى به عزيمتك على اعتزالهم ولو بما لا يكاد يصح أن يكون متمسكًا، وقال الطيبي: هذا شرط تعقب به الكلام تتميمًا ومبالغة أي اعتزل الناس اعتزالاً لا غاية بعده ولو قنعت فيه بعضّ الشجرة افعل فإنه خير لك (حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) العضّ وهو كناية عن شدة المشقّة كقولهم: فلان يعضّ على الحجارة من شدة الألم أو المراد اللزوم كقوله في الحديث الآخر: "عضوا عليها بالنواجذ" والمراد كما قال الطبري من الخير لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، فإن لم يكن ثمّ إمام وافترق الناس فرقًا فليعتزل الجميع إن استطاع خشية الوقوع في الشر وهل الأمر للندب أو الإيجاب الذي لا يجوز لأحد من المسلمين خلافه لحديث ابن ماجة عن أنس مرفوعًا: "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلاّ واحدة وهي الجماعة" والجماعة التي أمر الشارع بلزومها جماعة أئمة العلماء لأن الله تعالى جعلهم حجة على خلقه وإليهم تفزع العامة في أمر دينها وهم المعنيون بقوله: إن الله لن يجمع أمتي على ضلالة. وقال آخرون: هم جماعة الصحابة الذين قاموا بالدين وفرّقوا عماده، وثبتوا أوتاده. وقال آخرون: هم جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين على أمر واجب على أهل المِلَل اتباعه فإذا كان فيهم مخالف منهم فليسوا مجتمعين. والحديث سبق في علامات النبوّة وأخرجه مسلم في الفتن وكذا ابن ماجة. ١٢ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ (باب من كره أن يكثر) بتشديد المثلثة (سواد) أي أشخاص أهل (الفتن و) أشخاص أهل (الظلم). ٧٠٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ وَقَالَ اللَّيْثُ: عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِى أَشَدَّ النَّهْىِ ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَأْتِى السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يزيد) المقرئ التجيبي قال: (حدّثنا حيوة) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة ابن شريح (وغيره قالا: حدّثنا أبو الأسود) محمد بن عبد الرحمن الأسدي يتيم عروة، وأما المبهم في قوله وغيره فقال في الفتح: كأنه يريد ابن لهيعة فإنه رواه عن أبي الأسود (وقال الليث) بن سعد الإمام (عن أبي الأسود قال) أي أبو الأسود (قطع) بضم القاف وكسر الطاء المهملة أي أفرد (على أهل المدينة بعث) بفتح الموحدة وسكون العين المهملة جيش منهم ومن غيرهم للغزو ليقاتلوا أهل الشام في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة (فاكتتبت فيه) في البعث واكتتبت بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول (فلقيت عكرمة) مولى ابن عباس (فأخبرته) أني اكتتبت في ذلك البعث (فنهاني) عن ذلك (أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس) ﵄ (أن ناسًا) بالهمزة (من المسلمين) منهم عمرو بن أمية بن خلف، والحارث بن زمعة وغيرهما مما ذكرته في تفسير سورة النساء (كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ فيأتي السهم فيرمي) بضم التحتية وفتح الميم به، قيل هو من المقلوب أي فيرمي بالسهم فيأتي ويحتمل أن تكون الفاء الثانية زائدة كما في سورة النساء فيأتي السهم يرمى به (فيصيب أحدهم فيقتله أو يضربه فيقتله) وقوله أو يضربه عطف على فيأتي لا على فيصيب والمعنى يقتل إما بالسهم وإما بضرب السيف ظالمًا بسبب تكثيره سواد الكفار وإنما كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد

стр. 4438

قتال المسلمين بل لإيهام كثرتهم في عيون المسلمين فلذا حصلت لهم المؤاخذة فرأى عكرمة أن من خرج في جيش يقاتلون المسلمين يأثم وإن لم يقاتل ولا نوى ذلك (فأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ [النساء: ٩٧]) بخروجهم مع المشركين وتكثيرهم سوادهم حتى قتلوا معهم. وهذا الحديث كما قالهُ مغلطاي المصري فيما نقله في الكواكب مرفوع لأن تفسير الصحابي إذا كان مسندًا إلى نزول الآية فهو مرفوع اصطلاحًا، وعند أبي يعلى من حديث ابن مسعود مرفوعًا: من كثر سواد قوم فهو منهم ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمل به فمن جالس أهل الفسق مثلاً كارهًا لهم ولعملهم ولم يستطع مفارقتهم خوفًا على نفسه أو لعذر منعه فيرجى له النجاة من إثم ذلك بذلك. والحديث مرّ في التفسير وأخرجه النسائي في التفسير أيضًا. ١٣ - باب إِذَا بَقِىَ فِى حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا بقي) المسلم (في حثالة من الناس) بضم الحاء المهملة بعدها مثلثة خفيفة فألف غلام فهاء تأنيث الذين لا خير فيهم وجواب إذا محذوف أي ماذا يصنع. ٧٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ حَدَّثَنَا «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِى جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ». وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيهَا أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَىْءٌ وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّى الأَمَانَةَ فَيُقَالُ: إِنَّ فِى بَنِى فُلَانٍ رَجُلاً أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَىَّ زَمَانٌ وَلَا أُبَالِى أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَىَّ الإِسْلَامُ وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَىَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلاَّ فُلَانًا وَفُلَانًا». وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي قال: (أخبرنا) ولابن عساكر: حدّثنا (سفيان) الثوري قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان الكوفي (عن زيد بن وهب) بفتح الواو وسكون الهاء الجهني قال: (حدّثنا حذيفة) بن اليمان ﵁ (قال: حدّثنا رسول الله ﷺ حديثين) في ذكر الأمانة ورفعها (رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدّثنا) ﷺ (أن الأمانة) المذكورة في قوله تعالى: ﴿إنّا عرضنا الأمانة﴾ [الأحزاب: ٧٢] وهي عين الإيمان أو كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من المكلف أو المراد بها التكليف الذي كلف الله تعالى به عباده أو العهد الذي أخذه عليهم (نزلت في جذر قلوب الرجال) بفتح الجيم وكسرها لغتان وسكون الذال المعجمة بعدها راء في أصل قلوبهم (ثم علموا من القرآن) بفتح العين وكسر اللام مخففة بعد نزولها في أصل قلوبهم (ثم علموا من السُّنّة) كذا بإعادة ثم يعني أن الأمانة لهم بحسب الفطرة ثم بطريق الكسب من الشريعة وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السُّنّة. (وحدّثنا) صلوات الله وسلامه عليه (عن رفعها) عن ذهابها أصلاً حتى لا يبقى من يوصف بالأمانة، وهذا هو الحديث الثاني الذي ذكر حذيفة أنه ينتظره (قال): (ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه) بضم الفوقية وسكون القاف وفتح الموحدة (فيظل أثرها) بالظاء المعجمة (مثل أثر الوكت) بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مثناة فوقية سواد في اللون يقال: وكت البسر إذا بدت فيه نقطة الإرطاب (ثم ينام النومة فتقبض) أي الأمانة من قلبه (فيبقى فيها) وسقط قوله فيها لابن عساكر (أثرها مثل أثر المجل) بفتح الميم وسكون الجيم وقد تفتح بعدها لام غلظ الجلد من أثر العمل (كجمر) بالجيم المفقوحة والميم الساكنة (دحرجته على رجلك فنفط) بكسر الفاء بعد النون المفتوحة (فتراه منتبرًا) بضم الميم وسكون النون وفتح الفوقية وكسر الموحدة منتفخًا (وليس فيه شيء) وقال: فنفط بالتذكير ولم يقل فنفطت باعتبار العضو (ويصبح الناس يتبايعون) السلع ونحوها بأن يشتريها أحدهم من الآخر (فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة) لأن من كان موصوفًا بالأمانة سلبها حتى صار خائنًا (فيقال: إن في بني فلان رجلاً أمينًا ويقال للرجل ما أعقله) بالعين المهملة والقاف (وما أظرفه) بالظاء المعجمة (وما أجلده) بالجيم (وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) وإنما ذكر الإيمان لأن الأمانة لازمة له لا أن الأمانة هي الإيمان. قال حذيفة ﵁ (ولقد أتى عليّ) بتشديد الياء (زمان) كنت أعلم فيه أن الأمانة موجودة في الناس (ولا أبالي أيكم بايعت) أي بعت واشتريت غير مبالٍ بحاله (لئن) بفتح اللام وكسر الهمزة (كان مسلمًا رده عليّ الإسلام) بتشديد التحتية من عليّ ولأبي ذر من الكشميهني إسلامه فلا يخونني بل يحمله إسلامه على أداء الأمانة فأنا

стр. 4439

واثق بأمانته (وإن كان نصرانيّا) أو يهوديًّا (ردّه عليَّ ساعيه) الذي أقيم عليه فهو يقوم بولايته ويستخرج منه حقي (وأما اليوم) فقد ذهبت الأمانة وظهرت الخيانة فلست أثق بأحد في بيع ولا شراء (فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا). أي أفرادًا من الناس قلائل ممن أثق بهم فكان يثق بالمسلم لذاته وبالكافر لوجود ساعيه وهو الحاكم الذي يحكم عليه وكانوا لا يستعملون في كل عمل قلّ أو جلّ إلا المسلم فكان واثقًا بإنصافه وتخليصه حقه من الكافر إن خانه بخلاف الوقت الأخير وفيه إشارة إلى أن حال الأمانة أخذ في النقص من ذلك الزمان، وكانت وفاة حذيفة أول سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بقليل فأدرك بعض الزمن الذي وقع فيه التغيير. وهذا الحديث سبق بعينه سندًا أو متنًا في باب رفع الأمانة من كتاب الرقاق. ١٤ - باب التَّعَرُّبِ فِى الْفِتْنَةِ (باب التعرب) بفتح العين المهملة وضم الراء المشددة بعدها موحدة الإقامة بالبادية والتكلف في صيرورته أعرابيًّا ولأبي ذر التغرب بالغين المعجمة (في الفتنة) ولكريمة التعزب بالعين المهملة والزاي ومعناه يعزب عن الجماعات والجهات ويسكن البادية، قال صاحب المطالع: وجدته بخطي في البخاري بالزاي وأخشى أن يكون وهمًا. ٧٠٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا ابْنَ الأَكْوَعِ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ تَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِى فِى الْبَدْوِ. وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ إِلَى الرَّبَذَةِ وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ فَنَزَلَ الْمَدِينَةَ. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي قال: (حدّثنا حاتم) بالحاء المهملة وبعد الألف فوقية مكسورة ابن إسماعيل الكوفي (عن يزيد) من الزيادة (ابن أبي عبيد) بضم العين مصغرًا مولى سلمة بن الأكوع (عن سلمة بن الأكوع) السلمي (أنه دخل على الحجّاج) بن يوسف الثقفي لما ولي إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزبير سنة أربع وسبعين (فقال) له: (يا ابن الأكوع ارتددت على عقبيك تعربت) بالعين المهملة والراء أي تكلفت في صيرورتك أعرابيًّا، وقوله على عقبيك بلفظ التثنية مجاز عن الارتداد يريد أنك رجعت في الهجرة التي فعلتها لوجه الله تعالى بخروجك من المدينة فتستحق القتل، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه بغير عذر يجعلونه كالمرتد، وأخرج النسائي من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "لعن الله آكل الربا وموكله" الحديث وفيه: والمرتد بعد هجرته أعرابيًّا. قال بعضهم: وكان ذلك من جفاء الحجاج حيث خاطب هذا الصحابي الجليل ﵁ بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشف عن عذره وقيل أراد قتله فبيّن الجهة التي يريد أن يجعله مستحقًّا للقتل بها (قال) ابن الأكوع مجيبًا للحجاج: (لا) أي أسكن البادية رجوعًا عن هجرتي (ولكن) بتشديد النون (رسول الله ﷺ أذن لي) في الإقامة (في البدو) وعند الإسماعيلي من طريق حماد بن مسعدة عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة أنه استأذن رسول الله ﷺ في البداوة فأذن له (وعن يزيد بن أبي عبيد) مولى سلمة بالسند السابق أنه (قال: لما قتل عثمان بن عفان) ﵁ (خرج سلمة بن الأكوع) ﵁ من المدينة (إلى الربذة) بفتح الراء والموحدة والمعجمة موضع البادية بين مكة والمدينة (وتزوّج هناك امرأة وولدت له أولادًا فلم يزل بها) بالربذة وللكشميهني هناك بها (حتى أقبل قبل أن يموت بليال فنزل المدينة) وسقطت الفاء من فنزل في رواية المستملي والسرخسي، وفي رواية حتى قبل أن يموت بإسقاط أقبل وهو الذي في اليونينية وفيه حذف كان بعد حتى وقبل قوله قبل وهي مقدرة وهو استعمال صحيح وفيه أن سلمة لم يمت بالبادية بل بالمدينة ويستفاد منه كما في الفتح أن مدة سكنى سلمة بالبادية نحو الأربعين سنة لأن قتل عثمان ﵁ كان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وموت سلمة سنة أربع وسبعين على الصحيح. والحديث أخرجه مسلم في المغازي والنسائي في البيعة. ٧٠٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي الكلاعي الحافظ قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي إمام الأئمة (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة) عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري ثم المازني (عن أبيه) عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحارث بن أبي صعصعة، وسقط ابن أبي الحارث هنا من

стр. 4440

الرواية (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (يوشك) بكسر الشين المعجمة وفتحها قال الجوهري: لغة رديئة أي يقرب (أن يكون خير مال المسلم غنم) نكرة موصوفة مرفوعة على الأشهر في الرواية اسم يكون مؤخرًا وخير مال المسلم خبرها مقدمًا وفائدة تقديم الخبر الاهتمام إذ المطلوب حينئذ الاعتزال وليس الكلام في الغنم فلذا أخّرها (يتبع بها) بسكون الفوقية أي يتبع بالغنم (شعف الجبال) بفتح الشين المعجمة والعين المهملة والفاء رؤوسها للمرعى والماء (ومواقع) نزول (القطر) بالقاف المفتوحة المطر في الأودية والصحارى أي العشب والكلأ حال كونه (يفرّ بدينه) أي بسبب دينه (من الفتن) وفيه فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، فإن لم يكن فالجمهور على أن الاختلاط أولى لاكتساب الفضائل الدينية والجمعة والجماعات وغيرها كإعانة وإغاثة وعيادة، وقال قوم: العزلة أفضل لتحقق السلامة بشرط معرفة ما يتعين واختار النووي الخلطة لمن لا يغلب على ظنه الوقوع في المعصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة، وقيل يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. والحديث أخرجه مسلم في المغازي والنسائي في البيعة. ١٥ - باب التَّعَوُّذِ مِنَ الْفِتَنِ (باب التعوّذ من الفتن). ٧٠٨٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَأَلُوا النَّبِىَّ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ فَصَعِدَ النَّبِىُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «لَا تَسْأَلُونِى عَنْ شَىْءٍ إِلاَّ بَيَّنْتُ لَكُمْ» فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالاً فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ رَأْسُهُ فِى ثَوْبِهِ يَبْكِى فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ مَنْ أَبِى؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ». ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَا رَأَيْتُ فِى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ» قَالَ قَتَادَةُ: يُذْكَرُ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا، عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والمعجمة أبو زيد البصري قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁) أنه (قال: سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه بالمسألة) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء وسكون الواو أي ألحّوا عليه في السؤال وبالغوا (فصعد) بكسر العين (النبي ﷺ ذات يوم المنبر) ولأبي ذر على المنبر (فقال): (لا تسألوني) أي اليوم ما في الرواية الأخرى في كتاب الدعاء (عن شيء) من الغيب (إلاّ بيّنتـ) ـه (لكم) قال أنس (فجعلت أنظر) إلى الصحابة (يمينًا وشمالاً فإذا كل رجل) حاضر منهم (رأسه) ولأبي ذر عن الكشميهني: لافّ رأسه بألف بعد اللام وتشديد الفاء ونصب رأسه (في ثوبه يبكي فأنشأ رجل) بدأ الكلام (كان إذا لاحى) بفتح الحاء المهملة جادل وخاصم أحدًا (يدعى) بضم التحتية وسكون الدال وفتح العين المهملتين ينسب (إلى غير أبيه فقال: يا نبي الله من أبي؟ فقال) ﵊: (أبوك حذافة) بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة وبعد الألف فاء فهاء تأنيث أي ابن قيس واسم الرجل قيل قيس بن حذافة، وقيل خارجة، وقيل عبد الله. قال في الفتح: وهو المعروف. قلت: وصرح به البخاري في باب ما يكره من كثرة السؤال من كتاب الاعتصام (ثم أنشأ عمر) بن الخطاب ﵁ لما رأى ما بوجه النبي ﷺ من الغضب (فقال) شفقة على المسلمين (رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد) ﷺ (رسولاً) أي رضينا بما عندنا من كتاب الله وسُنّة رسول الله ﷺ واكتفينا به عن السؤال (نعوذ بالله من سوء الفتن) بضم السين المهملة بعدها واو ساكنة فهمزة، ولأبي ذر عن الكشميهني من شر الفتن (فقال النبي ﷺ : ما رأيت في الخير والشر كاليوم) يومًا مثل هذا اليوم (قط إنه) بكسر الهمزة (صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما) رؤيا عين (دون الحائط) أي بيني وبين الحائط وهو حائط محرابه ﷺ وسقط قوله لي في رواية غير الكشميهني. (قال قتادة) بن دعامة بالسند السابق (يذكر) بضم أوله وفتح الكاف (هذا الحديث) رفع ولأبي ذر عن الكشميهني فكان قتادة يذكر هذا الحديث بفتح الياء من يذكر وضم الكاف والحديث نصب على المفعولية (عند هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدَ لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١]) الآية أي: لا تسألوا رسول الله ﷺ عن أشياء إن تظهر لكم تغمكم وإن تسألوا عنها في زمن الوحي تظهر لكم وهما كمقدمتين ينتجان ما يمنع السؤال وهو أنه مما يغمهم والعاقل لا يفعل ما يغمه. ٧٠٩٠ - وَقَالَ عَبَّاسٌ النَّرْسِىُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا وَقَالَ: كُلُّ رَجُلٍ لَافًّا رَأْسَهُ فِى ثَوْبِهِ يَبْكِى وَقَالَ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. (وقال عباس) بالموحدة والمهملة ابن الوليد بن نصر الباهلي (النرسيّ) بالنون المفتوحة والراء الساكنة والسين المهملة

стр. 4441

المكسورة مما وصله أبو نعيم في مستخرجه (حدّثنا يزيد بن زريع) قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (أن أنسًا) ﵁ (حدّثهم أن نبي الله ﷺ بهذا) الحديث السابق (وقال) أنس (كل رجل) كان هناك حال كوف (لافًّا) بالفاء (رأسه في ثوبه يبكي) خوفًا من عقوبة الله لكثرة سؤالهم له ﷺ وتعنتهم عليه ففيه زيادة قوله لافًّا رأسه فدلّ على أن زيادتها في الأوّل وهم من الكشميهني قاله في الفتح. (وقال) كل رجل منهم (عائذًا بالله) أي حال كونه مستعيذًا بالله (من سوء الفتن). بالسين المهملة والواو ثم الهمزة ولابن عساكر من شر الفتن بالشين المعجمة والراء (أو قال: أعوذ بالله من سوء الفتن) بضم السين وسكون الواو ولأبي ذر من سوأى الفتن بفتح المهملة وبعد الواو الساكنة همزة مفتوحة ممدودة قال في فتح الباري: بيّن أنه في رواية سعيد بالشك في سوء وسوأى قال المؤلّف: ٧٠٩١ - وَقَالَ لِى خَلِيفَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَمُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا وَقَالَ: عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ. (وقال لي خليفة) بن خياط في المذاكرة (حدّثنا يزيد بن زريع) قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة (ومعتمر عن أبيه) سليمان بن طرخان (عن قتادة) بن دعامة (أن أنسًا حدّثهم عن النبي ﷺ بهذا) الحديث. (وقال: عائذًا بالله من شر الفتن) بالشين المعجمة والراء المشددة واستعاذته ﷺ من الفتن تعليم لأمته وفيه منقبة لعمر بن الخطاب ﵁. ١٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ» (باب قول النبي ﷺ : الفتنة من قبل المشرق) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة المشرق. ٧٠٩٢ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «الْفِتْنَةُ هَا هُنَا، الْفِتْنَةُ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» -أَوْ قَالَ- قَرْنُ الشَّمْسِ». وبه قال: (حدّثنا) ولغير أبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا هشام بن يوسف) الصنعاني (عن معمر) بفتح الميمين هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄ (عن النبي ﷺ أنه قام إلى جنب المنبر) وفي الترمذي من طريق عبد الرزاق عن معمر أن النبي ﷺ قام على المنبر (فقال): (الفتنة هاهنا الفتنة هاهنا) بالتكرار مرتين (من حيث يطلع قرن الشيطان) بضم اللام من يطلع ولمسلم من طريق فضيل بن غزوان عن سالم بلفظ: إن الفتنة تجيء من هاهنا وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان بالتثنية وقد قيل: إن له قرنين على الحقيقة، وقيل: إن قرنيه ناحيتا رأسه أو هو مثل أي حينئذ يتحرك الشيطان ويتسلط أو قرنه أهل حزبه (أو قال قرن الشمس) أي أعلاها، وقيل: إن الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها لتقع سجدة عبدتها له. والحديث أخرجه الترمذي في الفتن. ٧٠٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ يَقُولُ: «أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ». وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي قال: (حدّثنا ليث) هو ابن سعد الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو) أي والحال أنه (مستقبل المشرق) بالنصب ولأبي ذر المشرق بالجر (يقول): (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (إن الفتنة هاهنا) مرة واحدة من غير تكرار (من حيث يطلع قرن الشيطان) من غير شك بخلاف الأولى، وإنما أشار ﵊ إلى المشرق لأن أهله يومئذ أهل كفر فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية وكذا وقع فكان وقعة الجمل ووقعة صفين ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق، وكان أصل ذلك كله وسببه قتل عثمان بن عفان ﵁. وهذا علم من أعلام نبوته ﷺ وشرف وكرم. ٧٠٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِىُّ ﷺ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى يَمَنِنَا». قَالُوا: وَفِى نَجْدِنَا قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى يَمَنِنَا». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِى نَجْدِنَا فَأَظُنُّهُ قَالَ: فِى الثَّالِثَةَ: «هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ». وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا أزهر بن سعد) بفتح الهمزة والهاء بينهما زاي ساكنة آخره راء وسعد بسكون العين السمان (عن ابن عون) بفتح المهملة وسكون الواو بعدها نون عبد الله واسم جده أرطبان البصري (عن نافع عن ابن عمر) ﵄ أنه (قال: ذكر النبي ﷺ ¬) بفتح الذال المعجمة والكاف. (اللهم بارك لنا في شأمنا) بهمزة ساكنة (اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: وفي) ولأبي ذر قالوا يا رسول الله: وفي (نجدنا) بفتح النون وسكون الجيم. قال الخطابي: نجد من جهة المشرق ومن

стр. 4442

كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة وأصل النجد ما ارتفع من الأرض وبهذا يعلم ضعف ما قاله الداودي أن نجدًا من ناحية العراق فإنه يوهم أن نجدًا موضع مخصوص وليس كذلك بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدًا والمنخفض غورًا (قال: اللهم بارك لنا في شأمنا اللهم بارك لنا في يمننا) بتكرير اللهم أربعًا (قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا)؟ قال ابن عمر (فأظنه) ﷺ (قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع الشيطان) ولأبي ذر عن الكشميهني: يطلع قرن الشيطان يبدأ من المشرق ومن ناحيتها يخرج يأجوج ومأجوج والدجال وبها الداء العضال وهو الهلاك في الدين، وإنما ترك الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن. والحديث سبق في الاستسقاء، وأخرجه الترمذي في المناقب وقال: حسن صحيح غريب. ٧٠٩٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا قَالَ: فَبَادَرَنَا إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدِّثْنَا عَنِ الْقِتَالِ فِى الْفِتْنَةِ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِى مَا الْفِتْنَةُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ؟ إِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ الدُّخُولُ فِى دِينِهِمْ فِتْنَةً، وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ. وبه قال: (حدّثنا إسحاق الواسطي) ولابن عساكر إسحاق بن شاهين الواسطي قال: (حدّثنا خالد) كذا للأربعة في اليونينية وهو ابن عبد الله الطحان وفي نسخة خلف. قال العيني: وما أظن صحته (عن بيان) بفتح الموحدة والتحتية المخففة وبعد الألف نون ابن بشر بكسر الموحدة وسكون المعجمة الأحمسي (عن وبرة بن عبد الرحمن) بفتح الواو والموحدة والراء الحارثي (عن سعيد بن جبير) أنه (قال: خرج علينا عبد الله بن عمر) وسقط عبد الله لابن عساكر (فرجونا أن يحدّثنا حديثًا حسنًا) يشتمل على ذكر الرحمة والرخصة (قال: فبادرنا) بفتح الراء فعل ومفعول (إليه رجل) اسمه حكيم (فقال: يا أبا عبد الرحمن) هي كنية ابن عمر (حدّثنا) بكسر الدال وسكون المثلثة (عن القتال في الفتنة والله) تعالى (يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] ساقها للاحتجاج على مشروعية القتال في الفتنة وردًّا على من ترك ذلك كابن عمر فإنه كان يرى ترك القتال في الفتنة ولو ظهر أن إحدى الطائفتين محقَّة والأخرى مبطلة (فقال) أي ابن عمر (هل تدري ما الفتنة؟ ثكلتك) بفتح المثلثة وكسر الكاف أي عدمتك (أمك) فظاهره الدعاء وقد يرد للزجر كما هنا (إنما كان محمد ﷺ يقاتل المشركين) يعني أن الضمير في قوله: ﴿وقاتلوهم﴾ للكفار فأمر المؤمنين بقتال الكفار حتى لا يبقى أحد يفتن عن دين الإسلام ويرتد إلى الكفر (وكان الدخول في دينهم فتنة) سبق في سورة الأنفال من رواية زهير بن معاوية عن بيان فكان الرجل يفتن عن دينه إما يقتلونه وإما يعذّبونه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة أي فلم تبق فتنة من أحد من الكفار لأحد من المؤمنين (وليس كقتالكم) ولأبي ذر وابن عساكر: بقتالكم (على الملك) بضم الميم وسكون اللام أي في طلب الملك كما وقع بين مروان ثم ابنه عبد الملك وبين ابن الزبير وما أشبه ذلك، وإنما كان قتالاً على الدين. والحديث سبق في التفسير. ١٧ - باب الْفِتْنَةِ الَّتِى تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً … تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا … وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ … مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ (باب الفتنة التي تموج كموج البحر). (وقال ابن عيينة) سفيان مما وصله البخاري في تاريخه الصغير عن عبد الله بن محمد المسندي حدّثنا سفيان بن عيينة (عن خلف بن حوشب) بفتح المهملة والمعجمة بينهما واو ساكنه آخره موحدة بوزن جعفر أدرك خلف بعض الصحابة ولم تعلم له رواية عن أحد منهم وهو من أهل الكوفة ووثّقه العجلي وليس له في البخاري إلا هذا الموضع (كانوا) أي السلف (يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند) نزول (الفتن. قال امرؤ القيس) بن عابس الكندي كان في زمن النبي ﷺ كذا في رواية أبي ذر، قال امرؤ القيس والمحفوظ أن الأبيات المذكورة لعمرو بن معد يكرب بفتح عين عمرو، وجزم به أبو العباس المبرد في الكامل والسهيلي في روضة والأبيات هي: (الحرب أول ما تكون) الحرب مؤنثة. قال الخليل تصغيرها حريب بلا هاء. قال المازني لأنه في الأصل مصدر، وقال المبرد قد يذكر الحرب (فتية) بفتح الفاء وكسر الفوقية وفتح الموحدة مشددة. قال في المصابيح: ويروى فتية بضم الفاء مصغرًا أي شابة ويجوز فيه

стр. 4443

أربعة أوجه: الأول: رفع أول ونصب فتية وهو الذي في الفرع مثل زيد أخطب ما يكون يوم الجمعة، فالحرب مبتدأ أول، وقوله أول ما تكون مبتدأ ثان، وفتية حال سادّة مسدّ الخبر والجملة المركبة من المبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول، والمعنى الحرب أول أكوانها إذا أو إذا كانت فتية. الثاني: نصب أول ورفع فتية عكس الأول ووجهه ظاهر وهو أن يكون الحرب مبتدأ خبره فتية، وأول ما يكون ظرف عامله الخبر وتكون ناقصة أي الحرب في أول أحوالها فتية. الثالث: رفع أول، وفتية على أن الحرب مبتدأ أو أول بدل منه وفتية خبر وما مصدرية وتكون تامة أو أول مبتدأ ثان، وفتية خبره وأنّث الخبر مع أن المبتدأ الذي هو أول مذكر لأنه مضاف إلى الأكوان. الرابع: نصبهما جميعًا على أن أول ظرف وهو خبر المبتدأ الذي هو الحرب وتكون ناقصة وفتية منصوب على الحال من الضمير المستكن في الظرف المستقر أي الحرب موجودة في أول أكوانها على هذه الحالة، والخبر عنها قوله: (تسعى) أي الحرب في حال ما هي فتية أي في وقت وقوعها تغرّ من لم يجرّبها حتى يدخل فيها فتهلكه (بزينتها لكل جهول) بكسر الزاي وسكون التحتية بعدها نون ففوقية ورواه سيبويه بموحدتين فزاي مشددة مفتوحة والبزة اللباس الجيد. (حتى إذا اشتعلت) بالشين المعجمة والعين المهملة أي هاجت وإذا شرطية وجوابها ولت أو محذوف كما في المصابيح ويجوز أن تكون ظرفية (وشب) بفتح المعجمة والموحدة المشددة (ضرامها) بكسر الضاد المعجمة بعدها راء فألف فميم اتقد وارتفع اشتعالها (ولّت) حال كونها (عجوزًا غير ذات حليل) بالحاء المهملة أي لا يرغب أحد في تزوّجها ولا يروى بالخاء المعجمة. (شمطاء) بالنصب نعت لعجوزًا والشمط بفتح الشين المعجمة اختلاط الشعر الأبيض بالشعر الأسود (ينكر) بضم التحتية وفتح الكاف (لونها) ولأبي ذر تنكر بالفوقية بدل التحتية أي تبدلت بحسنها قبحًا (وتغيرت) حال كونها (مكروهة للشم والتقبيل). لأنها في هذه الحالة مظنة للبخر فوصفها به مبالغة في التنفير منها والمراد أنهم يتمثلون بهذه الأبيات ليستحضروا ما شاهدوه وسمعوه من حال الفتنة فإنهم يتذكرون بإنشادها ذلك فيصدهم عن الدخول فيها حتى لا يغتروا بظاهر أمرها أولاً. ٧٠٩٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِى الْفِتْنَةِ؟ قَالَ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِى أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ. قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ وَلَكِنِ الَّتِى تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا قَالَ عُمَرُ: أَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ قَالَ عُمَرُ: إِذًا لَا يُغْلَقَ أَبَدًا قُلْتُ: أَجَلْ. قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَنِّى حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ الْبَابُ فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنِ الْبَابُ قَالَ: عُمَرُ. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا شقيق) أبو وائل بن سلمة قال: (سمعت حذيفة) بن اليمان (يقول: بينا) بغير ميم (نحن جلوس عند عمر) بن الخطاب ﵁ (إذا قال: أيكم يحفظ قول النبي ﷺ في الفتنة؟ قال) حذيفة قلت هي (فتنة الرجل) وفي علامات النبوّة من طريق شعبة عن الأعمش قال رسول الله ﷺ : فتنة الرجل (في أهله) بالميل يأتي بسببهنّ بما لا يحل له (و) فتنته في (ماله) بأن يأخذ من غير حله ويصرفه في غير حله (و) في (ولده) لفرط محبته له والشغل به عن كثير من الخيرات (و) في (جاره) بالحسد والمفاخرة وكلها (تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أي تكفر الصغائر فقط لحديث الصلاة إلى الصلاة كفّارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر، ويحتمل أن يكون كل واحد من الصلاة وما بعدها مكفرًا للمذكورات كلها لا لكل واحد منها، وأن يكون من باب اللف والنشر بأن الصلاة مثلاً كفّارة للفتنة في الأهل وهكذا الخ … وخص الرجل بالذكر لأنه في الغالب صاحب الحكم في داره وأهله إلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم (قال) عمر ﵁ لحذيفة (ليس عن هذا) الذي ذكرت (أسألك، ولكن) التي أسألك عنها الفتنة (التي تموج كموج البحر) تضطرب كاضطرابه عند هيجانه كناية عن شدة المخاصمة وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة وفيه دليل على جواز إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص إذ تبين أن عمر لم يسأل إلا عن فتنة مخصوصة، وفي رواية ربعي بن حراش عن حذيفة عند الطبراني فقال حذيفة:

стр. 4444

سمعته يقول: يأتي بعدي فتن كموج البحر يدفع بعضها بعضًا ويؤخذ منها كما في الفتح جهة التشبيه بالموج وأنه ليس المراد منه الكثرة فقط (فقال) حذيفة لعمر ﵁: (ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابًا مغلقًا) بضم الميم وسكون المعجمة وفتح اللام بالنصب صفة لبابًا أي لا يخرج شيء منها في حياتك. قال ابن المنير: آثر حذيفة الحرص على حفظ السر فلم يصرح لعمر ﵁ بما سأل عنه وإنما كنى عنه كناية وكأنه كان مأذونًا له في مثل ذلك، وقال ابن بطال: وإنما عدل حذيفة حين سأله عمر عن الإخبار بالفتنة الكبرى إلى الإخبار بالفتنة الخاصة لئلا يغمه ويشغل باله ومن ثم قال له: إن بينك وبينها بابًا مغلقًا ولم يقل له أنت الباب وهو يعلم أنه الباب فعرّض له بما أفهمه ولم يصرح وذلك من حسن أدبه. (قال عمر) ﵁ مستفهمًا لحذيفة (أيكسر الباب أم يفتح؟ قال) حذيفة (بل) ولأبي ذر عن الكشميهني لا بل (يكسر. قال عمر: إذًا) بالتنوين أي إن انكسر (لا يغلق) نصب بإذا (أبدًا) وفي الصيام ذاك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة ويحتمل أن يكون كنى عن الموت بالفتح وعن القتل بالكسر. قال حذيفة (قلت: أجل) بالجيم واللام المخففة. نعم قال شقيق (قلنا لحذيفة أكان عمر يعلم الباب؟ قال) حذيفة: (نعم) كان يعلمه (كما أعلم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يعلم (أن دون غد ليلة) أي أعلمه علمًا ضروريًّا مثل هذا (وذلك أني حدّثته حديثًا ليس بالأغاليط) جمع أغلوطة بالغين المعجمة والطاء المهملة ما يغالطه أي حدّثته حديثًا صدقًا محققًا من حديثه ﷺ لا عن اجتهاد ولا عن رأي. قال شقيق (فهبنا) فخفنا (أن نسأله) أن نسأل حذيفة (من الباب) أي من هو الباب (فأمرنا) بسكون الراء (مسروقًا) هو ابن الأجدع أن يسأله (فسأله فقال): أي مسروق لحذيفة (من الباب؟ قال: عمر) ﵁. والحديث سبق في باب المواقيت من الصلاة وفي الزكاة والصوم وعلامات النبوّة. ٧٠٩٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ: خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ، وَخَرَجْتُ فِى إِثْرِهِ فَلَمَّا دَخَلَ الْحَائِطَ جَلَسْتُ عَلَى بَابِهِ وَقُلْتُ: لأَكُونَنَّ الْيَوْمَ بَوَّابَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَأْمُرْنِى فَذَهَبَ النَّبِىُّ ﷺ وَقَضَى حَاجَتَهُ وَجَلَسَ عَلَى قُفِّ الْبِئْرِ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلاَّهُمَا فِى الْبِئْرِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ فَقُلْتُ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَوَقَفَ فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ فَقَالَ: «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» فَدَخَلَ فَجَاءَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلاَّهُمَا فِى الْبِئْرِ فَجَاءَ عُمَرُ فَقُلْتُ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» فَجَاءَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ فَدَلاَّهُمَا فِى الْبِئْرِ، فَامْتَلأَ الْقُفُّ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَقُلْتُ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ مَعَهَا بَلَاءٌ يُصِيبُهُ» فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلِسًا فَتَحَوَّلَ حَتَّى جَاءَ مُقَابِلَهُمْ عَلَى شَفَةِ الْبِئْرِ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ثُمَّ دَلاَّهُمَا فِى الْبِئْرِ فَجَعَلْتُ أَتَمَنَّى أَخًا لِى وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَأْتِىَ. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمُ اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ. وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) واسم جده ابن أبي كثير المدني (عن شريك بن عبد الله) بن أبي نمر المدني (عن سعيد بن المسيب) بن حزن الإمام أبي محمد المخزومي (عن أبي موسى الأشعري) ﵁ أنه (قال: خرج النبي ﷺ إلى) ولأبي ذر يومًا إلى (حائط من حوائط المدينة لحاجته) هو بستان أريس بهمزة مفتوحة فراء مكسورة فتحتية ساكنة فسين مهملة يجوز فيه الصرف وعدمه وهو قريب من قباء وفي بئره سقط خاتم النبي ﷺ من أصبع عثمان ﵁ (وخرجت في أثره فلما دخل الحائط) أي البستان المذكور (جلست على بابه وقلت: لأكونن اليوم بوّاب النبي ﷺ . ولم يأمرني) بأن أكون بوّابًا لكن سبق في مناقب عثمان أنه ﷺ أمره بذلك فيحتمل أنه لما حدّث نفسه بذلك صادف أمره ﷺ بذلك (فذهب النبي ﷺ وقضى حاجته وجلس على) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي في (قف البئر) بضم القاف وتشديد الفاء حافتها أو الدكة التي حولها (فكشف عن ساقيه ودلاّهما في البئر فجاء أبو بكر) ﵁ حال كونه (يستأذن عليه) زاده الله شرفًا لديه (ليدخل فقلت) له: اثبت وقف (كما أنت حتى أستأذن لك) النبي ﷺ (فوقفت فجئت إلى النبي ﷺ يا نبي الله أبو بكر يستأذن) في الدخول (عليك فقال): (ائذن له وبشره بالجنة) زاد في المناقب فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة (فدخل فجاء) ولأبي ذر عن الكشميهني فجلس (عن يمين النبي ﷺ فكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر)

стр. 4445

موافقة له ﵊ وليكون أبلغ في بقائه ﵇ على حالته وراحته بخلاف ما إذا لم يفعل ذلك فربما استحيا منه فرفع رجليه (فجاء عمر) ﵁ أي يستأذن أيضًا (فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك) فاستأذنت له (فقال النبي ﷺ : ائذن له وبشره بالجنة. فجاء) عمر ﵁ وجلس (عن يسار النبي ﷺ فكشف عن ساقيه فدلاهما في البئر فامتلأ) بالفاء، ولأبي ذر عن الكشميهني وامتلأ (القف) به ﷺ وصاحبيه (فلم يكن فيه مجلس ثم جاء عثمان) ﵁ (فقلت: كما أنت حتى استأذن لك) فاستأذنت (فقال النبي ﷺ : ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء يصيبه) وهو قتله فى الدار قال ابن بطال: وإنما خص عثمان بذكر البلاء مع أن عمر أيضًا قتل لأن عمر لم يمتحن بمثل ما امتحن عثمان من تسليط القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإمامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور مع تنصله من ذلك واعتذاره من كل ما نسبوه إليه ثم هجمهم عليه داره وهتكهم ستر أهله فكان ذلك زيادة على قتله، وفي رواية أحمد بإسناد صحيح من طريق كليب بن وائل عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة فمر رجل فقال يقتل فيها هذا يومنذ ظلمًا قال فنظرت فإذا هو عثمان (فدخل) ﵁ (فلم يجد معهم مجلساً فتحوّل حتى جاء مقابلهم على شفة البئر) بفتح الشين المعجمة والفاء المخففة (فكشف عن ساقيه ثم دلاهما في البئر) قال أبو موسى (فجعلت أتمنى أخًا لي) هو أبو بردة عامر أو أبو رهم (وأدعو الله أن يأتي قال ابن المسيب) سعيد (فتأوّلت) ولأبي ذر عن الكشميني فأولت فتفرست (ذلك) أي اجتماع الصاحبين معه ﷺ وانفراد عثمان (قبورهم اجتمعت هاهنا وانفرد عثمان) عنهم في البقيع والمراد بالاجتماع مطلقه لا خصوص كون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله كما كانوا على البئر وفيه أن التمثيل لا يستلزم التسوية. نعم أخرج أبو نعيم عن عائشة في صفة القبور الثلاثة أبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره ففيه التصريح بتمام التشبيه لكن سنده ضعيف وعارضه ما هو أوضح منه، وعند أبي داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد قال: قلت لعائشة يا أمتاه اكشفي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه فكشفته لي الحديث. وفيه فرأيت رسول الله ﷺ فإذا أبو بكر رأسه بين كتفيه وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ . وحديث الباب سبق في فضل أبي بكر وأخرجه مسلم في الفضائل. ٧٠٩٨ - حَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ لأُسَامَةَ أَلَا تُكَلِّمُ هَذَا؟ قَالَ: قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ وَمَا أَنَا بِالَّذِى أَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنْتَ خَيْرٌ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُجَاءُ بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِى النَّارِ فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ بِرَحَاهُ فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ أَىْ فُلَانُ أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: إِنِّى كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا أَفْعَلُهُ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (بشر بن خالد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة اليشكري قال (أخبرنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم البصري الحافظ غندر (عن) زوج أمه (شعبة) بن الحجاج الحافظ (عن سليمان) بن مهران الأعمش أنه قال (سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة (قال: قيل لأسامة) بن زيد حب رسول الله ﷺ -﵁ (ألا) بالتخفيف (تكلم هذا) أي عثمان بن عفان ﵁ فيما أنكر الناس عليه من توليه أقاربه وغير ذلك مما اشتهر وقال المهلب في شأن أخيه لأمه الوليد بن عقبة وما ظهر عليه من شربه الخمر (قال) أسامة: (قد كلمته) في ذلك سرًّا (ما دون أن أفتح بابًا) من أبواب الإنكار عليه (أكون أول من يفتحه) بصيغة المضارع ولأبي ذر عن الكشميهني فتحه بل كلمته على سبيل المصلحة والأدب إذا الإعلان بالأنكار على الأئمة ربما أدّى إلى افتراق الكلمة كما وقع ذلك من تفرق الكلمة بمواجهة عثمان بالنكير فالتلطف والنصيحة سرًّا أجدر بالقبول، وقول المهلب إن المراد الوليد بن عقبة تبعه فيه العيني بل صرح بأنه في مسلم ولفظه، وقد بيّنه في رواية مسلم قيل له ألا تدخل على عثمان وتكلمه في شأن الوليد بن عقبة وما ظهر منه من شرب الخمر اهـ. وقد رأيت الحديث في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومخالفته وليس فيه ما قاله العيني. وقال الحافظ ابن حجر

стр. 4446

متعقبًا المهلب جزمه بأن المراد الوليد بن عقبة ما عرفت مستنده فيه وسياق مسلم من طريق جرير عن الأعمش يدفعه ولفظه عن أبي وائل كنا عند أسامة بن زيد فقال له رجل ما يمنعك أن تدخل على عثمان فتكلمه فيما يصنع قال وساق الحديث بمثله اهـ. قلت: وقوله بمثله أي بمثل الحديث الذي ساقه أول الباب من طريق أبي معاوية عن الأعمش بلفظ قيل له ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا ما أسمعكم والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمرًا الحديث. ثم عرفهم أسامة بأنه لا يداهن أحدًا ولو كان أميرًا بل ينصحه في السر جهده فقال: (وما أنا بالذي أقول لرجل بعد أن يكون أميرًا على رجلين أنت خير) من الناس ولأبي ذر عن الكشميهني إيت بهمزة مكسورة فتحتية ساكنة فعل أمر من الإتيان خيرًا نصب على المفعولية (بعدما) أي بعد الذي (سمعت من رسول الله ﷺ يقول): (يجاء) بضم الياء (برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه) بفتح الياء من فيطحن. قال في الفتح: وفي رواية الكشميهني كما يطحن كذا رأيته في نسخة معتمدة بضم أوله على البناء للمجهول وفتحها أوجه، ففي رواية سفيان وأبي معاوية فتندلق أقتابه فيدور كما يدور الحمار والأقتاب الأمعاء واندلاقها خروجها بسرعة اهـ. والذي رأيته في فرع اليونينية كأصله عن أبي ذر عن الكشميهني كما يطحن بفتح الياء مبنيًّا للفاعل الحمار برحاه (فيطيف به أهل النار) يجتمعون حوله (فيقولون) له (أي فلان) ما شأنك (ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول) لهم: (إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله وأنهى عن المنكر وأفعله). وقول المهلب إن السبب في تحديث أسامة بذلك ليتبرأ مما ظنوا به من سكوته عن عثمان في أخيه الوليد بن عقبة تعقبه في الفتح بأنه ليس واضحًا بل الذي يظهر أن أسامة كان يخشى على من ولي ولاية ولو صغرت أنه لا بد له من أن يأمر الرعية بالمعروف وينهاهم عن المنكر ثم لا يأمن أن يقع منه تقصير فكان أسامة يرى أنه لا يتأمر على أحد وإلى ذلك أشار بقوله لا أقول للأمير: إنه خير الناس أي بل غايته أن ينجو كفافًا. والحديث سبق في صفة النار وأخرجه مسلم في باب الأمر بالمعروف كما سبق. ١٨ - باب (باب) بالتنوين بغير ترجمة. ٧٠٩٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِى اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ لَمَّا بَلَغَ النَّبِىَّ ﷺ أَنَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً». وبه قال: (حدّثنا عثمان بن الهيثم) مؤذن البصرة قال: (حدّثنا عوف) بفتح العين وبعد الواو الساكنة فاء الأعرابي (عن الحسن) البصري (عن أبي بكرة) نفيع ﵁ أنه (قال: لقد نفعني الله) (بكلمة أيام) وقعة (الجمل) بالجيم التي كانت بين عليّ وعائشة بالبصرة وكانت عائشة ﵂ على جمل فنسبت الوقعة إليه (لما) بتشديد الميم (بلغ النبي ﷺ أن فارسًا) بالصرف في جميع النسخ نسخ الحفاظ أبي محمد الأصيلي وأبي ذر الهروي والأصل المسموع على أبي الوقت، وفي أصل أبي القاسم الدمشقي: غير مصروف. وقال ابن مالك: كذا وقع مصروفًا والصواب عدم صرفه، وقال في الكواكب: يطلق على الفرس وعلى بلادهم فعلى الأول يجب الصرف إلا أن يقال المراد القبيلة، وعلى الثاني يجوز الأمران كسائر البلاد (ملكوا ابنة كسرى) شيرويه بن أبرويز بن هرمز وقال الكرماني كسرى بفتح الكاف وكسرها ابن قباد بضم القاف وتخفيف الموحدة واسم ابنته بوران بضم الموحدة وسكون الواو وبعدها راء فألف فنون وكانت مدة ولايتها سنة وستة أشهر (قال): (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة) واحتج به من منع قضاء المرأة وهو قول الجمهور، وقال أبو حنيفة تقضي فيما يجوز فيه شهادتين، وزاد الإسماعيلي من طريق النضر بن شميل عن عوف في آخره. قال أبو بكرة: فعرفت أن أصحاب الجمل لن يفلحوا. والحديث سبق في المغازي. ٧١٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الأَسَدِىُّ قَالَ: لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعَثَ عَلِىٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ فَقَدِمَا عَلَيْنَا الْكُوفَةَ فَصَعِدَا الْمِنْبَرَ فَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ فَوْقَ الْمِنْبَرِ فِى أَعْلَاهُ وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنَ الْحَسَنِ فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَسَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ: إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ وَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ ﵎ ابْتَلَاكُمْ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِىَ؟ وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي قال: (حدّثنا أبو بكر بن عياش) بالتحتية المشددة والشين المعجمة راوي عاصم المقري قال: (حدّثنا أبو حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد

стр. 4447

المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي قال: (حدّثنا أبو مريم عبد الله بن زياد الأسدي) بفتح الهمزة والمهملة (قال: لما سار طلحة) بن عبيد الله (والزبير) بن العوام (وعائشة) أم المؤمنين ﵃ (إلى البصرة) وكانت عائشة بمكة فبلغها قتل عثمان ﵁ فحضت الناس على القيام بطلب دم عثمان، وكان الناس قد بايعوا عليًّا بالخلافة وممن بايعه طلحة والزبير واستأذنا عليًّا في العمرة فخرجا إلى مكة فلقيا عائشة فاتفقا معها على طلب دم عثمان حتى يقتلوا قتلته، فسارت عائشة على جمل اسمه عسكر اشتراه لها يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمائتي دينار في ثلاثة آلاف رجل من مكة والمدينة ومعها طلحة والزبير، فلما نزلت ببعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب فقالت: أيّ ماء هذا قالوا: الحوأب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة فموحدة فقالت: إن النبي ﷺ قال لنا ذات يوم "كيف بإحداكن ينبح عليها كلاب الحوأب" وعند البزار من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال لنسائه: "أيتكن صاحبة الجمل الأدبب" بهمزة مفتوحة ودال مهملة ساكنة فموحدتين "تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة وتنجو بعدما كادت". وخرج علي ﵁ من المدينة لما بلغه ذلك خوف الفتنة في آخر شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين في تسعمائة راكب ولما قدم البصرة قال له قيس بن عباد وعبد الله بن الكواء: أخبرنا عن مسيرك فذكر كلامًا طويلاً، ثم ذكر طلحة والزبير فقال: بايعاني بالمدينة وخالفاني بالبصرة وكان قد (بعث علي) ﵁ (عمار بن ياسر وحسن بن علي) أي ابن فاطمة يستنفران الناس (فقدما علينا الكوفة) فدخلا المسجد (فصعدا المنبر فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه) لأنه ابن الخليفة وابن بنت رسول الله ﷺ ولأنه كان الأمير على من أرسلهم عليّ وإن كان في عمار ما يقتضي رجحانه فضلاً عن مساواته أو فعله عمار تواضعًا معه إكرامًا لجده ﵊ (وقام عمار) على المنبر (أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه) قال أبو مريم (فسمعت عمارًا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة ووالله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة ولكن الله ﵎ ابتلاكم) بها (ليعلم إياه) تعالى (تطيعون أم) تطيعون (هي) ﵂. وقيل الضمير في إياه لعلي والمناسب أن يقول أو إياها لا هي. وقال في المصابيح: فيه نظر من حيث إن أم فيه متصلة فقضية المعادلة بين المتعاطفين بها أن يقال أم إياها اهـ. وأجاب الكرماني: بأن الضمائر يقوم بعضها مقام بعض قال في الفتح: وهو على بعض الآراء. وعند الإسماعيلي من وجه آخر عن أبي بكر بن عياش صعد عمار المنبر فحض الناس في الخروج إلى قتال عائشة وفي رواية ابن أبي ليلى في القصة المذكورة فقال الحسن: إن عليًّا يقول إني أذكر الله رجلاً رعى الله حقًّا أن لا يفر فإن كنت مظلومًا أعانني وإن كنت ظالمًا أخذلني، والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني ثم نكثا ولم أستأثر بمال ولا بدلت حكمًا. قال: فخرج إليه اثنا عشر ألف رجل. وعند ابن أبي شيبة من طريق شمس بن عطية عن عبد الله بن زياد قال: قال عمار: إن أمنا سارت مسيرها هذا وإنها والله زوج محمد ﷺ في الدنيا والآخرة ولكن الله تعالى ابتلانا ليعلم إياه نطيع أو إياها ومراد عمار بذلك أن الصواب في تلك القصة كان مع علي وأن عائشة مع ذلك لم تخرج بذلك عن الإسلام ولا أن لا تكون زوجة النبي ﷺ في الجنة، وكان ذلك يعد من إنصاف عمار وشدة ورعه وتحرّيه قول الحق. وقال ابن هبيرة في هذا الحديث: إن عمارًا كان صادق اللهجة وكان لا تستخفه الخصومة إلى تنقيص خصمه فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من الحرب وقوله ليعلم بفتح الياء مبنيًّا للفاعل في الفرع. قال في الكواكب: والمراد به العلم الوقوعي أو تعلق العلم أو إطلاقه على سبيل المجاز عن التمييز لأن التمييز لازم

стр. 4448

للعلم وإلاّ فالله تعالى عالم أزلاً وأبدًا ما كان وما يكون. باب (باب) بالتنوين بلا ترجمة وسقط في رواية أبي ذر وهو المناسب إذ الحديث اللاحق طرف من سابقه وإن كان في الباب زيادة ساقه تقوية له لأن أبا مريم مما انفرد به عنه أبو حصين. ٧١٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى غَنِيَّةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَامَ عَمَّارٌ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ فَذَكَرَ عَائِشَةَ وَذَكَرَ مَسِيرَهَا وَقَالَ: إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا ابْتُلِيتُمْ. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا ابن أبي غنيمة) بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد التحتية عبد الملك بن حميد الكوفي أصله من أصبهان وليس له في الجامع إلا هذا ولأبي ذر عن أبي غنية (عن الحكم) بفتح المهملة والكاف ابن عتيبة بضم العين وفتح الفوقية مصغرًا (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة أنه قال: (قام عمار) هو ابن ياسر (على منبر الكوفة فذكر عائشة) ﵂ (وذكر مسيرها) ومن معها إلى البصرة (وقال: إنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة ولكنها مما ابتليتم) مبني للمفعول امتحنتم بها. ٧١٠٢ و ٧١٠٣ و ٧١٠٤ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ: دَخَلَ أَبُو مُوسَى وَأَبُو مَسْعُودٍ عَلَى عَمَّارٍ حَيْثُ بَعَثَهُ عَلِىٌّ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ فَقَالَا: مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيْتَ أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعِكَ فِى هَذَا الأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ فَقَالَ عَمَّارٌ: مَا رَأَيْتُ مِنْكُمَا مُنْذُ أَسْلَمْتُمَا أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدِى مِنْ إِبْطَائِكُمَا عَنْ هَذَا الأَمْرِ وَكَسَاهُمَا حُلَّةً حُلَّةً ثُمَّ رَاحُوا إِلَى الْمَسْجِدِ. [الحديث ٧١٠٢ - طرفه في: ١٧٠٦]. [الحديث ٧١٠٣ - طرفه في: ٧١٠٥]. [الحديث ٧١٠٤ - طرفه في: ٧١٠٧]. وبه قال: (حدّثنا بدل بن المحبر) بفتح الموحدة والدال بعدها مخففًا والمحبر بضم الميم وفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة بعدها راء اليربوعي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن مرة قال: (سمعت أبا وائل) شقيق ابن سلمة (يقول: دخل أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (وأبو مسعود) عقبة بن عامر البدري الأنصاري (على عمار) هو ابن ياسر ﵁ (حيث) بالمثلثة وللكشميهني حين (بعثه علي) ﵁ (إلى أهل الكوفة يستنفرهم) يطلب منهم الخروج إلى البصرة لعلي على عائشة ﵂ (فقالا): أي أبو موسى وأبو مسعود لعمار (ما رأيناك أتيت أمرًا أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمت. فقال عمار: ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمرًا أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر). قال ابن بطال: فيما دار بينهم دلالة على أن كلاًّ من الطائفتين كان مجتهدًا ويرى أن الصواب معه (وكساهما) أي أبو مسعود كما صرح به في الرواية اللاحقة لهذه (حلة حلة) والحلة اسم لثوبين (ثم راحوا إلى المسجد) وعند الإسماعيلي: ثم خرجوا إلى الصلاة يوم الجمعة وإنما كسا عمارًا تلك الحلة ليشهد بها الجمعة لأنه كان في ثياب السفر وهيئة الحرب فكره أن يشهد الجمعة في تلك الثياب، وكره أن يكسوه بحضرة أبي موسى ولا يكسو أبا موسى فكساه أيضًا قاله ابن بطال. ٧١٠٥ و ٧١٠٦ و ٧١٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِى حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِى مَسْعُودٍ وَأَبِى مُوسَى وَعَمَّارٍ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: مَا مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلاَّ لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ فِيهِ غَيْرَكَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتَ النَّبِىَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِى مِنِ اسْتِسْرَاعِكَ فِى هَذَا الأَمْرِ قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَبَا مَسْعُودٍ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا مِنْ صَاحِبِكَ هَذَا شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتُمَا النَّبِىَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِى مِنْ إِبْطَائِكُمَا فِى هَذَا الأَمْرِ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَكَانَ مُوسِرًا يَا غُلَامُ هَاتِ حُلَّتَيْنِ فَأَعْطَى إِحْدَاهُمَا أَبَا مُوسَى وَالأُخْرَى عَمَّارًا وَقَالَ: رُوحَا فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ. وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روّاد العتكي المروزي الحافظ (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون اليشكري محدّث مرو (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق بن سلمة) أنه (قال: كنت جالسًا مع أبي مسعود) عقبة بن عامر (وأبي موسى) الأشعري (وعمار) هو ابن ياسر ﵃ (فقال أبو مسعود) لعمار: (ما من أصحابك أحد إلا لو شئت لقلت فيه غيرك وما رأيت منك شيئًا منذ صحبت النبي ﷺ أعيب عندي) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وبعد التحتية المفتوحة موحدة أفعل تفضيل من العيب وفيه رد على القائل أن أفعل التفضيل من الألوان والعيوب لا يستعمل من لفظه (من استسراعك في هذا الأمر) وإنما قال ذلك لأنه رأى رأي أبي موسى في الكف عن القتال تمسكًا بالأحاديث الواردة فيه وما في حمل السلاح على المسلم من الوعيد (قال عمار: يا أبا مسعود وما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئًا منذ صحبتما النبي ﷺ أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر). لما في الإبطاء من مخالفة الإمام وترك امتثال فقاتلوا التي تبعي فكان عمار على رأي عليّ في قتال الباغين والناكثين والتمسك بقوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي﴾ [الحجرات: ٩] وحمل الوعيد الوارد في القتال على من كان متعديًا على صاحبه فكلٌّ جعل الإبطاء والإسراع عيبًا بالنسبة لما يعتقده (فقال أبو مسعود وكان موسرًا: يا غلام هات) بكسر الفوقية (حلتين فأعطى إحداهما أبا موسى والأخرى عمارًا) بين في هذه أن فاعل كسا في الرواية السابقة هو أبو مسعود كما مر (وقال) لهما (روحا فيه) بالتذكير مصححًا

стр. 4449

عليه في الفرع (إلى) صلاة (الجمعة). وذكر عمر بن شبة بسنده أن وقعة الجمل كانت في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وذكر أيضًا من رواية المدايني عن العلاء أبي محمد عن أبيه قال: جاء رجل إلى علي وهو بالزاوية فقال: علام تقاتل هؤلاء؟ قال عليّ: على الحق. قال: فإنهم يقولون إنهم على الحق. قال: أقاتلهم على الخروج عن الجماعة ونكث البيعة. وعند الطبراني أن أول ما وقعت الحرب أن صبيان العسكرين تسابوا ثم تراموا ثم تبعهم العبيد ثم السفهاء فنشب الحرب وكانوا خندقوا على البصرة فقتل قوم وخرج آخرون وغلب أصحاب عليّ ونادى مناديه: لا تتبعوا مدبرًا ولا تجهزوا جريحًا ولا تدخلوا دار أحد ثم جمع الناس وبايعهم، واستعمل ابن عباس على البصرة ورجع إلى الكوفة. وعند ابن أبي شيبة بسند جيد عن عبد الرحمن بن أبزى قال: انتهى عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة يوم الجمل وهي في الهودج فقال: يا أم المؤمنين أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان فقلت: ما تأمريني فقلت الزم عليًّا فسكتت. فقال: اعقروا الجمل فعقروه فنزلت أنا وأخوها محمد فاحتملنا هودجها فوضعناه بين يدي علي فأمر بها فأدخلت بيتًا. وعند ابن أبي شيبة والطبري من طريق عمر بن جاوان عن الأحنف فكان أول قتيل طلحة ورجع الزبير فقتل. وقال الزهري: ما شوهدت وقعة مثلها فني فيها الكماة من فرسان مضر فهرب الزبير فقتل بوادي السباع، وجاء طلحة سهم غرب فحملوه إلى البصرة ومات. وحكى سيف كان قتلى الجمل عشرة آلاف نصفهم من أصحاب عليّ ونصفهم من أصحاب عائشة. وقيل قتل من أصحاب عائشة ثمانية آلاف، وقيل ثلاثة عشر ألفًا ومن أصحاب عليّ ألف، وقيل من أهل البصرة عشرة آلاف ومن أهل الكوفة خمسة آلاف. ١٩ - باب إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا هذا (باب) بالتنوين (إذا أنزل الله بقوم عذابًا) أي يذكر جواب إذا اكتفاء بما في الحديث. ٧١٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عثمان) الملقب عبدان قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (حمزة بن عبد الله بن عمر) بالحاء المهملة والزاي (أنه سمع) أباه (ابن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬): (إذا أنزل الله بقوم عذابًا) أي عقوبة لهم على سيئ أعمالهم (أصاب العذاب من كان فيهم) ممن ليس هو على منهاجهم ومن من صيغ العموم، فالمعنى أن العذاب يصيب حتى الصالحين منهم وعند الإسماعيلي من طريق أبي النعمان عن ابن المبارك أصاب به من بين أظهرهم (ثم بعثوا) بضم الموحدة (على) حسب (أعمالهم) إن كانت صالحة فعقباهم صالحة وإلا فسيئة فذلك العذاب طهرة للصالح ونقمة على الفاسق. وعن عائشة مرفوعًا: إن الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم صححه ابن حبان وأخرجه البيهقي في شعبه، فلا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب بل يجازى كل أحد بعمله على حسب نيته وهذا من الحكم العدل لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون بها في الآخرة وأما في الدنيا فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيرًا لما قدموه من عمل سيئ كترك الأمر بالمعروف. وفي السنن الأربعة من حديث أبي بكر الصديق ﵁ سمع رسول الله ﷺ قول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعذاب". وكذا رواه ابن حبان وصححه فكان العذاب المرسل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم ولم ينكر عليهم، فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم ثم يوم القيامة يبعث كل منهم فيجازى بعمله فأما من أمر ونهى فلا يرسل الله عليهم العذاب بل يدفع الله بهم العذاب ويؤيده قوله تعالى: ﴿وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون﴾ [القصص: ٥٩] ويدل على التعميم لمن لم ينه عن المنكر وإن كان لا يتعاطاه قوله فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم ويستفاد منه مشروعية الهروب من الظلمة لأن الإقامة معهم

стр. 4450

من إلقاء النفس إلى الهلكة قاله في بهجة النفوس قال: وفي الحديث تحذير عظيم لمن سكت عن النهي فكيف بمن داهن فكيف بمن رضي فكيف بمن أعان؟ نسأل الله العافية والسلامة. وعند ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستين ألفًا من شرارهم قال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فقال: إنهم لم يغضبوا لغضبي وكانوا يواكلوهم ويشاربوهم، وقال مالك بن دينار: أوحى الله تعالى إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها قال: يا رب إن فيهم عبدك فلانًا ولم يعصك طرفة عين فقال اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط. ورواه الطبراني وغيره من حديث جابر مرفوعًا والمحفوظ كما قال البيهقي ما ذكر، وأعلم أنه قد تقوم كثرة رؤية المنكرات مقام ارتكابها في سلب القلوب نور التمييز والإنكار لأن المنكرات إذا كثر على القلب ورودها وتكرر في العين شهودها ذهبت عظمتها من القلوب شيئًا فشيئًا إلى أن يراها الإنسان فلا يخطر بباله أنها منكرات ولا يمر بفكره أنها معاصٍ لما أحدث تكرارها من تألف القلوب بها. في القوت لأبي طالب المكي عن بعضهم أنه مرّ يومًا في السوق فرأى بدعة فبال الدم من شدة إنكاره لها بقلبه وتغير مزاجه لرؤيتها، فلما كان اليوم الثاني مرّ فرآها فبال دمًا صافيًا، فلما كان اليوم الثالث مرّ فرآها فبال بوله المعتاد لأن حدة الإنكار التي أثرت في بدنه ذلك الأثر ذهبت فعاد المزاج إلى حاله الأول، وصارت البدعة كأنها مألوفة عنده معروفة، وهذا أمر مستقر لا يمكن جحوده والله تعالى أعلم. وحديث الباب أخرجه مسلم. ٢٠ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ: «إِنَّ ابْنِى هَذَا لَسَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (باب قول النبي ﷺ للحسن بن عليّ) ﵄ (إن ابني هذا لسيد) بلام التأكيد ولأبي ذر عن الكشميهني سيد بإسقاطها (ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين). ٧١٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ أَبُو مُوسَى وَلَقِيتُهُ بِالْكُوفَةِ جَاءَ إِلَى ابْنِ شُبْرُمَةَ فَقَالَ: أَدْخِلْنِى عَلَى عِيسَى فَأَعِظَهُ فَكَأَنَّ ابْنَ شُبْرُمَةَ خَافَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: لَمَّا سَارَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ ﵄ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالْكَتَائِبِ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: أَرَى كَتِيبَةً لَا تُوَلِّى حَتَّى تُدْبِرَ أُخْرَاهَا قَالَ مُعَاوِيَةُ: مَنْ لِذَرَارِىِّ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: أَنَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ نَلْقَاهُ فَنَقُولُ لَهُ الصُّلْحَ قَالَ الْحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ: بَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ جَاءَ الْحَسَنُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ». وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا إسرائيل) بن موسى (أبو موسى) البصري نزيل الهند وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه قال سفيان (ولقيته بالكوفة) والجملة حالية (جاء) ولأبي ذر وجاء (إلى ابن شبرمة) بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة عبد الله قاضي الكوفة في خلافة أبي جعفر المنصور (فقال) له: (أدخلني على عيسى) بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ابن أخي المنصور وكان أميرًا على الكوفة إذ ذاك (فأعظه) بفتح الهمزة وكسر العين المهملة ونصب الظاء المعجمة المشالة من الوعظ (فكأن) بالهمزة وتشديد النون (ابن شبرمة خاف عليه) على إسرائيل من بطش عيسى لأن إسرائيل كان يصدع بالحق فربما لا يتلطف في الوعظ بعيسى فيبطش به لما عنده من حدة الشباب وعزة الملك (فلم يفعل قال) إسرائيل: (حدّثنا الحسن) البصري (قال: لما سار الحسن بن علي ﵄ إلى معاوية) بن أبي سفيان (بالكتائب) بفتح الكاف والمثناة الفوقية وبالهمزة المكسورة بعدها موحدة جمع كتيبة بوزن عظيمة فعيلة بمعنى مفعولة وهي طائفة من الجيش تجمع وسميت بذلك لأن أمير الجيش إذا رتبهم وجعل كل طائفة على حدة كتبهم في ديوانه، وكان ذلك بعد قتل علي ﵁ واستخلاف الحسن. وعند الطبري بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري أن عليًّا جعل على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة وكانوا أربعين ألفًا بايعوه على الموت، فلما قتل عليّ بايعوا الحسن ابنه بالخلافة وكان لا يحب القتال، ولكن كان يريد أن يشترط على معاوية لنفسه فعرف أن قيس بن سعد لا يطاوعه على الصلح فنزعه وعند الطبراني بعث الحسن قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفًا يعني من الأربعين فسار قيس إلى جهة الشام وكان معاوية لما بلغه قتل عليّ خرج في عساكره من الشام وخرج الحسن حتى نزل المدائن. (قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرى كتيبة لا تولي) بتشديد اللام المكسورة لا تدبر (حتى تدبر أخراها) التي
следующие страницы →