← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21715

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط بولاق

القسطلاني

Полный текст (4 743 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

المهملة وتشديد المثناة التحتية، وهو المطر الذي يصوب، أي ينزل ويقع. وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتكثير، فدلّ على أنه نوع من المطر شديد هائل، ولذا تممه بقوله: (نافعًا) صيانة عن الأضرار والفساد. ونحوه قول الشاعر: فسقى ديارك غير مفسدها … صوب الربيع وديمة تهمي لكن نافعًا في الحديث أوقع وأحسن، وأنفع من قوله: غير مفسدها. قال في المصابيح: وهذا، أي قوله: "صيّبًا نافعًا" كالخبر الموطئ في قولك: زيد رجل فاضل، إذ الصفة هي المقصودة بالإخبار بها، ولولا هي لم تحصل الفائدة. هذا إن بنينا على قول ابن عباس: إن الصيب هو: المطر. وإن بنينا على أنه: المطر الكثير، كما نقله الواحدي، فكل من: صيبًا ونافعًا مقصود، والاقتصار عليه محصل للفائدة اهـ. وللمستملي: اللهم صبّا بالموحدة المشددة من غير مثناة من الصب، أي: يا ألله اصببه صبّا نافعًا. (تابعه القاسم بن يحيى) بن عطاء المقدمي الهلالي الواسطي، المتوفى سنة سبع وتسعين ومائة (عن عبيد الله) العمري المذكور، يعني: بإسناده قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على هذه الرواية موصولة. (ورواه) أي الحديث المذكور (الأوزاعي)، عبد الرحمن بن عمرو، وفيما أخرجه النسائي في: عمل يوم وليلة، وأحمد: لكن بلفظ: هنيئًا بدل نافعًا. (و) رواه (عقيل) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد، فيما ذكره الدارقطني، (عن نافع) مولى ابن عمر كذلك، وغاير بين قوله: تابعه، ورواه، لإفادة العموم في الثاني لأن الرواية أعم من أن تكون على سبيل المتابعة أم لا، أو: للتفنن في العبارة. والحديث فيه رازيان، والثلاثة مدنيون. وفه رواية تابعي عن تابعي عن صحابية، والتحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه النسائي في: عمل يوم وليلة، وابن ماجة: في الدعاء. ٢٤ - باب مَنْ تَمَطَّرَ فِي الْمَطَرِ حَتَّى يَتَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ (باب من تمطّر في المطر) بتشديد الطاء كتفعل، أي: تعرض للمطر، وتطلب نزوله عليه (حتى يتحادر) المطر (على لحيته) لأنه حديث عهد بربه كما في مسلم أي: قريب العهد بتكوين ربه، ولم تمسه الأيدي الخاطئة ولم تكدره ملاقاة أرض عبد عليها غير الله تعالى. ولله در القائل: تضوع أرواح نجد من ثيابهم … عند القدوم لقرب العهد بالدار ١٠٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: "أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ. قَالَ: فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ. قَالَ: فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَفِي الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى. فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا. قَالَ: فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلاَّ تَفَرَّجَتْ، حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ، حَتَّى سَالَ الْوَادِي -وَادِي قَنَاةَ- شَهْرًا، قَالَ: فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ". وبالسند قال: (حدّثنا محمد) ولأبوي ذر؟ والوقت، وابن عساكر: محمد بن مقاتل (قال: أخبرنا عبد الله) ولأبي ذر: عبد الله بن المبارك (قال: أخبرنا الأوزاعي) أبو عمرو، عبد الرحمن (قال: حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري) المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (أنس بن مالك) ﵁ (قال): (أصابت الناس سنة) بفتح السين أي: شدة وجهد من الجدب، فاعل مؤخر، (على عهد رسول الله، ﷺ ، فبينا) بغير ميم بعد النون (رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ ، يخطب على المنبر يوم الجمعة، قام أعرابي) من أهل البدو، لا يعرف اسمه (فقال: يا رسول الله! هلك المال) ألفه منقلبة عن واو بدليل ظهورها في الجمع. وإنما جمع وإن كان اسم جنس، لاختلاف أنواعه، وهو: كل ما يتملك وينتفع به. والمراد به هنا: مال خاص، وهو ما يتضرر بعدم المطر من الحيوان والنبات، لكن لا مانع من حمله على عمومه على معنى: أن شدة الغلاء تذهب أموال الناس في شراء ما يقتاتون به، فقد هلكت الأموال. وإن اختلف السبب. (وجاع العيال) لقلة الأقوات أو عدمها بحبس المطر (فادع الله لنا أن يسقينا). (قال) أنس: (فرفع رسول الله ﷺ يديه) أي: حتى رئي بياض إبطيه (وما في السماء قزعة) بفتحات، قطعة من سحاب (قال) أنس: (فثار السحاب) بالمثلثة، وفى نسخة اليونينية: سحاب، أي: هاج (أمثال الجبال) لكثرته (ثم لم ينزل) ﵊ (عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته) المقدسة، وهذا موضع الترجمة، لأن تفعّل، في قوله: تمطر، كما قال في الفتح: الأليق به هنا أن يكون بمعنى مواصلة العمل في مهلة، نحو: تفكّر. وكأن المؤلّف أراد أن يبين أن تحادر المطر على لحيته عليه

стр. 772

الصلاة والسلام، لم يكن اتفاقًا إذ كان يمكنه التوقي منه بثوب ونحوه، كما قاله في المصابيح، أو بنزوله عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته، كما قاله في الفتح، فترك فعل ذلك قصدًا للتمطر. وتعقبه العيني: بأن، يأتي لمعان: للتكلف، كتشجع لأن معناه كلف نفسه الشجاعة، وللاتخاذ: نحو: توسدت التراب، أي اتخذته وسادة. وللتجنب: نحو، تأثم أي جانب الإثم. وللعمل: يعني فيدل على أن أصل الفعل حصل مرة بعد مرة نحو: تجرعته، أي شربته جرعة بعد جرعة. قال ولا دليل في قوله: حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، على التمطر الذي هو من التفعل الدال على التكلف، ودعوى أنه قصد التمطر لا برهان عليها، وليس في الحديث ما يدل لها. واستدلاله بقوله: لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر لا يساعده لأن لقائل أن يقول: عدم نزوله عن المنبر، إنما كان لئلا يقطع الخطبة. كذا قال فليتأمل. (قال) أنس (فمطرنا يومنا) ظرف، أي: في يومنا (ذلك، وفي الغد) ولأبوي ذر: والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: ومن الغد (ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو) قال أنس: قام (رجل غيره) ولا منافاة بين تردد أنس هنا وبين قوله في الرواية الأخرى: فأتى الرجل بالألف واللام المفيدة للعهد الذكري إذ ربما نسي، ثم تذكر، أو كان ذاكرًا ثم نسي. (فقال: يا رسول الله! تهدم البناء وغرق المال) من كثرة المطر (فادع الله لنا) يمسكها عنا. (فرفع رسول الله ﷺ يديه، وقال) بالواو، ولأبي ذر وابن عساكر. وأبي الوقت: فقال: (اللهم) أي: يا الله أنزل المطر (حوالينا ولا) تنزله (علينا) وفي بعض الروايات: حولنا من غير ألف، وهما بمعنى. وهو في موضع نصب إما على الظرف، وإما على المفعول به. والمراد بحوالى المدينة: مواضع النبات أو الزرع، لا في نفس المدينة وبيوتها، ولا فيما حوالى المدينة من الطرق، إلا لم تزل بذلك شكواهم جميعًا. ولم يطلب ﵊ رفع المطر من أصله، بل سأل رفع ضرره، وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق، بحيث لا يتضرر به ساكن ولا ابن سبيل، بل سأل إبقاءه في مواضع الحاجة، لأن الجبال والصحارى، ما دام المطر فيها، كثرت الفائدة فيها في المستقبل من كثرة المرعى والمياه وغير ذلك من المصالح، وفي هذا دليل على قوّة إدراكه ﵊ للخير على سرعة البديهة. (قال) أنس: (فما جعل) ﵊ (يشير بيده) ولأبي ذر: فما جعل يشير رسول الله ﷺ بيده (إلى ناحية من السماء إلا تفرجت) بفتح المثناة الفوقية والفاء وتشديد الراء بالجيم، أي: تقطع السحاب، وزال عنها امتثالاً لأمره ﷺ : وفيه دلالة على عظم معجزته ﵊، وهو: أن سخرت له السحب كلما أشار إليها امتثلت بالإشارة دون كلام (حتى صارت المدينة في مثل الجوبة) بفتح الجيم وسكون الواو وبالموحدة، أي: تقطع السحاب عن المدينة وصار مستديرًا حواليها، وهي خالية منه (حتى سال الوادي- وادي قناة) بفتح القاف والنون الخفيفة، واد من أودية المدينة عليه حرث ومزارع، وأضافه هنا إلى نفسه، أي: جرى فيه الماء من المطر (شهرًا). وهو من أبعد أمد المطر الذي يصلح الأرض التي هي متوعرة جبلية، لأنه يتمكن في تلك الأيام بطولها الري فيها، لأنها بارتفاع أقطارها لا يثبت الماء عليها فتبقى فيها حرارة، فإذا دام سكب المطر عليها قلت تلك الحرارة وخصبت الأرض. (قال) أنس: (فلم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود) بفتح الجيم وسكون الواو، أي: بالمطر الكثير. ٢٥ - باب إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ هذا (باب) بالتنوين (إذا هبت الريح) ماذا يفعل أو يقول. ١٠٣٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ: "كَانَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ ". وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو: سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم (قال: أخبرنا محمد بن جعفر) المدني (قال: أخبرني) بالإفراد (حميد) الطويل (أنه سمع أنسًا) ﵁، زاد أبو ذر والوقت، ابن مالك، حال كونه (يقول): (كانت الريح الشديدة إذا هبت، عُرِف ذلك في وجه النبي ﷺ ¬) أي: ظهر فيه أثر الخوف، مخافة أن يكون في ذلك الريح ضرر. وحذر أن يصيب أمته العقوبة بذنوب

стр. 773

العاصين منهم رأفة ورحمة منه ﵊. ولمسلم من حديث عائشة: كان النبي، ﷺ إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها. وخير ما فيها وخير ما أرسلت به. وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به. قالت: وإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سرّي عنه، فعرفت ذلك عائشة فسألته، فقال: "لعله يا عائشة كما قال قوم عاد ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. وعصف الريح: اشتداد هبوبها، وريح عاصف: شديدة الهبوب. وتخيل السماء هنا بمعنى: السحاب، وتخيلت إذا ظهر في السحاب أثر المطر. وسرّي عنه، أي: كشف عنه الخوف وأزيل، والتشديد فيه للمبالغة. وعارض: سحاب عرض ليمطر وقوله في حديث الباب: الريح الشديدة، مخرج للخفيفة. وروى الشافعي: ما هبت الريح إلا جثا النبي، ﷺ ، على ركبتيه، قال: "اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا". ٢٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «نُصِرْتُ بِالصَّبَا» (باب قول النبي، ﷺ . نصرت بالصبا) بفتح الصاد والموحدة والقصر. ١٠٣٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ». [الحديث ١٠٣٥ - أطرافه في: ٣٢٠٥، ٣٣٤٣، ٤١٠٥]. وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو: ابن إبراهيم (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بفتحتين، هو: ابن عتيبة (عن مجاهد) هو: ابن جبر المفسر (عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ قال:). (نصرت بالصبا) الريح التي تجيء من قبل ظهرك إذا استقبلت القبلة وأنت بمصر، ويقال لها: القبول، بفتح القاف، لأنها تقابل باب الكعبة إذ مهبها من مشرق الشمس. وقال ابن الأعرابي: مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. وفي التفسير: أنها التي حملت ريح يوسف إلى يعقوب قبل البشير إليه. فإليها يستريح كل محزون. ونُصْرَته ﵊ بالصبا كانت يوم الأحزاب، وكانوا زهاء اثني عشر ألفًا حين حاصروا المدينة، فأرسل الله عليهم ريح الصبا باردة، في ليلة شاتية، فسفت التراب في وجوههم، وأطفأت نيرانهم، وقلعت خيامهم، فانهزموا من غير قتال. ومع ذلك فلم يهلك منهم أحد، ولم يستأصلهم، لما علم الله من رأفة نبيه ﵊ بقومه رجاء أن يسلموا. (وأهلكت) بضم الهمزة وكسر اللام (عاد) قوم هود (بالدبور) بفتح الدال، التي تجيء من قبل وجهك إذا استقبلت القبلة أيضًا، فهي تأتي من دبرها. وقال ابن الأعرابي: الدبور من مسقط النسر الطائر إلى سهيل، وهي الريح العقيم، وسميت عقيمًا لأنها أهلكتهم، وقطعت دابرهم. وروى شهر بن حوشب، مما ذكره السمرقندي، عن ابن عباس، قال: ما أنزل الله قطرة من ماء إلا بمثقال، ولا أنزل سفوة من ريح إلا بمكيال، إلا قوم نوح وقوم عاد، فأما قوم نوح طغى على خزانه الماء، فلم يكن لهم عليه سبيل، وعتت الريح يوم عاد على خزانها، فلم يكن لهم عليها سبيل. وقال غيره: كانت تقلع الشجر، وتهدم البيوت، وترفع الظعينة بين السماء والأرض، حتى ترى كأنها جرادة، وترميهم بالحجارة فتدق أعناقهم. وعن ابن عباس: دخلوا البيوت وأغلقوها، فجاءت الريح ففتحت الأبواب وسفت عليهم الرمل، فبقوا تحته سبع ليال وثمانية أيام، فكان يسمع أنينهم تحت الرمل. وبقية مباحث الحديث تأتي، إن شاء الله تعالى، في بدء الخلق. واستنبط منه ابن بطال تفضيل المخلوقات بعضها على بعض من جهة إضافة النصر للصبا، والإهلاك للدبور. وتعقب بأن كل واحدة منهما أهلكت أعداء الله، ونصرت أنبياءه وأولياءه. اهـ. وأما الريح التي مهبها من جهة يمين القبلة: فالجنوب، والتي من جهة شمالها: الشمال. ولكل من الأربعة طبع: فالصبا: حارة يابسة؟ والدبور: باردة رطبة، والجنوب: حارة رطبة والشمال: باردة يابسة، وهي ريح الجنة التي تهب عليهم، رواه مسلم. ٢٧ - باب مَا قِيلَ فِي الزَّلَازِلِ وَالآيَاتِ (باب ما قيل في الزلازل والآيات). ١٠٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ -وَهْوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ- حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضُ". وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت، وابن عساكر: حدّثنا (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال النبي): (لا تقوم الساعة) أي: القيامة

стр. 774

(حتى يقبض العلم) بموت العلماء وكثرة الجهلاء (وتكثر الزلازل) جمع، زلزلة، وهي حركة الأرض واضطرابها، حتى ربما يسقط البناء القائم عليها (ويتقارب الزمان). فتكون كما في الترمذي، من حديث أنس مرفوعًا: السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة بالنار. أي: كزمان اتقاد الضرمة. وهي ما توقد به النار أولاً: كالقضب والكبريت، أو يحمل ذلك: على قلة بركة الزمان، وذهاب فائدته، أو: على أن الناس، لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النوازل والشدائد، وشغل قلوبهم بالفتن العظام، لا يدرون كيف تنقضي أيامهم ولياليهم. فإن قلت: العرب تستعمل قصر الأيام والليالي في المسرات، وطولها في المكاره. أجيب: بأن المعنى الذي يذهبون إليه في القصر والطول، مفارق للمعنى الذي ذهب إليه هنا، فإن ذلك راجع إلى تمني الإطالة للرخاء، أو إلى تمني القصر للشدة. والذي ذهب إليه ثم راجع إلى زوال الإحساس بما يمر عليهم من الزمان، لشدة ما هم فيه، وذلك أيضًا صحيح. نعم، حمله الخطابي على زمان المهدي، لوقوع الأمن في الأرض، فيُستَلذّ العيش عند ذلك، لانبساط عدله، فتستقصر مدته، لأنهم يستقصرون مدة أيام الرخاء، وإن طالت. ويستطيلون أيام الشدة، وإن قصرت. وتعقبه الكرماني: بأنه لا يناسب أخواته من ظهور الفتن، وكثرة الهرج، وغيرهما، قال في الفتح: وإنما احتاج الخطابي إلى تأويله بما ذكر لأنه لم يقع نقص في زمانه، وإلا فالذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا، فإنا نجد من سرعة مر الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا، وإن لم يكن هناك عيش مستلذ. والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان، وذلك من علامة قرب الساعة. وحمله بعضهم على تقارب الليل والنهار في عدم ازدياد الساعات، وانتقاصها. بأن يتساويا: طولاً وقصرًا. قال أهل الهيئة: تنطبق دائرة منطقة البروج على دائرة معدل النهار، فحينئذٍ يلزم تساويهما ضرورة. (وتظهر الفتن) أي: تكثر وتُشْتَهَر (ويكثر الهرج) بفتح الهاء وإسكان الراء وبالجيم (-وهو القتل القتل-) مرتين، وهو صريح في أن تفسير الهرج مرفوع، ولا يعارض ذلك بمجيئه في رواية أخرى موقوفًا. وقد سبق الحديث في: كتاب العلم، من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، سمعت أبا هريرة في آخرة قيل يا رسول الله! وما الهرج؟ فقال: هكذا، بيده، فحرفها كأنه يريد القتل، فيجمع بأنه جمع بين الإشارة والنطق، فحفص بعض الرواة ما لم يحفظ بعض. (حتى يكثر فيكم المال) لقلة الرجال، وقلة الرغبات، وقصر الآمال للعلم بقرب الساعة (فيفيض) بفتح حرف المضارعة وبالفاء والضاد المعجمة والرفع، خبر مبتدأ محذوف، أي: هو يفيض، ولأبي ذر: فيفيض، بالنصب عطفًا على: يكثر، وهو غاية، لكثرة الهرج، أو: معطوف على: ويكثر، بإسقاط العاطف. كالتحيات المباركات، أي: والمباركات. ويفيض استعارة من: فيض الماء لكثرته، كقوله: شكوت وما الشكوى لمثلي عادة … ولكن تفيض الكأس عند امتلائها يقال: فاض الماء يفيض إذا كثر حتى سال على ضفة الوادي، أي: جانبه، وأفاض الرجل إناءه، أي: ملأه حتى فاض. والمعنى: يفيض المال حتى يكثر، فيفضل منه بأيدي مالكيه ما لا حاجة لهم به. وقيل: بل ينتشر في الناس ويعمهم. ١٠٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا. قَالَ: قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا. قَالَ: قَال: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ". [الحديث ١٠٣٧ - طرفه في: ٧٠٩٤]. وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر في نسخة: حدّثني (محمد بن المثنى) العنزي الزمن البصري (قال: حدّثنا حسين بن الحسن) بتصغير الأول مع التنكير، ابن يسار، ضد اليمين، البصري (قال: حدّثنا ابن عون) عبد الله بن أرطبان، بفتح الهمزة، البصري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب أنه (قال اللهم) ولأبي ذر، قال: قال: اللهم أي: يا الله (بارك لنا في شامنا وفي يمننا) كذا بصورة الموقوف على ابن عمر، من قوله: لم يرفعه إلى النبي ﵊، ولابد من ذكره كما نبه عليه القابسي، لأن مثله لا يقال بالرأي. وقد جاء مصرحًا برفعه في رواية أزهر السمان، ووافقه عليه بعضهم، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى في الفتن. والمراد: بشامنا

стр. 775

ويمننا: الإقليمان المعروفان، أو: البلاد التي عن: يميننا وشمالنا أعم منهما. (قال: قالوا) بعض الصحابة. (وفي نجدنا) وهو خلاف الغور، وهو: تهامة، وكل ما ارتفع من بلاد تهامة إلى أرض العراق، (قال: قال) ولأبي ذر: فقال: قال: اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال: قالوا: وفي نجدنا؟ قال: (هناك الزلازل) ولأبوي ذر. والوقت، وابن عساكر: هنالك، بلام قبل الكاف (و) هناك (الفتن وبها) أي: بنجد (يطلع قرن الشيطان) أي أمته وحزبه. وإنما ترك الدعاء لأهل المشرق، لأنه علم العاقبة، وأن القدر سبق بوقوع الفتن فيها، والزلازل، ونحوها من العقوبات. والأدب أن لا يدعى بخلاف القدر مع كشف العاقبة، بل يحرم حينئذٍ. والله أعلم. "تكميل". ويستحب لكل أحد أن يتضرع بالدعاء عند الزلازل ونحوها، كالصواعق، والريح الشديدة، والخسف وأن يصلّي منفردًا لئلا يكون غافلاً. لأن عمر، ﵁، حث على الصلاة في زلزلة. ولا يستحب فيها الجماعة. وما روي عن علي: أنه صلّى في زلزلة جماعة، قال النووي: لم يصح. ولو صح قال أصحابنا: محمول على الصلاة منفردًا. قال في الروضة: قال الحليمي: وصفتها عند ابن عباس وعائشة كصلاة الكسوف. ويحتمل أن لا تغير عن المعهود إلا بتوقيف. قال الزركشي: وبهذا الاحتمال جزم ابن أبي الدم، فقال: تكون كهيئة الصلوات، ولا تصلّى على هيئة الخسوف قولاً واحدًا، ويسن الخروج إلى الصحراء وقت الزلزلة. قاله العبادي. ويقاس بها نحوها، وتقدم ما كان ﵊ يقوله: إذا عصفت الريح قريبًا … والله أعلم. ٢٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾) [الواقعة: ٨٢]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شُكْرَكُمْ. (باب قول الله تعالى ﴿وتجعلون رزقكم﴾) الرزق بمعنى الشكر في لغة، أو أراد: شكر رزقكم الذي هو المطر، ففيه إضمار (﴿أنكم تكذبون﴾) بمعطيه، وتقولون: مطرنا بنوء كذا، أو تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن تكذيبكم به. (قال ابن عباس) ﵄: (شكركم) روى منصور بن سعيد بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: وتجعلون شكركم، أنكم تكذبون. ولا يقرأ به لمخالفته السواد. نعم، روي نحو أثر ابن عباس مرفوعًا من حديث علي عند عبد بن حميد، لكنه يدل على التفسير لا على القراءة، ولفظه ﴿وتجعلون رزقكم﴾ قال: تجعلون شكركم، تقولون: مطرنا بنوء كذا. ١٠٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ». وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) هو: ابن أنس، إمام دار الهجرة (عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله) بضم العين في الأول (ابن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني، أنه قال): (صلّى لنا) أي: لأجلنا وهو من باب المجاز وإلا فالصلاة لله لا لغيره، أو: اللام بمعنى الباء، أي: صلّى بنا (رسول الله، ﷺ ، صلاة الصبح بالحديبية) مخففة الياء كما في الفرع وأصله، وعليه المحققون، مشددة عند الأكثر من المحدثين. سميت بشجرة حدباء كانت بيعة الرضوان تحتها، حال كون صلاته (على إثر سماء) بكسر الهمزة وسكون المثلثة، على المشهور، أي: عقب مطر، وأطلق عليه سماء لكونه ينزل من جهتها، وكل جهة علو تسمى سماء (كانت) أي: السماء (من الليلة) بالإفراد، وللأصيلي، والكشميهني: من الليل (فلما انصرف النبي، ﷺ ¬) من صلاته أو مكانه (أقبل على الناس) بوجهه الكريم (فقال) لهم: (هل تدرون ماذا قال ربكم)؟ لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التنبيه. وللنسائي: من رواية سفيان، عن صالح: ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟. (قالوا الله ورسوله أعلم) قال: (قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) كفر إشراك لمقابلته للإيمان، أو: كفر نعمة بدلالة ما في مسلم: قال الله: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين والإضافة في عبادي للملك لا للتشريف (فأما من قال: مطرنا بفضل الله، ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب) وللحموي، وابن عساكر، وأبي الوقت: مؤمن بي وكافر بالكوكب، (وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا) بفتح النون، وسكون الواو والهمزة، بكوكب كذا، معتقدًا ما كان

стр. 776

عليه بعض أهل الشرك، من إضافة المطر إلى النوء، وأن المطر كان من أجل أن الكوكب ناء أي: سقط وغاب، أو نهض وطلع، وأنه الذي هاجه (فذلك كافر بي) لأن النوء وقت، والوقت مخلوق ولا يملك لنفسه ولا لغيره مشيئًا (مؤمن بالكوكب). ومن قال: مطرنا في وقت كذا فلا يكون كفرًا، قال الإمام الشافعي وغيره: من الكلام أحب إليّ، يعني: حسمًا للمادة، فمن زعم أن المطر يحصل عند سقوط الثريا مثلاً، فإنما هو إعلام للوقت والفصول، فلا محذور فيه، وليس من وقت، ولا زمن إلا وهو معروف بنوع من مرافق العباد يكون فيه دون غيره. وحكي عن أبي هريرة: أنه كان يقول: مطرنا بنوء الله تعالى. وفي رواية: مطرنا بنوء الفتح، ثم يتلو ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]. وقال ابن العربي: أدخل الإمام مالك هذا الحديث في أبواب الاستسقاء، لوجهين: أحدهما: أن العرب كانت تنتظر السقيا في الأنواء، فقطع النبي ﷺ ، هذه العلاقة بين القلوب والكواكب. الوجه الثاني: أن الناس أصابهم القحط في زمن عمر بن الخطاب، ﵁، فقال للعباس، ﵁: كم بقي من أنواء الثريا؟ فقال له العباس: زعموا، يا أمير المؤمنين، أنها تعترض في الأفق سبعًا، فما مرّت حتى نزل المطر. فانظروا إلى عمر، والعباس، وقد ذكر الثريا ونوأها، وتوكفا ذلك في وقتها. ثم قال: إن من انتظر المطر من الأنواء على أنها فاعلة له من دون الله فهو كافر، ومن اعتقد أنها فاعلة بما جعل الله فيها فهو كافر، لأنه لا يصح الخلق، والأمر إلا لله، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. ومن انتظرها وتوكف المطر منها على أنها عادة أجراها الله تعالى، فلا شيء عليه، لأن الله تعالى قد أجرى العوائد في السحاب والرياح والأمطار، لمعان ترتبت في الخلقة، وجاءت على نسق في العادة. اهـ. وقوله: كذا وكذا … هنا، كلمة مركبة من: كاف التشبيه وذا للإشارة، مكنيًا بها عن العدد، وتكون كذلك مكنيًا بها عن غير عدد، كما في الحديث: "إنه يقال للعبد يوم القيامة أتذكر يوم كذا وكذا، فعلت كذا وكذا … ". وتكون أيضًا كلمتين باقيتين على أصلهما من: كاف التشبيه وذا للإشارة، كقوله: رأيت زيدًا فاضلاً، ورأيت عمرًا كذا. وتدخل عليها: هاء التنبيه كقوله تعالى: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢] فهذه الثلاثة الأوجه المعروفة في ذلك. ووجه المطابقة بين الترجمة والحديث من جهة أنهم كانوا ينسبون الأفعال إلى غير الله تعالى، فيظنون أن النجم يمطرهم ويرزقهم، فنهاهم الله تعالى عن نسبة الغيوث التي جعلها الله تعالى حياة لعباده وبلاده إلى الأنواء، وأمرهم أن يضيفوا ذلك إليه لأنه من نعمته عليهم، وأن يفردوه بالشكر على ذلك. ولما كان هذا الباب متضمنًا أن المطر إنما ينزل بقضاء الله وأنه لا تأثير للكوكب في نزوله، وقضية ذلك أنه لا يعلم أحد متى يجيء المطر إلا هو، عقب المصنف ﵀ هذا الباب بقوله. ٢٩ - باب لَا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ إِلاَّ اللَّهُ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ». (باب) بالتنوين (لا يدري) أحد (متى يجيء المطر إلا الله) تعالى. (وقال أبو هريرة) ﵁: (عن النبي، ﷺ ¬) في سؤال جبريل ﵇ إياه عن الإيمان والإسلام: (خمس لا يعلمهن إلا الله). رواه المؤلّف في الإيمان، وتفسير لقمان، لكن بلفظ: في خمس. ١٠٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِفْتَاحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ، وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ». [الحديث ١٠٣٩ - أطرافه في: ٤٦٢٧، ٤٦٩٧، ٤٧٧٨، ٧٣٧٩]. وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (عن عبد الله بن دينار عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب، ﵄ (قال: قال رسول الله) ولأبي الوقت في نسخة، وأبي ذر، وابن عساكر: النبي (¬ ﷺ : مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله) قال الزجاج: فمن ادعى علم شيء منها فقد كفر بالقرآن العظيم. والمفتاح، بكسر الميم وسكون الفاء، وللكشميهني: مفاتح بوزن مساجد. أي: خزائن الغيب، جمع مفتح الميم. وهو المخزن. ويؤيده تفسير السدي فيما رواه الطبري قال: مفاتح الغيب: خزائن الغيب؛ أو المراد: ما يتوصل به إلى المغيبات مستعار من المفاتح الذي هو جمع مفتح، بالكسر، وهو المفتاح. ويؤيده قراءة ابن السميقع ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] والمعنى: إنه الموصل إلى المغيبات، المحيط علمه بها، لا يعلمها إلا هو، فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم، فيظهرها على ما اقتضته حكمته، وتعلقت به مشيئته. والحاصل أن المفتاح يطلق على ما كان

стр. 777

محسوسًا مما يحل غلقًا: كالقفل، وعلى ما كان معنويًّا. وذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى، لأن العدد لا ينفي زائدًا عليه، أو لأن هذه الخمس هي التي كانوا يدعون علمها: (لا يعلم أحد) غيره تعالى (ما يكون في غد)، شامل لعلم وقت قيام الساعة وغيره، وفي رواية سالم عن أبيه، في سورة الأنعام، قال: مفاتيح الغيب خمس ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] … إلى آخر سورة لقمان. (ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام) أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد إلا حين أمره الملك بذاك. (ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدًا) من خير أو شر، وربما تعزم على شيء وتفعل خلافه. (وما تدري نفس بأي أرض تموت) كما لا تدري في أي وقت تموت. روي أن مالك الموت مرّ على سليمان بن داود، عليهما الصلاة والسلام، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، فقال الرجل: من هذا؟ فقال: ملك الموت. فقال: كأنه يريدني، فأمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند، ففعل. ثم أتى ملك الموت سليمان، فسأله عن نظره ذلك، قال: كنت متعجبًا منه إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند في آخر النهار، وهو عندك. (وما يدري أحد متى يجيء المطر) زاد الإسماعيلي: إلا الله، أي: إلا عند أمر الله به، فإنه يعلم حينئذ، وهو يرد على القائل: إن لنزول المطر وقتًا معينًا لا يتخلف عنه. وعبر بالنفس في قوله: "وما تدري نفس بأي أرض تموت". وفي قوله: "ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدًا" وفي الثلاثة الأخرى بلفظ: أحد، لأن النفس هي الكاسبة، وهي التي تموت. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فلو عبر: بأحد، لاحتمل أن يفهم منه: لا يعلم أحد ماذا تكسب نفسه، أو: بأيض أر تموت نفسه، فتفوت المبالغة المقصودة بنفي علم النفس أحوالها، فكيف غيرها؟ وعدل عن لفظ القرآن، وهو: تدري إلى لفظ: تعلم، في ماذا تكسب غدًا لإرادة زيادة المبالغة، إذ نفي العام مستلزم نفي الخاص من غير عكس، فكأنه قال: لا تعلم أصلاً سواء احتالت أم لا. وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في سورة الأنعام، والرعد، ولقمان. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا ثبتت البسملة، هنا في رواية كريمة، وسقطت لغيرها، وهي ثابتة في اليونينية. ١٦ - كتاب الكسوف هو بالكاف: للشمس والقمر، أو بالخاء: للقمر، وبالكاف: للشمس، خلاف يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، حيث عقد المؤلّف له بابًا. والكسوف هو التغير إلى السواد، ومنه: كسف وجهه إذا تغير، والخسوف بالخاء المعجمة: النقصان، قاله الأصمعي. والخسف أيضًا: الذال، والجمهور على أنهما يكونان لذهاب ضوء الشمس والقمر بالكلية، وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء. وقيل بالكاف: لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه. وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون، وبالكاف: لتغيره. وزعم بعض علماء الهيئة أن كسوف الشمس لا حقيقة له، فإنها لا تتغير في نفسها، وإنما القمر يحول بيننا وبينها ونورها باق، وأما كسوف القمر فحقيقة، فإن ضوءه من ضوء الشمس، وكسوفه بحيلولة ظل الأرض بين الشمس وبينه بنقطة التقاطع، فلا يبقى فيه ضوء البتة، فخسوفه ذهاب ضوئه حقيقة. اهـ. وأبطله ابن العربي بأنهم: زعموا أن الشمس أضعاف القمر، وكيف يحجب الأصغر الأكبر إذا قابله. وفي أحكام الطبري في الكسوف فوائد: ظهور التصرف في هذين الخلقين العظيمين، وإزعاج القلوب الغافلة، وإيقاظها، وليرى الناس نموذج القيامة، وكونهما يفعل بهما ذلك ثم يعادان، فيكون تنبيهًا على خوف المكر، ورجاء العفو، والإعلام بأنه قد يؤاخذ من لا ذنب له، فكيف من له ذنب؟. وللمستملي: أبواب الكسوف بدل: كتاب الكسوف. ١ - باب الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ (باب) مشروعية (الصلاة في كسوف الشمس) وهي: سنة مؤكدة لفعله ﷺ ، وأمره، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. والصارف

стр. 778

عن الوجوب ما سبق في العيد، وقول الشافعي في الأم: لا يجوز تركها، حملوه على الكراهة لتأكدها، ليوافق كلامه في مواضع أخر، والمكروه قد يوصف بعدم الجواز من جهة إطلاق الجائز على مستوى الطرفين، وصرح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها، وإليه ذهب بعض الحنفية. واختاره صاحب الأسرار. ١٠٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: "كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ». [الحديث ١٠٤٠ - أطرافه في: ١٠٤٨، ١٠٦٢، ١٠٦٣، ٥٧٨٥]. وبه قال: (حدَّثنا عمرو بن عون) بفتح العين الواسطي (قال: حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله الواسطي (عن يونس) بن عبيد (عن الحسن عن أبي بكرة) نفيع بن الحرث، ﵁، والحسن هو: البصري، كما عند البخاري وشيخه ابن المديني. خلافًا للدارقطني، حيث انتقد على المؤلّف: بأن الحسن البصري إنما يروي عن الأحنف عن أبي بكرة، وتأوّله أنه: الحسن بن علي. وأجيب: بأنه قد وقع التصريح بسماع الحسن البصري من أبي بكرة، في باب: قول النبي ﷺ : "يخوف الله عباده بالكسوف" حيث قال: وتابعه موسى، عن مبارك عن الحسن، قال: أخبرني أبو بكرة. وفي باب: قول النبي ﷺ للحسن بن علي: "ابني هذا سيد" حيث قال فيه: فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ .... ثم قال المؤلّف فيه: قال لي علي بن عبد الله، أي المديني إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث، يعني لتصريحه فيه بالسماع. (قال): (كنا عند رسول الله) ولأبي ذر: عند النبي (¬ ﷺ ، فانكسفت الشمس) بوزن انفعلت، وهو يردّ على القزاز حيث أنكره (فقام النبي) ولأبوي ذر، والوقت: رسول الله (¬ ﷺ ¬) حال كونه (يجرّ رداءه) من غير عجب ولا خيلاء، حاشاه الله من ذلك زاد في اللباس من وجه آخر، عن يونس: مستعجلاً. وللنسائي: من العجلة (حتى دخل المسجد، فدخلنا) معه، (فصلّى بنا ركعتين) زاد النسائي كما تصلون. واستدلّ به الحنفية على أنها كصلاة النافلة، وأيّده صاحب عمدة القاري، منهم، بحديث ابن مسعود عند ابن خزيمة في صحيحه، وابن سمرة عبد الرحمن عند مسلم، والنسائي، وسمرة بن جندب عند أصحاب السنن الأربعة، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند الطحاوي، وصححه الحاكم وغيرهم، وكلهم مصرحة بأنها ركعتان. وحمله ابن حبان والبيهقي، من الشافعية، على أن المعنى: كما كانوا يصلون في الكسوف، لأن أبا بكرة خاطب بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عباس علمهم أنها ركعتان، في كل ركعة ركوعان، كما روى ذلك الشافعي وابن أبي شيبة وغيرهما. ويؤيد ذلك: أن في رواية عبد الوارث عن يونس، الآتية في أواخر الكسوف، أن ذلك وقع يوم مات إبراهيم ابن النبي، ﷺ ، وقد ثبت في حديث جابر عند مسلم مثله، وقال فيه: إن في كل ركعة ركوعين، فدلّ ذلك على اتحاد القصة. وظهر أن رواية أبي بكرة مطلقة. وفي رواية جابر زيادة بيان في صفة الركوع والأخذ بها أولى، ووقع في أكثر الطرق، عن عائشة أيضًا: أن في كل ركعة ركوعين. قاله في فتح الباري؛ وتعقبه العيني بأن حمل ابن حبان والبيهقي على أن المعنى: كما يصلون في الكسوف، بعيد وظاهر الكلام يرده، وبأن حديث أبي بكرة، عن الذي شاهده من صلاة النبي، ﷺ ، وليس فيه خطاب أصلاً، ولئن سلمنا أنه خاطب بذلك من الخارج، فليس معناه كما حمله ابن حبان والبيهقي، لأن المعنى: كما كانت عادتكم فيما إذا صليتم ركعتين بركوعين وأربع سجدات. على ما تقرر من شأن الصلاة. نعم، مقتضى كلام أصحابنا الشافعية كما في المجموع، أنه: لو صلاها كسنة الظهر صحت، وكان تاركًا فضل، أخذًا من حديث قبيصة: أنه ﷺ صلاها بالمدينة ركعتين؟ وحديث النعمان: أنه ﷺ جعل يصلّي ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت، رواهما أبو داود، وغيره، بإسنادين صحيحين. وكأنهم لم ينظروا إلى احتمال أنه صلاها ركعتين بزيادة ركوع في كل ركعة، كما في حديث عائشة وجابر وابن عباس وغيرهم، حملاً للمطلق على المقيد، لأنه خلاف الظاهر، وفيه نظر، فإن الشافعي لما نقل ذلك قال: يحمل المطلق على المقيد، وفد نقله عنه البيهقي في المعرفة، وقال: الأحاديث على بيان الجواز، ثم قال: وذهب

стр. 779

جماعة من أئمة الحديث، منهم ابن المنذر، إلى تصحيح الروايات في عدد الركعات، وحملوها على أنه صلاها مرات، وأن الجميع جائز. والذي ذهب إليه الشافعي ثم البخاري، من ترجيح أخبار الركوعين، بأنها أشهر وأصح، وأولى لما مر من أن الواقعة واحدة. اهـ. لكن، روى ابن حبان في الثقات: أنه، ﷺ ، صلّى لخسوف القمر، فعليه الواقعة متعددة، وجرى عليه السبكي والأذرعي، وسبقهما إلى ذلك النووي في شرح مسلم، فنقل فيه عن ابن المنذر وغيره: أنه يجوز صلاتها على كل واحدة من الأنواع الثابتة، لأنها جرت في أوقات، واختلاف صفاتها محمول على جواز الجميع، قال: وهذا أقوى. اهـ. وقد وقع لبعض الشافعية، كالبندنيجي: أن صلاتها ركعتين كالنافلة لا تجزي. (حتى انجلت الشمس) بالنون بعد همزة الوصل أي صفت وعاد نورها. واستدل به على إطالة الصلاة حتى يقع الانجلاء، ولا تكون الإطالة إلا بتكرار الركعات وعدم قطعها إلى الانجلاء. وزاد ابن خزيمة: فلما كشف عنا خطبنا (فقال النبي ﷺ ¬): (إن الشمس والقمر) آيتان من آيات الله (لا ينكسفان) بالكاف (لموت أحد). قاله ﵊ لما مات ابنه إبراهيم. وقال الناس: إنما كسفت لموته إبطالاً لما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض (فإذا رأيتموهما) بميم بعد الهاء بتثنية الضمير أي: الشمس والقمر، ولأبي الوقت: رأيتموها بالإفراد، أي: الكسفة التي يدل عليها قوله: لا ينكسفان، أو: الآية، لأن الكسفة آية من الآيات، (فصلوا وادعوا) الله (حتى ينكشف ما بكم) غاية للمجموع من الصلاة والدعاء. وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بصريون إلا خالدًا، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: صلاة الكسوف، واللباس والنسائي: في الصلاة، والتفسير. ١٠٤١ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلُّوا». [الحديث ١٠٤١ - طرفاه في: ١٠٥٧، ٣٢٠٤]. وبه قال: (حدّثنا شهاب بن عباد) العبدي الكوفي، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا) ولأبي ذر في نسخة: أخبرنا (إبراهيم بن حميد) الرؤاسي، بضم الراء ثم همزة خفيفة وسين مهملة (عن إسماعيل) بن أبي خالد (عن قيس) هو: ابن أبي حازم (قال: سمعت أبا مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، ﵁، حال كونه (يقول: قال النبي، ﷺ ¬): (إن الشمس والقمر لا ينكسفان) بالكاف بعد النون الساكنة (لموت أحد من الناس) لم يقل في هذه: ولا لحياته، وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ما فيها، (ولكنهما) أي انكسافهما (آيتان) علامتان (من آيات الله) الدالة على وحدانيته، وعظيم قدرته، أو: على تخويف عباده من بأسه وسطوته (فإذا رأيتموهما) كذا، بالتثنية للكشميهني، أي: كسوف كل واحد منهما على انفراده، لاستحالة وقوعهما معًا في وقت واحد عادة، واستدلّ به على مشروعية صلاة كسوف القمر، ولغير الكشميهني، فإذا رأيتموها، بالإفراد، أي: الآية التي يدل عليها قوله آيتان (فقوموا فصلوا). اتفقت الروايات على أنه، ﷺ ، بادر إليها، فلا وقت لها معين إلا رؤية الكسوف في كل وقت من النهار، وبه قال الشافعي وغيره. لأن المقصود إيقاعها قبل الانجلاء. وقد اتفقوا على أنها لا تقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله، فيفوت المقصود. واستثنى الحنفية أوقات الكراهة، وهو مشهور مذهب أحمد. وعن المالكية وقتها من وقت حل النافلة إلى الزوال كالعيدين، فلا تصلّى قبل ذلك لكراهة النافلة حينئذ، نص عليه الباجي، ونحوه في المدوّنة .. ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وأخرجه المؤلّف في الكسوف أيضًا، و: بدء الخلق، ومسلم في: الخسوف، وكذا النسائي وابن ماجة. ١٠٤٢ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا». [الحديث ١٠٤٢ - طرفه في: ٣٢٠١]. وبه قال: (حدّثنا أصبغ) بن الفرج المصري، بالميم (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري، بالميم أيضًا (قال: أخبرني) بالإفراد أيضًا (عمرو) بفتح العين، ابن الحرث المصري أيضًا (عن عبد الرحمن بن القاسم) أنه (حدثه عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵃،

стр. 780

(عن ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄، أنه كان يخبر عن النبي ﷺ ¬). (أن الشمس والقمر لا يخسفان) بالخاء المعجمة مع فتح أوله، على أنه لازم، ويجوز الضم على أنه متعد. لكن نقل الزركشي عن ابن الصلاح أنه حكى منعه، ولم يبين لذلك دليلاً. والذي في اليونينية: فتح التحتية والسين وكسرها، فلينظر. أي: لا يذهب الله نورهما (لموت أحد) من العظماء (ولا لحياته) تتميم للتقسيم، إلا فلم يدع أحد أن الكسوف لحياة أحد، أو ذكر لدفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقد أن لا يكون سببًا للإيجاد، فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم. (ولكنهما) أي: خسوفهما (آيتان من آيات الله) يخوف الله بخسوفهما عباده (فإذا رأيتموهما) بالتثنية، وللكشميهني والأصيلي: فإذا رأيتموها، بالإفراد (فصلوا) ركعتين، في كل ركعة ركوعان أو ركعتين، كسنة الظهر. ورواة هذا الحديث ثلاثة مصريون بالميم، والباقي مدنيون، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا: في بدء الخلق، ومسلم في الصلاة، وكذا النسائي. ١٠٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ». [الحديث ١٠٤٣ - طرفاه في: ١٠٦٠، ٦١٩٩]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي (قال: حدّثنا هاشم بن القاسم) هو أبو النضر الليثي (قال: حدّثنا شيبان أبو معاوية) النحوي (عن زياد بن علاقة) بكسر العين المهملة وتخفيف اللام وبالقاف (عن المغيرة بن شعبة) رضي الله تعالى عنه (قال): (كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، يوم مات) ابنه من مارية القبطية (إبراهيم) بالمدينة في السنة العاشرة من الهجرة، كما عليه جمهور أهل السير، في ربيع الأوّل، أو في رمضان، أو ذي الحجة في عاشر الشهر، وعليه الأكثر. أو: في رابعه أو رابع عشره، ولا يصح شيء منها على قول: ذي الحجة، لأنه قد ثبت أنه ﵊ شهد وفاته من غير خلاف، ولا ريب أنه ﵊ كان إذ ذاك بمكة، في حجة الوداع. لكن قيل: إنه كان في سنة تسع، فإن ثبت، صح ذلك. وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية، وبأنه كان حينئذ بالحديبية، ويجاب بأنه رجع منها في آخر القعدة، فلعلها كانت في أواخر الشهر، وفيه رد على أهل الهيئة، لأنهم يزعمون أنه لا يقع في الأوقات المذكورة. (فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم) بفتح الكاف والسين والفاء (فقال رسول الله، ﷺ ¬): (إن الشمس والقمر لا ينكسفان) بسكون النون بعد المثناة التحتية المفتوحة وكسر السين (لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم) شيئًا من ذلك فحذف المفعول (فصلوا وادعوا الله) تعالى. وإنما ابتدأ المؤلّف بالأحاديث المطلقة في الصلاة بغير تقييد بصفة إشارة منه إلى أن ذلك يعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل، والله أعلم. ورواة هذا الحديث ما بين بخاري وخراساني وبغدادي وبصري وكوفي، وفيه: التحديث بالعنعنة والقول، وشيخ المؤلّف من أفراده، وأخرجه أيضًا في: الأدب، ومسلم: في: الصلاة. ٢ - باب الصَّدَقَةِ فِي الْكُسُوفِ (باب الصدقة في) حالة (الكسوف). ١٠٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ -وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ- ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا. ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا". [الحديث ١٠٤٤ - أطرافه في: ١٠٤٦، ١٠٤٧، ١٠٥٠، ١٠٥٦، ١٠٥٨، ١٠٦٤، ١٠٦٥، ١٠٦٦، ١٢١٢، ٣٢٠٣، ٤٦٢٤، ٥٢٢١، ٦٦٣١]. - وبه قال (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي (عن مالك) هو: ابن أنس، إمام دار الهجرة (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (أنها قالت): (خسفت الشمس) بفتح الخاء وتالييها (في عهد رسول الله) أي: زمنه (¬ ﷺ ¬) يوم مات ابنه إبراهيم (فصلّى رسول الله، ﷺ ، بالناس) صلاة الخسوف (فقام فأطال القيام) لطول القراءة فيه، وفي رواية ابن شهاب الآتية، قريبًا إن شاء الله تعالى: فاقترأ قراءة طويلة (ثم ركع فأطال الركوع) بالتسبيح، وقدروه بمائة آية من البقرة (ثم قام) من الركوع (فأطال القيام، وهو دون القيام الأول) الذي ركع منه (ثم ركع) ثانيًا (فأطال الركوع) بالتسبيح أيضًا (وهو دون الركوع الأول) وقدروه بثمانين آية (ثم سجد فأطال السجود) كالركوع (ثم فعل) ﵊ (في الركعة الثانية) ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر: في الركعة الأخرى (مثل ما فعل في الأولى) من إطالة الركوع، لكنهم قدروه في الثالث بسبعين آية، بتقديم

стр. 781

السين على الموحدة، وفي الرابع: بخمسين تقريبًا في كلها ثبوت التطويل من الشارع بلا تقدير. لكن قال الفاكهاني: إن في بعض الروايات تقدير القيام الأول بنحو سورة: البقرة، والثاني بنحو سورة: آل عمران، والثالث بنحو: سورة النساء، والرابع بنحو: سورة المائدة. واستشكل تقدير الثالث: بالنساء، مع كون المختار أن يكون القيام الثالث أقصر من القيام الثاني، والنساء أطول من آل عمران. ولكن الحديث الذي ذكره غير معروف، إنما هو من قول الفقهاء. نعم، قالوا: يطول القيام الأول نحوًا من سورة البقرة، لحديث ابن عباس الآتي في باب صلاة الكسوف جماعة، وإن الثاني دونه، وإن القيام الأول من الركعة الثانية نحو القيام الأول. وكذا الباقي. نعم، في الدارقطني، من حديت عائشة أنه قرأ في الأول: بالعنكبوت والروم، وفي الثاني: بيس. (ثم انصرف) ﵊ من الصلاة (وقد انجلت الشمس) بنون بعد ألف الوصل، أي: صفت وعاد نورها، ولأبي ذر: تجلت، بالمثناة الفوقية وتشديد اللام (فخطب الناس) خطبتين كالجمعة (فحمد الله وأثنى عليه) زاد النسائي، من حديث سمرة: وشهد أنه عبد الله ورسوله، (ثم قال): (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله. لا ينخسفان) بنون ساكنة بعد المثناة التحتية وبالخاء مع كسر السين، ولأبوي ذر، والوقت، وابن عساكر: لا يخسفان، بإسقاط النون (لموت أحد) من الناس (ولا لحياته) وإنما يخوف الله بكسوفهما عباده (فإذا رأيتم ذلك) الكسوف في أحدهما (فادعوا الله) وللحموي، والمستملي: فاذكروا الله بدل رواية الكشميهني: فادعو الله (وكبروا وصلوا) كما مر (وتصدقوا) وهذا موضع الترجمة. (ثم قال) ﵊: (يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته) برفع أغير، صفة لأحد، باعتبار المحل، والخبر محذوف منصوب أي موجودًا على أن: ما، حجازية، أو يكون: أحد مبتدأ، أو: أغير، خبره. على أن: ما، تميمية. ويجوز نصب: أغير، على أنها خبر: ما، الحجازية. ومن زائدة للتأكيد، وأن يكون مجرورًا بالفتحة على الصفة للمجرور باعتبار اللفظ، والخبر المحذوف مرفوع على أن: ما، تميمية. وقوله: "أن يزني" متعلق "بأغير" وحذف من قبل: أن، قياس مستمر. واستشكل نسبة الغيرة إلى الله لكونها ليست من الصفات اللائقة به تعالى، إذ، هي: هيجان الغضب بسبب هتك من يذب عنه، والله تعالى منزه عن كل تغيير. وأجيب: تأويله بلازم الغيرة، وهو المنع. وزيادة الغيرة معناها زيادة المنع، والزيادة هنا حقيقة، لأن صفات الأفعال حادثة عندنا، تقبل التفاوت، أو يؤول بإرادة الانتقام، ليكون من صفات الذات. أو التفضيل هنا مجازي، لأن القديم لا يتفاوت إلا أن يراد باعتبار المتعلق. وتأوله ابن فورك على الزجر والتحريم، وابن دقيق العيد: على شدّة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة، ومجاز الملازمة يحتمل كلاًّ من التأويلين، لأن ذلك، إما من إطلاق اللازم على الملزوم، أو الملزوم على اللازم. على كل حال فاستعمل هذا اللفظ جاريًا على ما ألف من كلام العرب. قال الطيبي: ووجه اتصال هذا المعنى بما تقدم من قوله فاذكروا الله … الخ، هو أنه ﷺ ، لما خوّف أمته من الكسوفين، وحرضهم على الفزع والالتجاء إلى الله تعالى بالتكبير والدعاء، والصلاة والصدقة، أراد أن يردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب حدوث البلاء، وخص منها الزنا لأنه أعظمها. والنفس إليه أميل، وخص العبد والأمة بالذكر، رعاية لحسن الأدب. ثم كرر الندبة فقال: (يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم) من عظمة الله وعظيم انتقامه من أهل الجرائم، وشدة عقابه، وأهوال القيامة وما بعدها (لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا)، لتفكركم فيما علمتموه: والقلة هنا بمعنى العدم، كما في قوله: قليل التشكي. أي عديمه وقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] أي غير منقطع. واستدلّ بهذا الحديث على أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كل ركعة. وقد وافق عائشة على رواية ذلك، عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر، كما مر

стр. 782

في صفة الصلاة، وعن جابر عند مسلم، وعن علي عند أحمد، وعن أبي هريرة عند النسائي، وعن ابن عمر عند البزار، وعن أم سفيان عند الطبراني، وفي رواياتهم زيادة رواها الحفاظ الثقات فالأخذ بها أولى من إلغائها. وقد وردت الزيادة في ذلك من طرق أخرى، فعند مسلم، من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر: أن في كل ركعة ثلاث ركوعات. وعنده من وجه آخر، عن ابن عباس: أن في كل ركعة أربع ركوعات، ولأبي داود من حديث أبي بن كعب، والبزار من حديث علي: أن في كل ركعة خمس ركوعات. ولا يخلو إسناد منها عن علة: ونقل ابن القيم عن الشافعي، وأحمد والبخاري: أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطًا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح. قاله في فتح الباري. ٣ - باب النِّدَاءِ بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فِي الْكُسُوفِ (باب النداء بالصلاة جامعة في الكسوف) بنصب: الصلاة جامعة، على الحكاية فيهما، أي: بهذا اللفظ. وحروف الجر لا يظهر عملها في باب الحكاية، ومعمولها محذوف، تقديره: باب النداء بقوله: الصلاة جامعة. ونصب الصلاة في الأصل على الإغراء، وجامعة على الحال. ويجوز رفع الصلاة على الابتداء، وجامعة على الخبر، أي: الصلاة تجمع الناس في المسجد الجامع. ويجوز أن تكون الصلاة ذات جماعة، أي: تصلّى جماعة لا منفردة، كسنن الرواتب فالإسناد مجازي: كنهر جار، وطريق سائر. ١٠٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمِ بْنِ أَبِي سَلاَّمٍ الْحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ". [الحديث ١٠٤٥ - طرفه في: ١٠٥١]. وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبوي ذر، والوقت: حدّثني (إسحاق) غير منسوب، فقال الجياني: هو ابن منصور الكوسج، وقال أبو نعيم: هو ابن راهويه (قال أخبرنا يحيى بن صالح) الوحاظي، بضم الواو، والحاء المهملة نسبة إلى: وحاظ، بطن من حمير، وهو حمصي من شيوخ البخاري، وربما أخرج عنه بالواسطة كما هنا (قال: حدّثنا معاوية بن سلام بن أبي سلام) بفتح السين وتشديد اللام فيهما (الحبشي) بفتح الحاء المهملة والموحدة وكسر الشين المعجمة، نسبة إلى بلاد الحبشة، أو: حي من حمير، ونسب إلى الأصيلي ضبطها هنا: بضم الحاء وسكون الموحدة كعجم: بفتحتين، وعجم: بضم العين وسكون الجيم. قال الحافظ ابن حجر: وهو وهم، (الدمشقي، قال: أخبرنا يحيي بن أبي كثير) بالمثلثة (قال أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، عن عبد الله بن عمرو) هو: ابن العاصي (¬﵄، قال: لما كسفت الشمس) بفتح الكاف والسين (على عهد رسول الله، ﷺ ، نودي) بضم أوله مبنيًا للمفعول، وفي الصحيحين من حديث عائشة: أن النبي ﷺ بعث مناديًا فنادى (إن الصلاة جامعة) بفتح الهمزة وتخفيف النون، وهي المفسرة. وفي رواية: إن الصلاة، بكسر الهمزة وتشديد النون والخبر محذوف تقديره: إن الصلاة ذات جماعة حاضرة، ويروى: برفع جامعة، على أنه الخبر، وهو الذي في الفرع وأصله، وللكشميهني: نودي بالصلاة جامعة، وفيه ما تقدم في لفظ الترجمة، وجوز بعضهم في الصلاة جامعة النصب فيهما، والرفع فيهما، ورفع الأول ونصب الثاني، والعكس. وظاهر الحديث أنس ذلك كان قبل اجتماع الناس، وليس فيه: أنه بعد اجتماعهم نودي بالصلاة جامعة، حتى يكون ذلك بمنزلة الإقامة التي يعقبها الفرض. ومن ثم لم يعول في الاستدلال على أنه لا يؤذن لها، وأنه يقال فيها: الصلاة جامعة، إلا على ما أرسله الزهري. قال في الأم: ولا أذان لكسوف، ولا لعيد، ولا لصلاة غير مكتوبة. وإن أمر الإمام من يفتتح الصلاة جامعة، أحببت ذلك له، فإن الزهري يقول: كان النبي ﷺ يأمر المؤذن في صلاة العيدين أن يقول: الصلاة جامعة. وفي حديث الباب رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، والتحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالإفراد والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: الكسوف: ومسلم في: الصلاة، وكذا النسائي. ٤ - باب خُطْبَةِ الإِمَامِ فِي الْكُسُوفِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ . (باب خطبة الإمام في الكسوف). (وقالت عائشة وأسماء) بنتا أبي بكر الصديق، ﵃: (خطب النبي، ﷺ ¬)، في الكسوف. وحديث عائشة سبق موصولاً في باب: الصدقة في الكسوف، وحديث أسماء يأتي،

стр. 783

إن شاء الله تعالى بعد أحد عشر بابًا. ١٠٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ح. وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: "خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَكَبَّرَ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ. ثُمَّ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ". وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: إِنَّ أَخَاكَ يَوْمَ خَسَفَتْ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ، قَالَ: أَجَلْ، لأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو: يحيى بن عبد الله بن بكير، بضم الموحدة وفتح الكاف، المصري. وللأصيلي: حدّثنا ابن بكير (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد المصري (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف، الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري. (ح) للتحويل. (وحدّثني) بالإفراد (أحمد بن صالح) أبو جعفر البصري، عرف بابن الطبراني (قال: حدّثني عنبسة) بفتح العين والموحدة بينهما نون ساكنة والسين مهملة، ابن خالد بن يزيد الأيلي (قال: حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (قال: حدّثني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (عن عائشة زوج النبى، ﷺ ، قالت): (خسفت الشمس) بفتح الخاء والسين (في حياة النبي، ﷺ ، فخرج) من الحجرة (إلى المسجد) لا الصحراء لخوف الفوت بالانجلاء، والمبادرة إلى الصلاة مشروعة (فصف) بالفاء، ولابن عساكر: وصف (الناس وراءه) برفع الناس، فاعل: صف (فكبر) تكبيرة الإحرام (فاقترأ) بالفاء فيهما (رسول الله، ﷺ ، قراءة طويلة) في قيامه نحوًا من سورة البقرة بعد الفاتحة، والتعوذ، ولأبي داود: قالت: فقام فحزرت قراءته، فرأيت أنه قرأ سورة البقرة (ثم كبر، فركع ركوعًا طويلاً) مسبحًا فيه قدر مائة آية من البقرة (ثم قال): (سمع الله لمن حمده) ربنا ولك الحمد. (فقام) من الركوع (ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة) في قيامه (هي أدنى من القراءة الأولى) نحوًا من سورة: آل عمران بعد قراءة الفاتحة والتعوذ، ولأبي داود: قالت فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران (ثم كبر، وركع ركوعًا طويلاً وهو) بالواو، ولأبي ذر في نسخة، وأبي الوقت: بإسقاطها (أدنى من الركوع الأول) مسبحًا فيه قدر ثمانين آية (ثم قال): (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) كذا ثبتت: ربنا ولك الحمد، هنا دون الأولى. ولأبي داود: فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبر، فركع ركوعًا طويلاً، ثم رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة، هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر، فركع ركوعًا طويلاً، هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد … الحديث (ثم سجد) مسبحًا قدر مائة آية (ثم قال) أي: فعل (في الركعة الآخرة) بمد الهمزة من غير ياء بعد الخاء (مثل ذلك) أي: مثل ما فعل في الركعة الأولى. لكن القراءة في أولهما: كالنساء، وفي ثانيهما: كالمائدة. وهذا نص الشافعي في البويطي. قال السبكي: وقد ثبت بالإخبار تقدير القيام الأول بنحو البقرة، وتطويله على الثاني والثالث، ثم الثالث على الرابع. وأما نقص الثالث عن الثاني، أو زيادته عليه فلم يرد فيه شيء فيما أعلم، فلأجله لا يعد في ذكر سورة النساء فيه وآل عمران في الثاني. نعم، إذا قلنا بزيادة ركوع ثالث فيكون أقصر من الثاني كما ورد في الخبر. اهـ. والتسبيح في أولها قدر سبعين، والرابع خمسين. قال الأذرعي: وظاهر كلامهم استحباب هذه الإطالة، وإن لم يرض بها المأمومون، وقد يفرق بينهما وبين المكتوبة بالندرة، أو: أن يقال: لا يطيل بغير رضا المحصورين، لعموم حديث: "إذا صلّى أحدكم بالناس فليخفف". وتحمل إطالته ﷺ على أنه علم رضا أصحابه، أو أن ذلك مغتفر لبيان تعليم الأكمل بالفعل. (فاستكمل) ﵊ (أربع ركعات في) ركعتين و (أربع سجدات) وسمي الزائد ركوعًا باعتبار المعنى اللغوي، وإن كانت الركعة الشرعية إنما هي الكاملة: قيامًا وركوعًا وسجودًا. (وانجلت الشمس) بنون قبل الجيم، أي: صفت (قبل أن ينصرف) من صلاته. (ثم قام) أي خطيبًا (فأثنى على الله بما هو أهله) وهذا موضع الترجمة. ولم يقع التصريح في هذا الحديث بالخطبة. نعم، صرح بها في حديث عائشة من رواية هشام المعلق هنا، الموصول قبل بباب، وأورد المؤلّف حديثها هذا من طريق ابن شهاب ليبين أن الحديث واحد، وأن الثناء المذكور في طريق ابن شهاب هذه كان في الخطبة: واختلف فيها فيه. فقال الشافعي: يستحب أن يخطب لها بعد الصلاة

стр. 784

وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحد ذلك؟ وقال الحنفية والمالكية: لا خطبة فيها، وعلله صاحب الهداية من الحنفية: بأنه لم ينقل. وأجيب: بأن الأحاديث ثابتة فيه، وهي ذات كثرة على ما لا يخفى. وعلله بعضهم بأن خطبته ﵊، إنما كانت للرد عليهم في قولهم: إن ذلك لموت إبراهيم، فعرفهم أن ذلك لا يكون لموت أحد ولا لحياته. وعورض بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها من: الحمد، والثناء، والموعظة، وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع. والخصائص لا تثبت إلا بدليل، والمستحب أن تكون خطبتين كالجمعة في الأركان، فلا تجزئ واحدة. (ثم قال) ﵊ في الخطبة: (هما) أي كسوف الشمس والقمر (آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها) أي: كسوف الشمس والقمر، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: رأيتموها، بالإفراد، أي: الكسفة (فافزعوا) بفتح الزاي، أي التجئوا وتوجهوا (إلى الصلاة) المعهودة الخاصة، السابق فعلها منه ﵊، قبل الخطبة، لأنها ساعة خوف. ورواة هذا الحديث كلهم: مصريون بالميم، إلا الزهري، وعروة: فمدنيان، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في: الصلاة، ومسلم: في الكسوف، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجة. قال الزهري، عطفًا على قوله: حدّثني عروة (وكان يحدث كثير بن عباس) بن عبد المطلب الهاشمي، أبو تمام، صحابي صغير، وهو بالمثلثة والرفع: اسم كان، وخبرها يحدث مقدمًا، أي: وكان كثير يحدث (أن) أخاه لأبيه (عبد الله بن عباس، ﵄، كان يحدث يوم خسفت الشمس) بفتح الخاء والسين (بمثل حديث عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ في مسلم، عن عروة، عنها أنه ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلّى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات. قال الزهري: وأخبرني كثير بن عباس، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ أنه صلّى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات … الحديث. قال الزهري (فقلت لعروة) بن الزبير بن العوام الفقيه التابعي، المتوفى سنة أربع وتسعين ومائة: (إن أخاك) أي عبد الله بن الزير بن العوام الصحابي، ﵁، (يوم خسفت الشمس بالمدينة) بفتح الخاء والسين (لم يزد على) صلاة (ركعتين مثل) صلاة (الصبح) في العدد والهيئة. (قال) عروة: (أجل) يعني: نعم، صلّى كذلك (لأنه أخطأ السنة) ولأبي الوقت من غير اليونينية: إنه أخطأ السنة، أي: جاوزها سهوًا، أو عمدًا بأن أدى اجتهاده إلى ذلك، لأن السنة أن يصلّي في كل ركعة ركوعان. نعم، ما فعله عبد الله يتأدى به أصل السنة، وإن كان فيه تقصير بالنسبة إلى كمال السنة. فإن قلت: الأولى الأخذ بفعل عبد الله لكونه صحابيًا، لا بقول أخيه عروة التابعي. أجيب: بأن قول عروة: السنة كذا، وإن قلنا إنه مرسل على الصحيح. لكن قد ذكر عروة مستنده في ذلك، وهو خبر عائشة المرفوع، فانتفى عنه احتمال كونه موقوفًا أو منقطعًا. فترجح المرفوع على الموقوف، فلذلك حكم على صنيع أخيه بالخطأ بالنسبة إلى الكمال. والله أعلم. ٥ - باب هَلْ يَقُولُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوْ خَسَفَتْ؟ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] هذا (باب) بالتنوين (هل يقول) القائل (كسفت الشمس) بالكاف (أو) يقول (خسفت) بالخاء المعجمة. زاد ابن عساكر فقال: أو خسفت الشمس. قيل أورده ردًا على المانع من إطلاقه بالكاف على الشمس. رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح موقوف عن عروة من طريق الزهري بلفظ: لا تقولوا: كسفت الشمس، ولكن قولوا: خسفت. والأصح أن الكسوف والخسوف المضافين للشمس والقمر بمعنى يقال: كسفت الشمس والقمر، وخسفتا بفتح الكاف والخاء مبنيًّا للفاعل، و: كسفًا وخسفًا: بضمهما مبنيًّا للمفعول وانكسفا وانخسفا، انفعل، ومعنى المادتين واحد، أو يختص ما بالكاف بالشمس، وما بالخاء بالقمر. وهو المشهور على ألسنة الفقهاء. واختاره ثعلب، وادعى الجوهري أفصحيته، ونقل عياض عكسه، وعورض بقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ويدل

стр. 785

للقول الأول إطلاق اللفظين في المحل الواحد في الأحاديث. قال الحافظ عبد العظيم المنذري، ومن قبله القاضي أبو بكر بن العربي: حديث الكسوف رواه عن النبي ﷺ سبعة عشر نفسًا، رواه جماعة منهم بالكاف، وجماعة بالخاء. وجماعة باللفظين جميعًا. اهـ. ولا ريب أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف، لأن الكسوف، بالكاف: التغير إلى سواد، والخسوف، بالخاء النقص والذل. كما مر. في أول كتاب الكسوف. فإذا قيل في الشمس: كسفت أو خسفت، لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ ذلك، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان. (وقال الله تعالى) في سورة القيامة (﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾) [القيامة: ٨] في إيراده لها إشعار باختصاص القمر بخسف الذي بالخاء، واختصاصها بالذي بالكاف كما اشتهر عند الفقهاء، أو أنه يجوز الخاء في الشمس كالقمر لاشتراكهما في التغير الحاصل لكل منهما. ١٠٤٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ فَكَبَّرَ فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. وَقَامَ كَمَا هُوَ، ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وَهْيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْيَ أَدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلاً، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَلَّمَ -وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ- فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ: إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ". وبالسند قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) هو: سعيد بن كثير، بالمثلثة، ابن عفير، بضم العين وفتح الفاء، الأنصاري البصري (قال: حدّثنا الليث) بن سعد (قال: حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين، المصري (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوام، التابعي (أن عائشة) ﵂ (زوج النبي، ﷺ ، أخبرته). (أن رسول الله) وللأصيلي: أن النبي (¬ ﷺ ، صلّى يوم خسفت الشمس) بالخاء المفتوحة (فقام فكبر) للإحرام (فقرأ) بعد الفاتحة (قراءة طويلة، ثم ركع) بعد أن كبر، (ركوعًا طويلاً، ثم رفع رأسه) من الركوع (فقال): (سمع الله لمن حمده) ربنا لك الحمد (وقام) بالواو ولأبي ذر في نسخة: فقام (كما هو، ثم قرأ قراءة طويلة، وهي أدنى من القراءة الأولى، ثم ركع) ثانيًا (ركوعًا طويلاً وهي) أي: الركعة (أدنى من الركعة الأولى، ثم سجد سجودًا طويلاً، ثم فعل في الركعة الآخرة) بمد الهمزة بغير ياء قبل الراء (مثل ذلك) من طول القراءة وزيادة الركوع بعد، لكنه أدنى قراءة وركوعًا من الأولى، والرابعة أدنى من الثالثة. فيستحب أن يقرأ في الأربعة السور الأربعة الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة. ويسبح في الركوع الأول والسجود، في كل منهما، قدر مائة آية من البقرة، وفي الثاني قدر ثمانين، وفي الثالث قدر سبعين، وفي الرابع قدر خمسين تقريبًا كما مر. ولا يطيل في غير ذلك من الاعتدال بعد الركوع الثاني، والتشهد والجلوس بين السجدتين. لكن قال في الروضة، بعد نقله عن قطع الرافعي وغيره: إنه لا يطيل الجلوس. وقد صح في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي ﷺ سجد، فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك. ومقتضاه كما قال في شرح المهذّب: استحباب إطالته، واختاره في الأذكار. (ثم سلم -وقد تجلت الشمس-) بالمثناة الفوقية وتشديد اللام (فخطب الناس، فقال في كسوف الشمس والقمر) بالكاف: (إنهما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته) بفتح المثناة التحتية وكسر السين بينهما خاء معجمة. وهذا موضع الترجمة، لأنه استعمل كل واحد من الكسوف والخسوف في كل واحد من القمرين. وقول ابن المنير، متعقبًا المصنف في استدلاله بقوله: يخسفان، على جواز إطلاق ذلك على كل من الشمس والقمر، حيث قال: أما الاستشهاد على الجواز في حال الانفراد بالإطلاق في التثنية فغير متجه، لأن التثنية باب تغليب، فلعله غلب أحد الفعلين كما غلب أحد الاسمين. تعقبه صاحب مصابيح الجامع: بأن التغليب مجاز، فدعواه على خلاف الأصل، فالاستدلال بالحديث متأت، وقوله: كما غلب أحد الاسمين إن أراد في هذا الحديث الخاص، فممنوع. وإن أراد فيما هو خارج: كالقمرين، فلا يفيده بل ولو كان في هذا الحديث ما يقتضي تغليب أحد الاسمين لم يلزم منه تغليب أحد الفعلين. اهـ. (فإذا رأيتموهما) بضمير التثنية، ولأبي ذر في نسخة: فإذا رأيتموها، بالإفراد (فافزعوا إلى الصلاة) بفتح الزاي، وبالعين

стр. 786

المهملة، أي: توجهوا إليها. واستنبط منه: أن الجماعة ليست شرطًا في صحتها لأن فيه إشعار بالمبادرة إلى الصلاة والمسارعة إليها، وانتظار الجماعة قد يؤدي إلى فواتها أو إلى إخلاء بعض الوقت من الصلاة. نعم، يستحب لها الجماعة. وفي قوله: ثم سجد سجودًا طويلاً، الرد على من زعم أنه يسن تطويل السجود في الكسوف: ويأتي البحث فيه حيث ذكره المؤلّف في باب مفرد. ٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْكُسُوفِ» قَالَهُ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (باب قول النبي، ﷺ : (يخوف الله عباده بالكسوف قاله أبو موسى) كذا للأربعة، ولغيرهم: وقال أبو موسى (عن النبي ﷺ ¬) فيما وصله المؤلّف، بعد ثمانية أبواب. ١٠٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ». وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَارِثِ وَشُعْبَةُ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ: «يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ». وَتَابَعَهُ أشعثُ عن الحسنِ. وَتَابَعَهُ مُوسَى عَنْ مُبَارَكٍ عَنِ الْحَسَنِ. قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ». وبه قال (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي البغلاني، وسقط: ابن سعيد، لأبي ذر في نسخة، ولأبي الوقت، وابن عساكر، والأصيلي: (قال: حدّثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي الجهضمي البصري (عن يونس) بن عبيد (عن الحسن) البصري (عن أبي بكرة) نفيع بن الحرث، ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) لما كسفت الشمس، وقالوا: إنما كسفت لموت إبراهيم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) أي: كسوفهما، لأن التخويف إنما هو بخسوفهما، لا بذاتهما، وإن كان كل شيء من خلقه آية من آياته. ولذا قال الشافعي، فيما رأيته في سنن البيهقي، في قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧] الآية وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] مع ما ذكر الله من الآيات في كتابه، ذكر الله الآيات ولم يذكر معها سجودًا إلا مع الشمس والقمر، فأمر بأن لا يسجد لهما. وأمر بأن يسجد له، فاحتمل أمره أن يسجد له عند ذكر حادث في الشمس والقمر. واحتمل أن يكون إنما نهى عن السجود لهما، كما نهى عن عبادة ما سواه، فدلّ رسول الله ﷺ على: أن يصلّى لله عند كسوفهما، ولا يفعل ذلك في شيء من الآيات غيرهما .. اهـ. (لا ينكسفان لموت أحد) إذ هما خلقان مسخران، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما، وزاد أبو ذر هنا: ولا لحياته. بلام قبل الحاء، وله في أخرى: ولا حياته بحذفها (ولكن الله تعالى يخوف بها) أي بالكسفة، وللأصيلي، وابن عساكر: بهما (عباده) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ولكن يخوف الله بهما عباده. ولأبي ذر عن الكشميهني: ولكن الله يخوّف بها عباده. فالكسوف من آياته تعالى المخوّفة. أما إنه آية من آيات الله فلأن الخلق عاجزون عن ذلك، وأما إنه من الآيات المخوفة فلأن تبديل النور بالظلمة تخويف، والله تعالى إنما يخوف عباده ليتركوا المعاصي، ويرجعوا لطاعته التي بها فوزهم، وأفضل الطاعات بعد الإيمان الصلاة. وفيه رد على أهل الهيئة حيث قالوا: إن الكسوف أمر عادي لا تأخير فيه ولا تقديم. لأنه لو كان كما زعموا لم يكن فيه تخويف ولا فزع، ولم يكن للأمر بالصلاة والصدقة معنى: ولئن سلمنا ذلك، فالتخويف باعتبار أنه يذكر القيامة لكونه إنموذخًا قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٧ - ٨] … ومن ثم، قام ﵊ فزعًا، فخشي أن تكون الساعة، كما في رواية أخرى. وكان ﵊ إذا اشتد هبوب الرياح تغير ودخل وخرج خشية أن تكون كريح عاد، وإن كان هبوب الرياح أمرًا عاديًا. وقد كان أرباب الخشية والمراقبة يفزعون من أقل من ذلك إذ كل ما في العالم، علويه وسفليه، دليل على نفوذ قدرة الله تعالى، وتمام قهره. فإن قلت: التخويف عبارة عن إحداث الخوف بسبب، ثم قد يقع الخوف وقد لا يقع، وحينئذ يلزم الخلف في الوعيد. فالجواب كما في المصابيح: المنع، لأن الخلف وضده من عوارض الأقوال، وأما الأفعال، فلا. إنما هي من جنس المعاريض، والصحيح عندنا فيما يتميز به الواجب، أنه التخويف ولهذا لم يلزم الخلف على تقدير المغفرة. فإن قيل: الوعيد لفظ فكيف يخلص من الخلف؟. فالجواب: أن لفظ الوعيد عام أريد به الخصوص، غير أن كل واحد يقول: لعلي داخل في العموم، فيحصل له التخويف، فيحصل الخوف وإن كان الله تعالى لم يرده في العموم، ولكن أراد تخويفه بإيراد العموم، وستر العاقبة عنه في بيان أنه

стр. 787

خارج منه، فيجتمع حينئذ الوعيد والمغفرة، ولا خلف. ومصداقه في قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] قاله الدماميني. (وقال أبو عبد الله) أيّ البخاري، وسقط ذلك كله للأربعة (لم) ولأبي الوقت، والأصيلي، وابن عساكر: ولم (يذكر عبد الوارث) بن سعيد التنوري بفتح المثناة الفوقية وتشديد النون، البصري فيما أخرجه المؤلّف في صلاة كسوف القمر (وشعبة) بن الحجاج، مما سيأتي إن شاء الله تعالى في كسوف القمر (وخالد بن عبد الله) الطحان الواسطي، مما سبق في أول الكسوف (وحماد بن سلمة) بفتح اللام، ابن دينار الربعي، مما وصله الطبراني من رواية حجاج بن منهال عنه (عن يونس) بن عبيد المذكور: (ويخوف الله بها) وللحموي: بهما (عباده). وسقطت الجلالة لغير أبي ذر. (وتابعه) أي: تابع يونس في روايته عن الحسن (أشعث) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح المهملة وبالمثلثة، ابن عبد الملك الحمراني، بضم الحاء المهملة، البصري، مما وصله النسائي (عن الحسن) البصري يعني في حذف قوله: "يخوّف الله بهما عباده". (وتابعه موسى) هو: ابن إسماعيل التبوذكي، كما جزم به المزي أو هو: ابن داود الضبي، كما قاله الدمياطي، لكن رجح الحافظ ابن حجر الأول بأن ابن إسماعيل معروف في رجال البخاري، بخلاف ابن داود (عن مبارك) بضم الميم وفتح الموحدة، هو ابن فضالة بن أبي أمية القرشي العدوي البصري، وقد روى هذا الطبراني من رواية أبي الوليد، وقاسم بن أصبغ من رواية سليمان بن حرب، كلاهما عن مبارك (عن الحسن، قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬): (إن الله تعالى يخوّف بهما) أي: بالكسوفين، ولابن عساكر: بها أي: بالكسفة، ولأبي الوقت: عن النبي ﷺ ، يخوّف الله بهما، ولأبي ذر كذلك إلا أنه قال: يخوّف بهما (عباده) فأسقط لفظ الجلالة بعد: يخوّف، ولفظ: إن الله تعالى، قبلها، كأبي الوقت. وفي هذه المتابعة الرد على ابن خيثمة، حيث نفى سماع الحسن من أبي بكرة، فإنه قال فيها: أخبرني أبو بكرة، والمثبت مقدم على النافي، وقد سبق مزيد لذلك قريبًا. ووقع في اليونينية في رواية غير أبي ذر متابعة أشعث عن الحسن عقب قوله في آخر متابعة موسى: يخوّف بهما عباده قال في الفتح: والصواب تقديمها لخلو رواية أشعث من قوله: يخوّف بهما عباده. نعم في بعض النسخ سقوط متابعة أشعث، وثبتت في هامش اليونينية، لأبوي ذر، والوقت، والأصيلي وابن عساكر متقدمة على متابعة موسى، والله أعلم. ٧ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْكُسُوفِ (باب التعوذ) بالله (من عذاب القبر في) صلاة (الكسوف) حين يدعو فيها، أو بعد الفراغ منها. ١٠٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ". [الحديث ١٠٤٩ - أطرافه في: ١٠٥٥، ١٣٧٢، ٦٣٦٦]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بفتح اللام، القعنبي (عن مالك) إمام الأئمة، الأصبحي (عن يحيى بن سعيد) القطان (عن عمرة) بفتح العين وسكون الميم (بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة، الأنصارية المدنية (عن عائشة زوج النبي ﷺ ¬) ﵂. (أن) امرأة (يهودية) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها، (جاءت تسألها) عطية (فقالت لها: أعاذك الله) أي: أجارك (من عذاب القبر، فسألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ ¬) مستفهمة منه عن قول اليهودية ذلك، لكونها لم تعلمه قبل: (أيعذب الناس في قبورهم؟) بضم الياء بعد همزة الاستفهام، وفتح الذال المعجمة المشدّدة (فقال رسول الله ﷺ : عائذًا بالله) على وزن فاعل، وهو من الصفات القائمة مقام المصدر، وناصبه محذوف أي يعود عياذًا به، كقولهم: عوفي عافية، أو منصوب على الحال المؤكدة، النائبة مناب المصدر، والعامل فيه محذوف أي: أعوذ حال كوني عائذًا بالله (من ذلك) أي من عذاب القبر. وفي رواية مسروق عن عائشة عند المؤلّف في الجنائز فسألت عائشة ﵂ رسول الله، ﷺ ، عن عذاب القبر، فقال: "نعم عذاب القبر حق". قالت عائشة: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلّى صلاة إلا تعوّذ من عذاب القبر. ومناسبة التعوّذ عند الكسوف، أن ظلمة النهار بالكسوف، تشابه ظلمة القبر، وإن كان نهارًا

стр. 788

والشيء بالشيء يذكر، فيخاف من هذا كما يخاف من هذا، فيحصل الاتعاظ بهذا في التمسك بما ينجي من غائلة الآخرة. قاله ابن المنير في الحاشية. فإن قلت: هل كان ﵊ يعلم ذلك ولا يتعوّذ؟ أو كان يعوذّ ولم تشعر به عائشة؟ أو سمع ذلك عن اليهودية فتعوّذ؟. أجاب التوربشتي: بأن الطحاوي نقل: أنه، ﵊، سمع اليهودية بذلك، فارتاع ثم أوحي إليه بعد ذلك بفتنة القبر، أو: أنه ﵊، لما رأى استغراب عائشة حين سمعت ذلك من اليهودية، وسألته عنه، أعلن به بعد ما كان يسر، ليرسخ ذلك في عقائد أمته، ويكونوا منه على خيفة. اهـ. ١٠٥٠ - "ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَرَجَعَ ضُحًى. فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَىِ الْحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ، وَانْصَرَفَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ". (ثم ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركبًا) بفتح الكاف، وذات غداة هو من إضافة المسمى إلى اسمه، أو: ذات، زائدة (فخسفت الشمس) بالخاء والسين المفتوحتين (فرجع ضحى) بضم الضاد المعجمة مقصورًا منوّنًا ارتفاع النهار، ولا دلالة فيه على أنها لا تفعل في وقت الكراهة، لأن صلاته لها في الضحى وقع اتفاقًا فلا يدل على منع ما سواه (فمر رسول الله ﷺ بين ظهراني الحجر) بفتح الظاء المعجمة والنون على التثنية، والحجر بضم الحاء المهملة وفتح الجيم، جمع: حجرة بسكون الجيم. والألف والنون زائدتان، أي: ظهر الحجر، أو الكلمة كلها زائدة (ثم قام يصلّي) صلاة الكسوف (وقام الناس وراءه) يصلون (فقام قيامًا طويلاً) قرأ فيه نحو سورة البقرة (ثم ركع ركوعًا طويلاً) نحو مائة آية (ثم رفع) من الركوع (فقام قيامًا طويلاً) نحو آل عمران، ولأبي ذر، في نسخة، والأصيلي: ثم قام قيامًا. وسقط في رواية ابن عساكر: ثم رفع (وهو) أي: القيام (دون القيام) وفي نسخة: دون قيام (الأوّل، ثم ركع) ثانيًا (ركوعًا طويلاً) نحو ثمانين آية (وهو دون الركوع الأوّل، ثم رفع) منه (فسجد) بفاء التعقيب، وهو يدل على عدم إطالة الاعتدال بعد الركوع الثاني، وتقدم (ثم قام) من سجوده، ولأبي ذر: ثم رفع (فقام قيامًا طويلاً) نحو سورة النساء (وهو دون القيام الأوّل، ثم رجع) ثالثًا (ركوعًا طويلاً) نحو سبعين آية، (وهو دون الركوع الأوّل، ثم رفع فسجد) ظاهره: أن الثانية لم يقم فيها قيامين، ولا ركع ركوعين. والظاهر أن الراوي اختصره. نعم، في فرع اليونينية، كهي، مما رقم عليه علامة السقوط. (ثم قام) أي من الركوع، ولأبي ذر ثم رفع فقام قيامًا طويلاً نحوًا من المائدة (وهو دون القيام الأوّل). اختلف هل المراد به الأوّل من الثانية، أو يركع إلى الجميع فيكون كل قيام دون الذي قبله؟ ومن ثم اختلف في القيام الأوّل من الثانية، وركوعه. ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في: باب الركعة الأولى في الكسوف أطول. (ثم ركع) رابعًا (ركوعًا طويلاً) نحو خمسين آية (وهو دون الركوع الأوّل، ثم رفع فسجد) بفاء التعقيب أيضًا. (وانصرف) من صلاته بعد التشهد بالسلام (فقال) ﵊ (ما شاء الله أن يقول) مما ذكر في حديث عروة، من أمره لهم بالصلاة والصدقة والذكر، وغير ذلك (ثم أمرهم أن يتعوّذوا من عذاب القبر) وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى. وفي الحديث: أن اليهودية كانت عارفة بعذاب القبر، ولعله من كونه فى التوراة، أو شيء من كتبهم؟ وإن عذاب القبر حق يجب الإيمان به. وقد دل القرآن في مواضع على أنه حق، فخرّج ابن حبان في صحيحه، من حديث أبي هريرة، عنه ﷺ في قوله ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] قال: عذاب القبر. وفي الترمذي، عن علي: قال ما زلنا في شك من عذاب القبر حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢]. وقال قتادة والربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] أن أحدهما في الدنيا والآخر عذاب القبر. وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في الجنائز، وكذا مسلم والنسائي. ٨ - باب طُولِ السُّجُودِ فِي الْكُسُوفِ (باب طول السجود في) صلاة (الكسوف) أراد به الرد على من نفى تطويله. ١٠٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: "لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ. فَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ. قَالَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا". وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا شيبان) بفتح المعجمة والموحدة بينهما مثناة تحتية ساكنة

стр. 789

آخره نون، ابن عبد الرحمن التميمي البصري، سكن الكوفة (عن يحيى) بن أبي كثير اليمامي (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن عبد الله بن عمرو) وهو ابن العاص، وللكشميهني: عمر، بضم العين أي ابن الخطاب، قال الحافظ ابن حجر: وهو وهم (أنه قال): (لما كسفت الشمس) بالكاف المفتوحة (على عهد رسول الله، ﷺ ¬) أي زمنه (نودي) بضم النون مبنيًّا للمفعول: (إن الصلاة جامعة) بالرفع، خبر إن، والصلاة اسمها، ولأبي الوقت: أن الصلاة، بفتح الهمزة وتخفيف النون، ورفع الصلاة وجامعة. وقد مر مزيد لذلك قريبًا (فركع النبي ﷺ ، ركعتين في سجدة) أي في ركعة، وقد يعبر بالسجود عن الركعة من باب إطلاق الجزء على الكل (ثم قام) من السجود (فركع ركعتين في سجدة) أي: في ركعة كذلك (ثم جلس، ثم جلي عن الشمس) بضم الجيم وتشديد اللام المكسورة مبنيًا للمفعول، من التجلية أي: كشف عنها بين جلوسه في التشهد والسلام، ولأبي ذر في نسخة: ثم جلس حتى جلي، أي: إلى أن جلي عنها. (قال) أبو سلمة، أو: عبد الله بن عمرو: (وقالت عائشة ﵂: ما سجدت سجودًا قط كان أطول منها) عبرت بالسجود عن الصلاة كلها. كأنها قالت: ما صليت صلاة قط أطول منها، غير أنها أعادت الضمير المستكن في كان على السجود اعتبارًا بلفظه، وهو مذكر، وأعادت ضمير منها عليه اعتبارًا بمعناه إذ هو مؤنث، أو يكون قولها: منها، على حذف مضاف، أي: من سجودها. قاله في المصابيح. ولا يقال هذا لا يدل على تطويل السجود لاحتمال أن يراد بالسجدة الركعة، كما مر، لأن الأصل الحقيقة، وإنما حملنا لفظ السجدة فيما مر أوّلاً على الركعة للقرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة، إذ لا يتصوّر ركعتان في سجدة وهاهنا لا ضرورة في الصرف عنها، قاله الكرماني. واختلف في استحباب إطالة السجود في الكسوف، وصحح الرافعي عدم إطالته كسائر الصلوات، وعليه جمهور أصحاب الشافعي. وصحح النووي التطويل، وقال: إنه المختار. بل الصواب؛ وعليه المحققون من أصحابنا للأحاديث الصحيحة الصريحة، وقد نص عليه الشافعي في مواضع قال: وعليه فالمختار ما قاله البغوي: إن السجدة الأولى كالركوع الأوّل، والثانية كالثاني. وهو مشهور مذهب المالكية. ٩ - باب صَلَاةِ الْكُسُوفِ جَمَاعَةً وَصَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ فِي صُفَّةِ زَمْزَمَ. وَجَمَعَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ. (باب) مشروعية (صلاة الكسوف جماعة). (وصلّى ابن عباس) ﵄ (بهم) بالقوم، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: وصلّى لهم ابن عباس (في صفة زمزم) وصله الإمام الأعظم الشافعي، وسعيد بن منصور، بلفظ: كسفت الشمس، فصلّى ابن عباس في صفة زمزم ست ركعات في أربع سجدات. (وجمع) بتشديد الميم، وفي اليونينية؛ بالتخفيف (علي بن عبد الله بن عباس) التابعي، المدعوّ بالسجاد، لأنه كان يسجد كل يوم ألف سجدة، وهو جد الخلفاء العباسيين. ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب، فسمي باسمه، أي: جمع الناس لصلاة الكسوف. (وصلى ابن عمر) بن الخطاب صلاة الكسوف بالناس، وهذا وصله ابن أبي شيبة بمعناه، ومراد المؤلّف بذلك كله الاستشهاد على مشروعية الجماعة في صلاة الكسوف. ١٠٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ. قَالَ ﷺ : إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا وَلَوْ أَصَبْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا. وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ. وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ. قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ. قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار) بمثناة تحتية، وسين مهملة مخففة (عن عبد الله بن عباس) ﵄ (قال انخسفت الشمس) بنون بعد ألف الوصل ثم خاء، (على عهد رسول الله) أي: زمنه، ولأبي ذر، في نسخة، والأصيلي، وأبي الوقت: على عهد النبي (¬ ﷺ ، فصلّى رسول الله ﷺ ¬) أي: بل الجماعة ليدل على الترجمة (فقام قيامًا طويلاً نحوًا من قراءة سورة البقرة) وهو يدل على أن القراءة كانت سرًا، ولذا قالت عائشة، كما في بعض الطرق عنها: فحزرت قراءته، فرأيت أنه قرأ سورة البقرة. وأما قول بعضهم: إن ابن عباس كان صغيرًا، فمقامه آخر الصفوف، فلم يسمع القراءة، فحزر المدة. فمعارض بأن في بعض طرقه: قمت إلى جانب النبي، ﷺ ، فما سمعت منه حرفًا. ذكره أبو عمر. (ثم ركع ركوعًا طويلاً) نحوًا من مائة آية (ثم رفع) من

стр. 790

الركوع (فقام قيامًا طويلاً) نحوًا من قراءة آل عمران (وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً) نحوًا من ثمانين آية (وهو دون الركوع الأول، ثم سجد) أي: سجدتين (ثم قام قيامًا طويلاً) نحوًا من النساء (وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً) نحوًا من سبعين آية (وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، فقام قيامًا طويلاً) نحوًا من المائدة (وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً) نحوًا من خمسين آية (وهو دون الركوع الأول، ثم سجد) سجدتين (ثم انصرف) من الصلاة (وقد تجلت الشمس) أي: بين جلوسه في التشهد والسلام. كما دل عليه قوله في الباب السابق: ثم جلس، ثم جلي عن الشمس. (قال) بالفاء، وللأصيلي: وقال: " ﷺ " (إن الشمس والقمر) كسوفهما (آيتان من آيات الله لا يخسفان) بفتح الياء وسكون الخاء وكسر السين (لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فاذكروا الله قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئًا في مقامك) كذا للأكثر: تناولت بصيغة الماضي، وللكشميهني: تناول، بحذف إحدى التاءين تخفيفًا، وضم اللام بالخطاب، وللمستملي: تتناول، بإثباتها (ثم رأيناك كعكعت) بالكافين المفتوحتين والممهملتين الساكنتين، وللكشميهني: تكعكعت، بزيادة مثناة فوقية أوّله، أي: تأخرت، أو تقهقرت. وقال أبو عبيدة: كعكعته فتكعكع، وهو يدل على: أن كعكع متعد، وتكعكع لازم. وكعكع يقتضي مفعولاً، أي: رأيناك كعكعت نفسك. ولمسلم رأيناك كففت نفسك من الكف وهو المنع. (قال) ولأبي ذر في نسخة: (¬ ﷺ ¬): (إني رأيت الجنة) أي: رؤيا عين كشف له عنها، فرآها على حقيقتها، وطويت المسافة بينهما كبيت المقدس حين وصفه لقريش. وفي حديث أسماء الماضي في أوائل صفة الصلاة ما يشهد له، حيث قال فيه: دانت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها، أو مثلت له في الحائط كانطباع الصور في المرآة، فرأى جميع ما فيها. وفي حديث أنس الآتي، إن شاء الله تعالى، في التوحيد، ما يشهد له حيث قال فيه: عرضت عليّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط، وأنا أصلي. وفي رواية: لقد مثلت، ولمسلم: صوّرت، ولا يقال الانطباع إنما هو في الأجسام الصقيلة لأن ذلك شرط عادي فيجوز أن تنخرق العادة خصوصًا له ﷺ . (فتناولت) أي: في حال قيامه الثاني من الركعة الثانية، كما رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن زيد بن أسلم (عنقودًا) منها أي: من الجنة: أي: وضعت يدي عليه بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يقدّر لي قطفه (ولو أصبته) أي: لو تمكنت من قطفه. في حديث عقبة بن عامر، عند ابن خزيمة، ما يشهد لهذا التأويل، حيث قال فيه: أهوى بيده ليتناول شيئًا (لأكلتم منه) أي: من العنقود (ما بقيت الدنيا). وجه ذلك أنه يخلق الله تعالى مكان حبة تنقطف حبة أخرى، كما هو المروي في خواص ثمر الجنة، والخطاب عام في كل جماعة يتأتى مهم السماع، والأكل إلى يوم القيامة لقوله: ما بقيت الدنيا. وسبب تركه، ﵊، تناول العنقود، قال ابن بطال: لأنه من طعام الجنة، وهو لا يفنى والدنيا فانية ولا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. وقال صاحب المظهر: لأنه لو تناوله ورآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب، فيخشى أن يقع رفع التوبة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨] وقال غيره: لأن الجنة جزاء الأعمال، والجزاء لا يقع إلا في الآخرة. (ورأيت النار) بضم الهمزة وكسر الراء، مبنيًا للمفعول، وأقيم المفعول الذي هو الرائي في الحقيقة مقام الفاعل، والنار نصب مفعول ثانٍ لأن أريت من الإراءة، وهو يقتضي مفعولين، ولغير أبي ذر كما في الفتح: ورأيت بتقديم الراء على الهمزة مفتوحتين. وكانت رؤيته النار قبل رؤيته للجنة، كما يدل له رواية عبد الرزاق حيث قال فيها: عرضت على النبي، ﷺ النار، فتأخر عن مصلاه حتى إن الناس ليركب بعضهم بعضًا، وإذ رجع عرضت عليه الجنة، فذهب يمشي حتى وقف في مصلاه. ويؤيده حديث مسلم، حيث قال فيه: قد جيء بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني

стр. 791

من لفحها. وفيه: ثم جيء بالجنة، حين رأيتموني تقدّمت حتى قمت مقامي … الحديث. واللام في النار للعهد، أي: رأيت نار جهنم. (فلم أر منظرًا كاليوم قط) منظرًا نصب بـ "أَرَ" وقط بتشديد الطاء وتخفيفها، ظرف للماضي، وقوله: (أفظع) أقبح وأشنع وأسوأ صفة للمنصوب، وكاليوم قط اعتراض بين الصفة والموصوف، وأدخل كاف التشبيه عليه لبشاعة ما رأى فيه. وجوّز الخطابي في: أفظع وجهين: أن يكون بمعنى فظيع، كأكبر بمعنى كبير، وأن يكون أفعل تفضيل على بابه على تقدير منه. فصفة أفعل التفضيل محذوفة. قال ابن السيد: العرب تقول: ما رأيت كاليوم رجلاً، وما رأيت كاليوم منظرًا. والرجل والمنظر لا يصح أن يشبها باليوم. والنحاة تقول: معناه ما رأيت كرجل أراه اليوم رجلاً: وما رأيت كمنظر رأيته اليوم منظرًا، وتلخيصه: ما رأيت كرجل اليوم رجلاً، وكمنظر اليوم منظرًا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وجازت إضافة الرجل والمنظر إلى اليوم لتعلقهما به، وملابستهما له، باعتبار رؤيتهما فيه. وقال غيره: الكاف هنا اسم، وتقديره: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا. ومنظرًا تمييز. ومراده باليوم: الوقت الذي هو فيه، ذكره الدماميني والبرماوي؛ لكن تعقب الدماميني الأخير، وهو قوله: وقال غيره … الخ، بأن اعتباره في الحديث يلزم منه تقدم التمييز على عامله، والصحيح منعه، فالظاهر في إعرابه أن منظرًا: مفعول أر، وكاليوم: ظرف مستقر، صفة له وهو بتقدير مضاف محذوف، كما تقدم أي: كمنظر اليوم، وقط: ظرف لأر، وأفظع: حال من اليوم على ذلك التقدير، والمفضل عليه وجاره محذوفان، أي كمنظر اليوم حال كونه أفظع من غيره. انتهى. وللحموي والمستملي: فلم أنظر كاليوم قط أفظع. (ورأيت أكثر أهلها النساء) استشكل مع حديث أبي هريرة: إن أدنى أهل الجنة منزلة من له زوجتان من الدنيا، ومقتضاه أن النساء ثلثا أهل الجنة. وأجيب: بحمل حديث أبي هريرة على ما بعد خروجهن من النار، وأنه خرج مخرج التغليظ والتخويف، وعورض بإخباره ﵊ بالرؤية الحاصلة. وفي حديث جابر: "وأكثر من رأيت فيها النساء اللاتي، إن ائتمنّ أفشين، وإن سئلن بخلن، وإن سألن ألحفن، وإن أعطين لم يشكرن. فدلّ على أن المرئي في النار منهن من اتصف بصفات ذميمة. (قالوا: بم يا رسول الله؟) أصله: بما، بالألف، وحذفت تخفيفًا (بكفرهن قيل: يكفرن بالله) وللأربعة: أيكفرن بالله؟ بإثبات همزة الاستفهام (قال) ﵊ (يكفرن العشير) الزوج أي: إحسانه لا ذاته، وعدي الكفر بالله بالباء ولم يعد كفر العشير بها، لأن كفر العشير لا يتضمن معنى الاعتراف. ثم فسر كفر العشير بقوله: (ويكفرن الإحسان) فالجملة مع الواو مبينة للجملة الأولى، على طريق: أعجبني زيد وكرمه، وكفر الإحسان تغطيته وعدم الاعتراف به، أو جحده وإنكاره، كما يدل عليه قوله: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله) عمر الرجل، أو الزمان جميعه، لقصد المبالغة، نصب على الظرفية (ثم رأت منك شيئًا) قليلاً لا يوافق غرضها في أي شيء كان (قالت: ما رأيت منك خيرًا قط). وليس المراد من قوله: أحسنت، خطاب رجل بعينه، بل كل من يتأتى منه الرؤية، فهو خطاب خاص لفظًا، عام معنى. ١٠ - باب صَلَاةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْكُسُوفِ (باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف). ١٠٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ: "أَتَيْتُ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ -فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي. فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ أَىْ نَعَمْ. قَالَتْ: فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِي الْغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي الْمَاءَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْ شَىْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ -أَوْ قَرِيبًا مِنْ- فِتْنَةِ الدَّجَّالِ (لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ)، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ -أَوِ الْمُوقِنُ- (لَا أَدْرِي أَىَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا. فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ -أَوِ الْمُرْتَابُ- (لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ) فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ". وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن امرأته، فاطمة بنت المنذر) بن الزبير بن العوام (عن أسماء بنت أبي بكر) الصديق، جدة فاطمة وهشام لأبويهما (¬﵄ أنها قالت): (أتيت عائشة) بنت أبي بكر الصديق، ﵄ (زوج النبي، ﷺ ، حين خسفت الشمس) بالخاء المفتوحة (فإذا الناس قيام يصلون، وإذا) بالواو، ولأبي ذر في نسخة: فإذا (هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس) قائمين فزعين؟ (فأشارت) عائشة (بيدها إلى السماء) تعني: انكسفت الشمس (وقالت: سبحان الله. فقلت: آية؟) أي علامة لعذاب الناس (فأشارت أي: نعم)

стр. 792

وللكشميهني: أن نعم، بالنون بدل الياء. (قالت) أسماء: (فقمت حتى تجلاني) بالجيم وتشديد اللام: أي غطاني (الغشي) من طول تعب الوقوف، بفتح الغين وسكون الشين المعجمتين آخره مثناة تحتية مخففة، وبكسر الشين وتشديد المثناة: مرض قريب من الإغماء، (فجعلت أصب فوق رأسي الماء) ليذهب الغشي، وهو يدل على أن حواسها كانت مجتمعة، وإلا فالإغماء الشديد المستغرق ينقض الوضوء بالإجماع. (فلما انصرف رسول الله، ﷺ ¬) من الصلاة (حمد الله، وأثنى عليه) من عطف العام على الخاص (ثم قال): (ما من شيء) من الأشياء (كنت لم أره إلا قد) ولأبي ذر: وقد (رأيته) رؤيا عين (في مقامي هذا) بفتح الميم الأولى، وكسر الثانية (حتى الجنة والنار) بالرفع فيهما على أن حتى ابتدائية، والجنة مبتدأ حذف خبره، أي: حتى الجنة مرئية، والنار عطف عليه، والنصب على أنها عاطفة عطفت الجنة على الضمير المنصوب في رأيته، والجر على أنها جارة. واستشكل في المصابيح الجر بأنه لا وجه له إلا العطف على المجرور المتقدم، وهو ممتنع لما يلزم عليه من زيادة: من، مع المعرفة والصحيح منعه. (ولقد أوحي إلي أنكم) بفتح الهمزة (تفتنون) أي: تمتحنون (في القبور مثل) فتنة (-أو قريبًا- من فتنة) المسيح (الدجال) بغير تنوين في: مثل، وإثباته في: قريبًا. قالت فاطمة: (لا أدري أيتهما) بالمثناة التحتية والفوقية، أي: لفظ مثل أو قريبًا. (قالت أسماء): (يؤتى أحدكم) في قبره (فيقال له: ما علمك) مبتدأ خبره قوله (بهذا الرجل) محمد ﷺ ولم يقل رسول الله لأنه يصير تلقينًا لحجته (فأما المؤمن -أو الموقن-) ولأبي ذر، والأصيلي، أو: قال الموقن (لا أدري أي ذلك قالت أسماء) الشك من فاطمة بنت المنذر. (فيقول:) هو، (محمد رسول الله ﷺ ¬) هو (جاءنا بالبينات) بالمعجزات الدالة على نبوته (والهدى) الموصل إلى المراد (فأجبنا وآمنا) بحذف ضمير المفعول للعلم به، أي: قبلنا نبوته معتقدين مصدقين (واتبعنا. فيقال له: نم) حال كونك (صالحًا، فقد علمنا إن كنت) بكسر الهمزة (لموقنًا) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: لمؤمنًا. (وأما المنافق) الغير المصدق بقلبه لنبوته (أو المرتاب) الشاك، قالت فاطمة: (لا أدري أيتهما) بالمثناة الفوقية بعد التحتية، ولأبي ذر في نسخة ولأبي الوقت، والأصيلي: أيهما بإسقاط الفوقية (قالت أسماء): (فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته). قال ابن بطال، فيما ذكره في المصابيح: فيه ذم التقليد، وأنه لا يستحق اسم العلم التام على الحقيقة. ونازعه ابن المنير بأن ما حكي عن حال هذا المجيب لا يدل على أنه كان عنده تقليد معتبر، وذلك لأن التقليد المعتبر هو الذي لا وهن عند صاحبه، ولا حصول شك. وشرطه أن يعتقد كونه عالمًا. ولو شعر بأن مستنده كون الناس قالوا شيئًا فقاله لانحل اعتقاده، ورجع شكًا. فعلى هذا لا يقول المعتقد المصمم يومئذ سمعت الناس يقولون، لأنه يموت على ما عاش عليه، وهو في حال الحياة قد قررنا أنه لا يشعر بذلك، بل عبارته هناك، إن شاء الله، مثلها هنا من التصميم، وبالحقيقة فلا بد أن يكون للمصمم أسباب حملته على التصميم غير مجرد القول، وربما لا يمكن التعبير عن تلك الأسباب كما تقول في العلوم العادية، أسبابها لا تنضبط. انتهى. ١١ - باب مَنْ أَحَبَّ الْعَتَاقَةَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ (باب من أحب العتاقة في) حال (كسوف الشمس) بالكاف. والعتاقة بفتح العين، تقول: أعتق العبد يعتق بالكسر عتقًا وعتاقًا وعتاقة. ١٠٥٤ - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: "لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ". وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر في نسخة، ولأبي الوقت، والأصيلي: حدّثني (ربيع بن يحيى) البصري المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا زائدة) بن قدامة (عن هشام) هو: ابن عروة بن الزبير بن العوام (عن) زوجته (فاطمة) بنت المنذر بن الزبير بن العوام (عن أسماء) بنت أبي بكر الصديق، ﵄، (قالت): (لقد أمر النبي، ﷺ ¬) أمر ندب (بالعتاقة في كسوف الشمس) بالكاف، ليرفع الله بها البلاء عن عباده، ولأبي ذر: بالعتاقة

стр. 793

في الكسوف، وهل يقتصر على العتاقة، أو هي من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؟ الظاهر الثاني لقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وإذا كانت من التخويف، فهي داعية إلى التوبة والمسارعة إلى جميع أفعال البر، كل على قدر طاقته. ولما كان أشد ما يتوقع من التخويف: النار، جاء الندب بأعلى شيء يتقي به النار، لأنه قد جاء: من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، فمن لم يقدر على ذلك فليعمل بالحديث العام، وهو قوله ﵊: "اتقوا النار ولو بشق تمرة". ويأخذ من وجوه البر ما أمكنه، قاله ابن أبي جمرة. ١٢ - باب صَلَاةِ الْكُسُوفِ فِي الْمَسْجِدِ (باب صلاة الكسوف في المسجد). ١٠٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ". وبالسند قال (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرة) بفتح العين، وسكون الميم (بنت) ولأبي ذر، في نسخة، ولأبي الوقت: ابنة (عبد الرحمن) بن سعد الأنصارية (عن عائشة ﵂¬): (أن يهودية جاءت تسألها) عطية (فقالت) لها (أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة) ﵂ (رسول الله، ﷺ ، أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله ﷺ ¬): (عائذًا) أي: أعوذ عياذًا، أو: أعوذ حال كوني عائذًا (بالله) ولأبي ذر في نسخة: عائذ بالرفع، خبر لمحذوف أي: أنا عائذ بالله (من ذلك) أي من عذاب القبر. ١٠٥٦ - "ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرَانَىِ الْحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ سُجُودًا طَوِيلاً، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ وَهْوَ دُونَ السُّجُودِ الأَوَّلِ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ". (ثم ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركبًا) بسبب موت ابنه إبراهيم (فكسفت الشمس)، بفتح الكاف كمركبًا (فرجع) من الجنازة (ضُحًى) بالتنوين. قال في الصحاح: تقول لقيته ضحى، وضحى إذا أردت به ضحى يومك لم تنوّنه، ثم بعده الضحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. (فمر رسول الله ﷺ بين ظهراني الحجر) بفتح النون، ولا تقل: ظهرانيهم، بكسرها. والألف والنون زائدتان، والحجر: بضم الحاء وفتح الجيم، بيوت أزواجه ﵊، وكانت لاصقة بالمسجد. وعند مسلم من رواية سليمان بن بلال: عن يحيى، عن عمرة: فخرجت في نسوة بين ظهراني الحجر في المسجد، فأتى النبي، ﷺ ، من مركبه حتى انتهى إلى مصلاه الذي كان يصلّي فيه … الحديث؛ فصرح بكونها في المسجد. ودل على سنيتها فيه كونه رجع إلى المسجد، ولم يصلها في الصحراء. ولولا ذلك لكانت صلاتها في الصحراء أجدر برؤية الانجلاء. وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى. (ثم قام) ﵊ (فصلّى) صلاة الكسوف (وقام الناس وراءه) يصلون (فقام قيامًا طويلاً، ثم ركع ركوعًا طويلاً، ثم رفع فقام) ولأبي ذر في نسخة: وقام (قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً، وهو دون الركوع الأول) من الركعة الأولى (ثم رفع، فسجد) ولأبي ذر في نسخة: ثم سجد (سجودًا طويلاً، ثم قام) إلى الركعة الثانية (فقام قيامًا طويلاً، وهو دون القيام الأول) من الركعة الأولى (ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول) من الأولى (ثم قام قيامًا طويلاً، وهو دون القيام الأول) من هذه الثانية (ثم ركع ركوعًا طويلاً، وهو دون الركوع الأول) من هذه الثانية، وسقط لأبي ذر من قوله: ثم ركع إلى قوله (ثم سجد وهو دون السجود الأول) من الركعة الأولى، وندب قراءة البقرة بعد الفاتحة، ثم موالياتها في القيامات كما مر. (ثم انصرف) من الصلاة بعد التشهد بالتسليم (فقال رسول الله ﷺ ، ما شاء الله أن يقول) من أمره لهم: بالصدقة، والعتاقة، والذكر والصلاة (ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر) لعظم هوله، وأيضًا: فإن ظلمة الكسوف إذا عمت الشمس تناسب ظلمة القبر. ١٣ - باب لَا تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ وَالْمُغِيرَةُ وَأَبُو مُوسَى وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ ﵃. هذا (باب) بالتنوين: (لا تنكسف الشمس) بالكاف (لموت أحد ولا) تنكسف (لحياته). (رواه) أي قوله: "لا تنكسف الشمس لموت أحد ولا لحياته"، هؤلاء الصحابة (أبو بكرة) نفيع بن الحرث (والمغيرة) بن شعبة، كما تقدم حديثهما في أول باب الكسوف، (وأبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري، كما سيأتي في الباب التالي (وابن عباس) عبد الله كما تقدم

стр. 794

في باب صلاة الكسوف جماعة (وابن عمر): عبد الله بن عمر بن الخطاب، كما تقدم في الباب الأول (¬﵃¬). ١٠٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا». وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) القطان البصري، وللأصيلي: يحيى بن سعيد (عن إسماعيل) بن أبي خالد الأحمسي الكوفي (قال: حدّثني) بالإفراد (قيس عن أبي مسعود) عقبة بن عامر الأنصاري البدري، ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (الشمس والقمر لا ينكسفان) بالنون بعد المثناة التحتية ثم الكاف (لموت أحد ولا لحياته). لما كانت الجاهلية تعتقد أنهما ينخسفان لموت عظيم، والمنجمون يعتقدون تأثيرهما في العالم، وكثير من الكفرة يعتقد تعظيمهما لكونهما أعظم الأنوار حتى أفضى الحال إلى أن عبدهما كثير منهم، خصهما ﷺ بالذكر، تنبيهًا على سقوطهما عن هذه المرتبة، لما يعرض لهما من النقص، وذهاب ضوئهما الذي عظما في النفوس من أجله. وسقط للأربعة لفظ: ولا لحياته، وقد مر أنه من باب التتميم، وإلا فلم يدع أحد أن الكسوف لحياة أحد. (ولكنهما) أي: كسوفهما، (آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما) بالتثنية، ولأبي ذر: رأيتموها بالإفراد، أي: كسفة أحدهما (فصلوا). ١٠٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، وَهْيَ دُونَ قِرَاءَتِهِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ دُونَ رُكُوعِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُرِيهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ". وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي (قال: حدّثنا هشام) هو: ابن يوسف الصنعاني (قال: أخبرنا معمر) بفتح اليمين وسكون العين المهملة بينهما، ابن راشد (عن) ابن شهاب (الزهري، وهشام بن عروة) بن الزبير، كلاهما (عن عروة) أبي هشام (عن عائشة ﵂، قالت): (كسفت الشمس) بفتح الكاف والسين (على عهد رسول الله) ولأبي ذر، والأصيلي: على عهد النبي (¬ ﷺ ¬) أي: زمنه (فقام النبي ﷺ ، فصلّى بالناس) صلاة الكسوف (فأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه) من الركوع قائمًا (فأطال القراءة، وهي) أي: القراءة وللكشميهني والمستملي: وهو، أي: القيام، أو المقروء (دون قراءته الأولى، ثم ركع) ثانيًا (فأطال الركوع) وهو (دون ركوعه الأول، ثم رفع رأسه) قائمًا (فسجد سجدتين، ثم قام فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك) المذكور من الركوعين وطوّلهما وطول القراءة في القيامين، ثم انصرف من صلاته (ثم قام) خطيبًا (فقال) بعد الحمد والثناء: (إن الشمس والقمر لا يخسفان) بفتح أوله وسكون الخاء وكسر السين (لموت أحد) من الناس (ولا لحياته) فيجب تكذيب من زعم أن الكسوف علامة على موت أحد أو حياته (ولكنهما آيتان من آيات الله يريهما عباده) ليتفرغوا لعبادته ويتقربوا إليه بأنواع قرباته، ولذا قال: (فإذا رأيتم ذلك فافزعوا) بفتح الزاي، أي: فالجأوا (إلى الصلاة) وغيرها من الخيرات، كالصدقة، وفك الرقاب، لأنها تقي أليم العذاب. ١٤ - باب الذِّكْرِ فِي الْكُسُوفِ، رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ - (باب الذكر في الكسوف، رواه) أي: الذكر عند كسوف الشمس (ابن عباس، ﵄¬) عن النبي، ﷺ ، كما سبق في صلاة كسوف الشمس جماعة ولفظه "فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله". ١٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: "خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ وَقَالَ: هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ". وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن العلاء، قال: حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة، الكوفي (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراء (ابن عبد الله) بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي (عن أبي بردة) الحرث بن أبي موسى (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (قال): (خسفت الشمس) بفتح الخاء والسين (فقام النبي، ﷺ ، فرغًا) بكسر الزاي: صفة مشبهة، أو بفتحها: مصدر بمعنى الصفة، أو: مفعول لمقدر (يخشى) أي: يخاف (أن تكون) في موضع نصب مفعول يخشى (الساعة) رفع: على أن تكون تامة، أو: على أنها ناقصة والخبر محذوف، أي: أن تكون الساعة قد حضرت، أو: نصب: على أنها ناقصة واسمها محذوف، أي: تكون هذه الآية الساعة، أي: علامة حضورها. واستشكل هذا بكون الساعة لها مقدمات كثيرة لم تكن وقعت: كفتح البلاد، واستخلاف الخلفاء، وخروج الخوارج، ثم الأشراط: كطلوع الشمس من مغربها،

стр. 795

والدابة، والدجال، والدخان، وغير ذلك .... وأجيب: باحتمال أن يكون هذا قبل أن يعلمه الله تعالى بهذه العلامات، فهو يتوقع الساعة كل لحظة. وعورض: بأن قصة الكسوف متأخرة جدًّا، فقد تقدم أن موت إبراهيم كان في العاشرة، كما اتفق عليه أهل الأخبار، وقد أخبر النبي ﷺ بكثير من الأشراط والحوادث قبل ذلك. وقيل هو من باب التمثيل من الراوي، كأنه قال: فزغًا كالخاشي أن تكون القيامة وإلا فهو ﷺ عالم بأن الساعة لا تقوم وهو بين أظهرهم أو أن الراوي ظن أن الخشية لذلك لقرينة قامت عنده، لكن لا يلزم من ظنه أن النبي، ﷺ خشي ذلك حقيقة، قال في المظهر: لم يعلم أبو موسى ما في قلبه، ﷺ . اهـ. وأجيب: بأن تحسين الظن بالصحابي يقتضي أنه لا يجزم بذلك إلا بتوقيف. وقيل إنه، ﵊، جعل ما سيقع كالواقع إظهارًا لتعظيم شأن الكسوف، وتنبيهًا لأمته أنه إذا وقع لهم ذلك كيف يخشون ويفزعون إلى ذكر الله، والصلاة، والصدقة ليدفع عنهم البلايا. (فأتى المسجد، فصلّى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله) بدون كلمة: ما، وقط، بفتح القاف وضم الطاء، لكن لا يقع، قط، إلا بعد الماضي المنفي، فحرف النفي هنا مقدر كقوله تعالى: ﴿تَفْتَؤ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] أي: لا تفتؤ، ولا تزال تذكره تفجعًا، فحذف: لا، أو أن لفظ أطول، فيه معنى عدم المساواة، أي: بما لم يساو قط قيامًا رأيته يفعله، أو: قط، بمعنى حسب أي: صلّى في ذلك اليوم فحسب بأطول قيام رأيته يفعله، وتكون بمعنى: أبدًا لكن إذا كانت بمعنى: حسب، تكون القاف مفتوحة والطاء ساكنة. قال في المصابيح: وموضع: رأيته، جر على الصفة، أما للمعطوف الأخير، وهو: سجود، وإما للمعطوف عليه أولاً، وهو قيام. وحذف رأيته من الأول الذي هو القيام لدلالة الثاني، أو بالعكس، قال: وإنما قلنا ذلك لأنه ليس في هذه الجملة ضمير غيبة إلا ما هو للواحد الذكر. وقد تقدمت ثلاثة أشياء، فلا تصلح من حيث هي ثلاثة أن تكون معادًا له. وضمير الغيبة في: رأيته، يحتمل عوده على النبي، ﷺ ، كما أن فاعل: يفعله، يعود الضمير عليه، ويحتمل أن يعود على ما عاد عليه المنصوب من: يفعله. فإن قلت لِمَ لم تجعل الجملة صفة لأطول قيام وركوع وسجود، وأطول مفرد مذكر يصح عود الضمير المذكر عليه، ولا حاجة إلى الحذف؟ إذن قلت: لأنه يلزم أن يكون المعنى: أنه فعل في قيام الصلاة لكسوف الشمس وركوعها وسجودها مثل أطول شيء كان يفعله في ذلك في غيرها من الصلوات، ولم يفعل طولاً زائدًا على ما عهد منه في سواها، وليس كذلك، اللهم إلا أن يكون صلّى قبل هذه المرة لكسوف آخر، فيصدق حينئذ أنه فعل مثل أطول شيء كان يفعله لكنه يحتاج إلى ثبت فحرره. اهـ. قلت: في أوائل الثقات لابن حبان: إن الشمس كسفت في السنة السادسة، فصلّى ﵊ صلاة الكسوف، وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله … " الحديث. ثم كسفت في السنة العاشرة، يوم مات ابنه إبراهيم، (وقال) ﵊: (هذه الآيات) أي: كسوف النيرين، والزلزلة، وهبوب الريح الشديدة (التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله به) أي: بالكسوف، وللأربعة: بهما، أي: بالكسفة أو الآيات (عباده) قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] (فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكره) بفتح زاي: افزعوا، وللحموي والمستملي: إلى ذكر الله. وهذا موضع الترجمة كما لا يخفى (ودعائه واستغفاره). ١٥ - باب الدُّعَاءِ فِي الْخُسُوفِ قَالَهُ أَبُو مُوسَى وَعَائِشَةُ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (باب الدعاء في الخسوف) كذا بالخاء، وعزاه الحافظ ابن حجر لكريمة وأبي الوقت، وفي الفرع وأصله عن أبي ذر والأصيلي في الكسوف وبالكاف. (قاله) أي الدعاء فيه (أبو موسى) الأشعري، في حديثه السابق قريبًا (وعائشة) في حديثها الآتي، إن شاء الله تعالى في الباب الآتي (¬﵄، عن النبي ﷺ ¬). ١٠٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: "انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ». وبالسند قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قال: حدّثنا زائدة) بن قدامة الثقفي الكوفي. (قال: حدّثنا زياد بن علاقة) بكسر العين وبالقاف، الثعلبي، بالمثلثة ثم المهملة، الكوفي. وللأصيلي: عن

стр. 796

زياد بن علاقة (قال: سمعت المغيرة بن شعبة) الثقفي، المتوفى سنة خمسين عند الأكثر، ﵁، حال كونه (يقول): (انكسفت الشمس) بنون ساكنة بعد ألف الوصل، ثم كاف (يوم مات إبراهيم) ابنه ﵊ (فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال رسول الله، ﷺ ،) رادًّا عليهم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) مخلوقتان له، لا صنع لهما (لا ينكسفان) بنون بعد المثناة التحتية، ثم كاف (لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما) بضمير التثنية أي: الشمس والقمر: باعتبار كسوفهما. وللحموي والمستملي: رأيتموها، بالإفراد أي: الآية (فادعوا الله). ولأبي داود، من حديث أبي بن كعب: ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو: وقد ورد الأمر بالدعاء أيضًا في حديث أبي بكرة وغيره، كما هنا، وقد حمله بعضهم على الصلاة لكونه كالذكر من أجزائها، والأول أولى لأنه جمع بينهما في حديث أبي بكرة كما هنا، حيث قال: (وصلوا حتى ينجلي) بالمثناة التحتية لأبي ذر، أي: يصفو، وفي الفرع تنجلي بالفوقية من غير عزو، وعند سعيد بن منصور من حديث ابن عباس، فاْذكرو الله، وكبروه، وسبحوه، وهللوه، وهو من عطف الخاص على العام. ١٦ - باب قَوْلِ الإِمَامِ فِي خُطْبَةِ الْكُسُوفِ: أَمَّا بَعْدُ (باب قول الإمام في خطبة الكسوف: أما بعد) هي من الظروف المقطوعة المبنية على الضم. ١٠٦١ - وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: "فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ". (وقال أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثي، مما ذكره موصولاً مطوّلاً في كتاب الجمعة، (حدّثنا هشام) هو: ابن عروة بن الزبير بن العوام (قال: أخبرتني) بتاء التأنيث والإفراد (فاطمة بنت المنذر) بن الزبير بن العوّام. ووقع عند ابن السكن: حدّثنا هشام عن عروة بن الزبير عن فاطمة. قال الجياني: وهو وهم، والصواب حذف عروة بن الزبير. لكن اعتذر الحافظ ابن حجر عن ابن السكن باحتمال أنه كان عنده: هشام بن عروة بن الزبير، فتصحفت من الناسخ، فصارت: عن وإلاّ فابن السكن من كبار الحفاظ. اهـ. (عن أسماء) بنت أبي بكر الصديق، ﵄ (قالت): (فانصرف رسول الله ﷺ ¬) من الصلاة (وقد تجلت الشمس) بالمثناة الفوقية وتشديد اللام (فخطب) ﵊ (فحمد الله بما هو أهله، ثم قال): (أما بعد) ليفصل بين الحمد السابق، وبين ما يريده من الموعظة والإعلام بما ينفع السامع. وقد قال أبو جعفر النحاس، عن سيبويه: إن معنى: أما بعد مهما يكن من شيء بعد. ١٧ - باب الصَّلَاةِ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ (باب) مشروعية (الصلاة في كسوف القمر) بالكاف. ١٠٦٢ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: "انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ". وبالسند قال: (حدّثنا محمود) المروزي وللأصيلي: محمود بن غيلان، بفتح الغين المعجمة وسكون المثناة التحتية (قال: حدّثنا سعيد بن عامر) بكسر العين بعد السين، الضبعي، بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة، البصري (عن شعبة) بن الحجاج (عن يونس) بن عبيد (عن الحسن) البصري (عن أبي بكرة) نفيع بن الحرث (¬﵁ قال): (انكسفت الشمس) بنون بعد الألف وبالكاف (على عهد رسول الله) أي: زمنه، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: على عهد النبي (¬ ﷺ ، فصلّى ركعتين) بزيادة ركوع في كل ركعة منهما، كما مر. واعترض الإسماعيلي على المؤلّف: بأن هذا الحديث لا مدخل له في هذا الباب، لأنه لا ذكر للقمر فيه، لا بالتنصيص، ولا بالاحتمال. وأجيب: بأن ابن التين ذكر: أن في رواية الأصيلي في هذا الحديث: انكسف القمر، بدل قوله: الشمس، لكن نوزع في ثبوت ذلك. وحينئذٍ فيجاب: بأن هذا الحديث مختصر من الحديث اللاحق له، فأراد المؤلّف أن يبين أن المختصر بعض المطوّل، والمطوّل يؤخذ منه المقصود، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. وقد روى ابن أبي شيبة هذا الحديث بلفظ: انكسفت الشمس أو القمر. وفي رواية هشيم: انكسف: الشمس والقمر. ١٠٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: "خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ، وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، فَانْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَإِذَا كَانَ ذَاكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ. وَذَاكَ أَنَّ ابْنًا لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاتَ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ فِي ذَاكَ". وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو المقعد المنقري، بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، البصري (قال: حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري (قال: حدّثنا يونس) بن عبيد (عن الحسن) البصري (عن أبي بكرة) نفيع بن الحرث، ﵁ (قال): (خسفت الشمس) بالخاء المفتوحة

стр. 797

(على عهد رسول الله) ولأبي ذر، والأصيلي: النبي (¬ ﷺ ، فخرج يجر رداءه) لكونه مستعجلاً (حتى انتهى إلى المسجد، وثاب الناس إليه) بالمثلثة أي: اجتمعوا إليه (فصلّى بهم ركعتين) بزيادة ركوع في كل ركعة (فانجلت الشمس) بنون بعد الألف (فقال) ﵊: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا يخسفان) بفتح المثناة التحتية وسكون الخاء وكسر السين (لموت أحد) ولأبي الوقت في غير اليونينية: (وإذا) بالواو، ولأبي ذر: فإذا (كان ذاك) أي الكسوف فيهما، وللأربعة: ذلك، باللام (فصلوا وادعوا، حتى يكشف ما بكم) بضم أوله وفتح الشين. وفي رواية حتى ينكشف، بفتح أوّله، وزيادة نون ساكنة وكسر الشين، غاية لمقدر، أي: صلوا من ابتداء الخسوف منتهين إما إلى الانجلاء، أو: إحداث الله أمرًا. وهذا موضع الترجمة، إذ أمر بالصلاة بعد قوله: "إن الشمس والقمر .. ". وعند ابن حبان، من طريق نوح بن قيس، عن يونس بن عبيد في هذا الحديث: "فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فصلوا … " وهو أدخل في الباب من قوله هنا "فإذا كان ذلك … " لأن الأول نص، وهذا محتمل لأن تكون الإشارة عائدة إلى كسوف الشمس، لكن الظاهر عود ذلك إلى خسوفهما معًا. وأصرح من ذلك ما وقع في حديث أبي مسعود السابق: كسوف أيهما انكسف. وعند ابن حبان من طريق النضر بن شميل، عن أشعث بإسناده في هذا الحديث: صلّى في كسوف الشمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم … وفيه رد على من أطلق، كابن رشيد: أنه، ﷺ لم يصل فيه. وأول بعضهم قوله: صلّى، أي: أمر بالصلاة، جمعًا بين الروايتين. وذكر صاحب جمع العدة، أن خسوف القمر وقع في السنة الرابعة، في جمادى الآخرة، ولم يشتهر أنه ﷺ جمع له الناس للصلاة. وقال صاحب الهدى: لم ينقل أنه صلّى في كسوف القمر في جماعة، لكن حكى ابن حبان في السيرة له: أن القمر خسف في السنة الخامسة، فصلّى النبي ﷺ بأصحابه الكسوف، فكانت أول صلاة كسوف في الإسلام. قال في فتح الباري: وهذا إن ثبت انتفى التأويل المذكور. وقال مالك والكوفيون: يصلّى في كسوف القمر فرادى ركعتين، كسائر النوافل، في كل ركعة ركوع واحد، ولا يجمع لها بل، يصلونها أفرادًا، إذ لم يرد أنه ﵊ صلاها في جماعة، ولا دعا إلى ذلك. ولأشهب جواز الجمع، قال اللخمي: وهو أبين. والمذهب أن الناس يصلونها في بيوتهم، ولا يكلفون الخروج لئلا يشق ذلك عليهم. (وذاك) وللأربعة: وذلك، بل للام (أن اْبنًا للنبي، ﷺ ، مات، يقال له: إبراهيم، فقال الناس في ذاك) ولأبي ذر، والأصيلي في ذلك، باللام أي: قالوا ما كانوا يعتقدونه من أن النيرين يوجبان تغيرًا في العالم من موت وضرر، فأعلم ﷺ أن ذلك باطل. ١٨ - باب الرَّكْعَةُ الأُولَى فِي الْكُسُوفِ أَطْوَلُ (باب الركعة الأولى في الكسوف أطول) من الثانية، والثانية أطول من الثالثة، وهي أطول من الرابعة. وللحموي والكشميهني باب الركعة في الكسوف تطوّل. ١٠٦٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَجْدَتَيْنِ، الأَوَّلُ الأَوَّلُ أَطْوَلُ". وبه قال: (حدّثنا)، ولأبي ذر: أخبرنا (محمود)، ولأبي ذر والأصيلي: محمود بن غيلان (قال: حدّثنا أبو أحمد) محمد بن عبد الله الزبيري الأسدي الكوفي (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن عمرة) بنت عبد الرحمن الأنصارية (عن عائشة ﵂¬): (أن النبي ﷺ ، صلّى بهم في كسوف الشمس) بالكاف (أربع ركعات، في سجدتين) أي: ركعتين (الأول والأول) بفتح الهمزة فيهما، وتشديد الواو. وفي نسخة: الأول فالأول، بالفاء أي: الركوع الأول (أطول) من الثاني. قال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأولى بقياميها وركوعيها أطول من الركعة الثانية بقياميها وركوعيها، واتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيهما أقصر من القيام الأول وركوعه فيهما. واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه، وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله: وهو دون القيام الأول. هل المراد به: الأول من الثانية، أو يرجع إلى الجميع فيكون كل قيام دون الذي قبله؟

стр. 798

ورواية الإسماعيلي تعين هذا الثاني، ويرجحه أيضًا أنه: لو كان المراد من قوله: القيام الأول: أول قيام من الأولى فقط لكان القيام الثاني والثالث مسكوتًا عن مقدارهما، فالأول أكثر فائدة. قاله في فتح الباري. وفي رواية أبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر، كما في فرع اليونينية، وعزاها في فتح الباري لرواية الإسماعيلي الأولى: فالأولى بضم الهمزة فيهما، أي: الركعة الأولى أطول من الثانية. ووقع في رواية المستملي، باب: صب المرأة على رأسها الماء إذا أطال الإمام القيام في الركعة الأولى. بدل قوله: الركعة الأولى في الكسوف أطول الثابت في رواية الكشميهني، والحموي، والظاهر: أن المصنف ترجم لها، وأخلى بياضًا ليذكر لها حديثًا كعادته، فلم يتفق، فضم بعضهم الكتابة بعضها إلى بعض، فوقع الخلط. ووقع في رواية أبي علي بن شبويه، عن الفربري: أنه ذكر باب صب المرأة أوّلاً. وقال في الحاشية: ليس فيه حديث، ثم ذكر باب: الركعة الأولى أطول، وأورد فيه حديث عائشة هذا. وكذا في مستخرج الإسماعيلي: قال الحافظ ابن حجر: فعلى هذا فالذي وقع من صنيع شيوخ أبي ذر، من اقتصار بعضهم على إحدى الترجمين ليس بجيد، أما من اقتصر على الأولى: وهو المستملي، فخطأ محض، إذ لا تعلق لها بحديث عائشة. وأما الآخران فمن حيث أنهما حذفا الترجمة أصلاً، وكأنهما استشكلاها فحذفاها. وكذا حذفت من رواية كريمة أيضًا عن الكشميهني. وكذا من رواية الأكثر. ١٩ - باب الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ (باب الجهر بالقراءة في) صلاة (الكسوف) بالكاف. ١٠٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ نَمِرٍ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂:- "جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن مهران) بكسر الميم، الجمال، بالجيم، الرازي (قال: حدّثنا الوليد) القرشي الأموي الدمشقي، ولأبي ذر، والأصيلي: ابن مسلم (قال: أخبرنا) ولأبي ذر، والأصيلي: حدّثنا (ابن نمر) بفتح النون وكسر الميم، عبد الرحمن الدمشقي، وثقه دحيم الذهلي وابن البرقي، وضعفه ابن معين لأنه لم يرو عنه غير الوليد، وليس له في الصحيحين غير هذا الحديث. وقد تابعه عليه الأوزاعي وغيره أنه (سمع ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة ﵂¬) أنها قالت: (جهر النبي ﷺ ، في صلاة الخسوف) بالخاء (بقراءته). حمل الشافعية والمالكية وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء هذا الإطلاق على صلاة خسوف القمر لا الشمس، لأنها نهارية، بخلاف الأولى، فإنها ليلية: وتعقب بأن الإسماعيلي روى حديث الباب من وجه آخر عن الوليد، بلفظ كسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ … فذكر الحديث. واحتج الإمام الشافعي بقول ابن عباس: قرأ نحوًا من قراءة سورة البقرة، لأنه لو جهر لم يحتج إلى التقدير. وعورض باحتمال أن يكون بعيدًا منه. وأجيب: بأن الإمام الشافعي ذكر تعليقًا عن ابن عباس: أنه صلّى بجنب النبي ﷺ في الكسوف، فلم يسمع منه حرفًا، ووصله البيهقي من ثلاثة طرق أسانيدها واهية. وأجيب: على تقدير صحتها بأن مثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى، وإن ثبت التعدد فيكون ﵊ فعل ذلك لبيان الجواز. قال ابن العربي: والجهر عندي أولى لأنها صلاة جامعة ينادى لها ويخطب، فأشبهت العيد، والاستسقاء. وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد بن حنبل: يجهر فيها، وتمسكوا بهذا الحديث (فإذا فرغ من قراءته، كبر فركع، وإذا رفع) رأسه (من الركعة قال): (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) بالواو (ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات) بنصب أربع عطفًا على أربع السابق. ١٠٦٦ - وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ". قَالَ الوَلِيد وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ مِثْلَهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ مَا صَنَعَ أَخُوكَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَا صَلَّى إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ إِذْ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: أَجَلْ، إِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. تَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْجَهْرِ. (وقال الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمر وهو معطوف على قوله: حدّثنا ابن نمر لأنه مقول الوليد (وغيره) أي: وقال غير الأوزاعي أيضًا (سمعت) ابن شهاب (الزهري) فيما وصله مسلم عن محمد بن مهران، عن الوليد بن مسلم، حدّثنا الأوزاعي عن الزهري (عن عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة، ﵂¬): (أن الشمس خسفت) بفتح الخاء المعجمة والسين (على عهد رسول الله، ﷺ ، فبعث مناديًا) يقول: (الصلاة جامعة) كذا للكشميهني، أي: أحضروا الصلاة حال كونها جامعة. وروي برفعهما: مبتدأ وخبر.

стр. 799

ولغير الكشميهني: مناديًا بالصلاة جامعة، بإدخال الموحدة مع الوجهين على الحكاية. (فتقدم) ﵊ (فصلّى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات) بنصب أربع عطفًا على السابق. وليس في رواية الأوزاعي تصريح بالجهر نعم، ثبت الجهر في رواية عند أبي داود والحاكم بلفظ: قرأ قراءة طويلة فجهر بها. (قال الوليد) ثبت: قال الوليد في نسخة (وأخبرني عبد الرحمن بن نمر) بكسر الميم بعد النون المفتوحة: بكذا وأخبرني أنه (سمع ابن شهاب) الزهري (مثله) أي مثل الحديث الأول. (قال الزهري) ابن شهاب (فقلت) لعروة: (ما صنع أخوك ذلك، عبد الله بن الزبير؟) برفع عبد الله، عطف بيان لقوله: أخوك، المرفوع على الفاعلية لصنع، والإشارة في قوله: ذلك، لفعل أخيه المشار إليه بقوله: (ما صلّى إلا ركعتين مثل الصبح إذ) أي: حين (صلّى بالمدينة) النبوية في الكسوف بركعتين. (قال: أجل) بفتح الجيم وسكون اللام، أي: نعم (إنه) بكسر الهمزة للابتداء (أخطأ السنة) وللكشميهني قال: من أجل أنه بسكون الجيم وفتح الهمزة للإضافة. (تابعه) أي: تابع ابن نمر (سفيان بن حسين) فيما وصله الترمذي (وسليمان بن كثير) بالمثلثة العبدي، بالموحدة الساكنة فيما وصله أحمد (عن الزهري في الجهر) وسفيان وسليمان ضعيفان، لكن تابعهما على ذكر الجهر عن الزهري عقيل عند الطحاوي، وإسحاق بن راشد عند الدارقطني وغيرهما فاعتضدا وقويا. ولله الحمد. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٧ - كتاب سجود القرآن (بسم الله الرحمن الرحيم). ١ - أَبْوَاب سُجُودِ الْقُرْآنِ وَسُنَّتِهَا (أبواب سجود القرآن) كذا للمستملي، وسقطت البسملة لأبي ذر، ولغير المستملي: باب ما جاء في سجود القرآن (وسنتها) بتاء التأنيث. أي: سجدة التلاوة، وللأصيلي: وسنته بتذكير الضمير تاء التأنيث، أي: سنة السجود وهي من السنن المؤكدة عند الشافعية، لحديث ابن عمر عند أبي داود والحاكم: أن النبي ﷺ كان يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه. وقال المالكية: وهل هي سنة أو فضيلة، قولان مشهوران. وقال الحنفية: واجبة لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧، والنجم: ٦٢] وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] ومطلق الأمر للوجوب. ولنا: أن زيد بن ثابت قرأ على النبي، ﷺ ﴿والنجم﴾ فلم يسجد رواه الشيخان. وقول عمر: أمرنا بالسجود يعني: للتلاوة، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، رواه البخاري. ووردت في القرآن في خمسة عشر موضعًا لحديث عمرو بن العاص عند أبي داود والحاكم بإسناد حسن: أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدة في القرآن، منها: ثلاث في المفصل، وفي ﴿الحج﴾ سجدتان. واتفقت الشافعية والحنفية على السجود في أربع عشرة منها، إلا أن الشافعية قالوا: في الحج، سجدتان وليس سجدة: ﴿ص﴾، سجدة تلاوة. والحنفية عدوها لا ثانية الحج. فيسجد في: الأعراف، عقب آخرها [الأعراف: ٢٠٦] وفي الرعد، عقب ﴿والآصال﴾ [الرعد: ١٥] وفي: النحل، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وفي: الإسراء ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] وفي: مريم ﴿وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وأولى الحج: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] وثانيتها ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وفي الفرقان، ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] وفي النمل، ﴿الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] وعند الحنفية ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥] و: ألم السجدة ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] و: ص، ﴿وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] و: فصلت، ﴿يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] وعند المالكية ﴿تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وآخر: النجم، والانشقاق ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] و: العلق، آخرها [العلق: ١٩]. فلو سجد قبل تمام الآية ولو بحرف لم يصح، لأن وقتها إنما يدخل بتمامها: والمشهور عند المالكية، وهو القول القديم للشافعي: إنها أحد عشر، فلم يعدوا ثانية الحج، ولا ثلاثة المفصل، لحديث: لم يسجد النبي ﷺ في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة. وأجيب: بأنه ضعيف، وناف وغيره صحيح ومثبت، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: سجدنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وكان إسلام أبي هريرة سنة سبع من الهجرة. اهـ. ١٠٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَسْوَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ النَّجْمَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ فِيهَا وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ، غَيْرَ شَيْخٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا". [الحديث أطرافه في: ١٠٧٠، ٣٨٥٣، ٣٩٧٢، ٤٨٦٣]. وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة، بندار البصري (قال: حدّثنا غندر) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة، محمد بن جعفر (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) السبيعي، واسمه: عمرو بن عبد الله الكوفي

стр. 800

(قال: سمعت الأسود) بن يزيد النخعي (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁، قال): (قرأ النبي، ﷺ ، النجم) أي: سورتها حال كونه (بمكة، فسجد فيها) أي في آخرها (وسجد من معه غير شيخ) هو: أمية بن خلف، كما يأتي في سورة النجم، إن شاء الله تعالى، أو: الوليد بن المغيرة، أو: عتبة بن ربيعة، أو أبو أحيحة سعيد بن العاصي، أو: أبو لهب، أو: المطلب بن أبي وداعة. والأول أصح (أخذ كفًّا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته) وفي سورة النجم: فسجد عليه (وقال: يكفيني) بفتح المثناة التحتية أول يكفيني (هذا). قال عبد الله بن مسعود، (فرأيته) أي: الشيخ المذكور (بعد ذلك قتل كافرًا) أي: ببدر، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: بعد قتل كافرًا. فإن قلت: لم بدأ المؤلّف بالنجم؟. أجيب: لأنها أول سورة أنزلت فيها سجدة، كما عند المؤلّف في رواية إسرائيل: وعورض: بأن الإجماع بأن سورة: اقرأ، أوّل ما نزل. وأجيب: بأن السابق من اقرأ أوائلها، وأما بقيتها فبعد ذلك، بدليل قصة أبي جهل في نهيه النبي ﷺ عن الصلاة. ورواة الحديث ما بين: بصري وواسطي وكوفي، وفيه رواية الرجل عن زوج أمه، لأن غندرًا ابن امرأة شعبة، والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في هذا الباب، وفي: مبعث النبي، ﷺ ، والمغازي، والتفسير، وأبو داود والنسائي فيه أيضًا. ٢ - باب سَجْدَةِ تَنْزِيلُ السَّجْدَةُ (باب سجدة تنزيل السجدة) بالجر على الإضافة، وبالرفع على الحكاية. ١٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (عن سعد بن إبراهيم) بسكون العين، ابن عبد الرحمن بن عوف (عن عبد الرحمن) بن هرمز الأعرج (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال): (كان النبي ﷺ يقرأ في الجمعة، في صلاة الفجر) في الركعة الأولى بعد الفاتحة (﴿ألم تنزيل﴾ السجدة) [السجدة: ١] بضم اللام على الحكاية، والسجدة نصب عطف بيان (و) في الثانية (﴿هل أتى على الانسان﴾) [الإنسان: ١]. ولم يصرح بالسجود هنا. نعم، في المعجم الصغير للطبراني بإسناد ضعيف من حديث علي: أن النبي ﷺ سجد في صلاة الصبح في ﴿تنزيل﴾ السجدة. ورواة حديث الباب ما بين: كوفي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة، وسبقت مباحثه في: كتاب الجمعة. ٣ - باب سَجْدَةِ ص (باب) حكم (سجدة) سورة: (ص). ١٠٦٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ص لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. [الحديث ١٠٦٩ - طرفه في: ٣٤٢٢]. وبالسند قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) بفتح الحاء المهملة وسكون الراء آخره موحدة (وأبو النعمان) بضم النون، محمد بن الفضل السدوسي (قالا: حدّثنا حماد) ولأبي الوقت، وللأصيلي: حماد بن زيد، ولأبي ذر: هو ابن زيد (عن أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ قال): السجود في سورة (ص ليس من عزائم السجود) أي: ليست من المأمور بها، والعزم في الأصل عقد القلب على الشيء، ثم استعمل في كل أمر محتوم، وفي الاصطلاح، ضدّ الرخصة وهي ما ثبت على خلف الدليل لعذر (وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها) موافقة لأخيه داود، صلوات الله وسلامه عليهما، وشكرًا لقبول توبته. وللنسائي من حديث ابن عباس، قال: إن النبي ﷺ سجد في: ص، وقال: "سجدها داود توبة ونسجدها شكرًا". وفي حديث أبي سعيد الخدري، عند أبي داود بإسناد صحيح على شرط البخاري: خطبنا النبي ﷺ يومًا فقرأ ص، فلما مر بالسجود تشزنا بتشديد الزاي والنون، أي: تهيأنا له، فلما رآنا قال: "إنما هي توبة نبي، ولكن قد استعددتم للسجود". فنزل وسجد، فيستحب السجود لـ "ص". في غير الصلاة، لما ذكر، ويحرم فيها لأن سجود الشكر لا يشرع داخل الصلاة. فإن سجد فيها عامدًا عالمًا بتحريمها، بطلت صلاته. بخلاف فعلها سهوًا أو جهلاً للعذر، لكنه يسجد للسهو، ولو سجدها إمامه باعتقاد منه كحنفي، لم يتبعه، بل يفارقه، أو ينتظره قائمًا. وإذا انتظره لا يسجد للسهو على الأصح. قال في الروضة: لأن المأموم لا سجود لسهوه، أي لا سجود عليه في فعل يقتضي سجود السهو، لأن الإمام يتحمله عنه، فلا يسجد لانتظاره. ووجه السجود أنه

стр. 801

يعتقد أن إمامه زاد في صلاته جاهلاً، وإن سجود السهو توجه عليهما. فإذا لم يسجد الإمام سجد المأموم. ذكره في المجموع وغيره: ووقع عند المؤلّف في تفسير سورة: ص، من طريق مجاهد، قال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] … ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ففي هذا أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية. وفي حديث الباب: أنه أخذه عن النبي ﷺ ، ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يكون استفاد من الطريقين. وزاد في أحاديث الأنبياء، من طريق مجاهد أيضًا، فقال ابن عباس: نبيكم ممن أمر أن يقتدى بهم، فاستنبط منه وجه سجود النبي ﷺ -فيها، من الآية. والمعنى: إذا كان نبيكم مأمورًا بالاقتداء بهم، فأنت أولى. وإنما أمره بالاقتداء بهم ليستكمل بجميع فضائلهم الجميلة، وخصائلهم الحميدة، وهي نعمة ليس وراءها نعمة. فيجب عليه الشكر لذلك. وفي الحديث: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في: أحاديث الأنبياء، وأبو داود والترمذي في: الصلاة، والنسائي في: التفسير. ٤ - باب سَجْدَةِ النَّجْمِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (باب سجدة) سورة (النجم). (قاله) أي: روى السجود في سورة النجم (ابن عباس ﵄، عن النبي، ﷺ ¬) كما سيأتي في الباب التالي لهذا الباب. ١٠٧٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلاَّ سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا". وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين، الحوضي الأزدي البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁¬): (أن النبي، ﷺ قرأ سورة النجم، فسجد بها) ولأبي الوقت في نسخة: فسجد فيها، أي: لما فرغ من قراءتها (فما بقي أحد من القوم) الذين اطلع عليهم عبد الله بن مسعود (إلا سجد) معه ﵊. (فأخذ رجل من القوم) الحاضرين: أمية بن خلف، أو غيره (كفًّا من حصى أو تراب) شك الراوي (فرفعه إلى وجهه، وقال: يكفيني هذا) بفتح أول يكفيني. (فلقد) زاد أبو ذر، والوقت، والأصيلي: قال عبد الله، أي: ابن مسعود: فلقد (رأيته) أي: الرجل (بعد قتل كافرًا). فيه أن من سجد معه من المشركين أسلم. ٥ - باب سُجُودِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْمُشْرِكُ نَجَسٌ لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَسْجُدُ عَلَى غير وُضُوءٍ. (باب سجود المسلمين مع المشركين، والمشرك نجس) بفتح الجيم (ليس له وضوء) صحيح لأنه ليس أهلاً للعبادة. (وكان ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄، يسجد) في غير الصلاة (على غير وضوء). لم يوافقه أحد عليه، لأن السجود في معنى الصلاة، فلا يصح إلا بالوضوء، أو: بدله بشروطه. نعم، وافق ابن عمر الشعبي فيما رواه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح. واعترض على الترجمة بأنه: إن أراد المؤلّف الاحتجاج لابن عمر بسجود المشركين، فلا حجة فيه، لأن سجودهم لم يكن للعبادة. وإن أراد الرد على ابن عمر بقوله: والمشرك نجس، فهو أشبه بالصواب. وفي رواية الأصيلي: يسجد على وضوء، فأسقط لفظ: غير، والأولى ثبوتها لانطباق تبويب المصنف، واستدلاله عليه. ويؤيده ما عند ابن أبي شيبة، أن ابن عمر كان ينزل عن راحلته فيريق الماء، ثم يركب، فيقرأ السجدة، فيسجد وما يتوضأ. ١٠٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ". وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ. [الحديث ١٠٧١ - طرفه في: ٤٨٦٢]. وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا مسدد) أي: ابن مسرهد (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد (قال: حدّثنا أيوب) هو السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄¬): (أن النبي ﷺ سجد بالنجم) زاد الطبراني في معجمه الصغير: بمكة. وفيه تنبيه على اتحاد قصة ابن مسعود السابقة، وابن عباس هذه. قيل: وإنما سجد، ﵊ لما وصفه الله تعالى في مفتتح السورة من أنه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] وذكر بيان قربه منه تعالى وأنه ﴿رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] وأنه ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] شكرًا لله تعالى على هذه النعمة العظمى. (وسجد معه المسلمون والمشركون) أي: الحاضر منهم، أي: لما سمعوا ذكر طواغيتهم ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] لا لما قيل، مما لا يصح: أنه أثنى على آلهتهم. وكيف يتصوّر ذلك، وقد أدخل همزة الإنكار على الاستخبار، بعد الفاء في قوله في السورة

стр. 802

﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ [النجم: ١٩] المستدعية لإنكار فعل الشرك؟. والمعنى: أتجعلون هؤلاء أي: اللات والعزى ومناة، شركاء؟ فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كانت آلهة وما هي ﴿إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ بمجرد متابعة الهوى، لا عن حجة أنزل الله تعالى بها. ملخصًا من شرح المشكاة. وليكن لنا إلى تحرير المبحث في هذه القصة عودة في سورة: الحج، إن شاء الله تعالى. وفي كتابي: المواهب اللدنية، من ذلك ما يكفي ويشفي، ولله الحمد والمنة. (و) كذا سجد معه ﵊ (الجن والإنس) هو من باب الإجمال بعد التفصيل، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قاله الكرماني. وزاد صاحب اللامع الصبيح: أو تفصيل بعد إجمال، لأن كلاًّ من المسلمين والمشركين شامل للإنس والجن. فإن قلت: من أين علم ابن عباس سجود الجن؟ جوزنا جواز رؤيتهم بطريق الكشف، لكن ابن عباس لم يحضر القصة لصغر سنه؟. أجيب: باحتمال استناده في ذلك إلى إخباره ﵊، إما بالمشافهة له، أو بواسطة. (ورواه) أي الحديث (ابن طهمان) بفتح الطاء وسكون الهاء آخره نون، ولأبي الوقت في نسخة، وأبي ذر والأصيلي: إبراهيم بن طهمان (عن أيوب) السختياني. والحديث أخرجه أيضًا في التفسير، والترمذي في: الصلاة. ٦ - باب مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَسْجُدْ (باب من قرأ السجدة) أي آيتها (و) الحال أنه (لم يسجد). ١٠٧٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: "أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ فَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا". [الحديث ١٠٧٢ - طرفه في: ١٠٧٣]. وبه قال: (حدّثنا سليمان بن داود أبو الربيع) الزهراني البصري (قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المدني (قال: أخبرنا) ولأبي الوقت، والأصيلي: حدّثنا (يزيد بن خصيفة) من الزيادة، وخصيفة بضم المعجمة وفتح المهملة والفاء (عن ابن قسيط) بضم القاف، وفتح السين المهملة مصغرًا، هو: يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي الأعرج المدني (عن عطاء بن يسار) بالمثناة التحتية، وتخفيف المهملة (أنه أخبره) أي: عطاء أخبر ابن قسيط. (أنه سأل زيد بن ثابت) الأنصاري (¬﵁¬) عن السجود في آخر النجم (فزعم) أي: فأخبر (أنه قرأ على النبي ﷺ (والنجم) أي سورتها (فلم يسجد فيها) لبيان الجواز، لأنه لو كان واجبًا لأمره بالسجود. وقد روى البزار والدارقطني بإسناد رجاله ثقات، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ سجد في سورة النجم، وسجدنا معه. وعند ابن مردويه في التفسير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أنه رأى أبا هريرة يسجد في خاتمة النجم، فسأله، فقال: إنه رأى النبي ﷺ يسجد فيها، وأبو هريرة إنما أسلم بالمدينة. وأما قول ابن القصار: إن الأمر بالسجود في النجم ينصرف إلى الصلاة فمردود بفعله. ورواة حديث الباب مدنيون إلا شيخ المؤلّف، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والسؤال، وأخرجه المؤلّف في سجود القرآن، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والترمذي. وقال: حسن صحيح، والنسائي. ١٠٧٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا". وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية (قال: حدّثنا ابن أبي ذئب) بالذال المعجمة، هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة القرشي المدني (قال: حدّثنا يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن عطاء بن يسار) الهلالي، وهو المذكور قريبًا (عن زيد بن ثابت) الأنصاري، ﵁، أنه (قال): (قرأت على النبي ﷺ ﴿والنجم﴾ فلم يسجد فيها). تمسك به المالكية، وبنحو حديث عطاء بن يسار: سألت أبي بن كعب فقال: ليس في المفصل سجدة. قال الشافعي في القديم: قال مالك: في القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء. قال الشافعي وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، في: العلم بالقرآن، كما لا يجهله أحد زيد قرأ على النبي ﷺ عام مات، وقرأ أبي على النبي، ﷺ ، مرتين وقرأ ابن عباس على أبي، وهم ممن لا يشك إن شاء الله أنهم لا يقولونه إلا بالإحاطة مع قول من لقينا من أهل المدينة. وكيف يجهل أبي بن كعب سجود القرآن وقد بلغنا أن النبي ﷺ قال لأبي: إن الله أمرني أن أقرئك القرآن؟ قال البيهقي: ثم قطع الشافعي في الجديد بإثبات السجود في المفصل في: رواية المزني، ومختصر البويطي، والربيع، وابن أبي الجارود. ٧ - باب سَجْدَةِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (باب سجدة ﴿إِذَا

стр. 803

السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]. ١٠٧٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ وَمُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَا: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: "رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ بِهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ". وبه قال: (حدّثنا مسلم) ولأبي ذر: مسلم بن إبراهيم، أي: القصاب البصري (ومعاذ بن فضالة) بفتح الفاء والمعجمة، ابن يزيد الزهراني البصري (قالا: أخبرنا هشام) هو ابن أبي عبد الله الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بفتح اللام: ابن عبد الرحمن بن عوف (قال): (رأيت أبا هريرة ﵁ قرأ) سورة (﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد بها) الباء ظرفية، وللكشميهني وأبي الوقت في نسخة: فيها. قال أبو سلمة (فقلت: بل أبا هريرة، ألم أرك تسجد؟ قال: لو لم أر النبي ﷺ يسجد، لم أسجد) ولأبوي ذر والوقت: سجد، بلفظ الماضي بدل: يسجد المضارع، والهمزة في: ألم أرك؟ للاستفهام الإنكاري المشعر بأن العمل استقرّ على خلاف السجود فيها. كما روي أنه لم يسجد في المفصل منذ تحوّل إلى المدينة. وكذلك أنكر عليه أبو رافع كما في حديثه الآتي إن شاء الله تعالى في باب: من قرأ السجدة في الصلاة فسجد فيها. حيث قال لهما: هذه السجدة. لكن أبو سلمة، وأبو رافع لم ينازعا أبا هريرة بعد أن أعلمهما أنه ﷺ سجد فيها، ولا احتجا عليه بالعمل، وحينئذٍ فلا دلالة فيه لمن لا يرى السجود فيها في الصلاة، ولا لمن قال: إن النظر أن لا يسجد فيها، لأنها إخبار بأنه ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]. ٨ - باب مَنْ سَجَدَ لِسُجُودِ الْقَارِئِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ -وَهْوَ غُلَامٌ- فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَجْدَةً فَقَالَ: اسْجُدْ، فَإِنَّكَ إِمَامُنَا فِيهَا. (باب من سجد) للتلاوة (لسجود القارئ). (وقال ابن مسعود) عبد الله، مما وصله سعيد بن منصور (لتميم بن حذلم) بفتح الحاء المهملة وإسكان الذال المعجمة وفتح اللام، وفتح تاء تميم وكسر ميمه، أبو سلمة الضبي (وهو غلام) جملة حالية (فقرأ عليه سجدة فقال) أي: ابن مسعود (اسجد) أنت لنسجد نحن أيضًا (فإنك إمامنا) أي متبوعنا لتعلق السجدة بنا من جهتك، وزاد الحموي: فيها أي: إمامنا في السجدة. وليس معناه إن لم تسجد لا نسجد، لأن السجدة كما تتعلق بالقارئ، تتعلق بالسامع غير القاصد السماع، والمستمع القاصد، ولو لقراءة محدث، وصبي، وكافر، وامرأة، ومصل، وتارك لها، لكنها في المستمع والسامع عند سجود القارئ آكد منها عند عدم سجوده، لما قيل: إن سجودهما يتوقف على سجوده، وإذا سجدا معه فلا يرتبطان به، ولا ينويان الاقتداء به. ولهما الرفع من السجود قبله. ذكره في الروضة. قال القاضي: ولا سجود لقراءة جنب وسكران، أي لأنها غير مشروعة لهما، زاد الأسنوي في الكوكب: ولا ساه، ونائم، لعدم قصدهما التلاوة. وقال الزركشي: وينبغي السجود لقراءة ملك أو جنيّ، لا لقراءة درّة. ونحوها لعدم القصد انتهى. وسقط قوله: وقال ابن مسعود الخ عند الأصيلي. ١٠٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ". [الحديث ١٠٧٥ - طرفاه في: ١٠٧٦، ١٠٧٩]. وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) القطان (عن عبيد الله) بضم العين وفتح الموحدة ابن عمر بن حفص بن عاصم بن الخطاب، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: حدّثنا عبيد الله (قال: حدّثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄، قال): (كان النبي- ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد) معه (حتى ما يجد أحدنا) أي بعضنا (موضع جبهته) لكثرة الساجدين وضيق المكان. ٩ - باب ازْدِحَامِ النَّاسِ إِذَا قَرَأَ الإِمَامُ السَّجْدَةَ (باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة). ١٠٧٦ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ". وبه قال: (حدّثنا بشر بن آدم) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، الضرير وليس له في البخاري إلا هذا الحديث فقط (قال: حدّثنا علي بن مسهر) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء (قال: أخبرنا عبيد الله) بن عمر العمري (عن نافع عن ابن عمر) بضم العين (قال): (كان النبي ﷺ يقرأ السجدة، ونحن عنده) جملة حالية (فيسجد) ﵊ (ونسجد) نحن (معه فنزدحم) لضيق الموضع وكثرتنا (حتى ما يجد أحدنا) ليس المراد كل واحد، بل البعض غير المعين (لجبهته موضعًا يسجد عليه) جملة في محل نصب لأنها وقعت صفة لموضعًا المنصوب على المفعولية ليجد. وقد روى البيهقي بإسناد صحيح، عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه. أي: ولو بغير إذنه، مع أن الأمر فيه يسير، قاله

стр. 804

في المطلب، ولا بد من إمكانه مع القدرة على رعاية هيئة الساجد، بأن يكون على مرتفع، والمسجود عليه في منخفض. وبه قال أحمد، والكوفيون، وقال مالك: يمسك، فإذا رفعوا سجد، وإذا قلنا بجواز السجود في الفرض فهو أجوز في سجود القرآن لأنه سنة، وذاك فرض. ١٠ - باب مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا. قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا. كَأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَلْمَانُ: مَا لِهَذَا غَدَوْنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ ﵁: إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَسْجُدُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، فَإِذَا سَجَدْتَ وَأَنْتَ فِي حَضَرٍ فَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَإِنْ كُنْتَ رَاكِبًا فَلَا عَلَيْكَ حَيْثُ كَانَ وَجْهُكَ. وَكَانَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ لَا يَسْجُدُ لِسُجُودِ الْقَاصِّ. (باب من رأى أن الله لم يوجب السجود) لحديث الباب الآتي إن شاء الله تعالى، ولحديث زيد بن ثابت السابق قريبًا: أنه قرأ على النبي ﷺ ﴿والنجم﴾ فلم يسجد فيها. وأما قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] فمحمول على الندب أو على أن المراد به سجود الصلاة، أو في الصلاة المكتوبة على الوجوب، وفي سجود التلاوة على الندب على قاعدة الشافعي في حمل المشترك على معنييه. وأوجبه الحنفية لأن آيات السجدة كلها دالة على الوجوب لاشتمال بعضها على الأمر بالسجود لأن مطلق الأمر للوجوب، واحتواء بعضها على الوعيد الشديد على تركه، وانطواء بعضها على استنكاف الكفرة عن السجود، والتحرز عن التشبه بهم واجب، وذلك بالسجود وانتظام بعضها على الإخبار عن فعل الملائكة والاقتداء بهم لازم لأن فيه تبرأ من الشيطان حيث لم يقتد به. وحديث زيد لا ينفي الوجوب لأنه لا يقتضي إلا تركها متصلة بالتلاوة، والأمر في الآيتين للوجوب لتجرده عن القرينة الصارفة عن الوجوب، وحمله على سجود الصلاة يحتاج إلى دليل. واستعماله في الصلاة المكتوبة على الوجوب، وفي سجدة التلاوة على الندب، استعمال لمفهومين مختلفين في حالة واحدة وهو ممتنع. انتهى. واحتج الطحاوي للندبية بأن الآيات التي في سجود التلاوة منها ما هو بصيغة الخبر، ومنها ما هو بصيغة الأمر. وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر: هل فيها سجود أو لا، وهي: ثانية الحج، وخاتمة النجم، واقرأ. فلو كان سجود التلاوة واجبًا لكان ما ورد بصيغة الأمر أولى أن يتفق على السجود فيه مما ورد بصيغة الخبر. (وقيل لعمران بن حصين) مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح بمعناه: (الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها) أي: لقراءة السجدة، أي لا يكون مستمعًا؟ (قال) عمران: (أرأيت) أي: أخبرني (لو قعد لها؟) وهمزة: أرأيت. للاستفهام الإنكاري قال المؤلّف: (كأنه) أي عمران (لا يوجبه) أي: السجود (عليه) أي الذي قعد لها للاستماع. وإذا لم يجب على المستمع فعدمه على السامع أولى. (وقال سلمان) الفارسي، مما وصله عبد الرزاق بإسناد صحيح من طريق أبي عبد الرحمن السلمي، قال: مر سلمان على قوم قعود فقرؤوا السجدة، فسجدوا، فقيل له، فقال: (ما لهذا) أي: للسماع (غدونا) أي: لم نقصده، فلا نسجد. (وقال عثمان) بن عفان (¬﵁: إنما السجدة على من استمعها) أي: قصد سماعها وأصغى إليها، لا على سامعها. وهذا وصله عبد الرزاق بمعناه. بإسناد صحيح، عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عنه: (وقال) ابن شهاب (الزهري)، مما وصله عبد الله بن وهب عن يونس عنه: (لا يسجد إلا أن يكون) بالمثناة التحتية فيهما ورفع الدال، ولأبوي ذر، والوقت: لا تسجد إلا أن تكون … ، بالفوقية فيهما وسكون الدال، (طاهرًا، فإذا سجدت وأنت في حضر فاستقبل القبلة، فإن كنت راكبًا) أي: في سفر، لأنه قسيم الحضر (فلا عليك حيث كان وجهك) أي: لا بأس عليك أن تستقبل القبلة عند السجود، وهذا موضع الترجمة، لأن الواجب لا يؤدى على الدابة في الأمن. (وكان السائب بن يزيد) بن سعيد الكندي أو: الأزدي، المعروف بابن أخت النمر، والنمر خال أبيه يزيد هو النمر بن جليّ، وتوفي السائب فيما قاله أبو نعيم: سنة اثنتين وثمانين، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة (لا يسجد لسجود القاص) بتشديد الصاد المهملة، الذي يقرأ القصص، والأخبار، والمواعظ لكونه ليس قاصدًا لتلاوة القرآن، أو: لا يكون قاصدًا للسماع، أو: كان يسمعه ولم يكن يستمع، أو: كان لم يجلس له، فلا يسجد. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على هذا الأثر موصولاً. انتهى. ١٠٧٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ -قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ- عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁". وَزَادَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ". وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التيمي الرازي، المعروف بالصغير (قال: أخبرنا هشام بن

стр. 805

يوسف) الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكي (أخبرهم، قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكر بن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام، عبد الله بن عبيد الله، واسم أبي مليكة: زهير بن عبد الله الأحول (عن عثمان بن عبد الرحمن) بن عثمان (التيمي) القرشي، (عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير) بضم الهاء وفتح الدال المهملة وسكون المثناة التحتية ثم راء (التميمي) القرشي المدني التابعي الجليل، (قال أبو بكر) أي ابن أبي مليكة: (وكان ربيعة) بن عبد الله بن الهدير (من خيار الناس: عما حضر ربيعة من عمر بن الخطاب ﵁¬) الجار متعلق: بأخبرني، والأول وهو عن عثمان متعلق بمحذوف، لا بأخبرني، لأن حرفي جر بمعنى لا يتعلقان بفعل واحد، والتقدير: أخبرني أبو بكر راويًا عن عثمان عن ربيعة عن قصة حضوره مجلس عمر أنه: (قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة) ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩، ٥٠] (نزل) عن المنبر (فسجد) على الأرض (وسجد الناس) معه (حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها) أي بسورة النحل (حتى إذا جاء السجدة). ولأبي ذر: جاءت السجدة (قال: يا أيها الناس إنا) وللكشميهني: إنما بزيادة ميم بعد النون، (نمرّ بالسجود) أي: بآيته (فمن سجد فقد أصاب) السنة، (ومن لم يسجد فلا إثم عليه) ظاهر في عدم الوجوب. لأن انتفاء الإثم عمن ترك الفعل مختارًا يدل على عدم وجوبه، وقد قاله بمحضر من الصحابة ولم ينكره عليه أحد، فكان إجماعًا سكوتيًا. (ولم يسجد عمر ﵁ وزاد نافع) مولى ابن عمر أي: وقال ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة بالإسناد السابق أن نافعًا زاد (عن ابن عمر ﵄¬) مما هو موقوف عليه. (إن الله لم يفرض السجود) ولأبي ذر: لم يفرض علينا السجود، أي: بل هو سنة. وأجاب بعض الحنفية بالتفرقة بين الفرض. والواجب، على قاعدتهم، بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب. وأجيب: بأن انتفاء الإثم عن الترك مختارًا يدل على الندبية. (إلا أن نشاء) السجود فالمرء مخير: إن شاء سجد، وإن شاء ترك. وحينئذٍ فلا وجوب. وادعاء المزي كالحميدي: أن هذا معلق غير موصول: وهم، ويشهد لاتصاله أن عبد الرزاق قال في مصنفه، عن ابن جريج: أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة … فذكره، وقال في آخره: قال ابن جريج: وزادني نافع عن ابن عمر أنه قال: لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. وكذلك رواه الإسماعيلي والبيهقي وغيرهما، قاله في الفتح. ١١ - باب مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ بِهَا (باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها) أي بتلك السجدة لا يكره له ذلك خلاقًا لمالك حيث قال بكراهة ذلك في الفريضة الجهرية والسرية منفردًا، وفي جماعة وسقط لفظ: بها، للأصيلي. ١٠٧٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ، فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد (قال: حدّثنا معتمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية، ابن سليمان التيمي (قال: سمعت) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (أبي) سليمان بن طرخان التيمي (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (بكر) هو: ابن عبد الله المزني (عن أبي رافع) نفيع (قال): (صليت مع أبي هريرة) ﵁، (العتمة) أي: صلاة العشاء (فقرأ) سورة (﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد) أي: عند آخر السجدة منها. (فقلت) له: (ما هذه) السجدة التي سجدتها في الصلاة. (قال: سجدت بها خلف أبي القاسم، ﷺ ¬)، أي: داخل الصلاة، كما في رواية أبي الأشعث عن معمر (فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه) أي: حتى أموت. ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة، وكذا مسلم وأبو داود والنسائي. ١٢ - باب مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا لِلسُّجُودِ مِنَ الزِّحَامِ (باب من لم يجد موضعًا للسجود من الزحام) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: للسجود مع الإمام من الزحام. ١٠٧٩ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ". وبالسند قال: (حدّثنا صدقة) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: صدقة بن الفضل (قال: أخبرنا يحيى) القطان، ولأبي ذر، والأصيلي: يحيى بن سعيد (عن عبيد الله) بضم العين. ابن عمر بن حفص العمري (عن نافع، عن ابن

стр. 806

عمر، ﵄. قال): (كان النبي، ﷺ ، يقرأ السورة التي فيها السجدة) زاد علي بن مسهر في روايته عن عبيد الله: ونحن عنده (فيسجد) ﵊ (ونسجد) نحن (حتى) وللكشميهني: ونسجد معه حتى (مما يجد أحدنا مكانًا لموضع جبهته) من الزحام، أي: في غير وقت صلاة، كما في رواية مسلم. وزاد الطبراني من طريق مصعب بن ثابت، عن نافع في هذا الحديث: حتى يسجد الرجل على ظهر أخيه. وله أيضًا، من رواية المسور بن مخرمة، عن أبيه، قال: أظهر أهل مكة الإسلام، يعني في أول الأمر حتى، أن كان النبي ﷺ ليقرأ السجدة فيسجد، وما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام، حتى قدم رؤساء أهل مكة، وكانوا في الطائف فرجعوهم عن الإسلام. بسم الله الرحن الرحيم ١٨ - أبواب التقصير (بسم الله الرحمن الرحيم). (أبواب التقصير) كذا للمستملي، وسقطت البسملة لأبي ذر، ولأبي الوقت: أبواب تقصير الصلاة. ١ - باب مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ، وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ (باب ما جاء في التقصير) مصدر قصر بالتشديد أي: تقصير الفرض الرباعي إلى ركعتين في كل سفر طويل مباح، طاعة كان كسفر الحج أو غيرها، ولو مكروهًا. كسفر تجارة تخفيفًا على المسافر لما يلحقه من تعب السفر. والأصل فيه، مع ما سيأتي إن شاء الله تعالى، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]. قال يعلى بن أمية: قلت لعمر: إنما قال الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] وقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله، ﷺ ، فقال: "صدقة تصدّق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته" رواه مسلم؛ فلا قصر في الصبح والمغرب، ولا في سفر معصية، خلافًا لأبي حنيفة حيث أجازه في كل سفر. وفي شرح المسند لابن الأثير: كان قصر الصلاة في السنة الرابعة من الهجرة، وفي تفسير الثعلبي، قال ابن عباس: أوّل صلاة قصرت، صلاة العصر، قصرها رسول الله، ﷺ ، بعسفان في غزوة أنمار. (وكم يقيم حتى يقصر؟) وفي نسخة اليونينية: يقصر بالتشديد، أي: وكم يومًا يمكث المسافر لأجل القصر، فكم، هنا استفهامية بمعنى: أي عدد، ولا يكون تمييزه، إلا مفردًا خلافًا للكوفيين. ويكون منصوبًا. ولفظة: حتى، هنا للتعليل لأنها تأتي في كلام العرب لأحد ثلاثة معان: انتهاء الغاية، وهو الغالب. والتعليل، وبمعنى إلا الاستثنائية. وهذا أقلها. ولفظه: يقيم، معناها: يمكث؛ وجواب: كم، محذوف تقديره: تسعة عشر يومًا، كما في حديث الباب، قاله العيني. ١٠٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمٍ وَحُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا". [الحديث ١٠٨٠ - طرفاه ٤٢٩٨، ٤٢٩٩]. وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي (قال: حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن عاصم) هو: ابن سليمان الأحول (وحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرحمن السلمي، كلاهما (عن عكرمة، عن ابن عباس، ﵄، قال): (أقام النبي) ولأبي ذر: رسول الله ﷺ في فتح مكة (تسعة عشر) بتقديم الفوقية على السين، أي: يومًا بليلته حال كونه (يقصر) الصلاة الرباعية، لأنه كان مترددًا متى تهيأ له فراغ حاجته، وهو انجلاء حرب هوازن، ارتحل. ويقصر بضم الصاد، وضبطها المنذري بضم الياء وتشديد الصاد، من: التقصير. وقد أخرج الحديث: أبو داود من هذا الوجه، بلفظ: سبعة عشر، بتقديم السين على الموحدة، وله أيضًا، من حديث عمران بن حصين: غزوت مع رسول الله ﷺ عام الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة، لا يصلّي إلاّ ركعتين. قال في المجموع: في سنده من لا يحتج به، لكن رجحه الشافعي على حديث ابن عباس: تسعة عشر. ولأبي داود، أيضًا عن ابن عباس: "أقام ﷺ ، بمكة عام الفتح، خمسة عشر يقصر الصلاة". وضعفها النووي في الخلاصة. قال ابن حجر: وليس بجيد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك، عن عبيد الله كذلك وإذا ثبت أنها صحيحة، فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبعة عشر، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشر. اهـ. وقال البيهقي: أصح الروايات فيه رواية ابن عباس، وهي التي ذكرها البخاري، ومن ثم اختارها ابن الصلاح، والسبكي. ويمكن الجمع، كما قاله البيهقي، بأن راوي: تسعة عشر، عدّ يومي

стр. 807

الدخول والخروج، وراوي: سبعة عشر لم يعدهما، وراوي: ثماني عشرة عد أحدهما، وهذا الجمع يشكل على قولهم: يقصر ثمانية عشر غير يومي الدخول والخروج. اهـ. قال ابن عباس: (فنحن إذا سافرنا) فأقمنا (تسعة عشر) يومًا (قصرنا) الصلاة الرباعية، وذلك عند توقع الحاجة يومًا فيومًا (وإن زدنا) في الإقامة على تسعة عشر يومًا (أتممنا) الصلاة أربعًا. ورواة هذا الحديث ما بين: بصري وواسطي وكوفي ومدني، وفيه ثلاثة من التابعين: عاصم، وحصين، وعكرمة، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في المغازي، وأبو داود والترمذي وابن ماجة: في الصلاة. ١٠٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ. قُلْتُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا". [الحديث ١٠٨١ - طرفه في: ٤٢٩٧]. وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو المنقري المقعد (قال: حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري (قال: حدّثنا يحيى بن أبي إسحاق) الحضرمي (قال سمعت أنسًا) ﵁ (يقول): (خرجنا مع النبي، ﷺ ، من المدينة) يوم السبت، بين الظهر والعصر، لخمس ليال بقين من ذي القعدة (إلى مكة) أي: إلى الحج، كما في رواية شعبة عن يحيى بن أبي إسحاق، عند مسلم (فكان) ﵊ (يصلّي) الفرائض (ركعتين ركعتين) أي إلا المغرب، رواه البيهقي. (حتى رجعنا إلى المدينة). قال يحيى؛ (قلت) لأنس: (أقمتم) بحذف همزة الاستفهام (بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها) أي: وبضواحيها (عشرًا) أي: عشرة أيام، وإنما حذف التاء من العشرة، مع أن اليوم مذكر، لأن المميز إذا لم يذكر جاز في العدد التذكير والتأنيث. واستشكل إقامته، ﵊، المدة المذكورة، يقصر الصلاة، مع ما تقرر أنه لو نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع عينه، انقطع سفره بوصوله ذلك الموضع، بخلاف ما لو نوى دونها، وإن زاد عليه لحديث: "يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا" وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار. رواهما الشيخان. فالترخيص في الثلاث يدل على بقاء حكم السفر بخلاف الأربعة، ولا ريب أنه ﵊ في حجة الوداع كان جازمًا بالإقامة بمكة المدة المذكورة. وأجيب: بأنه ﵊، قدم مكة لأربع خلون من ذي الحجة، فأقام بها غير يومي الدخول والخروج إلى منى، ثم بات بمنى، ثم سار إلى عرفات، ورجع فبات بمزدلفة، ثم سار إلى منى، فقضى نسكه، ثم إلى مكة، فطاف، ثم رجع إلى منى، فأقام بها ثلاثًا يقصر، ثم نفر منها بعد الزوال في ثالث أيام التشريق، فنزل بالمحصب، وطاف في ليلته للوداع، ثم رحل من مكة قبل صلاة الصبح، فلم يقم بها أربعًا في مكان واحد. وقال أبو حنيفة: يجوز القصر ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يومًا. ورواة هذا الحديث الأربعة كلهم بصريون، وفيه: التحديث والسماع والقول، وأخرجه أيضًا في المغازي، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وأخرجه النسائي فيها والحج. ٢ - باب الصَّلَاةِ بِمِنًى (باب) حكم (الصلاة بمنى) بكسر الميم يذكر ويؤنث. فإن قصد الموضع: فمذكر، ويكتب بالألف وينصرف، وإن قصد البقعة: فمؤنث، ولا ينصرف، ويكتب بالياء. والمختار: تذكيره. وسمي منًى، لما يمنى فيه، أي: يراق من الدماء. والمراد: الصلاة بها في أيام الرمي. واختلف في المقيم بها: هل يقصر أو يتم؟. ومذهب المالكية: القصر حتى أهل مكة وعرفة ومزدلفة للسنة، إلا فليس ثم مسافة قصر، فيتم أهل منى بها، ويقصرون بعرفة ومزدلفة؛ وضابطه عندهم: أن أهل كل مكان يتمون به ويقصرون فيما سواه. وأجيب بحديث: أنه ﵊. كان يصلّي بمكة ركعتين، ويقول: يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر، رواه الترمذي. فكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى: استغناء بما تقدم بمكة. وأجيب: بأن الحديث ضعيف لأنه من رواية علي بن جدعان، سلمنا صحته، لكن القصة كانت في الفتح، ومنى: كانت فى حجة الوداع، فكان لا بد من بيان ذلك لبعد العهد. ١٠٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا". [الحديث ١٠٨٢ - طرفه في: ١٦٥٥]. وبه قال: (حدّثنا مسدد قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين، ابن عمر بن حفص (قال: أخبرني) بالإفراد (نافع عن عبد الله، ﵁¬) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: عن عبد الله بن عمر، ﵄ (قال): (صليت مع النبي، ﷺ ، بمنى) أي: وغيره، كما عند مسلم من رواية سالم عن أبيه: الرباعية

стр. 808

(ركعتين) للسفر (و) كذا مع (أبي بكر) الصديق (وعمر) الفاروق (ومع عثمان) ذي النورين ﵃ (صدرًا من إمارته) بكسر الهمزة، أي: من أول خلافته، وكانت مدتها ثمان سنين، أو ست سنين (ثم أتمها) بعد ذلك لأن الإتمام والقصر جائزان، ورأى ترجيح طرف الإتمام لما فيه من المشقّة. ١٠٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: "صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ". [الحديث ١٠٨٣ - طرفه في: ١٦٥٦]. وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قال: حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا (شعبة) بن الحجاج (قال: أنبأنا) من الإنباء، وهو في عرف المتقدمين بمعنى الأخبار والتحديث، ولم يذكر هذا اللفظ فيما سبق (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: سمعت حارثة بن وهب) بالحاء المهملة والمثلثة، الخزاعي، أخا عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه (قال): (صلّى بنا النبي ﷺ ، أمن) بمد الهمزة وفتحات، أفعل تفضيل من الأمن، ضد الخوف (ما كان) وللحموي والكشميهني: ما كانت، بزيادة تاء التأنيث (بمنى) الرباعية (ركعتين). وكلمة: ما، مصدرية ومعناه الجمع، لأن ما أضيف إليه التفضيل يكون جمعًا، والمعنى: صلّى بنا، والحال إنّا أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنًا من غير خوف. وإسناد الأمن إلى الأوقات مجاز، والباء في "بمنى" ظرفية تتعلق بقوله: صلّى، وفيه دليل على جواز القصر في السفر من غير خوف. وإن دل ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] على الاختصاص، لأن ما في الحديث رخصة، وما في الآية عزيمة، يدل عليه قوله ﵊، المروي في مسلم: "صدقة تصدق الله بها عليكم". ورواة هذا الحديث ما بين: بصري وواسطي وكوفي، وفيه: التحديث والإنباء والسماع والقول، وأخرجه أيضًا في الحج، ومسلم في: الصلاة وأبو داود في: الحج، وكذا الترمذي والنسائي. ١٠٨٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: "صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ". [الحديث ١٠٨٤ - طرفه ١٦٥٧]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة)، ولأبي ذر، والأصيلي: قتيبة بن سعيد (قال: حدّثنا عبد الواحد) العبدي، ولأبي ذر: ابن زياد (عن الأعمش) سليمان بن مهران. (قال: حدّثنا) بالجمع، ولابن عساكر: حدّثني (إبراهيم) النخعي لا التيمي (قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد) من الزيادة النخعي (يقول): (صلّى بنا عثمان بن عفان ﵁¬) المكتوبة الرباعية (بمنى) في حال إقامته بها أيام الرمي (أربع ركعات). (فقيل ذلك) وللأصيلي، وأبي ذر: فقيل في ذلك أي: فما ذكر من صلاة عثمان أربع ركعات (لعبد الله بن مسعود، ﵁، فاسترجع) قال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، لما رأى من تفويت عثمان لفضيلة القصر، لا لكون الإتمام لا يجزي (ثم قال): (صليت مع رسول الله ﷺ ¬) المكتوبة (بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر) ولأبوي ذر، والوقت والأصيلي زيادة: الصديق (¬﵁ بمنى، وصليت مع عمر بن الخطاب ﵁، بمنى ركعتين) وسقط قوله: بمنى، عند أبي ذر في أصل، وثبت في غيره (فليت حظي) بالحاء المهملة والظاء المعجمة، أي: فليت نصيبي (من أربع ركعات ركعتان) وللأصيلي: من أربع ركعتان (متقبلتان). من، في قوله: من أربع للبدلية كهي في ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]. وفيه تعريض بعثمان، أي: ليته صلّى ركعتين بدل الأربع، كما صلّى النبي، ﷺ ، وصاحباه وهو إظهار لكراهة مخالفتهم. لا يقال: إن ابن مسعود كان يرى القصر واجبًا كما قال الحنفية، وإلاّ لما استرجع، ولا أنكر بقوله: "صليت مع رسول الله ﷺ … " إلى آخره. لأنا نقول: قوله: ليت حظي من أربع ركعات يرد ذلك، لأن ما لا يجزئ لا حظ له فيه، لأنه فاسد، ولولا جواز الإتمام لم يتابع هو والملأ من الصحابة عثمان عليه. ويؤيده ما روى أبو داود: أن ابن مسعود صلّى أربعًا فقيل له: عبت على عثمان، ثم صليت أربعًا فقال: الخلاف شر إذ لو كان بدعة لكان مخالفته خيرًا وصلاحًا. ورواة هذا الحديث ما بين: بلخي وبصري وكوفي وفيه: التحديث والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه أيضًا في الحج، ومسلم في: الصلاة، وأبو داود في الحج وكذا النسائي. ٣ - باب كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ؟ هذا (باب) بالتنوين (كم أقام النبي ﷺ في حجته؟). ١٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، إِلاَّ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ". تَابَعَهُ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ. [الحديث ١٠٨٥ - أطرافه في: ١٥٦٤، ٢٥٠٥، ٣٨٣٢]. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي البصري (قال: حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد (قال: حدّثنا أيوب) السختياني (عن أبي العالية البراء) بتشديد الراء، وكان يبري

стр. 809

النبل أو القصب، واسمه زياد بن فيروز على المشهور، وليس هو أبا العالية الرياحي (عن ابن عباس ﵄، قال): (قدم النبي، ﷺ ، وأصحابه) مكة يوم الأحد (لصبح رابعة) من ذي الحجة، وخرج إلى منى: في الثامن، فصلّى بمكة إحدى وعشرين صلاة، من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن، فهي أربعة أيام ملفقة، وهذا موضع الترجمة، وإن لم يصرح في الحديث بغاية فإنها معروفة في الواقع. أو المراد: إقامته إلى أن توجه إلى المدينة وهي عشرة أيام سواء، كما مر في حديث أنس. وكنى بقوله (يلبون بالحج) عن الإحرام، والجملة حالية، أي: قدم، ﵇، وأصحابه، حال كونهم محرمين بالحج (فأمرهم) ﵊ (أن يجعلوها) أي حجتهم (عمرة) وليس هذا من باب الإضمار قبل الذكر، لأن قوله: بالحج، يدل على الحجة (إلا من معه) وللكشميهني: إلا من كان معه (الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال: ما يهدى من النعم تقربًا إلى الله تعالى. ووجه استثناء المهدي أنه لا يجوز له التحلل ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وفسخ الحج خاص بالصحابة الذين حجوا معه ﵊، كما رواه أبو داود، وابن ماجة. ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: هدي بالتنكير. ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم والنسائي في الحج. (تابعه) أي: تابع أبا العالية (عطاء) أي: ابن أبي رباح في روايته (عن جابر) أي: ابن عبد الله، وهي موصولة عند المؤلّف في: باب التمتع والقران والإفراد، من كتاب الحج. ٤ - باب فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؟ وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهْيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا. هذا (باب) بالتنوين (في كم يقصر) المصلي (الصلاة؟) بفتح المثناة التحتية وسكون القاف وضم الصاد، ولأبوي ذر، والوقت: تقصر الصلاة، بضم المثناة الفوقية وفتح القاف والصاد المشددة، وللأصيلي: تقصر الصلاة، بضم الفوقية وسكون القاف وفتح الصاد مخففة، مبنيًّا للمفعول فيهما. والصلاة رفع نائب عنه فيهما أيضًا. (وسمى النبي، ﷺ ¬) في حديث هذا الباب (يومًا وليلة سفرًا) وللأربعة، وعزاها في الفتح لأبي ذر فقط: السفر يومًا وليلة، أي: وسمى مدة اليوم والليلة سفرًا. (وكان ابن عمر) بن الخطاب (وابن عباس ﵃¬)، مما وصله البيهقي بسند صحيح، (يقصران) بضم الصاد (ويفطران) بضم أوله وكسر الطاء (في أربعة برد) بضم الموحدة والراء وقد تسكن ذهابًا غير الإياب، ومثله إنما يفعل عن توقيف. فلو قصد مكانًا على مرحلة بنية أن لا يقيم فيه، فلا قصر له ذهابًا ولا إيابًا، وإن نالته مشقة مرحلتين متواليتين، لما روى الشافعي بسند صحيح عن ابن عباس، أنه سئل: أتقصر الصلاة إلى عرفة؟ فقال: لا ولكن إلى عسفان، وإلى جدة، وإلى الطائف. فقدرها بالذهاب وحده. وقد روي عنه مرفوعًا بلفظ: "يا أهل مكة! لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان". رواه الدارقطني، وابن أبي شيبة. لكن في إسناده ضعف من أجل عبد الوهاب بن مجاهد. قال البخاري: (وهي) أي الأربعة برد (ستة عشر فرسخًا) يقينًا أو ظنًا، ولو باجتهاد، إذ كل بريد أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثة أميال، فهي: ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية، نسبة لبني هاشم، لتقديرهم لها وقت خلافتهم بعد تقدير بني أمية لا هاشم نفسه، كما وقع للرافعي. والميل من الأرض منتهى مد البصر، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، وبذلك جزم الجوهري. وقيل: أن ينظر إلى شخص في أرض مصطحبة، فلا يدري أهو رجل أو امرأة، أو هو ذاهب أو آت، وهو أربعة آلاف خطوة، والخطوة: ثلاثة أقدام، فهو اثنا عشر ألف قدم، وبالذراع ستة آلاف، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضات، والإصبع: ست شعيرات معتدلات معترضات، والشعيرة: ست شعرات من شعر البرذون. وقد حرر بعضهم الذراع المذكور بذراع الحديد المستعمل الآن بمصر والحجاز، في هذه الأعصار فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن، فعلى هذا، فالميل، بذراع الحديد على القول المشهور: خمسة آلاف ذراع ومايتان وخمسون ذراعًا. انتهى. فمسافة القصر بالبرد أربعة، وبالفراسخ ستة عشر، وبالأميال ثمانية وأربعون ميلاً، وبالأقدام خمسمائة ألف وستة وسبعون ألفًا، وبالأذرع مائتا ألف وثمانية

стр. 810

وثمانون ألفًا وبالأصابع ستة آلاف وتسعمائة ألف واثنا عشر ألفًا وبالشعيرات أْحد وأربعون ألف ألف حبة وأربعماية ألف واثنان وسبعون ألفًا، وبالشعرات مائتا ألف ألف وثمانية وأربعون ألف ألف وثمانمائة ألف واثنان وثلاثون ألفًا، وبالزمن من يوم وليلة مع المعتاد من النزول والاستراحة والأكل والصلاة ونحوها. وعن ابن عباس قال تقصر الصلاة في مسيرة يوم وليلة، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وذلك: مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الأقدام، وضبطها بذلك تحديد لثبوت تقديرها بالأميال عن الصحابة، كما مر. ولأن القصر والجمع على خلاف الأصل، فيحتاط فيه بتحقيق تقدير المسافة، بخلاف تقدير القلتين ونحوهما، والبر كالبحر، فلو قطع المسافة فيه في ساعة قصر انتهى. ولأبي ذر عن الحموي والمستملي، وهو ستة عشر بالتذكير، بدل: وهي، وسقط ذلك كله إلى قوله فرسخًا لابن عساكر. ١٠٨٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». [الحديث ١٠٨٦ - طرفه في: ١٠٨٧]. وبالسند قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويه (الحنظلي) بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة، أو: هو ابن نصر السعدي، أو: ابن منصور الكوسج، والأول هو الراجح. وسقط: إبراهيم الحنظلي لأبي ذر، والأصيلي (قال: قلت لأبي أسامة) حماد بن أسامة الليثي (حدثكم عبيد الله) بن عمر بن عاصم العمري، واستدلّ به على أنه: إذا قيل للشيخ حدثكم فلان بكذا مع القرينة صح التحمل، لكن في مسند إسحاق، في آخره، فأقر به أبو أسامة وقال: نعم، (عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال): (لا تسافر المرأة) بكسر الراء لالتقاء الساكنين، سفرًا مباحًا أو لحج فرض (ثلاثة أيام) بلياليها، ولمسلم: ثلاث ليال، أي: بأيامها، وللكشميهني: فوق ثلاثة أيام، وللأصيلي: لا تسافر المرأة ثلاثًا (إلا مع ذي محرم) بفتح الميم وسكون الحاء، الذي لا يحل له نكاحها. وتمسك به الحنفية في أن سفر القصر ثلاثة أيام، لأن المرأة يجوز لها الخروج في أقل منها لقصر المسافة، وخفة الأمر. وإنما الرخصة في طويل فيه مشقة وتعب. وأجيب: بأنه لو كانت العلة ذلك لجاز للمرأة السفر فيما دون ذلك بلا محرم، لكنه لم يجز والنهي للمرأة من السير وحدها متعلق بالزمان، فلو قطعت مسيرة ساعة واحدة مثلاً في يوم تام تعلق بها النهي، بخلاف المسافر، فإنه لو قطع مسيرة نصف يوم مثلاً في يومين لم يقصر، فافترقا. ورواة هذا الحديث ما بين: مروزي وكوفي ومدني، وفيه: التحديث والنعنة، وأخرجه مسلم. ١٠٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». تَابَعَهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد بن مغربل الأسدي البصري (قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) العمري (عن نافع)، ولأبي ذر، والأصيلي: أخبرني، بالإفراد نافع (عن ابن عمر، ﵄، عن النبي، ﷺ ، قال): (لا تسافر المرأة) مجزوم بلا الناهية والكسرة لالتقاء الساكنين (ثلاثًا إلا مع ذي محرم) جعلها كالأولى تابعة، وللأصيلي: إلا معها ذو محرم، فجعلها متبوعة. ولا فرق بينهما في المعنى، ولأبي ذر: إلا ومعها ذو محرم، بالواو قبل معها. وليس في اليونينية واو، ولمسلم، وأبي داود، من حديث أبي سعيد: "إلا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها". (تابعه) أي تابع عبيد الله. . . . . . (١). . . . . . . (أحمد) بن محمد المروزي، أحد شيوخ المؤلّف، وليس أحمد بن حنبل حيث رواه (عن ابن المبارك) عبد الله (عن عبيد الله) العمري (عن نافع عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ¬). ١٠٨٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ». تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ وَمَالِكٌ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا ابن أبي ذئب) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحرث بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب: هشام العامري المدني (قال: حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا (سعيد) هو: ابن أبي سعيد (المقبري) بضم الموحدة، نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاوزًا بها (عن أبيه) أبي سعيد كيسان (عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي) وللأصيلي: عن النبي ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) خرج مخرج الغالب. وليس المراد إخراج سوى المؤمنة، لأن الحكم يعم كل امرأة مسلمة أو كافرة، كتابية كانت أو حربية، أو هو وصف لتأكيد التحريم لأنه تعريض أنها إذا سافرت بغير محرم فإنها مخالفة
следующие страницы →