Полный текст (4 743 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
الياء (بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها فأنزل الله تعالى: ﴿وإن الذين جاؤوا بالإفك﴾ [النور: ١١] العشر الأيات) في براءتي.
ومطابقته للترجمة في قوله من أن يتكلم الله فيّ بأمر يُتلى، وسبق الحديث في غير مرة.
٧٥٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ: اللَّهُ إِذَا أَرَادَ عَبْدِى أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِى فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء قال: (حدّثنا المغيرة بن عبد الرحمن) المدني (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(يقول الله) (إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها) بفتح الميم (فإن عملها) بكسرها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فإذا عملها (فاكتبوها) عليه (بمثلها) من غير تضعيف (وإن تركها من أجلي) أي خوفًا مني (فاكتبوها له حسنة) واحدة غير مضاعفة وزاد في رواية ابن عباس في الرقاق كاملة (وإذا أراد) عبدي (أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة) زاد ابن عباس كاملة أي لا نقص فيها (فإن عملها) بكسر الميم (فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إلى سبعمائة ضعف زاد في الرواية المذكورة إلى أضعاف كثيرة أي بحسب الزيادة في الاخلاص.
والغرض من الحديث قوله يقول الله. وسبق نحوه في باب: مَن همّ بحسنة من حديث ابن عباس.
٧٥٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ
الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَ: مَهْ قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ فَقَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ قَالَ: فَذَلِكِ لَكِ». ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثني) بالإفراد (سليمان بن بلال) وسقط ابن بلال لأبي ذر (عن معاوية بن أبي مزرد) بضم الميم وفتح الزاي وكسر الراء المشددة والذي في اليونينية فتحها بعدها دال مهملة واسمه عبد الرحمن بن يسار بالتحتية والمهملة المخففة (عن) عمه (سعيد بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(خلق الله) (الخلق فلما فرغ منه) أي أتمّه وقضاه (قامت الرحم) حقيقة بأن تجسمت زاد في تفسير سورة القتال قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن وهو استعارة إذ من عادة المستجير أن يأخذ بذيل المُستَجار به أو بطرف ردائه وربما أخذ بحقو إزاره مبالغة في الاستجارة (فقال) تعالى لها (مه) بفتح الميم وسكون الهاء أي اكففي (قالت) بلسان الحال أو بلسان المقال وفي حديث عبد الله بن عمرو وعند أحمد أنها تكلم بلسان طلق ذلق وللأصيلي فقالت (هذا مقام العائد) أي قيامي هذا قيام المستجير (بك من القطيعة فقال) جلّ وعلا ولأبي ذر عن الكشميهني قال (ألا) بالتخفيف (ترضين أن أصل من وصلك) بأن أتعطف عليه (وأقطع من قطعك) فلا أتعطف عليه (قالت: بلى) رضيت (يا رب. قال) تعالى (فذلك لك) بكسر الكاف فيهما (ثم قال أبو هريرة) ﴿فهل عسيتم﴾ وفي الأدب قال رسول الله: فاقرؤوا إن شئتم (﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: ٢٢]).
وهذا الحديث سبق في تفسير سورة القتال وفي كتاب الأدب.
٧٥٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَالِحٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: مُطِرَ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: «قَالَ اللَّهُ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى كَافِرٌ بِى وَمُؤْمِنٌ بِى».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن صالح) هو ابن كيسان (عن عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود (عن زيد بن خالد) الجهني ﵁ أنه (قال: مطر النبي ﷺ ¬) بضم الميم وكسر الطاء أي حصل المطر بدعائه ﷺ (فقال) ﵊.
(قال الله) (أصبح من عبادي كافر بي) وهو من قال مطرنا بنوء كذا (ومؤمن بي) وهو من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته كما وقع مبيِّنًا في الحديث الآخر السابق في الاستسقاء ومطابقته هنا ظاهرة.
٧٥٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ إِذَا أَحَبَّ عَبْدِى لِقَائِى أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِى كَرِهْتُ لِقَاءَهُ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(قال الله) (إذا أحب عبدي لقائي) أي الموت. وقال ابن الأثير: المراد باللقاء المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله وليس المراد به الموت لأن كلاًّ
стр. 4692
يكرهه فمَن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله (أحببت لقاءه) أي أردت الخير له والإنعام عليه (وإذا كره) عبدي (لقائي كرهت لقاءه) فيه أن محبة لقاء الله لا تدخل في النهي عن تمني الموت لأنها ممكنة مع عدم تمنِّيه لأن النهي محمول على حال الحياة المستمرة أما عند المعاينة والاحتضار فلا تدخل تحت النهي بل هي مستحبة.
وسبقت مباحث الحديث في باب من أحب لقاء الله من كتاب الرقاق.
٧٥٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِى».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) أي ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(قال الله) (أنا) ولأبي ذر عن المستملي لأنا (عند ظن عبدي) إن ظن خيرًا فله أو غيره فله.
وسبق في باب ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨] من كتاب التوحيد.
٧٥٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَإِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِى الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِى الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ فَغَفَرَ لَهُ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله (عن الأعرج) عبد الرحمن (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(قال رجل) كان نبّاشًا في بني إسرائيل (لم يعمل خيرًا قط) لأهله أو لبنيه (فإذا) ولأبي ذر إذا (مات) كان مقتضى السياق أن يقول إذا متّ لكنه على طريق الالتفات (فحرقوه واذروا) بالذال المعجمة (نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله) بتخفيف الدال أي ضيق الله (عليه) كقوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧] أي ضيّق عليه وليس شكًّا في القدرة على إحيائه (ليعذبنّه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين) زاد في بني إسرائيل فلما مات فعل به ذلك (فأمر الله) (البحر فجمع) بالفاء ولأبي ذر عن الحموي ليجمع (ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه) وزاد أيضًا فإذا هو قائم أي بين يدي الله تعالى (ثم قال) تعالى له (لِمَ فعلت) هذا؟ (قال: من خشيتك) يا رب (وأنت أعلم) جملة حالية أو معترضة (فغفر له).
وسبق الحديث في ذكر بني إسرائيل.
٧٥٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى عَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ فَاغْفِرْ فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِى أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِى ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ أَوْ أَصَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِى أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِى ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ أَصَبْتُ أَوْ قَالَ: أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِى فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِى أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِى ثَلَاثًا فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن إسحاق) بن الحصين بن جابر السرماري بفتح السين المهملة وكسرها وسكون الراء الأولى نسبة إلى سرمارة قرية من قرى بخارى قال: (حدّثنا عمرو بن عاصم) بفتح العين وسكون الميم أبو عثمان الكلاباذي البصري حدّث عنه البخاري بلا واسطة في كتاب الصلاة وغيره قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى قال: (حدّثنا إسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة الأنصاري التابعي المشهور قال: (سمعت عبد الرحمن بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم التابعي الجليل المدني واسم أبيه كنيته وهو أنصاري صحابي وقيل إن لعبد الرحمن رؤية (قال: سمعت أبا هريرة) ﵁ (قال: سمعت النبي ﷺ قال):
(إن عبدًا أصاب ذنبًا وربما قال: أذنب ذنبًا) بالشك (فقال) يا (رب أذنبت ذنبًا وربما قال أصبت) أي ذنبًا (فاغفر) ذنبي ولأبي ذر فاغفره وللكشميهني فاغفر لي (فقال ربه أعلم عبدي) بهمزة الاستفهام والفعل الماضي وللأصيلي علم بحذف الهمزة (إن له ربًّا يغفر الذنب
стр. 4693
ويأخذ به) أي يعاقب عليه وللأصيلي يغفر الذنوب ويأخذ بها (غفرت لعبدي) ذنبه أو قال ذنوبه (ثم مكث ما شاء الله) من الزمان (ثم أصاب ذنبًا) آخر وفي رواية حماد عند مسلم ثم عاد فأذنب (أو) قال
(أذنب ذنبًا فقال) يا (رب أذنبت أو) قال (أصبت) ذنبًا (آخر فاغفره﴾) لي وللأصيليّ فاغفر لي (فقال) ربه (أعلم) وللأصيلي علم (عبدي أن له ربّا يغفر الذنب ويأخذ به) ويعاقب فاعله عليه (غفرت لعبدي ثم مكث ما شاء الله) من الزمان (ثم أذنب ذنبًا) آخر (وربما قال أصاب ذنبًا فقال) يا (رب أصبت أو قال) سقط لفظ قال لغير أبي ذر (أذنبت) ذنبًا (آخر فاغفره لي) كذا بالشك في هذه المواضع المذكورة كلها في هذا الحديث من هذا الوجه ورواه حماد بن سلمة عن إسحاق عند مسلم بلفظ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: أذنب عبدي ذنبًا ولم يشك وكذا في بقية المواضع. (فقال) ربه (أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي ثلاثًا) أي الذنوب الثلاثة وسقط لفظ ثلاثًا لأبي ذر كقوله (فليعمل ما شاء) إذا كان هذا دأبه يذنب الذنب فيتوب منه ويستغفر لا أنه يذنب الذنب ثم يعود إليه فإن هذه توبة الكذّابين؛ ويدل له قوله: أصاب ذنبًا آخر كذا قرّره المنذري.
وقال أبو العباس في المفهم: هذا الحديث يدل على عظم فائدة الاستغفار وكثرة فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه، لكن هذا الاستغفار هو الذي يثبت معناه في القلب مقارنًا للسان لتنحل به عقدة الإصرار ويحصل مع الندم، ويشهد له حديث: خياركم كل مفتن توّاب أي الذي يتكرر منه الذنب والتوبة، فكلما وقع في ذنب عاد إلى التوبة لا من قال: أستغفر الله بلسانه وقلبه مصرّ على تلك المعصية فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى استغفار. وفي حديث ابن عباس عند ابن أبي الدنيا مرفوعًا: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له". والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه المستهزئ بربه، لكن الراجح أن قوله والمستغفر إلى آخره موقوف.
وقال ابن بطال في هذا الحديث إن المصرّ على المعصية في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له مغلبًا لحسنته التي جاء بها وهي اعتقاد أن له ربًّا خالقًا يعذبهُ ويغفر له واستغفاره إياه على ذلك يدل عليه قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولا حسنة أعظم من التوحيد. فإن قيل إن استغفاره ربه توبة منه قلنا ليس الاستغفار أكثر من طلب المغفرة وقد يطلبها المصرّ والتائب ولا دلالة في الحديث على أنه تاب مما سأل الغفران عنه لأن حدّ التوبة الرجوع عن الذنب والعزم أن لا يعود إليه والإقلاع عنه والاستغفار بمجرده لا يفهم منه ذلك.
وقال السبكي في الحلبيات: الاستغفار طلب المغفرة إما باللسان أو بالقلب أو بهما، فالأول فيه نفع لأنه خير من السكوت ولأنه يعتاد قول الخير، والثاني نافع جدًّا، والثالث أبلغ منه لكن لا يمحصان الذنب حتى توجد التوبة منه فإن العاصي المصر يطلب المغفرة ولا يستلزم ذلك وجود التوبة إلى أن قال: والذي ذكرته من أن معنى الاستغفار غير معنى التوبة هو بحسب وضع اللفظ لكنه غلب عند كثيرٍ من الناس أن لفظ أستغفر الله معناه التوبة فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التوبة لا محالة، ثم قال: وذكر بعضهم أن التوبة لا تتم إلا بالاستغفار لقوله تعالى: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود: ٣] والمشهور أنه لا يشترط. وقال بعضهم: يكفي في التوبة
تحقق الندم على وقوعه منه فإنه يستلزم الإقلاع عنه والعزم على عدم العود فهما ناشئان عن الندم لا أصلان معه، ومن ثم جاء الحديث "الندم توبة" وهو حديث حسن من حديث ابن مسعود أخرجه ابن ماجة وصححه الحاكم وأخرجه ابن حبان من حديث أنس وصححه اهـ ملخصًا من فتح الباري.
وسقط للأصيلي فقال أعلم عبدي أن له ربًّا الثالثة إلى آخر الحديث ومطابقته للترجمة في قوله فقال له ربه وفي قوله فقال أعلم عبدي، وأخرجه مسلم في التوبة والنسائي في اليوم والليلة.
٧٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِى حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً فِيمَنْ سَلَفَ أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَالَ كَلِمَةً يَعْنِى «أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالاً وَوَلَدًا، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ قَالَ لِبَنِيهِ: أَىَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ أَوْ لَمْ يَبْتَئِزْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، وَإِنْ يَقْدِرِ اللَّهُ عَلَيْهِ يُعَذِّبْهُ فَانْظُرُوا إِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِى حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِى -أَوْ قَالَ فَاسْحَكُونِى- فَإِذَا كَانَ يَوْمُ رِيحٍ عَاصِفٍ فَأَذْرُونِى فِيهَا». فَقَالَ نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ : «فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّى فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَذْرَوْهُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ فَقَالَ اللَّهُ : كُنْ فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ، قَالَ اللَّهُ: أَىْ عَبْدِى مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ، قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ عِنْدَهَا». وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا عُثْمَانَ فَقَالَ: سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سَلْمَانَ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ أَذْرُونِى فِى الْبَحْرِ أَوْ كَمَا حَدَّثَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن أبي الأسود) البصري قال: (حدّثنا معتمر) قال: (سمعت أبي) سليمان بن طرخان التيمي البصري قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن عقبة بن عبد الغافر) الأزدي (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الخدري ﵁ (عن النبي ﷺ أنه ذكر رجلاً) لم يسم (فيمن سلف) في جملتهم (أو فيمن كان قبلكم) أي في بني إسرائيل والشك من الراوي وللأصيلي قبلهم بالهاء بدل الكاف (قال) ﵊ (كلمة يعني) معنى الكلمة.
(أعطاه الله) وسبق في بني إسرائيل رغسه الله وهو معنى أعطاه الله (مالاً وولدًا فلما حضرت الوفاة) أي حضرته الوفاة ولأبي ذر فلما حضره الوفاة (قال لبنيه أيّ أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب). قال أبو البقاء هو بنصب أي على أنه خبر كنت وجاز تقديمه لكونه استفهامًا ويجوز الرفع. قلت: وهو الذي في الفرع وصحح عليه وخير أب قال أبو البقاء الأجود فيه النصب على تقدير كنت خير أب فيوافق ما هو جواب عنه ويجوز الرفع بتقدير أنت خير أب (قال: فإنه لم يبتئر)
стр. 4694
بفتح التحتية وسكون الموحدة وفتح الفوقية بعدها همزة مكسورة فراء مهملة قال في المصابيح وهو المعروف في اللغة (أو) قال (لم يبتئز) بالزاي المعجمة بدل الراء المهملة وقال في المطالع وقع للبخاري في كتاب التوحيد على الشك في الراء والزاي وفي بعضها يأتبر أي لم
يقدّم (عند الله خيرًا) ليس المراد نفي كل خير على العموم بل نفي ما عدا التوحيد ولذلك غفر له وإلاّ فلو كان التوحيد منتفيًا أيضًا لتحتّم عقابه سمعًا ولم يغفر له (وإن يقدّر الله) يضيق الله (عليه يعذبه) بالجزم وسقط عليه لأبي ذر والأصيلي (فانظروا إذا متّ فأحرقوني) بهمزة قطع (حتى إذا صرت فحمًا فاسحقوني -أو قال فاسحكوني-) بالكاف بدل القاف وهما بمعنى والشك من الراوي (فإذا كان يوم ريح عاصف فاذروني فيها) بهمزة قطع وبإسقاطها في اليونينية وبمعجمة يقال ذرى الريح الشيء وأذرته أطارته وأذهبته (فقال نبي الله ﷺ : فأخد مواثيقهم على ذلك وربي) قسم من المخبر بذلك عنهم تأكيدًا لصدقه وإن كان محقق الصدق صادقًا قطعًا (ففعلوا) ما قال لهم وأخذ عليهم مواثيقهم بعد موته من الإحراق والسحق (ثم أذروه في يوم عاصف) ريحه (فقال الله كن فإذا هو رجل قائم) زاد أبو عوانة في صحيحه في أسرع من طرفة العين (قال الله) له (أي عبدي ما حملك على أن فعلت ما فعلت؟ قال مخافتك أو فرق) وللأصيلي مخافتك أو فرقًا بالنصب فيهما (منك) بفتح الفاء والراي والشك من الراوي ومعناهما واحد ومخافتك ومعطوفه رفع.
قال البدر الدماميني: خبر مبتدأ محذوف أي الحامل لي مخافتك أو فرق منك فإن قلت: هلاّ جعلته فاعلاً بفعل مقدر أي حملني على ذلك مخافتك أو فرق منك؟ قلت: يمتنع لوجهين. أحدهما أنه إذا دار الأمر بين كون المحذوف فعلاً والباقي فاعلاً وكونه مبتدأ والباقي خبرًا فالثاني أولى لأن المبتدأ عين الخبر فالمحذوف عين الثابت فيكون حذفًا كلا حذف وأما الفعل فإنه غير الفاعل. الوجه الثاني: أن التشاكل بين جملتي السؤال والجواب مطلوب ولا خفاء بأن قوله ما حملك على أن فعلت ما فعلت جملة اسمية فليكن جوابها كذلك لمكان المناسبة ولك على هذا أن تجعل مخافتك مبتدأ والخبر محذوف أي حملتني اهـ.
(قال فما تلافاه) بالفاء (أن) بفتح الهمزة أي بأن (رحمه عندها). قال في الكواكب: مفهومه عكس المقصود، ثم أجاب: بأن ما موصولة أي الذي تلافاه هو الرحمة أو نافية وكلمة الاستثناء محذوفة عند من جوّز حذفها. قال البدر الدماميني: وهو رأي السهيلي والمعنى فما تلافاه إلا برحمته ويؤيد هذا قوله: (وقال مرة أخرى فما تلافاه غيرها﴾) قال سليمان التيمي (فحدّثت به) بهذا الحديث (أبا عثمان) عبد الرحمن النهدي (فقال: سمعت هذا) الحديث (من سلمان) الفارسي الصحابي كما رويته (غير أنه زاد فيه في البحر) أي ذروه في يوم عاصف في البحر (أو كما حدّث).
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ وَقَالَ: لَمْ يَبْتَئِرْ وَقَالَ خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ وَقَالَ: لَمْ يَبْتَئِزْ فَسَّرَهُ قَتَادَةُ لَمْ يَدَّخِرْ.
وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي قال: (حدّثنا معتمر) هو ابن سليمان (وقال) في روايته (لم يبتئر) بالراء المهملة. (وقال خليفة) بن خياط شيخ المصنف (حدّثنا معتمر) المذكور (وقال لم يبتئز) بالزاي المعجمة (فسره قتادة) بن دعامة (لم يدّخر) خرّجه الإسماعيلي قال في
المصابيح، قال السفاقسي: وعند المعتزلة أن هذا الرجل إنما غفر له من أجل توبته التي تابها لأن قبول التوبة واجب عقلاً، والأشعري قطع بها سمعًا وغيره جوّز القبول سائر الطاعات وقال ابن المنير قبول التوبة عند المعتزلة واجب على الله تعالى عقلاً وعندنا واجب بحكم الوعد والتفضيل والإحسان.
لنا وجوه: الأوّل: الوجوب لا يتقرر معناه إلا إذا كان بحيث لو لم يفعله الفاعل استحق الذم فلو وجب القبول على الله تعالى لكان بحيث لو لم يقبل لصار مستحقًّا للذم وهو مُحال لأن من كان كذلك فإنه يكون مستكملاً بفعل القبول والمستكمل بالغير ناقص لذاته وذلك في حق الله تعالى مُحال.
الثاني: أن الذم إنما يمنع من الفعل من كان يتأذّى بسماعه وينفر عنه طبعه ويظهر له بسببه نقصان حال أما من كان متعاليًا عن الشهوة والنفرة والزيادة والنقصان لم يعقل تحقّق الوجوب في حقه جهذا المعنى.
الثالث: أنه تعالى تمدّح بقبول التوبة في قوله تعالى: ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده﴾ [التوبة: ١٠٤] ولو كان ذلك واجبًا لما تمدّح به لأن أداء الواجب لا يفيد المدح والثناء والتعظيم. قال بعض المفسرين قبول التوبة من الكفر يقطع به على الله تعالى إجماعًا ولهذه نزلت هذه الآية، وأما المعاصي فيقطع بأن الله تعالى يقبل التوبة منها من طائفة من الأمة، واختلف هل يقبل توبة الجميع وأما إذا عيّن إنسان تائب فيرجى قبول توبته ولا يقطع به على الله تعالى وأما إذا فرضنا تائبًا غير معين صحيح التوبة فقيل يقطع على الله بقبول توبته وعليه طائفة فيها الفقهاء والمحدّثون لأنه تعالى أخبر بذلك عن نفسه، وعلى هذا يلزم أن يقبل توبة جميع التائبين. وذهب أبو المعالي وغيره إلى أن ذلك لا يقطع به على الله بل يقوى في الرجاء والقول الأوّل أرجح ولا فرق بين التوبة من الكفر والتوبة من المعاصي بدليل أن الإسلام يجبّ ما قبله والتوبة تجبّ ما قبلها اهـ.
والحديث سبق في ذكر بني إسرائيل وفي الرقاق.
٣٦ - باب كَلَامِ الرَّبِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ
(باب كلام الرب يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم).
٧٥٠٩ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ شُفِّعْتُ فَقُلْتُ: يَا رَبِّ أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ
стр. 4695
فِى قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ، فَيَدْخُلُونَ ثُمَّ أَقُولُ: أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ أَدْنَى شَىْءٍ». فَقَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن راشد) هو يوسف بن موسى بن راشد القطان الكوفي نزيل بغداد قال: (حدّثنا أحمد بن عبد الله) اليربوعي روى عنه المصنف بغير واسطة في الوضوء وغيره قال: (حدّثنا أبو بكر بن عياش) بالتحتية المشددة والمعجمة القارئ راوي عاصم أحد القرّاء (عن حميد) بضم الحاء وفتح الميم الطويل أنه (قال: سمعت أنسًا ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(إذا كان يوم القيامة شفعت) بضم المعجمة وكسر الفاء المشددة من التشفيع وهو تفويض الشفاعة إليه والقبول منه قاله في الكواكب، ولأبي ذر عن الكشميهني: شفعت بفتح المعجمة والفاء مع التخفيف (فقلت يا رب أدخل الجنة) بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة من الإدخال (من كان في قلبه خردلة) من إيمان وفي الرواية الآتية بعد هذه إن الله تعالى هو الذي يقول له ذلك وهو المعروف في سائر الأخبار (فيدخلون) الجنة (ثم أقول) بالهمز يا رب (أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء) من إيمان وهو التصديق الذي لا بدّ منه (فقال أنس: كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ ¬) حيث يقلّله عند قوله أدنى شيء ويشير إلى رأس أصبعه بالقلة. وقال في الفتح: كأنه يضم أصابعه ويشير بها. وقال الداودي قوله ثم أقول خلاف سائر الروايات فإن فيها أن الله أمره أن يخرج، وتعقبه في الفتح فقال فيه نظر والموجود عند أكثر الرواة ثم أقول بالهمز، والذي أظن أن البخارى أشار إلى ما في بعض طرقه عادته، ففي مستخرج أبي نعيم من طريق أبي عاصم أحمد بن جوّاس بفتح الجيم وتشديد الواو آخره سين مهملة عن أبي بكر بن عياش أشفع يوم القيامة فيقال لي لك من في قلبه شعيرة، ولك من في قلبه خردلة، ولك من في قلبه شيء. فهذا من كلام الرب مع النبي ﷺ . قال: ويمكن التوفيق بينهما بأنه ﷺ يسأل ذلك أوّلاً فيجاب إلى ذلك ثانيًا فوقع في إحدى الروايتين ذكر السؤال وفي البقية ذكر الإجابة.
٧٥١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِىُّ قَالَ: اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَذَهَبْنَا مَعَنَا بِثَابِتٍ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: فَإِذَا هُوَ فِى قَصْرِهِ فَوَافَقْنَاهُ يُصَلِّى الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَّا فَأَذِنَ لَنَا وَهْوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ فَقُلْنَا لِثَابِتٍ: لَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَىْءٍ أَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ جَاءُوكَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِى بَعْضٍ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى، فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونِى فَأَقُولُ أَنَا لَهَا فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّى فَيُؤْذَنُ لِى وَيُلْهِمُنِى مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِى الآنَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ
سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ يَا رَبِّ: أُمَّتِى أُمَّتِى فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِى أُمَّتِى فَيُقَالُ، انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِى أُمَّتِى فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ». فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا، لَوْ مَرَرْنَا بِالْحَسَنِ وَهْوَ مُتَوَارٍ فِى مَنْزِلِ أَبِى خَلِيفَةَ فَحَدَّثَنَا بِمَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَنَا فَقُلْنَا لَهُ يَا أَبَا سَعِيدٍ جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا فِى الشَّفَاعَةِ فَقَالَ: هِيهِ فَحَدَّثْنَاهُ بِالْحَدِيثِ فَانْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ: هِيهِ، فَقُلْنَا لَمْ يَزِدْ لَنَا عَلَى هَذَا فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِى وَهْوَ جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فَلَا أَدْرِى أَنَسِىَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا، قُلْنَا يَا أَبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثْنَا فَضَحِكَ وَقَالَ: خُلِقَ الإِنْسَانُ عَجُولاً مَا ذَكَرْتُهُ إِلاَّ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدَّثَنِى كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ، قَالَ «ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِى فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَيَقُولُ: وَعِزَّتِى وَجَلَالِى وَكِبْرِيَائِى وَعَظَمَتِى لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) بفتح الحاء المهملة وسكون الراء الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الإمام أبو إسماعيل قال: (حدّثنا معبد بن هلال) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة (العزي) بفتح العين المهملة وكسر الزاي (قال: اجتمعنا ناس) بيان لقوله اجتمعنا وهو مرفوع خبر مبتدأ محذوف أي اجتمعنا نحن ناس (من أهل البصرة) أي ليس فيهم أحد من غير أهلها (فذهبنا إلى أنس بن مالك) ﵁ (وذهبنا معنا) بفتح العين (بثابت إليه) إلى أنس (يسأله) وثابت بالمثلثة ولأبي ذر والأصيلي بثابت البناني نسبة إلى بنانة بضم الموحدة وتخفيف النون أمة لسعد بن لؤي كانت تحضنه أو زوجته ونسب إليها
стр. 4696
أو لأنه كان ينزل سكة بنانة بالبصرة. قال السفاقسي: فيه تقديم الرجل الذي هو من خاصة العالم ليسأله ولأبي ذر عن الكشميهني فسأله أي ثابت (لنا عن حديث الشفاعة فإذا هو في قصره) بالزاوية على نحو فرسخين من البصرة (فوافقنا) بسكون القاف وحذف الضمير وللكشميهني فوافقناه (يصلي) الضحى (فاستأذنا) في الدخول عليه (فأذن لنا وهو قاعد على فراشه فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة). قال الكرماني أي أسبق وفيه إشعار بأنه أفعل لا فوعل وفيه اختلاف بين علماء التصريف (فقال) ثابت: (يا أبا حمزة) وهي كنية أنس (هؤلاء إخوانك) معبد وأصحابه (من
أهل البصرة جاؤوك) وسقط الكاف من جاؤوك لأبي ذر والأصيلي (يسألونك عن حديث الشفاعة فقال) أنس ﵁ (حدّثنا محمد ﷺ قال):
(إذا كان يوم القيامة ماج الناس) بالجيم (بعضهم في بعض) أي اضطربوا من هول ذلك اليوم يقال ماج البحر إذا اضطربت أمواجه (فيأتون آدم) ﵇ (فيقولون اشفع لنا إلى ربك) ليريحنا مما نحن فيه وسقط لنا لأبي ذر (فيقول لست لها) أي ليست لي هذه المرتبة (ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن فيأتون إبراهيم) ﵇ وفي الأحاديث السابقة فيقول آدم عليكم بنوح ولم يذكر هنا نوحًا (فيقول) إبراهيم (لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله) ولأبي ذر عن الكشميهني فإنه كلم الله بلفظ الماضي (فيأتون موسى) ﵇ (فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى) ﵇ (فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد ﷺ فيأتوني) ولأبي ذر فيأتونني (فأقول أنا لها) أي للشفاعة (فأستأذن على ربي فيؤذن لى) أي في الشفاعة الموعود بها في فصل القضاء ففيه حذف وفي مسند البزار أنه ﷺ يقول (يا رب عجل على الخلق الحساب) اهـ ثم تذهب كل أمة مع من كانت تعبد ويؤتى بجهنم والموازين والصراط وتتناثر الصحف وغير ذلك ثم من هنا ابتدأ ببيان الشفاعة الأخرى الخاصة بأمته (ويلهمني) بالواو ولأبي ذر فيلهمني أي الله (محامد) ولأبوي ذر والوقت بمحامد (أحمده بها لا تحضرني الأن فأحمده بتلك المحامد وأخرّ له ساجدًا فيقال) ولأبي ذر عن الكشميهني فيقول (يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وصَل تُعْطَ) سؤالك ولأبى ذر والأصيلي تعطه بهاء السكت (واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي) أي شفعني في أمتي فيتعلق بمحذوف حذف لضيق المقام وشدة الاهتمام. قال الداودي: قوله أمتي أمتي لا أراه محفوظًا لأن الخلائق اجتمعوا واستشفعوا، ولو كان المراد هذه الأمة خاصة لم تذهب إلى غير نبيها فدلّ على أن المراد الجمع إذا كانت الشفاعة لهم في فصل القضاء فكيف يخصّها بقوله أمتي ثم قال: وأول الحديث ليس متصلاً بآخره بل بقي بين طلبهم الشفاعة وبين قوله فاشفع كثرة أمور اهـ.
وأجيب: بأنه وقع في حديث حذيفة المعروف بحديث أبي هريرة بعد قوله فيأتون محمدًا فيقوم ويؤذن له في الشفاعة ويرسل الأمانة والرحم فيقومان جنبي الصراط يمينًا وشمالاً فيمر أوّلهم كالبرق الحديث فبهذا يتصل الكلام لأن الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها هي الإراحة من كرب الموقف ثم تجيء الشفاعة في الإخراج فيقول ﷺ : يا رب أمتي.
(فيقال) ولأبي ذر عن الكشميهني فيقول (انطلق فأخرج منها) أي من النار (من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل) ما أمرت به من الإخراج (ثم أعود فأحمده) تعالى (بتلك المحامد ثم أخرّ له ساجدًا فيقال) ولأبي ذر عن الكشميهني فيقول (يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسَل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال) ولأبي ذر عن الكشميهني فيقول: (انطلق فأخرج منها مَن كان في قلبه مثقال ذرة) بالذال المعجمة والراء المشددة (أو خردلة من
إيمان)
стр. 4697
ولأبي ذر فأخرجه بالجزم على الأمر (فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخرّ له ساجدًا فيقال) ولأبي ذر عن الكشميهني فيقول (يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وَسَلْ تُعْطَ واشفع تشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقول) وللأصيلي فيقال (انطلق فأخرج) منها (من كان في قلبه أدنى أدنى) مرتين وللكشميهني أدنى مرة ثالثة وفائدة التكرار التأكيد (مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار). فهي ثلاث تأكيدات لفظية فهو بالغ أقصى المبالغة باعتبار الأدنى البالغ هذا المبلغ في الإيمان الذي هو التصديق ويحتمل أن يكون التكرار للتوزيع على الحبة والخردلة أي أقل حبة من أقل خردلة من الإيمان ويستفاد منه صحة القول بتجزئ الإيمان وزيادته ونقصانه ولأبي ذر من النار من النار من النار بالتكرير ثلاثًا كقوله: أدنى أدنى أدنى (فأنطلق فأفعل).
قال معبد (فلما خرجنا من عند أنس قلت لبعض أصحابنا) البصريين (لو مررنا بالحسن) البصري (وهو متوارٍ) مختف (في منزل أبي خليفة) الطائي البصري خوفًا من الحجاج بن يوسف الثقفي (بما) وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي فحدّثنا وللكشميهني والأصيلي فحدّثناه بما (حدّثنا) بفتح المثلثة (أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له: يا أبا سعيد) وهي كنية الحسن (جئناك من عند أخيك) في الذين (أنس بن مالك فلم نرَ مثل ما حدّثنا) بفتح المثلثة (في الشفاعة. فقال: هيه) بكسر الهاءين من غير تنوين وقد تنوّن كلمة استرادة أي زيدوا من الحديث (فحدّثناه) بسكون المثلثة (بالحديث) الذي حدّثنا به أن (فانتهى إلى هذا الموضع فقال هيه) أي زيدوا (فقلنا: لم) وللأصيلي فقلنا له لم (يزد لنا) أن (على هذا فقال: لقد حدّثني) بالإفراد أنس (وهو جميع) أي وهو مجتمع أي حي كان شابًّا مجتمع العقل وهو إشارة إلى أنه كان حينئذٍ لم يدخل في الكبر الذي هو مظنة تفرق الذهن وحدوث اختلاط الحفظ (منذ) بالنون (عشرين سنة فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلوا) على الشفاعة فتتركوا العمل (قلنا) ولأبي ذر عن الكشميهني فقلنا (يا أبا سعيد فحدّثنا) بسكون المثلثة (فضحك وقال: خلق الإنسان عجولاً ما ذكرته) لحكم (إلا وأنا أريد أن أحدّثكم حدّثني) أنس (كما حدّثتكم به قال) ﵊:
(ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك ثم) ولأبي ذر والأصيلي بتلك المحامد ثم (أخرّ له ساجدًا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع) لك (وسَلْ تُعْطَه) بهاء السكت (واشفع تشفع فأقول: يا رب أئذن لي فيمن قال لا إله إلا الله فيقول) (وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجنّ) بضم الهمزة (منها من قال: لا إله إلا الله). أي مع محمد رسول الله ﷺ وفي مسلم ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال: لا إله إلا الله أي ليس هذا لك وإنما أفعل ذلك تعظيمًا لاسمي وإجلالاً لتوحيدي. وفي الحديث الإشعار بالانتقال من التصديق القلبي إلى اعتبار المقال من قوله ﷺ ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله.
واستشكل لأنه إن اعتبر تصديق القلب اللسان فهو كمال الإيمان فما وجه الترقي من الأدنى المؤكد وإن لم يعتبر التصديق القلبي بل مجرد اللفظ فيدخل المنافق فهو موضع إشكال على ما لا
يخفى. وأجيب: بأن يحمل هذا على من أوجد هذا اللفظ وأهمل العمل بمقتضاه ولم يتخالج قلبه فيه بتصميم عليه ولا مُنافٍ له فيخرج المنافق لوجود التصميم منه على الكفر بدليل قوله في آخر الحديث كما في الرواية الأخرى فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن أي من وجب عليه الخلود وهو الكافر، وأجاب الطيبي: بأن ما يختص بالله تعالى هو التصديق المجرد عن الثمرة وما يختص بالنبي ﷺ هو الإيمان مع الثمرة من ازدياد اليقين أو العمل اهـ.
قال البيضاوي: وهذا الحديث مخصص لعموم قوله ﷺ في حديث أبي هريرة أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة ويحتمل أن يجري على عمومه ويحمل على حال أو مقام اهـ.
стр. 4698
لكن قال في شرح المشكاة: إذا قلنا إن المختص بالله التصديق المجرد عن الثمرة وإن المختص بالنبي ﷺ الإيمان معها فلا اختلاف.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا خفاء فيها. والحديث أخرجه مسلم في الإيمان والنسائي في التفسير.
٧٥١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْوًا فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: رَبِّ الْجَنَّةُ مَلأَى فَيَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ يُعِيدُ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ مَلأَى فَيَقُولُ: إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مِرَارٍ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن خالد). هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الذهلي كما جزم به الحاكم والكلاباذي وقيل هو محمد بن خالد بن جبلة الرافقي وجزم به أبو أحمد بن عدي وخلف في أطرافه. قال الحافظ ابن حجر، وفي رواية الكشميهني محمد بن مخلد والأوّل هو الصواب ولم يذكر أحد ممن صنّف في رجال البخاري ولا في رجال الكتب الستة أحدًا اسمه محمد بن مخلد والمعروف محمد بن خالد قال: (حدّثنا عبد الله) بضم العين (ابن موسى) الكوفي (عن إسرائيل) بن موسى بن أبي إسحاق السبيعي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيده) بفتح العين وكسر الموحدة السلماني (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إن آخر أهل الجنة دخولاً الجنة وآخر أهل النار خروجًا من النار رجل يخرج حبوًا) بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة زحفًا (فيقول له ربه) تعالى (ادخل الجنة فيقول) وفي الرقاق فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول (رب) وللأصيلي أي رب (الجنة ملأى فيقول) (له ذلك ثلاث مرات فكل ذلك) بالفاء وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي كل ذلك (يعيد) العبد (عليه)
تعالى (الجنة ملأى فيقول) (إن لك مثل الدنيا عشر مرار). وللكشميهني مرات. والحديث سبق في صفة الجنة والرقاق مطوّلاً.
٧٥١٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَا يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن حجر) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم السعدي المروزي حافظ مرو قال: (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن خيثمة) بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية وبالمثلثة ابن عبد الرحمن الجعفي (عن عدي بن حاتم) الطائي الجواد ابن الجواد ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ما منكم أحد) وللأصيلي من أحد (إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) بفتح الفوقية وتضم يترجم له (فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله وينظر) ولأبي ذر عن الكشميهني ثم ينظر (أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم) من عمله (وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه) لأنها تكون في ممره فلا يمكنه أن يحيد عنها إذ لا بد له من المرور على الصراط (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) بكسر المعجمة بنصفها أي: فاحذروا النار فلا تظلموا أحدًا ولو بمقدار شق تمرة، أو فاجعلوا الصدقة جنة بينكم وبين النار ولو بشق تمرة.
(قال الأعمش) سليمان بالسند السابق: (وحدّثني) بالإفراد (عمرو بن مرة عن خيثمة) بن عبد الرحمن الجعفي عن عدي بن حاتم (مثله) أي مثل السابق (وزاد فيه: ولو بكلمة طيبة) كالدلالة على هدى والصلح بين اثنين أو بكلمة طيبة يردّ بها السائل ويطيب قلبه ليكون ذلك سببًا لنجاته من النار.
والحديث سبق بزيادة ونقص في أوائل الزكاة وكذا في الرقاق.
٧٥١٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَعَلَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ
стр. 4699
ثُمَّ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٩١].
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) أبو الحسن العبسي مولاهم الكوفي الحافظ قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين السلماني (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁¬) أنه (قال: جاء حبر من اليهود فقال) وللأصيلي إلى النبي ﷺ فقال (إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله) (السماوات) السبع (على أصبع والأرضين) السبع (على أصبع والماء والثرى) بالمثلثة (على أصبع والخلائق على أصبع ثم يهزهنّ) أي يحركهن إشارة إلى حقارتهن إذ لا يثقل عليه إمساكها ولا تحريكها (ثم يقول: أنا الملك أنا الملك) مرتين (فلقد رأيت النبي ﷺ يضحك حتى بدت) ظهرت (نواجذه) بالذال المعجمة أنيابه التي تبدو عند الضحك (تعجبًا) من قول الحبر (وتصديقًا لقوله ثم قال النبي ﷺ ¬):
(﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ -إلى قوله-: ﴿يشركون﴾ [الأنعام: ٩١]) والتعبير بالأصبع والضحك من المتشابهات كما سبق فيتأوّل على نوع من المجاز وضرب من التمثيل مما جرت عادة الكلام بين الناس في عُرْف تخاطبهم، فيكون المعنى إن قدرته تعالى على طيها وسهولة الأمر في جمعها بمنزلة من جمع شيئًا في كفه فاستخف حمله فلم يشتمل عليه بجميع كفه بل أقله ببعض أصابعه، وقد يقول الإنسان في الأمر الشاق إذا أضيف إلى القوي إنه يأتي عليه بأصبع أو إنه يقله بخنصره، والظاهر أن هذا كما مرّ من تخليط اليهود وتحريفهم وأن ضحكه ﷺ إنما كان على وجه التعجب والنكير له والعلم عند الله قاله الخطابي فيما نقله عنه في الفتح.
ومطابقة الحديث في قوله ثم يقول: أنا الملك أنا الملك وسبق في باب قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥].
٧٥١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِى النَّجْوَى؟ قَالَ: «يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيُقَرِّرُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّى سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِى الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ».
وَقَالَ آدَمُ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن قتادة) بن دعامة (عن صفوان بن محرز) بضم الميم وسكون الحاء المهملة وبعد الراء المكسورة زاي المازني (أن رجلاً) لم يسمّ (سأل ابن عمر) ﵄ فقال له (كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى) التي تقع بين الله وبين عبده يوم القيامة (قال) ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(يدنو أحدكم من ربه) أي يقرب منه تعالى قرب رحمة (حتى يضع) الله تعالى (كنفه عليه) بفتح الكاف والنون أي يحفظه ويستره عن أهل الموقف فضلاً منه حيث يذكر له معاصيه سرًّا
(فيقول) له (أعملت كذا وكذا فيقول) العبد (نعم) يا رب (ويقول) له (عملت) وللأصيلي أعملت (كذا وكذا فيقول نعم) يا رب (فيقرره) بذنوبه ليعرّفه منّته عليه في ستره في الدنيا وعفوه في الآخرة (ثم يقول) تعالى (إني سترت) ذنوبك (عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم).
ومطابقته للترجمة في قوله فيقول في الموضعين وأخرجه في باب قول الله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] من كتاب المظالم.
(وقال آدم) بن أبي إياس (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا صفوان) بن محرز (عن ابن عمر) أنه قال: (سمعت النبي ﷺ ¬) ذكره لتصريح قتادة بقوله حدّثنا صفوان، وليس في أحاديث هذا الباب كلام الرب مع الأنبياء إلا في حديث أنس وإذا ثبت كلامه مع غير الأنبياء فوقوعه معهم أولى والله الموفّق.
٣٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]
(باب قوله) : (﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ [النساء: ١٦٤]) الجمهور على رفع الجلالة الشريفة وتكليمًا مصدر رافع للمجاز قال الفراء العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلامًا بأيّ طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر فإذا تحقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام، وقال القرطبي: تكليمًا مصدر معناه التأكيد، وهذا يدل على بطلان قول من يقول خلق الله لنفسه كلامًا في شجرة يسمعه موسى بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون به المتكلم متكلمًا قال النحّاس: وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصادر لم يكن مجازًا وأنه لا يجوز في قول الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطني
أن يقول وقال قولاً، وكذا لما قال تكليمًا وجب أن يكون كلامًا على الحقيقة. قال في المصابيح بعد أن ذكر نحو ما ذكرته، واعترض هذا بقوله تعالى: ﴿ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا﴾ [النمل: ٥٠] وقوله تعالى: (﴿وأكيد كيدًا﴾ [الطارق: ١٦] وقول الشاعر:
بكى الخز من روح وأنكر جلده … وعجبت عجيجًا من جذام المطارف
فإن ذلك كله مجاز مع وجود التأكيد بالمصدر، ولهذا قال بعضهم: والتأكيد بالمصدر يرفع المجاز في الأمر العام يريد الغالب قال: وكان الشيخ بهاء الدين بن عقيل يقول الجواب عن هذا البيت يؤيد تحقيقًا سمعناه من شيخنا علاء الدين القونوي فيقول لا تخلو الجملة التي أكد الفعل فيها بالمصدر من أن تكون صالحة لأن تستعمل لكلٍّ من المعنيين يريد الحقيقة والمجاز أو لا يصلح
стр. 4700
استعمالها إلا في المعنى المجازي فقط فإن كان الأول كان التأكيد بالمصدر يرفع المجاز وإن كان الثاني لم يكن التأكيد رافعًا له فمثال الأول قولك ضربت زيدًا ضربًا ومثال الثاني البيت المذكور لأن عجيج المطارف لا يقع إلا مجازًا اهـ.
واختلف في سماع كلام الله تعالى فقال الأشعري: كلام الله تعالى القائم بذاته يسمع عند تلاوة كل تالٍ وقراءة كل قارئ. وقال الباقلاني: وإنما تسمع التلاوة دون المتلوّ والقراءة دون المقروء ولم يذكر في هذه الآية المتكلم به نعم في سورة الأعراف ﴿قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ [الأعراف: ١٤] أي وبتكليمي إياك ووقع في رواية أبي ذر باب ما جاء في وكلم الله موسى. وقال في فتح الباري في رواية أبي زيد المروزي باب ما جاء في قوله : (﴿وكلم الله﴾ [النساء: ١٦٤].
٧٥١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِى أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ: آدَمُ أَنْتَ مُوسَى الَّذِى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِى عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».
وبه قال: (حدّثنا يحيي بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (حدّثنا) وللأصيلي أخبرني بالإفراد (حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي) ولأبي ذر والأصيلي أن رسول الله (¬ ﷺ قال):
(احتج آدم وموسى) أي تحاجّا (فقال موسى أنت آدم الذي أخرجت ذريتك من الجنة قال أنت) ولغير أبي ذر والأصيلي قال آدم أنت (موسى الذي اصطفاك الله تعالى برسالاته وبكلامه ثم تلومني على أمر قد قدّر) بضم القاف وكسر الدال مشددة (عليّ) بتشديد الياء (قبل أن أخلق) بضم الهمزة (فحج آدم موسى) أي غلب عليه بالحجة في قوله أنت آدم الخ بأن ألزمه أن ما صدر عنه لم يكن هو مستقلاًّ به متمكّنًا من تركه بل كان أمرًا مقضيًّا وليس معنى قوله: تلومني على أمر قد قدّر عليّ أنه لم يكن له فيه كسب واختيار، بل المعنى أن الله أثبته في أم الكتاب قبل كوني وحكم بأن ذلك كائن لا محالة بعلمه السابق فهل يمكن أن يصدر عني خلاف علم الله؟ فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت ممن اصطفاك الله من المصطفين الذين يشاهدون سرّ الله من وراء الأستار قاله التوربشتي.
ومطابقته للترجمة في قوله اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وسبق في القدر.
٧٥١٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُجْمَعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ الْمَلَائِكَةَ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَىْءٍ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِى أَصَابَ».
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) ولأبوي الوقت وذر والأصيلي قال النبي (¬ ﷺ ¬):
(يجمع المؤمنون) بضم الياء من يجمع والمؤمنون نائب الفاعل (يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا هذا) لما ينالهم من الكرب (فيأتون آدم) ﵇ (فيقولون له أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده) أي بقدرته وخصّه بالذكر إكرامًا وتشريفًا له أو أنه خلق إبداع من غير واسطة رحم (وأسجد لك الملائكة) بأن أمرهم أن يخضعوا لك والجمهور على أن المأمور به وضع الرجه على الأرض وكان تحية له، إذ لو كان لله لما امتنع عنه إبليس وكان سجود التحية جائزًا فيما مضى ثم نسخ بقوله ﷺ لسلمان حين أراد أن يسجد له: "لا ينبغي لمخلوق أن يسجد لأحد إلا لله" (وعلمك أسماء كل شيء) أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلومًا مدلولاً عليه بذكر الأسماء إذ الاسم يدل على المسمى (فاشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا) مما نحن فيه من الكرب (فيقول لهم لست هناكم) بضم الهاء أي لست في المنزلة التي تحسبونني وهي مقام الشفاعة (ويذكر لهم خطيئته التي أصاب) أي التي أصابها وهي أكله من الشجرة التي نهى عنها قاله تواضعًا وإعلامًا بأنها لم تكن له.
وهذا الحديث ذكره هنا مختصرًا ولم يذكر فيه ما ترجم له على عادته في الإشارة.
وقد سبق في تفسير سورة البقرة عن مسلم بن إبراهيم شيخه هنا بتمامه وفيه: ائتوا موسى عبدًا كلّمه الله تعالى وأعطاه التوراة الحديث. وساقه أيضًا في كتاب التوحيد في باب قول الله تعالى: ﴿لما خلقت
стр. 4701
بيديّ﴾ [ص: ٧٥] وفيه ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه تكليمًا.
٧٥١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ «أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهْوَ نَائِمٌ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ أَوَّلُهُمْ: أَيُّهُمْ هُوَ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلاَّهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ ثُمَّ أُتِىَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ. -يَعْنِى عُرُوقَ حَلْقِهِ- ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِى مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلاً فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِى الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ فِى السَّمَاءِ الدُّنْيَا
آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلاً بِابْنِى نِعْمَ الاِبْنُ أَنْتَ، فَإِذَا هُوَ فِى السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ فَقَالَ: مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا، ثُمَّ مَضَى بِهِ فِى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ، قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِى خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الأُولَى مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلاً، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ، عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِى الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِى الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِى الْخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ وَإِبْرَاهِيمَ فِى السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِى السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَىَّ أَحَدٌ، ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلاَّ اللَّهُ حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَىَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ، فَالْتَفَتَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِى ذَلِكَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ فَقَالَ وَهْوَ مَكَانَهُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا، فَإِنَّ أُمَّتِى لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الْخَمْسِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِى إِسْرَائِيلَ قَوْمِى عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا، فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ فَرَفَعَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ أُمَّتِى ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّا؟ فَقَالَ الْجَبَّارُ: يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ قَالَ: إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ فِى أُمِّ الْكِتَابِ قَالَ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَهْىَ خَمْسُونَ فِى أُمِّ الْكِتَابِ، وَهْىَ خَمْسٌ عَلَيْكَ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: خَفَّفَ عَنَّا أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا. قَالَ مُوسَى: قَدْ وَاللَّهِ رَاوَدْتُ بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ، فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا مُوسَى قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّى مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ، قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ فِى مَسْجِدِ الْحَرَامِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى الأويسي قال: (حدّثني) بالإفراد (سليمان) بن بلال (عن شريك بن عبد الله) بن أبي نمر بفتح النون وكسر الميم بعدها راء المدني التابعي (أنه قال: سمعت ابن مالك) ولأبي ذر والأصيلي سمعت أنس بن مالك ﵁ (يقول: ليلة أسري) بضم الهمزة (برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة أنه جاءه) بكسر الهمزة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أنه بفتح الهمزة جاء بإسقاط الضمير (ثلاثة نفر) كذا في الفرع كأصله. وقال في الفتح في رواية الكشميهني: إذ جاءه بدل أنه قال والأول أولى والنفر الثلاثة لم أقف على أسمائهم صريحًا لكنهم من الملائكة لكن في رواية ميمون بن سياه عن أنس عند الطبري فأتاه جبريل وميكائيل (قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أوّلهم: أيّهم هو)؟ محمد، وقد روي أنه كان نائمًا معه حينئذٍ عمه حمزة بن عبد المطلب وابن عمه جعفر بن أبي طالب (فقال: أوسطهم هو خيرهم: فقال آخرهم): ولأبي ذر عن الكشميهني فقال أحدهم أي أحد النفر الثلاثة (خذوا خيرهم) للعروج به إلى السماء (فكانت تلك الليلة) أي فكانت تلك القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا فالضمير المستتر في كانت لمحذوف وكذا خبر كان (فلم يرهم) ﷺ بعد ذلك (حتى أتوه ليلة أخرى) أي يعين المدة بين المجيئين فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي إليه، وحينئذٍ وقع الإسراء والمعراج إذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالي كثيرة أو عدة سنين، وبهذا يحصل الجواب عما استشكله الخطابي وابن حزم وعبد الحق وعياض والنووي من قوله قبل أن يوحى إليه، ونسبتهم رواية شريك إلى الغلط لأن المجمع عليه أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل أن يوحى إليه وإن شريكًا تفرّد بذلك فارتفع الإشكال. كذا قرره الحافظ ابن حجر ﵀. وقيل: المراد قبل أن يوحى إليه في بيان الصلاة ومنهم مَن أجراه على ظاهره ملتزمًا أن الإسراء كان مرتين قبل النبوّة وبعدها كما حكاه في المصابيح، ونقلته عنه في كتابي المواهب اللدنية. وأما دعواهم تفرّد شريك فقال الحافظ أيضًا: إنه قد وافقه كثير بن خنيس بالخاء المعجمة ونون مصغرًا عن أنس كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب المغازي من طريقه وكان مجيء الملائكة له ﷺ (فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكانت الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) الثابت في الروايات أنه كان في اليقظة فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلاّ فيحمل هذا مع قوله آخر الحديث. واستيقظ وهو في المسجد الحرام على أنه كان في طرفي القصة نائمًا وليس في ذلك ما يدل على كونه نائمًا فيها كلها (فلم يكلموه) ﷺ (حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل) ﵇ (فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته) بفتح اللام والموحدة المشددة موضع القلادة من الصدر ومن هنا تنحر الإبل (حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده) بيد جبريل (حتى أنقى جوفه) ليتهيأ للترقي إلى الملأ الأعلى ويثبت في المقام الأسنى ويتقوّى لاستجلاء الأسماء الحسنى وكذا وقع شق صدره الشريف في صغره عند حليمة وعند النبوّة ولكلٍّ حكمة، بل ذكر الشق مرة أخرى نبهت عليها مع غيرها في المواهب تبعًا للحافظ ابن حجر.
(ثم أتى) ﵊ (بطست من ذهب) وكان إذ ذاك لم يحرم اسعماله (فيه تور من ذهب) بالمثناة الفوقية من تور وهو إناء يشرب فيه وهو يقتضي أن يكون غير الطست وأنه كان داخل الطست (محشوًّا إيمانًا وحكمة). قال في الفتح قوله محشوًّا حال من الضمير في الجار والمجرور والتقدير بطست كائن من ذهب فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار والمجرور وأما إيمانًا فعلى التمييز وتعقبه العيني فقال فيه نظر، والذي يقال إن محشوًّا حال من التور الموصوف
стр. 4702
بقوله من ذهب، وأما إيمانًا فمفعول قوله محشوًّا لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله وحكمة عطف عليه ويحتمل أن يكون أحد الإناءين أعني الطست والتور فيه ماء زمزم والآخر المحشوّ بالإيمان وأن يكون التور ظرف الماء وغيره والطست لما يصب فيه عند الغسل صيانة له عن التبدّد في الأرض والمراد أن الطست كان فيه شيء يحصل به كمال الإيمان فالمراد سببهما مجازًا (فحشا به) بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة (صدره ولغاديده) بالغين المعجمة والمهملتين بينهما تحتية ساكنة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فحشي بضم الحاء وكسر الشين به صدره ولغاديده برفعهما وفسر اللغاديد قوله (يعني عروق حلقه ثم أطبقه) ثم أركبه البراق إلى بيت المقدس (ثم عرج به إلى السماء الدنيا) بفتح العين والجيم (فضرب بابًا من أبوابها فناداه أهل السماء مَن هذا؟ فقال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد) ﷺ (قال) قائلهم (وقد بعث إليه)؟ للإسراء وصعود السماوات وليس المراد الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فإن ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدة ولأن أمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت الأعلى وهذا هو الصحيح (قال) جبريل: (نعم. قالوا: فمرحبًا به وأهلاً فيستبشر به أهل السماء) وسقطت الفاء من فيستبشر للأصيلي وزاد أي الأصيلي الدنيا (لا يعلم أهل السماء بما) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني ما (يريد الله) (به في الأرض حتى يعلمهم) أي على لسان من شاء كجبريل ﵇ (فوجد في السماء الدنيا آدم) ﵇ (فقال له جبريل: هذا أبوك فسلّم) وللأصيلي أبوك آدم فسلم (عليه فسلم عليه وردّ عليه آدم) السلام (فقال مرحبًا وأهلاً يا بني نعم الابن أنت فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين) بفتح الهاء (يطّردان) بتشديد الطاء المهملة يجريان (فقال) ﷺ لجبريل:
(ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذان النيل والفرات عنصرهما) بضم العين والصاد المهملتين أي أصلهما (ثم مضى به في السماء) أي الدنيا (فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده) أي في النهر وللأصيلي بيده (فإذا هو مسك) ولأبي ذر والأصيلي مسك أذفر بالذال المعجمة جيد الرائحة (قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك) خبأ بالخاء المعجمة والموحدة المفتوحتين مهمز أي ادّخر لك (ربك) ولأبي ذر عن الكشميهني: حباك بفتح الحاء المهملة والموحدة وبعد الألف كاف به ربك. هذا مما استشكل من رواية شريك فإن الكوثر في الجنة والجنة في السماء السابعة، ويحتمل أن يكون هنا حذف تقديره ثم مضى به في السماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر (ثم عرج إلى السماء) ولأبي ذر والأصيلي ثم عرج به إلى السماء (الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال:
محمد ﷺ . قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلاً. ثم عرج به) جبريل (إلى السماء الثالثة وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية ثم عرج به) جبريل (إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به) جبريل (إلى السماء الخامسة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به) جبريل (إلى السادسة) ولأبي ذر إلى السماء السادسة (فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به) جبريل (إلى السماء السابعة فقالوا له مئل ذلك كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فأوعيت) بفتح الهمزة والعين ولأبي ذر عن الكشميهني فوعيت (منهم إدريس) وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي قد سماهم منهم إدريس (في الثانية، وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله) أي بسبب أن له فضل لام الله إياه. وهذا موضع الترجمة من الحديث.
(فقال موسى رب لم أظن أن يرفع) بضم التحتية وفتح الفاء (عليّ) بتشديد الياء (أحد) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لم أظن أن ترفع عليّ أحدًا
стр. 4703
(ثم علا به) جبريل (فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله) (حتى جاء سدرة المنتهى) إليها ينتهي علم الملائكة ولم يجاوزها أحد إلا نبيّنا ﷺ (ودنا الجبار ربّ العزة) دنوّ قرب ومكانة لا دنو مكان ولا قرب زمان إظهارًا لعظيم منزلته وحظوته عند ربه تعالى ولأبي ذر ودنا للجبار (فتدلى) طلب زيادة القرب، وحكى مكي والماوردي عن ابن عباس هو الرب دنا من محمد فتدلى إليه أي أمره وحكمه (حتى كان منه قاب قوسين) قدر قوسين ما بين مقبض القوس والسية بكسر السين المهملة والتحتية الخفيفة وهي ما عطف من طرفيها ولكل قوس قابان وقاب قوسين بالنسبة له ﷺ عبارة عن نهاية القرب ولطف المحل وإيضاح المعرفة وبالنسبة إلى الله إجابة ورفع درجة (أو أدنى) أي أقرب (فأوحى الله) زاد أبو الوقت وأبو ذر عن الكشميهني إليه (فيما أوحى) ولغير أبي ذر إليه ولأبي ذر والأصيلي وأبي الوقت فيما يوحي بكسر الحاء (خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط) صلوات الله وسلامه عليه (حتى بلغ موسى) ﵇ (فاحتبسه موسى فقال) له (يا محمد ماذا عهد إليك ربك) أي ماذا أمرك أو أوصاك (قال: عهد إليّ) أن أصلي (خمسين صلاة كل يوم وليلة) وآمر بها أمتي (قال) له موسى: (إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع) إلى ربك (فليخفف عنك ربك وعنهم) وعن أمتك (فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك) الذي قاله موسى من الرجوع للتخفيف (فأشار إليه جبريل أن نعم) بفتح الهمزة وتخفيف النون مفسرة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أي نعم بالتحتية بدل النون وهما بمعنى (إن شئت فعلاً به) جبريل (إلى الجبار) تعالى (فقال) ﵊ (وهو مكانه) أي في مقامه الأوّل الذي قام فيه قبل هبوطه (يا رب خفّف عنّا فإن أمتي لا تستطيع هذا) المأمور به من الخمسين صلاة (فوضع) تعالى (عنه عشر صلوات) من الخمسين (ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردّده موسى إلى ربه) تعالى (حتى صارت إلى خمس صلوات ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد والله لقد راودت) أي راجعت (بني إسرائيل قومي على أدنى) أي أقل (من هذا) القدر (فضعفوا فتركوه) ولأبي ذر عن الكشميهني من هذه الصلوات
الخمس فضعفوا، وفي تفسير ابن مردويه من رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما (فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا) والأجسام بالميم والأجساد بالدال سواء والجسم والجسد جميع الشخص والأجسام أعم من الأبدان لأن البدن من الجسد ما سوى الرأس والأطراف وقيل البدن أعالي الجسد دون أسافله (فارجع) إلى ربك (فليخفف عنك ربك. كل ذلك) أي في كل ذلك (يلتفت) بتحتية فلام ساكنة، وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي يتلفت بفوقية بعد التحتية وتشديد الفاء (النبي ﷺ إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل فرفعه عند) المرة (الخامسة فقال: يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم (فخفف عنا. فقال الجبار: يا محمد. قال: لبيك) رب (وسعديك. قال: إنه لا يبدل القول لديّ كما فرضت) ولأبي ذر فرضته (عليك) أي وعلى أمتك (في أم الكتاب) وهو اللوح المحفوظ (قال: فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك) أي وعلى أمتك (فرجع) ﷺ (إلى موسى فقال) له (كيف فعلت؟ فقال: خفف) ربنا (عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها. قال موسى: قد والله راودت) راجعت (بني إسرائيل على أدنى) أقل (من ذلك فتركوه) وقوله راودت متعلق بقد القسم بينهما مقحم لإرادة التأكيد (ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا. قال رسول الله ﷺ : يا موسى قد والله استحييت
стр. 4704
من ربي مما اختلفت إليه) بهمزة وصل وفتح اللام وسكون الفاء بعدها فوقية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي مما اختلف بهمزة قطع وكسر اللام وحذف الفوقية (قال) له جبريل: (فاهبط بسم الله) وليس القائل اهبط موسى وإن كان هو ظاهر السياق (قال: واستيقظ) ﷺ (وهو في مسجد الحرام). بغير ألف ولام في الأول أي استيقظ من نومة نامها بعد الإسراء أو أنه أفاق مما كان فيه مما خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى فلم يرجع إلى حال بشريته إلا وهو نائم.
تنبيه:
قال الخطابي: هذه القصة كلها إنما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه لم يعزها إلى النبي ﷺ ولا نقلها عنه ولا أضافها إلى قوله، فحاصل النقل أنها من جهة الراوي إما من أنس وإما من شريك فإنه كثير التفرّد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة انتهى.
وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن ما نفاه من أن أنسًا لم يسند هذه القصة إلى النبي ﷺ لا تأثير له، فأدنى أمره أن يكون مرسل صحابي، وإما أن يكون تلقاها عن النبي ﷺ أو عن صحابي تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه هذه القصة لا يقال بالرأي فله حكم الرفع، ولو كان لما ذكره تأثير لم يحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلاً، وهو خلاف عمل المحدّثين قاطبة فالتعليل بذلك مردود.
وقال أبو الفضل بن طاهر: تعليل الحديث بتفرّد شريك ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء
لم يسبق إليه فإن شريكًا قبله أئمة الجرح والتعديل ووثقوه ورووا عنه وأدخلوا حديثه في تصانيفهم واحتجوا به قال: وحديثه هذا رواه عنه سليمان بن بلال وهو ثقة وعلى تقدير تفرّده بقوله قبل أن يوحى إليه لا يقتضي طرح حديثه فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث، ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور ولو ترك حديث من وهم في تاريخ لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين.
وقال الحافظ ابن حجر: ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك وهي أمكنة الأنبياء في السماوات وقد أفصح بأنه لم يضبط منازلهم، وقد وافقه الزهري في بعض ما ذكر كما في أول الصلاة، وكون المعراج قبل البعثة وسبق الجواب عنه وكونه منامًا وسبق ما فيه ومحل سدرة المنتهى وأنها فوق السابعة بما لا يعلمه إلا الله، والمشهور أنها في السابعة أو السادسة، ومخالفته في النهرين النيل والفرات وأن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور أنهما في السابعة، وشق الصدر عند الإسراء، وذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور أنه في الجنة ونسبة الدنوّ والتدلي إلى الله تعالى، والمشهور في الحديث أنه جبريل وتصريحه بأن امتناعه ﷺ من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة فخالف ثابتًا عن أنس وأنه وضع عنه في كل مرة خمسًا وأن المراجعة كانت تسع مرات، وقوله فعلاً به إلى الجبار فقال وهو مكانه وقد سبق ما فيه ورجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى ﵇ أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس فامتنع وزيادته ذكر التور في الطست وسبق ما فيه اهـ.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله بتفضيل كلام الله كما نبهت عليه.
٣٨ - باب كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ
ثم (باب كلام الرب) تعالى (مع أهل الجنة) فيها.
٧٥١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِى يَدَيْكَ فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَىُّ شَىْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِى فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) أبو سعيد الجعفي الكوفي نزيل مصر قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم)
العدوي مولى عمر (عن عطاء بن يسار) الهلالي مولى ميمونة (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(إن الله) تعالى (يقول لأهل الجنة) وهم فيها (يا أهل الجنة فيقولون لبيك) يا (ربنا وسعديك والخير في يديك) خصّه رعاية للأدب (فيقول) تعالى لهم (هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول) جل
стр. 4705
جلاله (ألا) بالتخفيف (أعطيكم) بضم الهمزة (أفضل من ذلك) الذي أعطيتكم من نعيم الجنة (فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول) جل وعز (أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا). ومفهومه أن لله أن يسخط على أهل الجنة لأنه متفضل عليهم بالإنعامات كلها سواء كانت دنيوية أو أخروية، وكيف لا والعمل المتناهي لا يقتضي الأجزاء متناهيًا، وفي الجملة لا يجب على الله شيء أصلاً قاله الكرماني، وهو مأخوذ من كلام ابن بطال، وظاهر الحديث أيضًا أن الرضا أفضل من اللقاء. وأجيب: بأنه لم يقل أفضل من كل شيء بل أفضل من الإعطاء واللقاء يستلزم الرضا فهو من باب إطلاق اللازم وإرادة الملزوم كذا نقله في الكواكب. قال في الفتح: ويحتمل أن يقال المراد حصول أنواع الرضوان ومن جملتها اللقاء وحينئذٍ فلا إشكال.
والمطابقة ظاهرة وأخرجه في الرقاق في باب صفة الجنة والنار.
٧٥١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: «أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِى الزَّرْعِ فَقَالَ أَوَ لَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّى أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَىْءٌ». فَقَالَ الأَعْرَابِىُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَجِدُ هَذَا إِلاَّ قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وتخفيف النون الأولى العوقي قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء مصغرًا ابن سليمان قال: (حدّثنا هلال) هو ابن علي (عن عطاء بن يسار) بالسين المهملة المخففة (عن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي ﷺ ¬) ولأبى ذر أن رسول الله (¬ ﷺ كان يومًا يحدّث) أصحابه (وعنده رجل من أهل البادية) لم يسم.
(أن رجلاً من أهل الجنة استأذن) بصيغة الماضي ولأبي ذر عن الحموي يستأذن (ربه في الزرع فقال: أولست) وللكشميهني فقال له أولست (فيما شئت) من المشتهيات (قال: بلى) يا رب (ولكني) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولكن (أحب أن أزرع) فأذن له (فأسرع وبذر) بالذال المعجمة (فتبادر) ولأبي ذر عن الكشميهني فبادر (الطرف) بفتح الطاء منصوب مفعول لقوله (نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره) جمعه في البيدر (أمثال الجبال) يعني نبت واستوى إلى آخره قبل
طرفة العين (فيقول الله تعالى دونك) خذه (يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء) أي لما طبع عليه لأنه لا يزال يطلب الازدياد إلا من شاء الله، وقوله: لا يشبعك بضم التحتية وسكون الشين المعجمة بعدها موحدة مكسورة.
واستشكل هذا بقوله تعالى: ﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى﴾ [طه: ١١٨] وأجيب: بأن نفي الشبع أعم من الجوع لثبوت الواسطة وهي الكفاية وأكل أهل الجنة لا عن جوع فيها أصلاً لنفي الله له عنهم، واختلف في الشبع والمختار أن لا شبع لأنه لو كان فيها لمنع طول الأكل المستلذ وإنما أراد الله تعالى بقوله: لا يشبعك شيء ذم ترك تلك القناعة بما كان وطلب الزيادة عليه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لا يسعك بفتح التحتية والسين المهملة من الوسع (فقال الأعرابي: يا رسول الله لا تجد هذا) الذي زرع في الجنة (إلا قرشيًّا أو أنصاريًّا فإنهم أصحاب زرع فأما نحن) أهل البادية (فلسنا بأصحاب زرع فضحك رسول الله ﷺ ¬).
ومطابقة الحديث ظاهرة. وسبق في كتاب المزارعة في باب مجرد عقب باب كراء الأرض بالذهب.
٣٩ - باب ذِكْرِ اللَّهِ بِالأَمْرِ وَذِكْرِ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالإِبْلَاغِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ: لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَىَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١، ٧٢] غُمَّةٌ: هَمٌّ وَضِيقٌ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اقْضُوا إِلَىَّ﴾ [يونس: ٧١] ﴿مَا فِى أَنْفُسِكُمْ﴾ يُقَالُ افْرُقِ: اقْضِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٧١] إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ: وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَهْوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَهُ ﴿النَّبَأُ الْعَظِيمُ﴾ [النبأ: ٢] الْقُرْآنُ صَوَابًا حَقًّا فِى الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ.
(باب ذكر الله) تعالى لعباده يكون (بالأمر) لهم والإنعام عليهم إذ أطاعوه أو بعذابه إذا عصوه (وذكر العباد) له تعالى (بالدعاء والتضرع والرسالة والإبلاغ) ولأبي ذر عن الكشميهني: والبلاغ لغيرهم من الخلق ما وصل إليهم من العلوم (لقوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة: ١٥٢]) الذكر يكون بالقلب والجوارح فذكر اللسان الحمد والتسبيح والتمجيد وقراءة القرآن وذكر القلب التفكّر في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته والتفكّر في الجواب عن الشبه العارضة في تلك الدلائل والتفكر في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه من أوامره ونواهيه ووعده
ووعيده، فإذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم والتفكّر في أسرار مخلوقاته تعالى، وأما الذكر بالجوارح فهو عبارة عن كون الجوارح مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها فقوله تعالى: ﴿فاذكروني﴾ تضمن جميع الطاعات ولهذا قال سعيد بن جبير: اذكروني
стр. 4706
بطاعتي أذكركم بمغفرتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه. وقال ابن عباس فيما ذكره السفاقسي: ما من عبد يذكر الله تعالى إلا ذكره الله تعالى لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذابه، وقيل المراد ذكره باللسان وذكره بالقلب عندما يهم العبد بالسيئة فيذكر مقام ربه. وقال قوم: إن هذا الذكر أفضل وليس كذلك بل ذكره بلسانه، وقوله لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه أعظم من ذكره بالقلب دون اللسان.
وذكر البدر الدماميني أنه سمع شيخه ولي الدين بن خلدون يذكر أنه كان بمجلس شيخه ابن عبد السلام شارح ابن الحاجب الفرعي وهو يتكلم على آية وقع فيها الأمر بذكر الله ورجح أن يكون المراد بالذكر اللساني لا القلبي، فقال له الشريف التلمساني: قد علم أن الذكر ضد النسيان وتقرر في محله أن الضد إذا تعلق بمحل وجب تعلق ذلك الضد الآخر بعين ذلك المحل ولا نزاع في أن النسيان محله القلب فليكن الذكر كذلك عملاً بهذه القاعدة، فقال له ابن عبد السلام على الفور: يمكن أن يعارض هذا بمثله فيقال قد علم أن الذكر ضد الصمت ومحل الصمت اللسان، فليكن الذكر كذلك عملاً بهذه القاعدة انتهى.
وقوله تعالى: (﴿واتل عليهم نبأ نوح﴾) خبره مع قومه (﴿إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر﴾) عظم (﴿عليكم مقامي﴾) مكاني يعني نفسه أو قيامي مكاني بين أظهركم ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو من باب الإسناد المجازي كقولهم ثقل عليّ ظله (﴿وتذكيري بآيات الله﴾) لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم بيّنّا وكلامهم مسموعًا (﴿فعلى الله توكلت﴾) جواب الشرط وتاليه عطف عليه وهو قوله (﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم﴾) أي مع شركائكم (﴿ثم لا يكن أمركم عليكم غمة﴾) فسر بالسترة من غمه إذا ستره، والمعنى حينئذٍ ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورًا عليكم وليكن مكشوفًا مشهورًا تجاهرونني به (﴿ثم اقضوا إليّ﴾) ذلك الأمر الذي تريدون بي (﴿ولا تنظرون﴾) ولا تمهلون (﴿فإن توليتم﴾) فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي (﴿فما سألتكم من أجر﴾) فأوجب التولي (﴿إن أجري إلا على الله﴾) وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة أي ما فصحتكم إلا لله لا لغرض من أغراض الدنيا (﴿وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ [يونس: ٧١، ٧٢]) أي من المستسلمين لأوامره ونواهيه، وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿وتذكيري بآيات الله﴾ الخ وقال إلى قوله: ﴿وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ وقوله: ﴿غمة﴾ فسره بقوله: ﴿همّ وضيق﴾ وقال في اللباب: يقال غم وغمة نحو كرب وكربة. قال أبو الهيثم: غمّ علينا الهلال فهو مغموم إذا التمس فلم ير، قال طرفة بن العبد:
لعمرك ما أمري عليّ بغمة … نهاري ولا ليلي عليّ بسرمدي
وقال الليث: هو في غمة من أمره إذا لم يتبين له.
(قال مجاهد) المفسر فيما وصله الفريابي في تفسيره عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: (﴿اقضوا إليّ﴾ [يونس: ٧١]) أي (﴿ما في أنفسكم﴾) وقال غير مجاهد (يقال افرق) أي (اقض. وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي أيضًا بالسند السابق (﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] (إنسان) من المشركين (يأتيه) ﷺ (فيستمع ما يقول) من كلام الله (وما أنزل) بضم الهمزة وكسر الزاي ولأبي ذر ما ينزل (عليه) بتحتية بدل الهمزة مضمومة مع فتح الزاي أو مفتوحة مع كسرها (فهو آمن حتى يأتيه) ﵊ (فيسمع منه كلام الله) ولأبي ذر عن الكشميهني حين يأتيه فيسمع كلام الله (وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء) يعني إن أراد مشرك سماع كلام الله فأعرض عليه القرآن وبلغه إليه وأمنه عند السماع، فإن أسلم فذاك وإلاّ فردّه إلى مأمنه من حيث أتاك. وقال مجاهد أيضًا فيما وصله الفريابي أيضًا (﴿النبأ العظيم﴾ [النبأ: ٢]) هو (القرآن) وقوله (صوابًا) أي قال (حقًّا في الدنيا وعمل به) فإنه يؤذن له يوم القيامة بالتكلم وللأصيلي وعملاً بدل قوله وعمل، واستطرد المصنف بذكره هنا على
стр. 4707
عادته في المناسبة والمقصود من ذكر هذه الآية في هذا الباب أنه ﷺ مذكور بأنه أمر بالتلاوة على الأمة والتبليغ إليهم وأن نوحًا كان يذكّرهم بآيات الله وأحكامه كما أن المقصود بالباب في هذا الكتاب بيان كونه تعالى ذاكرًا ومذكورًا بمعنى الأمر والدعاء، ولم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا مرفوعًا، ولعله كان بيض له فأدمجه النساخ كغيره مما بيضه.
٤٠ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصّلت: ٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [ازمر: ٦٥، ٦٦]. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ؟ لَيَقُولُنَّ: اللَّهُ. فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَمَا ذُكِرَ فِى خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَكْسَابِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ إِلاَّ بِالْحَقِّ بِالرِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] الْمُبَلِّغِينَ الْمُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ وَإِنَّا لَهُ حَافِظُونَ عِنْدَنَا وَالَّذِى جَاءَ بِالصِّدْقِ الْقُرْآنُ وَصَدَّقَ بِهِ الْمُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هَذَا الَّذِى أَعْطَيْتَنِى عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ.
(باب قول الله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾ [البقرة: ٢٢]) أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له
أندادًا لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد وأن لا يجعل لله ندّ ولا شريك والندّ المثل ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوئ (وقوله جلّ ذكره: ﴿وتجعلون له أندادًا﴾) شركاء وأشباهًا (﴿ذلك﴾) الذي خلق ما سبق (﴿رب العالمين﴾ [فصلت: ٩]) خالق جميع الموجودات لتكون منافع (وقوله) تعالى: (﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ [الفرقان: ٦٨]) أي لا يشركون (﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك﴾) من الأنبياء ﵈ (﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾) وحد أشركت والموحى إليهم جماعة لأن المعنى أوحى إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك مثله واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف والثانية لام الجواب، وهذا الجواب سادّ مسدّ الجوابين أعني جوابي القسم والشرط، وإنما صح هذا الكلام مع علمه تعالى بأن رسله لا يشركون لأن الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره أو لأنه على سبيل الفرض والمحالات يصح فرضها والغرض تشديد الوعيد على من أشرك وأن للإنسان عملاً يُثاب عليه إذا سلم من الشك ويبطل ثوابه إذا أشرك (﴿بل الله فاعبد﴾) رد لما أمروه به من عبادة آلهتهم (﴿وكن من الشاكرين﴾ [الزمر: ٦٥، ٦٦]) على ما أنعم به عليك، وسقط قوله: ﴿ولتكونن﴾ إلى آخره لأبي ذر وقال إلى قوله: ﴿بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾.
(وقال عكرمة) مولى ابن عباس فيما وصله الطبري (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ولئن سألتهم﴾) وللأصيلي لئن تسألهم ولأبي ذر قال: لئن سألتهم (﴿من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾) بتشديد النون ولأبي ذر والأصيلي فيقولون بالتخفيف وزيادة واو وفاء بدل اللام (فذلك) القول (إيمانهم وهم يعبدون غيره) تعالى من الأصنام ونحوها.
(و) باب (ما ذكر في خلق أفعال العباد) ولأبي ذر عن الكشميهني أعمال العباد (واكتسابهم لقوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء﴾) أي أحدث كل شيء وحده (﴿فقدره تقديرًا﴾ [الفرقان: ٢]) فهيأه لما يصلح له بلا خلل فيه وهو يدل على أنه تعالى خلق الأعمال من وجهين أحدهما أن قوله كل شيء يتناول جميع الأشياء ومن جملتها أفعال العباد، وثانيها أنه تعالى نفى الشريك فكأن قائلاً قال: هنا أقوام معترفون بنفي الشركاء، والأنداد ومع ذلك يقولون بخلق أفعال أنفسهم فذكر الله هذه الآية ردًّا عليهم ولا شبهة فيها لمن لا يقول الله شيء ولا لمن يقول بخلق القرآن لأن الفاعل بجميع صفاته لا يكون مفعوله.
(وقال مجاهد) المفسر فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿ما تنزل الملائكة إلا بالحق﴾ [الحجر: ٨]) أي (بالرسالة والعذاب). وقال في الكواكب: ما ننزل الملائكة بالنون ونصب الملائكة استشهاد لكون نزول الملائكة بخلق الله وبالتاء المفتوحة والرفع لكون نزولهم بكسبهم (﴿ليسأل الصادقين عن صدقهم﴾ [الأحزاب: ٨]) أي (المبلغين المؤدين) بكسر اللام والدال المشدّدتين فيهما (من الرسل) أي الأنبياء المبلغين المؤدين الرسالة عن تبليغهم والتفسير بهم إنما هو بقرينة السابق عليهم وهو قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم
وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا﴾ [الأحزاب: ٧] وهو لبيان الكسب حيث أسند الصدق إليهم والميثاق ونحوه (﴿وإنا له حافظون﴾) ولأبوي الوقت وذر: لحافظون (﴿عندنا﴾) هو أيضًا من قول مجاهد أخرجه الفريابي، وقال مجاهد أيضًا مما وصله الطبري: ((والذي جاء بالصدق﴾ [الزمر: ٣٣]) هو (القرآن وصدق به) هو (المؤمن يقول يوم القيامة هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه) وهو أيضًا للكسب إذا أضيف التصديق إلى المؤمن لا سيما وأضاف العمل أيضًا إلى
стр. 4708
نفسه حيث قال: عملت له جهتان فأثبتهما بالآيات وقد اجتمعتا في كثير من الآيات نحو ويمدهم في طغيانهم يعمهون قاله في الكواكب.
قال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب نسبة الأفعال كلها لله تعالى سواء كانت من المخلوقين خيرًا أو شرًّا فهي له خلق وللعباد كسب ولا ينسب شيء من الخلق لغير الله تعالى فيكون شريكًا وندًّا ومساويًا له في نسبة الفعل إليه، وقد نبّه الله تعالى عباده على ذلك بالآيات المذكورة وغيرها المصرّحة بنفي الأنداد والآلهة المدعوّة معه، فتضمنت الرد على من يزعم أنه يخلق أفعاله، وفيه الرد على الجهمية حيث قالوا لا قدرة للعبد أصلاً، وعلى المعتزلة حيث قالوا لا دخل لقدرة الله فيها إذ المذهب الحق لا جبر ولا قدر، ولكن أمر بين أمرين أي بخلق الله وكسب العبد وهو قول الأشعرية وللعبد قدرة فلا جبر، وبها يفرق بين النازل من المنارة والساقط منها، ولكن لا تأثير لها بل الفعل واقع بقدرة الله وتأثير قدرته فيه بعد تأثير قدرة العبد عليه وهذا هو المسمى بالكسب.
٧٥٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ قُلْتُ: ثُمَّ أَىّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَىّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِىَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عمرو بن شرحبيل) بفتح العين وشرحبيل بضم المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الموحدة وبعد التحتية الساكنة لام منصرفًا وغير منصرف الهمداني أبي ميسرة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: سألت رسول الله ﷺ أيّ الذنب أعظم عند الله؟ قال) ﷺ :
(أن تجعل لله ندًّا) بكسر النون وتشديد المهملة مثلاً وشريكًا ولأبي ذر والحموي أن تجعل له ندًّا (وهو خلقك. قلت: إن ذلك لعظيم. قلت: ثم أيّ) أي أيّ شيء من الذنوب أعظم بعد الكفر (قال) ﵊ (ثم أن تقتل ولدك) بفتح الهمزة (تخاف) بالفوقية والمعجمة المفتوحتين (أن يطعم معك) بفتح التحتية والعين (قلت: ثم أيّ) بسكون أيّ مشددة في اليونينية
(قال: ثم أن تزاني بحليلة جارك) بالحاء المهملة أي بزوجته قال ﷺ : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" فالزنا بزوجة الجار زنًا وإبطال حق الجار مع الخيانة فهو أقبح.
والغرض من الحديث هنا الإشارة إلى أن من زعم أنه يخلق فعل نفسه يكون كمن جعل لله ندًّا، وقد ورد فيه الوعيد الشديد فيكون اعتقاده حرامًا قاله في فتح الباري.
وأخرج الحديث في باب إثم الزناة من الحدود.
٤١ - باب
قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصّلت: ٢٢].
(باب قول الله تعالى: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾) أي أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم بل كنتم جاحدين البعث والجزاء أصلاً (﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون﴾ [فصّلت: ٢٢]) ولكنكم إنما استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون وهو الخفيات من أعمالكم وسقط لأبي ذر قوله: ﴿ولا أبصاركم﴾ إلى آخر الآية وقال بعد قوله سمعكم الآية.
٧٥٢١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِىٌّ -أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِىٌّ- كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصّلت: ٢٢] الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر المفسر المكي (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة الأزدي (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: اجتمع عند البيت) الحرام (ثقفيان) بالمثلثة ثم القاف ثم الفاء (وقرشيّ أو قرشيان) هما صفوان وربيعة ابنا أمية بن خلف (وثقفي) هو عبد يا ليل بن عمرو بن عمير وقيل حبيب بن عمرو، وقيل الأخنس بن شريق والشك من الراوي وعند ابن بشكوال القرشي الأسود بن عبد يغوث الزهري والثقفيان الأخنس بن شريق والآخر لم يسم (كثيرة) بالتنوين (شحم بطونهم) بإضافة شحم لتاليه وللأصيلي شحوم بلفظ الجمع (قليلة) بالتنوين (فقه قلوبهم) بالإضافة أيضًا، وقوله: كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم قال
الكرماني وغيره: بطونهم مبتدأ كثيرة شحم خبره إن كان البطون مرفوعًا والكثيرة مضافة
стр. 4709
إلى الشحم وإن كان بطونهم مجرورًا بالإضافة فيكون الذي هو مضاف مرفوعًا بالابتداء وكثيرة خبره مقدمًا، وهذا الثاني هو الذي في الفرع قالوا: وأنث الشحم والفقه لإضافتهما إلى بطون والقلوب، والتأنيث يسري من المضاف إليه إلى المضاف قال في المصابيح وهذا غلط لأن المسألة مشروطة بصلاحية المضاف للاستغناء عنه فلا يجوز غلام هند ذهبت، ومن ثم ردّ ابن مالك في التوضيح قول أبي الفتح في توجيه قراءة أبي العالية: يوم لا تنفع نفسًا إيمانها بتأنيث الفعل إنه من باب قطعت بعض أصابعه لأن المضاف هنا لو سقط لقيل نفسًا لا تنفع بتقديم المفعول ليرجع إليه الضمير المستتر المرفوع الذي ناب عن الإيمان في الفاعلية ويلزم من ذلك تعدّي فعل المضمر المتصل إلى ظاهره نحو قولك: زيد أظلم تريد أنه ظلم نفسه وذلك لا يجوز، وإنما الوجه في الحديث أن يكون أفرد الشحم والفقه والمراد الشحوم والمفهوم لأمن اللّبس ضرورة أنّ البطون لا تشترك في شحم واحد بل لكل بطن منها شحم يخصه وكذلك الفقه بالنسبة إلى القلوب اهـ.
(فقال أحدهم) للآخرين: (أترون) بفتح الفوقية وتضم (إن الله يسمع ما نقول. قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر) وهو أفطن أصحابه (إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا) ووجه الملازمة في قوله إن كان يسمع أن جميع المسموعات نسبتها إلى الله تعالى على السواء (فأنزل الله تعالى: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾ [فصلت: ٢٢] الآية).
قال ابن بطال فيما نقلوه عنه: غرض البخاري في هذا الباب إثبات السمع لله وإثبات القياس الصحيح وإبطال القياس الفاسد لأن الذي قال يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا قاس قياسًا فاسدًا لأنه شبّه سمع الله تعالى بأسماع خلقه الذين يسمعون الجهر ولا يسمعون السر، والذي قال إن كان يسمع إن جهرنا فإنه يسمع إن أخفينا أصاب في قياسه حيث لم يشبه الله تعالى بخلقه ونزّهه عن مماثلتهم وإنما وصف الجميع بقلة الفقه لأن هذا الذي أصاب لم يعتقد حقيقة ما قال بل شك بقوله إن كان والحديث سبق في سورة فصلت.
٤٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وَأَنَّ حَدَثَهُ لَا يُشْبِهُ حَدَثَ الْمَخْلُوقِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِى الصَّلَاةِ.
(باب قول الله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩]) أي كل وقت وحين يحدث أمورًا ويجدد أحوالاً كما روي مما سبق معلقًا عن أبي الدرداء قال: كل يوم هو في شأن يغفر ذنبًا ويكشف كربًا ويرفع قومًا ويضع آخرين، وعن ابن عيينة الدهر عند الله يومان أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع والآخر يوم القيامة فشأنه فيه الحساب والجزاء واستشكل بأنه قد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة. وأجيب: بأنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.
(﴿و﴾) قوله تعالى: (﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ [الأنبياء: ٢]) ذكر الله تعالى ذلك بيانًا لكونهم معرضين في قوله وهم في غفلة معرضون وذلك أن الله تعالى يجدد لهم الذكر كل وقت ويظهر لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم الموعظة لعلهم يتعظون فما يزيدهم ذلك إلا استخسارًا فمعنى محدث هو أن يحدث الله الأمر بعد الأمر أو محدث في التنزيل فالإحداث بالنسبة للإنزال وأما المنزل فقديم وتعلق القدرة حادث ونفس القدرة قديمة فالمذكور وهو القرآن قديم والذكر حادث لانتظامه من الحروف الحادثة فلا تمسك للمعتزلة بهذه الآية على حدوث القرآن، ويحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا هو وعظ الرسول ﷺ وتحذيره إياهم عن معاصي الله فسمي وعظه ذكرًا وأضافه إليه تعالى لأنه فاعله في الحقيقة ومقدر رسوله على اكتسابه.
(وقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ [الطلاق: ١] وإن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]) لعل مراده أن المحدث غير المخلوق كما هو رأي البلخي وأتباعه وقد تقرر أن صفات الله تعالى إما سلبية وتسمى بالتنزيهات وإما وجودية حقيقة كالعلم والإرادة والقدرة وأنها قديمة لا مُحالة وإما إضافية كالخلق
стр. 4710
والرزق وهي حادثة ولا يلزم من حدوثها تغير في ذات الله وصفاته التي هي بالحقيقة صفات له كما أن تعلق العلم وتعلق القدرة بالمعلومات والمقدورات حادثان وكذا كل صفة فعلية له.
(وقال ابن مسعود) عبد الله ﵁ (عن النبي ﷺ : إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة). أخرجه أبو داود موصولاً مطوّلاً ومراد المؤلف من سياقه هنا الإعلام بجواز الإطلاق على الله تعالى بأنه محدث بكسر الدال لكن إحداثه لا يشبه إحداث المخلوقين تعالى الله.
٧٥٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ أَقْرَبُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ تَقْرَؤُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا حاتم بن وردان) بالحاء المهملة
وفتح واو وردان وسكون رائه المصري قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن كتبهم وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدًا بالله) أي أقربها نزولاً إليكم وإخبارًا عن الله تعالى، وفي اللفظ الآخر أحدث الكتب وهو أليق بالمراد هنا من أقرب ولكنه على عادة المؤلف في تشحيذ الأذهان (تقرؤونه محضًا لم يشب). بضم التحتية وفتح المعجمة لم يخلط بغيره كما خلط اليهود التوراة وحرّفوها.
٧٥٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَىْءٍ وَكِتَابُكُمُ الَّذِى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللَّهِ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ؟ وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَغَيَّرُوا، فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ قَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلاً أَوَ لَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ، عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلاً مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (أن عبد الله بن عباس) ﵄ (قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم ﷺ أحدث الأخبار بالله) لفظًا أو نزولاً أو إخبارًا من الله تعالى (محضًا لم يشب) لم يخالطه غيره (وقد حدّثكم الله) في كتابه (أن أهل الكتاب قد بدّلوا من كتب الله وغيروا فكتبوا بأيديهم) زاد أبو ذر الكتب يشير إلى قوله تعالى: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ إلى ﴿يكسبون﴾ [البقرة: ٧٩] (وقالوا: هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمنًا قليلاً) عوضًا يسيرًا (أو لا) بفتح الواو (ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم) وإسناد المجيء إلى العلم مجاز كإسناد النهي إليه (فلا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم) وللمستملي إليكم فلم تسألون أنتم منهم مع علمكم أن كتابهم محرّف والحديث وسابقه موقوفان.
٤٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ وَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الْوَحْىُ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «أَنَا مَعَ عَبْدِى حَيْثُ مَا ذَكَرَنِى وَتَحَرَّكَتْ بِى شَفَتَاهُ».
(باب قول الله تعالى: ﴿لا تحرك به﴾) بالقرآن (﴿لسانك﴾ و﴾) باب (فعل النبي ﷺ ¬) بكسر
الفاء وسكون العين المهملة (حيث) بفتح الحاء وبالمثلثة ولأبي ذر حين (ينزل) بضم أوّله وفتح الزاي (عليه الوحي) مما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في حديث الباب.
(وقال أبو هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه قال: (قال الله تعالى: أنا مع عبدي حيث) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إذا (ما ذكرني) ولأبي ذر عن الكشميهني مع عبدي ما ذكرني (وتحركت به شفتاه) هذا طرف من حديث أخرجه أحمد والمؤلف في خلق أفعال العباد وكذا أخرجه غيرهما أي أنا معه بالحفظ والكلاءة وقوله تحركت بي شفتاه أي باسمي لا أن شفته ولسانه يتحركان بذاته تعالى.
٧٥٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِى عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ لِى ابْنُ عَبَّاسٍ: أُحَرِّكُهُمَا لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ: جَمْعُهُ فِى صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَؤُوهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا﴾ أَنْ تَقْرَأَهُ قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِىُّ ﷺ كَمَا أَقْرَأَهُ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البلخي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن موسى بن أبي عائشة) بالهمز الهمداني الكوفي (عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم (عن ابن عباس) ﵄ (في قوله تعالى: (﴿لا تحرك به﴾) بالقرآن (﴿لسانك﴾ قال: كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل) القرآني لثقله عليه (شدة، وكان) ﵊ (يحرك شفتيه). قال سعيد بن جبير (فقال لي ابن عباس: أحركهما) ولأبي ذر فأنا أحركهما (لك كما كان رسول الله ﷺ يحرّكهما فقال سعيد) أي ابن جبير (أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى: (﴿لا تحرك به﴾) أي بالقرآن (﴿لسانك﴾) قبل أن يتم وحيه (﴿لتعجل به﴾) لتأخذه على عجلة خوف أن يتفلت منك (﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾) أي قراءته فهو مصدر مضاف
стр. 4711
للمفعول.
(قال) ابن عباس مفسّرًا لقوله: ﴿جمعه﴾ أي (جمعه في صدرك) بفتح الجيم وسكون الميم (ثم تقرؤوه (فإذا قرأناه﴾) بلسان جبريل عليك (﴿فاتبع قرآنه قال﴾) ابن عباس أي (فاستمع له وأنصت) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الصاد أي لتكن حال قراءته ساكتًا (﴿ثم إن علينا﴾ أن تقرأه) وفي بدء الوحي ثم إن علينا بيانه ثم إن علينا أن تقرأه. (قال) ابن عباس (فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل ﵇ استمع) قراءته (فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما أقرأه) ولأبي ذر كما أقرأه جبريل.
ففي هذا الحديث أن القرآن يطلق ويراد به القراءة، فإن المراد بقوله قرآنه القراءة لا نفس القرآن وإن تحريك اللسان والشفتين بقراءة القرآن عمل للقارئ يؤجر عليه وقوله فإذا قرأناه فاتبع قرآنه فيه إضافة الفعل إلى الله تعالى والفاعل له من يأمره بفعله فإن القارئ لكلامه تعالى على النبي ﷺ هو جبريل، ففيه بيان لكل ما أشكل من فعل ينسب إلى الله تعالى مما لا يليق به فعله من المجيء والنزول ونحو ذلك قاله ابن بطال.
قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن مراد البخاري بهذين الحديثين الموصول والمعلق الرد على من زعم أن قراءة القارئ قديمة فأبان أنّ حركة لسان القارئ بالقرآن من فعل القارئ بخلاف المقروء فإنه كلام الله القديم، كما أنّ حركة لسان ذاكرًا لله حادثة من قعله والمذكور هو الله تعالى.
وهذا الحديث سبق في بدء الخلق.
٤٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣] يَتَخَافَتُونَ: يَتَسَارُّونَ.
(باب قول الله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به﴾) ظاهره الأمر بأحد الأمرين الإسرار والإجهار ومعناه ليستو عندكم إسراركم إجهاركم في علم الله بهما (﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ [الملك: ١٣]) أي بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها فكيف لا يعلم ما تكلم به (﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]) أي العالم بدقائق الأشياء والخبير العالم بحقائق الأشياء وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلاً على خلق أفعال العباد (يتخافتون): أي (يتسارون). بتشديد الراء فيما بينهما بكلام خفي.
٧٥٢٥ - حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أَىْ بِقِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عمرو بن زرارة) بفتح العين وزرارة بضم الزاي وتخفيف الراء الكلابي النيسابوري (عن هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير قال: (أخبرنا أبو بشر) بموحدة فمعجمة ساكنة جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
﵄ في قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾) بقراءة صلاتك (﴿ولا تخافت﴾) لا تخفض صوتك (﴿بها﴾ [الإسراء: ١١٠]) زاد في الإسراء عن أصحابك فلا تسمعهم (قال) ابن عباس (نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة) عن الكفار (فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن). واستشكل بأنه إذا كان مختفيًا عن الكفار فكيف يرفع صوته وهو ينافي الاختفاء؟ وأجاب في الكواكب: بأنه لعله أراد الإتيان بشبه الجهر أو أنه ما كان يبقى له عند الصلاة ومناجاة الرب اختيار لاستغراقه في ذلك. (فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله) جبريل (ومن جاء به) ﷺ (فقال الله) (لنبيه ﷺ : ﴿ولا تجهر بصلاتك أي بقراءتك) فيه حذف كما مرّ (فيسمع المشركون) بنصب فيسمع في الفرع وأصله ويجوز الرفع (فيسبوا القرآن ﴿ولا تخافت بها﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم) بالرفع (﴿وابتغ بين ذلك﴾) الجهر والمخافتة (﴿سبيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠]) وسطًا. قال الكرماني: فأجاد هذه الملة الإسلامية الحنيفية البيضاء أصولها وفروعها كلها واقعة في حاق الوسط لا إفراط ولا تفريط كما في الإلهيات لا تشبيه ولا تعطيل وفي أفعال العباد ولا جبر ولا قدر، بل أمر بين أمرين وفي أمر المعاد لا يكون وعيديًّا ولا مرجيًّا بل بين الخوف والرجاء، وفي الإمامة لا رفض ولا خروج، وفي الإنفاق لا إسراف ولا تقتير، وفي الجراحات لا قصاص واجبًا كما في التوراة ولا عفوًا واجبًا كما في الإنجيل، بل شرع القصاص والعفو كلاهما وهلم جرًّا.
وسبق الحديث قريبًا وكذا في سورة
стр. 4712
الإسراء من التفسير.
٧٥٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] فِى الدُّعَاءِ.
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا وكان اسمه عبد الله القرشي الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: نزلت هذه الآية: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ [الإسراء: ١١٠] في الدعاء). هذا وجه آخر في سبب نزول هذه الآية أو هو من باب إطلاق الكل على الجزء إذ الدعاء بعض أجزاء الصلاة. وسبق في الإسراء.
٧٥٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ -وَزَادَ غَيْرُهُ- يَجْهَرُ بِهِ».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن منصور وقال الحاكم ابن نصر ورجح الأول أبو علي الجياني قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك النبيل شيخ المؤلف روي عنه كثيرًا بلا واسطة قال:
(أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أخبرنا ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ليس منا) أي ليس من أهل سُنّتنا (من لم يتغن بالقرآن) أي يحسن صوته به كما قاله الشافعي وأكثر العلماء. وقال سفيان بن عيينة يستغني به عن الناس (وزاد غيره) غير أبي هريرة وفي فضل القرآن وقال صاحب له معنى يتغنى بالقرآن (يجهر به). فهي جملة مبينة لقوله يتغن بالقرآن، فلن يكون المبين على خلاف البيان، فكيف يحمل على غير تحسين الصوت. والصاحب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب كما سبق في فضل القرآن.
وقال في الفتح: وسيأتي قريبًا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بلفظ ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به فيستفاد منه أن الغير المبهم في حديث الباب وهو الصاحب المبهم في رواية عقيل هو محمد بن إبراهيم التيمي والحديث واحد إلا أن بعضهم رواه بلفظ: ما أذن، وبعضهم بلفظ: ليس منا.
قال ابن بطال: مراد البخاري بهذا الباب إثبات العلم لله تعالى صفة ذاتية لاستواء علمه بالجهر من القول والسر وتعقبه ابن المنير فقال ما أظن أنه قصد بالترجمة إثبات العلم وليس كما ظن وإلا لتقاطعت المقاصد مما اشتملت عليه الترجمة لا سيما بين العلم وبين حديث ليس منا من لم يتغن بالقرآن، وإنما قصد البخاري الإشارة إلى النكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللفظ فأشار بالترجمة إلى أن تلاوات الخلق تتّصف بالسر والجهر ويستلزم أن تكون مخلوقة وأنها تسمى تغنيًا وهذا هو الحق اعتقادًا لا إطلاقًا حذرًا من الإيهام وفرارًا من الابتداع لمخالفة السلف في الإطلاق وقد ثبت عن البخاري أنه قال من نقل عني أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب، وإنما قلت إن أفعال العبادة مخلوقة.
٤٥ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهْوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَرَجُلٌ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِىَ هَذَا فَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ قِيَامَهُ بِالْكِتَابِ هُوَ فِعْلُهُ». وَقَالَ: «﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]».
(باب قول النبي ﷺ ¬) في حديث الباب (رجل آتاه الله) (القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار) ولأبي ذر عن الكشميهني آناء الليل وآناء النهار (ورجل يقول لو أُوتيت مثل ما أُوتي هذا فعلت كما يفعل) وقال البخاري (فبين الله أن قيامه) أي قيام الرجل (بالكتاب هو فعله) حيث
أسند القيام إليه وسقط لأبي ذر والأصيلي لفظ الجلالة ولأبي ذر عن الكشميهني فبين النبي ﷺ أن قراءته الكتاب.
(وقال) تعالى: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم﴾) أي اللغات أو أجناس النطق وأشكاله وهو يشمل الكلام فتدخل القراءة (﴿وألوانكم﴾ [الروم: ٢٢]) كالسواد والبياض وغيرهما ولاختلاف ذلك وقع التعارف إلا فلو تشاكلت الألسن والألوان واتفقت لوقع التجاهل والالتباس ولتعطلت المصالح وفي ذلك آية بيّنة حيث ولدوا من أب واحد وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله متفاوتون (وقال جل ذكره: ﴿وافعلوا الخير﴾) عام يتناول سائر الخيرات كقراءة القرآن والذكر والدعاء أو أريد به صلة الأرحام ومكارم الأخلاق (﴿لعلكم تفلحون﴾ [الحج: ٧٧]) أي كي تفوزوا وافعلوا هذا كله وأنتم راجون للفلاح غير مستيقنين ولا تتكلوا على أعمالكم.
٧٥٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَحَاسُدَ إِلاَّ فِى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهْوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَهْوَ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِىَ هَذَا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَهْوَ يُنْفِقُهُ فِى حَقِّهِ فَيَقُولُ لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِىَ عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي صالح)
стр. 4713
ذكوان الزيات (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تحاسد) بفوقية مفتوحة قبل الحاء وضم السين المهملتين جائز في شيء (إلا في اثنتين) بالتأنيث إحدى الاثنتين (رجل) بالرفع أي خصلة رجل (آتاه الله) (القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار) أي ساعات الليل وساعات النهار ولأبوي الوقت وذر من آناء الليل وآناء النهار (فهو) أي الحاسد (يقول لو أوتيت) لو أعطيت (مثل ما أوتي) أعطي (هذا) من القرآن (لفعلت كما يفعل) لقرأت كما يقرأ (ورجل) وخصلة رجل (آتاه الله مالاً فهو ينفقه في حقه﴾) من الصدقة الواجبة ووجوه الخير المشروعة لا في التبذير ووجوه المكاره (فيقول) الحاسد (لو أوتيت مثل ما أوتي) هذا من المال (عملت فيه مثل ما يعمل) من الإنفاق في حقه.
قال في شرح المشكاة أثبت الحسد في هذا الحديث لإرادة المبالغة في تحصيل النعمتين الخطيرتين اللتين لو اجتمعتا في امرئ بلغ من العلياء كل مكان.
٧٥٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِىُّ: عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا حَسَدَ إِلاَّ فِى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهْوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ،
وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَهْوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ». سَمِعْتُ سُفْيَانَ مِرَارًا لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الْخَبَرَ وَهْوَ مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال الزهري) محمد بن مسلم (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا حسد إلا في اثنتين) إحداهما (رجل آتاه الله) بمدّ همزة آتاه أي أعطاه الله (القرآن فهو يتلوه) ولأبي ذر والأصيلي يقوم به (آناء الليل وآناء النهار) ساعاتهما وواحد الآناء. قال الأخفش: إني مثل معي وقيل أنو يقال مضى أنيان من الليل وأنوان (و) ثانيهما (رجل آتاه الله) (مالاً فهو ينفقه) في حقه (آناء الليل وآناء النهار).
قال البغوي: المراد من الحسد هنا الغبطة وهي أن يتمنى الرجل مثل ما لأخيه من غير أن يتمنى زواله عنه والمذموم أن يتمنى زواله وهو الحسد ومعنى الحديث الترغيب في التصدّق بالمال وتعليم العلم اهـ.
قال علي بن عبد الله المديني (سمعت سفيان) ولأبوي الوقت وذر: سمعت من سفيان (مرارًا لم أسمعه يذكر الخبر) أي لم أسمعه بلفظ أخبرنا أو حدّثنا الزهري بل بلفظ قال (وهو) مع ذلك (من صحيح حديثه) فلا قدح فيه إذ هو معلوم من الطرق الصحيحة فعند الإسماعيلي عن أبي يعلى عن أبي خيثمة قال: حدّثنا سفيان هو ابن عيينة قال: حدّثنا الزهري عن سالم به، وكذا هو في مسلم عن أبي خيثمة زهير بن حرب. وقال في الكواكب: أورد البخاري الترجمة مخرومة إذ ذكر من صاحب القرآن حال المحسود فقط ومن صاحب المال حال الحاسد فقط ولا لبس في ذلك لأنه اقتصر على ذكر حامل القرآن حاسدًا ومحسودًا وترك حال ذي المال.
وسبق الحديث في العلم وفضائل القرآن والتمني.
٤٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ﴾
[المائدة: ٦٧] وَقَالَ الزُّهْرِىُّ: مِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ، وَقَالَ: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى﴾ [الأعراف: ٦٢]، وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤] وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ فَقُلِ: «اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ»، وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ وَقَالَ مَعْمَرٌ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ هَذَا الْقُرْآنُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] بَيَانٌ وَدِلَالَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ١٠] هَذَا
حُكْمُ اللَّهِ لَا رَيْبَ لَا شَكَّ تِلْكَ آيَاتُ يَعْنِى هَذِهِ أَعْلَامُ الْقُرْآنِ وَمِثْلُهُ ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] يَعْنِى بِكُمْ، وَقَالَ أَنَسٌ: بَعَثَ النَّبِىُّ ﷺ خَالَهُ حَرَامًا إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: أَتُؤْمِنُونِى أُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ.
(باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك﴾) ناداه بأشرف الصفات البشرية وقوله بلغ وهو قد بلغ فأجاب الكشاف بأن المعنى جميع ما أنزل إليك أي أيّ شيء أنزل غير مراقب في تبليغه أحدًا ولا خائف أن ينالك مكروه وقوله ما يحتمل أن تكون بمعنى الذي ولا يجوز أن تكون نكرة موصوفة لأنه مأمور بتبليغ الجميع كما مرَّ والنكرة لا تفي بذلك فإن تقديرها بلغ شيئًا أنزل إليك وفي أنزل ضمير مرفوع يعود على ما قام مقام الفاعل (﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته﴾ [المائدة: ٦٧]) بلفظ الجمع وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر أي إن لم تفعل التبليغ فحذف المفعول، ثم إن الجواب لا بدّ وأن يكون مغايرًا للشرط لتحصل الفائدة ومتى اتحدا اختل الكلام فلو قلت إن أتى زيد فقد جاء لم يجز وظاهر قوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت﴾ اتحاد الشرط والجزاء فإن المعنى يؤول ظاهرًا وإن لم تفعل لم تفعل. وأجاب الناس عن ذلك بأجوبة، فقيل: هو أمر تبليغ الرسالة في المستقبل أي بلغ ما أنزل إليك من ربك في المستقبل وإن لم تفعل أي وإن لم تبلّع الرسالة في المستقبل فكأنك لم تبلّع الرسالة أصلاً أو بلغ ما أنزل إليك من ربك الآن ولا تنتظر به كثرة الشوكة والعدة فإن لم تبلغ كنت كمن لم يبلغ أصلاً أو بلغ غير خائف أحدًا فإن لم تبلغ على هذا الوصف فكأنك لم تبلغ الرسالة أصلاً ثم
стр. 4714
قال مشجعًا له في التبليغ: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] وقال البدر الدماميني في مصابيحه وجه التغاير بين الشرط والجزاء أن الجزاء مما أقيم فيه السبب مقام المسبب إذ عدم التبليغ سبب لتوجيه العتب وهذا السبب في الحقيقة هو الجزاء، فالتغاير حاصل لكن نكتة العدول إلى ذكر السبب إجلال النبي ﷺ وترفيع محله عن أن يواجه بعتب أو بشيء مما يتأثر منه ولو على سبيل الفرص فتأمله اهـ.
(وقال الزهري) محمد بن مسلم (من الله الرسالة وعلى رسول الله ﷺ ¬) وللأصيلي وعلى رسوله (¬ ﷺ البلاغ وعلينا التسليم) فلا بدّ في الرسالة من ثلاثة أمور: المرسل والرسول والمرسل إليه ولكلٍّ منهم شأن، فللمرسل الإرسال وللرسول التبليغ وللمرسل إليه القبول والتسليم وهذا وقع في قصة أخرجها الحميدي في النوادر ومن طريقه الخطيب (وقال: ﴿ليعلم﴾) ولأبي ذر وقال الله تعالى ليعلم أي الله تعالى (﴿أن قد أبلغوا﴾) أي الرسل (﴿رسالات ربهم﴾) كاملة بلا زيادة ولا نقصان إلى المرسل إليهم أي ليعلم الله ذلك موجودًا حال وجوده كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنه يوجده وقيل ليعلم محمد ﷺ أن الرسل قبله قد بلغوا الرسالة. وقال القرطبي: فيه حذف يتعلق به الكلام أي اخترنا لحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على حالته من التبليغ بالحق والصدق وقيل ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه واستراق أصحابه (وقال تعالى: ﴿أبلغكم رسالات ربي﴾ [الأعراف: ٦٢]) أي ما أوحي إليّ في الأوقات
المتطاولة أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والبشائر والنذائر والتبليغ فعل فإذا بلغ فقد فعل ما أمر به.
(وقال كعب بن مالك) الأنصار (حين تخلف عن النبي ﷺ ¬) في غزوة تبوك مما سبق بطوله في سورة التوبة (﴿وسيرى الله﴾) وللأبوين: فسير الله (﴿عملكم ورسوله﴾ [التوبة: ٩٤]) ولأبي ذر والأصيلي: والمؤمنون يشير إلى قوله في القصة. قال الله تعالى: ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذورا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ الآية. ومراد البخاري تسمية ذلك كله عملاً.
(وقالت عائشة) رضي الله، عنها (إذا أعجبك حسن عمل امرئ فقل: اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ولا يستخفنك أحد) بالخاء المعجمة وتشديد الفاء والنون أي لا يستخفنك بعمله فتسارع إلى مدحه وظن الخير به لكن ثبت حتى تراه عاملاً بما يرضاه الله ورسوله والمؤمنون وصله البخاري في خلق أفعال العباد. مطوّلاً وفي ما كان شأن عثمان حين نجم القراء الدين طعنوا فيه وقالوا قولاً لا يحسن مثله وقرؤوا قراءة لا يحسن مثلها وصلّوا صلاة لا يصلّى مثلها الحديث بطوله والمراد أنها سمت ذلك كله عملاً.
(وقال معمر): بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة هو أبو عبيدة بن المثنى اللغوي في كتاب مجاز القرآن له (﴿ذلك الكتاب﴾) أي (هذا القرآن) قال: وقد تخاطب العرب الشاهد بمخاطبة الغائب. وقال في المصابيح: قوله ذلك الكتاب هذا القرآن يعني أن الإشارة إلى الكتاب المراد به القرآن وليس ببعيد فكان مقتضى الظاهر أن يشار إليه بهذا لكن أتى بذلك الذي يشار به إلى البعيد لأن القصد فيه إلى تعظيم المشار إليه وبعدد درجته قال وفي كلام الزركشي في التنقيح هنا خبط وقال تعالى: ﴿هدًى للمتقين﴾ [البقرة: ٢]) أي (بيان ودلالة كقوله تعالى: ﴿ذلكم حكم الله﴾ [المتحتة: ١٠] هذا حكم الله) يعني أن ذلك بمعنى هذا (لا ريب) زاد أبو ذر والوقت فيه أي (لا شك تلك آيات الله يعني هذه أعلام القرآن) فاستعمل تلك التي للبعيد في موضع هذه التي للقريب (ومثله) في الاستعمال قوله تعالى: (﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ [يونس: ٢٢] يعني بكم) فلما شاع استعمال ما هو للبعيد للقريب جاز استعمال ما هو للغائب للحاضر.
(وقال أنس) ﵁ (بعث النبي ﷺ خاله) وفي نسخة خالي (حرامًا) أي ابن ملحان أخا أم سليم إلى بني عامر (إلى قومه) بني عامر ولأبي ذر إلى قوم (وقال) لهم حرام: (أتؤمنون) بسكون الهمزة
стр. 4715
وكسر الميم أي أتجعلوني آمنًا (أبلغ رسالة رسول الله ﷺ ¬) فأمنوه (فجعل يحدّثهم) عن النبي ﷺ إذ أومؤوا إلى رجل منهم فطعنه فقال فزت ورب الكعبة.
وهذا وصله في الجهاد والمغازي.
٧٥٣٠ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّىُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِىُّ وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ قَالَ: الْمُغِيرَةُ، أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ ، عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا، أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ.
وبه قال: (حدّثنا الفضل بن يعقوب) الرخامي البغدادي قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الرقي) بفتح الراء وكسر القاف المشددة قال: (حدّثنا المعتمر بن سليمان) التيمي وقيل إن صوابه المعمر بتشديد الميم وفتحها وضم الميم الأولى لأن عبد الله بن جعفر لا يروي عن المعتمر بن سليمان قاله في المصابيح. وقال الكرماني: وفي بعضها معمر من التعمير وصوابه معتمر من الاعتمار قال: (حدّثنا سعيد بن عبد الله الثقفي) بالمثلثة ثم القاف ثم الفاء بفتح العين مكبرًا كذا في الفرع مكتوبًا على كشط. قال الجياني: وذا كان في نسخة الأصيلي إلا أنه أصلحه عبيد الله بالتصغير وقال هو سعيد بن عبد الله بن جبير بن حية قال: (حدّثنا بكر بن عبد الله المزني) بالزاي (وزياد بن جبير بن حية) بالحاء المهملة والتحتية المشددة (عن) أبيه (جبير بن حية قال المغيرة) بن شعبة ﵁ لترجمان عامل كسرى بندار لما بعث عمر الناس في أفناء الأمصار وخرج عليهم في أربعين ألفًا (أخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا) ﵎:
(إنه من قتل منا) في الجهاد (صار إلى الجنة) زاد في الجزية في نعيم لم ير مثلها قط ومن بقي منا ملك رقابكم الحديث بطوله.
٧٥٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا؟ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْىِ فَلَا تُصَدِّقْهُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن إسماعيل) بن أبي خالد (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن مسروق) بالسين المهملة الساكنة ابن الأجدع (عن عائشة ﵂) أنها (قالت من حدّثك أن محمدًا ﷺ كتم شيئًا؟ وقال محمد) يحتمل أن يكون هو محمد بن يوسف الفريابي فيكون الحديث موصولاً أو غيره فيكون معلمًا (حدّثنا أبو عامر) عبد الملك (العقدي) بفتح العين والقاف قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن إسماعيل بن أبي خالد) واسمه سعد على خلاف فيه (عن الشعبى) عامر (عن مسروق عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: من حدّثك أن النبي ﷺ كتم شيئًا من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول: (﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾) [المائدة: ٦٧] ووجه
الاستدلال بالآية أن ما أنزل عام والأمر للوجوب فيجب عليه تبليغ كل ما أنزل عليه. وقال في الفتح: كل ما أنزل على الرسول فله بالنسبة إليه طرفان طرف الأخذ من جبريل ﵇، وقد مضى في الباب السابق وطرف الأداء للأمة وهو المسمى بالتبليغ وهو المراد هنا والله أعلم.
٧٥٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ». قَالَ: ثُمَّ أَىّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قَالَ: ثُمَّ أَىّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ٦٩] الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عمرو بن شرحبيل) أبي ميسرة الهمداني أنه (قال: قال عبد الله) بن مسعود (قال رجل: يا رسول الله) وفي باب قول الله: (﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾ عن عبد الله أي ابن مسعود سألت رسول الله ﷺ (أي الذنب أكبر عند الله تعالى؟ قال) ﵊:
(أن تدعو لله ندًّا) شريكًا (وهو خلقك. قال: ثم أي)؟ أي أيّ شيء من الذنوب أكبر من ذلك (قال: ثم أن تقتل ولدك أن) ولأبي ذر مخافة أن (يطعم معك. قال: ثم أي؟ قال: أن) ولأبوي الوقت وذر ثم أن (تزاني حليلة جارك) أي زوجته (فأنزل الله) ﵎ (تصديقها: ﴿والدين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾) أي لا يشركون (﴿ولا يقتلون النفس التي حرّم الله﴾) قتلها (﴿إلا بالحق﴾) بقود أو رجم أو ردّة أو شِرك أو سعي في الأرض بالفساد (﴿ولا يزنون ومن يفعل ذلك﴾) المذكور (﴿يلق أثامًا﴾) جزاء الإثم (﴿يضاعف له العذاب﴾ [الفرقان: ٦٩] الآية). أي يعذب على مرور الأيام في الآخرة عذابًا على عذاب.
قال في الكواكب: كيف وجد الصديق يعني في قوله فأنزل الله تصديقها؟ قلت: من جهة إعظام هذه الثلاثة حيث ضاعف لها العذاب وأثبت لها الخلود، وقال في فتح الباري:
стр. 4716
ومناسبة قوله فأنزل الله تصديقها الخ … للترجمة أن التبليغ على نوعين: أحدهما: هو الأصل أن يبلغه بعينه وهو خاص بالقرآن. الثاني: أن يبلغ ما يستنبط من أصول ما تقدم إنزاله فينزل عليه موافقته فيما استنبطه إما بنصه وإما بما يدل على موافقته بطريق الأولى كهذه الآية فإنها اشتملت على الوعيد الشديد في حق من أشرك وهي مطابقة بالنص، وفي حق من قتل النفس بغير حق وهي مطابقة للحديث بطريق الأولى لأن القتل بغير حق وإن كان عظيمًا لكن قتل الولد أقبح من قتل من ليس بولد وكذا القول في الزنا فإن الزنا بحليلة الجار أعظم قبحًا من مطلق الزنا، ويحتمل أن يكون
إنزال هذه الآية سابقًا على إخباره ﷺ بما أخبر به لكن لم يسمعه الصحابي إلا بعد ذلك، ويحتمل أن يكون كلٌّ من الأمور الثلاثة نزل تعظيم الإثم فيه سابقًا، ولكن اختصت هذه الآية بمجموع الثلاثة في سياق واحد مع الاقتصار عليها فيكون المراد بالتصديق الموافقة في الاقتصار عليها فعلى هذا فمطابقة الحديث للترجمة ظاهرة جدًّا والله أعلم.
٤٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣] وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «أُعْطِىَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِهَا وَأُعْطِىَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمُ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ». وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ ﴿يَتْلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٢١]: يَتَّبِعُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، يُقَالُ يُتْلَى: يُقْرَأُ حَسَنُ التِّلَاوَةِ حَسَنُ الْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ. ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩]: لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلاَّ مَنْ آمَنَ بِالْقُرْآنِ وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلاَّ الْمُوقِنُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥] وَسَمَّى النَّبِىُّ ﷺ الإِسْلَامَ وَالإِيمَانَ عَمَلاً، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِبِلَالٍ: «أَخْبِرْنِى بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِى الإِسْلَامِ»؟ قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِى أَنِّى لَمْ أَتَطَهَّرْ إِلاَّ صَلَّيْتُ وَسُئِلَ أَىُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ الْجِهَادُ ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ».
(باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣]) فاقرؤوها فالتلاوة مفسرة بالعمل والعمل من فعل العامل (و) باب (قول النبي ﷺ : أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها وأعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به وأعطيتم القرآن فعملتم به) وصله في آخر هذا الباب لكن بلفظ أوتي في الموضعين وأوتيتم.
(وقال أبو رزين) براء ثم زاي بوزن عظيم مسعود بن مالك الأسدي الكوفي التابعي الكبير في قوله تعالى: (﴿يتلونه﴾ [البقرة: ١٢١]) أي حق تلاوته كما في رواية أبي ذر (يتبعونه ويعملون به حق عمله) وصله سفيان الثوري في تفسيره (يقال: يتلى) أي (يقرأ) قاله أبو عبيدة في المجاز في قوله تعالى: ﴿إنّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾ [العنكبوت: ٥١] (حسن التلاوة) أي (حسن القراءة للقرآن) وكذا يقال رديء التلاوة أي القراءة ولا يقال حسن القرآن ولا رديء القرآن وإنما يسند إلى العباد القراءة لا القرآن لأن القرآن كلام الله والقراءة فعل العبد.
(﴿لا يمسه﴾) من قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] أي (لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن) أي المطهرون من الكفر (ولا يحمله بحقه إلا الموقن) ولأبي ذر وابن عساكر إلا المؤمن بدل الموقن بالقاف أي بكونه من عند الله المتطهر من الجهل والشك (لقوله تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا بئس مثل القوم الذين
كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [لجمعة: ٥] وسمى النبي ﷺ الإسلام والإيمان) وزاد أبو ذر والصلاة (عملاً) في حديث سؤال جبريل السابق مرارًا. وفي الحديث المعلق في الباب.
(قال أبو هريرة: قال النبي ﷺ لبلال: أخبرني بأرجى عمل) بفتح الميم (عملته) بكسرها (في الإسلام. (قال) يا رسول الله (ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر) طهورًا في ساعة من ليل أو نهار (إلا صليت) أي بذلك الطهور ركعتين كما في بعض الروايات ودخول هذا الحديث هنا من جهة أن الصلاة لا بدّ فيها من القراءة. والحديث سبق في غير مرة.
(وسئل) النبي ﷺ (أي العمل أفضل)؟ أيّ أكثر ثوابًا عند الله (قال: إيمان بالله ورسوله ثم الجهاد) في سبيل الله (ثم حج مبرور) مقبول لا يخالطه إثم.
والحديث سبق موصولاً في الإيمان في باب من قال: إن الإيمان هو العمل فجعل ﷺ الإيمان والجهاد والحج عملاً.
٧٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِىَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِىَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيتُمُ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: هَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلاً وَأَكْثَرُ أَجْرًا قَالَ: اللَّهُ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهْوَ فَضْلِى أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (سالم) هو ابن عمر (عن ابن عمر) أبيه ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال):
(إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم كما بين) أجزاء وقت (صلاة العصر) المنتهية (إلى غروب الشمس أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا) عن استيفاء عمل النهار كله بأن ماتوا قبل النسخ (فأعطوا قيراطًا قيراطًا) بالتكرار مرتين
стр. 4717
وفيه كلام سبق في الصلاة في باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب (ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به) من نصف النهار (حتى صليت العصر ثم عجزوا) عن العمل أي انقطعوا (فأعطوا قيراطًا قيراطًا ثم أوتيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس) ولأبي ذر عن الكشميهني حتى غروب الشمس (فأعطيتم
قيراطين قيراطين) بالتثنية فيهما (فقال أهل الكتاب) اليهود والنصارى (هؤلاء أقل منا عملاً وأكثر أجْرًا قال الله) (هل ظلمتكم) نقصتكم (من حقكم) الذي شرطته لكم (شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فهو) أي كل ما أعطيته من الثواب (فضلي أوتيه من أشاء).
والحديث سبق في الصلاة. ومطابقته للترجمة هنا في قوله: أوتي أهل التوراة.
٤٨ - باب وَسَمَّى النَّبِىُّ ﷺ الصَّلَاةَ عَمَلاً وَقَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»
(باب) بالتنوين بغير ترجمة فهو كالفصل السابق ولذا عطف عليه قوله (وسمى النبي ﷺ الصلاة عملاً) في حديث الباب (وقال) ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) كما سبق موصولاً من حديث عبادة بن الصامت في الصلاة في باب وجوب القراءة للإمام والمأموم.
٧٥٣٤ - حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْوَلِيدِ وَحَدَّثَنِى عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَسَدِىُّ أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، عَنْ أَبِى عَمْرٍو الشَّيْبَانِىِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ أَىُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ثُمَّ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (سليمان) بن حرب الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الوليد) بن العيزار قال البخاري (وحدّثني) بالواو والإفراد (عباد بن يعقوب) بفتح العين والموحدة المشدّدة (الأسدي) قال: (أخبرنا عباد بن العوّام) بتشديد الواو (عن الشيباني) سليمان بن فيروز أبي إسحاق الكوفي (عن الوليد بن العيزار) بفتح العين المهملة وبعد الياء التحتية الساكنة زاي فألف فراء (عن أبي عمرو) بفتح العين سعد بن إياس (الشيباني عن ابن مسعود) عبد الله ﵁ (أن رجلاً) هو ابن مسعود (سأل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال):
(الصلاة لوقتها) أي على وقتها أو في وقتها وحروف الخفض ينوب بعضها عن بعض عند الكوفيين (وبرّ الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله).
والحديث سبق بأطول من هذا في الصلاة وفي الأدب.
٤٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ضَجُورًا ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ضَجُورًا [المعارج: ١٩، ٢٠، ٢١].
(باب قول الله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعًا﴾ ضجورًا كذا ثبت في هامش اليونينية بالحمرة من غير رقم مع إثباته بعد قوله هلوعًا وعن ابن عباس يفسره ما بعده (﴿إذا مسّه الشر جزوعًا وإذا مسه الخير منوعًا﴾ [المعارج: ١٩] هلوعًا). قال أبو عبيدة (ضجورًا) وقال غيره الهلع سرعة الجزع عند مسّ المكروه وسرعة المنع عند مسّ الخير وسأل محمد بن عبد الله بن طاهر ثعلبًا عن الهلع فقال: قد فسّره الله ولا يكون تفسير أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع إذا ناله خير بخل به ومنعه الناس وهذا طبعه وهو مأمور بمخالفة طبعه وموافقة شرعه.
٧٥٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ قَالَ: أَتَى النَّبِىَّ ﷺ مَالٌ فَأَعْطَى قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ، فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ عَتَبُوا فَقَالَ: «إِنِّى أُعْطِى الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ وَالَّذِى أَدَعُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ الَّذِى أُعْطِى، أُعْطِى أَقْوَامًا لِمَا فِى قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِى قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ». فَقَالَ عَمْرٌو: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِى بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن تغلب بفتح الفوقية وسكون الغين المعجمة وكسر اللام العبد قال: (حدّثنا جرير بن حازم) الأزدي (عن الحسن) البصر أنه قال (حدّثنا عمرو بن تغلب) بفتح العين وسكون الميم وتغلب بفتح الفوقية وسكون المعجمة وكسر اللام بعدها موحدة النمري بفتح النون والميم مخففًا (قال: أتى النبي ﷺ مال فأعطى قومًا ومنع آخرين فبلغه أنهم عتبوا) عليه (فقال) ﵊:
(إني أعطي الرجل وأدع الرجل) أي أترك إعطاءه (والذي أدع) أترك (أحبّ إليّ) بتشديد الياء (من الذي أعطي. أعطي قومًا لما في قلوبهم من الجزع والهلع) وهذا موضع الترجمة (وكل أقوامًا إلى ما جعل الله) (في قلوبهم من الغنى والخير) بكسر الغين والقصر من غير همز ضد الفقر، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من الغناء بفتح الغين والهمزة والمد من الكفاية (منهم عمرو بن تغلب فقال عمرو: وما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ ¬) التي قالها (حمر النعم) بفتح النون.
قال ابن بطال: مراد البخاري في هذا الباب إثبات خلق الله للإنسان بأخلاقه من الهلع والصبر والمنع والإعطاء، وفيه أن المنع قد لا يكون مذمومًا ويكون أفضل للممنوع لقوله: وأكِل أقوامًا وهذه المنزلة التي شهد لهم بها ﷺ أفضل من العطاء الذي هو عرض الدنيا، ولذا اغتبط به عمرو ﵁.
стр. 4718
والحديث سبق في الخمس في باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم.
٥٠ - باب ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَرِوَايَتِهِ عَنْ رَبِّهِ
(باب ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه) بدون واسطة جبريل ﵇. وقال في الفتح: يحتمل أن تكون الجملة الأولى محذوفة المفعول والتقدير ذكر النبي ﷺ ربه ويحتمل أن يكون ضمن الذكر معنى التحديث فعداه بعن فيكون قوله عن ربه يتعلق بالذكر والرواية معًا.
٧٥٣٦ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْهَرَوِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَىَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّى ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِى مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن عبد الرحيم) الملقب بصاعقة قال: (حدّثنا أبو زيد سعيد بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة (الهروي) قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ يرويه) أي الحديث (عن ربه) ﵎ أنه (قال) جل وعلا:
(إذا تقرب العبد إليّ) بتشديد الياء (شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإذا تقرب مني) ولأبي الوقت إليّ (ذراعًا تقربت منه باعًا وإذا أتاني مشيًا) وفي نسخة يمشي (أتيته هرولة) أي مسرعًا أي من تقرب بطاعة قليلة جازيته بثواب كثير ولفظ التقرب والهرولة إنما هو على طريق المشاكلة أو الاستعارة أو المراد لازمهما.
٧٥٣٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى عَنِ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: رُبَّمَا ذَكَرَ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ مِنِّى شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّى ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا أَوْ بُوعًا».
وَقَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أَبِى سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ .
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (عن يحيى) بن سعيد القطان (عن التيمي) سليمان بن طرخان وهذا هو الصواب ووقع في اليونينية التميمي ولعله سبق قلم (عن أنس بن مالك عن أبي هريرة) ﵄ أنه (قال: ربما ذكر) أبو هريرة (النبي ﷺ قال):
(إذا تقرب العبد مني شبرًا) كذا للجميع ليس فيه الرواية عن الله. نعم عند الإسماعيلي من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن يحيى بلفظ عن أبي هريرة ذكر النبي ﷺ قال: قال الله : (إذا تقرب العبد مني شبرًا تقربت منه ذراعًا وإذا تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا) بالألف (أو بوعًا) بالواو بالشك وهما بمعنى، وقال الخطابي: الباع معروف وهو قدر مدّ اليدين، وقال الباجي: البدع طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره وذلك قدر أربعة أذرع وهذا تمثيل ومجاز إذ حمله على الحقيقة مُحال على الله تعالى فوصف العبد بالتقرب إليه شبرًا وذراعًا وإتيانه ومشيه
معناه التقرّب إلى ربه بطاعته وأداء مفترضاته ونوافله وتقربه تعالى من عبده وإتيانه ومشيه عبارة عن إثباته على طاعته وتقريبه من رحمته.
(وقال معتمر) هو ابن سليمان التيمي فيما وصله مسلم (سمعت أبي) سليمان قال: (سمعت أنسًا) ﵁ (عن النبي ﷺ يرويه) أي الحديث السابق (عن ربه فصرّح فيه بالرواية عن الله تعالى والحديث الأول كالثاني لكن الثاني فيه أن أنسًا يروي عن أبي هريرة وفي الأول أنس يروي عن النبي ﷺ وفي المعلق يروي المعتمر عن أبيه عن أنس عن النبي ﷺ .
٧٥٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ قَالَ: «لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ، وَالصَّوْمُ لِى، وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا محمد بن زياد) القرشي الجمحي مولاهم أنه (قال: سمعت أبا هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ يرويه عن ربكم) ﵎ أنه (قال):
(لكل عمل) من المعاصي (كفّارة) توجب ستره وغفرانه (والصوم لي) لا يتعبد به لغيري (وأنا أجزي به) الصائم وغير الصوم قد يفوّض جزاؤه للملائكة (ولخلوف فم الصائم) بضم الخاء المعجمة تغير رائحة فمه بسبب خلاء معدته (أطيب عند الله من ريح المسك). والله تعالى منزّه عن الأطيبة فهو على سبيل الفرض يعني لو فرض لكان أطيب منه.
واستشكل بأن دم الشهيد كريح المسك والخلوف أطيب، فيلزم منه أن يكون الصائم أفضل من الشهيد. وأجيب: بأن منشأ الأطيبة ربما يكون الطهارة لأن الخلوف طاهر والدم نجس.
والحديث سبق في الصوم.
٧٥٣٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ ح وَقَالَ لِى خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «لَا يَنْبَغِى لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى». وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ.
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سخبرة الأزدي أبو عمر الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة السدوسي (ح) للتحويل. قال المؤلف:
(وقال لي خليفة) بن خياط (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا (عن
стр. 4719
سعيد) هو ابن أبي عروبة واللفظ لسعيد (عن قتادة عن أبي العالية) رفيع بضم الراء وفتح الفاء وبعد التحتية الساكنة مهملة الرياحي (عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه) ﵎ أنه (قال):
(لا ينبغي لعبد أن يقول إنه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أن يقول أنا (خير من يونس بن متى) بفتح الميم والفوقية المشددة مقصورًا (ونسبه إلى أبيه) جملة حالية أي ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس أو ليس لأحد أن يفضلني عليه تفضيلاً يؤدي إلى تنقيصه لا سيما إن توهم ذلك من قصة الحوت، فإنها ليست حاطّة من مرتبته العلية صلوات الله وسلامه على جميعهم وزادهم شرفًا أو قاله تواضعًا أو قاله قبل علمه بسيادته على الجميع والدلائل متظاهرة على تفضيله عليهم.
والحديث سبق في سورة النساء والأنعام وليس فيه عن ربه ولا عن ربه وكذا في أحاديث الأنبياء عن حفص بن عمر بالسند المذكور. قال في الفتح: وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية عبد الرحمن بن مهدي ولم أر في شيء من الطرق عن شعبة فيه عن ربه ولا عن الله، وقال السفاقسي: ليس في أكثر الروايات يرويه عن ربه فإن كان محفوظًا فهو من سوى النبي ﷺ .
٧٥٤٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى سُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِىِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ أَوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ قَالَ: فَرَجَّعَ فِيهَا قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَةُ يَحْكِى قِرَاءَةَ ابْنِ مُغَفَّلٍ وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابْنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِى النَّبِىَّ ﷺ فَقُلْتُ لِمُعَاوِيَةَ: كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ؟ قَالَ: ءَاءَاءَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن أبي سريج) بالسين المهملة المضمومة آخره جيم هو أحمد بن الصباح أبو جعفر بن أبي سريج النهشلي الرازي قال: (أخبرنا شبابة) بالشين المعجمة وتخفيف الموحدة الأولى ابن سوار بفتح المهملة وتشديد الواو أبو عمرو الفزاري مولاهم قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن معاوية بن قرة) بضم القاف وتشديد الراء المفتوحة المزني (عن عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة، ولأبي ذر المغفل (المزني) ﵁ أنه (قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الفتح على ناقة له يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح) بالشك من الراوي (قال: فرجع فيها) بتشديد الجيم أي ردّد صوته بالقراءة (قال) شعبة (ثم قرأ معاوية يحكي قراءة ابن مغفل، وقال) معاوية (لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل يحكي النبي ﷺ ¬) قال ابن بطال فيه إن القراءة بالترجيع والإلحان تجمع نفوس الناس إلى الإصغاء إليه وتستميلها بذلك حتى لا تكاد تصبر عن استماع الترجيع المشوب بلذة الحكمة المهيمنة قال شعبة (فقلت لمعاوية: فكيف كان ترجيعه؟ قال: ءاءاءا ثلاث مرات) بهمزة مفتوحة بعدها ألف وهو محمول على الإشباع في محله وسبقت مباحثه في فضائل القرآن، وفيه جواز القراءة بالترجيع والإلحان الملذذة للقلوب بحسن الصوت، ووجه دخول هذا الحديث في هذا الباب أنه ﷺ كان أيضًا يروي القرآن عن ربه. وقال الكرماني: الراوية عن الرب أعمّ من أن تكون قرآنًا أو غيره بالواسطة أو بدونها لكن المتبادر إلى الذهن المتداول على الألسنة كان بغير الواسطة.
٥١ - باب مَا يَجُوزُ مِنْ تَفْسِيرِ التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣].
(باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله) كالإنجيل (بـ) اللغة (العربية وغيرها) من اللغات (لقول الله تعالى: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ [آل عمران: ٩٣]) ووجه الدلالة منها أن التوراة بالعبرانية وقد أمر الله أن تتلى على العرب وهم لا يعرفون العبرانية ففيه الإذن في التعبير عنها بالعربية.
٧٥٤١ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَنِى أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا تَرْجُمَانَهُ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَأَهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآيَةَ.
(وقال ابن عباس) ﵄: (أخبرني) بالإفراد (أبو سفيان) صخر (بن حرب أن هرقل) ملك الروم قيصر (دعا ترجمانه) ولم يسم (ثم دعا بكتاب النبي ﷺ فقرأه) فإذا فيه (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل: و ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية) وجه الدلالة منه أنه ﷺ كتب إلى هرقل باللسان العربي ولسان هرقل رومي ففيه إشعار بأنه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث إليه ليفهمه والمترجم المذكور هو الترجمان.
والحديث سبق مطولاً في أول الصحيح.
٧٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾» [البقرة: ١٣٦] الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة
стр. 4720
والمعجمة المشددة ابن عثمان أبو بكر العبدي مولاهم المعروف ببندار قال: (حدّثنا عثمان بن عمر) بضم العين ابن فارس البصري قال: (أخبرنا علي بن المبارك) الهنائي (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة الطائي مولاهم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن أبي هريرة) ﵁ (قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية) بكسر العين وسكون الموحدة (ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم) قال البيهقي: فيه دليل على أن أهل الكتاب إن صدقوا ما فسروا من كتابهم بالعربية كان ذلك مما أنزل إليهم على طريق التعبير عما أنزل وكلام الله واحد لا يختلف باختلاف اللغات فبأي لسان قرئ فهو كلام الله ثم أسند عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾ [الأنعام: ١٩] يعني ومن أسلم من العجم وغيرهم. قال البيهقي: وقد لا يكون يعرف العربية فإذا بلغه معناه بلسانه فهو له نذير (﴿وقولوا آمنا بالله وما أنزل﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية) والمراد القرآن.
٧٥٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لِلْيَهُودِ: «مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا»؟ قَالُوا: نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا قَالَ: «﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾». فَجَاؤُوا فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ أَعْوَرُ اقْرَأْ فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى عَلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ وَلَكِنَّا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا إسماعيل) ابن علية (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: أُتي) بضم الهمزة وكسر الفوقية (النبي ﷺ برجل) لم يسم ولأبي ذر أن النبي ﷺ أتي برجل (وامرأة) قال ابن العربي: اسمها بسرة كلاهما (من اليهود قد زنيا فقال) ﷺ (لليهود):
(ما تصنعون بهما؟ قالوا: نسخم) بضم النون وفتح السين المهملة وكسر الخاء المعجمة المشددة نسوّد (وجوههما ونخزيهما) بضم النون وسكون الخاء المعجمة وكسر الزاي أي نركبهما على حمار معكوسين وندور بهما في الأسواق (قال) ﷺ لهم: (﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾. فجاؤوا) بها (فقالوا لرجل ممن يرضون) هو عبد الله بن صوريا الأعور اليهودي (يا أعور) منادى ولأبي ذر عن الكشميهني أعور مجرور بالفتحة صفة لرجل والذي في اليونينية بالرفع على أصل المنادى مع حذف الأداة (اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها) من التوراة (فوضع يده عليه) على الموضع ولأبي ذر عن الكشميهني عليها على آية الرجم (قال) له ابن سلام (ارفع يدك) عنها (فرفع يده فإذا فيه) في الموضع الذي وضع يده عليه (آية الرجم تلوح) بالحاء المهملة (فقال: يا محمد إن عليهما) ولأبوي الوقت وذر إن بينهما (الرجم ولكنا نكاتمه بيننا) بضم النون بعدها كاف وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي نتكاتمه بفتح النون والفوقية والتذكير أي بالرجم أيضًا ولأبي ذر أيضًا عن الكشميهني نتكاتمها بالتأنيث أي آية الرجم (فأمر بهما) ﷺ (فرجما) قال ابن عمر ﵄ (فرأيته) يعني اليهودي المرجوم (يجانئ) بضم التحتية وفتح الجيم وبعد الألف نون مكسورة فهمزة مضمومة يكذب (عليها) على اليهودية يقيها (الحجارة).
والحديث سبق في آخر علامات النبوة وفي باب الرجم بالبلاط من كتاب المحاربين.
٥٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَزَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ»
(باب قول النبي ﷺ : الماهر بالقرآن) الجيد التلاوة مع الحفظ (مع الكرام) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني مع السفرة الكرام وله عن الحموي والمستملي مع سفرة الكرام (البررة) بإضافة سفر للكرام من باب إضافة الموصوف للصفة والسفرة الكتبة جمع سافر مثل كاتب وزنًا ومعنى وهم الكتبة الذين يكتبون من اللوح المحفوظ والكرام المكرمون عند الله تعالى، والبررة المطيعون المطهرون من الذنوب، وأصل هذا حديث تقدم موصولاً في التفسير، لكن بلفظ مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة. قال الهروي: والمراد بالمهارة بالقرآن جودة الحفظ وجودة التلاوة من غير تردّد فيه لكونه يسره الله تعالى عليه كما يسره على الملائكة فكان مثلها في الحفظ والدرجة (و) قوله ﵊ (زينوا القرآن بأصواتكم) بتحسينها، ومراد المؤلف إثبات كون التلاوة فعل العبد فإنها يدخلها الترتيل
стр. 4721
والتحسين والتطريب وهذا التعليق وهو زينوا الخ، وصله أبو داود وغيره.
٧٥٤٤ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَىْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِىٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي أبو إسحاق الزبيري الأسدي قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار (عن يزيد) من الزيادة بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي (عن محمد بن إبراهيم) التيمي (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (سمع النبي ﷺ يقول):
(ما أذن الله لشيء) أي ما استمع الله لشيء (ما أذن) ما استمع (لنبي حسن الصوت بالقرآن) حال كونه (يجهر به) ولا بدّ من تقدير مضاف عند قوله لنبي أي لصوت نبي والنبي جنس شائع في كل نبي، فالمراد بالقرآن القراءة ولا يجوز أن يحمل الاستماع على الإصغاء إذ هو مستحيل على الله تعالى بل هو كناية عن تقريبه وإجزال ثوابه لأن سماع الله لا يختلف.
٧٥٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، وَكُلٌّ حَدَّثَنِى طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ قَالَتْ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى
فِرَاشِى وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّى بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُبَرِّئُنِى وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ فِى شَأْنِى وَحْيًا يُتْلَى وَلَشَأْنِى فِى نَفْسِى كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِىَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور: ١٥] الْعَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الموحدة مصغرًا قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (وسعيد بن المسيب) بن حزن سيد التابعين (وعلقمة بن وقاص) الليثي (وعبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود أربعتهم (عن حديث عائشة) ﵂ (حين قال لها أهل الإفك) الكذب الشديد (ما قالوا وكل) من الأربعة (حدّثني) بالإفراد (طائفة من الحديث) أي بعضه فجميعه عن مجموعهم لا أن مجموعه عن كل واحد منهم فذكرت الحديث بطوله إلى أن قالت: فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني منه بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني بذلك والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف: ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ [يوسف: ١٨] (قالت: فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله يبرئني ولكن) ولأبوي الوقت وذر عن الكشميهني ولكني (والله ما كنت أظن أن الله) (ينزل) ولأبي ذر منزل (في شأني وحيًا يُتلى) يقرأ (ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله) (فيّ) بتشديد الياء (بأمر يتلى) بالأصوات في المحاريب والمحافل وغير ذلك (وأنزل الله : ﴿إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم﴾ [النور: ١٠] العشر الآيات كلها). قال ابن حجر: آخر العشر ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [آل عمران: ٦٦] اهـ.
قلت: قد سبق في تفسير سورة النور أنها إلى رؤوف رحيم فليراجع وثبت قوله: عصبة منكم لأبي ذر وسقط لغيره، وقد أورد الحديث من طرق أخرى المؤلف في خلق أفعال العباد ثم قال: فبينت عائشة ﵂ أن الإنزال من الله وأن الناس يتلونه.
٧٥٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ أُرَاهُ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقْرَأُ فِى الْعِشَاءِ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين ابن كدام الكوفي (عن عدي بن ثابت) الأنصاري (أراه) بضم الهمزة أظنه (عن البراء) ولأبي ذر والأصيلي قال: سمعت البراء أي ابن عازب ﵁ (قال): ولأبي ذر والأصيلي وأبي الوقت يقول: (سمعت النبي ﷺ يقرأ في) صلاة (العشاء ﴿والتين﴾) ولأبي ذر عن الكشميهني بالتين (﴿والزيتون﴾ [التين: ١] فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه) وغرض
المؤلف من إيراده هنا بيان اختلاف الأصوات بالقراءة من جهة النغم والله أعلم.
٧٥٤٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ مُتَوَارِيًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَإِذَا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠].
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) الأنماطي البصري قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة ابن بشير مصغرًا أيضًا الواسطي السلمي (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية (عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان النبي ﷺ متواريًا بمكة) من المشركين في أوّل بعثته وفي باب وأسروا قولكم مختفٍ بمكة (وكان يرفع صوته) بالقراءة في الصلاة (فإذا سمع المشركون) قراءته (سبّوا القرآن ومن جاء به فقال الله لنبيّه ﷺ : ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾) أي بقراءة صلاتك (﴿ولا تخافت بها﴾ [الإسراء: ١١٠]) زاد في باب
стр. 4722
قوله وأسروا قولكم عن أصحابك فلا تسمعهم وابتغ بين ذلك سبيلاً.
٧٥٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ ﵁ قَالَ: لَهُ إِنِّى أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِى غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَىْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام ابن أنس الأصبحي (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه) عبد الله (أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال: له) لعبد الله بن عبد الرحمن (إني أراك تحب الغنم و) تحب (البادية) الصحراء لأجل رعي الغنم (فإذا كنت في غنمك) في غير بادية (أو) في (باديتك) من غير غنم أو معها وهو شك من الراوي (فأذّنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء) بالأذان (فإنه لا يسمع مدى) بفتح الميم والدال المهملة مقصورًا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي نداء (صوت المؤذن جنّ ولا إنس ولا شيء) من الحيوان والجماد بأن يخلق الله تعالى له إدراكًا (إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد) الخدري ﵁ (سمعته من رسول الله ﷺ ¬) أي قوله فإنه لا يسمع إلى آخره فذكر البادية والغنم موقوف. قال في الفتح: مراد المؤلف هنا بيان اختلاف الأصوات بالرفع والخفض. وقال في الكواكب وجه مناسبته إن رفع الأصوات بالقرآن أحق بالشهادة له وأولى.
وسبق الحديث في باب رفع الصوت بالنداء من كتاب الصلاة.
٧٥٤٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِى حَجْرِى وَأَنَا حَائِضٌ.
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وبالصاد المهملة ابن عقبة أبو عامر السوائي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن عبد الرحمن التيمي (عن أمه) صفية بنت شيبة الحجبي المكي (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: كان النبي- ﷺ يقرأ القرآن ورأسه في حجري) بفتح الحاء المهملة (وأنا حائض) جملة حالية والحديث مرّ في الحيض.
٥٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]
(باب قول الله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: ٢٠]) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني ما تيسر منه قيل المراد نفس القراءة أي فاقرؤوا فيما تصلون به بالليل ما خفّ عليكم. قال السدي: مائة آية وقيل صلوا ما تيسر عليكم والصلاة تسمى قرآنًا. قال الله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨] أي صلاة الفجر.
٧٥٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِى عُرْوَةُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِىَّ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِى الصَّلَاةِ فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِى سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: كَذَبْتَ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّى سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا فَقَالَ: «أَرْسِلْهُ اقْرَأْ يَا هِشَامُ» فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِى سَمِعْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْرَأْ يَا عُمَرُ» فَقَرَأْتُ الَّتِى أَقْرَأَنِى فَقَالَ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (حدّثتي) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أن المسور) بكسر الميم (ابن مخرمة) بفتحها وسكون المعجمة وفتح الراء (وعبد الرحمن بن عبد القاريّ) بتشديد الياء نسبة إلى القارة (حدّثناه أنهما سمعا عمر بن الخطاب) ﵁ (يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان) لا سورة الأحزاب
(في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أُساوره) بالسين المهملة آخذ برأسه (في الصلاة فتصبرت) فتكلفت الصبر (حتى سلم فلببته) بتشديد الموحدة الأولى وتخفف وهو الذي في اليونينية وسكون الثانية (بردائه) جمعتها عليه عند لبته خوف أن ينفلت مني (فقلت) له: (من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ) ها (قال) ولأبي الوقت قال (أقرأنيها رسول الله ﷺ فقلت) له (كذبت أقرأنيها) رسول الله ﷺ (على غير ما قرأت) ها (فانطلقت به أقوده) وأجرّه بردائه (إلى رسول الله ﷺ فقلت) يا رسول الله (إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال):
(أرسله) بهمزة قطع وبكسر السين أطلقه ثم قال ﵊ (اقرأ يا هشام) قال عمر ﵁ (فقرأ القراءة التي سمعته) يقرأ بها (فقال رسول الله ﷺ : كذلك) وللأصيلي كذا (أنزلت. ثم قال رسول الله ﷺ : اقرأ يا عمر. فقرأت) القراءة (التي أقرأني) بها ﷺ (فقال: كذلك) وللأصيلي كذا (أنزلت) ثم قال: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) أي لغات (فاقرؤوا ما تيسر منه). من الأحرف المنزل بها بالنسبة إلى ما يستحضره القارئ من القراءات فالذي في آية المزمل للكمية والذي في الحديث للكيفية قال في
стр. 4723
الفتح ومناسبة الترجمة وحديثها للأبواب السابقة من جهة التفاوت في الكيفية ومن جهة جواز نسبة القراءة للقارئ.
وسبق الحديث في الفضائل والخصومات.
٥٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». يُقَالُ مُيَسَّرٌ: مُهَيَّأٌ وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قَالَ: هَلْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ فَيُعَانَ عَلَيْهِ؟.
(باب قول الله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾) أي سهلناه للادّكار والاتعاظ (﴿فهل من مدّكر﴾ [القمر: ١٧]) متعظ يتعظ وقيل ولقد سهلناه للحفظ وأعنّا عليه مَن أراد حفظه فهل من طالب لحفظه ليُعان عليه ويروى أن كتب أهل الأديان كالتوراة والإنجيل لا يتلوها أهلها إلا نظرًا ولا يحفظونها ظاهرًا كالقرآن وثبت قوله: ﴿فهل من مدّكر﴾ لأبي ذر والأصيلي وسقط لغيرها (وقال النبي ﷺ : كل) بالتنوين (ميسر لما خلق له) وصله هنا.
(يقال ميسر) قال المؤلف أي (مهيأ) وزاد هنا أبو ذر والوقت والأصيلي. وقال مجاهد المفسر يسرنا القرآن بلسانك أي هوّنَّا قراءته عليك وهذا وصله الفريابي، وزاد الكشميهني. (وقال مطر الوراق) بن طهمان أبو رجاء الخراساني: (﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر﴾ قال: هل من طالب علم فيعان عليه). وصله الفريابي.
٧٥٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ يَزِيدُ: حَدَّثَنِى مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري (قال يزيد): من الزيادة ابن أبي يزيد واسمه سنان المشهور بالرشك الضبعي (حدثني) بالإفراد (مطرف بن عبد الله) بن الشخير العامري (عن عمران) بن الحصين ﵁ أنه (قال: قلت: يا رسول الله فيما يعمل العاملون) سبق في كتاب القدر يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار قال نعم قال فلم يعمل العاملون أي إذا سبق العلم بذلك فلا يحتاج العامل إلى العمل لأنه سيصير إلى ما قدر له (قال):
(كلٌّ ميسّر) بتشديد السين المفتوحة (لما خلق له) فعلى المكلف أن يدأب في الأعمال الصالحة فإن عمله إمارة إلى ما يؤول إليه أمره غالبًا ومطابقته للترجمة ظاهرة وسبق في القدر.
٧٥٥٢ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِىٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ فِى جِنَازَةٍ فَأَخَذَ عُودًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ فِى الأَرْضِ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ أَوْ مِنَ النَّارِ». قَالُوا: أَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾» [الليل: ٥] الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة بندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن منصور) هو ابن المعتمر (والأعمش) سليمان بن مهران أنهما (سمعا سعد بن عبيدة) بسكون العين في الأول وضمها في الثاني وفتح الموحدة أبا حمزة بالمهملة والزاي السلمي بالضم الكوفي (عن أبي عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب الكوفي السلمي (عن علي) أي ابن أبي طالب ﵁ (عن النبي ﷺ أنه كان في جنازة) زاد في الجنائز في بقيع الغرقد (فأخذ عودًا فجعل ينكت) بضم الكاف بعدها مثناة فوقية يضرب به (في الأرض فقال):
(ما منكم من أحد إلا كتب) بضم الكاف أي قدّر في الأزل (مقعده من الجنة أو من النار) من بيانية (قالوا) سبق تعيين القائل في الجنائز وفي الترمذي أنه عمر بن الخطاب (ألا نتّكل) أي نعتمد زاد في الجنائز على كتابنا وندع العمل (قال: اعملوا) صالحًا (فكلٌّ ميسر) أي لما خلق له ثم قرأ ﷺ (﴿فأما من أعطى واتقى﴾ [الليل: ٥] الآية).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله ميسر وسبق في الجنائز.
٥٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِى لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾
[الطور: ١] قَالَ قَتَادَةُ: مَكْتُوبٌ يَسْطُرُونَ: يَخُطُّونَ فِى أُمِّ الْكِتَابِ جُمْلَةِ الْكِتَابِ وَأَصْلِهِ ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ [ق: ٨] مَا يَتَكَلَّمُ مِنْ شَىْءٍ إِلاَّ كُتِبَ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكْتَبُ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ [المائدة: ١٣]: يُزِيلُونَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ ، وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ ﴿دِرَاسَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٦] تِلَاوَتُهُمْ ﴿وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]: حَافِظَةٌ ﴿وَتَعِيَهَا﴾ [الحاقة: ١٢]: تَحْفَظُهَا ﴿وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٩] يَعْنِى أَهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ بَلَغَ هَذَا الْقُرْآنُ فَهْوَ لَهُ نَذِيرٌ.
وَقَالَ لِى خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ.
(باب قول الله تعالى: (﴿بل هو قرآن مجيد) أي شريف عالي الطبقة في الكتب وفي نظمه وإعجازه فليس كما تزعمون أنه مفتري وأنه أساطير الأوّلين (﴿في لوح محفوظ﴾ [البروج: ٢٢]) من وصول الشياطين إليه. وقوله تعالى (﴿والطور﴾) الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو بمدين (﴿وكتاب مسطور﴾ [الطور: ١]).
(قال قتادة) فيما وصله المؤلف في كتاب خلق أفعال العباد أي (مكتوب يسطرون) أي (يخطون) رواه عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة (في أم الكتاب جملة الكتاب وأصله) كذا أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة (﴿ما يلفظ من قول﴾ [ق: ٨]) أي (ما يتكلم من شيء إلا كتب عليه) وصله ابن أبي حاتم من طريق شعيب بن إسحاق عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن ومن طريق زائدة بن قدامة عن الأعمش عن مجمع قال الملك مداده ريقه وقلمه لسانه.
(وقال ابن عباس) ﵄ في قوله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول﴾ (يكتب الخير والشر) وقوله: (﴿يحرفون﴾) في قوله تعالى: (﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [المائدة: ١٣] أي (يزيلون وليس أحد
стр. 4724
يزيل لفظ كتاب من كتب الله ، ولكنهم يحرفونه يتأوّلونه على غير تأويله). يحتمل أن يكون هذا من كلام المؤلف ذيّل به على تفسير ابن عباس، وأن يكون من بقية كلام ابن عباس في تفسير الآية. وقد صرح كثير بأن اليهود والنصارى بدلوا ألفاطًا كثيرة من التوراة والإنجيل وأتوا بغيرها من قبل أنفسهم، وحرّفوا أيضًا كثيرًا من المعاني بتأويلها على غير الوجه ومنهم من قال: إنهم بدلوهما كلهما، ومن ثم قيل بامتهانهما وفيه نظر إذ الآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منهما أشياء كثيرة لم تبدل منها آية الذين يتبعون الرسول النبي الأمي وقصة رجم اليهوديين، وقيل التبديل وقع في اليسير منهما، وقيل وقع في المعاني لا في الألفاظ وهو الذي ذكره هنا وفيه نظر فقد وجد في الكتابين ما لا يجوز أن يكون بهذه الألفاظ من عند الله أصلاً، وقد نقل بعضهم الإجماع على أنه لا يجوز الاشتغال بالتوراة والإنجيل ولا كتابتهما ولا نظرهما وعند أحمد والبزار، واللفظ له من حديث جابر قال: نسخ عمر كتابًا من التوراة بالعربية فجاء به
إلى النبي ﷺ فجعل يقرأ ووجه النبي ﷺ يتغير فقال له رجل من الأنصار: ويحك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا اتباعي".
وروي في ذلك أحاديث أُخَر كلها ضعيفة لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلاً. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ومنه لخصت ما ذكرته، والذي يظهر أن كراهة ذلك للتنزيه لا للتحريم والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الإيمان فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك بخلاف الراسخ فيه، ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف ويدل له نقل الأئمة قديمًا وحديثًا من التوراة وإلزامهم التصديق بمحمد ﷺ بما يستخرجونه من كتابهم، وإما الاستدلال للتحريم بما ورد من غضبه ﵊ فمردود بأنه قد يغضب من فعل المكروه ومن فعل ما هو خلاف الأولى إذا صدر ممن لا يليق به ذلك كغضبه من تطويل معاذ الصلاة بالقراءة اهـ.
وقوله: (﴿دراستهم﴾) في قوله تعالى: (﴿وإن كنا عن دراستهم لغافلين﴾ [الأنعام: ١٥٦] هي (تلاوتهم) وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس. وقوله (﴿واعية﴾) من قوله تعالى: (﴿وتعيها أذن واعية﴾ [الحاقة: ١٢] أي (حافظة ﴿وتعيها﴾) أي (تحفظها) وصله ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضًا. وقوله تعالى: (﴿وأوحى إليّ هذا القرآن لأنذركم به﴾ [الأنعام: ١٩]) قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا. (يعني أهل مكة ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير) وصله ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضًا قال البخاري: (وقال لي خديفة بن خياط) أي في المذاكرة.
٧٥٥٣ - حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أَبِى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ غَلَبَتْ -أَوْ قَالَ- سَبَقَتْ رَحْمَتِى غَضَبِى فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ».
(وحدّثنا معتمر) قال: (سمعت أبي) سليمان بن طرخان (عن قتادة عن أو رافع) نفيع الصائغ البصري (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ قال):
(لما قضى الله الخلق) أي أتمه (كتب كتابًا عنده) والعندية المكانية مستحيلة في حقه تعالى فتحمل على ما يليق به أو تفوّض إليه ولأبي ذر عن الكشميهني لما خلق الله الخلق كتب كتابًا عنده (غلبت أو قال سبقت رحمتي غضبي فهو عنده فوق العرش).
واستشكل بأن صفات الله قديمة والقدم عدم المسبوقية فكيف يتصور السبق؟ وأجيب: بأنهما من صفات الأفعال أو المراد سبق تعلق الرحمة وذلك لأن إيصال العقوبة بعد عصيان العبد بخلاف
إيصال الخير فإنه من مقتضيات صفاته. قال المهلب: وما ذكر من سبق رحمته غضبه فظاهر لأن من غضب عليه من خلقه لم يخيبه في الدنيا من رحمته. وقال غيره إن رحمته لا تنقطع عن أهل النار المخلدين من الكفار إذ في قدرته تعالى أن يخلق لهم عذابًا يكون عذاب النار يومئذٍ لأهلها رحمة وتخفيفًا بالإضافة إلى ذلك العذاب.
٧٥٥٤ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى غَالِبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أَبِى يَقُولُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ، إِنَّ رَحْمَتِى سَبَقَتْ غَضَبِى فَهْوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (محمد بن أبي غالب) بالغين المعجمة وكسر اللام أبو عبد الله القومسي بالقاف والميم والسين المهملة نزل بغداد ويقال له الطيالسي: وكان حافظًا
стр. 4725
من أقران البخاري قال: (حدّثنا محمد بن إسماعيل) البصري ويقال له ابن أبي سمينة بالسين المهملة وبالنون بوزن عظيمة ولم يتقدم له في البخاري ذكر قال: (حدّثنا معتمر) قال: (سمعت أبي) سليمان بن طرخان التيمي (يقول: حدّثنا قتادة) بن دعامة (أن أبا رافع) نفيعًا الصائغ المدني (حدّثه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(إن الله) (كتب كتابًا) إما حقيقة عن كتابة اللوح المحفوظ أي خلق صورته فيه أو أمر بالكتابة (قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش).
وفي الحديث السابق لما قضى الله الخلق كتب ففيه أن الكتابة بعد الخلق وقال هنا قبل أن يخلق الخلق فالمراد من الأوّل: تعلق الخلق وهو حادث فجاز أن يكون بعده، وأما الثاني: فالمراد منه نفس الحكم وهو أزليّ فبالضرورة يكون قبله والحديث سبق مرارًا والله الموفق والمعين.
٥٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وَيُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: بَيَّنَ اللَّهُ الْخَلْقَ مِنَ الأَمْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ وَسَمَّى النَّبِىُّ ﷺ الإِيمَانَ عَمَلاً قَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَأَبُو هُرَيْرَةَ سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ أَىُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِى سَبِيلِهِ، وَقَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤] وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ لِلنَّبِىِّ ﷺ مُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ وَالشَّهَادَةِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَمَلاً.
(باب قول الله تعالى ﴿والله خلقكم﴾) أي أتعبدون من الأصنام ما تنحتونها وتعملونها بأيديكم والله خلقكم (﴿وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦]) أي وخلق عملكم وهو التصوير والنحت كعمل الصائغ السوار أي صاغه فجوهرها بخلق الله وتصوير أشكالها وإن كان من عملهم فبخلقه تعالى أقدارهم على ذلك، وحينئذٍ فما مصدرية على ما اختاره سيبويه لاستغنائها عن الحذف والإضمار منصوبة المحل عطفًا على الكاف والميم في خلقكم، وقيل: هي موصولة بمعنى الذي على حذف الضمير منصوبة المحل عطفًا على الكاف والميم من خلقكم أيضًا أي أتعبدون الذي تنحتون والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بالنحت، ويرجح كونها بمعنى الذي ما قبلها وهو قوله تعالى: ﴿أتعبدون ما تنحتون﴾ [الصافات: ٩٥] توبيخًا لهم على عبادة ما عملوه بأيديهم من الأصنام لأن كلمة ما عامة تتناول ما يعملونه من الأوضاع والحركات والمعاصي والطاعات وغير ذلك، فإن المراد بأفعال العباد المختلف في كونها بخلق العبد أو بخلق الرب هو ما يقع بكسب العبد ويسند إليه مثل الصوم والصلاة والأكل والشرب والقيام والقعود ونحو ذلك، وقيل إنها استفهامية منصوبة المحل بقوله تعملون استفهام توبيخ وتحقير لشأنها وقيل نكرة موصوفة حكمها حكم الموصوف، وقيل نافية أي إن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم لا تعملون ذلك لكن الله هو خالقه، والذي ذهب إليه أكثر أهل السُّنّة أنها مصدرية.
وقال المعتزلة: إنها موصولة محاولة لمعتقدهم الفاسد وقالوا التقدير أتعبدون حجارة تنحتونها والله خلقكم وخلق تلك الحجارة التي تعملونها. قال السهيلي في نتائج الفكر: ولا يصح ذلك من جهة النحو إذ ما لا يصح أن تكون مع الفعل الخاص إلا مصدرية فعلى هذا فالآية ترد مذهبهم وتفسد قولهم والنظم على قول أهل السُّنَّة أبدع.
فإن قيل: قد تقول عملت الصحفة وصنعت الجفنة وكذا يصح عملت الصنم قلنا: لا يتعلق ذلك إلا بالصورة التي هي التركيب والتأليف وهي الفعل الذي هو الأحداث دون الجواهر بالاتفاق ولأن الآية وردت في إثبات استحقاق الخالق العبادة لانفراده بالخلق وإقامة الحجة على من يعبد ما لا يخلق وهم يخلقون. فقال: أتعبدون ما لا يخلق وتدعون عبادة من خلقكم وخلق أعمالكم التي تعملون،
стр. 4726
ولو كان كما زعموا لما قامت الحجة من هذا الكلام لأنه لو جعلهم خالقين لأعمالهم وهو خالق الأجناس لشركهم معه في الخلق تعالى الله عن إفكهم.
وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد قال الله تعالى: ﴿ذلكم الله ربكم خالق كل شيء﴾ [غافر: ٦٢] فدخل فيه الأعيان والأفعال من الخير والشر وقال تعالى: ﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾ [الرعد: ١٦] فنفى أن يكون خالق غيره ونفى أن يكون شيء سواه غير مخلوق، فلو كانت الأفعال غير مخلوقة له لكان خالق بعض شيء وهو بخلاف الآية ومن المعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان فلو كان الله خالق الأعيان والناس خالقي الأفعال لكان مخلوقات الناس أكثر من مخلوقات الله تعالى الله عن ذلك.
وقال الشمس الأصفهاني في تفسير قوله: ﴿وما تعملون﴾ أي عملكم وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وأنها مكتسبة للعباد حيث أثبت لهم عملاً فأبطلت هذه الآية مذهب القدرية والجبرية معًا، وقد رجح بعض العلماء كونها مصدرية لأنهم لم يعبدوا الأصنام إلا لعملهم لا لجزم الصنم وإلا لكانوا يعبدونه قبل النحت فكأنهم عبدوا العمل فأنكر عليهم عبادة المنحوت الذي لم ينفك عن عمل المخلوق.
وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية سلمنا أنها موصولة لكن لا نسلم أن للمعتزلة فيها حجة لأن قوله تعالى: ﴿والله خلقكم﴾ يدخل فيه ذاتهم وصفاهم، وعلى هذا إذا كان خلقكم وخلق الذي تعملونه إن كان المراد خلقه لها قبل النحت لزم أن يكون المعمول غير المخلوق وهو باطل، فثبت أن المراد خلقه لها قبل النحت وبعده وأن الله خلقها بما فيها من التصوير والنحت فثبت أنه خالق ما تولد من فعلهم، ففي الآية دليل على أن الله تعالى خلق أفعالهم القائمة بهم وخلق ما تولد عنها.
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير كل من قولي المصدر والموصول متلازم والأظهر ترجيح المصدرية لما رواه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد من حديث حذيفة مرفوعًا: إن الله يصنع كل صانع وصنعته وأقوال الأئمة في هذه المسألة كثيرة، والحاصل أن العمل يكون مسند إلى العبد من حيث إن له قدرة عليه وهو المسمى بالكسب ومسندًا إلى الله تعالى من حيث إن وجودهُ بتأثيره فله جهتان بإحداهما ينفي الجبر وبالأخرى ينفي القدر وإسناده إلى الله حقيقة وإلى العبد عادة وهي صفة يترتب عليها الأمر والنهي والفعل والترك فكل ما أسند من أفعال العباد إلى الله تعالى فهو بالنظر إلى تأثير القدرة ويقال له الخلق وما أسند إلى العبد إنما يحصل بتقدير الله تعالى، ويقال له الكسب وعليه يقع المدح والذم كما يذم المشوّه الوجه ويحمد الجميل الصورة، وأما الثواب أو العقاب فهو علامة والعبد إنما هو ملك لله يفعل فيه ما يشاء والله أعلم.
وقوله تعالى: (﴿إنّا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩]) مقدرًا مرتبًا على مقتضى الحكمة أو مقدرًا مكتوبًا في اللوح المحفوظ معلومًا قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه وكل شيء منصوب على الاشتغال وقرأ أبو السمال بالرفع ورجح الناس النصب بل أوجبه ابن الحاجب حذرًا من لبس المفسر بالصفة لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السُّنَّة وذلك لأنه إذا رفع كان مبتدأ وخلقناه صفة لكل أو لشيء وبقدر خبره، وحينئذٍ يكون له مفهوم لا يخفى على متأمله فيلزم أن يكون الشيء الذي ليس مخلوقًا لله تعالى لا بقدر وقال أبو البقاء وإنما المكان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق والرفع لا يدل على عمومه بل يفيد أن كل شيء مخلوق فهو بقدر اهـ.
وإنما دل النصب في كل على العموم لأن التقدير إنّا خلقنا شيء خلقناه بقدر، فخلقناه تأكيد وتفسير لخلقناه المضمر الناصب لكل وإذا حذفته، وأظهرت الأول صار التقدير إنّا خلقنا كل شيء بقدر فخلقناه تأكيد وتفسير لخلقنا المضمر الناصب لكل له شيء فهذا لفظ عام يعم جميع
المخلوقات ولا يجوز أن يكون خلقناه صفة لشيء لأن الصفة والصلة لا يعملان فيما قبل الموصوف ولا الموصول ولا يكونان تفسيرًا لما يعمل فيما قبلهما، فإذا لم يبق خلقناه صفة لم يبق إلا أنه تأكيد وتفسير للمضمر الناصب وذلك يدل على العموم، وقد نازع الرضى ابن الحاجب في قوله السابق فقال المعنى في الآية لا يتفاوت بجعل الفعل خبرًا أو صفة وذلك لأن مراد الله تعالى بكل شيء كل مخلوق نصبت كل أو رفعته سواء جعلت خلقناه صفة كل مع الرفع أو خبرًا عنه وذلك أن قوله خلقنا كل شيء بقدر لا يريد به خلقنا كل ما يقع عليه اسم شيء لأنه تعالى لم يخلق الممكنات غير المتناهية ويقع على كل واحد منها اسم شيء فكل شيء في هذه الآية ليس كما في قوله تعالى والله على كل شيء قدير لأن معناه أنه قادر على كل ممكن غير متناهٍ فإذا تقرر هذا قلنا إن معنى كل شيء خلقناه بقدر على أن خلقناه هو الخبر كل مخلوق مخلوق بقدر وعلى أن خلقناه صفة كل شيء مخلوق كائن بقدر والمعنيان واحد إذ لفظ كل شيء في الآية مختص بالمخلوقات سواء كان خلقناه
стр. 4727
صفة له أو خبرًا وليس مع التقدير الأول أعم منه مع التقدير الثاني كما في مثالنا.
(ويقال) بضم أوله (للمصورين) يوم القيامة ولأبي ذر عن الكشميهني: ويقول أي الله أو الملك بأمره تعالى (أحيوا) بفتح الهمزة (ما خلقتم) أسند الخلق إليهم على سبيل الاستهزاء والتعجيز والتشبيه في الصورة فقط وقال ابن بطال إنما نسب خلقها إليهم تقريعًا لهم لمضاهاتهم الله تعالى في خلقه فبكّتهم بأن قال إذ شابهتم بما صوّرتم مخلوقات الله تعالى فأحيوها كما أحيا هو جل وعلا ما خلق.
وقال في الكواكب: أسند الخلق إليهم صريحًا وهو خلاف الترجمة لكن المراد كسبهم فأطلق لفظ الخلق عليه استهزاء أو ضمن خلقتم معنى صوّرتم تشبيهًا بالخلق أو أطلق بناءً على زعمهم فيه.
(﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام﴾) أي في ستة أوقات أو مقدار ستة أيام فإن المتعارف زمان طلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن حينئذٍ وفي خلق الأشياء تدريجيًّا مع القدرة على إيجادها دفعة دليل على الاختيار واعتبار للنظار وحثّ على التأني في الأمور (﴿ثم استوى على العرش﴾) الاستواء افتعال من السواء والسواء يكون بمعنى العدل والوسط وبمعنى الإقبال كما نقله الهروي عن الفراء وتبعه ابن عرفة بمعنى الاستيلاء، وأنكره ابن الأعرابي. وقال الحرب: لا تقول استولى إلا لمن له مضادّ وفيما قاله نظر فإن الاستيلاء من الولاء وهو القرب أو من الولاية وكلاهما لا يفتقر في إطلاقه لمضادّ، وبمعنى اعتدل وبمعنى علا وإذا علم هذا فينزل على ذلك الاستواء الثابت للباري تعالى على الوجه اللائق به وقد ثبت عن الإمام مالك أنه سئل كيف استوى؟ فقال: كيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة فقوله: كيف غير معقول أي كيف من صفات الحوادث وكل ما كان من صفات الحوادث فإثباته في صفات الله تعالى ينافي ما يقتضيه العقل فيجزم بنفيه عن الله تعالى وقوله والاستواء غير مجهول أي أنه معلوم المعنى عند أهل اللغة والإيمان به على الوجه اللائق به تعالى واجب لأنه من
الإيمان بالله تعالى، وكتبه والسؤال عنه بدعة أي حادث لأن الصحابة ﵃ كانوا عالمين بمعناه اللائق بحسب اللغة فلم يحتاجوا للسؤال عنه فلما جاء من لم يحط بأوضاع لغتهم ولا له نور كنورهم يهديه لنور صفات الباري تعالى شرع يسأل عن ذلك فكان سؤاله سببًا لاشتباهه على الناس وزيغهم على العلماء حينئذٍ أن يهملوا البيان وقد مر أن استوى افتعل وأصله العدل، وحقيقة الاستواء المنسوب إلى الله تعالى في كتابه بمعنى اعتدل أي قام بالعدل وأصله من قوله شهد الله أنه لا إله إلا هو إلى قوله قائمًا بالقسط والعدل وهو استواؤه ويرجع معناه إلى أنه أعطى بعزته كل شيء خلقه موزونًا بحكمته المبالغة في التعريف لخلقه بوحدانيته ولذلك قرنه بقوله لا إله إلا هو العزيز الحكيم والاستواء المذكور في القرآن استواءان سماويّ وعرشي فالأول معدّى بإلى قال تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [البقرة: ٢٩] والثاني بعلى لأنه تعالى قام بالقسط متعرقًا بوحدانيته في عالمين عالم الخلق وعالم الأمر وهو عالم التدبير فكان استواؤه على العرش للتدبير بعد انتهاء عالم الخلق وبهذا يفهم سر تعدية الاستواء العرشي بعلى لأن التدبير للأمر لا بد فيه من استعلاء واستيلاء والعرش جسم كسائر الأجسام سمي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك فإن الأمور والتدابير تنزل منه (﴿يغشي الليل النهار﴾) يغطيه ولم يذكر عكسه للعلم به (﴿يطلبه حثيثًا﴾) يعقبه سريعًا كالطالب له لا يفصل بينهما شيء والحثيث فعيل من الحث وهو صفة مصدر محذوف أو حال من الفاعل بمعنى حاثًّا أو المفعول بمعنى محثوثًا (﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره﴾) بقضائه وتصريفه ونصبها بالعطف على السماوات ونصب مسخرات على الحال (﴿ألا له الخلق والأمر﴾) فإنه الموجد والمتصرف (﴿تبارك الله رب العالمين﴾ [الأعراف: ٥٤]) تعالى بالوحدانية في الألوهية وتعظم بالتفرد في الربوبية وسقط لأبي ذر قوله: ﴿في ستة أيام﴾ إلى آخر الآية. وقال بعد قوله
стр. 4728
والأرض إلى تبارك الله رب العالمين.
(قال ابن عيينة) سفيان فيما وصله ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية (بين الله الخلق من الأمر) أي فرق بينهما (بقوله تعالى) في الآية السابقة (﴿ألا له الخلق والأمر﴾) حيث عطف أحدهما على الآخر فالخلق هو المخلوقات والأمر هو الكلام فالأوّل حادث والثاني قديم وفيه أن لا خلق لغيره تعالى حيث حصر على ذاته تعالى بتقديم الخبر على المبتدأ (وسمى النبي ﷺ الإيمان عملاً. قال أبو ذر) الغفاري ﵁ فيما وصله المؤلف في العتق (وأبو هريرة) ﵁ فيما وصله في الإيمان والحج (سئل النبي ﷺ أيّ الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله. وقال) تعالى: (﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ [الأحقاف: ١٤]) من الإيمان وغيره من الطاعات فسمي الإيمان عملاً حيث أدخله في جملة الأعمال (وقال وفد عبد القيس) ربيعة (للنبي ﷺ ¬) فيما وصله المؤلف بعد (مرنا بجمل) أمور كلية مجملة (من الأمر وإن عملنا بها دخلنا الجنة فأمرهم بالإيمان) أي بتصديق الشارع ﵊ فيما علم مجيئه به ضرورة (والشهادة) بالوحدانية لله تعالى (وإقام الصلاة) المفروضة (وإيتاء الزكاة) المكتوبة (فجعل) ﷺ (ذلك كله) ومن جملته الإيمان (عملاً).
٧٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِىِّ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَىِّ مِنْ جُرْمٍ وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ فَكُنَّا عِنْدَ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى تَيْمِ اللَّهِ كَأَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِى فَدَعَاهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّى رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ لَا آكُلُهُ فَقَالَ: هَلُمَّ فَلأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ إِنِّى أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فِى نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِى مَا أَحْمِلُكُمْ فَأُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ؟ فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى ثُمَّ انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ وَاللَّهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ: فَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، إِنِّى وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَتَحَلَّلْتُهَا».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن الوهاب) الحجبي قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة أبو بكر السختياني الإمام (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي (والقاسم) بن عاصم (التميمي) وقيل الكلبي وقيل الليثي كلاهما (عن زهدم) بفتح الزاي وبالدال المهملة بينهما هاء ساكنة ابن مضرب بالضاد المعجمة المفتوحة والراء المشددة المكسورة من التضريب أنه (قال: كان بين هذا الحي من جرم) بفتح الجيم وسكون الراء (وبين الأشعريين) جمع أشعري نسبة إلى أشعر أبي قبيلة من اليمن (ود) بضم الواو وتشديد الدال محبة (وإخاء) بكسر الهمزة وتخفيف الخاء المعجمة ممدودًا مؤاخاة (فكنا عند أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري) ﵁ (فقرّب إليه الطعام) بضم القاف مبنيًّا للمفعول والطعام معرّف وللأصيلي طعام كذا رأيته في أصل معتمد وهو الذي في اليونينية والذي في الفرع بالتنكير فقط غير معزوّ (فيه لحم دجاج) مثلث الدال يقع على الذكر والأنثى (وعنده) وعند أبي موسى (رجل من بني تيم الله) بفتح الفوقية وسكون التحتية قبيلة من قضاعة (كأنه) وللأصيلي مما ليس في الفرع كان (من الموالي فدعاه) أبو موسى (إليه) أي إلى لحم الدجاج (فقال) الرجل (إني رأيته يأكل شيئًا) من النجاسة وثبت شيئًا للكشميهني وسقط لغيره (فقذرته) بكسر الذال المعجمة أي فكرهته (فحلفت لا آكله). وللكشميهني أن لا آكله واختلف في الجلالة فقال مالك لا بأس بأكل الجلالة من الدجاج وغيره إنما جاء النهي عنها للتقذر، ولأبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة إذا تغير لحمها بأكل النجاسة، وصحح النووي أنه إذا ظهر تغير لحم الجلالة من نعم أو دجاج بالرائحة والنتن في عرقها وغيره كره أكلها، وذهب جماعة من الشافعية وهو قول الحنابلة إلى أن النهي للتحريم وهو الذي صححه الشيخ أبو إسحاق المروزي وإمام الحرمين والبغوي والغزالي ولم يسم الرجل المذكور في الحديث. وفي سياق الترمذي أنه زهدم وكذا عند أبي عوانة في صحيحه، ويحتمل أن يكون كلٌّ من زهدم
والآخر امتنعا من الأكل (فقال) أبو موسى له (هلم) تعال (فلأحدثك عن ذاك) أي فوالله لأحدّثك أي عن الطريق في حل اليمين وفي أصل اليونينية فلأحدّثك بسكون اللام والمثلثة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فلأحدّثنّك بنون التأكيد عن ذلك باللام قبل الكاف (إني أتيت
стр. 4729
النبي ﷺ في نفر من الأشعريين) ما بين الثلاثة إلى العشرة من الرجال (نستحمله) نطلب منه أن يحملنا ويحمل أثقالنا في غزوة تبوك على شيء من الإبل (قال) صلوات الله وسلامه عليه:
(والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم) أي عليه (فأتي النبي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (¬ ﷺ بنهب إبل) من غنيمة (فسأل عنا فقال: أين النفر الأشعريون) فأتينا (فأمر لنا بخمس ذود) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة وهو من الإبل ما بين الثنيتين إلى التسعة وقيل ما بين الثلاثة إلى العشرة واللفظة مؤنثة لا واحد لها من لفظها كالنعم. وقال أبو عبيد: الذود من الإناث دون المذكور وفي غزوة تبوك ستة أبعرة وفي الأيمان والنذور بثلاثة ذود ولا تنافي في ذلك لأن ذكر عدد لا ينافي غيره وقوله خمس بالتنوين وفي رواية بغير تنوين على الإضافة واستنكره أبو البقاء في غريبه، وقال: والصواب تنوين خمس وأن يكون ذود بدلاً من خمس فإنه لو كان بغير تنوين لتغير المعنى لأن العدد المضاف غير المضاف إليه فيلزم أن يكون خمس خمسة عشر بعيرًا لأن الإبل الذود ثلاثة، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: ما أدري كيف حكم بفساد المعنى إذا كان العدد كذا وليكن عدد الإبل خمسة عشر بعيرًا فما الذي يضر، وقد ثبت في بعض طرقه خذ هذين القرينين وهذين القرينين إلى أن عدست مرات، والذي قاله إنما يتم أن لو جاءت رواية صريحة أنه لم يعطهم سوى خمسة أبعرة (غرّ الذرى) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء والذرى بالذال المعجمة المضمومة وفتح الراء ذروة وهي أعلى كل شيء أي ذوي الأسنمة البيض من سمنهن وكثرة شحومهن.
(ثم انطلقنا قلنا ما صنعنا) بسكون العين (حلف رسول الله ﷺ لا يحملنا) ولأبي ذر أن لا يحملنا (وما عنده ما يحملنا ثم حملنا) بفتح اللام في الأخير (تغفلنا رسول الله ﷺ يمينه) بسكون اللام أي طلبنا غفلته وكنا سبب ذهوله عما وقع (والله لا نفلح أبدًا فرجعنا إليه) صلوات الله وسلامه عليه (فقلنا له) ذلك (فقال: لست أنا أحملكم ولكن الله حملكم) حقيقة لأنه خالق أفعال العباد.
وهذا مناسب لما ترجم به. وقال ابن المنير: الذي يظهر أن النبي ﷺ حلف لا يحملهم فلما حملهم راجعوه في يمينه فقال: ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم فبيّن أن يمينه إنما انعقدت فيما يملك فلو حملهم على ما يملك لحنث وكفر ولكنه حملهم على ما لا يملك ملكًا خاصًّا وهو مال الله وبهذا لا يكون قد حنث في يمينه هذا مع قصده ﵊ في الأوّل أنه لا يحملهم على ما لا يملك بقرض يتكلفه ونحو ذلك. وأما قوله ﷺ عقب ذلك لا أحلف على يمين الخ فتأسيس قاعدة مبتدأة كأنه يقول ولو كنت حلفت ثم رأيت ترك ما حلفت عليه خيرًا منه لأحنثت
نفسي وكفّرت عن يميني قال وهم إنما سألوه ظنًّا أنه يملك حملانًا فحلف لا يحملهم على شيء يملكه لكونه كان حينئذٍ لا يملك شيئًا من ذلك اهـ.
ووجه البدر الدماميني في مصابيحه بأن مكارم أخلاقه ﷺ ورأفته بالمؤمنين ورحمته بهم تأبى أنه ﷺ يحلف على عدم حملانهم مطلقًا قال: والذي يظهر لي أن قوله وما عندي ما أحملكم جملة حالية من فاعل الفعل المنفي بلا أو مفعوله أي لا أحملكم في حالة عدم وجداني لشيء أحملكم عليه أي أنه لا يتكلف حملهم بقرض أو غيره لما رآه من المصلحة المقتضية لذلك، وحينئذٍ فحمله لهم على ما جاءه من مال الله لا يكون مقتضيًا لحنثه.
وأجيب: بأن المعنى إزالة المنّة عنهم وإضافة النعمة لمالكها الأصلي، ولم يرد أنه لا صنع له أصلاً في حملهم لأنه لو أراد ذلك ما قال بعد (إني) ولأبي ذر وإني (والله لا أحلف على يمين) أي على محلوف يمين وسماه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه فيكون من مجاز الاستعارة ومثله صلى على قبره بعدما دفن أي صلى على صاحب القبر وأطلق القبر على صاحب القبر ويدل لهذا التأويل رواية
стр. 4730
مسلم حيث قال فيها بدل قوله على يمين على أمر (فأرى غيرها خيرًا منها) أي خيرًا من الخصلة المحلوف عليها (إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها). بالكفارة، وفي الأيمان والنذور فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفّرت
عن يميني وأتيت الذي هو خير فقدّم الكفّارة على الإتيان ففيه دلالة على الجواز لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وقد ذهب أكثر الصحابة إلى جواز تقدم الكفّارة على اليمين وإليه ذهب الشافعي ومالك وأحمد إلا أن الشافعي -استثنى الصائم فقال: لا يجزئ إلا بعد الحنث واحتجوا له بأن الصيام من حقوق الأبدان ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصلاة بخلاف العتق والكسرة والإطعام فإنها من حقوق الأموال فيجوز تقديمها كالزكاة. وقال أصحاب الرأي لا تجزئ قبله.
والحديث سبق في المغازي والنذور والذبائح وغيرها.
٧٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِىُّ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِى أَشْهُرٍ حُرُمٍ فَمُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ وَنَدْعُو إِلَيْهَا مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَتُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: لَا تَشْرَبُوا فِى الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالظُّرُوفِ الْمُزَفَّتَةِ وَالْحَنْتَمَةِ».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن يحيى الصيرفي قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك النبيل وهو شيخ المؤلف روي عنه كثيرًا بلا واسطة قال: (حدّثنا قرة بن خالد) بضم القاف وتشديد الراء السدوسي قال: (حدّثنا أبو جمرة) بالجيم والراء نصر بن عمران
(الضبعي) بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة قال: (قلت لابن عباس) ﵄ أي حدّثنا مطلقًا أو عن قصة عبد القيس فحذف مفعول قلت وعند الإسماعيلي من طريق أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي عن قرة قال: حدّثنا أبو جمرة قال: قلت لابن عباس إن لي جرة أنتبذ فيها فأشربه حلوًا لو أكثرت منه فجالست القوم لخشيت أن أفتضح (فقال: قدم وفد عبد القيس) وكانوا أربعة عشر رجلاً بالأشج وكانوا ينزلون بالبحرين (على رسول الله ﷺ ¬) عام الفتح قبل خروجه ﷺ من مكة (فقالوا: إن بيننا وبينك المشركين من مضر) بضم الميم وفتح المعجمة غير منصرف للعلمية والتأنيث (وإنا لا نصل إليك إلا في أشهر حرم) بالتنكير فيهما وذلك لأنهم كانوا يمتنعون عن القتال فيها، وللحموي والمستملي في أشهر المحرم بتنكير الأوّل وتعريف الثاني وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة والبصريون يمنعونها ويؤولون ذلك على حذف مضاف أي أشهر الأوقات المحرم (فمرنا) بوزن عل وأصله أؤمر بهمزتين من أمر يأمر فحذفت الهمزة الأصلية للاستثقال فصار أمرنا فاستغني عن همزة الوصل فحذفت فصار مرنا (بجمل من الأمر إن عملنا به) أي بالأمر وللكشميهني إن عملنا بها أي بالجمل (دخلنا الجنة وندعو إليها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إليه إلى الأمر (من وراءنا) من قومنا (قال):
(آمركم) بهمزة ممدودة (بأربع) من الجمل (وأنهاكم عن أربع: أمركم بالإيمان بالله) زاد في كتاب الإيمان وحده (وهل تدرون ما الإيمان بالله) هو (شهادة أن لا إله إلا الله) زاد في الإيمان وأن محمدًا رسول الله ويجوز خفض شهادة على البدلية (وإقام الصلاة) المفروضة (وإيتاء الزكاة) المكتوبة (وتعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن أربع لا تشربوا في الدباء) بضم الدال وتشديد الموحدة ممدودًا اليقطين (والنقير) ما ينقر في أصل النخلة فيوعى فيه (والظروف المزفتة) المطلية بالزفت ولأبي ذر عن المستملي والمزفتة (والحنتمة) بالحاء المهملة المفتوحة والنون الساكنة والمثناة الفوقية المفتوحة الجرة الخضراء نهى عن الانتباذ في هذه المذكورات بخصوصها لأنه يسرع إليها الإسكار فربما شرب منها من لا يشعر بذلك ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن كل مسكر.
وهذا الحديث سبق في الإيمان.
٧٥٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»؟.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن نافع) العدوي المدني مولى ابن عمر (عن القاسم بن محمد) هو ابن أبي بكر الصديق (عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال):
(إن أصحاب هذه الصور) أي المصوّرين والمراد بالصور هنا التماثيل التي لها روح (يعذبون يوم القيامة ويقال لهم) على سبيل التهكم والتعجيز (أحيوا) بفتح الهمزة (ما خلقتم) أي اجعلوا ما صوّرتم حيوانًا ذا روح فلا
следующие страницы →