Полный текст (4 743 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
معجمة، مبنيًا للمفعول أي يشق أو يخدش (فإنه) الرجل (يأخذ القرآن فيرفضه) بكسر الفاء وضمها والضاد المعجمة، أي: يترك حفظه والعمل به (وينام) ذاهلاً (عن الصلاة المكتوبة) العشاء حتى يخرج وقتها، أو الصبح. لأنها التي تفوت بالنوم غالبًا.
١٣ - باب إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه) قال في الفتح: كذا للمستملي وحده، ولغيره باب، فقط، وهو بمنزلة الفصل من سابقه، وفي اليونينية: باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه، فليتأمل مع ما قبله.
١١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ".
[الحديث ١١٤٤ - طرفه في: ٣٢٧٠].
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد قال: حدّثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم (قال: حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (منصور) هو: ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁ قال):
(ذكر عند النبي ﷺ رجل).
قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، عن ابن مسعود ما يؤخذ منه. أنه هو، ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه: وايم الله لقد بال في أذن صاحبكم ليلة يعني نفسه.
(فقيل) أي؛ قال رجل من الحاضرين (ما زال) الرجل المذكور (نائمًا حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة) اللام للجنس، أو المراد: المكتوبة، فتكون للعهد. ويدل له قول سفيان، فيما أخرجه ابن حبان في صحيحه: هذا عبد نام عن الفريضة. (فقال) ﵊:
(بال الشيطان في أذنه) بضم الهمزة والذال وسكونها، ولا استحالة أن يكون بوله حقيقة، لأنه ثبت أنه يأكل ويشرب وينكح، فلا مانع من بوله، أو: وهو كناية عن صرفه عن الصارخ بما يقره في أذنه حتى لا ينتبه، فكأنه ألقى في أذنه بوله فاعتل سمعه بسبب ذلك.
وقال التوربشتي: يحتمل أن يقال إن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فأحدث فى أذنه، وقرأ عن استماع دعوة الحق.
وقال في شرح المشكاة، خص الأذن بالذكر. والعين أنسب بالنوم إشارة إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه بالأصوات، ونداء: حي على الصلاة.
قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١١] أي: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات.
وخص البول من بين الأخبثين لأنه مع خباثته أسهل مدخلاً في تجاويف الخروق والمعروف، ونفوذه فيها، فيورث الكسل في جميع الأعضاء.
ورواة هذا الحديث كوفيون إلا شيخ المؤلّف فبصري، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف في صفة إبليس، ومسلم والنسائي وابن ماجة في: الصلاة.
١٤ - باب الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ
وَقَالَ : ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ أَىْ مَا يَنَامُونَ ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
(باب الدعاء والصلاة) بواو العطف، ولأبي ذر في الصلاة (من آخر الليل) وهو الثلث الأخير منه.
(وقال) ولأبوي ذر. والوقت: وقال الله وللأصيلي: وقول الله (﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون﴾) رفع بقليلاً على الفاعلية (أي: ما ينامون) وللحموي: ما يهجعون: ينامون، وما زائدة.
ويهجعون: خبر كان، وقليلاً إما ظرف أي: زمانًا قليلاً، ومن الليل إما صفة أو: متعلق بيهجعون، وإما مفعول مطلق أي: هجوعًا قليلاً. ولو جعلت: ما، مصدرية، فما يهجعون فاعل قليلاً، ومن الليل: بيان أو حال من المصدر. ومن، للابتداء. ولا يجوز أن تكون نافية، لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها. ولابن عساكر: ما ينامون، وعند الأصيلي يهجعون الآية.
(﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾) أي: أنهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم.
وسقط في رواية الأصيلي: ما بعد يهجعون إلى يستغفرون، وسقط عند أبي ذر، والأصيلي، وأبي الوقت: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾.
١١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ».
[الحديث ١١٤٥ - : طرفاه في: ٦٣٢١، ٧٤٩٤].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن) إمام الأئمة (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (وأبي عبد الله) سلمان (الأغر) بغين معجمة وراء مشددة، الثقفي، كلاهما (عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال):
(ينزل ربنا، ﵎ نزول رحمة، ومزيد لطف، وإجابة دعوة، وقبول معذرة، كما هو ديدن الملوك الكرماء، والسادة الرحماء، إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين ملهوفين، فقراء مستضعفين، لا نزول حركة وانتقال لاستحالة ذلك على الله تعالى، فهو نزول معنويّ.
نعم، يجوز حمله على الحسي، ويكون راجعًا إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل هو عبارة عن ملكه
стр. 842
الذي ينزل بأمره ونهيه.
وقد حكى ابن فورك: أن بعض المشايخ ضبطه بضم الياء من: ينزل. قال القرطبي: وكذا قيده بعضهم، فيكون معدّى إلى مفعول محذوف، أي: ينزل الله ملكًا.
قال: ويدل له رواية النسائي: إن الله يمهل حتى شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داع فيستجاب له الحديث. وبهذا يرتفع الإشكال.
قال الزركشي: لكن روى ابن حبان في صحيحه "ينزل الله إلى السماء فيقول لا أسأل عن عبادي غيري".
وأجاب عنه في المصابيح بأنه لا يلزم من إنزاله الملك أن يسأله عما صنع العباد، ويجوز أن يكون الملك مأمورًا بالمناداة، ولا يسأل البتة عما كان بعدها، فهو أعلم بما كان وبما يكون، لا تخفى عليه خافية، وقوله: ﵎، جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، وهو قوله:
(كل ليلة إلى السماء الدنيا) لأنه لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة، أتى بما يدل على التنزيه (حين يبقى ثلث الليل الآخر) منه، بالرفع صفة وتخصيصه بالليل، وبالثلث الأخير منه لأنه وقت التهجد، وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله، وعند ذلك تكون النية خالصة والرغبة إلى الله تعالى وافرة، وذلك مظنة القبول والإجابة.
ولكن اختلفت الروايات في تعيين الوقت على ستة أقوال يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في كتاب: الدعاء نصف الليل بعون الله.
(يقول من يدعوني فأستجيب له) بالنصب على جواب الاستفهام، وبالرفع على تقدير مبتدأ أي: فأنا أستجيب له. وكذلك حكم: فأعطيه فأغفر له. وليست السين للطلب بل أستجيب بمعنى: أجيب (من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).
وزاد حجاج بن أبي منيع، عن جده، عن الزهري عند الدارقطني في آخر الحديث: حتى الفجر. والثلاثة: الدعاء، والسؤال، والاستغفار، أما بمعنى واحد، فذكرها للتوكيد، وإما لأن المطلوب لدفع المضار أو جلب المسار، وهذا إما دنيوي أو ديني ففي الاستغفار إشارة إلى الأول، وفي السؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث.
وإنما خص الله تعالى هذا الوقت بالتنزل الإلهي، والتفضل على عباده باستجابة دعائهم، وإعطائهم سؤلهم، لأنه وقت غفلة واستغراق في النوم. واستلذاذ به، ومفارقة اللذة والدعة صعب لا سيما أهل الرفاهية، وفي زمن البرد، وكذا أهل التعب، ولا سيما في قصر الليل. فمن آثر القيام لمناجاة ربه والتضرع إليه مع ذلك دل على خلوص نيته وصحة رغبته فيما عند ربه تعالى.
ورواة الحديث مدنيون إلا ابن مسلمة سكن البصرة، وفيه، التحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا في: التوحيد والدعوات، ومسلم في: الصلاة، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
١٥ - باب مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ
وَقَالَ سَلْمَانُ لأَبِي الدَّرْدَاءِ ﵄: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ: قُمْ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَ سَلْمَانُ».
(باب من نام أوّل الليل وأحيا آخره) بالصلاة أو القراءة أو الذكر ونحوها.
(وقال سلمان) الفارسي (لأبي الدرداء، ﵄¬) وفي نسخة: وقاله سلمان، وضبب في اليونينية على الهاء، مما وصله المؤلّف في حديث طويل، في كتاب الأدب، عن جحيفة لما زاده، وأراد أن يقوم للتهجد.
(نم) فنام (فلما كان من آخر الليل قال) سلمان له: (نَمْ) قال: فصلينا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي، ﷺ ، فذكر له ذلك (قال النبي، ﷺ ¬):
(صدق سلمان) أي في جميع ما ذكر.
١١٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ -وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ قَالَ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وَإِلاَّ تَوَضَّأَ وَخَرَجَ".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي، ولأبي ذر: قال أبو الوليد: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج، قال المؤلّف: (وحدّثني) بالإفراد (سليمان) بن حرب الواشحي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن الأسود) بن يزيد (قال):
(سألت عائشة، ﵂: كيف صلاة النبي) وللأصيلي: كيف كانت، ولأبي الوقت: كيف كان صلاة النبي؟ ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ بالليل)؟.
(قالت: كان ينام أوّله ويقوم آخره، فيصلّي، ثم يرجع إلى فراشه) فإن كان به حاجة إلى الجماع جامع، ثم ينام (فإذا أذن المؤذن وثب) بواو ومثلثة وموحدة مفتوحات، أي: نهض (فإن كان) ولأبي ذر: فإن كانت (به حاجة) للجماع قضى حاجته و (اغتسل) فجواب الشرط محذوف، وهو قضى حاجته كما مر، ولفظ اغتسل يدل عليه، وليس بجواب (وإلا) بأن لم يكن جامع
стр. 843
(توضأ وخرج) إلى المسجد للصلاة.
ولمسلم: قالت: كان ينام أوّل الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأوّل، وثب ولا والله ما قالت: قام فأفاض عليه الماء ولا
والله ما قالت: اغتسل: وأنا أعلم ما تريد. وإن لم يكن جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلّى ركعتين. فصرّح بجواب إن الشرطية، وفي التعبير: بثم، في حديث الباب فائدة، وهي: أنه ﵇ كان يقضي حاجته من نسائه بعد إحياء الليل بالتهجد، فإن الجدير به ﵇ أداء العبادة قبل قضاء الشهوة.
قال في شرح المشكاة: ويمكن أن يقال: إن ثم، هنا لتراخي الإخبار، أخبرت أوّلاً أن عادته ﵇ كانت مستمرة بنوم أوّل الليل. وقيام آخره، ثم إن اتفق أحيانًا أن يقضي حاجته من نسائه فيقضي حاجته ثم ينام في كلتا الحالتين، فإذا انتبه عند النداء الأوّل، إن كان جنبًا اغتسل وإلا توضأ.
ورواة الحديث ما بين: بصري وواسطي وكوفي، وفيه: حدّثنا أبو الوليد، وفي الرواية الأخرى؛ قال لنا، بصورة التعليق. وقد وصله الإسماعيلي. وفيه: التحديث والسؤال والقول والعنعنة. وأخرجه مسلم والنسائي.
١٦ - باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ
(باب قيام النبي، ﷺ ¬) أي صلاته (بالليل في) ليالي (رمضان وغيره) وسقط قوله: بالليل، عند المستملي والحموي.
١١٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ "سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً: يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ. ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَىَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي".
[الحديث ١١٤٧ - طرفاه في: ٢٠١٣، ٣٥٦٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن سعيد المقبري) بضم الموحدة (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره):
(أنه سأل عائشة، ﵂، كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في) ليالي (رمضان؟).
(فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) أي: غير ركعتي الفجر.
وأما ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يصلّي في رمضان عشرين ركعة،
والوتر، فإسناده ضعيف. وقد عارضه حديث عائشة هذا، وهو في الصحيحين مع كونها أعلم بحاله، ﵊، ليلاً من غيرها.
(يصلّي أربعًا) أي أربع ركعات، وأما ما سبق من أنه كان يصلّي: مثنى مثنى، ثم واحدة فمحمول، على وقت آخر، فالأمران جائزان (فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) لأنهن في نهاية من كمال الحسن والطول، مستغنيات لظهور حسنهن وطولهن عن السؤال عنه والوصف، (ثم يصلّي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلّي ثلاثًا).
(قالت عائشة) ﵂: (فقلت) بفاء العطف على السابق، وفي بعضها: قلت (يا رسول الله أتنام) بهمزة الاستفهام الاستخباري (قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) ولا يعارض بنومه ﵊ بالوادي، لأن طلوع الفجر متعلق بالعين لا بالقلب، وفيه دلالة على كراهة النوم قبل الوتر، لاستفهام عائشة عن ذلك، كأنه تقرر عندها منع ذلك، فأجابها بأنه ﷺ ، ليس هو في ذلك كغيره.
وهذا الحديث أخرجه في: أواخر الصوم، وفي: صفة النبي ﷺ ، ومسلم في: الصلاة، وكذا أبو داود، والترمذي، والنسائي.
١١٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي شَىْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، فَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رَكَعَ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) بن عبد الله الزمن (قال: حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن هشام قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة، ﵂، قالت):
(ما رأيت النبي ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل) حال كونه (جالسًا، حتى إذا كبر) بكسر الموحدة أي: أسن، وكان ذلك قبل موته بعام (قرأ) حال كونه (جالسًا، فإذا بقي عليه من السورة ثلاثون) زاد الأصيلي: آية (أو أربعون آية) شك من الراوي (قام فقرأهن، ثم ركع).
فيه رد على من اشترط على من افتتح النافلة قاعدًا، أن يركع قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائمًا.
وهو محكي عن أشهب وبعض الحنفية.
وحديث مسلم الذي احتجوا به لا يلزم منه ما رواه عروة عنها، فإنه كان يفعل كلاًّ من ذلك بحسب النشاط.
ورواته ما بين: بصري ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم.
١٧ - باب فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
(باب فضل الطهور بالليل والنهار) بضم الطاء، وزاد أبو ذرّ عن الكشميهني:
стр. 844
وفضل الصلاة عند الطهور بالليل والنهار، وهي المناسبة لحديث الباب، وفي بعض النسخ، وهي رواية أبي الوقت: بعد الوضوء بدل قوله عند الطهور.
١١٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَىَّ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلاَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: دَفَّ نَعْلَيْكَ، يَعْنِي تَحْرِيكَ.
وبالسند قال: (حدّثنا إسحاق بن نصر) نسبة إلى جده. وإلا فهو: إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي المروزي. قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن أبي حيان) بالمهملة المفتوحة والمثناة التحتية المشدّدة، يحيى بن سعيد (عن أبي زرعة) هرم بن جرير البجلي (عن أبي هريرة، ﵁¬):
(أن النبي ﷺ قال لبلال) مؤذنه (عند صلاة الفجر) في الوقت الذي كان ﵊ يقص فيه رؤياه. ويعبر ما رآه غيره من أصحابه:
(يا بلال، حدّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام) أرجى: على وزن: أفعل التفضيل المبني من المفعول وهو سماعي. مثل: أشغل وأعذر، أي: أكثر مشغولية ومعذورية، فالعمل ليس براجٍ للثواب، وإنما هو مرجوّ الثواب، وأضيف إلى العمل لأنه السبب الداعي إليه، والمعنى: حدّثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك (فإني سمعت) أي الليلة، كما في مسلم في: النوم، لأنه لا يدخل أحد الجنة، وإن كان ﷺ يدخلها يقظة كما وقع له في المعراج إلا أن بلالاً لم يدخل.
وقال التوربشتي: هذا شيء كوشف به، ﷺ ، من عالم الغيب في نومه أو يقظته، ونرى ذلك، والله أعلم عبارة عن مسارعة بلال إلى العمل الموجب لتلك الفضيلة قبل ورود الأمر عليه، وبلوغ الندب إليه، وذلك من قبيل قول القائل لعبده: تسبقني إلى العمل؟ أي تعمل قبل ورود أمري إليك؟ انتهى.
لكنه لما كان ما استنبطه موافقًا لمرضاة الله ورسوله أقره واستحمده عليه.
(دف نعليك) بفتح الدال المهملة والفاء المشدّدة أي: صوت مشيك فيهما (بين يدي في الجنة) ظرف للسماع.
(قال: ما عملت عملاً أرجى عندي) من (أني) بفتح الهمزة، ومن المقدرة قبلها، صلة لأفعل التفضيل، وثبتت في رواية مسلم، وللكشميهني: أن، بنون خفيفة بدل أني (لم أتطهر طهورًا) زاد مسلم: تامًا، والظاهر أنه لا مفهوم له، أي: أتوضأ وضوءًا (في ساعة ليل أو نهار) بغير تنوين ساعة على الإضافة، كما في بعض الأصول المقابل على اليونينية، ورأيته بها كذلك، وفي بعضها: ساعة، بالتنوين وجر: ليل، على البدل. وهو الذي ضبطه به الحافظ ابن حجر، والعيني، ولم يتعرض لضبطه البرماوي كالكرماني.
ونكر ساعة لإفادة العموم فتجوز هذه الصلاة في الأوقات المكروهة.
وعورض: بأن الأخذ بعموم هذا ليس بأولى من الأخذ بعموم النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة.
وأجيب: بأنه ليس فيه ما يقتضي الفورية، فيحمل على تأخير الصلاة قليلاً ليخرج وقت الكراهة، ورُدّ بأنه في حديث بريدة، عند الترمذي وابن خزيمة، في نحو هذه القصة: ما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها. ولأحمد من حديثه: إلا توضأت وصليت ركعتين. فدلّ على أنه كان يعقب الحدث بالوضوء الوضوء بالصلاة في أي وقت كان.
(إلا صليت) زاد الإسماعيلي: لربي (بذلك الطهور) بضم الطاء (ما كتب لي أن أصلي) أي: ما قدّر عليّ أعم من النوافل والفرائض، ولأبي ذر: ما كتب إلي بتشديد الياء. وكتب على صيغة المجهول، والجملة في موضع نصب، و: أن أصلي، في موضع رفع.
قال ابن التين: إنما أعتقد بلال ذلك لأنه علم من النبي، ﷺ ، أن الصلاة أفضل الأعمال. وأن عمل السر أفضل من عمل الجهر.
قال في الفتح: والذي يظهر أن المراد بالأعمال التي سأله عن أرجاها، الأعمال المتطوّع بها، وإلا فالمفروض أفضل قطعًا. اهـ.
والحكمة في فضل الصلاة على هذا الوجه من وجهين:
أحدهما: إن الصلاة عقب الطهور أقرب، إلى اليقين منها إذا تباعدت لكثرة عوارض الحدث من حيث لا يشعر المكلف.
ثانيهما: ظهور أثر الطهور باستعماله في استباحة الصلاة وإظهار آثار الأسباب مؤكد لها ومحقق. وتقدم بلال بين يدي الرسول ﵊ في الجنة على عادته في اليقظة، لا يستدعي أفضليته على العشرة المبشرة بالجنة، بل هو سبق خدمة، كما يسبق العبد سيده. وفيه إشارة بقائه على ما هو عليه في حال حياته واستمراره على قرب منزلته: وذلك منقبة
стр. 845
عظيمة لبلال.
والظاهر أن هذا الثواب وقع بذلك العمل، ولا معارضة بينه وبين ما في حديث: لن يدخل أحد الجنة بعمله، لأن أصل الدخول إنما يقع برحمة الله تعالى، واقتسام المنازل بحسب الأعمال.
(قال أبو عبد الله) البخاري مفسرًا: (دف نعليك؟ يعني: تحريك) نعليك، يقال: دف الطائر إذا حرك جناحيه. وسقط قول أبي عبد الله هذا: إلى تحريك، عند أبوي ذر، والوقت والأصيلي. كذا في حاشية الفرع، وفي أصله علامة السقوط، أيضًا لابن عساكر.
ورواة الحديث كوفيون إلا شيخه. وفيه: التحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم في: الفضائل، والنسائي في: المناقب.
١٨ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ
(باب ما يكره من التشديد في العبادة) خشية الملال المفضي إلى تركها، فيكون كأنه رجع فيما بذله من نفسه وتطوّع به.
١١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَبْلُ؟ قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو المنقري (قال: حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري (عن عبد العزيز بن صهيب) البناني، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: حدّثنا عبد العزيز بن صهيب (عن أنس بن مالك ﵁، قال):
(دخل النبي، ﷺ ¬) المسجد (فإذا حبل ممدود بين الساريتين) الأسطوانتين المعهودتين (فقال):
(ما هذا الحبل؟ قالوا) أي: الحاضرون من الصحابة، وللأصيلي: فقالوا (هذا حبل لزينب) بنت جحش أم المؤمنين، ﵂، (فإذا فترت) بالفاء والفوقية والراء المفتوحات، أي: كسلت عن القيام (تعلقت) به (فقال النبي، ﷺ ، لا) يكون هذا الحبل، أو: لا يمد أو: لا تفعلوه، وسقطت هذه الكلمة عند مسلم (حلوه ليصل أحدكم نشاطه) بكسر لام: ليصل، وفتح نون: نشاطه، أي: ليصل أحدكم وقت نشاطه، أو الصلاة التي نشط لها.
وقال بعضهم: يعني، ليصل الرجل عن كمال الإرادة والذوق، فإنه في مناجاة ربه، فلا تجوز له المناجاة عند الملال. انتهى. وللأصيلي: بنشاطه، بزيادة الموحدة، أوّله أي: متلبسًا به.
(فإذا فتر) في أثناء القيام (فليقعد) ويتم صلاته قاعدًا، أو: إذا فتر بعد فراغ بعض التسليمات فليقعد لإيقاع ما بقي من نوافله قاعدًا، أو: إذا فتر بعد انقضاء البعض فليترك بقية النوافل جملة، إلى
أن يحدث له نشاط، أو: إذا فتر بعد الدخول فيها فليقطعها، خلافًا للمالكية حيث منعوا من قطع النافلة بعد التلبس بها.
١١٥١ - قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: فُلَانَةُ، لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ -فَذُكِرَ مِنْ صَلَاتِهَا- فَقَالَ: مَهْ، عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا".
(قال: وقال عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) قال الحافظ ابن حجر: كذا للأكثر، وفي رواية الحموي والمستملي: حدّثنا عبد الله، وكذا رويناه في الموطأ من رواية القعنبي.
قال ابن عبد البر تفرد القعنبي بروايته عن مالك في الموطأ دون بقية رواته، فإنهم اقتصروا على طرف منه مختصر.
(عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة، ﵂، (قالت):
(كانت عندي امرأة من بني أسد، فدخل عليّ رسول الله ﷺ ، فقال):
(من هذه؟ قلت) وللأصيلي: فقلت: (فلانة) غير منصرف، وهي: الحولاء بنت تويت (لا تنام من الليل) ولأبي ذر، والأصيلي: لا تنام الليل، بالنصب على الظرفية.
قال عروة (فذكر من صلاتها). بفاء العطف وضم الذال مبنيًا للمفعول، وللمستملي: تذكر، بفتح أوّله وضم ثالثه بلفظ المضارع، وللحموي: يذكر بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول، ويحتمل أن يكون على هاتين الروايتين من قول عائشة، وعلى كل من الثلاثة تفسير لقولها: لا تنام الليل (فقال) ﵊:
(مه) بفتح الميم وسكون الهاء بمعنى: اكفف (عليكم) أي: الزموا (ما) ولأبي الوقت: بما (تطيقون من الأعمال) صلاة وغيرها، (فإن الله لا يمل حتى تملوا) بفتح الميم فيهما.
قال البيضاوي، الملال فتور يعرض للنفس من كثرة مزاولة شيء، فيورث الكلال في الفعل والإعراض عنه، وأمثال ذلك على الحقيقة إنما تصدق في حق من يعتريه التغير والانكسار. فأما من تنزه عن ذلك فيستحيل تصوّر هذا المعنى في حقه. فإذا أسند إليه أوّل بما هو منتهاه وغاية معناه، كإسناد الرحمة والغضب والحياء والضحك، إلى الله تعالى.
والمعنى، والله أعلم؛ اعملوا حسب وسعكم وطاقتكم، فإن الله تعالى لا يعرض عنكم إعراض الملول، ولا ينقص ثواب أعمالكم ما بقي لكم نشاط، فإذا فترتم
стр. 846
فاقعدوا فإنكم إذا مللتم من العبادة وأتيتم بها على كلال وفتور، كانت معاملة الله معكم حينئذٍ معاملة الملول.
وقال التوربشتي: إسناد الملال إلى الله على طريقة الازدواج والمشاكلة: والعرب تذكر إحدى اللفظتين موافقة للأخرى، وإن خالفتها معنى، قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
١٩ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ تَرْكِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ كَانَ يَقُومُهُ
(باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه) لإشعاره بالإعراض عن العبادة.
١١٥٢ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ -ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ- قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ ح حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». وَقَالَ هِشَامٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْعِشْرِينَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ مِثْلَهُ. وَتَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ.
وبالسند قال: (حدّثنا عباس بن الحسين) بالموحدة والمهملة، والحسين مصغر، البغدادي القنطري، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر في الجهاد (قال: حدّثنا مبشر) بضم الميم وفتح الموحدة وتشديد المعجمة، ضدّ المنذر، الحلبي، ولأبي ذر، والأصيلي: مبشر بن إسماعيل (عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو:
قال المؤلّف (ح).
(حدّثني) بالإفراد (محمد بن مقاتل أبو الحسن) المروزي (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك (قال: أخبرنا الأوزاعي، قال: حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر، حدّثنا، وللأصيلي: أخبرنا (يحيى بن أبي كثير، قال: ح حدّثني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن
عمرو بن العاصي، ﵄، قال: قال لي رسول الله ﷺ ¬):
(يا عبد الله! لا تكن مثل فلان) لم يسم (كان يقوم الليل) أي: بعضه، ولأبي الوقت في نسخة، ولأبي ذر: من الليل أي: فيه كـ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: فيها (فترك قيام الليل).
(وقال هشام) هو: ابن عمار الدمشقي، مما وصله الإسماعيلي، وغيره (حدّثنا ابن أبي العشرين) بكسر العين والراء بينهما معجمة ساكنة، عند الحميد بن حبيب الدمشقي البيروتي، كاتب الأوزاعي تكلم فيه، (قال حدّثنا الأوزاعي قال: حدّثني) بالإفراد، وللأصيلي، وأبي ذر: حدّثنا
(يحيى) بن أبي كثير (عن عمر) بضم العين وفتح الميم (ابن الحكم) بفتح الكاف (ابن ثوبان) بفتح المثلثة، (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن (مثله) ولأبوي ذر والوقت بهذا مثله.
وفائدة ذكر المؤلّف لذلك، التنبيه على أن زيادة عمر بن الحكم بن ثوبان بين: يحيى وأبي سلمة، من المزيد في متصل الأسانيد، لأن يحيى قد صرح بسماعه من أبي سلمة. ولو كان بينهما واسطة لم يصرح بالتحديث.
(وتابعه) بواو العطف، ولأبي ذر: تابعه، بإسقاطها، أي: تابع ابن أبي العشرين على زيادة عمر بن الحكم (عمرو بن أبي سلمة) بفتح اللام، أبو حفص الشامي (عن الأوزاعي) وقد وصل هذه المتابعة مسلم.
٢٠ - باب
(باب) بالتنوين من غير ترجمة وهو كالفصل من سابقه.
١١٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: "قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قُلْتُ إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقٌّ وَلأَهْلِكَ حَقًّا فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ".
وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين وسكون الميم، ابن دينار (عن أبي العباس) بالموحدة المشددة آخره مهملة، السائب بن فروخ، بفتح الفاء وضم الراء المشدّدة وبالخاء المعجمة، الشاعر الأعمش التابعي المشهور (قال: سمعت عبد الله بن عمرو) هو: ابن العاصي (¬﵄، قال):
(قال لي النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ ¬):
(ألم أخبر) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة مبنيًّا للمفعول، والهمزة فيه للاستفهام. ولكنه خرج عن الاستفهام الحقيقي. ومعناه هنا حمل المخاطب على الإقرار بأمر قد استقر عنده ثبوته (أنك) بفتح الهمزة، لأنه مفعول ثان للإخبار (تقوم الليل وتصوم النهار؟) نصب على الظرفية كالليل.
قال عبد الله (قلت: إني أفعل ذلك) القيام والصيام (قال) ﵊:
(فإنك إذا فعلت ذلك هجمت) بفتح الهاء والجيم والميم أي: غارت، أي: دخلت (عينك) في موضعها، وضعف بصرها لكثرة السهر، ولأبي ذر: إذا فعلت هجمت عينك. وزاد الداودي: ونحل جسمك (ونفهت) بفتح النون وكسر الفاء، وعن القطب الحلبي، فتحها أي: كلت، وأعيت
(نفسك) من مشقة التعب (وإن لنفسك) عليك (حق) رفع على الابتداء، ولنفسك خبره مقدمًا، والجملة خبر إن واسمها ضمير الشأن محذوفًا، أي: إن الشأن لنفسك حق، وهذه رواية كريمة، وابن عساكر. وفي رواية أبوي ذر، والوقت، والأصيلي: حقًا، نصب على أنه اسم إن: أي: تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة
стр. 847
البشرية مما أباحه الله لها من الأكل والشرب والراحة التي يقوم بها البدن، ليكون أعون على الطاعة.
نعم، من حقوق النفس قطعها عما سوى الله تعالى بالكلية، لكن ذلك يختص بالتعلقات القلبية.
(ولأهلك) زوجك، أو أعم، ممن يلزمك نفقته عليك (حق) رفع أيضًا، ولأبوي ذر والوقت فقط: حقًا بالنصب، ومرّ توجيهها، أي: تنظر لهما فيما لا بدّ لهما منه من أمور الدنيا والآخرة.
وسقط لفظ: عليك هنا في الموضعين، وزاد في الصيام من وجه آخر: "وإن لعينك عليك حقًا". وفي رواية: وإن لزورك عليك حقًا، أي: لزائرك.
(فصم) في بعض الأيام (وأفطر) بقطع الهمزة في بعضها، لتجمع بين المصلحتين، وفيه إشارة إلى ما سبق من صوم داود (وقم) صل في بعض الليل (ونم) في بعضه. والأمر فيها للندب.
واستنبط منه: أن من تكلف الزيادة، وتحمل المشقّة على ما طبع عليه، يقع له الخلل في الغالب، وربما يغلب ويعجز.
ورواته: سفيان وعمرو وأبو العباس مكيون، وشيخه من أفراده، وفيه، التحديث والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه أيضًا في: الصوم، و: أحاديث الأنبياء، ومسلم في: الصوم، وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجة.
٢١ - باب فَضْلِ مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى
(باب فضل من تعار) بفتح المثناة الفوقية والعين المهملة وبعد الألف راء مشددة، أي: انتبه (من الليل فصلّى) مع صوت، من استغفار أو تسبيح أو نحوه.
وإنما استعمله هنا: دون الانتباه والاستيقاظ لزيادة معنى، وهو الأخبار: بأن من هب من نومه ذاكرًا الله تعالى مع الهبوب، فسأل الله تعالى خيرًا أعطاه. فقال: تعار، ليدل على المعنيين.
١١٥٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ قال أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. الْحَمْدُ لِلَّهِ
وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي -أَوْ دَعَا- اسْتُجِيبَ. فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ».
وبالسند قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي، وسقط لأبي ذر: ابن الفضل (قال: أخبرنا الوليد) زاد أبو ذر: هو ابن مسلم (عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، وللأصيلي: أخبرنا، ولأبي ذر: حدّثنا اللأوزاعي (قال: حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر، والأصيلي: حدّثنا (عمير بن هانئ) بضم العين مصغرًا، الدمشقي (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (جنادة بن أبي أمية) بضم الجيم، وتخفيف النون والدال المهملة وهاء التأنيث، مختلف فى صحبته (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (عبادة بن الصامت) ﵁ (عن النبي، ﷺ ، قال):
(من تعار من الليل فقال) لما كان التعار اليقظة مع صوت احتمل أن تكون الفاء تفسيرية لا يصوّت به المستيقظ، لأنه قد يصوت بغير ذكر، فخصه بمن صوّت بقوله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد) زاد أبو نعيم، في الحلية من وجهين، عن علي بن المديني: يحيي ويميت (وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان اله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) زاد النسائي، وابن ماجة، وابن السني: العلي العظيم، وسقط قوله: لا إله إلا الله، عند الأصيلي، وأبوي ذر والوقت، (ثم قال: اللهم اغفر لي -أو دعا- استجيب) زاد الأصيلي، له، وأو، للشك، وعند الإسماعيلي: ثم قال: رب اغفر لي، غفر له أو قال: فدعا، استجيب له. شك الوليد، واقتصر النسائي على الشق الأول (فإن توضأ، قبلت) ولأبوي ذر، والوقت: وصلّى، قبلت (صلاته) إن صلّى. والفاء في: فإن توضأ، للعطف على دعا، أو: على قوله: لا إله إلا الله. والأول أظهر، قاله الطيبي.
وترك ذكر الثواب ليدل على ما لا يدخل تحت الوصف، كما في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] وهذا إنما يتفق لمن تعوّد الذكر واستأنس به، وغلب عليه، حتى صار الذكر له حديث نفسه، في نومه ويقظته، فأكرم من اتصف بذلك بإجابة دعوته، وقبول صلاته.
وقد صرح، ﷺ ، باللفظ، وعرض بالمعنى بجوامع كلمه التي أوتيها حيث قال: "من تعارّ من الليل … " إلى آخره.
ورواته: كلهم شاميون إلا شيخه فمروزي، وفيه: رواية صحابي عن صحابي على قول من يقول بصحبة جنادة، والتحديث والأخبار والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود في: الأدب، والنسائي في: اليوم والليلة، والترمذي في: الدعوات، وابن ماجة في الدعاء.
١١٥٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قال أَخْبَرَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ
أَبِي سِنَانٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁-وَهُوَ يَقْصُصُ فِي قَصَصِهِ- وَهُوَ يَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ، يَعْنِي بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ
وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ … إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا … بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ … إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ
تَابَعَهُ عُقَيْلٌ. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدٍ، وَالأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
[الحديث ١١٥٥ - طرفه في: ٦١٥١].
وبه قال (حدّثنا يحيى بن بكير) هو: يحيى بن عبد الله بن بكير (قال: حدّثنا الليث)
стр. 848
بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (الهيثم) بفتح الهاء وسكون المثناة التحتية بعدها مثلثة مفتوحة (ابن أبي سنان) بكسر المهملة ونونين، الأولى خفيفة (أنه سمع أبا هريرة ﵁ -وهو يقصص) بسكون القاف جملة حالية ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي: وهو يقص (في) جملة (قصصه) بكسر القاف، جمع قصة. والذي في اليونينية وفرعها، فتح قاف، قصصه أي: مواعظه (وهو) أي، والحال أنه (يذكر رسول الله ﷺ ¬).
(إن أخًا لكم) هو قول أبي هريرة، أو: من قول النبي ﷺ ، والمعنى: إن الهيثم سمع أبا هريرة يقول وهو يعظ، وانجر كلامه إلى ذكره ﵊، وذكر ما قال من قوله ﵇: إن أخًا لكم (لا يقول الرفث) يعني الباطل من القول، والفحش، قال الهيثم، أو قال الزهري: (يعني بذلك عبد الله بن رواحة) بفتح الراء وتخفيف الواو وفتح الحاء، الأنصاري الخزرجي، حيث قال يمدح النبي ﷺ :
(وفينا رسول الله يتلو كتابه). القرآن، والجملة حالية (إذا) ولأبي الوقت في نسخة كما (انشق معروف) فاعل: انشق (من الفجر) بيان لمعروف (ساطع) مرتفع صفة لمعروف أي أنه يتلو كتاب الله وقت انشقاق الوقت الساطع من الفجر (أرانا) ولأبي الوقت: أنار (الهدى) مفعول ثان لأرانا (بعد العمى) بعد الضلالة (فقلوبنا به) ﷺ (موقنات: أنّ ما قال) من المغيبات (واقع يبيت) حال كونه (يجافي) يرفع (جنبه عن فراشه) كناية عن صلاته بالليل (إذا استثقلت بالمشركين المضاجع).
وهذه الأبيات من الطويل وأجزاؤه ثمانية: فعولن مفاعيلن … إلى آخره؛ والبيت الأخير منها بمعنى الترجمة، لأن التعار هو: السهر والتقلب على الفراش، وكان ذلك إما للصلاة، أو للذكر، أو للقراءة.
وفي البيت الأول الإشارة إلى علمه ﷺ ، وفي الثالث إلى عمله، وفي الثاني إلى تكميله الغير، فهو ﷺ ، كامل مكمل.
(تابعه) أي تابع يونس بن يزيد (عقيل) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد عن ابن شهاب فيما أخرجه الطبراني في الكبير.
(وقال الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة، محمد بن الوليد الحمصي، مما وصله البخاري في التاريخ الصغير، والطبراني في الكبير قال: (أخبرني) بالإفراد، محمد بن مسلم (الزهري عن سعيد) هو: ابن المسيب (والأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁¬).
وأشار به إلى أنه اختلف على الزهري في هذا الإسناد، فاتفق يونس وعقيل على أن شيخه فيه: الهيثم، وخالفهما الزبيدي، فأبدله: بسعيد بن المسيب والأعرج.
قال الحافظ ابن حجر: ولا يبعد أن يكون الطريقان صحيحين، فإنهم حفاظ ثقات، والزهري صاحب حديث مكثر، ولكن ظاهر صنيع البخاري ترجيح رواية يونس لمتابعة عقيل له بخلاف الزبيدي.
١١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ "رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ فَكَأَنِّي لَا أُرِيدُ مَكَانًا مِنَ الْجَنَّةِ إِلاَّ طَارَتْ إِلَيْهِ. وَرَأَيْتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ: لَمْ تُرَعْ، خَلِّيَا عَنْهُ".
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي (قال: حدّثنا حماد بن زيد عن أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄. قال):
(رأيت على عهد النبي، ﷺ ، كأن بيدي قطعة إستبرق) بهمزة قطع: ديباج غليظ، فارسي معرب (فكأني لا أريد مكانًا من الجنة إلا طارت إليه) في التعبير: إلا طارت بي إليه (ورأيت كأن اثنين) بسكون المثلثة وفتح النون، ولأبي الوقت: آتيين على صيغة اسم الفاعل، من الإتيان (أتياني، أرادا أن يذهبا بي إلى النار، فتلقاهما ملك فقال:) لي (لم ترع) بضم الفوقية وفتح الراء، أي: لا يكون بك خوف (خليا عنه)، فقصصتها على حفصة.
١١٥٧ - فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِحْدَى رُؤْيَاىَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ».
(فقصت حفصة على النبي ﷺ إحدى رؤياي) اسم جنس مضاف إلى ياء المتكلم (فقال النبي، ﷺ ¬):
(نعم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل).
قال نافع: (فكان عبد الله) بن عمر (¬﵁ يصلّي من الليل).
١١٥٨ - "وَكَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الرُّؤْيَا أَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَتْ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيْهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ".
[الحديث ١١٥٨ - طرفاه في: ٢٠١٥، ٦٩٩١].
(وكانوا) أي: الصحابة (لا يزالون يقصون على النبي، ﷺ ، الرؤيا أنها) أي ليلة القدر (في الليلة السابعة من العشر الأواخر) من رمضان (فقال النبي، ﷺ ¬):
стр. 849
(أرى رؤيكم قد تواطت) بغير همز، ولأبي ذر: تواطأت بالهمز بوزن تفاعلت، وكذا هو في أصل الدمياطي، أي: توافقت (في العشر الأواخر) من رمضان (فمن كان متحريها) بسكون التحتية في اليونينية (فليتحرها) أي: طالبًا ومجتهدًا لها، فليطلبها (من العشر الأواخر) وللكشميهني: في العشر الأواخر.
٢٢ - باب الْمُدَاوَمَةِ عَلَى رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ
(باب المداومة على) صلاة (ركعتي الفجر) التي قبل فرض الصبح سفرًا وحضرًا.
١١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ وَرَكْعَتَيْنِ جَالِسًا، وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا".
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يزيد) من الزيادة (قال: حدثنا سعيد هو ابن أبي أيوب) مقلاص، بكسر الميم وسكون القاف وبالصاد المهملة (قال: حدّثني) بالإفراد (جعفر بن ربيعة) نسبة لجده، وأبوه: شرحبيل القرشي (عن عراك بن مالك) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء آخره كاف، القرشي (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن عائشة، ﵂، قالت):
(صلّى النبي) وللأصيلي: رسول الله (¬ ﷺ ، العشاء، ثم صلّى) ولأبي ذر، وأبي الوقت عن الحموي، والمستملي: وصلّى، بواو العطف (ثمان ركعات) بفتح النون، وهو شاذ، ولأبي ذر: ثماني، بكسرها ثم ياء مفتوحة على الأصل، (وركعتين) حال كونه (جالسًا، وركعتين بين النداءين): أذان الصبح وأقامته، ولمسلم: ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة (ولم يكن) ﵊ (يدعهما) يتركهما، وفي اليونينية بسكون عين يدعهما بدل: فعل من فعل، أي: لم يدعهما على حدّ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] (أبدًا) نصب على الظرفية.
واستعمله للماضي، وإن كان المقرر استعماله للمستقبل، و: قط للماضي للمبالغة إجراء للماضي مجرى الستقبل، كأن ذلك دأبه، لا يتركه. واستدلّ به القائل بالوجوب، وهو مروي عن
الحسن البصري، كما أخرجه عن ابن أبي شيبة، واستدلّ به بعض الشافعية للقديم في أنها أفضل التطوعات، والجديد أن أفضلها الوتر.
ورواته: ما بين بصري ومصري ومدني، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والنسائي في: الصلاة.
٢٣ - باب الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ
(باب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر) بكسر الضاد من الضجعة، لأن المراد الهيئة، ويجوز الفتح على إرادة المرة.
١١٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ".
وبالسند قال: (حدّثنا) بالجمع، وللأصيلي وأبي ذر: حدّثني (عبد الله بن يزيد) من الزيادة (قال: حدّثنا سعيد بن أبي أيوب) مقلاص (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو الأسود) محمد بن عبد الرحمن النوفلي، يتيم عروة (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة، ﵂، قالت):
(كان النبي، ﷺ ، إذا صلّى ركعتي الفجر، اضطجع على شقه الأيمن) لأنه كان يحب التيامن في شأنه كله، أو تشريع لنا لأن القلب في جهة اليسار. فلو اضطجع عليه لاستغرق نومًا لكونه أبلغ في الراحة بخلاف اليمين، فيكون معلقًا، فلا يستغرق. وهذا بخلافه ﷺ : لأن عينه تنام ولا ينام قلبه.
وروى أبو داود بإسناد على شرط الشيخين: إذا صلّى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه، فقال مروان بن الحكم: أما يجزي أحدنا ممشاه في المسجد حتى يضطجع على يمينه؟ قال: لا واستدلّ به ابن حزم على وجوبها.
وأجيب: بحمل الأمر فيه على الاستحباب، فإن لم يفصل بالاضطجاع فبحديث: أو تحول عن مكانه، أو نحوهما.
واستحب البغوي في شرح السنة، الاضطجاع بخصوصه، واختاره في شرح المهذّب للحديث السابق، وقال: فإن تعذر عليه فصل بكلام.
وأما إنكار ابن مسعود الاضطجاع، وقول إبراهيم النخعي: هي ضجعة الشيطان، كما أخرجه ابن أبي شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهما الأمر بفعله، وكلام ابن مسعود يدل على: أنه إنما أنكر تحتمه، فإنه قال في آخر كلامه: إذا سلم فقد فصل.
٢٤ - باب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ
(باب من تحدث بعد الركعتين) سنة الفجر (ولم يضطجع).
١١٦١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلاَّ اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ".
وبالسند قال: (حدّثنا بشر بن الحكم) بكسر الموحدة وسكون المعجمة وفتح الحاء والكاف، من الحكم، العبدي النيسابوري (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثني) بالإفراد (سالم أبو النضر) بن أبي أمية (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، (عن عائشة، ﵂¬).
(أن النبي، ﷺ ، كان إذا صلّى سنة
стр. 850
الفجر فإن كنت مستيقظة حدّثني) ولا تضادّ بين هذا وبين ما في سنن أبي داود، من طريق مالك أن كلامه ﵊ لعائشة كان بعد فراغه من صلاة الليل، وقبل أن يصلّي ركعتي الفجر، لاحتمال أن يكون كلامه لها كان قبل ركعتي الفجر وبعدهما. (وإلا) أي: وإن لم أكن مستيقظة (اضطجع) للراحة من تعب القيام، أو: ليفصل بين الفرض والنفل بالحديث أو الاضطجاع. (حتى يؤذن بالصلاة) بضم الياء وإسكان الهمزة وفتح المعجمة، مبنيًا للمفعول. كذا في الفرع. وضبطه في الفتح بضم أوله وفتح المعجمة الثقيلة.
وللكشميهني: حتى نودي، من النداء.
واستدلّ به على عدم استحباب الضجعة.
وأجيب: بأنه لا يلزم من كونه ربما تركها عدم الاستحباب، بل يدل تركه لها أحيانًا على عدم الوجوب، والأمر بها في رواية الترمذي محمول على الإرشاد إلى الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وفيه أنه لا بأس بالكلام المباح بعد ركعتي الفجر.
قال ابن العربي: ليس في السكوت في ذلك الوقت فضل مأثور، إنما ذلك بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.
ورواته: ما بين نيسابوري ومكّي ومدني، وفيه: التحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا مسلم والترمذي.
٢٥ - باب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى
وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عَمَّارٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَأَنَسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ ﵃.
وقال يحيى بنُ سعيد الأنصاريُّ: ما أدرَكتُ فُقهاءَ أرضِنا إلا يُسلِّمونَ في كل اثنتينِ منَ النهارِ.
(باب ما جاء في التطوّع مثنى مثنى) ركعتين ركعتين يسلم من كل ثنتين.
وهذا الباب ثابت هنا في الفرع وأصله، وفي أكثر النسخ بعد باب: ما يقرأ في ركعتي الفجر، وعليه مثى في فتح الباري وغيره.
(ويذكر ذلك) أي: ما ذكر من التطوع مثنى مثنى (عن عمار) أي ابن ياسر، ولأبي ذر، والأصيلي: قال محمد، يعني: البخاري ويذكر، ولأبي الوقت: قال ويذكر، عن عمار (وأبي ذر وأنس) الصحابيين (وجابر بن زيد) أبي الشعثاء البصري (وعكرمة والزهري) التابعيين (¬﵃¬).
(وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: ما أدركت فقهاء أرضنا) أي أرض المدينة، وقد أدرك كبار التابعين: كسعيد بن المسيب، ولحق قليلاً من صغار الصحابة: كأنس بن مالك (إلا يسلمون في كل اثنتين) بتاء التأنيث. أي: ركعتين، ولأبي ذر: اثنين (من النهار) ولم يقف الحافظ ابن حجر عليه موصولاً كالذي قبله.
١١٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ. ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ. وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ".
[الحديث ١١٦٢ - طرفاه في: ٦٣٨٢، ٧٣٩٠].
وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد (قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الموالي) بفتح الميم والواو، واسمه، كما في تهذيب الكمال: زيد (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري، (¬﵄ قال):
(كان رسول الله) وللأصيلي: النبي (¬ ﷺ يعلمنا الاستخارة) أي: صلاتها ودعاءها، وهو طلب الخيرة بوزن العنبة (في الأمور) ولأبي ذر، والأصيلي زيادة: كلها، جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها ليسأل أحدكم حتى شسع نعله (كما يعلمنا السورة من القرآن) اهتمامًا بشان ذلك (يقول):
(إذا هم أحدكم بالأمر) أي قصد أمرًا مما لا يعلم وجه الصواب فيه، أما ما هو معروف خيره: كالعبادات وصنائع المعروف، فلا. نعم، قد يفعل ذلك لأجل وقتها لمخصوص، كالحج في هذه السنة لاحتمال عدو أو فتنة أو نحوهما (فليركع) فليصل ندبًا في غير وقت كراهة (ركعتين) من باب: ذكر الجزء وإرادة الكل.
واحترز بالركعتين عن الواحدة فإنها لا تجزئ. وهل إذا صلّى أربعًا بتسليمة يجزئ؟ وذلك لحديث أبي أيوب الأنصاري، المروي في صحيح ابن حبان وغيره: "ثم صلِّ ما كتب الله لك"، فهو دال على أن الزيادة على الركعتين لا تضر، وهذا موضع الترجمة لأمره، ﵊، بصلاة ركعتين.
(من غير الفريضة) بالتعريف، فلا تحصل سنتها بوقوع دعائها بعد فرض، وللأصيلي: من غير فريضة (ثم ليقل) ندبًا بكسر لام الأمر المعلق بالشرط: وهو إذا هم أحدكم بالأمر.
(اللهم إني أستخيرك) أي: أطلب منك بيان ما هو خير لي (بعلمك، وأستقدرك بقدرتك) أي: أطلب منك أن تجعل لي قدرة عليه، والباء فيهما للتعليل، أي: بأنك أعلم وأقدر، أو للاستعانة أو الاستعطاف، كما في ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧] أي: بحق قدرتك وعلمك الشاملين (وأسألك من فضلك العظيم) إذ كل عطائك فضل ليس لأحد عليك حق في نعمة (فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب) استأثرت بها، لا يعلمها
стр. 851
غيرك إلا من ارتضيته.
وفيه إذعان بالافتقار إلى الله تعالى في كل الأمور، والتزام لذلة العبودية.
(اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر) وهو: كذا وكذا، ويسميه (خير لي في ديني ومعاشي) حياتي (وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله-) الشك من الراوي (فاقدره لي) بضم الدال في اليونينية، وحكى عياض: فاقدره، بكسرها عن الأصيلي.
قال القرافي، في آخر كتاب أنوار البروق: من الدعاء المحرم، الدعاء المرتب على استئناف المشيئة، كمن يقول: أقدر لي الخير، لأن الدعاء بوضعه اللغوي إنما يتناول المستقبل دون الماضي، لأنه طلب. وطلب الماضي محال، فيكون مقتضى هذا الدعاء أن يقع تقدير الله في المستقبل من الزمان، والله تعالى يستحيل عليه استئناف المشيئة. والتقدير: بل وقع جميعه في الأزل، فيكون هذا الدعاء مقتضى مذهب من يرى أن لا قضاء، وأن الأمر أُنُفٌ، كما أخرجه مسلم عن الخوارج، وهو فسق بالإجماع، وحينئذ فيجاب عن قوله هنا: فاقدره لي بأن يتعين أن يعتقد: أن المراد بالتقدير هنا التيسير على سبيل المجاز، والداعي، إنما أراد هذا المجاز، وإنما يحرم الإطلاق عند عدم النية.
(ويسره لي، ثم بارك لي فيه) أدمه وضاعفه (وإن كنت تعلم أن هذا الأمر) وهو: كذا وكذا، ويسميه (شر لي في ديني ومعاشي) حياتي (وعاقبة أمري -أو قال-) شك من الراوي (في عاجل أمري وآجله -فاصرفه عني، واصرفني عنه) فلا تعلق بالي بطلبه.
وفي دعاء بعض العارفين: اللهم لا تتعب بدني في طلب ما لم تقدره لي.
ولم يكتف بقوله: فاصرفه عني، لأنه قد يصرف الله تعالى عن المستخير ذلك الأمر ولا يصرف قلبه عنه، بل يبقى متعلقًا متشوقًا إلى حصوله، فلا يطيب له خاطر، فإذا صرفه الله وصرفه عنه كان ذلك أكمل، ولذا قال:
(واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به) بهمزة قطع، أي: اجعلني راضيًا به لأنه إذا قدر له الخير ولم يرض به كان منكد العيش آثمًا بعدم رضاه، بما قدره الله له، مع كونه خيرًا له. (قال: ويسمي حاجته) أي: في أثناء دعائه عند ذكرها بالكناية عنها، في قوله: إن هذا الأمر كما سبق.
وشيخ المؤلّف بلخي، وعبد الرحمن، ومحمد مدنيان؛ وتفرد ابن أبي الموالي بروايته.
وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في: التوحيد، وأبو داود في: الصلاة، وكذا الترمذي وابن ماجة فيها. والنسائي في: النكاح والبعوث واليوم والليلة.
١١٦٣ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيَّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ».
وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) بن بشر بن فرقد البرجمي التميمي الحنظلي (عن عبد الله بن سعيد) بكسر العين، ابن أبي هند المديني (عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم) بفتح العين وضم السين وفتح اللام (الزرقي) أنه (سمع أبا قتادة) الحرث (بن ربعي) بكسر الراء، وإسكان الموحدة (الأنصاري، ﵁ قال: قال النبي ﷺ ¬):
(إذا دخل أحدكم المسجد) وللكشميهني: المجلس (فلا يجلس حتى يصلّي ركعتين) تحية السجد ندبًا. والحديث سبق في باب: إذا دخل المسجد فليركع ركعتين.
١١٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (عن أنس بن مالك، ﵁، قال):
(صلى لنا رسول الله ﷺ ¬) لما دعته مليكة، جدة أنس، لطعام صنعته له، فأكل منه ثم قال: "قوموا فلأصل لكم". قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيم والعجوز من ورائنا، فصلّى لنا رسول الله ﷺ (ركعتين، ثم انصرف).
١١٦٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ قال حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ".
وبه قال: (حدّثنا ابن بكير) وللأصيلي، وأبي ذر، يحيى بن بكير (قال: حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم عن) أبيه (عبد الله بن عمر، ﵄ قال):
(صليت مع رسول الله ﷺ ، ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد الجمعة، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء).
١١٦٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ -أَوْ قَدْ خَرَجَ- فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ".
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي أياس (قال: أخبرنا) ولأبي ذر، والأصيلي: حدّثنا (شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر، والوقت،
стр. 852
والأصيلي: حدّثنا (عمرو بن دينار) بفتح العين وسكون الميم (قال: سمعت جابر بن عبد الله، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ ، وهو) أي والحال أنه (يخطب) يوم الجمعة: (إذا جاء أحدكم والإمام يخطب -أو قد خرج- فليصل ركعتين) ندبًا.
١١٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَيْفُ قال سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: "أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلِهِ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ. قَالَ فَأَقْبَلْتُ فَأَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَرَجَ وَأَجِدُ بِلَالاً عِنْدَ الْبَابِ قَائِمًا، فَقُلْتُ: يَا بِلَالُ، صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ فَأَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ هَاتَيْنِ الأُسْطُوَانَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ "أَوْصَانِي النَّبِيُّ ﷺ بِرَكْعَتَىِ الضُّحَى". وَقَالَ عِتْبَانُ "غَدَا عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ مَا امْتَدَّ النَّهَارُ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا سيف) المخزومي، وفي هامش الفرع وأصله من غير رقم ابن سليمان المكي (قال: سمعت مجاهدًا) الإمام المفسر (يقول أتي ابن عمر) بن الخطاب، بضم همزة: أتي، مبنيًّا للمفعول (¬﵄ في منزله) بمكة (فقيل له: هذا
رسول الله ﷺ ، قد دخل الكعبة. قال: فأقبلت فأجد) بصيغة المتكلم وحده من المضارع، وكان القياس أن يقول: فوجدت، بعد: فأقبلت، لكن عدل عنه لاستحضار صورة الوجدان وحكايته عنها، (رسول الله ﷺ قد خرج) من الكعبة (وأجد بلالاً) مؤذنه (عند الباب). وللكشميهني، وابن عساكر: على الباب، حال كونه (قائمًا. فقلت: يا بلال! صلّى) بإسقاط همزة الاستفهام المنوية، وللكشميهني، أصلّى (رسول الله ﷺ في الكعبة. قال: نعم) صلّى فيها. (قلت فأين) صلّى فيها؟ (قال: بين هاتين الأسطوانتين) بضم الهمزة والطاء (ثم خرج) من الكعبة (فصلّى ركعتين في وجه الكعبة) أي مواجهة بابها، أو في جهتها. فيكون أعم من جهة الباب.
وسبق الحديث في باب: قول الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] في أوائل الصلاة.
(قال أبو عبد الله) البخاري، وفي الفرع وأصله علامة سقوط ذلك عن ابن عساكر، وفي هامشهما التصريح بسقوطه أيضًا، عن أبوي ذر، والوقت، والأصيلي (قال أبو هريرة) مما وصله في باب: صلاة الضحى في الحضر، ولأبي ذر، والأصيلى: وقال أبو هريرة (¬﵁: أوصاني النبي، ﷺ ، بركعتي الضحى).
(وقال عتبان) بكسر العين وسكون الفوقية، مما سبق موصولاً في باب: المساجد في البيوت، ولأبي ذر، والأصيلي: عتبان بن مالك (غدًا عليّ رسول الله) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: النبي (¬ ﷺ ، وأبو بكر) الصديق (¬﵁، بعدما امتد النهار، وصففنا وراءه، فركع ركعتين).
قال في المصابيح: قال ابن المنير: رأى البخاري الاستدلال بالاستخارة والتحية والأفعال المستمرة أولى من الاستدلال بقوله: صلاة الليل مثنى مثنى، لأنه لا يقوم الاستدلال به على النهار إلاّ بالقياس، ويكون القياس حينئذ كالمعارض لمفهوم قوله: صلاة الليل … فإن ظاهره أن صلاة النهار ليست كذلك، وإلاّ سقطت فائدة تخصيص الليل.
والجواب أنه ﵊، إنما خص الليل لأجل أن فيه الوتر، خشية أن يقاس على الوتر، فيتنفل المصلي بالليل أوتارًا، فبين أن الوتر لا يعاد، وأن بقية صلاة الليل: مثنى مثنى، وإذا ظهرت فائدة التخصيص سوى المفهوم، صار حاصل الكلام: صلاة النافلة مثنى مثنى، فيعم الليل والنهار، فتأمله، فإنه لطيف جدًّا. اهـ.
٢٦ - باب الْحَدِيثِ يَعْنِي بَعْدَ رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ
(باب الحديث بعد ركعتي الفجر) ولغير أبوي ذر، والوقت، والأصيلي: يعني بعد ركعتي الفجر.
١١٦٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ أَبُو النَّضْرِ حدثني أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلاَّ اضْطَجَعَ" قُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْوِيهِ رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ، قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ ذَاكَ.
وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال أبو النضر) سالم (حدّثني) بالإفراد (أبي) أبو أمية (عن أبي سلمة) بفتح اللام، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: قال أبو النضر: حدّثني عن أبي سلمة (عن عائشة، ﵂ أن النبي ﷺ ، كان يصلّي ركعتين، فإن كنت مستيقظة حدّثني، وإلاّ اضطجع).
قال علي بن عبد الله المديني: (قلت لسفيان) بن عيينة (فإن بعضهم) هو: مالك بن أنس الإمام، كما أخرجه الدارقطني (يرويه: ركعتي الفجر) اللتين قبل الفرض (قال سفيان: هو ذاك) أي الأمر ذاك.
٢٧ - باب تَعَاهُدِ رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ، وَمَنْ سَمَّاهُمَا تَطَوُّعًا
(باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما) أي: الركعتين، وللحموي والكشميهني: سماها، بالإفراد، أي: سنة الفجر (تطوعًا) نصب مفعول ثان لسماها.
١١٦٩ - حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَىْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ".
وبالسند قال: (حدّثنا بيان بن عمرو) بفتح الموحدة وتخفيف التحتية وبعد الألف نون، وعمرو: بفتح العين وسكون الميم، قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان، قال:
стр. 853
(حدّثنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عطاء) هو: ابن أبي رباح (عن عبيد بن عمير) بضم العين فيهما على التصغير، الليثي القاص (عن عائشة، ﵂¬) أنها (قالت: لم يكن النبي، ﷺ ، على شيء من النوافل أشد منه) ﵊ (تعاهدًا) أي: تفقدًا أو تحفظًا، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: أشد تعهدًا منه (على ركعتي الفجر) وفي هامش الفرع ما نصه: منه، الأولى ساقطة عند الأصيلي، وأبوي ذر، والوقت: مكررة في أصل السماع.
٢٨ - باب مَا يُقْرَأُ فِي رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ
(باب ما يقرأ) بضم أوله، مبنيًا للمفعول، والذي في اليونينية مبنيًا للفاعل (في) سنة (ركعتي الفجر).
١١٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ".
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂، قالت):
(كان رسول الله ﷺ ، يصلّي بالليل ثلاث عشرة ركعة) منها: الركعتان الخفيفتان اللتان يفتتح بهما صلاته (ثم يصلّي إذا سمع النداء بالصبح) سنته (ركعتين خفيفتين) يقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]. و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]. رواه مسلم.
ولأبي داود ﴿قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: ٨٤]. في الركعة الأولى، وفي الثانية: ﴿رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٥٣].
وقد نوزع في مطابقة الحديث للترجمة لخلوه عن ذكر القراءة.
وأجيب: بأن كلمة: ما، في الأصل للاستفهام عن ماهية الشيء، مثلاً، إذا قلت ما الإنسان؟ أي: ما ذاته؟ وما حقيقته؟ فجوابه: حيوان ناطق. وقد يستفهم بها عن صفة الشيء كقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧]. أي: ما لونها. هاهنا أيضًا قوله: ما يقرأ؟ استفهام عن صفة القراءة هل هي طويلة أو قصيرة؟ فقوله: خفيفتين، يدل على أنها كانت قصيرة.
ورواة هذا الحديث ما بين: بخاري ومصري ومكّي، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، ورواية تابعي عن تابعي، وأخرجه مسلم في: الصلاة، وكذا أبو داود والنسائي.
١١٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمَّتِهِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ح. وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إِنِّي لأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة (قال: حدّثنا محمد بن جعفر) الملقب: غندر، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصاري (عن عمته عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة (عن عائشة ﵂، قالت):
(كان النبي ﷺ ح) مهملة لتحويل السند.
(وحدّثنا) ولأبي ذر، قال: حدّثنا (أحمد بن يونس) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي (قال: حدّثنا زهير) هو: ابن معاوية الجعفي (قال: حدّثنا يحيى: هو ابن سعيد) بكسر العين الأنصاري (عن محمد بن عبد الرحمن) بن زرارة السابق (عن) عمته (عمرة عن عائشة ﵂. قالت):
(كان النبي ﷺ ، يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح) قراءة وأفعالاً (حتى إني لأقول) بلام التأكيد (هل قرأ بأم الكتاب) أم لا؟ و: حتى، للابتداء، و: إني بكسر الهمزة. وللحموي: بأم القرآن.
وليس المعنى أنها شكت في قراءته بأم القرآن، بل المراد أنه كان في غيرها من النوافل يطول، وفي هذه يخفف أفعالها وقراءتها، حتى إذا نسبت إلى قراءة غيرها كانت كأنها لم يقرأ فيها.
ورواته ما بين: بصري وواسطي ومدني وكوفي، وفيه: التحديث والعنعنة والقول.
أبواب التطوع
(أبواب) أحكام (التطوع) بالصلاة.
وهذه الترجمة ساقطة في غالب الأصول، كفرع اليونينية.
والتطوع عند الشافعية ما رجح الشرع فعله على تركه وجاز تركه، فالتطوع، والسنة، والمستحب، والمندوب، والنافلة، والمرغب فيه، ألفاظ مترادفة.
٢٩ - باب التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ
(باب التطوع) بها (بعد) الصلاة (المكتوبة) المفروضة، والحكمة في مشروعيته تكميل الفرائض به إن فرض فيها نقصان.
١١٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ. فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ". قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ "بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي أَهْلِهِ". تَابَعَهُ كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَأَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بضم العين، مصغرًا، ابن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب (قال: أخبرني) بالإفراد، ولغير أبوي ذر، والوقت: أخبرنا (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب، (¬﵄، قال):
(صليت مع النبي، ﷺ ، سجدتين قبل) صلاة (الظهر) لا يعارضه
стр. 854
قوله في حديث عائشة الآتي في باب الركعتين قبل الظهر: "كان لا يدع أربعًا قبل الظهر" لأنه كان تارة يصلّي أربعًا وتارة ركعتين. أو كان يصلّي اثنتين في بيته، واثنتين في المسجد. أو غير ذلك، مما يأتي إن شاء الله تعالى، (وسجدتين بعد) صلاة (الظهر).
وقيل: من الرواتب أربع بعد الظهر، لحديث الترمذي، وصححه، من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حرمه الله على النار.
(وسجدتين بعد) صلاة (المغرب، وسجدتين بعد) صلاة (العشاء، وسجدتين بعد) صلاة (الجمعة) هذا الذي أخذ به في الروضة.
وبحديث مسلم: إذا صلّى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا، كما في المنهاج. المراد: بالسجدتين، في كلها: ركعتان، و: بمع، التبعية في الاشتراك في فعلها لا أنه اقتدى به فيها. (فأما المغرب والعشاء) أي: سنتاهما (ففي بيته) المقدس كان يصلّيهما.
قيل: لأن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد بخلاف النهارية.
وأجيب: بأن الظاهر أنه، ﵊، إنما فعل تلك لتشاغله بالناس في النهار غالبًا وبالليل يكون في بيته. اهـ.
وحديث الصحيحين: "صلوا أيها الناس في بيوتكم. إن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة". يدل لأفضلية النوافل في البيت مطلقًا. نعم، تفضل نوافل في المسجد منها: راتبة الجمعة، ونوافل يومها. لفضل التبكير، والتأخير لطلب الساعة. نص على نحوه في الأم وذكره غيره.
وقسيم: أما، التفصيلية في قوله: فأما المغرب والعشاء، محذوف يدل عليه السياق، أي: وأما سنن المكتوبات الباقية ففي المسجد.
لا يقال: إن بين قوله في حديث ابن عمر السابق في باب الصلاة بعد الجمعة إنه ﵊ كان لا يصلّي بعد الجمعة حتى ينصرف، وبين ما هنا تناف؟ لأن الانصراف أعم من الانصراف إلى البيت.
ولئن سلمنا، فالاختلاف إنما كان لبيان جواز الأمرين.
١١٧٣ - وَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي حَفْصَةُ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ وَكَانَتْ سَاعَةً لَا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا". وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ "بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي أَهْلِهِ". تَابَعَهُ كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَأَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ.
قال عبد الله بن عمر بن الخطاب: (وحدّثتني أختي حفصة) زوج النبي ﷺ (أن النبي ﷺ كان يصلّي سجدتين) وللكشميهني: ركعتين (خفيفتين بعدما يطلع الفجر).
قال ابن عمر: (وكانت) أي الساعة التي بعد طلوع الفجر (ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها) لأنه لم يكن يشتغل فيها بالخلق، وهذا يدل على أنه إنما أخذ عن حفصة وقت إيقاع الركعتين اللتين قبل الصبح، لا أصل مشروعيتهما.
وقد تقدم في: أواخر الجمعة، من رواية مالك عن نافع، وليس فيه ذكر الركعتين اللتين قبل الصبح أصلاً، قاله ابن حجر.
(وقال ابن أبي الزناد) بكسر الزاي، وتخفيف النون، عبد الرحمن بن أبي الزناد اسمه عبد الله بن ذكوان (عن موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف (عن نافع) أي: عن ابن عمر أنه قال: (بعد العشاء في أهله) بدل قوله في الحديث في بيته.
(تابعه) أي تابع عبيد الله المذكور (كثير بن فرقد) بفتح الفاء والقاف بينهما راء ساكنة (و) تابعه أيضًا (أيوب) السختياني (عن نافع). كذا عند أبي ذر، والأصيلي بتقديم: قال ابن أبي الزناد، على قوله: تابعه. ولغيره تأخيره. ووقع في بعض النسخ بعد قوله: أما المغرب والعشاء ففي بيته. قال ابن أبي الزناد … إلى آخره. وبعده قوله: تابعه كثير إلى آخره.
٣٠ - باب مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ
(باب من لم يتطوع بعد المكتوبة).
١١٧٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرًا قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيًا جَمِيعًا وَسَبْعًا جَمِيعًا" قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّهُ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار (قال: سمعت أبا الشعثاء) بفتح الشين المعجمة وسكون المهملة وبالمثلثة، ممدودًا (جابرًا) هو: ابن زيد (قال: سمعت ابن عباس ﵄، قال: صليت مع رسول الله) وفي بعض الأصول: مع النبي ﷺ (ثمانيًا) أي: ثمان ركعات، الظهر والعصر (جميعًا) لم يفصل بينهما بتطوع ولو فصل لزم عدم الجمع بينهما فصدق أنه صلّى الظهر ولم يتطوع بعدها (وسبعًا) المغرب والعشاء (جميعًا) لم يفصل بينهما بتطوع، فلم يتطوع بعد المغرب. وأما التطوع بعد الثانية فمسكوت عنه، وكذا التطوع قبل الأولى محتمل.
قال عمرو بن دينار: (قلت: يا أبا الشعثاء! أظنه) ﵊ (أخر الظهر، وعجل العصر، وعجل العشاء، وأخر المغرب)؟
(قال) أبو الشعثاء: (وأنا أظنه) عليه الصلاة
стр. 855
والسلام فعل ذلك.
وسبق الحديث في: المواقيت في باب: تأخير الظهر إلى العصر.
٣١ - باب صَلَاةِ الضُّحَى فِي السَّفَرِ
(باب) حكم (صلاة الضحى في السفر) أي: هل تصلّى فيه أم لا؟ ويدل للنفي: حديث ابن عمرو، وللإثبات: حديث أم هانئ. وهما حديثا الباب.
١١٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ تَوْبَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ قَالَ: "قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ ﵄: أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: لَا إِخَالُهُ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج (عن توبة) بفتح المثناة الفوقية وسكون الواو وفتح الموحدة ابن كيسان بن المورّع، بفتح الواو وكسر الراء المشددة، العنبري التابعي الصغير، المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائة (عن مورق) بضم الميم وفتح الواو وتشديد الراء المكسورة، ابن المشمرج بضم الميم وفتح الشين المعجمة وسكون الميم وفتح الراء وبكسرها وبالجيم، أبو المعتمر العجلي البصري (قال):
(قلت لابن عمر ﵄ أتصلي) صلاة (الضحى؟ قال:) ابن عمر: (لا) أصليها، قال: (قلت) له: فعمر؟ قال: (لا) أي: لم يصلها (قلت: فأبو بكر؟ قال: لا) أي: لم يصلها. (قلت: فالنبي ﷺ ،؟ قال: لا إخاله) برفع اللام وكسر الهمزة في الأشهر، وفتحها.
قال في القاموس في لغية أي: لا أظنه ﵊ صلاها. وكان سبب توقفه في ذلك أنه بلغه من غيره أنه صلاها، ولم يثق بذلك عمن ذكره.
نعم، جاء عنه الجزم بكونها محدثة من حديث سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن مجاهد عنه، واستشكل إيراد المؤلّف هذا الحديث هنا، إذ اللائق به باب: من لم يصل الضحى.
وجوابه ظاهر بما قدرته، كالعيني، بهل تصلّى فيه أم لا؟ واختلف رأي الشراح في ذلك؛ فحمله الخطابي على غلط الناسخ، وابن المنير: على أنه لما تعارضت عنده أحاديثها نفيًا، كحديث ابن عمر هذا، إثباتًا كحديث أبي هريرة في الوصية بها، نزل حديث النفي على السفر، وحديث الإثبات على الحضر.
ويؤيد بذلك أنه ترجم لحديث أبي هريرة بصلاة الضحى في الحضر مع ما يعضده من قول ابن عمر: لو كانت مسبحًا لأتممت في السفر. قاله ابن حجر.
ورواة هذا الحديث بصريون إلاّ ابن الحجاج، فإنه واسطي، وإلاّ مورقًا فقيل: كوفي، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وشيخ المؤلّف من أفراده كالحديث.
١١٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: "مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرَ أُمِّ هَانِئٍ فَإِنَّهَا قَالَتْ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ".
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا عمرو بن مرة) بفتح العين في الأول وضم الميم وتشديد الراء في الثاني (قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي) ليلى، يقول):
(ما حدثنا أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلّي) صلاة (الضحى غير أم هانئ) فاختة، شقيقة عليّ بن أبي طالب، وهو يدل على إرادته صلاة الضحى المشهورة، ولم يرد به الظرفية. وغيره بالرفع بدل من أحد. واستفيد منه العمل بخبر الواحدة، (فإنها قالت):
(إن النبي، ﷺ ، دخل بيتها يوم فح مكة، فاغتسل) أي في بيتها، كما هو ظاهر التعبير بالفاء المقتضية للترتيب والتعقيب.
لكن في مسلم، كالموطأ، من طريق أبي مرّة عنها، أنها قالت: ذهبت إلى النبي ﷺ وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل. فلعله تكرر ذلك منه.
(وصلّى ثماني) بالياء التحتية، وللأصيلي، وأبي ذر، ثمان (ركعات) زاد كريب عنها فيما رواه ابن خزيمة: يسلم من كل ركعتين (فلم أر صلاة قط أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود).
نعم، قد ثبت في حديث حذيفة عند ابن أبي شيبة: أنه، صلّى الضحى فطوّل فيها، فيحتمل أن يكون خففها ليتفرغ لمهمات الفتح لكثرة شغله به.
واستنبط منه سنية صلاة الضحى، خلافًا لمن قال: ليس في حديث أم هانئ دلالة لذلك، بل هو إخبار منها بوقت صلاته فقط. وكانت صلاة الفتح، أو أنها كانت قضاء عما شغل عنه تلك الليلة من حزبه فيها.
وأجيب: بأن الصواب صحة الاستدلال به لقولها في حديث أبي داود، وغيره: صلّى سبحة
الضحى. ومسلم في الطهارة: ثم صلّى ثمان ركعات سبحة الضحى، وفي التمهيد، لابن عبد البر، قالت: قدم ﵊ مكة، فصلّى ثمان ركعات، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: "هذه صلاة الضحى".
واستدلّ به، أي بحديث الباب، النووي على أن أفضلها ثمان ركعات، وقد ورد فيها ركعتان، وأربع، وست، وثمان، وعشر، وثنتا عشرة، وهي أكثرها كما قاله الروياني، وجزم به في المحرر، والمنهاج.
وفي حديث أبي ذر، مرفوعًا قال: إن صليت
стр. 856
الضحى عشرًا لم يكتب لك ذلك اليوم ذنب، وإن صليتها اثنتي عشرة ركعة، بنى الله لك بيتًا في الجنة، رواه البيهقي، وقال: في إسناده نظر، وضعفه في شرح المهذّب، وقال فيه: أكثرها عند الأكثرين ثمانية. وقال في الروضة: أفضلها ثمان، وأكثرها ثنتا عشرة، ففرق بين الأكثر والأفضل.
واستشكل من جهة كونه إذا زاد أربعًا يكون مفضولاً. وينقص من أجره.
والأفضل المداومة عليها لحديث أبي هريرة في الأوسط: إن في الجنة بابًا يقال له: باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ، أين الذين كانوا يديمون صلاة الضحى؟ هذا بابكم فادخلوا برحمة الله.
وعن عقبة بن عامر قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نصلي الضحى بسورتيها: ﴿والشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿الضُّحَى﴾.
ثم إن وقتها، فيما جزم به الرافعي، من ارتفاع الشمس إلى الاستواء. وفي شرح المهذّب والتحقيق: إلى الزوال وفي الروضة، قال: أصحابنا: وقت الضحى من طلوع الشمس. ويستحب تأخيرها إلى ارتفاعها.
٣٢ - باب مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى وَرَآهُ وَاسِعًا
(باب من لم يصل) صلاة (الضحى، ورآه) أي: الترك (واسعًا) مباحًا، نصب مفعول ثانٍ: لرأى.
١١٧٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا".
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا (ابن أبي ذئب) عبد الرحمن (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة، ﵂، قالت:
(ما رأيت رسول الله) ولأبي ذر، والأصيلي: النبي (¬ ﷺ ، سبح سبحة الضحى) بفتح السين في الأولى، وضمها في الثانية، أي: ما صلّى صلاتها.
وأصلها من التسبيح، وخصت النافلة بذلك لأن التسبيح الذي في الفريضة نافلة. فقيل لصلاة النافلة: سبحة، لأنها كالتسبيح في الفريضة.
(وإني لأسبحها) بضم الهمزة وكسر الموحدة المشددة، وعدم رؤيتها لا يستلزم عدم الوقوع، لا سيما وقد روى إثبات فعلها، وأمره بها جماعة من الصحابة أنس، وأبو هريرة، وأبو ذر، وأبو أمامة، وعقبة بن عبد السلمي وابن أبي أوفى، وأبو سعيد، وزيد بن أرقم، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وجبير بن مطعم، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وأبو موسى، وعتبان بن مالك، وعقبة بن عامر، وعليّ بن أبي طالب، ومعاذ بن أنس، والنواس بن سمعان، وأبو بكرة، وأبو مرة الطائفي، وغيرهم. والإثبات مقدم على النفي أو: المنفي المداومة عليها، وقولها: وإني لأسبحها، أي: أداوم عليها. وأما قولها في حديث مسلم: كان ﵊ يصلّيها أربعًا، ويزيد ما شاء الله، فمحمول على أنه كان يفعل ذلك، بإخباره ﵊ لها أو إخبار غيره، فروته. وأما قولها عند مسلم أيضًا، لما سألها عبد الله بن شقيق: هل كان ﵊ يصلّيها؟ لا. إلا أن يجيء من مغيبه، فالنفي مقيد بغير المجيء من مغيبه.
قاله عتبانُ بنُ مالكٍ عنِ النبى ﷺ .
٣٣ - باب صَلَاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ
(باب صلاة الضحى في الحضر، قاله عتبان بن مالك) الأنصاري (عن النبي، ﷺ ¬) مما وصله أحمد بلفظ: إنه ﵊ صلّى في بيته سبحة الضحى، فقاموا وراءه، وصلوا بصلاته.
١١٧٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْجُرَيْرِيُّ هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ".
[الحديث ١١٧٨ - طرفه في: ١٩٨١].
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي القصاب (قال: أخبرنا) وللأصيلي، وأبي ذر: حدّثنا (شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا عباس) بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة (الجريري) بضم الجيم وفتح الراء، نسبة إلى جرير بن عباد، بضم العين وتخفيف الموحدة (هو ابن فرّوخ) بفتح الفاء وضم الراء المشددة آخره خاء معجمة، وذلك ساقط عند أبوي ذر، والوقت، والأصيلي (عن أبي عثمان النهدي) بفتح النون وسكون الهاء (عن أبي هريرة، ﵁، قال):
(أوصاني خليلي)، ﷺ الذي تخللت محبته قلبي فصار في خلاله، أي: في باطنه.
وقوله هذا لا يعارضه قول النبي ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر"، لأن الممتنع أن يتخذ هو، ﵊، غيره تعالى خليلاً، لا أن غيره يتخذه هو.
(بثلاث لا أدعهن) بضم العين، أي: لا أتركهن (حتى) أي: إلى أن (أموت: صوم ثلاثة أيام) البيض (من كل شهر) لتمرين النفس على نجس الصيام، ليدخل في واجبه بانشراح، ويثاب ثواب صوم الدهر بانضمام ذلك لصوم رمضان، إذ الحسنة بعشر أمثالها.
وصوم بالجر بدل من: ثلاث، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هي صوم. وصلاة ونوم التاليان معطوفان عليه، فيجران، أو يرفعان.
стр. 857
(وصلاة الضحى) في كل يوم، كما زاده أحمد: ركعتين، كما يأتي في الصيام، وهما أقلها، ويجزئان عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كل يوم، وهي ثلثمائة وستون مفصلاً، كما في حديث مسلم، عن أبي ذر، وقال فيه: ويجزي عن ذلك ركعتا الضحى (ونوم على وتر) ليتمرن على جنس الصلاة في الضحى، كالوتر قبل النوم في المواظبة؛ إذ الليل وقت الغفلة والكسل، فتطلب النفس فيه الراحة.
وقد روي أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على التهجد، فأمره بالضحى بدلاً عن قيام الليل، ولهذا أمره ﵊ أنه: لا ينام إلا على وتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر، ولا عمر، ولا غيرهما من الصحابة.
لكن، قد وردت وصيته ﵊ بالثلاث أيضًا لأبي الدرداء، كما عند مسلم، ولأبي ذر، كما عند النسائي، فقيل خصهم بذلك لكونهم فقراء لا مال لهم، فوصاهم بما يليق بهم، وهو الصوم والصلاة، وهما من أشرف العبادات البدنية.
فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والترجمة؟
أجيب: بأنه يتناول حالتي: الحضر والسفر، كما يدل عليه قوله: لا أدعهن حتى أموت، فحصل التطابق من أحد الجانبين، وهو الحضر، وذلك كاف في المطابقة.
وفي الحديث استحباب تقديم الوتر على النوم، لكنه في حق من لم يثق بالاستيقاظ، أما من وثق به، فالتأخير أفضل لحديث مسلم: "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل" فإن أوتر ثم تهجد لم يعده، لحديث أبي داود، وقال الترمذي: حسن، لا وتران في ليلة.
ورواة حديث الباب بصريون إلا شعبة فإنه واسطي، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصوم، ومسلم والنسائي في: الصلاة.
١١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ -وَكَانَ ضَخْمًا- لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلَاةَ مَعَكَ. فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا فَدَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ، وَنَضَحَ لَهُ طَرَفَ حَصِيرٍ بِمَاءٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ فُلَانُ بْنُ فُلَانِ ابْنِ الجَارُودٍ لأَنَسٍ ﵁: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين (قال: أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن أنس بن سيرين) أخي محمد بن سيرين، مولى أنس بن مالك (قال: سمعت أنس بن مالك) ﵁، زاد في غير رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي: الأنصاري (قال):
(قال رجل من الأنصار) هو عتبان بن مالك فيما قيل (-وكان ضخمًا-) سمينًا، (للنبي، ﷺ : إني لا أستطيع الصلاة معك) في المسجد (فصنع للنبي، ﷺ ، طعامًا، فدعاه إلى بيته، ونضح له طرف حصير بماء) تطهيرًا له، أو تليينًا (فصلّى عليه) أي: على الحصير، وصلينا معه (ركعتين).
(وقال) بالواو، ولأبي ذر: فقال (فلان ابن فلان) عبد الحميد بن المنذر (بن الجارود) ولغير أبي ذر، والأصيلي: ابن جارود (لأنس).
(أكان النبي، ﷺ ، يصلّي) صلاة (الضحى؟ فقال) بالفاء، ولأبي ذر، والأصيلي، وأبي الوقت: قال أنس (ما رأيته صلّى) الضحى (غير ذلك اليوم) فنفي رؤية أنس لا يستلزم نفي فعلها قبل، فهو كنفي عائشة رؤيتها، وإثباتها فعله لها بطريق إخبار غيرها لها، كما مر.
وفي قول ابن الجارود: أكان ﵊ يصلّي الضحى؟ إشارة إلى أن ذلك كان كالمتعارف عندهم، وقد سبق حديث عتبان في باب: هل يصلّي الإمام بمن حضر، من أبواب الامامة.
٣٤ - باب الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ
(باب الركعتين) اللتين (قبل) صلاة (الظهر) ولغير أبوي ذر، والوقت، والأصيلي وابن عساكر: باب بالتنوين: الركعتان، بالرفع بتقدير: هذا باب يذكر فيه الركعتان.
١١٨٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) بفتح المهملة وسكون الراء (قال: حدّثنا حماد بن زيد) ولأبي ذر: هو: ابن زيد (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄، قال):
(حفظت من النبي، ﷺ ، عشر ركعات) رواتب الفرائض: (ركعتين قبل) صلاة (الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد) صلاة (المغرب في بيته، وركعتين بعد) صلاة (العشاه في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، كانت) بإسقاط الواو، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي: وكانت، أي: تلك الساعة (ساعة لا يدخل على النبي ﷺ فيها) لاشتغاله فيها بربه لا بغيره.
١١٨١ - حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ "أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ".
(حدثتني) بمثناة فوقية بعد المثلثة والإفراد (حفصة) زوجه، ﷺ :
(أنه) ﵊ (كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلّى ركعتين) وهذا الحديث ظاهر فيما ترجم له المؤلّف.
١١٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ".
تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَعَمْرٌو عَنْ شُعْبَةَ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد
стр. 858
(قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج (عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر) بضم الميم وسكون النون وفتح المثناة الفوقية وكسر الشين المعجمة، ابن أخي مسروق الهمداني (عن أبيه) محمد بن المنتشر بن الأجدع (عن عائشة، ﵂¬).
ومحمد بن المنتشر قد سمع من عائشة كما صرح به في رواية وكيع عند الإسماعيلي، وكذا وافق وكيعًا على ذلك محمد بن جعفر كما عند الإسماعيلي أيضًا، وحينئذ فرواية عثمان بن عمر عن شعبة، بإدخال مسروق بين محمد بن المنتشر وعائشة مردودة، فهو من المزيد في متصل الأسانيد، ونسب الإسماعيلي الوهم في ذلك إلى عثمان نفسه، وبه جزم الدارقطني في العلل:
(أن النبي ﷺ كان لا يدع) أي: لا يترك (أربعًا قبل) صلاة (الظهر، وركعتين قبل) صلاة (الغداة).
ولا تعارض بينه وبين حديث ابن عمر لأنه يحتمل أنه كان إذا صلّى في بيته صلّى أربعًا، وإذا صلّى في المسجد فركعتين، أو أنه كان يفعل هذا وهذا، فحكى كل من ابن عمر وعائشة ما رأى، أو كان الأربع وردًّا مستقلاً بعد الزوال، لحديث ثوبان عند البزار: أنه، ﷺ ، كان يستحب أن يصلّي بعد نصف النهار، وقال فيه: إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وينظر الله إلى خلقه بالرحمة.
وأما سنة الظهر فالركعتان التي قال ابن عمر: نعم، قيل في وجه عند الشافعي: إن الأربع قبلها راتبة عملاً بحديثها.
(تابعه) أي: تابع يحيى بن سعيد (ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم البصري (وعمرو) بفتح العين ابن مرزوق (عن شعبة).
٣٥ - باب الصَّلَاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ
(باب الصلاة قبل) صلاة (المغرب).
١١٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ -قَالَ فِي الثَّالِثَةِ- لِمَنْ شَاءَ. كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً".
[الحديث ١١٨٣ - طرفه في: ٧٣٦٨].
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري، قال: (حدثنا عبد الوارث) بن سعيد أبو عبيدة (عن الحسين) بن ذكوان المعلم (عن ابن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: عن عبد الله بن بريدة (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الله) بن مغفل بضم الميم وفتح المعجمة والفاء المشدّدة (المزني) بضم الميم (عن النبي، ﷺ ، قال):
(صلوا قبل صلاة المغرب) أي ركعتين، كما عند أبي داود، قال ذلك ثلاثًا، كما يدل عليه قوله (قال) ﵊ (في) المرة (الثالثة لمن شاء) صلاتهما. (كراهية أن يتخذها الناس سنة) لازمة يواظبون عليها، ولم يرد نفي استحبابها، لأنه لا يأمر بما لا يستحب.
وكأن المراد انحطاط رتبتها عن رواتب الفرائض، ومن ثم لم يذكرها أكثر الشافعية في الرواتب.
ويدل له أيضًا حديث ابن عمر عند أبي داود، بإسناد حسن، قال: ما رأيت أحدًا يصلّي ركعتين قبل المغرب، على عهد رسول الله ﷺ .
لكنه معارض بحديث عقبة بن عامر، التالي لهذا: أنهم كانوا يصلونها في العهد النبوي. قال أنس: وكان يرانا نصليها فلم ينهنا.
وقد عدها بعضهم من الرواتب، وتعقب بأنه لم يثبت أنه ﵊ واظب عليها، والذي صححه النووي: أنها سنة، للأمر بها في حديث الباب.
وقال مالك بعدم السنية، وعن أحمد الجواز، وقال في المجموع: واستحبابها قبل الشروع في الإقامة، فإن شرع فيها كره الشروع في غير المكتوبة. لحديث مسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". اهـ
وقال النخعي: إنها بدعة، لأنه يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها.
وأجيب: بأنه منابذ للسنة، وبأن زمنهما يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها، وحكمة استحبابهما رجاء إجابة الدعاء، لأنه بين الأذانين لا يردّ. وكلما كان الوقت أشرف، كان ثواب العبادة فيه أكثر.
ومجموع الأحاديث يدل على استحباب تخفيفهما كركعتي الفجر.
ورواة هذا الحديث بصريون إلا ابن بريدة، فإنه مروزي وفيه: التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: الاعتصام، وأبو داود في الصلاة.
١١٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ سَمِعْتُ مَرْثَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيَّ قَالَ: "أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ فَقُلْتُ: أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ، يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ. فَقَالَ عُقْبَةُ: إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ؟ قَالَ: الشُّغْلُ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يزيد) زاد الهروي: هو المقري (قال: حدّثنا سعيد بن أبي أيوب) الخزاعي، وسعيد بكسر العين (قال: حدّثني) بالإفراد (يزيد بن أبي حبيب) أبو رجاء، واسم أبيه سويد (قال: سمعت مرثد بن عبد الله) بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة (اليزني) بفتح المثناة التحتية
стр. 859
وبالزاي والنون، نسبة إلى يزن، بطن من حمير (قال أتيت عقبة بن عامر الجهني) بضم الجيم والي مصر، ﵁ (فقلت: ألا أعجبك) بضم الهمزة وسكون المهملة، ولأبوي ذر، والوقت والأصيلي: ألا أعجبك، بفتح العين وتشديد الجيم (من أبي تميم) بفتح المثناة الفوقية: عبد الله بن مالك (يركع ركعتين قبل صلاة المغرب) زاد الإسماعيلي: حين يسمع أذان المغرب؟.
(فقال عقبة) ﵁: (إنّا كنا نفعله على عهد رسول الله) ولأبي ذر، والأصيلي: النبي (¬ ﷺ : قلت) ولأبي ذر: فقلت (فما يمنعك الآن) من صلاتهما.
(قال: الشغل) بسكون الغين المعجمة وضمها.
ورواة هذا الحديث مصريون إلا شيخ المؤلّف، وقد دخلها.
٣٦ - باب صَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَهُ أَنَسٌ وَعَائِشَةُ ﵄ -
(باب صلاة النوافل جماعة، ذكره) أي حكم صلاتها جماعة (أنس) أي: ابن مالك، مما وصله المؤلّف في باب: الصلاة على الحصير (وعائشة، ﵂¬)، مما وصله أيضًا في باب: الصدقة في الكسوف، من بابه كلاهما (عن النبي، ﷺ ¬).
١١٨٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ "أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبى ذر، والأصيلي: حدّثنا (إسحاق) هو: ابن راهويه. أو: ابن منصور.
والأول روى الحديث في مسنده، بهذا الإسناد إلا أن في لفظه اختلافًا يسيرًا، ويستأنس للقول بأنه الأول بقوله: (أخبرنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، لأن ابن راهويه لا يعبر عن شيوخه إلا بذلك. لكن في رواية كريمة، وأبي الوقت، وغيرهما حدّثنا يعقوب، قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد، بسكون العين (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (محمود بن الربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة، ابن سراقة (الأنصاري).
(أنه عقل) بفتحات. أي عرف (رسول الله، ﷺ ، وعقل مجة مجها) أي: رمى بها حال كونها (في وجهه) يداعبه بها، استئلافًا لأبويه، وإكرامًا للربيع، (من بئر كانت) أي: البئر، وللحموي والمستملي: كان، أي الدلو (في دارهم).
١١٨٦ - فَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁-وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -يَقُولُ "كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ، وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَلَىَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ. فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ الْوَادِيَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَلَىَّ اجْتِيَازُهُ، فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَأَفْعَلُ. فَغَدَا عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرَ، وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرٍ يُصْنَعُ لَهُ، فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: مَا فَعَلَ مَالِكٌ؟ لَا أَرَاهُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: ذَاكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقُلْ ذَاكَ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَمَّا نَحْنُ فَوَاللَّهِ لَا نَرَى وُدَّهُ وَلَا حَدِيثَهُ إِلاَّ إِلَى الْمُنَافِقِينَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ". قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا وَيَزِيدُ بْنُ
مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّومِ- فَأَنْكَرَهَا عَلَىَّ أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا قُلْتَ قَطُّ. فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَىَّ، فَجَعَلْتُ لِلَّهِ عَلَىَّ إِنْ سَلَّمَنِي حَتَّى أَقْفُلَ مِنْ غَزْوَتِي أَنْ أَسْأَلَ عَنْهَا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ إِنْ وَجَدْتُهُ حَيًّا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَقَفَلْتُ فَأَهْلَلْتُ بِحَجَّةٍ -أَوْ بِعُمْرَةٍ- ثُمَّ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَأَتَيْتُ بَنِي سَالِمٍ، فَإِذَا عِتْبَانُ شَيْخٌ أَعْمَى يُصَلِّي لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ".
(فزعم) أي أخبر (محمود) المذكور فهو من إطلاق الزعم على القول (أنه سمع عتبان بن مالك) بكسر العين (الأنصاري، ﵁، وكان ممن شهد بدرًا) أي: وقعة بدر (مع رسول الله) ولأبي ذر: والأصيلي: مع النبي (¬ ﷺ ، يقول):
(كنت) وللكشميهني: يقول إني كنت (أصلي لقومي ببني سالم) بموحدتين، وللهروي: بني سالم بإسقاط الأولى منهما (وكان يحول بيني وبينهم وادٍ إذا جاءت الأمطار فيشق) بمثناة تحتية بعد الفاء، وللكشميهني: فشق، بصيغة الماضي، وفي رواية يشق بإثبات المثناة، وحذف الفاء (عليّ اجتيازه) بجيم ساكنة ومثناة وزاي (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (مسجدهم: فجئت رسول الله ﷺ ، فقلت له):
(إني) وللأصيلي: فقلت إني (أنكرت بصري) يريد به العمى، أو ضعف الإبصار (وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار، فيشق عليّ اجتيازه، فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي مكانًا) بالنصب على الظرفية، وإن كان محدودًا لتوغله في الإبهام، فأشبه خلف ونحوها، أو هو على نزع الخافض (أتخذه مصلّى) برفع المعجمة، والجملة في محل نصب صفة لمكانًا أو مستأنفة لا محل لها، أو: هي مجزومة جوابًا للأمر، أي: إن تصل فيه أتخذه موضعًا للصلاة.
(فقال رسول الله) وللهروي، والأصيلي: فقال النبي (¬ ﷺ ¬):
(سأفعل) زاد في الرواية الآتية، إن شاء الله تعالى.
قال عتبان: (فغدا عليّ رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر ﵁، بعدما اشتد النهار) في الرواية السابقة: حين ارتفع النهار (فاستأذن رسول الله، ﷺ ، فأذنت له) فدخل (فلم يجلس حتى قال) لي:
(أين تحب أن أصلي) بضم الهمزة وللحموي، والمستملي، أن نصلّى بنون الجمع (من بيتك).
قال عتبان:
(فأشرت له) ﷺ (إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه) بهمزة مضمومة، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: يصلّي، بمثناة تحتية مضمومة مع كسر اللام، (فقام رسول الله، ﷺ ، فكبر) وفي نسخة:
مكبرًا للصلاة (وصففنا) بفاءين (وراءه، فصلّى) بنا (ركعتين، ثم سلم، وسلمنا)
стр. 860
بالواو، ولأبي الوقت: فسلمنا (حين سلم) ﵊ (فحبسته على خزير) بفتح الخاء وكسر الزاي المعجمتين: طعام (يصنع) من لحم ودقيق (له) ﵊ (فسمع أهل الدار) أي: أهل المحلة (رسول الله) بالرفع، ولأبوي ذر، والوقت والأصيلي: أن رسول الله (¬ ﷺ في بيتي، فثاب) بالمثلثة بعد الفاء وموحدة بعد الألف، أي: جاء (رجال منهم حتى كثر الرجال في البيت، فقال رجل منهم: ما فعل مالك) هو: ابن الدخشن (لا أراه) بفتح الهمزة أي: لا أبصره (فقال رجل) آخر (منهم: ذاك) أي: مالك (منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تقل ذلك، ألا تراه) بفتح التاء (قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله) أي ذاته؟
(فقال) بالإفراد، وللكشميهني فقالوا: (الله ورسوله أعلم. أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم، وللحموي، والمستملي: إنما (نحن، فوالله لا) وفي نسخة: ما (نرى وده، ولا حديثه إلا إلى المنافق، قال) بغير: فاء، وللهروي والأصيلي: فقال (رسول الله، ﷺ ¬):
(فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله) مع قول: محمد رسول الله، (يبتغي بذلك وجه الله) أي: ذاته.
وهذه شهادة منه ﵊ له بإيمانه، وبأنه تشهد مخلصًا نافيًا بها تهمة النفاق عنه.
(قال محمود) بالإسناد السابق، زاد الهروي، والأصيلي: ابن الربيع (فحدّثتها قومًا) أي: رجالاً (فيهم أبو أيوب) خالد بن زيد الأنصاري (صاحب رسول الله، ﷺ في غزوته) سنة خمسين أو بعدها في خلافة معاوية، ودخلوا فيها إلى القسطنطينية وحاصرها، (التي توفي فيها) وأوصي أن يدفن تحت أقدام الخيل، ويغيب قبره، فدفن إلى جدار القسطنطينية. كما ذكره ابن سعد، وغيره (ويزيد بن معاوية) بن أبي سفيان أمير (عليهم) من قبل أبيه معاوية (بأرض الروم) وهي ما وراء البحر، وبها مدينة القسطنطينية (فأنكرها) أي الحكاية، أو القصة (علي، أبو أيوب) الأنصاري (قال) وللهروي، والأصيلي: وقال: (والله ما أظن رسول الله، ﷺ ، قال ما قلت قط).
قيل: والباعث له على الإنكار استشكاله قوله: إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله، لأن ظاهره لا يدخل أحد من عصاة الموحدين النار، وهو مخالف لآيات كثيرة وأحاديث شهيرة.
وأجيب: بحمل التحريم على الخلود.
قال محمود (فكبر) بضم الموحدة، أي عظم (ذلك) الإنكار من أبي أيوب (عليّ، فجعلت لله عليّ إن سلمني) ولأبوي: ذر، والوقت: فجعلت لله إن سلمني (حتى أقفل) بضم الفاء، أي:
أرجع، وسقط لفظ: حتى لأبي ذر (من غزوتي) وللمستملي: عن غزوتي (أن أسال عنها عتبان بن مالك، ﵁، إن وجدته حيًّا في مسجد قومه).
قال في الفتح: وكأن الحامل لمحمود على الرجوع إلى عتبان ليسمع الحديث منه ثانيًا، أن أبا أيوب لما أنكر عليه، اتهم نفسه بأن يكون ما ضبط القدر الذي أنكره عليه.
(فقفلت) أي: فرجعت (فأهللت) أي: أحرمت (بحجة -أو بعمرة) بالموحدة، وفي نسخة بإسقاطها (ثم سرت حتى قدمت المدينة، فأتيت بني سالم، فإذا عتبان) بن مالك (شيخ أعمى، يصلّي لقومه، فلما سلم من الصلاة) وللأصيلي: من صلاته (سلمت عليه، وأخبرته من أنا، ثم سألته عن ذلك الحديث) الذي حدثت به، وأنكره أبو أيوب عليّ (فحدثنيه) عتبان (كما حدثنيه أول مرة).
ومطابقة الحديث للترجمة من قوله: فقام رسول الله ﷺ ، وصففنا وراءه، ثم سلم وسلمنا حين سلم.
٣٧ - باب التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ
(باب) صلاة (التطوع في البيت).
١١٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اجْعَلُوا فى بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا».
تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الأعلى بن حماد) أي: ابن نصر المتوفى، فيما قاله المؤلّف: سنة سبع وثلاثين ومائتين، قال: (حدّثنا وهيب) بالتصغير، هو ابن خالد (عن أيوب) السختياني (وعبيد الله) بالتصغير والجر، عطفًا على سابقه. ابن عمر كلاهما (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄، قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(اجعلوا في بيوتكم) شيئًا (من صلاتكم) النافلة.
قال النووي: ولا يجوز حمله على الفريضة، وفي الصحيحين: صلوا أيها الناس في بيوتكم
стр. 861
فإن: فضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. وإنما شرع ذلك لكونه أبعد من الرياء، ولتنزل الرحمة وفيه الملائكة.
وفي حديث، ذكر ابن الصلاح أنه مرسل: فضل صلاة النفل فيه على فعلها في المسجد، كفضل صلاة الفريضة في المسجد على فعلها في البيت. لكن، قال صاحب قوت الإحياء: إن ابن الأثير ذكره في: معرفة الصحابة، عن عبد العزيز بن ضمرة بن حبيب، عن أبيه، عن جده، حبيب بن
ضمرة. ورواه الطبراني، وأسنده مرفوعًا بنحو ما تقدم عن صهيب بن النعمان، عنه، ﷺ ، ويستثنى من ذلك نفل يوم الجمعة، وركعتا الطواف، والإحرام، والتراويح للجماعة.
(ولا تتخذوها قبورًا) أي: مثل القبور التي ليست محلاًّ للصلاة بأن لا تصلوا فيها، كالميت الذي انقطعت عنه الأعمال. أو المراد: لا تجعلوا بيوتكم أوطانًا للنوم، لا تصلون فيها، فإن النوم أخو الموت.
(تابعه) أي تابع وهيبًا (عبد الوهاب) الثقفي مما وصله مسلم، عن محمد بن المثنى عنه، (عن أيوب) السختياني لكن بلفظ: "صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا".
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا ثبتت البسملة في نسخة الضعاني، وهي لأبي ذر في اليونينية مما صحح عليه.
١ - باب فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ
(باب فضل الصلاة) مطلقًا، أو المكتوبة فقط (في مسجد مكة و) مسجد (المدينة).
١١٨٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ قَزَعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ أَرْبَعًا قَالَ سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ غَزْوَةً.
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين، ابن الحرث بن سخبرة، بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الموحدة، الأزدي النمري، بفتح النون والميم، الحوضي البصري المتوفى سنة خمس وعشرين ومائتين، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج الواسطي (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الملك) زاد أبو ذر، والأصيلي: ابن عمير، بالتصغير، القبطي، قاضي الكوفة بعد الشعبي، المتوفى سنة ست وثلاثين ومائة، وله مائة سنة وثلاث سنين (عن قزعة) بالقاف والزاي والعين المفتوحات، وقد تسكن الزاى، ابن يحيى، ويقال: ابن الأسود البصري، مولى زياد (قال: سمعت أبا سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري، (¬﵁، قال):
(أربعًا) هي الآتية قريبًا في باب: مسجد بيت المقدس.
كما قاله ابن رشيد، وهي: لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم في يومين: الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين، بعد: الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.
(قال: سمعت من النبي، ﷺ ¬)، قال قزعة: (وكان) أبو سعيد (غزا مع النبي، ﷺ ثنتي عشرة غزوة).
كذا اقتصر المؤلّف على هذا القدر لقصد الإغماض، لينبّه غير الحافظ على فائدة الحفظ، كما نبّه عليه ابن رشيد.
وفي هذا السند: التحديث والإخبار بالإفراد والسماع والقول، وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابيّ، وأخرج حديثه المؤلّف في: الصلاة ببيت المقدس، والحج، والصوم. ومسلم في: المناسك، والترمذي في: الصلاة، والنسائي في: الصوم، وابن ماجة فيه، وفي: الصلاة.
(ح) للتحويل من سند إلى آخر، كما مر.
١١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى».
قال المؤلّف (حدّثنا) ولأبي ذر، وابن عساكر: وحدّثنا (علي) هو: ابن المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سعيد) بكسر العين هو: ابن المسيب (عن أبي هريرة، ﵁¬)، وليس هذان السندان للمتن التالي، لأن حديث أبي سعيد اشتمل على أربعة أشياء، كما مر. ومتن أبي هريرة هذا، اقتصر على شد الرحال فقط، حيث روى (عن النبي، ﷺ ، قال):
(لا تشدّ الرحال) بضم المثناة الفوقية وفتح المعجمة.
والرحال بالمهملة، جمع: رحل للبعير، كالسرج للفرس. وهو أصغر من القتب وشده كناية عن السفر، لأنه لازم له.
والتعبير بشدها خرج مخرج الغالب في ركوبها للمسافر، فلا فرق بين ركوب الرواحل وغيرها، والمشي في هذا المعنى، ويدل لذلك قوله في بعض طرقه: "إنما يسافر … " أخرجه مسلم، والنفي هنا بمعنى النهي، أي: لا تشدّ الرحال إلى مسجد للصلاة فيه.
(إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام) بمكة بخفض دال المسجد بدل من ثلاثة أو بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هي: المسجد الحرام والتاليان، عطف عليه.
والمراد هنا بالمسجد الحرام أرض الحرم كلها، قيل لعطاء، فيما رواه الطيالسي: هذا الفضل في المسجد وحده
стр. 862
أو في الحرم، قال: بل في الحرم؛ لأنه كله مسجد.
(ومسجد الرسول) محمد (¬ ﷺ ¬) بطيبة عبر به دون مسجدى، للتعظيم أو هو من تصرف الرواة.
وروى أحمد بإسناد رواته الصحيح، من حديث أنس رفعه: "من صلّى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة، كتبت له براءة من النار، وبراءة من العذاب، وبراءة من النفاق".
(ومسجد الأقصى): بيت المقدس، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة عند الكوفيين، والبصريون يؤولونه بإضمار المكان أي و: مسجد المكان الأقصى. وسمي به لبعده عن مسجد مكة في المسافة، أو لأنه لم يكن وراءه مسجد.
وقد بطل بما مر من التقدير: بلا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه، المعتضد بحديث أبي سعيد، المروي في مسند أحمد، بإسناد حسن مرفوعًا: لا ينبغى للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة، غير المسجد الحرام، والأقصى ومسجدي.
هذا قول ابن تيمية. حيث منع من زيارة النبي، ﷺ ، وهو من أبشع المسائل المنقولة عنه.
وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه أنه كره اللفظ أدبًا، لا أصل الزيارة، فإنها من أفضل الأعمال، وأجل القرب الموصلة إلى ذي الجلال، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع. اهـ.
فشد الرحال للزيارة أو نحوها: كطلب علم ليس إلى المكان، بل إلى من فيه، وقد التبس ذلك على بعضهم، كما قاله المحقق التقي السبكي، فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة في غير الثلاثة داخل في المنع، وهو خطأ، لأن الاستثناء كما مر إنما يكون من جنس المستثنى منه، كما إذا قلت ما رأيت إلا زيدًا كان تقديره: ما رأيت رجلاً واحدًا إلا زيدًا، لا، ما رأيت شيئًا أو حيوانًا إلا زيدًا.
وقد استدلّ بالحديث على أن من نذر إتيان أحد هذه المساجد، لزمه ذلك. وبه قال مالك، وأحمد والشافعي في البويطي، واختاره، أبو إسحاق المروزي. وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا. وقال الشافعي في الأم: يجب في المسجد الحرام لتعلق النسك به، بخلاف المسجدين الآخرين. وهذا هو المنصوص لأصحابه. واستدلّ به أيضًا على أن من نذر إتيان غير هذه الثلاثة، لصلاة أو غيرها لا يلزمه، لأنه لا فضل لبعضها على بعض، فتكفي صلاته في أي مسجد كان.
قال النووي: لا اختلاف فيه إلا ما روي عن الليث أنه قال: يجب الوفاء به، وعن الحنابلة رواية: أنه يلزمه كفارة يمين، ولا ينعقد نذره.
وعن المالكية رواية: أنه إن تعلقت به عبادة تختص به كرباط. وإلاّ فلا.
وذكر عن محمد بن مسلمة، أنه يلزم في مسجد قباء لأنه ﷺ كان يأتيه كل سبت.
فإن قلت: ما المطابقة بين الترجمة والحديث.
أجيب: بأنه من التعبير بالرحلة إلى المساجد، لأن المراد بالرحلة إليها، قصد الصلاة فيها لأن لفظ: المساجد، يشعر بالصلاة.
وفي هذا السند الثاني: التحديث والعنعنة والقول، ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي.
وأخرج حديثه هذا: مسلم وأبو داود في الحج، والنسائي في الصلاة.
١١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) إمام الأئمة الأصبحي (عن زيد بن رباح) بفتح الراء وتخفيف الموحدة وبالحاء المهملة المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائة (وعبيد الله) بالتصغير والخفض، عطفًا على سابقه (ابن أبي عبد الله الأغر) كلاهما (عن أبي عبد الله) سلمان (الأغر) بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء، المدني، شيخ الزهري (عن أبي هريرة، ﵁، أن النبي) ولأبوي: ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: أن رسول الله (¬ ﷺ قال: صلاة)، فرضًا أو نفلاً (في مسجدي هذا خير) من جهة الثواب (من ألف صلاة) تصلّى (فيما سواه) من المساجد (إلا المسجد الحرام) أي: فإن الصلاة فيه خير من الصلاة في مسجده.
ويدل له حديث أحمد، وصححه ابن حبان من طريق عطاء عن عبد الله بن الزبير، رفعه: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا.
وعند البزار، وقال: إسناده حسن، والطبراني، من حديث أبي الدرداء، رفعه: الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة. وأوّله المالكية، ومن وافقهم، بأن الصلاة في مسجدي تفضله بدون الألف.
قال ابن عبد البر: لفظ دون يشمل الواحد،
стр. 863
فيلزم أن تكون الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بتسعمائة وتسع وتسعين صلاة.
وأوّله بعضهم على التساوي بين المسجدين ورجحه ابن بطال معللاً: بأنه لو كان مسجد مكة فاضلاً أو مفضولاً لم يعلم مقدار ذلك إلا بدليل، بخلاف المساواة.
وأجيب: بأن دليله قوله في حديث أحمد وابن حبان السابق: وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا. وكأنه لم يقف عليه، وهذا التضعيف يرجع إلى الثواب كما مر. ولا يتعدى إلا جزاء بالاتفاق، كما نقله النووي وغيره.
وعليه يحمل قول أبي بكر النقاش المفسر في تفسيره: حسبت الصلاة في المسجد الحرام، فبلغت صلاة واحدة بالمسجد الحرام خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة. وهذا مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة، فإنها تزيد سبعًا وعشرين درجة، كما مر.
قال البدر بن الصاحب الأثاري: إن كل صلاة بالمسجد الحرام فرادى بمائة صلاة، وكل صلاة فيه جماعة بألفي ألف صلاة وسبعمائة ألف صلاة، والصلوات الخمس فيه بثلاثة عشر ألف ألف وخمسمائة ألف صلاة، وصلاة الرجل منفردًا في وطنه غير المسجدين العظمين كل مائة سنة شمسية بمائة ألف وثمانين ألف صلاة، وكل ألف سنة بالف ألف صلاة وثمانمائة ألف صلاة، فتلخص من هذا أن صلاة واحدة في المسجد الحرام جماعة، يفضل ثوابها على ثواب من صلّى في بلده فرادى، حتى بلغ عمر نوح بنحو الضعف. اهـ.
لكن هل يجتمع التضعيفان أو لا؟ محل بحث. وهل يدخل في التضعيف ما زيد في المسجد النبوي في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم؟ أم لا:؟ إن غلبنا اسم الإشارة في قوله: مسجدي هذا انحصر التضعيف فيه ولم يعم ما زيد فيه، لأن التضعيف إنما ورد في مسجده وقد أكده يقوله: هذا. وقد صرح بذلك النووي، بخلاف المسجد الحرام، فإنه يعم الحرم كله كما مر.
واستنبط منه تفضيل مكة على المدينة، لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة، وهو قول الجمهور.
وحكي عن مالك، وابن وهب، ومطرف، وابن حبيب، من أصحابه: لكن المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة. وقد رجع عن هذا القول أكثر المنصفين من المالكية. واستثنى القاضي عياض البقعة التي دفن فيها النبي، ﷺ ، فحكى الاتفاق على أنها أفضل بقاع الأرض. بل قال ابن عقيل الحنبلي: إنها أفضل من العرش.
ورواة هذا الحديث الستة مدنيون، إلا شيخ المؤلّف فأصله من دمشق وهو من أفراده، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم في: المناسك، والترمذي وابن ماجة في: الصلاة، النسائي في: الحج.
٢ - باب مَسْجِدِ قُبَاءٍ
فضل (مسجد قباء) بضم القاف ممدودًا. وقد يقصر ويذكر على أنه اسم موضع، فيصرف ويؤنث على أنه اسم بقعة. وبينه وبين المدينة ثلاثة أميال، أو ميلان. وهو أولّ مسجد أسسه، ﷺ ، والمسجد المؤسس على التقوى في قول جماعة من السلف، منهم ابن عباس، وهو مسجد بني عمرو بن عوف. وسمي باسم بئر هناك، وفي وسطه مبرك ناقته، ﵊، وفي صحنه، مما يلي القبلة، شبه محراب هو أوّل موضع ركع فيه، ﷺ ، ثَمَّ.
١١٩١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ لَا يُصَلِّي مِنَ الضُّحَى إِلاَّ فِي يَوْمَيْنِ. يَوْمَ يَقْدَمُ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدَمُهَا ضُحًى فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَيَوْمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ. قَالَ: وَكَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا".
[الحديث ١١٩١ - أطرافه في: ١١٩٣، ١١٩٤، ٧٣٢٦].
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير، زاد الهروي، هو الدورقي، نسبة إلى لبس القلانس الدورقية، قال: (حدّثنا ابن علية) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، وعلية أمه، قال: (أخبرنا أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر:
(أن ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄، كان لا يصلّي من الضحى) أي: في الضحى، أو: من جهة الضحى (إلا في يومين: يوم يقدم بمكة) بجر يوم، بدلاً من يومين، أو بالرفع، خبر مبتدأ محذوف. أي: أحدهما يوم. وللهروي والأصيلي: يوم، كاللاحق بالنصب على الظرفية، ودال: يقدم مفتوحة. وقال العيني: مضمومة، وبمكة، بموحدة، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: مكة بحذفها. (فإنه) أي ابن عمر (كان يقدمها) أي مكة (ضحى) أي: في ضحوة النهار، (فيطوف بالبيت) الحرام (ثم يصلّى ركعتين) سنة الطواف (خلف المقام ويوم) عطف على يوم
стр. 864
السابق فيعرب إعرابه (يأتي مسجد قباء، فإنه كان يأتيه كل سبت. فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلّي فيه) ابتغاء الثواب.
روى النسائي حديث سهل بن حنيف مرفوعًا: "من خرج حتى يأتي قباء فيصلّي فيه، كان له عدل عمرة".
وعند الترمذي، من حديث أسيد بن حضير، رفعه: "الصلاة في مسجد قباء كعمرة".
وعند ابن أبي شيبة، في أخبار المدينة بإسناد صحيح، عن سعد بن أبي وقاص قال: لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين، أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل.
وفيه: فضل مسجد قباء والصلاة فيه، لكن لم يثبت فيه تضعيف كالمساجد الثلاثة.
(قال) نافع (وكان) ابن عمر (يحدث: أن رسول الله، ﷺ ، كان يزوره) أي مسجد قباء، أي: يوم السبت. كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى في الباب اللاحق، حال كونه (راكبًا وماشيًا).
١١٩٢ - قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ "إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَىِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَنْ لَا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا".
(قال وكان) أي: ابن عمر، ولأبي ذر" وماشيًا". وكان (يقول) أي: لنافع (إنما أصنع كما رأيت أصحاب يصنعون، ولا أمنع أحدًا أن يصلّي) بفتح الهمزة أي: لا أمنع أحدًا الصلاة، وللهروي والأصيلي. وأبي الوقت: إن صلّى بكسر الهمزة، وفي نسخة: أن يصلّي (في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، غير أن لا تتحروا) أي: لا تقصدوا (طلوع الشمس ولا غروبها) فتصلوا في وقتيهما.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين: بصري ومدني وكوفي، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: الصلاة، ومسلم في: الحج وأبو داود.
٣ - باب مَنْ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ
(باب من أتى مسجد قباء كل سبت).
١١٩٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ﵄ يَفْعَلُهُ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (موسى بن إسماعيل) المنقري، بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، التبوذكي بفتح المثناة الفوقية وضم الموحدة وفتح المعجمة (قال: حدّثنا عبد العزيز بن مسلم) القسملي بفتح القاف وسكون المهملة مخففًا، البصري (عن عبد الله بن دينار) العدوي المدني، مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄، قال):
(كان النبي، ﷺ ، يأتي مسجد قباء كل سبت) حال كونه (ماشيًا) تارة (وراكعًا) أخرى.
وأطلق في السابقة إتيانه ﵊ مسجد قباء من غير تقييد بيوم، وقيده هنا، فيحمل المطلق على هذا المقيد، لأنه قيد في السابقة في الموقوف، بخلاف المرفوع. وخص السبت لأجل مواصلته لأهل قباء وتفقد حال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه في مسجده بالمدينة.
(وكان عبد الله) بن عمر (¬﵁¬) وللأصيلي والهروي: وكان ابن عمر ﵄ (يفعله) أي الإتيان يوم السبت كما مر.
٤ - باب إِتْيَانِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا
(باب إتيان مسجد قباء راكبًا وماشيًا).
١١٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا" زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ "حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال حدّثنا يحيى) زاد الأصيلي: ابن سعيد، أي: القطان (عن عبيد الله) بالتصغير، ابن عمر العمري (قال: حدّثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄ قال):
(كان النبي ﷺ يأتي قباء) وللهروي، والأصيلي، وابن عساكر: مسجد قباء (راكبًا) تارة (وماشيًا) أخرى بحسب ما يتيسر. والواو، بمعنى: أو.
واستدلّ به ابن حبيب، من المالكية، كما نقله العيني: على أن المدني إذا نذر الصلاة في مسجد قباء لزمه ذلك، وحكاه عن ابن عباس.
(زاد ابن نمير) بضم النون وفتح الميم، عبد الله، مما وصله مسلم، وأبو يعلى: فقال: (حدّثنا عبيد الله) بالتصغير (عن نافع) أي عن ابن عمر.
(فيصلّي فيه) أي: في مسجد قباء (ركعتين) ادعى الطحاوي أن هذه الزيادة مدرجة قالها أحد الرواة من عنده، لعلمه أنه ﵇ كان من عادته أنه لا يجلس حتى يصلّي.
واستدلّ به على أن صلاة النهار. كصلاة الليل، ركعتين.
وعورض بحديث سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبيه، عن جدّه رفعه، "من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم غدا إلى مسجد قباء، لا يريد غيره، ولا يحمله على الغدوّ إلا الصلاة في مسجد قباء، فصلّى فيه أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بأم القرآن، كان له أجر المعتمر إلى بيت الله". رواه الطبراني، لكن فيه يزيد بن عبد الملك النوفلي، وهو ضعيف.
ولما ذكر المؤلّف
стр. 865
فضل الصلاة في المسجد الشريف النبوي المدني، شرع ينبه على أن بعض بقاعه أفضل من بعض فقال:
٥ - باب فَضْلِ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ
(باب فضل ما بين القبر) الشريف (والمنبر) المنيف.
١١٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي، قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن عبد الله بن أبي بكر) الأنصاري (عن عباد بن تميم) بفتح العين وتشديد الموحدة، ابن زيد بن عاصم الأنصاري (عن) عمه (عبد الله بن زيد المازني) بكسر الزاي بعدها نون، الأنصاري (¬﵁، أن رسول الله، ﷺ ، قال):
(ما بين بيتي ومنبري) الموصول: مبتدأ خبره قوله: (روضة من رياض الجنة) منقولة منها كالحجر الأسود، أو: تنقل بعينها إليها كالجذع حنَّ إليه، ﷺ ، أو: توصل الملازم للطاعات فيها إليها. فهو مجاز باعتبار المآل، كقوله: الجنة تحت ظلال السيوف، أي: الجهاد مآله الجنة. فهذه البقعة المقدسة روضة من رياض الجنة الآن وتعود إليها. ويكون للعامل فيها روضة بالجنة.
والمراد بالبيت: قبره أو مسكنه، ولا تفاوت بينهما، لأن قبره في حجرته، وهي بيته.
ويأتي مزيد لذلك في أواخر فضل المدينة إن شاء الله بعونه وقوّته.
ورواة هذا الحديث مدنيون إلا شيخ المؤلّف وهو من أفراده. وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة وأخرجه مسلم في: المناسك، والنسائي: فيه وفي الصلاة.
١١٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي».
[الحديث ١١٩٦ - أطرافه في: ١٨٨٨، ٦٥٨٨، ٧٣٣٥].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (عن يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بالتصغير، زاد الأصيلي والهروي: ابن عمر، أي: العمري (قال: حدّثني) بالإفراد (خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية آخره موحدة (عن حفص بن عاصم) أي: ابن عمر بن الخطاب، (عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي) ولأبي ذر، مما صح عند اليونينية أن النبي (¬ ﷺ قال):
(ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، لم يثبت خبر عن بقعة أنها من الجنة بخصوصها إلا هذه البقعة المقدّسة. (ومنبري) هذا بعينه (على حوضي) نهر الكوثر الكائن داخل الجنة، لا حوضه الذي خارجها بجانبها، المستمد من الكوثر، يعيده الله فيضعه عليه، أو: أن له هناك منبرًا على حوضه يدعو الناس عليه إليه.
وعند النسائي: ومنبري على ترعة من ترع الجنة.
ووقع في رواية أبي ذر الهروي سقوط: ومنبري على حوضي.
ورواة الحديث مدنيون إلا شيخه فبصري من أفراده، وفيه: التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه المؤلّف أيضًا في أواخر: الحج وفي: الحوض والاعتصام، ومسلم في: الحج.
٦ - باب مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ
(باب) فضل (مسجد بيت المقدس) بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال، وبفتح القاف بعد
ضم الميم مع تشديد الدال. والقدس: بغير ميم مع ضم القاف وسكون الدال وبضمها، وله عدة أسماء تقرب من العشرين منها إيلياء بالمد والقصر وبحذف الياء الأولى.
١١٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ سَمِعْتُ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ قَالَ: "سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يُحَدِّثُ بِأَرْبَعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي قَالَ: لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلاَّ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ. وَلَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ وَالأَضْحَى. وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ. وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي".
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك) بن عمير (قال: سمعت قزعة) بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحة (مولى زياد) بالزاي وتخفيف المثناة التحتية (قال):
(سمعت أبا سعيد الخدري، ﵁، يحدث بأربع عن النبي ﷺ ¬) كلها حكم (فأعجبنني) الأربع، وهي بسكون الموحدة بصيغة الجمع للمؤنث (وآنقنني) بهمزة ممدودة ثم نون مفتوحة ثم قاف ساكنة بعدها نونان، أي: أفرحنني وأسررنني.
إحداها (قال لا تسافر المرأة يومين إلا معها زوجها). ولأبوي ذر والوقت: إلا ومعها بالواو (أو: ذو محرم) وهو من النساء من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فاحترز بقوله: على التأبيد، من: أخت المرأة. وبقوله: بسبب مباح، من: أم الموطوءة بشبهة، لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة وبحرمتها من الملاعنة، فإن تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظًا.
(و) الثانية (لا صوم في يومين) يوم عيد (الفطر) ليحصل الفصل بين الصوم والفطر (والأضحى) لأن فيه دعوة الله التي دعا عباده إليها من تضييفه وإكرامه لأهل مِنًى وغيرهم لما شرع لهم من ذبح النسك
стр. 866
والأكل منها، والإجماع على تحريم صومهما، لكن مذهب أبي حنيفة: لو نذر صوم يوم النحر أفطر وقضى يومًا مكانه.
(و) الثالثة (لا صلاة بعد صلاتين بعد) صلاة (الصبح حتى تطلع الشمس وبعد) صلاة (العصر حتى تغرب) الشمس.
(و) الرابعة (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) الاستثناء مفرّغ والتقدير: لا تشد الرحال إلى موضع، ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها، كزيارة صالح أو قريب أو صاحب، أو طلب علم أو تجارة، أو نزعة. لأن المستثنى منه في المفرغ يقدر بأعم العام. لكن المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص، وهو المسجد كما تقدم تقديره: (مسجد الحرام) بمكة (ومسجد) المكان (الأقصى) الأبعد عن المسجد الحرام في المسافة، أو عن الأقذار والخبث، وهو: مسجد بيت المقدس.
وقد روى ابن ماجة حديث أنس مرفوعًا: "وصلاة في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة".
وعند الطبراني عن أبي الدرداء، رفعه أيضًا: "والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة".
وعند النسائي وابن ماجة، عن ابن عمر: أن سليمان بن داود، لما فرغ من بناء بيت المقدس، سأل الله تعالى: أن لا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. الحديث.
(ومسجدي) بطيبة. واختصاص هذه الثلاثة بالأفضلية لأن الأول فيه: حج الناس وقبلتهم أحياء وأمواتًا، والثاني: قبلة الأمم السالفة، والثالث: أسس على التقوى وبناه خير البرية، زاده الله شرفًا.
والأفضلية بينهم بالترتيب المذكور في الحديث الأول، من الباب الأول، واختلف في: شد الرحال إلى غيرها، كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتًا، وإلى المواضع الفاضلة للصلاة فيها، والتبرك بها.
فقال أبو محمد الجويني: يحرم عملاً بظاهر هذا الحديث؛ واختاره القاضي حسين، وقال به القاضي عياض وطائفة.
والصحيح عند إمام الحرمين، وغيره من الشافعية، الجواز، وخصوا النهي بمن نذر الصلاة في غير الثلاثة، وأما قصد غيرها لغير ذلك، كالزيارة فلا يدخل في النهي.
وخص بعضهم النهي فيما حكاه الخطابي بالاعتكاف في غير الثلاثة، لكن قال في الفتح: ولم أر عليه دليلاً.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين: بصري وواسطي وكوفي، وفيه: التحديث والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه المؤلّف في: الصوم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢١ - أبواب العمل في الصلاة
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا ثبتت البسملة في غير رواية أبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر (أبواب) حكم (العمل في الصلاة) كذا في نسخة الصاغاني، مع إثبات البسملة.
١ - باب اسْتِعَانَةِ الْيَدِ فِي الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يَسْتَعِينُ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ جَسَدِهِ بِمَا شَاءَ.
وَوَضَعَ أَبُو إِسْحَاقَ قَلَنْسُوَتَهُ فِي الصَّلَاةِ وَرَفَعَهَا. وَوَضَعَ عَلِيٌّ ﵁ كَفَّهُ عَلَى رُصْغِهِ الأَيْسَرِ. إِلاَّ أَنْ يَحُكَّ جِلْدًا أَوْ يُصْلِحَ ثَوْبًا.
(باب) حكم (استعانة اليد) أي: وضعها على شيء (في الصلاة إذا كان) ذلك (من أمر الصلاة) احترز به عما يصدر عن قصد العبث فإنه مكروه.
(وقال ابن عباس، ﵄: يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء) كيده إذا كان من أمر الصلاة، مثل: تحويله، ﵇، ابن عباس إلى جهة يمينه في الصلاة الآتي في الحديث التالي، وإذا جازت الاستعانة بها للصلاة فكذا بما شاء من جسده قياسًا عليها.
(ووضع أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي التابعي المتوفى سنة عشرين ومائة، وله من العمر ست وتسعون سنة (قلنسوته) بفتح القاف واللام وسكون النون وضم المهملة، بيده حال كونه (في الصلاة، ورفعها) بها كذا بالواو وللنسفي، وأبي ذر والأصيلي: وفي رواية القابسي: أو رفعها على الشك.
(ووضع علي) هو ابن أبي طالب (¬﵁ كفه) الأيمن (على رصغه الأيسر) أي: في الصلاة والرصغ بالصاد، لغة في الرسغ بالسين، وهي أفصح من الصاد، وهو المفصل بين الساعد
والكف (إلا أن يحك) أي: علي (جلدًا، أو يصلح ثوبًا) كذا أخرجه في السفينة الجرائدية بتمامه، لكن قال: إذا قام إلى الصلاة ضرب، بدل قوله: وضع. وزاد: فلا يزال كذلك حتى يركع.
وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، من هذا الوجه، لكن بلفظ: إلا أن يصلح ثوبه، أو يحك جسده.
وليس هذا الاستثناء من بقية ترجمة الباب، كما توهمه الإسماعيلي وتبعه ابن رشيد، ونقله مغلطاي
стр. 867
في شرحه عن أولهما، ويدخل في الاستعانة التعلق بالحبل، والاعتماد على العصا، ونحوهما.
١١٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂-وَهْيَ خَالَتُهُ- قَالَ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ؛ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ آيَاتٍ خَوَاتِيمَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا بِيَدِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (ابن سليمان) بضم السين وفتح اللام، الوالبي (عن كريب) مصغرًا (مولى ابن عباس أنه أخبره) أي أن كريبًا أخبر مخرمة (عن عبد الله بن عباس، ﵄ أنه بات) ليلة (عند ميمونة) الهلالية (أم المؤمين، ﵂ -وهي خالته- قال فاضطجعت على) وفي نسخة: في (عرض الوسادة) بفتح العين على المشهور (واضطجع رسول الله، ﷺ ، وأهله) زوجته ميمونة (في طولها) أي: طول الوسادة (فنام رسول الله، ﷺ ، حتى انتصف الليل أو قبله) أي: قبل انتصافه (بقليل أو بعده) أي: بعد انتصافه (بقليل، ثم استيقظ رسول الله ﷺ ، فجلس، فمسح النوم عن وجهه بيده) بالإفراد ولأبوي: ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: بيديه. أي: مسح بهما عينيه، من باب إطلاق الحال، وهو النوم على المحل وهو العين إذ النوم لا يمسح، (ثم قرأ) ﵊ (العشر آيات) بإسقاط: أل، ولأبوي: ذر، والوقت، والأصيلي: الآيات (خواتيم) بالمثناة التحتية بعد الفوقية، ولهم ولابن عساكر: خواتم بإسقاط التحتية (سورة آل عمران) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخر السورة (ثم قام) ﵊ (إلى شن) بفتح المعجمة قربة خلقة (معلقة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه) بأن أتى به وبمندوباته (ثم قام يصلّي).
(قال عبد الله بن عباس، ﵄: فقمت فصنعت مثل ما صنع) رسول الله ﷺ ، من قراءة العشر الآيات والوضوء (ثم ذهبت، فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى) حال كونه (يفتلها) بكسر المثناة أي: يدلكها (بيده) لينبهه من غفلة أدب الائتمام، وهو القيام على يمين الإمام إذا كان الإمام وحده أو ليؤنسه، لكون ذلك كان ليلاً.
وفي الرواية السابقة، في باب: التخفيف في الوضوء: فحولني فجعلني عن يمينه.
وقد استنبط المؤلّف من هذا استعانة المصلي بما يتقوى به على صلاته، فإنه إذا جاز للمصلي أن يستعين بيده في صلاته فيما يختص بغيره فاستعانته بها في أمر نفسه ليتقوى بذلك على صلاته، وينشط لها إذا احتاج أولى.
(فصلّى) ﵊ (ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين) الجملة: ثنتا عشرة ركعة (ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلّى ركعتين خفيفتين) سنة الصبح، ولم يتوضأ، لأن: عينيه تنامان ولا ينام قلبه: فلا ينتقض وضوؤه (ثم خرج) ﵊ إلى المسجد (فصلّى الصبح) فيه.
ورواة هذا الحديث الخمسة: مدنيون، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلّف في اثني عشر موضعًا.
٢ - باب مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ
(باب ما ينهى من الكلام) وللأصيلي: ما ينهى عنه من الكلام (في الصلاة) وبه قال:
١١٩٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ قال حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا. فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلاً ".
[الحديث ١١٩٩ - طرفاه في: ١٢١٦].
(حدّثنا ابن نمير) بضم النون وفتح الميم، محمد بن عبد الله، ونسبه لجده لشهرته به الهمذاني الكوفي (قال: حدّثنا ابن فضيل) بضم الفاء وفتح المعجمة، محمد الضبي الكوفي (قال، حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁، أنه قال):
(كنا نسلم على النبي، ﷺ ، وهو في الصلاة، فيرد علينا) السلام وفي رواية أبي وائل: ويأمر بحاجتنا (فلما رجعنا من عند النجاشي) بفتح النون، وقيل بكسرها، ملك الحبشة إلى مكة من الهجرة الأولى، أو: إلى المدينة من الهجرة الثانية، وكان النبي، ﷺ ، حينئذ يتجهز لغزوة بدر. (سلمنا عليه فلم يرد علينا) أي باللفظ.
فقد روى ابن أبي شيبة، من مرسل ابن سيرين: أن النبي، ﷺ ، رد على ابن مسعود في هذه القصة السلام، بالإشارة.
وزاد مسلم، في رواية ابن فضيل: قلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا … الحديث.
(وقال) ﵊، لما فرغ من الصلاة:
(إن في
стр. 868
الصلاة شغلاً) عظيمًا، لأنها مناجاة مع الله تعالى تستدعي الاستغراق في خدمته، فلا يصلح فيها الاشتغال بغيره، أو التنوين للتنويع أي: كقراءة القرآن، والذكر والدعاء.
وزاد في رواية أبي وائل، أيضًا: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله تعالى قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة.
وزاد في رواية كلثوم الخزاعى: إلا بذكر الله.
وفي رواية أبي ذر، كما في الفرع، وعزاه في الفتح لأحمد عن ابن فضيل: لشغلاً، بزيادة لام التأكيد.
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال (حدّثنا ابن نمير) محمد بن عبد الله قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) زاد الهروي والأصيلي: السلولي، بفتح المهملة وضم اللام الأولى نسبة إلى: سلول، قبيلة من هوازن، قال: (حدّثنا هريم بن سفيان) بضم الهاء وفتح الراء، الجبلي الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن علقمة، عن عبد الله) بن مسعود (رضي الله منه، عن النبي ﷺ نحوه) أي نحو طريق محمد بن فضيل، عن الأعمش الخ.
ورجال الحديث من الطريقين كلهم كوفيون.
١٢٠٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ "إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآيَةَ، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ".
[الحديث ١٢٠٠ - طرفه في: ٤٥٣٤].
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد بن زاذان التميمي الفراء، قال: (أخبرنا عيسى) زاد الهروي، والأصيلي، وابن عساكر: هو ابن يونس (عن إسماعيل) بن أبي خالد بن سعد الأحمسي
البجلي (عن الحارث بن شبيل) بضم الشين المعجمة وفتح الموحدة آخره لام بعد المثناة التحتية الساكنة، الأحمسي (عن أبي عمرو) بفتح العين، سعد بن أبي أياس (الشيباني) بفتح المعجمة الكوفي (قال: قال لي زيد بن أرقم) بفتح الهمزة والقاف، الأنصاري الخزرجي، وليس للشيباني عن ابن أرقم غير هذا الحديث.
(إن كنا لنتكلم) بتخفيف النون بعد الهمزة المكسورة، ولام التأكيد (في الصلاة على عهد النبي، ﷺ ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته) وفي لفظ: ويسلم بعضنا على بعض في الصلاة (حتى) أي: إلى أن (نزلت ﴿حافظوا﴾) أي: داوموا (﴿على الصلوات﴾ اللآية) ولأبوي ذر والوقت، (على الصلوات والصلاة الوسطى أي: العصر، وعليه الأكثرون ﴿وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي ساكنين لأن لفظ الراوي يشعر به، فحمله عليه أولى وأرجح، لأن المشاهد للوحي والتنزيل يعلم سبب النزول.
وقال أهل التفسير: خاشعين ذليلين بين يديه، وحينئذ فالكلام مناف للخشوع إلا ما كان من أمر الصلاة، وللأصيلي: والصلاة الوسطى. الآية.
(فأمرنا بالسكوت) بضم الهمزة أي: عما كنا نفعله من ذلك، وزاد مسلم، ونهينا عن الكلام، وليس المراد مطلقًا، فإن الصلاة ليس فيها حالة سكوت حقيقية.
واستدلّ بهذه الآية على أن الأمر بشيء ليس نهيًا عن ضده، إذ لو كان كذلك لم يحتج إلى قوله: ونهينا عن الكلام.
وأجيب: بأن دلالته على ذلك دلالة التزام، ومن ثم وقع الخلاف، فلعله ذكر لكونه أصرح.
وقال ابن دقيق العيد قوله: ونهينا عن الكلام، يقتضي أن كل شيء يسمى كلامًا فهو منهي عنه، حملاً للفظ على عمومه، ويحتمل أن تكون اللام للعهد الراجع إلى قوله: يكلم الرجل منا صاحبه بحاجته، وظاهر هذا أن نسخ الكلام في الصلاة وقع في المدينة لأن الآية مدنية باتفاق.
فتعين أن المراد بقوله: فلما رجعنا من عند النجاشي في الهجرة الثانية، ولم يكونوا يجمعون بمكة إلا نادرًا.
والذي تقرر: أن الصلاة تبطل بالنطق عمدًا من غير: القرآن، والذكر، والدعاء بحرفين أفهما، أو لا نحو: قم وعن، أو حرف مفهم نحو: ق، من الوقاية. وكذا مدة بعد حرف، لأنها ألف، أو واو، أو: ياء لحديث مسلم: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس".
والكلام يقع على المفهم وغيره الذي هو حرفان، وتخصيصه بالمفهم اصطلاح النحاة، واختلف في الناسي ومن سبق لسانه، فلا يبطلها قليل كلامهما، عند الشافعية، والمالكية، وأحمد والجمهور، خلافًا للحنفية مطلقًا.
لنا حديث ذي اليدين، وكذا الجاهل للتحريم إن قرب عهده بالإسلام بخلاف بعيد العهد به، لتقصيره بترك التعلم، وهذا بخلاف الكثير، فإنه مبطل. ويعذر في التنحنح، وإن ظهر به حرفان للغلبة، وتعذر قراءة الفاتحة لا الجهر، لأنه سنة لا ضرورة إلى التنحنح له، ولو أكره على الكلام بطلت لندرة الإكراه، ولا تبطل بالذكر والدعاء العاري عن المخاطبة، فلو خاطب كقوله
стр. 869
لعاطس: رحمك الله، بطلت بخلاف: ﵀، بالهاء. ولو تكلم بنظم القرآن قاصدًا التفهيم: كيا يحيى خذ الكتاب، مفهمًا به من يستأذن في أخذ شيء أن يأخذه، إن قصد معه القراءة لم تبطل، فإن قصد التفهيم فقط بطلت. وإن لم يقصد شيئًا ففي التحقيق الجزم بالبطلان.
وقوله: إن كنا لنتكلم، حكمه حكم المرفوع. وكذا قوله: أمرنا، لقوله فيه: على عهد النبي، ﷺ ، حتى ولو لم يقيد بذلك لكان ذكر نزول الآية كافيًا في كونه مرفوعًا.
ورواة هذا الحديث الستة كوفيون إلا شيخ المؤلّف فرازي، وفيه، التحديث والأخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: التفسير، وأخرجه مسلم في: الصلاة، وكذا أبو داود، وأخرجه الترمذي فيها وفي: التفسير.
٣ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ فِي الصَّلَاةِ لِلرِّجَالِ
(باب ما يجوز من التسبيح والحمد في) أثناء (الصلاة للرجال) إذا نابهم فيها شيء، كتنبيه إمام على سهو، وإذن لمستاذن في الدخول، وإنذار أعمى أن يقع في بئر ونحوها. وقيد بالرجل ليخرج النساء.
وأتى بالحمد بعد التسبيح تنبيهًا على أن الحمد يقوم مقام التسبيح، لأن الغرض التنبيه على عروض أمر لا مجرد التسبيح والتحميد.
١٢٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ ﵁ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ بِلَالٌ أَبَا بَكْرٍ ﵄ فَقَالَ: حُبِسَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَؤُمُّ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنْ شِئْتُمْ. فَأَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَصَلَّى، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِالتَّصْفِيحِ -قَالَ سَهْلٌ: هَلْ تَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ؟ هُوَ التَّصْفِيقُ- وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا الْتَفَتَ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّفِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ: مَكَانَكَ. فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم، واللام، ابن قعنب، قال: (حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم) بالمهملة والزاي، واسمه سلمة (عن أبيه) سلمة بن دينار (عن سهل) بفتح
المهملة وإسكان الهاء (¬﵁¬) زاد الأصلي، والهروي: ابن سعد، بسكون العين (قال):
(خرج النبي، ﷺ ،) حال كونه (يصلح بين بني عمرو بن عوف) بسكون الميم، زاد الأصيلي والهروي أيضًا: ابن الحرث (وحانت الصلاة) أي: حضرت (فجاء بلال) المؤذن (أبا بكر) الصدّيق (¬﵄، فقال: حبس النبي ﷺ ¬) أي: تأخر في بني عمرو (فتؤم الناس) بحذف همزة الاستفهام (قال) أبو بكر: (نعم) أؤمهم (إن شئتم) فيه: أنه لا يؤم جماعة إلا برضاهم، وإن كان أفضلهم.
(فأقام بلال الصلاة، فتقدم أبو بكر ﵁ فصلّى) أي: فشرع في الصلاة بالناس (فجاء النبي، ﷺ ¬) من بني عمرو، حال كونه (يمشي في الصفوف) حال كونه (يشقها شقًّا، حتى قام في الصف الأول، فأخذ الناس بالتصفيح) بالموحدة والحاء المهملة، ولابن عساكر: "فى التصفيح" وهو مأخوذ من صفحتي الكف وضرب إحداهما على الأخرى.
(قال سهل) أي: ابن سعد المذكور، ولأبوي ذر والوقت، مما صح عند اليونيني: فقال سهل (هل تدرون ما التصفيح؟) أي: تفسيره (هو التصفيق) بالقاف بدل الحاء. وهذا يؤيد قول الخطابي، وأبي علي القالي، والجوهري، وغيرهم: إنهما المعنى واحد.
وفي الإكمال، للقاضي عياض حكاية قول: إنه بالحاء الضرب بظاهر إحدى اليدين على الأخرى، وبالقاف بباطنها على باطن الأخرى، فبطل دعوى ابن حزم نفي الخلاف في أنهما: بمعنى واحد.
وقيل: بالحاء الضرب بأصبعين للإنذار والتنبيه، وبالقاف بجميعها للهو واللعب.
(وكان أبو بكر، ﵁، لا يلتفت في صلاته، فلما أكثروا) من التصفيح (التفت فإذا النبي، ﷺ ، في الصف، فأشار) ﵇ (إليه) ﵁: (مكانك) أي: الزمه ولا تتغير عما أنت فيه. (فرفع أبو بكر) ﵁ (يديه) بالتثنية للدعاء (فحمد الله) تعالى، حيث رفع الرسول ﵊ مرتبته بتفويض الإمامة إليه (ثم رجع القهقرى وراءه، وتقدم) بالواو، ولابن عساكر: فتقدم (النبي، ﷺ ، فصلّى) بالناس.
فإن قلت: ما وجه مطابقة الحديث للترجمة، فإنه ذكر فيها لفظ التسبيح، وليس هو فيه؟
أجيب: من حيث أنه ذكر هذا الحديث بتمامه في باب: من دخل ليؤم الناس، فجاء الإمام الأول، لأن فيه قوله ﵊: "من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء". فاكتفي به، لأن الحديث واحد.
ولا يقال: علم التسبيح من الحمد بالقياس عليه، لأنا نقول: حمد أبي بكر إنما كان على تأهيل الرسول له للإمامة، كما مر.
وقد صرح بذلك، في رواية باب: من دخل ليؤم الناس، ولفظه: فحمد الله على ما أمره به رسول الله، ﷺ ، من ذلك.
فإن قلت:
стр. 870
لِمَ لا يكون المراد من الترجمة جواز التسبيح والحمد مطلقًا في الجملة من غير تقييد بتنبيه، وتحصل المطابقة بين الترجمة وما ساقه من الحديث، ويكون التسبيح مقيسًا على الحمد، والحديث مخصصًا لعموم قوله في الترجمة السابقة، حيث قال: باب ما ينهى من الكلام في الصلاة؟
فالجواب: لعلهم إنما حملوا هذه الترجمة على ما ذكر لقوله بعد، باب: التصفيق للنساء، إذ مقابله التسبيح، وهما كما وقع التصريح به من الشارع ﵊ لمن نابه شيء في صلاته.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف في سبعة مواضع، وترجم في كل منها بما يناسبه.
٤ - باب مَنْ سَمَّى قَوْمًا أَوْ سَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ مُوَاجَهَةً وَهُوَ لَا يَعْلَمُ
(باب) حكم (من سمى قومًا) في الصلاة (أو سلم في الصلاة على غيره مواجهة) بفتح الجيم والنصب على المصدرية (وهو) أي والحال أن السلم (لا يعلم) حكم ذلك إبطالاً وصحة. هل يكون حكمه حكم العامد، أو حكم الناسي؟
وقد ثبتت لفظة: مواجهة، للحموي والكشميهني، وعزاها في الفتح لكريمة، وسقطت لأبي الوقت، والأصيلي وابن عساكر، وحكى ابن رشيد إسقاط هاء غيره، وإضافة: مواجهة، عن رواية أبي ذر، عن الحموي. وللكرماني حكاية رواية أخرى، وهي على غير مواجهة بلفظ اسم الفاعل المضاف إلى الضمير، وإضافة الغير إليه.
١٢٠٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نَقُولُ: التَّحِيَّةُ فِي الصَّلَاةِ وَنُسَمِّي وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ. فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ".
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عيسى) بسكون الميم الضبعي بضم المعجمة قال: (حدّثنا أبو عبد الصمد) زاد الهروي: العمي، بفتح العين المهملة وتشديد الميم، هو (عبد العزيز بن عبد الصمد)
البصري، وذكره بكنيته، ثم باسمه، قال: (حدّثنا حصين بن عبد الرحمن) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال):
(كنا نقول التحية) بالإفراد، والرفع، مبتدأ خبره (في الصلاة) ويروى: التحية، بالنصب مفعول نقول.
واستشكل من حيث أن مقول القول لا بد أن يكون جملة، وقوله: التحية مفرد.
وأجيب: بأنه في حكم الجملة، لأنه عبارة عن قولهم: السلام على فلان، كقولهم: قلت قصة، وقلت خبرًا.
(ونسمي) أي: نقول السلام على جبريل وميكائيل، كما في حديث: باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد (ويسلم بعضنا على بعض) في حديث باب: ما ينهى من الكلام، السابق قريبًا: كنا نسلم على النبي، ﷺ ، وهو في الصلاة فيرد علينا، وهو في الصلاة … الحديث.
وكان ابن مسعود قد هاجر إلى الحبشة، وعهده وعهد أصحابه أن الكلام في الصلاة جائز، فوقع النسخ في غيبتهم ولم يبلغهم، فلما قدموا فعلوا العادة في أول صلاة صلوها معه، ﷺ ، فلما سلم نهاهم في المستقبل، وعذرهم لغيبتهم وجهلهم بالحكم، فلم يلزمهم الإعادة. مع أن إمكان العلم كان يتأتى في حقهم بأن يسألوا قبل الصلاة: أحدث أمر أم لا؟
وبهذا إيجاب عن استشكال المطابقة بين الحديث والترجمة. وقال في المصابيح: إنه الجواب الصحيح.
(فسمعه رسول الله ﷺ ¬) أي: ما ذكر من تسميتهم وتسليمهم (فقال):
(قولوا التحيات) أي: أنواع التعظيم (لله) المتفضل بها (والصلوات): الدعاء، أو الخمس المعروفة وغيرها، أو الرحمة (والطيبات) ما طاب من الكلام وحسن، ومعناه أن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى، لا تصلح حقيقتها لغيره، (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) أي: السلام الذي وجه إلى الأنبياء المتقدمة، موجه إليك أيها النبي، والسلام الذي وجه إلى الأمم السابقة من الصلحاء علينا وعلى إخواننا. فالتعريف للعهد التقريري، قاله الطيبي، وقيل غير ذلك.
وقوله: وعلى عباد الله الصالحين، بعد قوله: السلام علينا، من ذكر الخاص بعد العام.
(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله). أمرهم بإفراد السلام عليه بالذكر، لشرفه ومزيد حقه عليهم، وتخصيص أنفسهم. فإن الاعتمام بها أهم، ثم اتبعه بشهادة التوحيد لله، والرسالة لنبيه ﵊، لأنه منبع الخيرات وأساس الكمالات.
ثم قال: (فإنكم إِنْ فعلتم ذلك) أي قلتم ما ذكر (فقد سلمتم على كل عبد لله صالح) بالجر، صفة لعبد، وما بينهما اعتراض (في السماء والأرض) من ملك أو مؤمن.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري وكوفي، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلّف
стр. 871
من أفراده وأخرجه ابن ماجة في الصلاة.
٥ - باب التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ
(باب التصفيق للنساء) بإضافة باب لتاليه، ولغير أبي ذر: بالتنوين أي: هذا باب يذكر فيه التصفيق للنساء.
١٢٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال):
(التسبيح) بأن يقول من نابه شيء في صلاته، كتنبيه إمامه، وإنذاره أعمى: "سبحان الله" لا يكون إلاّ (للرجال، والتصفيق) بالصاد والقاف، لا يكون إلا اللنساء) إذا نابهن شيء في صلاتهن.
وهذا مذهب الجمهور للأمر به في رواية حماد بن زيد، عن أبي حازم في الأحكام بلفظ: فليسبح الرجال ولتصفق النساء.
خلافًا لمالك حيث قال: التسبيح للرجال والنساء جميعًا.
وأما قوله: والتصفيق للنساء، أي: من شأنهن في غير الصلاة، وهو على جهة الذم له، ولا ينبغي فعله في الصلاة لرجل، ولا امرأة، ورواية حماد السابقة تعارض ذلك، إذ هي نص فيه، وكأن منع المرأة من التسبيح لأنها مأمورة بخفض صوتها مطلقًا لما يخشى من الافتتان. ومن ثم منعت من الأذان مطلقًا، ومن الإقامة للرجال، ومنع الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء.
وهذا الحديث أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، في: الصلاة.
١٢٠٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى) قال ابن حجر: هو ابن جعفر أي: البلخي، وجوز الكرماني أن يكون يحيى بن موسى الختي، بفتح الخاء المعجمة وتشديد المثناة الفوقية، لأنهما رويا عن وكيع في
الجامع فيما قاله الكلاباذي، قال: (أخبرنا) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: حدّثنا (وكيع عن سفيان) الثوري (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين (¬﵁، قال: قال النبي ﷺ ¬):
(التسبيح للرجال والتصفيح) بالحاء المهملة، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: والتصفيق بالقاف، بأن تضرب بطن اليمنى على ظهر اليسرى (للنساء). فلو ضربت على بطنها، على وجه اللعب، بطلت صلاتها، وإن كان قليلاً لمنافاة اللعب للصلاة. ولو صفق الرجل جاهلاً بذلك، فليس عليه إعادة صلاته، لأنه ﵊ لم يأمر من صفق جاهلاً بالإعادة، لأنه عمل يسير لا يفسد الصلاة. كما تقرر. ويأتي في كلام المصنف باب من صفق من الرجال جاهلاً في صلاته لم تفسد صلاته.
٦ - باب مَنْ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فِي صَلَاتِهِ أَوْ تَقَدَّمَ بِأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب من رجع القهقري) بفتح القافين بينهما هاء ساكنة، وبفتح الراء أي: مشى إلى خلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه (في صلاته) ولأبي ذر، مما صح عند اليونيني: في الصلاة (أو تقدم بأمر) أي: لأجل أمر (ينزل به).
(رواه) أي: كل واحد من رجوع المصلي القهقرى، وتقدمه لأمر ينزل به، (سهل بن سعد) المذكور آنفًا (عن النبي، ﷺ ¬) فيما رواه المؤلّف في: الصلاة على المنبر والسطوح، من أوائل كتاب الصلاة، بلفظ: "فاستقبل القبلة، وكبر وقام الناس خلفه، فقرأ وركع فركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى، فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض" الحديث.
١٢٠٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ يُونُسُ قَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ "أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ يُصَلِّي بِهِمْ، فَفَجَأَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ. فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى عَقِبَيْهِ وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فَرَحًا بِالنَّبِيِّ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ. فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا. ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ. وَتُوُفِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ".
وبه قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، المروزي، قال: (أخبرنا
عبد الله) بن المبارك، قال: (قال يونس) بن يزيد (قال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب: (أخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك) ﵁.
(إن المسلمين بينا هم في) صلاة (الفجر يوم الاثنين، وأبو بكر ﵁ يصلّي بهم، ففجأهم) بفتح الجيم، ولأبي ذر: مما صح عند اليونيني: ففجئهم، بكسرها وصوبه وقال ابن التين: كذا وقع في الأصل بالألف، وحقه أن يكتب بالياء، لأن عينه مكسورة: كوطئهم أي: فجأهم (النبي ﷺ ، وقد كشف ستر حجرة عائشة ﵂¬)، كذا في أصل الحافظ شرف الدين الدمياطي بخطه، وهو الذي في اليونينية، وقال القطب الحلبي الحافظ: في سماعنا إسقاط لفظة حجرة (فنظر) ﵊ (إليهم وهم
стр. 872
صفوف فتبسم يضحك فنكص) بالصاد المهملة، وللحموي والمستملي: فنكس، بالسين المهملة أي: رجع بحيث لم يستدبر القبلة، أي: رجع (أبو بكر ﵁¬) إلى وراء (على عقبيه) بالتثنية (وظن أن رسول الله ﷺ ، يريد أن يخرج إلى الصلاة وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم) بأن يخرجوا منها حال كون ذلك (فرحًا) أي: فرحين (بالنبي، ﷺ ، حين رأوه، فأشار بيده أن: أتموا) صلاتكم أي: أشار بالإتمام فأن مصدرية (ثم دخل الحجرة، وأرخى الستر، وتوفي) ﷺ (ذلك اليوم) ولأبي الوقت في غير اليونينية في ذلك اليوم.
٧ - باب إِذَا دَعَتِ الأُمُّ وَلَدَهَا فِي الصَّلَاةِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا دعت الأم ولدها) وهو (في الصلاة) لا يجيبها، فإن أجابها بطلت صلاته على الأصح فيهما. وقيل: تجب وتبطل صلاته، وقيل: تجب ولا تبطل. كذا في البحر للروياني.
وقيل: إن كانت فرضًا وضاق وقتها لا يجيب، وإلاّ فيجيب.
وقد روي في الوجوب حديث مرسل، رواه ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن المنكدر، عنه ﷺ قال: إذا دعتك أمك في الصلاة فأجبها، وإن دعاك أبوك فلا تجبه، وأول على إجابتها بالتسبيح.
وقال ابن حبيب: إن كان في نافلة فليخفف ويسلم ويجبها.
١٢٠٦ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نَادَتِ امْرَأَةٌ ابْنَهَا وَهْوَ فِي صَوْمَعَةٍ قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي. قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، قَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي. قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي. قَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا يَمُوتُ جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وَجْهِ الْمَيَامِيسِ. وَكَانَتْ تَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ، فَوَلَدَتْ، فَقِيلَ لَهَا: مِمَّنْ هَذَا الْوَلَدُ؟ قَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ. قَالَ
جُرَيْجٌ: أَيْنَ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ وَلَدَهَا لِي؟ قَالَ: يَا بَابُوسُ. مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: رَاعِي الْغَنَمِ».
[الحديث ١٢٠٦ - أطرافه في: ٢٤٨٢، ٣٤٣٦، ٣٤٦٦].
(وقال الليث) بن سعد المصري، مما وصله الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي، شيخ المؤلّف عنه مطولاً قال: (حدّثني) بالإفراد (جعفر) ولأبي ذر: مما صح في اليونيني: ابن ربيعة أي: ابن شرحبيل بن حسنة المصري (عن عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج المدني (قال: قال أبو هريرة، ﵁، قال رسول الله) وللأصيلي: قال النبي (¬ ﷺ ¬):
(نادت امرأة ابنها) جريجًا (وهو) أي: والحال أنه (في صومعة) بفتح الصاد المهملة بوزن: فوعلة، من صمعت إذا دققت لأنها دقيقة الرأس.
ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر، وأبي الوقت: في صومعته، بزيادة مثناة فوقية قبل الهاء، وكان في صلاته، قيل: ولم يكن في الصلاة ممنوعًا في شريعته (قالت: يا جريج) بضم الجيم وفتح الراء وسكون المثناة التحتية ثم الجيم (قال) جريج، ولأبي ذر، والأصيلي: فقال: (اللهم) قد اجتمع حق إجابة (أمي و) حق إتمام (صلاتي) فوفقني لأفضلهما، ثم (قالت) ثانيًا: (يا جريج! قال: اللهم) قد اجتمع حق إجابة (أمي و) حق إتمام (صلاتي) ثم (قالت) في الثالثة: (يا جريج! قال: اللهم) قد اجتمع حق إجابة (أمي و) حق إتمام (صلاتي) وعدم إجابتها لها مع ترديد ندائها له يفهم ظاهره أن الكلام عنده يقطع الصلاة.
ولما لم يجبها في الثالثة، وآثر استمراره في صلاته ومناجاته على إجابتها، واختار التزام مراعاة حق الله على حقها (قالت) داعية عليه بلفظ النفي (اللهم لا يموت جريج حتى ينظر في وجه) بالإفراد، ولأبي ذر: في وجوه (المياميس) بميمين، الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة بعد كل منهما مثناة، الثانية ساكنة، جمع: مومسة، بكسر الميم، وهي: الزانية. وغلط ابن الجوزي إثبات المثناة الأخيرة وصوّب حذفها. وخرّج على إشباع الكسرة.
وقد كان من كرامة الله تعالى لجريج أن ألهم الله أمه الاقتصاد في الدعوة، فلم تقل: اللهم
امتحنه، إنما قالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المياميس. فلم تقتض الدعوة إلاّ كدرًا يسيرًا، بل أعقبت سرورًا كثيرًا.
(وكانت تأوي إلى صومعته) امرأة (راعية ترعى الغنم) الضأن، فوقع عليها رجل (فولدت) منه غلامًا (فقيل لها ممن هذا الولد؟ قالت من جريج) صاحب الصومعة (نزل من صومعته) وأحبلني هذا الولد.
(قال جريج) لما بلغه ذلك: (أين هذه) المرأة (التي تزعم أن ولدها لي) ثم (قال) ولابن عساكر: فقال: (يا بابوس) بفتح الموحدة وبعد الألف موحدة أخرى مضمومة وبعد الواو الساكنة
سين مهملة بوزن: فاعول، هو الصغير، أو: اسم للرضيع، أو لذلك الولد بعينه. (من أبوك) أي: خلقت من ماء من؟ فأنطق الله الغلام آية له، و (قال: راعي الغنم) وسماه: أبًا مجازًا أو: يكون في شرعهم أنه يلحقه.
واعلم: أنه لا تعارض عند جريج حق الصلاة، وحق الصلاة لأمه، رجح حق الصلاة، وهو الحق، لكن
стр. 873
حق الصلة المرجوح لم يذهب هدرًا. ولذا أجيبت فيه الدعوة اعتبارًا لكونه ترك الصلة، وحسنت عاقبته وظهرت كرامته اعتبارًا بحق الصلاة. ولم يكن ذلك تناقضًا، بل هو من جنس قوله ﵊ "واحتجبي منه يا سودة" اعتبارًا للشبه الرجوح.
وقول ابن بطال: إن سبب دعائها عليه لإباحة الكلام إذ ذاك، معارض بقول جريج المشهود له بالكرامة: أمي وصلاتي، إذ ظاهره عدم إباحته كما مر، وهو مصيب في ذلك ولا يقال: إن كان جريج مصيبًا في نظره، وأوخذ بإجابة الدعوة فيه لزم التكليف بما لا يطاق، لأن الحق أن المؤاخذة هنا ليست عقوبة، وإنما هي تنبيه على عظم حق الأم، وإن كان مرجوحًا، قال ابن المنير، فيما نقله في المصابيح.
ورواة هذا الحديث ما بين: مصري ومدني، وفيه: التحديث بصيغة الإفراد والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف في باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]. وفي: ذكر بني إسرائيل، ومسلم في باب: بر الوالدين.
٨ - باب مَسْحِ الْحَصَى فِي الصَّلَاةِ
(باب مسح الحصى) أو التراب أو غيرهما مما يصلّى عليه، ولأبي ذر، مما صح عند اليونيني: الحصاة (في الصلاة).
١٢٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قال حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَوَاحِدَةً".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا شيبان) بفتح المعجمة، ابن عبد الرحمن (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (قال: حدّثني) بالإفراد (معيقيب) بضم الميم وفتح المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر القاف بعدها مثناة تحتانية ساكنة ثم موحدة، ابن أبي فاطمة الدوسي المدني، ﵁.
(أن النبي ﷺ ، قال في) شأن (الرجل) حال كونه (يسوي التراب، حيث) أي: في المكان الذي (يسجد) فيه (قال) ﵊:
(إن كنت فاعلاً) أي: مسويًا التراب (فواحدة) بالنصب، بتقدير فامسح واحدة. أو: الفعل
واحدة، أو: فليكن واحدة، أو: بالرفع مبتدأ وحذف خبره أي: فواحدة تكفيك، أو: خبر مبتدأ محذوف أي: المشروع فعلة واحدة أي: لئلا يلزم العمل الكثير المبطل، أو عدم المحافظة على الخشوع، أو لئلا يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجهه حائلاً. وأبيح له المرة لئلا يتأذى به في سجوده.
وفي حديث أبي ذر، عند أصحاب السنن مرفوعًا: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصى" وقوله: إذا قام، أراد به الدخول في الصلاة ليوافق حديث الباب، فلا يكون منهيًا عن المسح قبل الدخول فيها، بل الأولى أن يفعل ذلك حتى لا يشتغل باله وهو في الصلاة به، والتعبير بالرجل، خرج مخرج الغالب وإلاّ فالحكم جار في جميع المكلفين.
وحكاية النووي الاتفاق على كراهة مسح الحصى وغيره في الصلاة، معارضة بما في المعالم للخطابي عن مالك، أنه لم في به بأسًا، وكان يفعله، ولعله لم يبلغه الخبر.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين: كوفي وبصري ومدني، وفيه التحديث بالإفراد والجمع والعنعنة. وليس لمعيقيب في هذا الكتاب غير هذا الحديث، وأخرجه مسلم في: الصلاة، وكذا أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.
٩ - باب بَسْطِ الثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ لِلسُّجُودِ
(باب) جواز (بسط الثوب) على الأرض (في الصلاة للسجود) عليه، لأنه عمل يسير.
١٢٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا غَالِبٌ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة ابن المفضل بالضاد المعجمة المشددة المفتوحة، قال: (حدّثنا غالب) بالمعجمة وكسر اللام، ولأبي ذر: غالب القطان (عن بكر بن عبد الله) بفتح الموحدة وإسكان الكاف المزني البصري (عن أنس بن مالك، ﵁، قال):
(كنا نصلي مع النبي ﷺ ، في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض) من شدة الحر (بسط ثوبه) المنفصل عنه أو المتصل به، غير المتحرك بحركته عمدًا (فسجد عليه).
وإنما لم تبطل الصلاة بذلك، مع أنه من غير جنسها لقلته. إذ كل عمل قليل: كالخطوتين أو الضربتين غير مبطل، بخلاف الكثير. كالثلاث المتواليات.
نعم، يستثنى من القليل الأكل، فتبطل به لإشعاره بالإعراض عنها، إلا أن يكون ناسيًا أو جاهلاً تحريمه، فلا تبطل به. وأما الكثير فتبطل به مع النسيان أو جهل التحريم في الأصح.
وقد
стр. 874
سبق الحديث في باب: السجود على الثوب في شدة الحر في أوائل كتاب الصلاة.
١٠ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ
(باب ما يجوز من العمل في الصلاة) غير ما تقدم.
١٢٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي فِي قِبْلَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَرَفَعْتُهَا، فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهَا".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي الحارثي قال: (حدّثنا مالك) إمام الأئمة، ابن أنس الأصبحي (عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية المدني (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (عن عائشة ﵂ قالت):
(كنت أمدّ رجلي) بكسر اللام (في قبلة النبي ﷺ ، وهو يصلّي، فإذا سجد غمزني) يحتمل أن يكون من غير مماسة، بل بحائل من ثوب ونحوه (فرفعتها، فإذا قام مددتها) ولأبي الوقت، والأصيلي، عن الكشميهني: أمد رجلي، ورفعتهما، ومددتهما بالتثنية في الثلاثة.
ومطابقة الترجمة للحديث من حيث أن الغمز عمل يسير لا تبطل به الصلاة.
١٢١٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَىَّ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ عَلَىَّ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَذَعَتُّهُ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ ﵇ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا". ثُمَّ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ فَذَعَتُّهُ بِالذَّالِ أَيْ خَنَقْتُهُ. وَفَدَعَّتُّهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ أَىْ يُدْفَعُونَ. وَالصَّوَابُ فَدَعَتُّهُ، إِلاَّ أَنَّهُ كَذَا قَالَ بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ وَالتَّاءِ.
وبه قال: (حدّثنا محمود) هو: ابن غيلان، قال: (حدّثنا شبابة) بمعجمة وموحدتين، الأولى
مخففة بينهما ألف، ابن سوار المدائني الخراساني الأصل، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن زياد) بكسر الزاي وتخفيف المثناة التحتية، الجمحي، أبي الحرث المدني، نزيل البصرة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه صلّى صلاة قال) ولأبوي ذر، والوقت، فقال:
(إن الشيطان عرض لي) في صفة هرّ.
وفي رواية شعبة السابقة، من وجه آخر في باب: ربط الغريم في المسجد، إن عفريتًا من الجن تفلت علّي، فظاهره أن المراد بالشيطان في هذه الراوية غير إبليس كبير الشياطين.
(فشد) بالشين المعجمة أي: حمل (عليّ) حال كونه (يقطع الصلاة علّي) ولغير الحموي، والمستملي: ليقطع بلام التعليل.
فإن قلت: قد ثبت أن الشيطان يفر من ظل عمر، وأنه يسلك في غير فجه، ففراره من النبي ﷺ أولى، فكيف شدّ عليه، ﵊، وأراد قطع صلاته، ﵊.
أجيب: بأنه ليس المراد حقيقة الفرار، بل بيان قوة عمر، ﵁، وصلابته على قهر الشيطان. وقد وقع التصريح بأنه ﷺ ، قهره وطرده ما قال.
(فأمكنني الله منه) لكونه شخصًا في صورة يمكن أخذه معها، وهي صورة الهر، (فذعته) بالذال المعجمة والعين المهملة المفتوحتين والمثناة الفوقية المشددة، فعل ماض للمتكلم وحده، والفاء عاطفة أي: غمزته غمزًا شديدًا. وعند ابن أبي شيبة: بالدال المهملة، أي: دفعته دفعًا شديدًا (ولقد هممت أن أوثقه) أي: قصدت ربطه (إلى سارية) من سواري المسجد (حتى تصبحوا فتنظروا إليه) وللحموي والمستملي: أو تنظروا إليه، بالشك (فذكرت قول) أخي (سليمان ﵇ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] (فرده الله) حال كونه (خاسئًا) مطرودًا مبعدًا متحيرًا.
زاد في رواية كريمة عن الكشميهني هنا: (ثم قال النضر بن شميل: فذعته، بالذال) المعجمة وتخفيفها (أي: خنقته و) أما (فدعته) بالدال والعين المشددة المهملتين مع تشديد المثناة فـ (من قول الله تعالى ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ) إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. (أي يدفعون والصواب فدعته) بالمهملة وتخفيف العين (إلا أنه) يعني شعبة (كذا قال بتشديد العين والتاء).
وهذه الزيادة ساقطة عند أبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر.
ومطابقة الحديث للترجمة من قوله: فدعته على معنى: دفعته من حيث كونه عملاً يسيرًا.
واستنبط منه: أن العمل اليسير غير مبطل للصلاة كما مر.
١١ - باب إِذَا انْفَلَتَتِ الدَّابَّةُ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنْ أُخِذَ ثَوْبُهُ يَتْبَعُ السَّارِقَ وَيَدَعُ الصَّلَاةَ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا انفلتت الدابة) وصاحبها (في الصلاة) ماذا يفعل؟ (وقال قتادة) مما وصله عبد الرزاق عن عمر عنه بمعناه: (إن أخذ ثوبه) بضم الهمزة أي: المصلي (يتبع السارق ويدع الصلاة) أي: يتركها. والعين مضمومة أو مكسورة.
وزاد عبد الرزاق: فيرى صبيًّا على بئر فيتخوف أن يسقط فيها، قال: ينصرف له أي: وجوبًا.
ومذهب الشافعية: أن من أخذ ماله ظلمًا وهو في الصلاة يصلّي صلاة شدة الخوف. وكذا في كل مباح: كهرب من حريق وسيل، وسبع لا معدل عنه، وغريم له عند إعساره وخوف حبسه بأن لم يصدقه غريمه، وهو المدائن في إعساره، وهو عاجز عن بينة الإعسار.
١٢١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: "كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الْحَرُورِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا -قَالَ شُعْبَةُ: هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ- فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ، وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَثَمَانَ، وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ، وَإِنِّي أَنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقَّ عَلَىَّ".
[الحديث ١٢١١ - طرفه في: ٦١٢٧].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن
стр. 875
أبي أياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا الأزرق بن قيس) بفتح الهمزة وسكون الزاي، الحارثي البصري (قال):
(كنا بالأهواز) بفتح الهمزة وسكون الهاء وبالزاي، سبع كور بين البصرة وفارس، لكل كورة منها اسم، ويجمعها: الأهواز. ولا ينفرد واحد منها بهوز، قاله صاحب العين، وغيره. (نقاتل الحرورية) بمهملات، أي: الخوارج لأنهم اجتمعوا بحروراء، قرية من قرى الكوفة وبها كان التحكيم، وكان الذي يقاتلهم إذ ذاك هو المهلب بن أبي صفرة. كما في رواية عمرو بن مرزوق، عن شعبة، عند الإسماعيلي (فبينا أنا) مبتدأ خبره (على جرف نهر) بضم الجيم والراء بعدها فاء، وقد تسكن الراء. مكان أكله السيل، وللكشميهني: حرف نهر، بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الراء، أي: جانبه، واسم النهر: دجيل، بالجيم مصغرًا (إذا رجل) وللمستملي، والحموي، وعزاها العيني كابن حجر للكشميهني، بدل المستملي: إذ جاء رجل (يصلّي) العصر (وإذا لجام دابته) فرسه (بيده، فجعلت الدابة تنازعه، وجعل يتبعها).
قد أجمعوا على أن المشي الكثير المتوالي في الصلاة المكتوبة يبطلها، فيحمل حديث أبي برزة على القليل، وفي رواية عمرو بن مرزوق ما يؤيد ذلك فإنه قال: فأخذها، ثم رجع القهقرى. فإن في رجوعه القهقرى ما يشعر بأن مشيه إلى قصدها ما كان كثيرًا، فهو عمل يسير، ومشي قليل، ليس فيه استدبار القبلة؛ فلا يضر.
(قال شعبة) بن الحجاج (هو) أي: الرجل المصلي المتنازع (أبو برزة) نضلة بن عبيد (الأسلمي) نزيل البصرة (فجعل رجل) مجهول (من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ) يدعو عليه ويسبه، وفي رواية حماد: انظروا إلى هذا الشيخ، ترك صلاته من أجل فرس.
وزاد عمرو بن مرزوق في آخره قال: فقلت للرجل: ما أرى الله إلا مخزيك، شتمت رجلاً من
أصحاب النبي ﷺ (فلما انصرف الشيخ) أبو برزة من صلاته (قال إني سمعت قولكم) الذي قلتموه آنفًا، (وإني غزوت مع رسول الله ﷺ ست غزوات، أو سبع غزوات، أو ثمان) بغير ياء ولا تنوين، وللحموي والمستملي: ثماني، بياء مفتوحة من غير تنوين.
وخرجه ابن مالك في شرح التسهيل على أن الأصل ثماني غزوات، فحذف المضاف وأبقى المضاف إليه على حاله وحسن الحذف دلالة المتقدم، أو أن الإضافة غير مقصودة، وترك تنوينه لمشابهة جواري لفظًا وهو ظاهر معنى لدلالته على جمع، أو يكون في اللفظ ثمانيًا بالنصب والتنوين، إلا أنه كتب على اللغة الربيعية، فإنهم يقفون على المنون المنصوب بالسكون، فلا يحتاج الكاتب على لغتهم إلى ألف. اهـ.
وتعقب الأخير في المصابيح: بأن التخريج إنما هو لقوله؛ ثماني، بلا تنوين. وقد صرح هو بذلك في التوضيح، فلا وجه حينئذ للوجه الثالث، وللكشميهني: أو ثمانيًا.
وفي رواية عمرو بن مرزوق الجزم بسبع غزوات من غير شك.
(وشهدت تيسيره) أي: تسهيله على أمته في الصلاة وغيرها، وأشار به إلى الرد على من شدد عليه في أن يترك دابته تذهب، ولا يقطع صلاته، ولا يجوز أن يفعله أبو برزة من رأيه دون أن يشاهده من النبي ﷺ (وإني) بكسر الهمزة وتشديد النون والياء اسمها (إن كنت) بكسر الهمزة، شرطية، والتاء اسم كان (أن أراجع) بضم الهمزة وفتح الراء ثم ألف، وللحموي، والمستملي، والأصيلي، وابن عساكر: أرجع، بفتح الهمزة وسكون الراء (مع دابتي) وأن بفتح الهمزة مصدرّية بتقدير لام العلة قبلها، أي: إن كنت لأن أراجع، وخبر كان (أحب إليَّ من أن أدعها) أي: أتركها (ترجع إلى مألفها) بفتح اللام الذي ألفته واعتادته.
وهذه الجملة الشرطية سدت مسد خبر إن في إني، وفي بعض الأصول بفتح همزة أن كنت، على المصدرية، ولام العلة محذوفة، والضمير المرفوع في: كنت، اسمها، وأن أرجع، بفتح الهمزة بتأويل مصدر مرفوع بالابتداء خبره: أحب إليَّ، والجملة اسمية خبر كان. وعلى هذا فخبر إن في إني، محذوف لدلالة الحال عليه، أي: وإني إن فعلت ما رأيتموه من اتباع الفرس لأجل كون رجوعها أحب إليّ من تركها. (فيشق عليّ) بنصب
стр. 876
القاف عطفًا على المنصوب في قوله: أحب إليَّ من أن أدعها، وبالرفع على معنى: فذلك يشق عليَّ، لأن منزله كان بعيدًا، فلو تركها وصلّى، لم يأت أهله اٍلى الليل، لبعد المسافة.
١٢١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ "خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ
قَالَ: "إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ. لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَىْءٍ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَىٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ".
وبه قال (حدّثنا محمد بن مقاتل) بضم الميم وكسر المثناة الفوقية، المجاور بمكة، قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد (عن) ابن شهاب (الزهري عن عروة) بن الزبير (قال: قالت عائشة ﵂¬):
(خسفت الشمس) بفتح الخاء والسين (فقام النبي) ولأبي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: فقام رسول الله (¬ ﷺ ، فقرأ سورة طويلة، ثم ركع فأطال) الركوع (ثم رفع رأسه) من الركوع (ثم استفتح بسورة) بباء الجر، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: سورة (أخرى، ثم ركع حتى) وللكشميهني، والأصيلي، وابن عساكر: حين (قضاها) أي: فرغ من الركعة (وسجد، ثم فعل ذلك) المذكور من القيامين والركوعين (في) الركعة (الثانية، ثم قال):
(إنهما) أي: الشمس والقمر (آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم ذلك) أي: الخسوف الذي دل عليه، قوله: خسفت (فصلوا حتى يفرج عنكم) بضم المثناة التحتية والجيم، مبنيًّا للمفعول من: الإفراج (لقد رأيت في مقامي هذا) بفتح الميم (كل شيء وعدته) بضم الواو وكسر العين، مبنيًّا للمفعول جملة في محل خفض صفة لشيء (حتى لقد رأيت) وللكشميهني، والحموي: رأيته، بإثبات الضمير، ولمسلم: لقد رأيتني.
قال ابن حجر: وهو أوجه، وقال الزركشي: قيل وهو الصواب، وتعقبه في المصابيح فقال: لا نسلم انحصار الصواب فيه، بل الأول صواب أيضًا وعليه فالضمير المنصوب محذوف لدلالة ما تقدم عليه. والمعنى: أبصرت ما أبصرت حال كوني: (أريد أن آخذ قطفًا) بكسر القاف، ما يقطف، أي: يقطع ويجتنى، كالذبح، بمعنى: المذبوح. والمراد به: عنقود من العنب، أي: أريد أخذه (من الجنة حين رأيتموني جعلت) أي: طلّقت (أتقدم. ولقد رأيت جهنم يحطم) بكسر الطاء (بعضها بعضًا، حين رأيتموني تأخرت).
لم يقل: جعلت أتأخر، كما قال: جعلت أتقدم. لأن التقدم كاد أن يقع بخلاف التأخر فإنه وقع. قاله الكرماني.
واعترضه الحافظ أبو الفضل: بأنه وقع التصريح بوقوع التقدم والتأخر جميعًا في حديث جابر عند مسلم.
وأجاب العيني: بأنه لا يرد على الكرماني ما قاله، لأن جعلت في قوله هنا بمعنى: طفقت،
الذي وضع للدلالة على الشروع، وقد بنى الكرماني السؤال والجواب عليه، وأيضًا، لا يلزم أن يكون حديث عائشة مثل حديث جابر من كل الوجوه، وإن كان الأصل متحدًا.
(ورأيت فيها) أي جهنم (عمرو بن لحي) بفتح العين وسكون الميم، وبضم اللام وفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية، مصغرًا (وهو الذي سيب) أي: سمى النوق التي تسمى (السوائب) جمع سائبة وهي ناقة لا تركب ولا تحبس عن كلأ وماء لنذر صاحبها إن حصل ما أراد من شفاء المريض أو غيره أنها سائبة.
فإن قلت: من أين تؤخذ المطابقة بين الترجمة والحديث.
أجيب: من التقدم والتأخر المذكورين، وحملا على اليسير دون الكثير المبطل. فافهم. وسبق الحديث في باب الكسوف.
١٢ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الْبُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرٍو: نَفَخَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سُجُودِهِ فِي كُسُوفٍ
(باب ما يجوز من البصاق) بالصاد، ويجوز إبدالها زايًا (و) ما يجوز من (النفخ في الصلاة).
(ويذكر) بضم المثناة التحتية، وفتح الكاف مما وصله أحمد، وصححه ابنا خزيمة وحبان من حديث عطاء بن السائب عن أبيه (عن عبد الله بن عمرو) أي: ابن العاصي، في حديث قال فيه (نفخ النبي ﷺ في سجوده في كسوف) ولابن عساكر في الكسوف.
وهو محمول على أنه لم يظهر فيه حرفان، فلو ظهرا أفهما أو لم يفهما، بطلت الصلاة إن كان عامدًا عالمًا بالتحريم:
وعورض بما ثبت في حديث ابن عمرو، عند أبي داود، فإن فيه: ثم نفخ في آخر سجوده فقال: أف أف. فصرح بظهور الحرفين. وهذه الزيادة من رواية حماد بن سلمة عن عطاء، وقد سمع منه قبل الاختلاط في قول يحيى بن معين وأبي داود والطحاوي وغيرهم.
وأجاب الخطابي: بأن أف لا تكون كلامًا حتى تشدّد الفاء، قال: والنافخ في نفخه
стр. 877
لا يخرج الفاء صادقة من مخرجها، وتعقبه ابن الصلاح بأنه لا يستقيم على قول الشافعية: إن الحرفين كلام مبطل أفهما أو لم يفهما. وعبر المصنف بلفظ: يذكر المقتضى للتمريض، لأن عطاء بن السائب مختلف في الاحتجاج به، وقد اختلط في آخر عمره.
لكن أورده ابن خزيمة من رواية سفيان الثوري عنه، وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه، وأبوه وثقه العجلي، وابن حبان وليس هو من شرطه.
١٢١٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ، فَإِذَا كَانَ فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَبْزُقَنَّ -أَوْ قَالَ- لَا يَتَنَخَّمَنَّ -ثُمَّ نَزَلَ فَحَتَّهَا بِيَدِهِ".
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: "إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَلَى يَسَارِهِ".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي، بمعجمة ثم مهملة، البصري قال: (حدّثنا حماد) بن زيد بن درهم الجهضمي البصري (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄¬):
(أن النبي، ﷺ ، رأى نخامة في) جدار (قبلة المسجد) النبوي المدني (فتغيظ على أهل المسجد، وقال):
(إن الله) أي: القصد منه تعالى، أو: ثوابه ، أو: عظمته تعالى (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي: مواجهة (أحدكم، فإذا) ولأبوي: ذر، والوقت، وابن عساكر والأصيلي: إذا (كان في صلاته فلا يبزقن) بضم الزاي ونون التوكيد الثقيلة (-أو قال: لا يتنخمن-) بالميم بعد الخاء، من النخامة، بضم النون. لما يخرج من الصدر، وفي رواية الأربعة: فلا يتنخعن، بالعين وهو بمعنى الميم، وقيل: بالعين من الصدر، وبالميم من الرأس (ثم نزل فحتها). بالمثناة الفوقية، وللكشميهني: فحكها، بالكاف، أي: اللنخامة (بيده).
سبق في رواية باب: حك المخاط بالحصى، فتناول حصاة فحكها.
(وقال ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄¬).
(إذا بزق أحدكم فليبزق) بالزاي، فيهما (على) وللكشميهني: عن (يساره)، لا عن يمينه.
وهذا الموقوف، قد روي مرفوعًا من حديث أنس.
١٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى».
وبه قال (حدّثنا محمد) هو: ابن بشار بالموحدة والمعجمة المشددة، العبدي. بالموحدة، البصري قال: (حدثنا غندر) بضم الغين المعجمة، محمد بن جعفر البصري، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي الواسطي، ثم البصري (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (عن أنس) زاد أبوا: ذر، والوقت، والأصيلي: ابن مالك (¬﵁، عن النبي، ﷺ قال):
(إذا كان) المؤمن (في الصلاة) ولأبوي: ذر، والوقت: إذا قام أحدكم في الصلاة (فإنه) أي: المصلي (يناجي ربه) من جهة مساررته بالقرآن، والذكر. والبارئ، ، يناجيه من جهة لازم ذلك، وهو إرادة الخير، فهو من باب المجاز. فإن القرينة صارفة له عن إرادة الحقيقة، إذ لا كلام محسوس، إلا من جهة العبد (فلا يبزقن) المصلي (بين يديه) في جهة القبلة المعظمة (ولا عن يمينه) فإن عليه كاتب الحسنات (ولكن) يبزق (عن شماله، تحت قدمه اليسرى)، أي: في غير المسجد، أما فيه: فلا يبزقن إلا في ثوبه.
وهذا محمول على عدم النطق فيه بحرفين، كما في النفخ، أو التنخم، أو البكاء، أو الضحك، أو الأنين، أو التأوّه، أو التنحنح.
وكره مالك النفخ فيها، وقال: لا يقطعها كما يقطعها الكلام، وهو قول أبي يوسف، وأشهب، وأحمد، وإسحاق.
وفي المدونة النفخ بمنزلة الكلام، فيقطعها.
وعن أبي حنيفة ومحمد، إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام، وإلاّ فلا.
وقال الحنفية: إن كان البكاء من خشية الله، لا تبطل به الصلاة مطلقًا.
١٣ - باب مَنْ صَفَّقَ جَاهِلاً مِنَ الرِّجَالِ فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ فِيهِ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب) حكم (من صفق) حال كونه (جاهلاً من الرجال) لتنبيه إمام أو غيره (في صلاته، لم تفسد صلاته) لأنه ﵊ لم يأمر الناس بإعادة الصلاة لما فعلوه فيها في قصة إمامة الصديق.
وقيد بالجاهل ليخرج العامد وبالرجال ليخرج النساء.
(فيه) أي: فيما ترجم له (سهل بن سعد، ﵁¬) وسقط عند الأصيلي: سهل بن سعد (عن النبي ﷺ ¬) حيث قال، لما أخذ الناس في التصفيح لتنبيه الصديق على مكانه، ﵊: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، كما مر. ولم يأمرهم بالإعادة لجهلهم بالحكم.
١٤ - باب إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّي: تَقَدَّمْ أَوِ انْتَظِرْ فَانْتَظَرَ -فَلَا بَأْسَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا قيل للمصلي: تقدم أو انتظر، فانتظر، فلا بأس).
١٢١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة، العبدي البصري، قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) بإسكان الهاء والعين
стр. 878
الساعدي (¬﵁، قال):
(كان الناس يصلون مع النبي، ﷺ ، وهم عاقدو) بالواو ولأبي الوقت: عاقدي، أي: وهم كانوا عاقدي (أزرهم) بضمتين، جمع إزار، وهو: الملحفة. وفي الفرع أزرهم، بسكون الزاي (من الصغر) أي: من صغر أزرهم (على رقابهم) فكان أحدكم يعقد إزاره على رقبته، وكان هذا في أول الإسلام حين قلة ذات اليد (فقيل للنساء)، إذ كن متأخرات عن صف الرجال قبل أن يدخلن في الصلاة، ليدخلن فيها على علم، أو وهن فيها، كما يقتضيه التعبير بفاء العطف في قوله: فقيل للنساء: (لا ترفعن رؤوسكن) من السجود (حتى يستوي الرجال) حال كونهم (جلوسًا) لما عرف من ضيق أزر الرجال، لئلا تقع أعينهن على عوراتهم.
واستنبط منه التنبيه على جواز إصغاء المصلي في الصلاة إلى الخطاب الخفيف وتفهمه، وهو مبني على أنه: قيل لهن ذلك داخل الصلاة، لكن جزم الإسماعيلي بأنه خارجها. وحينئذ فلا معنى لقول المؤلّف في الترجمة للمصلي، ولا وجه لجزمه.
بل، الأمر محتمل لأن يكون القول خارج الصلاة وداخلها، ويكون القائل في غير الصلاة، فلا يتعين أحد الاحتمالين إلا بدليل.
نعم، مقتضى التعبير بالفاء في قوله: فقيل للنساء، يعين وقوعه وهن داخلها، كما مر. لكن وقع عند المؤلّف في باب: إذا كان الثوب ضيقًا، بدون التعبير بالفاء، ولفظه: وقال، وفسر القائل به: ﵊، وللكشميهني: ويقال، وهو أعم من أن يكون النبي ﷺ أو غيره.
١٥ - باب لَا يَرُدُّ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ
هذا (باب) بالتنوين (لاّ يرد) المصلي (السلام) باللفظ على المسلم (في الصلاة) لأنه خطاب آدمي.
١٢١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ وَقَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلاً".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن أبي شيبة) الكوفي الحافظ، أخو عثمان (قال: حدّثنا ابن فضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، محمد، واسم جده: غزوان (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي (عن عبد الله) بن مسعود، ﵁ (قال):
(كنت أسلم على النبي، ﷺ ، وهو في الصلاة فيرد عليّ) السلام (فلما رجعنا) من عند النجاشي، ملك الحبشة إلى المدينة (سلمت عليه) وهو في الصلاة (فلم يرد عليّ) السلام باللفظ (وقال) ﵊ لما فرغ من الصلاة وللمستملي: قال:
(إن في الصلاة شغلاً) لا يمكن معه الاشتغال بغيرها، وللكشميهني، والأصيلي، وابن عساكر، وأبي الوقت: لشغلاً، بزيادة لام التأكيد.
١٢١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَانْطَلَقْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ عَلَىَّ أَنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنَ الْمَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَىَّ فَقَالَ: إِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. وَكَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ".
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين وسكون العين، بينهما، عبد الله بن عمرو التميمي المقعد المنقري، بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف (قال: حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري، بفتح المثناة وتشديد النون، البصري، قال: (حدّثنا كثير بن شنظير) بكسر المعجمة وسكون النون بعدها ظاء معجمة مكسورة، وهو لغة السيئ الخلق، علم عليه (عن عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء والموحدة آخره مهملة (عن جابر بن عبد الله عنهما، قال):
(بعثني رسول الله، ﷺ ، في حاجة له) في غزوة بني المصطلق: (فانطلقت، ثم رجعت وقد قضيتها، فأتيت النبي، ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يرد عليّ) السلام باللفظ (فوقع في قلبي) سقط من الحزن (ما الله أعلم به) مما لا أقدر قدره، ولا يدخل تحت العبارة، و: ما، فاعل بقوله: وقع، والجلالة الشريفة، مبتدأ أو خبره التالي (ففلت في نفسي: لعل رسول الله ﷺ ، وجد) بفتح الواو والجيم، أي: غضب (علي أني) وللكشميهني: أن (أبطأت عليه، ثم سلمت عليه، فلم يرد علي) السلام باللفظ (فوقع في قلبي) من الحزن (أشد من) الذي وقع فيه في (المرة الأولى).
في رواية مسلم، من طريق الزبير عن جابر: فقال لي بيده هكذا.
وفي رواية أخرى: فأشار إلي. فيحمل قوله في رواية البخاري، فلم يرد علي، أي باللفظ،
كما مر. وكأن جابرًا لم يعرف أولاً أن المراد بالإشارة الرد عليه، فلذلك قال: فوقع في قلبي ما الله أعلم به.
(ثم سلمت عليه فرد علي) السلام بعد أن فرغ من صلاته باللفظ (فقال) في رواية: وقال: (إنما منعني أن أرد عليك) السلام إلا (أني كنت أصلي).
(وكان) عليه الصلاة السلام يصلّي نفلاً وهو راكب
стр. 879
(على راحلته) حال كونه (متوجهًا إلى غير القبلة) مستقبلاً صوب سفره.
ورواة هذا الحديث الخمسة بصريون، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم في: الصلاة.
١٦ - باب رَفْعِ الأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ لأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ
(باب رفع الأيد في الصلاة لأمر ينزل به) أي: بالمصلي.
١٢١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: "بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَىْءٌ، فَخَرَجَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ بِلَالٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتِ الصَّلَاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَأَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ -قَالَ سَهْلٌ: التَّصْفِيحُ هُوَ التَّصْفِيقُ- قَالَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ الْتَفَتَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ. ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَىْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ، إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ. مَنْ نَابَهُ شَىْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد بن جميل، بفتح الجيم، الثقفي البغلاني، بفتح الموحدة وإسكان المعجمة، قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن أبي حازم سلمة (عن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني الأعرج (عن سهل بن سعد) بإسكان الهاء والعين، ابن مالك بن خالد الأنصاري الساعدي (¬﵁، قال):
(بلغ رسول الله، ﷺ ، أن بني عمرو بن عوف) بسكون الميم (بقباء كان بينهم شيء) من خصومة، (فخرج) ﵊ (يصلح بينهم في أناس من أصحابه، فحبس) بضم الحاء أي: تعوّق هناك (رسول الله، ﷺ ، وحانت الصلاة) أي: حضرت، والواو للحال (فجاء بلال إلى أبي بكر، ﵄، فقال: يا أبا بكر! إن رسول الله، ﷺ ، قد حبس، وقد حانت الصلاة، فهل لك) رغبة في (أن تؤم الناس؟ قال) أبو بكر: (نعم) أؤمهم (إن شئت) أي: يا بلال، وللحموي: إن شئتم.
(فأقام بلال الصلاة) لأن المؤذن هو الذي يقيم الصلاة، كما أنه هو الذي يقدّم للصلاة لأنه خادم الإمامة (وتقدم أبو بكر، رضي الله ﷺ ، فكبر للناس) شارعًا في الصلاة، ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر: وكبر الناس (وجاء رسول الله، ﷺ ¬) حال كونه (يمشي في الصفوف، يشقها شقًّا، حنى قام في الصف) وللحموي، والمستملي: قام في الصف (فأخذ الناس في التصفيح) بالحاء.
(قال سهل) في تفسيره: (التصفيح) بالحاء المهملة (هو التصفيق) بالقاف.
(قال) سهل (وكان أبو بكر، ﵁، لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس) التصفيح (التفت، فإذا رسول الله، ﷺ ، فأشار إليه يأمره أن يصلي) بالناس (فرفع أبو بكر ﵁ يده) بالإفراد، وللكشميهني: والأصيلي: يديه (فحمد الله) تعالى على ما أنعم عليه به من تفويض الرسول إليه أمر الإمامة، لما فيه من مزيد رفعة درجته.
وهذا موضع الترجمة، واستنبط منه: أن رفع اليدين للدعاء ونحوه، في الصلاة لا يبطلها، ولو كان في غير موضعه، ولذا أقر النبي، ﷺ ، أبا بكر عليه.
(ثم رجع) أبو بكر (القهقرى وراءه حتى قام في الصف) لما تأدب الصديق هذا التأدب معه، ﵊، أورثه مقامه، والإمامة بعده، فكان ذلك التأخر إلى خلفه. وقد أومأ إليه أن أثبت مكانك سعيًا بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطي.
(وتقدم رسول الله، ﷺ ، فصلّى) بالفاء، ولأبي ذر: وصلّى (للناس، فلما فرغ) من صلاته (أقبل على الناس) بوجهه الكريم (فقال):
(يا أيها الناس: ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة) ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر: حين نابكم في الصلاة (أخذتم بالتصفيح، وإنما التصفيح للنساء. من نابه) من الرجال (شيء) أي: من نزل به أمر من الأمور (في صلاته، فليقل: سبحان الله).
(ثم التفت) ﵇ (إلى أبي بكر، ﵁، فقال):
(يا أبا بكر! ما منعك أن تصلي للناس حين) ولأبي ذر أن تصلي حين (أشرت إليك) ولأبي ذر،
عن المستملي، والحموي: حيث أشرت عليك. (قال أبو بكر) ﵁: (ما كان ينبغي لابن أبي قحافة) بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة، واسمه عثمان، أسلم يوم الفتح، وتوفي في الحرم سنة أربع عشرة، وهو ابن سبع وتسعين سنة، وكانت وفاة ولده الصديق قبله، فورث منه السدس، فرده على ولد أبي بكر، وإنما لم يقل الصديق: ما كان لي، أو: ما كان لأبي بكر، تحقيرًا لنفسه واستصغارًا لمرتبته (أن يصلّي بين يدي) أي: قدام (رسول الله ﷺ ¬).
١٧ - باب الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ
(باب) حكم (الخصر في الصلاة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة، من الخاصرة، وهو وضع اليد عليها في المشهور، أو: من المخصرة، وهي: العصا، أي: يأخذها بيده يتوكأ، أو: من الاختصار. ضد التطويل، أي: يختصر السورة، أو يخفف الصلاة، فيحذف الطمأنينة.
١٢١٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نُهِيَ عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ". وَقَالَ هِشَامٌ وَأَبُو هِلَالٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[الحديث ١٢١٩ - طرفه في: ١٢٢٠].
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان)
стр. 880
محمد بن الفضل السدوسي، قال: (حدّثنا حماد) أي: ابن زيد (عن أيوب) هو: السختياني (عن محمد) هو: ابن سيرين (عن أبي هريرة ﵁، قال):
(نهي) بضم النون مبنيًا للمفعول، أي: نهي النبي، ﷺ ، كما في رواية هشام الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى.
ووقع في رواية أبي ذر عن الحموي، والمستملي: نهى مبنيًّا للفاعل، ولم يسمه.
(عن الخصر في الصلاة) لأن إبليس أهبط مختصرًا. رواه ابن أبي شيبة، أو: أن اليهود تكثر من فعله فنهى عنه كراهة التشبه بهم، أخرجه المؤلّف في بني إسرائيل أو: لأنه راحة أهل النار، رواه ابن أبي شيبة.
والنهي محمول على الكراهة عند ابن عمر، وابن عباس وعائشة. وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، ومالك.
وذهب إلى التحريم أهل الظاهر.
(وقال هشام) هو: ابن حسان القردوسي، بضم القاف، مما وصله المؤلّف هنا (و) قال (أبو هلال) محمد بن سليم الراسبي، مما وصله الدارقطني في الأفراد، من طريق عمرو بن مرزوق، عنه (عن ابن سيرين) محمد (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي) وللأصيلي، وابن عساكر. وأبي الوقت، وفي بعض الأصول نهى النبي (¬ ﷺ ¬) وبهذا الطريق صار الحديث مرفوعًا.
١٢٢٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نُهِيَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا".
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عليّ) بسكون الميم، الصيرفي الفلاس، قال (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان، قال: (حدّثنا هشام) القردوسي قال (حدّثنا محمد) هو: ابن سيرين (عن أبي هريرة ﵁، قال):
(نهي) بضم النون، مبنيًّا للمفعول، وللكشميهني: نهى النبي، ﷺ (أن يصلّي الرجل مختصرًا) وللكشميهني: مختصرًا، بتشديد الصاد.
١٨ - باب تَفَكُّرِ الرَّجُلِ الشَّىْءَ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِنِّي لأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ
هذا (باب) بالتنوين (يفكر الرجل) وكذا كل مكلف (الشيء) بضم المثناة التحتية وسكون الفاء وكسر الكاف مخففة، والشيء: نصب على المفعولية، ولابن عساكر، وأبي ذر: تفكر الرجل، بفتح المثناة الفوقية والفاء وضم الكاف المشددة، ولابن عساكر: شيئًا، وللأصيلي: في الشيء (في الصلاة).
(وقال عمر) بن الخطاب (¬﵁¬) مما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن حفص بن عاصم، عن أبي عثمان النهدي عنه (إني لأجهز جيشي) لأجل الجهاد (وأنا في الصلاة).
وروى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق عروة بن الزبير، قال عمر ﵁: إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة.
وروى صالح بن أحمد بن حنبل، في كتاب المسائل، عن أبيه، عن طريق همام بن الحرث قال: إن عمر، ﵁، صلّى المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف، قالوا: يا أمير المؤمنين إنك لم تقرأ. فقال: إني حدثت نفسي وأنا في الصلاة بعير جهزتها من المدينة حتى دخلت الشام، ثم أعاد وأعاد القراءة.
وهذا يدل على أنه إنما أعاد لترك القراءة لا لكونه كان مستغرقًا في الفكرة.
١٢٢١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا عُمَرُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ فَقَالَ: ذَكَرْتُ -وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ- تِبْرًا عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ -أَوْ يَبِيتَ- عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ".
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) الكوسج، قال: (حدّثنا روح) بفتح الراء بن عبادة بن العلاء بن حسان القيسي البصري، قال: (حدّثنا عمر) بضم العين (هو: ابن سعيد) بكسر العين المكي (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن أبي مليكة) عبد الله، ومليكة: بضم الميم وفتح اللام مصغرًا (عن عقبة بن الحارث) بضم العين وسكون القاف (¬﵁، قال):
(صليت مع النبي، ﷺ ، العصر، فلما سلم قام سريعًا دخل على بعض نسائه) ﵅ (ثم خرج، ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته، فقال):
(ذكرت) أي: تفكّرت (-وأنا في الصلاة- تبرًا عندنا) من تبر الصدقة، وهو ما كان من الذهب غير مضروب (فكرهت أن يمسي أو) قال: (يبيت عندنا) خوفًا من حبس صدقة المسلمين (فأمرت بقسمته).
فإن قلت: ما موضع الترجمة؟
أجيب: من قوله: ذكرت وأنا في الصلاة تبرًا، لأنه تفكّر في أمر التبر وهو في الصلاة، ولم يعدها.
١٢٢٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ، فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ، فَلَا يَزَالُ بِالْمَرْءِ يَقُولُ لَهُ اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى». قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَسَمِعَهُ أَبُو سَلَمَةَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) أبوه عبد الله ونسبه إلى جده لشهرته به، المخزومي، مولاهم، المصري المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين، (قال: حدّثنا الليث) بن سعد المصري (عن جعفر) هو ابن ربيعة المصري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (قال: قال) لي (أبو هريرة) في رواية الإسماعيلي: عن أبي هريرة (¬﵁،
следующие страницы →