والمدينة، حيث بنى بها ﵊، سنة إحدى وخمسين (تكبر يوم النحر) قال الحافظ ابن
حجر، رحمه الله تعالى: لم أقف على أثرها هذا موصولاً، وقال صاحب العمدة: روى البيهقي تكبيرها يوم النحر.
(وكن النساء) على لغة: أكلوني البراغيث، ولأبي ذر: وكان النساء (يكبّرن خلف أبان) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة وبعد الألف نون (بن عثمان) بن عفان، وكان أميرًا على المدينة في زمن ابن عمّ أبيه، عبد الملك بن مروان (و) خلف أمير المؤمنين (عمر بن عبد العزيز) أحد الخلفاء الراشدين، مما وصله أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب العيد (ليالي) أيام (التشريق مع الرجال في المسجد).
فهذه الآثار قد اشتملت على وجود التّكبير في تلك الأيام عقب الصلوات وغيرها من الأحوال، وللعلماء في ذلك اختلاف: هل يختص بالمكتوبات أو يعمّ النوافل؟ وبالمؤداة أو يعمّ المقضية؟ وهل ابتداؤه من صبح عرفة أو من ظهره؟ أو من صبح يوم النحر أو من ظهره؟ وهل الانتهاء إلى ظهر يوم النحر أو إلى ظهر ثانيه؟ أو إلى صبح آخر أيام التشريق أو إلى عصره؟
وقد اجتمع من هذه: ستة وسبعون. بيان ذلك: أن تضرب أربعة الابتداء في خمسة الانتهاء تبلغ عشرين. يسقط منها كون ظهر النحر مبتدأ ومنتهى كليهما معًا، تصير تسعة عشر. تضربها في الأربعة الأولى الباقية تبلغ: ستة وسبعين. كذا قرره البرماوي، مع ما نقله عن الكرماني وغيره.
ويزاد على ذلك: هل يختص بالرجال أو يعمّ النساء؟ وبالجماعة أو يعمّ المنفرد؟ وبالمقيم أو يعمّ المسافر؟ وساكن مصر أو يعمّ أهل القرى؟ فهي ثمانية حكاها مع سابقها النووي، وزاد غيره في الانتهاء، فقال: وقيل: إلى عصر يوم النحر.
قال في الفتح، وقد رواه البيهقي عن أصحاب ابن مسعود: ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي ﷺ ، حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود: إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى، أخرجهما ابن المنذر وغيره.
والصحيح من مذهب الشافعية: أن استحبابه يعمّ الصلاة فرضًا ونفلاً، ولو جنازة ومندورة ومقضية في زمن استحبابه لكل مصلٍّ: حاجّ أو غيره؟ مقيم أو مسافر؟ ذكر أو أُنثى؟ منفرد أو غيره؟ من صبح عرفة إلى عقيب عصر آخر أيام التشريق للاتباع، رواه الحاكم، وصححه، لكن ضعفه البيهقي.
قال في الجموع: والبيهقي أتقن من شيخه الحاكم وأشد تحريًّا.
ِوهذا في غير الحج وعليه العمل كما قاله النووي وصححه في الأذكار، وقال في الروضة: إنه الأظهر عند المحققين، لكن صحح في المنهاج كأصله: أن غير الحاج كالحاج يكبّر من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق.
وخصّ المالكية استحبابه بالفرائض الحاضرة، وهو عندهم: من ظهر يوم النحر إلى آخر اليوم الرابع.
وقال أبو حنيفة: يجب من صلاة صبح يوم عرفة وينتهي بعصر يوم النحر، وقال صاحباه: يختم بعصر ثالث أيام التشريق.
وهو: على المقيمين بالمصر خلف الفرائض في جماعة مستحبة عند أبي حنيفة، فلا يجب على أهل القرى، ولا بعد النوافل والوتر، ولا على منفرد ونساء إذا صلين في جماعة.
وقال صاحباه: يجب على كل من يصلّي المكتوبة لأنه شرع تبعًا لها.
وأما صفة التكبير، فقال المالكية: الله أكبر، ثلاثًا وإن قال: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد" كان حسنًا، لما روي أن جابرًا صلّى في أيام التشريق، فلما فرغ قال: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر" قيل: واستمر عيه العمل فلذا أخذ به مالك من غير تضييق.
وقال الحنفية: يقول مرة واحدة: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد". قالوا: وهذا هو المأثور عن الخليل.
وقال الشافعية: يكبّر ثلاثًا نسقًا اتباعًا للسلف والخلف، ويزيد: "لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد".
قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله فحسن، واستحسن في الأمُ أن تكون زيادته: "الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، لا إله إلاّ الله ولا نعبد إلاّ إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده. ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، والله أكبر". وأن يرفع بذلك صوته.
وأصحّ ما ورد في صفته، ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان، قال: كبّروا الله: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر،
стр. 737
كبيرًا".
٩٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ: [سَأَلْتُ أَنَسًا -وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ- عَنِ التَّلْبِيَةِ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: كَانَ يُلَبِّي الْمُلَبِّي لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ].
[الحديث ٩٧٠ - طرفه في: ١٦٥٩].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا مالك بن أنس) إمام دار الهجرة، (قال: حدّثني) بالإفراد (محمد بن أبي بكر) هو: ابن عوف (الثقفي) بالمثلثة والقاف المفتوحتين (قال: سألت أنسًا) ولأبي ذر: سألت أنس بن مالك (ونحن غاديان) أي: والحال أنّا سائران (من منى إلى عرفات- عن التلبية):
(كيف كنتم تصنعون مع النبي ﷺ ؟ قال: كان) الشأن (يلبي الملبي لا ينكر عليه، ويكبّر المكبّر فلا ينكر عليه) هذا موضع الجزء الأخير من الترجمة، وهو قوله: وإذا غدا إلى عرفة.
وظاهره: أن أنسًا احتج به على جواز التكبير في موضع التلبية، أو المراد أنه يدخل شيئًا من الذكر خلال التلبية، لا أنه يترك التلبية بالكلية. لأن السُّنّة أن لا يقطع التلبية إلا عند رمي جمرة العقبة. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وقال مالك: إذا زالت الشمس.
وقوله: ينكر، مبني للمفعول في الموضعين، كما في الفرع وفي غيره بالبناء للفاعل فيهما، والضمير المرفوع في كل منهما يرجع إلى النبي ﷺ ، وقوله: لا ينكر الأول بغير فاء. والثاني: فلا ينكر بإثباتها.
وفي هذا الحديث: التحديث والسؤال والقول، وأخرجه أيضًا: في الحج، ومسلم في المناسك، وكذا النسائي وابن ماجة.
٩٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَاصِمٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: " [كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ] ".
وبه قال: (حدّثنا محمد) غير منسوب (قال: حدّثنا عمر بن حفص) كذا لأبي ذر، وكريمة، وأبي الوقت. وفي اليونينية: أن على حاشية نسخة أبي ذر ما لفظه: يشبه أن يكون محمد بن يحيى الذهلي، قاله أبو ذر. اهـ.
ولابن السكن، وأبي زيد المروي، وأبي أحمد الجرجاني: حدّثنا عمر بن حفص، بإسقاط لفظ: محمد.
وفي رواية الأصيلي، عن بعض مشايخه: حدّثنا محمد البخاري، وله مما هو في نسخته كما ذكره في الفرع وأصله: حدّثنا عمر في حفص. وعلى هذا فلا واسطة بين البخاري وبين عمر بن حفص. وقد حدّث المؤلّف عنه بالكثير من غير واسطة، وربما أدخلها أحيانًا والراجح سقوطها هنا في هذا الإسناد، وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج. قاله الحافظ ابن حجر.
وعمر بن حفص هو: ابن غياث النخعي الكوفي (حدّثنا أبي) حفص (عن عاصم) هو: ابن سليمان الأحول (عن حفصة) بنت سيرين الأنصارية، أخت محمد بن سيرين، (عن أم عطية) نسيبة بنت كعب الأنصارية (قالت: كنا نؤمر) بالبناء للمفعول، وهو من المرفوع، وقد وقع التصريح برفعه في الرواية الآتية قريبًا عن أبي ذر، وعن الحموي والمستملي (أن نخرج) بأن نخرج أي: بالإخراج (يوم العيد حتى نخرج البكر) بضم النون وكسر الراء، والبكر: بالنصب على المفعولية، وللأصيلي وأبي ذر: حتى تخرج، بالمثناة الفوقية المفتوحة وضم الراء، البكر: بالرفع على الفاعلية (من خدرها)
بكسر الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة، أي: من سترها. وللحموي والمستملي، وعزاها في الفتح للكشميهني: من خدرتها بالتأنيث (حتى نخرج الحيض) بضم النون وكسر الراء في الأول: وضم الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية ونصب المعجمة على المفعولية، ولأبي ذر، والأصيلى: حتى تخرج الحيض، بفتح المثتاة الفوقية وضم الراء، ورفع الحيض على الفاعلية، جمع: حائض. وحتى الثانية غاية للغاية الأولى، أبي عطف عليها بحذف الأداة (فيكن خلف الناس فيكبّرن) النساء (بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته) بضم الطاء المهملة وسكون الهاء: أي التطهّر من الذنوب. وتأتي مباحث الحديث بعد بابين، إن شاء الله تعالى.
ووجه مطابقته للترجمة من جهة: أن يوم العيد كأيام منى بجامع أنها أيام مشهودات، والذهلي: نيسابوري، والراوي الثاني والثالث. كوفيان، والرابع والخامس: بصريان، وأخرج المؤلّف بعضه في حديث طويل من باب: شهود الحائض للعيدين، وفي الحج، وكذا أخرجه بقية الستة، والله أعلم.
١٣ - باب الصَّلَاةِ إِلَى الْحَرْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ
(باب الصلاة إلى الحربة) زاد أبو ذر، عن الكشميهني: يوم العيد.
٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: [أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَت تُرْكَزُ الْحَرْبَةُ قُدَّامَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، ثُمَّ يُصَلِّي].
وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن بشار) بالموحدة المفتوحة والمعجمة المشددة (قال: حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (قال: حدّثنا
стр. 738
عبيد الله) بالتصغير، هو: العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب، ﵄، (أن النبي ﷺ : كانت تركز) بضم أوّله وفتح الكاف. أي: تغرز، وزاد أبو ذر: له (الحربة) في الأرض (قدامه) لتكون سترة له في صلاته (يوم) عيد (الفطر و) يوم عيد (النحر، ثم يصلّي) إليها.
وأما صلاته في منى إلى غير جدار، فلبيان أنها ليست فريضة، بل سُنّة. والحربة دون الرمح.
وسبق الحديث في باب: سترة الإمام سترة لمن خلفه.
١٤ - باب حَمْلِ الْعَنَزَةِ -أَوِ الْحَرْبَةِ بَيْنَ يَدَىِ الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ
(باب حمل العنزة). بفتحات وهي أقصر من الرمح في طرفها زج (-أو الحربة- بين يدي الإمام يوم العيد) عند خروجه للصلاة.
واستشكل بما سبق من النهي عن حمل السلاح يوم العيد.
وأجيب: بأن النهي إنما هو عند خوف التأذّي به كما مرّ.
٩٧٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: [كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا].
وبالسند قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) زاد أبو ذر: الحزامي بالحاء المهملة المكسورة والزاي (قال: حدّثنا الوليد) بن مسلم (قال: حدّثنا أبو عمرو) بفتح العين، عبد الرحمن، ولأبي ذر: أبو عمرو الأوزاعي (قال: أخبرني) وللأربعة: حدّثني بالإفراد فيهما، (نافع عن ابن عمر) بن الخطاب، ﵄، (قال):
(كان النبي ﷺ يغدو إلى المصلّى، والعنزة بين يديه، تحمل وتنصب بالمصلّى، بين يديه) سقط في رواية أبي ذر: بين يديه، الثانية (فيصلّي إليها) ولأبي ذر، والأصيلي، عن الحموي والكشميهني: نصلي بنون الجماعة، ولأبي ذر، أيضًا، فصلّى، بالفاء وفتح اللام بصيغة الماضي، وسقط لابن عساكر، فيصلّي إليها.
١٥ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ وَالْحُيَّضِ إِلَى الْمُصَلَّى
(باب خروج النساء) الطاهرات (والحيض إلى المصلّى) يوم العيد بواو العطف على: النساء، وهو من عطف الخاص على العام، ولابن عساكر: خروج النساء الحيض، بإسقاطها، وللأصيلي: خروج الحيض، فأسقط لفظ: النساء.
٩٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: [أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ]. وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ بِنَحْوِهِ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ قَالَ: -أَوْ قَالَتِ-[الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَيَعْتَزِلْنَ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدّثنا حماد) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: حماد بن زيد (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو: ابن سيرين (عن أُم عطية) نسيبة بنت كعب أنها (قالت):
(أُمرنا) بضم الهمزة، ولأبي ذر، عن الحموي والمستملي، قالت: أمرنا نبيّنا ﷺ (أن نخرج العواتق) جمع عاتق، وهي: التي عتقت من الخدمة، أو: من قهر أبويها (ذوات الخدور) أي الستور، وهو منصوب بالكسرة: كمسلمات، صفة للعواتق، ولغير أبي ذر، وذوات، بالواو عطفًا على سابقه.
(وعن أيوب) السختياني بالسند المذكور (عن حفصة) بنت سيرين (بنحوه) أي بنحو رواية أيوب عن محمد.
(وزاد) أيوب (في حديث حفصة) في روايته عنها (قال) أي: أيوب: (أو قالت) حفصة: (العواتق وذوات الخدور) شك منه في عطف، ذوات، بالواو.
وقد صرّح في حديث أُم عطية الآتي بعلّة الحكم، وهو: شهودهنّ الخير، ودعوة المسلمين، ورجا بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أُم عطية بعد النبي ﷺ بمدة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك.
(ويعتزلن الحيض المصلّى) فلا يختلطن بالمصليات خوف التنجيس والإخلال بتسوية الصفوف، وإثبات النون في: يعتزلن، على لغة: أكلوني البراغيث، وللأصيلي: ويعتزل، بإسقاطها.
والمنع من المصلّى منع تنزيه، إذ لو كان مسجدًا لحرّم، واستحباب خروجهن مطلقًا إنما كان في ذلك الزمن حيث كان الأمن من فسادهن.
نعم، يستحب حضور العجائز، وغير ذوات الهيئات بإذن أزواجهن، وعليه حمل حديث الباب، وليلبسن ثياب الخدمة، ويتنظفن بالماء من غير تطييب ولا زينة، إذ يكره لهن ذلك. أما ذوات الهيئات والجمال فيكره لهن الحضور، وليصلّين العيد في بيوتهن.
١٦ - باب خُرُوجِ الصِّبْيَانِ إِلَى الْمُصَلَّى
(باب خروج الصبيان إلى المصلّى) في الأعياد مع الناس وإن لم يصلوا.
٩٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: [خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ].
وبالسند قال: (حدّثنا عمرو بن عباس) بسكون الميم وتشديد الموحدة وبعد الألف مهملة، ولابن عساكر: ابن العباس، بالتعريف (قال: حدّثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي العنبري (قال: حدّثنا سفيان) الثوري. (عن عبد الرحمن)، وللأربعة زيادة: ابن عباس، بالموحدة المكسورة ثم المهملة (قال: سمعت ابن عباس) أي: كلامه حال كونه (قال: خرجت مع النبي ﷺ يوم) عيد (فطر، أو)
стр. 739
عيد (أضحى) شك من الراوي، أو هو من عبد الرحمن بن عباس، وفي حديث ابن عباس من وجه آخر بعد بابين الجزم بأنه يوم الفطر (فصلّى العيد، ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهنّ) أنذرهنّ العقاب (وذكرهنّ) بالتشديد من التذكير، تفسير لقوله، وعظهنّ، أو تأكيد له. ولأبي ذر في نسخة: فذكرهن بالفاء بدل الواو (وأمرهنّ بالصدقة).
واستشكل وجه المطابقة بين الحديث والترجمة.
وأجيب: بأنه أشار على عادته إلى بعض طرق الحديث الآتي بعد باب إن شاء الله تعالى؛ ولولا مكاني من الصغر ما شهدته.
ورواة الحديث ما بين بصري وكوفي، وفيه التحديث والعنعنة والسماع والقول، وشيخ المؤلّف من أفراده، وأخرجه في الصلاة أيضًا، والعيدين، والاعتصام، وأبو داود والنسائي في الصلاة.
١٧ - باب اسْتِقْبَالِ الإِمَامِ النَّاسَ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُقَابِلَ النَّاسِ.
(باب استقبال الإمام الناس في خطبة العيد) بعد الصلاة.
(قال) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلى، وقال (أبو سعيد) الخدري، مما وصله المؤلّف في حديث طويل في باب: الخروج إلى المصلّى (قام النبي ﷺ مقابل الناس).
٩٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ عَنْ زُبَيْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: [خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أَضْحًى إِلَى الْبَقِيعِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَقَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ. فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ شَىْءٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَىْءٍ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. قَالَ: «اذْبَحْهَا، وَلَا تَفِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»].
وبالسند قال (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا محمد بن طلحة) بن مصرف (عن زبيد) اليامي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن البراء) بن عازب، ﵁، (قال):
(خرج النبي ﷺ يوم أضحى) وللأصيلي: يوم الأضحى إلى البقيع، مقبرة المدينة (فصلّى العيد
ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه) الكريم، هذا موضع الترجمة (وقال) بعد أن صلّى: (إن أول نسكنا في يومنا هذا) وفي اليونينية: نسكنا، بسكون السين (أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع فننحر، فإن فعل ذلك فقد وافق سنّتنا، ومن ذبح قبل ذلك) أي: الصلاة (فإنما هو شيء) وللأصيلي، وأبي الوقت، وأبي ذر، عن الكشميهني والحموي: فإنه شيء (عجله لأهله ليس من النسك في شيء).
(فقام رجل) هو ابن نيار (فقال: يا رسول الله! إني ذبحت) قبل الصلاة (وعندي جذعة) من المعز هي (خير من مسنّة) لنفاستها (قال) ﵊.
(اذبحها، ولا تفي عن أحد بعدك) بفتح المثناة الفوقية وكسر الفاء، وللكشميهني: ولا تغني بضم المثناة وسكون الغين المعجمة وبالنون، ومعناهما متقارب، والحديث قد مرّ غير مرة.
١٨ - باب الْعَلَمِ الَّذِي بِالْمُصَلَّى
(باب العلم الذي) جعل (بالمصلّى) ليعرف به، ولأبي ذر، والأصيلي: باب العلم بالمصلّى.
٩٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ قَالَ: [سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ: أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلَا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ خَرَجَ، حَتَّى أَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ].
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) أي القطان، وللأصيلي: يحيى بن سعيد (عن سفيان) الثوري ولا ذر: حدّثنا سفيان (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن عابس) بالمهملة بعد الموحدة (قال: سمعت ابن عباس) ﵄، (قيل) وللأصيلي): وقيل (له: أشهدت) بهمزة الاستفهام، أي: أحضرت (العيد) أي صلاته (مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم) شهدته (ولولا مكاني من الصغر) أي: لولا مكاني منه ﵊ لأجل الصغر (ما شهدته، خرج) ﵊ (حتى أتى العلم الذى عند دار كثير بن الصلت) والدار
المذكورة بعد العهد النبوي، وإنما عرف المصلّى بها لشهرتها (فصلى) العيد (ثم خطب)، ثم أتى النساء ومعه بلال، فوعظهن وذكرهن، وأمرهن بالصدقة، قال ابن عباس: (فرأيتهنّ يهوين بأيديهن) بفتح المثناة التحتية، من يَهوين. كذا في اليونينية، وفي غيرها، يهُوين، بضمها من: أهوى، أي: يمددن أيديهن بالصدقة ليتناول بلال، حال كونهن (يقذفنه) أي: يرمين المتصدق به (في ثوب بلال، ثم انطلق) ﵊ (هو وبلال إلى بيته).
ووقع في رواية أبي عليّ الكشاني، هنا عقب هذا الحديث: قال محمد بن كثير: العلم. اهـ.
وهذا قد وصله المؤلّف في كتاب الاعتصام، وفي فرع اليونينية علامة سقوطه في رواية ابن عساكر، وعليه ضرب من قال إلى آخر قوله. اهـ. والله أعلم.
١٩ - باب مَوْعِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ يَوْمَ الْعِيدِ
(باب موعظة الإمام النساء يوم العيد) إذا لم يسمعن الخطبة مع الرجال.
٩٧٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: [قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ. فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ]. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ
حِينَئِذٍ: تُلْقِي فَتَخَهَا وَيُلْقِينَ. قُلْتُ: أَتُرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ ذَلِكَ وَيُذَكِّرُهُنَّ؟ قَالَ إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ؟
وبالسند قال قال: (حدّثني) بالإفراد، للأصيلي وابن عساكر: حدّثنا (إسحاق بن إبراهيم بن نصر) السعدي البخاري، وسقط للأصيلي: ابن إبراهيم بن نصر (قال: حدّثنا
стр. 740
عبد الرزاق) بن همام صاحب المسند والمصنف (قال: حدّثنا) وللأربعة: أخبرنا (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو: ابن أبي رباح (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري، ﵁ (قال: سمعته يقول):
(قام النبي ﷺ يوم) عيد (الفطر، فصلّى، فبدأ بالصلاة، ثم خطب. فلما فرغ) من الخطبة (نزل) أي انتقل، كما مرّ في باب: المشي والركوب إلي صلاة العيد والصلاة قبل الخطبة، (فأتى النساء فذكرهن) بتشديد الكاف (وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه) نصب على المفعولية وجوّز إضافة باسط (يلقي فيه النساء الصدقة) وللأصيلي: صدقة.
قال ابن جريج بالإسناد السابق: (قلت لعطاء) أكانت الصدقة (زكاة يوم الفطر)؟ ولأبي ذر: زكاة، بالرفع أي: أهي زكاة الفطر؟ (قال) عطاء: (لا ولكن) كانت (صدقة) ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: ولكن هي صدقة (يتصدقن حينئذ) بها، (تلقي) النساء، بضم المثناة الفوقية وسكون اللام وكسر القاف، من الإلقاء (فتخها) بفتح الفاء والمثناة والمعجمة، منصوبًا على المفعولية، لتلقي، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي، فتختها، بفتحات وزيادة تاء التأنيث، والفتخة: حلقة من فضة لا فصّ لها، (ويلقين) كل نوع من حليهن، وكرر الإلقاء لإفادة العموم.
قال ابن جريح بالإسناد المذكور: (قلت) لعطاء: (أترى) بضم التاء، كما في اليونينية، وضبطه البرماوي بفتحها (حقًّا على الإمام ذلك؟) إشارة إلى ما ذكر من أمرهن بالصدقة (ويذكرهن) ولأبي ذر: يذكرهن بغير واو وللأصيلي: يأتيهن ويذكرهن؟
(قال) ابن جريج: (إنّه لحق عليهم، وما لهم لا يفعلونه)؟
٩٧٩ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "شَهِدْتُ الْفِطْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ يُصَلُّونَهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يُخْطَبُ بَعْدُ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجْلِسُ بِيَدِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ مَعَهُ بِلَالٌ فَقَالَ: " ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ " الآيَةَ. ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا: «آنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ»؟ قَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ -مِنْهُنَّ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا- نَعَمْ. لَا يَدْرِي حَسَنٌ مَنْ هِيَ. قَالَ: «فَتَصَدَّقْنَ» فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ ثُمَّ قَالَ: "هَلُمَّ، لَكُنَّ فِدَاءٌ أَبِي وَأُمِّي. فَيُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ". قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: الْفَتَخُ: الْخَوَاتِيمُ الْعِظَامُ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
(قال ابن جريج: وأخبرني الحسن بن مسلم) هو ابن يناق المكي، أي: بالإسناد المذكور، وللأصيلي، وابن عساكر، وأخبرني حسن، عن طاوس: هو: ابن كيسان (عن ابن عباس ﵄ قال): (شهدت الفطر) أي صلاته (مع النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، ﵃¬) فكلهم كانوا (يصلونها) أي: صلاة الفطر (قبل الخطبة، ثم يخطب) بضم المثناة التحتية وفتح الطاء، مبنيًّا للمفعول، أو: بالفتح والضم للفاعل، أي: يخطب كل منهم (بعد) مبنيًّا على الضم لقطعه عن الإضافة، أي: بعد الصلاة.
قال ابن عباس: (خرج النبي ﷺ ¬)، وقيل: أصله: وخرج بالواو المقدّرة، وفي تفسير سورة
الممتحنة، من وجه آخر عن ابن جريج، فنزل نبي الله ﷺ ، ولابن عساكر، ثم يخطب، بعد خروج النبي ﷺ ، أي: بعد الوقت الذي كان يخرج فيه (كأني أنظر إليه حين يجلس) بضم أوله وسكون الجيم، من الإجلاس، ولأبي ذر: يجلس بفتح الجيم وتشديد اللام من التجليس، أي: يجلس الرجال (بيده) أي: يشير بيده يأمرهم بالجلوس، لينتظروه حتى يفرغ مما يقصده، ثم ينصرفوا جميعًا (ثم أقبل) ﵊ (يشقهم) أي: صفوف الرجال الجالسين (حتى أتى النساء)، والذي في اليونينية: حتى جاء النساء (معه بلال) جملة حالية بغير واو (فقال) ﵊ تاليًا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] ليذكرهن البيعة التي وقعت بينه وبين النساء لما فتح مكة على الصفا، وذكر لهن وما ذكر في هذه الآية (ثم قال) ﵊ (حين فرغ منها) أي: من قراءة الآية.
(أنتنّ على ذلك) بكسر الكاف.
قال في المصابيح: وهذا مما وقع فيه ذلك بالكسر موقع، ذلكن، والإشارة إلى ما ذكر في الآية.
(قالت امرأة) ولأبي ذر، فقالت امرأة واحدة (منهن، -لم يجبه غيرها- نعم.) نحن على ذلك.
(لا يدري حسن) هو: ابن مسلم، الراوي عن طاوس، (من هي) المجيبة. قيل:
يحتمل أنها: أسماء بنت يزيد، لرواية البيهقي: أنها خرجت مع النساء، وأنه ﷺ ، قال: "يا معشر النساء إنكن أكثر حطب جهنم". قالت: فناديت، يا رسول الله، -وكنت عليه جريئة- لِمَ يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير"، الحديث. لأن القصة واحدة، فلعل بعض
стр. 741
الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، فالله أعلم.
(قال) ﵊: (فتصدقن) الفاء، يجوز أن تكون للسببية، وأن تكون في جواب شرط محذوف، أي: إن كنتن على ذلك فتصدقن.
(فبسط بلال ثوبه، ثم قال): (هلم لكنّ فداء) بكسر الفاء مع المد والقصر والرفع، خبر لقولهن: (أبي وأمي) عطف عليه، والتقدير: أبي وأمي فداء لكن، ويجوز النصب. (فيلقين) بضم الياء، من الإلقاء، أي: يرمين (الفتخ والخواتيم في ثوب بلال).
(قال عبد الرزاق: الفتخ: الخواتيم العظام كانت في الجاهلية) قال ثعلب: إنهن كن يلبسنها في أصابع الأرجل.
٢٠ - باب إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ فِي الْعِيدِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يكن لها) أي: للمرأة (جلباب في) يوم (العيد) تعيرها صاحبتها جلبابًا من جلابيبها فتخرج فيه إلى المصلّى.
والجلباب، بكسر الجيم وسكون اللام وموحدتين بينهما ألف، ثوب أقصر وأعرض من الخمار، أو هو: المقنعة، أو ثوب واسع يغطي صدرها وظهرها، أو هو: كالملحفة. أو: هو الإزار أو الخمار.
٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ: "كُنَّا نَمْنَعُ جَوَارِيَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَأَتَيْتُهَا، فَحَدَّثَتْ أَنَّ زَوْجَ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، فَكَانَتْ أُخْتُهَا مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ، فَقَالَتْ: فَكُنَّا نَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى، وَنُدَاوِي الْكَلْمَى. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ -إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ- أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، فَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ». قَالَتْ حَفْصَةُ: فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ أَتَيْتُهَا فَسَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ فِي كَذَا وَكَذَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، بِأَبِي -وَقَلَّمَا ذَكَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ إِلاَّ قَالَتْ بِأَبِي- قَالَ: «لِيَخْرُجِ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ -أَوْ قَالَ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ، شَكَّ أَيُّوبُ- وَالْحُيَّضُ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى، وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ». قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا: آلْحُيَّضُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَلَيْسَ الْحَائِضُ تَشْهَدُ عَرَفَاتٍ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا؟ ".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، عبد الله (قال: حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التميمي (قال: حدّثنا أيوب) السختياني (عن حفصة بنت سيرين) الأنصارية (قالت: كنا نمنع جوارينا أن يخرجن يوم العيد) إلى المصلّى، (فجاءت امرأة) لم تسم (فنزلت قصر بني خلف) بفتح الخاء المعجمة واللام، جدّ طلحة بن عبد الله بن خلف بالبصرة (فأتيتها فحدّثت، أن زوج أُختها) قيل: هي أخت أم العطية، وقيل، غيرها. ونص القرطبي أنها: أم عطية، ولم يعلم اسم زوج أختها (غزا مع النبي، ﷺ ، ثنتي عشرة غزوة) قالت المرأة المحدّثة: (فكانت أختها معه) أي:
مع زوجها، أو: مع النبي ﷺ (في ست غزوات، فقالت) أي الأخت لا المرأة، ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر، والأصيلي: قالت: (فكنا) بالجمع لقصد العموم (نقوم على المرضى، ونداوي الكلمى) بفتح الكاف وسكون اللام، الجرحى، محارم وغيرهم، أي: إذا كانت المعالجة بغير مباشرة كإحضار الدواء مثلاً. نعم، إن احتيج إليها وأمنت الفتنة جاز. (فقالت: يا رسول الله. عليّ) ولأبي ذر: أعلى (إحدانا بأس) أي: حرج وإثم (-إذا لم يكن لها جلباب- أن لا تخرج) إلى المصلّى للعيد؟ (فقال) ﵊:
(لتلبسها) بضم المثناة الفوقية وسكون اللام وكسر الموحدة وجزم المهملة (صاحبتها) أي: تعيرها (من جلبابها) أي: من جنس جلبابها.
ويؤيده رواية ابن خزيمة: من جلابيبها، أي: ما لا تحتاج إليه، أو هو على سبيل المبالغة، أي: يخرجن ولو كان ثنتان في ثوب واحد.
قال ابن بطال: فيه تأكيد خروجهن للعيد، لأنه إذا أمر من لا جلباب لها، فمن لها جلباب أولى.
وقال أبو حنيفة: ملازمات البيوت لا يخرجن.
(فليشهدن الخير) أي: مجالس الخير، كسماع الحديث، وعيادة المرضى، رجاء البركة (ودعوة المؤمنين) كالاجتماع لصلاة الاستسقاء.
(قالت حفصة: فلما قدمت أم عطية) نسبة (أتيتها فسألتها: أسمعت) بهمزة الاستفهام أي: النبي ﷺ (في كذا)؟ زاد أبو ذر في رواية الكشميهني والحموي، وكذا.
(قالت) أم عطية: (نعم) سمعته، كذا لأبي ذر، وابن عساكر: قالت بغير فاء، ولهما وللأصيلي: أسمعت في كذا؟ فقالت: نعم (بأبي) أفديه، ﵊، كذا لكريمة، وأبي الوقت: بأبي، بكسر الموحدة الثانية كالأولى، ولغيرهما: بأبا، بموحدتين بينهما همزة مفتوحة، والثانية خفيقة (وقلما ذكرت النبي ﷺ ¬) أم عطية (إلاّ قالت: بأبي) أفديه ﵊، ولأبي ذر في رواية، والأصيلي: بأبا.
(قال) ولابن عساكر، قالت:
(لتخرج العواتق ذوات الخدور) أي الستور، كذا للأكثر، ذوات، بغير واو، صفة لسابقه، ولأبي ذر عن الكشميهني، وذوات الخدور بواو العطف (أو قال) ﵊: (العواتق وذوات الخدور) ولأبي ذر، وابن عساكر عن الحموي والمستملي: ذات الخدور، بغير واو. بعد الذال وقبلها (شك أيوب) السختياني، هل هو بواو العطف أم لا؟ (والحيض، ويعتزل الحيض المصلّى)
стр. 742
أي
مكان الصلاة، ولأبي ذر عن الكشميهني والأصيلي، وابن عساكر: فيعتزل، ولأبي ذر في رواية أيضًا: فيعتزلن (وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين).
(قالت) أي المرأة: (فقلت لها): أي لأم عطية مستفهمة (الحيض) بالمدّ، يشهدن العيد؟ (قالت: نعم) وللأصيلي: فقالت: نعم (أليس الحائض) بهمزة الاستفهام واسمها ضمير الشأن (تشهد عرفات) أي: يومها (وتشهد كذا، وتشهد كذا)؟ أي: نحو المزدلفة، ورمي الجمار؟
فيه مشروعية خروج النساء إلى شهود العيدين سواء كنّ شواب أو ذوات هيئات أم لا. والأولى أن يخصّ ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، فلا يترتب على حضورها محذور، ولا تزاحم الرجال في الطرق، ولا في المجامع.
وقد مر في باب: خروج النساء إلى العيدين نحو ذلك.
٢١ - باب اعْتِزَالِ الْحُيَّضِ الْمُصَلَّى
(باب اعتزال الحيض المصلّى).
٩٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: [أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنُخْرِجَ الْحُيَّضَ وَالْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ -قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: أَوِ الْعَوَاتِقَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ- فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلْنَ مُصَلاَّهُمْ].
وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) بضم الميم وفتح المثلثة وتشديد النون المفتوحة (قال: حدّثنا ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم (عن ابن عون) عبد الله (عن محمد) هو ابن سيرين (قال: قالت أم عطية: أمرنا) بضم الهمزة وكسر الميم (أن نخرج) بفتح النون وضم الراء، من: الخروج (فنخرج الحيض) بضم النون وكسر الراء، من: الإخراج (والعواتق، وذوات الخدور) بواو العطف، أي: الستور، والعواتق جمع: عاتق، وهي البنت التي بلغت.
(-قال) ولأبي ذر: وقال (ابن عون) الراوي عن ابن سيرين (أو العواتق ذوات الخدور-) شك فيه، هل هو بالواو، أو بحذفها؟ كما شك أيوب.
(فأما الحيض فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم) رجاء بركة ذلك اليوم وطهرته (ويعتزلن مصلاّهم) خوف التنجيس والإخلال بتسوية الصفوف.
والمنع من المصلّى منع تنزيه لأنه ليس مسجدًا. وقال بعضهم: يحرم اللبث فيه كالمسجد لكونه موضع الصلاة، والصواب الأوّل: فيأخذن ناحية في المصلّى عن المصلين، ويقفن بباب المسجد لحرمة دخولهنّ له.
وإنما ترجم المؤلّف لهذا الحكم وإن كان هو بعض ما تضمنه الحديث المسوق في الباب السابق للاهتمام به.
٢٢ - باب النَّحْرِ وَالذَّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمُصَلَّى
(باب النحر) للإبل (والذبح) لغيرها (بالمصلّى يوم النحر). والذي في اليونينية: يوم النحر بالمصلّى، ليس إلاّ.
٩٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْحَرُ -أَوْ يَذْبَحُ- بِالْمُصَلَّى".
[الحديث ٩٨٢ - أطرافه في: ١٧١٠، ١٧١١، ٥٥٥١، ٥٥٥٢].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: حدّثنا الليث) بن سعد (قال: حدّثني) بالإفراد (كثير بن فرقد) بالمثلثة في الأولى. وفتح الفاء والقاف بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة، نزيل مصر (عن نافع، عن ابن عمر) بن الخطاب (أن النبي ﷺ كان ينحر -أو يذبح- بالمصلّى) يوم العيد للإعلام ليترتب عليه ذبح الناس. ولأن الأضحية من القرب العامة، فإظهارها أفضل لأن فيه إحياء لسُنّتها.
قال مالك: لا يذبح أحد حتى يذبح الإمام. نعم، أجمعوا على أن الإمام لو لم يذبح حل الذبح للناس إذا دخل وقت الذبح، فالمدار على الوقت لا الفعل.
وإنما عطف المؤلّف الذبح على النحر في الترجمة، وإن كان حديث الباب بأو المقتضية للتردّد، ليفهم أنه لا يمتنع الجمع بين النسكين: ما يذبح، وما ينحر في ذلك اليوم، أو إشارة إلى أنه ورد في بعض طرق الحديث بالواو.
ويأتي إن شاء الله تعالى الحديث بمباحثه في كتاب الأضاحي، وقد أخرجه النسائي في الأضاحي والصلاة.
٢٣ - باب كَلَامِ الإِمَامِ وَالنَّاسِ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ وَإِذَا سُئِلَ الإِمَامُ عَنْ شَىْءٍ وَهْوَ يَخْطُبُ
(باب كلام الإمام والناس) بالجر عطفًا على سابقه (في خطبة العيد).
و) باب (إذا سئل الإمام عن شيء) من أمر الدين (وهو يخطب) خطبة العيد. يجيب السائل؟
٩٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا،
وَنَسَكَ نُسْكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ. وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ. فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، فَتَعَجَّلْتُ، وَأَكَلْتُ وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ. قَالَ فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ جَذَعَةٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَىْ لَحْمٍ، فَهَلْ تَجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد، (قال: حدّثنا أبو الأحوص) بحاء وصاد ممهملتين، سلام بن سليم الحنفي الكوفي (قال: حدّثنا منصور بن المعتمر عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن البراء بن عازب) ﵁ (قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر بعد الصلاة) أي: صلاة العيد (فقال) بالفاء قبل القاف، ولابن عساكر، قال:
(من صلّى صلاتنا ونسك نسكنا) أي: قرّب قرباننا (فقد أصاب النسك) المجزئ عن الأضحية، (ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم) تؤكل، ليست من النسك في شيء.
(فقام أبو بردة بن نيار) بكسر النون وتخفيف المثناة (فقال: يا رسول الله! والله لقد نسكت) ذبحت (قبل أن أخرج
стр. 743
إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فتعجلت وأكلت) بالواو، ولابن عساكر، فأكلت (وأطعمت أهلي وجيراني) بكسر الجيم جمع جار. (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(تلك) أي: المذبوحة قبل الصلاة (شاة لحم) غير مجزئة عن الأضحية.
وهذه المراجعة الواقعة بينه ﷺ ، وبين أبي بردة تدل للحكم الأول من الترجمة، وتاليها يدل على الثاني منها وهو قوله:
(قال) أي: أبو بردة: (فإن عندي عناق جذعة) بنصب عناق اسم: إن، وجر جذعة على الإضافة، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: عناقًا جذعةً، بنصبهما، قال في المصابيح، ففي الإضافة حينئذ إشكال. (هي) وللأصيلي وأبي ذر: لهي (خير من شاتي لحم) لنفاستها، (فهل تجزي عني)؟ بفتح المثناة الفوقية من غير همز أي: هل تكفي عني؟ (قال) ﵊: (نعم) تجزي عنك (ولن تجزي عن أحد بعدك) فهي خصوصية له كما مر.
٩٨٤ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ فَأَمَرَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَ ذَبْحَهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِيرَانٌ لِي -إِمَّا قَالَ: بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَإِمَّا قَالَ بِهِمْ فَقْرٌ- وَإِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعِنْدِي عَنَاقٌ لِي أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ شَاتَىْ لَحْمٍ. فَرَخَّصَ لَهُ فِيهَا".
وبه قال: (حدّثنا حامد بن عمر) بضم العين البكراوي، من ولد أبي بكرة، قاضي كرمان، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين (عن حماد بن زيد) وللأصيلي: عن حماد، هو: ابن زيد (عن
أيوب) السختياني (عن محمد) هو: ابن سيرين (أن أنس بن مالك قال: إن) بكسر الهمزة، ولأبي ذر: عن أنس بن مالك أن، بإسقاط قال: وفتح همزة أن (رسول الله ﷺ ، صلّى يوم النحر) صلاة العيد (ثم خطب) أي: الناس (فأمر من ذبح قبل الصلاة أْن يعيد ذبحه) بفتح الذال المعجمة في اليونينية، مصدر ذبح، وفي نسخة غيرها: ذبحه، بكسرها، اسم للشيء المذبوح (فقام رجل من الأنصار) هو أبو بردة بن نيار (فقال: يا رسول الله، جيران) مبتدأ وقوله (لي) صفته، والجملة اللاحقة خبره، وهي قوله (-إما قال) الرجل: (بهم خصاصة) بالتخفيف: جوع (وإما قال: فقر-) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، عن الكشميهني: وإما قال بهم فقر. (إني ذبحت قبل الصلاة، وعندي عناق لي) هي (أحب إليّ من شاتي لحم) لأنها أغلى ثمنًا وأعلى لحمًا. (فرخص له) ﵊ (فيها) ولم تعمّ الرخصة غيره.
٩٨٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ جُنْدَبٍ قَالَ: "صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ فَقَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ".
[الحديث ٩٨٥ - أطرافه في: ٥٥٠٠، ٥٥٦٢، ٦٦٧٤، ٧٤٠٠].
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأسود) هو ابن قيس العبدي، بسكون الموحدة، الكوفي (عن جندب) بضم الجيم وسكون النون وفتح الذال وضمها، ابن عبد الله البجلي، ﵁ (قال: صلّى النبي ﷺ يوم النحر) صلاة العيد (ثم خطب ثم ذبح، فقال) أي في خطبته، ولأبوي ذر، والوقت. (وقال):
(من ذبح قبل أن يصلّي) العيد (فليذبح) ذبيحة (أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله) أي: لله. فالباء بمعنى اللام، أو متعلقة بمحذوف. أي: بسُنّة الله، أو تبرّكًا باسم الله تعالى.
ومذهب الحنفية وجوب الأضحية على المقيم بالمصر، المالك للنصاب.
والجمهور: أنها سُنّة، لحديث مسلم مرفوعًا: من رأى هلال ذي الحجة فأراد أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره. والتعليق بالإرادة بنا في الوجوب.
ورواة حديث الباب الأخير ما بين: بصري وواسطي وكوفي، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في: الأضاحي، والتوحيد، والذبائح. ومسلم والنسائي وابن ماجة في الأضاحي.
٢٤ - باب مَنْ خَالَفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجَعَ يَوْمَ الْعِيدِ
(باب من خالف الطريق) التي توجه منها إلى المصلّى (إذا رجع يوم العيد) بعد الصلاة.
٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ".
تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ فُلَيْحٍ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ.
وبالسند قال: (حدّثنا محمد) غير منسوب، ولابن عساكر هو: ابن سلام، كما في هامش فرع اليونينية.
وفي رواية أبي على بن السكن، فيما ذكره في الفتح: حدّثنا محمد بن سلام، وكذا للحفصي، وجزم به الكلاباذي وغيره، ولأبي علي بن شبويه: إنه محمد بن مقاتل. قال الحافظ ابن حجر: والأول هو المعتمد.
(قال: أخبرنا) وللأصيلي، وابن عساكر: حدّثنا (أبو تميلة) المثناة الفوقية وسكون التحتية بينهما ميم مفتوحة، مصغرًا (يحيى بن واضح) الأنصاري المروزي.
قيل: إنه ضعيف، لذكر المؤلّف له في الضعفاء، وتفرد به شيخه، وهو مضعف عند ابن معين، والنسائي وأبي داود. وثّقه آخرون، فحديثه من قبيل الحسن، لكن له شواهد من حديث
стр. 744
ابن عمر، وسعد القرظ، وأبي رافع، وعثمان بن عبيد الله التميمي، فصار من القسم الثاني من قسمي الصحيح. قاله شيخ الصنعة: ابن حجر.
(وعن فليح بن سليمان) بضم أولهما وفتح ثانيهما (عن سعيد بن الحرث) بن المعلى الأنصاري المدني، قاضيها (عن جابر) ولأبي ذر، وابن عساكر: عن جابر بن عبد الله، ﵄ (قال):
كان النبي ﷺ ، إذا كان يوم عيد بالرفع فاعل كان، وهي تامة تكتفي بمرفوعها، أي: إذا وقع يوم عيد وجواب: إذا، قوله: (خالف الطريق) رجع في غير طريق الذهاب إلى المصلّى.
قال في المجموع: وأصح الأقوال في حكمته: أنه كان يذهب في أطولهما تكثيرًا للأجْر، ويرجع في أقصرهما. لأن الذهاب أفضل من الرجوع.
وأما قول إمام الحرمين وغيره: إن الرجوع ليس بقربه، فعورض بأن أجر الخطا يكتب في الرجوع أيضًا، كما ثبت في حديث أُبيّ بن كعب عند الترمذي وغيره.
وقيل: خالف ليشهد له الطريقان، أو أهلهما من الجن والإنس، أو ليتبرك به أهلهما، أو ليُستفتى فيهما، أو ليتصدق على فقرائهما، أو ليزور قبور أقاربه فيهما، أو ليصل رحمه، أو للتفاؤل بتغير الحال إلى المغفرة والرضا، أو لإظهار شعار الإسلام فيهما، أو ليغيظ المنافقين أو اليهود، أو ليرهبهم بكثرة من معه، أو حذرّا من إصابة العين، فهو في معنى قول يعقوب لبنيه، عليهم الصلاة والسلام: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧]. ثم من شاركه ﷺ في المعنى، ندب له
ذلك وكذا من لم يشاركه في الأظهر تأسيًا به ﵊: كالرّمل والاضطباع سواء فيه الإمام والقوم.
واستحب في الأم أن يقف الإمام في طريق رجوعه إلى القبلة، ويدعو، وروي فيه حديثًا. اهـ.
ورواة الحديث: الثاني: مروزي، والثالث والرابع: مدنيان، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول.
(تابعه) أي: تابع أبا تميلة المذكور (يونس بن محمد) البغدادي المؤدب، فيما وصله الإسماعيلي من طريق ابن لم شيبة (عن فليح) ولأبي ذر، وعن سعيد (عن أبي هريرة).
(وحديث جابر أصح). كذا عند جمهور رواة البخاري من طريق الفربري.
واستشكل: بأن المتابعة لا تقتضي المساواة، فكيف تقتضي الأضحية؟
وأجيب: بأنه سقط في رواية إبراهيم بن معقل النسفيّ، عن البخاري، فيما أخرجه الجياني، قوله: وحديث جابر أصح. وبأن أبا نعيم في مستخرجه قال: أخرجه البخاري عن أبي نميلة. وقال: تابعه يونس بن محمد عن فليح.
وقال محمد بن الصلت، عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة. وحديث جابر أصح، وبذلك جزم أبو مسعود في الأطراف، فيكون حديث أبي هريرة صحيحًا، وحديث جابر أصح منه، ولذلك قال الترمذي، بعد أن ساق حديث أبي هريرة: حديث غريب.
وحينئذ فيكون سقط من رواية الفربري قوله: وقال محمد بن الصلت عن فليح فقط. هذا على رواية ابن السكن، وأما على رواية الباقين فسقط إسناد محمد بن الصلت كله.
والحاصل كما قاله الكرماني: أن الصواب إما طريقة النسفيّ التي بالإسقاط، وإما طريقة أبي نعيم وأبي مسعود بزيادة حديث ابن الصلت الموصولة عند الدارمي، طريقة الفربري.
٢٥ - باب إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ
وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ وَمَنْ كَانَ فِي الْبُيُوتِ وَالْقُرَى، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ».
وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلَاهُمُ ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوِيَةِ فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ وَصَلَّى كَصَلَاةِ أَهْلِ الْمِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْعِيدِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا فاته العيد) أي: إذا فات الرجل صلاة العيد مع الإمام، سواء كان لعارض أم لا، (يصلّي ركعتين) كهيئتها مع الإمام، لا أربعًا.
خلافًا لأحمد فيما نقل عنه، وعبارة المرداوي في تنقيح المقنع: وإن فاتته سنّ قضاؤها قبل الزوال وبعده على صفاتها، وعنه: أربع بلا تكبير بسلام، قال بعضهم: كالظهر. اهـ.
واستدلّ بما روى سعيد بن منصور، بإسناد صحيح عن ابن مسعود من قوله: من فاته العيد مع الإمام فليصل أربعًا. وقال المزني وغيره: إذا فاتته لا يقضيها. وقال الحنفية: لا تقضى، لأن لها شرائط لا يقدر المنفرد على تحصيلها.
(وكذلك النساء) اللاتي لم يحضرن المصلّى مع الإمام (و) كذلك (من كان في البيوت) ممن لم يحضرها معه أيضًا (و) كذلك من كان في (القرى) ولم يحضر (لقول النبي ﷺ ¬) هذا عيدنا أهل الإسلام). بنصب أهل على الاختصاص، أو منادى مضاف حذف منه حرف النداء، ويؤيده رواية أبي ذر في نسخة عن الكشميهني: يا أهل الإسلام؛ وأشار إلى حديث عائشة
стр. 745
في الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيتها، إذ فيه قوله ﵊: "وهذا عيدنا". وحديث عقبة بن عامر المروزي عند أبي داود والنسائي وغيرهما أنه، ﵊، قال في أيام التشريق: "عيدنا أهل الإسلام".
قيل: وجه الدلالة على الترجمة من ذلك أن قوله هذا إشارة إلى الركعتين، وعمم: بأهل، من كان مع الإمام، أو لم يكن، كالنساء وأهل القرى وغيرهم. اهـ. فليتأمل.
وأشار المؤلّف بقوله: ومن كان في البيوت والقرى، إلى مخالفة ما روي عن علي: جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع.
(وأمر أنس بن مالك) لما فاتته صلاة العيد مع الإمام، فيما وصله ابن أبي شيبة، (مولاهم) أي: مولى أنس وأصحابه، ولأبي ذر عن الكشميهني: مولاه (ابن أبي عتبة) بنصب ابن بدل من مولى أو بيان؟ وبضم العين وسكون المثناة الفوقية وفتح الموحدة على الأكثر الأشهر، وهو الذي في الفرع وأصله، ولأبي ذر. كما في الفتح: غنية، بالمعجمة المفتوحة والنون والمثناة التحتية المشددة (بالزاوية) بالزاي، موضع على فرسخين من البصرة، كان بها قصر وأرض لأنس، (فجمع) له (أهله وبنيه) بتخفيف ميم: فجمع (وصلّى) بهم أنس صلاة العيد (كصلاة أهل المصر) ركعتين (وتكبيرهم).
(وقال عكرمة)، فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا: (أهل السواد يجتمعون في) يوم (العيد يصلون) صلاة العيد (ركعتين كما يصنع الإمام).
(وقال عطاء) هو: ابن أبي رباح، مما وصله الفريابي في مصنفه، وللكشميهني: وكان عطاء (إذا فاته العيد) أي صلاته مع الإمام (صلّى ركعتين) زاد ابن أبي شيبة، من وجه آخر عن أبي جريج: ويكبر، وهو يقتضي أن تصلي كهيئتها لا أن الركعتين مطلق نفل.
٩٨٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ -وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ- فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ: دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ. وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى".
وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف (قال: حدّثنا الليث) بن سعد (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة، أن أبا بكر) الصديق ﵁ (دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي ﷺ متغش) مستتر، ولأبي ذر: متغشى (بثوبه- فانتهرهما) زجرهما (أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه) الثوب (وقال): (دعهما) أي: اتركهما (يا أبا بكر، فإنها) أي: هذه الأيام (أيام عيد) (وتلك الأيام أيام منى) أضاف الأيام إلى العيد ثم إلى منى: إشارة إلى الزمان ثم المكان.
٩٨٨ - حدّثنا وَقَالَتْ عَائِشَةُ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : دَعْهُمْ. أَمْنًا بَنِي أَرْفِدَةَ". يَعْنِي مِنَ الأَمْنِ.
(وقالت عائشة) بالإسناد السابق (رأيت النبي ﷺ يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في
المسجد فزجرهم، فقال النبي) بحذف فاعل الزجر، ولكريمة: فزجرهم عمر، فقال النبي (¬ ﷺ ¬):
(دعهم) أي: اتركهم من جهة أنا أمناهم (أمنًا) بسكون الميم والنصب على المصدر، أو بنزع الخافض، أي: للأمن، أو على الحال أي: العبوا آمنين يا (بني أرفدة) بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الفاء والدال مهملة، وحذف منه حرف النداء.
قال المؤلّف في تفسير أمنًا: (يعني من الأمن) ضدّ الخوف، لا الأمان الذي للكفار.
واستشكل مطابقة الحديث للترجمة لأنه ليس فيه للصلاة ذكر.
وأجاب ابن المنير: بأنه يؤخذ من قوله: أيام عيد، وتلك أيام منى فأضاف سنة العيد إلى اليوم على الإطلاق، فيستوي في إقامتها: الفذ والجماعة، والنساء والرجال.
وقال ابن رشيد، لا سمى أيام منى: أيام عيد، كانت محلاً لأداء هذه الصلاة، أي: فيؤديها فيها إذا فاتته مع الإمام، لأنها شرعت ليوم العيد ومقتضاه أنها تقع أداء، وأن وقت أدائها: آخر أو هو آخر أيام منى. حكاه في الفتح، ولا يخفى ما فيه من التكلف.
٢٦ - باب الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا
وَقَالَ أَبُو الْمُعَلَّى: سَمِعْتُ سَعِيدًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَرِهَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْعِيدِ.
(باب الصلاة قبل) صلاة (العيد وبعدها) هل تجوز أم لا؟.
(وقال أبو المعلى) بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللام المفتوحة، يحيى بن ميمون العطار الكوفي، وليس له في البخاري سوى هذا، أو هو يحيى بن دينار: (سمعت سعيدًا) هو: ابن جبير (عن ابن عباس) ﵄، أنه (كره الصلاة قبل) صلاة (العيد).
٩٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَمَعَهُ بِلَالٌ".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قال: حدّثنا شعبة) ابن الحجاج (قال: حدّثني)، ولأبي
стр. 746
ذر في نسخة، وابن عساكر والأصيلي: أخبرني؟ بالإفراد فيهما (عدي بن ثابت) الأنصاري (قال: سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ ، خرج يوم) عيد (الفطر فصلّى) صلاة العيد (ركعتين لم يصلِّ قبلها ولا بعدها) بإفراد الضمير فيهما، نظرًا إلى الصلاة. وللكشميهني: قبلهما ولا بعدهما، بتثنيتهما، نظرًا إلى الركعتين (ومعه بلال) جملة حالية.
قال الشافعية: يكره للإمام بعد الحضور التنفل قبلها وبعدها لاشتغاله بغير الأهم ولمخالفته فعل النبي ﷺ ، لأنه صلّى عقب حضوره، وخطب عقب صلاته. وأما المأموم فلا يكره له ذلك قبلها مطلقًا، ولا بعدها إن لم يسمع الخطبة، لأنه لم يشتغل بغير الأهم بخلاف من يسمعها، لأنه بذلك معرض من الخطيب بالكلية.
وقال الحنفية: يكره قبلها لقوله ﵊: "لا صلاة في العيد قبل الإمام".
وقال المالكية والحنابلة: لا قبلها ولا بعدها. وعبارة المرداوي في تنقيحه: ويكره التنفل في موضعها قبل الصلاة وبعدها، وقضاء فائتة نصًّا قبل مفارقته. والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٤ - كتاب الوتر
١ - باب مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(باب ما جاء في الوتر) بكسر الواو، وقد تفتح، ولأبي ذر، عن المستملي: أبواب الوتر، بسم الله الرحمن الرحيم، لكن في فتح الباري تقديم البسملة على قوله: أبواب للمستملي، ولأبي الوقت، مما في الفرع، وأصله بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الوتر. وسقطت البسملة عند كريمة وابن شبويه والأصيلي، كما نبه عليه في الفتح.
واختلف في الوتر، فقال أبو حنيفة بوجوبه لقوله ﵊، المروي عنه: "إن الله زادكم صلاة، ألا، وهي: الوتر". والزائد لا يكون إلا من جنس المزيد عليه، فيكون فرضًا.
لكن لم يكفر جاحده لأنه ثبت بخبر الواحد، ولحديث أبي داود، بإسناد صحيح: "الوتر حق على كل مسلم".
والصارف له عن الوجوب عند الشافعية قوله تعالى: ﴿والصلاة الوسطى﴾ ولو وجب لم يكن للصلوات وسطى، وقوله ﵊ لمعاذ، لما بعثه إلى اليمن: "فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة". وليس قوله: حق، بمعنى: واجب في عرف الشرع.
٩٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى".
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا) ولأبي ذر في نسخة: حدّثنا
(مالك) الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (وعبد الله بن دينار) كلاهما (عن ابن عمر) بن الخطاب ﵄، (أن رجلاً سأل) قيل: هو ابن عمر كما هو في المعجم الصغير.
وعورض برواية عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، عند مسلم: أن رجلاً سأل النبي ﷺ ، وأنا بينه وبين السائل.
وقيل: هو من أهل البادية، ولا تنافي لاحتمال تعدد من سأل (رسول الله) ولأبي ذر، والأصيلي: سأل النبي (¬ ﷺ عن) عدد (صلاة الليل) أو: عن الفصل والوصل (فقال ﷺ :).
(صلاة الليل مثنى مثنى) غير مصروف للعدل، والوصف والتكرير للتأكيد لأنه في معنى: اثنين، اثنين: أربع مرات. والمعنى: يسلم من كل ركعتين، كما فسره به ابن عمر في حديثه عند مسلم.
واستدلّ بمفهومه للحنفية على أن الأفضل في صلاة النهار أن تكون أربعًا.
وعورض بأنه مفهوم لقب، وليس حجة على الراجح، ولئن سلمناه لا نسلم الحصر في الأربع.
على أنه قد تبين من رواية أخرى أن حكم المسكوت عنه حكم المنطوق به، ففي السنن وصححه ابن خزيمة، وغيره من طريق علي الأزدي، عن ابن عمر، مرفوعًا: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". لكن أكثر أئمة الحديث أعلوا هذه الزيادة، وهي قوله: والنهار، بأن الحفاظ من أصحاب ابن عمر لم يذكروها عنه، وحكم النسائي على راويها بأنه: أخطأ فيها.
(فإذا خشي أحدكم الصبح) أي: فوات صلاة الصبح (صلّى ركعة واحدة توتر له) تلك الركعة الواحدة (ما قد صلّى).
فيه أن أقل الوتر ركعة، وأنها تكون مفصولة بالتسليم مما قبلها، وبه قال الأئمة الثلاثة خلافًا للحنفية حيث قالوا: يوتر بثلاث كالمغرب، لحديث عائشة: أنه ﷺ كان يوتر بها. كذلك رواه الحاكم وصححه.
نعم، قال الشافعية: لو أوتر بثلاث موصولة فأكثر وتشهد في الأخيرتين، أو في
стр. 747
الأخيرة جاز للاتباع، رواه مسلم: لا أن تشهد في غيرهما فقط، أو معهما، أو مع أحدهما، لأنه خلاف المنقول بخلاف النفل المطلق، لأنه لا حصر لركعاته وتشهداته. لكن الفصل، ولو بواحدة، أفضل من الوصل، لأنه أكثر أخبارًا وعملاً، ثم الوصل بتشهد أفضل منه بتشهدين، فرقًا بينه وبين المغرب.
وروى الدارقطني بإسناد رواته ثقات حديث: "لا توتروا بثلاث، ولا تشبهوا الوتر بصلاة المغرب". وثلاثة موصولة أفضل من ركعة لزيادة العبادة، بل قال القاضي أبو الطيب: إن الإيتار بركعة مكروه. اهـ.
واستدلّ به المالكية على تعيين الشفع قبل الوتر، لأن المقصود من الوتر أن تكون الصلاة كلها وترًا لقوله ﵊ صلّى ركعة توتر له ما قد صلّى.
وأجيب: بأن سبق الشفع شرط في الكمال لا في الصحة، لحديث أبي داود والنسائي، وصححه ابن حبان، عن أبي أيوب مرفوعًا: الوتر حق، فمن شاء أوتر بخمس، ومن شاء بثلاث، ومن شاء بواحدة.
٩٩١ - حدثنا وَعَنْ نَافِعٍ "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي الْوِتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ".
(وعن نافع) بالإسناد السابق، كما قاله الحافظ ابن حجر، وقال العيني: إنما هو معلق، ولو كان مسندًا لم يفرقه، (أن عبد الله بن عمر) بن الخطاب، ﵄ (كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته) ظاهره أنه كان يصلّي الوتر موصولاً، فإن عرضت له حاجة فصل ثم بنى على ما مضى.
وعند سعيد بن منصور بإسناد صحيح، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: صلّى ابن عمر ركعتين، ثم قال: يا غلام ارحل لنا، ثم قام فأوتر بركعة.
وهذا الحديث الأول أخرجه أبو داود، والنسائي.
٩٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ -وَهْيَ خَالَتُهُ- فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ وِسَادَةٍ -وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، فَاسْتَيْقَظَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ. ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام، ولأبي ذر، والأصيلي: عن مالك بن أنس (عن مخرمة بن سليمان) بإسكان الخاء المعجمة وفتح غيرها، الأسدي الوالبي (عن كريب) بضم الكاف وفتح الراء، ابن أبي مسلم الهاشمي، مولاهم المدني، أبي رشدين، مولى ابن عباس (أن ابن عباس) ﵄، (أخبره أنه بات عند) أم المؤمنين (ميمونة -وهي خالته) أخت أمه لبابة.
وزاد شريك بن أبي نمر، عن كريب، عند مسلم، قال: فرقبت رسول الله ﷺ كيف يصلّي.
وزاد أبو عوانة في صحيحه من هذا الوجه: بالليل، (فاضطجعت في عرض وسادة) بفتح العين، وقد تضم، وفي رواية محمد بن الوليد عند محمد بن نصر في كتاب: قيام الليل: وسادة من أدم حشوها ليف، (واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها).
قال ابن عبد البر: كان، والله أعلم، ابن عباس مضطجعًا عند رجل رسول الله ﷺ ، أو عند
رأسه.
(فنام) ﵊ (حتى انتصف الليل أو) صار (قريبًا منه) أي: من الانتصاف (فاستيقظ) ﵊ (يمسح النوم عن وجهه) أي: يمسح أثر النوم عن وجهه (ثم قرأ عشر آيات من) سورة (آل عمران) أي من: ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخرها.
واستشكل قوله: حتى انتصف الليل أو قريبًا منه، بجزم شريك في روايته عند مسلم، كالبخاري في تفسير سورة آل عمران: بثلث الليل الأخير.
وأجيب: بأن استيقاظه ﵊ وقع مرتين، ففي الأولى تلا الآيات، ثم عاد لمضجعه فنام، وفي الثانية أعاد ذلك.
(ثم قام رسول الله ﷺ إلى شن معلقة) أنث على تأويله بالقربة، وزاد محمد بن الوليد: ثم استفرغ من الشن في إناء (فتوضأ) منها للتجديد لا للنوم لأنه تنام عينه ولا ينام قلبه (فأحسن الوضوء) أتمه بأن أتى بمندوباته، ولا ينافي التخفيف، (ثم قام يصلّي).
قال ابن عباس: (فصنعت مثله) في الوضوء ومسح النوم عن وجهه، وقراءة الآيات، وغير ذلك، أو هو محمول على الأغلب، (فقمت)، بالفاء قبل القاف، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي: وقمت (إلى جنبه، فوضع يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني يفتلها) بكسر المثناة الفوقية، أي: يدلكها لينتبه، أو لإِظهار محبته (ثم صلّى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين) ست مرات باثنتي عشرة ركعة (ثم أوتر) بركعة.
يقتضي أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، وظاهره أنه فصل بين كل ركعتين. وصرح بذلك في رواية طلحة بن نافع، حيث قال
стр. 748
فيها: يسلم بين كل ركعتين.
(ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام، فصلّى ركعتين) سنة الفجر (ثم خرج) من الحجرة، إلى المسجد (فصلّى الصبح) بالجماعة.
٩٩٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى
مَثْنَى، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ مَا صَلَّيْتَ». قَالَ الْقَاسِمُ: وَرَأَيْنَا أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ، وَإِنَّ كُلاًّ لَوَاسِعٌ، أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِشَىْءٍ مِنْهُ بَأْسٌ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي، نزيل مصر (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) المصري، ولأبي ذر: عبد الله بن وهب (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو أن عبد الرحمن) بإسكان الميم بعد العين المفتوحة، ولأبوي ذر، والوقت والأصيلي، عن المستملي: عمرو بن الحرث: أن عبد الرحمن (بن القاسم حدثه، عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵃، (عن عبد الله عمر) بن الخطاب، ﵄. (قال: قال النبي) ولأبي ذر، في نسخة، قال رسول الله: (¬ ﷺ صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف، فاركع ركعة) وحدة (توتر لك ما صليت).
وفيه ردّ على من ادعى من الحنفية أن الوتر بواحدة مختص بمن خشي طلوع الفجر، لأنه علقه بإرادة الانصراف، وهو أعم من أن يكون لخشية طلوع الفجر، وغيره.
(قال القاسم) بن محمد بن أبي بكر بالإسناد السابق، كما في مستخرج أبي نعيم، أو هو معلق.
لكن، قال الحافظ ابن حجر: جعله معلقًا وهم، وتعقبه صاحب عمدة القارئ بأن فصله عما قبله يصيره ابتداء كلام، فالصواب أنه معلق.
(ورأينا أناسًا منذ أدركنا) بلغنا الحلم، أو عقلنا (يوترون بثلاث، وإن كلاًّ) من الوتر بركعة واحدة وثلاث (لواسع، أرجو) ولأبي ذر: وأرجو (أن لا يكون بشيء منه بأس) فلا حرج في فعل أيهما شاء.
٩٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ -تَعْنِي بِاللَّيْلِ- فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب محمد بن مسلم (الزهري، عن عروة) بن الزبير، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر، قال: حدثني بالإفراد، عروة (أن عائشة) ﵂ (أخبرته أن رسول الله ﷺ ، كان يصلّي إحدى عشرة ركعة) هي أكثر الوتر عند الشافعي لهذا الحديث، ولقولها ما كان، ﷺ ، يزيد في رمضان، ولا غيره، على إحدى عشرة ركعة ولا يصح زيادة عليها، فلو زاد عليها لم يجز، ولم يصح وتره بأن أحرم بالجميع دفعة واحدة فإن سلم من كل ثنتين صح إلا الإحرام السادس فلا يصح وترًا، فإن علم المنع وتعمده فالقياس البطلان، وإلا وقع نفلاً كإحرامه بالظهر قبل الزوال غالطًا.
ولا تنافي بين حديث عائشة هذا وحديث ابن عباس السابق، ثلاثة عشر، فقد قيل: أكثره ثلاثة عشر، لكن تأوله الأكثرون بأن من ذلك ركعتين، سنة العشاء.
قال النووي: وهذا تأويل ضعيف منابذ للأخبار.
قال السبكي: وأنا أقطع بحل الإيتار بذلك وصحته، لكني أحب الاقتصار على إحدى عشرة فأقل، لأنه غالبِ أحواله ﷺ .
(كانت تلك صلاته تعني) عائشة (بالليل فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر) سنته (ثم يضطجع على شقه الأيمن) لأنه كان يحب التيمن.
لا يقال: حكمته أن لا يستغرق في النوم لأن القلب في اليسار، ففي النوم عليه راحة له فيستغرق فيه، لأنا نقول: صح أنه ﵊ كان: تنام عينه ولا ينام قلبه. نعم، يجوز أن يكون فعله لإرشاد أمته وتعليمهم.
(حتى يأتيه المؤذن للصلاة) ولابن عساكر: بالصلاة بالموحدة بدل اللام.
٢ - باب سَاعَاتِ الْوِتْرِ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوْصَانِي النَّبِيُّ ﷺ بِالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ.
(باب ساعات الوتر) أي: أوقاته.
(قال) ولأبي ذر: وقال (أبو هريرة) مما وصله إسحاق بن راهويه، في مسنده: (أوصاني النبي) ولأبي ذر: في رواية رسول الله (¬ ﷺ بالوتر قبل النوم) محمول على من لم يثق بتيقظه آخر الليل جمعًا بينه وبين حديث: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا".
٩٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: "قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ أُطِيلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَكَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ". قَالَ حَمَّادٌ: أَىْ سُرْعَةً.
وبالسند قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي (قال: حدّثنا حماد بن زيد، قال: حدّثنا أنس بن سيرين) أخو محمد بن سيرين (قال: قلت لابن عمر) بن الخطاب، ﵄: (أرأيت) بهمزة الاستفهام، أي: أخبرني عن (الركعتين) اللتين (قبل صلاة الغداة أطيل فيهما القراءة)؟ كذا للكشميهني: أطيل، بجعل المضارع فيه للمتكلم، وهمزة الاستفهام محذوفة.
وللحموي: أتطيل بهمزة الاستفهام مع
стр. 749
جعل المضارع للمخاطب. وللباقين من غير اليونينية: نطيل بنون الجمع من أطال يطيل إذا طول؛ وفي الفرع لأبي ذر عن الحموي والمستملي: تطيل، بالفوقية من غير همز.
(فقال) أي: ابن عمر، ولأبي ذر والأصيلي، وابن عساكر: قال:
(كان النبي، ﷺ ، يصلّي من الليل). ولابن عساكر: يصلّي بالليل- (مثنى مثنى) فيه فضل الفصل لأنه أمر به وفعله، بخلاف الوصل فإنه فعله فقط. (ويوتر بركعة، ويصلّي الركعتين) السنة، ولأبوي ذر، والوقت، ويصلّي ركعتين (قبل صلاة الغداة) أي: الصبح، (وكأن الأذان) أي الإقامة (بأذنيه) بالتثنية والكاف حرف تشبيه، ونون كأن مشددة، والجملة حال من فاعل يصلّي في قولها: يصلّي ركعتين قبل صلاة الغداة.
لا يقال: إنها لإنشاء التشبيه، لأن الجملة الإنشائية لا تقع حالاً، قاله في المصابيح.
(قال حماد) المذكور بالسند السابق في تفسير: كأن الأذان (أي سرعة) ولأبوي ذر، والوقت، كما في الفرع، وزاد في الفتح، وابن شبويه: بسرعة، بموحدة قبل السين.
والمعنى: أنه ﵊ كان يسرع بركعتي الفجر إسراع من يسمع إقامة الصلاة خشية فوات أول الوقت، ويلزم منه تخفيف القراءة فيهما، فيحصل به الجواب عن سؤال أنس بن سيرين عن قدر القراءة فيهما.
ورواة الحديث كلهم بصريون، وفيه التحديث والقول، وأخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجة: في الصلاة.
٩٩٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ".
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) بضم العين، النخعي الكوفي (قال: حدّثنا أبي) حفص بن غياث، قاضي الكوفة (قال: حدّثنا) سليمان بن مهران (الأعمش قال: حدّثني) بالإفراد (مسلم) هو: أبو الضحى الكوفي، لا ابن كيسان (عن مسروق) هو: ابن عبد الرحمن الكوفي (عن عائشة)، ﵂، (قالت):
(كل الليل) صالح لجميع أجزائه، وكل بالنصب على الظرفية، أو بالرفع: مبتدأ خبره ما بعده.
وهو قوله (أوتر رسول الله ﷺ ، وانتهى وتره إلى السحر) قبيل الصبح.
ولأبي داود، عن مسروق، قلت لعائشة: متى كان يوتر رسول الله ﷺ ؟ فقالت: أوتر أوّل الليل، وأوسطه، وآخره، ولكن انتهى وتره حين مات إلى السحر. فقد يكون أوتر من أوّله لشكوى حصلت له، وفي وسطه لاستيقاظه إذ ذاك، وكان آخر أمره أن أخره إلى آخر الليل.
ويحتمل أن يكون فعله أوله وأوسطه لبيان الجواز، وأخره إلى الليل تنبيهًا على أنه الأفضل لمن يثق بالانتباه.
"من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوّله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة" وذلك أفضل.
وورد عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وغيرهم واستحبه مالك، وقد قال ﵊ لأبي بكر: متى توتر؟ قال: أوّل الليل. وقال لعمر: متى توتر؟ قال: آخر الليل. فقال لأبي بكر: أخذت بالحزم، وقال لعمر: أخذت بالقوّة.
واستشكل اختيار الجمهور لفعل عمر في ذلك مع أن أبا بكر أفضل منه.
وأجيب بأنهم فهموا من الحديث ترجيح فعل عمر، لأنه وصفه بالقوّة، وهي أفضل من الحزم لمن أعطيها.
وقد اتفق السلف والخلف على أن وقته من بعد صلاة العشاء إلى الفجر الثاني، لحديث معاذ، عند أحمد مرفوعًا: زادني ربي صلاة، وهي الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر.
قال المحاملي: ووقتها المختار إلى نصف الليل. وقال القاضي أبو الطيب وغيره: إلى نصفه، أو ثلثه.
والأقرب فيهما أن يقال: بعيد ذلك ليجامع وقت العشاء المختار، مع أن ذلك منافٍ لقولهم: يسن جعله آخر صلاة الليل، وقد علم أن التهجد في النصف الثاني أفضل، فيكون مستحبًا. ووقته المختار إلى ما ذكر، وحمل البلقيني ذلك على من لا يريد التهجد.
ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش ومسروق ومسلم، والتحديث، والعنعنة والقول، وأخرجه: مسلم، وأبو داود في الصلاة.
٣ - باب إِيقَاظِ النَّبِيِّ ﷺ أَهْلَهُ بِالْوِتْرِ
(باب إيقاظ النبي ﷺ أهله بالوتر) وللكشميهني: للوتر، باللام بدل الموحدة. وإيقاظ مصدر مضاف لفاعله وأهله مفعوله.
٩٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ".
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال حدّثنا يحيى) القطان (قال: حدّثنا هشام) هو: ابن عروة (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) عروة بن
стр. 750
الزبير بن العوام (عن عائشة) ﵂
(قالت: كان النبي ﷺ يصلّي) صلاة الليل (وأنا راقدة) حال كوني (معترضة على فراشه) ولأبي ذر: معترضة، بالرفع (فإذا أراد أن يوتر أيقظني) فقمت وتوضأت (فأوترت) امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢] واستدلّ به على جعل الوتر آخر الليل، ولو نام قبله سواء تهجد، أي: صلّى بعد الهجود، أي: النوم أو لم يتهجد، ومحله إذا وثق أن يستيقظ بنفسه أو بإيقاظ غيره.
ولا يلزم من إيقاظه ﵊ لها لأجل الوتر وجوبه؛ نعم، يدل على تأكيده، وأنه فوق غيره من النوافل.
٤ - باب لِيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا
هذا (باب) بالتنوين (ليجعل) أي: المصلي (آخر صلاته) بالليل (وترًا).
٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا».
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بضم العين وفتح الموحدة، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر (قال: حدّثني) بالإفراد (نافع عن عبد الله) ولأبي ذر، والأصيلي: عن عبد الله بن عمر، أي: ابن الخطاب ﵄ (عن النبي ﷺ قال:).
(اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا).
قيل: الحكمة فيه أن أول صلاة الليل المغرب، وهي وتر، وللابتداء والانتهاء اعتبار زائد على اعتبار الوسط، فلو أوتر ثم تهجد لم يعده، لحديث أبي داود والترمذي، وحسنه: "لا وتران في ليلة".
وروي عن الصديق أنه قال: أما أنا فأنام على وتر، فإن استيقظت صليت شفعًا حتى الصباح لأن إعادته تصير الصلاة كلها شفعًا، فيبطل المقصود منه.
وكان ابن عمر ينقض وتره بركعة، ثم يصلّي مثنى مثنى، ثم يوتر. والأمر ليس للوجوب بقرينة صلاة الليل، فإنها غير واجبة اتفاقًا. فكذا آخرها. وأما قوله في حديث أبي داود: "فمن لم يوتر فليس منا"، فمعناه: ليس آخذًا بسنتنا.
٥ - باب الْوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ
(باب) صلاة (الوتر على الدابة) بعير وغيره.
٩٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ: "كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ".
[الحديث ٩٩٩ - أطرافه في: ١٠٠٠، ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١٠٩٨، ١١٠٥].
وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب) ليس له في البخاري غير هذا الحديث الواحد، (عن سعيد بن يسار) بالمثناة التحتية والمهملة المخففة (أنه قال:).
(كنت أسير مع عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄ (بطريق مكة، فقال سعيد: فلما خشيت الصبح) بكسر الشين المعجمة، أي: دخول وقت الصبح (نزلت) أي: عن مركوبي (فأوترت) على الأرض (ثم لحقته).
(فقال) لي (عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلت) له: (خشيت الصبح فنزلت فأوترت فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله أسوة حسنة) بكسر الهمزة وضمها، أي: قدوة.
(فقلت: بلى والله، قال: فإن رسول الله ﷺ ، كان يوتر على البعير) وسيأتي إن شاء الله تعالى أن ابن عمر كان يصلّي من الليل على دابته وهو مسافر.
فلو كان واجبًا لما جازت صلاته على الدابة، وأما ما رواه عبد الرزاق عن ابن عمر أيضًا أنه كان يوتر على راحلته، وربما نزل فأوتر بالأرض، فطلب الأفضل، لا أنه واجب.
لكن، يُشْكِلُ على ما ذُكِرَ أن الوتر كان واجبًا على النبي ﷺ ، فكيف صلاه راكبًا؟.
وأجيب: باحتمال الخصوصية أيضًا كخصوصية وجوبه عليه.
وعورض بأنه أنه دعوى لا دليل عليها لأنه لم يثبت دليل وجوبه عليه حتى يحتاج إلى تكلف هذا الجواب. اهـ.
أو يقال، كما في اللامع: إنه تشريع للأمة بما يليق بالسنة في حقهم، فصلاه على الراحلة لذلك، وهو في نفسه واجب عليه، فاحتمل الركوب فيه لمصلحة التشريع.
ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة في الصلاة.
٦ - باب الْوِتْرِ فِي السَّفَرِ
(باب الوتر في السفر) كالحضر.
١٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلاَّ الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ".
وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعبل) التبوذكي (قال: حدّثنا جويرية بن أسماء) بفتح الهمزة ممدودًا (عن نافع، عن ابن عمر) بن الخطاب ﵄ (قال):
(كان النبي، ﷺ ، يصلّي في السفر على راحلته حيث توجهت به) فيصير صوب سفره قبلته
حال كونه (يومئ إيماء) نصب على المصدرية (صلاة الليل) نصب على المفعولية ليصلّي، وفيه أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤، و ١٥٠]، الفرائض (إلا الفرائض)
стр. 751
أي: لكن الفرائض فلم يكن يصلّيها على الراحلة، فالاستثناء منقطع لا متصل، لأن المراد خروج الفرائض من الحكم، ليلية أو نهارية، ولابن عساكر: إلا الفرض، بالإفراد (ويوتر) بعد فراغه من صلاة الليل (على راحلته).
وفي الحديث ردّ على قول الضحاك: لا وتر على المسافر، وأما قول ابن عمر، المروي في مسلم وأبي داود. "لو كنت مسبحًا في السفر لأتممت". فإنما أراد به راتبة المكتوبة لا النافلة المقصودة: كالوتر، قاله في الفتح.
ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين: بصري ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول.
٧ - باب الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ
(باب) مشروعية (القنوت) وهو: اللهم اهدني فيمن هديت. الخ … (قبل الركوع وبعده) في جميع الصلوات الشاملة للوتر. وغيره.
١٠٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: "سُئِلَ أَنَسٌ أَقَنَتَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقِيلَ لَهُ: أَوَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ؟ قَالَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا".
[الحديث ١٠٠١ - أطرافه ١٠٠٢، ١٠٠٣، ١٣٠٠، ٢٨٠١، ٢٨١٤، ٣٠٦٤، ٣١٧٠، ٤٠٨٨، ٤٠٨٩، ٤٠٩٠، ٤٠٩١، ٤٠٩٢، ٤٠٩٤، ٤٠٩٥، ٤٠٩٦، ٦٣٩٤، ٧٣٤١].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد (قال: حدّثنا حماد بن زيد عن أيوب) السختياني (عن محمد) ولأبي ذر: عن محمد بن سيرين (قال سئل أنس) ولأبي ذر، والأصيلي: سئل أنس بن مالك:
(أقنت النبي ﷺ في) صلاة (الصبح؟ قال: نعم). قنت فيها (فقيل: أوقنت) بهمزة استفهام فواو عاطفة، ولغير أبوي ذر، والوقت، والأصيلي: فقيل له: أوقنت؟ وزاد رواية أبوي ذر، والوقت: أو قلت؟ وللكشميهني: أقنت؟ بغير واو (قبل الركوع؟ قال: قنت بعد الركوع يسيرًا) أي: شهرًا، كما في رواية عاصم التالية لهذه.
وهي ترد على البرماوي حيث قال، كالكرماني أي: زمانًا قليلاً بعد الاعتدال التام، وقد صح أنه لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا.
رواه عبد الرزاق والدارقطني، وصححه الحاكم، وثبت عن أبي هريرة أنه كان يقنت في الصبح في حياة النبي، ﷺ ، وبعد وفاته.
وحكى العراقي: أن ممن قال به من الصحابة في الصبح: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا وأبا موسى الأشعري، وابن عباس، والبراء. ومن التابعين: الحسن البصري، وحميد الطويل، والربيع بن خيثم، وسعيد بن المسيب، وطاوسًا، وغيرهم. ومن اللأئمة: مالكًا، والشافعي، وابن مهدي، والأوزاعي.
فإن قلت: روي أيضًا عن الخلفاء الأربعة، وغيرهم، أنهم ما كانوا يقنتون.
أجيب: بأنه إذا تعارض إثبات ونفي قدّم الإثبات على النفي.
١٠٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْقُنُوتِ. فَقَالَ: قَدْ كَانَ الْقُنُوتُ. قُلْتُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ. قَالَ: فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ. فَقَالَ: "كَذَبَ، إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا، أُرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلاً إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد، قال: حدّثنا عبد الواحد) وللأصيلي عبد الواحد بن زياد (قال: حدّثنا عاصم) هو: ابن سليمان الأحول (قال: سألت أنس بن مالك) ﵁ (عن القنوت) الظاهر أن أنسًا ظن أن عاصمًا سأله عن مشروعية القنوت (فقال) له: (قد كان القنوت) أي: مشروعًا. قال عاصم (قلت) له: هل كان محله (قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله) أي: لأجل التوسعة لإدراك المسبوق، كذا قرّره المهلب، وهو مذهب المالكية.
وتعقبه ابن المنير: بأن هذا يأباه نهيه عن إطالة الإمام في الركوع ليدركه الداخل، ونوقض بالفذ، وإمام قوم محصورين (قال) أي: عاصم، وللأصيلي. قلت (فإن فلانًا) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسمية هذا الرجل صريحًا، ويحتمل أن يكون: محمد بن سيرين، بدليل روايته المتقدمة.
فإن فيها: سأل محمد بن سيرين أنسًا (أخبرني) بالإفراد (عنك أنك) ولأبوي ذر، والوقت، عن المستملي، والحموي: كأنك (قلت) إنه (بعد الركوع).
(فقال: كذب) أي: أخطأ إن كان أخبرك أن القنوت بعد الركوع دائمًا، أو أنه في جميع الصلوات. وأهل الحجاز يطلقون الكذب على ما هو أعم من العمد والخطأ. (إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا). أخرج ابن ماجة بإسناد قوي، من رواية حميد عن أنس: سئل عن القنوت فقال: قبل الركوع وبعده.
وعند ابن المنذر عنه: إن بعض الصحابة قنت قبل الركوع وبعضهم بعده.
ورجح الشافعي أنه بعده، لحديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى.
قال أنس: (أراه) بضم الهمزة، أي: أظن أنه ﵊ (كان بعث قومًا) من أهل الصفة (يقال لهم) ولأبي ذر: لها، وضبب عليها في اليونينية: (القرّاء) حال كونهم (زهاء) بضم الزاي وتخفيف الهاء ممدودًا، أي مقدار (سبعين رجلاً، إلى قوم من المشركين) أهل نجد من بني عامر.
وكان رأسهم أبو براء عامر بن مالك المعروف بملاعب
стр. 752
الأسنة ليدعوهم إلى الإسلام ويقرؤوا عليهم القرآن. فلما نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في أحيائهم: رعل وذكوان وعصية، فقاتلوهم، فلم ينج منهم إلا كعب بن زيد الأنصاري. وذلك في السنة الرابعة من الهجرة.
(دون أولئك) المدعوّ عليهم المبعوث إليهم (وكان بينهم) أي: بين بني عامر المبعوث إليهم (وبين رسول الله ﷺ عهد) فغدروا، وقتلوا القرّاء، (فقنت رسول الله ﷺ في الصلوات الخمس (شهرًا) متتابعًا (يدعو عليهم) أي: في كل صلاة إذا قال: "سمع الله لمن حمده" من الركعة الأخيرة، رواه أبو داود والحاكم، واستنبط منه: أن الدعاء على الكفار والظلمة لا يقطع الصلاة.
ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه: التحديث والسؤال والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: المغازي، والجنائز، والجزية، والدعوات؛ ومسلم في: اللصلاة.
١٠٠٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "قَنَتَ النَّبِيُّ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ".
وبه قال: (أخبرنا) ولابوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: حدّثنا (أحمد بن يونس) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي (قال: حدّثنا زائدة) بن قدامة الكوفي (عن التيمي) سليمان بن طرخان البصري (عن أبي مجلز) بكسر الميم وقد تفتح وسكونه الجيم وفتح اللام
آخره زي، لاحق بن حميد السدوسي البصري (عن أنس) ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر: عن أنس بن مالك (قال):
(قنت النبي ﷺ شهرًا) متتابعًا (يدعو) في اعتدال الركعة الأخيرة من كل الصلوات الخمس (على رعل) بكسر الراء وسكون العين المهملة (وذكوان) بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف آخره نون منصرف، قبيلتان من سليم، لما قتلوا القرّاء.
فقد صح قنوته ﵊ على قتلة القرّاء شهرًا أو أكثر في صلاة مكتوبة.
وصح أنه لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا، فإن نزل نازلة بالمسلمين، من خوف أو قحط أو وباء أو جراد أو نحوها، استحب القنوت في سائر المكتوبات، وإلاّ ففي الصبح، وكذا في أخيرة الوتر في النصف الأخير من رمضان. رواه البيهقي.
ورواة هذا الحديث ما بين: بصري وكوفي، وفيه رواية تابعي عن تابعي: سليمان الأحول ولاحق: والتحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: المغازي، ومسلم والنسائي في: الصلاة.
١٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد، قال: حدّثنا إسماعيل) بن علية (قال: حدّثنا)، وللأربعة: أخبرنا (خالد) الحذاء (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي (عن أنس) وللأصيلي: عن أنس بن مالك (قال):
(كان القنوت) أي في زمنه، ﷺ (في) صلاة (المغرب و) صلاة (الفجر). وللأصيلي: في الفجر والمغرب لكونهما طرفي النهار، لزيادة شرف وقتهما رجاء إجابة الدعاء فكان تارة يقنت فيهما، وتارة في جميع الصلوات حرصًا على إجابة الدعاء، حتى نزل ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فترك إلا في الصبح. كما روى أنس: أنه ﷺ ، لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا. كما مر. كذا قرره البرماوي كالكرماني.
وتعقب بأن قوله: في الصبح، يحتاج إلى دليل، وإلاّ فهو نسخ فيهما.
وقال الطحاوي: أجمعوا على نسخه في المغرب، فيكون في الصبح كذلك. اهـ.
وقد عارضه بعضهم فقال: قد أجمعوا على أنه، ﷺ ، قنت في الصبح، ثم اختلفوا، هل ترك
فيتمسك بما أجمعوا عليه حتى يثبت ما اختلفوا فيه؟.
فإن قلت: ما وجه إيراد هذا الباب في أبواب الوتر ولم يكن في أحاديثه تصريح به؟.
أجيب: بأنه ثبت أن المغرب وتر النهار، فإذا ثبت فيها ثبت في وتر الليل بجامع ما بينهما من الوترية.
وفي حديث الحسن بن علي، عند أصحاب السنن، قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت. تباركت ربنا وتعاليت … " الحديث ..
وصححه الترمذي وغيره، لكن ليس على شرط المؤلّف.
وروى البيهقي، عن ابن عباس وغيره، أنه ﷺ ، كان يعلمهم هذه الكلمات ليقنت بها في الصبح والوتر.
وقد صح أنه ﷺ ، قنت قبل الركوع أيضًا، لكن رواة القنوت بعده
стр. 753
أكثر وأحفظ، فهو أولى، وعليه درج الخلفاء الراشدون في أشهر الروايات عنهم، وأكثرها.
فلو قنت شافعي قبل الركوع لم يجزه لوقوعه في غير محله، فيعيده بعده، ويسجد للسهو، قال في الام: لأن القنوت عمل من أعمال الصلاة، فإذا عمله في غير محله أوجب سجود السهو، وصورته: أن يأتي به بنية القنوت، وإلاّ فلا يسجد. قاله الخوارزمي.
وخرج بالشافعي غيره ممن يرى القنوت قبله، كالمالكي، فيجزيه عنده. وقال الكوفيون: لا قنوت إلا في الوتر قبل الركوع. اهـ.
ورواة هذا الحديث ما بين بصري وواسطي وشامي، وفيه التحديث والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: الصلاة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٥ - أبواب الاستسقاء.
(بسم الله الرحمن الرحيم أبواب الاستسقاء) أي: الدعاء لطلب السقيا، بضم السين، وهي المطر من الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص.
١ - باب الاِسْتِسْقَاءِ، وَخُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الاِسْتِسْقَاءِ
(باب الاستسقاء، وخروج النبي ﷺ في الاستسقاء) إلى الصحراء.
كذا في رواية أبي ذر عن المستملي. بلفظ: أبواب، بالجمع ثم الإفراد من غير بسملة، وسقط ما قبل باب من رواية الحموي والكشميهني، ولأبي الوقت، والأصيلي: كتاب الاستسقاء. وثبتت البسملة في رواية أبي عليّ بن شبويه.
والاستسقاء ثلاثة أنواع.
أحدها: أن يكون بالدعاء مطلقًا، فرادى ومجتمعين.
وثانيها: أن يكون بالدعاء خلف الصلاة ولو نافلة كما في البيان وغيره عن الأصحاب، خلافًا لما وقع للنووي في شرح مسلم من تقييده بالفرائض، وفي خطبة الجمعة.
وثالثها: وهو الأفضل، أن يكون بالصلاة والخطبتين، وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد.
وعن أحمد: لا خطبة، وإنما يدعو ويكثر الاستغفار. والجمهور على سنية الصلاة خلافًا لأبي حنيفة. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى.
١٠٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ".
[الحديث ١٠٠٥ - أطرافه في: ١٠١١، ١٠١٢، ١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥، ١٠٢٦، ١٠٢٧، ١٠٢٨، ٦٣٤٣].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (عن عبد الله بن أبي بكر) أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم، قاضي المدينة (عن عباد بن تميم) أي: ابن زيد بن عاصم الأنصاري المازني (عن عمه) عبد اللَّه بن زيد بن عاصم بن كعب، ﵁ (قال):
(خرج النبي ﷺ ¬) في شهر رمضان سنة ست من الهجرة إلى المصلّى حال كونه (يستسقي) أي:
يريد الاستسقاء (وحوّل رداءه) عند استقباله القبلة في أثناء الاستسقاء، فجعل يمينه يساره، وعكسه.
ورواة هذا الحديث مدنيون إلا شيخ المؤلّف، وشيخ شيخه فكوفيان، وفيه تابعي عن تابعي.
والتحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: الاستسقاء والدعوات، ومسلم في: الصلاة وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
٢ - باب دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ (اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ)
باب دعاء النبي ﷺ : (أجعلها سنين كسني) بسكون الياء المخففة (يوسف) الصديق السبع المجدبة وأضيفت إليه لأنه الذي قام بأمور الناس فيها.
وفي فرع اليونينية ضرب بالحمرة على: اجعلها، مع التنبيه عليه في الحاشية، ولغير أبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر زيادة: "اجعلها عليهم سنين كسني يوسف". ولأبي الوقت: اجعلها كسني يوسف. فاسقط: سنين.
١٠٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قال حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ".
قال ابنُ أبي الزنادِ عن أبيهِ هذا كلُّه في الصبحِ.
وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد (قال: حدّثنا مغيرة بن عبد الرحمن) الحزامي بكسر الحاء المهملة وتخفيف الزاي، المدني (عن أبي الزناد) بالزاى والنون، عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي ﷺ ، كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول):
(اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة) بكسر الجيم بعد همزة القطع، وهي للتعدية. يقال: نجا فلان وأنجيته. (اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد) وهؤلاء قوم من أهل مكة أسلموا
ففتنتهم قريش وعذبوهم، ثم نجوا منهم، ببركته ﵊، ثم هاجروا إليه. (اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين) عام بعد خاص (اللهم اشدد وطأتك) بهمزة وصل في: اشدد، وفتح الواو وسكون الطاء في قوله: وطأتك، أي: اشدد عقوبتك (على) كفار قريش أولاد (مضر، اللهم اجعلها) أي: الوطأة والسنين أو الأيام (سنين كسني يوسف) ﵊ في بلوغ غاية الشدة.
وسنين جمع سنة، وفيه شذوذان: تغيير مفرده من الفتح إلى الكسر،
стр. 754
وكونه جميعًا لغير عاقل، وحكمه أيضًا مخالف لجموع السلامة في جواز إعرابه: كمسلمين، وبالحركات على النون، وكونه منوّنًا وغير منوّن، منصرفًا وغير منصرف.
(وأن النبي ﷺ ¬) قال في الفتح: هذا حديث آخر، وهو عند المؤلّف بالإسناد المذكور، وكأنه سمعه هكذا فأورده كما سمعه، (قال):
(غفار) بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء، أبو قبيلة من كنانة (غفر الله لها وأسلم) بالهمزة واللام المفتوحتين، قبيلة من خزاعة (سالمها الله) تعالى، من: المسالمة. وهي ترك الحرب، أو بمعنى: سلمها.
وهل هو إنشاء دعاء أو خبر؟ رأيان. وعلى كل وجه، ففيه جناس الاشتقاق. وإنما خص القبيلتين بالدعاء لأن غفار أسلموا قديمًا، وأسلم سالموه ﵊.
(قال ابن أبي الزناد) عبد الرحمن (عن أبيه) أبي الزناد: (هذا) الدعاء (كله) كان (في) صلاة (الصبح). والحديث سبق في باب: يهوي بالتكبير حين يسجد.
١٠٠٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا قَالَ: اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ. فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَىْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ، وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الْجُوعِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ -إِلَى قَوْلِهِ- عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتِ الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ".
[الحديث ١٠٠٧ - أطرافه في: ١٠٢٠، ٤٦٩٣، ٤٧٦٧، ٤٧٧٤، ٤٨٠٩، ٤٨٢٠، ٤٨٢١، ٤٨٢٢، ٤٨٢٣، ٤٨٢٤، ٤٨٢٥].
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، أخو أبي بكر بن أبي شيبة (قال: حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو: ابن المعتمر الكوفي (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح العطار الهمداني الكوفي (عن مسروق) هو: ابن الأجدع الهمداني (قال: كنا عند عبد الله) ابن
مسعود، ﵁ (فقال: وإن النبي، ﷺ ، لما رأى من الناس) أي: قريش (إدبارًا) عن الإسلام (قال):
(اللهم) ابعث، أو سلط عليهم (سبعًا) من السنين. ولغير أبوي ذر، والوقت، والأصيلي: سبع، بالرفع. خبر مبتدأ محذوف، أي: مطلوبي منك فيهم سبع (كسبع يوسف) التي أصابهم فيها القحط.
(فأخذتهم) أي: قريشًا (سنة) أي قحط وجدب (حصت) بالحاء والصاد المشددة الممهملتين، أي: استأصلت وأذهبت (كل شيء) من النبات (حتى أكلوا)، ولأبي ذر، والأصيلي عن الكشميهني: حتى أكلنا (الجلود والميتة والجيف) بكسر الجيم وفتح المثناة التحتية، جثة الميت إذا أراح، فهو أخص من مطلق الميتة لأنها ما لم تذك (وينظر أحدهم) بالهاء ونصب الفعل بحتى، أو برفعه على الاستئناف. والأول أظهر، والثاني في نسخة أبي ذر، وأبي الوقت، كما نبه عليه في اليونينية. ولأبي ذر، عن الحموي والمستملي: وينظر يحدكم (إلى السماء فيرى الدخان من الجوع) لأن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره.
(فأتاه) ﵊ (أبو سفيان) صخر بن حرب (فقال: يا محمد، إنك تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم، وإن قومك) ذوي رحمك (قد هلكوا) أي: من الجدب والجوع بدعائك (فادع الله لهم). لم يقع في هذا السياق التصريح بأنه دعا لهم.
نعم، وقع ذلك في سورة الدخان، ولفظه: فاستسقى لهم فسقوا (قال الله تعالى ﴿فارتقب﴾) أي: انتظر يا محمد عذابهم (﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين -إلى قوله- عائدون﴾) [الدخان: ١٠ - ١٥] أي إلى الكفر. ولأبي ذر، والأصيلي: إنكم عائدون (﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾) زاد الأصيلي: ﴿إنّا منتقمون﴾ [الدخان: ١٦].
(فالبطشة) بالفاء، ولأبي ذر، والأصيلي: والبطشة (يوم بدر) لأنهم ما التجؤوا إليه ﵊، وقالوا: ادع الله أن يكشف عنّا فنؤمن لك، فدعا وكشف، ولم يؤمنوا انتقم الله منهم يوم بدر. وعن الحسن: البطشة الكبرى يوم القيامة.
قال ابن مسعود: (وقد) ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر: فقد (مضت الدخان) وهو الجوع (والبطشة، واللزام) بكسر اللام وبالزاي القتل (وآية) أول سورة (الروم).
قإن قلت: ما وجه إدخال هذه الترجمة في الاستسقاء؟.
أجيب: بأنه للتنبيه على أنه كما شرع الدعاء بالاستسقاء للمؤمنين، كذلك شرع الدعاء بالقحط على الكافرين، لأن فيه إضعافهم، وهو نفع للمسلمين. فقد ظهر من ثمرة ذلك التجاؤهم إلى النبي، ﷺ ، ليدعو لهم برفعه القحط.
ورواه هذا الحديث كلهم كوفيون إلا جريرًا فرازي، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف في الاستسقاء أيضًا، وفي التفسير، ومسلم في: التوبة، والترمذي والنسائي في: التفسير.
٣ - باب سُؤَالِ النَّاسِ الإِمَامَ الاِسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا
(باب سؤال الناس) المسلمين وغيرهم (الإمام الاستسقاء إذا قحطوا) بفتح القاف والحاء مبنيًا للفاعل.
يقال قحط المطر قحوطًا إذا احتبس
стр. 755
المسلمين فيكون من باب القلب لأن المحتبس المطر لا الناس، أو يقال: إذا كان محتبسًا عنهم، فهم محبوسون عنه.
وحكى الفراء قحط بالكسر، وللأصيلي، وأبي ذر: قحطوا، بضم القاف وكسر الحاء مبنيًّا للمفعول. وقد سمع قحط القوم.
وسؤال مصدر مضاف لفاعله، والإمام مفعوله، وتاليه نصب على نزع الخافض، أي: عن الاستسقاء. يقال: سألته الشيء، وعن الشيء.
١٠٠٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ:
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
[الحديث ١٠٠٨ - طرفه في: ١٠٠٩].
وبالسند قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بإسكان الميم، ابن بحر الباهلي البصري الصيرفي (قال: حدّثنا أبو قتيبة) بضم القاف وفتح التاء الفوقية، سلم، بفتح السين وسكون اللام، الخراساني البصري (قال: حدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه) عبد الله (قال:)
(سمعت ابن عمر) بن الخطاب، ﵄ (يتمثل بشعر أبي طالب) أي: ينشده. زاد ابن عساكر فقال.
(وأبيض) أعربه ابن هشام في مغنيه مجرورًا بالفتحة، برب: مضمرة.
وتعقبه البدر الدماميني في حاشيته عليه، ومصابيحه، فقال في آخرهما: وليس كذلك، وفي أوّلهما: والظاهر أنه منصوب عطفًا على: سيدًا المنصوب في البيت قبله، وهو قوله:
وما ترك قوم لا أبا لك سيدًا … يحوط الذمارِ غير ذرب مواكل
قال: وهو من عطف الصفات التي موصوفها واحد، ويجوز الرفع، وهو في اليونينية أيضًا: خبر مبتدأ محذوف. هو أبيض (يستسقى الغمام) بضم المثناة التحتية وفتح القاف، مبنيًا للمفعول: أي يستسقي الناس الغمام (بوجهه) الكريم (ثمال اليتامى) أي: بإفضاله، أو يطعمهم عند الشدة، أو عمادهم، أو ملجؤهم، أو مغيثهم. وهو بكسر المثلثة والنصب أو الرفع، صفة لأبيض، كقوله (عصمة) أي: مانع (للأرامل) يمنعهم مما يضرهم.
وفي غير اليونينية: ثمال وعصمة، بالجر فيهما مع الوجهين الآخرين، صفة لأبيض على تقدير جره برب، وفيه ما مر. والأرامل: جمع أرملة، وهي الفقيرة التي لا زوج لها، والأرمل: الرجل الذي لا زوج له. قال:
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها … فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر؟
نعم، استعماله في الرجل مجاز لأنه لو أوصى للأرامل خص النساء دون الرجال.
واستشكل إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة، إذ ليس فيه أن أحدًا سأله أن يستسقي بهم.
وأجاب ابن رشيد: باحتمال أن يكون أراد بالترجمة الاستدلال بطريق الأولى، لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم، فأحرى أن يقدموه للسؤال. اهـ.
قال في الفتح وهو حسن.
١٠٠٩ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: حَدَّثَنَا سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ: "رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ".
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالَ الْيَتَامَى عِصْمَةً لِلأَرَامِلِ
وَهْوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ.
(وقال عمر بن حمزة) بضم العين وفتح الميم في الأول، وبالحاء المهملة والزاي في الثاني، ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، مما وصله أحمد وابن ماجة قال: (حدّثنا) عمي (سالم، عن أبيه) عبد الله بن عمر، قال:
(ربما ذكرت قول الشاعر -وأنا أنظر-) جملة حالية (إلى وجه النبي، ﷺ ¬)، حال كونه (يستسقي) زاد ابن ماجة: على المنبر (فما ينزل) عنه (حتى يجيش كل ميزاب) بفتح المثناة التحتية وكسر الجيم، من يجيش، وآخره شين معجمة من: جاش يجيش إذا هاج، وهو كناية عن كثرة المطر.
والميزاب ما يسيل منه الماء من موضع عال، ولأبي ذر، والأصيلي عن الحموي، والكشميهني: لك ميزاب، بتقديم اللام على الكاف. قال الحافظ ابن حجر: وهو تصحيف.
(وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبي طالب).
ومطابقة هذا التعليق للترجمة من قوله: يستسقي، ولم يكن استسقاؤه ﵊ إلا عن سؤال.
والظاهر أن طريق ابن عمر الأولى مختصرة من هذه المعلقة المصرحة بمباشرته ﵊ للاستسقاء بنفسه الشريفة.
وأصرح من ذلك رواية البيهقي في دلائله، عن أنس، قال، جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يغط. فقام ﵊ يجر رداءه.
حتى صعد المنبر، فقال: "اللهم أسقنا .. الحديث" وفيه، ثم قال، ﵊: "لو كان أبو طالب حيًا لقرّت عيناه". من ينشدنا قوله؟ فقام عليّ فقال: يا رسول الله! كأنك أردت قوله:
стр. 756
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
واقتصر ابن عساكر في روايته على قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه.
وأسقط باقيه اكتفاء بالسابق. وقدّم قوله: وهو قول أبي طالب، على قوله: وأبيض، بعد قوله: كل ميزاب. وسقط قوله: وهو عند أبوي ذر والوقت.
وهذا البيت من قصيدة جليلة بليغة من بحر الطويل، وعدّة أبياتها مائة بيت وعشرة أبيات، قالها لما تمالأ قريش على النبي ﷺ ، ونفروا عنه من يريد الإسلام.
فإن قلت: كيف قال أبو طالب: يستسقى الغمام بوجهه؟ ولم يره قط استسقى وإنما كان بعد الهجرة؟.
فالجواب: أنه أشار إلى ما أخرجه ابن عساكر، عن جلهمة بن عرفطة، قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب! أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فاستسق. فخرج أبو طالب معه غلام يعني: النبي ﷺ ، كأنه شمس دجن تجلت عن سحابة قتماء، وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام، وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ههنا وههنا، وأغدق واغدودق، وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه.
فإن قلت: قد تكلم في عمر بن حمزة، وفي عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار السابق في الطريق الموصولة، فكيف احتج المؤلّف بهما؟
أجيب: بأن إحدى الطريقين عضدت الأخرى، وهذا أحد قسمي الصحيح كما تقرر في علوم الحديث.
١٠١٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ: فَيُسْقَوْنَ".
[الحديث ١٠١٠ - طرفه في: ٣٧١].
وبه قال: (حدّثنا الحسن بن محمد) هو: ابن الصباح الزعفراني البغدادي، صاحب الشافعي (قال: حدّثنا محمد بن عبد الله) بن المثنى (الأنصاري) ولأبي ذر: حدّثنا الأنصاري (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي، عبد الله) برفع عبد الله عطف بيان على: أبي المرفوع على الفاعلية (ابن المثنى) بن عبد الله بن أنس بن مالك (عن) عمه (ثمامة بن عبد الله بن أنس) بن مالك الأنصاري البصري، قاضيها. وثمامة، بضم المثلثة وتخفيف الميم (عن) جدّه (أنس) ﵁، ولأبي ذر والأصيلي: عن أنس بن مالك.
(أن عمر بن الخطاب ﵁، كان إذا قحطوا) بفتح القاف والحاء، في الفرع مصححًا عليه، وضبطه الحافظ ابن حجر: قحطوا، بضم القاف وكسر الحاء، أي: أصابهم القحط (استسقى) متوسلاً (بالعباس بن عبد المطلب) ﵁ للرحم التي بينه وبين النبي ﷺ .
فأراد عمر أن يصلها بمراعاة حقه إلى من أمر بصلة الأرحام، ليكون ذلك وسيلة إلى رحمة الله تعالى (فقال:)
(اللهم إنّا كلنا نتوسل إليك بنبينا) ﷺ في حال حياته (فتسقينا، وإنا) بعده (نتوسل إليه بعم نبينا) العباس، (فاسقنا).
(قال فيسقون).
وقد حكي عن كعب الأحبار: أن بني إسرائيل كانوا إذا قحطوا استسقوا بأهل بيت نبيهم.
وقد ذكر الزبير بن بكار في الأنساب: أن عمر استسقى بالعباس عام الرمادة، أي: بفتح الراء وتخفيف الميم، وسمي به العام لما حصل من شدة الجدب، فاغبرت الأرض جدًّا. وذكر ابن سعد وغيره: أنه كان سنة ثماني عشرة، وكان ابتداؤه مصدر الحاج منها، ودام تسعة أشهر، وكان من دعاء العباس ذلك اليوم، فيما ذكره في الأنساب: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث. فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس.
وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة والقول.
٤ - باب تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ
(باب تحويل الرداء في الاستسقاء) وللجرجاني، فيما حكاه في المصابيح: تحريك الرداء بالراء والكاف. قيل: وهو وهم.
١٠١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى، فَقَلَبَ رِدَاءَهُ".
وبالسند قال: (حدّثنا إسحاق) بن إبراهيم الحنظلي (قال: حدّثنا وهب) وللأصيلي: وأبي ذر: وهب بن جرير، بالجيم، هو: ابن حازم الأزدي البصري (قال: أخبرنا) ولابن عساكر: حدّثنا (شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن أبي بكر) هو: ابن محمد بن عمر بن حزم، أخو عبد الله بن أبي بكر الآتي (عن عباد بن تميم) المازني الأنصاري (عن) عمه (عبد الله بن زيد) هو ابن عاصم المازني.
(أن النبي ﷺ استسقى، فقلب رداءه) عند استقباله القبلة في أثناه الاستسقاء فجعل اليمين على
الشمال، والشمال
стр. 757
على اليمين تفاؤلاً بتحويل الحال عما هي عليه، إلى الخصب والسعة.
أخرجه الدارقطني بسند رجاله ثقات مرسلاً، عن جعفر بن محمد، عن أبيه بلفظ: حوّل رداءه ليتحوّل القحط.
وزاد أحمد: وحوّل الناس معه، وهو حجة على من خصه بالإمام.
ولأبي داود، والحاكم: أنه ﷺ ، استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه. فهمه بذلك يدل على استحبابه، وتركه للسبب المذكور.
والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي اختاره الشافعي أحوط.
ولم يقم في حديث عبد الله بن زيد سبب خروجه ﵊، ولا صفته حال ذهابه إلى المصلّى، ولا وقت ذهابه.
نعم، في حديث عائشة المروي عند أبي داود وابن حبان: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحط المطر، فأمر بمنبر وضع له في المصلّى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر … الحديث.
وبهذا أخذ الحنفية، والمالكية، والحنابلة، فقالوا: إن وقت صلاتها وقت العيد، والراجح عند الشافعية: أنه لا وقت لها معين، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، بل جميع الليل والنهار وقت لها، لأنها ذات سبب. فدارت مع سببها كصلاة الكسوف.
لكن وقتها المختار وقت صلاة العيد كما صرح به الماوردي وابن الصلاح لهذا الحديث.
وعند أحمد وأصحاب السنن من حديث ابن عباس: خرج ﷺ متبذلاً متواضعًا متضرعًا حتى
أتى المصلّى، فرقي المنبر، أي لابسًا ثياب بذلة، بكسر الموحدة وسكون المعجمة، المهنة، لأنه اللائق بالحال، وفارق العيد بأنه يوم عيد، وهذا يوم مسألة واستكانة.
وفي الرواية السابقة، أول الاستسقاء: وحول رداءه، بدل قوله هنا فقلب رداءه. وهما بمعنى واحد.
وأعاد الحديث هنا لأنه ذكره أولاً لمشروعية الاستسقاء والخروج إلى الصحراء، وهنا لمشروعية تحويل الرداء خلافًا لمن نفاه.
١٠١٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يُحَدِّثُ أَبَاهُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: هُوَ صَاحِبُ الأَذَانِ، وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ لأَنَّ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ، مَازِنُ الأَنْصَارِ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا عبد الله بن أبي بكر)، أخو محمد بن أبي بكر السابق، ولأبي ذر، وعزاه العيني كابن حجر للحموي والمستملي: عن عبد الله بن أبي بكر، وقد صرح ابن خزيمة في روايته بتحديث عبد الله به لا بن عيينة (أنّه سمع عباد بن تميم) المازني (يحدث أباه) أي أبا عبد الله بن أبي بكر، ولا يعود الضمير على عباد (عن عمه عبد الله بن زيد) أي ابن عاصم.
(أن النبي ﷺ ، خرج إلى المصلّى) بالصحراء، لأنه أبلغ في التواضع وأوسع للناس.
(فاستسقى، فاستقبل) بالفاء، ولابن عساكر. واستقبل (القبلة، وقلب) ولأبي ذر: وحول (رداءه، وصلّى) بالناس (ركعتين) أي: كما يصلّي في العيدين.
رواه ابن حبان وغيره.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقياسه: أن يكبر في أول الأولى: سبعًا، وفي الثانية: خمسًا، ويرفع يديه ويقف بين كل
تكبيرتين مسبحًا حامدًا مهللاً، ويقرأ جهرًا في الأولى ﴿ق﴾ وفي الثانية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] أو ﴿سبح﴾ و ﴿الغاشية﴾.
واستدلّ الشيخ أبو إسحاق، في المهذّب له، بما رواه الدارقطني: أن مروان أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سنة الاستسقاء؟ فقال: سنة الاستسقاء الصلاة كالصلاة في العيدين، ألا أنه ﷺ ، قلب رداءه. فجعل يمينه يساره، ويساره يمينه، وصلّى ركعتين كبر في الأول سبع تكبيرات، وقرأ
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وقرأ في الثانية: (هَلْ أَتَاكَ﴾ [الغاشية: ١] وكبر خمس تكبيرات. لكن قال في المجموع: إنه حديث ضعيف.
نعم، حديث ابن عباس عند الترمذي، ثم صلّى ركعتين كما يصلّي في العيدين، كما مر … أخذ بظاهره الشافعي، فقال: يكبر فيهما كما سبق.
وذهب الجمهور إلى أنه: يكبر فيهما تكبيرة واحدة للإحرام كسائر الصلوات. وبه قال: مالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، لحديث الطبراني في الأوسط، عن أنس: أنه، ﷺ ، استسقى، فخطب قبل الصلاة واستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم نزل فصلّى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة.
وأجابوا عن قوله، في حديث الترمذي: كما يصلّي في العيدين، يعني: في العدد والجهر بالقراءة، وكون الركعتين قبل الخطبة.
ومذهب الشافعية والمالكية: أنه يخطب بعد الصلاة، لحديث ابن ماجة وغيره: أنه، -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 758
وَسَلَّمَ- خرج إلى الاستسقاء فصلّى ركعتين، ثم خطب ولو خطب قبل الصلاة جاز لما سبق.
(قال أبو عبد الله) أي: البخاري: (كان ابن عيينة) سفيان (يقول: هو) أي: راوي حديث الاستسقاء، عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة (صاحب) رؤيا (الأذان) في النوم.
(ولكنه وهم) بسكون الهاء، ولأبي ذر، وهم. بكسرها وفتح الميم، وللأصيلي: ولكنه هو وهم (لأن هذا) أي: راوي حديث الاستسقاء (عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، مازن الأنصار) لا مازن بني تميم، وغيره.
٥ - باب انْتِقَامِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَزَّ مِنْ خَلْقِهِ بِالْقَحْطِ إِذَا انْتُهِكَت مَحَارِمُ اللَّهِ
٦ - باب الاِسْتِسْقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ
(باب) جواز (الاستسقاء في المسجد الجامع) أي: فلا يشترط الخروج إلى الصحراء.
ولأبي ذر عن الحموي: باب انتقام الرب، ، من خلقه بالقحط إذا انتهكت محارمه.
١٠١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ "أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وُجَاهَ الْمِنْبَرِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا، قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةً وَلَا شَيْئًا،
وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ. قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ. فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ- قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا. ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ- فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الإكَامِ وَالْجِبَالِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». قَالَ: فَانْقَطَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسًا: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
وبالسند قال: (حدّثنا محمد) هو: ابن سلام البيكندي (قال: أخبرنا) وللأصيلي: حدّثنا (أبو ضمرة) بفتح الضاد المعجمة. وسكون الميم (أنس بن عياض) بكسر العين المهملة، الليثي المدني المتوفى سنة مائتين (قال: حدّثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم، المدني (أنه سمع أنس بن مالك) ﵁ (يذكر: أن رجلاً) قيل: هو كعب بن مرة وقيل: أبو سفيان بن حرب، وضعف الثاني بما سيأتي (دخل يوم الجمعة من باب) من المسجد النبوي بالمدينة (كان وجاه المنبر) بكسر الواو، وللأصيلي، وأبي الوقت: وجاه، بضمها أي: مواجهه، ومقابله. (ورسول الله ﷺ قائم) حال كونه (يخطب) والجملة السابقة حالية أيضًا (فاستقبل) الرجل (رسول الله ﷺ ¬) حال كونه (قائمًا فقال):
(يا رسول الله) فيه دلالة على أن السائل كان مسلمًا، فامتنع أن يكون أبا سفيان لأنه حين سؤاله لذلك لم يكن أسلم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في حديث ابن مسعود قريبًا (هلكت المواشي) من عدم ما تعيش به من الأقوات المفقودة بحبس المطر.
كذا في رواية أبي ذر، وكريمة عن الكشميهني: المواشي. ولغيرهما: هلكت الأموال، وهي في الفرع لأبي ذر أيضًا عنه، والمراد بالأموال المواشي أيضًا لا الصامت. والمال عند العرب هي: الإبل، كما أن المال عند أهل التجارة: الذهب والفضة، ولابن عساكر: قال أبو عبد الله هلكت: يعني الأموال، وأبو عبد الله هو البخاري.
(وانقطعت السبل) بضم السين والموحدة، أي: الطرق، فلم تسلكها الإبل لهلاكها، أو ضعفها بسبب قلة الكلأ، أو بإمساك الأقوات فلم تجلب، أو بعدمها يحمل عليها، وللأصيلي: وتقطعت بالمثناة الفوقية وتشديد الطاء، من باب التفعل، والأولى من باب الانفعال.
(فادع الله) فهو (يغيثنا) أو الرفع على أن الأصل: فادع الله أن يغيثنا. فحذفت أن، فارتفع الفعل. وهل ذلك مقيس فيه خلاف.
ولأبي ذر: أن يغيثنا، وضبطها البرماوي وغيره بالجزم جوابًا للطلب وهو الأوجه، لكن الذي رويناه هنا هو الرفع والنصب كما مر.
نعم، وقع في رواية الكشميهني، الآتية إن شاء الله تعالى في الباب التالي، بالجزم، وأما أول الفعل هنا فمضموم في جميع الفروع والأصول التي وقفت عليها، من باب: أغاث يغيث إغاثة، من مزيد الثلاثي المجرد: من الغوث، وهو: الإجابة، أو هو من طلب الغيث، أي: المطر. لكن المشهور عند اللغويين فتحها، من الثلاثي المجرد في المطر يقال: غاث الله الناس والأرض يغيثهم، بالفتح.
قال ابن القطاع: غاث الله عباده غيثًا وغياثًا: سقاهم المطر، وأغاثهم: أجاب دعاءهم.
ويقال غاث وأغاث بمعنى، والرباعي أعلى.
وقال بعضهم، فيما نقله أبو عبد الله الأبي: على تقدير أنه من الإغاثة لا من طلب الغيث، إنه من ذلك بالتعدية يعني: اللهم هب لنا غيثًا، كما يقال: سقاه الله وأسقاه، أي: حصل له سقياه، على من فرق بين اللفظين.
وضبطها البرماوي والوجهين مقدمًا للفتح، وكذا جوزهما في الفتح، لكن يبقى النظر في الرواية نعم، ثبت الوجهان في الرواية اللاحقة في فرع اليونينية.
(قال) أنس: (فرفع رسول الله ﷺ يديه) أي: حذاء وجهه، ودعا (فقال) في دعائه:
(اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا) ثلاث مرات لأنه كان إذا دعا دعا ثلاثًا. وهمزة اسقنا، فيها وصل كما في الفرع، وجوز الزركشي قطعها معللاً بأنه ورد في القرآن ثلاثيًا ورباعيًا.
قال في المصابيح إن ثبتت الرواية بهما، أي بالوصل والقطع
стр. 759
فلا كلام، وإلا اقتصرنا من الجائزين على ما وردت الرواية به. اهـ.
(قال أنس: ولا) بالواو ولأبي ذر وابن عساكر: فلا (والله) أي: فلا نرى والله (ما نرى في السماء من سحاب) أي: مجتمع، وحذف نرى بعد فلا لدلالة قوله: ما نرى عليه، وكرر النفي للتأكيد (ولا قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، ثم هاء تأنيث مفتوحًا على التبعية، لقوله: من سحاب محلاً.
ولأبوي ذر والوقت: ولا قزعة، مكسورًا كسر إعراب على التعبثة له لفظًا، وهي: قطعة من سحاب رقيقة كأنها ظل، إذا مرت من تحت السحاب الكثير، وخصه أبو عبيد بما يكون في الخريف.
(ولا) نرى (شيئًا) من ريح وغيره مما يدل على المطر (وما) ولأبي ذر: ولا (بيننا وبين سلع) بفتح السين وسكون اللام: كفلس، جبل بالمدينة (من بيت ولا دار) يحجبنا عن رؤيته.
(قال: فطلعت) أي ظهرت (من ورائه) من وراء سلع (سحابة مثل الترس) في الاستدارة لا في
القدر، زاد في رواية حفص بن عبيد الله، عند أبي عوانة: فنشأت سحابة مثل رجل الطائر، وأنا أنظر إليها، وهو يدل على صغرها، (فلما توسطت) السحابة (السماء انتشرت) بعد استمرارها مستديرة (ثم أمطرت).
(قال) أي أنس، ولابن عساكر: فقال، بزيادة الفاء (والله) بالواو ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: فوالله (ما رأينا الشمس ستًا) بكسر السين وتشديد المثناة الفوقية، أي: ستة أيام، كذا في رواية الحموي، والمستملي.
ورواه سعيد بن منصور، عن الدراوردي ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: عن الكشميهني: سبتًا. بفتح السين وسكون الموحدة أي أسبوعًا، وعبر به لأنه أوّله من باب تسمية الشيء باسم بعضه، ولا تنافي بين الروايتين، لأن من قال: سبعًا بالموحدة أضاف إلى الستة يومًا ملفقًا من الجمعتين، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى قريبًا.
(ثم دخل رجل) غير الأول، لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، أو هذه القاعدة محمولة على الغالب، لما سيأتي إن شاء الله تعالى عند قول أنس، آخر الحديث: لا أدري. وفي رواية إسحاق عن أنس: فقام ذلك الرجل أو غيره، بالشك، ولأبي عوانة، من طريق حفص، عن أنس: فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابيّ (من ذلك الباب) الذي دخل منه السائل أولاً (في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم) حال كونه (يخطب) ولأبي ذر: قائمًا، بالنصب على الحال، من فاعل يخطب، وهو الضمير المستكن فيه (فاستقبله قائمًا) نصب على الحال من الضمير المرفوع في: استقبله لا من المنصوب (فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال) أي: المواشي بسبب كثرة المياه، لأنه انقطع المرعى، فهلكت المواشي من عدم الرعي (وانقطعت السبل) لتعذر سلوكها من كثرة المطر (فادع الله) بالفاء، ولأبي ذر، والأصيلي: ادع الله (يمسكها) بالجزم، جوابًا للطلب. ولأبي ذر، وابن عساكر، عن الكشميهني: أن يمسكها، بزيادة: أن. ويجوز الرفع، أي: هو يمسكها. والضمير للأمطار أو السحابة.
(قال) أنس: (فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال):
(اللهم حوالينا) بفتح اللام، أي: أنزل المطر حوالينا (ولا) تنزله (علينا). والمراد صرفه عن الأبنية.
وفي الواو، من قوله: ولا علينا بحث يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
ثم بين المراد بقوله حوالينا فقال: (اللهم على الاكام) بكسر الهمزة على وزن الجبال، وبهمزة مفتوحة ممدودة جمع أكمة بفتحات: التراب المجتمع، أو: أكبر من الكدية، أو: الهضبة الضخمة، أو: الجبل الصغير، وما ارتفع من الأرض (والجبال) زاد في غير رواية أبوي ذر، والوقت،
والأصيلي، وابن عساكر: والآجام، بالمد والجيم (والظراب) بكسر الظاء المعجمة آخره موحدة، جمع ظرب، ككتف بكسر الراء، جبل منبسط على الأرض، أو: الروابي الصغار دون الجبل. أي: أنزل المطر حيث لا نستضر به.
قال البرماوي والزركشي: وخصت بالذكر لأنها أوفق للزراعة من رؤوس الجبال. اهـ.
وتعقبه في المصابيح بأن الجبال مذكورة في لفظ الحديث هنا، فما هذه الخصوصية بالذكر؟ ولعله يريد الحديث الذي في الترجمة الآتية، فإنه لم يذكر فيه الجبال.
(والأودية، ومنابت
стр. 760
الشجر) أي: المرعى، لا في الطرق المسلوكة.
فلم يدع ﵊ برفعه، لأنه رحمة، بل دعا بكشف ما يضرهم، وتصييره إلى حيث يبقى نفعه وخصبه، ولا يستضر به ساكن ولا ابن سبيل. وهذا من أدبه الكريم، وخلقه العظيم، فينبغي التأدب بمثل أدبه.
واستنبط من هذا أن من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يعرض فيها بل يسأل الله تعالى رفع ذلك العارض، وإبقاء النعمة.
(قال) أنس: (فانقطعت) أي: الأمطار عن المدينة (وخرجنا نمشي في الشمس).
(قال شريك) الراوي (فسألت) وللأصيلي: فسألنا (أنسًا: أهو) أي: السائل الثاني (الرجل الأول؟ قال: لا أدري).
عبر أنس أولا بقوله: إن رجلاً دخل المسجد، وعبر ثانيًا بقوله ثم دخل رجل. فأتى برجل نكرة في الموضعين، مع تجويزه أن يكون الثاني هو الأول ففيه أن النكرة إذا أعيدت نكرة لا يجزم بأن مدلولها ثانيًا غير مدلولها أولاً، بل الأمر محتمل والمسألة مقررة في محلها، قاله في المصابيح.
فإن قلت: لِمَ لَمْ يباشر سؤاله، ﵊، الاستسقاء بعض أكابر أصحابه؟.
أجيب: بأنهم كانوا يسلكون الأدب بالتسليم، وترك الابتداء بالسؤال. ومنه قول أنس: كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية فيسأل.
واستنبط منه أبو عبد الله الأبي: أن الصبر على المشاق، وعدم التسبب في كشفها أرجح، لأنهم إنما يفعلون الأفضل.
وفي هذا الحديث: التحديث، والإخبار، والسماع، والقول، وشيخ المؤلّف من أفراده، وهو من الرباعيات، وأخرجه أيضًا في الاستسقاء. وكذا مسلم وأبو داود والنسائي.
٧ - باب الاِسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ
(باب الاستسقاء في خطبة الجمعة) حال كون الخطيب (غير مستقبل القبلة).
١٠١٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ "أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ- فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةً، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ. قَالَ فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ. فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا. ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ- فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا. قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ". قَالَ: فَأَقْلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي.
وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين (قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المدني (عن شريك) هو: ابن عبد الله بن أبي نمر (عن أنس بن مالك) ﵁.
(أن رجلاً دخل المسجد) النبوي بالمدينة (يوم جمعة) بالتنكير لكريمة، كما في الفتح، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: يوم الجمعة (من باب كان نحو دار القضاء) التي بيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب، ﵁، الذي كان أنفقه من بيت المال، وكتبه على نفسه، وكان ستة وثمانين ألفًا، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله، فباع ابنه هذه الدار من معاوية، وكان يقال لها: دار قضاء دين عمر. ثم طال ذلك فقيل لها دار القضاء.
(رسول الله ﷺ قائم) حال كونه (يخطب فاستقبل) الرجل (رسول الله ﷺ ¬) حال كونه (قائمًا، ثم قال: يا رسول الله! هلكت الأموال) أي: المواشي (وانقطعت السبل) الطرف (فادع الله يغيثنا) بضم أوله، من: أغاث، أي: أجاب. وفتحه، من: غاث للمطر.
كذا ثبت الوجهان هنا في فرع اليونينية، وبرفع المثلثة بتقدير: هو، أو: أن أصله: أن يغيثنا، بالجزم على الجواب، كما مر.
(فرفع رسول الله، ﷺ ، يديه) زاد ابن خزيمة من رواية حميد، عن أنس: حتى رأيت بياض
إبطيه. وللنسائي: ورفع الناس أيديهم مع رسول الله ﷺ يدعون (ثم قال) ﵊:
(اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا) ثلاث مرات كما في السابقة.
لكنه قال فيها: اسقنا. قال الزركشي: كذا الرواية أغثنا بالهمز رباعيًا، أي: هب لنا غيثًا.
والهمزة فيه للتعدية، وقيل: صوابه غثنا من غاث. قالوا: وأما أغثنا، فإنه من الإغاثة وليس من طلب الغيث.
قال في المصابيح: وعلى تقدير تسليمه لا يضر اعتبار الإغاثة من الغوث في هذا المقام، ولا ثم ما ينافيه. والرواية ثابتة به، ولها وجه، فلا سبيل إلى دفعها. بمجرد ما قيل. اهـ.
وأشار بقوله: ولها وجه إلى ما مر في الباب السابق أنه يقال: غاث، وأغاث، بمعنى. وقال ابن دريد: الأصل: غاثه الله يغوثه غوثًا، فأميت. واستعمل: أغاثه. ويحتمل أن يكون معنى أغثنا أعطنا غوثًا وغيثًا.
(قال أنس): (ولا) بالواو، وللأصيلي: فلا (والله ما نرى) كرّر النفي قبل القسم وبعده للتأكيد، وإلا فلو قال: فوالله ما نرى لكان الكلام مستقيمًا. وكذا لو قال: فلا نرى والله (في السماء من سحاب) مجتمع (ولا قزعة) بالقاف والزاي والمهملة المفتوحات والنصب على التبعية، لسحاب
стр. 761
من جهة المحل. ولأبوي ذر والوقت. والأصيلي: قزعة، بالجر على التبعية له من جهة اللفظ. وهي: القطعة الرقيقة من السحاب. كما مر. (وما بيننا وبين سلع) الجبل المعروف (من بيت ولا دار) يحجب عن الرؤية.
(قال: فطلعت من ورائه) أي الجبل (سحابة مثل الترس) في الاستدارة والكثافة، (فلما توسطت) السحابة (السماء، انتشرت) وسقط عند الأربعة لفظ: السماء (ثم أمطرف، فلا والله ما رأينا الشمس ستًا) بكسر السين، أي: ستة أيام، ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر: سبتًا، بفتح السين وسكون الموحدة أي: من سبت إلى سبت، بدليل الرواية الأخرى: من جمعة إلى جمعة، أو: السبت قطعة من الزمان.
وقد استدلّ الأبي لتصحيح رواية: ستًا بالكسر، برواية: من جمعة إلى جمعة قال: لأنه إذا أزيلت الجمعتان اللتان دعا فيهما صح ذلك. اهـ.
وقد مر: أنه لا تنافي بين الروايتين، وحينئذٍ فرواية: ستًا بكسر السين لا تصحيف فيها، كما زعم بعضهم، وكيف يقال ذلك مع رواية الثقات الأثبات لها والتوجيه الصحيح، فتأمل.
وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: سبعًا، بالعين بعد الموحدة أي: سبعة أيام.
(ثم دخل رجل) آخر أو: وهو الأول (من ذلك الباب في الجمعة) زاد في رواية أبي ذر والأصيلي: يعني الثانية (ورسول الله ﷺ قائم) حال كونه (يخطب، فاستقبله) حال كونه (قائمًا فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال) بسبب غير السبب الأول، وهو: كثرة الماء المانع للماشية من الرعي،
أو: لعدم ما يكنها (وانقطعت السبل) لتعذر سلوكها من كثرة، المطر، (فادع الله يمسكها عنا) بالجزم على الطلب، ولأبي ذر، والأصيلي: أن يمسكها. وفي رواية قتادة: فادع ربك يحبسها عنا. فضحك، وفي رواية ثابت: فتبسم، وزاد في رواية حميد: لسرعة ملال ابن آدم.
(قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه)، ثم (قال: اللهم حوالينا ولا علينا) فيه حذف، أي: أمطر في الأماكن التي حوالينا، ولا تمطر علينا.
وفي إدخال الواو في قوله: ولا علينا معنى دقيق، وذلك أنه: لو أسقطها لكان مستسقيًا للاكام والظراب، ونحوها، مما لا يستسقى له لقلة الحاجة إلى الماء هنالك. وحيث أدخل الواو: آذن بأن طلب المطر على هذه الجهات ليس مقصودًا لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر على نفس المدينة، فليست الواو ومتمحضة للعطف ولكنها كواو التعليل وهو كقولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. فإن الجوع ليس مقصودًا لعينه ولكن لكونه مانعًا من الرضاعة بأجرة إذ كانوا يكرهون ذلك. اهـ.
قال ابن الدماميني، بعد أن نقل ذلك عن ابن المنير: فليست الواو مخلصة للعطف، ولكنها كواو التعليل وفائه. فالمراد أنه إن سبق في قضائك أن لا بد من المطر، فاجعله حول المدينة.
ويدل على أن الواو ليست لمحض العطف اقترانها بحرف النفي، ولم يتقدم مثله. ولو قلت: اضرب زيدًا ولا عمرًا ما استقام على العطف.
قلت: لم يستقم لي إجراء هذا الكلام على القواعد، وليس لنا في كلام العرب واو وضعت للتعليل، وليست لا هنا للنفي، وإنما هي الدعائية مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فالمراد: أنزل المطر حوالينا حيث لا نستضر به، ولا تنزله علينا حيث نستضر به. فلم يطلب منع الغيث بالكلية، وهو من حسن الأدب في الدعاء، لأن الغيث رحمة الله ونعمته المطلوبة، فكيف يطلب منه رفع نعمته؟ وكشف رحمته؟ وإنما يُسأل سبحانه كشف البلاء، والمزيد من النعماء، وكذا فعل ﵊. فإنما سأل جلب النفع، ودفع الضرر، فهو استسقاء بالنسبة إلى محلين. والواو: لمحض العطف، ولا: جازمة لا نافية ولا إشكال البتة.
ولو حذفت الواو، وجعلت لا نافية، وهي مع ذلك للعطف لاستقام الكلام. لكن أوثر الأوّل، والله أعلم، لاشتماله على جملتين طلبيتين، والمقام يناسبه.
(اللهم) أنزله (على الآكام) بكسر الهمزة وبفتحها مع المدّ، وهي: ما دون الجبل وأعلى من الرابية (و) على (الظراب) بكسر المعجمة: الروابي الصغار: وقيل فيهما غير ذلك، كما مر (وبطون الأودية ومنابت الشجر قال فأقلعت) بفتح الهمزة من الإقلاع أي: كفت وأمسكت السحابة الماطرة عن المدينة.
وفي رواية سعيد، عن شريك: فما هو إلا أن تكلم ﷺ بذلك، تمزق السحاب حتى
стр. 762
ما نرى
منه شيئًا أي: في المدينة. (وخرجنا نمشي في الشمس).
(قال شريك سألت أنس بن مالك) وللأربعة: فسألت، بالفاء، ولأبي ذر: فسألت أنسًا: (أهو الرجل الأول؟ فقال: ما أدري).
٨ - باب الاِسْتِسْقَاءِ عَلَى الْمِنْبَرِ
(باب الاستسقاء على المنبر).
١٠١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَحَطَ الْمَطَرُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَدَعَا، فَمُطِرْنَا، فَمَا كِدْنَا أَنْ نَصِلَ إِلَى مَنَازِلِنَا، فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ. قَالَ فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ -أَوْ غَيْرُهُ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَقَطَّعُ يَمِينًا وَشِمَالاً، يُمْطَرُونَ وَلَا يُمْطَرُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ".
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا أبو عوانة) بفتح العين، الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) بن مالك، ﵁، (قال):
(بينما رسول الله ﷺ ، يخطب يوم الجمعة) على المنبر، وهذا موضع الترجمة، لأن النبي ﷺ ، بعد اتخاذ المنبر لم يخطب يوم الجمعة إلا عليه، قاله الإسماعيلي، والجمعة بالتعريف، ولأبي ذر في نسخة، والأصيلي وابن عساكر، وأبي الوقت يوم جمعة (إذ جاءه رجل) أعرابي (فقال: يا رسول الله! قحط المطر) بفتح القاف والحاء، أي: احتبس، ولأبي الوقت، في نسخة قحط، بضم القاف وكسر الحاء (فادع الله أن يسقينا. فدعا) ﵊ (فمطرنا) بضم الميم وكسر الطاء.
استعمله ثلاثيًّا، وهي لغة فيه بمعنى الرباعي، وفرق بعضهم فقال: أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة. والأحاديث واردة بخلافه.
(فما كدنا أن نصل إلى منازلنا) أي: كاد أن يتعذر وصولنا إلى منازلنا من كثرة المطر.
و: أن نصل، خبر كاد مع أن لأن بينها وبين عسى مقارضة في دخول أن وعدمها.
ولأبي ذر: فما كدنا نصل إلى منازلنا، بإسقاط أن، وللمصنف في الجمعة من وجه آخر: فخرجنا نخوض في الماء حتى أتينا منازلنا (فما زلنا نمطر) بضم النون وسكون الميم وفتح الطاء، من الجمعة (إلى الجمعة المقبلة. قال) أنس: (فقام ذلك الرجل -أو غيره-) شك فيه (فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يصرفه) أي: المطر أو السحاب (عنا فقال رسول الله ﷺ ¬):
(اللهم حوالينا) بفتح اللام، ويقال فيه: حولنا وحولينا (ولا علينا).
(قال فلقد رأيت السحاب يتقطع) حال كونه (يمينًا وشمالاً) ويتقطع بفتح المثناة التحتية والفوقية والقاف وتشديد الطاء، من باب: التفعل (يمطرون) أهل اليمين وأهل الشمال (ولا يمطر أهل المدينة).
٩ - باب مَنِ اكْتَفَى بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ
(باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء) من غير أن ينويه مع الجمعة كغيرها من المكتوبات والنوافل، وهي إحدى صوره الثلاثة كما مر، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يسن فيه صلاة أصلاً، وتجويزها من غير تحويل فيه ولا استقبال.
١٠١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فَدَعَا، فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ. ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا. فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلَى الإكَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ".
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن شريك بن عبد الله) بن أبي نمر (عن أنس) ﵁، وللأصيلي عن: أنس بن مالك (قال: جاء رجل إلى النبي) وللأربعة إلى: رسول الله ﷺ ، فقال: (هلكت المواشي) من قلة الأقوات بسبب عدم المطر والنبات، (وتقطعت السبل) فلم تسلكها الإبل لضعفها بسبب قلة الكلأ أو عدمه، وتقطعت بالمثناة الفوقية وتشديد الطاء.
(فدعا) ﵊ ربه (فمطرنا) وللأصيلي: فادع الله، بدل قوله: فدعا. وكل من اللفظين مقدر فيما لم يذكر فيه، أي: قال الرجل: ادع الله، فدعا، فمطرنا (من الجمعة إلى الجمعة، ثم جاء) فاعله ضمير يعود على قوله: جاء رجل، فيلزم اتحاد الرجل الجائي وكأنه تذكره بعد أن نسيه، أو نسيه بعد أن كان تذكره (فقال) يا رسول الله: (تهدمت البيوت وتقطعت السبل) بالمثناة وتشديد الدال والطاء فيهما (وهلكت المواشي) من كثرة المطر (فادع الله يمسكها. فقال) ﵊: (اللهم) أنزله (على الاكام) بكسر الهمزة أو بفتحها مع المد، ولأبوي ذر، والوقت والأصيلي: فقام فقال اللهم. ولغير ابن عساكر، وأبي ذر، والأصيلي: وهلكت المواشي، فادع الله يمسكها بالجزم على الطلب، فقام ﷺ فقال: اللهم على الاكام (والظراب و) على بطون (الأودية ومنابت الشجر).
(فانجابت) بالجيم والموحدة (عن المدينة) الشريفة (انجباب الثوب) أي: خرجت كما يخرج الثوب عن لابسه، أو تقطعت كما يتقطع الثوب قطعًا متفرقة.
١٠ - باب الدُّعَاءِ إِذَا تَقَطَّعَتِ السُّبُلُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ
(باب) جواز (الدعاء) بالاستصحاء (إذا تقطعت السبل) بالمثناة الفوقية وتشديد الطاء ولأبوي
стр. 763
ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: إذا انقطعت السبل (من كثرة المطر).
١٠١٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمُطِرُوا مِنْ جُمُعَةٍ إِلَى جُمُعَةٍ. فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ وَالإكَامِ. وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ".
وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام، خال إسماعيل المذكور (عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك) ﵁ (قال):
(جاء رجل إلى رسول الله) ولأبي ذر والأصيلي: إلى النبي (¬ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! هلكت
المواشي) بسبب قحوط المطر، (وانقطعت السبل) بالنون بعد ألف الوصل، ولأبي ذر: انقطعت السبل، وهلكت المواشي، ولابن عساكر: وتقطعت السبل، بالمثناة وتشديد الطاء (فادع الله) لنا يغيثنا.
(فدعا رسول الله، ﷺ ، فمطروا من جمعة إلى جمعة؛ فجاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! تهدمت البيوت، وتقطعت السبل) بالمثناة وتشديد الطاء، وفي رواية حميد عن ابن خزيمة: واحتبس الركبان (وهلكت المواشي) من كثرة المطر، فادع الله أن يصرفه عنا (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(اللهم) أنزله (على رؤوس الجبال و) على (الآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر).
(فانجابت) أي: السحب الممطرة (عن المدينة) المقدسة (انجياب الثوب). وأصل الجوبة، من: جاب: إذا قطع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩].
وموضع الترجمة قوله: يا رسول الله تهدمت البيوت … الخ، أي: من كثرة المطر.
١١ - باب مَا قِيلَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُحَوِّلْ رِدَاءَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
(باب ما قيل وإن النبي، ﷺ ، لم يحوّل رداءه في الاستسقاء يوم الجمعة) قيده بالجمعة ليبين أن
تحويل الرداء في الباب السابق أوّل كتاب الاستسقاء خاص بالمصلي.
١٠١٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ هَلَاكَ الْمَالِ وَجَهْدَ الْعِيَالِ، فَدَعَا اللَّهَ يَسْتَسْقِي. وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَلَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ".
وبالسند قال: (حدّثنا الحسن بن بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، البجلي الكوفي (قال: حدّثنا معافى) بضم الميم وفتح العين المهملة والفاء (ابن عمران) الموصلي، ياقوتة العلماء (عن الأوزاعي) عبد الرحمن (عن إسحاق بن عبد الله) ولأبي ذر زيادة، ابن أبي طلحة (عن) عمه (أنس بن مالك) ﵁:
(أن رجلاً شكا إلى النبي، ﷺ ، هلاك المال)، الماشية لا الصامت من فقد الكلأ بسبب قحوط المطر، (وجهد العيال) بفتح الجيم، أي مشقتهم بسبب ذلك.
(فدعا الله) رسول الله ﷺ حال كونه (يستسقي) لهم، (ولم يذكر) أي: أنس أو غيره، ممن دونه، ولهذا التردد عبر المصنف في الترجمة بقوله: باب ما قيل: (أنه) ﵊ (حول رداءه، ولا استقبل القبلة) أي: في استسقائه يوم الجمعة.
وتعقب الإسماعيلي المؤلّف، فقال: لا أعلم أحدًا ذكر في حديث أنس تحويل الرداء. وإذا قال المحدث: لم يذكر أنه حول، لم يجز أن يقال: إن النبي ﷺ لم يحوّل، لأن عدم ذكر الشيء لا يوجب عدم ذلك الشيء، فكيف يقول البخاري لم يحول؟ اهـ.
وتمسك بهذا الحديث أبو حنيفة فقال: لا صلاة ولا تحويل في الاستسقاء، ولعله لم تبلغه الأحاديث المصرحة بذلك.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في: الاستسقاء والاستئذان، ومسلم في: الصلاة، وكذا النسائي، والله أعلم.
١٢ - باب إِذَا اسْتَشْفَعُوا إِلَى الإِمَامِ لِيَسْتَسْقِيَ لَهُمْ لَمْ يَرُدُّهُمْ
هذا (باب) بالتنوين (إذا استشفعوا) أي: الناس (إلى الإمام) عند الحاجة إلى المطر (ليستسقي لهم) أي: لأجلهم (لم يردهم)، بل عليه أن يجيب سؤالهم فيستسقي لهم، وإن كان ممن يرى تفويض الأمر إلى الله تعالى.
١٠١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ. فَدَعَا اللَّهَ فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ. فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
اللَّهُمَّ عَلَى ظُهُورِ الْجِبَالِ وَالإكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف): التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام الأعظم، (عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم (عن أنس بن مالك) ﵁ (أنه قال:).
(جاء رجل) هو: كعب بن مرة وقيل غيره (إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي وتقطعت السبل) بالمثناة الفوقية وتشديد الطاء، من: تقطعت.
والسبل، بضمتين جمع سبيل، وهو الطريق يذكر ويؤنث. قال تعالى: ﴿وأن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً﴾ وقال ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وانقطاعها، إما بعدم المياه التي يعتاد المسافرون ورودها، وإما باشتغال الناس وشدة القحط عن الضرب في الأرض.
(فادع الله) لنا (فدعا الله، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة) الأخرى (فجاء رجل)
стр. 764
هو الأول (إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا رسول الله! تهدمت البيوت) من كثرة المطر (وتقطعت السبل) بالمثناة الفوقية وتشديد الطاء أي: تعذر سلوكها (وهلكت المواشى) فادع الله يمسكها (فقال رسول الله، ﷺ ¬):
(اللهم) أي: يا الله انزل المطر (على ظهور الجبال والاكام) بكسر الهمزة جمع: أكمة، بفتحها: ما غلظ من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلاً وكان أكبر ارتفاعًا مما حوله. ويروى: الآكام بفتح الهمزة ومدها، والاكم بضم الهمزة والكاف. جمع: إكام ككتاب وكتب (وبطون الأودية، ومنابت الشجر) جمع منبت بكسر الموحدة، أي: ما حولها مما يصلح أن ينبت فيه، لأن نفس النبت لا يقع عليه المطر.
(فانجابت) أي: السحب الممطرة (عن المدينة انجياب الثوب).
فإن قلت: تقدم باب: سؤال الناس الإمام إذا قحطوا، فما الفرق بينه وبين هذا الباب؟.
أجاب الزين بن المنير: بأن الأولى لبيان ما على الناس أن يفعلوه إذا احتاجوا للاستسقاء. والثانية: لبيان ما على الإمام من إجابة سؤالهم.
وأجاب ابن المنير أيضًا عن السر في كونه ﵊ لم يبدأ بالاستسقاء حتى سألوه، مع أنه ﵊، أشفق عليهم منهم، وأولى بهم من أنفسهم، بأن مقامه ﵊ التوكل والصبر على البأساء والضراء، ولذلك كان أصحابه الخواص يقتدون به، وهذا المقام لا يصل إليه العامة وأهل البوادي، ولهذا، والله أعلم، كان السائل في الاستسقاء بدويًّا، فلما سألوه أجاب رعاية لهم وإقامة لسنة هذه العبادة فيمن بعده من أهل الأزمنة التي يغلب على أهلها الجزع، وقلة الصبر على اللأواء، فيؤخذ منه أن الأفضل للأئمة الاستسقاء، ولن ينفرد بنفسه، بصحراء أو سفينة، الصبر والتسليم للقضاء، لأنه ﵊ قبل السؤال فوّض ولم يستسق.
١٣ - باب إِذَا اسْتَشْفَعَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْقَحْطِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط).
١٠٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: "إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنِ الإِسْلَامِ، فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ. فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى. فَقَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ يَوْمَ بَدْرٍ -قَالَ وَزَادَ أَسْبَاطٌ عَنْ مَنْصُورٍ-: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسُقُوا الْغَيْثَ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا. وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا. فَانْحَدَرَتِ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ، فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي البصري (عن سفيان) الثوري (قال: حدّثنا منصور والأعمش) سليمان بن مهران، كلاهما (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح بالتصغير (عن مسروق) هو: ابن الأجدع (قال: أتيت ابن مسعود) عبد الله ﵁.
وفي سورة الروم من التفسير عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة فقال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ففزعنا، فأتيت ابن مسعود (فقال:).
(إن قريشًا أبطأوا) أي: تأخروا (عن الإسلام) ولم يبادروا إليه (فدعا عليهم النبي، ﷺ ¬) فقال
(اللهم أعني عليهم بسع كسبع يوسف) (فأخذتهم سنة) بفتح السين، أي: جدب وقحط (حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام) ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان من ضعف بصره بسبب الجوع.
(فجاءه أبو سفيان) صخر بن حرب (فقال: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك) ذوي رحمك (هلكوا) وللكشميهني: قد هلكوا، أي: بدعائك عليهم من الجدب والجوع (فادع الله تعالى) لهم، فإن كشف عنا نؤمن بك (فقرأ) ﵊ (﴿فارتقب﴾) أي: انتظر لهم (﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾) [الدخان: ١٠] زاد أبو ذر: الآية.
(ثم عادوا) لما كشف الله عنهم (إلى كفرهم) فابتلاهم الله تعالى بيوم البطشة (فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] يوم بدر) أو: يوم القيامة، زاد الأصيلي ﴿إنا منتقمون﴾.
والعامل في: يوم، فعل: دل عليه: إنّا منتقمون، لأن إن مانع من عمله فيما قبله، أو: بدل
من يوم تأتي، وهذا يدل على أن مجيء أبي سفيان إليه ﷺ كان قبل الهجرة، لأنه لم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر.
(قال) أي: البخاري (وزاد) ولابن عساكر: قال أبو عبد الله وسقط ذلك كله لأبي ذر، واقتصر على قوله: وزاد (أسباط) بفتح الهمزة وسكون المهملة وبالموحدة آخره طاء مهملة، ابن نصر، لا: أسباط بن محمد (عن منصور) عن أبي الضحى، يعني بإسناده السابق.
(فدعا رسول الله، ﷺ ، فسقوا الغيث) بضم السين والقاف، مبنيًّا للمفعول،
стр. 765
ونصب الغيث،
مفعوله الثاني (فأطبقت) أي: دامت وتواترت (عليهم سبعًا) أي: سبعة أيام، وسقطت التاء لعدم ذكر المميز. فإنه يجوز فيه الأمران حينئذ.
وفي تفسير سورة الدخان، من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضحى، في هذا الحديث: فقيل: يا رسول الله! استسق الله لمضر فإنها قد هلكت. قال: لمضر: إنك لجريء، فاستسقى فسقوا. اهـ.
والقائل: يا رسول الله، الظاهر أنه أبو سفيان، لما ثبت في كثير من طرق هذا الحديث في الصحيحين: فجاء أبو سفيان، وإنما قال: لمضر، لأن غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز.
وكان الدعاء بالقحط على قريش، وهم سكان مكة، فسرى القحط إلى من حولهم، ولعل السائل عدل عن التعبير بقريش، لئلا يذكره بجرمهم. فقال: لمضر، ليندرجوا فيهم، ويشير أيضًا إلى أن غير المدعوّ عليهم قد هلكوا بجريرتهم.
وقوله لمضر: إنك لجريء: أي: أتطلب أن أستسقي لهم مع ما هم عليه من معصية الله والإشراك به.
وفي دلائل البيهقي عن كعب بن مرة، أو مرة بن كعب، قال: دعا رسول الله ﷺ على مضر،
فأتاه أبو سفيان بمكة، فقال: ادع الله لقومك، فإنهم قد هلكوا.
ورواه أحمد، وابن ماجة، عن كعب بن مرة قال: جاءه رجل فقال: استسق الله لمضر. فقال: إنك لجريء ألمضر؟ قال: يا رسول الله، استنصرت الله فنصرك، ودعوت الله فأجابك. فرفع يديه فقال "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، مريعًا طبقًا، عاجلاً غير رائث، نافعًا غير ضار … " الحديث. فظهر بذلك أن هذا الرجل المبهم المقول له: إنك لجريء، هو أبو سفيان.
وأخرج أحمد أيضًا، والحاكم، عن كعب بن مرة أيضًا، قال: دعا رسول الله ﷺ على مضر،
فأتيته، فقلت: يا رسول الله! إن الله قد نصرك، وأعطاك، واستجاب لك. وإن قومك قد هلكوا … الحديث. فظهر أن فاعل قال: يا رسول الله في الحديث الذي قبل هذا، هو: كعب بن
مرة. راويه، وعلى هذا فكأن أبا سفيان وكعبًا حضرًا جميعًا. فكلمه أبو سفيان بشيء، فدلّ على اتحاد قصتهما.
وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك، من قوله: إنك لجريء. وغير ذلك. وسياق كعب بن مرة مشعر بأن ذلك وقع بالمدينة، لقوله: استنصرت الله فنصرك، ولا يلزم من هذا اتحاد هذه القصة مع قصة أنس السابقة، فهي واقعة أخرى، لأن في رواية أنس: فلم ينزل عن المنبر حتى مطروا. وفي هذه: فما كان إلا جمعة أو نحوها حتى مطروا.
والسائل في هذه القصة، غير السائل في تلك. فهما قصتان، وقع في كل منهما طلب الدعاء بالاستسقاء، ثم طلب الدعاء بالاستصحاء. كذا قرره الحافظ ابن حجر، رادًّا به على من غلط أسباط بن نصر في هذه الزيادة، ونسبه إلى أنه أدخل حديثًا في آخر. فقال:
وإن قوله: فسقوا الغيث، إنما كان في قصة المدينة التي رواها أنس، لا في قصة قريش.
وأجاب البرماوي بأن المعنى: أن سفيان يروي عن منصور واقعة مكة، وسؤال أهل مكة وهو بها قبل الهجرة، وزاد عليه أسباط، عن منصور، ذكر الواقعتين، لا أن الثانية مسببة عن الأولى، ولا أن السؤال فيهما معًا كان بالمدينة. اهـ.
(وشكا الناس) إليه ﷺ (كثرة المطر، قال) وللأربعة، فقال:
(اللهم) أنزل المطر (حوالينا ولا) تنزله (علينا فانحدرت السحابة عن رأسه فسقوا الناس حولهم) برفع الناس على البدل من الضمير، أو فاعل على لغة: أكلوني البراغيث. ويجوز النصب على الاختصاص، أي: أعني الناس الذين في المدينة وحولها.
١٤ - باب الدُّعَاءِ إِذَا كَثُرَ الْمَطَرُ "حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا"
(باب الدعاء إذا كثر المطر "حوالينا ولا علينا") بإضافة باب لتاليه.
١٠٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَحَطَ الْمَطَرُ، وَاحْمَرَّتِ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ، فَادْعُ اللَّهَ يَسْقِينَا. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا (مَرَّتَيْنِ). وَايْمُ اللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحَابٍ، فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ وَأَمْطَرَتْ، وَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ فَصَلَّى. فَلَمَّا انْصَرَفَ لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا. فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ صَاحُوا إِلَيْهِ: تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يَحْبِسُهَا عَنَّا. فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا. فَكُشِطَتِ الْمَدِينَةُ، فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوْلَهَا، وَلَا تَمْطُرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر، وأبي الوقت، بالتوحيد (محمد بن أبي بكر) المقدمي الثقفي البصري (قال: حدّثنا معتمر) هو: ابن سليمان التيمي (عن عبيد الله) بضم العين، ابن عمر بن حفص بن عاصم العمري (عن ثابت) البناني (عن أنس) ولأبي ذر: أنس بن مالك، ﵁، أنه (قال):
(كان النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ ، يخطب يوم جمعة) بالتنكير، ولأبي ذر، في نسخة،
وابن عساكر: يوم الجمعة (فقام) إليه (الناس، فصاحوا فقالوا: يا رسول الله! قحط المطر) بفتح القاف والحاء والطاء، أي: احتبس (واحمرت الشجر) أي: تغير لونها من الخضرة إلى الحمرة من اليبس، وأنث الفعل باعتبار
стр. 766
جنس الشجر (وهلكت البهائم) بفتح اللام، ومضارعه يهلك بكسرها، وفيه لغة قليلة بالعكس، ويروى: هلكت المواشي: أي الأنعام والدواب (فادع الله يسقينا) ولأبوي ذر والوقت، وابن عساكر: أن يسقينا (فقال) ﵊:
(اللهم اسقنا مرتين) طرف للقول لا للسقي أي: قال ذلك مرتين (وايم الله) بهمزة الوصل (ما نرى في السماء قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، قطعة (من سحاب). قال أبو عبيد: وأكثر ما يكون القزع في الخريف (فنشأت سحابة وأمطرت) بالواو، ولأبي ذر في نسخة: فأمطرت.
(ونزل) ﵊ (عن المنبر فصلّى) الجمعة (فلما انصرف، لم تزل تمطر) بضم المثناة الفوقية وسكون الميم وكسر الطاء، ولأبي ذر: لم يزل المطر (إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبي ﷺ ، يخطب، صاحوا إليه: تهدمت البيوت، وانقطعت السبل) بالنون قبل القاف، (فادع الله يحبسها عنا) بالجزم على الطلب، وبالرفع على الاستئناف.
(فتبسم النبي ﷺ ، ثم قال) ولأبي ذر، وابن عساكر: فقال، ولأبوي ذر، والوقت: وقال:
(اللهم) أمطر في الأماكن التي (حوالينا ولا) تمطر (علينا).
قال الشافعي في الأم: وإذا كثرت الأمطار وتضرر الناس، فالسنة أن يدعى برفعها: "اللهم حوالينا ولا علينا". ولا يسرع لذلك صلاة، لأن النبي ﷺ لم يصل لذلك.
(فكشطت المدينة) بفتح الفاء والكاف والشين المعجمة والطاء المهملة، وفي الفتح: فكشطت، مبنيًّا للمفعول، ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر: وتكشطت، بالواو والمثناة الفوقية والكاف والمعجمة المشددة المفتوحات، أي: تكشفت (فجعلت تمطر) بفتح أوله وضم ثالثه، ويجوز: تمطر، بضم ثم كسر، وهي رواية أبي ذر (حولها ولا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي، وابن عساكر: وما (تمطر) بفتح المثناة الفوقية وضم الطاء (بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل) بكسر الهمزة وهو: ما أحاط بالشيء وروضة مكللة محفوفة بالنور، وعصابة تزين بالجوهر ويسمى التاج: إكليلاً.
١٥ - باب الدُّعَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ قَائِمًا
(باب الدعاء في الاستسقاء) حال كونه (قائمًا) في الخطبة، وغيرها، ليراه الناس فيقتدوا به.
١٠٢٢ - وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ "خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ وَخَرَجَ مَعَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵃ فَاسْتَسْقَى، فَقَامَ بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ، فَاسْتَغْفَرَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ النَّبِيَّ ﷺ ".
وبالسند إلى المؤلّف قال: (وقال لنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (عن زهير) بضم الزاي وفتح الهاء، ابن معاوية الكوفي (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي، قال:
(خرج عبد الله بن يزيد) من الزيادة (الأنصاري) الأوسي الخطمي إلى الصحراء ليستسقي في سنة أربع وستين، حين كان أميرًا على الكوفة من جهة عبد الله بن الزبير، (وخرج معه البراء بن عازب، وزيد بن أرقم ﵃، فاستسقى، فقام) أي: عبد الله بن يزيد (بهم) ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر: لهم (على رجليه على غير منبر، فاستغفر) كذا لأبي الوقت، وابن عساكر، وأبي ذر، وللكشميهني والحموي، والمستملي: فاستقى (ثم صلّى ركعتين) حال كونه (يجهر بالقراءة) فيهما وظاهره أنه أخر الصلاة عن الخطبة، وصرّح بذلك الثوري في روايته، والذي عليه الجمهور تقديمها (ولم يؤذن ولم يقم).
(قال أبو إسحاق) السبيعي (ورأى) بالهمز، من: الرؤية (عبد الله بن يزيد الأنصاري النبي) وثبت الأنصاري لابن عساكر، وللحموي وحده وروي، بالواو من الرواية، عبد الله بن يزيد، عن النبي (¬ ﷺ ¬) وكذا هو في نسخة الصغاني روي، من: الرواية.
وعلى هذا، فإن أريد به رواية ما صدر عنه من الصلاة وغيرها، كان مرفوعًا، وإن أريد أنه روي عنه في الجملة، فيكون موقوفًا. وهو يثبت له الصحبة.
وقد ذكره ابن طاهر في الصحابة الذين خرج لهم في الصحيحين، أما سماع هذا الحديث بخصوصه فلا يثبت، وهذا الحديث أخرجه مسلم في: المغازي.
١٠٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ أَنَّ عَمَّهُ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ- ﷺ أَخْبَرَهُ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَقَامَ فَدَعَا اللَّهَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ الْقِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَأُسْقُوا".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: حدّثنا شعيب) هو ابن حمزة الحمصي (عن)
ابن شهاب (الزهري، قال: حدّثني) بالإفراد (عباد بن تميم) المازني (أن عمه) عبد الله بن زيد المازني (وكان من أصحاب النبي ﷺ ، أخبره):
(أن النبي ﷺ خرج بالناس
стр. 767
يستسقي لهم فقام) على رجليه لا على منبر (فدعا الله) حال كونه (قائمًا، ثم توجه قبل القبلة) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهتها (وحول رداءه، فأسقوا) بهمزة وقاف مضمومتين بينهما مهملة ساكنة، ولابن عساكر: فسقوا، بفاء فسين فقاف مضمومتين، وكلاهما مبني للمفعول.
١٦ - باب الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ
(باب الجهر بالقراءة في) صلاة (الاستسقاء).
١٠٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن) ابن شهاب (الزهري، عن عباد بن تميم عن عمه) عبد الله بن زيد المازني، ﵁ (قال):
(خرج النبي ﷺ ¬) بالناس إلى المصلّى (يستسقي) لهم، (فتوجه إلى القبلة) في أثناء الخطبة الثانية (يدعو، وحول رداءه) فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن.
رواه أبو داود بإسناد حسن.
ثم صلّى) بالناس (ركعتين) حال كونه (جهر) بلفظ الماضي، ولأبوي ذر، والوقت: يجهر (فيهما بالقراءة) كصلاة العيد، ونقل ابن بطال الإجماع عليه.
١٧ - باب كَيْفَ حَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ ظَهْرَهُ إِلَى النَّاسِ
هذا (باب) بالتنوين (كيف حوّل النبي ﷺ ظهره إلى الناس).
١٠٢٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ لمَّا خَرَجَ يَسْتَسْقِي، قَالَ: فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ".
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن) ابن شهاب (الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه) عبد الله بن زيد، ﵁ (قال):
(رأيت النبي، ﷺ ، يوم خرج) بالناس إلى المصلّى (يستسقي) لهم (قال: فحول إلى الناس ظهره) عند إرادة الدعاء بعد فراغه من الموعظة، فالتفت بجانبه الأيمن لأنه كان يعجبه التيامن في شأنه كله.
استشكل (١) قوله: فحوّل إلى الناس ظهره، لأن الترجمة لكيفية التحويل. والحديث دل على وقوع التحويل فقط. وأجاب الكرماني: بأن معناه حوله حال كونه داعيًا، وحمل الزين ابن المنير قوله: كيف؟ على الاستفهام، فقال لما كان التحويل المذكور لم يتبين كونه في ناحية اليمين أو اليسار، احتاج إلى الاستفهام. اهـ. منه.
(واستقبل القبلة) حال كونه (يدعو، ثم حول رداءه) ظاهره: أن الاستقبال وقع سابقًا لتحويل الرداء، وهو ظاهر كلام الشافعي. ووقع في كلام كثير من الشافعية أنه يحول حال الاستقبال.
والفرق بين تحويل الظهر، والاستقبال، أنه ابتداء التحويل وأوسطه يكون منحرفًا حتى يبلغ الانحراف غايته، فيصير مستقبلاً. قاله في الفتح.
(ثم صلّى لنا ركعتين) حال كونه (جهر فيهما بالقراءة). واستدلّ ابن بطال من التعبير: بثم، في قوله: ثم حول رداءه، أن الخطبة قبل الصلاة، لأن ثم للترتيب.
وأجيب: بأنه معارض بقوله في حديث الباب التالي استسقى فصلّى ركعتين وقلب رداءه، لأنه اتفق على أن قلب الرداء إنما يكون في الخطبة.
وتعقب: بأنه لا دلالة فيه على تقديم الصلاة لاحتمال أن تكون الواو في: وقلب، للحال أو: للعطف، ولا ترتيب فيه.
نعم، في سنن أبي داود، بإسناد صحيح: أنه ﷺ خطب ثم صلّى، ويدل له ما وقع في حديث
الباب، فلو قدم الخطبة جاز كما نقله في الروضة عن صاحب التتمة، لكنه في حقنا أفضل، لأن رواية تأخير الخطبة أكثر رواة، ومعتضدة بالقياس على خطبة العيد والكسوف.
وعن الشيخ أبي حامد مما نقله في المجموع عن أصحابنا تقديم الخطبة للحديث، يعني: حديث الباب السابق، وغيره. . . . . . . . (٢). . . . . . الجواز في بعض المواضع.
١٨ - باب صَلَاةِ الاِسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ
(باب صلاة الاستسقاء ركعتين) أراد به بيان كميتها، وأشار إليها بقوله: ركعتين، على طريق عطف البيان على سابقه المجرور بالإضافة.
١٠٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عبد الله بن أبي بكر) أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم (عن عباد بن تميم)، ولأبي ذر في نسخة، ولأبي الوقت: سمع عباد بن تميم (عن عمه) عبد الله بن زيد، ﵁ (أن النبي ﷺ استسقى فصلّى ركعتين) كصلاة العيد فيما لها، كالتكبير في أول الأولى سبعًا، وفي أول الثانية خمسًا. ورفع يديه، وغير ذلك، إلا في تسعة أشياء.
في المناداة قبلها، بأن يأمر الإمام من ينادي بالاجتماع لها في وقت معين.
وفي صوم يومها، لأن له أثرًا في رياضة النفس.
وفي إجابة الدعاء؛ وصوم ثلاثة قبله.
وترك الزينة فيها بأن يلبس عند خروجه لها ثياب بذلة، وهي التي
стр. 768
تلبس حال الشغل للاتباع رواه الترمذي، وصححه، وينزعها بعد فراغه من الخطبة.
وإكثار الاستغفار في الخطبة بدل إكثار التكبير الذي في خطبة العيد.
وقراءة آية الاستغفار: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]. الآية في الخطبة، ويسر ببعض الدعاء فيها.
ويستقبل القبلة بالدعاء، ويرفع ظهر يديه إلى السماء.
ويحوّل رداءه، كما أشار إليه بقوله: (وقلب رداءه) عطف على قوله: فصلّى ركعتين بالواو.
وهي لا تدل على الترتيب بل لمطلق الجمع.
١٩ - باب الاِسْتِسْقَاءِ فِي الْمُصَلَّى
(باب) صلاة (الاستسقاء في المصلّى) التي في الصحراء، لا في المسجد، حيث لا عذر كمرض للاتباع كما سيأتي، ولأنه يحضرها غالب الناس، والصبيان، والحيض والبهائم، وغيرهم. فالصحراء أوسع لهم وأليق.
واستثنى صاحب الخصال المسجد الحرام وبيت المقدس. قال الأذرعي: وهو حسن وعليه عمل السلف والخلف لفضل البقعة واتساعها، كما مر في العيد. اهـ.
لكن الذي عليه أصحابنا استحبابها في الصحراء مطلقًا للاتباع والتعليل السابق.
١٠٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ -قَالَ سُفْيَانُ: فَأَخْبَرَنِي الْمَسْعُودِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ- جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عبد الله بن أبي بكر) أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم أنه (سمع عباد بن تميم عن عمه) عبد الله بن زيد، ﵁، (قال):
(خرج النبي ﷺ إلى المصلّى) بالصحراء، حال كونه (يستسقي) للناس (واستقبل القبلة، فصلّى
ركعتين، وقلب رداءه قال سفيان) بن عيينة (فأخبرني المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود (عن أبي بكر) والد عبد الله المذكور (قال) مفسرًا قلب رداءه (جعل اليمين) من ردائه (على) عاتقه (الشمال) والشمال منه على عاتقه اليمين.
وليس قوله: قال سفيان تعليقًا كما زعمه المزي، حيث علم على المسعودي في التهذيب علامة التعليق، بل هو موصول عند المؤلّف، معطوف على حديث عبد الله بن محمد المسندي عن سفيان، قاله الحافظ ابن حجر في المقدمة.
٢٠ - باب اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ
(باب استقبال القبلة) في الدعاء (في الاستسقاء) في أثناء الخطبة الثانية، وهو نحو ثلثها، كما قاله النووي في دقائقه، لأن الدعاء مستقبلها أفضل. فإن استقبل له في الأولى لم يعده في الثانية.
قال النووي: ويلحق باستحباب استقبال القبلة للدعاء بالوضوء، والغسل، والأذكار، والقراءة، وسائر الطاعات إلا ما خرج بدليل، كالخطبة.
١٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يُصَلِّي، وَأَنَّهُ لَمَّا دَعَا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ- اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ابْنُ زَيْدٍ هَذَا مَازِنِيٌّ، وَالأَوَّلُ كُوفِيٌّ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد) غير منسوب، ولأبي ذر في نسخة: محمد بن سلام (قال: أخبرنا)
ولأبي ذر، وابن عساكر: حدّثنا، ولأبي ذر في نسخة، وأبي الوقت: حدّثني (عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (قال: حدّثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: أخبرني) بالتوحيد (أبو بكر بن محمد) أي: ابن عمرو بن حزم (أن عباد بن تميم أخبره أن) عمه (عبد الله بن زيد الأنصاري) ﵁ (أخبره):
(أن النبي ﷺ ، خرج) بهم (إلى المصلّى) بالصحراء، حال كونه (يصلّي) بالمثناة التحتية أوله وكسر اللام، ولابن عساكر: فصلّى، بالفاء وفتح اللام، وللمستملي: يدعو (وأنه لما دعا -أو أراد أن يدعو-) شك الراوي (استقبل القبلة) واستدبر الناس (وحول رداءه) فجعل ما على كل جانب من الأيمن والأيسر على الآخر.
(قال أبو عبد الله) البخاري: (ابن زيد هذا) راوي حديث الباب: (مازني) أنصاري، ولأبي ذر: عبد الله بن زيد … الخ. (والأول) السابق في باب الدعاء في الاستسقاء قائمًا. (كوفي، هو ابن يزيد) عبد الله بالمثناة التحتية في أوله، من الزيادة.
قال في فتح الباري؛ كذا في رواية الكشميهني وحده هنا. اهـ.
وفي الفرع وأصله ساقط لأبي ذر، وابن عساكر. قال: وثبت عند أبي الهيثم لأبوي ذر والوقت، واستشكل إثباته هنا، لأنه لا ذكر لعبد الله بن يزيد هنا.
وأجيب: باحتمال أن يكون مراده بالأول: المذكور فيما مضى في باب الدعاء في الاستسقاء قائمًا، كما مر وبالجملة، فلو ذكره في باب: الدعاء في الاستسقاء قائمًا، حيث ذكر فيه عن عبد الله بن يزيد حديثًا، وعن عبد الله بن زيد حديثًا، لكان أليق، ليظهر تغايرهما حيث ذكرهما جميعًا، ولعل هذا من تصرف الكشميهني، كأنه رأى ورقة مفردة فكتبها هنا احتياطًا.
٢١ - باب رَفْعِ النَّاسِ أَيْدِيَهُمْ مَعَ الإِمَامِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ
(باب رفع الناس أيديهم مع) رفع (الإمام) يديه في الدعاء (في الاستسقاء) وسقط لابن عساكر: مع الإمام.
١٠٢٩ - قَالَ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ، هَلَكَ الْعِيَالُ، هَلَكَ النَّاسُ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ يَدْعُونَ. قَالَ: فَمَا خَرَجْنَا مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى مُطِرْنَا، فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ حَتَّى كَانَتِ الْجُمُعَةُ الأُخْرَى، فَأَتَى الرَّجُلُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَشِقَ الْمُسَافِرُ، وَمُنِعَ الطَّرِيقُ".
(قال) ولأبي ذر: وقال (أيوب بن سليمان) بن بلال، شيخ
стр. 769
المؤلّف مما وصله أبو نعيم (حدّثني) بالإفراد (أبو بكر بن أبي أويس) الأصبحي المدني، أخو إسماعيل بن أبي أويس (عن سليمان بن بلال) التيمي، مولاهم (قال يحيى بن سعيد) الأنصاري، ولأبي ذر: عن يحيى بن سعيد قال: (سمعت أنس بن مالك) ﵁ (قال):
(أتى رجل أعرابي)، ولابن عساكر: أتى أعرابي (من أهل البدو) فيه تضعيف قول من قال: إنه العباس (إلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة) وهو قائم يخطب، فاستقبله قائمًا (فقال) وللأصيلي قال: (يا رسول الله! هلكت الماشية).
وسبق في باب الدعاء إذا كثر المطر، قال: كان النبي ﷺ يخطب يوم جمعة، فقام الناس فصاحوا، فقالوا: يا رسول الله! قحط المطر … والجمع بين الروايتين أن الرجل قام أولاً فتبعه الناس، وكذا في الجمعة الأخرى، أو أنهم صاحوا، فقام الرجل فتكلم عنهم، أو المراد بالناس: الرجل لأنه لما كان قائمًا عنهم عبر عنه بهم، وكأنهم هم الذين صاحوا. قاله ابن التين.
وإذا قلنا بتخصيص الرجل الأعرابي بالكلام، فترك خواص الصحابة لذلك، لأن مقامهم العليّ يقتضي الرضا والتسليم، بخلاف مقام السائل، فإنه مقام فقر وتمسكن.
(هلك العيال) ولابن عساكر: هلكت العيال، بتأنيث الضمير، (هلك الناس. فرفع رسول الله ﷺ يديه) حال كونه (يدعو، ورفع الناس أيديهم معه) ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر: مع رسول الله ﷺ (يدعون).
استدلّ به على استحباب رفع اليدين في الدعاء للاستسقاء، ولذا لم يرو عن الإمام مالك، ﵀، أنه رفع يديه إلاّ في دعاء الاستسقاء خاصة.
وهل ترفع في غيره من الأدعية أم لا؟ الصحيح الاستحباب في سائر الأدعية. رواه الشيخان وغيرهما.
أما حديث أنس، المروي في الصحيحين وغيرهما، الآتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى: أنه ﷺ ، كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلاّ في الاستسقاء، فإنه: كان يرفع يديه حتى يُرى بياضُ إبطيه. فمؤوّل على أنه لا يرفعهما رفعًا بليغًا، ولذا قال في المستثنى: حتى يُرى بياضُ إبطيه.
نعم، ورد رفع يديه ﵊ في مواضع.
كرفع يديه حتى رئي عفرة إبطيه، حين استعمل ابن اللتبية على الصدقة، كما في الصحيحين.
ورفعهما أيضًا في قصة خالد بن الوليد، قائلاً: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، رواه البخاري والنسائي.
ورفعهما على الصفا، رواه مسلم وأبو داود.
ورفعهما ثلاثًا بالبقيع مستغفرًا لأهله، رواه البخاري في رفع اليدين، ومسلم حين تلا قوله تعالى: (﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية قائلاً: "اللهم أمتي أمتي" رواه مسلم.
ولما بعث جيشًا فيهم عليّ قائلاً: "اللهم لا تمتني حتى تريني عليًّا". رواه الترمذي.
ولما جمع أهل بيته، وألقى عليهم الكساء، قائلاً "اللهم هؤلاء أهل بيتي". رواه الحاكم.
وقد جمع النووي في شرح المهذّب نحوًا من ثلاثين حديثًا في ذلك من الصحيحين وغيرهما، وللمنذري فيه جزء.
قال الروياني: ويكره رفع اليد النجسة في الدعاء، قال: ويحتمل أن يقال: لا يكره بحائل.
وفي مسلم وأبي داود، عن أنس، أنه- ﷺ ، كان يستسقي هكذا، ومدّ يديه، وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه.
فقال أصحابنا الشافعية وغيرهم: السنة في دعاء القحط، ونحوه من رفع بلاء، أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء، وهي صفة الرهبة، وإن سأل شيئًا يجعل بطونهما إلى السماء. والحكمة أن القصد رفع البلاء بخلاف القاصد حصول شيء، أو تفاؤلاً ليقلب الحال ظهرًا لبطن، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرداء، أو إشارة إلى ما يسأله، وهو أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصب ما فيه من المطر.
(قال) أنس: (فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا) بدون همزة، مبنيًّا للمفعول. (فما زلنا نمطر) بضم النون وفتح الطاء (حتى كانت الجمعة الأخرى. فأتى رجل) أي الأول، لأن الألف واللام للعهد الذكري. وقد مر ما فيه، لكن رواية ابن عساكر: فأتى رجل، صارفة لتعيينه، مثبتة للتردد. (إلى نبي الله) ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر: رسول الله (¬ ﷺ فقال: يا رسول الله! بشق) بالموحدة المفتوحة والمعجمة المكسورة، وبالقاف، كذا قيده كراع في المنضد، ولأبوي ذر، والوقت: بشق، بفتح المعجمة، وقيد به الأصيلي، أي: مل،
стр. 770
أو: تأخر، أو: اشتد عليه الضرر، أو: حبس (المسافر، ومنع الطريق).
١٠٣٠ - وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَشَرِيكٍ سَمِعَا أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ".
(وقال الأويسي) عبد العزيز بن عبد الله، مما وصله أبو نعيم في مستخرجه، (حدّثني) بالإفراد (محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير المدني (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (وشريك) هو: ابن عبد الله بن أبي نمر (سمعا أنسًا عن النبي، ﷺ رفع) ولابن عساكر: أنه رفع (يديه حتى رأيت بباض إبطيه). استدلّ به غير واحد على خصوصيته ﵊ ببياض إبطيه.
وعورض بقول عبد الله بن أقرم الخزاعي، كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد. رواه الترمذي، وحسنه غيره. والعفرة بياض ليس بناصع.
نعم، الذي يعتقد فيه ﵊، أنه لم يكن لإبطه رائحة كريهة، بل كان عطر الرائحة، كما ثبت في الصحيحين.
وفي رواية ابن عساكر: حتى يُرى بياضُ إبطيه، وقول الأويسي هذا ثابت للمستملي، وابن عساكر، وأبي الوقت.
قال في الفتح: وثبت لأبي الوقت، وكريمة في آخر الباب بعده، وسقط للباقين رأسًا لأنه مذكور عند الجميع في: كتاب الدعوات.
٢٢ - باب رَفْعِ الإِمَامِ يَدَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ
(باب رفع الإمام يده في الاستسقاء) كذا للحموي والمستملي. ولا تكرار في هاتين الترجمين، هذه وسابقتها، لأن الأولى لبيان اتباع المأمومين الإمام في رفع اليدين، وهذه لإثبات رفعهما له في الاستسقاء، قاله ابن المنير.
١٠٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَىْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ".
[الحديث ١٠٣١ - طرفاه في: ٣٥٦٥، ٦٣٤١].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (محمد بن بشار) بموحدة مفتوحة ومعجمة مشددة، ابن عثمان العبدي البصري يقال له: بندار. (قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (وابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم (عن سعيد) هو: ابن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) وفي رواية يزيد بن زريع عند المؤلّف، في صفته ﵊: عن سعيد عن قتادة أن أنسًا حدثهم.
وسقط عند ابن عساكر: ابن مالك (قال):
(كان النبي، ﷺ ، لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع) يديه (حتى يرى بياض إبطيه) بسكون الموحدة.
وظاهره نفي الرفع في دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بما ذكرته من الأحاديث السابقة في الباب السابق، فليحمل النفي في هذا الحديث على صفة مخصوصة:
إما الرفع البليغ كما يدل عليه قوله: حتى يرى بياض إبطيه كما مر. وإما على: صفة اليدين في ذلك، كما في مسلم: استسقى ﵊، فأشار بظهر كفيه إلى السماء. كما مر.
أو على: نفي رؤية أنس لذلك. وهو لا يستلزم نفي رؤية غيره، ورواية المثبت مقدمة على النافي.
والحاصل: استحباب الرفع في كل دعاء إلا ما جاء من الأدعية مقيدًا بما يقتضي عدمه، كدعاء الركوع والسجود ونحوهما.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في: صفة النبي ﷺ ، ومسلم والنسائي وابن ماجة في: الاستسقاء.
٢٣ - باب مَا يُقَالُ إِذَا أَمْطَرَتْ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَصَيِّبٍ﴾: الْمَطَرُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: صَابَ وَأَصَابَ يَصُوبُ.
(باب ما يقال إذا أمطرت) أي السماء. وما، بمعنى: الذي، أو موصوفة أي: أي (١) شيء يقال، فيكون: ما، الذي بمعنى شيء قد اتصف بقوله: يقال. أو: استفهامية، أي: أي شيء يقال.
وأمطرت بالهمزة المفتوحة من الرباعي، ولأبي ذر: مطرت، بفتحات من غير همزة من الثلاثي المجرد، وهما بمعنى، أو الأول للشر، والثاني للخير.
(وقال ابن عباس) ﵄، مما وصله الطبري من طريق علي بن طلحة في تفسير قوله تعالى: أو (﴿كصيب﴾) [البقرة: ١٩]. هو: (المطر) وهو قول الجمهور.
(وقال غيره) غير ابن عباس: (صاب وأصاب يصوب) راجع إلى: صاب أي، مضارعه: يصوب، فهو أجوف واوي، وأما: أصاب بالهمزة فيقال فيه يصيب. والظاهر أن النساخ قدموا لفظة أصاب على يصوب، وإنما كان: صاب يصوب وأصاب. وأشار به إلى الثلاثي المجرد والمزيد فيه. اهـ.
١٠٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: صَيِّبًا نَافِعًا".
تَابَعَهُ الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ وَعُقَيْلٌ عَنْ نَافِعٍ.
وبه قال: (حدّثنا محمد هو ابن مقاتل، أبو الحسن المروزي) بفتح الواو، المجاور بمكة، وسقطت الكنية والنسبة عند: أبوي ذر، والوقت، وابن عساكر. (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك
(قال: أخبرنا عبيد الله) بضم العين. ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن القاسم بن محمد) هو: ابن أبي بكر الصديق (عن عائشة) ﵂، (أن رسول الله، ﷺ ، كان إذا رأى المطر، قال):
(اللهم) اسقنا أو: اجعله (صيّبًا) بفتح الصاد
стр. 771
المهملة وتشديد المثناة التحتية، وهو المطر الذي يصوب، أي ينزل ويقع. وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتكثير، فدلّ على أنه نوع من المطر شديد هائل، ولذا تممه بقوله: (نافعًا) صيانة عن الأضرار والفساد. ونحوه قول الشاعر:
فسقى ديارك غير مفسدها … صوب الربيع وديمة تهمي
لكن نافعًا في الحديث أوقع وأحسن، وأنفع من قوله: غير مفسدها.
قال في المصابيح: وهذا، أي قوله: "صيّبًا نافعًا" كالخبر الموطئ في قولك: زيد رجل فاضل، إذ الصفة هي المقصودة بالإخبار بها، ولولا هي لم تحصل الفائدة. هذا إن بنينا على قول ابن عباس: إن الصيب هو: المطر. وإن بنينا على أنه: المطر الكثير، كما نقله الواحدي، فكل من: صيبًا ونافعًا مقصود، والاقتصار عليه محصل للفائدة اهـ.
وللمستملي: اللهم صبّا بالموحدة المشددة من غير مثناة من الصب، أي: يا ألله اصببه صبّا نافعًا.
(تابعه القاسم بن يحيى) بن عطاء المقدمي الهلالي الواسطي، المتوفى سنة سبع وتسعين ومائة (عن عبيد الله) العمري المذكور، يعني: بإسناده قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على هذه الرواية موصولة.
(ورواه) أي الحديث المذكور (الأوزاعي)، عبد الرحمن بن عمرو، وفيما أخرجه النسائي في: عمل يوم وليلة، وأحمد: لكن بلفظ: هنيئًا بدل نافعًا. (و) رواه (عقيل) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد، فيما ذكره الدارقطني، (عن نافع) مولى ابن عمر كذلك، وغاير بين قوله: تابعه، ورواه، لإفادة العموم في الثاني لأن الرواية أعم من أن تكون على سبيل المتابعة أم لا، أو: للتفنن في العبارة.
والحديث فيه رازيان، والثلاثة مدنيون. وفه رواية تابعي عن تابعي عن صحابية، والتحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه النسائي في: عمل يوم وليلة، وابن ماجة: في الدعاء.
٢٤ - باب مَنْ تَمَطَّرَ فِي الْمَطَرِ حَتَّى يَتَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ
(باب من تمطّر في المطر) بتشديد الطاء كتفعل، أي: تعرض للمطر، وتطلب نزوله عليه (حتى يتحادر) المطر (على لحيته) لأنه حديث عهد بربه كما في مسلم أي: قريب العهد بتكوين ربه، ولم
تمسه الأيدي الخاطئة ولم تكدره ملاقاة أرض عبد عليها غير الله تعالى. ولله در القائل:
تضوع أرواح نجد من ثيابهم … عند القدوم لقرب العهد بالدار
١٠٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: "أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ. قَالَ: فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ. قَالَ: فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَفِي الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى. فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا. قَالَ: فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلاَّ تَفَرَّجَتْ، حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ، حَتَّى سَالَ الْوَادِي -وَادِي قَنَاةَ- شَهْرًا، قَالَ: فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ".
وبالسند قال: (حدّثنا محمد) ولأبوي ذر؟ والوقت، وابن عساكر: محمد بن مقاتل (قال: أخبرنا عبد الله) ولأبي ذر: عبد الله بن المبارك (قال: أخبرنا الأوزاعي) أبو عمرو، عبد الرحمن (قال: حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري) المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (أنس بن مالك) ﵁ (قال):
(أصابت الناس سنة) بفتح السين أي: شدة وجهد من الجدب، فاعل مؤخر، (على عهد رسول الله، ﷺ ، فبينا) بغير ميم بعد النون (رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ ، يخطب على المنبر يوم الجمعة، قام أعرابي) من أهل البدو، لا يعرف اسمه (فقال: يا رسول الله! هلك المال) ألفه منقلبة عن واو بدليل ظهورها في الجمع.
وإنما جمع وإن كان اسم جنس، لاختلاف أنواعه، وهو: كل ما يتملك وينتفع به. والمراد به هنا: مال خاص، وهو ما يتضرر بعدم المطر من الحيوان والنبات، لكن لا مانع من حمله على عمومه على معنى: أن شدة الغلاء تذهب أموال الناس في شراء ما يقتاتون به، فقد هلكت الأموال. وإن اختلف السبب.
(وجاع العيال) لقلة الأقوات أو عدمها بحبس المطر (فادع الله لنا أن يسقينا).
(قال) أنس: (فرفع رسول الله ﷺ يديه) أي: حتى رئي بياض إبطيه (وما في السماء قزعة) بفتحات، قطعة من سحاب (قال) أنس: (فثار السحاب) بالمثلثة، وفى نسخة اليونينية: سحاب،
أي: هاج (أمثال الجبال) لكثرته (ثم لم ينزل) ﵊ (عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته) المقدسة، وهذا موضع الترجمة، لأن تفعّل، في قوله: تمطر، كما قال في الفتح: الأليق به هنا أن يكون بمعنى مواصلة العمل في مهلة، نحو: تفكّر.
وكأن المؤلّف أراد أن يبين أن تحادر المطر على لحيته عليه
стр. 772
الصلاة والسلام، لم يكن اتفاقًا إذ كان يمكنه التوقي منه بثوب ونحوه، كما قاله في المصابيح، أو بنزوله عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته، كما قاله في الفتح، فترك فعل ذلك قصدًا للتمطر.
وتعقبه العيني: بأن، يأتي لمعان: للتكلف، كتشجع لأن معناه كلف نفسه الشجاعة، وللاتخاذ: نحو: توسدت التراب، أي اتخذته وسادة. وللتجنب: نحو، تأثم أي جانب الإثم. وللعمل: يعني فيدل على أن أصل الفعل حصل مرة بعد مرة نحو: تجرعته، أي شربته جرعة بعد جرعة.
قال ولا دليل في قوله: حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، على التمطر الذي هو من التفعل الدال على التكلف، ودعوى أنه قصد التمطر لا برهان عليها، وليس في الحديث ما يدل لها.
واستدلاله بقوله: لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر لا يساعده لأن لقائل أن يقول: عدم نزوله عن المنبر، إنما كان لئلا يقطع الخطبة. كذا قال فليتأمل.
(قال) أنس (فمطرنا يومنا) ظرف، أي: في يومنا (ذلك، وفي الغد) ولأبوي ذر: والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: ومن الغد (ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو) قال أنس: قام (رجل غيره) ولا منافاة بين تردد أنس هنا وبين قوله في الرواية الأخرى: فأتى الرجل بالألف واللام المفيدة للعهد الذكري إذ ربما نسي، ثم تذكر، أو كان ذاكرًا ثم نسي.
(فقال: يا رسول الله! تهدم البناء وغرق المال) من كثرة المطر (فادع الله لنا) يمسكها عنا. (فرفع رسول الله ﷺ يديه، وقال) بالواو، ولأبي ذر وابن عساكر. وأبي الوقت: فقال:
(اللهم) أي: يا الله أنزل المطر (حوالينا ولا) تنزله (علينا) وفي بعض الروايات: حولنا من غير ألف، وهما بمعنى. وهو في موضع نصب إما على الظرف، وإما على المفعول به.
والمراد بحوالى المدينة: مواضع النبات أو الزرع، لا في نفس المدينة وبيوتها، ولا فيما حوالى المدينة من الطرق، إلا لم تزل بذلك شكواهم جميعًا.
ولم يطلب ﵊ رفع المطر من أصله، بل سأل رفع ضرره، وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق، بحيث لا يتضرر به ساكن ولا ابن سبيل، بل سأل إبقاءه في مواضع الحاجة، لأن
الجبال والصحارى، ما دام المطر فيها، كثرت الفائدة فيها في المستقبل من كثرة المرعى والمياه وغير ذلك من المصالح، وفي هذا دليل على قوّة إدراكه ﵊ للخير على سرعة البديهة.
(قال) أنس: (فما جعل) ﵊ (يشير بيده) ولأبي ذر: فما جعل يشير رسول الله ﷺ بيده (إلى ناحية من السماء إلا تفرجت) بفتح المثناة الفوقية والفاء وتشديد الراء بالجيم، أي: تقطع السحاب، وزال عنها امتثالاً لأمره ﷺ :
وفيه دلالة على عظم معجزته ﵊، وهو: أن سخرت له السحب كلما أشار إليها امتثلت بالإشارة دون كلام (حتى صارت المدينة في مثل الجوبة) بفتح الجيم وسكون الواو وبالموحدة، أي: تقطع السحاب عن المدينة وصار مستديرًا حواليها، وهي خالية منه (حتى سال الوادي- وادي قناة) بفتح القاف والنون الخفيفة، واد من أودية المدينة عليه حرث ومزارع، وأضافه هنا إلى نفسه، أي: جرى فيه الماء من المطر (شهرًا).
وهو من أبعد أمد المطر الذي يصلح الأرض التي هي متوعرة جبلية، لأنه يتمكن في تلك الأيام بطولها الري فيها، لأنها بارتفاع أقطارها لا يثبت الماء عليها فتبقى فيها حرارة، فإذا دام سكب المطر عليها قلت تلك الحرارة وخصبت الأرض.
(قال) أنس: (فلم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود) بفتح الجيم وسكون الواو، أي: بالمطر الكثير.
٢٥ - باب إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا هبت الريح) ماذا يفعل أو يقول.
١٠٣٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ: "كَانَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو: سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم (قال: أخبرنا محمد بن جعفر) المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (حميد) الطويل (أنه سمع أنسًا) ﵁، زاد أبو ذر والوقت، ابن مالك، حال كونه (يقول):
(كانت الريح الشديدة إذا هبت، عُرِف ذلك في وجه النبي ﷺ ¬) أي: ظهر فيه أثر الخوف، مخافة أن يكون في ذلك الريح ضرر. وحذر أن يصيب أمته العقوبة بذنوب
стр. 773
العاصين منهم رأفة ورحمة منه ﵊.
ولمسلم من حديث عائشة: كان النبي، ﷺ إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها.
وخير ما فيها وخير ما أرسلت به. وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به. قالت:
وإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سرّي عنه، فعرفت ذلك
عائشة فسألته، فقال: "لعله يا عائشة كما قال قوم عاد ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
وعصف الريح: اشتداد هبوبها، وريح عاصف: شديدة الهبوب. وتخيل السماء هنا بمعنى: السحاب، وتخيلت إذا ظهر في السحاب أثر المطر. وسرّي عنه، أي: كشف عنه الخوف وأزيل، والتشديد فيه للمبالغة. وعارض: سحاب عرض ليمطر وقوله في حديث الباب: الريح الشديدة، مخرج للخفيفة.
وروى الشافعي: ما هبت الريح إلا جثا النبي، ﷺ ، على ركبتيه، قال: "اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا".
٢٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «نُصِرْتُ بِالصَّبَا»
(باب قول النبي، ﷺ . نصرت بالصبا) بفتح الصاد والموحدة والقصر.
١٠٣٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ».
[الحديث ١٠٣٥ - أطرافه في: ٣٢٠٥، ٣٣٤٣، ٤١٠٥].
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو: ابن إبراهيم (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بفتحتين، هو: ابن عتيبة (عن مجاهد) هو: ابن جبر المفسر (عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ قال:).
(نصرت بالصبا) الريح التي تجيء من قبل ظهرك إذا استقبلت القبلة وأنت بمصر، ويقال لها: القبول، بفتح القاف، لأنها تقابل باب الكعبة إذ مهبها من مشرق الشمس.
وقال ابن الأعرابي: مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. وفي التفسير: أنها التي حملت ريح يوسف إلى يعقوب قبل البشير إليه. فإليها يستريح كل محزون.
ونُصْرَته ﵊ بالصبا كانت يوم الأحزاب، وكانوا زهاء اثني عشر ألفًا حين حاصروا المدينة، فأرسل الله عليهم ريح الصبا باردة، في ليلة شاتية، فسفت التراب في وجوههم، وأطفأت نيرانهم، وقلعت خيامهم، فانهزموا من غير قتال. ومع ذلك فلم يهلك منهم أحد، ولم يستأصلهم، لما علم الله من رأفة نبيه ﵊ بقومه رجاء أن يسلموا.
(وأهلكت) بضم الهمزة وكسر اللام (عاد) قوم هود (بالدبور) بفتح الدال، التي تجيء من قبل وجهك إذا استقبلت القبلة أيضًا، فهي تأتي من دبرها.
وقال ابن الأعرابي: الدبور من مسقط النسر الطائر إلى سهيل، وهي الريح العقيم، وسميت عقيمًا لأنها أهلكتهم، وقطعت دابرهم.
وروى شهر بن حوشب، مما ذكره السمرقندي، عن ابن عباس، قال: ما أنزل الله قطرة من ماء إلا بمثقال، ولا أنزل سفوة من ريح إلا بمكيال، إلا قوم نوح وقوم عاد، فأما قوم نوح طغى على خزانه الماء، فلم يكن لهم عليه سبيل، وعتت الريح يوم عاد على خزانها، فلم يكن لهم عليها سبيل.
وقال غيره: كانت تقلع الشجر، وتهدم البيوت، وترفع الظعينة بين السماء والأرض، حتى ترى كأنها جرادة، وترميهم بالحجارة فتدق أعناقهم.
وعن ابن عباس: دخلوا البيوت وأغلقوها، فجاءت الريح ففتحت الأبواب وسفت عليهم الرمل، فبقوا تحته سبع ليال وثمانية أيام، فكان يسمع أنينهم تحت الرمل.
وبقية مباحث الحديث تأتي، إن شاء الله تعالى، في بدء الخلق.
واستنبط منه ابن بطال تفضيل المخلوقات بعضها على بعض من جهة إضافة النصر للصبا، والإهلاك للدبور. وتعقب بأن كل واحدة منهما أهلكت أعداء الله، ونصرت أنبياءه وأولياءه. اهـ.
وأما الريح التي مهبها من جهة يمين القبلة: فالجنوب، والتي من جهة شمالها: الشمال.
ولكل من الأربعة طبع: فالصبا: حارة يابسة؟ والدبور: باردة رطبة، والجنوب: حارة رطبة والشمال: باردة يابسة، وهي ريح الجنة التي تهب عليهم، رواه مسلم.
٢٧ - باب مَا قِيلَ فِي الزَّلَازِلِ وَالآيَاتِ
(باب ما قيل في الزلازل والآيات).
١٠٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ -وَهْوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ- حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضُ".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت، وابن عساكر: حدّثنا (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال النبي):
(لا تقوم الساعة) أي: القيامة
стр. 774
(حتى يقبض العلم) بموت العلماء وكثرة الجهلاء (وتكثر الزلازل) جمع، زلزلة، وهي حركة الأرض واضطرابها، حتى ربما يسقط البناء القائم عليها (ويتقارب الزمان).
فتكون كما في الترمذي، من حديث أنس مرفوعًا: السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة بالنار. أي: كزمان اتقاد الضرمة. وهي ما توقد به النار أولاً: كالقضب والكبريت، أو يحمل ذلك: على قلة بركة الزمان، وذهاب فائدته، أو: على أن الناس، لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النوازل والشدائد، وشغل قلوبهم بالفتن العظام، لا يدرون كيف تنقضي أيامهم ولياليهم.
فإن قلت: العرب تستعمل قصر الأيام والليالي في المسرات، وطولها في المكاره.
أجيب: بأن المعنى الذي يذهبون إليه في القصر والطول، مفارق للمعنى الذي ذهب إليه هنا، فإن ذلك راجع إلى تمني الإطالة للرخاء، أو إلى تمني القصر للشدة. والذي ذهب إليه ثم راجع إلى زوال الإحساس بما يمر عليهم من الزمان، لشدة ما هم فيه، وذلك أيضًا صحيح.
نعم، حمله الخطابي على زمان المهدي، لوقوع الأمن في الأرض، فيُستَلذّ العيش عند ذلك، لانبساط عدله، فتستقصر مدته، لأنهم يستقصرون مدة أيام الرخاء، وإن طالت. ويستطيلون أيام الشدة، وإن قصرت.
وتعقبه الكرماني: بأنه لا يناسب أخواته من ظهور الفتن، وكثرة الهرج، وغيرهما، قال في الفتح: وإنما احتاج الخطابي إلى تأويله بما ذكر لأنه لم يقع نقص في زمانه، وإلا فالذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا، فإنا نجد من سرعة مر الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا، وإن لم يكن هناك عيش مستلذ.
والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان، وذلك من علامة قرب الساعة.
وحمله بعضهم على تقارب الليل والنهار في عدم ازدياد الساعات، وانتقاصها. بأن يتساويا: طولاً وقصرًا.
قال أهل الهيئة: تنطبق دائرة منطقة البروج على دائرة معدل النهار، فحينئذٍ يلزم تساويهما ضرورة.
(وتظهر الفتن) أي: تكثر وتُشْتَهَر (ويكثر الهرج) بفتح الهاء وإسكان الراء وبالجيم (-وهو القتل القتل-) مرتين، وهو صريح في أن تفسير الهرج مرفوع، ولا يعارض ذلك بمجيئه في رواية أخرى موقوفًا.
وقد سبق الحديث في: كتاب العلم، من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، سمعت أبا هريرة
في آخرة قيل يا رسول الله! وما الهرج؟ فقال: هكذا، بيده، فحرفها كأنه يريد القتل، فيجمع بأنه جمع بين الإشارة والنطق، فحفص بعض الرواة ما لم يحفظ بعض.
(حتى يكثر فيكم المال) لقلة الرجال، وقلة الرغبات، وقصر الآمال للعلم بقرب الساعة (فيفيض) بفتح حرف المضارعة وبالفاء والضاد المعجمة والرفع، خبر مبتدأ محذوف، أي: هو يفيض، ولأبي ذر: فيفيض، بالنصب عطفًا على: يكثر، وهو غاية، لكثرة الهرج، أو: معطوف على: ويكثر، بإسقاط العاطف. كالتحيات المباركات، أي: والمباركات. ويفيض استعارة من: فيض الماء لكثرته، كقوله:
شكوت وما الشكوى لمثلي عادة … ولكن تفيض الكأس عند امتلائها
يقال: فاض الماء يفيض إذا كثر حتى سال على ضفة الوادي، أي: جانبه، وأفاض الرجل إناءه، أي: ملأه حتى فاض. والمعنى: يفيض المال حتى يكثر، فيفضل منه بأيدي مالكيه ما لا حاجة لهم به. وقيل: بل ينتشر في الناس ويعمهم.
١٠٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا. قَالَ: قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا. قَالَ: قَال: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ".
[الحديث ١٠٣٧ - طرفه في: ٧٠٩٤].
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر في نسخة: حدّثني (محمد بن المثنى) العنزي الزمن البصري (قال: حدّثنا حسين بن الحسن) بتصغير الأول مع التنكير، ابن يسار، ضد اليمين، البصري (قال: حدّثنا ابن عون) عبد الله بن أرطبان، بفتح الهمزة، البصري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب أنه (قال اللهم) ولأبي ذر، قال: قال: اللهم أي: يا الله (بارك لنا في شامنا وفي يمننا) كذا بصورة الموقوف على ابن عمر، من قوله: لم يرفعه إلى النبي ﵊، ولابد من ذكره كما نبه عليه القابسي، لأن مثله لا يقال بالرأي.
وقد جاء مصرحًا برفعه في رواية أزهر السمان، ووافقه عليه بعضهم، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى في الفتن.
والمراد: بشامنا
стр. 775
ويمننا: الإقليمان المعروفان، أو: البلاد التي عن: يميننا وشمالنا أعم منهما.
(قال: قالوا) بعض الصحابة. (وفي نجدنا) وهو خلاف الغور، وهو: تهامة، وكل ما ارتفع من بلاد تهامة إلى أرض العراق، (قال: قال) ولأبي ذر: فقال: قال:
اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال: قالوا: وفي نجدنا؟ قال: (هناك الزلازل) ولأبوي ذر. والوقت، وابن عساكر: هنالك، بلام قبل الكاف (و) هناك (الفتن وبها) أي: بنجد (يطلع قرن الشيطان) أي أمته وحزبه.
وإنما ترك الدعاء لأهل المشرق، لأنه علم العاقبة، وأن القدر سبق بوقوع الفتن فيها، والزلازل، ونحوها من العقوبات. والأدب أن لا يدعى بخلاف القدر مع كشف العاقبة، بل يحرم حينئذٍ. والله أعلم.
"تكميل".
ويستحب لكل أحد أن يتضرع بالدعاء عند الزلازل ونحوها، كالصواعق، والريح الشديدة، والخسف وأن يصلّي منفردًا لئلا يكون غافلاً. لأن عمر، ﵁، حث على الصلاة في زلزلة. ولا يستحب فيها الجماعة.
وما روي عن علي: أنه صلّى في زلزلة جماعة، قال النووي: لم يصح. ولو صح قال أصحابنا: محمول على الصلاة منفردًا. قال في الروضة: قال الحليمي: وصفتها عند ابن عباس وعائشة كصلاة الكسوف. ويحتمل أن لا تغير عن المعهود إلا بتوقيف.
قال الزركشي: وبهذا الاحتمال جزم ابن أبي الدم، فقال: تكون كهيئة الصلوات، ولا تصلّى على هيئة الخسوف قولاً واحدًا، ويسن الخروج إلى الصحراء وقت الزلزلة. قاله العبادي. ويقاس بها نحوها، وتقدم ما كان ﵊ يقوله: إذا عصفت الريح قريبًا … والله أعلم.
٢٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾) [الواقعة: ٨٢].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شُكْرَكُمْ.
(باب قول الله تعالى ﴿وتجعلون رزقكم﴾) الرزق بمعنى الشكر في لغة، أو أراد: شكر رزقكم الذي هو المطر، ففيه إضمار (﴿أنكم تكذبون﴾) بمعطيه، وتقولون: مطرنا بنوء كذا، أو تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن تكذيبكم به.
(قال ابن عباس) ﵄: (شكركم) روى منصور بن سعيد بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: وتجعلون شكركم، أنكم تكذبون. ولا يقرأ به لمخالفته السواد.
نعم، روي نحو أثر ابن عباس مرفوعًا من حديث علي عند عبد بن حميد، لكنه يدل على التفسير لا على القراءة، ولفظه ﴿وتجعلون رزقكم﴾ قال: تجعلون شكركم، تقولون: مطرنا بنوء كذا.
١٠٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ
عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ».
وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) هو: ابن أنس، إمام دار الهجرة (عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله) بضم العين في الأول (ابن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني، أنه قال):
(صلّى لنا) أي: لأجلنا وهو من باب المجاز وإلا فالصلاة لله لا لغيره، أو: اللام بمعنى الباء، أي: صلّى بنا (رسول الله، ﷺ ، صلاة الصبح بالحديبية) مخففة الياء كما في الفرع وأصله، وعليه المحققون، مشددة عند الأكثر من المحدثين. سميت بشجرة حدباء كانت بيعة الرضوان تحتها، حال كون صلاته (على إثر سماء) بكسر الهمزة وسكون المثلثة، على المشهور، أي: عقب مطر، وأطلق عليه سماء لكونه ينزل من جهتها، وكل جهة علو تسمى سماء (كانت) أي: السماء (من الليلة) بالإفراد، وللأصيلي، والكشميهني: من الليل (فلما انصرف النبي، ﷺ ¬) من صلاته أو مكانه (أقبل على الناس) بوجهه الكريم (فقال) لهم:
(هل تدرون ماذا قال ربكم)؟ لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التنبيه. وللنسائي: من رواية سفيان، عن صالح: ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟.
(قالوا الله ورسوله أعلم) قال:
(قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) كفر إشراك لمقابلته للإيمان، أو: كفر نعمة بدلالة ما في مسلم: قال الله: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين والإضافة في عبادي للملك لا للتشريف (فأما من قال: مطرنا بفضل الله، ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب) وللحموي، وابن عساكر، وأبي الوقت: مؤمن بي وكافر بالكوكب، (وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا) بفتح النون، وسكون الواو والهمزة، بكوكب كذا، معتقدًا ما كان