Полный текст (4 743 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
متعقبًا المهلب جزمه بأن المراد الوليد بن عقبة ما عرفت مستنده فيه وسياق مسلم من طريق جرير عن الأعمش يدفعه ولفظه عن أبي وائل كنا عند أسامة بن زيد فقال له رجل ما يمنعك أن تدخل على عثمان فتكلمه فيما يصنع قال وساق الحديث بمثله اهـ.
قلت: وقوله بمثله أي بمثل الحديث الذي ساقه أول الباب من طريق أبي معاوية عن الأعمش بلفظ قيل له ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا ما أسمعكم والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمرًا الحديث. ثم عرفهم أسامة بأنه لا يداهن أحدًا ولو كان أميرًا بل ينصحه في السر جهده فقال: (وما أنا بالذي أقول لرجل بعد أن يكون أميرًا على رجلين أنت خير) من الناس ولأبي ذر عن الكشميهني إيت بهمزة مكسورة فتحتية ساكنة فعل أمر من الإتيان خيرًا نصب على المفعولية (بعدما) أي بعد الذي (سمعت من رسول الله ﷺ يقول):
(يجاء) بضم الياء (برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه) بفتح الياء من فيطحن. قال في الفتح: وفي رواية الكشميهني كما يطحن كذا رأيته في نسخة معتمدة بضم أوله على البناء للمجهول وفتحها أوجه، ففي رواية سفيان وأبي معاوية فتندلق أقتابه فيدور كما يدور الحمار والأقتاب الأمعاء واندلاقها خروجها بسرعة اهـ. والذي رأيته في فرع اليونينية كأصله عن أبي ذر عن الكشميهني كما يطحن بفتح الياء مبنيًّا للفاعل الحمار برحاه (فيطيف به أهل النار) يجتمعون حوله (فيقولون) له (أي فلان) ما شأنك (ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول) لهم: (إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله وأنهى عن المنكر وأفعله). وقول المهلب إن السبب في تحديث أسامة بذلك ليتبرأ مما ظنوا به من سكوته عن عثمان في أخيه الوليد بن عقبة تعقبه في الفتح بأنه ليس واضحًا بل الذي يظهر أن أسامة كان يخشى على من ولي ولاية ولو صغرت أنه لا بد له من أن يأمر الرعية بالمعروف وينهاهم عن المنكر ثم لا يأمن أن يقع منه تقصير فكان أسامة يرى أنه لا يتأمر على أحد وإلى ذلك أشار بقوله لا أقول للأمير: إنه خير الناس أي بل غايته أن ينجو كفافًا.
والحديث سبق في صفة النار وأخرجه مسلم في باب الأمر بالمعروف كما سبق.
١٨ - باب
(باب) بالتنوين بغير ترجمة.
٧٠٩٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِى
اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ لَمَّا بَلَغَ النَّبِىَّ ﷺ أَنَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً».
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن الهيثم) مؤذن البصرة قال: (حدّثنا عوف) بفتح العين وبعد الواو الساكنة فاء الأعرابي (عن الحسن) البصري (عن أبي بكرة) نفيع ﵁ أنه (قال: لقد نفعني الله) (بكلمة أيام) وقعة (الجمل) بالجيم التي كانت بين عليّ وعائشة بالبصرة وكانت عائشة ﵂ على جمل فنسبت الوقعة إليه (لما) بتشديد الميم (بلغ النبي ﷺ أن فارسًا) بالصرف في جميع النسخ نسخ الحفاظ أبي محمد الأصيلي وأبي ذر الهروي والأصل المسموع على أبي الوقت، وفي أصل أبي القاسم الدمشقي: غير مصروف. وقال ابن مالك: كذا وقع مصروفًا والصواب عدم صرفه، وقال في الكواكب: يطلق على الفرس وعلى بلادهم فعلى الأول يجب الصرف إلا أن يقال المراد القبيلة، وعلى الثاني يجوز الأمران كسائر البلاد (ملكوا ابنة كسرى) شيرويه بن أبرويز بن هرمز وقال الكرماني كسرى بفتح الكاف وكسرها ابن قباد بضم القاف وتخفيف الموحدة واسم ابنته بوران بضم الموحدة وسكون الواو وبعدها راء فألف فنون وكانت مدة ولايتها سنة وستة أشهر (قال):
(لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة) واحتج به من منع قضاء المرأة وهو قول الجمهور، وقال أبو حنيفة تقضي فيما يجوز فيه شهادتين، وزاد الإسماعيلي من طريق النضر بن شميل عن عوف في آخره. قال أبو بكرة: فعرفت أن أصحاب الجمل لن يفلحوا.
والحديث سبق في المغازي.
٧١٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الأَسَدِىُّ قَالَ: لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعَثَ عَلِىٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ فَقَدِمَا عَلَيْنَا الْكُوفَةَ فَصَعِدَا الْمِنْبَرَ فَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ فَوْقَ الْمِنْبَرِ فِى أَعْلَاهُ وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنَ الْحَسَنِ فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَسَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ: إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ وَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ ﵎ ابْتَلَاكُمْ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِىَ؟
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي قال: (حدّثنا أبو بكر بن عياش) بالتحتية المشددة والشين المعجمة راوي عاصم المقري قال: (حدّثنا أبو حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد
стр. 4447
المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي قال: (حدّثنا أبو مريم عبد الله بن زياد الأسدي) بفتح الهمزة والمهملة (قال: لما سار طلحة) بن عبيد الله (والزبير) بن العوام (وعائشة) أم المؤمنين ﵃ (إلى البصرة) وكانت عائشة بمكة فبلغها قتل عثمان ﵁ فحضت الناس على القيام بطلب دم عثمان، وكان الناس قد بايعوا عليًّا بالخلافة
وممن بايعه طلحة والزبير واستأذنا عليًّا في العمرة فخرجا إلى مكة فلقيا عائشة فاتفقا معها على طلب دم عثمان حتى يقتلوا قتلته، فسارت عائشة على جمل اسمه عسكر اشتراه لها يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمائتي دينار في ثلاثة آلاف رجل من مكة والمدينة ومعها طلحة والزبير، فلما نزلت ببعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب فقالت: أيّ ماء هذا قالوا: الحوأب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة فموحدة فقالت: إن النبي ﷺ قال لنا ذات يوم "كيف بإحداكن ينبح عليها كلاب الحوأب" وعند البزار من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال لنسائه: "أيتكن صاحبة الجمل الأدبب" بهمزة مفتوحة ودال مهملة ساكنة فموحدتين "تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة وتنجو بعدما كادت".
وخرج علي ﵁ من المدينة لما بلغه ذلك خوف الفتنة في آخر شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين في تسعمائة راكب ولما قدم البصرة قال له قيس بن عباد وعبد الله بن الكواء: أخبرنا عن مسيرك فذكر كلامًا طويلاً، ثم ذكر طلحة والزبير فقال: بايعاني بالمدينة وخالفاني بالبصرة وكان قد (بعث علي) ﵁ (عمار بن ياسر وحسن بن علي) أي ابن فاطمة يستنفران الناس (فقدما علينا الكوفة) فدخلا المسجد (فصعدا المنبر فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه) لأنه ابن الخليفة وابن بنت رسول الله ﷺ ولأنه كان الأمير على من أرسلهم عليّ وإن كان في عمار ما يقتضي رجحانه فضلاً عن مساواته أو فعله عمار تواضعًا معه إكرامًا لجده ﵊ (وقام عمار) على المنبر (أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه) قال أبو مريم (فسمعت عمارًا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة ووالله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة ولكن الله ﵎ ابتلاكم) بها (ليعلم إياه) تعالى (تطيعون أم) تطيعون (هي) ﵂. وقيل الضمير في إياه لعلي والمناسب أن يقول أو إياها لا هي. وقال في المصابيح: فيه نظر من حيث إن أم فيه متصلة فقضية المعادلة بين المتعاطفين بها أن يقال أم إياها اهـ.
وأجاب الكرماني: بأن الضمائر يقوم بعضها مقام بعض قال في الفتح: وهو على بعض الآراء.
وعند الإسماعيلي من وجه آخر عن أبي بكر بن عياش صعد عمار المنبر فحض الناس في الخروج إلى قتال عائشة وفي رواية ابن أبي ليلى في القصة المذكورة فقال الحسن: إن عليًّا يقول إني أذكر الله رجلاً رعى الله حقًّا أن لا يفر فإن كنت مظلومًا أعانني وإن كنت ظالمًا أخذلني، والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني ثم نكثا ولم أستأثر بمال ولا بدلت حكمًا. قال: فخرج إليه اثنا عشر ألف رجل.
وعند ابن أبي شيبة من طريق شمس بن عطية عن عبد الله بن زياد قال: قال عمار: إن أمنا سارت مسيرها هذا وإنها والله زوج محمد ﷺ في الدنيا والآخرة ولكن الله تعالى ابتلانا ليعلم إياه نطيع أو إياها ومراد عمار بذلك أن الصواب في تلك القصة كان مع علي وأن عائشة مع ذلك لم
تخرج بذلك عن الإسلام ولا أن لا تكون زوجة النبي ﷺ في الجنة، وكان ذلك يعد من إنصاف عمار وشدة ورعه وتحرّيه قول الحق.
وقال ابن هبيرة في هذا الحديث: إن عمارًا كان صادق اللهجة وكان لا تستخفه الخصومة إلى تنقيص خصمه فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من الحرب وقوله ليعلم بفتح الياء مبنيًّا للفاعل في الفرع. قال في الكواكب: والمراد به العلم الوقوعي أو تعلق العلم أو إطلاقه على سبيل المجاز عن التمييز لأن التمييز لازم
стр. 4448
للعلم وإلاّ فالله تعالى عالم أزلاً وأبدًا ما كان وما يكون.
باب
(باب) بالتنوين بلا ترجمة وسقط في رواية أبي ذر وهو المناسب إذ الحديث اللاحق طرف من سابقه وإن كان في الباب زيادة ساقه تقوية له لأن أبا مريم مما انفرد به عنه أبو حصين.
٧١٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى غَنِيَّةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَامَ عَمَّارٌ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ فَذَكَرَ عَائِشَةَ وَذَكَرَ مَسِيرَهَا وَقَالَ: إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا ابْتُلِيتُمْ.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا ابن أبي غنيمة) بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد التحتية عبد الملك بن حميد الكوفي أصله من أصبهان وليس له في الجامع إلا هذا ولأبي ذر عن أبي غنية (عن الحكم) بفتح المهملة والكاف ابن عتيبة بضم العين وفتح الفوقية مصغرًا (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة أنه قال: (قام عمار) هو ابن ياسر (على منبر الكوفة فذكر عائشة) ﵂ (وذكر مسيرها) ومن معها إلى البصرة (وقال: إنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة ولكنها مما ابتليتم) مبني للمفعول امتحنتم بها.
٧١٠٢ و ٧١٠٣ و ٧١٠٤ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ: دَخَلَ أَبُو مُوسَى وَأَبُو مَسْعُودٍ عَلَى عَمَّارٍ حَيْثُ بَعَثَهُ عَلِىٌّ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ فَقَالَا: مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيْتَ أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعِكَ فِى هَذَا الأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ فَقَالَ عَمَّارٌ: مَا رَأَيْتُ مِنْكُمَا مُنْذُ أَسْلَمْتُمَا أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدِى مِنْ إِبْطَائِكُمَا عَنْ هَذَا الأَمْرِ وَكَسَاهُمَا حُلَّةً حُلَّةً ثُمَّ رَاحُوا إِلَى الْمَسْجِدِ.
[الحديث ٧١٠٢ - طرفه في: ١٧٠٦].
[الحديث ٧١٠٣ - طرفه في: ٧١٠٥].
[الحديث ٧١٠٤ - طرفه في: ٧١٠٧].
وبه قال: (حدّثنا بدل بن المحبر) بفتح الموحدة والدال بعدها مخففًا والمحبر بضم الميم وفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة بعدها راء اليربوعي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن مرة قال: (سمعت أبا وائل) شقيق ابن سلمة (يقول: دخل أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (وأبو مسعود) عقبة بن عامر البدري الأنصاري (على عمار)
هو ابن ياسر ﵁ (حيث) بالمثلثة وللكشميهني حين (بعثه علي) ﵁ (إلى أهل الكوفة يستنفرهم) يطلب منهم الخروج إلى البصرة لعلي على عائشة ﵂ (فقالا): أي أبو موسى وأبو مسعود لعمار (ما رأيناك أتيت أمرًا أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمت. فقال عمار: ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمرًا أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر). قال ابن بطال: فيما دار بينهم دلالة على أن كلاًّ من الطائفتين كان مجتهدًا ويرى أن الصواب معه (وكساهما) أي أبو مسعود كما صرح به في الرواية اللاحقة لهذه (حلة حلة) والحلة اسم لثوبين (ثم راحوا إلى المسجد) وعند الإسماعيلي: ثم خرجوا إلى الصلاة يوم الجمعة وإنما كسا عمارًا تلك الحلة ليشهد بها الجمعة لأنه كان في ثياب السفر وهيئة الحرب فكره أن يشهد الجمعة في تلك الثياب، وكره أن يكسوه بحضرة أبي موسى ولا يكسو أبا موسى فكساه أيضًا قاله ابن بطال.
٧١٠٥ و ٧١٠٦ و ٧١٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِى حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِى مَسْعُودٍ وَأَبِى مُوسَى وَعَمَّارٍ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: مَا مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلاَّ لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ فِيهِ غَيْرَكَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتَ النَّبِىَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِى مِنِ اسْتِسْرَاعِكَ فِى هَذَا الأَمْرِ قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَبَا مَسْعُودٍ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا مِنْ صَاحِبِكَ هَذَا شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتُمَا النَّبِىَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِى مِنْ إِبْطَائِكُمَا فِى هَذَا الأَمْرِ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَكَانَ مُوسِرًا يَا غُلَامُ هَاتِ حُلَّتَيْنِ فَأَعْطَى إِحْدَاهُمَا أَبَا مُوسَى وَالأُخْرَى عَمَّارًا وَقَالَ: رُوحَا فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روّاد العتكي المروزي الحافظ (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون اليشكري محدّث مرو (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق بن سلمة) أنه (قال: كنت جالسًا مع أبي مسعود) عقبة بن عامر (وأبي موسى) الأشعري (وعمار) هو ابن ياسر ﵃ (فقال أبو مسعود) لعمار: (ما من أصحابك أحد إلا لو شئت لقلت فيه غيرك وما رأيت منك شيئًا منذ صحبت النبي ﷺ أعيب عندي) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وبعد التحتية المفتوحة موحدة أفعل تفضيل من العيب وفيه رد على القائل أن أفعل التفضيل من الألوان والعيوب لا يستعمل من لفظه (من استسراعك في هذا الأمر) وإنما قال ذلك لأنه رأى رأي أبي موسى في الكف عن القتال تمسكًا بالأحاديث الواردة فيه وما في حمل السلاح على المسلم من الوعيد (قال عمار: يا أبا مسعود وما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئًا منذ صحبتما النبي ﷺ أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر). لما في الإبطاء من مخالفة الإمام وترك امتثال فقاتلوا التي تبعي فكان عمار على رأي عليّ في قتال الباغين والناكثين والتمسك بقوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي﴾ [الحجرات: ٩] وحمل الوعيد الوارد في القتال على من كان متعديًا على صاحبه فكلٌّ جعل الإبطاء والإسراع عيبًا بالنسبة لما يعتقده (فقال أبو مسعود وكان موسرًا: يا غلام هات) بكسر الفوقية (حلتين فأعطى إحداهما أبا موسى والأخرى
عمارًا) بين في هذه أن فاعل كسا في الرواية السابقة هو أبو مسعود كما مر (وقال) لهما (روحا فيه) بالتذكير مصححًا
стр. 4449
عليه في الفرع (إلى) صلاة (الجمعة).
وذكر عمر بن شبة بسنده أن وقعة الجمل كانت في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وذكر أيضًا من رواية المدايني عن العلاء أبي محمد عن أبيه قال: جاء رجل إلى علي وهو بالزاوية فقال: علام تقاتل هؤلاء؟ قال عليّ: على الحق. قال: فإنهم يقولون إنهم على الحق. قال: أقاتلهم على الخروج عن الجماعة ونكث البيعة.
وعند الطبراني أن أول ما وقعت الحرب أن صبيان العسكرين تسابوا ثم تراموا ثم تبعهم العبيد ثم السفهاء فنشب الحرب وكانوا خندقوا على البصرة فقتل قوم وخرج آخرون وغلب أصحاب عليّ ونادى مناديه: لا تتبعوا مدبرًا ولا تجهزوا جريحًا ولا تدخلوا دار أحد ثم جمع الناس وبايعهم، واستعمل ابن عباس على البصرة ورجع إلى الكوفة.
وعند ابن أبي شيبة بسند جيد عن عبد الرحمن بن أبزى قال: انتهى عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة يوم الجمل وهي في الهودج فقال: يا أم المؤمنين أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان فقلت: ما تأمريني فقلت الزم عليًّا فسكتت. فقال: اعقروا الجمل فعقروه فنزلت أنا وأخوها محمد فاحتملنا هودجها فوضعناه بين يدي علي فأمر بها فأدخلت بيتًا.
وعند ابن أبي شيبة والطبري من طريق عمر بن جاوان عن الأحنف فكان أول قتيل طلحة ورجع الزبير فقتل. وقال الزهري: ما شوهدت وقعة مثلها فني فيها الكماة من فرسان مضر فهرب الزبير فقتل بوادي السباع، وجاء طلحة سهم غرب فحملوه إلى البصرة ومات. وحكى سيف كان قتلى الجمل عشرة آلاف نصفهم من أصحاب عليّ ونصفهم من أصحاب عائشة. وقيل قتل من أصحاب عائشة ثمانية آلاف، وقيل ثلاثة عشر ألفًا ومن أصحاب عليّ ألف، وقيل من أهل البصرة عشرة آلاف ومن أهل الكوفة خمسة آلاف.
١٩ - باب إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا
هذا (باب) بالتنوين (إذا أنزل الله بقوم عذابًا) أي يذكر جواب إذا اكتفاء بما في الحديث.
٧١٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عثمان) الملقب عبدان قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد
(حمزة بن عبد الله بن عمر) بالحاء المهملة والزاي (أنه سمع) أباه (ابن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إذا أنزل الله بقوم عذابًا) أي عقوبة لهم على سيئ أعمالهم (أصاب العذاب من كان فيهم) ممن ليس هو على منهاجهم ومن من صيغ العموم، فالمعنى أن العذاب يصيب حتى الصالحين منهم وعند الإسماعيلي من طريق أبي النعمان عن ابن المبارك أصاب به من بين أظهرهم (ثم بعثوا) بضم الموحدة (على) حسب (أعمالهم) إن كانت صالحة فعقباهم صالحة وإلا فسيئة فذلك العذاب طهرة للصالح ونقمة على الفاسق. وعن عائشة مرفوعًا: إن الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم صححه ابن حبان وأخرجه البيهقي في شعبه، فلا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب بل يجازى كل أحد بعمله على حسب نيته وهذا من الحكم العدل لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون بها في الآخرة وأما في الدنيا فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيرًا لما قدموه من عمل سيئ كترك الأمر بالمعروف.
وفي السنن الأربعة من حديث أبي بكر الصديق ﵁ سمع رسول الله ﷺ قول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعذاب". وكذا رواه ابن حبان وصححه فكان العذاب المرسل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم ولم ينكر عليهم، فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم ثم يوم القيامة يبعث كل منهم فيجازى بعمله فأما من أمر ونهى فلا يرسل الله عليهم العذاب بل يدفع الله بهم العذاب ويؤيده قوله تعالى: ﴿وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون﴾ [القصص: ٥٩] ويدل على التعميم لمن لم ينه عن المنكر وإن كان لا يتعاطاه قوله فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم ويستفاد منه مشروعية الهروب من الظلمة لأن الإقامة معهم
стр. 4450
من إلقاء النفس إلى الهلكة قاله في بهجة النفوس قال: وفي الحديث تحذير عظيم لمن سكت عن النهي فكيف بمن داهن فكيف بمن رضي فكيف بمن أعان؟ نسأل الله العافية والسلامة.
وعند ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستين ألفًا من شرارهم قال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فقال: إنهم لم يغضبوا لغضبي وكانوا يواكلوهم ويشاربوهم، وقال مالك بن دينار: أوحى الله تعالى إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها قال: يا رب إن فيهم عبدك فلانًا ولم يعصك طرفة عين فقال اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط. ورواه الطبراني وغيره من حديث جابر مرفوعًا والمحفوظ كما قال البيهقي ما ذكر، وأعلم أنه قد تقوم كثرة رؤية المنكرات مقام ارتكابها في سلب القلوب نور التمييز والإنكار لأن المنكرات إذا كثر على القلب ورودها وتكرر في العين شهودها ذهبت عظمتها من القلوب شيئًا فشيئًا إلى أن يراها الإنسان فلا يخطر بباله أنها منكرات ولا يمر بفكره أنها معاصٍ لما أحدث تكرارها من تألف القلوب بها.
في القوت لأبي طالب المكي عن بعضهم أنه مرّ يومًا في السوق فرأى بدعة فبال الدم من شدة إنكاره لها بقلبه وتغير مزاجه لرؤيتها، فلما كان اليوم الثاني مرّ فرآها فبال دمًا صافيًا، فلما كان اليوم الثالث مرّ فرآها فبال بوله المعتاد لأن حدة الإنكار التي أثرت في بدنه ذلك الأثر ذهبت فعاد المزاج إلى حاله الأول، وصارت البدعة كأنها مألوفة عنده معروفة، وهذا أمر مستقر لا يمكن جحوده والله تعالى أعلم.
وحديث الباب أخرجه مسلم.
٢٠ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ: «إِنَّ ابْنِى هَذَا لَسَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ»
(باب قول النبي ﷺ للحسن بن عليّ) ﵄ (إن ابني هذا لسيد) بلام التأكيد ولأبي ذر عن الكشميهني سيد بإسقاطها (ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين).
٧١٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ أَبُو مُوسَى وَلَقِيتُهُ بِالْكُوفَةِ جَاءَ إِلَى ابْنِ شُبْرُمَةَ فَقَالَ: أَدْخِلْنِى عَلَى عِيسَى فَأَعِظَهُ فَكَأَنَّ ابْنَ شُبْرُمَةَ خَافَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: لَمَّا سَارَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ ﵄ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالْكَتَائِبِ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: أَرَى كَتِيبَةً لَا تُوَلِّى حَتَّى تُدْبِرَ أُخْرَاهَا قَالَ مُعَاوِيَةُ: مَنْ لِذَرَارِىِّ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: أَنَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ نَلْقَاهُ فَنَقُولُ لَهُ الصُّلْحَ قَالَ الْحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ: بَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ جَاءَ الْحَسَنُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا إسرائيل) بن موسى (أبو موسى) البصري نزيل الهند وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه قال سفيان (ولقيته بالكوفة) والجملة حالية (جاء) ولأبي ذر وجاء (إلى ابن شبرمة) بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة عبد الله قاضي الكوفة في خلافة أبي جعفر المنصور (فقال) له: (أدخلني على عيسى) بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ابن أخي المنصور وكان أميرًا على الكوفة إذ ذاك (فأعظه) بفتح الهمزة وكسر العين المهملة ونصب الظاء المعجمة المشالة من الوعظ (فكأن) بالهمزة وتشديد النون (ابن شبرمة خاف عليه) على إسرائيل من بطش عيسى لأن إسرائيل كان يصدع بالحق فربما لا يتلطف في الوعظ بعيسى فيبطش به لما عنده من حدة الشباب وعزة الملك (فلم يفعل قال) إسرائيل: (حدّثنا الحسن) البصري (قال: لما سار الحسن بن علي ﵄ إلى معاوية) بن أبي سفيان (بالكتائب) بفتح الكاف والمثناة الفوقية وبالهمزة المكسورة بعدها موحدة جمع كتيبة بوزن عظيمة فعيلة بمعنى مفعولة وهي طائفة من الجيش تجمع وسميت بذلك
لأن أمير الجيش إذا رتبهم وجعل كل طائفة على حدة كتبهم في ديوانه، وكان ذلك بعد قتل علي ﵁ واستخلاف الحسن.
وعند الطبري بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري أن عليًّا جعل على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة وكانوا أربعين ألفًا بايعوه على الموت، فلما قتل عليّ بايعوا الحسن ابنه بالخلافة وكان لا يحب القتال، ولكن كان يريد أن يشترط على معاوية لنفسه فعرف أن قيس بن سعد لا يطاوعه على الصلح فنزعه وعند الطبراني بعث الحسن قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفًا يعني من الأربعين فسار قيس إلى جهة الشام وكان معاوية لما بلغه قتل عليّ خرج في عساكره من الشام وخرج الحسن حتى نزل المدائن.
(قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرى كتيبة لا تولي) بتشديد اللام المكسورة لا تدبر (حتى تدبر أخراها) التي
стр. 4451
تقابلها وهي التي لخصومهم أو الكتيبة الأخيرة التي لأنفسهم ومن ورائهم أي لا ينهزمون إذ عند الانهزام يرجع الآخر أوّلاً قاله في الكواكب. وقال في المصابيح: تدبر فعل مضارع مبني للفاعل من الإدبار أي حتى تجعل أخراها من تقدمها دبرًا لها أي تخلفها وتقوم مقامها وفي الصلح إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها (قال معاوية) لعمرو (من لذراريّ المسلمين)؟ بالذال المعجمة وتشديد التحتية أي من يكفلهم إن قتل آباؤهم (فقال: أنا) أكفلهم قال في الفتح ظاهر قوله أنا يوهم أن المجيب عمرو بن العاص ولم أرَ في طرق الحديث ما يدل على ذلك فإن كانت محفوظة فلعلها كانت فقال إني بتشديد النون المفتوحة قالها عمرو على سبيل الاستبعاد (فقال عبد الله بن عامر) واسم جده كريز العبشمي (وعبد الرحمن بن سمرة) وكلاهما من قريش من بني عبد شمس (تلقاه) بالقاف أي نجد معاوية (فنقول له الصلح) أي نحن نطلب الصلح وفي كتاب الصلح أن معاوية هو الذي أرسلهما إلى الحسن يطلب منه الصلح فيحتمل أنهما عرضًا أنفسهما فوافقهما.
(قال الحسن) البصري بالسند السابق (ولقد سمعت أبا بكرة) نفيعًا ﵁ (قال: بينا) بغير ميم (النبي ﷺ يخطب جاء الحسن) بن علي ﵄ زاد البيهقي في دلائله من رواية علي بن زيد عن الحسن فصعد المنبر (فقال النبي ﷺ ¬):
(إن ابني هذا سيد) فأطلق الابن على ابن البنت (ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) طائفة الحسن وطائفة معاوية ﵄ واستعمل لعل استعمال عسى لاشتراكهما في الرجاء والأشهر في خبر لعل بغير أن كقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث﴾ [الطلاق: ١] وفيه أن السيادة إنما يستحقها من ينتفع به الناس لكونه علق السيادة بالإصلاح وفيه علم من أعلام نبيّنا ﷺ فقد ترك الحسن الملك ورعًا ورغبة فيما عند الله ولم يكن ذلك لعلة ولا لقلة ولا لذلة بل صالح معاوية رعاية للدين وتسكينًا للفتنة وحقن دماء المسلمين، وروي أن أصحاب الحسن قالوا
له: يا عار المؤمنين. فقال ﵁: العار خير من النار، وفي الحديث أيضًا دلالة على رأفة معاوية بالرعية وشفقته على المسلمين وقوة نظره في تدبر الملك ونظره في العواقب.
وحديث الحسن سبق في الصلح بأتم من هذا.
٧١١٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىٍّ أَنَّ حَرْمَلَةَ مَوْلَى أُسَامَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ عَمْرٌو: وَقَدْ رَأَيْتُ حَرْمَلَةَ قَالَ: أَرْسَلَنِى أُسَامَةُ إِلَى عَلِىٍّ وَقَالَ: إِنَّهُ سَيَسْأَلُكَ الآنَ فَيَقُولُ: مَا خَلَّفَ صَاحِبَكَ؟ فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ لَوْ كُنْتَ فِى شِدْقِ الأَسَدِ لأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِيهِ، وَلَكِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ أَرَهُ فَلَمْ يُعْطِنِى شَيْئًا فَذَهَبْتُ إِلَى حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَابْنِ جَعْفَرٍ فَأَوْقَرُوا لِى رَاحِلَتِى.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: قال عمرو) بفتح العين ابن دينار (أخبرني) بالإفراد (محمد بن علي) أي ابن الحسين بن علي أبو جعفر الباقر (أن حرملة) بفتح الحاء المهملة وسكون الراء (مولى أسامة) بن زيد وهو مولى زيد بن ثابت ومنهم من فرق بينهما (أخبره قال عمرو): هو ابن دينار (وقد رأيت حرملة) المذكور أي وكان يمكنني الأخذ عنه لكن لم أسمع منه هذا (قال) أي حرملة (أرسلني أسامة) بن زيد من المدينة (إلى علي) ﵁ بالكوفة يسأله شيئًا من المال (وقال) أسامة: (إنه) أي عليًّا ﵁ (سيسألك الآن فيقول: مما خلف صاحبك)؟ أسامة عن مساعدتي في وقعة الجمل وصفّين وعلم أن عليًّا كان ينكر على من تخلف عنه لا سيما أسامة الذي هو من أهل البيت (فقل له) أي لعلي وفي الفرع مصلحًا على كشط مصححًا عليه فقلت له والذي في اليونينية مصلح على كشط فقل له (يقول لك) أسامة: (لو كنت) بتاء الخطاب (في شدق الأسد) بكسر الشين المعجمة وقد تفتح وسكون الدال المهملة بعدها قاف أي جانب فمه من داخل (لأحببت أن أكون معك فيه) كناية عن الموافقة في حالة الموت لأن الذي يفترسه الأسد بحيث يجعله في شدقه في عداد من هلك ومع ذلك فقال لو وصلت إلى هذا المقام لأحببت أن أكون معك فيه مواسيًا لك بنفسي (ولكن هذا) أي قتال المسلمين (أمر لم أره) لأنه لما قتل مرداسًا ولامه النبي ﷺ على ذلك آل على نفسه أن لا يقاتل مسلمًا أبدًا. قال حرملة: فذهبت إلى علي فبلغته ذلك، وعند الإسماعيلي من رواية ابن أبي عمر عن سفيان فجئت بها أي بالمقالة فأخبرته (فلم يعطني شيئًا) وفي هامش اليونينية صوابه فلم يعني شيئًا. قال
стр. 4452
السفاقسي إنما لم يعطه لأنه لعله سأله شيئًا من مال الله لتخلفه عن القتال معه. قال حرملة: (فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر) هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (فأوقروا) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح القاف بعدها راء أي حملوا (لي راحلتي) ما أطاقت حمله لأنهم لما علموا أن عليًّا لم يعطه شيئًا وأنهم كانوا يرونه واحدًا منهم لأنه ﷺ كان يجلسه على فخذه ومجلس الحسن على الفخذ الأخرى ويقول: "اللهم إني أحبهما" عوّضوه من أموالهم من ثياب ونحوها قدر ما تحمله راحلته التي هو راكبها. والحديث من أفراده.
٢١ - باب إِذَا قَالَ: عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا قال) أحد (عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه).
٧١١١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّى لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ وَإِنِّى لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلَا بَايَعَ فِى هَذَا الأَمْرِ إِلاَّ كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الأزدي الجهضمي (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر أنه (قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية) وكان ابن عمر لما مات معاوية كتب إلى يزيد ببيعته وكان السبب في خلعه ما ذكره الطبري أن يزيد بن معاوية كان أمر على المدينة ابن عمه عمار بن محمد بن أبي سفيان فأوفد إلى يزيد جماعة من أهل المدينة منهم عبد الله ابن غسيل الملائكة، وعبد الله بن أبي عمرو المخزومي في آخرين فأكرمهم وأجازهم فرجعوا فأظهروا عيبه ونسبوه إلى شرب الخمر وغير ذلك ثم وثبوا على عمار فأخرجوه وخلعوا يزيد فلما وقع ذلك (جمع ابن عمر حشمه) بالمهملة ثم المعجمة المفتوحتين جماعته الملازمين لخدمته خشية أن ينكثوا مع أهل المدينة حين نكثوا بيعة يزيد (وولده فقال) لهم: (إني سمعت النبي ﷺ يقول):
(ينصب) بضم التحتية وسكون النون وفتح الصاد المهملة بعدها موحدة (لكل غادر) بالغين المعجمة والدال المهملة من الغدر (لواء) بالرفع مفعول ناب عن فاعله أي راية يشهر بها على رؤوس الأشهاد (يوم القيامة) بقدر غدرته (وإنا قد بايعنا هذا الرجل) يزيد بن معاوية (على بيع الله ورسوله) أي على شرط ما أمرا به من بيعة الإمام وذلك أن من بايع أميرًا فقد أعطاه الطاعة وأخذ منه العطية فكان كمن باع سلعة وأخذ ثمنها (وإني لا أعلم عذرًا) بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة في الفرع مصلحًا وفي اليونينية وغيرها غدرًا بفتح الغين المعجمة وسكون الدال المهملة (أعظم من أن يبايع) بفتح التحتية قبل العين (رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال) وفي رواية صخر بن جويرية عن نافع عند أحمد: وإن من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله أن يبايع الرجل رجلاً على بيع الله ثم ينكث بيعه (وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه) أي خلع يزيد (ولا بايع) أحدًا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولا تابع بالفوقية والموحدة بدل الموحدة والتحتية (في هذا الأمر إلا كانت الفيصل) بالفاء المفتوحة بعدها تحتية ساكنة وصاد مهملة مفتوحة فلام القاطعة (بيني وبينه) وفيه وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة والمنع من الخروج عليه ولو جار وأنه لا ينخلع بالفسق، ولما بلغ يزيد أن أهل المدينة خلعوه جهّز لهم جيشًا مع مسلم بن عقبة المرّي وأمره أن
يدعوهم ثلاثًا فإن رجعوا وإلا فيقاتلهم وإنه إذا ظهر يبيح المدينة للجيش ثلاثًا ثم يكف عنهم فتوجه إليهم فوصل في ذي الحجة سنة ثلاث وستين فحاربوه وكانوا قد اتخذوا خندقًا وانهزم أهل المدينة وقتل حنظلة، وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثًا فقتل جماعة من بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين وهم ألف وسبعمائة، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان، وقتل بها جماعة من حملة القرآن، وقتل جماعة صبرًا منهم: معقل بن سنان، ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة. وجالت الخيل في مسجد رسول الله ﷺ وبايع الباقين كرهًا على أنهم خول ليزيد.
وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند صحيح عن ابن عباس قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها﴾ [الأحزاب: ١٤] يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على
стр. 4453
أهل المدينة في وقعة الحرة قال يعقوب: وكانت وقعة الحرة في ذي القعدة سنة ثلاث وستين، وذكر أن المدينة خلت من أهلها وبقيت ثمارها للعوافي من الطير والسباع كما قال ﵊. ثم تراجع الناس إليها.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن في القول في الغيبة بخلاف الحضور نوع غدر.
وحديث الباب سبق في الجزية وأخرجه مسلم في المغازي.
٧١١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ عَوْفٍ عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ قَالَ: لَمَّا كَانَ ابْنُ زِيَادٍ وَمَرْوَانُ بِالشَّأْمِ وَوَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ وَوَثَبَ الْقُرَّاءُ بِالْبَصْرَةِ، فَانْطَلَقْتُ مَعَ أَبِى إِلَى أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ فِى دَارِهِ وَهْوَ جَالِسٌ فِى ظِلِّ عُلِّيَّةٍ لَهُ مِنْ قَصَبٍ، فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ فَأَنْشَأَ أَبِى يَسْتَطْعِمُهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ: يَا أَبَا بَرْزَةَ أَلَا تَرَى مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ؟ فَأَوَّلُ شَىْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ إِنِّى احْتَسَبْتُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّى أَصْبَحْتُ سَاخِطًا عَلَى أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ كُنْتُمْ عَلَى الْحَالِ الَّذِى عَلِمْتُمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالْقِلَّةِ وَالضَّلَالَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَنْقَذَكُمْ بِالإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى بَلَغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ وَهَذِهِ الدُّنْيَا، الَّتِى أَفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ إِنَّ ذَاكَ الَّذِى بِالشَّأْمِ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلاَّ عَلَى الدُّنْيَا.
[الحديث ٧١١٢ - طرفه في: ٧٢٧١].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي قال: (حدّثنا أبو شهاب) عبد ربه بن نافع الحناط بالمهملة والنون (عن عوف) بفتح العين المهملة آخره فاء الأعرابي (عن أبي المنهال) بكسر الميم وسكون النون سيار بن سلامة أنه (قال: لما) بتشديد الميم (كان ابن زياد) هو عبد الله بن زياد بكسر الزاي وفتح التحتية المخففة ابن أبي سفيان الأموي (ومروان) بن الحكم بن أبي العاص ابن عم عثمان (بالشأم) وقد كان ابن زياد أميرًا بالبصرة ليزيد بن معاوية
فلما بلغه وفاته ورضي أهل البصرة بابن زياد أن يستمر أميرًا عليهم حتى يجتمع الناس على خليفة فمكث قليلاً ثم أخرج من البصرة وتوجه إلى الشأم وثب مروان بها على الخلافة (ووثب ابن الزبير) عبد الله على الخلافة أيضًا (بمكة) وسقطت الواو الأولى من ووثب لأبي ذر وإثباتها أوجه وإلا فيصير ظاهره أن وثوب ابن الزبير وقع بعد قيام ابن زياد ومروان بالشأم وليس كذلك، وإنما وقع في الكلام حذف يبينه ما عند الإسماعيلي من طريق يزيد بن زريع عن عوف قال حدّثنا أبو المنهال قال: لما كان زمن إخراج ابن زياد يعني من البصرة وثب مروان بالشأم ووثب ابن الزبير بمكة (ووثب) عليها أيضًا (القراء) وهم الخوارج (بالبصرة) وجواب قوله لما من قوله لما كان زياد. قوله وثب على رواية حذف الواو وأما على رواية إثباتها فقول أبي المنهال (فانطلقت مع أبي) سلامة الرياحي (إلى أبي برزة) بفتح الموحدة والزاي بينهما راء ساكنة نضلة بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة (الأسلمي) الصحابي (حتى دخلنا عليه في داره وهو) أي والحال أنه (جالس في ظل علية) بضم العين وكسرها وتشديد اللام مكسورة والتحتية غرفة (له من قصب) زاد الإسماعيلي من طريق يزيد بن زريع في يوم حارّ شديد الحر (فجلسنا إليه فأنشأ أبي يستطعمه الحديث) ولأبي ذر عن الكشميهني بالحديث أي يستفتح الحديث ويطلب منه التحديث (فقال: يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس) ولأبي ذر الناس فيه (فأوّل شيء سمعته تكلم به أني) بفتح الهمزة وفي اليونينية بكسرها (احتسبت عند الله) بفتح السين المهملة آخره فوقية بعد الموحدة الساكنة ولأبي ذر عن الكشميهني: إذ (أصبحت ساخطًا على أحياء قريش) أي على قبائلهم (إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة وإن الله أنقذكم) بالقاف والذال المعجمة من ذلك (بالإسلام وبمحمد ﷺ حتى بلغ بكم ما ترون) من العزة والكثرة والهداية (وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم إن ذاك الذي بالشأم) يعني مروان بن الحكم (والله إن) بكسر الهمزة وسكون النون (يقاتل إلا على الدنيا وإنّ) بتشديد النون (هؤلاء الذين بين أظهركم) وفي رواية يزيد بن زريع إن الذين حولكم يزعمون أنهم قراؤكم (والله إن يقاتلون إلا على الدنيا وإن ذاك الذي بمكة) يعني عبد الله بن الزبير (والله إن يقاتل إلا على الدنيا) وقوله وإن هؤلاء الخ ثابت في رواية أبي ذر ساقط لغيره.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الذين عابهم أبو برزة كانوا يظهرون أنهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدين ونصر الحق وكانوا في الباطن إنما يقاتلون لأجل الدنيا.
٧١١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ وَالْيَوْمَ يَجْهَرُونَ.
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) أبو الحسن العسقلاني الخراساني الأصل قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن واصل الأحدب) بن حبان الأسدي الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن حذيفة بن اليمان) واسم اليمان حسيل
стр. 4454
بضم الحاء وفتح السين المهملتين آخره لام
العبسي بالموحدة ﵁ أنه (قال: إن المنافقين اليوم شرّ منهم على عهد النبي ﷺ كانوا يومئذٍ يسرون) الكفر فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم (واليوم يجهرون) به فيخرجون على الأئمة ويوقعون الشر بين الفرق فيتعدى شرهم لغيرهم. وعند البزار من طريق عاصم عن أبي وائل قلت لحذيفة: النفاق اليوم شر أم على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: فضرب بيده على جبهته وقال: أوّه هو اليوم ظاهر إنهم كانوا يستخفون على عهد رسول الله ﷺ الحديث.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن جهرهم بالنفاق وشهر السلاح على الناس هو القول بخلاف ما بذلوه من الطاعة حين بايعوا أوّلاً من خرجوا عليه آخرًا قاله ابن بطال.
والحديث أخرجه النسائي في التفسير.
٧١١٤ - حَدَّثَنَا خَلاَّدٌ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ، عَنْ أَبِى الشَّعْثَاءِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الإِيمَانِ.
وبه قال: (حدّثنا خلاد) بفتح المعجمة وتشديد اللام (ابن يحيى) بن صفوان أبو محمد السلمي الكوفيّ قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين ابن كدام الكوفي (عن حبيب بن أبي ثابت) بالحاء المهملة المفتوحة واسم أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي (عن أبي الشعثاء) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة بعدها مثلثة فهمزة ممدودًا سليم بضم السين ابن أسود المحاربي (عن حذيفة) بن اليمان ﵁ أنه (قال: إنما كان النفاق) موجودًا (على عهد النبي ﷺ فأما اليوم) بالنصب (فإنما هو الكفر بعد الإيمان) وفي رواية: فإنما هو الكفر أو الإيمان. وحكى الحميديّ في جمعه أنهما روايتان. قال السفاقسي: كان المنافقون على عهده ﷺ آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم وأما من جاء بعدهم فإنه ولد في الإسلام وعلى فطرته فمن كفر منهم فهو مرتدّ اهـ.
ومراد حذيفة نفي اتفاق الحكم لا نفي الوقوع إذ وقوعه ممكن في كل عسر. وإنما اختلف الحكم لأن النبي ﷺ كان يتألفهم فيقبل ما أظهروه من الإسلام بخلاف الحكم بعده وقيل إن المراد أن التخلف عن بيعة الإمام جاهلية ولا جاهلية في الإسلام.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن المنافق في هذه الأزمان قال بكلمة الإسلام بعد أن ولد فيه، ثم أظهر الكفر فصار مرتدًّا فدخل في الترجمة من جهة قوليه المختلفين.
٢٢ - باب لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ الْقُبُورِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور) بضم التحتية وسكون الغين المعجمة وفتح الموحدة والطاء مهملة والغبطة تمني حال المغبوط مع بقائها له.
٧١١٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِى مَكَانَهُ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس بن مالك الأصبحي أبو عبد الله المدني إمام دار الهجرة -رحمه الله تعالى- (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الكوفي (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه) أي كنت ميتًا وذلك عند ظهور الفتن وخوف ذهاب الدين لغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي، أو لما يقع لبعضهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه. وعند مسلم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة: لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر وليس به الدين إلا البلاء الحديث. وعن ابن مسعود قال: سيأتي عليكم زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه وعليه قول الشاعر:
وهذا العيش ما لا خير فيه … ألا موت يباع فأشتريه
وسبب ذلك أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده، وذكر الرجل في الحديث للغالب وإلا فالمرأة يمكن أن تتمنى الموت لذلك أيضًا نسأل الله العافية.
٢٣ - باب تَغْيِيرِ الزَّمَانِ حَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ
(باب تغير الزمان) عن حاله الأول (حتى يعبدوا الأوثان) بإسقاط النون لغير جازم لغة. وفي الفرع حتى يعبد بالتحتية المفتوحة
стр. 4455
وضم الموحدة ونصب الدال إسقاط الواو وليست هذه في اليونينية ولأبي ذر تعبد بضم الفوقية وفتح الموحدة مبنيًّا للمفعول الأوثان رفع جمع وثن وهو معروف.
٧١١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِى الْخَلَصَةِ، وَذُو الْخَلَصَةَ طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِى كَانُوا يَعْبُدُونَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: قال سعيد بن المسيب أخبرني) بالإفراد (أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): ولأبوي ذر والوقت أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(لا تقوم الساعة حتى تضطرب) تتحرك (أليات) بفتح الهمزة واللام التحتية جمع إلية وهي العجيزة (نساء دوس) بفتح المهملة وسكون الواو بعدها سين مهملة قبيلة أبي هريرة المشهورة (على ذي الخلصة) قال ابن دحية: بضم الخاء المعجمة واللام في قول أهل اللغة والسير وبفتحهما قيدناه في الصحيحين، وكذا قال ابن هشام، وقيده أبو الوليد الوقشي بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام أي: لا تقوم الساعة حتى تتحرك أعجاز نساء دوس من الطواف حول ذي الخلصة أي يكفرن ويرجعن إلى عبادة الأصنام، وعند الحاكم عن ابن عمر: لا تقوم الساعة حتى تدافع مناكب نساء بني عامر على ذي الخلصة (وذو الخلصة) هي أو فيها (طاغية دوس) بالطاء المهملة والغين المعجمة أي إن ذا الخلصة هي طاغية دوس أي صنمها لكن سبق في أواخر المغازي أن ذا الخلصة موضع ببلاد دوس فيه صنم اسمه الخلصة وحينئذ فليس ذو الخلصة الطاغية نفسها وحينئذ فيقدر هنا فيها بعد قوله وذو الخلصة أي فيها طاغية دوس فهما اثنان أو واحد (التي كانوا يعبدون) من دون الله (في الجاهلية) قال ابن بطال: وهذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به إن الدين ينقطع كله في جميع الأرض حتى لا يبقى منه شيء لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة إلا أنه يضعف ويعود غريبًا كما بدأ.
والحديث من أفراده.
٧١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنى) بالإفراد (سليمان) بن بلال (عن ثور) بفتح المثلثة وسكون الواو بعدها راء ابن زيد الديلمي (عن أبي الغيث) بالغين المعجمة والمثلثة آخره سالم مولى عبد الله بن مطيع (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بعصا. وقحطان بفتح القاف والطاء المهملة بينهما حاء مهملة ساكنة. قال في التذكرة: ولعل هذا الرجل القحطانيّ هو الرجل الذي يقال له الجهجاه المذكور في الحديث الآخر عند مسلم، وأصل الجهجهة الصياح بالسبع يقال: جهجهت بالسبع أي زجرته بالصياح، وهذه الصفة توافق ذكر العصا، وتعقبه في الفتح بإن إطلاق كونه من قحطان ظاهره أنه من الأحرار وتقييده بأن الجهجاه من الموالي يردّ ذلك. وقوله: يسوق الناس بعصاه كناية عن انقيادهم إليه ولم يرد نفس العصا وإنما ضربها مثلاً لطاعتهم له واستيلائه عليهم إلا أن في ذكرها دليلاً على خشونته عليهم وعسفه بهم، وقد قيل: إنه يسوقهم بعصاه كما تساق الإبل والماشية وذلك لشدة عنفه وعدوانه. وسبق في باب ذكر قحطان من مناقب قريش ما رواه نعيم بن حماد في الفتن من طريق أرطأة بن
المنذر أحد التابعين من أهل الشأم أن القحطاني يخرج بعد المهدي ويسر على سيرة المهدي، وأخرج أيضًا من طريق عبد الرحمن بن قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده مرفوعًا: يكون بعد المهدي القحطاني والذي بعثني بالحق ما هو دونه. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الثاني مع كونه مرفوعًا ضعيف الإسناد والأول مع كونه موقوفًا أصلح إسنادًا منه، فإن ثبت ذلك فهو في زمن عيسى ابن مريم لأن عيسى إذا نزل يجد المهدي إمام المسلمين، وفي رواية أرطأة بن المنذر أن القحطاني يعيش في الملك عشرين سنة.
واستشكل ذلك بأنه كيف يكون في زمن عيسى يسوق الناس بعصاه والأمر إنما هو لعيسى؟ وأجيب: بجواز أن يقيمه عيسى
стр. 4456
نائبًا عنه في أمور مهمة عامة.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن سوق القحطاني الناس إنما هو في تغير الزمان وتبدّل أحوال الإسلام لأن هذا الرجل ليس من قريش الذين فيهم الخلافة فهو من فتن الزمان وتبدّل الأحكام.
والحديث سبق في مناقب قريش وأخرجه مسلم في الفتن.
٢٤ - باب خُرُوجِ النَّارِ
وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ».
(باب خروج النار) من أرض الحجاز.
(وقال أنس) ﵁: (قال النبي ﷺ : أول أشراط الساعة) بفتح الهمزة علامات قيامها وانتهاء الدنيا وانقضائها (نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب). وهذا سبق موصولاً في إسلام عبد الله بن سلام من طريق حميد في أواخر باب الهجرة.
٧١١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَخْبَرَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِئُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) بضم الشين المعجمة ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (قال سعيد بن المسيب) المخزومي أحد الأعلام الأثبات الفقهاء الكبار (أخبرني) بالإفراد (أبو هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز) أي تتفجر من أرض الحجاز (تضيء أعناق الإبل ببصرى) بضم الموحدة وفتح الراء مقصورًا ونصب أعناق مفعول تضيء على أنه متعدٍّ
والفاعل النار أي تجعل على أعناق الإبل ضوءًا، وبصرى مدينة معروفة بالشام وهي مدينة حوران بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل.
وفي كامل ابن عدي من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن ابن شهاب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رفعه: "لا تقوم الساعة حتى يسيل وادٍ من أودية الحجاز بالنار تضيء له أعناق الإبل ببصرى". قال في الفتح: وعمر ذكره ابن حبان في الثقات وليّنه ابن عدي والدارقطني، وهذا ينطبق على النار المذكورة التي ظهرت بالمدينة في المائة السابعة وتقدمتها كما قال القطب القسطلاني ﵀ في كتابه جمل الإيجاز في الإعجاز بنار الحجاز زلزلة اضطراب الناقلون في تحقيق اليوم الذي ابتدأت فيه، فالأكثرون أن ابتداءها كان يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة من سنة أربع وخمسين وستمائة، وقيل: ابتدأت ثالث الشهر وجمع بأن القائل بالأول قال: كانت خفيفة إلى ليلة الثلاثاء بيومها ثم ظهرت ظهورًا اشترك فيه الخاص والعام واشتدت حركتها، وعظمت رجفتها، وارتجت الأرض بمن عليها، وعجّت الأصوات لبارئها تتوسل أن ينظر إليها، ودامت حركة بعد حركة، حتى أيقن أهل المدينة بالهلكة، وزلزلوا زلزالاً شديدًا، فلما كان يوم الجمعة في نصف النّهار ثار في الجوّ دخان متراكم أمره متفاقم ثم شاع شعاع النار وعلا حتى غشى الأبصار.
وقال القرطبي في تذكرته: كان بدؤها زلزلة عظيمة ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت بقريظة عند قاع التنعيم بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط بها عليه شراريف كشراريف الحصون وأبراج ومآذن، ويرى رجال يقودونها لا تمر على جبل إلاّ دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك نهر أحمر ونهر أزرق له دويّ كدويّ الرعد يأخذ الصخور والجبال بين يديه وينتهي إلى محط المركب العراقي، فاجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم وانتهت النار إلى قرب المدينة، وكان يأتي المدينة ببركة النبي ﷺ نسيم بارد ويشاهد من هذه النار غليان كغليان البحر وانتهت إلى قرية من قرى اليمن فأحرقتها، وقال لي بعض أصحابنا: لقد رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام من المدينة وسمعت أنها رُئيَت من مكة ومن جبال بصرى.
وقال أبو شامة: وردت كتب من المدينة في بعضها أنه ظهر نار بالمدينة انفجرت من الأرض وسال منها وادٍ من نار حتى حاذى جبل أُحُد وفي آخر سأل منها وادٍ مقداره أربعة فراسخ وعرضه أربعة أميال يجري على وجه الأرض يخرج منها مهاد وجبال صغار، وقال في جمل الإيجاز: وحكى لي جمع ممن حضر: إن النفوس سكرت من حلول الرجل، وفنيت من ارتقاب نزول الأجل، وعجّ
стр. 4457
المجاورون في الجؤار بالاستغفار، وعزموا على الإقلاع عن الإصرار والتوبة عما اجترحوا من الأوزار، وفزعوا إلى الصدقة بالأموال، فصرفت عنهم النار ذات اليمين وذات الشمال وظهر حسن بركة نبينا ﷺ في أمته وُيمن طلعته في رفقته بعد فرقته، فقد ظهر أن النار
المذكورة في حديث الباب هي النار التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره ويبقى النظر هل هي من داخل التنفس أو من خارج كصاعقة نزلت والظاهر الأول، ولعل التنفس حصل من الأرض لما تزلزلت، وتزايلت عن مركزها الأول وتخلخلت.
وقد تضمن الحديث في ذكر النار ثلاثة أمور: خروجها من الحجاز، وسيلان وادٍ منه بالنار وقد وجدا، وأما الثالث وهو إضاءة أعناق الإبل ببصرى فقد جاء من أخبر به فإذا ثبت هذا فقد صحّت الإمارات وتمت العلامات وإن لم يثبت فيحمل إضاءة أعناق الإبل ببصرى على وجه المبالغة، وذلك في لغة العرب سائغ. وفي باب التشبيه في البلاغة بالغ وللعرب في التصرف في المجاز ما يقتضي للغتها بالسبق في الإعجاز، وعلى هذا يكون القصد بذلك التعظيم لشأنها والتفخيم لمكانها والتحذير من فورانها وغليانها، وقد وجد ذلك على وفق ما أخبر وقد جاء من أخبر أنه أبصرها من تيماء وبصرى على مثل ما هي من المدينة في البعد فتعين أنها المراد وارتفع الشك والعناد، وأما النار التي تحشر الناس فنار أخرى.
وحديث الباب من أفراده.
٧١١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِىُّ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَدِّهِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا».
قَالَ عُقْبَةُ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: «يَحْسِرُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن سعيد الكندي) بكسر الكاف وسكون النون أبو سعيد الأشج معروف بكنيته وصفته قال: (حدّثنا عقبة بن خالد) الكوفي الحافظ قال: (حدّثنا عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري (عن خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة وبعد التحتية الساكنة موحدة أخرى ابن خبيب بن يساف الأنصاري (عن جده حفص بن عاصم) أي ابن عمر بن الخطاب والضمير لعبيد الله بن عمر لا لشيخه (عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(يوشك) بكسر المعجمة يقرب (الفرات) النهر المشهور وتاؤه مجرورة على المشهور (أن يحسر) بفتح التحتية وسكون الحاء وكسر السين المهملتين آخره راء يكشف (عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا) بجزم فلا يأخذ على النهي، وإنما نهى عن الأخذ منه لما ينشأ عن الأخذ من الفتنة والقتال عليه. وفي مسلم يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقبل عليه الناس فيقتل من المائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم: لعليّ أكون أنا الذي أنجو والأصل أن يقول: أنا الذي أفوز به فعدل إلى قوله أنجو لأنه إذا نجا من القتل تفرّد بالمال وملكه.
والحديث أخرجه مسلم في الفتن وأبو داود في الملاحم والترمذي في صفة الجنة.
(قال عقبة) بن خالد اليشكري بالسند المذكور: (وحدّثنا عبيد الله) بضم العين العمري المذكور قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ مثله). مثل الحديث السابق (إلا أنه قال: يحسر) أي الفرات (عن جبل من ذهب) بدل قوله: عن كنز وأشار به أيضًا إلى أن لعبيد الله العمري فيه إسنادين.
٢٥ - باب
(باب) بالتنوين بلا ترجمة فهو كالفصل من سابقه.
٧١٢٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا مَعْبَدٌ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا فَسَيَأْتِى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَمْشِى الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا». قَالَ مُسَدَّدٌ: حَارِثَةُ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لأُمِّهِ قَالَهُ أَبُو عَبْدِ الله.
وبهِ قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج أنه قال: (حدّثنا معبد) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة ابن خالد القاص (قال: سمعت حارثة بن وهب) بالحاء المهملة والمثلثة الخزاعي ﵁ (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(تصدّقوا فسيأتي على الناس زمان يمشي بصدقته) وللكشميهني يمشي الرجل بصدقته (فلا يجد من يقبلها) زاد في باب الصدقة قبل الرد من الزكاة يقول الرجل لو جئت بها بالأمس لقبلتها فأما اليوم فلا حاجة لي بها، وهذا إنما يكون في الوقت الذي يستغني الناس فيه عن
стр. 4458
المال لاشتغالهم بأنفسهم عند الفتنة، وهذا في زمن الدجال؛ أو يكون ذلك لفرط الأمن والعدل البالغ بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما عند غيره وهذا يكون في زمن المهدي وعيسى، أما عند خروج النار التي تسوقهم إلى المحشر فلا يلتفت أحد إلى شيء بل يقصد نجاة نفسه ومن استطاع من أهله وولده، ويحتمل أن يكون يمشي بصدقته الخ. وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز فلا يكون من أشراط الساعة.
وفي تاريخ يعقوب بن سفيان من طريق ﷺ بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بسند جيد قال: لا والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء فما نبرح حتى يرجع بماله فيتذكر من يضعه فيهم فلا يجده فيرجع به قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس وسبب ذلك بسط عمر بن عبد العزيز العدل وإيصال الحقوق كلها إلى أهلها حتى استغنوا.
(قال) ولأبي ذر وقال (مسدد) المذكور (حارثة) بن وهب (أخو عبيد الله) بضم العين (ابن
عمر لأمه) ﵁ هي أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب بن ربيعة بن أصرم الخزاعية ذكرها ابن سعد قال: وكان الإسلام فرّق بينها وبين عمر (قاله) أي قول مسدد هذا (أبو عبد الله) البخاري نفسه وهذا أي قوله قاله أبو عبد الله ثابت في رواية أبي ذر عن المستملي.
٧١٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهْوَ الْقَتْلُ وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ، فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِى يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لَا أَرَبَ لِى بِهِ، وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِى الْبُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِى مَكَانَهُ وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْرًا، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِى فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن عبد الرحمن) بن هرمز الأعرج (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان) تقدم أن المراد بهما عليّ ومن معه، ومعاوية ومن معه (تكون بينهما مقتلة عظيمة) ذكر ابن أبي خيثمة أن الذي قتل من الفريقين سبعون ألفًا وقيل أكثر (دعوتهما واحدة) كل واحدة منهما تدعو إلى الإسلام وتتأوّل كل فرقة أنها محقة ويؤخذ منه الرد على الخوارج ومن معهم في تكفيرهم كلاًّ من الطائفتين، وفي رواية دعواهما واحدة أي دينهما واحد، فالكل مسلمون بدعوة الإسلام عند الحرب وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، وكان سبب تقاتل الطائفتين ما أخرجه يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الزهري قال: لما بلغ معاوية غلبة عليّ على أهل الجمل دعا إلى الطلب بدم عثمان ﵁ فأجابه أهل الشأم فسار إليه علي ﵁ فالتقيا بصفين. وذكر يحيى بن سليمان الجعفي أحد شيوخ البخاري في كتاب صفين من تأليفه بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية: أأنت تنازع عليًّا في الخلافة أو أنت مثله؟ قال: لا وإني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان ﵁ قتل مظلومًا وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه فأْتوا عليًّا فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان فأتوه فكلموه فقال: يدخل في البيعة ويحاكمهم إليّ فامتنع معاوية ﵁ فسار عليّ
والجيوش من العراق حتى نزلوا صفين، وصار معاوية حتى نزل هناك، وذلك في ذي الحجة سنة ست وثلاثين فتراسلوا فلم يتم لهم أمر، فوقع القتال إلى أن قتل من الفريقين من قتل، وعند ابن سعد أنهم اقتتلوا في غرة صفر فلما كاد أهل الشأم أن يغلبوا رفعوا المصاحف بمشورة عمرو بن العاص ودعوا إلى ما فيها فآل الأمر إلى الحكمين فجرى ما جرى من اختلافهما واستبداد معاوية بملك الشام واشتغال عليّ بالخوارج.
(و) لا تقوم الساعة (حتى يبعث) يظهر (دجالون) بفتح الدال المهملة والجيم المشددة جمع دجال يقال دجل فلان الحق بباطله أي غطاه، ومنه أخذ الدجال ودجله سحره وقيل سمي الدجال دجالاً لتمويهه على الناس وتلبيسه يقال دجل إذا موّه ولبس والدجال يطلق في اللغة على أوجه كثيرة منها الكذب كما قال هنا دجالون (كذابون) ولا يجمع ما كان على فعال جمع تكسير عند جماهير النحاة لئلا يذهب بناء المبالغة منه فلا يقال إلا دجالون
стр. 4459
كما قال ﵊ وإن كان قد جاء مكسرًا فهو شاذ كما قال مالك بن أنس ﵀ في محمد بن إسحاق إنما هو دجال من الدجاجلة. قال عبد الله بن إدريس الأودي: وما علمت أن دجالاً يجمع على دجاجلة حتى سمعتها من مالك بن أنس ﵁ وهؤلاء الكذابون عددهم (قريب من ثلاثين). وفي حديث حذيفة ﵁ عند أبي نعيم وقال حديث غريب تفرّد به معاوية بن هشام: يكون في أمتي دجالون كذّابون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة، وأخرجه أحمد بسند جيد. وفي حديث ثوبان عند أبي داود والترمذي وصححه ابن حبان وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون (كلهم يزعم أنه رسول الله) زاد ثوبان: وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ولأحمد وأبي يعلى عن ابن عمر وثلاثون كذابون أو أكثر، وعنه عند الطبراني: لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذّابًا وسندهما ضعيف وعلى تقدير الثبوت فيحمل على المبالغة في الكثرة لا التحديد، وأما رواية الثلاثين بالنسبة لرواية سبع وعشرين فعلى طريق جبر الكسر وقد ظهر ما في هذا الحديث فلو عدّ من ادّعى النبوة من زمنه ﷺ ممن اشتهر بذلك واتبعه جماعة على ضلاله لوجد هذا العدد ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ وجد ذلك والفرق بين هؤلاء وبين الدجال الأكبر أنهم يدّعون النبوّة وذلك يدّعي الإلهية مع اشتراك الكل في التمويه وادّعاء الباطل العظيم.
(و) لا تقوم الساعة (حتى يقبض العلم) بقبض العلماء وقد وقع ذلك فلم يبق إلا رسمه (وتكثر الزلازل) وقد أكثر ذلك في البلاد الشمالية والشرقية والغربية حتى قيل إنها استمرت في بلدة من بلاد الروم التي للمسلمين ثلاثة عشر شهرًا، وفي حديث سلمة بن نفيل عند أحمد وبين يدي الساعة سنوات الزلازل (ويتقارب الزمان) عند زمان المهدي لوقوع الأمن في الأرض فيستلذ العيش عند ذلك لانبساطه عدله فتستقصر مدته لأنهم يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت ويستطيلون مدة أيام الشدّة وإن قصرت، أو المراد يتقارب أهل الزمان في الجهل فيكونون كلهم جهلاء، أو المراد الحقيقة بأن يعتدل الليل والنهار دائمًا بأن تنطبق منطقة البروج على معدّل النهار (وتظهر الفتن) أي تكثر وتشتهر فلا تكتم (ويكثر الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم
(وهو القتل) في رواية ابن أبي شيبة قالوا: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: "القتل" وهو صريح في أن تفسير الهرج مرفوع، ولا يعارضه كونه جاء موقوفًا في غير هذه الرواية ولا كونه بلسان الحبشة (وحتى يكثر فيكم المال فيفيض) بالنصب عطفًا على سابقه أي يكثر حتى يسيل (حتى يهم) بضم التحتية وكسر الهاء وتشديد الميم يحزن (رب المال) مالكه (من) أي الذي (يقبل صدقته) فرب مفعول يهم والموصول مع صلته فاعله (وحتى يعرضه) قال الطيبي: معطوف على مقدر المعنى حتى يهم طلب من يقبل الصدقة صاحب المال في طلبه حتى يجده وحتى يعرضه (فيقول) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يعرضه عليه فيقول (الذي يعرضه عليه لا أرب) أي لا حاجة (لي به).
قال القرطبي في تذكرته: هذا مما لم يقع بل يكون فيما يأتي، وقال في الفتح: التقييد بقوله فيكم يُشعِر بأنه في زمن الصحابة فهو إشارة إلى ما فتح لهم من الفتوح؛ واقتسامهم أموال الفرس والروم، وقوله فيفيض إلخ إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز أن الرجل كان لا يجد من يقبل صدقته كما مرّ، وقوله حتى يعرضه إلغ إشارة إلى ما سيقع زمن عيسى فيكون فيه إشارة إلى ثلاثة أحوال:
الأولى: كثرة المال فقط في زمن الصحابة.
الثانية: فيضه بحيث يكثر فيحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره ووقع ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز.
الثالثة: كثرته وحصول الاستغناء عنه حتى يهم صاحب المال لكونه لا يجد من يقبل صدقته ويزداد بأنه يعرضه على غيره ولو كان يستحق الصدقة فيأبى أخذه، وهذا في زمن عيسى ﵇، ويحتمل أن يكون هذا الأخير عند خروج النار واشتغال الناس
стр. 4460
بالحشر.
(وحتى يتطاول الناس في البنيان) بأن يريد كلٌّ ممن يبني أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر أو المراد المباهاة به في الزينة والزخرفة أو أعم من ذلك وقد وجد الكثير من ذلك وهو في ازدياد (وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه) لما يرى من عظيم البلاء ورياسة الجهلاء وخمول العلماء واستيلاء الباطل في الأحكام وعموم الظلم واستحلال الحرام والتحكم بغير حق في الأموال والأعراض والأبدان ما في هذه الأزمان فقد علا الباطل على الحق وتغلب العبيد على الأحرار من سادات الخلق فباعوا الأحكام ورضي بذلك منهم الحكام، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ولا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه.
(و) لا تقوم الساعة (حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا) وفي هذه الآية بحوث حسنة تتعلق بعلم العربية وعليها تنبني مسائل من أصول الدين، وذلك أن المعتزلي يقول مجرد الإيمان الصحيح لا يكفي بل لا بدّ من انضمام عمل يقترن به ويصدقه، واستدلّ بظاهر هذه
الآية كما قال في الكشاف لم تكن آمنت من قبل صفة لقوله نفسًا، وقوله: أو كسبت في إيمانها خيرًا عطف على آمنت، والمعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات ملجئة مضطرة ذهب أو أن التكليف عندها فلم ينفع الإيمان حينئذ نفسًا غير مقدمة إيمانها قبل ظهور الآيات أو مقدمة إيمانها غير كاسبة خيرًا في إيمانها فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيرًا ليعلم أن قوله: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [البقرة: ٢٥] جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى حتى يفوز صاحبهما وسعد وإلاّ فالشقوة والهلاك اهـ.
وقد أجيب عن هذا الظاهر بأن المعنى بالآية الكريمة أنه إذا أتى بعض الآيات لا ينفع نفسًا كافرة إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك ولا ينفع نفسًا سبق إيمانها وما كسبت فيه خيرًا فقد علّق نفي الإيمان بأحد وصفين إما نفي سبق الإيمان فقط، وإما سبقه مع نفي كسب الخير ومفهومه أنه ينفع الإيمان السابق وحده أو السابق ومعه الخير ومفهوم الصفة قوي فيستدل بالآية لمذهب أهل السُّنّة فقد قلبوا دليلهم عليهم. وقال ابن المنير ناصر الدين: هو يروم الاستدلال على أن الكافر والعاصي في الخلود سواء حيث سوى في الآية بينهما في عدم الانتفاع بما يستدر كأنه بعد ظهور الآيات ولا يتم ذلك فإن هذا الكلام في البلاغة يلقب باللف وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد ولا نفسًا لم تكسب خيرًا قبل ما تكسبه من الخير بعد فلف الكلامين فجعلهما كلامًا واحدًا إيجازًا وبلاغة ويظهر بذلك أنها لا تخالف مذهب الحق فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدم من الخلود فهي بالرد على مذهبه أولى من أن تدل له. وعند ابن مردويه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام ثم يقوم فبينما هم كذلك هاج الناس بعضهم في بعض فقالوا: ما هذا فيفزعون إلى المساجد فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها فيضج الناس ضجة واحدة حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها قال حينئذ لا ينفع نفسًا إيمانها. قال ابن كثير: هذا حديث غريب من هذا الوجه وليس هو في شيء من الكتب الستة.
(ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما) بغير تحتية بعد الموحدة في ثوبهما ليتبايعاه (فلا يتبايعانه ولا يطويانه). وعند الحاكم من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس فما تزال ترتفع حتى تملأ السماء ثم ينادي مُنادٍ
стр. 4461
يا أيها الناس ثلاثًا يقول في الثالثة أتى أمر الله قال والذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب بينهما فما يطويانه". الحديث.
(ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته) بكسر اللام وسكون القاف بعدها حاء
مهملة واللقحة اللبون من النوق (فلا يطعمه) أي فلا يشربه (ولتقومن الساعة وهو يليط) بضم التحتية وكسر اللام بعدها تحتية ساكنة فطاء مهملة أي يصلح بالطين (حوضه) فيسد شقوقه ليملأه ويسقي منه دوابه (فلا يسقي منه) أي تقوم الساعة قبل أن يسقي فيه (ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته) بضم الهمزة لقمته (إلى فيه) إلى فمه (فلا يطعمها) أي تقوم الساعة قبل أن يضع لقمته في فيه أو قبل أن يمضغها أو يبتلعها. وعند البيهقي عن أبي هريرة رفعه: تقوم الساعة على رجل أكلته في فيه يلوكها فلا يسيغها ولا يلفظها.
وهذا كله إشارة إلى أن الساعة تقوم بغتة وأسرعها رفع اللقمة إلى الفم.
والحديث من أفراده.
٢٦ - باب ذِكْرِ الدَّجَّالِ
(باب ذكر الدجال) بتشديد الجيم فعال من أبنية المبالغة أي يكثر منه الكذب والتلبيس وهو الذي يظهر في آخر الزمان يدّعي الإلهية ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مخلوقاته كإحياء الميت الذي يقتله وإمطار السماء وإنبات الأرض بأمره ثم يعجزه الله بعد ذلك فلا يقدر على شيء، ثم يقتله عيسى ﵇ وفتنته عظيمة جدًّا تدهش العقول وتحير الألباب.
٧١٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى قَيْسٌ قَالَ: قَالَ لِى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِىَّ ﷺ عَنِ الدَّجَّالِ مَا سَأَلْتُهُ وَإِنَّهُ قَالَ لِى: «مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ» قُلْتُ: لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ مَاءٍ قَالَ: «هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي خالد قال: (حدّثني) بالإفراد (قيس) هو ابن أبي حازم (قال: قال لي المغيرة بن شعبة) ﵁ (ما سأل أحد النبي ﷺ عن الدجال ما سألته) ولأبي ذر أكثر ما سألته (وإنه) ﷺ (قال لي):
(ما يضرك منه)؟ أي من الدجال (قلت) يا رسول الله الخشية منه (لأنهم) ولأبي ذر عن الحموي أنهم (يقولون: إن معه جبل خبز) بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة بعدها زاي أي معه من الخبز قدر الجبل، وعند مسلم من رواية هشيم جبال خبز ولحم (ونهر ماء) بفتح النون والهاء وتسكن (قال) ﷺ : (هو أهون على الله) من أن يجعل شيئًا (من ذلك) آية على صدقه لا سيما وقد جعل الله فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره يقرؤها من قرأ ومن لم يقرأ زيادة على شواهد كذبه من حدثه ونقصه بالعور، وليس المراد ظاهره وأنه لا يجعل على يديه شيئًا من ذلك بل هو على التأويل المذكور.
والحديث أخرجه مسلم وابن ماجة في الفتن.
٧١٢٣ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «يَجِئُ الدَّجَّالُ حَتَّى يَنْزِلَ فِى نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ».
وبه قال: (حدّثنا سعد بن حفص) بسكون العين الطلحي مولاهم أبو محمد الكوفي وزيادة التحتية بعد العين تحريف قال: (حدّثنا شيبان) بالشين المعجمة المفتوحة بعدها تحتية ساكنة فموحدة فألف فنون ابن عبد الرحمن النحوي المؤدب التميمي مولاهم البصري أبو معاوية (عن يحيى) بن أبي كثير (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن) عمه (أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(يجيء الدجال) من أرض بالمشرق يقال لها خراسان (حتى ينزل في ناحية المدينة) ولابن ماجة نزل عند الطريق الأحمر عند منقطع السبخة (ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات) بفتح الجيم (فيخرج إليه كل كافر ومنافق). قيل: والمراد بالكافر غلاة الروافض لأنهم كفرة. والحديث من أفراده.
٧١٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَلَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين (عن أبيه) سعد (عن جده) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن أبي بكرة) نفيع ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال) المسيح بالحاء المهملة لا بالمعجمة وقال صاحب القاموس إنه اجتمع له من الأقوال في سبب تسمية المسيح خمسون قولاً (ولها) أي المدينة (يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان) زاد الحاكم من رواية الزهري عن طلحة بن عبيد الله بن عوف عن عياض بن مسافع عن أبي بكرة يذبّان عنه رعب المسيح.
وهذا الحديث ثابت هنا
стр. 4462
في رواية أبي الوقت وأبي ذر عن المستملي وحده ساقط لغيرهما.
٧١٢٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أُرَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر) ﵄ قال
البخاري (أراه) بضم الهمزة أظنه (عن النبي ﷺ ¬) وسقط قوله أراه الخ للمستملي وأبي زيد المروزي وأبي أحمد الجرجاني فيصير موقوفًا لكنه في الأصل مرفوع كما في مسلم (قال):
إن الدجال (أعور عين اليمنى) من إضافة الموصوف إلى الصفة على رأي الكوفيين أو مؤوّل على الحذف أي أعور عين الجهة اليمنى (كأنها عنبة طافية) بلا همز ناتئة ولم يذكر الموصوف بذلك ومثله عند الإسماعيلي لكنه قال في آخره يعني الدجال.
وهذا الحديث ساقط هنا من رواية الحموي.
٧١٢٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ». وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ فَقَالَ لِى أَبُو بَكْرَةَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ بِهَذَا.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن بشر) بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة العبدي قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين آخره راء ابن كدام الكوفي قال: (حدّثنا سعد بن إبراهيم) بسكون العين (عن أبيه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي بكرة) نفيع ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يدخل المدينة رعب المسيح) الدجال (لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب) ولأبي ذر عن الكشميهني لكل باب (ملكان) يحرسونها منه.
وهذا الحديث ثبت للمستملي وحده.
(وقال ابن إسحاق) محمد صاحب المغازي مما وصله الطبراني في الأوسط من رواية محمد بن سلمة الحراني عنه (عن صالح بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبيه قال: قدمت البصرة فقال لي أبو بكرة) نفيع (سمعت النبي ﷺ بهذا) أي أصل الحديث السابق وتمامه كما في الطبراني بعد قوله فلقيت أبا بكرة فقال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل قرية يدخلها فزع الدجال إلا المدينة يأتيها ليدخلها فيجد على بابها ملكًا مصلتًا بالسيف فيردّ عنها". قال الطبراني: لم يروه عن أبي صالح إلا ابن إسحاق، وأراد المؤلّف بذكر هذا هنا ثبوت لقاء إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف لأبي بكرة لأن إبراهيم مدني وقد تستنكر روايته عن أبي بكرة لأنه نزل البصرة من عهد عمر إلى أن مات.
وهذا التعليق ثابت في رواية المستملي والكشميهني.
٧١٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى النَّاسِ فَأَثْنَى
عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: «إِنِّى لأُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِىٍّ إِلاَّ وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّى سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِىٌّ لِقَوْمِهِ إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم) بن سعد (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سالم عن عبد الله أن) أباه (عبد الله بن عمر ﵄ قال: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال):
(إني لأنذركموه) بضم الهمزة وكسر المعجمة (وما من نبي إلا وقد أنذره قومه) تحذيرًا لهم من فتنته. وفي حديث أبي عبيدة بن الجراح عند أبي داود وحسّنه الترمذي: لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر قومه الدجال. وعند أحمد من وجه آخر عن ابن عمر لقد أنذره نوح أمته والنبيون من بعده وإنما أنذر نوح وغيره أمته به وإن كان إنما يخرج بعد وقائع وأن عيسى يقتله لأنهم أنذروا به إنذارًا غير معين بوقت خروجه فحذروا قومهم فتنته، ويدل له قول نبينا ﷺ في بعض طرق الحديث: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه فقد حملوه على أنه كان قبل أن يعلم وقت خروجه وعلاماته فكان ﷺ يجوّز أن يكون خروجه في حياته ﷺ ، ثم أعلمه الله بعد ذلك فأخبر به أمته وخصّ نوحًا بالذكر لأنه مقدم المشاهير من الأنبياء كما خصّ بالتقديم في قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا﴾ [الشورى: ١٣] (ولكني) وللكشميهني ولكن (سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه) والسر في تخصيصه ﵊ بذلك لأن الدجال إنما يخرج في أمته دون غيرها من الأمم (إنه أعور وإن الله ليس بأعور) يحتمل أن أحدًا من الأنبياء غير نبينا ﷺ لم يخبر بأنه أعور أو أخبر ولم يقدر له أن يخبر به كرامة لنبينا ﷺ حتى يكون
стр. 4463
هو الذي يبين بهذا الوصف دحوض حجته الداحضة ويبصر بأمره جهال العوام فضلاً عن ذوي الألباب والأفهام.
٧١٢٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يَنْطُفُ أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ ذَهَبْتُ، أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ جَعْدُ الرَّأْسِ، أَعْوَرُ الْعَيْنِ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قَالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري ونسبه لجده قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام الفقيه الفهمي أبو الحارث المصري (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتية وكسر اللام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سالم عن أبيه عن عبد الله بن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال):
(بينا) بغير ميم (أنا نائم أطوف) زاد في التعبير رأيتني أطوف (بالكعبة فإذا رجل آدم) بمدّ الهمزة أسمر (سبط الشعر) بفتح المهملة وسكون الموحدة وتكسر مسترسله غير جعد (ينطف) بضم الطاء المهملة في الفرع بكسرها يقطر (أو) قال (يهراق) بفتح الهاء بعد ضم التحتية والشك من الراوي (رأسه ماء) وفي رواية مالك له لمة قد رجلها فهي تقطر ماء واللمة بكسر اللام شعر الرأس وكأنه يقطر من الذي سرحه به أو أن المراد الاستعارة وكني بذلك عن مزيد النظافة والنضارة (قلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم) عيسى ﵉ (ثم ذهبت ألتفت فإذا رجل جسيم أحمر) اللون (جعد) شعر (الرأس) بفتح الجيم وسكون العين المهملة (أعور العين كأن عينه عنبة طافية) بارزة وهي غير الممسوحة وهي بغير همز على الراجح ولبعضهم بالهمز أي ذهب ضوءها. قال القاضي عياض: رويناه عن الأكثر بغير همز وهو الذي صححه الجمهور وجزم به الأخفش، ومعناه أنها ناتئة نتوء حبة العنب من بين أخواتها وضبطه بعضهم بالهمزة وأنكره بعضهم، ولا وجه لإنكاره فقد جاء في آخر أنه ممسوح العين مطموسة وليست حجراء ولا ناتئة رواه أبو داود وهذه صفة حبة العنب إذا سال ماؤها.
وقال في الفتح: والصواب أنه بغير همز لأنه قيده في رواية الباب بأنها اليمنى وصرح في حديث ابن مغفل وسمرة بأن اليسرى ممسوحة والطافية البارزة. قال: والعجب ممن يجوّز الهمز وعدمه مع تضادّ المعنى في حديث واحد فلو كان ذلك في حديثين لسهل الأمر وزاد في رواية حنظلة اليمنى وكذا في رواية شعيب عند المؤلّف في التعبير وفي مسلم عن حذيفة: أعور عين اليسرى، ومقتضاه أن كلاًّ من عينيه عوراء. وفي حديث حذيفة أيضًا مطموس العين عليها ظفرة غليظة. وفي حديث سعيد عند أحمد والطبراني أعور عينه اليسرى بعينه اليمنى ظفرة غليظة والظفرة تغشى العين إذا لم تقطع عميت العين. وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الطبراني ممسوح العين، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد وعينه اليمنى عوراء جاحظة كأنها نخاعة في أصل حائط مجصص وعينه اليسرى كأنها كوكب دريّ فوصف عينيه معًا، والمراد بوصفها بالكوكب شدة اتقادها وعند أحمد والطبراني من حديث أبيّ بن كعب إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء وهو يوافق وصفها بالكوكب، وظاهر هذه الروايات التضاد لكن وصف اليمنى بالعور أرجح لاتفاق الشيخين عليه من حديث ابن عمر، ويحتمل أن يكون كل من عينيه عوراء فإحداهما بما أصابها من الظفرة الغليظة المذهبة للإدراك والأخرى من أصل الخلقة فيكون الدجال أعمى أو قريبًا منه لكن وصف إحداهما بالكوكب الدري يرد هذا الاحتمال، فالأقرب أن الذي ذهب ضوءها هي المطموسة الممسوحة والأخرى معيبة بارزة معها بقاء ضوء فلا تنافي لأن كثيرًا ممن يحدث له النتوء يبقى معه الإدراك فيكون الدجال من هذا القبيل. وعند الطبراني من حديث عبد الله بن مغفل أنه أدم فيجمع بينه وبين وصفه هنا بأنه أحمر بأن أدمته صافية ولا ينافي أن يوصف مع ذلك بالحمرة لأن كثيرًا من الأدم قد تحمر وجنته.
(قالوا: هذا الدجال) قال في الفتح: لم أقف على اسم القائل معينًا (أقرب الناس به شبهًا)
بفتح المعجمة والموحدة (ابن قطن) بفتح القاف والطاء المهملة بعدها نون اسمه عبد العزى بن قطن بن عمرو بن جندب بن سعيد بن عائذ
стр. 4464
بن مالك بن المصطلق واسم أمه هالة بنت خويلد قاله الدمياطي والمحفوظ أنه هلك في الجاهلية كما قاله الزهري (رجل من خزاعة).
والحديث سبق في التعبير.
٧١٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ فِى صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى بن عمر بن أويس الأويسي المدني قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين القرشي (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (أن عائشة) ﵂ (قالت: سمعت رسول الله ﷺ يستعيذ) بالله تعالى (في صلاته من فتنة الدجال) تعليمًا لأمته إذ لا فتنة أعظم من فتنته.
والحديث سبق في الصلاة.
٧١٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِى أَبِى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِىٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِى الدَّجَّالِ: «إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ وَمَاؤُهُ نَارٌ» قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة العتكي مولاهم المروزي قال: (أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان (عن شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك) بن عمير الكوفي (عن ربعي) بكسر الراء وسكون الموحدة ابن حراش بكسر الحاء المهملة آخره شين معجمة (عن حذيفة) بن اليمان ﵁ (عن النبي- ﷺ ¬) أنه (قال في) شأن (الدجال):
(إن معه ماءً ونارًا فناره) التي يراها الرائي نارًا (ماء بارد) في نفس الأمر (وماؤه) الذي يراه ماء (نار) في نفس الأمر فذلك راجع إلى اختلاف المرئي بالنسبة إلى الرائي، فيحتمل أن يكون الدجال ساحرًا فيخيل الشيء بصورة عكسه.
قال في الكواكب، فإن قلت: النار كيف تكون ماء وهما حقيقتان مختلفتان؟ وأجاب: بأن المعنى ما صورته نعمة ورحمة فهو في الحقيقة لمن مال إليه نقمة وبالعكس، وفي رواية أبي مالك الأشجعي عن ربعي عند مسلم فإما أدركن أحدًا فليأت النهر الذي يراه نارًا وليغمض ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد، وفي رواية شعيب بن صفوان عن عبد الملك عن ربعي عن عقبة بن عمرو أبي مسعود الأنصاري عند مسلم فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا فإنه ماء عذب طيب، وفي مسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ وأنه يجيء معه مثل الجنة
والنار فالتي يقول إنها جنة هي النار وهذا من فتنته التي امتحن الله بها عباده فيحق الحق ويبطل الباطل ثم يفضحه ويظهر للناس عجزه.
(قال ابن مسعود) عبد الله: (أنا سمعته من رسول الله ﷺ ¬) كذا في الفرع ابن بالنون بعد الموحدة مصلحة على كشط والذي في اليونينية وغيرها أبو مسعود بواو بدل النون وهو عقبة بن عمرو البدري الأنصاري وهذا هو الصواب، فقد رواه مسلم عن ربعي عن عقبة بن عمرو أبي مسعود الأنصاري قال: انطلقت معه إلى حذيفة فقال له عقبة: حدّثني ما سمعت من رسول الله ﷺ في الدجال الحديث وفي آخره قال عقبة: وأنا قد سمعته من رسول الله ﷺ صديقًا لحذيفة، وعنده أيضًا عن ربعي قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود فقال حذيفة: لأنا بمانع الدجال أعلم منه الحديث ثم قال في آخره قال أبو مسعود: هكذا سمعت النبي ﷺ يقول.
٧١٣١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَا بُعِثَ نَبِىٌّ إِلاَّ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ». فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(ما بعث نبي) بضم الموحدة مبنيًّا للمفعول (إلاّ أنذر أمته الأعور الكذاب ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف تنبيه (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور) إنما اقتصر على وصف الدجال بالعور مع أن أدلة الحدوث كثيرة ظاهرة لأن العور أثر محسوس يدركه كل أحد فدعواه الربوبية مع نقص خلقته علم كذبه لأن الإله يتعالى عن النقص (وإن بين عينيه مكتوب كافر) برفع مكتوب فاسم إن محذوف وهو ضمير نصب أما ضمير الشأن أو عائد على الدجال وبين عينيه مكتوب جملة هي الخبر وكافر خبر مبتدأ محذوف أي بين عينيه شيء مكتوب وذلك الشيء هو كلمة كافر، ولأبي ذر والأصيلي مكتوبًا بالنصب. قال في المصابيح: فالظاهر جعله اسم إن وكافر على ما سبق ولا يحتاج مع هذا إلى أن يرتكب حذف اسم إن مع كونه ضميرًا فإنه ضعيف أو قليل اهـ.
وقوله في الفتح: وإما حال. قال العيني ليس صحيحًا بل قوله
стр. 4465
كافرًا عمل فيه مكتوبًا، وزاد أبو أمامة عند ابن ماجة يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب وهذا إخبار بالحقيقة لأن الإدراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء فهذا يراه المؤمن بعين بصره ولو كان لا يعرف الكتابة ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة.
(فيه) أي في الباب (أبو هريرة وابن عباس) أي يدخل فيه حديثهما (عن النبي ﷺ ¬). فأما حديث أبي هريرة فسبق في ترجمة نوح في أحاديث الأنبياء، وأما حديث ابن عباس ففي صفة موسى، وقد وصف ﷺ الدجال وصفًا لم يبق معه لذي لب إشكال، وتلك الأوصاف كلها ذميمة
تبين لكل ذي حاسة سليمة كذبه فيما يدعيه وإن الإيمان به حق وهو مذهب أهل السُّنَّة خلافًا لمن أنكر ذلك من الخوارج وبعض المعتزلة ووافقنا على إثباته بعض الجهمية وغيرهم، لكن زعموا أن ما عنده مخاريق وحيل لأنها لو كانت أمورًا صحيحة لكان ذلك إلباسًا للكاذب بالصادق، وحينئذٍ لا يكون فرق بين النبي والمتنبي، وهذا هذيان لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه فإن هذا إنما كان يلزم لو أن الدجال يدّعي النبوّة وليس كذلك فإنه إنما يدّعي الإلهية، ولهذا قال ﵊: "إن الله ليس بأعور" تنبيهًا للعقول على حدوثه ونقصه، وأما الفرق بين النبي والمتنبي فلأنه يلزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب وهو محال، وقوله إن الذي يأتي به الدجال حيل ومخاريق فقول معزول عن الحقائق لأن ما أخبر به النبي ﷺ من تلك الأمور حقائق والعقل لا يحيل شيئًا منها فوجب إبقاؤها على حقائقها اهـ. ملخصًا من التذكرة.
٢٧ - باب لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ الْمَدِينَةَ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يدخل الدجال المدينة) النبوية.
٧١٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلاً عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ أَنَّهُ قَالَ: «يَأْتِى الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ، فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِى تَلِى الْمَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ وَهْوَ خَيْرُ النَّاسِ -أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ- فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِى حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِى الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّى الْيَوْمَ فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ».
[الحديث ٧١٣٢ - طرفه في: ٧٤٠٨].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا سعيد) سعد بن مالك الخدري ﵁ (قال: حدّثنا رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ يومًا حديثًا طويلاً عن الدجال فكان فيما يحدّثنا به أنه قال):
(يأتي الدجال) إلى ظاهر المدينة (وهو محرّم عليه أن يدخل نقاب المدينة) بكسر النون جمع نقب بفتحها وسكون القاف مثل حبل وحبال وكلب وكلاب طريق بين الجبلين أو بقعة بعينها (فينزل) بالفاء ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ينزل (بعض السباخ) بكسر السين المهملة وتخفيف الموحدة وبعد الألف خاء معجمة جمع سبخة أرض لا تنبت شيئًا لملوحتها خارج المدينة من غير جهة الحرة وهي (التي تلي المدينة) من قبل الشام (فيخرج إليه) من المدينة (يومئذٍ رجل هو خير الناس أو من خير الناس) قيل هو الخضر (فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدّثنا رسول الله ﷺ حديثه) وفي
رواية عطية عن أبي سعيد عند أبي يعلى والبزار فيقول أنت الدجال الكهان الذي أنذرناه رسول الله ﷺ وزاد فيقول له الدجال لتطيعني فيما آمرك به أو لأشقّنّك شقتين فينادي يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب (فيقول الدجال) أي لأوليائه كما في رواية عطية: (أرأيتم إن قتلت هذا) الرجل أي الذي خرج إليه (ثم أحييته هل تشكون في الأمر)؟ أي الذي يدّعيه من الإلهية (فيقولون) أي أولياؤه من أتباعه: (لا فيقتله ثم يحييه). وفي حديث عطية فيأمر به فتمد رجلاه ثم يأمر بحديدة فتوضع على عجب ذنبه ثم يشقه شقتين ثم قال الدجال لأوليائه: أرأيتم إن أحييت لكم هذا ألستم تعلمون أني ربكم؟ فيقولون: نعم فأخذ عصاه فضرب إحدى شقتيه فاستوى قائمًا فلما رأى ذلك أولياؤه صدّقوه وأيقنوا بذلك أنه ربهم وعطية ضعيف. وفي حديث عبد الله بن معتمر بسند ضعيف جدًّا ثم يدعو برجل فيما يرون فيأمر به فيقتل ثم تقطع أعضاؤه كل عضو على حدة فيفرق بينها حتى يراه الناس ثم يجمعها ثم يضرب بعصاه فإذا هو قائم فيقول: أنا الذي أميت وأحيي قال: وذلك كله سحر يسحر أعين الناس ليس يعمل
стр. 4466
من ذلك شيئًا. وفي رواية أبي الوداك عن أبي سعيد عند مسلم فيأمر به الدجال فيشج فيقول خذوه وشجوه فيوسع ظهره وبطنه ضربًا قال فيقول أما تؤمن بي؟ قال: فيقول: أنت المسيح الكذاب. قال: فيؤمر به فيوشر بالميشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه. قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له: قم فيستوي قائمًا ثم يقول له: أتؤمن بي؟ (فيقول) الرجل (والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم) لأن رسول الله ﷺ أخبر أن ذلك من جملة علاماته. وفي رواية أبي الوداك ما ازددت فيك إلا بصيرة ثم يقول: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس، وفي رواية عطية فيقول له الرجل: أنا الآن أشد بصيرة فيك مني ثم ينادي: يا أيها الناس هذا المسيح الكذاب من أطاعه فهو في النار ومن عصاه فهو في الجنة (فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه). وفي رواية أبي الوداك فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته وترقوته نحاس فلا يستطيع إليه سبيلاً. وفي صحيح مسلم عقب رواية عبد الله بن عبد الله بن عتبة قال أبو إسحاق يقال إن هذا الرجل هو الخضر وأبو إسحاق هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد راوي صحيح مسلم عنه لا السبيعي كما ظنه القرطبي. قال في الفتح: ولعل مستنده في ذلك ما في جامع معمر بعد ذكر هذا الحديث قال معمر: بلغني أن الذي يقتله الدجال هو الخضر، وكذا أخرجه ابن حبان من طريق عبد الرزاق عن معمر قال: كانوا يرون أنه الخضر. وقال ابن العربي: سمعت من يقول إن الذي يقتله الدجال هو الخضر وهذه دعوى لا برهان لها. قال الحافظ ابن حجر: قد يتمسك من قاله بما أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي عبيدة بن الجراح رفعه في ذكر الدجال لعله يدركه بعض من رآني أو سمع كلامي الحديث ويعكر عليه قوله في رواية لمسلم شاب ممتلئ شبابًا ويمكن أن يجُاب بأن من جملة خصائص الخضر أن لا يزال شابًّا ويحتاج إلى دليل اهـ.
وقول الخطابي وقد يسأل عن هذا فيقال: كيف يجوز أن يجري الله آياته على أيدي أعدائه وإحياء الموتى آية عظيمة فكيف يمكن منها الدجال وهو كذاب مُقتَرٍ على الله؟ والجواب: أنه
جائز على جهة المحنة لعباده إذا كان معه ما يدل على أنه مبطل غير محق في دعواه وهو أنه أعور مكتوب على جبهته كافر يراه كل مسلم فدعواه داحضة. تعقبه في المصابيح فقال: هذا السؤال ساقط وجوابه كذلك. أما السؤال فلأن الدجال لم يدع النبوّة ولا حام حول حِماها حتى تكون تلك الآية دليلاً على صدقه، وإنما ادّعى الألوهية وإثباتها لمن هو متّسم بسِمات الحدوث وهو من جملة المخلوقين لا يمكن ولو أقام ما لا يحصر من الآيات إذ حدوثه قاطع ببطلان ألوهيته فما تغنيه الآيات والخوارق وأما الجواب فلأنه جعل المبطل لدعواه كونه أعور مكتوبًا بين عينيه كافر، ونحن نقول ببطلان دعواه مطلقًا سواء كان هذا معه أم لم يكن لما قررناه اهـ.
والحديث سبق في آخر باب الحج.
٧١٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب أبو عبد الرحمن القعنبي الحارثي المدني سكن البصرة (عن) إمام دار الهجرة والأئمة (مالك) الأصبحي (عن نعيم بن عبد الله) بضم النون وفتح العين المهملة (المجمر) بضم الميم وسكون الجيم بعدها ميم ثانية مكسورة فراء صفة نعيم لا أبيه وكان عبد الله يبخّر المسجد النبوي (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(على أنقاب المدينة) طيبة بهمزة مفتوحة وسكون النون طرقها والأنقاب جمع قلة والنقاب جمع كثرة (ملائكة) يحرسونها (لا يدخلها الطاعون ولا الدجال). المسيح وقد عدّ عدم دخول الطاعون من خصائصها وهو من لازم دعائه ﷺ لها بالصحة.
والحديث سبق في الطب.
٧١٣٤ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَدِينَةُ يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا، فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (يحيى بن موسى) بن عبد ربه المشهور بخت بالخاء المعجمة والفوقية قال: (حدّثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) ﵁ (عن النبي
стр. 4467
ﷺ ¬) أنه (قال):
(المدينة) طابة (يأتيها الدجال) ليدخلها (فيجد الملائكة) أي على أنقابها (يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله). وهذا الاستثناء قيل للتبرك فيشملهما وقيل للتعليق وإنه يختص بالطاعون وإنه يجوز دخول الطاعون المدينة، وسبق في الطب مبحث ذلك والله الموفق.
٢٨ - باب يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
(باب) ذكر (يأجوج ومأجوج) بغير همز وبه قرأ السبعة إلا عاصمًا فبهمزة ساكنة اسمان مشتقان من أجيج النار أي ضوئها ووزنهما يفعول ومفعول منعًا من الصرف للتأنيث والعلمية اسما قبيلتين وعلى تركه فأعجميان منعًا من الصرف للعجمة والعلمية ووزنهما فاعول كطالوت وجالوت أو عربيان مشتقان خفّفا بالإبدال وهما من نسل آدم ﵇ كما في الصحيح، والقول بأنهم خلقوا من بني آدم المختلط بالتراب وليسوا من حوّاء غريب جدًّا لا دليل عليه ولا يعتمد عليه ككثير مما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة كما قاله ابن كثير، وروى ابن مردويه والحاكم من حديث حذيفة مرفوعًا: يأجوج ومأجوج قبيلتان من ولد يافث بن نوح لا يموت أحدهم حتى يرى ألف رجل من صلبه كلهم قد حمل السلاح لا يمرون على شيء إذا خرجوا إلا أكلوه ويأكلون من مات منهم، وفي التيجان لابن هشام أن أمة منهم آمنوا بالله فتركهم ذو القرنين لما بنى السد بأرمينية فسموا الترك لذلك، وعند ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو قال الجن والإنس عشرة أجزاء فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج وجزء سائر الناس، وعن كعب قال: هم ثلاثة أصناف جنس أجسادهم كالأرز وهو شجر كبار جدًّا، وصنف أربعة أذرع في أربعة أذرع، وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون الأخرى. وعند الحاكم عن ابن عباس يأجوج ومأجوج شبرًا شبرًا وشبرين شبرين وأطولهم ثلاثة أشبار. قال الحافظ ابن كثير: روى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم لا تصح أسانيدها.
٧١٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ ح وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى أَخِى، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى عَتِيقٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِى سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِى تَلِيهَا قَالَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم (ح) لتحويل السند قال البخاري:
(وحدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (أخي) عبد الحميد (عن سليمان) بن بلال (عن محمد بن أبي عتيق) هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير أن زينب ابنة) ولأبي ذر بنت (أبي سلمة حدّثته عن أم حبيبة) رملة (بنت أبي سفيان) صخر بن حرب زوج النبي ﷺ (عن
زينب ابنة) ولأبي ذر (جحش) الأسدية أم المؤمنين ﵂ (أن رسول الله ﷺ دخل عليها يومًا) بعد أن استيقظ من نومه (فزعًا) بكسر الزاي خائفًا حال كونه (يقول):
(لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب) خص العرب بالذكر للإنذار بأن الفتن إذا وقعت كان الإهلاك إليهم أسرع وأشار به إلى ما وقع بعده من قتل عثمان ثم توالت الفتن حتى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة (فتح اليوم) بضم الفاء (من ردم يأجوج ومأجوج) أي الذي بناه ذو القرنين بزبر الحديد وهي القطعة منه كاللبنة ويقال إن كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي أو تزيد عليه وقوله (مثل هذه) بالرفع (وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها). وسبق أوائل كتاب الفتن. وعند سفيان تسعين أو مائة وسبق ما فيه ثم، وعند الترمذي وحسنه وابن حبان وصححه عن أبي هريرة رفعه في السد يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدًا فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغ مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس قال الذي عليه ارجعوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله واستثنى قال فيرجعون فيجدونه كهيئته حين تركوه فيخرقونه فيخرجون على الناس.
(قالت زينب ابنة) ولأبى ذر بنت (جحش) ﵂ (فقلت: يا رسول الله أفنهلك) بكسر اللام (وفينا الصالحون؟ قال) ﷺ : (نعم إذا كثر الخبث) بفتح الخاء
стр. 4468
والموحدة والذي في اليونينية بضم فسكون وهو الفسق أو الزنا.
وهذا الحديث رجال إسناده مدنيون وهو أنزل من الذي قبله بدرجتين، ويقال إنه أطول سند في البخاري فإنه تساعيّ وفيه ثلاث صحابيات لا أربعة.
٧١٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُفْتَحُ الرَّدْمُ رَدْمُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذِهِ»، وَعَقَدَ وُهَيْبٌ تِسْعِينَ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو ابن خالد قال: (حدّثنا ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) طاوس (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(يُفْتَحُ الرَّدْمُ) بالرفع نائب الفاعل (رَدْمُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذِهِ، وعقد وهيب) هو ابن خالد المذكور (تسعين) بأن جعل طرف ظهر الإبهام بين عقدتي السبابة من باطنها وطرف السبابة عليها مثل ناقد الدينار عند النقد، وفي حديث النواس بن سمعان عند الإمام أحمد بعد ذكر الدجال وقتله على يد عيسى عند باب لدّ الشرقي قال: فبينما هم كذلك إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇ إني قد أخرجت عبادًا من عبادي لا يدان لك بقتالهم فحوز عبادي إلى الطور فيبعث الله يأجوج ومأجوج وهم كما قال الله تعالى: ﴿من كل حدب ينسلون﴾ [الأنبياء: ٩٦] فيفزع عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم نغفًا في رقابهم فيصبحون موتى كموت
نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض بيتًا إلا وقد ملأه زهمهم ونتنهم فيفزع عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم قال للأرض: أنبتي ثمرتك وردّي بركتك. قال: فيومئذٍ يأكل النفر من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك الله في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت. قال: فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري وقال الترمذي: حسن صحيح، وعند مسلم فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، وعند أحمد عن ابن مسعود مرفوعًا: لا يأتون على شيء إلا أهلكوه ولا على ماء إلا شربوه، ورواه ابن ماجة: وفي مسلم فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون نشابهم إلى السماء فيردها الله عليهم مخضوبة دمًا. وعند ابن جرير وابن أبي حاتم عن كعب ويفر الناس منهم فلا يقوم لهم شيء ثم يرمون بسهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون غلبنا أهل الأرض وأهل السماء الحديث. وفي تذكرة القرطبي وروي أنهم يأكلون جميع حشرات الأرض من الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق في الأرض، وفي خبر آخر لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه ويأكلون من مات منهم، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس. هذا آخر كتاب الفتن والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٣ - كتاب الأحكام
(كتاب الأحكام) بفتح الهمزة جمع حكم وهو عند الأصوليين خطاب الله وهو كلامه النفسي الأزلي المسمى في الأزل خطابًا المتعلق بأفعال المكلفين وهم البالغون العاقلون من حيث إنهم مكلفون وخرج بفعل المكلفين خطاب الله المتعلق بذاته وصفاته وذوات المكلفين والجمادات كمدلول الله لا إله إلا هو خالق كل شيء ولقد خلقناكم ويوم نسيّر الجبال ولا يتعلق الخطاب إلا بفعل كل بالغ عاقل لامتناع تكليف الغافل والملجأ والمكره وإذا تقرر أن الحكم خطاب الله فلا حكم إلا الله خلافًا للمعتزلة القائلين بتحكيم العقل.
١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
(وقول الله تعالى) ولأبي ذر باب قول الله تعالى: (﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾) [النساء: ٥٩] الولاة والأمراء أو العلماء الذين يعلّمون الناس دينهم لأن أمرهم ينفذ على الأمراء، وهذا قول الحسن والضحاك ومجاهد، ورواه محيي
стр. 4469
السُّنَّة عن ابن عباس ودليله: ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، وقيل: فإن تنازعتم أي أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدين، وهذا يؤيد أن المراد بأولي الأمر أمراء المسلمين إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس إلا أن يقال: الخطاب لأولي الأمر على طريقة الالتفات أي تنازعتم في شيء فيرد العلماء إلى الكتاب والسُّنّة، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر ليؤذن بأنه لا استقلال لهم في الطاعة استقلال الرسول، ودلت الآية على أن طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق فإذا خالفوه فلا طاعة لهم لقوله ﵊: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" وسقط الباب لغير أبي ذر فالتالي رفع.
٧١٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِى فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِى فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِى، فَقَدْ أَطَاعَنِى، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِى فَقَدْ عَصَانِى».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) عبد الله بن عثمان قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك (عن يونس) بن يزيد (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: إن رسول الله ﷺ قال):
(من أطاعني فقد أطاع الله). لأني لا آمر إلا بما أمر الله به فمن فعل ما آمره به فإنما أطاع من أمرني أن آمره (ومن عصاني) فيما أمرته به أو نهيته (فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني). وقال الخطابي: كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يدينون لغير رؤساء قبائلهم، فلما كان الإسلام وولي عليهم الأمراء أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطاعة فأعلمهم ﷺ بأن طاعتهم مربوطة بطاعته ليطيعوا من أمره ﵊ عليهم ولا يستعصوا عليه لئلا تتفرق الكلمة.
والحديث سبق في المغازي.
٧١٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِى عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(ألا) بالتخفيف (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) قال محيي السُّنّة: الراعي الحافظ المؤتمن على ما يليه فأمره ﷺ بالنصيحة فيما يلزمه وحذره الخيانة فيه بإخباره أنه مسؤول عنه (فالإمام) الأعظم (الذي على الناس راعٍ) يحفظهم ويحيط من ورائهم ويقيم فيهم الحدود والأحكام (وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته) يقوم عليهم بالحق في النفقة وحسن العشرة (وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها) بحسن التدبير في أمر بيته والتعهد لخدمته وأضيافه (وولده) بحسن تربيته وتعهده (وهي مسؤولة عنهم) أي عن بيت زوجها وولده وغلب العقلاء فيه على غيرهم (وعبد الرجل راعٍ على مال سيده) بحفظه والقيام بشغله (وهو
مسؤول عنه ألا) بالتخفيف (فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته). فجعل ﷺ كل ناظر في حق غيره راعيًا له فإذا تقدم لرعاية غيره من يأكله فهو في الهلاك قال:
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها … فكيف إذا الذئاب لها رعاء
وقال في شرح المشكاة قوله: ألا فكلكم راعٍ تشبيه مضمر الأداة أي كلكم مثل الراعي، وقوله: وكلكم مسؤول عن رعيته حال عمل فيه معنى التشبيه وهذا مطّرد في التفصيل، ووجه التشبيه حفظ الشيء وحسن التعهد لما استحفظ وهو القدر المشترك في التفصيل، وفيه أن الراعي ليس بمطلوب لذاته، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك فعلى السلطان حفظ الرعية فيما يتعين عليه من حفظ شرائعهم والذب عنها لإدخال داخلة فيها أو تحريف لمعانيها أو إهمال حدودهم أو تضييع حقوقهم وترك حماية مَن جارَ عليهم ومجاهدة عدوّهم فلا يتصرف في الرعية إلا بإذن الله ورسوله ولا يطلب أجره إلا من الله، وهذا تمثيل لا يرى في الباب ألطف منه ولا أجمع ولا أبلغ منه، ولذلك أجمل أوّلاً ثم فصل ثم أتى بحرف التنبيه وبالفذلكة كالخاتمة فالفاء في قوله: ألا فكلكم راع جواب شرط
стр. 4470
محذوف والفذلكة هي التي يأتي بها الحاسب بعد التفصيل ويقول فذلك كذا وكذا ضبطًا للحساب وتوقيًا عن الزيادة والنقصان فيما فصله اهـ.
وقال بعضهم: يدخل في هذا العموم المنفرد الذي لا زوجة له ولا خادم فإنه يصدق عليه أنه راع على جوارحه حتى يعمل المأمورات ويجتنب المنهيات فعلاً ونطقًا واعتقادًا فجوارحه وقواه وحواسه رعيته، ولا يلزم من الاتّصاف بكونه راعيًا أن لا يكون مرعيًا باعتبار آخر.
والحديث سبق في باب الجمعة في القرى والمدن من كتاب الجمعة.
٢ - باب الأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الأمراء) كائنون (من قريش) ولأبي ذر عن الكشميهني: الأمر أمر قريش. قال في الفتح: والأول هو المعروف.
٧١٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ وَهْوَ عِنْدَهُ فِى وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ فَغَضِبَ فَقَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّ رِجَالاً مِنْكُمْ يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِى كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا تُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَالأَمَانِىَّ الَّتِى تُضِلُّ أَهْلَهَا، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِى قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلاَّ كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ». تَابَعَهُ نُعَيْمٌ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: كان محمد بن جبير بن مطعم) بضم الميم وكسر العين بينهما طاء مهملة ساكنة القرشي (يحدّث أنه بلغ معاوية) بن أبي سفيان (وهو عنده) أي والحال أن محمد بن جبير عند معاوية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وهم عنده بالميم بدل الواو (في وفد من قريش) أي محمد بن جبير ومن كان معه من الوفد الذين أرسلهم أهل المدينة إلى معاوية ليبايعوه وذلك حين بويع له بالخلافة لما سلم له الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄. قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم الذي بلغه ولا على أسماء الوفد (أن عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص وهو في موضع رفع فاعل بلغ وقوله (يحدّث أنه) أي الشأن (سيكون ملك من قحطان فغضب) معاوية من ذلك (فقام) خطيبًا (فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يحدّثون) ولأبي ذر عن الكشميهني يتحدّثون بزيادة فوقية بعد التحتية المفتوحة (أحاديث) جمع حديث على غير قياس. قال الفرّاء: نرى أن واحد الأحاديث أُحدوثة ثم جعلوه جمعًا للحديث (ليست في كتاب الله ولا تؤثر) بضم أوله مبنيًّا للمفعول ولا تنقل (عن رسول الله ﷺ ¬). والمراد بكتاب الله القرآن وهو كذلك فليس فيه تنصيص أن شخصًا بعينه أو بوصفه يتولى الملك في هذه الأمة المحمدية ولم يصرح بذكر ابن عمرو بل قال: بلغني أن رجالاً منكم على الإبهام ومراده عبد الله بن عمرو ومن وقع منه التحديث بذلك مراعاة لخاطر عمرو (وأولئك) الذين يتحدّثون بأمور الغيب من غير استناد إلى الكتاب والسُّنّة (جهالكم) بضم الجيم وتشديد الهاء جمع جاهل (فإياكم والأمانيّ) بتشديد التحتية وتخفف احذروا الأماني (التي تضل أهلها) بضم الفوقية وكسر الضاد المعجمة وأهلها نصب على المفعولية صفة للأماني (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(إن هذا الأمر) أي الخلافة (في قريش لا يعاديهم أحد إلاّ كبّه الله على وجهه) أي ألقاه ولأبي ذر في النار على وجهه أي ألقاه فيها وهو من الغرائب إذ أكبّ لازم وكب متعدٍّ عكس المشهور والمعنى لا ينازعهم في أمر الخلافة أحد إلا كان مقهورًا في الدنيا معذّبًا في الآخرة (ما أقاموا الدين) ما مصدرية والوقت مقدر وهو متعلق بقوله كبّه الله أي مدة إقامتهم أمور الدين فإذا لم يقيموه خرج الأمر عنهم هذا مفهومه.
وذكر محمد بن إسحاق في كتابه الكبير قصة سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر وفيها فقال أبو بكر: إن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره، ومن ثم لما استخف الخلفاء بأمر الدين تلاشت أحوالهم بحيث لم يبق لهم من الخلافة إلا الاسم فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقول السفاقسي أجمعوا أن الخليفة إذا دعا إلى كفر أو بدعة يقام عليه تعقب بأن المأمون والمعتصم والواثق كلٌّ منهم دعا إلى بدعة القول بخلق القرآن وعاقبوا العلماء بسبب ذلك بالضرب والقتل والحبس وغير ذلك، ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك.
تنبيه:
سبق في باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان حديث أبي هريرة مرفوعًا: لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه، وفيه إشارة إلى أن ملك القحطاني
стр. 4471
يقع في آخر الزمان عند قبض أهل الإيمان فإن كان حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا موافقًا لحديث أبي هريرة فلا معنى لإنكاره أصلاً، وإن كان لم يرفعه وكان فيه قدر زائد يُشعِر بأن القحطاني يكون في أوائل الإسلام فهو معذور في إنكاره وقد يكون معناه أن قحطانيًّا يخرج في ناحية من النواحي فلا يعارض حديث معاوية قاله في فتح الباري.
(تابعه) أي تابع شعيبًا (نعيم) هو ابن حماد (عن ابن المبارك) عبد الله (عن معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن محمد بن جبير) وهذه المتابعة وصلها الطبراني في معجمه الكبير والأوسط مثل رواية شعيب إلا أنه قال بعد قوله فغضب فقال سمعت ولم يذكر ما قبل سمعت، وقال في رواية: كبّ على وجهه بضم الكاف وإنما ذكرها البخاري ﵀ تقوية لصحة رواية الزهري عن محمد بن جبير حيث قال: كان محمد بن جبير فقد قال صالح جزرة الحافظ ولم يقل أحد في روايته عن الزهري عن محمد بن جبير إلا ما وقع في رواية نعيم بن حماد عن عبد الله بن المبارك، قال صالح: ولا أصل له من حديث ابن المبارك، وكانت عادة الزهري إذا لم يسمع الحديث يقول كان فلان يحدّث، وتعقبه البيهقي بما أخرجه من طريق يعقوب بن سفيان بن حجاج بن أبي معين الرصافي عن جده عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم، وأخرجه الحسن بن رشيق في فوائده من طريق عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل عن الزهري عن محمد بن جبير قاله في الفتح.
٧١٤٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ أَبِى يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَزَالُ الأَمْرُ فِى قُرَيْشٍ مَا بَقِىَ مِنْهُمُ اثْنَانِ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا عاصم بن محمد) قال: (سمعت أبي) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (يقول: قال) جدي (ابن عمر) ﵁ (قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا يزال هذا الأمر) أي الخلافة (في قريش) يلونها (ما بقي منهم اثنان) قال النووي: في الحديث أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لغيرهم وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة ومن بعدهم ومن خالف في ذلك من أهل البدع فهو محجوج بإجماع الصحابة. قال ابن المنير: وجه الدلالة من الحديث ليس من جهة تخصيص قريش بالذكر فإنه يكون مفهوم اللقب لا حجة فيه عند المحققين وإنما الحجة وقوع المبتدأ معرّفًا باللام الجنسية لأن المبتدأ بالحقيقة هاهنا هو الأمر الواقع صفة لهذا وهذا لا يوصف إلا بالجنس فمقتضاه حصر جنس الأمر في قريش فيصير كأنه
قال لا أمر إلا في قريش وهو كقوله: الشفعة فيما لم يقسم، والحديث وإن كان بلفظ الخبر فهو بمعنى الأمر كأنه قال: ائتموا بقريش خاصة، وقوله ما بقي منهم اثنان ليس المراد به حقيقة العدد، وإنما المراد به انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش، وهذا الحكم مستمر إلى يوم القيامة ما بقي من الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله رسول الله ﷺ فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم على ذلك ومن تغلب على الملك بطريق الشوكة لا ينكر أن الخلافة في قريش وإنما يدّعي أن ذلك بطريق النيابة عنهم اهـ.
ويحتمل أن يكون بقاء الأمر في قريش في بعض الأقطار دون بعض فإن في البلاد اليمنية طائفة من ذرية الحسن بن علي لم تزل مملكة معهم من أواخر المائة الثالثة وأمراء مكة من ذرية الحسن بن عليّ والينبع والمدينة من ذرية الحسين بن علي وإن كانوا من صميم قريش لكنهم تحت حكم غيرهم من ملوك مصر.
قال الحافظ ابن حجر: ولا شك في كون الخليفة بمصر قرشيًّا من ذرية العباس ولو فقد قرشي فكناني، ثم رجل من بني إسماعيل، ثم عجمي على ما في التهذيب، أو جرهمي على ما في التتمة، ثم رجل من بني إسحاق وأن يكون شجاعًا ليغزو بنفسه ويعالج الجيوش ويقوى على فتح البلاد ويحمي البيضة، وأن يكون أهلاً للقضاء بأن يكون مسلمًا مكلفًا حرًّا عدلاً ذكرًا مجتهدًا ذا رأي وسمع وبصر ونطق وتنعقد الإمامة ببيعة أهل العقد والحل من العلماء ووجوه الناس المتيسر اجتماعهم وباستخلاف الإمام من يعينه
стр. 4472
في حياته ويشترط القبول في حياته ليكن خليفة بعد موته وباستيلاء متغلب على الإمامة ولو غير أهل لها كصبي وامرأة بأن قهر الناس بشوكته وجنده وذلك لينتظم شمل المسلمين.
والحديث سبق في المناقب وأخرجه مسلم في المغازي.
٣ - باب أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
(باب أجر من قضى بالحكمة) وسقط لفظ أجر لأبي ذر المروزي أي مَن قضى بحكم الله تعالى فلو قضى بغير حكم الله تعالى فسق (لقوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾) [المائدة: ٤٧] الخارجون عن طاعة الله، وقال أبو منصور ﵀: يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاثة يعني قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ فيكون ظالمًا كافرًا فاسقًا لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر، وقيل التعريف فيه للعهد. قال ابن بطال: مفهوم الآية أن من حكم بما أنزل الله استحق جزيل الأجر.
٧١٤١ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا حَسَدَ إِلاَّ فِى اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِى الْحَقِّ، وَآخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا».
وبه قال: (حدّثنا شهاب بن عباد) بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة الرؤاسي القيسي العبدي الكوفي قال: (حدّثنا إبراهيم بن حميد) بضم الحاء ابن عبد الرحمن الرؤاسي القيسي الكوفي (عن إسماعيل) بن أبي خالد (عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا حسد) لا غبطة (إلاّ في اثنتين) أي خصلتين (رجل) بالرفع على الاستئناف (آتاه) أي أعطاه (الله مالاً فسلطه على هلكته) بفتحات إهلاكه أي إنفاقه (في الحق و) رجل (آخر آتاه الله حكمة) بكسر الحاء وسكون الكاف علمًا يمنعه عن الجهل ويزجره عن القبح (فهو يقضي بها) بالحكمة بين الناس (ويعلمها) لهم وفيه الترغيب في التصدق بالمال وتعليم العلم، وقيل إن فيه تخصيصًا لإباحة نوع من الحسد وإن كانت جملته محظورة وإنما رخص فيهما لما يتضمن مصلحة الدين قال أبو تمام:
وما حاسد في المكرمات بحاسد
وقيل: معناه لا يحسن الحسد في موضع إلا في هذين الموضعين، وقال الطيبي: أثبت الحسد في الحديث لإرادة المبالغة في تحصيل النعمتين الخطيرتين يعني ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم، فينبغي أن يتحرى ويجتهد في تحصيلهما فكيف بالطريق المحمودة وكيف لا وكل واحدة من الخصلتين بلغت غاية لا أمد فوقها، وإذا اجتمعتا في امرئ بلغ من العلياء كل مكان، قال ابن المنير: ليس المراد بالنفي حقيقته، وإلاّ لزم الخلف لأن الناس حسدوا في غير هاتين الخصلتين وغبطوا من فيه سواهما فليس هو خبرًا، والمراد به الحكم ومعناه حصر المرتبة العليا من الغبطة في هاتين الخصلتين فكأنه قال فما آكد القرابات التي يغبط بها، وفي الترغيب في ولاية القضاء لمن جمع شروطه وقوي على أعمال الحق ووجد له أعوانًا لما فيه من الأمر بالمعروف ونصر المظلوم وأداء الحق لمستحقه وكف يد الظالم والإصلاح بين الناس، وذلك كله من القربات وهو من مرتبته ﷺ ، وعند ابن المنذر عن ابن أبي أوفى مرفوعًا: الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار تخلّى عنه ولزمه الشيطان.
وحديث الباب سبق في العلم والزكاة.
٤ - باب السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلإِمَامِ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً
(باب) وجوب (السمع والطاعة للإمام) الأعظم ونائبه (ما لم تكن) تلك الطاعة (معصية) إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
٧١٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِىٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بضم الميم وفتح المهملة بعدها مهملتان مسرهد بن مسربل الأسدي البصري الحافظ أبو الحسن قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان وسقط ابن سعيد لغير أبي ذر (عن شعبة) بن الحجاج (عن أبي التياح) بالفوقية ثم التحتية المشددة وبعد الألف حاء مهملة يزيد بن حميد الضبعي البصري (عن أنس بن مالك ﵁) كأنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل) بضم الفوقية وكسر الميم مبنيًّا للمفعول (عليكم عبد حبشي) برفع عبد نائب الفاعل وحبشي صفته قيل معناه وإن استعمله الإمام الأعظم على القوم لا أن العبد الحبشي هو الإمام الأعظم فإن الأئمة
стр. 4473
من قريش أو المراد به الإمام الأعظم على سبيل الفرض، والتقدير وهو مبالغة في الأمر بطاعته والنهي عن شقاقه ومخالفته. وعند مسلم من حديث أم الحصين اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: وإن استعمل أي الإمام عليكم عبدًا حبشيًّا بالنصب على المفعولية والحبشة جبل معروف من السودان، وسبق في الصلاة أنه ﷺ قال لأبي ذر: اسمع وأطع ولو لحبشي (كأن رأسه زبيبة) بزاي مفتوحة وموحدتين بينهما تحتية ساكنة واحدة الزبيب المأكول المعروف الكائن من العنب إذا جفّ وشبّه رأس الحبشي بالزبيبة لتجمعها وسواد شعرها ورؤوس الحبشة توصف بالصغر وذلك يقتضي الحقارة وبشاعة الصورة وعدم الاعتبار بها فهو على سبيل المبالغة في الحض على طاعتهم مع حقارتهم، وقد أجمع على أن الإمامة لا تكون في العبيد، ويحتمل أن يكون سماه عبدًا باعتبار ما كان قبل العتق، نعم لو تغلب عبد حقيقة بطريق الشوكة وجبت طاعته إخمادًا للفتنة ما لم يأمر بمعصية. وسبق الحديث في الصلاة.
٧١٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ الْجَعْدِ، عَنْ أَبِى رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْوِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَكَرِهَهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتُ إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين بعدها دال مهملتين أبي عثمان بن دينار اليشكري بالتحتية المفتوحة بعدها شين معجمة ساكنة وكاف مضمومة الصيرفي (عن أبي رجاء) عمران العطاردي (عن ابن عباس) ﵄ حال كونه (يرويه) أي عن النبي ﷺ (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(من رأى من أميره شيئًا فكرهه) ولأبي ذر عن الكشميهني يكرهه (فليصبر) على جوره
وظلمه والأمر بالصبر يستلزم وجوب السمع والطاعة فتحصل المطابقة (فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا) أي قدر شبر (فيموت) بالرفع في الفرع كأصله ويجوز النصب نحو ما تأتينا فتحدّثنا أي فيموت على ذلك من مفارقة الجماعة (إلا مات ميتة جاهلية) بكسر الميم كالقتلة بكسر القاف أي الحالة التي يكون عليها الإنسان من الموت والقتل أي كالميتة الجاهلية حيث لا يرجعون إلى طاعة أمير ولا يتبعون هدي إمام بل كانوا مستنكفين عن ذلك مستبدين في الأمور لا يجتمعون في شيء ولا يتفقون على رأي وليس المراد أنه يكون كافرًا بذلك.
والحديث سبق في أوائل الفتن.
٧١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِى نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري قال: (حدّثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله) بن عمر (﵁) وعن أبيه (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(السمع والطاعة) ثابتة أو واجبة للإمام أو نائبه (على المرء المسلم فيما أحب وكره) ولأبي ذر أو كره (ما لم يؤمر) أي المرء المسلم من قبل الوالي عليه (بمعصية فإذا أمر) بضم الهمزة (بمعصية فلا سمع ولا طاعة) حينئذ تجب بل يحرم ذلك على القادر.
وهذا تقييد لما أطلق في الحديثين السابقين من الأمر بالسمع والطاعة ولو لحبشي ومن الصبر على ما يقع من الأمير مما يكره والوعيد على مفارقة الجماعة.
والحديث سبق في الجهاد وأخرجه مسلم في المغازي وأبو داود في الجهاد.
٧١٤٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النَّبِىُّ ﷺ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ أَنَّ تُطِيعُونِى؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا، فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَوْقَدُوا فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِىَّ ﷺ فِرَارًا مِنَ النَّارِ أَفَنَدْخُلُهَا؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتِ النَّارُ وَسَكَنَ غَضَبُهُ فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِى الْمَعْرُوفِ».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدّثنا
الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا سعد بن عبيدة) بسكون العين في الأول وضمها وفتح الموحدة في الثاني أبو حمزة بالزاي ختن أبي عبد الرحمن (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب السلمي لأبيه صحبة (عن علي ﵁) هو ابن أبي طالب أنه (قال: بعث النبي ﷺ سرية) قطعة من الجيش نحو ثلاثمائة أو أربعمائة بسبب ناس تراءاهم أهل جدة سنة تسع (وأمّر عليهم رجلاً من الأنصار) اسمه عبد الله بن حذافة السهمي المهاجري وفيه مجازًا أو يكون بالمعنى الأعم من كونه ممن نصر النبي ﷺ في الجملة، أو كان أنصاريًّا بالمحالفة. وفي ابن ماجة ومسند الإمام أحمد تعيين عبد الله بن حذافة وأن أبا سعيد كان من جملة المأمورين
стр. 4474
(وأمرهم) ﵇ (أن يطيعوه فغضب عليهم) ولمسلم فأغضبوه في شيء (وقال) لهم: (أليس قد أمر النبي ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: عزمت) ولأبي ذر قد عزمت (عليكم لما) بتخفيف الميم (جمعتم حطبًا وأوقدتم نارًا ثم دخلتم فيها فجمعوا حطبًا فأوقدوا) زاد الكشميهني نارًا فقال: ادخلوها، وقيل: إنما أمرهم بدخولها ليختبر حالهم في الطاعة أو فعل ذلك إشارة إلى أن مخالفته توجب دخول النار وإذا شق عليكم دخول هذه النار فكيف تصبرون على النار الكبرى ولو رأى منهم الجد في ولوجها منعهم (فلما همّوا بالدخول) فيها (فقام) بالإفراد ولأبي ذر عن الكشميهني فقاموا (ينظر بعضهم إلى بعض) زاد في المغازي وجعل بعضهم يمسك بعضًا (فقال بعضهم: وإنما تبعنا النبي ﷺ فرارًا من النار) بكسر الفاء (أفندخلها)؟ بهمزة استفهام (فبينما) بالميم (هم كذلك إذ خمدت النار) بفتح المعجمة والميم وتكسر انطفأ لهيبها (وسكن غضبه فذكر) ذلك (للنبي ﷺ فقال):
(لو دخلوها) أي لو دخلوا النار التي أوقدوها ظانّين أنهم بسبب طاعتهم أميرهم لا تضرهم (ما خرجوا منها أبدًا) أي لماتوا فيها ولم يخرجوا منها مدّة الدنيا، ويحتمل أن يكون الضمير في منها لنار الآخرة والتأييد محمول على طول الإقامة لا على البقاء الممتد دائمًا من غير انقطاع لأنهم لم يكفروا بذلك فيجب عليهم التخليد (إنما) تجب (الطاعة في المعروف) لا في المعصية.
والحديث مرّ في المغازي.
٥ - باب مَنْ لَمْ يَسْأَلِ الإِمَارَةَ أَعَانَهُ اللَّهُ
(باب) بالتنوين يذكر فيه (من لم يسأل الإمارة أعانه الله) زاد أبو ذر عليها.
٧١٤٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ يَمِينَكَ، وَاْئتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ».
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم وسكون النون الأنماطي البصري قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بالحاء المهملة والزاي الأزدي (عن الحسن) البصري (عن عبد الرحمن بن سمرة) بن حبيب بن عبد شمس أسلم يوم الفتح ﵁ (قال: قال النبي) ولأبي ذر قال لي النبي (¬ ﷺ ¬):
(يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة) بكسر الهمزة (فإنك إن أعطيتها عن مسألة) عن سؤال، وعن يحتمل أن تكون بمعنى الباء أي بسبب مسألة أو بمعنى بعد أي بعد مسألة كقوله تعالى: ﴿لتركبن طبقًا عن طبق﴾ [الانشقاق: ١٩] أي بعد طبق وقول العجاج:
ومنهل وردته عن منهل
أي بعد منهل وجواب الشرط قوله: (وكلت إليها) بضم الواو وكسر الكاف مخففة وسكون اللام صرفت إليها ولم تعن عليها من أجل حرصك (وإن أعطيتها) بضم الهمزة (من غير مسألة) وجواب الشرط قوله (أعنت عليها). وعن أنس رفعه: من طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكّل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكًا يسدده أخرجه ابن المنذر والترمذي وأبو داود وابن ماجة وفي معنى الإكراه عليه أن يدعى إليه فلا يرى نفسه أهلاً لذلك هيبة له وخوفًا من الوقوع في المحذور فإنه يُعان عليه إذا دخل فيه ويسدد قاله المهلب (وإذا حلفت على) محلوف (يمين فرأيت) فعلمت أو ظننت (غيرها خيرًا منها فكفّر يمينك) بالنصب على المفعولية ولأبي ذر عن يمينك (وائت الذي هو خير) واتفق على أن الكفّارة إنما تجب بعد الحنث ولا تقدم على اليمين، واختلف في توسطها بين اليمين والحنث فقال بالجواز أربعة عشر من الصحابة، وبه قال مالك والشافعي، واستثنى الشافعي التكفير بالصوم لأنه عبادة بدنية فلا تقدم قبل وقتها ومناسبة الجملة لسابقتها أن الممتنع من الإمارة قد يؤدي به الحال إلى الحلف على عدم القبول مع كون المصلحة في ولايته.
والحديث سبق في الأيمان.
٦ - باب مَنْ سَأَلَ الإِمَارَةَ وُكِلَ إِلَيْهَا
(باب) بالتنوين يذكر فيه (من سأل الإمارة وكّل إليها) ولم يعن عليها ووكّل بالتخفيف.
٧١٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ
стр. 4475
وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمر المقعد البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن
سعيد التنوري البصري أبو عبيدة الحافظ قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الحسن) البصري قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن سمرة) ﵁ (قال: قال لي رسول الله ﷺ ¬):
(يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة) أي الولاية ولأبي ذر عن الكشميهني لا تتمنين الإمارة (فإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين) أي حلفت على محلوف يمين فسماه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه وإلاّ فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه فيكون من مجاز الاستعارة ويحتمل أن يكون على معنى الباء ويؤيده رواية النسائي إذا حلفت بيمين لكن قوله (فرأيت غيرها خيرًا منها فائت الذي هو خير وكفّر عن يمينك) يدل على الأول لأن الضمير لا يصح عوده على اليمين بمعناها الحقيقي ولذا رجح في الكشاف الأول فقال في قوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٤] أي حاجزًا لما حلفتم عليه وسمي المحلوف يمينًا لتلبسه باليمين كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فائت الذي هو خير أي على شيء مما يحلف عليه.
٧ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الإِمَارَةِ
(باب ما يكره من الحرص على) طلب (الإمارة).
٧١٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ». وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن المدني (عن سعيد المقبري) بضم الموحدة (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إنكم ستحرصون) بكسر الراء وفتحها (على الإمارة) الإمامة العظمى أو الولاية بطريق النيابة (وستكون ندامة) لمن لم يعمل فيها بما ينبغي (بوم القيامة). وفي حديث عوف بن مالك عند البزار والطبراني بسند صحيح: أوّلها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل، وعن أبي هريرة في أوسط الطبراني الإمارة أولها ندامة وأوسطها غرامة وآخرها عذاب يوم القيامة (فنعم المرضعة) الولاية فإنها تدر عليه المنافع واللذات العاجلة (وبئست الفاطمة) عند انفصاله عنها بموت أو غيره فإنها تقطع عنه تلك اللذائذ والمنافع وتُبقي عليه الحسرة والتَّبِعَة وألحقت التاء في بئست دون نعم، والحكم فيهما إذا كان فاعلهما مؤنثًا جواز الإلحاق وتركه فوقع التفنن في هذا الحديث
بحسب ذلك. وقال في المصابيح: شبه على سبيل الاستعارة ما يحصل من نفع الولاية حال ملابستها بالرضاع وشبه بالفطام انقطاع ذلك عنه عند الانفصال عنها إما بموت أو بغيره فالاستعارة في المرضعة والفاطمة تبعية.
فإن قلت: هل من لطيفة تلمح في ترك التاء من فعل المدح وإثباتها مع فعل الذم؟ قلت: رضاعها هو أحب حالتيها إلى النفس وفطامها أشق الحالتين على النفس والتأنيث أخفض حالتي الفعل وتركه أشرف حالتيه إذ هي حالة التذكير وهو أشرف من التأنيث فآثر استعمال أشرف حالتي الفعل مع الحالة المحبوبة التي هي أشرف حالتي الولاية واستعمل الحالة الأخرى وهي التأنيث مع الحالة على النفس، وهي حالة الفطام عن الولاية لمكان الناسبة في المحلين فهذا أمر قد يتخيل في هذا المقام فتأمله اهـ.
وقال في شرح المشكاة: إنما لم يلحق التاء بنعم لأن المرضعة مستعارة للإمارة وهي وإن كانت مؤنثة إلا أن تأنيثها غير حقيقي وألحقها ببئس نظرًا إلى كون الإمارة حينئذٍ داهية دهياء، وفيه أن ما يناله الأمير من البأساء والضراء أبلغ وأشد مما يناله من النعماء والسرّاء، وإنما أتي بالتاء في المرضع والفاطم دلالة على تصوير تينك الحالتين المتجددتين في الإرضاع والإفطام فعلى العاقل أن لا يلم بلذة تتبعها حسرات.
وفي حديث أبي هريرة عند الترمذي وقال حديث غريب أن النبي ﷺ قال: "من ولي القضاء أو جعل قاضيًا بين الناس فقد ذبح بغير سكّين" والذبح إذا كان بغير سكين فيه زيادة تعذيب للمذبوح بخلاف الذبح بالسكّين ففيه إراحة له بتعجيل إزهاق الروح وقيل إن الذبح لما كان في العرف بالسكّين عدل ﷺ إلى غيره ليعلم أن المراد ما يخاف عليه من هلاك دينه دون بدنه. قال التوربشتي: وشتان ما بين الذبحين فإن الذبح بالسكّين عناء ساعة والآخر عناء عمره، أو المراد أنه ينبغي أن يميت جميع دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة فهو مذبوح بغير سكّين، وعلى هذا فالقضاء مرغوب فيه وعلى ما قبله فالمراد التحذير منه. قال المظهريّ: خطر القضاء كثير وضرره عظيم لأنه
قلما عدل القاضي بين
стр. 4476
الخصمين لأن النفس مائلة إلى من تحبه أو من له منصب يتوقع جاهه أو يخاف سلطنته، وربما يميل إلى قبول الرشوة، وهذا الداء العضال وما أحسن قول ابن الفضل في هذا المعنى:
ولما أن توليت القضايا … وفاض الجور من كفيك فيضا
ذبحت بغير سكّين وإنّا … لنرجو الذبح بالسكّين أيضًا
والحديث أخرجه النسائي في البيعة والسِّيَر والقضاء.
قال البخاري بالسند السابق أوّل هذا التعليق إليه: (وقال محمد بن بشار) بالموحدة والشين المعجمة المشددة وهو المعروف ببندار (حدّثنا عبد الله بن حمران) بضم الحاء المهملة وسكون الميم
بعدها راء فألف الأموي مولاهم البصري قال: (حدّثنا عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري المدني، وسقط ابن جعفر لغير أبي ذر (عن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم) بضم عين الأول وبفتح المهملة والكاف في الثاني ابن ثوبان المدني (عن أبي هريرة) ﵁ (قوله). أي موقوفًا عليه، وقد أدخل عمر بن الحكم بين سعيد المقبري وأبي هريرة بخلاف الطريق السابقة.
٧١٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِى فَقَالَ: أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ الآخَرُ: مِثْلَهُ، فَقَالَ: «إِنَّا لَا نُوَلِّى هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الحافظ أبو كريب مشهور بكنيته قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بضم الموحدة عامر أو الحارث (من) جده (أبي بردة عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁) أنه (قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من قومي) لم يسميا نعم في معجم الطبراني الأوسط أن أحدهما ابن عمه (فقال أحد الرجلين: أمرنا) بفتح الهمزة وكسر الميم المشددة أي ولنا (يا رسول الله) موضعًا (وقال الآخر مثله فقال) ﷺ : (إنّا لا نولي هذا) الأمر (من سأله ولا حرص عليه) بفتح المهملة والراء والحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سفكت الدماء واستبيحت الأموال والفروج وعظم الفساد في الأرض قاله المهلب.
٨ - باب مَنِ اسْتُرْعِىَ رَعِيَّةً فَلَمْ يَنْصَحْ
(باب) ذكر (من استرعي) بضم الفوقية وكسر العين أي من استرعاه الله (رعية فلم ينصح) لها.
٧١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّى مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلاَّ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا أبو الأشهب) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الهاء بعدها موحدة جعفر بن حبان السعدي العطاردي البصري وهو مشهور بكنيته (عن الحسن) البصري (أن عبيد الله) بضم العين (ابن زيد) بكسر الزاي بعدها تحتية أمير البصرة في زمن معاوية وولده (عاد معقل بن يسار) معقل بكسر القاف ويسار بالتحتية والسين
المهملة المخففة المزني الصحابيّ (في مرضه الذي مات فيه) وكانت وفاته في خلافة معاوية (فقال له معقل: إني محدّثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ سمعت النبي ﷺ يقول):
(ما من عبد استرعاه) استحفظه (الله) ولأبي ذر والأصيلي يسترعيه الله (رعية فلم يحطها) بفتح التحتية وضم الحاء وسكون الطاء المهملتين أي فلم يحفظها ولم يتعهد أمرها (بنصيحة) بفتح النون وبعد الصاد المهملة المكسورة تحتية ساكنة وتنوين آخره، ولأبي ذر عن المستملي: بالنصيحة بزيادة أل كذا في الفرع كأصله، وفي الفتح بنصحه بضم النون وهاء الضمير وقال كذا للأكثر وللمستملي بالنصيحة (إلا لم يجد رائحة الجنة) إذا كان مستحلاًّ لذلك أو لا يجدها مع الفائزين الأوّلين لأنه ليس عامًّا في جميع الأزمان أو خرج مخرج التغليظ، وزاد الطبراني وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عامًّا وسقط لأبي ذر والأصيلي لفظ إلا من قوله إلا لم يجد.
قال في الكواكب: فيصير مفهوم الحديث أنه يجدها عكس المقصود، وأجاب: بأن إلا مقدرة أي إلا لم يجد والخبر محذوف أي ما من عبد كذا إلا حرم الله عليه الجنة ولم يجد رائحة الجنة استئناف كالمفسر له أو ما ليست للنفي وجاز زيادة من للتأكيد في الإثبات عند بعض النحاة وقد ثبتت إلا في بعض النسخ اهـ.
وفي اليونينية سقوطها لأبي ذر والأصيلي. قال في الفتح: لم يقع الجمع بين اللفظين المتوعد بهما في طريق
стр. 4477
واحدة فقوله لم يجد رائحة الجنة وقع في رواية أبي الأشهب، وقوله حرم الله عليه الجنة في رواية هشام أي التالية لهذه فكأنه أراد أن الأصل في الحديث الجمع بين اللفظين فحفظ بعض ما لم يحفظ بعض وهو محتمل، لكن الظاهر أنه لفظ واحد تصرف فيه بعض الرواة.
وفي الكبير للطبراني من وجه آخر عن الحسن قال: قام علينا عبيد الله بن زياد أميرًا أمره علينا معاوية غلامًا سفيهًا يسفك الدماء سفكًا شديدًا وفينا عبد الله بن مغفل المزني فدخل عليه ذات يوم فقال له: انتهِ عما أراك تصنع فقال له: وما أنت وذاك؟ قال: ثم خرج إلى المسجد فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس الناس؟ فقال: إنه كان عندي علم فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رؤوس الناس ثم قام فما لبث أن مرض مرضه الذي توفي فيه فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده فذكر نحو حديث الباب. قال الحافظ ابن حجر: فيحتمل أن تكون القصة وقعت للصحابيين.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الإيمان.
٧١٥١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِىُّ قَالَ زَائِدَةُ: ذَكَرَهُ عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَيْنَا مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ نَعُودُهُ، فَدَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا مِنْ وَالٍ يَلِى رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ وَهْوَ غَاشٌّ لَهُمْ، إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) الكوسج أبو يعقوب المروزي قال: (أخبرنا حسين) بضم الحاء المهملة ابن علي (الجعفي) قال (قال زائدة) بن قدامة (ذكره) أي الحديث الآتي (عن هشام) أي ابن حسان (عن الحسن) البصري أنه (قال: أتينا معقل بن يسار نعوده) أي في مرضه الذي مات فيه (فدخل عبيد الله) بن زياد ولأبي ذر عن الكشميهني فدخل علينا عبيد الله (فقال له معقل: أحدّثك) بضم الهمزة ورفع المثلثة (حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ فقال):
(ما من والٍ) وفي رواية أبي المليح عند مسلم ما من أمير (يلي رعية من المسلمين فيموت) الفاء فيه وفي فلم يحطها في الحديث السابق كاللام في قوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا وحزنًا قاله الطيبي. قال في المدارك: أي ليصير الأمر إلى ذلك لا أنهم أخذوه لهذا كقولهم للموت ما تلد الوالدة وهي لم تلده لأن يموت ولدها ولكن المصير إلى ذلك كذا قاله الزجّاج، وعن هذا قال المفسرون إن هذه لام العاقبة والصيرورة وقال في الكشاف هي لام كي التي معناها التعليل كقوله: جئتك لتكرمني، ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز لأن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله وهو الإكرام الذي ينتجه المجيء وقوله: (وهو غاشٌّ لهم إلاَّ حرم الله عليه الجنة). بفتح الغين المعجمة وبعد الألف شين معجمة حال مقيد للفعل مقصود بالذكر يعني أن الله تعالى إنما ولاّه واسترعاه على عباده ليديم النصيحة لهم لا ليغشهم فيموت عليه، فلما قلب القضية استحق أن لا يجد رائحة الجنة وقال القاضي عياض المعنى من قلّده الله تعالى شيئًا من أمر المسلمين واسترعاه عليهم ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم فإذا خان فيما ائتمن عليه فلم ينصح فقد غشّهم حرّم الله عليه الجنة اهـ.
وهذا وعيد شديد على أئمة الجور فمن ضيع من استرعاه توجه عليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة وكيف يقدر على التحلل. نعم يجوز أن يتفضل الله تعالى عليه فيرضي عنه أخصامه فهو الجواد الكريم الرؤوف الرحيم.
٩ - باب مَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (من شاق) على الناس بأن أدخل عليهم المشقّة (شق الله عليه) جزاء وفاقًا لأعمالهم.
٧١٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الْجُرَيْرِىِّ، عَنِ طَرِيفٍ أَبِى تَمِيمَةَ قَالَ شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَجُنْدَبًا وَأَصْحَابَهُ وَهْوَ يُوصِيهِمْ فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالُوا: أَوْصِنَا فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلاَّ طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ». قُلْتُ لأَبِى عَبْدِ اللَّهِ مَنْ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جُنْدَبٌ قَالَ: نَعَمْ جُنْدَبٌ.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن شاهين أبو بشر (الواسطي) قال: (حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله الطحان (عن الجريري) بضم الجيم وفتح الراء نسبة إلى جرير بن عباد واسمه سعيد بن إياس (عن طريف) بالطاء المهملة آخره فاء بوزن عظيم (أبي تميمة) بالفوقية بوزن عظيمة ابن مجالد بضم الميم وتخفيف الجيم الجهيمي بضم الجيم مصغرًا نسبة إلى بني الجهيم بطن من تميم وكان مولاهم أنه (قال: شهدت صفوان) بن محرز بن زياد التابعي البصري (وجندبًا) بضم الجيم والدال المهملة بينهما نون ساكنة ابن عبد الله البجلي الصحابي المشهور (وأصحابه) أي أصحاب صفوان (وهو) أي صفوان بن محرز (يوصيهم) بسكون الواو وعند الكرماني الضمير راجع إلى جندب وكذا هو في الأطراف للمزي، ولفظه: شهدت صفوان
стр. 4478
وأصحابه وجندبًا يوصيهم (فقالوا) أي صفوان وأصحابه لجندب (هل سمعت من رسول الله شيئًا؟ قال): نعم (وسمعته) ﷺ (يقول):
(من سمع سمع الله به يوم القيامة) بفتح السين والميم المشددة أي من عمل للسمعة يظهر الله للناس سريرته ويملأ أسماعهم بما ينطوي عليه، وقيل سمع الله به أي يفضحه يوم القيامة وقيل معناه من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه، وقيل أسمعه المكروه، وقيل أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه لكون حسرة عليه، وقيل من أراد أن يعلمه الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك حظه.
(قال) ﵊: (ومن يشاقق) ولأبي ذر عن الكشميهني بإسقاط إحدى القافين أي يضر الناس ويحملهم على ما يشق من الأمر أو يقول فيهم أمرًا قبيحًا ويكشف عن عيوبهم ومساويهم (يشقق الله عليه) يعذبه (يوم القيامة) ويشاقق ويشقق بلفظ المضارع وفك القاف فيهما (فقالوا) له: (أوصنا. فقال) جندب (إن أول ما ينتن) بضم التحتية وسكون النون وكسر الفوقية قال في الصحاح نتن الشيء وأنتن بمعنى فهو منتن ومنتن بكسر الميم إتباعًا لكسرة التاء والنتن الرائحة الكريهة (من الإنسان) بعد موته (بطنه فمن استطاع أن لا يأكل إلاّ طينًا) أي حلالاً (فليفعل ومن استطاع أن لا يحال) بضم التحتية وفتح الحاء المهملة مبنيًّا للمفعول وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني أن لا يحول (بينه وبين الجنة ملء كفه) كذا للكشميهني ملء بغير حرف الجر ورفع ملء على أنه فاعل بفعل محذوف دل عليه المتقدم أي يحول بينه وبين الجنة ملء كفه ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بملء كف (من دم) بغير ضمير ومن بيانية (أهراقه) بفتح الهمزة وسكون الهاء صبه بغير حقه (فليفعل).
وهذا الحديث وإن كان ظاهره أنه موقوف فهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال بالرأي. نعم وقع مرفوعًا عند الطبراني من طريق الأعمش من أبي تميمة بلفظ قال رسول الله ﷺ : "لا يحولن بين أحدكم وبين الجنة" فذكر نحو رواية الجريري.
قال الفربري (قلت لأبي عبد الله) محمد بن إسماعيل البخاري (من يقول سمعت رسول الله ﷺ جندب؟ قال: نعم جندب) وفي الفرع كأصله سقوط قوله قلت إلخ لأبي ذر، وقال في الفتح: وقد خلت رواية النسفي من ذلك.
١٠ - باب الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا فِى الطَّرِيقِ
وَقَضَى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ فِى الطَّرِيقِ وَقَضَى الشَّعْبِىُّ عَلَى بَابِ دَارِهِ.
(باب) جواز (القضاء والفتيا) حال كونهما (في الطريق) وعن أشهب لا بأس بالقضاء إذا كان سائرًا إذا لم يشغله عن الفهم. وقال السفاقسي: لا يجوز فيما يكون غامضًا.
(وقضى يحيى بن يعمر) بفتح التحتية والميم بينهما عين مهملة ساكنة التابعي المشهور قاضي مرو (في الطريق) كما وصله ابن سعد في طبقاته. (وقضى الشعبي) بفتح المعجمة وسكون المهملة وبالموحدة المكسورة عامر بن شراحيل (على باب داره) وصله أيضًا ابن سعد.
٧١٥٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَالنَّبِىُّ ﷺ خَارِجَانِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا»؟ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّى أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) أخو أبي بكر قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي مولاهم الكوفي أنه قال: (حدّثنا أنس بن مالك ﵁ قال: بينما) بالميم (أنا والنبي ﷺ خارجان من المسجد فلقينا رجل) بكسر القاف وفتح التحتية (عند سدة المسجد) بضم السين وفتح الدال المشددة المهملتين المظلة على بابه لوقاية المطر والشمس أو الباب أو عتبته أو الساحة أمام بابه والرجل قال ابن حجر لم أعرف اسمه لكن في الدارقطني أنه ذو الخويصرة اليماني (فقال: يا رسول الله متى الساعة)؟ تقوم (قال النبي ﷺ ¬):
(ما أعددت لها)؟ ما هيأت لها من عمل (فكأن الرجل استكان) افتعل من السكون فتكون ألفه خارجة عن القياس، وقيل إنه استفعل من الكون أي انتقل من كون إلى كون كما قالوا استحال إذا انتقل من حال إلى حال، وقوّة المعنى تؤيد الأوّل إذ الاستكانة هي الخضوع والانقياد وهو يناسب السكون والخروج عن القياس يضعفه والقياس يؤيد الثاني وقوة المعنى تضعفه إذ ليس بيهما
стр. 4479
أعني الشتق والمشتق منه مناسبة ظاهرة فيحتاج إثباتها إلى تكلف، وقيل هو مشتق من الكين وهو لحبم باطن الفرج إذ هو في أذل المواضع أي صار مثله في الذل وقيل كان يكين بمعنى خضع وذل والوجه بناء على هذا هو الثاني إذ لا يلزم الخروج عن القياس ولا عدم المناسبة ولو كانت هذه اللفظة مشهورة لكان أحسن الوجوه قاله في المصابيح، ولأبي ذر عن الكشميهني: قد استكان.
(ثم قال: يا رسول الله ما أعددت) بالهمزة كالسابقة ولأبي ذر عن الكشميهني ما عدّدت بغير همزة. قال في الفتح: وهو بالتشديد مثل جمع مالاً وعدده اهـ. وقال المفسرون: جمع مالاً وعدّده أي أعدّه لنوائب الدهر مثل كرّم وأكرم، وقيل أحصى عدده قاله السدي، وقرأ الحسن والكلبي بتخفيف الدال أي جمع مالاً وعدد ذلك المال، والمعنى هنا ما هيأت (لها كبير صيام) بالباء الموحدة ولبعضهم بالمثلثة (ولا صلاة ولا صدقة ولكني) بكسر النون المشددة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولكن بسكون النون مخففة (أحب الله ورسوله. قال) ﷺ له: (أنت) في الجنة (مع من أحببت). فألحقه بحسن نيته من غير زيادة عمل بالصحابي الأعمال الصالحة. وقال ابن بطال: فيه جواز سكوت العالم عن جواب السائل والمستفتي إذا كانت المسألة لا تعرف أو كانت مما لا حاجة بالناس إليها أو كانت مما يخشى منها الفتنة أو سوء التأويل.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله عند السدة. قال المهلب: الفتيا في الطريق وعلى الدابة ونحو ذلك من التواضع فإن كانت للضعيف فمحمودة وإن كانت لشخص من أهل الدنيا أو ممن يخشى فمكروهة لكن إذا خشي من الثاني ضررًا وجب ليأمن شره.
والحديث سبق في الأدب في باب علامات حب الله.
١١ - باب مَا ذُكِرَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ
(باب ما ذكر أن النبي ﷺ لم يكن له بوّاب) راتب ليمنع الناس من الدخول عليه.
٧١٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ لاِمْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ فَإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّ بِهَا وَهْىَ تَبْكِى عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: «اتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى» فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّى فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِى قَالَ: فَجَاوَزَهَا وَمَضَى فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ فَقَالَ: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: مَا عَرَفْتُهُ قَالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُكَ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) ولأبي ذر والأصيلي: إسحاق بن منصور أي ابن بهرام الكوسج أبو يعقوب المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر والأصيلي: حدّثنا (عبد الصمد) بن عبد الوارث قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا ثابت البناني) بضم الموحدة وفتح النون (عن أنس بن مالك) ﵁ ولأبي ذر قال: سمعت أنس بن مالك (يقول لامرأة من أهله: تعرفين فلانة) لم يقف الحافظ على اسم المرأتين (قالت: نعم) أعرفها (قال: فإن النبي ﷺ مرّ بها وهي) أي والحال أنها (تبكي عند قبر فقال) لها:
(اتقي الله) توطئة لقوله (واصبري) بكسر الموحدة أي لا تجزعي وخافي غضب الله واصبري
حتى تثابي فأجابت (فقالت) له: (إليك) أي تنح وابعد (عني فإنك خلو) بكسر المعجمة وسكون اللام خال (من مصيبتي). وعند أبي يعلى من حديث أبي هريرة أنها قالت: يا عبد الله إني أنا الحراء الثكلاء ولو كنت مصابًا عذرتني (قال) أنس: (فجاوزها) ﷺ (ومضى فمرّ بها رجل) هو الفضل بن العباس (فقال) لها: (ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ قالت) له: (ما عرفته. قال: إنه لرسول الله ﷺ ¬) زاد مسلم في رواية له فأخذها مثل الموت أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله ﷺ (قال) أنس: (فجاءت) أي المرأة (إلى بابه) ﵊ (فلم تجد عليه بوّابًا) أي راتبًا تواضعًا منه ﷺ ، فلا يعارض هذا حديث أبي موسى أنه كان بوّابًا له ﵊ لما جلس على القف، وحديث عمر لما استأذن له الأسود في قصة حلفه أن لا يدخل على نسائه شهرًا لأنه ﷺ كان في خلوة نفسه يتخذ البوّاب. واختلف في مشروعية الحجاب للحاكم فقال إمامنا الشافعي: لا ينبغي اتخاذه له، وقال آخرون بالجواز، وقال آخرون يستحب لترتيب الخصوم ومنع المستطيل ودفع الشرّير ويكره دوام الاحتجاب، وقد يحرم ففي أبي داود والترمذي بسند جيد عن أبي مريم الأسدي مرفوعًا: مَن ولاّه الله من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة. وقال في شرح المشكاة: فائدة قوله
стр. 4480
فلم تجد عنده بوّابًا إنه لما قيل لها إنه لرسول الله ﷺ استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها فتصوّرت أنه مثل الملوك له حاجب وبوّاب يمنع الناس من الوصول إليه فوجدت الأمر بخلاف ما تصوّرته.
(فقالت: يا رسول الله والله ما عرفتك. فقال النبي ﷺ ¬) لها (إن الصبر عند أول صدمة) ولأبي ذر عن الكشميهني: عند أول الصدمة بالتعريف، والمعنى إذا وقع الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فهو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر فالمرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه وإنما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره.
وسبق الحديث في الجنائز في باب زيارة القبور.
١٢ - باب الْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالْقَتْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ الإِمَامِ الَّذِى فَوْقَهُ
(باب) ذكر (الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه) القتل (دون الإمام الذي فوقه) أي الذي ولاّه من غير احتياج إلى استئذانه في خصوص ذلك وباب مضاف لتاليه في الفرع، وقال العيني: ليس مضافًا وإن قوله الحاكم رفع بالابتداء وقوله يحكم بالقتل خبره. وقال في الكواكب وتبعه البرماوي قوله دون هو إما بمعنى عند وإما بمعنى غير، لكن الحديث الثاني يدل على أنه بمعنى غير ليس إلا والأول يحتملهما.
٧١٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الذُّهْلِىُّ، حَدَّثَنَا الأَنْصَارِىُّ مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الأَمِيرِ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن خالد) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس (الذهلي) بضم المعجمة وسكون الهاء وكسر اللام وسقط الذهلي لأبي ذر قال: (حدّثنا الأنصاري محمد) بتقديم النسبة على الاسم وهي رواية أبي زيد المروزي كما في الفتح وللأكثر حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (أبي) عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس (عن) عم أبيه (ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميم الأولى والثانية بينهما ألف (عن أنس) ﵁ (أن قيس بن سعد). قال في الفتح: وزاد في رواية المروزي ابن عبادة أي الأنصاري الخزرجي لا قيس بن سعد بن معاذ ولأبي ذر عن أنس بن مالك قال: إن قيس بن سعد (كأن يكون بين يدي النبي- ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير). بضم المعجمة وفتح الراء بعدها طاء مهملة. وزاد الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن محمد بن مرزوق عن الأنصاري مما أدرجه الأنصاري من كلامه كما بيّنه الترمذي لا ينفذه من أموره. والشرطة أعوان الأمير الذين يتصرفون في الجند بأمره والمراد بصاحب الشرطة كبيرهم، فقيل سموا بذلك لأنهم رذالة الجند أو لأنهم الأشداء الأقوياء من الجند. قال الأزهري: شرطة كل شيء خياره، ومنه الشرطة لأنهم نخبة الجند وقيل هم أول طائفة تتقدم الجيش وتشهد الوقعة، وقيل مأخوذ من الشريط وهو الحبل المبرم لما فيهم من الشدة.
وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده، لأن صاحب الشرطة لم يكن موجودًا في العهد النبوي عند أحد من العمال، وإنما حدث في دولة بني أمية فأراد أنس تقريب حال قيس بن سعد عند السامعين فشبهه بما يعهدونه وفائدة تكرار لفظ الكون في قوله كان يكون بيان الدوام والاستمرار كما قاله في الكواكب.
وقوله في الفتح إنه وقع في الترمذي وغيره من طرق عن الأنصاري كان قيس بن سعد من النبي ﷺ قال: فظهر أن ذلك كان من تصرف الرواة، تعقبه العيني بأن رواية الترمذي وغيره لا تستلزم نفي رواية كان يكون فإن كلاًّ لا يروي إلا ما ضبطه فعدم النسبة إلى تصرف الرواة أولى من كونهم تصرفوا في ذلك من أنفسهم ومفهوم التكرار، وزيادة الإسماعيلي أن ذلك كان لقيس على سبيل الوظيفة الراتبة لكن يعكر عليه ما ذكره الإسماعيلي بلفظ قال الأنصاري، ولا أعلمه إلا عن أنس أنه لما قدم النبي ﷺ كان قيس بن سعد في مقدمته بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير فكلم سعد النبي ﷺ في قيس أن يصرفه من الموضع الذي وضعه فيه مخافة أن يقدم على شيء فصرفه عن ذلك، ثم أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن الأنصاري بدون تلك الزيادة التي في آخره قال: ولم يشك في كونه عن أنس فكأن الأنصاري كان يتردد في وصلها. قال الحافظ ابن حجر: وعلى تقدير ثبوت
стр. 4481
هذه الزيادة فلم يقع ذلك لقيس بن سعد إلا في تلك المرة ولم يستمر مع ذلك فيها.
٧١٥٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ قُرَّةَ، حَدَّثَنِى حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَهُ وَأَتْبَعَهُ بِمُعَاذٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) زاد أبو ذر هو القطان (عن قرة) ولأبي ذر زيادة ابن خالد أي السدوسي أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (حميد بن هلال) العدوي البصري قال: (حدّثنا أبو بردة) بضم الموحدة عامر أو الحارث (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (أن النبي ﷺ بعثه) أرسله إلى اليمن قاضيًا (وأتبعه بمعاذ) بهمزة قطع وسكون الفوقية ومعاذ هو ابن جبل.
وهذا قطعة من حديث سبق في باب حكم المرتد والمرتدة من استتابة المرتدين بهذا السند وأوله عن أبي موسى قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ورسول الله ﷺ يستاك فكلاهما سأل فقال: يا أبا موسى أو قال يا عبد الله بن قيس قال: قلت والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت فقال: لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس إلى اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل، ثم ذكر قصة اليهودي الذي أسلم ثم ارتد وعليها اقتصر هنا في الحديث التالي لهذا.
٧١٥٧ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى أَنَّ رَجُلاً أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهْوَ عِنْدَ أَبِى مُوسَى فَقَالَ: مَا لِهَذَا؟ قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن الصباح) بفتح المهملة والموحدة المشددة وبعد الألف مهملة العطاردي البصري قال: (حدّثنا محبوب بن الحسن) القرشي البصري قيل اسمه محمد ومحبوب لقبه قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن حميد بن هلال) العدوي (عن أبي بردة) عامر (عن أبي موسى) الأشعري ﵁ (أن رجلاً) أي أعرف اسمه (أسلم ثم تهوّد فأتاه معاذ بن جبل وهو عند أبي موسى فقال) معاذ لأبي موسى: (ما لهذا) الرجل الموثق؟ (قال: أسلم ثم تهود) وفي رواية الباب المذكور في استتابة المرتدين ثم أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه ألقى له وسادة. قال أنزل وإذا رجل عنده موثق قال ما هذا قال كان يهوديًّا فأسلم ثم تهود فقال أجلس (قال: لا أجلس حتى أقتله) هذا (قضاء الله و) قضاء (رسوله ﷺ ¬) زاد في الاستتابة فأمر به فقتل وبذلك يتم مراد الترجمة ويحصل الرد على من زعم أن الحدود لا يقيمها عمال البلاد إلا بعد إذن الإمام الذي ولاهم.
١٣ - باب هَلْ يَقْضِى الْحَاكِمُ أَوْ يُفْتِى وَهْوَ غَضْبَانُ؟
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (هل يقضي الحاكم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي القاضي أي بين الناس (أو يفتي وهو غضبان)؟
٧١٥٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ بِأَنْ لَا تَقْضِىَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ فَإِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهْوَ غَضْبَانُ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا عبد الملك بن عمير) بضم العين وفتح الميم الكوفي قال: (سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة) نفيع الثقفي (قال: كتب) أبي (أبو بكرة إلى ابنه) بالنون ولده عبيد الله بالتصغير (وكان) عبيد الله قاضيًا (بسجستان) بكسر المهملة والجيم على الصحيح غير منصرف للعلمية والعجمية وفيه الزيادة والتأنيث إحدى مدن العجم وهي خلف كرمان مسيرة مائة فرسخ منها أربعون مفازة ليس بها ماء وهي إلى ناحية الهند (بأن لا تقضي بين اثنين).
وفي عمدة الأحكام: كتب أبي وكتبت له إلى ابنه عبيد الله وهو موافق لرواية مسلم إلا أنه زاد لفظة ابنه، والضمير في ابنه عائد إلى أبي بكرة، وصرح في بعض الروايات فقال وكتبت له إلى ابنه عبيد الله بن أبي بكرة. والحاصل أن أبا بكرة له ابن يسمى عبيد الله وهو المكتوب إليه وابن آخر يسمى عبد الرحمن راوي الحديث الذي كتب إلى أخيه عبيد الله به، وهذا التركيب يحتمل أن يكون أبو بكرة كتب بنفسه إلى ابن عبيد الله، وكتب عبد الرحمن لأخيه عبيد الله بمثل ما كتب أبو بكرة، ولكن عبد الرحمن إنما كتب لأجل أبيهما أي لأجل أمره وطواعيته ونحو ذلك ففيه تنازع بين كتب وبين كتبت في المفعول وهو أن لا يحكم بين اثنين وفي الجار والمجرور وهو إلى ابنه، ويكون قد أعمل أحدهما وأضمر في الآخر ولكنه حذف لكونه فضلة، وتعقبه في الفتح بأنه لا يتعين ذلك بل الذي يظهر أن قوله كتب أبي أي أمر
стр. 4482
بالكتابة وقوله وكتبت أي باشرت الكتابة التي أمر بها والأصل عدم التعدد، وتعقبه العيني فقال: الأصل عدم التعدد والأصل عدم ارتكاب المجاز والعدول عن ظاهر الكلام لا لعلة وما المانع من التعدد اهـ.
أو يكون المراد كتب أبي إليّ أن أكتب لابنه، ولكن حذف المفعول وهو المجرور بإلى ثم قال: وكتبت له إلى ابنه بذلك أي لأجل أمره لي بأن أكتب وعلى هذا فلا تنازع في المجرور بل في المفعول الذي هو المصدر المنسبك من أن لا تحكم الخ وأعمل أحدهما وحذف الآخر لأنه غير عمدة على ما سبق، أو يكون المراد أن كلاًّ من أبي بكرة وعبد الرحمن كتب إلى عبيد الله وكتابة ثانيهما إليه تأكيد لكتابة الأوّل، وكتابة عبد الرحمن إنما كانت لأجل أبي بكرة على معنى أنه كتب ذلك عن أبيه لا من قبل نفسه أو يكون أبو بكرة أمر بالكتابة فنسب إليه أنه كتب تجوّزًا بالسبب
عن المسبب وفيه نظر لرواية النسائي. قال عبد الرحمن بن أبي بكرة كتب إليّ أبو بكرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول الخ. وفي رواية مسلم أن لا تحكم بين اثنين (وأنت غضبان) جملة في موضع الحال وغضبان لا ينصرف والغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام وعند الترمذي عن أبي سعيد مرفوعًا: ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه (فإني سمعت النبي ﷺ يقول) الفاء في فإني سببية.
(لا يقضين) بتشديد النون تأكيد للنهي (حكم) بفتحتين أي حاكم (بين اثنين وهو غضبان) لأن الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق، وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به التغير للفكر كجوع وشبع مفرطين ومرض مؤلم وخوف مزعج وفرح شديد وغلبة نعاس وهمّ مضجر ومدافعة حدث وحرّ مزعج وبرد منكر وسائر ما يتعلق به القلب تعلقًا يشغله عن استيفاء النظر وعن أبي سعيد عند البيهقي بسند ضعيف مرفوعًا: لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان، واقتصر على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره نعم إن غضب لله ففي الكراهة وجهان. قال البلقيني: المعتمد عدم الكراهة واستبعده غيره لمخالفته لظواهر الأحاديث وللمعنى الذي لأجله نهي عن الحكم حال الغضب، ولو خالف وحكم وهو غضبان صحّ أن صادف الحق مع الكراهة، وعن بعض الحنابلة لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي عنه والنهي يقتضي الفساد، وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثر وإلاّ فهو محل الخلاف.
والحديث أخرجه مسلم في الأحكام، وأبو داود في القضاء، والترمذي في الأحكام، والنسائي في القضايا وابن ماجة في الأحكام.
٧١٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى وَاللَّهِ لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِى مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي المجاور قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد) الكوفي الحافظ (عن قيس بن أبي حازم) أبي عبد الله البجلي التابعي الكبير فاتته الصحبة بليال (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو بفتح العين وسكون الميم (الأنصاري) الخزرجي البدري أنه (قال: جاء رجل) لم يسم أو هو سليم بن الحارث (إلى رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر إلى النبي (¬ ﷺ فقال: يا رسول الله إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة) الصبح فلا أصليها مع الإمام (من أجل فلان) هو معاذ بن جبل أو أبي بن كعب كما في مسند أبي يعلى (مما يطيل بنا فيها) في
صلاة الغداة ومن ابتدائية متعلقة بأتأخر (قال) أبو مسعود (فما رأيت النبي ﷺ قطّ أشد غضبًا في موعظة منه يومئذٍ) وفيه وعيد شديد على من يسعى في تخلف الغير عن الجماعة (ثم قال) ﷺ :
(يا أيها الناس) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أيها الناس بإسقاط أداة النداء (إن منكم منفرين فأيكم ما صلّى بالناس فليوجز) بسكون اللام وبالجيم المكسورة بعدها زاي وما صلة مؤكدة لمعنى الإبهام في أيّ وصلى فعل شرط وفليوجز جوابه كقوله تعالى: ﴿أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠] (فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة).
والحديث
стр. 4483
سبق في العلم في باب الغضب في الموعظة وفي كتاب الصلاة في باب تخفيف الإمام في القيام.
٧١٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى يَعْقُوبَ الْكِرْمَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنِى سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا، حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن أبي يعقوب) إسحاق (الكرماني) بفتح الكاف عند المحدّثين وأهلها يكسرونها قال: (حدّثنا حسان بن إبراهيم) بفتح الحاء المهملة المشددة الكرماني العنزي قاضي كرمان قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (قال محمد): ولأبي ذر: حدّثنا محمد هو الزهري قال: (أخبرني) بالإفراد (سالم أن) أباه (عبد الله بن عمر) ﵄ (أخبره أنه طلّق امرأته) آمنة بمدّ الهمزة وكسر الميم بنت غفار بالغين المعجمة المكسورة والفاء (وهي حائض) الواو للحال من امرأته أو من ضمير الفاعل (فذكر عمر) ذلك (للنبي ﷺ فتغيظ) أي غضب (فيه) أي في الفعل المذكور وهو الطلاق وتغيظ مطاوع غظته فتغيظ ولأبي ذر عن الكشميهني عليه أي على ابن عمر (رسول الله ﷺ ثم قال): يحتمل أن يكون ثم هنا بمعنى الواو لأن قوله مقارن تغيظه، ويحتمل أن تكون على بابها وإن قوله بعد زوال الغيظ واللام في قوله:
(ليراجعها) لام الأمر والفعل مجزوم وكذا قوله (ثم يمسكها) ويجوز في المعطوف الرفع على الاستئناف أي ثم هو يمسكها والأمر للندب في قول إمامنا الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وفقهاء المحدّثنين وللوجوب عند مالك وأصحابه والصارف له عن الوجوب قوله تعالى: ﴿فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾ [الطلاق: ٢] وغيره من الآيات المقتضية للتخيير بين الإمساك بالرجعة أو الفراق بتركها ولمسلم ثم ليدعها (حتى تطهر ثم تحيض) حيضة أخرى (فتطهر) منها (فإن بدا له) بعد طهرها من الحيض الثاني (أن يطلقها فليطلقها) قبل أن يجامعها. قال البيضاوي: وفي الحديث فوائد حرمة الطلاق في الحيض لتغيظه ﷺ فيه وهو لا يتغيظ إلا في حرام والتنبيه على أن علة التحريم تطويل العدة عليها وإن العدة بالإطهار لا بالحيض.
والحديث سبق في الطلاق.
١٤ - باب مَنْ رَأَى لِلْقَاضِى أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِى أَمْرِ النَّاسِ
إِذَا لَمْ يَخَفِ الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ كَمَا قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِهِنْدَ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَمْرٌ مَشْهُورٌ.
(باب من رأى) من الفقهاء (للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس) دون حقوق الله كالحدود (إذا لم يخف) القاضي (الظنون والتهمة) بفتح الهاء أي يحكم بشرطين عدم التهمة ووجود الشهرة (كما قال النبي ﷺ لهند): حين قضى لها على زوجها أبي سفيان بن حرب (خذي) من ماله (ما يكفيك وولدك بالمعروف. وذلك إذا كان أمر مشهور) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: إذا كان أمرًا مشهورًا بالنصب خير كان أي إذا كان مشهورًا كقصة هند في زوجيتها لأبي سفيان ووجوب النفقة عليه. وقال المالكية: لا يحكم بعلمه في أمر من الأمور إلا في التعديل والتجريح لأن القاضي يشارك غيره فيهما فلا تهمة وإنه لو لم يحكم بعلمه في العدالة لافتقر إلى معدلين آخرين وهكذا فيتسلسل.
٧١٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ قَالَتْ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَىَّ مِنْ حَرَجٍ أَنْ أُطْعِمَ الَّذِى لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ لَهَا: «لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: قال أخبرني بالإفراد أيضًا (عروة) بن الزبير (أن عائشة ﵂ قالت: جاءت هند) بالصرف وعدمه لسكون وسطه (بنت عتبة بن ربيعة) بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية والدة معاوية وسقط لأبي ذر: ابن ربيعة إلى رسول الله ﷺ (فقالت: يا رسول الله والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء) بكسر الخاء المعجمة والمد (أحب إليّ) بتشديد الياء (أن يذلوا) بفتح التحتية وكسر المعجمة (من أهل خبائك) أرادت بيته ﷺ فكنت عنه بأهل الخباء إجلالاً له أو أرادت أهل بيته أو صحابته فهو من المجاز والاستعارة (وما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ أن يعزوا) بفتح التحتية وكسر العين المهملة وتشديد الزاي (من أهل خبائك. ثم قالت): يا رسول الله (إن أبا سفيان) صخر بن حرب زوجي (رجل مسّيك) بكسر الميم والسين المهملة المشددة بصيغة المبالغة من مسك اليد يعني بخيل جدًّا ويجوز فتح الميم وكسر السين مخففة بوزن أمير وهو أصح عند أهل العربية والأوّل هو
الأشهر في رواية
стр. 4484
المحدّثين ورجل خبر إن، ولو قالت: إن أبا سفيان مسيك صح وحصلت الفائدة إلا أن ذكر الموصوف مع صفته يكون لتعظيمه نحو: رأيت رجلاً صالحًا أو لتحقيره نحو رأيت رجلاً فاسقًا، ولما كان البخل مذمومًا قالت رجل. وفي رواية: شحيح بدل مسيك وهو أشد البخل، وقيل الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده. وقال رجل لابن عمر: إني شحيح. فقال له: إن كان شحّك لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك فليس بشحّك بأس. وعن ابن مسعود: الشحّ منع الزكاة. وقال القرطبي: المراد أنه شحيح بالنسبة إلى امرأته وولده لا مطلقًا لأن الإنسان قد يفعل هذا مع أهل بيته لأنه يرى أن غيرهم أحوج وأولى وإلا فأبو سفيان لم يكن معروفًا بالبخل فلا يستدل بهذا الحديث على أنه بخيل مطلقًا. (فهل عليّ) بتشديد الياء (من حرج) إثم (أن أطعم الذي) ولأبي ذر عن المستملي من الذي (له عيالنا) وهمزة أطعم مضمومة (قال) ﷺ (لها):
(لا حرج) لا إثم (عليك أن تطعميهم من معروف) أي الإطعام الذي هو المعروف بأن لا يكون فيه إسراف ونحوه. وفي هذا أن للقاضي أن يقضي بعلمه، لأن النبي ﷺ كان يعلم أنها زوجة أبي سفيان ولم يكلفها البيّنة لأن علمه أقوى من الشهادة لتيقن ما علمه والشهادة قد تكون كذبًا، ويأتي إن شاء الله تعالى عند المؤلّف في باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء عن آخرين من أهل العراق أنه يقضي بعلمه لأنه مؤتمن، وإنما يراد من الشهادة معرفة الحق فعلمه أكثر من الشهادة، واستدلّ المانعون من القضاء بالعلم بقوله في حديث أم سلمة إنما أقضي له بما أسمع ولم يقل بما أعلم، وقال للحضرمي: شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك ويخشى من قضاة السوء أن يحكم أحدهم بما شاء ويحيل على علمه، وتعقب ابن المنير البخاري بأنه لا دلالة في الحديث للترجمة لأنه خرج مخرج الفتيا قال: وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة إنهاء المستفتي فكأنه قال: إن ثبت أنه يمنعك حقك جاز لك أخذه، وأجاب بعضهم: بأن الأغلب من أحوال النبي ﷺ الحكم والإلزام فيجب تنزيل لفظه عليه وبأنه لو كانت فتيا لقال مثلاً لك أن تأخذي فلما أتى بصيغة الأمر بقوله: خذي كما في الرواية الأخرى دلّ على الحكم.
ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته في باب القضاء على الغائب وفي باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء.
تنبيه:
لو شهدت البيّنة مثلاً بخلاف ما يعلمه علمًا حسيًّا لمشاهدة أو سماع يقينًا أو ظنًّا راجحًا لم يجز له أن يحكم بما قامت به البيّنة ونقل بعضهم فيه الاتفاق، وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم.
والحديث سبق في النفقات.
١٥ - باب الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ الْمَخْتُومِ وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِمْ وَكِتَابِ الْحَاكِمِ إِلَى عَامِلِهِ وَالْقَاضِى إِلَى الْقَاضِى
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كِتَابُ الْحَاكِمِ جَائِزٌ إِلاَّ فِى الْحُدُودِ ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَهْوَ جَائِزٌ لأَنَّ هَذَا مَالٌ بِزَعْمِهِ وَإِنَّمَا صَارَ مَالاً بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ فَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ وَاحِدٌ، وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَامِلِهِ فِى الْجَارُودِ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِى سِنٍّ كُسِرَتْ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كِتَابُ الْقَاضِى إِلَى الْقَاضِى جَائِزٌ، إِذَا عَرَفَ الْكِتَابَ وَالْخَاتَمَ، وَكَانَ الشَّعْبِىُّ يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْقَاضِى وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الثَّقَفِىُّ: شَهِدْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِىَ الْبَصْرَةِ، وَإِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَالْحَسَنَ وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ وَبِلَالَ بْنَ أَبِى بُرْدَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِىَّ وَعَامِرَ بْنَ عَبِيدَةَ وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ يُجِيزُونَ كُتُبَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ فَإِنْ قَالَ: الَّذِى جِئَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ إِنَّهُ زُورٌ قِيلَ لَهُ اذْهَبْ فَالْتَمِسِ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِى الْبَيِّنَةَ ابْنُ أَبِى لَيْلَى وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحْرِزٍ جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَاضِى الْبَصْرَةِ وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لِى عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا وَهْوَ بِالْكُوفَةِ وَجِئْتُ بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَجَازَهُ وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَأَبُو قِلَابَةَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا لأَنَّهُ لَا يَدْرِى لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا وَقَدْ كَتَبَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ «إِمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ».
وَقَالَ الزُّهْرِىُّ: فِى شَهَادَةٍ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ وَإِلاَّ فَلَا تَشْهَدْ.
(باب) حكم (الشهادة على الخط المختوم) أنه خط فلان وقال المختوم لأنه أقرب إلى عدم تزوير الخط وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني المحكوم بالحاء المهملة بدل المعجمة والكاف بدل الفوقية أي المحكوم به (وما يجوز من ذلك) أي من الشهادة على الخط (وما يضيق عليهم) وللأصيلي زيادة فيه فلا يجوز لهم الشهادة به، ولأبي ذر عليه أي الشاهد فالقول بذلك ليس على التعميم إثباتًا ونفيًا بل لا يمنع مطلقًا لما فيه من تضييع الحقوق ولا يعمل به مطلقًا إذ لا يؤمن فيه التزوير (و) حكم (كتاب الحاكم إلى عماله) بضم العين وتشديد الميم وفي الفرع كأصله إلى عامله بلفظ الإفراد (و) كتاب (القاضي إلى القاضي. وقال بعض الناس): أبو حنيفة وأصحابه (كتاب الحاكم جائز إلا في الحدود ثم) ناقض بعض الناس حيث (قال: إن كان القتل خطأ فهو) أي كتاب الحاكم (جائز لأن هذا) أي قتل الخطأ في نفس الأمر (مال بزعمه) بضم الزاي وفتحها وإنما كان عنده مالاً لعدم القصاص فيه فيلحق بسائر الأموال في هذا الحكم ثم ذكر المؤلّف وجه
المناقضة فقال (وإنما صار) قتل الخطأ (مالاً بعد أن ثبت) ولأبي ذر أن يثبت (القتل) عند الحاكم (فالخطأ والعمد) في أول الأمر حكمهما (واحد) لا تفاوت في كونهما حدًّا.
(وقد كتب عمر)
стр. 4485
بن الخطاب ﵁ (إلى عامله في الحدود) بالحاء والدالين المهملات والعامل المذكور هو يعلى بن أمية عامله على اليمن كتب إليه في قصة رجل زنى بامرأة مضيفه: إن كان عالمًا بالتحريم فحدّه، وللأصيلي وأبي ذر عن المستملي والكشميهني في الجارود بالجيم بعدها ألف فراء فواو فدال مهملة ابن المعلى أبي المنذر العبدي، وله قصة مع قدامة بن مظعون عامل عمر على البحرين ذكرها عبد الرزاق بسند صحيح من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: استعمل عمر قدامة بن مظعون فقدم الجارود بسبب عبد القيس على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر فكتب عمر إلى قدامة في ذلك فذكر القصة بطولها في قدوم قدامة وشهادة الجارود وأبي هريرة عليه، وفي احتجاج قدامة بآية المائدة، وفي رد عمر عليه وجلده الحد.
(وكتب عمر بن عبد العزيز) ﵀ إلى عامله زريق بن حكيم (في) شأن (سنّ كسرت) بضم الكاف وكسر السين وهذا وصله أبو بكر الخلال في كتاب القصاص والديات من طريق عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق بن حكيم عن أبيه بلفظ كتب إليّ عمر بن عبد العزيز كتابًا أجاز فيه شهادة رجل على سن كسرت.
(وقال إبراهيم) النخعي مما وصله ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عبيدة عنه (كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف) القاضي المكتوب إليه (الكتاب والخاتم) الذي يختم به عليه بحيث لا يلتبسان بغيرهما.
(وكان الشعبي) عامر بن شراحيل مما وصله ابن أبي شيبة من طريق عيسى بن أبي عزة (يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي ويروى عن ابن عمر) ﵄ (نحوه):
أي نحو ما روي عن الشعبي. قال في فتح الباري: ولم يقع لي هذا الأثر عن ابن عمر إلى الآن.
(وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي): المعروف بالضال بضاد معجمة ولام مشددة سمي به لأنه ضل في طريق مكة (شهدت) أي حضرت (عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة) الليثي التابعي ولاه عليها يزيد بن هبيرة لما ولي إمارتها من قبل يزيد بن عبد الملك بن مروان كما ذكره عمر بن شبة في أخبار البصرة (و) شهدت (إياس بن معاوية) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية المزني وكان ولي قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز من قبل عدي بن أرطأة عامل عمر بن عبد العزيز عليها (والحسن) البصري، وكان قد وليس القضاء بالبصرة مدة قليلة ولاّه عدي بن أرطأة عاملها (وثمامة بن عبد الله بن أنس) أي ابن مالك وكان قاضي البصرة في أوائل خلافة هشام بن عبد الملك ولاه خالد القسري (وبلال بن أبي بردة) بضم الموحدة عامر أو الحارث بن أبي موسى
الأشعري ولاه خالد القسري قضاء البصرة (وعبد الله بن بريدة) بضم الموحدة (الأسلمي) التابعي المشهور ولي قضاء مرو (وعامر بن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة بعدها تحتية مصحح عليه في الفرع وأصله وزاد في فتح الباري عبدة بفتح العين وسكون الموحدة وفتحها وقال ذكره ابن ماكولا بالوجهين وعامر هو أبو إياس البجلي الكوفي (وعباد بن منصور) بفتح العين والموحدة المشددة الناجي بالنون والجيم يكنى أبا سلمة الثمانية حال كونهم (يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود) بضم الشين ولأبي ذر من المشهود بزيادة ميم وسكون الشين (فإن قال الذي جيء عليه بالكتاب) بكسر الجيم وسكون التحتية بعدها همزة (أنه) أي الكتاب (زور قيل له اذهب فالتمس المخرج من ذلك) بفتح الميم والراء بينهما، معجمة ساكنة أي اطلب الخروج من عهدة ذلك إما بالقدح في البيّنة بما يقبل فتبطل الشهادة، وإما بما يدل على البراءة من المشهود به. وقال المالكية: إذا جاء كتاب من قاض إلى قاض آخر مع شاهدين فإنه يعتمد على ما شهد به الشاهدان ولو خالفا ما في الكتاب، وقيد ذلك في الجواهر بما إذا طابقت شهادتهما الدعوى قال: ولو شهدا بما فيه وهو مفتوح جاز وندب ختمه ولم يفد وحده فلا بد من شهود بأن هذا الكتاب كتاب فلان القاضي، وزاد أشهب ويشهدون أنه أشهدهم بما فيه اهـ.
واحتج من لم يشترط الإشهاد
следующие страницы →