← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

داود، وإنها فصل الخطاب الذي أُوتيه، أو: يعرب بن قحطان، أو: كعب بن لؤي، أو: سحبان بن وائل، أو قس بن ساعدة، أو: يعقوب، ﵊ أو غيرهم. (قالت) أسماء: (ولغط نسوة من الأنصار) بفتح اللام والغين المعجمة والمهملة، ويجوز كسر الغين، وهو الأصوات المختلفة والجلبة (فانكفأت) أي: ملت بوجهي ورجعت (إليهنّ لأسكتهنّ، فقلت لعائشة: ما قال) ﷺ ؟ (قالت: قال): (ما من شيء) يصح أن يرى، لأن شيئًا: أعم العام، وقع في نفي، وبعض الأشياء لا تصح رؤيته لأنه قد خصّ، إذ ما من عام إلا وخص، إلا في نحو قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢، النساء: ١٧٦، النور: ٣٥ و ٦٤، الحجرات: ١٦، والتغابن: ١١]. والتخصيص يكون عقليًّا وعرفيًّا، فهنا خصصه العقل بما يصح، أو الحس كما في قوله تعالى: ﴿وأُوتيت من كل شيء﴾ أو العرف بما يليق إبصارها به مما يتعلق بأمر الدين والجزاء ونحو ذلك. نعم، يدخل في العموم أنه رأى الله. و: ما نافية، و: من زائدة لتأكيد النفي، و: شيء اسم ما. والتالي، صفة لشيء، وهو قوله: (لم كن أريته) بهمزة مضمومة قبل الراء (إلا قد) استثناء مفرغ. وكل مفرغ متصل، والتفريغ من الحال. أي: لم أكن أريته كائنًا في حالة من الحالات إلا حال رؤيتي إياه. ولأبي ذر: إلا وقد (رأيته). والرؤية هنا يحتمل أن تكون رؤية عين، بأن كشف الله تعالى له عن ذلك، ولا حاجب يمنع: كرؤيته المسجد الأقصى حتى وصفه لقريش، أو رؤية علم ووحي بإطلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلاً بما لم يكن يعرفه قبل ذلك، (في مقامي هذا، حتى الجنة) مرئية، أو نصب على أن: حتى، عاطفة على الضمير المنصوب في رأيته، أو جرّ على أن: حتى، جارّة (والنار) عطف على الجنة (وإنّه قد أُوحي إليّ) بكسر همزة إن وضمها في: أوحي مبنيًّا لما لم يسم فاعله. (أنكم) بفتح الهمزة (تفتنون) أي تمتحنون (في القبور مثل -أو قريب) بغير ألف ولا تنوين، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي: قريبًا، بالتنوين (من فتنة المسيح الدجال. يؤتى أحدكم) بضم المثناة التحتية وفتح الفوقية من: يؤتى، مبنيًا لما لم يسم فاعله، وهو بيان: لتفتنون، ولذا لم يعطف (فيقال له: ما علمك بهذا الرجل) ﷺ ؟ والخطاب للمفتون، وأفرده بعد أن قال: في قبوركم، بالجمع، لأن السؤال عن العلم يكون لكل أحد، وكذا الجواب: (فأما المؤمن أو قال الموقن) أي المصدق بنبوّته ﵊، (شك هشام) أي ابن عروة (فيقول: هو رسول الله، هو محمد ﷺ ، جاءنا بالبينات) المعجزات (والهدى) الموصل (فآمنا) به (وأجبنا) هـ (واتبعنا) هـ (وصدقنا) هـ (فيقال له: نم) نومًا (صالحًا) أي منتفعًا بأعمالك (قد كنا نعلم أن كنت لتؤمن به). أن مخففة من الثقيلة. أي: أن الشأن كنت، وهي مكسورة، ودخلت اللام في: لتؤمن، للفرق بينها وبين أن النافية، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي، وابن عساكر في نسخة: لمؤمنا به. (وأما المنافق)، المظهر خلاف ما يبطن (أو قال المرتاب) وهو الشاك (شك هشام-) (فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فيقول: لا أدري! سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت) ولأبي ذر عن الكشميهني: فقلته، بضمير النصب. (قال هشام: فلقد قالت لي فاطمة) بنت المنذر (فأوعيته) أي أدخلته وعاء قلبي، ولأبي الوقت: وعيته، بغير همز على الأصل، يقال: وعيت العلم، أي: حفظته، وأوعيت المتاع. وللكشميهني، في اليونينية: وما وعيته (غير أنها ذكرت ما يغلظ عليه). ورواة هذا الحديث ما بين: مروزي وكوفي ومدني، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواية التابعية عن الصحابية، والصحابية عن التابعية. ٩٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِمَالٍ -أَوْ سَبْيٍ- فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالاً وَتَرَكَ رِجَالاً. فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ" فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ. تَابَعَهُ يُونُسُ. [الحديث ٩٢٣ - طرفاه في: ٣١٤٥، ٧٥٣٥]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن معمر) بفتح الميمين وبينهما عين مهملة ساكنة، البصري القيسي، المعروف بالبحراني (قال: حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل (عن جرير بن حازم) بفتح الجيم وبالراءين في الأوّل، والحاء المهملة والزاي في الثاني (قال: سمعت الحسن) البصري (يقول: حدّثنا عمرو بن تغلب) بفتح العين وسكون الميم في الأوّل، وبفتح المثناة الفوقية ثم غين معجمة ساكنة غلام مكسورة فموحدة، غير مصروف، العبدي التميمي البصري، ﵁،

стр. 702

(أن رسول الله ﷺ أُتي بمال) بضم الهمزة (أو سبي) بسين مهملة مع حذف الموحدة في أوّله، وللكشميهني: بسبي، بإثباتها، ولأبي الوقت: شيء، بشين معجمة آخره همزة مع حذف الموحدة، ولأبي ذر وابن عساكر، عن الحموي والمستملي: بشيء، بالموحدة والمعجمة والهمزة (فقسمه) ﵊ (فأعطى رجالاً، وترك رجالاً، فبلغه أن الذين ترك) رسول الله ﷺ (عتبوا) على ترك (فحمد الله) النبي ﷺ لما بلغه ذلك (ثم أثنى) ولأبي ذر في نسخة: وأثنى (عليه) تعالى بما هو أهله (ثم قال): (أما بعد) أي: بعد حمد الله والثناء عليه. (فوالله إني لأعطي) بلام بعدها همزة مضمومة ثم عين ساكنة ثم طاء مكسورة، بلفظ المتكلم، لا بلفظ المجهول من الماضي، ولابن عساكر: إني أعطي (الرجل، وأدع الرجل) الآخر فلا أعطيه، (والذي أدع أحبّ إليّ من الذي أعطي)، عائد الموصول محذوف، (ولكن)، ولأبي الوقت، والأصيلي، وابن عساكر، وأبي ذر، عن الكشميهني: ولكني (أعطي أقوامًا لما أرى) من نظر القلب، لا من نظر العين، (في قلوبهم من الجزع)، بالتحريك، ضدّ: الصبر (والهلع) بالتحريك أيضًا: أفحش الفزع (وأكِل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى) النفسي (والخير) الجبلي الداعي إلى الصبر والتعفّف عن المسألة والشره (فيهم: عمرو بن تغلب). قال عمرو: (فوالله، ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ ¬)، الباء في: بكلمة، للبدل، وتسمى: باء المقابلة. أي: ما أحب أن لي بدل كلمته ﵊ (حمر النعم) بضم الحاء المهملة وتسكين الميم، وكيف لا ﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧]. ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه التحديث والعنعنة والسماع والقول، وهو من أفراده، وأخرجه أيضًا في الخمس، وفي: التوحيد. ووقع في بعض الأصول هنا زيادة ساقطة في رواية أبوي ذر والوقت، والأصيلي وابن عساكر، وهي: (تابعه يونس) أي ابن عبيد بن دينار العبدي البصري، فيما وصله أبو نعيم، في مسند يونس بن عبيد له، بإسناده عن الحسن، عن عمرو بن تغلب. ٩٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ. فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَىَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا». تَابَعَهُ يُونُسُ. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة (قال: حدّثنا الليث) بن سعد (عن عقيل) بضم العين، هو ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أن عائشة) رضي الله تعالى عنها (أخبرته أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة) ولأبي ذر وابن عساكر: خرج ليلة، فأسقط لفظ ذات (من جوف الليل، فصلّى في المسجد، فصلّى رجال بصلاته) مقتدين بها. (فأصبح الناس) أي دخلوا في الصباح فأصبح تامة غير محتاجة لخبر (فتحدثوا) بذلك، ولأحمد من رواية ابن جريج عن ابن شهاب: فلما أصبح تحدثوا أن النبي ﷺ صلّى في المسجد من جوف الليل، (فاجتمع) في الليلة الثانية (أكثر منهم) برفع أكثر فاعل اجتمع وقول الكرماني بالنصب، وفاعل اجتمع ضمير الناس، تعقبه البرماوى بأن ضمير الجمع يجب بروزه، (فصلوا معه) ﵊. (فأصبح الناس فتحدثوا) بذلك (فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ ¬) إليهم وصلّى (فصلوا بصلاته) مقتدين بها (فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله) فلم يأتهم، (حتى خرج) ﵊ (لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس) بوجهه الكريم، (فتشهد) في صدر الخطبة (ثم قال): (أما بعد فإنه لم يخف عليّ مكأنكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم) صلاة الليل (فتعجزوا عنها) بجيم مكسورة مضارع عجز بفتحها، أي فتتركوها مع القدرة. وليس المراد العجز الكلي، فإنه يسقط التكليف من أصله. وزاد ابن عساكر هنا: قال أبو عبد الله، أي البخاري: (تابعه) أي عقيلاً (يونس) بن يزيد الأيلي، فرواه عن ابن شهاب مما وصله مسلم. ٩٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: "أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ". تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ". تَابَعَهُ الْعَدَنِيُّ عَنْ سُفْيَانَ فِي "أَمَّا بَعْدُ". [الحديث ٩٢٥ - أطرافه في: ١٥٠٠، ٢٥٩٧، ٦٦٣٦، ٦٩٧٩، ٧١٧٤، ٧١٩٧]. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان)، الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (عن أبي حميد) عبد الرحمن (الساعدي أنه أخبره أن رسول الله

стр. 703

ﷺ ، قام عشية بعد الصلاة، فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال): (أما بعد) … كذا ساقه هنا مختصرًا، وفي الإيمان والنذور مطوّلاً، وفيه قصة ابن اللتبية لما استعمله ﵊ على الصدقة، فقال: هذا لي، وهذا لكم. فقام ﵊ على المنبر، فقال: "أما بعد … " إلخ. وأخرجه مسلم في المغازي، وأبو داود في الخراج. (تابعه) أي: الزهري (أبو معاوية) محمد بن خازم، بالخاء والزاي المعجمة، الضرير الكوفي، مما وصله مسلم في المغازي، (وأبو أسامة) حماد بن أسامة، مما وصله مسلم أيضًا، والمؤلّف باختصار في الزكاة، (عن هشام) هو ابن عروة (عن أبيه) عروة، (عن أبي حميد) ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي زيادة: الساعدي (عن النبي ﷺ ، قال): (أما بعد). (تابعه العدني) محمد بن يحيى (عن سفيان) بن عيينة (في) قوله: (أما بعد). فقط، لا في تمام الحديث. وسقط: في أما بعد، عند أبي ذر والأصيلي. ٩٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: "قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ". تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ. [الحديث ٩٢٦ - أطرافه في: ٣١١٠، ٣٧١٤، ٣٧٢٩، ٣٧٦٧، ٥٢٣٠، ٥٢٧٨]. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: حدّثني) بالإفراد (علي بن حسين) بضم الحاء، ولأبي ذر: ابن الحسين، أي: ابن علي بن أبي طالب، الملقب: بزين العابدين، المتوفى سنة أربع وتسعين، (عن المسور بن مخرمة) بكسر الميم ثم مهملة في الأول، وفتحها ثم معجمة ساكنة فراء مفتوحة في الثاني، (قال: قام رسول الله ﷺ ، فسمعته حين تشهد يقول): (أما بعد) … هو طرف من حديث المسور، في قصة خطبة علي بن أبي طالب بنت أبي جهل، الآتي إن شاء الله تعالى؛ في: المناقب، مع مباحثه. (تابعه الزبيدي) بضم الزاي مصغرًا، محمد بن الوليد (عن) ابن شهاب (الزهري)، فيما وصله الطبراني في مسند الشاميين. ٩٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِلَىَّ. فَثَابُوا إِلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ هَذَا الْحَىَّ مِنَ الأَنْصَارِ يَقِلُّونَ وَيَكْثُرُ النَّاسُ. فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئهِمْ". [الحديث ٩٢٧ - طرفاه في: ٣٦٢٨، ٣٨٠٠]. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبان) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة وبعد الألف نون، الوراق الأزدي الكوفي (قال: حدّثنا ابن الغسيل) بفتح المعجمة، عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة، غسيل الملائكة، لما استشهد بأحد جنبًا، (قال: حدّثنا عكرمة) مولى ابن عباس، (عن ابن عباس ﵄ قال): (صعد النبي ﷺ المنبر، وكان) ذلك (آخر مجلس جلسه، متعطفًا) مرتديًا (ملحفة) بكسر الميم وسكون اللام وفتح الحاء، إزارًا كبيرًا (على منكبيه) بفتح الميم وكسر الكاف مع التثنية، وللأصيلي، وأبوي ذر والوقت: منكبه بالإفراد، (قد عصب رأسه) بتخفيف الصاد، أي: ربطها (بعصابة) أي: بعمامة (دسمة) بفتح أوله وكسر السين المهملة، سوداء أو كلون الدسم، كالزيت من غير أن يخالطها دسم، أو متغيرة اللون من الطيب والغالية، (فحمد الله) تعالى (وأثنى عليه، ثم قال): (أيها الناس)، تقربوا (إلي) (فثابوا) بالمثلثة بعد الفاء وبموحدة بعد الألف، أي اجتمعوا (إليه، ثم قال): (أما بعد، فإن هذا الحي من الأنصار) الذين نصروه ﵊ من أهل المدينة (يقلون) بفتح أوله وكسر ثانيه (ويكثر الناس) هو من إخباره ﵊ بالمغيبات، فإن الأنصار قلّوا، وكثر الناس كما قال: (فمن ولي شيئًا من أمة محمد ﷺ فاستطاع أن يضرَّ فيه) أي: في الذي وليه (أحدًا أو ينفع فيه أحدًا فليقبل من محسنهم) الحسنة (ويتجاوز) بالجزم، عطفًا على السابق. أي: يعف (عن مسيئهم) أي: السيئة، أي: في غير الحدود. ومسيئهم بالهمز، وقد تبدل ياء مشددة. وشيخ المؤلّف من أفراده، وهو كوفي، وبقية الرواة مدنيون، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في: علامات النبوة، وفضائل الأنصار. ٣٠ - باب الْقَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا". (باب) حكم (القعدة) الكائنة (بين الخطبتين يوم الجمعة). وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدثنا بشر بن المفضل) الرقاشي البصري (قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر) بضم العين فيهما، وسقط في غير رواية الأصيلي وأبي ذر: ابن عمر، (عن نافع، عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب، ﵄، وسقط لغير الأصيلي وأبي ذر، وابن عساكر: ابن عمر ﵄، (قال: كان النبي ﷺ يخطب خطبتين يقعد بينهما). استدلّ به الشافعية على

стр. 704

وجوب الجلوس بين الخطبتين لمواظبته ﵊ على ذلك، مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وتعقبه ابن دقيق العيد بأن ذلك يتوقف على ثبوت أن إقامة الخطبتين داخلة تحت كيفية الصلاة، وإلا فهو استدلال بمجرد الفعل. انتهى. فهو أصل لا يتناول الخطبة، لأنها ليست بصلاة حقيقة. وعورض أيضًا الاستدلال للوجوب بمواظبته عليه، بأنه ﵊ قد واظب على الجلوس قبل الخطبة الأولى، فإن كانت مواظبته دليلاً على شرطية الجلسة بينهما، فلتكن دليلاً على شرطية الجلسة الأولى. وأجيب: بأن كل الروايات عن ابن عمر ليس فيها هذه الجلسة الأولى. وهي من رواية عبد الله بن عمر المضعف، فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف التي بين الخطبتين. ولم يشترط الحنفية والمالكية والحنابلة هذه القعدة، إنما قالوا بسنيتها للفصل بين الخطبتين. نعم، نقل الحافظ العراقي في شرح الترمذي اشتراطها عن مشهور مذهب أحمد، وقال المازري، من المالكية: يشترط القيام لهما والجلوس بينهما. وقال القاضي أبو بكر: القيام والجلوس واجبان، وهو يرد على الطحاوي حيث زعم أن الشافعي تفرّد بالاشتراط. لكن الذي شهره الشيخ خليل السنيّة، وكذا مشهر مذهب الحنابلة علاي الدين المرداوي في تنقيح المقنع، والله أعلم. ويستحب أن يكون جلوسه بينهما قدر سورة الإخلاص تقريبًا، لاتباع السلف والخلف، وأن يقرأ فيه شيئًا من كتاب الله للاتباع، رواه ابن حبّان. ٣١ - باب الاِسْتِمَاعِ إِلَى الْخُطْبَةِ (باب الاستماع) أي، الإصغاء (إلى الخطبة) يوم الجمعة. ٩٢٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ. وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً. فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». [الحديث ٩٢٩ - طرفه في: ٣٢١١]. وبالسند، قال: (حدّثنا آدم) بن أبي أياس (قال: حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن) ابن شهاب (الزهري، عن أبي عبد الله) سلمان الجهني، مولاهم، (الأغرّ) لقبًا، الأصبهاني أصلاً، المدني (عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال النبي ﷺ ¬): (إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأوّل فالأوّل) قال في المصابيح: نصب على الحال، وجاءت معرفة وهو قليل (ومثل المهجر) بضم الميم وتشديد الجيم المكسورة أي، وصفة المبكر، أو المراد: الذي يأتي في الهاجرة، فيكون دليلاً للمالكية، وسبق البحث فيه، (كمثل الذي يهدي) بضم أوله وكسر ثالثه أي: يقرّب، وللأصيلي: كالذي يهدي (بدنة) من الإبل، خبر عن قوله مثل الهجر، والكاف لتشبيه صفة بصفة أخرى (ثم) الثاني (كالذي يهدي بقرة، ثم) الثالث كالذي يهدي (كبشًا، ثم) الرابع كالذي يهدي (دجاجة، ثم) الخامس كالذي يهدي (بيضة). إنما قدرنا بالثاني لأنه كما قال في المصابيح: لا يصح العطف على الخبر لئلا يقعا معًا خبرًا عن واحد، وهو مستحيل، وحينئذ فهو خبر مبتدأ محذوف مقدّر بما مر، وكذا قوله: ثم كبشًا، لا يكون معطوفًا على بقرة، لأن المعنى يأباه، بل هو معمول فعل محذوف دلّ عليه التقدم، والتقدير كما مر، ثم الثالث: كالذي يهدي كبشًا، وكذا ما بعده. (فإذا خرج الإمام طوَوْا) أي الملائكة، (صحفهم) التي كتبوا فيها درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة، (ويستمعون الذكر) أي الخطبة. وأتى بصيغة المضارع لاستحضار صورة الحال اعتناءً بهذه المرتبة، وحملاً على الاقتداء بالملائكة. وهذا موضع الاستشهاد على الترجمة. قال التيمي: في استماع الملائكة حضّ على استماعها والإنصات إليها. وقد ذكر كثير من المفسرين أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ورد في الخطبة، وسميت قرآنًا لاشتمالها عليه، والإنصات: السكوت، والاستماع: شغل السمع بالسماع، فبينهما عموم وخصوص من وجه. واختلف العلماء في هذه المسألة، فعند الشافعية، يكره الكلام حال الخطبة من ابتدائها لظاهر الآية، وحديث مسلم عن أبي هريرة: "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت". ولا يحرم، للأحاديث الدالّة على ذلك، كحديث أنس المروي في في الصحيحين: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، قام أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادعُ الله لنا، فرفع يديه ودعا. وحديث أنس أيضًا، المروي بسند صحيح عند البيهقي: أن رجلاً دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال: متى الساعة؟ فأومأ

стр. 705

الناس إليه بالسكوت فلم يقبل، وأعاد الكلام، فقال له النبي ﷺ ، في الثالثة: "ما أعددت لها"؟ قال: حبّ الله وحب رسوله. قال: "إنك مع مَن أحببت". وجه الدلالة منه أنه لم ينكر عليه الكلام، ولم يبين له وجه السكوت. والأمر في الآية للندب، ومعنى: لغوت، تركت الأدب، جمعًا بين الأدلة. وقال أبو حنيفة: وخروج الإمام قاطع للصلاة والكلام، وأجاز صاحباه إلى كلام الإمام له، قوله ﵊: "إذا خرج الإمام لا صلاة ولا كلام". ولهما، قوله ﵊: "خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام". وقال المالكية والحنابلة أيضًا بالمنع، لحديث: إذا قلت لصاحبك أنصت. وأجابوا عن حديث أنس السابق، وما في معناه، بأنه غير محل النزاع، لأن محل النزاع الإنصات والإمام يخطب، وأما سؤال الإمام وجوابه فهو قاطع لكلامه، فيخرج عن ذلك. وقد بنى بعضهم القولين على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين، وبه صرّح الحنابلة، وعزوه لنص إمامهم، أو هي صلاة على خيالها، لقول عمر ﵁: الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم ﷺ ، وقد خاب من افترى. رواه الإمام أحمد وغيره، وهو: حديث حسن كما قاله في المجموع. فعلى الأول يحرم لا على الثاني. ومن ثم، أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام ولو كان به صمم، أو بعد عن الإمام بحيث لا يسمع. قال المالكية: يحرم عليه أيضًا لعموم وجوب الإنصات، ولما روي عن عثمان، ﵁، من كان قريبًا استمع وأنصت، ومن كان بعيدًا افترى. وقال الحنفية، الأحوط السكوت. وأما الكلام قبل الخطبة وبعدها، وفي جلوسه بينهما، وللداخل في أثنائها ما لم يجلس، فعند الشافعية والحنابلة وأبي يوسف: يجوز من غير كراهة. وقال المالكية: يحرم في جلوسه بينهما، لا في جلوسه قبل الشروع فيها، ولو سلم داخل على مستمع الخطبة وجب الرد عليه، بناء على أن الإنصات سُنّة، كما سبق. وصرّح في المجموع وغيره مع ذلك بكراهة السلام، ونقلها عن النص وغيره. لكن إذا قلنا: لا يشرع السلام فكيف يجب الرد؟ وفي المدوّنة: لا يسلم الداخل، وإن سلم فلا يردّ عليه لأنه سكوت واجب، فلا يقطع بسلام ولا رده كالسكوت في الصلاة، وكذا قال الحنفية. ٣٢ - باب إِذَا رَأَى الإِمَامُ رَجُلاً جَاءَ وَهْوَ يَخْطُبُ أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ هذا (باب) بالتنوين (إذا رأى الإمام رجلاً جاء) في محل نصب صفة، لرجلاً، (وهو يخطب) جملة اسمية حالية وجواب، إذا، (أمره أن يصلّي) أي بأن يصلّي، وأن مصدرية، أي أمره بصلاة (ركعتين). ٩٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ لَا. قَالَ: قُمْ فَارْكَعْ". [الحديث ٩٣٠ - طرفاه في: ٩٣١، ١١٦٦]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي (قال: حدّثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله) الأنصاري، وسقط في رواية ابن عساكر: ابن عبد الله، (قال: جاء رجل) هو: سليك، بضم السين المهملة وفتح اللام وسكون المثناة التحتية وبالكاف الغطفاني، بفتحات (والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة) سقط لفظ الناس، عند أبي ذر، وثبت عنده: لأبي الهيثم، في نسخة، وزاد مسلم، عن الليث، عن أبي الزبير عن جابر، فقعد سليك قبل أن يصلّي (فقال) له ﵊. (أصليت) بهمزة الاستفهام، ولأبي ذر والأصيلي، وابن عساكر. فقال: صليت (يا فلان)؟ (قال) ولأبي ذر فقال: (لا. قال): (قم فاركع). زاد المستملي والأصيلي ركعتين. وزاد في رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر عند مسلم، وتجوز فيهما. ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما". واستدلّ به الشافعية والحنابلة على أن الداخل للمسجد والخطيب يخطب على المنبر، يندب له صلاة تحية المسجد، لا في آخر الخطبة، ويخففها وجوبًا ليسمع الخطبة. قال الزركشي: والمراد بالتخفيف، فيما ذكر، الاقتصار على الواجبات، لا الإسراع. قال: ويدل له ما ذكروه من أنه إذا ضاق الوقت، وأراد الوضوء اقتصر على الواجبات. اهـ. ومنع منهما المالكية والحنفية لحديث ابن ماجة أنه ﵊ قال للذي دخل المسجد يتخطى رقاب الناس: "أجلس فقد آذيت". وأجابوا عن قصة سليك: بأنها واقعة عين لا عموم لها، فتختص بسليك؛ ويؤيد ذلك حديث أبي سعيد، المروي في السنن، أنه ﵊ قال له: "صل ركعتين". وحض على

стр. 706

الصدقة، الحديث، فأمره أن يصلّي ليراه بعض الناس وهو قائم، فيتصدق عليه. ولأحمد: إن هذا الرجل دخل المسجد، في هيئة بزة، فأمرته أن يصلّي ركعتين، وأنا أرجو أن يتفطن له رجل فيتصدق عليه، وبأن تحية المسجد تفوت بالجلوس. وأجيب، بأن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بقصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية. وقد ورد ما يدل لعدم الانحصار في قصد التصدّق، وهو أنه ﵊ أمره بالصلاة في الجمعة الثانية بعد أن حصل له في الأولى ثوبين، فدخل في الثاني، فتصدّق بأحدهما، فنهاه ﵊ عن ذلك، بل عند أحمد وابن حبان أنه كرّر أمره بالصلاة ثلاث جمع، وبأن التحية لا تفوت بالجلوس في حق الجاهل أو الناسي، فحال هذا الرجل الداخل محمولة في الأولى على أحدهما، وفي الأخرى على النسيان. وبأن قوله للذي يتخطى رقاب الناس. "أجلس" أي: لا تتخطّ. أو ترك أمره بالتحية لبيان الجواز، فإنها ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع في آخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحية، أو كان قد صلّى التحية في مؤخر المسجد، ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة، فوقع منه التخطّي، فأنكر عليه. ٣٣ - باب مَنْ جَاءَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (باب مَن جاء والإمام يخطب) جملة حالية، و: مَنْ. في موضع رفع مبتدأ، وخبره قوله: (صلى ركعتين خفيفتين). ٩٣١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: "دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: أَصَلَّيْتَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ". وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو: ابن دينار، أنه (سمع جابرًا) هو ابن عبد الله الأنصاري (قال دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال) له: (أصليت)؟ بهمزة الاستفهام ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر، عن الحموي والكشميهني، فقال: صليت؟ (قال: لا. قال): (فصلِّ). ولأبي ذر: ثم فصلِّ (ركعتين). مطابقته للترجمة ظاهرة، لكن ليس فيه التقييد بكونهما خفيفتين. نعم، جرى البخاري على عادته في الإشارة إلى بعض طرق الحديث فقد أخرجه في السُّنن من طريق أبي قرة، عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، بلفظ: "قم فاركع ركعتين خفيفتين". وعند مسلف "فيتجوّز فيهما"، كما مر. تنبيه: لو جاء في آخر الخطبة فلا يصلّي لئلا يفوته أوّل الجمعة مع الإمام. قال في المجموع: وهذا محمول على تفصيل ذكره المحققون من أنه إن غلب على ظنه أنه إن صلاها فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام، لم يصلِّ التحية، بل يقف حتى تُقام الصلاة، ولا يقعد لئلا يكون جالسًا في المسجد قبل التحية. قال ابن الرفعة: ولو صلاّها في هذه الحالة استحب للإمام أن يزيد في كلام الخطبة بقدر ما يكملها، فإن لم يفعل الإمام ذلك، قال في الأم: كرهته له، فإن صلاها وقد أقيمت الصلاة، كرهت ذلك له. اهـ. ٣٤ - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْخُطْبَةِ. (باب رفع اليدين في الخطبة). ٩٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ يُونُسَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا". [الحديث ٩٣٢ - أطرافه في: ٩٣٣، ١٠١٣، ١٠١٤، ١٠١٥، ١٠١٦، ١٠١٧، ١٠١٨، ١٠١٩، ١٠٢١، ١٠٢٩، ١٠٣٣، ٣٥٨٢، ٦٠٩٣، ٦٣٤٢]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد (قال: حدّثنا حماد بن زيد) بن درهم البصري (عن عبد العزيز) ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي زيادة: ابن صهيب (عن أنس، وعن يونس) بن عبيد، عطف على الإسناد المذكور، أي: وحدّثنا مسدّد أيضًا عن حماد بن زيد، عن يونس، وقد أخرجه أبو داود عن مسدّد أيضًا بالإسنادين معًا (عن ثابت، عن أنس) هو ابن مالك، (قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة) ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، يوم جمعة (إذ قام رجل، فقال: يا رسول الله! هلك الكراع) بضم الكاف اسم لما يجمع من الخيل، (وهلك الشاء) بالواو في أوّله، أي: الغنم، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر، هلك الشاء (فادع الله) لنا (أن يسقينا). (فمدَّ) ﵊ (يديه) بالتثنية، ولأبي ذر، فمدّ يده (ودعا) في الحديث الذي بعده، فرفع يديه، وهو موافق للترجمة، والظاهر أنه أراد أن يبين أن المراد بالرفع هنا المدّ، لا كالرفع الذي في الصلاة. ٣٥ - باب الاِسْتِسْقَاءِ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (باب الاستسقاء) وهو طلب السقيا، بضم السين، أي: المطر (في الخطبة يوم الجمعة). ٩٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ -وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً- فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ﷺ . فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الْغَدِ، وَبَعْدَ الْغَدِ، وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى. وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ -أَوْ قَالَ غَيْرُهُ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا. فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلاَّ انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ. وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ". وبالسند قال (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر الحزامي، بالزاي، الأسدي (قال: حدّثنا أبو الوليد) ولأبي ذر، والأصيلي، الوليد بن مسلم، أي، القرشي الدمشقي (قال: حدّثنا أبو عمرو) بفتح العين، عبد الرحمن، ولأبي ذر، والأصيلي: أبو عمرو الأوزاعي، نسبة إلى الأوزاع، قبائل شتى، أو بطن من ذي الكلاع من اليمن، أو الأوزاع

стр. 707

قرية بدمشق (قال: حدّثني) بالإفراد (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (عن أنس بن مالك) ﵁ (قال: أصابت الناس سنة) بفتح السين المهملة، أي: شدة وجهد من الجدوبة، (على عهد النبي) أي: زمنه، ولابن عساكر: على عهد رسول الله (¬ ﷺ ، فبينما النبي- ﷺ يخطب في يوم جمعة، قام أعرابي) من سكان البادية، لا يعرف اسمه (فقال: يا رسول الله! هلك المال) الحيوانات، لفقد ما ترعاه (وجاع العيال) لعدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر (فادع الله لنا) أن يسقينا. (فرفع) ﵊ (يديه -وما نرى في السماء قزعة-) بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحات، قطعة من سحاب، أو رقيقه الذي إذا مرّ تحت السحاب الكثيرة كان كأنه ظل. قال أنس: (فوالذي نفسي بيده، ما وضعها) أي: يده، ولأبي ذر، والأصيلي، عن الكشميهني: ما وضعهما، أي: يديه (حتى ثار السحاب) بالمثلثة، أي: هاج وانتشر (أمثال الجبال) من كثرته، (ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر) ينحدر، أي: ينزل ويقطر (على لحيته) الشريفة (¬ ﷺ . فمطرنا) بضم الميم وكسر الطاء، أي: حصل لنا المطر (يومنا) نصب على الظرفية، أي: في يومنا (ذلك، ومن الغد) حرف الجر إما بمعنى في، أو للتبعيض، (وبعد الغد) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: ومن بعد الغد (والذي يليه، حتى الجمعة الأخرى) بالجر في الفرع وأصله، على أن حتى: جارة، ويجوز النصب، عطفًا على سابقه المنصوب، والرفع، على أن مدخولها مبتدأ خبره محذوف. (وقام) بالواو، ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر: فقام (ذلك الأعرابي -أو قال) قام (غيره- فقال: يا رسول الله! تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا). (فرفع) ﵊ (يده فقال): (اللهمَّ) ولأبي ذر، وابن عساكر: فرفع يديه: اللهم (حوالينا) بفتح اللام أي: أنزل أو أمطر حوالينا (ولا) تنزله (علينا) أراد به الأبنية. (فما يشير) ﵊ (بيده) الشريفة (إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت) إلا انكشفت، أو تدوّرت كما يدوّر جيب القميص. (وصارت المدينة مثل الجوبة) بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الموحدة، الفرجة المستديرة في السحاب أي: خرجنا والغيم والسحاب محيطان بأكناف المدينة. (وسال الوادي قناة) بقاف مفتوحة فنون مخففة فألف فهاء تأنيث، مرفوع على البدل، من الوادي غير منصرف للتأنيث والعلمية، إذ هو اسم لوادٍ معين من أودية المدينة، أي: جرى فيه المطر (شهرًا. ولم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود) بفتح الجيم، أي: بالمطر الغزير. ورواة الحديث ما بين: مدني ودمشقي، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وشيخه من أفراده، وأخرجه أيضًا في الاستسقاء والاستئذان، ومسلم والنسائي في الصلاة. ٣٦ - باب الإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ وَإِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا. وَقَالَ سَلْمَانُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ. (باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب). (وإذا قال) الرجل (لصاحبه) إذا سمعه يتكلم (أنصت) أمر من أنصت ينصت إنصاتًا، أي: اسكت (فقد لغا). قال: اللغو، وهو الكلام الذي لا أصل له، من الأباطيل أو غير ذلك، مما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقوله: إذا قال … إلخ، من بقية الترجمة، وهو لفظ حديث الباب في بعض طرقه عند النسائي. (وقال سلمان) مما وصله مطوّلاً في باب الدهن للجمعة، فيما سبق (عن النبي ﷺ : ينصت) بضم أوّله على الأفصح، مضارع: أنصت، للأصيلي: وينصت، بالواو، أي: يسكت (إذا تكلم الامام). ٩٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ -وَالإِمَامُ يَخْطُبُ- فَقَدْ لَغَوْتَ». وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة (قال: حدّثنا الليث) بن سعد (عن عقيل) بضم العين، هو ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة) ﵁ (أخبره أن رسول الله ﷺ قال): (إذا قلت لصاحبك) الذي تخاطبه إذا ذاك، أو جليسك (يوم الجمعة أنصت -والإمام يخطب-) جملة حالية مُشعِرة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة: خلافًا لمن قال بخروج الإمام، كما مر. نعم، الأحسن الإنصات كما مر. (فقد لغوت).

стр. 708

أي تركت الأدب جميعًا بين الأدلة، أو صارت جمعتك ظهرًا لحديث عبد الله بن عمرو، مرفوعًا، "ومن تخطى رقاب الناس كانت له ظهرا"، رواه أبو داود، وابن خزيمة. ولأحمد من حديث علّي مرفوعًا: "ومن قال: صه! فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له". والنفي للكمال، وإلا فالإجماع على سقوط فرض الوقت عنه، وزاد أحمد من رواية الأعرج، عن أبي هريرة، في آخر حديث الباب بعد قوله: "فقد لغوت" "عليك بنفسك". واستدلّ به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور. نعم، لغير السامع عند الشافعية أن يشتغل بالتلاوة والذكر، وكلام المجموع يقتضي أن الاشتغال بهما أولى، وهو ظاهر خلافًا لمن منع، كما مر، ولو عرض مهم ناجز: كتعليم خير، ونهي عن منكر، وتحذير إنسان عقربًا، أو أعمى بئرًا، لم يمنع من الكلام، بل قد يجب عليه. لكن يستحب أن يقتصر على الإشارة إن أغنت. نعم، منع المالكية نهي اللاغي بالكلام، أو رميه بالحصى: أو الإشارة إليه بما يفهم النهي حسمًا للمادة، وقد استثني من الإنصات ما إذا انتهى الخطيب إلى كل ما لم يشرع في الخطبة، كالدعاء للسلطان مثلاً. وبقية مباحث ذلك سبقت قريبًا في باب: الاستماع إلى الخطبة. ٣٧ - باب السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ (باب الساعة التي) يستجاب فيها الدعاء (في يوم الجمعة). ٩٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. [الحديث ٩٣٥ - طرفاه ٥٢٩٤، ٦٤٠٠]. وبالسند قال. (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله، ﷺ ، ذكر يوم الجمعة فقال): (فيه ساعة) أبهمها هنا كليلة القدر، والاسم الأعظم، والرجل الصالح، حتى تتوفر الدواعي على مراقبة ذلك اليوم. وقد روي: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها"، ويوم الجمعة من جملة تلك الأيام، فينبغي أن يكون العبد في جميع نهاره متعرضًا لها بإحضار القلب، وملازمة الذكر والدعاء، والنزوع عن وساوس الدنيا، فعساه يحظى بشيء من تلك النفحات. وهل هذه الساعة باقية أو رفعت؟ وإذا قلنا بأنها باقية، وهو الصحيح، فهل هي في جمعة واحدة من السنة؟ أو في كل جمعة منها؟ قال بالأول كعب الأحبار لأبي هريرة، وردّه عليه فرجع لما راجع التوراة إليه. والجمهور على وجودها في كل جمعة. ووقع تعيينها في أحاديث كثيرة: أرجحها حديث مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، مرفوعًا: "أنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة". رواه مسلم وأبو داود. وقول عبد الله بن سلام، المروي عند مالك، وأبي داود والترمذي والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، من حديث أبي هريرة أنه قال لعبد الله بن سلام: أخبرني ولا تضنّ. فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. قال أبو هريرة: فقلت: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلّي … " وتلك الساعة لا يصلّى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : "من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلّي … " الحديث. واختلف أيّ الحديثين أرجح؟ فرجح مسلم، فيما ذكره البيهقي، حديث أبي موسى، وبه قال جماعة منهم ابن العربي، والقرطبي، وقال: هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره، وجزم في الروضة بأنه الصواب. ورجحه بعضهم أيضًا بكونه مرفوعًا صريحًا، وبأنه في أحد الصحيحين. وتعقب بأن الرجيح بما فيهما، أو في أحدهما، إنما هو حيث لم يكن مما انتقده الحفاظ، وهذا قد انتقد لأنه أعلّ بالانقطاع والاضطراب، لأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد، عن حماد بن خالد، عن مخرمة نفسه. وقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قرة، وغيرهم عن أبي بردة من قوله، وهؤلاء من الكوفة، وأبو بردة منها أيضًا، فهو أعلم بحديثه من بكير المدني، وهم عدد وهو واحد. ورجح آخرون: كأحمد وإسحاق، قول ابن سلام، واختاره ابن الزملكاني، وحكاه عن نص الشافعي ميلاً إلى: أن هذه رحمة من الله تعالى للقائمين بحق هذا اليوم، فأوان إرسالها عند الفراغ من تمام العمل. وقيل في تعيينها غير ذلك مما يبلغ نحو الأربعين، أضربت

стр. 709

عنها خوف الإطالة، لا سيما وليست كلها متغايرة، بل كثير منها يمكن اتحاده مع غيره. وما عدا القولين المذكورين موافق لهما. أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف. وحقيقة الساعة المذكورة: جزء من الزمان مخصوص، وتطلق على جزء من اثني عشر من مجموع النهار، أو على جزء مقدّر من الزمان فلا يتحقق، أو على الوقت الحاضر. ووقع في حديث جابر، المروي عند أبي داود وغيره مرفوعًا بإسناد حسن، ما يدل للأوّل، ولفظه: "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فيه ساعة … إلخ". (لا يوافقها) أي لا يصادفها (عبد مسلم) قصدها أو اتفق له وقوع الدعاء فيها (وهو قائم) جملة اسمية حالية، (يصلّي) جملة فعلية حالية. والجملة الأولى خرجت مخرج الغالب، لأن الغالب في المصلي أن يكون قائمًا، فلا يعمل بمفهومها. وهو أنه لم يكن قائمًا لا يكون له هذا الحكم: أو المراد بالصلاة: انتظارها، أو الدعاء. وبالقيام: الملازمة والمواظبة، لا حقيقة القيام، لأن منتظر الصلاة في حكم الصلاة، كما مر من قول عبد الله بن سلام لأبي هريرة، جمعًا بينه وبين قوله: إنها من العصر إلى الغروب. ومن ثم، سقط عند أبي مصعب وابن أبي أويس، ومطرف، والتنيسي وقتيبة قوله: قائم يصلّي (يسأل الله تعالى) فها (شيئًا) مما يليق أن يدعو به المسلم، ويسأل فيه ربه تعالى. ولمسلم من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة، كالمصنف في الطلاق من رواية ابن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: "يسأل الله خيرًا". ولابن ماجة. من حديث أبي أمامة: "ما لم يسأل حرامًا". ولأحمد من حديث سعد بن عبادة: "ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم". وقطيعة رحم من جملة الإثم، فهو من عطف الخاص على العام للاهتمام به. (إلاّ أعطاه إياه) (وأشار) في رواية أبي مصعب عن مالك: وأشار رسول الله ﷺ (بيده) الشريفة حال كونه (يقللها) من التقليل، خلاف الكثير. وللمصنف من رواية سلمة بن علقمة المذكورة: ووضع أنملته على بطن الوسطى، أو الخنصر، قلنا: يزهدها. وبيّن أبو مسلم الكجي أن الذي وضع هو: بشر بن الفضل، راوية عن سلمة بن علقمة، وكأنه فسر الإشارة بذلك: وأنها ساعة لطيفة، تنتقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره، وبهذا يحصل الجمع بينه وبين قوله: يزهدها، أي: يقللها. ولمسلم: وهي ساعة خفيفة. فإن قلت: قد سبق حديث "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فيه ساعة … إلخ "، ومقتضاه أنها غير خفيفة. أجيب: بأنه ليس المراد أنها مستغرقة للوقت المذكور، بل المراد أنها لا تخرج عنه، لأنها لحظة خفيفة، كما مر. وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه، فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلاً، وانتهاؤها وانتهاء الصلاة. واستشكل حصول الإجابة لكل داع بشرطه، مع اختلاف الزمان باختلاف البلاد والمصلي، فيتقدم بعض على بعض، وساعة الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف يتفق مع الاختلاف؟ وأجيب: باحتمال أن تكون ساعة الإجابة متعلقة بفعل كل مصلٍّ، كما قيل نظيره في ساعة الكراهة. ولعل هذه فائدة جعل الوقت الممتد مظنة لها، وإن كانت هي خفيفة. قاله في فتح الباري. وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي في الجمعة. ٣٨ - باب إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَصَلَاةُ الإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ (باب) بالتنوين (إذا نفر الناس عن الإمام) أي: خرجوا عن مجلسه، وذهبوا (في صلاة الجمعة، فصلاة الإمام و) صلاة (من بقي) معه (جائزة) بالرفع، خبر المبتدأ الذي هو: فصلاة الإمام، وللأصيلي: تامّة. وظاهر الترجمة أنه يشترط استدامة من تنعقد بهم الجمعة من ابتدائها إلى انتهائها، بل يشترط بقاء بقية ما منهم، ولم يذكر المؤلّف ﵀ حديثًا يستدل به على عدد مَن تنعقد بهم الجمعة، لأنه لم يجد فيه شيئًا على شرطه. ومذهب الشافعية والحنابلة اشتراط أربعين، منهم الإمام، وأن يكونوا مسلمين أحرارًا متوطنين ببلد الجمعة، لا يظعنون شتاءً ولا صيفًا إلاّ لحاجة، لحديث كعب بن مالك، قال: "أوّل من جمع بنا في المدينة أسعد بن زرارة، قبل مقدمه ﵊ المدينة، في نقيع الخضمات، وكنا أربعين رجلاً". رواه البيهقي وغيره، وصححوه. وروى البيهقي أيضًا: أنه، ﷺ ، جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلاً. وعورض بأنه لا يدل على شرطيته. وأجيب بما قاله في المجموع،

стр. 710

وهو: أن الأصحاب قالوا: وجه الدلالة منه، أي من حديث كعب، أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد، والأصل الظهر، فلا تصح الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت: "صلوا كما رأيتموني أصلي". ولم تثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا تجوز بأقل منه. وقال المالكية: اثني عشر. لحديث الباب. وقال أبو حنيفة ومحمد: أربعة بالإمام، لأن الجمع الصحيح إنما هو الثلاث، لأنه جمع تسمية ومعنى، والجماعة شرط على حدة، وكذا الإمام فلا يعتبر منهم. وقال أبو يوسف: ثلاثة به، لأن في الاثنين معنى الاجتماع وهي منبئة عنه. اهـ. ٩٣٦ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. [الحديث ٩٣٦ - أطرافه في: ٢٠٥٨، ٢٠٦٤، ٤٨٩٩]. وبالسند قال: (حدّثنا معاوية بن عمرو) بفتح العين، ابن المهلب، الأزدي البغدادي الكوفي الأصل، المتوفّى ببغداد سنة أربع عشرة ومائتين، (قال: حدّثنا زائدة) بن قدامة الكوفي (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرحمن الواسطي، (عن سالم بن أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون العين، رافع الكوفي (قال: حدّثنا جابر بن عبد الله) الأنصاري (قال: بينما) بالميم، وفي نسخة لأبي ذر: بينا (نحن نصلي) أي الجمعة (مع النبي، ﷺ ¬). المراد بالصلاة هنا: انتظارها، جمعًا بينه وبين رواية عبد الله بن إدريس، عن حصين عند مسلم: ورسول الله ﷺ يخطب، فهو من باب: تسمية الشيء باسم ما قاربه، وهذا أليف بالصحابة تحسينًا للظن بهم. سلمنا أنه كان في الصلاة، لكن يحتمل أنه وقع قبل النهي. نعم، في المراسيل لأبي داود، عن مقاتل بن حيان: أن الصلاة حينئذ كانت قبل الخطبة، فإذا ثبت زال الإشكال. لكنه مع شذوذه معضل. وجواب بينما قوله: (إذ أقبلت عير) بكسر العين، إبل (تحمل طعامًا) من الشام لدحية الكلبي، أو لعبد الرحمن بن عوف: روى الأوّل الطبراني، والثاني ابن مردويه، وجمع بينهما باحتمال أن تكون لعبد الرحمن، ودحية سفير، أو كانا مشتركين (فالتفتوا إليها) أي انصرفوا إلى العير، وفي رواية ابن فضيل في البيوع: فانفضّ الناس، أي فتفرقوا، وهو موافق للفظ الآية، (حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً) في رواية علي بن عاصم. عن حصين: حتى لم يبق معه إلا أربعون رجلاً. رواه الدارقطني. ولو سلم من ضعف حفظ علي بن عاصم وتفرده، فإنه خالفه أصحاب حصين كلهم، لكان من أقوى الأدلة للشافعية. وردّ المالكية على الشافعية والحنابلة، حيث اشترطوا لصحة الجمعة أربعين رجلاً، بقوله في حديث الباب: حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً: وأجيب: بأنه ليس فيه أنه ابتدأها باثني عشر، بل يحتمل عودهم قبل طول الزمان، أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة. وقد اختلف فيما إذا انفضوا، فقال الشافعية والحنابلة: لو انفض الأربعون أو بعضهم في أثناء الخطبة، أو بينها وبين الصلاة، أو في الركعة الأولى ولم يعودوا، أو عادوا بعد طول الفصل، استأنف الإمام الخطبة والصلاة. ولو انفض السامعون للخطبة بعد إحرام تسعة وثلاثين لم يسمعوا الخطبة، أتم بهم الجمعة، لأنهم إذا لحقوا والعدد تام، صار حكمهم واحدًا، فسقط عنهم سماع الخطبة، أو انفضوا قبل إحرامهم استأنف الخطبة بهم، لأنه لا تصح الجمعة بدونها، وإن قصر الفضل لانتفاء سماعهم ولحوقهم. وقال أبو حنيفة: إذا نفر الناس قبل أن يركع الإمام ويسجد إلا النساء، استقبل الظهر. وقال صاحباه: إذا نفروا عنه بعدما افتتح الصلاة، صلّى الجمعة. وإن نفروا عنه بعدما ركع وسجد سجدة، بنى على الجمعة في قولهم جميعًا، خلافًا لزفر. وقال المالكية: إن انفضوا بحيث لا يبقى مع الإمام أحد، فلا تصح الجمعة، وإن بقي معه اثنا عشر صحت، ويتم بهم جمعة إذا بقوا إلى السلام، فلو انفض منهم شيء قبل السلام بطلت. (فنزلت هذه الآية ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا﴾ هو الطبل الذي كان يضرب لقدوم التجارة فرحًا بقدومها وإعلامًا (﴿انفضوا إليها وتركوك قائمًا﴾). لم يقل: إليهما، لأن اللهو لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما كان تبعًا للتجارة، أو حذف لدلالة أحدها على الآخر. أي: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها وإذا رأوا لهوًا انفضوا إليه. أو أُعيد الضمير إلى مصدر الفعل المتقدم وهو الرؤية، أي: انفضوا إلى

стр. 711

الرؤية الواقعة على التجارة أو اللهو. والترديد للدلالة على أن منهم من انفض لمجرد سماع الطبل ورؤيته. وقد استشكل الأصيلي حديث الباب، مع وصفه تعالى الصحابة بأنهم ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] وأجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث قبل نزول الآية. قال في فتح الباري: وهذا الذي يتعين المسير إليه مع أنه ليس في آية النور، التصريح بنزولها في الصحابة، وعلى تقدير ذلك، فلم يكن تقدّم لهم نهي عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة وفهموا منها ذمّ ذلك اجتنبوه، فوصفوا بما في آية النور. اهـ. ورواة الحديث ما بين: بغدادي وكوفي وواسطي، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في البيوع، والتفسير، ومسلم في الصلاة، والترمذي في التفسير، وكذا النسائي فيه وفي الصلاة. ٣٩ - باب الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا (باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها) قدم البعد على القبل خلافًا لعادته لورود الحديث في البعد صريحًا دون القبل. ٩٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ. وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ". [الحديث ٩٣٧ - أطرافه في: ١١٦٥، ١١٧٢، ١١٨٠]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب، ﵄، ولابن عساكر: عن ابن عمر (أن رسول الله ﷺ : كان يصلّي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلّي بعد الجمعة حتى ينصرف) من المسجد إلى بيته (فيصلّي) فيه (ركعتين) لأنه لو صلاهما في المسجد ربما يتوهم أنهما اللتان حذفتا. وصلاة النفل في الخلوة أفضل، ولم يذكر شيئًا في الصلاة قبلها، والظاهر أنه قاسها على الظهر. وأقوى ما يستدل به في مشروعيتها، عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير، مرفوعًا: "ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان". وأما احتجاج النووي في الخلاصة على إثباتها بما في بعض طرق حديث الباب، عند أبي داود وابن حبّان، من طريق أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلّي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث: أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. فتعقب بأن قوله: كان يفعل ذلك، عائد على قوله: ويصلّي بعد الجمعة ركعتين في بيته. ويدل له رواية الليث، عن نافع، عن عبد الله: أنه كان إذا صلّى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته. ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك. رواه مسلم. وأما قوله: كان يطيل الصلاة قبل الجمعة، فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعًا، لأنه ﷺ : كان يخرج إذا زالت الشمس، فيشتغل بالخطبة، ثم بصلاة الجمعة، وإن كان المراد قبل دخول الوقت، فذاك مطلق نافلة، لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسُنّة الجمعة التي قبلها، بل هو تنفل مطلق، قاله في الفتح. وينبغي أن يفصل بين الصلاة التي بعد الجمعة وبينها، ولو بنحو كلام أو تحول، لأن معاوية أنكر على من صلّى سُنّة الجمعة في مقامها، وقال له: إذا صليت الجمعة فلا تصلّها بصلاة حتى تخرج؛ أو تتكلم، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نخرج أو نتكلم، رواه مسلم. وقال أبو يوسف: يصلّي بعدها ستًّا، وقال أبو حنيفة ومحمد: أربعًا كالتي قبلها، له: أنه ﵊، كان يصلّي بعد الجمعة أربعًا، ثم يصلّي ركعتين إذا أراد الانصراف، ولهما، قوله ﵊، من شهد منكم الجمعة فليصل أربعًا قبلها، وبعدها أربعًا. رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن عبد الرحمن السهمي، وهو ضعيف عند البخاري وغيره. وقال المالكية: لا يصلّي بعدها في المسجد، لأنه ﷺ ، كان ينصرف بعد الجمعة، ولم يركع في المسجد. وقال صاحب تنقيح المقنع، من الحنابلة: ولا سُنّة لجمعة قبلها نصًّا، وما بعدها في كلامه. وحديث الباب أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة. ٤٠ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (باب قول الله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ أي: فرغتم من صلاة الجمعة (﴿فانتشروا في الأرض﴾) للتكسب والتصرف في حوائجكم (﴿وابتغوا من فضل الله﴾) [لجمعة: ١٠]. أي: رزقه، أو تعليم العلم. والأمر في الموضعين للإباحة بعد الحظر، وقول: إنه للوجوب في حق من يقدر على الكسب قول شاذ، ووهم من زعم أن الصارف للأمر عن الوجوب، هنا، كونه

стр. 712

ورد بعد الحظر، لأن ذلك لا يستلزم عدم الوجوب، بل الإجماع هو الدال على أن الأمر المذكور للإباحة. والذي يترجح أن في قوله: انتشروا، وابتغوا، إشارة إلى استدراك ما فاتكم من الذي انفضضتم إليه، فلينحل إلى أنها قضية شرطية، أي: من وقع له في حال خطبة الجمعة وصلاتها، زمان يحصل فيه ما يحتاج إليه في أمر دنياه ومعاشه، فلا يقطع العبادة لأجله، بل يفرغ منها، ويذهب حينئذ ليحصل حاجته. وقيل: هو في حق من لا شيء عنده ذلك اليوم، فأمره بالطلب، بأي صورة اتفقت، ليفرح عياله ذلك اليوم لأنه يوم عيد. وعن بعض السلف: من باع أو اشترى بعد الجمعة بارك الله له سبعين مرة. وفي حديث أنس مرفوعًا: ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ ليس لطلب دنياكم، وإنما هو عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله. ٩٣٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ: "كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا، فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ. وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَنَلْعَقُهُ، وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ". [الحديث ٩٣٨ - أطرافه في: ٩٣٩، ٩٤١، ٢٣٤٩، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩]. وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبوي ذر، والوقت: حدّثني، (سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي، مولاهم، البصري (قال: حدّثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المثقلة، محمد بن مطر المدني، (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو حازم) بالحاء والزاي، سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) هو ابن مالك الأنصاري الساعدي، وسقط في رواية غير أبي ذر: ابن سعد (قال: كانت فينا امرأة) لم يعرف اسمها (تجعل) بالجيم والعين، ولأبي ذر، والأصيلي، عن الكشميهني: تحقل، بالحاء المهملة والقاف المكسورة، وزاد في اليونينية: وبالفاء، أي: تزرع (على أربعاء) بكسر الموحدة، جدول أو ساقية صغيرة تجري إلى النخل، أو النهر الصغير لسقي الزرع (في مزرعة لها) بفتح الراء، وحكي تثليثها (سلقًا) بكسر المهملة وسكون اللام، منصوب على المفعولية، لتجعل أو تحقل، على الروايتين، ولأبي ذر، وعزاها القاضي عياض للأصيلي، كما في اليونينية: سلق بالرفع. وهو يرد على العيني وغيره، حيث زعم أن الرواية لم تجيء بالرفع بل بالخصب قطعًا، ووجهها عياض كما في الفرع، بأن يكون مفعولاً لم يسم فاعله لتجعل أو تحقل، بضم الأول مبنيًّا للمفعول، أو أن الكلام تم بقوله: في مزرعة، ثم استأنف لها فيكون: سلق، مبتدأ خبره لها مقدم. (فكانت) أي المرأة (إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق، فتجعله في قدر، ثم تجعل عليه قبضة من شعير) حال كونها (تطحنها) بفتح الحاء المهملة، من الطحن، والأبي ذر، عن المستملي: تطبخها بالموحدة والخاء المعجمة، من الطبخ. والقبضة، بفتح القاف والضاد المعجمة، بينهما موحدة ساكنة، كما في الفرع، ويجوز الضم أو هو الراجح، قال الجوهري: بالضم، ما قبضت عليه من شيء، يقال: أعطاه قبضة من سويق أو تمر، أو كفًا منه. وربما جاء بالفتح. (فتكون أصول السلق عرفه) بفتح العين وسكون الراء المهملتين بعدها قاف ثم هاء ضمير اللحم الذي على العظم، أي: أصول السلق عوض اللحم، وللكشميهني، كما في الفتح: غرفة بفتح الغين المعجمة وكسر الراء وبعد القاف هاء تأنيث، يعني: أن السلق يغرق في المرق لشدة نضجه، ولأبي الوقت، والأصيلي: غرفه بالغين المعجمة المفتوحة والراء الساكنة وبالفاء، أي: مرقه الذي يغرف. قال الزركشي: وليس بشيء. (وكنا ننصرف من صلاة الجمعة، فنسلم عليها فتقرب ذلك الطعام إلينا، فنلعقه) بفتح العين المهملة (وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك). مطابقة الحديث للترجمة من حيث أنهم: كانوا بعد انصرافهم من الجمعة يبتغون ما كانت تلك المرأة تهيئه من أصول السلق، وهو يدل على قناعة الصحابة وعدم حرصهم على الدنيا، ﵃. ورواة هذا الحديث مدنيون، ما عدا شيخ المؤلّف البصري، وفيه التحديث والعنعنة والقول. ٩٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ بِهَذَا وَقَالَ: "مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلاَّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بفتح الميمين القعنبي (قال: حدّثنا ابن أبي حازم) هو عبد العزيز بن أبي حازم، بالحاء المهملة والزاي المعجمة، سلمة بن دينار المدني، (عن أبيه عن سهل) هو ابن سعد الأنصاري (بهذا) أي: بهذا الحديث السابق، فأبو غسان وابن أبي حازم عن أبي حازم. (وقال) عبد العزيز، زيادة على رواية أبي غسان: (ما كنا نقيل) بفتح النون، أي: نستريح نصف النهار (ولا نتغدى) بالغين المعجمة والدال المهملة، أي: نأكل أوّل النهار (إلا بعد) صلاة (الجمعة). وتمسك به الإمام أحمد، لجواز صلاة

стр. 713

الجمعة قبل الزوال. وأجيب: بأن المراد بأن قائلتهم وغداءهم عوض عما فاتهم، فالغداء عما فات من أول النهار، والقيلولة عما فات وقت المبادرة بالجمعة عقب الزوال، بل ادعى الزين بن المنير أنه: يؤخذ منه أن الجمعة تكون بعد الزوال، لأن العادة في القائلة أن تكون قبل الزوال، فأخبر الصحابي: أنهم كانوا يشتغلون بالتهيؤ للجمعة عوض القائلة، ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة. اهـ. ٤١ - باب الْقَائِلَةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ (باب القائلة بعد) صلاة (الجمعة) أي القيلولة، وهي الاستراحة في الظهيرة، سواء كان معها نوم أم لا. ٩٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: "كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ". وبالسند (قال): (حدّثنا محمد بن عقبة) بضم العين وسكون القاف، ابن عبد الله (الشيباني) ولابن عساكر: الكوفي، (قال: حدّثنا أبو إسحاق) إبراهيم بن محمد (الفزاري) بتخفيف الزاي المعجمة (عن حميد) بضم الحاء، ابن أبي حميد الطويل البصري (قال: سمعت أنسًا يقول) ولأبي ذر: عن أنس قال: (كنا نبكر) من التبكير، وهو الإسراع (إلى الجمعة) وللأصيلي، وابن عساكر، وأبي الوقت، وأبي ذر في نسخة: يوم الجمعة (ثم نقيل) بعد الصلاة. ورواته ما بين كوفي ومصيصي وبصري، وشيخه من أفراده، وفيه: التحديث والعنعنة والقول. ٩٤١ - حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ قال: حدّثنا أبو غَسّانَ قال: حدَّثني أبو حازم عن سَهلٍ قال: "كنا نُصلِّي معَ النبى ﷺ الجُمعةَ، ثم تكونُ القائلة". وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدّثنا أبو غسان. قال: حدّثني) بالإفراد (أبو حازم، عن سهل) ولأبي ذر: عن سهل بن سعد (قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم تكون القائلة) أي: القيلولة. وهذا الحديث مرّ قريبًا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٢ - كتاب الخوف ١ - باب صَلَاةِ الْخَوْفِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠١ - ١٠٢]. بسم الله الرحمن الرحيم (باب صلاة الخوف) أي كيفيتها من حيث أنه يحتمل في الصلاة عنده، ما لا يحتمل فيها عند غيره. وقد جاءت في كيفيتها سبعة عشر نوعًا، لكن يمكن تداخلها. ومن ثم قال في زاد المعاد: أصولها ست صفات، وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجهًا من فعله، ﷺ . وإنما هو من اختلاف الرواة. قال في فتح الباري: وهذا هو المعتمد. اهـ. والإفراد في باب للأصيلي وكريمة. وفي رواية أبي ذر، عن المستملي، وأبي الوقت: أبواب، بالجمع. وسقط للباقين: (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه، ولأبوي ذر، والوقت: قال الله تعالى (﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾) سافرتم (﴿فليس عليكم جناح﴾) إثم (﴿أن تقصروا من الصلاة﴾) بتنصيف ركعاتها. ونفي الحرج فيه يدل على جوازه لا على وجوبه، أنه ﵊: أتم في السفر. وأوجبه أبو حنيفة، لقول عمر المروي في النسائي، وابن ماجة، وابن حبان: صلاة السفر ركعتان تام غير قصر، على لسان نبيكم ولقول عائشة، ﵂، المروي عند الشيخين: أوّل ما فرض الصلاة فرضت ركعتين، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر. وأجيب: بأن الأول: مؤول بأنه كالتام في الصحة والإجزاء، والثاني: لا ينفي جواز الزيادة. لكن أكثر السلف على وجوبه. وقال كثير منهم هذه الآية في صلاة الخوف. فالمراد أن تقصروا من جميع الصلوات، بأن تجعلوها ركعة واحدة، أو من كيفيتها، إلا من كميتها، والآية الآتية فيها تبيين وتفصيل لها، كما سيجيء. وسئل ابن عمر، ﵄، إنّا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر فقال ابن عمر: إنّا وجدنا نبينا يعمل فعملنا به. وعلى هذا فقوله (﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾) بالقتال بالتعرض لما يكره، شرط له باعتبار الغالب في ذلك الوقت. وإذا لم يعتبر مفهومه، فإن الإجماع على جواز القصر في السفر من غير خوف (﴿وإن الكافرين كانوا لكم عدوًّا مبينًا وإذا كنت فيهم﴾) أيها الرسول، علمه طريق صلاة الخوف ليقتدي الأئمة بعده به، ﵊ (﴿فأقمت لهم الصلاة﴾) وتمسك بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرته، ﵊، وهو أبو يوسف، والحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحابه، وإبراهيم بن علية. وقالوا: ليس هذا لغيره، لأنها إنما شرعت بخلاف القياس لإحراز فضيلة، الصلاة معه، ﵊، وهذا المعنى انعدم بعده. وأجيب: بأن عامة الفقهاء على أن الله تعالى علم الرسول كيفيتها ليؤتم به، كما مر. أي: بيّن لهم بفعلك، لكونه أوضح من القول. وقد أجمع الصحابة ﵃ على فعله بعده، ﵊، وبقوله عليه الصلاة

стр. 714

والسلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فعموم منطوقه مقدم على ذلك المفهوم. وادعى المزني نسخها، لتركه ﷺ لها يوم الخندق. وأجيب: بتأخر نزولها عنه، لأنها نزلت سنة ست، والخندق كان سنة أربع أو خمس. (﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾) فاجعلهم طائفتين، فلتقم إحداهما معك يصلون، وتقوم الطائفة الأخرى في وجه العدو (﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾) أي: المصلون، حزمًا. وقيل: الضمير للطائفة الأخرى، وذكر الطائفة الأولى يدل عليهم (﴿فإذا سجدوا﴾) يعني: المصلين (﴿فليكونوا﴾) أي: غير المصلين (﴿من ورائكم﴾) يحرسونكم، يعني: النبي ومن يصلّي معه، فغلب المخاطب على الغائب، (﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا﴾) لاشتغالهم بالحراسة (﴿فليصلوا معك﴾) ظاهره أن الإمام يصلّي مرتين، بكل طائفة مرة كما فعله ﵊ ببطن نخل (﴿وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾) جعل الحذر، وهو التحرز والتيقظ، آلة يستعملها المغازي، فجمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ (﴿ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾) بالقتال فلا تغفلوا (﴿ولا جناح﴾): لا وزر (﴿عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم﴾) رخصة لهم في وضعها إذا ثقل عليهم أخذها بسبب مطر أو مرض، وهذا يؤيد أن الأمر للوجوب دون الاستحباب (﴿خذوا حذركم﴾) أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر كي لا يهجم عليهم العدو (﴿إن الله أعدّ للكافرين عذابًا مهينًا﴾) [النساء: ١٠١ - ١٠٢] وعد للمؤمنين بالنصر، وإشارة إلى أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب في الأمور التيقظ. وقد ثبت سياق الآيتين بلفظهما إلى آخر قوله: (﴿مهينًا﴾) كما ترى في رواية كريمة، ولفظ رواية أبي ذر (﴿فلتقم طائفة منهم معك﴾) إلى قوله: (﴿عذابًا مهينًا﴾) وله أيضًا، ولابن عساكر، وأبي الوقت: (﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح﴾) إلى قوله: (﴿عذابًا مهينًا﴾) ولابن عساكر: (﴿إن الله أعدّ للكافرين عذابًا مهينًا﴾) وزاد الأصيلي: (﴿أن تقصروا من الصلاة﴾) إلى قوله: (﴿عذابًا مهينًا﴾). ٩٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ -يَعْنِي صَلَاةَ الْخَوْفِ- قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ". [الحديث ٩٤٢ - أطرافه في: ٩٤٣، ٤١٣٢، ٤١٣٣، ٤٥٣٥]. وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال): شعيب: (سألته) أي: الزهري. كذا بإثبات: قال، ملحقة بين الأسطر في فرع اليونينية، وكذا رأيته فيها ملحقًا بين سطورها، مصححًا عليه. قال الحافظ ابن حجر، ﵀: ووقع بخط بعض من نسخ الحديث، عن الزهري، قال: سألته. فأثبت: قال، ظنًّا منه أنها حذفت خطأ على العادة، وهو محتمل. ويكون حذف فاعل قال، لا أن الزهري هو الذي قال، والمتجه حذفها. وتكون الجملة حالية، أي: أخبرني الزهري حال سؤالي إياه (هل صلّى النبي ﷺ ؟ يعني صلاة الخوف -قال) أي: الزهري ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي وابن عساكر فقال: (أخبرني سالم) هو: ابن عبد الله بن عمر (أن) أباه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب، (¬﵄، قال: غزوت مع رسول الله) ولأبي ذر: مع النبي (¬ ﷺ ، قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهة (نجد) بأرض غطفان، وهو كل ما ارتفع من بلاد العرب، من تهامة إلى العراق، وكانت الغزوة ذات الرقاع، وأول ما صلّيت صلاة الخوف فيها سنة أربع أو خمس أو ست أو سبع، وقول الغزالي، ﵀ في الوسيط، وتبعه الرافعي: إنها آخر الغزوات، ليس بصحيح، وقد أنكر عليه ابن الصلاح في: مشكل الوسيط. (فوازينا العدو) بالزاي، أي: قابلناهم (فصاففنا لهم) باللام، ولأبي ذر، عن الكشميهني: فصاففناهم، (فقام رسول الله ﷺ يصلّي لنا) أي: لأجلنا، أو: بنا، بالموحدة (فقامت طائفة معه) زاد في غير رواية أبي ذر: تصلي، أي: إلى حيث لا تبلغهم سهام العدو (وأقبلت طائفة على العدو، وركع) بالواو، ولأبي ذر عن المستملي، فركع (رسول الله ﷺ بمن معه، وسجد سجدتين) ثم ثبت قائمًا (ثم انصرفوا) بالنيّة، وهم في حكم الصلاة عند قيامه، ﵊، إلى الثانية

стр. 715

منتصبًا، أو عقب رفعه من السجود (مكان الطائفة التي لم تصل) أي: فقاموا في مكانهم في وجه العدو (فجاؤوا) أي: الطائفة الأخرى التي كانت تحرس، وهو ﵊ قائم في الثانية، وهو ﵊ قارئ منتظر لها، (فرع رسول الله ﷺ بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم) ﵊ (فقام كل واحد منهم، فركع لنفسه ركعة، وسجد سجدتين) ويأتي في المغازي، إن شاء الله تعالى، ما يدل على أنها كانت العصر. وظاهر قوله: فقام كل واحد منهم … إلخ. أنهم أتموا في حالة واحدة. ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى، والاً فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة وهذه الصورة اختارها الحنفية. واختار الشافعية في كيفيتها: أن الإمام ينتظر الطائفة الثانية ليسلم بها، كما في حديث صالح بن خوّات، المروي في مسلم، عمن شهد مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف يوم ذات الرقاع: أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو فصلّى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصلّوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا فأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم: بالطائفة الثانية بعد التشهد. قال مالك: هذا أحسن ما سمعت في صلاة الخوف، وهو دليل المالكية، غير قوله: ثم ثبت جالسًا. وإنما اختار الشافعية هذه الكيفية لسلامتها من كثرة المخالفة، ولأنها أحوط لأمر الحرب، فإنها أخف على الفريقين. ويكره كون الفرقة المصلية معه، والتي في وجه العدو أقل من ثلاثة، لقوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائهم﴾ مع قوله: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾ فذكروهم بلفظ الجمع. وأقله ثلاثة: فأقل الطائفة هنا ثلاثة، وهذا النوع بكيفيتيه حيث يكون العدوّ في غير القبلة، أو فيها لكن حال دونهم حائل يمنع رؤيتهم لو هجموا. ويجوز للإمام أن يصلّي مرتين، كل مرة بفرقة، فتكون الثانية نافلة. وهذه صلاة رسول الله ﷺ ببطن نخل، رواها الشيخان، لكن الأولى أفضل من هذه لأنها أعدل بين الطائفتين، ولسلامتها عمّا في هذه من اقتداء المفترض بالمتنفل المختلف فيه. وتتأتى في تلك الصلاة الجمعة، بشرط أن يخطب بجميعهم، ثم يفرقهم فرقتين، أو يخطب ثم يجعل منها مع كل من الفرقتين أربعين: فلو خطب بفرقة وصلّى بأخرى لم يجز، وكذا لو نقصت الثانية فطريقان، أصحهما: ألا يضرّ للحاجة والمسامحة في صلاة الخوف. ذكره في المجموع وغيره. وأما إن كانوا في جهة القبلة، فيأتي قريبًا في باب: يحرس بعضهم بعضًا، إن شاء الله تعالى. فإن كانت الصلاة رباعية، وهم في الحضر، أو في السفر وأتموا صلّى بكل من الفرقتين ركعتين، وتشهد بهما. وانتظر الثانية في جلوس التشهد، أو قيام الثالثة، وهو أفضل. لأنه محل التطويل، بخلاف جلوس التشهد الأول. وإن كانت مغربًا، فيصلّي بفرقة ركعتين، وبالثانية ركعة، وهو أفضل من عكسه، لسلامته من التطويل في عكسه بزيادة تشهد في أول الثانية، وينتظر الثانية في الركعة الثالثة، أي: في القيام لها. وهذا كله إذا لم يشتد الخوف. أما إذا اشتد فيأتي حكمه في الباب التالي إن شاء الله تعالى. ورواة هذا الحديث الأربعة: حمصيان ومدنيان، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والسؤال والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي، ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي. ٢ - باب صَلَاةِ الْخَوْفِ رِجَالاً وَرُكْبَانًا. رَاجِلٌ: قَائِمٌ (باب صلاة الخوف) حال كون المصلين (رجالاً وركبانًا) عند الاختلاط وشدّة الخوف، فلا تسقط الصلاة عند العجز عن نزول الدابة، بل يصلون ركبانًا فرادى يومؤون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاؤوا. (راجل: قائم) يريد أن قوله في الترجمة: رجالاً، جمع: راجل، لا جمع: رجل، والمراد به هنا القائم. وسقط: راجل: قائم. عند أبي ذر، وثبت ذلك في رواية أبي الهيثم، والحموي، وأبي الوقت. ٩٤٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا. وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا». وبالسند قال: (حدّثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي) البغدادي (قال: حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (أبي) يحيى المذكور (قال: حدّثنا ابن جريج) عبد الملك بن

стр. 716

عبد العزيز (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش، مولى الزبير بن العوام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب (نحوًا من قول مجاهد) الموقوف عليه، مما صدر منه عن رأيه عن روايته عن ابن عمر، مما رواه الطبري عن سعيد بن يحيى، شيخ البخاري فيه بإسناده المذكور إلى ابن عمر، قال (إذا اختلطوا) أي: اختلط المسلمون بالكفار، يصلون حال كونهم (قيامًا) أي قائمين. وكذا أخرجه الإسماعيلي، عن الهيثم بن خلف، عن سعيد، وزاد، كالطبري في روايته السابقة، بعد قوله: اختلطوا، فإنما هو الذكر، وإشارة بالرأس. وتبين من هذا أن قوله هنا: قيامًا، تصحيف من قوله: فإنما. (وزاد ابن عمر) بن الحظاب، حال كونه مرفوعًا (عن النبي ﷺ ¬) فليس صادرًا عن رأيه. (وإن) وللكشميهني: وإذا (كانوا) أي: العدو (أكثر) عند اشتداد الخوف (من ذلك) أي: من الخوف الذي لا يمكن معه القيام في موضع ولا إقامة صف (فليصلوا) حينئذ، حال كونهم (قيامًا) على أقدامهم (وركبانًا) على دوابهم، لأن فرض النزول سقط. ولمسلم في آخر هذا الحديث، قال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك، فليصل راكبًا أو قائمًا، يومئ إيماء. وزاد مالك في الموطأ في آخره، أيضًا: مستقبل القبلة أو غير مستقبلها. والمراد: أنه إذا اشتد الخوف والتحم القتال، واشتد الخوف ولم يأمنوا أن يدركوهم لو ولوا أو انقسموا، فليس لهم تأخير الصلاة عن وقتها، بل يصلون ركبانًا ومشاةً، ولهم ترك الاستقبال إذا كان بسبب القتال، والإيماء عن الركوع والسجود عند العجز للضرورة، ويكون السجود أخفض من الركوع ليتميزا، فلو انحرف عن القبلة لجماح الدابة، وطال الزمان، بطلت صلاته، ويجوز اقتداء بعضهم ببعض مع اختلاف الجهة كالمصلين حول الكعبة، ويعذر في العمل الكثير لا في الصياح لعدم الحاجة إليه. وحكم الخوف على نفس، أو منفعة من سبع أو حيّة أو عرق أو على مال ولو لغيره، كما في المجموع، فكالخوف في القتال، ولا إعادة في الجميع. ورواة الحديث ما بين: بغدادي وكوفي ومكّي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم والنسائي، واللهُ أعلم. ٣ - باب يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ هذا (باب) بالتنوين (يحرس) المصلون (بعضهم بعضًا في صلاة الخوف). ٩٤٤ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ، وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ. ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا". وبالسند قال: (حدّثنا حيوة بن شريح) بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وفتح الواو في الأوّل، وضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون المثناة التحتية ثم حاء مهملة في الآخر، الحمصي الحضرمي، وهو حيوة الأصغر، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا محمد بن حرب) بفتح الحاء المهملة وسكون الراء ثم موحدة، الخولاني الحمصي الأبرش (عن الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة، محمد بن الوليد، الشامي الحمصي، وللإسماعيلي: حدّثنا الزبيدي (عن) ابن شهاب (الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بسكون المثناة الفوقية وضم عين الأوّل، والثالث: ابن مسعود المدني، أحد الفقهاء السبعة (عن ابن عباس، ﵄¬)، أنه (قال: قام النبي ﷺ ، وقام) بالواو، ولأبي ذر في نسخة: فقام (الناس معه) طائفتين، طائفة خلفه وأخرى خلفها (فكبر وكبروا) كلهم (معه، وركع وركع ناس منهم) صادق بالطائفة التي تليه ﵊، وبالأخرى، وزاد الكشميهني: معه (ثم سجد) ﵊ (وسجدوا) أي: الذين ركعوا (معه) والطائفة الأخرى قائمة تحرس (ثم قام) ﵊ (للثانية) أي: للركعة الثانية، ولابن عساكر: ثم قام الثانية (فقام الذين سجدوا) معه، ﵊، (وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى) الذين لم يركعوا ولم يسجدوا معه في الركعة الأولى، وتأخرت الطائفة الأخرى إلى مقام الأخرى يحرسونهم (فركعوا وسجدوا معه) ﵊، وهذا فيما إذا كانوا في جهة القبلة، ولا حائل يمنع رؤيتهم، وفي القوم كثرة بحيث يحرس بعضهم بعضًا كما قال: (والناس كلهم فى صلاة) ولأبي الوقت: في الصلاة، بالتعريف (ولكن يحرس بعضهم بعضًا) هذا موضع الترجمة.

стр. 717

وظاهر هذا السياق صادق بأن تسجد الطائفة الأولى معه في الركعة الأولى، والثانية في الثانية، وعكسه بأن تسجد الثانية معه في الأولى، والأولى في الثانية، مع تحول كل منهما إلى مكان الأخرى كما مرّ، فتكون صفتين. والذي في مسلم، وأبي داود: هو الصفة الأولى مع التحوّل أيضًا، ولفظ رواية أبي داود، عن أبي عياش الزرقيّ، قال: صلينا مع النبي ﷺ العصر بعسفان، فقام رسول الله ﷺ ، والمشركون أمامه، واصطفوا صفًّا خلفه، وخلف الصف صف آخر، فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا ثم سجد الصف الذي يليه وقام الآخر يحرسونهم، فلما قضى بهم السجدتين وقاموا، سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدّم الآخرون إلى مقام الأوّلين، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعًا، ثم سجد فسجد الصف الذي يليه. وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ سجد الآخرون وجلسوا جميعًا، فسلم بهم. ولمسلم نحوه. وهذا السياق مغاير لحديث الباب، فإن فيه: أن الصفين ركعوا معه، ﵊، وسجدت معه الأولى وقامت الأخرى من الركوع تحرس، ثم سجدت الحارسة بعد فراغ أولئك. وفي حديث الباب أنه ركع طائفة منهم وسجدوا معه، ثم جاءت الطائفة الأخرى كذلك، ولم يقع في رواية الزهري هذه: هل أكملوا الركعة الثانية أم لا. نعم، زاد النسائي في رواية له، من طريق أبي بكر بن أبي الجهم، عن شيخه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فزاد في آخره: ولم يقضوا. وهذا كالصريح في اقتصارهم على ركعة ركعة. ولمسلم، وأبي داود، والنسائي، من طريق مجاهد عن ابن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيّكم، في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. لكن الجمهور على أن قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد، وتأوّلوا رواية مجاهد هذه على أن المراد ركعة مع الإمام، وليس فيه نفي الثانية. ورواة حديث الباب ثلاثة حمصيون، واثنان مدنيان. وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه النسائي في الصلاة. ٤ - باب الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ لَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أَنَسٌ: حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ -وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ- فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلاَّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى، فَفُتِحَ لَنَا. وَقَالَ أَنَسٌ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (باب الصلاة عند مناهضة الحصون) أي إمكان فتحها وغلبة الظن على القدرة عليها (و) الصلاة عند (لقاء العدوّ). (وقال) عبد الرحمن (الأوزاعي)، فيما ذكره الوليد بن مسلم في كتاب السير: (إذ كان تهيأ الفتح) بمثناة فوقية فهاء فمثناة تحتية مشدّدة فهمزة مفتوحات، أي: اتفق وتمكن. وللقابسي، فيما حكاه في الفتح وغيره: إن كان بها الفتح، بموحدة. وهاء: بضمير، قال الحافظ ابن حجر ﵀: وهو تصحيف، (و) الحال أنهم (لم يقدروا على) إتمام (الصلاة) أركانًا وأفعالاً (صلوا إيماءً) أي مومئين (كل امرئ) شخص يصلّي (لنفسه) بالإيماء منفردًا، (فإن لم يقدروا على الإيماء) بسبب اشتغال الجوارح، لأن الحرب إذا بلغ الغاية في الشدة تعذر الإيماء على القاتل لاشتغال قلبه وجوارحه عند القتال (أخروا الصلاة خى ينكشف القتال، أو يأمنوا، فيصلوا ركعتين). استشكل كونه جعل الإيماء مشروطًا بتعذر القدرة، والتأخير مشروطًا بتعذر الإيماء، وجعل غاية التأخير انكشاف القتال ثم قال: أو يأمنوا فيصلوا ركعتين … فجعل الأمن قسيم الانكشاف، وبالانكشاف يحصل الأمن، فكيف يكون قسيمه؟. وأجيب: بأن الانكشاف قد يحصل، ولا يحصل الأمن لخوف المعاودة، كما أن الأمن قد يحصل بزيادة القوّة واتصال المدد بغير انكشاف، فعلى هذا فالأمن قسيم الانكشاف أيهما حصل اقتضى صلاة ركعتين. (فإن لم يقدروا) على صلاة ركعتين، بالفعل أو بالإيماء (صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا) أي على صلاة وسجدتين (لا يجزيهم)، ولغير الأربعة: وسجدتين لا يجزيهم، ولأبي ذر: فلا يجزيهم (التكبير) خلافًا لمن قال: إذا التقى الزحفان وحضرت الصلاة يجزيهم التكبير عن الصلاة بلا إعادة. (ويؤخرونها) أي: الصلاة، ولغير أبي ذر: يؤخروها (حتى يأمنوا) أي: حتى يحصل لهم الأمن التام. واحتج الأوزاعي، كما قال ابن

стр. 718

بطال على ذلك، بكونه ﵊ أخّرها في الخندق حتى صلاها كاملة، لما كان فيه من شغل الحرب. فكذا الحال التي هي أشد. وأجيب: بأن صلاة الخوف، إنما شرعت بعد الخندق. (وبه) أي: وبقول الأوزاعي (قال مكحول) الدمشقي التابعي، مما وصله عبد بن حميد في تفسيره عنه من طريق الأوزاعي بلفظ: إذا لم يقدر القوم على أن يصلوا على الأرض صلوا على ظهر الدواب ركعتين، فإن لم يقدروا فركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا أخّروا الصلاة حتى يأمنوا فيصلوا بالأرض. (وقال أنس) ولأبي ذر، وقال أنس بن مالك، مما وصله ابن سعد وعمر بن شبة من طريق قتادة: (حضرت عند مناهضة) ولابن عساكر: حضرت مناهضة (حصن تستر) بمثناتين فوقيتين، أولاهما مضمومة والثانية مفتوحة، بينهما سين مهملة ساكنة آخره راء، مدينة مشهورة من كور الأهواز، فتحت سنة عشرين في خلافة عمر (عند إضاءة الفجر -واشتد اشتعال القتال-) بالعين المهملة، وتشبيه القتال بالنار: استعارة بالكناية، (فلم يقدروا على الصلاة) لعجزهم عن النزول، أو عن الإيماء، فيوافق السابق عن الأوزاعي، أو أنهم لم يجدوا إلى الوضوء سبيلاً من شدّة القتال، وبه جزم الأصيلي، (فلم نصلّ إلا بعد ارتفاع النهار) في رواية عمر بن شبة: حتى انتصف النهار (فصليناها، ونحن مع أبي موسى) الأشعري (ففتح لنا) الحصن. (وقال) وللأصيلي: فقال، ولأبوي ذر والوقت، وابن عساكر: قال (أنس) هو ابن مالك: (وما يسرّني بتلك الصلاة) أي بدل تلك الصلاة ومقابلها، فالباء للبدلية، كقوله: فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا. وللكشميهني: من تلك الصلاة (الدنيا وما فيها). ٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ. قَالَ فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا". وبالسند قال: (حدّثنا يحيى) ولأبي ذر: عن المستملي، كما في فرع اليونينية: يحيى بن جعفر البخاري البيكندي، وهو من أفراد البخاري (قال: حدّثنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف (عن عليّ بن المبارك) ولابن عساكر: ابن المبارك (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن أبي سلمة) بفتح اللام، ابن عبد الرحمن (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري، ﵁ (قال: جاء عمر) بن الخطاب، ﵁ (يوم) حفر (الخندق) لا تحزبت الأحزاب سنة أربع (فجعل يسب كفّار قريش) لتسببهم في اشتغال المؤمنين بالحفر عن الصلاة حتى فاتت (ويقول: يا رسول الله. ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب). فيه دخول: أن، على خبر كاد، والأكثر تجريده منها، كما في رواية أبي ذر: حتى كادت الشمس تغيب. وظاهره: أنه صلّى قبل الغروب، لكن قد يمنع ذلك بأنه إنما يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها، ولا يلزم منه وقوع الصلاة فيها، بل يلزم أن لا تقع الصلاة فيها إذ حاصله عرفًا: ما صليت حتى غربت الشمس. (فقال النبي ﷺ ¬) تطييبًا لقلب عمر لما شق عليه تأخيرها: (وأنا والله ما صليتها) أي العصر (بعد). (قال) جابر: (فنزل) ﵊ (إلى بطحان) بضم الموحدة وسكون المهملة غير منصرف، كذا يرويه المحدّثون، وعند اللغويين بفتح الموحدة وكسر الطاء، (فتوضأ وصلّى العصر بعدما غابت الشمس). وهذا التأخير كان قبل صلاة الخوف، ثم نسخ أو كان نسيانًا أو عمدًا لتعذر الطهارة، أو للشغل بالقتال، وإليه ذهب البخاري هنا. ونزل عليه الآثار التي ترجم لها بالشروط المذكورة، وهو موضع الجزء الثاني من الترجمة، وهو لقاء العدوّ ومن جملة أحكامه المذكورة: تأخير الصلاة إلى وقت الأمن، وكذا في الحديث: أخر ﵊ الصلاة حتى نزل بطحان، (ثم صلّى) ﵊ (المغرب بعدها) أي بعد العصر. وسبق الحديث بمباحثه في باب: من صلّى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت. ٥ - باب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً وَقَالَ الْوَلِيدُ: ذَكَرْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ: كَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الْفَوْتُ. وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ». (باب صلاة الطالب و) صلاة (المطلوب) حال كونه (راكبًا وإيماءً) مصدر: أومأ. كذا لأبي ذر الكشميهني، والمستملي: إيماء، ولأبوي ذر والوقت عن الحموي: وقائمًا بالقاف من القيام، وفي رواية قائمًا. وقد اتفقوا على صلاة المطلوب راكبًا، واختلفوا في الطالب، فمنعه الشافعي وأحمد، رحمهما الله، وقال مالك: يصلّي راكبًا حيث توجه إذا خاف فوت العدوّ إن نزل. (وقال الوليد) بن مسلم القرشي الأموي (ذكرت للأوزاعي)

стр. 719

عبد الرحمن بن عمرو (صلاة شرحبيل بن السمط) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الموحدة في الأوّل، وكسر السين المهملة وسكون الميم في الثاني، كذا في الفرع، وضبطه ابن الأثير: بفتح ثم كسر، ككتف، الكندي المختلف في صحبته، وليس له في البخاري غير هذا الموضع، (و) صلاة (أصحابه على ظهر الدابة. فقال) أي الأوزاعي، ولابن عساكر: قال: (كذلك الأمر) أي: أداء الصلاة على ظهر الدابة بالإيماء هو الشأن والحكم (عندنا إذا تخوّف) الرجل (الفوت) بفتح أوّل تخوّف مبنيًّا للفاعل. والفوت نصب على المفعولية، ويجوز كما في الفرع وأصله ضبطه بالبناء للمفعول، ورفع الفوت نائبًا عن الفاعل. زاد المستملي فيما ذكره في الفتح في الوقت: (واحتج الوليد) لمذهب الأوزاعي في مسألة الطالب (بقول النبي ﷺ ¬) الآتي: (لا يصلّين أحد العصر إلا في بني قريظة) لأنه ﵊ لم يعنف على تأخيرها عن وقتها المفترض، وحينئذٍ فصلاة من لا يفوّت الوقت بالإيماء أو بما يمكن أولى من تأخيرها حتى يخرج وقتها. وقد أخرج أبو داود في: صلاة الطالب، حديث عبد الله بن أنيس، إذا بعثه النبي ﷺ إلى سفيان الهذلي، قال: فرأيته، وحضرت العصر، فخشيت فوتها، فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماءً. وإسناده حسن. هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة، كذا في الفرع وأصله، ولأبي ذر إسقاطه. ٩٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. [الحديث ٩٤٦ - طرفه في: ٤١١٩]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد بن أسماء) بالفتح غير منصرف، ابن عبيد بن مخراق الضبعي البصري (قال: حدّثنا جويرية) تصغير جارية بن أسماء، وهو عمّ عبد الله الراوي عنه (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب، ﵄، (قال: قال النبي ﷺ لنا، لما رجع من الأحزاب). غزوة الخندق سنة أربع إلى المدينة، ووضع المسلمون السلاح، وقال له جبريل، ﵊، ما وضعت الملائكة السلاح بعد، وإن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فإني عائد إليهم. فقال ﵊ لأصحابه: (لا يصلّين) بنون التوكيد الثقيلة (أحد) منكم (العصر إلا في بني قريظة) بضم القاف وفتح الراء والظاء المعجمة، فرقة من اليهود. (فأدرك بعضهم العصر في الطريق) بنصب بعضهم ورفع تاليه، مفعول وفاعل، مثل قوله: ﴿وإن يدركني يومك﴾ والضمير في بعضهم: لأحد. (فقال) وللأربعة: وقال (بعضهم)، الضمير فيه كالآتي لنفس بعض الأوّل: (لا نصلي حتى نأتيها) عملاً بظاهر قوله: "لا يصلّين أحد"، لأن النزول معصية للأمر الخاص بالإسراع، فخصّوا عموم الأمر بالصلاة أوّل وقتها بما إذا لم يكن عذر، بدليل أمرهم بذلك. (وقال بعضهم: بل نصلي) نظرًا إلى المعنى لا إلى ظاهر اللفظ، (لم يرد منا ذلك) ببناء يرد للمفعول، كما ضبطه العيني والبرماوي، والبناء للفاعل كما ضبطه في المصابيح، والخفضة مكشوطة في الفرع، فعريت الراء فيه عن الضبط، ولم يضبطها في اليونينية. والمعنى: أن المراد من قوله: "لا يصلين أحد" لازمه وهو الاستعجال في الذهاب لبني قريظة، لا حقيقة ترك الصلاة، كأنه قال: صلوا في بني قريظة، إلاّ أن يدرككم وقتها قبل أن تصلوا إليها. فجمعوا بين دليلي وجوب الصلاة، ووجوب الإسراع. فصلوا ركبانًا لأنهم لو نزلوا للصلاة لكان فيه مضادة للأمر بالإسراع، وصلاة الراكب مقتضية للإيماء، فطابق الحديث الترجمة. لكن عورض بأنهم: لو تركوا الركوع والسجود لخالفوا قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وأجيب: بأنه عامّ خصّ بدليل، كما أن الأمر بتأخير الصلاة إلى إتيان بني قريظة خصّ بما إذا لم يخش الفوات. والقول: بأنهم صلوا ركبانًا لابن المنير، قال في الفتح: وفيه نظر، لأنه لم يصرّح لهم بترك النزول، فلعلهم فهموا أن المراد بأمرهم: أن لا يصلوا العصر إلا فى بني قريظة، المبالغة في الأمر بالإسراع، فبادروا إلى امتثال أمره، وخصّوا وقت الصلاة من ذلك لماّ تقرّر عندهم من تأكيد أمرها، فلا يمتنع أن ينزلوا فيصلوا، ولا يكون في ذلك مضادّة لما أمروا به ودعوى أنهم: صلوا ركبانًا، تحتاج إلى دليل، ولم أره صريحًا في شيء من طرق هذه القصة. (فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فلم يعنف واحدًا) ولأبوي ذر، والوقت

стр. 720

عن الحموي والكشميهني والمستملي: أحدًا (منهم)، لا التاركين لأول الوقت عملاً بظاهر النهي، ولا الذين فهموا أنه كناية عن العجلة. قال النووي، ﵀: لا احتجاج به على إصابة كل مجتهد، لأنه لم يصرّح بإصابتهما، بل ترك التعنيف، ولا خلاف أن المجتهد لا يعنف ولو أخطأ إذا بذل وسعه، قال: وأما اختلافهم فسببه تعارض الأدلة عندهم، فالصلاة مأمور بها في الوقت، والمفهوم من: "لا يصلّين" المبادرة، فأخذ بذلك من صلّى لخوف فوات الوقت، والآخرون أخّروها عملاً بالأمر بالمبادرة لبني قريظة. اهـ. واستشكل قوله هنا: العصر، مع ما في مسلم: الظهر. وأجيب: بأن ذلك كان بعد دخول وقت الظهر، فقيل لمن صلاّها بالمدينة: لا تصلّ العصر إلاّ في بني قريظة، ولمن لم يصلها: لا تصلِّ الظهر إلا فيهم. ويأتي مزيد لذلك، إن شاء الله تعالى في المغازي، بعون الله تعالى. ورواة هذا الحديث ما بين بصري ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم، كالبخاري في المغازي. ٦ - باب التَّبْكِيرِ وَالْغَلَسِ بِالصُّبْحِ، وَالصَّلَاةِ عِنْدَ الإِغَارَةِ وَالْحَرْبِ (باب التبكير). بالموحدة قبل الكاف وبعد المثناة. كذا في رواية أبي ذر، عن الكشميهني، من: بكر، إذا أسرع وبادر، ولأبي ذر أيضًا، والأصيلي وأبي الوقت، عن الحموي، والمستملي: التكبير، بالموحدة بعد الكاف، أي قول: الله أكبر (والغلس) بفتح الغين المعجمة واللام، الظلمة آخر الليل، أي: التغليس (بالصبح والصلاة) والتكبير (عند الإغارة) بكسر الهمزة، أي الهجوم على العدوّ غفلة (و) عند (الحرب). ٩٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ. فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَيَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ -قَالَ: وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ- فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِيَّ، فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا". فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِثَابِتٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسًا مَا أَمْهَرَهَا؟ قَالَ أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا. فَتَبَسَّمَ. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا حماد) ولأبي ذر: حماد بن زيد (عن عبد العزيز بن صهيب، وثابت البناني) بموحدة مضمومة ونونين بينهما ألف وآخره ياء النسب، كلاهما (عن أنس بن مالك) سقط من رواية ابن عساكر: ابن مالك (أن رسول الله ﷺ ، صلّى الصبح) عند خيبر (بغلس) أي: في أوّل وقتها، على عادته الشريفة، أو لأجل مبادرته إلى الركوب، (ثم ركب فقال) لما أشرف على خيبر: (الله أكبر: خربت خيبر) ثقة بوعد الله تعالى، حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]. فلما نزل جند الله بخيبر مع الصباح لزم الإيمان بالنصر وفاء بالعهد، ويبين هذا قوله: (إنّا إذا نزلنا بساحة قوم) أي: بفنائهم (فساء صباح المنذرين) أي: فبئس صباح المنذرين صباحهم، فكأن ذلك تنبيهًا على مصداق الوعد بمجموع الأوصاف. (فخرجوا) أي: أهل خيبر، حال كونهم (يسعون في السكك) بكسر السين، جمع سكة، أي: في أزقة خيبر (ويقولون): جاء أو: هذا (محمد والخميس) برفع الخميس، عطفًا على سابقه، ونصبه على المفعول معه. (قال: والخميس) هو: (الجيش) لانقسامه إلى خمسة: ميمنة وميسرة وقلب ومقدمة وساقة. (فظهر عليهم رسول الله ﷺ ، فقتل) النفوس (المقاتلة) بكسر المثناة الفوقية، أي: وهي الرجال (وسبى الذراري) بالذال المعجمة وتشديد الياء وتخفيفها، كالعواري، جمع: ذرية، وهي: الولد. والمراد بالذراري: غير المقاتلة (فصارت صفية) بنت حيي، سيد بني قريظة والنضير (لدحية الكلبي) أعطاها له ﵊ قبل القسمة، لأن له صفيّ المغنم يعطيه لمن يشاء (وصارت) أي: فصارت، أو: ثم صارت بعده (لرسول الله ﷺ ¬) استرجعها منه برضاه، أو اشتراها منه، لما جاء: أنه أعطاه عنها سبعة أرؤس، أو: أنه إنما كان أذن له في جارية من حشوا السبي، لا من أفضلهن، فلما رآه أخذ أنفسهن نسبًا وشرفًا وجمالاً استرجعها، لأنه لم يأذن له فيها، ورآى أن في إبقائها مفسدة لتميّزه بها على سائر الجيش، ولما فيه من انتهاكها مع مرتبتها، وربما ترتب على ذلك شقاق، فكان أخذها لنفسه ﷺ قاطعًا لهذه المفاسد، (ثم تزوّجها) ﵊ (وجعل صداقها عتقها) لأن عتقها كان عندها أعز من الأموال الكثيرة، ولأبي ذر: عتقتها، بزيادة مثناة فوقية بعد القاف. (فقال عبد العزيز) بن صهيب المذكور (الثابت) البناني: (يا أبا محمد! أنت) بحذف همزة الاستفهام

стр. 721

في الفرع واصله، وفي بعض الأصول: أنت، بإثباتها (سألت أنا)، ولأبي ذر: أنس بن مالك: (وما أمهرها)؟ أي: ما أصدقها؟ ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: ما مهرها؟ بحذف الألف. وصوّبه القطب الحلبي، وهما لغتان. (قال أمهرها نفسها) بالنصب، أي أعتقها وتزوجها بلا مهر، وهو من خصائصه، (فتبسم). وموضع الترجمة قوله: صلّى الصبح بغلس، ثم ركب فقال: الله أكبر. وفيه أن التكبير يشرع عند كل أمر مهول، وعندما يسرّ به من ذلك إظهارًا لدين الله تعالى، وظهور أمره، وتنزيهًا له تعالى عن كل ما نسبه إليه أعداؤه، ولا سيما اليهود، قبّحهم الله تعالى. وقد تقدم هذا الحديث في باب: ما يذكر في الفخذ، وتأتي بقية مباحثه إن شاء الله تعالى في: المغازي، والنكاح. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ثبتت البسملة هنا لغير أبي ذر عن المستملي كما قال في الفتح، ولغير ابن عساكر في الفرع وأصله. ١٣ - كتاب العيدين عيد الفطر وعيد الأضحى، والعيد مشتق من العود لتكرره كل عام، وقيل: لعود السرور بعوده، وقيل: لكثرة عوائد الله على عباده فيه. وجمعه، أعياد وإنما جمع بالياء، وإن كان أصله الواو، وللزومها في الواحد، وقيل: للفرق بينه وبين أعواد الخشب. ١ - باب فِي الْعِيدَيْنِ وَالتَّجَمُّلِ فِيهِ هذا (باب) بالتنوين (في العيدين) كذا لأبي علي بن شبويه، ولابن عساكر: باب ما جاء في العيدين. (والتجمل فيه) أي: في جنس العيد. وللكشميهني: فيهما بالتثنية، أي: في العيدين، ولأبي ذر عن المستملي: أبواب، بالجمع بدل: كتاب، واقتصر في رواية الأصيلي، والباقين على قوله: باب إلخ … ٩٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: [أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأَخَذَهَا، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هَذِهِ، تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ قُلْتَ إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، وَأَرْسَلْتَ إِلَىَّ بِهَذِهِ الْجُبَّةِ فَقَالَ، لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ»]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: أخبرني) بالإفراد، (سالم بن عبد الله، أن) أباه (عبد الله بن عمر قال: أخذ عمر) بن الخطاب، ﵁، بهمزة وخاء وذال معجمتين، قال الكرماني: أراد ملزوم الأخذ، وهو الشراء، وتعقب بأنه لم يقع منه ذلك، فلعله أراد السوم. وفي بعض النسخ: وجد، بواو وجيم، قال ابن حجر، رحمه الله تعالى؛ وهو أوجه. وكذا أخرجه الإسماعيلي والطبراني في مسند الشاميين، وغير واحد، من طرق إلى أبي اليمان، شيخ البخاري فيه، (جبة من إستبرق) بكسر الهمزة أي: غليظ الديباج، وهو المتخذ من الإبريسم، فارسي معرب (تباع في السوق) جملة في موضع جر، صفة لإستبرق، (فأخذها) عمر، (فأتى رسول الله)، وللأصيلي: فأتى بها رسول الله، (¬ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ابتع هذه) الجبة (تجمل، بها). بجزم: ابتع وتجمل، على الأمر. كذا قاله الزركشي وغيره، لكن، قال في المصابيح: الظاهر أن الثاني مضارع مجزوم، واقع في جواب الأمر، أي: فإن تبتعها تتجمل، فحذفت إحدى التاءين، وللحموي والمستملي: ابتاع هده تجمل؟ بهمزة استفهام مقصورة كما في الفرع واصله، وقد تمدّ وتضم لام تجمل على أن أصله: تتجمل، فحذفت إحدى التاءين أيضًا، (للعيد والوفود) سبق في الجمعة، في رواية نافع: للجمعة بدل: العيد، وكأن ابن عمر ذكرهما معًا، فأخذ كل راوٍ واحدًا منهما. وهذا موضع الجزء الأخير من الترجمة، وفيه التجمل بالثياب الحسنة أيام الأعياد وملاقاة الناس. (فقال له رسول الله ﷺ ¬): (إنما هذه لباس من لا خلاق له) أي: من لا نصيب له في الجنة، خرج مخرج التغليظ في النهي عن لبس الحرير، وإلاّ فالمؤمن العاصي لا بدّ من دخوله الجنة، فله نصيب منها. ولذا خص من عمومه النساء فإنهن خرجن بدليل آخر. (فلبث عمر ما شاء الله أن يلبث، ثم أرسل إليه رسول الله ﷺ بجبة ديباج، فأقبل بها عمر، فأتى بها رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنك قلت: "إنما هذه لباس من لا خلاق له" وأرسلت إليّ بهذه الجبة، فقال له رسول الله): (تبيعها وتصيب بها) أي بثمنها (حاجتك) وللكشميهني: أو تصيب، وهي إما بمعنى الواو، أو للتقسيم أي: كإعطائها لبعض نسائه

стр. 722

الجائز لهنّ لبس الحرير. ويأتي الحديث ومباحثه، إن شاء الله تعالى، في: كتاب اللباس، بعون الله وقوّته. ٢ - باب الْحِرَابِ وَالدَّرَقِ يَوْمَ الْعِيدِ (باب) إباحة (الحراب والدرق) يلعب بها السودان (يوم العيد) للسرور به. ٩٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَسَدِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: [دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ. وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ فَقَالَ: «دَعْهُمَا». فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا"]. [الحديث ٩٤٩ - أطرافه في: ٩٥٢، ٩٨٧، ٢٩٠٧، ٣٥٣٠، ٣٩٣١]. وبالسند قال: (حدّثنا أحمد) غير منسوب، ولأبي ذر وابن عساكر: حدّثنا أحمد بن عيسى، وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج، واسم جده حسان التستري المصري الأصل، المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وفي رواية أبي علي بن شبويه، كما في الفتح: حدّثنا أحمد بن صالح، وهو مقتضى إطلاق أبي علي بن السكن حيث قال: كل ما في البخاري: حدّثنا أحمد، غير منسوب فهو ابن صالح. (قال: حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري (قال: أخبرنا عمرو) هو ابن الحرث (أن محمد بن عبد الرحمن) بن نوفل بن الأسود (الأسدي) بفتح الهمزة والسين المهملة، القرشي، المتوفى سنة سبع عشرة ومائة (حدّثه عن عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها (قالت: دخل عليّ رسول الله) وللأصيلي، وابن عساكر، وأبي ذر في نسخة: دخل عليّ النبي (¬ ﷺ ¬) أيام منى (وعندي جاريتان)، أي: دون البلوغ، من جواري الأنصار (تغنيان)، ترفعان أصواتهما بإنشاد العرب، وهو قريب من الحداء، وتدففان، أي: تضربان بالدف بضم الدال. إحداهما لحسان بن ثابت. كما في الطبراني، أو كلاهما لعبد الله بن سلام، كما في أربعي السلمي. وفي العيدين: لابن أبي الدنيا، من طريق فليح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، بإسناد صحيح، عن عائشة قالت: "دخل علّي أبو بكر، والنبي ﷺ متقنع، وحمامة وصاحبتها تغنيان عندي". لكن لم يذكر أحد من مصنفى أسماء الصحابة حمامة هذه. نعم، ذكر الذهبي في التجريد: حمامة أم بلال، اشتراها أبو بكر وأعتقها. (بغناء) بكسر المعجمة والمدّ يوم (بعاث) بضم الموحدة وفتح العين المهملة آخره مثلثة، بالصرف وعدمه، وقال عياض: أعجمها أبو عبيد وحده وقال ابن الأثير: أعجمها الخليل، لكن جزم وموسى في ذيل الغريب، وتبعه صاحب النهاية، بأنه تصحيف. اهـ. وهو اسم حصن وقع الحرب عنده بين الأوس والخزرج، وكان به مقتلة عظيمة، وانتصر الأوس على الخزرج، واستمرت المقتلة مائة وعشرين سنة، حتى جاء الإسلام، فألّف الله بينهم ببركة النبي ﷺ . كذا ذكره ابن إسحاق. وتبعه البرماوي، وجماعة من الشرّاح، وتعقب بما رواه ابن سعد بأسانيده: أن النفر السبعة: أو الثمانية، الذين لقوه ﵊ بمنى، أول من لقيه من الأنصار، كان من جملة ما قالوه، لما دعاهم إلى الإسلام والنصرة: إنما كانت وقعة بعاث عام الأول، فموعدك الموسم القابل، فقدموا في السنة التي تليها فبايعوه البيعة الأولى، ثم قدموا الثانية فبايعوه، وهاجر عليه الصلاة والسلام في أوائل التي تليها. فدلّ ذلك على أن وقعة بعاث كانت قبل الهجرة بثلاث سنين، وهو المعتمد، ويأتي مزيد لذلك، إن شاء الله تعالى، في أوائل الهجرة. (فاضطجع) ﵊ (على الفراش، وحوّل وجهه) للإعراض عن ذلك، لأن مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إليه، لكن عدم إنكاره يدل على تسويغ مثله على الوجه الذى أقره، إذ أنه ﵊ لا يقرّ على باطل. والأصل التنزّه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتًا وكيفيةً، (ودخل أبو بكر) الصديق (فانتهرني) أي لتقريرها لهما على الغناء، وللزهري: فانتهرهما، أي: الجاريتين لفعلهما ذلك. والظاهر على طريق الجمع أنه: شرك بينهن في الزجر. (وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله ﷺ ¬) بكسر الميم آخره هاء تأنيث. يعني: الغناء أو الدف، لأن المزمارة والمزمار مشتق من الزمير، وهو الصوت الذي له صفير، ويطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، وأضافها إلى الشيطان لأنها تلهي القلب عن ذكر الله تعالى، وهذا من الشيطان. وهذا من الصديق، ﵁، إنكار لما سمع معتمدًا على ما تقرر عنده من تحريم اللهو والغناء مطلقًا، ولم يعلم أنه، ﷺ ، أقرّهنّ على هذا القدر اليسير، لكونه دخل فوجده مضطجعًا، فظنه نائمًا، فتوجه له الإنكار. (فأقبل

стр. 723

عليه رسول الله ﷺ فقال): يا أبا بكر (دعهما) أي الجاريتين، ولابن عساكر: دعها، أي عائشة، وزاد في رواية هشام: "يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا". فعرفه ﵊ الحال مقرونًا ببيان الحكمة بأنه يوم عيد، أي يوم سرور شرعي. فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا ينكر في الأعراس. قالت عائشة: (فلما غفل) أبو بكر، بفتح الفاء (غمزتهما فخرجتا) بفاء العطف ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، عن الحموي والمستملي: خرجتا بدون الفاء. بدل أو استئناف. ٩٥٠ - وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَإِمَّا قَالَ: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ»؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَهُوَ يَقُولُ: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ». حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: «حَسْبُكِ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ «فَاذْهَبِي». (و) قالت عائشة: (كان) ذلك (يوم عيد)، وهذا حديث آخر، وقد جمعه مع السابق بعض الرواة، وأفردهما آخرون. (يلعب السودان)، ولأبي ذر: يلعب فيه السودان، وللزهري: والحبشة يلعبون في المسجد (بالدرق والحراب، فإما سألت النبي) ولأبي ذر عن المستملي: فإما سألت رسول الله (¬ ﷺ ، وإما قال): (أتشتهين تنظرين) أي: النظر إلى لعب السودان؟ (قلت: نعم) أشتهي، (فأقامني وراءه) حال كوني (خدي على خده) متلاصقين (وهو) ﵊ (يقول) للسودان، آذنًا لهم ومنشطًا. (دونكم) بالنصب على الظرف بمعنى الإغراء، أي: الزموا هذا اللعب (يا بني أرفدة) بفتح الهمزة وإسكان الراء وكسر الفاء، وقد تفتح وبالدال المهملة، وهو جدّ الحبشة الأكبر. وزاد الزهري عن عروة: فزجرهم عمر، فقال النبي ﷺ : "أمنا بني أرفدة". (حتى إذا مللت) بكسر اللام الأولى (قال): (حسبك)؟ أي: يكفيك هذا القدر؟ بحذف همزة الاستفهام المقدرة. كذا قاله البرماوي وغيره كالزركشي، وتعقبه في المصابيح: بأنه لا داعي إليه، مع أن في جوازه كلامًا، اهـ. يشير إلى ما نقله في حاشيته، رحمه الله تعالى، على المغني، من تصريح بعضهم بأن حذفها عند أمن اللبس من الضرورات. وللنسائي، من رواية يزيد بن رومان: "أما شبعت؟ أما شبعت"؟ قالت: فجعلت أقول لا. لأنظر منزلتي عنده. وله من رواية أبي سلمة عنها، قلت: "يا رسول الله لا تعجل. فقام لي، ثم قال: حسبك؟ قلت: لا تعجل"، قالت: وما بي حب النظر إليهم، ولكني أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي، ومكاني منه. (قلت: نعم) حسبي (قال) (فاذهبي). فإن قلت: قولها: نعم، يقتضي فهمها الاستفهام، أجاب في المصابيح: بأنه ممنوع، لأن: نعم تأتي لتصديق المخبر، ولا مانع من جعلها هنا كذلك. واستدلّ به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التدريب للحرب، والتنشيط له، ولم يرد المؤلّف الاستدلال على أن حمل الحراب والدرق من سنن العيد، كما فهمه ابن بطال، وإنما مراده الاستدلال على أن العيد يغتفر فيه من اللهو واللعب ما لا يغتفر في غيره، فهو استدلال على إباحة ذلك، لا على ذنبه. فإن قلت: قد اتفق على أن نظر المرأة إلى وجه الأجنبي حرام بالاتفاق، إذا كان بشهوة وبغيرها على الأصح، فكيف أقرّ النبي، ﷺ عائشة على رؤيتها للحبشة؟ أجيب: بأنها ما كانت تنظر إلى لعبهم بحِرابهم، لا إلى وجوههم وأبدانهم. (باب) سنيّة (الدعاء في العيد) كذا زاده هنا أبو ذر في روايته عن الحموي، ومطابقته لحديث البراء الآتي إن شاء الله تعالى في قوله: يخطب، فإن الخطبة تشتمل على الدعاء كغيره. وقد روى ابن عدي من حديث واثلة أنه: لقي النبي ﷺ يوم عيد، فقال: تقبل الله منّا ومنك، فقال: نعم، تقبل الله منّا ومنك. لكن في إسناده محمد بن إبراهيم الشامي، وهو ضعيف، وقد تفرد به مرفوعًا وخولف فيه، فروى البيهقي من حديث عبادة بن الصامت أنه: سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: (ذاك فعل أهل الكتابين) وإسناده ضعيف أيضًا. لكن في المحامليات بإسناد حسن، عن جبير بن نفير، أن أصحاب النبي، ﷺ ، كانوا إذا التقوا يوم العيد، يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منّا ومنك. وقد ضرب في اليونينية على قوله: الدعاء في العيد، وهو ساقط في رواية ابن عساكر. وقال ابن رشيد: أراه تصحيفًا، وكأنه كان فيه: اللعب في العيد، أي فيناسب حديث عائشة الثاني من حديثي الباب. ٣ - باب سُنَّةِ الْعِيدَيْنِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ وللأكثرين، وعزاه في الفرع لرواية أبي ذر، عن الكشميهني والمستملي، (باب سُنّة العيدين لأهل الإسلام) وعليه اقتصر الإسماعيلي في المستخرج وأبو نعيم. وقيد

стр. 724

بأهل الإسلام إشارة إلى أن سُنّة أهل الإسلام في العيد خلاف ما يفعله غير أهل الإسلام في أعيادهم. ٩٥١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا». [الحديث ٩٥١ - أطرافه في: ٩٥٥، ٩٦٥، ٩٦٨، ٩٧٦، ٩٨٣، ٥٥٤٥، ٥٥٥٦، ٥٥٥٧، ٥٥٦٠، ٥٥٦٣، ٦٦٧٣]. وبالسند قال: (حدَّثنا حجاج) هو: ابن منهال السلمي البصري (قال: حدَّثنا شعبة) ابن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (زبيد) بضم الزاي وفتح الموحدة، ابن الحرث اليامي الكوفي (قال: سمعت الشعبي) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة، عامر بن شراحيل (عن البراء) بن عازب، ﵁، (قال: سمعت النبي ﷺ ¬) حال كونه (يخطب فقال): (إن أول ما نبدأ به من) ولأبي ذر، عن الحموي والمستملي، في (يومنا هذا) يوم عيد النحر (أن نصلي) صلاة العيد. أي أوّل ما يكون الابتداء به في هذا اليوم الصلاة التي بدأنا بها، فعبّر بالمستقبل عن الماضي. وفي رواية محمد بن طلحة، عن زبيد، الآتية إن شاء الله تعالى في هذا الحديث بعينه، خرج ﵊ يوم أضحى، إلى البقيع، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه الشريف وقال: "إن أوّل نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع فننحر". وأوّل عيد صلاّه النبي ﷺ ، عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة. وقد اختلف في حكم صلاة العيد بعد إجماع الأمة على مشروعيتها. فقال أبو حنيفة، ﵀: واجبة على الأعيان. وقال المالكية والشافعية: سُنّة مؤكدة. وقال أحمد وجماعة: فرض على الكفاية. واستدل الأوّلون بمواظبته ﵊ عليها من غير ترك. واستدلّ إلا المالكية والشافعية بحديث الأعرابي في الصحيحين: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا إلاّ أن تطوّع". وحديث: "خمس صلوات كتبهنّ الله في اليوم والليلة". وحملوا ما نقله المزني عن الشافعي: أن من وجب عليه الجمعة وجب عليه حضور العيدين، على التأكيد، فلا إثم ولا قتال بتركها. واستدلّ الحنابلة بقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ وهو يدل على الوجوب. وحديث الأعرابي يدل على: أنها لا تجب على كل أحد، فتعين أن تكون فرضًا على الكفاية. وأجيب: بأنا لا نسلّم أن المراد بقوله: فصلّ صلاة العيد، سلّمنا ذلك، لكن ظاهره يقتضي وجوب النحر، وأنتم لا تقولون به، سلّمنا أن المراد من النحر ما هو أعمّ، لكن وجوبه خاصّ به، فيختص وجوب صلاة العيد به، سلّمنا الكل، وهو أن الأمر الأوّل غير خاصّ به، والأمر الثاني خاصّ. لكن لا نسلّم أن الأمر للوجوب. فنحمله على الندب جمعًا بينه وبين الأحاديث الأُخَر، سلّمنا جميع ذلك، لكن صيغة: صلِّ، خاصة به، فإن حملت عليه وأمتّه وجب إدخال الجميع، فلما دلّ الدليل على إخراج بعضهم؛ كما زعمتم، كان ذلك قادحًا في القياس، قاله البساطي. (ثم نرجع) بالنصب عطفًا على نصلي، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: نحن نرجع (فننحر) بالنصب (فمن فعل) بأن ابتداء بالصلاة، ثم رجع فنحر (فقد أصاب سُنّتنا). قال الزين بن المنير، فيه إشعار بأن صلاة ذلك اليوم هي الأمر المهم، وإن ما سواها من الخطبة والنحر وغير ذلك من أعمال البرّ يوم العيد، فبطريق التبع، وهذا القدر مشترك بين العيدين، وبذلك تحصل المناسبة بين الحديث والترجمة من حيث أنه قال فيها: العيدين، بالتثنية، مع أنه لا يتعلق إلا بعيد النحر. ورواة الحديث، الأوّل: بصري، والثاني: واسطي، والثالث والرابع: كوفيان، وأخرجه المؤلّف في العيدين أيضًا، وفي الأضاحي، والإيمان والنذور، ومسلم في الذبائح، وأبو داود في الأضاحي، وكذا الترمذي. وأخرجه النسائي في الصلاة، والأضاحي. ٩٥٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: [دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا»]. وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) الهباري القرشي الكوفي (قال: حدّثنا أبو أسامة) بضم الهمزة، حماد بن أسامة (عن هشام) هو: ابن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ قالت: دخل) عليّ (أبو بكر) ﵁ (وعندي جاريتان من جواري الأنصار) إحداهما: لحسان بن ثابت، أو كلاهما لعبد الله بن سلام، واسم إحداهما: حمامة كما مر، ويحتمل أن تكون الثانية اسمها: زينب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في النكاح، (تغنيان) ولمسلم في رواية هشام أيضًا: بدف، وللنسائي: بدفين، ويقال له أيضًا: الكربال، بكسر الكاف، وهو الذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه فهو المزهر، (بما) ولأبوي ذر والوقت، عن الكشميهني: مما بميمين

стр. 725

(تقاولت الأنصار) أي: بما قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء وللمصنف في الهجرة: بما تعازفت، بعين مهملة وزاي، وفي رواية: تقاذفت، بقاف بدل العين وذال معجمة بدل الزاي من القذف وهو هجاء بعضهم لبعض (يوم بعاث) بضم الموحدة، حصن للأوس، أو موضع في ديار بني قريظة فيه أموالهم. (قالت) عائشة: (وليستا) أي: الجاريتان (بمغنيتين) نفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ، لأن الغناء يطلق على: رفع الصوت، وعلى الترنم، وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنيًا، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسر، وتهييج وتشويق، بما فيه تعريض بالفواحش، أو تصريح بما يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا لا يختلف في تحريمه. ومباحث هذه المادة تأتي إن شاء الله تعالى في: كتاب الأشربة، عند الكلام على: حديث المعازف. (فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان) بالرفع على الابتداء، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي وابن عساكر: أبمزامير، أي: أتشتغلون بمزامير الشيطان (في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد. فقال رسول الله ﷺ ¬): (يا أبا بكر! إن لكل قوم عيدًا، وهذا) اليوم (عيدنا)، وإظهار السرور فيه من شعائر الدين. واستدلّ به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء، ولو لم تكن مملوكة، لأنه ﷺ لم ينكر على أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره. ولا يخفى أن محل الجواز ما إذا أمنت الفتنة بذلك. ٤ - باب الأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ (باب الأكل يوم) عيد (الفطر قبل الخروج) إلى الصلّى لصلاة العيد. ٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ["كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ". وَقَالَ مُرَجَّأُ بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا"]. وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحمن) المشهور: بصاعقة، قال: (حدّثنا) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: أخبرنا (سعيد بن سليمان) الملقب: سعدويه (قال: حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة، ابن بشير، بضم الموحدة، وفتح المعجمة، ابن القاسم السلمي الواسطي (قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن) جدّه (أنس) ﵁، ولأبي ذر: عن أنس بن مالك (قال: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم) عيد (الفطر حتى يأكل تمرات) ليعلم نسخ تحريم الفطر قبل صلاته، فإنه كان محرمًا قبلها أوّل الإسلام. وخصّ التمر، لما في الحلو من تقوية النظر الذي يضعفه الصوم ويرق القلب، ومن ثم استحبّ بعض التابعين أن يفطر على الحلو مطلقًا: كالعسل. رواه ابن أبي شيبة، عن معاوية بن قرة، وابن سيرين وغيرهما. والشرب كالأكل، فإن لم يفعل ذلك قبل خروجه استحب له فعله في طريقه، أو في المصلّى إن أمكنه، ويكره له تركه، كما نقله في شرح المهذّب من نصر الأم. (وقال مرجأ بن رجاء) بضم الميم وفتح الراء وتشديد الجيم آخره همزة في الأول، كذا في الفرع وأصله، وضبطه في الفتح بغير همزة، على وزن: معلى، وبفتح الراء والجيم المخففة ممدودًا في الثاني، السمرقندي البصري، المختلف في الاحتجاج به، وليس له في البخاري غير هذا الموضع، مما وصله الإمام أحمد، عن حرمي بن عمارة، والمؤلّف في تاريخه عنه. قال: (حدثني) بالإفراد (عبيد الله) بن أبي بكر المذكور (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (أنس، عن النبي ﷺ ¬) وزاد (ويأكلهن وترًا). إشارة إلى الوحدانية، كما كان ﵊ يفعله في جميع أموره، تبرّكًا بذلك. وزاد ابن حبان: ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا. وفائدة ذكر المؤلّف، رحمه الله تعالى، لهذا التعليق، تصريح عبيد الله فيه بالإخبار عن أنس، لأن السابقة فيها: عنعنة، ولمتابعته فيها هشيمًا. ٥ - باب الأَكْلِ يَوْمَ النَّحْرِ. (باب الأكل يوم) عيد (النحر) بعد صلاته لحديث بريدة، المروي عند أحمد والترمذي وابن ماجة بأسناد حسنة وصححه الحاكم، وابن حبان. قال: كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ويوم النحر حتى يرجع فيأكل من نسيكته. وإنما فرّق بينهما لأن السُّنّة أن يتصدّق في عيد الفطر قبل الصلاة، فاستحب له الأكل ليشارك المساكين في ذلك، والصدقة في يوم النحر إنما هي بعد الصلاة من الأضحية، فاستحب موافقتهم. وليتميز اليومان عما قبلهما، إذا ما قبل يوم الفطر يحرم فيه الأكل، بخلاف ما قبل يوم النحر. ٩٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ، وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَدَّقَهُ، قَالَ: وَعِنْدِي جَذَعَةٌ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ شَاتَىْ لَحْمٍ. فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا". [الحديث ٩٥٤ - أطرافه في: ٩٨٤، ٥٥٤٦، ٥٥٤٩، ٥٥٦١]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا إسماعيل) بن علية (عن أيوب) السختياني (عن محمد) ولأبوي

стр. 726

ذر، والوقت، والأصيلي: عن محمد بن سيرين (عن أنس) هو: ابن مالك ﵁ (قال: قال النبي ﷺ ¬): (من ذبح) أضحيته (قبل الصلاة) أي: صلاة العيد (فليعد) أضحيته، لأن الذبح للضحية لا يصح قبلها. واستدلّ بأمره ﵊ بإعادة التضحية لأبي حنيفة، ﵀، على وجوبها، لأنها لو لم تكن واجبة لما أمر بإعادتها عند وقوعها في غير محلها. (فقام رجل) هو: أبو بردة بن نيار (فقال: هذا يوم يشتهى فيه اللحم) أطلق اليوم في الترجمة كما هنا، وبذلك يحتمل أن تقع المطابقة بينهما (وذكر من جيرانه) بكسر الجيم، جمع جار، فقرأ وحاجة (فكأن النبي ﷺ صدّقه) فيما قال عن جيرانه، (قال: وعندي جذعة) أي من المعز، بفتح الجيم والذال المعجمة والعين المهملة، التي طعنت في الثانية، هي (أحب إليّ من شاتي لحم) لطيب لحمها وسمنها، وكثرة ثمنها، (فرخص له النبي ﷺ ¬) قال أنس: (فلا أدري أبلغت الرخصة) في تضحية الجذعة (من سواه) أي: الرجل، فيكون الحكم عامًّا لجميع المكلفين (أم لا) فيكون خاصًّا به. وهذه المسألة وقع للأصوليين فيها خلاف، وهو أن خطاب الشرع للواحد هل يختص به أو يعمّ. والثاني: قول الحنابلة، والظاهر أن أنسًا لم يبلغه قوله ﵊، المروي في مسلم، لا تذبحوا إلا مسنّة. وحديث أنس هذا رواه المؤلّف أيضًا في الأضاحي والعيد، ومسلم في الذبائح، والنسائي في الصلاة والأضاحي، وأخرجه ابن ماجة في الأضاحي أيضًا. ٩٥٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: "خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا نُسُكَ لَهُ». فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ خَالُ الْبَرَاءِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي، فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلَاةَ. قَالَ: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ شَاتَيْنِ أَفَتَجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» ". وبه قال: (حدّثنا عثمان) بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي أخو أبي بكر بن أبي شيبة (قال: حدّثنا جرير) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الضبي الرازي (عن منصور) هو: ابن المعتمر الكوفي (عن الشعبي) بفتح المعجمة، عامر بن شراحيل، (عن البراء بن عازب) ﵄ (قال: خطبنا النبي ﷺ يوم) عيد (الأضحى بعد الصلاة) أي: صلاة العيد (فقال): (من صلى صلاتنا، ونسك) بفتح النون والسين (نسكًا) بضم النون والسين ونصب الكاف، أي: ضحى مثل ضحيتنا (فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فإنه) أي: النسك (قبل الصلاة). استشكل اتحاد الشرط والجزاء. وأجيب: بأن المراد لازمه، فهو كقوله: فهجرته إلى ما هاجر إليه. أي: غير صحيحة، أو غير مقبولة، فالمراد به هنا التحقير، والمراد به هنا عدم الاعتداد بما قبل الصلاة، إذ هو المقرر في النفوس، وحينئذ فيكون قوله: (ولا نسك له) كالتوضيح والبيان له. وقال في الفتح: فإنه قبل الصلاة لا يجزئ ولا نسك له. قال: وفي رواية النسفيّ: فإنه قبل الصلاة لا نسك له، بحذف الواو، وهو أوجه. (فقال أبو بردة) بضم الموحدة وإسكان الراء، هانئ، بالنون والهمزة (بن نيار) بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية وبعد الألف راء، البلوي المدني (خال البراء) بن عازب (يا رسول الله، فإني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل) بفتح الهمزة (وشرب) بضم المعجمة. وجوز الزركشي، في تعليق العمدة، فتحها كما قيل له في أيام منى: أيام أكل وشرب. وتعقبه في المصابيح: بأنه ليس محل قياس، وإنما المعتمد فيه الرواية. (وأحببت أن تكون شاتي أول شاة تذبح في بيتي) بنصب: أول، خبر تكون. وبالرفع: اسمها، فتكون شاتي خبرها مقدّمًا، وفي رواية: أول ما يذبح، ولأبوي ذر، والوقت: أول تذبح، بدون الإضافة، بفتح أول لأنه مضاف إلى الجملة، فيكون مبنيًّا على الفتح، أو منصوبًا خبرًا لتكون، كذا قال الكرماني وفيه نظر ظاهر. ويجوز الضم: كقبل وغيره من الظروف المقطوعة عن الإضافة. (فذبحت شاتي وتغديت) بالغين المعجمة من الغداء (قبل أن آتي الصلاة، قال) ﵊ له: (شاتك شاة لحم) أي: فليست أضحية ولا ثواب فيها، بل هي على عادة الذبح للأكل المجرد من القربة، فاستفيد من إضافتها إلى اللحم نفي الإجزاء. (قال) أي: أبو بردة، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: فقال: (يا رسول الله، فإن عندنا عناقًا) بفتح العين (لنا جذعة) صفتان لعناقًا المنصوب بأن الذي هو: أنثى ولد المعز (هي أحب إليّ) لسمنها، وطيب لحمها، وكثرة قيمتها (من

стр. 727

شاتين) وسقط: هي، للأربعة (أفتجزئ) بفتح الهمزة للاستفهام، والمثناة الفوقية وسكون الجيم من غير همز كقوله: ﴿لا يجزي والد عن ولده﴾ [لقمان: ٣٣] أي: أتكفي، لم و: تقضي (عني؟). وقول البرماوي وغيره: وجوّز بعضهم: تجزئ، بالضم من الرباعي المهموز، وبه قال الزركشي في تعليق العمدة معتمدًا على نقل الجوهري: إن بني تميم تقول: أجزأت عنك شاةً، بالهمزة، متعقب بأن الاعتماد إنما يكون على الرواية لا على مجرد نقل الجوهري عن التميميين جوازه. (قال) ﵊: (نعم) أي: تجزي عنك، (ولن تجزي) جذعة (عن أحد بعدك) أي: غيرك، لأنه لا بدّ في تضحية المعز من الثنيّ، فهو مما اختص به أبو بردة، كما اختصّ خزيمة بقيام شهادته مقام شاهدين. ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون، وجرير أصله من الكوفة، وفيه التحديث والعنعنة والقول. ٦ - باب الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى بِغَيْرِ مِنْبَرٍ (باب الخروج إلى المصلّى) بالصحراء لصلاة العيدين (بغير منبر). ٩٥٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَىْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ -وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ- فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ. فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ أَوْ يَأْمُرَ بِشَىْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ -وَهْوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ- فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ، فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ، فَقَالَ: أَبَا سَعِيدٍ قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ، فَقُلْتُ مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ. فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ". وبالسند قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدّثنا محمد بن جعفر) هو: ابن أبي كثير المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (زيد)، ولأبي ذر: زيد بن أسلم (عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح) بفتح المهملة وسكون الراء ثم بالحاء المهملة، واسم جده سعد القرشي المدني (عن أبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه (قال: كان رسول الله) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: كان النبي (¬ ﷺ ، يخرج يوم) عيد (الفطر و) يوم عيد (الأضحى) إلى المصلّى موضع خارج باب المدينة، بينه وبين باب المسجد ألف ذراع. قاله ابن شبة في أخبار المدينة عن أبي غسان صاحب مالك، واستدلّ به على استحباب الخروج إلى الصحراء لأجل صلاة العيد، وأن ذلك أفضل من صلاتها في المسجد لمواظبته ﵊ على ذلك، مع فضل مسجده، وهذا مذهب الحنفية. وقال المالكية والحنابلة: تسنّ في الصحراء إلا بمكة، فبالمسجد الحرام لسعته. وقال الشافعية: وفعلها في المسجد الحرام وبيت المقدس أفضل من الصحراء، تبعًا للسلف والخلف، ولشرفهما ولسهولة الحضور إليهما، ولوسعهما، وفعلها في سائر المساجد إن اتسعت، أو حصل مطر ونحوه كثلج، أولى لشرفها ولسهولة الحضور إليها مع وسعها في الأول، ومع العذر في الثاني فلو صلّى في الصحراء كان تاركًا للأولى مع الكراهة في الثاني دون الأصل، وإن ضاقت المساجد، ولا عذر، كره فعلها فيها للمشقة بالزحام، وخرج إلى الصحراء، واستخلف في المسجد من يصلّي بالضعفاء كالشيوخ والمرضى ومن معهم من الأقوياء، لأن عليًّا استخلف أبا مسعود الأنصاري في ذلك، رواه الشافعي بإسناد صحيح. (فأول شيء يبدأ به الصلاة) برفع: أول، مبتدأ نكرة مخصصة بالإضافة، خبره: الصلاة. لكن الأولى جعل أول: خبرًا مقدّمًا، والصلاة: مبتدأ لأنه معرفة. وإن تخصص أول، فلا يخرج عن التنكير، وجملة: يبدأ به، في محل جر صفة لشيء. (ثم ينصرف) ﵊ من الصلاة (فيقوم مقابل الناس) أي مواجهًا لهم. ولابن حبان، من طريق داود بن قيس، فينصرف إلى الناس قائمًا في مصلاه. ولابن خزيمة: خطب يوم عيد على رجليه، وفيه إشعارًا بأنه لم يكن إذ ذاك في المصلّى منبر. (والناس جلوس على صفوفهم) جملة اسمية حالية (فيعظهم) أي: يخوفهم عواقب الأمور (ويوصيهم) بسكون الواو، أي: بما تنبغي الوصية به (ويأمرهم) بالحلال، وينهاهم عن الحرام. (فإن) بالفاء، ولابن عساكر: وإن (كان) ﵊ (يريد) في ذلك الوقت (أن يقطع بعثًا) بفتح الموحدة وسكون المهملة ثم مثلثة، أي مبعوثًا من الجيش إلى الغزو (قطعه، أو) كان يريد أن (يأمر بشيء، أمر به، ثم ينصرف) إلى المدينة. (قال) ولأبي ذر، في نسخة، وأبي الوقت: فقال (أبو سعيد) الخدري: (فلم يزل الناس على ذلك) الابتداء بالصلاة والخطبة بعدها (حتى خرجت مع مروان) بن الحكم (-وهو أمير المدينة-) من قبل معاوية، والواو في: وهو، للحال (في) عيد (أضحى أو) في عيد (فطر فلما أتينا المصلّى) المذكور (إذا منبر) مبتدأ خبره (بناه كثير بن الصلت) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام ثم مثناة فوقية، ابن معاوية الكندي التابعي الكبير، المولود في الزمن

стр. 728

النبوي. والعامل في إذا، معنى المفاجأة، أي فاجأنا مكان المنبر زمان الإتيان، أو: الخبر مقدّر، أي: هناك. فيكون بناه حالاً. وإنما اختص كثير ببناء المنبر بالمصلّى لأن داره كانت في قبلتها. (فإذا مروان يريد أن يرتقيه) أي: يريد صعود المنبر، فأن مصدرية (قبل أن يصلّي) قال أبو سعيد: (فجبدت بثوبه) ليبدأ بالصلاة قبل الخطبة على العادة ولأبي ذر عن المستملي: فجبذته بثوبه (فجبذني فارتفع) على المنبر (فخطب قبل الصلاة، فقلت له) ولأصحابه: (غيرتم والله) سُنّة رسول الله ﷺ وخلفائه، لأنهم كانوا يقدّمون الصلاة على الخطبة، فحمله أبو سعيد على التعيين. (فقال) مروان: يا (أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم) قال أبو سعيد: (فقلت: ما أعلم) أي الذي أعلمه (والله خير) ولأبي ذر في نسخة: خير والله (مما لا أعلم) أي لأن الذي أعلمه طريق الرسول وخلفائه، والقسم معترض بين المبتدأ والخبر. (فقال) مروان معتذرًا عن ترك الأولى: (إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها) أي الخطبة (قبل الصلاة) فرأى أن المحافظة على أصل السُّنَّة، وهو استماع الخطبة، أولى من المحافظة على هيئة فيها ليست من شرطها. ومذهب الشافعية: لو خطب قبلها لم يعتدّ بها، وأساء. وأما ما فعل مروان بن الحكم من تقديم الخطبة، فقد أنكره عليه أبو سعيد كما ترى. ورواد هذا الحديث كلهم مدنيون. ٧ - باب الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ إِلَى الْعِيدِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ (باب المشي والركوب إلى) صلاة (العيد، و) باب تقديم (الصلاة قبل الخطبة، و) باب صلاته (بغير أذان) عند صعود الإمام المنبر، ولا عند غيره (ولا إقامة) عند نزوله ولا عند غيره. وسقط في غير رواية أبي ذر، وابن عساكر: والصلاة قبل الخطبة. ٩٥٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمْرَانَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرِ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ". [الحديث ٩٥٧ - طرفه في: ٩٦٣]. وبالسند قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي، بكسر الحاء المهملة وبالزاي المخففة (قال: حدّثنا أنس) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: أنس بن عياض (عن عبيد الله) بالتصغير، ابن عمر بن حفص بن عاصم ابن عمر، العمري المدني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄، وسقط: عبد الله، لابن عساكر: (أن رسول الله ﷺ ، كان يصلّي في) عيد (الأضحى و) عيد (الفطر) ولأبي ذر: في الفطر والأضحى (ثم يخطب بعد الصلاة) صرّح بتقديم الصلاة، فهو مطابق للجزء الثاني من الترجمة. وقد اختلف في أول من غير هذا، فقدم الخطبة على الصلاة. وحديث مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد صريح أنه مروان. وقيل: معاوية، رواه عبد الرزاق. وقيل: زياد. والظاهر أن مروان وزيادًا فعلا ذلك تبعًا لمعاوية، لأن كلاًّ منهما كان عاملاً له. وقيل: بل سبقه إليه عثمان لأنه رأى ناسًا لم يدركوا الصلاة فصار يقدّم الخطبة. رواه ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري، وهذه العلة غير التي اعتلّ بها مروان لأنه راعى مصلحتهم في استماع الخطبة. لكن قيل: إنهم كانوا في زمنه يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها من سبّ مَن لا يستحق السبّ، والإفراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه. وأما عثمان فراعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة. على أنه يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانًا، بخلاف مروان فواظب على ذلك، فنسب إليه. وقيل: عمر بن الخطاب، رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة بإسناد صحيح، لكن يعارضه حديث ابن عباس المذكور في الباب الذي بعده. وكذا حديث ابن عمر. فإن جمع بوقوع ذلك نادرًا، وإلاّ فما في الصحيحين أصح. أشار إليه في الفتح. وقد تقدم قريبًا في آخر الباب السابق، أنه. لا يعتدّ بالخطبة إذا تقدمت على الصلاة. فهو كالسُّنّة الراتبة، بعد الفريضة إذا قدّمها عليها. فلو لم يعد الخطبة لم تلزمه إعادة ولا كفّارة. وقال المالكية. إن كان قريبًا أمر بالإعادة وإن بَعُدَ فات التدارك. وهذا بخلاف الجمعة، إذ لا تصح إلا بتقديم الخطبة، لأن خطبتها شرط لصحتها، وشأن الشرط أن يقدّم. ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون، وشيخ المؤلّف من أفراده، وفيه التحديث والعنعنة والقول. ٩٥٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ". [الحديث ٩٥٨ - طرفاه في: ٩٦١، ٩٧٨]. وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي الرازي الصغير (قال: أخبرنا) ولابن عساكر:

стр. 729

حدّثنا (هشام) هو: ابن يوسف الصنعاني اليماني، قاضيها (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو: ابن أبي رباح (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (قال: سمعته) أي: كلامه حال كونه (يقول: إن النبي ﷺ خرج يوم) عيد (الفطر) إلى المصلّى. (فبدأ بالصلاة قبل الخطبة). ٩٥٩ - قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي أَوَّلِ مَا بُويِعَ لَهُ: "إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ". قال ابن جريج، بالإسناد السابق: (وأخبرني) بالإفراد (عطاء أن ابن عباس) ﵄، (أرسل إلى ابن الزبير) عبد الله (في أول ما بويع له)، أي: لابن الزبير بالخلافة سنة أربع وستين، عقب موت يزيد بن معاوية، (أنه لم يكن يؤذّن) في زمنه، ﷺ (بالصلاة يوم) عيد (الفطر) وذال يؤذن بالفتح مبنيًّا للمجهول، خبر كان واسمها ضمير الشأن، وكذا اسم إن المذكورة قبلها. (وإنما الخطبة بعد الصلاة) لا قبلها. ولغير أبوي ذر والوقت، والكشميهني: إنما، بغير واو، ولأبي ذر، عن الحموي والمستملي: وأما، بغير نون. قيل هو تصحيف. وأجيب: بأنه لا وجه لادعاء تصحيفه، ومعناه: وأما الخطبة فتكون بعد الصلاة. ورواة هذا الحديث ما بين رازي ويماني ومكّي، وهشام من أفراده. وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلم وأبو داود في الصلاة. ٩٦٠ - وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: [لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الأَضْحَى]. قال ابن جريج بالسند المذكور (وأخبرني عطاء) أيضًا (عن ابن عباس، وعن جابر بن عبد الله) الأنصاري (قالا: لم يكن يؤذن) بفتح الذال (يوم) عيد (الفطر، ولا يوم) عيد (الأضحى) في زمنه ﵊. وفي رواية يحيى القطان، عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس، قال لابن الزبير: لا تؤذن لها، ولا تقم. أخرجه ابن أبي شيبة. ولمسلم، عن عطاء عن جابر: فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة. وعنده أيضًا من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر قال: لا أذان للصلاة يوم العيد ولا إقامة ولا شيء. واستدلّ المالكية والجمهور بقوله: ولا إقامة ولا شيء، أنه لا يقال قبلها: الصلاة جامعة، ولا: الصلاة. واحتج الشافعية على استحباب قوله، بما روى الشافعي عن الثقة عن الزهري، قال: كان رسول الله ﷺ يأمر المؤذن في العيدين فيقول: الصلاة جامعة. وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة الكسوف لثبوته فيها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فلنتوق ألفاظ الأذان كلها، أو بعضها، فلو أذن أو أقام، كره له كما نص عليه في الأم. وأول من أحدث الأذان فيها: معاوية، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، زاد الشافعي في روايته عن الثقة، عن الزهري، فأخذ به الحجاج حين أمّر على المدينة. أو: زياد، بالبصرة، رواه البن المنذر، أو: مروان، قاله: الداودي، أو: هشام، قاله ابن حبيب، أو: عبد الله بن الزبير، ورواه ابن المنذر أيضًا. ٩٦١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ، فَلَّمَا فَرَغَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً". قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ الآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ فَيُذَكِّرَهُنَّ حِينَ يَفْرُغُ؟ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا؟ (و) بالإسناد أيضًا (عن جابر بن عبد الله قال: سمعته يقول: إن النبي) وللأصيلى، وأبي الوقت، وأبي ذر، في نسخة: عن جابر بن عبد الله أن النبي (¬ ﷺ ، قام، فبدأ بالصلاة) يوم العيد (ثم خطب للناس بعد). أي: بعد الصلاة. (فلما فرغ نبي الله ﷺ من الخطبة (نزل). فإن قلت: قد سبق أنه ﵊ كان يخطب في المصلّى على الأرض، وقوله هنا: نزل، يُشعِر بأنه كان يخطب على مكان مرتفع. أجيب: باحتمال أن الراوي ضمن النزول معنى الانتقال، أي: انتقل. (فأتى النساء، فذكرهن) بتشديد الكاف، أي: وعظهن (وهو يتوكأ) أي: يعتمد (على يد بلال). قيل: يحتمل أن يكون المؤلّف استنبط من قوله: وهو يتوكأ على يد بلال، مشروعية الركوب لصلاة العيد لمن احتاج إليه، بجامع الارتفاع بكلّ منهما، فكأنه يقول: الأولى المشي للتواضع حتى يحتاج إلى الركوب، كما خطب ﵊ قائمًا على قدميه، فلما تعب توكأ على يد بلال. وفي الترمذي، عن علي، قال: من السُّنّة أن يخرج إلى العيد ماشيًا. وفي ابن ماجة، عن سعد القرظ: أنه ﵊، كان يخرج إلى العيد ماشيًا، وفيه عن أبي رافع نحوه، ولم يذكرها المؤلّف لضعفها. واستدلّ الشافعية بحديث: إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وأنتم تمشون. قالوا: ولا بأس بركوب العاجز للعذر، وكذا الراجع منها، ولو كان قادرًا ما لم يتأذّ به أحد، لانقضاء العبادة. وجملة: وهو يتوكأ، حالية. وكذا

стр. 730

قوله: (وبلال باسط ثوبه يلقي) بضم المثناة التحتية، أي يرمي (فيه النساء صدقة). قال جريج: (قلت لعطاء: أترى) بفتح التاء (حقًّا على الإمام الآن أن يأتي النساء) وسقط: أن، لابن عساكر (فيذكرهن حين يفرغ) أي: من الخطبة. وحقًّا مفعول ثانٍ لقوله: أترى، قدّم على الثاني، وهو: أن يأتي النساء للاهتمام به. (قال) عطاء: (إن ذلك لحق عليهم، وما لهم أن لا يفعلوا) ذلك. وما، نافية أو: استفهامية. ٨ - باب الْخُطْبَةِ بَعْدَ الْعِيدِ (باب الخطبة بعد) صلاة (العيد). هذه الترجمة من جملة التراجم الثلاثة السابقة في الباب المتقدم، ولعله أعادها لمزيد الاعتناء، وهو مما يرجح رواية أبي ذر، وابن عساكر بسقوطها في الباب السابق، واقتصارهم على ترجمتين فقط. كما مر. ٩٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ". وبالسند قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل البصري (قال: أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (الحسن بن مسلم) بضم الميم وسكون السين وكسر اللام، ابن يناق، بفتح المثناة التحتية وتشديد النون وبعد الألف قاف (عن طاوس) هو: ابن كيسان (عن ابن عباس) ﵄، (قال: شهدت العيد مع رسول الله، ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، ﵃، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة). هذا صريح فيما ترجم له، وشيخ المؤلّف بصري، والثاني والثالث مَكِّيّان، والرابع يماني، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول. وأخرجه المؤلّف في: التفسير، ومسلم في الصلاة، وكذا أخرجه أبو داود. ٩٦٣ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ". وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي (قال: حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (قال: حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا، ابن عمر بن حفص العمري (عن نافع، عن ابن عمر) بن الخطاب، ﵄، (قال: كان رسول الله) ولأبي ذر في رواية، وأبي الوقت، والأصيلي: كان النبي (¬ ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵄، يصلون العيدين قبل الخطبة). ٩٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا. ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ، تُلْقِي الْمَرْأَةُ خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا". وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي بمعجمة، ثم مهملة، البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عدي بن ثابت) بالمثلثة، الأنصاري الكوفي (عن سعيد بن جبير) الأسدي، مولاهم الكوفي، المقتول بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين (عن ابن عباس) ﵄، (أن النبي ﷺ ، صلّى يوم) عيد (الفطر ركعتين) لا أربعًا. وما روي عن عليّ أنها تُصلّى في الجامع أربعًا، وفي المصلّى ركعتين، مخالف لما انعقد عليه الإجماع. (لم يصلّ قبلها ولا بعدها) تطوعًا. وحكم ذلك يأتي إن شاء الله تعالى (ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة) لكونه رآهن أكثر أهل النار. (فجعلن يلقين) الصدقة في ثوب بلال، (تلقي المرأة خرصها) بضم الخاء المعجمة وقد تكسر، أي؛ حلقتها الصغيرة التي تعلق بالأُذن (و) تلقي (سخابها) بكسر السين المهملة والخاء المعجمة مخففة وبعد الألف موحدة، خيط من خرز. وقال البخاري: قلادة من طيب أو مسك أو قرنفل ليس فيه من الجوهر شيء، وسمي به لصوت خرزه، عند الحركة من السخب، وهو اختلاط الأصوات، ويجوز فيه الصاد. ٩٦٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ. فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ فِي شَىْءٍ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. فَقَالَ: «اجْعَلْهُ مَكَانَهُ وَلَنْ تُوفِيَ -أَوْ تَجْزِيَ- عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا زبيد) بضم الزاي وفتح الموحدة مصغرًا، ابن الحرث اليامي، بالمثناة التحتية (قال: سمعت الشعبي) عامر بن شراحيل (عن البراء بن عازب) ﵁ (قال، قال النبي ﷺ ¬) في خطبته بعد أن صلّى العيد: (إن أول ما نبدأ) به (في يومنا هذا) يوم عيد الأضحى، وكذا عيد الفطر (أن نصلي) الصلاة التي قدمنا فعلها، فعبر بالمستقبل عن الماضي (ثم نرجع فننحر). نصب عطفًا على السابق، والتعقيب بثم لا يستلزم عدم تخلّل أمر آخر بين الأمرين (فمن فعل ذلك) أي البدء بالصلاة، ثم رجع فنحر (فقد أصاب سنّتنا، ومن نحر قبل الصلاة) إبلاً أو ذبح غيرها، المشهور أن النحر في الإبل، والذبح في غيرها، وقد يطلق النحر على الذبح لأن كلاًّ منهما يحصل به إنهار الدم (فإنما هو لحم قدّمه لأهله، ليس من النسك في شيء) بسكون السين في اليونينية. (فقال رجل من الأنصار يقال له: أبو بردة) بضم الموحدة

стр. 731

وسكون الراء (بن دينار) بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية: (يا رسول الله، ذبحت) شاتي قبل أن آتي الصلاة (وعندي جذعة) من المعز ذات سنة هي (خير) لسمنها وطيب لحمها وكثرة ثمنها (من مسنّة) أي: ثنية من المعز ذات سنتين (فقال) ﵊، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي قال: (اجعله مكانه) بتذكير الضميرين مع عودهما لمؤنث، اعتبارًا بالمذبوح (ولن توفي) بضم المثناة الفوقية وسكون الواو وكسر الفاء مخففة، كذا في اليونينية، وضبطه البرماوي وغيره؛ توفي، بفتح الواو وتشديد الفاء (أو تجزي) بفتح أوله من غير همز، شك من الراوي، أي: لن تكفي جذعة (عن أحد بعدك)، خوصية له، لا تكون لغيره، إذ كان له، ﵊، أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام. ٩ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ فِي الْعِيدِ وَالْحَرَمِ وَقَالَ الْحَسَنُ: نُهُوا أَنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ يَوْمَ عِيدٍ، إِلاَّ أَنْ يَخَافُوا عَدُوًّا. (باب ما يكره من حمل السلاح في العيد و) أرض (الحرم) بطرًا وأشرًا من غير أن يتحفظ، حال حمله وتجريده، من إصابة أحد من الناس، لا سيما عند المزاحمة والمسالك الضيقة. وهذا بخلاف ما ترجم له فيما سبق من: لعب الحبشة بالحراب والدرق يوم العيد للتدريب والإدمان لأجل الجهاد مع الأمن من الإيذاء. (وقال الحسن) البصري: (نهوا) بضم النون والهاء. أصله: نهيوا، استثقلوا الضمة على الياء، فنقلت إلى ما قبلها بعد سلب حركة ما قبلها، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين. (أن يحملوا السلاح يوم عيد) خوفًا أن يصل الإيذاء لأحد و: عيد، بالتنكير، وللأصيلي، وأبي الوقت، وأبي ذر، في نسخة، يوم العيد. (إلاّ أن يخافوا عدوًّا) فيباح حمله للضرورة. وقد روى ابن ماجة، بإسناد ضعيف عن ابن عباس: أنه، ﷺ ، نهى أن يلبس السلاح في بلاد الإسلام إلا أن يكونوا بحضرة العدوّ. وروى مسلم عن جابر: نهى أن النبي ﷺ أن يحمل السلاح بمكة. ٩٦٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا. وَذَلِكَ بِمِنًى -فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ فَجَعَلَ يَعُودُهُ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَنْتَ أَصَبْتَنِي. قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: حَمَلْتَ السِّلَاحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ، وَأَدْخَلْتَ السِّلَاحَ الْحَرَمَ، وَلَمْ يَكُنِ السِّلَاحُ يُدْخَلُ الْحَرَمَ". [الحديث ٩٦٦ - طرفه في: ٩٦٧]. وبالسند قال: (حدّثنا زكريا بن يحيى) الطائي الكوفي، كنيته (أبو السكين) بضم المهملة وفتح الكاف، مصغرًا (قال: حدّثنا المحاربي) بضم الميم وبالمهملة وبعد الألف والراء المكسورة موحدة، عبد الرحمن بن محمد، لا ابنه عبد الرحيم (قال: حدّثنا محمد بن سوقة) بضم المهملة وسكون الواو وفتح القاف التابعي الصغير الكوفي (عن سعيد بن جبير قال): (كنت مع ابن عمر) بن الخطاب ﵄ (حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه) بإسكان الخاء المعجمة وفتح الميم ثمّ صاد مهملة، ما دخل من القدم، فلم يصب الأرض عند المشي، (فلزقت) بكسر الزاي (قدمه بالركاب، فنزلت فنزعتها). أنّث الضمير مع عوده إلى السنان المذكر، إما باعتبار إرادة الحديدة، أو السلاح لأنه مؤنث، أو: هو راجع إلى القدم، فيكون من باب القلب، كما في: أدخلت الخفّ في الرِجل. (وذلك) أي: وقوع الإصابة (بمنى) بعد قتل عبد الله بن الزبير بسنة. (فبلغ الحجاج) بن يوسف الثقفي، وكان إذ ذاك أميرًا على الحجاز (فجعل يعوده). جعلَ من أفعال المقاربة الموضوعة للشروع في العمل، ويعوده خبره، ولأبي ذر، وابن عساكر: عن المستملي: فجاء يعوده. والجملة حالية. (فقال الحجاج) له: (لو نعلم من أصابك) عاقبناه، ولأبي الوقت، عن الحموي والمستملي، كما في الفرع: وقال العيني، كالحافظ ابن حجر، ولأبي ذر، بدل: أبي الوقت: ما أصابك. (فقال ابن عمر) للحجاج: (أنت أصبتني) نسب الفعل إليه لأنه أمر رجلاً معه حربة يقال: إنها كانت مسمومة، فلصق ذلك الرجل به، فأمرّ الحربة على قدمه، فمرض منها أيامًا ثم مات. وذلك في سنة أربع وسبعين. وكان سبب ذلك أن عبد الملك كتب إلى الحجاج: أن لا تخالف ابن عمر، فشقّ عليه ذلك، وأمر ذلك الرجل بما ذكر. حكاه الزبيري في الأنساب. وفي كتاب الصريفيني: لما أنكر عبد الله على الحجاج نصب المنجنيق، يعني: على الكعبة، وقتل عبد الله بن الزبير، أمر الحجاج بقتله، فضربه رجل من أهل الشام ضربة، فلما أتاه الحجاج يعوده قال له عبد الله: تقتلني ثم تعودني؟ كفى الله حكمًا بيني وبينك. فصرّح أنه أمر بقتله، وأنه قاتله، بخلاف ما حكاه الزبيري فإنه غير صريح. (قال) الحجاج: (وكيف) أصبتك؟ (قال) ابن عمر له:

стр. 732

(حملت السلاح) أي: أمرت بحمله (في يوم لم يكن يحمل فيه) السلاح، وهو يوم العيد (وأدخلت السلاح الحرم) المكي، ولأبوي ذر، والوقت: في الحرم (ولم يكن السلاح يدخل الحرم) بضم المثناة التحتية مبنيًّا للمفعول. أي فخالفت السُّنّة في الزمان والمكان، وفيه: أن قول الصحابي: كان يفعل كذا، مبنيًّا للمفعول له حكم الرفع. ورواة هذا الحديث كوفيون، وفيه تابعي عن تابعي، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلّف من أفراده، وأخرجه أيضًا: في العيدين. ٩٦٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "دَخَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ هُوَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ. فَقَالَ: مَنْ أَصَابَكَ؟ قَالَ: أَصَابَنِي مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلَاحِ فِي يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ" يَعْنِي الْحَجَّاجَ". وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يعقوب) المسعودي الكوفي (قال: حدّثني) بالإفراد (إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي) بفتح عين عمرو وسكون ميمه، وكسر عين سعيد، كلاهما الأموي القرشي (عن أبيه) سعيد المذكور (قال): (دخل الحجاج) بن يوسف (على ابن عمر) بن الخطاب، ﵄ (وأنا عنده فقال: كيف هو؟ فقال: صالح. فقال) أي: الحجاج، ولأبي ذر: قال: (من أصابك؟ قال) ابن عمر: (أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحلّ فيه حمله) وهو يوم العيد. (يعني) ابن عمر: (الحجاج). نصب على المفعولية. وزاد الإسماعيلي في هذه الطريق: قال: لو عرفناه لعاقبناه. قال: وذلك لأن الناس نفروا عشية، ورجل من أصحاب الحجاج عارض حربته، فضرب ظهر قدم ابن عمر، فأصبح وهنًا منها، ثم مات. فإن قلت: هذه الرواية فيها تعريض بالحجاج حيث قال: أصابني من أمر، ورواية سعيد بن جبير المتقدمة مصرّحة بأنه الذي فعل ذلك، حيث قال: أنت أصبتني. أجيب: باحتمال تعدّد الواقعة، أو السؤال، فلعله عرّض به أولاً، فلما أعاد عليه صرّح. ١٠ - باب التَّبْكِيرِ إِلَى الْعِيدِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ: إِنْ كُنَّا فَرَغْنَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ. وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ. (باب التبكير للعيد) أي: لصلاة العيد. والتبكير بتقديم الموحدة على الكاف من بكر إذا بادر وأسرع، ولأبي ذر، والأصيلي، عن الكشميهني: التكبير، بتأخير الموحدة بعد الكاف. وعزاها العيني، كالحافظ ابن حجر، للمستملي قال: وهو تحريف. (وقال عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وإسكان المهملة، المازني السلمي، الصحابي ابن الصحابي، آخر من مات من الصحابة بالشام، فجأة، سنة ثمان وثمانين، مما وصله أحمد، من طريق خمير، بضم الخاء المعجمة مصغرًا، قال: خرج عبد الله بن بسر مع الناس يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر بإبطاء الإمام، وقال (إن كنا فرغنا في هذه الساعة) في رواية أحمد المذكورة إن كنا مع النبي ﷺ قد فرغنا. فصرح برفعه، وأثبت قد، وهي ساقطة من البخاري كما في اليونينية. وعند الحافظ ابن حجر في فتح الباري، والعلاّمة العيني في شرحه. نعم، في كلام البرماوي والزركشي ما يدل على ثبوتها، ولا مانع من ثبوتها في بعض الأصول تبعًا لأصول التعليق عند أحمد، لكنهما حكيا أن الصواب: لقد فرغنا، بإثبات اللام الفارقة. وتعقب ذلك العلامة البدر الدماميني؛ بأنها إنما تكون لازمة عند خوف اللبس. قال ابن مالك: فإن أمن اللبس لم يلزم، كقراءة أبي رجاء ﴿وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا﴾ [الزخرف: ٣٥]. بكسر اللام ومنه. إن كان رسول الله ﷺ يحب التيمّن، وإن كان من أحب الناس إلى غير ذلك. اهـ. وإن في قوله: إن كنا، هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. (وذلك) أي: وقت الفراغ (حين التسبيح) أي وقت صلاة السبحة، وهي النافلة، إذ مضى وقت الكراهة. وفي رواية صحيحة للطبراني: وذلك حين تسبيح الضحى، واختلف في وقت الغدوّ إليها، ومذهب الشافعية والحنابلة: أن المأموم يذهب مع صلاة الصبح، وأما الإمام فعند إرادة الإحرام بها للاتباع، رواه الشيخان. وقال المالكية، بعد طلوع الشمس، في حق الإمام والمأموم، فلفعل ابن عمر. ووقتها عند الشافعية: ما بين طلوع الشمس وزوالها، وإن كان فعلها عقب الطلوع مكروهًا لأن مبنى المواقيت على أنه إذا خرج وقت صلاة دخل وقت غيرها. وبالعكس، لكن الأفضل إقامتها من ارتفاعها قيد رمح للاتباع، وليخرج وقت الكراهة، وللخروج من الخلاف. وقال المالكية، والحنفية، والحنابلة: من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال. لنا ما سبق عن

стр. 733

عبد الله بن بسر حيث قال: إن كنا قد فرغنا ساعتنا هذه: وذلك حين صلاة التسبيح. واحتج الثلاثة بفعله ﵊، ونهيه عن الصلاة وقت طلوع الشمس، وأجابوا عن حديث ابن بسر هذا بأنه كان قد تأخر عن الوقت، بدليل ما تواتر عن غيره، وبأن الأفضل ما عليه الجمهور، وهو فعلها بعد الارتفاع قيد رمح. فيكون ذلك الوقت أفضل بالإجماع. وهذا الحديث، لو بقي على ظاهره لدلّ على أن الأفضل خلافه. ٩٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَىْءٍ». فَقَامَ خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. قَالَ: «اجْعَلْهَا مَكَانَهَا -أَوْ قَالَ اذْبَحْهَا- وَلَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». وبالسند قال: (حدّثنا سليمان بن حرب، قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن زبيد) اليامي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن البراء) بن عازب، ﵁، (قال): (خطبنا النبي ﷺ يوم النحر) أي بعد أن صلّى العيد (فقال): (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا) أي: وفي يوم عيد الفطر (أن نصلي) صلاة العيد التي صليناها قبل، (ثم نرجع فننحر) بالنصب عطفًا على ما سبق والنحر للإبل، والذبح لغيرها، أو يطلق النحر على الذبح بجامع إنهار الدم. (فمن فعل ذلك) بأن قدّم الصلاة على الخطبة ثم نحر (فقد أصاب سنّتنا، ومن ذبح قبل أن يصلّي) العيد (فإنما هو) أي: الذي ذبحه (لحم عجله لأهله، ليس من النسك) المتقرب بها (في شيء)، ولأبي ذر، عن الكشميهني: فإنها، أي: ذبيحته لحم. قال البراء: (فقام خالي أبو بردة بن نيار) بكسر النون وتخفيف المثناة (فقال: يا رسول الله! أنا) ولأبي ذر، والأصيلي، وأبي الوقت، عن الحموي والمستملي: إني (ذبحت) شاتي (قبل أن أصلي، وعندي جذعة) من المعز، هي (خير من مسنة)، لها سنتان، لنفاستها لحمًا وثمنًا. (قال) ﵊ له، ولأبي الوقت، فقال: (اجعلها مكانها -أو قال اذبحها-) شك من الراوي (ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك) وفي رواية: غيرك. ووجه الدلالة للترجمة من قوله: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي … " من جهة أن المؤخر لصلاة العيد عن أول النهار بدأ بغير الصلاة، لأنه بدأ بتركها، والاشتغال عنها بما لا يخلو الإنسان منه عند خلوه عن الصلاة، وهو استنباط خفي يجنح إلى الجمود على اللفظ، والإعراض عن النظر إلى السياق، وله وجه. ويحقق ما قلناه، أنه قال في طريق أخرى، تأتي إن شاء الله تعالى: "إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة … " فالأوّلية باعتبار المناسك، لا باعتبار النهار: قاله في المصابيح. ١١ - باب فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَات﴾: أَيَّامُ الْعَشْرِ. وَالأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ. (باب فضل العمل في أيام التشريق) الثلاثة بعد يوم النحر، أو: هو منها عملاً بسبب التسمية به، لأن لحوم الأضاحي كانت تشرك فيها بمنى، أيّ تقدد، ويبزر بها للشمس. أو: أنها كلها أيام تشريق لصلاة يوم النحر، لأنها إنما تصلّي بعد أن تشرق الشمس، فصارت تبعًا ليوم النحر. أو: من قول الجاهلية: أشرق ثبير كيما نغير أي ندفع فننحر. وحينئذ فإخراجهم يوم النحر منها إنما هو لشهرته بلقب خاص، وهو: يوم العيد، وإلاّ فهي في الحقيقة تبع له في التسمية. وقد روى أبو عبيد، من مرسل الشعبي، بسند رجاله ثقات: "من ذبح قبل التشريق فليعد". أي: قبل صلاة العيد. لكن مقتضى كلام الفقهاء واللغويين: أنها غيره، والله تعالى أعلم. (وقال ابن عباس) ﵄، مما وصله عبد بن حميد في تفسيره (واذكروا ﴿الله في أيام معلومات﴾) [الحج: ٢٨] باللام هي: (أيام العشر) الأول من ذي الحجة. قال: (والأيام المعدودات) بالدال: هي (أيام التشريق) الثلاثة: الحادي عشر من ذي الحجة: يوم القرّ بفتح القاف، لأن الحجاج يقرّون فيه بمنى، والثاني عشر، والثالث عشر: المسمّيان بالنفر الأول لجواز النفر فيه لمن تعجل، والنفر الثاني. ويقال لها: أيام منى، لأن الحجاج يقيمون فيها بمنى. وهذا، أي قوله: واذكروا ﴿الله في أيام معلومات﴾ باللام، رواية كريمة وابن شبويه، وهي خلاف التلاوة، لأنها في سورة البقرة: معدودات بالدال، ولأبي ذر، عن الحموي والمستملي ﴿واذكروا الله في أيام معدودات) بالدال، وهي مخالفة للتلاوة أيضًا، لأنها، وإن كانت موافقة لآية البقرة في ﴿معدودات﴾ بالدال لكنها مخالفة لها من حيث التعبير بفعل الأمر، موافقة لآية الحج في التعبير بالمضارع، لكن تلك: أي: آية الحج، ﴿معلومات﴾ باللام مع إثبات: اسم، في قوله: ﴿ويذكروا اسم الله﴾ ولأبي ذر أيضًا، عن الكشميهني، مما في الفتح

стр. 734

والعمدة ﴿ويذكروا الله في أيام معلومات﴾ باللام بلفظ سورة الحج، لكنه حذف لفظ: اسم. وبالجملة فليس في هذه الروايات الثلاثة ما يوافق التلاوة، ومن ثم استشكلت. وأجيب: بأنه لم يقصد بها التلاوة، وإنما حكي كلام ابن عباس. وابن عباس إنما أراد تفسير المعدودات والمعلومات. نعم، في فرع اليونينية، مما رقم له بعلامة أبي ذر، عن الكشميهني: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ باللام، وهذا موافق لما في الحج. (وكان ابن عمر) بن الخطاب (وأبو هريرة) ﵃، مما ذكره البغوي والبيهقي معلقًا عنهما، (يخرجان إلى السوق في أيام العشر) الأول من ذي الحجة (يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما). قال البرماوي كالكرماني: هذا لا يناسب الترجمة، إلا أن المصنف، ﵀ كثيرًا ما يضيف إلى الترجمة ما له أدنى ملابسة استطرادًا. وقال في الفتح: الظاهر أنه أراد تساوي أيام التشريق بأيام العشر، لجامع ما بينهما مما يقع فيهما من أعمال الحج. (وكبر محمد بن علي) الباقر، فيما وصله الدارقطني في: المؤتلف، عنه في: أيام التشريق بمنى، (خلف النافلة) كالفريضة. وفي ذلك خلاف يأتي إن شاء الله تعالى في الباب اللاحق مع غيره. ٩٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ». قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَىْءٍ». وبالسند قال: (حدثنا محمد بن عرعرة) بفتح العينين المهملتين، وبالراءين (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش، (عن مسلم البطين) بفتح الموحدة وكسر المهملة وسكون التحتية آخره نون، لقب به لعظم بطنه، وهو كوفي (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس) ﵄ (عن النبي ﷺ أنه قال): (ما العمل) مبتدأ، يشمل أنواع العبادات: كالصلاة والتكبير، والذكر، والصوم، وغيرها (في أيام) من أيام السنة، وهو متعلق المبتدأ، أو خبره قوله: (أفضل منها) الجار والمجرور متعلق بأفضل، والضمير عائد إلى العمل، بتقدير الإعمال كما في قوله تعالى ﴿أو الطفل الذين﴾ [النور: ٣١] كذا قرره البرماوي والزركشي. وتعقبه المحقق ابن الدماميني فقال: هذا غلط، لأن الطفل يطلق على الواحد والجماعة بلفظ واحد، بخلاف العمل، وزاد فخرّجه على أن يكون الضمير عائدًا إلى العمل، باعتبار إرادة القربة مع عدم تأويله بالجمع، أي: ما القربة في أيام أفضل منها (في هذا العشر) الأول من ذي الحجة. كذا في رواية أبي ذر عن الكشميهني بالتصريح: بالعشر، وكذا عند أحمد، عن غندر، عن شعبة بالإسناد المذكور. بل في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة بلفظ: عشر الحجة. وممن صرّح بالعشر أيضًا ابن ماجة، وابن حبان، وأبو عوانة. ولكريمة عن الكشميهني: "ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه". بتأنيث الضمير مع إبهام الأيام. وفسرها بعض الشارحين بأيام التشريق لكون المؤلّف ترجم لها، وهو يقتضي نفي أفضلية العمل في أيام العشر على أيام التشريق. ووجهه صاحب بهجة النفوس: بأن أيام التشريق أيام غفلة، والعبادة في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها، كمن قام في جوف الليل وأكثر الناس نيام، وبأنه وقع فيها محنة الخليل بولده عليهما الصلاة والسلام، ثم منّ عليه بالفداء. وهو معارض بالنقول كما قاله في الفتح: فالعمل في أيام العشر أفضل من العمل في غيرها من أيام الدنيا من غير استثناء شيء. وعلى هذا فرواية كريمة شاذة لمخالفتها رواية أبي ذر، وهو من الحفاظ عن شيخهما الكشميهني، لكن يعكر عليه ترجمة المؤلّف: بأيام التشريق. وأجيب: باشتراكهما في أصل الفضيلة لوقوع أعمال الحج فيهما، ومن ثم اشتركا في مشروعية التكبير. وفي رواية أبي الوقت، والأصيلي وابن عساكر: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذه". بتأنيث الضمير، وهي ظرف مستقر، حال من الضمير المجرور "بمن" وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل من العمل في أيام غيره من السنة، لزم منه أن تكون أيام العشر أفضل من غيرها من أيام السنة، حتى يوم الجمعة منه أفضل منه في غيره، لجمعه الفضيلتين. وخرج البزار وغيره، عن جابر مرفوعًا: "أفضل أيام الدنيا أيام العشر". وفي حديث عند ابن عمر المروي "ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة، ليس العشر". وهو يدل على أن أيام العشر أفضل من يوم الجمعة الذي هو أفضل الأيام، وأيضًا فأيام العشر

стр. 735

تشتمل على يوم عرفة وقد روي: أنه أفضل أيام الدنيا، والأيام إذا أطلقت دخلت فيها الليالي تبعًا، وقد أقسم الله تعالى بها، فقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢] وقد زعم بعضهم: أن ليالي عشر رمضان: أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر. قال الحافظ ابن رجب: وهذا بعيد جدًّا، ولو صح حديث أبي هريرة، المروي في الترمذي: "قيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر". لكان صريحًا في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان، فإن عشر رمضان فضل بليلة واحدة، وهذا جمع لياليه متساوية. والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء: إن مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها. انتهى. واستدلّ به على فضل صيام عشر الحجة لاندراج الصوم في العمل، وعورض بتحريم صوم يوم العيد. وأجيب: بحمله على الغالب، ولا ريب أن صيام رمضان أفضل من صوم العشر، لأن فعل الفرض أفضل من النفل من غير تردّد، وعلى هذا فكل ما فعل من فرض في العشر فهو أفضل من فرض فعل في غيره، وكذا النفل. (قالوا): يا رسول الله (ولا الجهاد)؟ أفضل منه، وزاد أبو ذر: في سبيل الله (قال) ﵊. (ولا الجهاد) في سبيل الله، ثم استثنى جهادًا واحدًا هو أفضل الجهاد فقال: (إلا رجل خرج) أي: إلا عمل رجل. فهو مرفوع على البدل، والاستثناء متصل، وقيل: منقطع أي: لكن رجل خرج يخاطر بنفسه فهو أفضل من غيره أو مساوٍ له. وتعقبه في المصابيح بأنه: إنما يستقيم على اللغة التميمية، وإلا فالمنقطع عند غيرهم واجب النصب. ولأبي ذر، عن المستملي: إلا من خرج حال كونه (يخاطر) من المخاطرة، وهي ارتكاب ما فيه خطر (بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء) من ماله، وإن رجع هو أو لم يرجع هو ولا ماله، بأن ذهب ماله واستشهد. كذا قرره ابن بطال. وتعقبه الزين بن المنير بأن قوله فلم يرجع بشيء، يستلزم أنه يرجع بنفسه ولا بد. وأجيب: بأن قوله: "فلم يرجع بشيء" نكرة في سياق النفي فتعمّ ما ذكره. وعند أبي عوانة من طريق إبراهيم بن حميد عن شعبة: إلا من عقر جواده، وأهريق دمه وعنده، من رواية القاسم بن أيوب: إلا من لا يرجع بنفسه ولا ماله. وفي هذا الحديث أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره. ورواته كوفيون إلا شيخه فبصري، والثاني بسطامي، وفيه التحديث، والعنعنة، وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة: في الصيام، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. ١٢ - باب التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى، وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا. وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزَ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ. (باب التكبير أيام منى) يوم العيد، الثلاثة بعده. (و) التكبير (إذا غدا) صبيحة التاسع (إلى عرفة) للوقوف بها. (وكان عمر) بن الخطاب (¬﵁¬) مما وصله سعيد بن منصور، من رواية عبيد بن عمير عنه، وأبو عبيدة من وجه آخر، والبيهقي من طريقه، ولأبي ذر مما في فرع اليونينية: وكان ابن عمر (يكبر في قبته) بضم القاف وتشديد الموحدة، بيت صغير من الخيام مستدير من بيوت العرب (بمنى) في أيامها (فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق) بتكبيره (حتى ترتج منى) بتشديد الجيم، أي: تضطرب وتتحرك مبالغة في اجتماع رفع الأصوات (تكبيرًا) بالنصب، أي: لأجل التكبير. وقد أبدى الخطابي للتكبير أيام منى حكمة وهي: أن الجاهلية كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها، فشرع التكبير فيها إشارة إلى تخصيص الذبح له، وعلى اسمه . (وكان ابن عمر) بن الخطاب ﵄، مما وصله ابن المنذر، والفاكهي في أخبار مكة، من طريق ابن جريج أخبرني نافع أن ابن عمر كان (يكبر بمنى تلك الأيام) أي: أيام منى (وخلف الصلوات) المكتوبات وغيرها (وعلى فراشه) بالإفراد، وللحموي والمستملي: وعلى فراشه، (وفي فسطاطه) بضم الفاء وقد تكسر: بيت من شعر (ومجلسه وممشاه) بفتح الميم الأولى، موضع مشيه (تلك الأيام) ظرف للمذكورات. أي: في تلك الأيام وكررها للتأكيد والمبالغة، ثم أكد ذلك أيضًا بقوله (جميعًا). ويروي، وتلك بواو العطف (وكانت ميمونة) بنت الحرث الهلالية المتوفاة بسرف، بين مكة

стр. 736

والمدينة، حيث بنى بها ﵊، سنة إحدى وخمسين (تكبر يوم النحر) قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى: لم أقف على أثرها هذا موصولاً، وقال صاحب العمدة: روى البيهقي تكبيرها يوم النحر. (وكن النساء) على لغة: أكلوني البراغيث، ولأبي ذر: وكان النساء (يكبّرن خلف أبان) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة وبعد الألف نون (بن عثمان) بن عفان، وكان أميرًا على المدينة في زمن ابن عمّ أبيه، عبد الملك بن مروان (و) خلف أمير المؤمنين (عمر بن عبد العزيز) أحد الخلفاء الراشدين، مما وصله أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب العيد (ليالي) أيام (التشريق مع الرجال في المسجد). فهذه الآثار قد اشتملت على وجود التّكبير في تلك الأيام عقب الصلوات وغيرها من الأحوال، وللعلماء في ذلك اختلاف: هل يختص بالمكتوبات أو يعمّ النوافل؟ وبالمؤداة أو يعمّ المقضية؟ وهل ابتداؤه من صبح عرفة أو من ظهره؟ أو من صبح يوم النحر أو من ظهره؟ وهل الانتهاء إلى ظهر يوم النحر أو إلى ظهر ثانيه؟ أو إلى صبح آخر أيام التشريق أو إلى عصره؟ وقد اجتمع من هذه: ستة وسبعون. بيان ذلك: أن تضرب أربعة الابتداء في خمسة الانتهاء تبلغ عشرين. يسقط منها كون ظهر النحر مبتدأ ومنتهى كليهما معًا، تصير تسعة عشر. تضربها في الأربعة الأولى الباقية تبلغ: ستة وسبعين. كذا قرره البرماوي، مع ما نقله عن الكرماني وغيره. ويزاد على ذلك: هل يختص بالرجال أو يعمّ النساء؟ وبالجماعة أو يعمّ المنفرد؟ وبالمقيم أو يعمّ المسافر؟ وساكن مصر أو يعمّ أهل القرى؟ فهي ثمانية حكاها مع سابقها النووي، وزاد غيره في الانتهاء، فقال: وقيل: إلى عصر يوم النحر. قال في الفتح، وقد رواه البيهقي عن أصحاب ابن مسعود: ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي ﷺ ، حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود: إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى، أخرجهما ابن المنذر وغيره. والصحيح من مذهب الشافعية: أن استحبابه يعمّ الصلاة فرضًا ونفلاً، ولو جنازة ومندورة ومقضية في زمن استحبابه لكل مصلٍّ: حاجّ أو غيره؟ مقيم أو مسافر؟ ذكر أو أُنثى؟ منفرد أو غيره؟ من صبح عرفة إلى عقيب عصر آخر أيام التشريق للاتباع، رواه الحاكم، وصححه، لكن ضعفه البيهقي. قال في الجموع: والبيهقي أتقن من شيخه الحاكم وأشد تحريًّا. ِوهذا في غير الحج وعليه العمل كما قاله النووي وصححه في الأذكار، وقال في الروضة: إنه الأظهر عند المحققين، لكن صحح في المنهاج كأصله: أن غير الحاج كالحاج يكبّر من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق. وخصّ المالكية استحبابه بالفرائض الحاضرة، وهو عندهم: من ظهر يوم النحر إلى آخر اليوم الرابع. وقال أبو حنيفة: يجب من صلاة صبح يوم عرفة وينتهي بعصر يوم النحر، وقال صاحباه: يختم بعصر ثالث أيام التشريق. وهو: على المقيمين بالمصر خلف الفرائض في جماعة مستحبة عند أبي حنيفة، فلا يجب على أهل القرى، ولا بعد النوافل والوتر، ولا على منفرد ونساء إذا صلين في جماعة. وقال صاحباه: يجب على كل من يصلّي المكتوبة لأنه شرع تبعًا لها. وأما صفة التكبير، فقال المالكية: الله أكبر، ثلاثًا وإن قال: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد" كان حسنًا، لما روي أن جابرًا صلّى في أيام التشريق، فلما فرغ قال: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر" قيل: واستمر عيه العمل فلذا أخذ به مالك من غير تضييق. وقال الحنفية: يقول مرة واحدة: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد". قالوا: وهذا هو المأثور عن الخليل. وقال الشافعية: يكبّر ثلاثًا نسقًا اتباعًا للسلف والخلف، ويزيد: "لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد". قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله فحسن، واستحسن في الأمُ أن تكون زيادته: "الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، لا إله إلاّ الله ولا نعبد إلاّ إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده. ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، والله أكبر". وأن يرفع بذلك صوته. وأصحّ ما ورد في صفته، ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان، قال: كبّروا الله: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر،

стр. 737

كبيرًا". ٩٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ: [سَأَلْتُ أَنَسًا -وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ- عَنِ التَّلْبِيَةِ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: كَانَ يُلَبِّي الْمُلَبِّي لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ]. [الحديث ٩٧٠ - طرفه في: ١٦٥٩]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا مالك بن أنس) إمام دار الهجرة، (قال: حدّثني) بالإفراد (محمد بن أبي بكر) هو: ابن عوف (الثقفي) بالمثلثة والقاف المفتوحتين (قال: سألت أنسًا) ولأبي ذر: سألت أنس بن مالك (ونحن غاديان) أي: والحال أنّا سائران (من منى إلى عرفات- عن التلبية): (كيف كنتم تصنعون مع النبي ﷺ ؟ قال: كان) الشأن (يلبي الملبي لا ينكر عليه، ويكبّر المكبّر فلا ينكر عليه) هذا موضع الجزء الأخير من الترجمة، وهو قوله: وإذا غدا إلى عرفة. وظاهره: أن أنسًا احتج به على جواز التكبير في موضع التلبية، أو المراد أنه يدخل شيئًا من الذكر خلال التلبية، لا أنه يترك التلبية بالكلية. لأن السُّنّة أن لا يقطع التلبية إلا عند رمي جمرة العقبة. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وقال مالك: إذا زالت الشمس. وقوله: ينكر، مبني للمفعول في الموضعين، كما في الفرع وفي غيره بالبناء للفاعل فيهما، والضمير المرفوع في كل منهما يرجع إلى النبي ﷺ ، وقوله: لا ينكر الأول بغير فاء. والثاني: فلا ينكر بإثباتها. وفي هذا الحديث: التحديث والسؤال والقول، وأخرجه أيضًا: في الحج، ومسلم في المناسك، وكذا النسائي وابن ماجة. ٩٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَاصِمٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: " [كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ] ". وبه قال: (حدّثنا محمد) غير منسوب (قال: حدّثنا عمر بن حفص) كذا لأبي ذر، وكريمة، وأبي الوقت. وفي اليونينية: أن على حاشية نسخة أبي ذر ما لفظه: يشبه أن يكون محمد بن يحيى الذهلي، قاله أبو ذر. اهـ. ولابن السكن، وأبي زيد المروي، وأبي أحمد الجرجاني: حدّثنا عمر بن حفص، بإسقاط لفظ: محمد. وفي رواية الأصيلي، عن بعض مشايخه: حدّثنا محمد البخاري، وله مما هو في نسخته كما ذكره في الفرع وأصله: حدّثنا عمر في حفص. وعلى هذا فلا واسطة بين البخاري وبين عمر بن حفص. وقد حدّث المؤلّف عنه بالكثير من غير واسطة، وربما أدخلها أحيانًا والراجح سقوطها هنا في هذا الإسناد، وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج. قاله الحافظ ابن حجر. وعمر بن حفص هو: ابن غياث النخعي الكوفي (حدّثنا أبي) حفص (عن عاصم) هو: ابن سليمان الأحول (عن حفصة) بنت سيرين الأنصارية، أخت محمد بن سيرين، (عن أم عطية) نسيبة بنت كعب الأنصارية (قالت: كنا نؤمر) بالبناء للمفعول، وهو من المرفوع، وقد وقع التصريح برفعه في الرواية الآتية قريبًا عن أبي ذر، وعن الحموي والمستملي (أن نخرج) بأن نخرج أي: بالإخراج (يوم العيد حتى نخرج البكر) بضم النون وكسر الراء، والبكر: بالنصب على المفعولية، وللأصيلي وأبي ذر: حتى تخرج، بالمثناة الفوقية المفتوحة وضم الراء، البكر: بالرفع على الفاعلية (من خدرها) بكسر الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة، أي: من سترها. وللحموي والمستملي، وعزاها في الفتح للكشميهني: من خدرتها بالتأنيث (حتى نخرج الحيض) بضم النون وكسر الراء في الأول: وضم الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية ونصب المعجمة على المفعولية، ولأبي ذر، والأصيلى: حتى تخرج الحيض، بفتح المثتاة الفوقية وضم الراء، ورفع الحيض على الفاعلية، جمع: حائض. وحتى الثانية غاية للغاية الأولى، أبي عطف عليها بحذف الأداة (فيكن خلف الناس فيكبّرن) النساء (بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته) بضم الطاء المهملة وسكون الهاء: أي التطهّر من الذنوب. وتأتي مباحث الحديث بعد بابين، إن شاء الله تعالى. ووجه مطابقته للترجمة من جهة: أن يوم العيد كأيام منى بجامع أنها أيام مشهودات، والذهلي: نيسابوري، والراوي الثاني والثالث. كوفيان، والرابع والخامس: بصريان، وأخرج المؤلّف بعضه في حديث طويل من باب: شهود الحائض للعيدين، وفي الحج، وكذا أخرجه بقية الستة، والله أعلم. ١٣ - باب الصَّلَاةِ إِلَى الْحَرْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ (باب الصلاة إلى الحربة) زاد أبو ذر، عن الكشميهني: يوم العيد. ٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: [أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَت تُرْكَزُ الْحَرْبَةُ قُدَّامَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، ثُمَّ يُصَلِّي]. وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن بشار) بالموحدة المفتوحة والمعجمة المشددة (قال: حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (قال: حدّثنا

стр. 738

عبيد الله) بالتصغير، هو: العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب، ﵄، (أن النبي ﷺ : كانت تركز) بضم أوّله وفتح الكاف. أي: تغرز، وزاد أبو ذر: له (الحربة) في الأرض (قدامه) لتكون سترة له في صلاته (يوم) عيد (الفطر و) يوم عيد (النحر، ثم يصلّي) إليها. وأما صلاته في منى إلى غير جدار، فلبيان أنها ليست فريضة، بل سُنّة. والحربة دون الرمح. وسبق الحديث في باب: سترة الإمام سترة لمن خلفه. ١٤ - باب حَمْلِ الْعَنَزَةِ -أَوِ الْحَرْبَةِ بَيْنَ يَدَىِ الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ (باب حمل العنزة). بفتحات وهي أقصر من الرمح في طرفها زج (-أو الحربة- بين يدي الإمام يوم العيد) عند خروجه للصلاة. واستشكل بما سبق من النهي عن حمل السلاح يوم العيد. وأجيب: بأن النهي إنما هو عند خوف التأذّي به كما مرّ. ٩٧٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: [كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا]. وبالسند قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) زاد أبو ذر: الحزامي بالحاء المهملة المكسورة والزاي (قال: حدّثنا الوليد) بن مسلم (قال: حدّثنا أبو عمرو) بفتح العين، عبد الرحمن، ولأبي ذر: أبو عمرو الأوزاعي (قال: أخبرني) وللأربعة: حدّثني بالإفراد فيهما، (نافع عن ابن عمر) بن الخطاب، ﵄، (قال): (كان النبي ﷺ يغدو إلى المصلّى، والعنزة بين يديه، تحمل وتنصب بالمصلّى، بين يديه) سقط في رواية أبي ذر: بين يديه، الثانية (فيصلّي إليها) ولأبي ذر، والأصيلي، عن الحموي والكشميهني: نصلي بنون الجماعة، ولأبي ذر، أيضًا، فصلّى، بالفاء وفتح اللام بصيغة الماضي، وسقط لابن عساكر، فيصلّي إليها. ١٥ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ وَالْحُيَّضِ إِلَى الْمُصَلَّى (باب خروج النساء) الطاهرات (والحيض إلى المصلّى) يوم العيد بواو العطف على: النساء، وهو من عطف الخاص على العام، ولابن عساكر: خروج النساء الحيض، بإسقاطها، وللأصيلي: خروج الحيض، فأسقط لفظ: النساء. ٩٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: [أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ]. وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ بِنَحْوِهِ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ قَالَ: -أَوْ قَالَتِ-[الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَيَعْتَزِلْنَ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدّثنا حماد) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: حماد بن زيد (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو: ابن سيرين (عن أُم عطية) نسيبة بنت كعب أنها (قالت): (أُمرنا) بضم الهمزة، ولأبي ذر، عن الحموي والمستملي، قالت: أمرنا نبيّنا ﷺ (أن نخرج العواتق) جمع عاتق، وهي: التي عتقت من الخدمة، أو: من قهر أبويها (ذوات الخدور) أي الستور، وهو منصوب بالكسرة: كمسلمات، صفة للعواتق، ولغير أبي ذر، وذوات، بالواو عطفًا على سابقه. (وعن أيوب) السختياني بالسند المذكور (عن حفصة) بنت سيرين (بنحوه) أي بنحو رواية أيوب عن محمد. (وزاد) أيوب (في حديث حفصة) في روايته عنها (قال) أي: أيوب: (أو قالت) حفصة: (العواتق وذوات الخدور) شك منه في عطف، ذوات، بالواو. وقد صرّح في حديث أُم عطية الآتي بعلّة الحكم، وهو: شهودهنّ الخير، ودعوة المسلمين، ورجا بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أُم عطية بعد النبي ﷺ بمدة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك. (ويعتزلن الحيض المصلّى) فلا يختلطن بالمصليات خوف التنجيس والإخلال بتسوية الصفوف، وإثبات النون في: يعتزلن، على لغة: أكلوني البراغيث، وللأصيلي: ويعتزل، بإسقاطها. والمنع من المصلّى منع تنزيه، إذ لو كان مسجدًا لحرّم، واستحباب خروجهن مطلقًا إنما كان في ذلك الزمن حيث كان الأمن من فسادهن. نعم، يستحب حضور العجائز، وغير ذوات الهيئات بإذن أزواجهن، وعليه حمل حديث الباب، وليلبسن ثياب الخدمة، ويتنظفن بالماء من غير تطييب ولا زينة، إذ يكره لهن ذلك. أما ذوات الهيئات والجمال فيكره لهن الحضور، وليصلّين العيد في بيوتهن. ١٦ - باب خُرُوجِ الصِّبْيَانِ إِلَى الْمُصَلَّى (باب خروج الصبيان إلى المصلّى) في الأعياد مع الناس وإن لم يصلوا. ٩٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: [خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ]. وبالسند قال: (حدّثنا عمرو بن عباس) بسكون الميم وتشديد الموحدة وبعد الألف مهملة، ولابن عساكر: ابن العباس، بالتعريف (قال: حدّثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي العنبري (قال: حدّثنا سفيان) الثوري. (عن عبد الرحمن)، وللأربعة زيادة: ابن عباس، بالموحدة المكسورة ثم المهملة (قال: سمعت ابن عباس) أي: كلامه حال كونه (قال: خرجت مع النبي ﷺ يوم) عيد (فطر، أو)

стр. 739

عيد (أضحى) شك من الراوي، أو هو من عبد الرحمن بن عباس، وفي حديث ابن عباس من وجه آخر بعد بابين الجزم بأنه يوم الفطر (فصلّى العيد، ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهنّ) أنذرهنّ العقاب (وذكرهنّ) بالتشديد من التذكير، تفسير لقوله، وعظهنّ، أو تأكيد له. ولأبي ذر في نسخة: فذكرهن بالفاء بدل الواو (وأمرهنّ بالصدقة). واستشكل وجه المطابقة بين الحديث والترجمة. وأجيب: بأنه أشار على عادته إلى بعض طرق الحديث الآتي بعد باب إن شاء الله تعالى؛ ولولا مكاني من الصغر ما شهدته. ورواة الحديث ما بين بصري وكوفي، وفيه التحديث والعنعنة والسماع والقول، وشيخ المؤلّف من أفراده، وأخرجه في الصلاة أيضًا، والعيدين، والاعتصام، وأبو داود والنسائي في الصلاة. ١٧ - باب اسْتِقْبَالِ الإِمَامِ النَّاسَ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُقَابِلَ النَّاسِ. (باب استقبال الإمام الناس في خطبة العيد) بعد الصلاة. (قال) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلى، وقال (أبو سعيد) الخدري، مما وصله المؤلّف في حديث طويل في باب: الخروج إلى المصلّى (قام النبي ﷺ مقابل الناس). ٩٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ عَنْ زُبَيْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: [خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أَضْحًى إِلَى الْبَقِيعِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَقَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ. فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ شَىْءٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَىْءٍ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. قَالَ: «اذْبَحْهَا، وَلَا تَفِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»]. وبالسند قال (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا محمد بن طلحة) بن مصرف (عن زبيد) اليامي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن البراء) بن عازب، ﵁، (قال): (خرج النبي ﷺ يوم أضحى) وللأصيلي: يوم الأضحى إلى البقيع، مقبرة المدينة (فصلّى العيد ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه) الكريم، هذا موضع الترجمة (وقال) بعد أن صلّى: (إن أول نسكنا في يومنا هذا) وفي اليونينية: نسكنا، بسكون السين (أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع فننحر، فإن فعل ذلك فقد وافق سنّتنا، ومن ذبح قبل ذلك) أي: الصلاة (فإنما هو شيء) وللأصيلي، وأبي الوقت، وأبي ذر، عن الكشميهني والحموي: فإنه شيء (عجله لأهله ليس من النسك في شيء). (فقام رجل) هو ابن نيار (فقال: يا رسول الله! إني ذبحت) قبل الصلاة (وعندي جذعة) من المعز هي (خير من مسنّة) لنفاستها (قال) ﵊. (اذبحها، ولا تفي عن أحد بعدك) بفتح المثناة الفوقية وكسر الفاء، وللكشميهني: ولا تغني بضم المثناة وسكون الغين المعجمة وبالنون، ومعناهما متقارب، والحديث قد مرّ غير مرة. ١٨ - باب الْعَلَمِ الَّذِي بِالْمُصَلَّى (باب العلم الذي) جعل (بالمصلّى) ليعرف به، ولأبي ذر، والأصيلي: باب العلم بالمصلّى. ٩٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ قَالَ: [سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ: أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلَا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ خَرَجَ، حَتَّى أَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ]. وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) أي القطان، وللأصيلي: يحيى بن سعيد (عن سفيان) الثوري ولا ذر: حدّثنا سفيان (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن عابس) بالمهملة بعد الموحدة (قال: سمعت ابن عباس) ﵄، (قيل) وللأصيلي): وقيل (له: أشهدت) بهمزة الاستفهام، أي: أحضرت (العيد) أي صلاته (مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم) شهدته (ولولا مكاني من الصغر) أي: لولا مكاني منه ﵊ لأجل الصغر (ما شهدته، خرج) ﵊ (حتى أتى العلم الذى عند دار كثير بن الصلت) والدار المذكورة بعد العهد النبوي، وإنما عرف المصلّى بها لشهرتها (فصلى) العيد (ثم خطب)، ثم أتى النساء ومعه بلال، فوعظهن وذكرهن، وأمرهن بالصدقة، قال ابن عباس: (فرأيتهنّ يهوين بأيديهن) بفتح المثناة التحتية، من يَهوين. كذا في اليونينية، وفي غيرها، يهُوين، بضمها من: أهوى، أي: يمددن أيديهن بالصدقة ليتناول بلال، حال كونهن (يقذفنه) أي: يرمين المتصدق به (في ثوب بلال، ثم انطلق) ﵊ (هو وبلال إلى بيته). ووقع في رواية أبي عليّ الكشاني، هنا عقب هذا الحديث: قال محمد بن كثير: العلم. اهـ. وهذا قد وصله المؤلّف في كتاب الاعتصام، وفي فرع اليونينية علامة سقوطه في رواية ابن عساكر، وعليه ضرب من قال إلى آخر قوله. اهـ. والله أعلم. ١٩ - باب مَوْعِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ يَوْمَ الْعِيدِ (باب موعظة الإمام النساء يوم العيد) إذا لم يسمعن الخطبة مع الرجال. ٩٧٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: [قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ. فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ]. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ: تُلْقِي فَتَخَهَا وَيُلْقِينَ. قُلْتُ: أَتُرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ ذَلِكَ وَيُذَكِّرُهُنَّ؟ قَالَ إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ؟ وبالسند قال قال: (حدّثني) بالإفراد، للأصيلي وابن عساكر: حدّثنا (إسحاق بن إبراهيم بن نصر) السعدي البخاري، وسقط للأصيلي: ابن إبراهيم بن نصر (قال: حدّثنا

стр. 740

عبد الرزاق) بن همام صاحب المسند والمصنف (قال: حدّثنا) وللأربعة: أخبرنا (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو: ابن أبي رباح (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري، ﵁ (قال: سمعته يقول): (قام النبي ﷺ يوم) عيد (الفطر، فصلّى، فبدأ بالصلاة، ثم خطب. فلما فرغ) من الخطبة (نزل) أي انتقل، كما مرّ في باب: المشي والركوب إلي صلاة العيد والصلاة قبل الخطبة، (فأتى النساء فذكرهن) بتشديد الكاف (وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه) نصب على المفعولية وجوّز إضافة باسط (يلقي فيه النساء الصدقة) وللأصيلي: صدقة. قال ابن جريج بالإسناد السابق: (قلت لعطاء) أكانت الصدقة (زكاة يوم الفطر)؟ ولأبي ذر: زكاة، بالرفع أي: أهي زكاة الفطر؟ (قال) عطاء: (لا ولكن) كانت (صدقة) ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: ولكن هي صدقة (يتصدقن حينئذ) بها، (تلقي) النساء، بضم المثناة الفوقية وسكون اللام وكسر القاف، من الإلقاء (فتخها) بفتح الفاء والمثناة والمعجمة، منصوبًا على المفعولية، لتلقي، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي، فتختها، بفتحات وزيادة تاء التأنيث، والفتخة: حلقة من فضة لا فصّ لها، (ويلقين) كل نوع من حليهن، وكرر الإلقاء لإفادة العموم. قال ابن جريح بالإسناد المذكور: (قلت) لعطاء: (أترى) بضم التاء، كما في اليونينية، وضبطه البرماوي بفتحها (حقًّا على الإمام ذلك؟) إشارة إلى ما ذكر من أمرهن بالصدقة (ويذكرهن) ولأبي ذر: يذكرهن بغير واو وللأصيلي: يأتيهن ويذكرهن؟ (قال) ابن جريج: (إنّه لحق عليهم، وما لهم لا يفعلونه)؟ ٩٧٩ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "شَهِدْتُ الْفِطْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ يُصَلُّونَهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يُخْطَبُ بَعْدُ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجْلِسُ بِيَدِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ مَعَهُ بِلَالٌ فَقَالَ: " ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ " الآيَةَ. ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا: «آنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ»؟ قَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ -مِنْهُنَّ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا- نَعَمْ. لَا يَدْرِي حَسَنٌ مَنْ هِيَ. قَالَ: «فَتَصَدَّقْنَ» فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ ثُمَّ قَالَ: "هَلُمَّ، لَكُنَّ فِدَاءٌ أَبِي وَأُمِّي. فَيُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ". قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: الْفَتَخُ: الْخَوَاتِيمُ الْعِظَامُ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. (قال ابن جريج: وأخبرني الحسن بن مسلم) هو ابن يناق المكي، أي: بالإسناد المذكور، وللأصيلي، وابن عساكر، وأخبرني حسن، عن طاوس: هو: ابن كيسان (عن ابن عباس ﵄ قال): (شهدت الفطر) أي صلاته (مع النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، ﵃¬) فكلهم كانوا (يصلونها) أي: صلاة الفطر (قبل الخطبة، ثم يخطب) بضم المثناة التحتية وفتح الطاء، مبنيًّا للمفعول، أو: بالفتح والضم للفاعل، أي: يخطب كل منهم (بعد) مبنيًّا على الضم لقطعه عن الإضافة، أي: بعد الصلاة. قال ابن عباس: (خرج النبي ﷺ ¬)، وقيل: أصله: وخرج بالواو المقدّرة، وفي تفسير سورة الممتحنة، من وجه آخر عن ابن جريج، فنزل نبي الله ﷺ ، ولابن عساكر، ثم يخطب، بعد خروج النبي ﷺ ، أي: بعد الوقت الذي كان يخرج فيه (كأني أنظر إليه حين يجلس) بضم أوله وسكون الجيم، من الإجلاس، ولأبي ذر: يجلس بفتح الجيم وتشديد اللام من التجليس، أي: يجلس الرجال (بيده) أي: يشير بيده يأمرهم بالجلوس، لينتظروه حتى يفرغ مما يقصده، ثم ينصرفوا جميعًا (ثم أقبل) ﵊ (يشقهم) أي: صفوف الرجال الجالسين (حتى أتى النساء)، والذي في اليونينية: حتى جاء النساء (معه بلال) جملة حالية بغير واو (فقال) ﵊ تاليًا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] ليذكرهن البيعة التي وقعت بينه وبين النساء لما فتح مكة على الصفا، وذكر لهن وما ذكر في هذه الآية (ثم قال) ﵊ (حين فرغ منها) أي: من قراءة الآية. (أنتنّ على ذلك) بكسر الكاف. قال في المصابيح: وهذا مما وقع فيه ذلك بالكسر موقع، ذلكن، والإشارة إلى ما ذكر في الآية. (قالت امرأة) ولأبي ذر، فقالت امرأة واحدة (منهن، -لم يجبه غيرها- نعم.) نحن على ذلك. (لا يدري حسن) هو: ابن مسلم، الراوي عن طاوس، (من هي) المجيبة. قيل: يحتمل أنها: أسماء بنت يزيد، لرواية البيهقي: أنها خرجت مع النساء، وأنه ﷺ ، قال: "يا معشر النساء إنكن أكثر حطب جهنم". قالت: فناديت، يا رسول الله، -وكنت عليه جريئة- لِمَ يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير"، الحديث. لأن القصة واحدة، فلعل بعض
следующие страницы →