Полный текст (4 743 стр.). Показаны 4726–4743 · переход к 4731.
стр. 4726
ولو كان كما زعموا لما قامت الحجة من هذا الكلام لأنه لو جعلهم خالقين لأعمالهم وهو خالق الأجناس لشركهم معه في الخلق تعالى الله عن إفكهم.
وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد قال الله تعالى: ﴿ذلكم الله ربكم خالق كل شيء﴾ [غافر: ٦٢] فدخل فيه الأعيان والأفعال من الخير والشر وقال تعالى: ﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾ [الرعد: ١٦] فنفى أن يكون خالق غيره ونفى أن يكون شيء سواه غير مخلوق، فلو كانت الأفعال غير مخلوقة له لكان خالق بعض شيء وهو بخلاف الآية ومن المعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان فلو كان الله خالق الأعيان والناس خالقي الأفعال لكان مخلوقات الناس أكثر من مخلوقات الله تعالى الله عن ذلك.
وقال الشمس الأصفهاني في تفسير قوله: ﴿وما تعملون﴾ أي عملكم وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وأنها مكتسبة للعباد حيث أثبت لهم عملاً فأبطلت هذه الآية مذهب القدرية والجبرية معًا، وقد رجح بعض العلماء كونها مصدرية لأنهم لم يعبدوا الأصنام إلا لعملهم لا لجزم الصنم وإلا لكانوا يعبدونه قبل النحت فكأنهم عبدوا العمل فأنكر عليهم عبادة المنحوت الذي لم ينفك عن عمل المخلوق.
وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية سلمنا أنها موصولة لكن لا نسلم أن للمعتزلة فيها حجة لأن قوله تعالى: ﴿والله خلقكم﴾ يدخل فيه ذاتهم وصفاهم، وعلى هذا إذا كان خلقكم وخلق الذي تعملونه إن كان المراد خلقه لها قبل النحت لزم أن يكون المعمول غير المخلوق وهو باطل، فثبت أن المراد خلقه لها قبل النحت وبعده وأن الله خلقها بما فيها من التصوير والنحت فثبت أنه خالق ما تولد من فعلهم، ففي الآية دليل على أن الله تعالى خلق أفعالهم القائمة بهم وخلق ما تولد عنها.
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير كل من قولي المصدر والموصول متلازم والأظهر ترجيح المصدرية لما رواه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد من حديث حذيفة مرفوعًا: إن الله يصنع كل صانع وصنعته وأقوال الأئمة في هذه المسألة كثيرة، والحاصل أن العمل يكون مسند إلى العبد من حيث إن له قدرة عليه وهو المسمى بالكسب ومسندًا إلى الله تعالى من حيث إن وجودهُ بتأثيره فله جهتان بإحداهما ينفي الجبر وبالأخرى ينفي القدر وإسناده إلى الله حقيقة وإلى العبد عادة وهي صفة يترتب عليها الأمر والنهي والفعل والترك فكل ما أسند من أفعال العباد إلى الله تعالى فهو بالنظر إلى تأثير القدرة ويقال له الخلق وما أسند إلى العبد إنما يحصل بتقدير الله تعالى، ويقال له الكسب وعليه يقع المدح والذم كما يذم المشوّه الوجه ويحمد الجميل الصورة، وأما الثواب أو العقاب فهو علامة والعبد إنما هو ملك لله يفعل فيه ما يشاء والله أعلم.
وقوله تعالى: (﴿إنّا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩]) مقدرًا مرتبًا على مقتضى الحكمة أو مقدرًا مكتوبًا في اللوح المحفوظ معلومًا قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه وكل شيء منصوب على الاشتغال وقرأ أبو السمال بالرفع ورجح الناس النصب بل أوجبه ابن الحاجب حذرًا من لبس المفسر بالصفة لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السُّنَّة وذلك لأنه إذا رفع كان مبتدأ وخلقناه صفة لكل أو لشيء وبقدر خبره، وحينئذٍ يكون له مفهوم لا يخفى على متأمله فيلزم أن يكون الشيء الذي ليس مخلوقًا لله تعالى لا بقدر وقال أبو البقاء وإنما المكان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق والرفع لا يدل على عمومه بل يفيد أن كل شيء مخلوق فهو بقدر اهـ.
وإنما دل النصب في كل على العموم لأن التقدير إنّا خلقنا شيء خلقناه بقدر، فخلقناه تأكيد وتفسير لخلقناه المضمر الناصب لكل وإذا حذفته، وأظهرت الأول صار التقدير إنّا خلقنا كل شيء بقدر فخلقناه تأكيد وتفسير لخلقنا المضمر الناصب لكل له شيء فهذا لفظ عام يعم جميع
المخلوقات ولا يجوز أن يكون خلقناه صفة لشيء لأن الصفة والصلة لا يعملان فيما قبل الموصوف ولا الموصول ولا يكونان تفسيرًا لما يعمل فيما قبلهما، فإذا لم يبق خلقناه صفة لم يبق إلا أنه تأكيد وتفسير للمضمر الناصب وذلك يدل على العموم، وقد نازع الرضى ابن الحاجب في قوله السابق فقال المعنى في الآية لا يتفاوت بجعل الفعل خبرًا أو صفة وذلك لأن مراد الله تعالى بكل شيء كل مخلوق نصبت كل أو رفعته سواء جعلت خلقناه صفة كل مع الرفع أو خبرًا عنه وذلك أن قوله خلقنا كل شيء بقدر لا يريد به خلقنا كل ما يقع عليه اسم شيء لأنه تعالى لم يخلق الممكنات غير المتناهية ويقع على كل واحد منها اسم شيء فكل شيء في هذه الآية ليس كما في قوله تعالى والله على كل شيء قدير لأن معناه أنه قادر على كل ممكن غير متناهٍ فإذا تقرر هذا قلنا إن معنى كل شيء خلقناه بقدر على أن خلقناه هو الخبر كل مخلوق مخلوق بقدر وعلى أن خلقناه صفة كل شيء مخلوق كائن بقدر والمعنيان واحد إذ لفظ كل شيء في الآية مختص بالمخلوقات سواء كان خلقناه
стр. 4727
صفة له أو خبرًا وليس مع التقدير الأول أعم منه مع التقدير الثاني كما في مثالنا.
(ويقال) بضم أوله (للمصورين) يوم القيامة ولأبي ذر عن الكشميهني: ويقول أي الله أو الملك بأمره تعالى (أحيوا) بفتح الهمزة (ما خلقتم) أسند الخلق إليهم على سبيل الاستهزاء والتعجيز والتشبيه في الصورة فقط وقال ابن بطال إنما نسب خلقها إليهم تقريعًا لهم لمضاهاتهم الله تعالى في خلقه فبكّتهم بأن قال إذ شابهتم بما صوّرتم مخلوقات الله تعالى فأحيوها كما أحيا هو جل وعلا ما خلق.
وقال في الكواكب: أسند الخلق إليهم صريحًا وهو خلاف الترجمة لكن المراد كسبهم فأطلق لفظ الخلق عليه استهزاء أو ضمن خلقتم معنى صوّرتم تشبيهًا بالخلق أو أطلق بناءً على زعمهم فيه.
(﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام﴾) أي في ستة أوقات أو مقدار ستة أيام فإن المتعارف زمان طلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن حينئذٍ وفي خلق الأشياء تدريجيًّا مع القدرة على إيجادها دفعة دليل على الاختيار واعتبار للنظار وحثّ على التأني في الأمور (﴿ثم استوى على العرش﴾) الاستواء افتعال من السواء والسواء يكون بمعنى العدل والوسط وبمعنى الإقبال كما نقله الهروي عن الفراء وتبعه ابن عرفة بمعنى الاستيلاء، وأنكره ابن الأعرابي. وقال الحرب: لا تقول استولى إلا لمن له مضادّ وفيما قاله نظر فإن الاستيلاء من الولاء وهو القرب أو من الولاية وكلاهما لا يفتقر في إطلاقه لمضادّ، وبمعنى اعتدل وبمعنى علا وإذا علم هذا فينزل على ذلك الاستواء الثابت للباري تعالى على الوجه اللائق به وقد ثبت عن الإمام مالك أنه سئل كيف استوى؟ فقال: كيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة فقوله: كيف غير معقول أي كيف من صفات الحوادث وكل ما كان من صفات الحوادث فإثباته في صفات الله تعالى ينافي ما يقتضيه العقل فيجزم بنفيه عن الله تعالى وقوله والاستواء غير مجهول أي أنه معلوم المعنى عند أهل اللغة والإيمان به على الوجه اللائق به تعالى واجب لأنه من
الإيمان بالله تعالى، وكتبه والسؤال عنه بدعة أي حادث لأن الصحابة ﵃ كانوا عالمين بمعناه اللائق بحسب اللغة فلم يحتاجوا للسؤال عنه فلما جاء من لم يحط بأوضاع لغتهم ولا له نور كنورهم يهديه لنور صفات الباري تعالى شرع يسأل عن ذلك فكان سؤاله سببًا لاشتباهه على الناس وزيغهم على العلماء حينئذٍ أن يهملوا البيان وقد مر أن استوى افتعل وأصله العدل، وحقيقة الاستواء المنسوب إلى الله تعالى في كتابه بمعنى اعتدل أي قام بالعدل وأصله من قوله شهد الله أنه لا إله إلا هو إلى قوله قائمًا بالقسط والعدل وهو استواؤه ويرجع معناه إلى أنه أعطى بعزته كل شيء خلقه موزونًا بحكمته المبالغة في التعريف لخلقه بوحدانيته ولذلك قرنه بقوله لا إله إلا هو العزيز الحكيم والاستواء المذكور في القرآن استواءان سماويّ وعرشي فالأول معدّى بإلى قال تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [البقرة: ٢٩] والثاني بعلى لأنه تعالى قام بالقسط متعرقًا بوحدانيته في عالمين عالم الخلق وعالم الأمر وهو عالم التدبير فكان استواؤه على العرش للتدبير بعد انتهاء عالم الخلق وبهذا يفهم سر تعدية الاستواء العرشي بعلى لأن التدبير للأمر لا بد فيه من استعلاء واستيلاء والعرش جسم كسائر الأجسام سمي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك فإن الأمور والتدابير تنزل منه (﴿يغشي الليل النهار﴾) يغطيه ولم يذكر عكسه للعلم به (﴿يطلبه حثيثًا﴾) يعقبه سريعًا كالطالب له لا يفصل بينهما شيء والحثيث فعيل من الحث وهو صفة مصدر محذوف أو حال من الفاعل بمعنى حاثًّا أو المفعول بمعنى محثوثًا (﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره﴾) بقضائه وتصريفه ونصبها بالعطف على السماوات ونصب مسخرات على الحال (﴿ألا له الخلق والأمر﴾) فإنه الموجد والمتصرف (﴿تبارك الله رب العالمين﴾ [الأعراف: ٥٤]) تعالى بالوحدانية في الألوهية وتعظم بالتفرد في الربوبية وسقط لأبي ذر قوله: ﴿في ستة أيام﴾ إلى آخر الآية. وقال بعد قوله
стр. 4728
والأرض إلى تبارك الله رب العالمين.
(قال ابن عيينة) سفيان فيما وصله ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية (بين الله الخلق من الأمر) أي فرق بينهما (بقوله تعالى) في الآية السابقة (﴿ألا له الخلق والأمر﴾) حيث عطف أحدهما على الآخر فالخلق هو المخلوقات والأمر هو الكلام فالأوّل حادث والثاني قديم وفيه أن لا خلق لغيره تعالى حيث حصر على ذاته تعالى بتقديم الخبر على المبتدأ (وسمى النبي ﷺ الإيمان عملاً. قال أبو ذر) الغفاري ﵁ فيما وصله المؤلف في العتق (وأبو هريرة) ﵁ فيما وصله في الإيمان والحج (سئل النبي ﷺ أيّ الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله. وقال) تعالى: (﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ [الأحقاف: ١٤]) من الإيمان وغيره من الطاعات فسمي الإيمان عملاً حيث أدخله في جملة الأعمال (وقال وفد عبد القيس) ربيعة (للنبي ﷺ ¬) فيما وصله المؤلف بعد (مرنا بجمل) أمور كلية مجملة (من الأمر وإن عملنا بها دخلنا الجنة فأمرهم بالإيمان) أي بتصديق الشارع ﵊ فيما علم مجيئه به ضرورة (والشهادة) بالوحدانية لله تعالى (وإقام الصلاة) المفروضة (وإيتاء الزكاة) المكتوبة (فجعل) ﷺ (ذلك كله) ومن جملته الإيمان (عملاً).
٧٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِىِّ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَىِّ مِنْ جُرْمٍ وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ فَكُنَّا عِنْدَ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى تَيْمِ اللَّهِ كَأَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِى فَدَعَاهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّى رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ لَا آكُلُهُ فَقَالَ: هَلُمَّ فَلأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ إِنِّى أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فِى نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِى مَا أَحْمِلُكُمْ فَأُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ؟ فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى ثُمَّ انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ وَاللَّهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ: فَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، إِنِّى وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَتَحَلَّلْتُهَا».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن الوهاب) الحجبي قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة أبو بكر السختياني الإمام (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي (والقاسم) بن عاصم (التميمي) وقيل الكلبي وقيل الليثي كلاهما (عن زهدم) بفتح الزاي وبالدال المهملة بينهما هاء ساكنة ابن مضرب بالضاد المعجمة المفتوحة والراء المشددة المكسورة من التضريب أنه (قال: كان بين هذا الحي من جرم) بفتح الجيم وسكون الراء (وبين الأشعريين) جمع أشعري نسبة إلى أشعر أبي قبيلة من اليمن (ود) بضم الواو وتشديد الدال محبة (وإخاء) بكسر الهمزة وتخفيف الخاء المعجمة ممدودًا مؤاخاة (فكنا عند أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري) ﵁ (فقرّب إليه الطعام) بضم القاف مبنيًّا للمفعول والطعام معرّف وللأصيلي طعام كذا رأيته في أصل معتمد وهو الذي في اليونينية والذي في الفرع بالتنكير فقط غير معزوّ (فيه لحم دجاج) مثلث الدال يقع على الذكر والأنثى (وعنده) وعند أبي موسى (رجل من بني تيم الله) بفتح الفوقية وسكون التحتية قبيلة من قضاعة (كأنه) وللأصيلي مما ليس في الفرع كان (من الموالي فدعاه) أبو موسى (إليه) أي إلى لحم الدجاج (فقال) الرجل (إني رأيته يأكل شيئًا) من النجاسة وثبت شيئًا للكشميهني وسقط لغيره (فقذرته) بكسر الذال المعجمة أي فكرهته (فحلفت لا آكله). وللكشميهني أن لا آكله واختلف في الجلالة فقال مالك لا بأس بأكل الجلالة من الدجاج وغيره إنما جاء النهي عنها للتقذر، ولأبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة إذا تغير لحمها بأكل النجاسة، وصحح النووي أنه إذا ظهر تغير لحم الجلالة من نعم أو دجاج بالرائحة والنتن في عرقها وغيره كره أكلها، وذهب جماعة من الشافعية وهو قول الحنابلة إلى أن النهي للتحريم وهو الذي صححه الشيخ أبو إسحاق المروزي وإمام الحرمين والبغوي والغزالي ولم يسم الرجل المذكور في الحديث. وفي سياق الترمذي أنه زهدم وكذا عند أبي عوانة في صحيحه، ويحتمل أن يكون كلٌّ من زهدم
والآخر امتنعا من الأكل (فقال) أبو موسى له (هلم) تعال (فلأحدثك عن ذاك) أي فوالله لأحدّثك أي عن الطريق في حل اليمين وفي أصل اليونينية فلأحدّثك بسكون اللام والمثلثة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فلأحدّثنّك بنون التأكيد عن ذلك باللام قبل الكاف (إني أتيت
стр. 4729
النبي ﷺ في نفر من الأشعريين) ما بين الثلاثة إلى العشرة من الرجال (نستحمله) نطلب منه أن يحملنا ويحمل أثقالنا في غزوة تبوك على شيء من الإبل (قال) صلوات الله وسلامه عليه:
(والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم) أي عليه (فأتي النبي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (¬ ﷺ بنهب إبل) من غنيمة (فسأل عنا فقال: أين النفر الأشعريون) فأتينا (فأمر لنا بخمس ذود) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة وهو من الإبل ما بين الثنيتين إلى التسعة وقيل ما بين الثلاثة إلى العشرة واللفظة مؤنثة لا واحد لها من لفظها كالنعم. وقال أبو عبيد: الذود من الإناث دون المذكور وفي غزوة تبوك ستة أبعرة وفي الأيمان والنذور بثلاثة ذود ولا تنافي في ذلك لأن ذكر عدد لا ينافي غيره وقوله خمس بالتنوين وفي رواية بغير تنوين على الإضافة واستنكره أبو البقاء في غريبه، وقال: والصواب تنوين خمس وأن يكون ذود بدلاً من خمس فإنه لو كان بغير تنوين لتغير المعنى لأن العدد المضاف غير المضاف إليه فيلزم أن يكون خمس خمسة عشر بعيرًا لأن الإبل الذود ثلاثة، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: ما أدري كيف حكم بفساد المعنى إذا كان العدد كذا وليكن عدد الإبل خمسة عشر بعيرًا فما الذي يضر، وقد ثبت في بعض طرقه خذ هذين القرينين وهذين القرينين إلى أن عدست مرات، والذي قاله إنما يتم أن لو جاءت رواية صريحة أنه لم يعطهم سوى خمسة أبعرة (غرّ الذرى) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء والذرى بالذال المعجمة المضمومة وفتح الراء ذروة وهي أعلى كل شيء أي ذوي الأسنمة البيض من سمنهن وكثرة شحومهن.
(ثم انطلقنا قلنا ما صنعنا) بسكون العين (حلف رسول الله ﷺ لا يحملنا) ولأبي ذر أن لا يحملنا (وما عنده ما يحملنا ثم حملنا) بفتح اللام في الأخير (تغفلنا رسول الله ﷺ يمينه) بسكون اللام أي طلبنا غفلته وكنا سبب ذهوله عما وقع (والله لا نفلح أبدًا فرجعنا إليه) صلوات الله وسلامه عليه (فقلنا له) ذلك (فقال: لست أنا أحملكم ولكن الله حملكم) حقيقة لأنه خالق أفعال العباد.
وهذا مناسب لما ترجم به. وقال ابن المنير: الذي يظهر أن النبي ﷺ حلف لا يحملهم فلما حملهم راجعوه في يمينه فقال: ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم فبيّن أن يمينه إنما انعقدت فيما يملك فلو حملهم على ما يملك لحنث وكفر ولكنه حملهم على ما لا يملك ملكًا خاصًّا وهو مال الله وبهذا لا يكون قد حنث في يمينه هذا مع قصده ﵊ في الأوّل أنه لا يحملهم على ما لا يملك بقرض يتكلفه ونحو ذلك. وأما قوله ﷺ عقب ذلك لا أحلف على يمين الخ فتأسيس قاعدة مبتدأة كأنه يقول ولو كنت حلفت ثم رأيت ترك ما حلفت عليه خيرًا منه لأحنثت
نفسي وكفّرت عن يميني قال وهم إنما سألوه ظنًّا أنه يملك حملانًا فحلف لا يحملهم على شيء يملكه لكونه كان حينئذٍ لا يملك شيئًا من ذلك اهـ.
ووجه البدر الدماميني في مصابيحه بأن مكارم أخلاقه ﷺ ورأفته بالمؤمنين ورحمته بهم تأبى أنه ﷺ يحلف على عدم حملانهم مطلقًا قال: والذي يظهر لي أن قوله وما عندي ما أحملكم جملة حالية من فاعل الفعل المنفي بلا أو مفعوله أي لا أحملكم في حالة عدم وجداني لشيء أحملكم عليه أي أنه لا يتكلف حملهم بقرض أو غيره لما رآه من المصلحة المقتضية لذلك، وحينئذٍ فحمله لهم على ما جاءه من مال الله لا يكون مقتضيًا لحنثه.
وأجيب: بأن المعنى إزالة المنّة عنهم وإضافة النعمة لمالكها الأصلي، ولم يرد أنه لا صنع له أصلاً في حملهم لأنه لو أراد ذلك ما قال بعد (إني) ولأبي ذر وإني (والله لا أحلف على يمين) أي على محلوف يمين وسماه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه فيكون من مجاز الاستعارة ومثله صلى على قبره بعدما دفن أي صلى على صاحب القبر وأطلق القبر على صاحب القبر ويدل لهذا التأويل رواية
стр. 4730
مسلم حيث قال فيها بدل قوله على يمين على أمر (فأرى غيرها خيرًا منها) أي خيرًا من الخصلة المحلوف عليها (إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها). بالكفارة، وفي الأيمان والنذور فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفّرت
عن يميني وأتيت الذي هو خير فقدّم الكفّارة على الإتيان ففيه دلالة على الجواز لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وقد ذهب أكثر الصحابة إلى جواز تقدم الكفّارة على اليمين وإليه ذهب الشافعي ومالك وأحمد إلا أن الشافعي -استثنى الصائم فقال: لا يجزئ إلا بعد الحنث واحتجوا له بأن الصيام من حقوق الأبدان ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصلاة بخلاف العتق والكسرة والإطعام فإنها من حقوق الأموال فيجوز تقديمها كالزكاة. وقال أصحاب الرأي لا تجزئ قبله.
والحديث سبق في المغازي والنذور والذبائح وغيرها.
٧٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِىُّ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِى أَشْهُرٍ حُرُمٍ فَمُرْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ وَنَدْعُو إِلَيْهَا مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَتُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: لَا تَشْرَبُوا فِى الدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالظُّرُوفِ الْمُزَفَّتَةِ وَالْحَنْتَمَةِ».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن يحيى الصيرفي قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك النبيل وهو شيخ المؤلف روي عنه كثيرًا بلا واسطة قال: (حدّثنا قرة بن خالد) بضم القاف وتشديد الراء السدوسي قال: (حدّثنا أبو جمرة) بالجيم والراء نصر بن عمران
(الضبعي) بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة قال: (قلت لابن عباس) ﵄ أي حدّثنا مطلقًا أو عن قصة عبد القيس فحذف مفعول قلت وعند الإسماعيلي من طريق أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي عن قرة قال: حدّثنا أبو جمرة قال: قلت لابن عباس إن لي جرة أنتبذ فيها فأشربه حلوًا لو أكثرت منه فجالست القوم لخشيت أن أفتضح (فقال: قدم وفد عبد القيس) وكانوا أربعة عشر رجلاً بالأشج وكانوا ينزلون بالبحرين (على رسول الله ﷺ ¬) عام الفتح قبل خروجه ﷺ من مكة (فقالوا: إن بيننا وبينك المشركين من مضر) بضم الميم وفتح المعجمة غير منصرف للعلمية والتأنيث (وإنا لا نصل إليك إلا في أشهر حرم) بالتنكير فيهما وذلك لأنهم كانوا يمتنعون عن القتال فيها، وللحموي والمستملي في أشهر المحرم بتنكير الأوّل وتعريف الثاني وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة والبصريون يمنعونها ويؤولون ذلك على حذف مضاف أي أشهر الأوقات المحرم (فمرنا) بوزن عل وأصله أؤمر بهمزتين من أمر يأمر فحذفت الهمزة الأصلية للاستثقال فصار أمرنا فاستغني عن همزة الوصل فحذفت فصار مرنا (بجمل من الأمر إن عملنا به) أي بالأمر وللكشميهني إن عملنا بها أي بالجمل (دخلنا الجنة وندعو إليها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إليه إلى الأمر (من وراءنا) من قومنا (قال):
(آمركم) بهمزة ممدودة (بأربع) من الجمل (وأنهاكم عن أربع: أمركم بالإيمان بالله) زاد في كتاب الإيمان وحده (وهل تدرون ما الإيمان بالله) هو (شهادة أن لا إله إلا الله) زاد في الإيمان وأن محمدًا رسول الله ويجوز خفض شهادة على البدلية (وإقام الصلاة) المفروضة (وإيتاء الزكاة) المكتوبة (وتعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن أربع لا تشربوا في الدباء) بضم الدال وتشديد الموحدة ممدودًا اليقطين (والنقير) ما ينقر في أصل النخلة فيوعى فيه (والظروف المزفتة) المطلية بالزفت ولأبي ذر عن المستملي والمزفتة (والحنتمة) بالحاء المهملة المفتوحة والنون الساكنة والمثناة الفوقية المفتوحة الجرة الخضراء نهى عن الانتباذ في هذه المذكورات بخصوصها لأنه يسرع إليها الإسكار فربما شرب منها من لا يشعر بذلك ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن كل مسكر.
وهذا الحديث سبق في الإيمان.
٧٥٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»؟.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن نافع) العدوي المدني مولى ابن عمر (عن القاسم بن محمد) هو ابن أبي بكر الصديق (عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال):
(إن أصحاب هذه الصور) أي المصوّرين والمراد بالصور هنا التماثيل التي لها روح (يعذبون يوم القيامة ويقال لهم) على سبيل التهكم والتعجيز (أحيوا) بفتح الهمزة (ما خلقتم) أي اجعلوا ما صوّرتم حيوانًا ذا روح فلا
стр. 4731
يقدرون على ذلك فيستمر تعذيبهم.
واستشكل بأن استمرار التعذيب إنما يكون للكافر وهذا مسلم. وأجيب: بأن المراد الزجر الشديد بالوعيد بعقاب الكافر ليكون أبلغ في الارتداع وظاهره غير مراد وهذا في حق العاصي بذلك أما من فعله مستحلاًّ فلا إشكال فيه وفيه إطلاق لفظ الخلق على الكسب استهزاء أو ضمن خلقتم معنى صوّرتم تشبيهًا بالخلق وأطلق بناء على زعمهم فيه. قال في الفتح: والذي يظهر أن مناسبة ذكر حديث المصورين للترجمة من جهة أن من زعم أنه يخلق فعل نفسه لو صحت دعواه لما وقع الإنكار على هؤلاء المصوّرين فلما كان أمرهم بنفخ الروح فيما صوّروه أمر تعجيز ونسبة الخلق إليهم إنما هي على سبيل التهكم دلّ على فساد قول من نسب خلق فعله إليه استقلالاً اهـ.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في الزينة وابن ماجة في التجارات.
٧٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»؟.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم (عن أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(إن أصحاب هذه الصور) المصوّرين لها (بعذبون يوم القيامة) بفتح ذال يعذبون (ويقال لهم أحيوا ما خلقتم). واستدل به على أن أفعال العباد مخلوقة لله للحوق الوعيد بمن تشبه بالخالق فدل على أن غير الله ليس بخالق. وأجاب بعضهم بأن الوعيد وقع على خلق الجواهر ورد بأن الوعيد لاحق باعتبار الشكل والهيئة وليس ذلك بجوهر.
٧٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِى، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) الهمداني أبو كريب الكوفي قال: (حدّثنا ابن فضيل) هو محمد بن فضيل بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة ابن غزوان الضبي مولاهم الحافظ أبو عبد الرحمن (عن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم ابن القعقاع (عن أبي زرعة) هرم بكسر الراء ابن عمرو بن جرير البجلي أنه (سمع أبا هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(قال الله ومن أظلم ممن ذهب) أي قصد (يخلق كخلقي) أي ولا أحد أظلم ممن قصد حال كونه أن يصنع ويقدّر كخلقي وهذا التشبيه لا عموم له يعني كخلقي في فعل الصورة لا من كل الوجوه واستشكل التعبير بأظلم لأن الكافر أظلم قطعًا وأجيب بأنه إذا صور الصنم للعبادة كان كافرًا فهو هو أو يزيد عذابه على سائر الكفار لزيادة قبح كفره (فليخلقوا ذرة) بفتح الذال المعجمة نملة صغيرة أو الهباء (أو ليخلقوا حبة) بفتح الحاء أي حبة منتفعًا بها كالحنطة (أو شعيرة). هو من باب عطف الخاص على العام أو هو شك من الراوي والمراد تعجيزهم وتعذيبهم تارة بخلق الحيوان وأخرى بخلق الجماد وفيه نوع من الترقي في الخساسة ونوع من التنزل في الإلزام وإن كان بمعنى الهباء فهو بخلق ما ليس له جرم محسوس تارة وبما له جرم أخرى. وحكي أنه وقع السؤال عن حكمة الترقي من الذرة إلى الحبة إلى الشعيرة في قوله فليخلقوا ذرة. فأجاب الشيخ تقي الدين الشمني بديهة بأن صنع الأشياء الدقيقة فيه صعوبة والأمر بمعنى التعجيز فناسب الترقي من الأعلى للأدنى فاستحسنه الحافظ ابن حجر، وزاد في إكرام الشيخ تقي الدين وإشهار فضيلته رحمهما الله، وأخرجه المؤلف في نقض الصور من كتاب اللباس وأخرجه مسلم فيه أيضًا.
٥٧ - باب قِرَاءَةِ الْفَاجِرِ وَالْمُنَافِقِ وَأَصْوَاتُهُمْ وَتِلَاوَتُهُمْ لَا تُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ
(باب) بيان حال (قراءة الفاجر والمنافق) هو من العطف التفسيري لأن المراد هنا بالفاجر المنافق بقرينة جعله في حديث الباب قسيمًا للمؤمن ومقابلاً له قال في فتح الباري: ووقع في رواية أبي ذر قراءة الفاجر أو المنافق بالشك أو للتنويع والفاجر أعم فيكون من عطف الخاص على العام (وأصواتهم وتلاوتهم) مبتدأ ومعطوف عليه والخبر قوله (لا تجاوز حناجرهم) جمع حنجرة وهي الحلقوم وهو مجرى النفس كما أن المريء مجرى الطعام والشراب وجمعه على الحكاية عن لفظ الشراب.
٧٥٦٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنْ أَبِى مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَالَّذِى لَا يَقْرَأُ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَلَا رِيحَ لَهَا وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِى يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِى لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا».
وبه قال: (حدّثنا هدبة بن خالد) بضم الهاء وسكون الدال المهملة القيسي قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى العوذي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أنس)
стр. 4732
هو ابن مالك (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة) بضم الهمزة والراء بينهما فوقية ساكنة وتشديد الجيم ويقال الأترنجة بالنون والترنجة وترنج (طعمها طيب وريحها طيب) وجرمها كبير ومنظرها حسن إذ هي صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين وملمسها لين تتوق إليها النفس قبل تناولها تفيد آكلها بعد الالتذاذ بمذاقها طيب نكهة ودباغ معدة وقوّة هضم اشتركت الحواس الأربعة البصر والذوق والشم واللمس في الاحتظاء بها ثم إنها في أجزائها تنقسم إلى طبائع فقشرها حارّ يابس ويمنع السوس من الثياب ولحمها حارّ وحماضها بارد يابس وتسكن غلمة النساء وتجلو اللون والكلف وبزرها حار مجفف وفيها من المنافع غير ذلك مما ذكره الأطباء في كتبهم فهي أفضل ما وجد من الثمار في سائر البلدان، وقال المظهري المؤمن الذي يقرأ هكذا من حيث الإيمان في قلبه ثابت طيب الباطن ومن حيث إنه يقرأ القرآن ويستريح الناس بصوته وُيثابون بالاستماع إليه ويتعلمون منه مثل الأترجة يستريح الناس برائحتها (و) المؤمن (الذي) ولأبي الوقت ومثل الذي (لا يقرأ) القرآن (كالتمرة) بالمثناة وسكون الميم (طعمها طيب ولا ريح لها) وقوله يقرأ القرآن على صيغة المضارع ونفيه في قوله لا يقرأ ليس المراد منهما حصولها مرة ونفيها بالكلية بل المراد منهما الاستمرار والدوام عليهما وإن القراءة دأبه وعاداته وليست من هجيراه كقوله فلان يقري الضيف ويحمي الحريم (ومثل الفاجر) أي المنافق (الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر) شبهه بالريحانة لأنه لم ينتفع ببركة القرآن ولم يفز بحلاوة أجره فلم يجاوز الطيب موضع الصوت وهو الحلق ولا اتصل بالقلب وهؤلاء الذين يمرقون من الدين قاله ابن بطالة (ومثل الفاجر) أي المنافق (الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة) هي معروفة وتسمى في بعض البلاد ببطيخ أبي جهل (طعمها مر ولا ريح لها) نافع وفيه كما قال ابن بطال أن قراءة الفاجر والمنافق لا ترفع إلى الله ولا تزكو عنده وإنما يزكو عنده ما أريد به وجهه.
ورجال هذا الحديث كلهم بصريون وفيه رواية الصحابي عن الصحابي وسبق في فضائل القرآن.
٧٥٦١ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ ح.
وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِىَّ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَىْءٍ». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّىْءِ يَكُونُ حَقًّا قَالَ: فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّىُّ فَيُقَرْقِرُهَا فِى أُذُنِ وَلِيِّهِ، كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ».
وبه قال: (حدّثنا علي) هو ابن عبد الله المديني قال: (حدّثنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب ولفظ طريق علي بن
المديني سبقت في باب الكهانة من الطب (ح) لتحويل السند قال المؤلف:
(وحدّثني) بالإفراد والواو (أحمد بن صالح) أبو جعفر البصري قال: (حدّثنا) وللأصيلي مما ليس في الفرع أخبرنا (عنبسة) بعين وموحدة مفتوحتين بينهما نون ساكنة ابن خالد بن يزيد ابن أخي يونس قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي وهو عم عنبسة (عن ابن شهاب) الزهري قال: (أخبرني) بالإفراد (يحيى بن عروة بن الزبير أنه سمع) أباه (عروة بن الزبير) بن العوّام (يقول: قالت عائشة ﵂ سأل أناس النبي ﷺ ¬) بهمزة مضمومة وهم ربيعة بن كعب الأسلمي وقومه كما ثبت في مسلم (عن الكهان) بضم الكاف وتشديد الهاء جمع كاهن وهو الذي يدّعي علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب والأصل فيه استراق الجني السمع من كلام الملائكة فيلقيه في أذن الكاهن. وقال الخطابي: الكهنة قوم لهم أذهان حادّة ونفوس شريرة وطباع نارية فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور وساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه وكانت الكهانة فاشية في الجاهلية خصوصًا في العرب لانقطاع النبوّة (فقال) ﵊:
(إنهم) أي الكهان (ليسوا بشيء) أي ليس قولهم بشيء يعتمد عليه (فقالوا: يا رسول الله فإنهم يحدّثون بالشيء يكون حقًّا) هذا أوردة السائل إشكالاً على عموم قوله ﵊ أنهم ليسوا بشيء لأنه فهم منه
стр. 4733
أنهم لا يصدقون أصلاً (قال: فقال النبي ﷺ ¬) مجيبًا عن سبب ذلك الصدق وأنه إذا اتفق أن يصدق لم يتركه خالصًا بل يشوبه بالكذب (تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني) بفتح التحتية والطاء المهملة بينهما خاء معجمة أي يختلسها بسرعة من الملك وسقط لأبي ذر من الحق ولأبوي ذر والوقت عن الكشميهني يحفظها بحاء مهملة ففاء فظاء معجمة من الحفظ. قال الحافظ ابن حجر: والأول هو المعروف (فيقرقرها) أي يرددها (في أذن وليّه) الكاهن حتى يفهمها (كقرقرة الدجاجة) بتشديد الدال أي صوتها إذا قطعته يقال قرت تقرّ قرًّا وقريرًا وقرقرت قرقرة، ولأبي ذر عن المستملي الزجاجة بالزاي المضمومة وأنكرها الدارقطني وعدّها من التصحيف لكن وقع في باب ذكر الملائكة من كتاب بدء الخلق فيقرها في أذنه كما تقر القارورة أي كما يسمع صوت الزجاجة إذا حكت على شيء أو ألقي فيها شيء، وقال القابسي: المعنى أنه يكون لما يلقيه الجني إلى الكاهن حس كحس القارورة إذا حركت باليد أو على الصفا، وقال الطيبي: قر الدجاجة مفعول مطلق وفيه معنى التشبيه فكما يصح أن يشبه إيراد ما اختطفه من الكلام في أذن الكاهن بصب الماء في القارورة يصح أن يشبه ترديد الكلام في أذنه بترديد الدجاجة صوتها في أذن صواحباتها وباب التشبيه واسع لا يفتقر إلى العلامة على أن الاختطاف مستعار للكلام من فعل الطير كما قال تعالى: ﴿فتخطفه الطير﴾ فيكون ذكر الدجاجة هنا أنسب من ذكر الزجاجة لحصول الترشيح في الاستعارة (فيخلطون) أي الأولياء وجمع بعد الإفراد نظر إلى الجنس (فيه) المخطوف (أكثر من مائة كذبة) بسكون المعجمة وفتح الكاف وحكي الكسر وأنكره بعضهم لأنه بمعنى الهيئة والحالة وليس هذا موضعه.
ومطابقته للترجمة من حيث مشابهة الكاهن بالمنافق من جهة أنه لا ينتفع بالكلمة الصادقة لغلبة الكذب عليه لفساد حاله كما لا ينتفع المنافق بقراءته لفساد عقيدته وانضمام خبثه إليها قاله في الكواكب. وقال في الفتح: والذي يظهر لي من مراد البخاري أن تلفظ المنافق بالقرآن كما يتلفظ به المؤمن فتختلف تلاوتهما والمتلوّ واحد ولو كان المتلوّعين التلاوة لم يقع فيه تخالف وكذلك الكاهن في تلفظه بالكلمة من الوحي التي يخبره بها الجني مما يختطفه من الملك تلفظه بها وتلفظ الجني مغاير لتلفظ الملك فتغايرا.
وسبق الحديث في باب الكهانة أواخر الطب.
٧٥٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِىُّ بْنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يُحَدِّثُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ». قِيلَ مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: «سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ -أَوْ قَالَ- التَّسْبِيدُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل قال: (حدّثنا مهدي بن ميمون) الأزدي قال: (سمعت محمد بن سيرين) أبا بكر أحد الأعلام (يحدّث عن) أخيه (معبد بن سيرين) بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها موحدة مفتوحة فدال مهملة (عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(يخرج ناس من قِبل المشرق) أي من جهة مشرق المدينة كنجد وما بعده وهم الخوارج ومن معتقدهم تكفير عثمان ﵁ وأنه قتل بحق ولم يزالوا مع عليّ حتى وقع التحكيم بصفين فأنكروا التحكيم وخرجوا على عليّ وكفّروه (ويقرؤون) بالواو ولأبي ذر يقرؤون (القرآن لا يجاوز تراقيهم) بالنصب على المفعولية جمع ترقوة بفتح الفوقية وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو العظم الذي بين ثغرة النحر والعنق وهذا موضع الترجمة (يمرقون) بضم الراء يخرجون (من الدين كما يمرق السهم من الرمية) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتية أي المرمي إليها (ثم لا يعودون فيه) أي في الدين وسقط ثم في بعض النسخ (حتى يعود السهم إلى فوقه) بضم الفاء موضع الوتر من السهم وهو لا يعود إلى فوقه قط بنفسه (قيل ما سيماهم) بكسر السين المهملة مقصورًا ما علامتهم؟ قال الحافظ ابن حجر ﵀ والسائل لم أقف على تعيينه (قال) ﵊ (سيماهم) أي علامتهم (التحليق) أي إزالة الشعر أو إزالة شعر الرأس. قال الحافظ ابن
стр. 4734
حجر: طرق الحديث المتكاثرة كالصريحة في إرادة حلق الرأس وإنما كان هذا علامتهم وإن كان غيرهم يحلق رأسه أيضًا لأنهم جعلوا الحلق لهم دائمًا زمن الصحابة إنما كانوا يحلقون رؤوسهم في نسك أو حاجة وقيل المراد حلق الرأس واللحية وجميع الشعور (أو قال: التسبيد) بفوقية مفتوحة فسين
مهملة ساكنة وبعد الموحدة المكسورة تحتية ساكنة فدال مهملة وهو بمعنى التحليق أو هو أبلغ منه استئصال الشعر أو ترك غسله وترك دهنه والشك من الراوي ولما كان آخر الأمور التي يظهر بها المفلح من الخاسر ثقل الموازين وخفتها جعله المؤلف آخر تراجم كتابه فبدأ بحديث الأعمال بالنيات وذلك في الدنيا وختم بأن الأعمال توزن يوم القيامة إشارة إلى أنه إنما يتقبل منها ما كان بالنية الخالصة لله تعالى فقال:
٥٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وَأَنَّ أَعْمَالَ بَنِى آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْقُسْطَاسُ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ وَيُقَالُ الْقِسْطُ: مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ وَهْوَ الْعَادِلُ، وَأَمَّا الْقَاسِطُ: فَهْوَ الْجَائِرُ.
(باب قول الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط﴾) العدل وهو منصوب على أنه نعت للموازين وعلى هذا فلم أفرد. وأجيب: بأنه في الأصل مصدر والمصدر يوحد مطلقًا أو على أنه على حذف مضاف أي ذوات القسط والموازين جمع ميزان وجاء ذكرها في القرآن بلفظ الجمع، وفي السّنة به وبالإفراد فيجوّز بعضهم لما أشكل عليه الجميع في الآية أن يكون ثم موازين للعامل الواحد يوزن بكِل ميزان منها صنف واحد من أعماله قال الشاعر:
ملك تقوم الحادثات لأجله … فلكل حادثة لها ميزان
والذي عليه الأكثرون أنه ميزان واحد عبّر عنه بلفظ الجمع للتفخيم كقوله تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنما هو رسول واحد أو الجميع باعتبار العباد وأنواع الموزونات أي: ونضع الموازين العادلات (﴿ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧]) وثبت قوله ليوم القيامة لأبي ذر وسقط لغيره واللام بمعنى في وإليه ذهب ابن قتيبة وابن مالك وهو رأي الكوفيين ومنه عندهم لا يجليها لوقتها إلا هو أو هي للتعليل ولكن على حذف مضاف أي لحساب يوم القيامة أو بمعنى عند كقوله جئتك لخمس خلون من الشهر وقول النابغة:
توهمت آيات لها فعرفتها … لستة أعوام وذا العام سابع
(وأن) بفتح الهمزة وقد تكسر (أعمال بني آدم وقولهم يوزن) بالإفراد وللقابسي وأقوالهم توزن بميزان له لسان وكفّتان خلافًا للمعتزلة المنكرين لذلك إلا أن منهم من أحاله عقلاً ومنهم من جوّزه ولم يكن يحكم بثبوته كالعلاف وابن المعتز واحتجوا بأن الأعمال أعراض وقد عدمت فلا يمكن إعادتها وإن أمكن إعادتها يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها فلا توصف بخفة ولا ثقل والقرآن يردّ عليهم قال الله تعالى: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ أي وزن الأعمال يومئذ الحق ﴿فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية﴾ [القارعة: ٦] سلمنا أن الأعراض لا توصف بخفة ولا ثقل
لكن لما ورد الدليل على ثبوت الميزان والوزن كالحساب والصراط وجب علينا اعتقاده وإن عجزت عقولنا عن إدراك بعض فنَكِل علمه إلى الله تعالى ولا نشتغل بكيفيته والعمدة في إثباتها عند أهل الحق أنها ممكنة في نفسها إذ لا يلزم من فرض وقوعها مُحال لذاته مع إخبار الصادق عنها فأجمع المسلمون عليها قبل ظهور المخالف عليها والله تعالى قادر على أن يعرف عباده مقادير أعمالهم وأقوالهم يوم القيامة بأي طريق شاء إما بأن يجعل الأعمال والأقوال أجسامًا أو يجعلها في أجسام، وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس ﵄ أن الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا فيزنها أو توزن صحفها.
ويؤيد هذا حديث البطاقة المروي في الترمذي، وقال حسن غريب وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاًّ كل سجل مثل مدّ البصر ثم يقول أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كَتَبَتي
стр. 4735
الحافظون؟ فيقول لا يا رب فيقول: أفلك عذر؟ فقال: لا يا رب فيقول الله تعالى: بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلاّت؟ فيقول: فإنك لا تظلم فتوضع في السجلاّت في كفّة والبطاقة في كفّة فطاشت السجلاّت وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء". وقال ابن ماجة بدل لقوله إن الله يستخلص رجلاً من أمتي يصاح برجل من أمتي، وقال محمد بن يحيى: البطاقة الرقعة وهذا يدل على الميزان الحقيقي؛ وأن الموزون صحف الأعمال ويكون رجحانها باعتبار كثرة ما كتب فيها وخفتها بقلّته فلا إشكال، وقيل إنه ميزان كميزان الشعر وفائدته إظهار العدل والمبالغة في الإنصاف ولو جاز حمله على ذلك لجاز حمل الصراط على الدين الحق والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح وهذا كله فاسد لأنه ورد لما جاء به الصادق على ما لا يخفى.
فإن قلت: أهل القيامة إما أن يكونوا عالمين بكونه تعالى عادلاً غير ظالم أو لا. فإن علموا ذلك كان مجرد حكمه كافيًا فلا فائدة في وضع الميزان وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف وحينئذ فلا فائدة في وضعها أصلاً. أجيب: بأنهم عالمون بعدله تعالى وإنما فعل ذلك لإقامة الحجة عليهم وبيانًا لكونه لا يظلم مثقال ذرة وإظهارًا لعظمة قدرته في أن كل كفّة طباق السماوات والأرض ترجح بمثقال الحبة من الخردل وتخف وأيضًا فإنه لا يسأل عما يفعل. وقد روي عن سلمان أنه قال: فإن أنكر ذلك منكر جاهل بمعنى توجيه معنى خبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ عن الميزان وقال أو بالله حاجة إلى وزن الأشياء وهو العالم بمقدر كل شيء قبل خلقه إياه وبعده في كل حال. قيل له: وزان ذلك إثباته إياه في أم الكتاب واستنساخه في الكتب من غير حاجة إلى ذلك لأنه سبحانه لا يخاف النسيان وهو عالم بكل ذلك على كل حال ووقت قبل كونه وبعد وجوده وإنما يفعل ذلك تعالى ليكون حجة على خلقه كما قال تعالى: ﴿كل
أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون * هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنّا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ [الجاثية: ٢٨، ٢٩] فكذلك وزنه تعالى لأعمال خلقه بالميزان حجة عليهم ولهم إما بالتقصير في طاعته والتضييع وإما بالتكميل والتتميم وإظهار لكرمه وعفوه ومغفرته وحلمه مع قدرته بعد اطّلاع كل أحد منّا على مساويه ومسامحته له وغفرانه وإدخاله إياه الجنة بعد معصيته.
وحكى الزركشي عن بعضهم أن رجحان الوزن في الآخرة بصعود الراجح عكس الوزن في الدنيا واستند في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] الآية. وهو غريب مصادم لقوله تعالى: ﴿فأما من ثقلت موازينه﴾ [القارعة: ٦] الآية. وقد جاء أن كفّة الحسنات من نور والأخرى من ظلام وأن الجنة توضع عن يمين العرش والنار عن يساره ويؤتى بالميزان فينصب بين يدي الله كفّة الحسنات عن يمين العرش مقابلة الجنة وكفّة السيئات عن يسار العرش مقابلة النار ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وأبو القاسم اللالكائي في سُننه، وعن حذيفة موقوفًا: إن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇، وعند البيهقي عن أنس مرفوعًا قال: ملك الموت موكل بالميزان.
وفي الطبراني الصغير من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله أي يوم القيامة يا آدم قد جعلتك حكمًا بيني وبين ذريّتك قم عند الميزان فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة فله الجنة حتى تعلم أني لا أُدخل منهم النار إلا ظالمًا. الحديث. قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد تفرّد به عبد الأعلى.
وعند الحاكم عن سلمان مرفوعًا يوضع الميزان يوم القيامة فلو آوى فيه السماوات والأرض لوضعت فتقول الملائكة: يا رب لم تزن بهذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
وعند
стр. 4736
صاحب الفردوس وابنه أبي منصور الديلمي عن عائشة مرفوعًا: خلق الله كفّتي الميزان مثل أو ملء السماوات والأرض فقالت الملائكة: يا ربنا ما تزن بهذا؟ قال: أزن به من شئت من خلقي، وقيل سأل داود ﵇ ربه أن يُرِيه الميزان فلما رآه أغمي عليه من هوله ثم أفاق فقال: إلهي من يقدر على ملء كفّة هذا الميزان حسنات؟ فقال الله تعالى: يا داود إني إذا رضيت على عبدي ملأته بتمرة واحدة، يا داود أملؤها بكلمة لا إله إلا الله، ثم إن ظاهر قول البخاري: وإن أعمال بني آدم وقولهم يوزن التعميم وليس كذلك بل خصّ منهم من يدخل الجنة بغير حساب وهم السبعون ألفًا، كما في البخاري فإنه لا يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفًا وإنما هي براءات مكتوبة كما قاله الغزالي، وكذلك من لا ذنب له إلا الكفر فقط ولم يعمل حسنة فإنه يقع في النار من غير حساب ولا ميزان. وفي البخاري مرفوعًا: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة واقرؤوا إن شئتم ﴿فلا نقيم لهم
يوم القيامة وزنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أي لا ثواب لهم وأعمالهم مقابلة بالعذاب فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار.
(وقال مجاهد): المفسر في قوله تعالى: (﴿وزنوا بالقسطاس المستقيم﴾ [الشعراء: ١٨٢] مما وصله الفريابي في تفسيره (القسطاص) بضم القاف وكسرها (العدل بالرومية) أي بلغة أهل الروم ففيه وقوع المعرّب في القرآن، وأما قوله تعالى: ﴿قرآنًا عربيًّا﴾ فلا ينافيه ألفاظ نادرة أو هو من توافق اللغتين لقوله تعالى: ﴿إنّا أنزلناه قرآنًا عربيًّا﴾) [يوسف: ٢] وليس بشيء لأن المعنى أنه عربي الأسلوب والنظم ولو سلمنا فباعتبار الأعم الأغلب ولم يشترط في الكلام العربي أن تكون كل كلمة منه عربية ولا يجوز اشتمال القرآن على كلمة غير فصيحة، وقيل يجوز، وردّه المولى سعد الدين التفتازاني بأن ذلك يقود إلى نسبة الجهل والعجز إلى الله تعالى عن ذلك واعترضه البوني أحد تلامذة الشيخ بأنه يجوز أن يختار الله تعالى غير الفصيح مع القدرة على الفصيح لحكمة هي إما أن دلالته على المراد أوضح من الفصيح أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا هو فلا يلزم شيء من العجز والجهل قال: وعرضته على الشيخ فاستحسنه.
(ويقال: القسط مصدر المقسط) اعترضه الإسماعيلي بأن مصدر المقسط الإقساط لأنه رباعي. وأجيب: بأن المراد المصدر المحذوف الزوائد نظرًا إلى أصله فهو مصدر مصدره إذ لا خفاء أن المصدر الجاري على فعله هو الإقساط قاله في اللامع والمصابيح كالكواكب (وهو) أي المقسط (العادل) قال الله تعالى: ﴿إن الله يحب المقسطين﴾ [المائدة: ٤٢].
(وأما القاسط فهو الجائر) قال الله تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا﴾ وقسط الثلاثي بمعنى جار وأقسط الرباعي بمعنى عدل، وحكى الزجّاج أن الثلاثي يستعمل كالرباعي والمشهور الأول ومن الغريب ما حكي أن الحجاج لما أحضر سعيد بن جبير قال: ما تقول فيّ؟ قال: قاسط عادل فأعجب الحاضرين فقال لهم الحجاج: ويلكم لم تفهموا جعلني جائرًا كافرًا ألم تسمعوا قوله تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا﴾ [الجن: ١٥] وقوله تعالى: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: ١].
٧٥٦٣ - حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِى الْمِيزَانِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (أحمد بن إشكاب) بكسر الهمزة وفتحها وسكون الشين المعجمة وبعد الألف موحدة غير منصرف وقيل منصرف الصفار الكوفي ثم المصري قال: (حدّثنا محمد بن فضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة مصغرًا الضبي بالمعجمة والموحدة المشددة (عن عمارة بن القعقاع) بضم العين المهملة وتخفيف الميم ابن القعقاع بقافين مفتوحتين
بينهما عين مهملة ساكنة الضبي أيضًا (عن أبي زرعة) هرم بفتح الهاء وكسر الراء البجلي بالموحدة والجيم المفتوحة (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(كلمتان) خبر مقدم وما بعده صفة بعد صفة أي كلامان فهو من باب إطلاق الكلمة على الكلام ككلمة الشهادة (حبيبتان إلى الرحمن) تثنية حبيبة أي محبوبة بمعنى المفعول لا الفاعل وفعيل إذا كان بمعنى مفعول يستوي فيه
стр. 4737
المذكر والمؤنث إذا ذكر الموصوف نحو: رجل قتيل وامرأة قتيل فإن لم يذكر الموصوف فرّق بينهما نحو: قتيل وقتيلة وحينئذٍ فما وجه لحوق علامة التأنيث هنا؟ أجيب: بأن التسوية جائزة لا واجبة وقيل إنما أنّثها لمناسبة الخفيفة والثقيلة لأنهما بمعنى الفاعلة لا المفعولة، والمراد محبوبية قائلها ومحبة الله تعالى لعبده وإرادته إيصال الخير له والتكريم، وخصّ اسمه الرحمن دون غيره من الأسماء الحسنى لأن كل اسم منها إنما يذكر في المكان اللائق به، وهذا من محاسن البديع الواقع في الكتاب العزيز وغيره من الفصيح كقوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا﴾ [نوح: ١٠] وكذلك هنا لما كان جزاء من يسبح بحمده تعالى الرحمة ذكر في سياقها الاسم المناسب لذلك وهو الرحمن (خفيفتان على اللسان) للين حروفهما وسهولة خروجهما فالنطق بهما سريع وذلك لأنه ليس فيهما من حروف الشّدة المعروفة عند أهل العربية وهي الهمزة والباء الموحدة والتاء المثناة الفوقية والجيم والدال والطاء المهملتان والقاف والكاف ولا من حروف الاستعلاء أيضًا وهي: الخاء المعجمة والصاد والضاد والطاء والظاء والغين المعجمة والقاف سوى حرفين الباء الموحدة والظاء المعجمة، ومما يستثقل أيضًا من الحروف الثاء المثلثة والشين المعجمة وليستا فيهما، ثم إن الأفعال أثقل من الأسماء وليس فيهما فعل وفي الأسماء أيضًا ما يستثقل كالذي لا ينصرف وليس فيهما شيء من ذلك وقد اجتمعت فيهما حروف اللين الثلاثة الألف والواو والياء وبالجملة فالحروف السهلة الخفيفة فيهما أكثر من العكس (ثقيلتان في الميزان) حقيقة لكثرة الأجور المدّخرة لقائلهما والحسنات المضاعفة للذاكر بهما وقوله: حبيبتان وخفيفتان وثقيلتان صفة لقوله كلمتان وفي هذه الرواية تقديم حبيبتان وتأخير ثقيلتان وقوله (سبحان الله) اسم مصدر لا مصدر يقال سبّح يسبّح تسبيحًا لأن قياس فعل بالتشديد إذا كان صحيح اللام التفعيل كالتسليم والتكريم، وقيل: إن سبحان مصدر لأنه سمع له فعل ثلاثي، وقول الشاعر:
سبحانه ثم سبحانًا يعود له … وقبلنا سبّح الجوديّ والجمد
يساعد من قال إن سبحان مصدر لوروده منصرفًا قاله في اللباب وغيره، وقال بعض الكبراء: إن فيه وجوهًا.
أحدهما: أنه مصدر تأكيدي كما في ضربت ضربًا فهو في قوة قولنا أسبّح الله تسبيحًا فلما حذف الفعل أضيف المصدر إلى المفعول ومعنى أسبح المده أي أنظم نفسي في سلك الموقنين بتقديسه عن جميع ما لا يليق بجنابه سبحانه وأنه مقدس أزلاً وأبدًا وإن لم يقدسه أحد.
الثاني: أنه مصدر نوعي على مثال ما يقال عظم السلطان تعظيم السلطان أي تعظيمًا يليق بجنابه ويناسب من يتصف بالسلطنة والمعنى أسبّحه تسبيحًا يختص به، وذلك إذا كان بما يليق بجنابه ولا يستحقه غيره فالإضافة لا إلى الفاعل ولا إلى المفعول بل للاختصاص فتأمله.
الثالث: أنه مصدر نوعي ولكنه على مثال ما يقال اذكر الله مثل ذكر الله فالمعنى أسبّح الله تسبيحًا مثل تسبيح الله لنفسه أي مثل ما سبّح الله به نفسه فهو صفة لمصدر محذوف بحذف المضاف إلى سبحان وهو لفظ المثل فالإضافة في سبحان الله إلى الفاعل.
الرابع: أنه مصدر أريد به الفعل مجازًا كما أن الفعل يذكر ويراد به المصدر مجازاً كقوله: تسمع بالمعيدي وذلك لأن المصدر جزء مفهوم الفعل وذكر البعض وإرادة الكل مجاز كعكسه، ولما كان المراد منه الفعل الذي أريد به إنشاء التسبيح بني هذا المصدر على الفتح فلا محل له من الإعراب، وذلك لأن الأصل في الفعل أن يكون مبنيًّا وذلك لأن الشبه الذي به أعرب المضارع منعدم في الإنشاء فمثله كمثل أسماء الأفعال وهذا وجه نحوي يمكن أن يقال به فافهم. قال: وما ذكرناه لا يبطل كون هذا اللفظ معربًا في الأصل فلا يضرّنا ما جاء في شعر أمية منوّنًا وأما ما يتعلق بمعناه ومغزاه فهو أنه قد فهم من هذا أيضًا تقدّس الأسماء والصفات لأن الذات مع
стр. 4738
الأسماء والصفات متلازمان في الوجود والعدم بالتحقيق ولأن انتفاء تقديس الأسماء والصفات يستلزم انتفاء تقديس الذات لأنها قائمة بالذات ومقتضياتها لكن انتفاء تقديس الذات منتفٍ، وإذا حصل الاعتراف والاعتقاد بأنه منزّه عن جميع النقائص وما لا ينبغي أن ينسب إليه ثبتت الكمالات ضرورة التزامًا وحصل توحيد الربوبية وثبت التقديس في كل كمال عن المشابهة والمماثلة والشركة وكلا ما لا يليق فثبت أنه الرب على الإطلاق للأنفس والآفاق فهو المستحق لأن يشكر ويعبد بكل ما يمكن على الانفراد بالحق والحقيقة وتوحيد الربوبية حجة ملزمة وبرهان موجب توحيد الألوهية فتتضمن هذه الكلمة إثبات التوحيدين كما تتضمن إثبات الكمالين، وهذان الإثباتان في ضمنهما كل مدح ممكن فيما يرجع إلى الله تعالى ولما كان الاتّصاف بالكمال الوجودي مشروطًا بخلوّه عما ينافيه قدّم التسبيح على التحميد في الذكر ما تقدّم التخلية عن التحلية ومن هذا القبيل تقدّم النفي على الإثبات في لا إله إلا الله انتهى.
والواو في قوله: (وبحمده) للحال أي أسبّحه متلبّسًا بحمدي له من أجل توقه لي للتسبيح ونحوه، وقيل عاطفة أي أسبّح وأتلبس بحمده وأما الباء فيحتمل أن تكون سببية أي أسبّح الله وأثني عليه بحمده، وقال ابن هشام في مغنيه: اختلف في الباء من قوله فسبّح بحمد ربك فقيل: إنها للمصاحبة والحمد مضاف للمفعول أي سبّحه حامدًا له أي نزّهه عما لا يليق به وأثبت له ما يليق به. قال البدر الدماميني في شرحه للمغني: قصد أي ابن هشام تفسير التسبيح والحمد بما ذكره إذ هو الثناء بالصفات الجميلة.
فان قلت: من أين يلزم الأمر بالحمد وهو إنما وقع حالاً مقيدة للتسبيح ولا يلزم من الأمر
بشيء الأمر بحاله المقيدة له بدليل اضرب هندًا جالسة؟ وأجاب: بأنه إنما يلزم ذلك إذا لم يكن الحال من نوع الفعل المأمور به ولا من فعل الشخص المأمور كالمثال المذكور أما إذا كانت بعض أنواع الفعل المأمور به نحو: حج مفردًا أو قارنًا أو كانت من فعل المأمور به نحو: ادخل مكة محرمًا فهي مأمور بها وما تكلم فيه في المغني من هذا القبيل انتهى.
قال في المغني: وقيل الباء للاستعانة والحمد مضاف للفاعل أي سبّحه بما حمد به نفسه إذ ليس كل تنزيه محمودًا ألا ترى أن تسبيح المعتزلة اقتضى تعطيل كثير من الصفات، وقال الخطابي: المعنى وبمعونتك التي هي نعمة توجب عليّ حمدك سبّحتك لا بحولي وقوّتي يريد أنه مما أقيم فيه المسبب مقام السبب ثم إن جنس الحمد كما قاله بعض العلماء لما وقع ذكره بعد التقديس عن كل ما لا يليق به تعالى بغير تخصيص بعض المحامد تضمن الكلام، واستلزام إثبات جميع الكمالات الوجودية الجائزة له مطابقة ولزم منه التقديس عن كل ما لا يليق وهو كل ما ينافيها ولا يجامعها هذا مع أن كلمة الجلالة تدل على الذات المقدسة المستجمعة للكمالات أجمع، وكذا الضمير في وبحمده إلى الهوية الخاصة السبوحية القدوسية الجامعة لجميع خاصيات الذات الواجبة وخواصها فهذه الكلمة اشتملت على اسمي الذات اللذين لا أجمع منهما. أحدهما فيه اعتبار عليه أحكام الشهادة والغيب والآخر فيه علية أحكام الغيب وغيب الغيب، وأيضًا تشتمل على جميع التقديسات والتنزيهات وعلى جميع الأسماء والصفات وعلى كل توحيد.
وختم بقوله: (سبحان الله العظيم) ليجمع بين مقامي الرجاء والخوف إذ معنى الرحمن يرجع إلى الإنعام والإحسان ومعنى العظيم يرجع إلى الخوف من هيبته تعالى، وقوله سبحان إلى آخره مبتدأ وما بينه وبين الخبر صفة له بعد صفة.
وقد أورد صاحب المصابيح سؤالين فقال: فإن قلت: المبتدأ مرفوع وسبحان الله في المحلين منصوب فكيف وقع مبتدأ مع ذلك؟ وأجاب: بأن لفظهما محكي، وقال في الثاني فإن قلت: الخبر مثنى والمخبر عنه غير متعدد ضرورة أنه ليس ثم حرف عطف يجمعهما. ألا ترى أنه لا يصح قولك زيد عمرو قائمان. وأجاب: بأنه على حذف العاطف أي سبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم كلمتان خفيفتان على اللسان إلى آخره.
وقد نص أهل
стр. 4739
المعاني على أن من جملة الأسباب المقتضية لتقديم المسند تشويق السامع إلى المبتدأ بأن يكون في المسند المقدّم طول يشوّق النفس إلى ذكر المسند إليه فيكون أوقع في النفس وأدخل في القبول لأن الحاصل بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب ولا يخفى أن ما ذكره القوم متحقّق في هذا الحديث بل هو أحسن من المثال الذي أورده وبثّه بكير وهو قول الشاعر:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها … شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
ومراعاة مثل هذه النكتة البلاغية هو الظاهر من تقديم الخبر على المبتدأ لكن رجح المحقق الكمال ابن الهمام ﵀ أن سبحان الله هو الخبر قال: لأنه مؤخر لفظًا والأصل عدم مخالفة
اللفظ محله إلا لموجب يوجبه. قال: وهو من قبيل الخبر المفرد بلا تعدد لأن كلاًّ من سبحان الله مع عامله المحذوف. الأول والثاني مع عامله الثاني إنما أريد لفظه والجمل المتعددة إذا أريد لفظها فهي من قبيل المفرد الجامد ولذا لا تتحمل ضميرًا ولأنه محطّ الفائدة بنفسه بخلاف كلمتان فإنه إنما يكون محطًّا للفائدة باعتبار وصفه بالخفّة على اللسان والثقل في الميزان والمحبة للرحمن. ألا ترى أن جعل كلمتان الخبر غير بيّن لأنه ليس متعلق الغرض الإخبار منه ﷺ عن سبحان الله إلى آخره أنهما كلمتان بل بملاحظة وصف الخبر بما تقدم أعني خفيفتان ثقيلتان حبيبتان فكان اعتبار سبحان الله إلى آخره خبرًا أولى وقد ذهب بعضهم إلى تعيين خبرية سبحان الله إلى آخره ووجهه بوجهين.
أحدهما: أن سبحان الله لزم الإضافة إلى مفرد فجرى مجرى الظروف والظروف لا تقع إلا خبرًا.
ثانيهما: أن سبحان الله إلى آخره كلمة إذ المراد بالكلمة في الحديث اللغوية كما تقدم فلو جعل مبتدأ لزم الإخبار عما هو كلمة بأنه كلمتان.
وأجيب: بأنه لا يخفى على سامع أن المراد اعتبار سبحان الله وبحمده كلمة وسبحان الله العظيم كلمة فهذا كما يصح أن يعبر عنه بكلمة كذلك يصح أن يعبر عن كل جملة منه بكلمة غير أنه لما كان كلٌّ من الجملتين أعني سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم مما يستقل ذكرًا تامًّا ويفرد بالقصد اعتبر كلمة وعبر عنهما بكلمتين على أن ما ذكره لازم على تقدير جعل سبحان الله الخبر كما هو لازم على تقدير جعله مبتدأ لأنه كما لا يصح أن يخبر عما هو بكلمة بأنه كلمتان كذلك لا يخبر عما هو كلمتان بما هو كلمة انتهى.
وفي هذا الحديث من علم البديع المقابلة والمناسبة والموازنة في السجع أما المقبلة فقد قابل الخفة على اللسان بالثقل وفي الميزان وأما الموازنة في السجع ففي قوله حبيبتان إلى الرحمن ولم يقل للرحمن لأجل موازنته على اللسان وفيه نوع من الاستعارة في قوله خفيفتان فإنه كناية عن قلة حروفهما ورشاقتهما. قال الطيبي: فيه استعارة لأن الخفة مستعارة للسهولة انتهى.
والظاهر أنها من قبيل الاستعارة بالكناية فإنه شبه سهولة جريانهما على اللسان بما يخف على الحامل من بعض الأمتعة فلا تتعبه كالشيء الثقيل فحذف ذكر المشبه به وأبقى شيئًا من لوازمه وهو الخفة وأما الثقل فعلى الحقيقة عند أهل السُّنّة إذ الأعمال تتجسم كما مرّ وفيه حثّ على المواظبة عليها وتحريض على ملازمتها وتعريض بأن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفوس ثقيلة وهذه خفيفة سهلة عليها مع أنها تثقل في الميزان، وقد روي في الآثار أن عيسى ﵇ سئل ما بال الحسنة تثقل والسيئة تخل؟ فقال: لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت فلا يحملنّك ثقلها على تركها والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفّت عليكم فلا يحملنك على فعلها خفتها فإن بذلك تخف الموازين يوم القيامة، ويستفاد من هذا الحديث أن مثل هذا السجع جائز وأن المنهي عنه في قوله ﷺ سجع كسجع الكهان ما كان متكلفًا أو متضمنًا لباطل لا
ما جاء من غير قصد أو تضمن حقًّا، وفيه من علم العروض إفادة أن الكلام المسجع ليس بشعر فلا يوزن وإن جاء على وفق البحور في الجملة هذا مع ضميمة قوله تعالى: ﴿وما علمناه
стр. 4740
الشعر وما ينبغي له﴾ [يس: ٦٩] وقد جاء في الكتاب والسُّنّة أشياء على وفق البحور فمنها ما جاء على وفق الرجز نحو: إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، ومن السُّنّة قوله ﷺ : "هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت".
وسبق مزيد لذلك في هذا الشرح فليراجع، وفي سنده من اللطائف القول في موضعين والتحديث في موضعين والعنعنة وهي في البخاري محمولة على السماع فهي مثل أخبرنا إذ العنعنة من غير المدلس محمولة على السماع كما تقرر في المقدمة أول هذا الشرح.
وفي الحديث أيضًا الاعتناء بشأن التسبيح أكثر من التحميد لكثرة المخالفين فيه وذلك من جهة تكريره بقول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، وقد جاءت السُّنّة به على أنواع شتى ففي مسلم عن سمرة مرفوعًا: "أفضل الكلام سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" أي أفضل الذكر بعد كتاب الله والموجب لفضلها اشتمالها على جملة أنواع الذكر من التنزيه والتحميد والتمجيد ودلالتها على جميع المطالب الإلهية إجمالاً لأن الناظر المتدرج في المعارف يعرفه سبحانه أوّلاً بنعوت الجلال التي تنزه ذاته عما يوجب حاجة أو نقصًا ثم بصفات الإكرام وهي الصفات الثبوتية التي يستحق بها الحمد، ثم يعلم أن من هذا شأنه لا يماثله غيره ولا يستحق الألوهية سواه فيكشف له من ذلك أنه أكبر إذ كل شيء هالك إلا وجهه.
وفي الترمذي وقال حديث غريب عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "التسبيح نصف الميزان والحمد لله تملؤه ولا إله إلا الله ليس لها حجاب دون الله حتى تخلص إليه". وفيه وجهان.
أحدهما: أن يراد التسوية بين التسبيح والتحميد بأن كل واحد منهما يأخذ نصف الميزان فيملآن الميزان معًا وذلك لأن الأذكار التي هي أم العبادات البدنية الغرض الأصلي من شرعها ينحصر في نوعين، أحدهما التنزيه، والآخر التحميد والتسبيح يستوعب القسم الأول والتحميد يتضمن القسم الثاني.
وثانيهما: أن يراد تفضيل الحمد على التسبيح وأن ثوابه ضعف ثواب التسبيح لأن التسبيح نصف الميزان والتحميد وحده يملؤه وذلك لأن الحمد المطلق إنما يستحقه من كان مبرأ عن النقائص منعوتًا بنعوت الجلال وصفات الإكرام فيكون الحمد شاملاً للأمرين وأعلى القسمين، وإلى الوجه الأول أشار ﵊ بقوله: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان" وقوله: "لا إله إلا الله ليس لها حجاب" لأنها اشتملت على التنزيه والتحميد ونفي ما سواه تعالى صريحًا ومن ثم جعله من جنس آخر لأن الأولين دخلا في معنى الوزن والمقدار في الأعمال، وهذا حصل منه القرب إلى الله تعالى من غير جائز ولا مانع ففي مسلم من حديث جويرية أنه ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلّى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة
قال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليه؟ قالت: نعم، قال النبي ﷺ : لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات ولو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهنّ، سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. صرّح في القرينة الأولى بالعدد وفي الثانية بالزنة وترك الثانية والرابعة منهما ليؤذن بأنهما لا يدخلان في جنس المعدود والموزون ولا يحصرهما المقدار لا حقيقة ولا مجازًا فيحصل الترقي حينئذ من عدد الخلق إلى رضا الحق ومن زنة العرش إلى مداد الكلمات.
وفي الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه دخل مع النبي ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبّح به فقال: "ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل سبحان الله عدد ما خلق في السماء وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما بين ذلك وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك. ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك". وفي قوله عدد ما هو
стр. 4741
خالق إجمال بعد تفصيل لأن اسم الفاعل إذا أسند إلى الله يفيد الاستمرار من بدء الخلق إلى الأبد.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطّت خطاياه وإن كنت مثل زبد البحر" رواه الشيخان وهذا وأمثاله نحو: ما طلعت عليه الشمس وكنايات عبّر بها عن الكثرة عرفًا. وظاهرًا لإطلاق يُشْعِر بأنه يحصل هذا الأجر المذكور لمن قال ذلك مائة مرة سواء قالها متوالية أو متفرقة في مجالس أو بعضها أول النهار وبعضها آخره لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار وهذه الفضائل الواردة في التسبيح ونحوه ما قال ابن بطال وغيره إنما هي لأهل الشرف في الدين والكمال كالطهارة من الحرام والمعاصي العظام، فلا يظن ظانّ أن من أدمن الذكر وأصرّ على ما شاء من شهواته وانتهك دين الله وحرماته أنه يلتحق بالمطهرين المقدّسين ويبلغ منازلهم بكلام أجراه على لسانه ليس معه تقوى ولا عمل صالح وفي الترمذي وقال حديث حسن غريب عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسري بي فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" والقيعان: جمع القاع وهو المستوي من الأرض والغراس: جمع غرس وهو ما يغرس، والغرس: إنما يصلح في التربة الطيبة وينمو بالماء العذب أي أعلمهم أن هذه الكلمات تورث قائلها الجنة وأن الساعي في اكتسابها لا يضيع سعيه لأنها المغرس الذي لا يتلف ما استودع فيه قاله التوربشتي.
وقال الطيبي: وهاهنا إشكال لأن هذا الحديث يدل على أن أرض الجنة خالية عن الأشجار والقصور ويدل قوله تعالى: ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ وقوله تعالى: (﴿أُعِدَّت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣] على أنها غير خالية عنها لأنها إنما سميت جنة لأشجارها المتكاثفة المظلة
بالتفاف أغصانها وتركيب الجنة دائر على معنى الستر وأنها مخلوقة معدّة والجواب أنها كانت قيعانًا، ثم إن الله تعالى أوجد بفضله وسعة رحمته فيها أشجارًا وقصورًا على حسب أعمال العاملين لكل عامل ما يختص به بحسب عمله ثم إن الله تعالى لما يسره لما خلق له من العمل لينال به ذلك الثواب جعله كالغارس لتلك الأشجار على سبيل المجاز إطلاقًا للسبب على المسبب ولما كان سبب إيجاد الله للأشجار عمل العامل أسند الغراس إليه والله أعلم بالصواب.
ولما كان التسبيح مشروعًا في الختام ختم البخاري -رحمه الله تعالى- كتابه بكتاب التوحيد والحمد بعد التسبيح آخر دعوى أهل الجنة. قال الله تعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ [يونس: ١٠] قال القاضي: لعل المعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال ثم حيّاهم الملائكة بالسلامة من الآفات والفوز بأصناف الكرامات فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام. قال في فتوح الغيب: ولعل الظاهر أن يضاف السلام إلى الله إكرامًا لأهل الجنة، وينصره قوله تعالى في سورة يس: ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ [يس: ٥٨] أي يسلم عليهم بغير واسطة مبالغة في تعظيمهم وإكرامهم وذلك متمناهم وهذا يدل على أنه يحصل للمؤمنين بعد نعيمهم في الجنة ثلاثة أنواع من الكرامات. أولها ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ وثانيها: ما يقولون عند مشاهدتها سبحانك اللهم وهي سطوع نور الجمال من وراء حجاب الجلال وما أفخم شأن اقتران اللهم بسبحانك في هذا المقام كأنهم لما رأوا أشعة تلك الأنوار لم يتمالكوا أن لا يرفعوا أصواتهم وآخرها أجل منهما، ولذلك ختموا الدعاء عند رؤيتها بالحمد لله رب العالمين وما هي إلا نعمة الرؤية التي كل نعمة دونها، فكأن الكرامات الأول كالتمهيد للثالثة وما أشد طباق هذا التأويل بما رويناه عن ابن ماجة عن جابر ﵁
стр. 4742
عن النبي ﷺ بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة قال وذلك قوله تعالى: ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ قال: فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والله أعلم.
ولقد أخبرني الحافظ الشيخ شمس الدين أبو الخير محمد بن زين الدين السخاوي، وأبو عمرو عثمان الديمي، ونجم الدين عمر بن تقي الدين، وقاضي القضاة أبو المعالي محمد بن الرضي محمد الطبري المكيّان الشافعيون، وقاضي القضاة أبو الحسن علي ابن قاضي القضاة أبي اليمن النويري المالكي، والعلاّمة المقري أبو العباس أحمد بن أسد الأسيوطي إذنًا مشافهة قالوا: أخبرنا شيخ الإسلام والحفّاظ أبو الفضل بن أبي الحسن العسقلاني قال: قرأت على إمام الأئمة عز الدين محمد بن المسند الأصيل شرف الدين أبي بكر بسماعه على جده قاضي القضاة عز الدين أبي عمر عبد العزيز قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة ح.
وأباح لي أيضًا مسند وقته أبو العباس أحمد بن محيي الدين بن طريف الحنفي، أنبأنا الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، أخبرنا القاضي أبو عمر عبد العزيز عز الدين ابن القاضي بدر الدين بن جماعة سماعًا عليه، أخبرنا القاضي أبو العباس أحمد بن محمد الحلبي إجازة أخبرنا يوسف بن خليل الحافظ بحلب، أخبرنا محمد بن أحمد بن نصر السلفي بأصبهان، أخبرنا الحسن بن أحمد الحدّاد، أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله السفياني، حدّثنا عبد الله بن جعفر الفارسي، حدّثنا إسماعيل بن عبد الله العبدي، حدّثنا سعيد بن الحكم، حدّثنا خلاد بن سليمان الحضرمي أبو سليمان، حدّثني خالد بن أبي عمران، عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: ما جلس رسول الله ﷺ مجلسًا ولا تلا قرآنًا ولا صلى إلا ختم ذلك بكلمات فقلت: يا رسول الله أراك ما تجلس مجلسًا ولا تتلو قرآنًا ولا تصلي صلاة إلاّ ختمت بهؤلاء الكلمات. قال: "نعم من قال خيرًا كنّ طابعًا له على ذلك الخير، ومن قال شرًّا كانت كفّارة له سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك".
هذا الحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة، عن محمد بن سهل بن عسكر، عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم فوقع لنا به عاليًا.
وأنبأني الشيخ شهاب الدين بن عبد القادر الشاوي، وأم حبيبة زينب ابنة الشيخ شهاب الدين السُّبكي، وأم كمال كمالية ابنة الإمام نجم الدين المرجاني المكيّتان بها قالوا: أنبأنا الحافظ الزين بن الحسين العراقي قال: أخبرنا القاضي أبو عمر عز الدّين سماعًا عليه بجامع الأقمر في القاهرة سنة إحدى وستين وسبعمائة قال: قرأت على موسى بن أبي الحسن المقرئ بالقاهرة، أخبرك أبو الفرج بن عبد المنعم بن علي قراءة عليه وأنت تسمع عن أحمد بن محمد بن محمد التيمي؟ فأقرّ به.
أخبرنا الحسن بن أحمد الحداد، أخبرنا أحمد بن عبد الله بن إسحاق الحافظ، حدّثنا أبو بكر الطلحي، حدّثنا أحمد بن عبد الرحيم بن دحيم، حدّثنا عمرو الأودي، حدّثني أبي عن سليمان عن أبي حمزة الثمالي ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ وهو ابن نباتة عن علي ﵁ قال: من أحب أن يكتال بالمكيال فليقل آخر مجلسه أو حين يقوم سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وقد آن أن أثني عنان القلم، وأستغفر الله مما زلّت به القدم، ووقع لي في هذا الشرح من الزلل والخطأ ملتمسًا ممن وقف عليه من الفضلاء أن يسدّ بسداد فضله ما عشر عليه من الخلل، فالمتصدي للتأليف، والمعتني بالتصنيف، ولو بلغ السها في النهى إذا صنف فقد استهدف، ومن
стр. 4743
أنصف أسعف، ولله درّ بعض الأكياس حيث قال: من صنف فقد وضع عقله في طبق وعرضه على الناس، لا سيما من كان مثلي قليل البضاعة في كل علم وصناعة، على أني والله يعلم في أكثر مدة جمعي له في كرب ووجل، مع قلة المعين والناصر، والمنبّه والمذاكر، فإن تصفح
الناظر فيه الغلط فليصفح ولا يكن من أناس بالأغاليط يفرحون وليصلح ما يجده فاسدًا فإن الله تعالى ذم رهطًا قال فيهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون، والله أسأل أن يجعل هذا الشرح وسيلة إلى رضاه والجنة ويحول بيننا وبين النار بأوثق جنة وكما منّ به يتم القبول حسنة تلك المنة.
قال مؤلفه: وقد فرغت من تأليفه وكتابته في يوم السبت سابع عشري ربيع الثاني سنة ست عشرة وتسعمائة حامدًا مُصَلّيًا مسلّمًا ومحوقلاً ومحسبلاً.