Полный текст (4 743 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
القاف عطفًا على المنصوب في قوله: أحب إليَّ من أن أدعها، وبالرفع على معنى: فذلك يشق عليَّ، لأن منزله كان بعيدًا، فلو تركها وصلّى، لم يأت أهله اٍلى الليل، لبعد المسافة.
١٢١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ "خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ
قَالَ: "إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ. لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَىْءٍ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَىٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ".
وبه قال (حدّثنا محمد بن مقاتل) بضم الميم وكسر المثناة الفوقية، المجاور بمكة، قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد (عن) ابن شهاب (الزهري عن عروة) بن الزبير (قال: قالت عائشة ﵂¬):
(خسفت الشمس) بفتح الخاء والسين (فقام النبي) ولأبي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: فقام رسول الله (¬ ﷺ ، فقرأ سورة طويلة، ثم ركع فأطال) الركوع (ثم رفع رأسه) من الركوع (ثم استفتح بسورة) بباء الجر، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: سورة (أخرى، ثم ركع حتى) وللكشميهني، والأصيلي، وابن عساكر: حين (قضاها) أي: فرغ من الركعة (وسجد، ثم فعل ذلك) المذكور من القيامين والركوعين (في) الركعة (الثانية، ثم قال):
(إنهما) أي: الشمس والقمر (آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم ذلك) أي: الخسوف الذي دل عليه، قوله: خسفت (فصلوا حتى يفرج عنكم) بضم المثناة التحتية والجيم، مبنيًّا للمفعول من: الإفراج (لقد رأيت في مقامي هذا) بفتح الميم (كل شيء وعدته) بضم الواو وكسر العين، مبنيًّا للمفعول جملة في محل خفض صفة لشيء (حتى لقد رأيت) وللكشميهني، والحموي: رأيته، بإثبات الضمير، ولمسلم: لقد رأيتني.
قال ابن حجر: وهو أوجه، وقال الزركشي: قيل وهو الصواب، وتعقبه في المصابيح فقال: لا نسلم انحصار الصواب فيه، بل الأول صواب أيضًا وعليه فالضمير المنصوب محذوف لدلالة ما تقدم عليه. والمعنى: أبصرت ما أبصرت حال كوني: (أريد أن آخذ قطفًا) بكسر القاف، ما يقطف، أي: يقطع ويجتنى، كالذبح، بمعنى: المذبوح. والمراد به: عنقود من العنب، أي: أريد أخذه (من الجنة حين رأيتموني جعلت) أي: طلّقت (أتقدم. ولقد رأيت جهنم يحطم) بكسر الطاء (بعضها بعضًا، حين رأيتموني تأخرت).
لم يقل: جعلت أتأخر، كما قال: جعلت أتقدم. لأن التقدم كاد أن يقع بخلاف التأخر فإنه وقع. قاله الكرماني.
واعترضه الحافظ أبو الفضل: بأنه وقع التصريح بوقوع التقدم والتأخر جميعًا في حديث جابر عند مسلم.
وأجاب العيني: بأنه لا يرد على الكرماني ما قاله، لأن جعلت في قوله هنا بمعنى: طفقت،
الذي وضع للدلالة على الشروع، وقد بنى الكرماني السؤال والجواب عليه، وأيضًا، لا يلزم أن يكون حديث عائشة مثل حديث جابر من كل الوجوه، وإن كان الأصل متحدًا.
(ورأيت فيها) أي جهنم (عمرو بن لحي) بفتح العين وسكون الميم، وبضم اللام وفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية، مصغرًا (وهو الذي سيب) أي: سمى النوق التي تسمى (السوائب) جمع سائبة وهي ناقة لا تركب ولا تحبس عن كلأ وماء لنذر صاحبها إن حصل ما أراد من شفاء المريض أو غيره أنها سائبة.
فإن قلت: من أين تؤخذ المطابقة بين الترجمة والحديث.
أجيب: من التقدم والتأخر المذكورين، وحملا على اليسير دون الكثير المبطل. فافهم. وسبق الحديث في باب الكسوف.
١٢ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الْبُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرٍو: نَفَخَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سُجُودِهِ فِي كُسُوفٍ
(باب ما يجوز من البصاق) بالصاد، ويجوز إبدالها زايًا (و) ما يجوز من (النفخ في الصلاة).
(ويذكر) بضم المثناة التحتية، وفتح الكاف مما وصله أحمد، وصححه ابنا خزيمة وحبان من حديث عطاء بن السائب عن أبيه (عن عبد الله بن عمرو) أي: ابن العاصي، في حديث قال فيه (نفخ النبي ﷺ في سجوده في كسوف) ولابن عساكر في الكسوف.
وهو محمول على أنه لم يظهر فيه حرفان، فلو ظهرا أفهما أو لم يفهما، بطلت الصلاة إن كان عامدًا عالمًا بالتحريم:
وعورض بما ثبت في حديث ابن عمرو، عند أبي داود، فإن فيه: ثم نفخ في آخر سجوده فقال: أف أف. فصرح بظهور الحرفين. وهذه الزيادة من رواية حماد بن سلمة عن عطاء، وقد سمع منه قبل الاختلاط في قول يحيى بن معين وأبي داود والطحاوي وغيرهم.
وأجاب الخطابي: بأن أف لا تكون كلامًا حتى تشدّد الفاء، قال: والنافخ في نفخه
стр. 877
لا يخرج الفاء صادقة من مخرجها، وتعقبه ابن الصلاح بأنه لا يستقيم على قول الشافعية: إن الحرفين كلام مبطل أفهما أو لم يفهما. وعبر المصنف بلفظ: يذكر المقتضى للتمريض، لأن عطاء بن السائب مختلف في الاحتجاج به، وقد اختلط في آخر عمره.
لكن أورده ابن خزيمة من رواية سفيان الثوري عنه، وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه، وأبوه وثقه العجلي، وابن حبان وليس هو من شرطه.
١٢١٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ، فَإِذَا كَانَ فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَبْزُقَنَّ -أَوْ قَالَ- لَا يَتَنَخَّمَنَّ -ثُمَّ نَزَلَ فَحَتَّهَا بِيَدِهِ".
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: "إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَلَى يَسَارِهِ".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي، بمعجمة ثم مهملة، البصري قال: (حدّثنا حماد) بن زيد بن درهم الجهضمي البصري (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄¬):
(أن النبي، ﷺ ، رأى نخامة في) جدار (قبلة المسجد) النبوي المدني (فتغيظ على أهل المسجد، وقال):
(إن الله) أي: القصد منه تعالى، أو: ثوابه ، أو: عظمته تعالى (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي: مواجهة (أحدكم، فإذا) ولأبوي: ذر، والوقت، وابن عساكر والأصيلي: إذا (كان في صلاته فلا يبزقن) بضم الزاي ونون التوكيد الثقيلة (-أو قال: لا يتنخمن-) بالميم بعد الخاء، من النخامة، بضم النون. لما يخرج من الصدر، وفي رواية الأربعة: فلا يتنخعن، بالعين وهو بمعنى الميم، وقيل: بالعين من الصدر، وبالميم من الرأس (ثم نزل فحتها). بالمثناة الفوقية، وللكشميهني: فحكها، بالكاف، أي: اللنخامة (بيده).
سبق في رواية باب: حك المخاط بالحصى، فتناول حصاة فحكها.
(وقال ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄¬).
(إذا بزق أحدكم فليبزق) بالزاي، فيهما (على) وللكشميهني: عن (يساره)، لا عن يمينه.
وهذا الموقوف، قد روي مرفوعًا من حديث أنس.
١٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى».
وبه قال (حدّثنا محمد) هو: ابن بشار بالموحدة والمعجمة المشددة، العبدي. بالموحدة، البصري قال: (حدثنا غندر) بضم الغين المعجمة، محمد بن جعفر البصري، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي الواسطي، ثم البصري (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (عن أنس) زاد أبوا: ذر، والوقت، والأصيلي: ابن مالك (¬﵁، عن النبي، ﷺ قال):
(إذا كان) المؤمن (في الصلاة) ولأبوي: ذر، والوقت: إذا قام أحدكم في الصلاة (فإنه) أي: المصلي (يناجي ربه) من جهة مساررته بالقرآن، والذكر. والبارئ، ، يناجيه من جهة لازم ذلك، وهو إرادة الخير، فهو من باب المجاز. فإن القرينة صارفة له عن إرادة الحقيقة، إذ لا كلام محسوس، إلا من جهة العبد (فلا يبزقن) المصلي (بين يديه) في جهة القبلة المعظمة (ولا عن يمينه) فإن عليه كاتب الحسنات (ولكن) يبزق (عن شماله، تحت قدمه اليسرى)، أي: في غير المسجد، أما فيه: فلا يبزقن إلا في ثوبه.
وهذا محمول على عدم النطق فيه بحرفين، كما في النفخ، أو التنخم، أو البكاء، أو الضحك، أو الأنين، أو التأوّه، أو التنحنح.
وكره مالك النفخ فيها، وقال: لا يقطعها كما يقطعها الكلام، وهو قول أبي يوسف، وأشهب، وأحمد، وإسحاق.
وفي المدونة النفخ بمنزلة الكلام، فيقطعها.
وعن أبي حنيفة ومحمد، إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام، وإلاّ فلا.
وقال الحنفية: إن كان البكاء من خشية الله، لا تبطل به الصلاة مطلقًا.
١٣ - باب مَنْ صَفَّقَ جَاهِلاً مِنَ الرِّجَالِ فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ فِيهِ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب) حكم (من صفق) حال كونه (جاهلاً من الرجال) لتنبيه إمام أو غيره (في صلاته، لم تفسد صلاته) لأنه ﵊ لم يأمر الناس بإعادة الصلاة لما فعلوه فيها في قصة إمامة الصديق.
وقيد بالجاهل ليخرج العامد وبالرجال ليخرج النساء.
(فيه) أي: فيما ترجم له (سهل بن سعد، ﵁¬) وسقط عند الأصيلي: سهل بن سعد (عن النبي ﷺ ¬) حيث قال، لما أخذ الناس في التصفيح لتنبيه الصديق على مكانه، ﵊: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، كما مر. ولم يأمرهم بالإعادة لجهلهم بالحكم.
١٤ - باب إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّي: تَقَدَّمْ أَوِ انْتَظِرْ فَانْتَظَرَ -فَلَا بَأْسَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا قيل للمصلي: تقدم أو انتظر، فانتظر، فلا بأس).
١٢١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة، العبدي البصري، قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) بإسكان الهاء والعين
стр. 878
الساعدي (¬﵁، قال):
(كان الناس يصلون مع النبي، ﷺ ، وهم عاقدو) بالواو ولأبي الوقت: عاقدي، أي: وهم كانوا عاقدي (أزرهم) بضمتين، جمع إزار، وهو: الملحفة. وفي الفرع أزرهم، بسكون الزاي (من الصغر) أي: من صغر أزرهم (على رقابهم) فكان أحدكم يعقد إزاره على رقبته، وكان هذا في أول الإسلام حين قلة ذات اليد (فقيل للنساء)، إذ كن متأخرات عن صف الرجال قبل أن يدخلن في الصلاة، ليدخلن فيها على علم، أو وهن فيها، كما يقتضيه التعبير بفاء العطف في قوله: فقيل للنساء: (لا ترفعن رؤوسكن) من السجود (حتى يستوي الرجال) حال كونهم (جلوسًا) لما عرف من ضيق أزر الرجال، لئلا تقع أعينهن على عوراتهم.
واستنبط منه التنبيه على جواز إصغاء المصلي في الصلاة إلى الخطاب الخفيف وتفهمه، وهو مبني على أنه: قيل لهن ذلك داخل الصلاة، لكن جزم الإسماعيلي بأنه خارجها. وحينئذ فلا معنى لقول المؤلّف في الترجمة للمصلي، ولا وجه لجزمه.
بل، الأمر محتمل لأن يكون القول خارج الصلاة وداخلها، ويكون القائل في غير الصلاة، فلا يتعين أحد الاحتمالين إلا بدليل.
نعم، مقتضى التعبير بالفاء في قوله: فقيل للنساء، يعين وقوعه وهن داخلها، كما مر. لكن وقع عند المؤلّف في باب: إذا كان الثوب ضيقًا، بدون التعبير بالفاء، ولفظه: وقال، وفسر القائل به: ﵊، وللكشميهني: ويقال، وهو أعم من أن يكون النبي ﷺ أو غيره.
١٥ - باب لَا يَرُدُّ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ
هذا (باب) بالتنوين (لاّ يرد) المصلي (السلام) باللفظ على المسلم (في الصلاة) لأنه خطاب آدمي.
١٢١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ وَقَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلاً".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن أبي شيبة) الكوفي الحافظ، أخو عثمان (قال: حدّثنا ابن فضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، محمد، واسم جده: غزوان (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي (عن عبد الله) بن مسعود، ﵁ (قال):
(كنت أسلم على النبي، ﷺ ، وهو في الصلاة فيرد عليّ) السلام (فلما رجعنا) من عند النجاشي، ملك الحبشة إلى المدينة (سلمت عليه) وهو في الصلاة (فلم يرد عليّ) السلام باللفظ (وقال) ﵊ لما فرغ من الصلاة وللمستملي: قال:
(إن في الصلاة شغلاً) لا يمكن معه الاشتغال بغيرها، وللكشميهني، والأصيلي، وابن عساكر، وأبي الوقت: لشغلاً، بزيادة لام التأكيد.
١٢١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَانْطَلَقْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ عَلَىَّ أَنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنَ الْمَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَىَّ فَقَالَ: إِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. وَكَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ".
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين وسكون العين، بينهما، عبد الله بن عمرو التميمي المقعد المنقري، بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف (قال: حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري، بفتح المثناة وتشديد النون، البصري، قال: (حدّثنا كثير بن شنظير) بكسر المعجمة وسكون النون بعدها ظاء معجمة مكسورة، وهو لغة السيئ الخلق، علم عليه (عن عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء والموحدة آخره مهملة (عن جابر بن عبد الله عنهما، قال):
(بعثني رسول الله، ﷺ ، في حاجة له) في غزوة بني المصطلق: (فانطلقت، ثم رجعت وقد قضيتها، فأتيت النبي، ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يرد عليّ) السلام باللفظ (فوقع في قلبي) سقط من الحزن (ما الله أعلم به) مما لا أقدر قدره، ولا يدخل تحت العبارة، و: ما، فاعل بقوله: وقع، والجلالة الشريفة، مبتدأ أو خبره التالي (ففلت في نفسي: لعل رسول الله ﷺ ، وجد) بفتح الواو والجيم، أي: غضب (علي أني) وللكشميهني: أن (أبطأت عليه، ثم سلمت عليه، فلم يرد علي) السلام باللفظ (فوقع في قلبي) من الحزن (أشد من) الذي وقع فيه في (المرة الأولى).
في رواية مسلم، من طريق الزبير عن جابر: فقال لي بيده هكذا.
وفي رواية أخرى: فأشار إلي. فيحمل قوله في رواية البخاري، فلم يرد علي، أي باللفظ،
كما مر. وكأن جابرًا لم يعرف أولاً أن المراد بالإشارة الرد عليه، فلذلك قال: فوقع في قلبي ما الله أعلم به.
(ثم سلمت عليه فرد علي) السلام بعد أن فرغ من صلاته باللفظ (فقال) في رواية: وقال: (إنما منعني أن أرد عليك) السلام إلا (أني كنت أصلي).
(وكان) عليه الصلاة السلام يصلّي نفلاً وهو راكب
стр. 879
(على راحلته) حال كونه (متوجهًا إلى غير القبلة) مستقبلاً صوب سفره.
ورواة هذا الحديث الخمسة بصريون، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم في: الصلاة.
١٦ - باب رَفْعِ الأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ لأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ
(باب رفع الأيد في الصلاة لأمر ينزل به) أي: بالمصلي.
١٢١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: "بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَىْءٌ، فَخَرَجَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ بِلَالٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتِ الصَّلَاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَأَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ -قَالَ سَهْلٌ: التَّصْفِيحُ هُوَ التَّصْفِيقُ- قَالَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ الْتَفَتَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ. ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَىْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ، إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ. مَنْ نَابَهُ شَىْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد بن جميل، بفتح الجيم، الثقفي البغلاني، بفتح الموحدة وإسكان المعجمة، قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن أبي حازم سلمة (عن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني الأعرج (عن سهل بن سعد) بإسكان الهاء والعين، ابن مالك بن خالد الأنصاري الساعدي (¬﵁، قال):
(بلغ رسول الله، ﷺ ، أن بني عمرو بن عوف) بسكون الميم (بقباء كان بينهم شيء) من خصومة، (فخرج) ﵊ (يصلح بينهم في أناس من أصحابه، فحبس) بضم الحاء أي: تعوّق هناك (رسول الله، ﷺ ، وحانت الصلاة) أي: حضرت، والواو للحال (فجاء بلال إلى أبي بكر، ﵄، فقال: يا أبا بكر! إن رسول الله، ﷺ ، قد حبس، وقد حانت الصلاة، فهل لك) رغبة في (أن تؤم الناس؟ قال) أبو بكر: (نعم) أؤمهم (إن شئت) أي: يا بلال، وللحموي: إن شئتم.
(فأقام بلال الصلاة) لأن المؤذن هو الذي يقيم الصلاة، كما أنه هو الذي يقدّم للصلاة لأنه خادم الإمامة (وتقدم أبو بكر، رضي الله ﷺ ، فكبر للناس) شارعًا في الصلاة، ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر: وكبر الناس (وجاء رسول الله، ﷺ ¬) حال كونه (يمشي في الصفوف، يشقها شقًّا، حنى قام في الصف) وللحموي، والمستملي: قام في الصف (فأخذ الناس في التصفيح) بالحاء.
(قال سهل) في تفسيره: (التصفيح) بالحاء المهملة (هو التصفيق) بالقاف.
(قال) سهل (وكان أبو بكر، ﵁، لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس) التصفيح (التفت، فإذا رسول الله، ﷺ ، فأشار إليه يأمره أن يصلي) بالناس (فرفع أبو بكر ﵁ يده) بالإفراد، وللكشميهني: والأصيلي: يديه (فحمد الله) تعالى على ما أنعم عليه به من تفويض الرسول إليه أمر الإمامة، لما فيه من مزيد رفعة درجته.
وهذا موضع الترجمة، واستنبط منه: أن رفع اليدين للدعاء ونحوه، في الصلاة لا يبطلها، ولو كان في غير موضعه، ولذا أقر النبي، ﷺ ، أبا بكر عليه.
(ثم رجع) أبو بكر (القهقرى وراءه حتى قام في الصف) لما تأدب الصديق هذا التأدب معه، ﵊، أورثه مقامه، والإمامة بعده، فكان ذلك التأخر إلى خلفه. وقد أومأ إليه أن أثبت مكانك سعيًا بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطي.
(وتقدم رسول الله، ﷺ ، فصلّى) بالفاء، ولأبي ذر: وصلّى (للناس، فلما فرغ) من صلاته (أقبل على الناس) بوجهه الكريم (فقال):
(يا أيها الناس: ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة) ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر: حين نابكم في الصلاة (أخذتم بالتصفيح، وإنما التصفيح للنساء. من نابه) من الرجال (شيء) أي: من نزل به أمر من الأمور (في صلاته، فليقل: سبحان الله).
(ثم التفت) ﵇ (إلى أبي بكر، ﵁، فقال):
(يا أبا بكر! ما منعك أن تصلي للناس حين) ولأبي ذر أن تصلي حين (أشرت إليك) ولأبي ذر،
عن المستملي، والحموي: حيث أشرت عليك. (قال أبو بكر) ﵁: (ما كان ينبغي لابن أبي قحافة) بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة، واسمه عثمان، أسلم يوم الفتح، وتوفي في الحرم سنة أربع عشرة، وهو ابن سبع وتسعين سنة، وكانت وفاة ولده الصديق قبله، فورث منه السدس، فرده على ولد أبي بكر، وإنما لم يقل الصديق: ما كان لي، أو: ما كان لأبي بكر، تحقيرًا لنفسه واستصغارًا لمرتبته (أن يصلّي بين يدي) أي: قدام (رسول الله ﷺ ¬).
١٧ - باب الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ
(باب) حكم (الخصر في الصلاة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة، من الخاصرة، وهو وضع اليد عليها في المشهور، أو: من المخصرة، وهي: العصا، أي: يأخذها بيده يتوكأ، أو: من الاختصار. ضد التطويل، أي: يختصر السورة، أو يخفف الصلاة، فيحذف الطمأنينة.
١٢١٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نُهِيَ عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ". وَقَالَ هِشَامٌ وَأَبُو هِلَالٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[الحديث ١٢١٩ - طرفه في: ١٢٢٠].
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان)
стр. 880
محمد بن الفضل السدوسي، قال: (حدّثنا حماد) أي: ابن زيد (عن أيوب) هو: السختياني (عن محمد) هو: ابن سيرين (عن أبي هريرة ﵁، قال):
(نهي) بضم النون مبنيًا للمفعول، أي: نهي النبي، ﷺ ، كما في رواية هشام الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى.
ووقع في رواية أبي ذر عن الحموي، والمستملي: نهى مبنيًّا للفاعل، ولم يسمه.
(عن الخصر في الصلاة) لأن إبليس أهبط مختصرًا. رواه ابن أبي شيبة، أو: أن اليهود تكثر من فعله فنهى عنه كراهة التشبه بهم، أخرجه المؤلّف في بني إسرائيل أو: لأنه راحة أهل النار، رواه ابن أبي شيبة.
والنهي محمول على الكراهة عند ابن عمر، وابن عباس وعائشة. وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، ومالك.
وذهب إلى التحريم أهل الظاهر.
(وقال هشام) هو: ابن حسان القردوسي، بضم القاف، مما وصله المؤلّف هنا (و) قال (أبو هلال) محمد بن سليم الراسبي، مما وصله الدارقطني في الأفراد، من طريق عمرو بن مرزوق، عنه (عن ابن سيرين) محمد (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي) وللأصيلي، وابن عساكر. وأبي الوقت، وفي بعض الأصول نهى النبي (¬ ﷺ ¬) وبهذا الطريق صار الحديث مرفوعًا.
١٢٢٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نُهِيَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا".
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عليّ) بسكون الميم، الصيرفي الفلاس، قال (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان، قال: (حدّثنا هشام) القردوسي قال (حدّثنا محمد) هو: ابن سيرين (عن أبي هريرة ﵁، قال):
(نهي) بضم النون، مبنيًّا للمفعول، وللكشميهني: نهى النبي، ﷺ (أن يصلّي الرجل مختصرًا) وللكشميهني: مختصرًا، بتشديد الصاد.
١٨ - باب تَفَكُّرِ الرَّجُلِ الشَّىْءَ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِنِّي لأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ
هذا (باب) بالتنوين (يفكر الرجل) وكذا كل مكلف (الشيء) بضم المثناة التحتية وسكون الفاء وكسر الكاف مخففة، والشيء: نصب على المفعولية، ولابن عساكر، وأبي ذر: تفكر الرجل، بفتح المثناة الفوقية والفاء وضم الكاف المشددة، ولابن عساكر: شيئًا، وللأصيلي: في الشيء (في الصلاة).
(وقال عمر) بن الخطاب (¬﵁¬) مما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن حفص بن عاصم، عن أبي عثمان النهدي عنه (إني لأجهز جيشي) لأجل الجهاد (وأنا في الصلاة).
وروى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق عروة بن الزبير، قال عمر ﵁: إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة.
وروى صالح بن أحمد بن حنبل، في كتاب المسائل، عن أبيه، عن طريق همام بن الحرث قال: إن عمر، ﵁، صلّى المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف، قالوا: يا أمير المؤمنين إنك لم تقرأ. فقال: إني حدثت نفسي وأنا في الصلاة بعير جهزتها من المدينة حتى دخلت الشام، ثم أعاد وأعاد القراءة.
وهذا يدل على أنه إنما أعاد لترك القراءة لا لكونه كان مستغرقًا في الفكرة.
١٢٢١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا عُمَرُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ فَقَالَ: ذَكَرْتُ -وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ- تِبْرًا عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ -أَوْ يَبِيتَ- عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ".
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) الكوسج، قال: (حدّثنا روح) بفتح الراء بن عبادة بن العلاء بن حسان القيسي البصري، قال: (حدّثنا عمر) بضم العين (هو: ابن سعيد) بكسر العين المكي (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن أبي مليكة) عبد الله، ومليكة: بضم الميم وفتح اللام مصغرًا (عن عقبة بن الحارث) بضم العين وسكون القاف (¬﵁، قال):
(صليت مع النبي، ﷺ ، العصر، فلما سلم قام سريعًا دخل على بعض نسائه) ﵅ (ثم خرج، ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته، فقال):
(ذكرت) أي: تفكّرت (-وأنا في الصلاة- تبرًا عندنا) من تبر الصدقة، وهو ما كان من الذهب غير مضروب (فكرهت أن يمسي أو) قال: (يبيت عندنا) خوفًا من حبس صدقة المسلمين (فأمرت بقسمته).
فإن قلت: ما موضع الترجمة؟
أجيب: من قوله: ذكرت وأنا في الصلاة تبرًا، لأنه تفكّر في أمر التبر وهو في الصلاة، ولم يعدها.
١٢٢٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ، فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ، فَلَا يَزَالُ بِالْمَرْءِ يَقُولُ لَهُ اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى». قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَسَمِعَهُ أَبُو سَلَمَةَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) أبوه عبد الله ونسبه إلى جده لشهرته به، المخزومي، مولاهم، المصري المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين، (قال: حدّثنا الليث) بن سعد المصري (عن جعفر) هو ابن ربيعة المصري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (قال: قال) لي (أبو هريرة) في رواية الإسماعيلي: عن أبي هريرة (¬﵁،
стр. 881
قال رسول الله ﷺ ¬):
(إذا أذن بالصلاة) بضم الهمزة وكسر الذال (أدبر الشيطان) حال كونه (له ضراط) حقيقة أو مجازًا عن شغله نفسه بالتصويت (حتى لا يسمع التأذين، فإذا سكت المؤذن) بعد الفراغ من التأذين (أقبل) الشيطان (فإذا ثوب) بضم المثلثة وكسر الواو، أي: أقيمت الصلاة (أدبر) الشيطان (فإذا سكت) بعد الفراغ من الإقامة (أقبل) الشيطان (فلا يزال بالمرء) المصلي (يقول له: اذكر ما لم يكن يذكر حتى لا يدري) وهو في الصلاة (كم صلى) أثلاثًا أم أربعًا.
(قال أبو سلمة بن عبد الرحمن) مما هو طرف من حديث يأتي في السهو، وليس هو من رواية جعفر بن ربيعة عن أبي سلمة (وإذا فعل أحدكم ذلك) أي: ما ذكر من كونه لا يدري وهو في
صلاته كم صلّى (فليسجد) ندبًا (سجدتين) للتردد في زيادتها (وهو قاعد) بعد أن يأخذ باليقين ويطرح المشكوك فيه، ويأتي بالباقي ولا يرجع في فعلها إلى ظنه، ولا إلى قول غيره وإن كان جميعًا كثيرًا.
(وسمعه أبو سلمة) بن عبد الرحمن (من أبي هريرة ﵁¬):
١٢٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ "يَقُولُ النَّاسُ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ. فَلَقِيتُ رَجُلاً فَقُلْتُ: بِمَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَارِحَةَ فِي الْعَتَمَةِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقُلْتُ: لَمْ تَشْهَدْهَا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: لَكِنْ أَنَا أَدْرِي، قَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) بن عبيد المعروف بالزمن العنزي، بفتح النون والزاي، البصري، قال: (حدّثنا عثمان بن عمر) بن فارس العبدي (قال: أخبرني) بالإفراد، ولأبي ذر، والأصيلي: أخبرنا (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن سعيد المقبري قال: قال أبو هريرة ﵁¬):
(يقول الناس: أكثر أبو هريرة) في الرواية عن النبي ﷺ (فلقيت رجلاً) لم يسم (فقلت: بما) بإثبات ألف ما الاستفهامية مع دخول الجار عليها، وهو قليل. ولأبي ذر: بم (قرأ رسول الله ﷺ ، البارحة) نصب على الظرفية، أقرب ليلة مضت (في العتمة) في صلاة العشاء (فقال: لا أدري) ما قرأ. (فقلت: لم) بغير همزة (تشهدها) شهودًا تامًا وكأنه اشتغل بغير أمر الصلاة حتى نسي السورة التي قرئت. (قال) الرجل: (بلى) شهدتها. قال أبو هريرة: (قلت: لكن أنا أدري، قرأ سورة كذا وكذا). كأن أبا هريرة شغل فكره بأفعال الصلاة حتى ضبطها وأتقنها.
ورواة الحديث الخمسة ما بين بصري ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وهو من أفراده. والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٢ - كتاب السهو
(بسم الله الرحمن الرحيم).
١ - باب مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ إِذَا قَامَ مِنْ رَكْعَتَىِ الْفَرِيضَةِ
(باب ما جاء في) حكم (السهو) الواقع في الصلاة (إذا قام) المصلي (من ركعتي الفريضة) ولم يجلس عقبهما، وللكشميهني، والأصيلي، وأبي الوقت، وابن عساكر: من ركعتي الفرض ولفظ: باب، ساقط في رواية أبي ذر.
١٢٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ. فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ سَلَّمَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك بن أنس) إمام دار الهجرة، وسقط: ابن أنس، لأبي ذر (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) ولفظ عبد الرحمن ساقط في رواية الهروي، وأبي الوقت، والأصيلي، وابن عساكر.
وقال في الفتح: ثابتة في رواية كريمة، ساقطة في رواية الباقين.
(عن عبد الله ابن بحينة) بضم الموحدة وفتح الحاء المهملة وألف قبل باء: ابن، لأنها اسم أمه أو أم أبيه (¬﵁ أنه قال):
(صلّى لنا) أي: بنا، أو: لأجلنا (رسول الله ﷺ ، ركعتين من بعض الصلوات) في الرواية
التالية: أنها الظهر (ثم قام) إلى الركعة الثالثة (فلم يجلس) أي: ترك التشهد مع قعوده المشروع له، المستلزم تركه ترك التشهد (فقام الناس معه) إلى الثالثة.
زاد الضحاك بن عثمان، عن الأعرج، عند ابن خزيمة: فسبحوا به، فمضى في صلاته.
واستنبط منه: أن من سها عن التشهد الأول حتى قام إلى الركعة ثم ذكر لا يرجع. فقد سبحوا به ﵊ فلم يرجع لتلبسه بالفرض، فلم يبطله للسنة. فلو عاد عامدًا عالمًا بتحريمه بطلت صلاته لزيادته قعودًا عمدًا أو ناسيًا أنه في الصلاة فلا تبطل. ويلزمه القيام عند تذكره أو جاهلاً تحريمه، فكذا لا تبطل في الأصح. وأنه لو تخلف المأموم عن انتصابه للتشهد بطلت صلاته إلا أن ينوي مفارقته، فيعذر.
ولو عاد الإمام قبل قيام المأموم، حرم قعوده معه لوجوب القيام عليه بانتصاب الإمام، ولو انتصب معه ثم عاد هو لم تجز متابعته في العود
стр. 882
لأنه إما مخطئ به فلا يوافقه في الخطأ، أو عامد فصلاته باطلة. بل يفارقه أو ينتظره حملاً على أنه عاد ناسيًا.
وقيل: لا ينتظر، فلو عاد معه عالمًا بالتحريم بطلت صلاته، أو ناسيًا أو جاهلاً لم تبطل.
(فلما قضى) ﵊ (صلاته) فرغ منها. أي: ما عدا تسليم التحليل بدليل قوله: (ونظرنا) أي: وانتظرنا (تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين) للسهو ندبًا عند الجمهور، وفرضًا عند الحنفية (وهو جالس) أي: أنشأ السجود جالسًا، فالجملة حالية (ثم سلم) بعد ذلك وسلم الناس معه.
قال الزهري: وفعله قبل السلام هو آخر الأمرين من فعله ﵊، ولأنه لمصلحة الصلاة. فكان قبل السلام، كما لو نسي سجدة منها.
وأجابوا، عن سجوده بعده في خبر اليدين الآتي إن شاء الله تعالى بحمله على أنه لم يكن عن قصد، وهو يرد على من ذهب إلى أن جميعه بعد السلام كالحنفية، وفيه: أن سجود السهو، وإن كثر السهو، سجدتان. فلو اقتصر على واحدة ساهيًا لم يلزمه شيء أو عامدًا بطلت صلاته لتعمده الإتيان بسجدة زائدة ليست مشروعة.
لكن جزم القفال في فتاويه: بأنها لا تبطل، وأنه يكبر لهما كما يكبر في غيرهما من السجود، وأن المأموم يتابع الإمام ويلحقه سهو إمامه. فإن سجد لزمه متابعته، فإن تركها عمدًا بطلت صلاته، وإن لم يسجد إمامه فيسجد هو على النص.
١٢٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا. فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن يحيى بن سعيد) القطان (عن عبد الرحمن الأعرج عن عبد الله ابن بحينة ﵁ أنه قال):
(إن رسول الله ﷺ ، قام من اثنتين) أي: من ركعتين (من الظهر لم يجلس بينهما) أي: بين الاثنتين (فلما قضى صلاته) أي: فرغ منها حقيقة بأن سلم منها. أو مجازًا، بأن فرغ من التشهد المختوم بالصلاة على النبي ﷺ وآله (سجد سجدتين) للسهو، وسجدهما الناس معه (ثم سلم بعد ذلك) أي: بعد أن سجد السجدتين من غير تشهد بعدهما كسجود التلاوة.
وذهب الحنفية إلى أنه يتشهد واستدلوا بقوله: فلما قضى صلاته، ونظرنا تسليمه، أن السلام ليس من الصلاة، حتى لو أحدث بعد أن جلس وقبل أن يسلم تمت صلاته.
٢ - باب إِذَا صَلَّى خَمْسًا
هذا (باب) بالتنوين (إذا صلّى) المصلي الرباعية (خمسًا) أي خمس ركعات فزاد ركعة.
١٢٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ".
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بفتحتين، ابن عتيبة، بالمثناة ثم الموحدة مصغرًا، الفقيه الكوفي (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁¬):
(أن رسول الله ﷺ ، صلّى الظهر خمسًا. فقيل له) ﵊ لما سلم (أزيد في الصلاة)؟ بهمزة الاستفهام الاستخباري (فقال) ﵊، وللأصيلي: قال (وما ذاك؟) أي: وما سؤالكم عن الزيادة في الصلاة؟ (قال: صليت خمسًا فسجد) ﵊ بعد أن تكلم (سجدتين) للسهو (بعدما سلم) أي: بعد سلام الصلاة لتعذر السجود قبله، لعدم علمه بالسهو.
ولم يذكر في الحديث هل انتظره الصحابة أو اتبعوه في الخامسة. والظاهر أنهم اتبعوه لتجويزهم الزيادة في الصلاة، لأنه كان زمان توقع النسخ. أما غير الزمن النبوي فليس للمأموم أن يتبع إمامه في الخامسة مع علمه بسهوه، لأن الأحكام استقرت. فلو تبعه بطلت صلاته لعدم العذر، بخلاف من سها كسهوه.
واستدلّ الحنفية بالحديث على أن سجود السهو كله بعد السلام، وظاهر صنيع المصنف، يقتضي التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو الزيادة، ففي النقصان: يسجد قبل السلام كما في
الترجمة السابقة، وفي الزيادة يسجد بعده. وبذلك لما ذكر: قال مالك، والمزني والشافعي، في القديم، وحمل في الجديد السجود فيه على أنه تدارك للمتروك قبل السلام سهوًا، لما في حديث أبي سعيد، عند مسلم الآمر بالسجود قبل السلام من التعرض للزيادة ولفظه: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلّى، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم.
وفي قول قديم ثان للشافعي
стр. 883
أيضًا: يتخير إن شاء سجد قبل السلام، وإن شاء بعده لثبوت الأمرين عنه، ﷺ ، كما مر. ورجحه البيهقي.
ونقل الماوردي وغيره، الإجماع على جوازه، وإنما الخلاف في الأفضل. ولذا أطلق النووي، وتعقب: بأن إمام الحرمين نقل في النهاية الخلاف في الاجزاء عن المذهب. واستبعد القول بالجواز.
وذهب أحمد إلى أنه يستعمل كل حديث فيما يرد فيه، وما لم يرد فيه شيء يسجد قبل السلام.
٣ - باب إِذَا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثٍ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا سلم) المصلي (في ركعتين أو) سلم (في ثلاث، فيسجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول) منه ما يكون الحكم، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: سجد، بغير فاء، وهي أوجه. وفي بمعنى: من.
١٢٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ -أَوِ الْعَصْرَ- فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهَ أَنَقَصَتْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ". قَالَ سَعْدٌ "وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، فَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن إبراهيم) بسكون العين (عن أبي سلمة) بفتح اللام، عبد الله، أو إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن أبي هريرة ﵁ قال):
(صلّى بنا النبي) وللأصيلي: رسول الله (¬ ﷺ الظهر -أو العصر-) بالشك، وسبق في باب الإمامة الجزم بأنها الظهر، وكذا مسلم في رواية له. وفي أخرى له أيضًا الجزم بالعصر.
والشك من أبي هريرة، كما تبين من رواية عون، عن محمد بن سيرين، عند النسائي، ولفظه:
قال أبو هريرة، ﵁: صلّى النبي، ﷺ ، إحدى صلاتي العشي. قال أبو هريرة: لكني نسيت. فبين أبو هريرة أن الشك منه، وهو يعكر على ما حكاه النووي عن المحققين أنهما قضيتان، بل يجمع بأن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشك، ومرة غلب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها ومرة أنها العصر فجزم بها. وفي قول أبي هريرة: صلّى بنا تصريح بحضوره ذلك، ويؤيده ما في رواية مسلم وأحمد وغيرهما، من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة في هذا الحديث، عن أبي هريرة: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ، وهو يرد على الطحاوي حيث حمل قوله: صلّى بنا على المجاز. وأن المراد: صلّى بالمسلمين، متمسكًا بما قاله الزهري.
ووهموه فيه، وهو أن القصة لذي الشمالين فقط المستشهد ببدر قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، فالصواب أن القصة لذي اليدين فقط وهو غيره.
قال أبو عمرو: وقول من قال: إن ذا اليدين قتل يوم بدر غير صحيح، ولسنا ندافعهم أن ذا الشمالين قتل ببدر، فقد ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير ذا الشمالين فيمن قتل ببدر، وأنه خزاعي. وأما ذو اليدين الذي شهد سهو النبي ﷺ فسلمي، واسمه الخرباق.
نعم، روى النسائي ما يدل على أنهما واحد، ولفظه فقال له ذو الشمالين ابن عمرو أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي ﷺ : ما يقول ذو اليدين؟ فصرح بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين.
لكن نص الشافعي في اختلاف الحديث فيما نقله في الفتح، وأبو عبد الله الحاكم والبيهقي وغيرهم: أن ذا الشمالين غير ذي اليدين.
وقال النووي في الخلاصة: إنه قول الحفاظ، وسائر العلماء إلاّ الزهري، واتفقوا على تغليطه.
وقال أبو عمرو: أما قول الزهري إنه ذو الشمالين فلم يتابع عليه، وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته، خاصة ولم يعول عليه فيه أحد، فليس قوله: إنه المقتول ببدر حجة، فقد تبين غلطه في ذلك والله أعلم
(فسلم) ﵊ في الركعتين (فقال ذو اليدين) الخرباق السلمي: (الصلاة يا رسول الله) بالرفع مبتدأ خبره (أنقصت) بهمزة الاستفهام وفتح النون، فيكون الفعل لازمًا، وبضمها متعديًا (فقال النبي، ﷺ ، لأصحابه) الذين صلوا معه، ﵃:
(أحق) بالرفع، مبتدأ دخلت عليه همزة الاستفهام، وقوله: (ما يقول) أي: ذو اليدين؟ سادّ مسد الخبر أو: أحق، خبر، وتاليه مبتدأ.
(قالوا: نعم) حق ما يقول (فصلّى) ﵊ (ركعتين أخريين) بمثناتين تحتيتين بعد الراء، ولأبي الوقت، وابن عساكر: أخراوين، بألف ثم واو بعد الراء على خلاف القياس (ثم سجد) ﵊ (سجدتين) للسهو كسجدتي الصلاة يجلس مفترشًا بينهما.
ويأتي بذكر السجود للصلاة فيهما، وعن بعضهم أنه يندب له أن يقول فيهما: سبحان من لا ينام ولا يسهو.
قال النووي، كالرافعي:
стр. 884
وهو لائق بالحال.
قال الزركشي: إنما يتم إذا لم يتعمد ما يقتضي السجود، فإن تعمد فليس بلائق، بل اللائق الاستغفار ثم يتورك ويسلم ولا يستشهد بعد السجود، وإنما بنى ﵊ على الركعتين بعد أن تكلم لأنه كان ساهيًا، لظنه ﵊ أنه خارج الصلاة، والكلام سهوًا لا يقطعها، خلافًا للحنفية. وأما كلام ذي اليدين والصحابة. فلأنهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة لتجويزهم نسخ الصلاة من الأربع إلى الركعتين.
وتعقب بأنهم تكلموا بعد قوله ﵊: لم تقصر، أو: أن كلامهم كان خطابًا له، ﵊، وهو غير مبطل عند قوم، أو: أنهم لم يقع منهم كلام، إنما أشاروا إليه أي: نعم، كما في سنن أبي وإسناد صحيح بلفظ: أومأوا!.
وبالإسناد السابق (قال سعد) بسكون العين، ابن إبراهيم المذكور، وهو مما أخرجه ابن أبي شيبة عن غندرعن شعبة.
(ورأيت عروة بن الزبير صلّى من المغرب ركعتين، فسلم) عقبهما (وتكلم) ساهيًا (ثم صلّى ما بقي) منها (وسجد) ﵁ (سجدتين) للسهو (وقال: هكذا فعل النبي- ﷺ ¬).
فإن قلت: ليس في حديث الباب إلاّ التسليم في اثنتين، وليس فيه التسليم في ثلاث، وحينئذ فلا مطابقة بينه وبين الترجمة في الجزء الثاني.
أجيب: بأنه قد ورد التسليم في ثلاث، عند مسلم، من حديث عمران بن الحصين فكأنه أشار إليه في الترجمة.
٤ - باب مَنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ فِي سَجْدَتَىِ السَّهْوِ
وَسَلَّمَ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَلَمْ يَتَشَهَّدَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يَتَشَهَّدُ.
(باب من لم يتشهد في سجدتي السهو) أي: بعدهما (وسلم أنس) هو: ابن مالك (والحسن) هو البصري عقب سجدتي السهو (ولم يتشهدا) كما وصله ابن أبي شيبة من طريق قتادة عنهما (وقال قتادة: لا يتشهد) بحرف النفي. كما فى الفرع وغيره من الأصول، وهو موافق لما رواه قتادة عن أنس والحسن، فاقتدى بهما في ذلك.
لكن حمل الحافظ ابن حجر لفظ: لا، على الزيادة، لما في رواية عبد الرزاق عن معمر عنه، قال: يتشهد في سجدتي السهو، من غير ذكر: لا.
وتعقبه العيني: بأنه يجوز أن يكون عن قتادة روايتان، وبأنه إذا قيل بزيادة: لا، فيما ذكره البخاري، فلقائل أن يقول: لعلها سقطت فيما رواه عبد الرزاق. اهـ.
١٢٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ".
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ: "قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: فِي سَجْدَتَىِ السَّهْوِ تَشَهُّدٌ؟ قَالَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك بن أنس) الأصبحي (عن أيوب) وللأصيلي: أخبرنا مالك عن أيوب (بن أبي تميمة السختياني) بفتح السين وكسر التاء (عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁¬):
(أن رسول الله، ﷺ انصرف من اثنتين) أي: ركعتين (فقال له ذو اليدين) الخرباق، بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة آخره قاف، وكان في يديه طول (أقصرت الصلاة) بفتح القاف وضم الصاد (أم نسيت يا رسول الله؟ فقال) ولأبي ذر: قال (رسول الله ﷺ ¬) للناس المصلين معه:
(أصدق ذو اليدين) فيما قال؟ (فقال الناس: نعم) أي: صدق (فقام رسول الله ﷺ ¬) أي: اعتدل، لأنه كان مستندًا إلى الخشبة، كما يأتي إن شاء الله تعالى، أو: أن فيه تعريضًا بأنه أحرم ثم جلس، ثم قام.
قال في المصابيح، وهو أحد القولين: وإلاّ فلا يتصور استئناف القيام إلا بهذه الطريقة.
(فصلى) رسول الله ﷺ (اثنتين) ركعتين (أخريين، ثم سلم، ثم كبر، فسجد) ثم كبر فرفع، ثم كبر فسجد، وكان سجوده فيهما (مثل سجوده) الذي للصلاة (أو أطول) منه، (ثم رفع) من سجوده ولم يتشهد، ثم سلم.
وهذا يهدم قاعدة المالكية ومن وافقهم، أنه إذا كان السهو بالنقصان يسجد قبل السلام.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) بفتح المهملة وتسكين الراء آخره موحدة، قال: (حدّثنا حماد) هو: ابن زيد (عن) أبي بشر (سلمة بن علقمة) التميمي البصري (قال: قلت لمحمد) بن سيرين
(في سجدتي السهو تشهد؟ قال) ولأبي الوقت: فقال: (ليس في حديث أبي هريرة) تشهد، ومفهومه وروده في غير حديثه.
ويؤيده حديث عمران بن حصين، عند أبي داود وابن حبان والحاكم: أن النبي ﷺ ، صلّى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم.
وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما، ووهموا أشعث
стр. 885
راويه لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين.
٥ - باب مَنْ يُكَبِّرُ فِي سَجْدَتَىِ السَّهْوِ
(باب يكبر) الساهي في صلاته (في سجدتي السهو) ولغير الأربعة: باب من يكبر.
١٢٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَىِ الْعَشِيِّ -قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي الْعَصْرَ- رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ﷺ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ. قَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ".
وبالسند قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحرث بن سخبرة الحوضي (قال: حدّثنا يزيد بن إبراهيم) التستري (عن محمد) هو: ابن سيرين (عن أبي هريرة ﵁ قال: صلّى النبي، ﷺ ، إحدى صلاتي العشي) بفتح العين وكسر الشين وتشديد الياء: الظهر أو العصر (قال محمد) أي: ابن سيرين بالإسناد المذكور (وأكثر) بالمثلثة أو الموحدة (ظني أنها العصر ركعتين) بنصب العصر على المفعولية. ولأبي ذر: العصر، بالرفع.
وفي حديث عمران الجزم بأنها العصر، وفي رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عند مسلم: الجزم بأنها الظهر. وكذا عند البخاري في لفظ من رواية سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة.
وقد أجاب النووي عن هذا الاختلاف بما حكاه عن المحققين: أنهما قضيتان لكن قال في شرح تقريب الأسانيد: والصواب أن قصة أبي هريرة واحدة، وأن الشك من أبي هريرة.
ويوضح ذلك ما رواه النسائي من رواية ابن عون، عن محمد بن سيرين قال: قال أبو هريرة:
صلّى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي … قال أبو هريرة: ولكني نسيت. قال: فصلّى بنا ركعتين … فبين أبو هريرة في روايته هذه وإسنادها صحيح، أن الشك منه. وإذا كان كذلك فلا
يقال: هما واقعتان. وأما قول ابن سيرين السابق، أكثر ظني فهو شك آخر من ابن سيرين، وذلك أن أبا هريرة حدثه بها معينة كما عينها لغيره، ويدل على أنه عينها له قول البخاري في بعض طرقه، قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكني نسيت أنا.
(ثم سلم) في حديث عمران بن حصين المروي في مسلم: أنه سلم في ثلاث ركعات، وليس باختلاف، بل هما قضيتان، كما حكاه النووي في الخلاصة عن المحققين (ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد) بتشديد الدال المفتوحة، أي: في جهة القبلة. وفي رواية ابن عون: فقام إلى خشبة معروضة أي موضوعة بالعرض (فوضع يده عليها) أي: على الخشبة (وفيهم) أي: المصلين معه (أبو بكر، وعمر ﵄، فهابا أن يكلماه) أي: غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه. وفي رواية ابن عون: فهاباه، بزيادة الضمير (وخرج سرعان الناس)، رفع على الفاعلية وبالمهملات المفتوحات؛ أي: الذين يسارعون إلى الشيء، ويقدمون عليه بسرعة.
وفي القاموس: وسرعان الناس، محركة أوائلهم الستبقون إلى الأمر، ويسكن. وقال عياض: ضبطه الأصيلي في البخاري، سرعان الناس بضم السين وإسكان الراء: ووجهه أنه جمع: سريع، كقفيز وقفزان، وكثيب وكثبان (فقالوا: أقصرت الصلاة؟) بهمزة الاستفهام وضم الصاد مبنيًّا للمفعول وفتحها على صيغة المعلوم، وفي رواية ابن عون بحذف همزة الاستفهام (ورجل) هناك (يدعوه النبي ﷺ ذو اليدين) وللأربعة: ذا اليدين، بالنصب أي: يسميه ذا اليدين (فقال) للنبي ﷺ لما غلب عليه من الحرص على تعلم العلم: (أنسيت أم) بالميم، ولأبي الوقت: أو (قصرت)؟ أي: الصلاة بفتح القاف وضم الصاد.
وإنما سكت العمران ولم يسألاه لكونهما هاباه، كما مر، مع علمهما أنه سيبين أمر ما وقع، ولعله كان بعد النهي عن السؤال.
ولم ينفرد ذو اليدين بالسؤال، فعند أبي داود، والنسائي بإسناد صحيح من حديث معاوية بن خديج أنه سأله عن ذلك طلحة بن عبيد الله. ولكنه ذكر فيه أنه كان بقيت من الصلاة ركعة، ويجوز أن تكون العصر فيوافق حديث عمران بن حصين، فيكون قد سأله طلحة مع الخرباق أيضًا.
(فقال) ﵊ (لم أنس) في اعتقادي، لا في نفس الأمر (ولم تقصر) بضم أوله وفتح ثالثه، ولأبي ذر: ولم تقصر، بفتح أوله وضم ثالثه.
وهذا صريح في نفي النسيان، وفي نفي القصر، وهو يفسر المراد بقوله في رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلم: كل ذلك لم يكن، وهو أشمل من لو قيل: لم يكن كل ذلك. لأنه من باب تقوي الحكم، فيفيد التأكيد في المسند والمسند إليه. بخلاف الثاني إذ ليس فيه تأكيد أصلاً، فيصح أن يقال: لم يكن كل ذلك، بل كان بعضه. ولا يصح أن يقال: كل ذلك لم يكن بل بعضه. كما تقرر في البيان، وهذا القول
стр. 886
من رسول الله ﷺ ردّ على ذي اليدين في موضع استعماله الهمزة،
وأم، وليس بجواب، لأن السؤال بالهمزة وأم عن تعيين أحد المستويين، وجوابه تعيين أحدهما، يعني: كل ذلك لم يكن، فكيف تسأل بالهمزة وأم. ولذلك بيّن السائل بقوله، في رواية أبي سفيان: قد كان بعض ذلك.
وفي بعض هذه الرواية (قال: بلى قد نسيت) لأنه لما نفى الأمرين وكان مقررًا عند الصحابي أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان لا القصر، وفائدة جواز السهو في مثل هذا بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره.
(فصلّى ركعتين) بانيًا على ما سبق بعد أن تذكر أنه لم يتمها، كما رواه أبو داود في بعض طرقه، قال: ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك، فلم يقلدهم في ذلك، إذا لم يطل الفصل (ثم سلم، ثم كبر فسجد) للسهو (مثل سجوده أو أطول) منه، (ثم رفع رأسه) من السجود (فكبر، ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول) منه، (ثم رفع رأسه) من السجود (وكبر).
وظاهره الاكتفاء بتكبيرة السجود، ولا يشترط تكبيرة الإحرام، وهو قول الجمهور.
وحكى القرطبي: أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بسلام لا بد له من تكبيرة الإحرام.
ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين في هذا الحديث، قال: فكبر ثم كبر وسجد للسهو. وقال أبو داود: لم يقل أحد: فكبر ثم كبر إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الزيادة. اهـ.
وقد اشتمل حديث الباب على فوائد كثيرة، واستدلّ به من قال من أصحاب الشافعي ومالك أيضًا: إن الأفعال الكثيرة في الصلاة التي ليست من جنسها، إذا وقعت على وجه السهو لا تبطلها، لأنه خرج سرعان الناس، وفي بعض طرق الصحيح أنه، ﵊، خرج إلى منزله، ثم رجع. وفي بعضها: أتى جذعًا في قبلة المسجد واستند إليه وشبك بين أصابعه، ثم رجع ورجع الناس، وبنى بهم. وهذه أفعال كثيرة.
لكن للقائل: بأن الكثير يبطل، أن يقول: هذه غير كثيرة، كما قاله ابن الصلاح، وحكاه القرطبي عن أصحاب مالك.
والرجوع في الكثرة والقلة إلى العرف على الصحيح، والمذهب الذي قطع به جمهور أصحاب الشافعي: أن الناسي في ذلك كالعامد، فيبطلها الفعل الكثير ساهيًا.
ورواة الحديث كلهم بصريون، وفيه: التحديث والعنعنة.
١٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِيِّ حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ. فَلَمَّا أَتَمَّ
صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فَكَبَّرَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ".
تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي التَّكْبِيرِ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي، قال: (حدّثنا ليث) هو: ابن سعد الإمام، وللأصيلي، وابن عساكر: الليث (عن ابن شهاب) الزهري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن عبد الله ابن بحينة) بنت الحرث بن عبد الطلب، وهي: أم عبد الله، أو أم أبيه، ويكتب ابن بحينة بألف قبل الباء، واسم أبيه: مالك بن القشب، بكسر القاف وسكون المعجمة ثم موحدة، جندب (الأسدي) بسكون السين، وأصله: الأزدي نسبة إلى أزد، فأبدلت الزاي سينًا (حليف بني عبد المطلب) الصواب إسقاط بني، لأن جده حالف المطلب بن عبد مناف.
(أن رسول الله، ﷺ ، قام في صلاة الظهر، وعليه جلوس) مع التشهد فيه، وقام الناس معه إلى الثالثة (فلما أتم صلاته) ولم يسلم (سجد سجدتين) للسهو (فكبر) بالفاء، وللأربعة: يكبر، بالمثناة التحتية المضمومة وكسر الموحدة (في كل سجدة، وهو جالس قبل أن يسلم) جملة حالية وسجدهما الناس معه) لأن سهو الإمام غير المحدث يلحق المأموم، بخلاف ما إذا بأن إمامه محدثًا، فلا يلحقه سهوه، ولا يتحمل هو عنه، إذ لا قدوة حقيقة حال السهو (مكان ما نسي من الجلوس) المستلزم تركه ترك التشهد على ما لا يخفى.
(تابعه) أي: تابع الليث (ابن جريج) عبد العزيز بن عبد الملك، مما وصله عبد الرزاق (عن ابن شهاب) الزهري (في التكبير) في سجدتي السهو.
والحديث سبق قريبًا في باب: ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة.
٦ - باب إِذَا لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى -ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا- سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ
(باب) بالتنوين (إذا لم يدر) المصلي (كم صلّى -ثلاثًا أو أربعًا، سجد سجدتين وهو جالس) أي: والحال أنه جالس.
١٢٣١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا -مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ! حَتَّى يَظَلَّ
الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى. فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى -ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا- فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ".
وبالسند قال:
стр. 887
(حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء، الزهراني، قال: (حدّثنا هشام بن أبي عبد الله الدستوائي) بفتح الدال والفوقية مع المدّ (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إذا نودي بالصلاة، أدبر الشيطان وله) وللأصيلي، وابن عساكر: له (ضراط حتى لا يسمع الأذان) أي: أدبر وله ضراط إلى غاية لا يسمع فيها الأذان.
ويحتمل أن تكون: حتى، ليست لغاية الإبعاد في الإدبار، بل غاية للزيادة في الضراط، أي: أنه يقصد بما يفعله من ذلك تصميم أذنه عن سماع صوت المؤذن.
لكن يدل على أن المراد زيادة البعد ما في مسلم عن جابر مرفوعًا: إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة، ذهب حتى يكون مكان الروحاء. قال سليمان، يعني الأعمش، فسألته عن الروحاء، فقال: هي من المدينة على ستة وثلاثين ميلاً.
قال الطيبي: وشبه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له.
(فإذا قضي الأذان) بضم القاف مبنيًا للمفعول، ولأبي ذر: قضى، بفتح القاف مبنيًّا للفاعل، والأذان نصب على المفعولية، أي: فرغ منه (أقبل) الشيطان. (فإذا ثوب بها) بضم المثلثة مبنيًا للمفعول، أي: أقيم (أدبر) الشيطان، (فإذا قضي التثويب) أي: فرغ من الإقامة (أقبل) الشيطان (حتى يخطر). قال القاضي عياض: بكسر الطاء، ضبطته عن المتقنين، وهو الوجه، يعني: يوسوس. وأكثر الرواة على الضم، ومعناه: السلوك والمرور أي: يدنو فيمر (بين المرء) الإنسان (ونفسه) فيذهله عما هو فيه (يقول: اذكر كذا وكذا -ما لم يكن يذكر- حتى يظل الرجل) بفتح الظاء أي: يصير (إن يدري) بكسر الهمزة، وهي نافية أي: ما يدري (كم صلى).
قال المهلب: وإنما يهرب الشيطان من سماع الأذان، ويجيء عند الصلاة، لاتفاق الكل على الإعلان بشهادة التوحيد وإقامة الشريعة، كما يفعل يوم عرفة لما روي من اتفاق الكل على شهادة التوحيد، وتنزل الرحمة، فييأس أن يردّهم عما أعلنوا به من ذلك، ويوقن بالخيبة بما تفضل الله به عليهم من ثواب ذلك، لئلا يسمعه، ويذكر معصية الله ومصادمة أمره، فلا يملك الحدث لما حصل له من الخوف. اهـ.
وقيل: لئلا يسمع الأذان، فيضطر إلى أن يشهد له يوم القيامة، لقوله ﵊: لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة.
أو: هو إبقاء له على مخالفة أمر الله، واستمراره على معصيته وعدم الانقياد إليه فإذا دعا داعي الله، فرّ منه وأعرض عنه، فإذا حضرت الصلاة حضر مع المصلين غير مشارك لهم في الصلاة، بل ساعيًا في إبطالها عليهم، وهذا أبلغ في المعصية مما لو غاب عن الصلاة بالكلية، فصار حضوره عند الصلاة من جنس هربه عند الأذان. قاله في شرح التقريب.
(فإذا لم يدر أحدكم كم صلّى -ثلاثًا أو أربعًا- فليسجد سجدتين وهو جالس) أي: قبل التسليم بعد أن يأخذ بالأقل، لحديث أبي سعيد الخدري، المروي في مسلم: فليطرح الشك وليبن على ما استيقن فيحمل حديث أبي هريرة عليه فيأتي بركعة يتم بها.
قيل: ولا معنى للسجود، والأظهر أن له معنى، وهو تردّده. فإن كان المأتي به زائدًا فالزيادة تقتضيه، وإلا فالتردد يضعف النية، ويحوج إلى الجبر، ولا يقلد غيره، وإن كثروا وراقبوه، لقوله في حديث أبي سعيد المذكور: وليبن على اليقين. ولأنه تردد في فعل نفسه، فلا يأخذ بقول غيره فيه، كالحاكم إذا حكم ونسي حكمه، لا يأخذ بقول الشهود عليه.
٧ - باب السَّهْوِ فِي الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ وَسَجَدَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ وِتْرِهِ
(باب السهو في الفرض والتطوع) أي: هل هما سواء أو يفترق حكمهما.
(وسجد ابن عباس، ﵄¬) مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي العالية (سجدتين بعد وتره) وكان يراه سنة، فدلّ ذلك على أن حكمه كالفرض.
١٢٣٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ».
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي. قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال):
(إن أحدكم إذا قام يصلّي) فرضًا أو نفلاً، فإن قلت: قوله في الرواية السابقة
стр. 888
قبل هذه إذا نودي بالصلاة، قرينة في أن المراد الفريضة، وكذا قوله: إذا ثوب؟
أجيب: بأن ذلك لا يمنع تناول النافلة، لأن الإتيان بها حينئذ مطلوب، لقوله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة".
(جاء الشيطان فلبس عليه) بتخفيف الموحدة المفتوحة على الصحيح، أي: خلط عليه أمر صلاته (حتى لا يدري) أحدكم (كم صلّى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين وهو جالس).
والجمهور على مشروعية سجود السهو في التطوّع إلا ابن سيرين وقتادة، فإنهما قالا: لا سجود فيه.
٨ - باب إِذَا كُلِّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَأَشَارَ بِيَدِهِ وَاسْتَمَعَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا كلم) بضم الكاف وكسر اللام المشددة (وهو يصلّي فأشار بيده واستمع) أي المصلي لم تفسد صلاته.
١٢٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ "أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ ﵃ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا¬ السَّلَامَ مِنَّا جَمِيعًا وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُلْ لَهَا: إِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا. وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْهُمَا. فَقَالَ كُرَيْبٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي، فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ. فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَىَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ قُولِي لَهُ: تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ. فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ".
[الحديث ١٢٣٣ - طرفه في: ٤٣٧٠].
وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) أي: ابن يحيى الجعفي (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو) هو: ابن الحرث (عن بكير) هو: ابن عبد الله بن الأشج (عن كريب) مولى ابن عباس، بضم الموحدة في الأوّل والكاف في الثاني مصغرين.
(أن ابن عباس، والمسور بن مخرمة) بكسر الميم في الأول، وفتحها في الثاني، هو: الزهري الصحابيّ (وعبد الرحمن بن أزهر) على وزن: أفعل، القرشي الزهري الصحابيّ، عم عبد الرحمن بن عوف، (¬﵃، أرسلوه) بالهاء وفي نسخة: أرسلوا، أي: كريبًا (إلى عائشة، ﵂، فقالوا: اقرأ عليها¬ السلام منا جميعًا، وسلها) أصله: اسألها (عن الركعتين) أي: عن صلاتهما (بعد صلاة العصر، وقل لها): (إنا أخبرنا) بضم الهمزة على صيغة المجهول، قيل: المخبر عبد الله بن الزبير (أنك) وللأصيلي: عنك أنك (تُصلّينَهما) بنون قبل الهاء مع التثنية أي: الركعتين، ولابن عساكر في نسخة، وأبوي ذر، والوقت: تصليهما، بحذفها، ولأبي ذر أيضًا، وابن عساكر: تصليها، بحذفها على الإفراد أي: الصلاة (وقد بلغنا).
فيه إشارة إلى أنهم لم يسمعوا ذلك منه، ﷺ ، وقد سمى ابن عباس الواسطة، كما سبق في المواقيت، حيث قال: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر.
(أن النبي، ﷺ ، نهى عنها) أي: عن الصلاة، ولأبي ذر عن الكشميهني: عنه، أي: عن الفعل.
(و) بالإسناد السابق (قال ابن عباس) ﵄: (وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب) ﵁ (عنها) أي: عن الصلاة، أي: لأجلها، وللأصيلي: عنهما. بالتثنية، أي: عن الركعتين، وللكشميهني: عنه، أي: عن الفعل.
وروى ابن أبي شيبة، من طريق الزهري، عن السائب، هو: ابن يزيد، قال: رأيت عمر، ﵁، يضرب المنكدر على الصلاة بعد العصر، ولأبي الوقت في نسخة: عليها.
(فقال) وللأربعة: قال (كريب) بالإسناد السابق.
(فدخلت على عائشة ﵂، فبلغتها ما أرسلوني) به (فقالت: سل أم سلمة، فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة) ﵂ (فقالت أم سلمة، ﵂: سمعت النبي، ﷺ ، ينهى عنها) أي: عن الصلاة (ثم رأيته يصلّيهما) أي: الركعتين (حين صلّى العصر، ثم دخل علي) فصلاهما حينئذ بعد الدخول (وعندي نسوة من بني حرام) بفتح المهملتين (من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها، ويحتمل أن تكون بنتها زينب، لكن في رواية المصنف في المغازي: فأرسلت إليه الخادم (فقلت: قومي بجنبه قولي) ولأبي الوقت، والأصيلي: فقولي (له: تقول لك أم سلمة: يا رسول الله، سمعتك تنهى عن هاتين) ولأبي الوقت في غير اليونينية: عن هاتين الركعتين اللتين بعد العصر (وأراك تصليهما! فإن أشار بيده، فاستأخري عنه؛ ففعلت الجارية) ما أمرت به من القيام والقول (فأشار) ﵊ (بيده، فاستأخرت عنه. فلما انصرف قال):
(يا بنت أبي أمية) هو: والد أم سلمة، واسمه سهيل، أو: حذيفة بن المغيرة المخزومي، ولأبي ذر: يا ابنة أبي أمية (سألت عن الركعتين) اللتين (بعد العصر، وإنه أتاني ناس) ولأبي الوقت، في غير اليونينية: أناس (من عبد القيس) زاد في المغازي: بالإسلام من قومهم، وعند الطحاوي من وجه آخر: فجاءني مال، (فشغلوني
стр. 889
عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان) الركعتان اللتان كنت أصليهما بعد الظهر، فشغلت عنهما فصليتهما الآن.
وقد كان من عادته، ﵊، أنه إذا فعل شيئًا من الطاعات لم يقطعه أبدًا.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: ففعلت الجارية، فكلمته مثل ما قالت لها أم سلمة، فأشار النبي ﷺ بيده.
ورواته ما بين: كوفي ومصري ومدني وفيه أربعة من الصحابة رجلان وامرأتان، والتحديث والإخبار، والعنعنة والقول، والإرسال والبلاغ، وأخرجه أيضًا في: المغازي، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود.
٩ - باب الإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ قَالَهُ كُرَيْبٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب) حكم (الإشارة) الواقعة (في الصلاة) من المصلي (قاله، كريب، عن أم سلمة، ﵂، عن النبي، ﷺ ¬) فيما مر في الحديث السابق.
١٢٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَىْءٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ بِلَالٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حُبِسَ، وَقَدْ حَانَتِ الصَّلَاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَأَقَامَ بِلَالٌ، وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ الْتَفَتَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَىْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ فِي التَّصْفِيقِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَىْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ إِلاَّ الْتَفَتَ. يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: مَا كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي، مولاهم، البغلاني البلخي، قال: (حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله القاري، بتشديد الياء، المدني، نزيل الإسكندرية (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد الساعدي) الأنصاري (¬﵁¬).
(أن رسول الله، بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء) وهو: أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله ﷺ (فخرج رسول الله ﷺ يصلح بينهم في أناس معه، فحبس رسول الله ﷺ ، وحانت الصلاة) صلاة العصر، (فجاء بلال) المؤذن لما حضرت العصر (إلى أبي بكر ﵁¬).
وكان ﵊ قال لبلال: إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس.
(فقال: يا أبا بكر! إن رسول الله ﷺ قد حبس، وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال) أبو بكر: (نعم) أؤمهم (إن شئت).
(فأقام بلال) الصلاة (وتقدم أبو بكر، ﵁، فكبر للناس) أي: تكبيرة الإحرام لأجل الناس (وجاء رسول الله، ﷺ ، يمشي في الصفوف حتى قام في الصف، فأخذ الناس في التصفيق) شرعوا فيه، وهذا موضع الترجمة، لأن التصفيق يكون باليد وحركتها به كحركتها بالإشارة (وكان أبو بكر، ﵁، لا يلتفت في صلاته) لعلمه بالنهي عنه. (فلما أكثر الناس) التصفيق (التفت) أبو بكر (فإذا رسول الله، ﷺ ، فأشار إليه رسول الله، ﷺ ، يأمره أن يصلّي) بالناس (فرفع أبو بكر، ﵁، يديه، فحمد الله) بلفظه صريحًا، أو: رفع رأسه إلى السماء شكرًا لله تعالى (ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف) وفهم الصديق أن الأمر للتكريم لا للإيجاب، وإلا لم تجز له المخالفة (فتقدم رسول الله، ﷺ ، فصلّى للناس) وللكشميهني: بالناس، بالموحدة بدل اللام (فلما فرغ أقبل على الناس، فقال):
(يا أيها الناس) وللأربعة: وقال أيها الناس (ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم) شرعتم (في التصفيق؟ إنما التصفيق للنساء من نابه شيء في صلاته) وفي نسخة: في الصلاة (فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت. يا أبا بكر! ما منعك أن تصلي للناس حين أشرت إليك؟ فقال أبو بكر، ﵁: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة) بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة وبعد الألف فاء اسمه عثمان بن عامر، ولم يقل: ما لي، ولا: ما لأبي بكر؟ تحقيرًا لنفسه (أن يصلّي بين يدي رسول الله، ﷺ ¬) لأن الإمامة محل رياسة وموضع فضيلة.
١٢٣٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ "دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَهِيَ تُصَلِّي قَائِمَةً وَالنَّاسُ قِيَامٌ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَقَالَتْ بِرَأْسِهَا أَىْ نَعَمْ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) الجعفي، الكوفي، نزيل مصر، قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله قال: (حدّثنا) سفيان (الثوري) بالمثلثة (عن هشام) هو، ابن عروة بن الزبير (عن فاطمة) بنت المنذر بن الزبير (عن أسماء) بنت أبي بكر الصديق (قالت):
(دخلت على عائشة) بنت الصديق (¬﵂، وهي تصلي) حال كونها (قائمة والناس قيام، فقلت: ما شأن الناس؟) جملة اسمية من مبتدأ وخبر، وقعت مقول القول (فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت) ولأبي ذر: قلت: (آية؟) بحذف
стр. 890
همزة الاستفهام، خبر مبتدأ محذوف، أي هي علامة لعذاب الناس (فقالت) ولأبي ذر: فأشارت (برأسها، أي: نعم) تفسير لقولها فأشارت.
وهو قطعة من حديث سبق في باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس من باب العلم.
١٢٣٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ -وَهُوَ شَاكٍ- جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) وللأصيلي إسماعيل بن أبي أويس (قال حدَّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن هشام) هو: ابن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة، ﵂، زوج النبي ﷺ ، أنها قالت صلّى رسول الله، ﷺ ، في بيته -وهو شاك-) بتخفيف الكاف، وأصله: شاكي نحو: قاض، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت. وهو من الشكاية وهي المرض، أي: شاك عن مزاجه لانحرافه عن الصحة، وللأصيلي وابن عساكر، وأبي الوقت: شاكي بإثبات الياء (جالسًا) نصب على الحال (وصلّى وراءه قوم) حال كونهم (قيامًا، فأشار إليهم) بيده (أن اجلسوا، فلما انصرف) ﷺ من الصلاة (قال):
(إنما جعل الإمام ليؤتم به) أي: يقتدى به ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه، ولا يتقدم في موقفه (فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع) رأسه (فارفعوا) رؤوسكم. والفاء فيهما للتعقيب.
وسبق الحديث في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٣ - كتاب الجنائز
(بسم الله الرحمن الرحيم).
١ - باب فِي الْجَنَائِزِ، وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ
وَقِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلاَّ لَهُ أَسْنَانٌ فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلاَّ لَمْ يُفْتَحْ لَكَ.
(باب) بالتنوين، وهو ساقط لأبي ذر (في الجنائز) بفتح الجيم، جمع جنازة بالفتح والكسر: اسم للميت في النعش، أو بالفتح: اسم لذلك، وبالكسر اسم للنعش وعليه اليت، وقيل عكسه، وقيل: هما لغتان فيهما، فإن لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش.
وهي: من جنزه يجنزه إذا ستره. ذكره ابن فارس وغيره، وقال الأزهري: لا يسمى جنازة حتى يشد الميت عليه مكفنًا.
وذكر هذا الباب هنا دون الفرائض لاشتماله على الصلاة، ولأبي الوقت، والأصيلي: كتاب الجنائز، بسم الله الرحمن الرحيم، باب ما جاء في الجنائز.
ولابن عساكر: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الجنائز.
(ومن كان آخر كلامه) عند خروجه من الدنيا: (لا إله إلا الله) أي: دخل الجنة. كما رواه أبو داود بإسناد حسن، والحاكم بإسناد صحيح، فحذف جواب من، وآخر: بالنصب لأبي ذر، خبر كان تقدم على اسمها، وهو: لا إله إلا الله. وساغ كونها مسندًا إليها مع أنها جملة لأن المراد بها لفظها، فهي في حكم الفرد.
ولغير أبي ذر: آخر، بالرفع اسم كان، وكأنه لم يثبت عند المؤلّف في التلقين حديث على شرطه، فاكتفى بما يدل عليه.
ولمسلم من حديث أبي هريرة، من وجه آخر: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله". قال في المجموع: أي من قرب موته.
وهذا من باب تسمية الشيء باسم ما يصير إليه، كقوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] فيذكر عند المحتضر: لا إله إلا الله ليتذكر، بلا زيادة عليها، فلا تسن زيادة: محمد رسول الله، لظاهر الأخبار.
وقيل: تسن زيادته لأن المقصود بذلك التوحيد. ورد: بأن هذا موحد.
ويؤخذ من هذه العلة ما بحثه الأسنوي، أنه: لو كان كافرًا لقن الشهادتين وأمر بهما.
(وقيل لوهب بن منبه) بكسر الموحدة، مما وصله المؤلّف في التاريخ، وأبو نعيم في الحلية: (أليس لا إله إلا الله) أي: كلمتا الشهادة (مفتاح الجنة؟) بنصب مفتاح في رواية أبي ذر ورفعه لغيره على أنه خبر ليس، أو اسمها. (قال) وهب: (بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان) جياد (فتح لك). فهو من باب حذف النعت إذا دل السياق عليه، لأن مسمى المفتاح لا يعقل إلا بالأسنان.
ومراده بالأسنان الأعمال المنجية المنضمة إلى كلمة التوحيد وشبهها، بأسنان المفتاح من حيث الاستعانة بها في فتح المغلقات وتيسير المستصعبات.
وقول الزركشي، أراد بها القواعد التي بني الإسلام عليها، تعقبه في المصابيح: بأن من جملة القواعد كلمة الشهادة التي عبر عنها بالمفتاح، فكيف تجعل بعد ذلك من الأسنان؟.
(وإلاّ) بأن جئت بمفتاح لا أسنان له (لم يفتح لك) فتحًا تامًا: أو في أول الأمر.
وهذا بالنسبة إلى الغالب، وإلاّ فالحق أن أهل الكبائر في مشيئة الله تعالى، ومن قال: لا إله إلا الله مخلصًا أتي بمفتاح له أسنان، لكن
стр. 891
من خلط ذلك بالكبائر مات مصرًا عليها، لم تكن أسنانه قوية، فربما طال علاجه.
وهذا رواه ابن إسحاق في السير، مرفوعًا بلفظ: إن النبي، ﷺ ، لما أرسل العلاء بن الحضرمي قال له: إذا سئلت عن مفتاح الجنة؟ فقل: مفتاحها لا إله إلا الله.
وروي عن معاذ بن جبل، مما أخرجه البيهقي في الشعب، مرفوعًا نحوه، وزاد: ولكن مفتاح بلا أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلاّ لم يفتح لك.
وهذه الزيادة نظير ما أجاب به وهب، فيحتمل أن تكون مدرجة في حديث معاذ.
١٢٣٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي -أَوْ قَالَ: بَشَّرَنِي- أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ".
[الحديث ١٢٣٧ - أطرافه في: ١٤٠٨، ٢٣٨٨، ٣٢٢٢، ٥٨٢٧، ٦٢٦٨، ٦٤٤٣، ٦٤٤٤، ٧٤٨٧].
وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي. قال: (حدّثنا مهدي بن ميمون) بفتح الميم فيهما، الأزدي، قال: (حدّثنا واصل) هو: ابن حيان بفتح المهملة وتشديد المثناة التحتية (الأحدب، عن المعرور) بفتح الميم وإسكان العين المهملة وبالراء المكررة (ابن سويد، عن أبي ذر) جندب بن جنادة (¬﵁، قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(أتاني) في المنام (آت) هو جبريل (من ربي فأخبرني -أو قال: بشرني-) جزم في التوحيد بقوله: فبشرني (أنه من مات من أمتي) أمة الإجابة أو أمة الدعوة (لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) نفي الشرك يستلزم إثبات التوحيد.
قال أبو ذر: (قلت) لأبي الوقت في نسخة، ولأبي ذر: فقلت: أيدخل الجنة (وإن زنى وإن سرق) وللترمذي، قال أبو ذر: يا رسول الله! وجملة الشرط في محل نصب على الحال.
(قال: وإن زنى وإن سرق) يدخل الجنة.
لا يقال: مفهوم الشرط أنه إذا لم يزن ولم يسرق لا يدخل إذ انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، لأنه على حد: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه"، فمن لم يزن ولم يسرق أولى بالدخول ممن زنى وسرق.
واقتصر من الكبائر على نوعين، لأن الحق إما لله، أو: للعباد، فأشار بالزنا إلى حق الله، وبالسرقة إلى حق العباد. لكن الذي استقرت عليه قواعد الشرع أن حقوق الآدميين لا تسقط بمجرد الموت على الإيمان نعم، لا يلزم من عدم سقوطها أن لا يتكفل الله بها عمن يريد أن يدخله الجنة.
ومن ثم، ردّ ﷺ ، على أبي ذر استبعاده، أو المراد بقوله: دخل الجنة أي: صار إليها إما ابتداءً من أول الحال، وإما بعد أن يقع ما يقع من العذاب، نسأل الله العفو والعافية.
وفي الحديث دليل على أن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان، فإن من ليس بمؤمن لا يدخل الجنة وفاقًا، وأنها لا تحيط الطاعات.
١٢٣٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ. وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ".
[الحديث ١٢٣٨ - طرفاه في: ٤٤٩٧، ٦٦٨٣].
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) النخعي، قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث (قال: حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا شقيق) أبو وائل بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁، قال: قال رسول الله ﷺ ¬) كلمة:
(من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار) وسقط لأبي ذر، وابن عساكر: شيئًا.
قال ابن مسعود: (وقلت أنا:) كلمة أخرى (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) لأن انتفاء السبب يوجب انتفاء المسبب. فإذا انتفى الشرك انتفى دخول النار، وإذا انتفى دخول النار لزم دخول الجنة، إذ لا دار بين الجنة والنار.
وأصحاب الأعراف قد عرف استثناؤهم من العموم، ولم تختلف الروايات في الصحيحين في أن المرفوع: الوعيد، والموقوف: الوعد.
نعم، قال النووي: وجد في بعض الأصول المعتمدة من صحيح مسلم عكس هذا، قال رسول الله ﷺ : "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة"، قلت أنا: ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار.
وهكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين، عن صحيح مسلم، وكذا رواه أبو عوانة في كتابه المخرج على مسلم، والظاهر أن ابن مسعود نسي مرة، وهي الرواية الأولى، وحفظ مرة وهى الأخرى فرواهما مرفوعين، كما رواهما جابر عند مسلم بلفظ: قيل يا رسول الله، ما الموجبتان؟
قال: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" لكن: قال في الفتح: إنه وهم، وإن الإسماعيلي بيَّن أن المحفوظ عن وكيع كما في البخاري، وبذلك جزم ابن خزيمة في صحيحه.
والصواب رواية الجماعة.
وتعقبه العيني فقال: كيف يكون وهمًا وقد وقع عند مسلم؟ كذا قال: فليتأمل.
قال في المصابيح: وكأن المؤلّف أراد أن يفسر معنى قوله: من كان آخر كلامه بالموت على الإيمان حكمًا أو لفظًا، ولا يشترط أن يتلفظ
стр. 892
بذلك عند الموت، إذا كان حكم الإيمان بالاستصحاب.
وذكر قول وهب أيضًا تفسيرًا لكون مجرد النطق لا يكفي، ولو كان عند الخاتمة، حتى يكون هناك عمل، خلافًا للمرجئة، وكأنه يقول: لا تعتقد الاكتفاء بالشهادة، وإن قارنت الخاتمة، ولا تعتقد الاحتياج إليها قطعًا إذا تقدمت حكمًا، والله أعلم.
ورواة حديث الباب كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وفيه: التحديث
والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في: التفسير، والإيمان، والنذور، ومسلم في: الإيمان، والنسائي في: التفسير:
٢ - باب الأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ
(باب الأمر باتباع الجنائز).
١٢٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قال حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَشْعَثِ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ. وَنَهَانَا عَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ، وَالْحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالْقَسِّيِّ، وَالإِسْتَبْرَقِ".
[الحديث ١٢٣٩ - أطرافه في: ٢٤٤٥، ٥١٧٥، ٥٦٣٥، ٥٦٥٠، ٥٨٣٨، ٥٨٤٩، ٥٨٦٣، ٦٢٢٢، ٦٢٣٥، ٦٦٥٤].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قال: حدّثنا شعبة) ابن الحجاج (عن الأشعث) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح المهملة ثم مثلثة، ابن أبي الشعثاء المحاربي (قال: سمعت معاوية بن سويد بن مقرن) بميم مضمومة فقاف مفتوحة فراء مشددة مكسورة (عن البراء) بتخفيف الراء، وللأصيلي، وابن عساكر، وأبي الوقت: عن البراء بن عازب (¬﵁ قال):
(أمرنا النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا باتباع الجنائز) وهو فرض كفاية، وظاهر قوله: اتباع الجنائز أنه بالمشي خلفها، وهو أفضل عند الحنفية.
والأفضل عند الشافعية المشي أمامها لحديث أبي داود وغيره بإسناد صحيح. عن ابن عمر، قال: رأيت النبي، ﷺ ، وأبا بكر وعمر يمشون أمان الجنازة، ولأنه شفيع، وحق الشفيع أن يتقدم.
وأما حديث: امشوا خلف الجنازة، فضعيف.
وأجابوا عن حديث الباب: بأن الاتباع محمول على الأخذ في طريقها، والسعي لأجلها، كما يقال: الجيش يتبع السلطان، أي: يتوخى موافقته، وإن تقدم كثير منهم في المشي والركوب.
وعند المالكية ثلاثة أقوال: التقدم، والتأخر، وتقدم الماشي وتأخر الراكب. وأما النساء فيتأخرن بلا خلاف.
(وعيادة المريض) أي: زيارته، مسلم أو ذمي، قريب للعائد أو جار له، وفاء بصلة الرحم وحق الجوار، وهي فضيلة لها ثواب، إلا أن لا يكون للمريض متعهد فتعهده لازم.
وفي مسلم، عن ثوبان: أن رسول الله ﷺ قال: إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في مخرفة الجنة حتى يرجع. وأراد بالمخرفة: البستان، يعني يستوجب الجنة ومخارفها.
وفي البخاري، عن أنس قال: كان غلام يهودي يخدم النبي، ﷺ ، فمرض، فأتاه النبي- ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه، وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار.
قال في المجموع: وسواء الرمد وغيره، وسواء الصديق والعدوّ ومن يعرفه ومن لا يعرفه، لعموم الأخبار.
قال: والظاهر أن المعاهد والمستأمن كالذمي.
قال: وفي استحباب عيادة أهل البدع المنكرة، وأهل الفجور، والمكوس، إذا لم تكن قرابة، ولا جوار، ولا رجاء توبة، نظر. فإنا مأمورون بمهاجرتهم. ولتكن العبادة غبًا فلا يواصل كل يوم إلا أن يكون مغلوبًا، ومحل ذلك في غير القريب والصديق ونحوهما ممن يستأنس به المريض، أو يتبرك به، أو يشق عليه عدم رؤيته كل يوم. أما هؤلاء فيواصلونها ما لم ينهوا أو يعلموا كراهته لذلك.
وقول الغزالي: إنما يعاد بعد ثلاث، لخبر ورد فيه، ردّ بأنه موضوع، ويدعو له وينصرف، ويستحب أن يقول في دعائه: أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يشفيك. سبع مرات رواه الترمذي، وحسنه. ويخفف المكث عنده، بل تكره إطالته لما فيه من إضجاره، ومنعه من بعض تصرفاته.
(وإجابة الداعي) إلى وليمة النكاح، وهي لازمة إذا لم يكن ثمة ما يتضرر به في الدين، من الملاهي، ومفارش الحرير، ونحوهما.
(ونصر المظلوم) مسلمًا كان أو ذميًا بالقول أو بالفعل.
(وإبرار القسم) بقتحات وكسر همزة إبرار: إفعال من البرّ، خلاف الحنث. ويروى: المقسم، بضم الميم وسكون القاف وكسر السين، أي: تصديق من أقسم عليك، وهو أن يفعل ما سأله الملتمس، وأقسم عليه أن يفعله.
يقال: برّ وأبرّ القسم إذا صدقه، وقيل: المراد من المقسم الحالف، ويكون المعنى: أنه لو حلف أحد على أمر مستقبل وأنت تقدر على تصديق
стр. 893
يمينه، كما لو أقسم يفارقك حتى تفعل كذا وكذا، وأنت تستطيع فعله، كيلا تحنث يمينه، وهو خاص فيما يجعل من مكارم الأخلاق، فإن ترتب على تركه مصلحة فلا، ولذا قال، ﵊، لأبي بكر في قصة تعبير الرؤيا: "لا تقسم". حين قال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بالذي أصبت.
(ورد السلام) وهو فرض كفاية عند مالك والشافعي، فإن انفرد المسلم عليه تعين عليه.
(وتشميت العاطس) إذا حمد الله، بالشين المعجمة والمهملة في: تشميت، والمعجمة أعلاهما مشتق من الشوامت وهي القوائم، كأنه دعا بالثبات على طاعة الله، فيقول: يرحمك الله، وهو سنة على الكفاية.
(ونهانا عن آنية الفضة) وفي رواية: عن سبع: آنية الفضة، بالجر بدل من سبع وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، -أي: آنية الفضة، وهي حرام على العموم للسرف والخيلاء.
(و) عن (خاتم الذهب) وهو حرام أيضًا (و) عن (الحرير) وهو حرام على الرجال دون النساء كسابقه، فإطلاق النهي مع كونهن يباح لهن بعضها، دخله التخصيص بدليل آخر، كحديث: "هذان، أي: الذهب والحرير- حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها".
(و) عن (الديباج) الثياب المتخذة من الإبريسم (و) عن (القسي) بقاف مفتوحة فسين مهملة مشددة مكسورة، وفسرت في كتاب اللباس: بأنها ثياب يؤتى بها من الشام أو مصر، مضلعة، فيها حرير أمثال الأترج، أو كتان مخلوط بحرير وقيل من القز، وهو رديء الحرير (و) عن (الإستبرق) بكسر الهمزة غليظ الديباج.
وسقط من هذا الحديث الخصلة السابعة، وهي: ركوب المياثر، بالمثلثة. وقد ذكرها في: الأشربة واللباس، وهي الوطاء يكون على السرج من حرير أو صوف أو غيره، لكن الحرمة متعلقة بالحرير، كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
وذكر الثلاثة بعد الحرير من باب ذكر الخاص بعد العام اهتمامًا بحكمها، أو دفعًا لتوهم أن اختصاصها باسم يخرجها عن حكم العام، أو أن العرف فرق أسماءها لاختلاف مسمياتها، فربما توهم متوهم أنها غير الحرير.
فإن قلت: قد تعمل من غير الحرير مما يحل، فما وجه النهي؟.
أجيب: بأن النهي قد يكون للكراهة، كما أن المأمورات بعضها للوجوب وبعضها للندب. وإطلاق النهي فيها استعمال للفظ في حقيقته ومجازه، وهو جائز عند الشافعي، ومن يمنع ذلك يجعله لقدر مشترك بينهما مجازًا. ويسمى بعموم المجاز.
فإن قيل: كيف يقول الشافعي ذلك مع أن شرط المجاز أن يكون معه قرينة تصرفه عن الحقيقة؟.
قيل: المراد قرينة تقتضي إرادة المجاز أو أن يصرف عن الحقيقة أوّلاً، وقد جوّزوا في الكناية نحو: الرماد، إرادة المعنى الأصلي مع إرادة لازمه، فكذا المجاز.
ورواة الحديث ما بين: بصري وواسطي وكوفي، وفيه: التحديث والسماع والقول، وأخرجه أيضًا في: المظالم واللباس والطب والنذور والنكاح والاستئذان والأشربة.
ومسلم في: الأطعمة، والترمذي في الاستئذان واللباس، والنسائي في الجنائز والإيمان والنذور والزينة، وابن ماجة في: الكفارات واللباس.
١٢٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ".
تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. وَرَوَاهُ سَلَامَةُ عَنْ عُقَيْلٍ.
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو الذهلي، كما قال الكلاباذي قال: (حدّثنا عمرو بن أبي سلمة) بفتح اللام التنيسي (عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن شهاب) الزهري (قال أخبرني) بالإفراد أيضًا (سعيد بن المسيب) بفتح المثناة التحتية المشدّدة (أن أبا هريرة، ﵁، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول):
(حق المسلم على المسلم خمس) يعم وجوب العين، والكفاية، والندب: (رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة) بفتح الدال (وتشميت العاطس)، إذا حمد، ويستوي في هذه الخمس جميع المسلمين: برّهم وفاجرهم، وعطف المندوب على الواجب سائغ إن دل عليه القرينة، كما يقال: صم رمضان وستًا من شوّال، وزاد مسلم، في رواية سادسة: وإذا استنصحك فانصح له.
(تابعه) أي: تابع عمرو بن أبي سلمة (عبد الرزاق) بن همام (قال: أخبرنا معمر) هو: ابن راشد، وهذه المتابعة ذكرها مسلم.
(ورواه سلامة) بتخفيف اللام، ولأبي ذر: سلامة بن روح، بفتح الراء ابن خالد (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف: ابن خالد، وهو عم سلامة السابق.
стр. 894
٣ - باب الدُّخُولِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ إِذَا أُدْرِجَ فِي كَفَنِهِ
(باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج) أي: لف (في أكفانه) بالجمع، ولغير الأربعة: كفنه.
١٢٤١ و ١٢٤٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ وَيُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: "أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ
﵁ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ ﷺ -وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ- فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ: أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا". قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ خَرَجَ وَعُمَرُ ﵁ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى. فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى. فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ -إِلَى- الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلاَّ يَتْلُوهَا".
[الحديث ١٢٤١ - أطرافه في: ٣٦٦٧، ٣٦٦٩، ٤٤٥٢،
٤٤٥٥، ٥٧١٠]،
[الحديث ١٢٤٢ - أطرافه في: ٣٦٦٨، ٣٦٧٠، ٤٤٥٣، ٤٤٥٤، ٤٤٥٧، ٥٧١١].
وبالسند قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، السختياني المروزي (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك (قال: أخبرني) بالإفراد (معمر) هو ابن (راشد ويونس) بن يزيد، كلاهما (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أن عائشة ﵂، زوج النبي، ﷺ ¬)، وسقط في رواية أبي ذر: زوج النبي. الخ … (أخبرته، قالت: أقبل أبو بكر) الصديق (¬﵁، على فرسه من مسكنه بالسنح) بضم المهملة والنون، وتسكن. وبالحاء المهمة، منازل بني الحرث بن الخزرج بالعوالي (حتى نزل) عن فرسه (فدخل المسجد) النبوي، (فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، ﵂، فتيمم) أي: قصد (النبي، ﷺ -وهو مسجى) بضم الميم وفتح السين والجيم المشددة، أي: مغطى (ببرد حبرة-) كعنبة، بإضافة برد، أو بوصفه: ثوب يماني مخطط أو أخضر (فكشف عن وجهه) الشريف، (ثم أكبّ عليه) لازم وثلاثيه: كب، متعد عكس ما هو مشهور من قواعد التصريف، فهو من النوادر (فقبله) بين عينيه (ثم بكى) اقتداء به، ﵊، حيث دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت، فأكب عليه وقبله، ثم بكى حتى سالت دموعه على وجنتيه، رواه الترمذي. (فقال: بأبي أنت وأمي) الباء في بأبي تتعلق بمحذوف اسم أي: أنت مفدى بأبي، فيكون مرفوعًا مبتدأ وخبرًا، أو فعل فيكون ما بعده نصبًا، أي فديتك بأبي (يا نبي الله، لا يجمع الله) برفع يجمع (عليك موتتين) في الدنيا.
أشار به إلى الرد على من زعم أنه: يحيا فيقطع أيدي رجال. لأنه لو صح ذلك لزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين، كما جمعهما على غيره، كالذي مرّ على قرية، أو لأنه يحيا في قبره ثم لا يموت.
(أما الموتة التي كتبت عليك) بصيغة المجهول، وللحموي والمستملي: كتب الله عليك (فقد متها).
(قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن: (فأخبرني ابن عباس، ﵄¬):
(أن أبا بكر، ﵁، خرج وعمر، ﵁، يكلم الناس، فقال) له (اجلس فأبى) أن يجلس لما حصل له من الدهشة والحزن (فقال: أجلس. فأبى. فتشهد أبو بكر، ﵁، فمال إليه الناس، وتركوا عمر) ﵁، (فقال) أبو بكر: (أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا، ﷺ ، قد مات. ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ إلى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾) [آل عمران: ١٤٤] قرأها تعزيًا وتصبرًا، ولأبي ذر، والأصيلي ﴿إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾.
(والله)، ولأبي ذر: فوالله (لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل الأية) ولأبي الوقت، والأصيلي: أنزلها، يعني هذه الآية، (حتى تلاها أبو بكر، ﵁، فتلقاها منه الناس، فما يُسمع بشر إلا يتلوها).
ورواة هذا الحديث ما بين: مروزي وبصري وأيلي ومدني، وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن تابعي عن صحابية، والتحديث والإخبار والقول، وأخرجه أيضًا في: المغازي، وفي: فضل أبي بكر، النسائي في: الجنائز، وكذا ابن ماجة.
١٢٤٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ -امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً، فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ. وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي -وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ- مَا يُفْعَلُ بِي. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة، قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (خارجة بن زيد بن ثابت) أحد الفقهاء السبعة بالمدينة (أن أم العلاء) بنت الحرث بن ثابت (امرأة من الأنصار) عطف بيان أو رفع بتقدير: هي امرأة (بايعت النبي، ﷺ أخبرته) في موضع رفع خبر أن:
(أنّه اقتسم المهاجرون قرعة) الهاء ضمير الشأن، واقتسم: بضم التاء مبنيًا للمفعول، وتاليه نائب الفاعل. وقرعة نصب بنزع الخافض، أي: بقرعة. أي: اقتسم الأنصار المهاجرين بالقرعة في
نزولهم عليهم، وسكناهم في منازلهم، لما دخلوا عليهم المدينة (فطار لنا عثمان بن مظعون) بالظاء المعجمة والعين المهملة، الجمحي القرشي، أي: وقع في سهمنا (فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعه الذي توفّيَ فيه، فلما توفي
стр. 895
وغسل وكفن في أثوابه، دخل رسول الله ﷺ ¬) عليه (فقلت: رحمة الله عليك يا أبا السائب) بالسين المهملة، وهي كنية عثمان (فشهادتي عليك) أي: لك، (لقد أكرمك الله) جملة من المبتدأ والخبر.
ومثل هذا التركيب يستعمل عرفًا، ويراد به معنى القسم، كأنها قالت: أقسم بالله لقد أكرمك الله.
(فقال النبي ﷺ ¬):
(وما يدريك) بكسر الكاف، أي: من أين علمت (أن الله كرمه) أي: عثمان، ولأبي ذر: أن الله قد أكرمه؟ (فقلت: بأبي أنت) مفدى أو: أفديك به (يا رسول الله، فمن يكرمه الله) إذا لم يكن هو من المكرمين، مع إيمانه وطاعته الخالصة؟ (فقال) ﵇ وللأصيلي: قال:
(أما هو) أي: عثمان (فقد جاءه اليقين) أي: الموت (والله إني لأرجو له الخير) وأما غيره فخاتمة أمره غير معلومة، أهو ممن يرجى له الخير عند اليقين أم لا (والله ما أدري -وأنا رسول الله ما يفعل بي) ولا بكم، هو موافق لما في سورة الأحقاف.
وكان ذلك قبل نزول آية الفتح ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] لأن الأحقاف مكية، والفتح مدنية بلا خلاف فيهما، وكان أولاً لا يدري لأن الله لم يعلمه، ثم درى بأن أعلمه الله بعد ذلك.
أو المراد: ما أدري ما يفعل بي، أي في الدنيا من نفع وضر، وإلاّ فاليقين القطعي بأنه خير البرية يوم القيامة، وأكرم الخلق. قاله القرطبي، والبرماوي.
وقال البيضاوي، أي في الدارين على التفصيل، إذ لا علم بالغيب، ولا لتأكيد النفي المشتمل على ما يفعل بي و: ما، إما موصولة منصوبة، أو: استفهامية مرفوعة. انتهى.
فأصل الإكرام معلوم، قال البرماوي: وكثير من التفاصيل: أي: معلوم أيضًا. فالخفي بعض التفاصيل.
وأما قول البرماوي، كالكرماني والزركشي، وسيأتي في سورة الأحقاف: إنها منسوخة بأوّل سورة الفتح، تعقبه في المصابيح بأنه خبر، وهو لا يدخله النسخ، فلا يقال: فيه: منسوخ وناسخ.
انتهى.
ولأبي ذر، عن الكشميهني: ما يفعل به أي: بعثمان.
قال في الفتح وهو غلط منه، فإن المحفوظ في رواية الليث هذا، ولذا عقبه المصنف برواية نافع بن يزيد عن عقيل التي لفظها: ما يفعل به.
(قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا).
وفي الحديث أنه لا يجزم في أحد بأنه من أهل الجنة إلا إن نص عليه الشارع كالعشرة، لا سيما والإخلاص أمر قلبي لا يطلع عليه.
ورواته ما بين: مصري بالميم، وأيلي، ومدني. وفيه: التحديث والإخبار، والعنعنة، وتابعي عن تابعي عن صحابية. وأخرجه أيضًا في: الجنائز، والشهادات، والتفسير، والهجرة، والتعبير، والنسائي في الرؤيا.
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ … مِثْلَهُ. وَقَالَ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ "مَا يُفْعَلُ بِهِ".
وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ.
[الحديث ١٢٤٣ - أطرافه في: ٢٦٨٧، ٣٩٢٩، ٧٠٠٣، ٧٠٠٤، ٧٠١٨].
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين وفتح الفاء وسكون التحتية ثم راء، نسبة لجدّه، واسم أبيه: كثير المصري (قال: حدّثنا الليث) ابن سعد (مثله) أي: مثل الحديث المذكور.
(وقال نافع بن يزيد) مولى شرحبيل بن حسنة القرشي المصري، مما وصله الإسماعيلي (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف: (ما يفعل به) بالهاء بدل الياء، أي: بعثمان، لأنه لا يعلم من ذلك إلا ما يوحى إليه، واكتفى المؤلّف بهذا القدر، إشارة إلى أن باقي الحديث متفق عليه.
(وتابعه شعيب) هو: ابن أبي حمزة، مما وصله المؤلّف في الشهادات (وعمرو بن دينار) بفتح العين، مما وصله ابن أبي عمر في مسنده، عن ابن عيينة عنه، (ومعمر) مما وصله المؤلّف في باب العين الجارية من: كتاب التعبير، من طريق ابن المبارك عنه.
١٢٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ" تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ جَابِرًا ﵁.
[الحديث ١٢٤٤ - أطرافه في: ١٢٩٣، ٢٨١٦، ٤٠٨٠].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة (قال: حدّثنا غندر) بضم الغين المعجمة، محمد بن جعفر البصري، (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (¬﵄، قال):
(لما قتل أبي) عبد الله بن عمرو يوم أحد، في شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكان المشركون مثلوا به، جدعوا أنفه وأذنيه (جعلت أكشف الثوب عن وجهه) حال كوني (أبكي) عليه (وينهوني) وللكشميهني والأصيلي، وأبي الوقت: ينهونني، بزيادة نون ثانية بعد الواو على الأصل (عنه) أي: عن البكاء، ولفظة عنه، ساقطة لأبي ذر، (والنبي، -صَلَّى اللَّهُ
стр. 896
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا ينهاني) عنه (فجعلت عمتي) شقيقة أبي عبد الله بن عمرو (فاطمة تبكي، فقال النبي، ﷺ ،) معزيًا لها، ومخبرًا لها بما آل إليه من الخير.
(تبكين أو لا تبكين، ما) ولأبوي: ذر والوقت، والأصيلي: فما (زالت الملائكة تظله بأجنحتها) مجتمعين عليه، متزاحمين على المبادرة لصعودهم بروحه، وتبشيره بما أعد الله له من الكرامة، أو: أظلوه من الحر لئلا يتغير، أو: لأنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: و: أو، ليست للشك، بل من كلامه ﵊، للتسوية بين البكاء وعدمه. أي: فوالله إن الملائكة تظله، سواء تبكين أم لا.
(حتى رفعتموه) من مقتله، وهذا قاله ﵊ بطريق الوحي، فلا يعارضه ما في حديث أم العلاء السابق، لأنه أنكر عليها قطعها، إذ لم تعلم هي من أمره شيئًا.
وقد أخرج هذا الحديث المؤلّف أيضًا في: الفضائل، والنسائي في الجنائز، والمناقب. ومطابقته للترجمة في قوله: اجعلت أكشف الثوب عن وجهه، لأن الثوب أعم من أن يكون الذي سجوه به ومن الكفن.
(تابعه) أي تابع شعبة (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز، قال: (أخبرني) بالإفراد (ابن المنكدر) ولأبوي: ذر، والوقت، وابن عساكر في نسخة: أخبرني محمد بن المنكدر أنه (سمع جابرًا، ﵁¬).
وهذا وصله مسلم من طريق عبد الرزاق عنه، وأوله: جاء قومي بأبي قتيلاً يوم أحد …
وذكر المؤلّف هذه المتابعة لينفي ما وقع في ابن ماهان، من صحيح مسلم، عن عبد الكريم، عن محمد بن علي بن حسين، عن جابر: فجعل محمد بن علي، بدل: محمد بن المنكدر، فبين البخاري أن الصواب: محمد بن المنكدر، كما رواه شعبة.
٤ - باب الرَّجُلِ يَنْعَى إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ
(باب الرجل ينعى) الميت، حذف مفعول ينعى: وهو الميت، لدلالة الكلام عليه. وذكر المفعول الآخر الذي عدي له بحرف الجر. أي: يظهر خبر موته (إلى أهل الميت بنفسه) ولا يستنيب فيه أحدًا، ولو كان رفيعًا. والتأكيد، أي في قوله: بنفسه، للضمير المستكن في ينعى، فهو عائد إلى الناعي لا المنعي، أو يرجع الضمير إلى المنعي وهو الميت، أي ينعى إلى أهل الميت نفس الميت، أو بسبب ذهاب نفسه.
وفائدة الترجمة بذلك دفع توهم أن هذا من إيذاء أهل الميت، وإدخال المساءة عليهم، والإشارة إلى أنه مباح. بل صرح النووي، في: المجموع، باستحبابه، لحديث الباب. ولنعيه جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، ولما يترتب عليه من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره للصلاة عليه، والدعاء والاستغفار له، وتنفيذ وصاياه، وغير ذلك.
نعم، يكره نعي الجاهلية للنهي عنه، رواه الترمذي، وحسنه وصححه، وهو: النداء بموت الشخص، وذكر مآثره ومفاخره. قال المتولي وغيره: ويكره مرثية الميت، وهي: عدّ محاسنه، للنهي عن المراثي. انتهى.
والوجه حمل تفسيرها بذلك على غير صيغة الندب الآتي بيانها إن شاء الله تعالى، وإلا فيلزم اتحادها معه.
وقد أطلقها الجوهري على عدّ محاسنه مع البكاء وعلى نظم الشعر فيه، فيكره كل منهما لعموم النهي عن ذلك، والأوجه حمل النهي عن ذلك، على ما يظهر فيه تبرم، أو: على فعله مع الاجتماع له، أو: على الإكثار منه، أو: على ما يجدد الحزن دون ما عدا ذلك، فما زال كثير من الصحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه.
وقد قالت فاطمة بنت النبي ﷺ فيه:
ماذا على من شم تربة أحمد … أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت عليّ مصائب لو أنها … صبت على الأيام عدن لياليا
وللكشميهني: نفسه، بحذف حرف الجر أي: ينعي نفس الميت، إلى أهله. وللأصيلي، حذف لفظ أهله وليس له وجه.
١٢٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا".
[الحديث ١٢٤٥ - أطرافه في: ١٣١٨، ١٣٢٧، ١٣٢٨، ١٣٣٣، ٣٨٨٠، ٣٨٨١].
وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس، عبد الله المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ﵁¬):
(أن رسول الله، ﷺ ، نعى) أي: أخبر أصحابه بموت (النجاشي) أصحمة، وقد كانوا أهله، أو: بمثابة أهله ويستحقون أخذ عزائه، ومن ثم أدخله في الترجمة (في اليوم الذي مات فيه) في رجب
стр. 897
في السنة التاسعة (خرج) بهم (إلى المصلّى) وذكر السهيلي، من حديث سلمة بن الأكوع أنه
صلّى عليه بالبقيع. (فصف بهم) ﷺ . صف هنا لازم، والباء في بهم بمعنى: مع أي: صف معهم. ويحتمل أن يكون متعديًا و: الباء، زائدة للتوكيد، أي: صفهم، لأن الظاهر أن الإمام متقدم، فلا يوصف بأنه صاف معهم إلا على المعنى الآخر، وليس في هذا الحديث ذكر، كم صفهم صفًا، لكنه يفهم من الرواية الأخرى: فكنت في الصف الثاني أو الثالث ....
(وكبر أربعًا) منها تكبيرة الإحرام، وفيه: جواز الصلاة على الغائب عن البلد، ولو كان دون مسافة القصر، وفي غير جهة القبلة. والمصلي مستقبلها.
قال ابن القطان: لكنها لا تسقط الفرض، قال الزركشي: ووجهه أن فيه إزراء، وتهاونًا بالميت، لكن الأقرب السقوط لحصول الفرض.
قال الأذرعي: وينبغي أنها لا تجوز على الغائب حتى يعلم، أو يظن أنه قد غسل، إلا أن يقال: تقديم الغسل شرط عند الإمكان فقط، ولا تجوز على الغائب في البلد وإن كبرت لتيسر الحضور، وقول من يمنع الصلاة على الغائب محتجًا بأنه كشف له عنه، فليس غائبًا لو سلم صحته، فهو غائب عن الصحابة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في: الجنائز، وكذا أبو داود والنسائي والترمذي مختصرًا.
١٢٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ -وَإِنَّ عَيْنَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَتَذْرِفَانِ- ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ".
[الحديث ١٢٤٦ - أطرافه في: ٢٧٩٨، ٣٠٦٣، ٣٦٣٠، ٣٧٥٧، ٦٢٤٢].
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو المقعد، قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا (أيوب) السختياني (عن حميد بن هلال) العدوي البصري (عن أنس بن مالك، ﵁ قال: قال النبي ﷺ ¬):
(أخذ الراية زيد) هو: ابن حارثة، وقصته هذه في غزوة مؤتة، وهو موضع في أرض البلقاء من أطراف الشام. وذلك أنه، ﵇، أرسل إليها سرية في جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيدًا، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة. فخرجوا وهم ثلاثة آلاف، فتلاقوا مع الكفار فاقتتلوا (فأصيب) زيد أي: قتل (ثم أخذها) أي الراية (جعفر، فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة) بفتح الراء وتخفيف الواو وبالحاء المهملة، الأنصاري، أحد النقباء ليلة العقبة (فأصيب).
وإخباره ﵊ بموتهم نعي، فهو موضع الترجمة، ووقع في علامات النبوة التصريح به حيث قال: إن النبي، ﷺ ، نعى زيدًا أو جعفرًا … الحديث.
(وإن عيني رسول الله، ﷺ ، لتذرفان) بذال معجمة وراء مكسورة، أي: لتسيلان بالدموع.
واللام للتأكيد.
(ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة) بكسر الهمزة وسكون الميم وفتح الراء، أي: تأمير من النبي، ﷺ ، لكنه رأى المصلحة في ذلك لكثرة العدو، وشدة بأسهم، وخوف هلاك المسلمين، ورضي النبي ﷺ بما فعل، فصار ذلك أصلاً في الضرورات إذا عظم الأمر واشتد الخوف سقطت الشروط. (ففتح له) بضم الفاء الثانية.
وقد أخرجه المؤلّف أيضًا في: الجهاد، وعلامات النبوة، وفضل خالد، والمغازي. والنسائي في: الجنائز.
٥ - باب الإِذْنِ بِالْجَنَازَةِ
وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَلَا كُنتُمْ آذَنْتُمُونِي»؟
(باب الإذن بالجنازة) بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة، أي: الإعلام بها إذا انتهى أمرها، ليصلّى عليها.
فهذه الترجمة كما نبه عليه الزين بن المنير مرتبة على الترجمة السابقة، لأن النعي إعلام من لم يتقدم له علم الميت، والإذن إعلام من علم بتهيئة أمره.
(وقال أبو رافع) نفيع، مما هو طرف حديث سبق في باب: كنس المسجد (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي، ﷺ ¬) في رجل أسود أو امرأة سوداء، كان يقم المسجد، فمات، فسأل عنه ﵊ فقالوا: مات، فقال:
(ألا) بتشديد اللام، وفي اليونينية بالتخفيف (كنتم آذنتموني) أعلمتموني به.
١٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "مَاتَ إِنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ، فَمَاتَ بِاللَّيْلِ، فَدَفَنُوهُ لَيْلاً. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي؟ قَالُوا: كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا -وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ- أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ. فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ".
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو: ابن سلام، كما جزم به ابن السكن في روايته عن الفربري (قال: أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين الضرير (عن أبي إسحاق) سليمان (الشيباني) بفتح الشين المعجمة (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن ابن عباس ﵄، قال):
(مات إنسان) هو: طلحة بن البراء بن عمير البلوي، حليف الأنصار كما عند الطبراني من
стр. 898
طريق عروة بن سعيد الأنصاري، عن أبيه، عن حصين بن وحوح الأنصاري، بمهملتين، بوزن: جعفر (كان رسول الله، ﷺ ، يعوده) في مرضه.
زاد الطبراني فقال: إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فإذا مات فآذنوني به، وعجلوا. فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله.
(فمات بالليل) قبل أن يبلغ النبي، ﷺ بني سالم بن عوف، وكان قال لأهله، لما دخل الليل: إذا مت فادفنوني ولا تدعوا رسول الله، ﷺ ، فإني أخاف عليه يهود أن يصاب بسببي (فدفنوه ليلاً).
(فلما أصبح) دخل في الصباح (أخبروه) بموته ودفنه ليلاً (فقال) ﵊:
(ما منعكم أن تعلموني) بشأنه؟ (قالوا: كان الليل) بالرفع (فكرهنا -وكانت ظلمة-) بالرفع أيضًا على أن كان تامة فيهما، وجملة: وكانت ظلمة، اعتراض (أن نشق) أي: كرهنا المشقّة (عليك. فأتى قبره فصلّى عليه).
وعند الطبراني: فجاء حتى وقف على قبره، فصف الناس معه، ثم رفع يديه، فقال: اللهم الق طلحة يضحك إليك وتضحك إليه.
وفيه جواز الصلاة على قبر غير الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، أما قبورهم فلا، لخبر الصحيحين: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
ورواة حديث الباب الخمسة: كوفيون إلا شيخ المؤلّف فبيكندي، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم في: الجنائز، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
٦ - باب فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَ وَقَالَ اللَّهُ : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]
(باب فضل من مات له ولد) ذكر أو أنثى، فرد أو جمع (فاحتسب) أي: صبر راضيًا بقضاء الله تعالى، راجيًا فضله. ولم يقع التقييد بذلك في أحاديث الباب.
نعم، في بعض طرق الحديث، فعند ابن حبان والنسائي، من طريق حفص بن عبيد الله بن أنس، عن أنس رفعه: "من اْحتسب من صلبه ثلاثة دخل الجنة".
ولمسلم من حديث أبي هريرة "لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد، فتحتسبهم إلاَّ دخلت الجنة" … الحديث.
ولابن حبان والنسائي، عن أنس، رفعه: "من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة … "، الحديث.
ولأحمد والطبراني، عن عقبة بن عامر، رفعه: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فيحتسبهم، إلا كانوا له جنة من النار".
فالمطلق محمول على المقيد، لأن الثواب لا يترتب إلا على النية، فلا بد من قيد الاحتساب.
لكن في معجم الطبراني، عن ابن مسعود، مرفوعًا: "من مات له ولد، ذكر أو أنثى، سلم أو لم يسلم، رضي أو لم يرض، صبر أو لم يصبر، لم يكن له ثواب إلا الجنة". لكن إسناده ضعيف، وللأصيلي في نسخة: فاحتسبه.
(وقال الله) وللأربعة: وقول الله بالجر، عطفًا على من مات. أو: بالرفع على الاستئناف (﴿وبشر الصابرين﴾) الذين إذا أصابتهم مصيبة [البقرة: ١٥٥] ولفظ: المصيبة عام يشمل: المصيبة بالولد وغيره.
وساق المؤلّف هذه الآية تأكيدًا لقوله: فاْحتسب، لأن الاحتساب لا يكون إلا بالصبر.
١٢٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».
[الحديث ١٢٤٨ - طرفه في: ١٣٨١].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو بفتح العين فيهما، قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد، قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن صهيب (عن أنس) هو: ابن مالك (¬﵁، قال: قال النبي ﷺ ¬):
(وما من الناس من مسلم) سقطت: من، الثانية في رواية ابن علية عن عبد العزيز في أواخر الجنائز، فهي زائدة هنا بخلافها في قوله: ما من الناس، فإنها للبيان. ومسلم اسم ما، والاستثناء وما معه الخبر، وقيده بالمسلم ليخرج الكافر فهو مخصوص بالمسلم (يتوفى) بضم أوله مبنيًا للمفعول "له" وعند ابن ماجة. ما من مسلمين يتوفى لهما (ثلاث) بحذف التاء لكون المميز محذوفًا، فيجوز التذكير والتأنيث. ولأبي ذر في نسخة: ثلاثة، بإثباتها على إرادة الأنفس أو الأشخاص.
وقد اختلف في مفهوم العدد: هل هو حجة أم لا؟.
فعلى قول من لا يجعله حجة، لا يمتنع حصول الثواب المذكور بأقل من ثلاثة، بل ولو جعلناه حجة فليس نصًا قاطعًا، بل دلالته ضعيفة، يقدم عليها غيرها عند معارضتها.
بل قد وقع في بعض طرق الحديث التصريح بالواحد فأخرج الطبراني في الأوسط، من
حديث جابر بن سمرة. مرفوعًا: "من دفن ثلاثة فصبر عليهم واحتسب وجبت له الجنة". فقالت أم أيمن: أو اثنين؟ فقال: "واثنين". فقالت: وواحدًا؟ فسكت ثم قال: "وواحدًا".
وعند الترمذي، وقال: غريب من حديث ابن مسعود، مرفوعًا: "من قدم ثلاثة
стр. 899
من الولد لم يبلغوا الحنث، كانوا له حصنًا حصينًا من النار". قال أبو ذر: قدمت اثنين. قال: "واثنين". قال أبي بن كعب: قدمت واحدًا. قال: "وواحدًا".
لكن، قال في الفتح: ليس في ذلك ما يصلح للاحتجاج، بل وقع في رواية شريك التي علق المصنف إسنادها كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ولم نسأله عن الواحد.
نعم، روى المؤلّف في: الرقاق، من حديث أبي هريرة، مرفوعًا: "يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة".
وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه، وهذا أصح ما ورد في ذلك، وهل يدخل في ذلك من مات له ولد فأكثر في حالة الكفر، ثم أسلم بعد ذلك، أو لا بدّ أن يكون موتهم في حالة إسلامه؟
قد يدل للأول حديث: أسلمت على ما أسلفت من خير، لكن جاءت أحاديث فيها تقييد ذلك بكونه في الإسلام، فالرجوع إليها أولى.
فمنها: حديث أبي ثعلبة الأشجعي، المروي في مسند أحمد، والمعجم الكبير، قلت: يا رسول الله! مات لي ولدان في الإسلام. فقال: "من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة".
وحديث عمرو بن عبسة عند أحمد وغيره، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول:
"من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث، أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم".
وهل يدخل أولاد الأولاد، سواء كانوا أولاد البنين، أو أولاد البنات، لصدق الاسم عليهم أو لا يدخلون. لأن إطلاق الأولاد عليهم ليس حقيقة، وقد ورد تقييد الأولاد بكونهم من صلبه، وهو مخرج أولاد الأولاد.
فإن صح فهو قاطع للنزاع، ففي حديث عثمان بن أبي العاصي في مسند أبي يعلى والمعجم الكبير للطبراني، مرفوعًا بإسناد فيه عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة القرشي، وهو ضعيف: لقد استجن بجنة حصينة من النار، رجل سلف بين يديه ثلاثة من صلبه في الإسلام.
(لم يبلغوا الحنث) بكسر المهملة وسكون النون آخره مثلثة، سن التكليف الذي يكتب فيه الإثم. وخص الإثم بالذكر لأنه الذي يحصل بالبلوغ، لأن الصبي قد يثاب.
قال أبو العباس القرطبي: وإنما خصهم بهذا الحد، لأن الصغير حبه أشد، والشفقة عليه أعظم. انتهى.
ومقتضاه أن من بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكره من الثواب، وإن كان في فقد الولد ثواب في الجملة، وبذلك صرح كثير من العلماء، وفرقوا بين البالغ وغيره.
لكن، قال الزين بن المنير، والعراقي في شرح تقريب الأسانيد: إذا قلنا إن مفهوم الصفة ليس بحجة، فتعليق الحكم بالذين لم يبلغوا الحلم لا يقتضي أن البالغين ليسوا كذلك، بل يدخلون في ذلك بطريق الفحوى، لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كل على أبويه، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي.
ولا ريب أن التفجع على فقد الكبير أشد، والمصيبة به أعظم، لا سيما إذا كان نجيبًا يقوم عن أبيه بأموره، ويساعده في معيشته، وهذا معلوم مشاهد.
والمعنى الذي ينبغي أن يعلل به ذلك قوله:
(إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم) قال الكرماني وتبعه البرماوي: الظاهر أن الضمير يرجع للمسلم الذي توفي أولاده، لا إلى الأولاد. وإنما جمع باعتبار أنه نكرة في سياق النفي، فيفيد العموم. انتهى.
وعلله بعضهم: بأنه لما كان يرحمهم في الدنيا، جوزي بالرحمة في الآخرة. وقد تعقب الحافظ ابن حجر وتبعه العلامة العيني الكرماني، بأن ما قاله غير ظاهر، وأن الظاهر رجوعه للأولاد بدليل قوله في حديث عمرو بن عبسة، عند الطبراني: إلا أدخله الله برحمته هو وإياهم الجنة.
وحديث أبي ثعلبة الأشجعي: أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهما، قاله بعد قوله: من مات له ولدان، فوضح بذلك أن الضمير في قوله، إياهم للأولاد، لا للآباء، أي بفضل رحمة الله للأولاد.
وعند ابن ماجة، من هذا الوجه: بفضل رحمة الله إياهم.
وللنسائي، من حديث أبي ذر: إلا غفر الله لهما بفضل رحمته.
وفي معجم الطبراني، من حديث حبيبة بنت سهل، وأم مبشر ومن لم يكتب عليه إثم، فرحمته أعظم، وشفاعته أبلغ. وفي معرفة الصحابة لابن منده، عن شراحيل المنقري: أن رسول الله ﷺ قال: "من توفي له أولاد في سبيل الله دخل بفضل حسبتهم الجنة"، وهذا إنما هو في البالغين الذين يقتلون في
стр. 900
سبيل الله، والعلم عند الله تعالى.
ورواة حديث الباب الأربعة: بصريون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه النسائي وابن ماجة في: الجنائز وكذا النسائي.
١٢٤٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ "أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا. فَوَعَظَهُنَّ وَقَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ كَانُوا لها حِجَابًا مِنَ النَّارِ. قَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ".
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو: ابن إبراهيم الأزدي القصاب، قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج، قال: (حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا (عبد الرحمن بن الأصبهاني) اسمه: عبد الله (عن ذكوان) أبي صالح السمان (عن أبي سعيد) الخدري (¬﵁¬):
(أن النساء) في رواية مسلم: أنهن كن من نساء الأنصار (قلن للنبي، ﷺ ، اجعل لنا يومًا) فجعل لهن يومًا (فوعظهن) فيه (وقال) بالواو، من جملة ما قال لهن، وللأربعة: فقال:
(أيما امرأة مات لها ثلاثة) ولأبي ذر عن الحموي، والمستملي: ثلاث (من الولد كانوا) أي الثلاثة (لها) وسقط: لها، لغير أبي الوقت، ولأبي ذر، عن الحموي، والمستملي كن لها (حجابًا من النار) أنث باعتبار النفس، أو: النسمة، والولد يتناول الذكر والأنثى، والمفرد والجمع، ويخرج السقط.
لكن ورد في أحاديث، منها حديث ابن ماجة، عن أسماء بنت عميس، عن أبيها، عن علي، مرفوعًا: إن السقط ليراغم ربه، إذا أدخل أبويه النار، فيقال: أيها السقط المراغم ربك أدخل أبويك الجنة. فيجرهما بسرره حتى يدخلهما الجنة.
(قالت امرأة) هي: أم سليم، والدة أنس، كما رواه الطبراني بإسناد جيد، أو: أم مبشر، بكسر المعجمة المشددة، رواه الطبراني أيضًا، أو: أم هانئ، كما عند ابن بشكوال، ويحتمل التعدد: (و) إن مات لها (اثنان! قال) ﵊ (واثنان) وكأنه أوحي إليه بذلك في الحال، ولا يبعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين، أو كان عنده العلم بذلك لكنه أشفق عليهم أن يتكلوا، فلما سئل عن ذلك لم يكن به بد من الجواب.
ورواته الخمسة ما بين: بصري وواسطي وكوفي ومدني، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم والنسائي.
١٢٥٠ - وَقَالَ شَرِيكٌ عَنِ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ».
(وقال شريك) هو: ابن عبد الله (عن ابن الأصبهاني) عبد الرحمن، مما وصله ابن أبي شيبة بمعناه.
ولفظ ابن أبي شيبة: حدّثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني قال: آتاني أبو صالح يعزيني عن ابن لي، فأخذ يحدث عن أبي سعيد وأبي هريرة: أن النبي ﷺ ، قال: ما من امرأة تدفن ثلاثة أفراط إلا كانوا لها حجابًا من النار. فقالت امرأة: يا رسول الله قدمت اثنين. قال: واثنين.
قال: ولم تسأل عن الواحد، قال أبو هريرة فيمن لم يبلغوا الحنث.
(حدّثني) بالإفراد (أبو صالح) ذكوان السمان (عن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄¬) عن النبي، ﷺ ، قال أبو هريرة):
(لم يبلغوا الحنث). وظاهر السياق أن هذه الزيادة عن أبي هريرة موقوفة، ويحتمل أن يكون المراد أن أبا هريرة وأبا سعيد اتفقا على السياق المرفوع، وزاد أبو هريرة في حديثه هذا القيد، فهو مرفوع أيضًا.
١٢٥١ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ».
[الحديث ١٢٥١ - طرفه في: ٦٦٥٦].
وبه قال: (حدّثنا علي) هو: ابن المديني. قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: سمعت الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي، ﷺ ، قال):
(لا يموت لمسلم) رجل أو امرأة (ثلاثة من الولد، فيلج النار) أي: فيدخلها، وفي الإيمان والنذور، عند المؤلّف من رواية مالك، عن الزهري: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار، (إلا تحلة القسم) بفتح المثناة الفوقية وكسر المهملة وتشديد اللام، والقسم: بفتح القاف والسين، أي: ما تحل به اليمين، أي: يكفرها.
تقول: فعلته تحلة القسم، أي: إلا بقدر ما حللت به يميني، ولم أبالغ.
وقال الطيبي: هو مثل في القليل المفرط في القلة، والمراد به هنا تقليل الورود أو المس، أو قلة زمانه.
وقوله: فيلج، نصب لأن الفعل المضارع ينصب بعد النفي بأن مقدرة بعد الفاء، لكن حكى الطيبي، فيما ذكره عنه جماعة، وأقروه عليه، ورأيته في شرح المشكاة له، منعه عن بعضهم، وذكره ابن فرشتاه في شرح المشارق، عن الشيخ أكمل الدين معللاً: بأن شرط ذلك أن يكون ما قبل الفاء وما بعدها سببًا، ولا سببية هنا، لأنه ليس موت الأولاد ولا عدمه سببًا لولوج أبيهم النار.
وبيان ذلك، كما نبه عليه صاحب مصابيح الجامع، أنك تعمد
стр. 901
إلى الفعل الذي هو غير
موجب، فتجعله موجبًا وتدخل عليه: إن الشرطية، وتجعل الفاء وما بعدها من الفعل جوابًا، كما تقول في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] أن تطغوا فيه، فحلول الغضب حاصل، وفي قوله: ما تأتينا فتحدّثنا، إن تأتنا، فالحديث واقع وهنا إذا قلت: إن يمت لمسلم ثلاثة من الولد فولوج النار حاصل، لم يستقم.
قال الطيبي وكذا الشيخ أكمل الدين: فالفاء هنا بمعنى الواو التي للجمع، وتقديره: لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من أولاده وولوجه النار. انتهى.
وأجاب ابن الحاجب، والدماميني، واللفظ له: بأنه يجوز النصب بعد الفاء الشبيهة بفاء السببية بعد النفي، مثلاً، وإن لم تكن السببية حاصلة، كما قالوا في أحد وجهي: ما تأتينا فتحدّثنا، إن النفي يكون راجعًا في الحقيقة إلى التحديث لا إلى الإتيان، أي: ما يكون منك إتيان يعقبه حديث، وإن حصل مطلق الإتيان.
كذلك هنا أي: لا يكون موت ثلاثة من الولد يعقبه ولوج النار، فيرجع النفي إلى القيد خاصة، فيحصل المقصود ضرورة إن مس النار إن لم يكن يعقب موت الأولاد وجب دخول الجنة، إذ ليس بين النار والجنة منزلة أخرى في الآخرة.
ولم يقيد الأولاد في هذا الحديث، كغيره، بكونهم لم يبلغوا الحنث، وحينئذ فيكون قوله، فيما سبق: لم يبلغوا الحنث، لا مفهوم له، كما مر.
وزاد في رواية غير الأربعة هنا، قال أبو عبد الله، أي: البخاري، مستشهدًا لتقليل مدة الدخول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] داخلها دخول جواز لا دخول عقاب، يمر بها المؤمن، وهي خامدة وتنهار بغيرهم.
روى النسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعًا: الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا.
وقيل: ورودها الجواز على الصراط، فإنه ممدود عليها، رواه الطبراني وغيره، من طريق بشر بن سعيد، عن أبي هريرة، ومن طريق كعب الاحبار، وزاد يستوون كلهم على متنها، ثم ينادي مناد: أمسكي أصحابك، ودعي أصحابي، فيخرج المؤمنون ندية أبدانهم.
وحديث الباب أخرجه مسلم في: الأدب، والنسائي في: التفسير، وابن ماجة في: الجنائز.
وحديث شريك مقدم على حديث مسلم في رواية أبي ذر.
٧ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ: اصْبِرِي
(باب قول الرجل للمرأة) شابة أو عجوزًا (عند القبر: اصبري)
١٢٥٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ، وَاصْبِرِي".
[الحديث ١٢٥٢ - أطرافه في: ١٢٨٣، ١٣٠٢، ٧١٥٤].
وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا ثابت) البناني (عن أنس بن مالك، ﵁، قال):
(مر النبي، ﷺ ، بامرأة عند قبر، وهي) والحال أنها (تبكي، فقال) لها:
(اتقي الله) بأن لا تجزعي، فإن الجزع يحبط الأجر، (واصبري) فإن الصبر يجزل الأجر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وفيه إشارة إلى أن عدم الصبر ينافي التقوى.
وقد أخرجه أيضًا في: الجنائز، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي.
٨ - باب غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ
وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا. وَقَالَ سَعْدٌ: لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ».
(باب غسل الميت) وهو فرض كفاية (ووضوئه) أي: الميت، وهو سنة. أو الضمير فيه للغاسل لا للميت؛ وكأنه انتزع الوضوء من مطلق الغسل، لأنه منزل على المعهود في غسل الجنابة، وقد تقرر عندهم الوضوء فيه (بالماء والسدر) متعلق بالغسل بأن يخلطا ويغسل بهما للتنظيف، فلا يحسب عن الواجب للتغير.
(وحنط ابن عمر) بن الخطاب (¬﵄¬) بالحاء المهملة وتشديد النون (ابنًا لسعيد بن زيد)، أحد العشرة المبشرة بالجنة، المتوفى سنة إحدى وخمسين، واسم ابنه هذا: عبد الرحمن، أي: طيبه بالحنوط، وهو كل شيء خلطته من الطيب للميت خاصة (وحمله وصلّى) عليه (ولم يتوضأ)، ولو كان الميت نجسًا لم يطهره الماء والسدر، ولا الماء وحده، ولما مسه ابن عمر ولغسل ما مسه من أعضائه.
وهذا وصله مالك في الموطأ عن نافع: أن عبد الله بن عمر حنط فذكره.
(وقال ابن عباس ﵄¬) مما وصله سعيد بن منصور بإسناد صحيح: (المسلم لا ينجس) بضم الجيم وفتحها (حيًّا ولا ميتًا) وقد رواه مرفوعًا، الدارقطني، والحاكم.
(وقال سعد) أي: ابن أبي وقاص، كما أخرجه ابن أبي شيبة، من طريق عائشة بنت سعد، وللأصيلي وأبي الوقت: وقال سعيد، بزيادة ياء. قال الحافظ ابن حجر، والأول أولى، كما أخرجه ابن أبي شيبة، لما غسل سعيد بن زيد بن عمرو بالعقيق وحنطه وكفنه: (لو كان نجسًا ما مسسته) بكسر الجيم والسين
стр. 902
الأولى من مسسته.
(وقال النبي، ﷺ : المؤمن لا ينجس) هو طرف من حديث أبي هريرة في: كتاب الغسل في: باب الجنب يمشي في السوق.
١٢٥٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مَنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ. فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ، تَعْنِي إِزَارَهُ".
وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية) نسيبة بنت كعب (الأنصارية) وكانت تغسل الميتات (¬﵂، قالت):
(دخل علينا رسول الله ﷺ ، حين توفيت ابنته) زينب زوج أبي العاص بن الربيع، والدة أمامة، كما في مسلم، أو: أم كلثوم، كما في أبي داود.
قال الحافظ عبد العظيم المنذري، والصحيح الأول، لأن أم كلثوم توفيت والنبي ﷺ غائب ببدر:
وتعقب بأن التي توفيت، وهو ﵇، ببدر: رقية لا أم كلثوم.
(فقال) ﵊ (اغسلنها) وجوبًا مرة واحدة عامة لبدنها، أي: بعد إزالة النجس، إن كان نعم، صحح النووي الاكتفاء لهما بواحدة (ثلاثًا) ندبًا فالأمر للوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، وللندب بالنسبة إلى الإيتار، كما قرره ابن دقيق العيد.
وقال المازري: قيل: الغسل سنة، وقيل: واجب، وسبب الخلاف قوله الآتي: إن رأيتن، هل يرجع إلى الغسل أو إلى الزيادة في العدد، وفي هذا الأصل خلاف في الأصول، وهو أن الاستثناء أو الشرط المعقب جملاً، هل يرجع إلى الجميع، أو إلى ما أخرجه الدليل، أو إلى الأخير. لكن قال الأبي: إن القول بالسنية لابن أبي زيد، والأكثر، والقول بالوجوب، أي: على الكفاية للبغداديين. اهـ.
(أو خمسًا) وفي رواية هشام بن حسان، عن حفصة: اغسلنها وترًا ثلاثًا وخمسًا (أو أكثر من ذلك).
وفي رواية أيوب عن حفصة، في الباب الآتي: ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا. قال في الفتح: ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله: سبعًا، التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود. وأما سواها فإما: أو سبعًا، وإما: أو أكثر، من ذلك، فيحتمل تفسير قوله: أو أكثر من ذلك، بالسبع، وبه قال أحمد وكره الزيادة على السبع.
وقال الماوردي: الزيادة على السبع سرف. اهـ.
وقال أبو حنيفة: لا يزاد على الثلاث.
(إن رأيتن ذلك) بكسر الكاف، لأنه خطاب لمؤنثة، أي: إن أداكن اجتهادكن إلى ذلك بحسب الحاجة إلى الانقاء، لا التشهي.
فإن حصل الانقاء بالثلاث لم يشرع ما فوقها، وإلاّ زيد وترًا حتى يحصل الانقاء وهذا بخلاف طهارة الحي، فإنه لا يزيد على الثلاث. والفرق أن طهارة الحي محض تعبد، وهنا المقصود النظافة.
وقول الحافظ ابن حجر، كالطيبي، فيما حكاه عن المظهري في شرح المصابيح، و: أو هنا للترتيب لا للتخيير، تعقبه العيني: بأنه لم ينقل عن أحد أن: أو، يجيء للترتيب.
والباء في قوله: (بماء وسدر) متعلق بقوله اغسلنها. ويقوم نحو السدر كالخطمي مقامه، بل هو أبلغ في التنظيف.
نعم، السدر أولى للنص عليه، ولأنه أمسك للبدن، وظاهره تكرير الغسلات به إلى أن يحصل الانقاء، فإذا حصل وجب الغسل بالماء الخالص عن السدر، ويسن ثانية وثالثة كغسل الحي.
(واجعلن في) الغسلة (الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور) أي: في غير المحرم للتطيب وتقويته للبدن.
والشك من الراوي، أي اللفظين قال، والأول محمول على الثاني لأنه نكرة في سياق الإثبات فيصدق بكل شيء منه.
(فإذا فرغتن) من غسلها (فآذنني) بمد الهمزة وكسر المعجمة وتشديد النون الأولى المفتوحة وكسر الثانية، أي: أعلمنني.
(فلما فرغنا) بصيغة الماضي لجماعة المتكلمين، وللأصيلي: فرغن بصيغة الماضي للجمع المؤنث (آذناه) أعلمناه (فأعطانا حقوه) بفتح الحاء المهملة وقد تكسر وهي لغة هذيل، بعدها قاف ساكنة أي: إزاره، والحقو في الأصل معقد الإزار، فسمي به ما يشد على الحقو توسعًا (فقال):
(أشعرنها إياه) ولغير الأربعة: إياها بقطع همزة أشعرنها أي: اجعلنه شعارها، ثوبها الذي يلي جسدها. والضمير اللأول: للغاسلات، والثاني، للميت، والثالث: للحقو. (تعني) أم عطية (إزاره) ﵊.
وإنما فعل ذلك لينالها بركة ثوبه، وأخره ولم يناولهن إياه أوّلاً ليكون قريب العهد من جسده المكرم، حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل،
стр. 903
لا سيما مع قرب عهده بعرقه الكريم.
ورواته ما بين: مدني وبصري، وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابية، والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم في: الجنائز. وكذا أبو داود والترمذي والنسائي.
٩ - باب مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُغْسَلَ وِتْرًا
(باب ما يستحب أن يغسل) أي استحباب غسل الميت (وترًا).
١٢٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا. فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ".
فَقَالَ أَيُّوبُ: وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا» وَكَانَ فِيهِ «ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا» وَكَانَ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ " ابْدَؤُوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ". وَكَانَ فِيهِ "أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وَمَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ".
وبالسند قال: (حدّثنا محمد) وللأصيلي: محمد بن المثنى، وقال الجياني: يحتمل أن يكون محمد بن سلام، قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد (الثقفي) البصري (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أم عطية) نسيبة الأنصارية (¬﵂، قالت):
(دخل علينا رسول الله) وللأصيلي: النبي (¬ ﷺ ، ونحن نغسل ابنته) زينب أم أمامة (فقال):
(اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك) بكسر الكاف، زاد في الرواية السابقة: إن رأيتن ذلك (بماء وسدر) مخلوطين، قال ابن المنير: وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف، لأن الماء المضاف لا يتطهر به. اهـ.
نعم، يحتمل أن لا يتغير وصف الماء بالسدر، بأن يمعك بالسدر، ثم يغسل بالماء في كل مرة، فإن لفظ الحديث لا يأبى ذلك.
(واجعلن في) الغسلة (الآخرة كافورًا) وفي السابقة: كافورًا أو شيئًا من كافور، على الشك، وجزم هنا بالشق الأول (فإذا فرعتن) من غسلها (فآذنني) بالمد وكسر الذال: أعلمنني.
(فلما فرغنا آذناه) أعلمناه (فألقى إلينا حقوه) بفتح الحاء وكسرها، أي: إزاره (فقال): (أشعرنها إياه) بقطع همزة: أشعرنها. أي اجعلنه يلي جسدها.
(فقال) بالفاء وللأصيلي: وقال (أيوب) السختياني بالإسناد السابق (وحدّثتني حفصة) بنت سيرين (بمثل حديث) أخيها (محمد) أي: ابن سيرين (وكان في حديث حفصة):
(اغسلنها وترًا) لأن الله وتر يحب الوتر، وهذا موضع الترجمة كما لا يخفى. (وكان فيه) أيضًا:
(ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا) فزاد هذه الأخيرة ولم يقل: أو أكثر من ذلك، إذ لم يجتمعا إلا عند أبي داود، كما مر.
(وكان فيه) أيضًا (أنه) ﵊ (قال):
(ابدؤوا) بجمع المذكر، تغليبًا للذكور، لأنهن كن محتاجات إلى معاونة الرجال في حمل الماء إليهن وغيره، أو باعتبار الأشخاص، أو الناس. ولأبي ذر عن الكشميهني: ابدأن (بميامنها) جمع ميمنة، لأنه ﵊ كان يحب التيامن في شأنه كله (و) ابدأن أيضًا (بمواضع الوضوء) زاد أبو ذر: منها.
(وكان فيه) أيضًا (أن أم عطية قالت: ومشطناها) بالتخفيف أي: سرحنا شعرها (ثلاثة قرون) أي: ثلاثة ضفائر بعد أن خللناه بالمشط.
وفي رواية: فضفرنا ناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون، وألقيناها خلفها. وهذا مذهب الشافعية وأحمد.
وقال الحنفية: يجعل ضفيرتان على صدرها.
١٠ - باب يُبْدَأُ بِمَيَامِنِ الْمَيِّتِ
هذا (باب) بالتنوين (يبدأ) بضم أوله وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول (بميامن الميت) عند غسله، تفاؤلاً أن يكون من أصحاب اليمين.
١٢٥٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا».
وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني، قال: (حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن علية قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن حفصة بنت سيرين) أخت محمد (عن أم عطية، ﵂، قالت: قال) لنا (رسول الله، ﷺ ، في غسل ابنته) زينب:
(ابدأن) بجمع المؤنث (بميامنها) أي: بالأيمن من كل بدنها في الغسلات التي لا وضوء فيها (ومواضع الوضوء منها) أي: في الغسلة المتصلة بالوضوء، وهو يرد على أبي قلابة، حيث قال يبدأ بالرأس ثم باللحية.
١١ - باب مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَيِّتِ
(باب) استحباب البداءة بغسل (مواضع الوضوء من الميت).
١٢٥٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "لَمَّا غَسَّلْنَا ابنةَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَنَا -وَنَحْنُ نَغْسِلُهَا- ابْدَؤوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ".
وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن موسى) بن عبد ربه السختياني البلخي، المشهور: بخت قال: (حدّثنا وكيع) هو: ابن الجراح (عن سفيان) الثوري (عن خالد الحذاء، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية) نسيبة الأنصارية (¬﵂¬) أنها (قالت):
(لما غسلنا) زينب (ابنة النبي، ﷺ ، قال لنا ونحن نغسلها):
(ابدؤوا) ذكره باعتبار الأشخاص أو لغير ذلك، كما مر قريبًا. وللكشميهني: ابدأن، وهو أوجه لأنه خطاب للنسوة (بميامنها، ومواضع الوضوء) زاد أبو ذر: منها أي: من الابنة.
والبداءة بالميامن ومواضع الوضوء، مما زادته حفصة في روايتها عن أم عطية، عن أخيها محمد والحكمة في أمره، عليه الصلاة
стр. 904
والسلام، بالوضوء تجديد أثر سيما المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل.
ومذهب الحنفية كالشافعية سنية الوضوء للميت، لكن قال الحنفية: لا يمضمض ولا يستنشق لتعذر إخراج الماء من الفم والأنف.
١٢ - باب هَلْ تُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي إِزَارِ الرَّجُلِ
هذا (باب) بالتنوين (هل تكفن المرأة في إزار الرجل) نعم. تكفن فيه، ودعوى الخصوصية في ذلك بالشارع ﵊ غير مسلمة، فهو للتشريع.
١٢٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ "تُوُفِّيَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَنَا: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَآذَنَّنا، فَنَزَعَ مِنْ حِقْوِهِ إِزَارَهُ وَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ".
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن حماد) العنبري البصري، قال: (أخبرنا ابن عون) عبد الله البصري (عن محمد) بن سيرين (عن أم عطية) نسيبة، ﵂ (قالت) ولأبي ذر، قال:
(توفيت بنت النبي) ولأبي ذر، وابن عساكر: ابنة النبي، بالألف فى الأول، وللأصيلى: بنت رسول الله (¬ ﷺ ، فقال: لنا):
(اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن) ذلك. (فإذا فرغتن) من غسلها (فآذنني) اعلمنني. اجتمع ثلاث نونات: لام الفعل، ونون النسوة، ونون الوقاية. فأدغمت الأولى في الثانية.
(فآذناه) أعلمناه (فنزع من حقوه) معقد الإزار منه (إزاره). واستعمال الحقو هنا على الحقيقة وفي السابق على المجاز.
وقول الزركشي: إن هذا مجاز، والسابق حقيقة وهم، لأنه في أصل الوضع لمعقد الإزار من الجسد، إلا أن يدعي أن استعماله في الإزار حقيقة عرفية.
(وقال: أشعرنها) بقطع الهمزة (إياه) أي: اجعلنه مما يلي جسدها، والدثار ما فوقه.
١٣ - باب يَجْعَلُ الْكَافُورَ فِي آخِرِهِ
هذا (باب) بالتنوين (يجعل الكافور) ولغير أبي ذر: يجعل، بفتح أوله، الكافور نصب (في آخره) أي: آخر الغسل.
١٢٥٨ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ "تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ". وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵄ بِنَحْوِهِ.
وبالسند قال: (حدّثنا حامد بن عمر) بضم العين، ابن حفص الثقفي البكراوي البصري قاضي كرمان، قال: (حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو: ابن سيرين (عن أم عطية) الأنصارية (قالت):
(توفيت إحدى بنات النبي، ﷺ ¬)، هي: زينب على المشهور كما مر (فخرج، فقال) ولأبي ذر، فخرج النبي ﷺ ، فقال، أي لأم عطية ومن معها من النسوة:
(اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن) ذلك. فوّض ذلك لآرائهن، بحسب المصلحة والحاجة، لا بحسب التشهي، فإن ذلك زيادة غير محتاج إليها، فهو من قبيل الإسراف كما في ماء الطهارة. (بماء وسدر) يتعلق: باغسلنها (واجعلن في) الغسلة (الآخرة كافورًا) بأن يجعل في ماء، ويصب على الميت في آخر غسله. هذا ظاهر الحديث.
وقيل: إذا كمل غسله طيب بالكافور قبل التكفين، ويكره تركه كما نص عليه في الأم، وليكن بحيث لا يفحش الغير به إن لم يكن صلبًا ..
والحكمة فيه التطيب للمصلين والملائكة، وتقوية البدن ودفعه الهوامّ، وردع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إلى الميت لشدة برده. ومن ثم جعل في الآخرة، إذ لو كان في غيرها لأذهبه الماء. وقوله:
(أو شيئًا من كافور) شك من الراوي أي: اللفظين قال ﵊.
وهل يقوم غير الكافور، كالمسك، مقامه عند عدمه أم لا؟
نعم، أجازه أكثرهم، وأمر به علي في حنوطه، وقال: هو من فضل حنوط النبي، ﷺ .
(فإذا فرغتن) من غسلها (فآذنني) أعلمنني.
(قالت) أم عطية: (فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه) بفتح الحاء وتكسر، إزاره (فقال: أشعرنها إياه) اجعلنه ملاصقًا لبشرتها.
(و) بالإسناد السابق (عن أيوب) السختياني (عن حفصة) بنت سيرين (عن أم عطية) الأنصارية (¬﵂ بنحوه) أي بنحو الحديث الأول.
١٢٥٩ - وَقَالَتْ: إِنَّهُ قَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ». قَالَتْ حَفْصَةُ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ "وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ".
(وقالت) بالواو، وللأصيلي: قالت (إنه قال):
(اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا أو أكثر من ذلك، إن رأيتن) ذلك.
(قالت حفصة: قالت أم عطية وجعلنا رأسها) أي شعرها رأسها، فهو من مجاز المجاورة (ثلاثة قرون) أي: ضفائر.
فإن قلت: ما وجه إدخال هذه الترجمة المتعلقة بالغسل، بين ترجمتين متعلقتين بالكفن؟
أجيب: بأن العرف تقديم ما يحتاج إليه الميت قبل الشروع في غسله، أو قبل الفراغ منه، ومن جملة ذلك الحنوط.
١٤ - باب نَقْضِ شَعَرِ الْمَرْأَةِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُنْقَضَ شَعَرُ الْمَيِّتِ
(باب نقض شعر) رأس (المرأة) الميتة عند الغسل، والتقييد بالمرأة كأنه جرى على الغالب، وإلا فظاهر أن الرجل، إذ كان له شعر طويل، كذلك.
стр. 905
(وقال ابن سيرين) محمد، مما وصله سعيد بن منصور، من طريق أيوب عنه: (لا بأس أن) ولأبي الوقت في غير اليونينية: بأن (ينقض شعر الميت) ذكرًا كان أو أنثى، ولابن عساكر، وأبي ذر: شعر المرأة.
١٢٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَيُّوبُ وَسَمِعْتُ حَفْصَةَ بِنْتَ سِيرِينَ قَالَتْ: حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ "أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، نَقَضْنَهُ ثُمَّ غَسَلْنَهُ ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ".
وبالسند قال: (حدّثنا أحمد) غير منسوب، وقال ابن شبويه، عن الفربري: هو أحمد بن صالح (قال: حدّثنا عبد الله بن وهب) المصري، ولأبي ذر، والأصيلي: حدّثنا ابن وهب، قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال أيوب) بن أبي تميمة السختياني (وسمعت حفصة بنت سيرين) أي: قال أيوب: سمعت … كذا. وسمعت حفصة، فالعطف على مقدّر (قالت حدَّثتنا أم عطية، ﵂¬).
(أنهن) هي ومن معها من النساء اللاتي باشرن غسل بنت رسول الله ﷺ ، (جعلن رأس) أي: شعر رأس (بنت) ولأبي الوقت: ابنة (رسول الله) ولأبوي: ذر، والوقت: النبي (¬ ﷺ ، ثلاثة قرون) أي: ضفائر.
وكأن سائلاً قال: كيف جعلنه ثلاثة قرون؟ فقالت أم عطية: "نقضنه" أي شعر رأسها، لأجل إيصال الماء إلى أصوله، وتنظيفه من الأوساخ (ثم غسلنه) أي: الشعر (ثم جعلنه) بعد الغسل (ثلاثة قرون) لينضم ويجتمع ولا ينتشر.
١٥ - باب كَيْفَ الإِشْعَارُ لِلْمَيِّتِ؟
وَقَالَ الْحَسَنُ: الْخِرْقَةُ الْخَامِسَةُ يُشُدُّ بِهَا الْفَخِذَيْنِ وَالْوَرِكَيْنِ تَحْتَ الدِّرْعِ.
هذا (باب) بالتنوين (كيف الإشعار للميت؟) والشعار: ما يلي الجسد، والدثار ما فوقه.
(وقال الحسن) البصري، مما وصله ابن أبي شيبة نحوه، كما قاله في الفتح: (الخرقة والخامسة) من أكفان المرأة الخمسة (يشد) الغاسل، وفي اليونينية بالفوقية (بها الفخذين والوركين) بنصبهما على المفعولية، والفاعل الضمير في: يشد، المقدر بالغاسل. وللأصيلي، وأبي الوقت: يشد بضم أوّله مبنيًا للمفعول، الفخذان والوركان برفعهما مفعولان نابا عن الفاعل. (تحت الدرع) بكسر الدال وهو: القميص.
١٢٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ "جَاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂-امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ اللاَّتِي بَايَعْنَ- قَدِمَتِ الْبِصْرَةَ تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكْهُ، فَحَدَّثَتْنَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَا أَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ". وَلَا أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ. وَزَعَمَ أَنَّ الإِشْعَارَ الْفُفْنَهَا فِيهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَأْمُرُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُشْعَرَ وَلَا تُؤْزَرَ.
وبالسند قال: (حدّثنا أحمد) غير منسوب، ولابن شبويه، عن الفربري أحمد بن صالح، قال: (حدّثنا عبد الله بن وهب) ولأبي ذر: حدّثنا ابن وهب، قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك (أن أيوب) السختياني (أخبره قال: سمعت ابن سيرين) محمدًا (يقول):
(جاءت أم عطية، ﵂ -امرأة من الأنصار) برفع امرأة عطف بيان (من اللاتي بايعهن-) زاد في رواية أبوي: ذر، والوقت، وابن عساكر في نسخة: النبي، ﷺ . (قدمت البصرة) بدل: من جاءت حال كونها (تبادر ابنًا لها) أي: تسارع المجيء لأجله (فلم تدركه) إما لأنه مات، أو خرج من البصرة (فحدثتنا) أي أم عطية (قالت: دخل علينا النبي) ولأبي ذر: رسول الله (¬ ﷺ ، ونحن نغسل ابنته، فقال):
(اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، وإن رأيتن ذلك، بماء وسدر) الجار يتعلق: باغسلنها (واجعلن في) الغسلة (الآخرة كافورًا. فإذا فرغتن فآذنني قالت) أم عطية: (فلما فرغنا، ألقى إلينا حقوه) بفتح الحاء وقد تكسر إزاره. (فقال: أشعرنها إياه) بقطع همزة أشعرنها أي اجعلنه شعارًا لها.
قال أيوب: (ولم يزد) أي: ابن سيرين، وللأصيلي: ولم تزد، بالمثناة الفوقية، أي: أم عطية (على ذلك) بخلاف حفصة أخته، فإنها زادت في روايتها عن أم عطية أشياء منها البداءة بميامنها ومواضع الوضوء.
قال أيوب: (ولا أدري أي بناته) ﵊ كانت المغسولة فأي: مبتدأ محذوف الخبر، ولا ينافي هذا تسمية الآخر لها بزينب، لأنه علم ما لم يعلمه أيوب.
(وزعم) أي: أيوب (أن الإشعار) في قوله في الحديث: أشعرنها، معناه (الففنها فيه). قال أيوب (وكذلك كان ابن سيرين) محمد، وكان أعلم التابعين بعلم الموتى (يأمر بالمرأة أن تشعر) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، أي: تلف (ولا تؤزر) بضم التاء وسكون الهمزة وفتح الراء، مبنيًّا للمفعول، أيضًا: أي: لا يجعل الشعار عليها مثل الإزار، لأن الإزار لا يعم البدن، بخلاف الشعار، ولأبي ذر: ولا تأزر بفتح المثناة والهمزة وتشديد الزاي من التأزر.
١٦ - باب هَلْ يُجْعَلُ شَعَرُ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ
هذا (باب) بالتنوين (يجعل) بضم أوله مبنيًّا للمفعول، ولغير الأربعة: هل يجعل (شعر) رأس (المرأة ثلاثة قرون) أي: ضفائر.
١٢٦٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "ضَفَرْنَا شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ " -تَعْنِي ثَلَاثَةَ قُرُونٍ- وَقَالَ وَكِيعٌ قَالَ سُفْيَانُ "نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا".
وبالسند قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة، ابن عقبة السوائي العامري الكوفي، قال: (حدّثنا
стр. 906
سفيان) الثوري (عن هشام) هو: ابن حسان (عن أم الهذيل) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة، حفصة بنت سيرين (عن أم عطية، ﵂. قالت):
(ضفرنا) بضاد معجمة ساقطة خفيفة الفاء (شعر) رأس (بنت النبي ﷺ ¬) زينب أي: نسجناه عريضًا (-تعني) أم عطية (ثلاثة قرون-) أي: ذوائب.
(وقال) بالواو، والأصيلي: قال: (وكيع، قال سفيان) الثوري، وللأربعة: عن سفيان أي: بهذا الأسناد السابق: (ناصيتها) ذؤابتها (وقرنيها) أي: جانبي رأسها ذؤابتين. زاد الإسماعيلي: ثم ألقيناه خلفها.
وفيه: ضفر شعر الميت خلافًا لمن منعه، فقال ابن القاسم: لا أعرف الضفر، أي: لم يعرف فعل أم عطية حتى يكون سنة، بل يلف.
وعن الحنفية: يرسل خلفها، وعلى وجهها مفرقًا.
قالوا: وهذا قول صحابي، والشافعي لا يرى قوله حجة، وكذا فعله. وأم عطية أخبرت بذلك عن فعلهن، ولم تخبر به عن النبي ﷺ .
وأجيب: بأن الأصل أن لا يفعل بالميت شيء من القرب إلا بإذن من الشارع، وقال النووي: الظاهر اطلاعه، ﵊، على ذلك وتقريره له. اهـ. وهو عجيب.
ففي صحيح ابن حبان: أن النبي، ﷺ ، أمر بذلك ولفظه: واجعلن لها ثلاثة قرون. وترجم عليه ذكر البيان، بأن أم عطية: إنما مشطت قرونها بأمر النبي ﷺ لا من تلقاء نفسها.
١٧ - باب يُلْقَى شَعَرُ الْمَرْأَةِ خَلْفَهَا
هذا (باب) بالتنوين (يلقى شعر المرأة خلفها) وفي رواية الأصيلي. وأبي الوقت: يجعل. وزاد الحموي ثلاثة قرون.
١٢٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ حَدَّثَتْنَا حَفْصَةُ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا".
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد، قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) بكسر العين (عن هشام بن حسان) بالصرف، وعدمه الأزدي البصري (قال: حدّثنا حفصة) بنت سيرين، (عن أم عطية) نسيبة (¬﵂، قالت):
(توفيت إحدى بنات النبي ﷺ ¬) زينب أو أم كلثوم، والأول هو المشهور (فأتانا النبي، ﷺ ، فقال) ﵊:
(اغسلنها بالسدر) والماء (وترًا ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك) بحسب الحاجة، (واجعلن في) الغسلة (الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور) بالشك من الراوي (فإذا فرغتن) من غسلها (فآذنني) بالمد وكسر الذال وتشديد النون، أي: أعلمنني.
(فلما فرغنا آذناه، فالقى إلينا حقوه) بفتح الحاء المهملة وكسرها (فضفرنا شعرها ثلاثة قرون) أي: ذوائب (وألقيناها) بالواو، أي: الذوائب. وللأربعة: فألقيناها (خلفها).
وقال الحنفية: ضفيرتان على صدرها فوق الدرع.
ولما فرغ المصنف من بيان أحكام الغسل، شرع في بيان أحكام الكفن فقال:
١٩ - باب الثِّيَابِ الْبِيضِ لِلْكَفَنِ
(باب الثياب البيض للكفن).
١٢٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت "إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ".
[الحديث ١٢٦٤ - أطرافه في: ١٢٧١، ١٢٧٢، ١٢٧٣، ١٣٨٧].
وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي المجاور بمكة (قال: أخبرنا عبد الله) وللأصيلي عبد الله بن المبارك (قال: أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة، ﵂، قالت):
(إن رسول الله، ﷺ كفن في ثلاثة أثواب يمانية) بتخفيف الياء، نسبة إلى اليمن، (بيض سحولية) بفتح السين وتشديد المثناة التحتية، نسبة إلى السحول، وهو القصَّار، لأنه يسحلها أي: يغسلها، أو: إلى سحول، قرية باليمن وقيل، بالضم: اسم لقرية أيضًا (من كرسف) بضم أوله وثالثه أي: قطن.
وصحح الترمذي والحاكم، من حديث ابن عباس مرفوعًا: "البسوا ثياب البياض، فإنها أطيب وأطهر، وكفنوا فيها موتاكم".
وفي مسلم: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه".
قال النووي: المراد بإحسان الكفن بياضه ونظافته. قال البغوي: وثوب القطن أولى.
وقال الترمذي: وتكفينه، ﷺ ، في ثلاثة أثواب بيض أصح ما ورد في كفنه.
(ليس فيهن) أي: في الثلاثة الأثواب، ولأبوي: ذر، والوقت، والأصيلي: ليس فيها (قميص ولا عمامة) أي: ليس موجودًا أصلاً، بل هي الثلاثة فقط.
قال النووي، وهو ما فسره به الشافعي، والجمهور، وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الأحاديث: وهو أكمل الكفن للذكر، ويحتمل أن تكون الثلاثة الأثواب خارجة عن القميص والعمامة، فيكون ذلك خمسة. وهو تفسير مالك، ومثله قوله تعالى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] يحتمل بلا عمد أصلاً
стр. 907
أو بعمد غير مرئية لهم.
ومذهب الشافعي جواز زيادة القميص، والعمامة على الثلاثة من غير استحباب، وقال الحنابلة: إنه مكروه.
ورواة الحديث ما بين: مروزي ومدني، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في: باب الكفن بغير قميص، وفي: باب الكفن بلا عمامة. ومسلم، وأبو داود، والنسائي وابن ماجة.
٢٠ - باب الْكَفَنِ فِي ثَوْبَيْنِ
(باب) جواز (الكفن في ثوبين) فالثلاثة ليست واجبة، بل الواجب لغير المحرم ثوب واحد ساتر لكل البدن، وعلى هذا جرى الإمام أحمد، والغزالي، وجمهور الخراسانيين.
وقال النووي في مناسكه إنه المذهب الصحيح. وصحح في بقية كتبه ما عزاه للنص، والجمهور أن أقله سائر العورة فقط، كالحي. ولحديث مصعب الآتي إن شاء الله تعالى، في باب: إذا لم يوجد إلا ثوب واحد.
وعلى القول بذلك يختلف قدر الواجب بذكورة الميت وأنوثيته، فيجب في المرأة ما يستر بدنها إلا وجهها وكفيها، حرة كانت أو أمة، لزوال الرق بالموت، كما ذكره في كتاب الإيمان. ويأتي مزيد لذلك، إن شاء الله تعالى، عند شرح حديث مصعب.
١٢٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا".
[الحديث ١٢٦٥ - أطرافه في: ١٢٦٦، ١٢٦٧، ١٢٦٨، ١٨٣٩، ١٨٤٩، ١٨٥٠، ١٨٥١].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي، المعروف بعارم قال: (حدَّثنا حماد) وللأصيلي: حماد بن زيد (عن أيوب) السختياني (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال):
(بينما) بالميم، وأصله: بين زيدت فيه الألف، والميم ظرف زمان مضاف إلى جملة (رجل) لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمه (واقف بعرفة) للحج عند الصخرات، وليس المراد خصوص الوقوف المقابل للقعود، لأنه كان راكبًا ناقته، ففيه إطلاق لفظ الواقف على الراكب (إذ وقع عن راحلته) ناقته التي صلحت للرحل، والجملة جواب: بينما (فوقصته -أو قال فأوقصته) شك الراوي، والمعروف عند أهل اللغة بدون الهمزة، فالثاني شاذ، أي: كسرت عنقه. والضمير المرفوع في وقصته للراحلة، والمنصوب للرجل (قال) وللأصيلي، وابن عساكر: فقال (النبي، ﷺ ¬):
(اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين) غير الذي عليه، فيستدل به على إبدال ثياب المحرم.
قال في الفتح: وليس بشيء لأنه سيأتي، إن شاء الله تعالى في الحج، بلفظ: في ثوبيه.
وللنسائي، من طريق يونس بن نافع، عن عمرو بن دينار: في ثوبيه اللذين أحرم فيهما، وإنما لم يزده ثالثًا، تكرمة له كما في الشهيد، حيث قال: زملوهم بدمائهم.
وقال النووي في المجموع لأنه لم يكن له مال غيرهما.
(ولا تحنطوه) بتشديد النون المكسورة أي: لا تجعلوا في شيء من غسلاته، أو: في كفنه حنوطًا (ولا تخمروا) بالخاء المعجمة، أي: لا تغطوا (رأسه) بل أبقوا له أثر إحرامه من منع ستر رأسه، إن كان رجلاً، ووجهه وكفيه إن كان امرأة، ومن منع المخيط وأخذ ظفره وشعره (فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) أي: بصفة الملبين بنسكه الذي مات فيه من حج أو عمرة، أو هما قائلاً: لبيك اللهم لبيك.
قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام، وهو مذهب الشافعي ﵀.
وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة، رحمهما الله تعالى، وهو مقتضى القياس لانقطاع العبادة
بزوال محل التكليف، وهو الحياة.
لكن اتبع الشافعي الحديث، وهو مقدم على القياس، وغاية ما اعتذر به عن الحديث، ما قيل: إن النبي ﷺ علل هذا الحكم في هذا الإحرام بعلة لا يعلم وجودها في غيره، وهو أنه: يبعث يوم القيامة ملبيًا. وهذا الأمر لا يعلم وجوده في غير هذا المحرم لغير النبي، ﷺ ، والحكم إنما يعم في غير محل النص بعموم علته، أو غيرها: ولا يرى أن هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام، فتعم كل محرم. اهـ.
٢١ - باب الْحَنُوطِ لِلْمَيِّتِ
(باب الحنوط للميت) بفتح الحاء وضم النون، ويقال: الحناط بالكسر.
قال الأزهري: ويدخل فيه الكافور، وذريرة القصب، والصندل الأحمر، والأبيض.
وقال غيره: الحنوط ما يخلط من الطيب للموتى خاصة، ولا يقال، لطيب الأحياء: حنوط.
١٢٦٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَأَقْصَعَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا".
وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد، قال: (حدّثنا حماد) هو: ابن زيد (عن أيوب) السختياني (عن سعيد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة (عن ابن
стр. 908
عباس ﵄ قال):
(بينما) بالميم (رجل واقف مع رسول الله، ﷺ ، بعرفة) عند الصخرات، وجواب بينما، قوله: (إذ وقع من راحلته فأقصعته) بصاد فعين مهملتين (أو قال: فأقعصته) بتقديم العين على الصاد، أي: قتلته سريعًا (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين).
قال القاضي عياض: أكثر الروايات، ثوبيه بالهاء. وقال النووي في شرح مسلم: فيه جواز التكفين في ثوبين، والأفضل ثلاثة (ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه). بذلك أخذ الشافعي.
وقال مالك وأبو حنيفة: يفعل به ما يفعل بالحلال، لحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث". فعبادة الإحرام انقطعت عنه. قال ابن دقيق العيد، كما مر وهو مقتضى القياس.
لكن الحديث بعد أن ثبت يقدم على القياس، وقال بعض المالكية: حديث المحرم هذا خاص به، ويدل عليه قوله:
(فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا) فأعاد الضمير عليه، ولم يقل: فإن المحرم. وحينئذٍ فلا يتعدى حكمه إلى غيره إلا بدليل.
وجوابه ما قاله ابن دقيق العيد: إن العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام، فتعم كل محرم. اهـ.
ومطابقته للترجمة بطريق المفهوم من منع الحنوط للمحرم.
٢٢ - باب كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ؟
هذا (باب) بالتنوين (كيف يكفن المحرم) إذا مات؟ وسقط الباب وقاله لابن عساكر.
١٢٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّ رَجُلاً وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي، قال: (أخبرنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشية (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄¬):
(أن رجلاً وقصه بعيره) أي: كسر عنقه، فمات. لكن نسبته للبعير مجاز إن كان مات من الوقعة عنه، وإن أثرت ذلك فيه بفعلها فحقيقة، (ونحن مع النبي، ﷺ ، وهو) أي الرجل الموقوص (محرم) بالحج عند الصخرات بعرفة، و: والواو في: ونحن، وفي: وهو، للحال (فقال النبي ﷺ ¬):
(اغسلوه بماء وسدر) فيه إباحة غسل المحرم الحي بالسدر، خلافًا لمن كرهه له (وكفنوه في ثوبين) فليس الوتر في الكفن شرطًا في الصحة كما مر، وفي رواية: ثوبيه بالهاء، وفيه استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأنه لا يكفن في المخيط، وإحدى الروايتين مفسرة للأخرى. (ولا تمسوه طينًا) بضم الفوقية وكسر الميم من أمس (ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبدًا) بدال مهملة بدل المثناة التحتية. كذا للأكثرين، وفي رواية المستملي: ملبيًا والتلبيد: جمع شعر الرأس بصمغ، أو غيره، ليلتصق شعره فلا يشعث في الإحرام.
لكن أنكر القاضي عياض هذه الرواية، وقال: الصواب ملبيًا بدليل رواية يلبي. فارتفع الإشكال، وليس للتلبيد هنا معنى.
قال الزركشي، وكذا رواه البخاري في كتاب الحج: فإنه يبعث يهل. اهـ.
وكل هذا لا ينافي رواية ملبدًا إن صحت، لأنه حكاية حاله عند موته. اهـ.
يعني أن الله يبعثه على هيئته التي مات عليها.
١٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو وَأَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: "كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَ أَيُّوبُ: فَوَقَصَتْهُ -وَقَالَ عَمْرٌو: فَأَقْصَعَتْهُ- فَمَاتَ، فَقَالَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - قَالَ أَيُّوبُ: يُلَبِّي، وَقَالَ عَمْرٌو: مُلَبِّيًا".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد، قال: (حدّثنا حماد بن زيد) هو: ابن درهم الجهضمي البصري (عن عمرو) هو: ابن دينار (وأيوب) السختياني كلاهما (عن سعيد بن جبير) الأسدي، مولاهم، الكوفي (عن ابن عباس ﵄، قال):
(كان رجل واقف) بالرفع، صفة لرجل، لأن كان تامة. ولأبي ذر: واقفًا، بالنصب على أنها ناقصة، (مع النبي، ﷺ ، بعرفة) عند الصخرات (فوقع عن راحلته. قال أيوب) السختياني في روايته: (فوقصته) بالقاف بعد الواو من الوقص، وهو كسر العنق، كما مر (-وقال عمرو) بفتح العين: ابن دينار (فأقصعته-) بتقديم الصاد على العين، ولأبي ذر عن الكشميهني: فأقعصته، بتقديم العين (فمات، فقال):
(اغسلوه بماءٍ وسدرٍ وكفنوه في ثوبين) بالنون (ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة).
(قال أيوب) السختياني في روايته (يلبي) بصيغة المضارع المبني للفاعل.
(وقال عمرو) بن دينار: (ملبيًا) على صيغة اسم الفاعل منصوب على الحال، والفرق بينهما أن الفعل يدل على التجدد، والاسم يدل على الثبوت.
٢٣ - باب الْكَفَنِ فِي الْقَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ
(باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف) زاد المستملي:
стр. 909
ومن كفن بغير قميص، بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الفاء، من: يكف في الموضعين أي: خيطت حاشيته أو لم تخط، لأن الكف خياطة الحاشية.
وضبطه بعضهم بفتح الياء وضم الكاف وتشديد الفاء، وصوبه ابن رشيد أي: يتبرك بإلباس قميص الصالح للميت، سواء كان يكف عن الميت العذاب أو لا يكلف.
وضبطه آخر بفتح الياء وسكون الكاف وكسر الفاء، وجزم المهلب: بأنه الصواب، وأن الياء سقطت من الكاتب.
قال ابن بطال: فالمراد طويلاً كان القميص أو قصيرًا، والأول أولى.
وفي الخلافيات للبيهقي، من طريق ابن عون. قال: كان محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحي مكففًا مزرّرًا.
١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ. فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ فَقَالَ: آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ. فَآذَنَهُ. فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ قَالَ الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.
[الحديث ١٢٦٩ - أطرافه في: ٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٥٧٩٦].
وبالسند قال: (حدَّثنا مسدد) أي: ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بضم العين، ابن عمر العمري (قال: حدَّثني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر) بضم العين (¬﵄¬):
(أن عبد الله بن أبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية، ابن سلول، رأس المنافقين (لما توفي) في ذي القعدة، سنة تسع، منصرف رسول الله ﷺ من تبوك، وكانت مدة مرضه عشرين ليلة، ابتداؤها من ليالٍ بقيت من شوال. (جاء ابنه) عبد الله. وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم (إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا رسول الله) وسقط قوله: يا رسول الله عند أبي ذر، (أعطني قميصك أكفنه فيه) بالجزم جواب الأمر. والضمير لعبد الله بن أبي (وصّلِّ عليه واستغفر له).
ووقع عند الطبري، من طريق الشعبي: لما احتضر عبد الله جاء ابنه إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا نبيّ الله إن أبي احتضر، فأحب أن تحضره وتصلِّي عليه؛ وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النبي، ﷺ ، أن يحضر عنده، لا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، فأخرج عبد الرزاق، عن معمر، والطبري من طريق سعيد، كلاهما، عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أبي إلى النبي، ﷺ ، فلما دخل عليه قال: أهلكك حب يهود؟. قال: يا رسول الله! إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني. ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه.
قال في الفتح: وهذا مرسل مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبراني، من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة عن ابن عباس: لما مرض عبد الله بن أبي، جاءه النبي، ﷺ ، فقال: امنن عليّ، فكفني في قميصك وصلِّ عليّ.
قال الحافظ ابن حجر: وكأنه أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبي، ﷺ ، عليه.
وقد وقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك بما سيأتي إن شاء الله تعالى، قال: وهذا من أحسن الأجوبة، فيما يتعلق بهذه القصة.
(فأعطاه النبي، ﷺ ، قميصه) أي: أعطى النبي، ﷺ قميصه لولده إكرامًا للولد، أو مكافأة لأبيه عبد الله بن أبي، لأنه لما أسر العباس ببدر، ولم يجدوا له قميصًا يصلح له، وكان رجلاً طويلاً، فألبسه قميصه، فكافأه، ﷺ ، بذلك كي لا يكون لمنافق عليه يد لم يكافئه عليها، أو: لأنه ما سئل شيئًا قط، فقال: لا، أو: إن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.
وأما قول المهلب: رجا أن يكون معتقد لبعض ما كان يظهر من الإسلام، فينفعه الله بذلك.
فتعقبه ابن المنير، فقال: هذه هفوة ظاهرة، وذلك أن الإسلام لا يتبعض، والعقيدة شيء واحد، لأن بعض معلوماتها شرط في البعض، والإخلال ببعضها إخلال بجملتها، وقد أنكر الله تعالى على من آمن بالبعض وكفر بالبعض، كما أنكر على من كفر بالكل. اهـ.
(فقال) ﵊: (آذني) بالمد وكسر الذال المعجمة، أي: أعلمني (أصلي عليه) بعدم الجزم على الاستئناف وبه جوابًا للأمر.
(فآذنه) أعلمه (فلما أراد) ﵊ (أن يصلّي عليه، جذبه عمر) بن الخطاب (¬﵁¬) بثوبه (فقال: أليس الله نهاك أن تصلي) أي: عن الصلاة (على المنافقين) وفهم ذلك عمر ﵁ من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]
стр. 910
لم يتقدم نهي عن الصلاة على المنافقين، بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث، فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وفي تفسير سورة براءة، من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر، فقال: تصلي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ (فقال) ﵊:
(أنا بين خيرتين) بخاء معجمة مكسورة ومثناة تحتية مفتوحة تثنية خيرة كعنبة أي أنا مخير بين الأمرين الاستغفار وعدمه (قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾) قال البيضاوي: يريد التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم، كما نص عليه بقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فقال ﵊: لأزيدن على السبعين، ففهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل (فصلّى) ﵊ (عليه) أي: على عبد الله بن أبي (فنزلت) آية: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾) [التوبة: ٨٤]. لأن الصلاة دعاء للميت واستغفار له. وهو ممنوع في حق الكافر، وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه، ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة بالقميص كان مخلاًّ بالكرم، ولأنه كان مكافأة لإلباسه العباس قميصه، كما مر.
وزاد أبو ذر في روايته: ولا تقم على قبره، أي: ولا تقف على قبره للدفن أو الزيارة، واستشكل تخييره ﵊ بين الاستغفار لهم وعدمه، مع قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]. الآية، فإن هذه الآية نزلت بعد موت أبي طالب حين قال: والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، وهو متقدم على الآية التي فهم منها التخيير.
وأجيب: بأن المنهي عنه في هذه الآية استغفار مرجو الإجابة، حتى لا يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم، كما في أبي طالب، بخلاف استغفاره للمنافقين، فإنه استغفار لسان قصد به تطييب قلوبهم. اهـ.
وفي الحديث أنه تحرم الصلاة على الكافر، ذمي وغيره، نعم، يجب دفن الذمي وتكفينه، وفاء بذمته، كما يجب إطعامه وكسوته حيًّا. وفي معناه: المعاهد والمؤمن بخلاف الحربي، والمرتد، والزنديق. فلا يجب تكفينهم ولا دفنهم، بل يجوز إغراء الكلاب عليهم إذ لا حرمة لهم.
وقد ثبت أمره ﵊، بإلقاء قتلى بدر في القليب بهيئتهم، ولا يجب غسل الكافر لأنه ليس من أهل التطهير، ولكنه يجوز، وقريبه الكافر أحق به.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في: اللباس والتفسير، ومسلم في: اللباس، وفي: التوبة، والترمذي في: التفسير، وكذا النسائي فيه، وفي: الجنائز، وابن ماجة فيه.
١٢٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا ﵁ قَالَ: "أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ".
[الحديث ١٢٧٠ - أطرافه في: ١٣٥٠، ٣٠٠٨، ٥٧٩٥].
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد النهدي الكوفي، قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن عمرو) بفتح العين هو: ابن دينار (سمع جابرًا) هو: ابن عبد الله الأنصاري (¬﵁ قَالَ):
(أتى النبي ﷺ ، عبد الله بن أبي) جملة من فعل وفاعل ومفعول (بعدما دفن) دلي في حفرته، وكان أهله خشوا على النبي، ﷺ المشقّة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصوله ﵊، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته، فأمرهم بإخراجه (فأخرجه) منها (فنفث فيه) أي: في جلده (من ريقه، وألبسه قميصه) إنجازًا لوعده في تكفينه في قميصه، كما في حديث ابن عمر.
لكن استشكل هذا مع قول ابنه في حديث ابن عمر، يا رسول الله، أعطني قميصك أكفنه فيه، فأعطاه قميصه.
وأجيب بأن معنى قوله: فأعطاه أي: أنعم له بذلك، فأطلق على العدة اسم العطية مجازًا لتحقق وقوعها، وقيل: أعطاه ﵊ أحد قميصيه، أولاً، ثم لما حضر أعطاه الثاني، بسؤال ولده. وفي الإكليل للحاكم ما يؤيد ذلك.
٢٤ - باب الْكَفَنِ بِغَيْرِ قَمِيصٍ
(باب الكفن بغير قميص) هذه الترجمة ثابتة للأكثرين، وسقطت للمستملي، لكنه زادها في التي قبلها عقب قوله: أو لا يكف. فقال: ومن كفن بغير فميص، كما بينته.
١٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "كُفِّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابِ سَحُولَ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين، قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن هشام عن) أبيه (عروة) بن الزبير بن العوام (عن عائشة ﵁ قالت):
(كفن النبي، ﷺ ، في ثلاثة أثواب سحول) كذا مضافًا، والذي في اليونينية: أثواب، بالخفض من غير تنوين، سحول، بفتح اللام.
стр. 911
ولأبي ذر: أثواب سحول، وهو بضم السين فيهما، جمع: سحل، وهو الثوب الأبيض النقي، أو: بالفتح نسبة إلى سحول قرية باليمن.
وقوله: (كرسف) بضم الكاف والسين بينهما راء ساكنة، عطف بيان لسحول، أي: ثلاثة أثواب بيض نقية من قطن (ليس فيها قميص ولا عمامة) يحتمل نفي وجودهما بالكلية، ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود، أي: الثلاثة خارجة عن: القميص والعمامة. والأول أظهر، وبه قال الشافعي وبالثاني قال المالكية.
نعم، يجوز التقميص عند الشافعي من غير استحباب، لأن ابن عمر كفن ابنًا له في خمسة أثواب: قميص، وعمامة، وثلاثة لفائف. رواه البيهقي.
قال في المهذّب وشرحه: والأفضل أن لا يكون في الكفن قميص ولا عمامة، فإن كان لم يكره، لكنه خلاف الأولى لخبر عائشة السابق اهـ.
١٢٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو: ابن مسرهد، قال: (حدّثنا يحيى، عن هشام، حدّثني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة ﵂ أن رسول الله، ﷺ ، كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة).
٢٥ - باب الْكَفَنِ وَلَا عِمَامَةٌ
(باب الكفن ولا عمامة) وللحموي والكشميهني: بلا عمامة، بالموحدة بدل الواو، ولأبي ذر، عن المستملي: الكفن في الثياب البيض، والرواية الأولى أولى، وإن كان الحديث شاملاً لهذه، لئلا تتكرر الترجمة من غير فائدة.
١٢٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ".
وبالسند قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس، عبد الله الأصبحي (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رسول الله، ﷺ ، كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية) في طبقات ابن سعد، عن الشعبي إزار ورداء ولفافة. (ليس فيها قميص ولا عمامة).
٢٦ - باب الْكَفَنِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَقَتَادَةُ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: الْحَنُوطُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يُبْدَأُ بِالْكَفَنِ، ثُمَّ بِالدَّيْنِ، ثُمَّ بِا لْوَصِيَّةِ، وَقَالَ سُفْيَانُ: أَجْرُ الْقَبْرِ وَالْغَسْلِ هُوَ مِنَ الْكَفَنِ
هذا (باب) بالتنوين (الكفن من جميع المال) أي من رأسه، لا من الثلث. وهو قول خلاس، وقال طاوس: من الثلث إن قل المال، وهو مقدم وجوبًا على الدّيون اللازمة للميت، لحديث مصعب بن عمير، لما قتل يوم أُحد، ولم يوجد ما يكفن فيه إلا برده، فأمر ﵊ بتكفينه فيه، ولم يسأل. ولا يبعد من حال من ليس له إلا بردة أن يكون عليه دين.
نعم، يقدم حق تعلق بعين المال: كالزكاة، والمرهون، والعبد الجاني المتعلق برقبته مال، أو قود، وعفى على مال، والمبيع إذا مات المشتري مفلسًا.
(وبه) أي: بأن الكفن من جميع المال (قال عطاء) هو: ابن أبي رباح، مما وصله الدارمي من طريق ابن المبارك، عن ابن جريج عنه (والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (وعمرو بن دينار، وقتاد) بن دعامة.
(وقال: عمرو بن دينار) مما هو جميعه عند عبد الرزاق: (الحنوط من جميع المال) أي: لا من الثلث.
(وقال إبراهيم) النخعي، مما وصله الدارمي: (يبدأ بالكفن) أي: ومؤونة التجهيز (ثم بالدين) اللازم له: لله، أو لآدمي لأنه أحوط للميت، (ثم بالوصية) ثم ما بقي للورثة.
وأما تقديم الوصية عليه ذكرًا في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. فلكونها قربة، والدين مذموم غالبًا، ولكونها مشابهة للإرث من جهة أخذها بلا عوض وشاقة على الورثة. والذين نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فقدمت عليه بعثًا على وجوب إخراجها، والمسارعة إليه. ولهذا عطف بأو للتسوية بينهما في الوجوب عليهم، وليفيد تأخر الإرث عن أحدهما، كما يفيد تأخره عنهما بمفهوم الأولى.
(وقال سفيان) الثوري مما وصله الدارمي: (أجر) حفر (القبر و) أجر (الغسل هو من الكفن) أي: من حكم الكفن في كونة من رأس المال لا من الثلث.
١٢٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ يَوْمًا بِطَعَامِهِ، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ -وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي- فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ -أَوْ رَجُلٌ آخَرُ- خَيْرٌ مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ
بُرْدَةٌ. لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا. ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي".
[الحديث ١٢٧٤ - طرفاه في: ١٢٧٥، ٤٠٤٥].
وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن محمد المكي) الأزرقي على الصحيح، ويقال: الزرقي صاحب تاريخ مكة، قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد عن) أبيه (سعد) هو: ابن إبراهيم (عن أبيه) إبراهيم بن عبد الرحمن (قال: أتي) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (عبد الرحمن) بالرفع نائب عن الفاعل (ابن عوف، ﵁، يومًا بطعامه) بالضمير الراجع إليه، وكان صائمًا (فقال: قتل) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (مصعب بن عمير) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين، مرفوع نائب عن الفاعل، وعمير بضم العين مصغرًا القرشي العبدري، قال عبد الرحمن بن عوف (-وكان-) مصعب
стр. 912
(خيرًا مني) قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه (فلم يوجد له ما يكفن فيه إلاّ برده) بالضمير العائد على مصعب. قال الحافظ ابن حجر: وهو رواية الأكثر قال: ولأبي ذر عن الكشميهني: إلا بردة، بلفظ واحد البرود. اهـ.
والذي في الفرع، عن الكشميهني بالضمير، والبرد نمرة كالمئزر.
وهذا موضع الترجمة، لأن ظاهره أنه لم يوجد ما يملكه إلا البردة المذكورة.
(وقتل حمزة) بن عبد المطلب في غزوة أُحد (-أو رجل آخر-) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة). وللكشميهني كما في الفرع وأصله: إلاّ برده، بالضمير الراجع إليه.
قال عبد الرحمن بن عوف: (لقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا) يعني: أصبنا ما كتب لنا من الطيبات في دنيانا، فلم يبق لنا بعد استيفاء حظنا شيء منها. والمراد بالحظ الاستمتاع والتنعم الذي يشغل الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، حتى يعكف همته على استيفاء اللذات. أما من تمتع بنعم الله، ورزقه الذي خلقه تعالى لعباده، ليتقوى بذلك على دراية العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشكر فهو عن ذلك بمعزل.
(ثم جعل) عبد الرحمن (يبكي) خوفًا من تخلفه عن اللحاق بالدرجات العلى.
وشيخ المؤلّف من أفراده، والثلاثة البقية مدنيون، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا المؤلّف في: الجنائز، والمغازي.
٢٧ - باب إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ
هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يوجد) للميت (إلاّ ثوب واحد) اقتصر عليه.
١٢٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ
إِبْرَاهِيمَ "أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ أُتِيَ بِطَعَامٍ -وَكَانَ صَائِمًا- فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ -وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي- كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ. وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ -وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي- ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ -أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا- وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا. ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ".
وبالسند قال: (حدّثنا ابن مقاتل) محمد المروزي، المجاور بمكة. ولأبي ذر: محمد بن مقاتل، قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي، قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن إبراهيم) بسكون العين (عن أبيه إبراهيم).
(أن) أباه (عبد الرحمن بن عوف، ﵁، أتي بطعام) بإسقاط هاء الضمير (-وكان) عبد الرحمن يومئذ (صائمًا- فقال: قتل مصعب بن عمير -وهو خير مني- كفن في بردة) ولأبي ذر، عن الحموي والمستملي: في برده بالضمير الراجع إلى مصعب (إن غُطي) بضم الغين مبنيًّا للمفعول (رأسه) بالرفع نائب عن الفاعل، (بدت) ظهرت (رجلاه وإن غطي رجلاه بدا) ظهر (رأسه). قال المهلب وابن بطال: وإنما استحب أن يكفن في هذه البردة لكونه قتل فيها.
قال ابن حجر: وفي هذا الجزم نظر، بل الظاهر أنه لم يوجد له غيرها كما هو مقتضى الترجمة.
(وأراه) بضم الهمزة، أي: أظنه (قال: وقتل حمزة) عم النبي ﷺ (-وهو خير مني-) وروى الحاكم في مستدركه، من حديث أنس: أن حمزة كفن أيضًا كذلك. (ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا-) شك من الراوي (وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا) يعني: خفنا أن ندخل في زمرة من قيل في حقه ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]. يعني: من كانت العاجلة همه، ولم يرد غيرها، تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد.
وقيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولا كل واحد جميع ما يهواه.
(ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) في وقت الإفطار.
٢٨ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إِلاَّ مَا يُوَارِي رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى رَأْسَهُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يجد) من يتولى أمر الميت (كفنًا إلا ما يواري) يستر (رأسه) مع بقية جسده (أو) يستر (قدميه) مع بقية جسده (غطى) ولأبي ذر: غطي، بضم المعجمة (به) أي: بذلك الكفن (رأسه).
١٢٧٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ حَدَّثَنَا خَبَّابٌ ﵁ قَالَ "هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ: فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا. قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلاَّ بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ. فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ".
[الحديث ١٢٧٦ - أطرافه في: ٣٨٩٧، ٣٩١٣، ٣٩١٤، ٤٠٤٧، ٤٠٨٢، ٦٤٣٢، ٦٤٤٨].
وبالسند قال: (حدّثنا عمر بن حفص) بضم عين عمر، قال: (حدَّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران، قال: (حدّثنا شقيق) أبو وائل بن سلمة، قال: (حدّثنا خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، بينهما ألف، ابن الأرت، بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية (¬﵁ قال):
(هاجرنا مع النبي، ﷺ ¬)، حال كوننا (نلتمس وجه الله) أي ذاته، لا الدنيا. والمراد بالمعية الاشتراك في حكم الهجرة إذ لم يكن معه ﵊ إلا أبو بكر وعامر بن فهيرة (فوقع أجرنا على الله) وفي رواية: وجب أجرنا على الله. أي: وجوبًا شرعيًّا أي: بما وجب
стр. 913
بوعده الصدق، لا عقليًّا إذ لا يجب على الله شيء (فمنا من مات لم يكل من أجره) من الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح (شيئًا) بل قصر نفسه عن شهواتها لينالها متوفرة في الآخرة (منهم: مصعب بن عمير) بضم العين وفتح الميم: ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، يجتمع مع النبي ﷺ وفي قصي (ومنا من أينعت) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية وفتح النون أي: أدركت ونضجت (له ثمرته) ولأبي ذر: ثمرة (فهو يَهدِبها) بفتح المثناة التحتية وسكون الهاء وتثليث الدال، أي: يجنيها. وعبر بالمضارع ليفيد استمرار الحال الماضية والآتية استحضارًا له في مشاهدة السامع.
(قتل) أي: مصعب (يوم أُحد) قتله عبد الله بن قميئة، والجملة استئنافية (فلم نجد له ما نكفنه) زاد أبو ذر: به (إلاّ بردة، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا) بها (رجليه خرج رأسه) لقصرها، (فأمر النبي، ﷺ ، أن نغطي رأسه) بطرف البردة (وأن نجعل على رجليه من الإذخر) بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة والراء، نبت حجازي طيب الرائحة.
وفي الحديث من الفوائد: أن الواجب من الكفن ما يستر العورة، قال في المجموع، واحتمال أنه لم يكن له غير النمرة مدفوع بأنه بعيد ممن خرج للقتال، وبأنه لو سلم ذلك لوجب تتميمه من بيت المال، ثم من المسلمين. اهـ.
وقد يقال: أمرهم بتتميمه بالإذخر. وهوَ ساتر، ويجاب: بأن التكفين به لا يكفي إلاّ عند
تعذر التكفين بالثوب، كما صرح به الجرجاني، لما فيه من الإزراء بالميت، على أنه ورد في أكثر طرق الحديث أنه قتل يوم أُحد، ولم يخلف إلاّ نمرة.
وبالجملة، فالأصح أن أقل الكفن ساتر العورة. لكن استشكل الأسنوي الاقتصار على ساتر العورة، بما في النفقات، من أنه لا يحل الاقتصار في كسوة العبد على ساتر العورة، وإن لم يتأذ بحر أو برد، لأنه تحقير وإذلال، فامتناعه في الميت الحر أولى.
وأجيب عنه: بأنه لا أولوية، بل ولا تساوي. إذ للغرماء منع الزيادة على الثوب الواحد، والحر المفلس يبقى له ما يجمله لاحتياجه إلى التجمل للصلاة، وبين الناس، ولأن الميت يستر بالتراب عاجلاً بخلاف العبد.
والأولى أن يجاب: بأنه لا فرق بين المسألتين إذ عدم الجواز في تلك ليس لكونه حقًا لله تعالى في الستر، بل لكونه حقًا للعبد. حتى إذا أسقطه جاز.
وفي الحديث أيضًا بيان فضيلة مصعب بن عمير، وأنه ممن لم ينقص له من ثواب الآخرة شيء.
٢٩ - باب مَنِ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ
(باب من استعد الكفن) أي: أعده، وليست السين للطلب (في زمن النبي ﷺ ، فلم ينكر عليه) بفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، كذا في الفرع وأصله، وفي نسخة: فلم ينكر بكسرها على أن فاعل الإنكار النبي ﷺ .
١٢٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ ﵁ "أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا. أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي، فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ: اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا. قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لأَلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ".
[الحديث ١٢٧٧ - أطرافه في: ٢٠٩٣، ٥٨١٠، ٦٠٣٦].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (قال: حدّثنا ابن أبي حازم) عبد العزيز (عن أبيه) أبي حازم، سلمة بن دينار الأعرج القاص، من عباد أهل المدينة وزهادهم (عن سهل) هو: ابن سعد الساعدي (¬﵁¬):
(أن امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (جاءت النبي، ﷺ ، ببردة منسوجة فيها حاشيتها) رفع بقوله منسوجة، واسم المفعول يعمل عمل فعله، كاسم الفاعل أي: أنها لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية، أو أنها جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس بعد.
قال سهل:- (أتدرون) بهمزة الاستفهام، ولأبوي ذر، والوقت: تدرون بإسقاطها (ما البردة؟ قالوا: الشملة. قال) سهل: (نعم) هي، وفي تفسيره بها تجوّز لأن البردة كساء، والشملة ما يشتمل به، فهي أعم. لكن لما كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها.
(قالت) أي: المرأة للنبي، ﷺ : (نسجتها) أي: البردة (بيدي) حقيقة أو مجازًا (فجئت لأكسوكها فأخذها النبي ﷺ ¬) حال كونه (محتاجًا إليها) وعرف ذلك بقرينة حال، أو تقدم قول صريح (فخرج) ﵊ (إلينا وإنها إزاره) وفي رواية هشام بن عمار، عن عبد العزيز عند ابن ماجة: فخرج إلينا فيها. وعند الطبراني من رواية هشام بن سعد عن أبي حازم: فاتزر بها ثم خرج (فحسنها) أي نسبها إلى الحسن، وللمصنف في اللباس، من طريق
стр. 914
يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، فجسها بالجيم من غير نون (فلان) هو عبد الرحمن بن عوف كما في الطبراني، فيما ذكره المحب الطبري في الأحكام له، لكن قال صاحب الفتح إنه لم يره في المعجم الكبير، ولا في مسند سهل، ولا عبد الرحمن، أو: هو سعد بن أبي وقاص، أو: هو أعرابي كما في الطبراني من طريق زمعة بن صالح عن أبي حازم، لكن زمعة ضعيف. (فقال: اكسنيها ما أحسنها) بالنصب على التعجب.
(وقال القوم: ما أحسنت) نفي للإحسان (لبسها النبي ﷺ ¬) حال كونه (محتاجًا إليها) وفي نسخة عند أبي ذر: محتاج، بالرفع بتقدير: هو (ثم سألته) إياها (وعلمت أنه لا يرد) سائلاً بل يعطيه، ما يطلبه (قال: إني والله ما سألته) ﵊ (لألبسها) أي: لأجل أن ألبسها، وفي نسخة لألبسه، وهو الذي في الفرع وأصله (إنما سألته) إياها (لتكون كفني، قال سهل: فكانت كفنه).
وعند الطبراني من طريق هشام بن سعد، قال سهل: فقلت للرجل: لم سألته وقد رأيت حاجته إليها؟ فقال: رأيت ما رأيتم، ولكني أردت أن أخبأها حتى أكفن فيها، فأفاد أن المعاتب له من الصحابة سهل بن سعد، وفي رواية أبي غسان، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي، ﷺ ، وفيه التبرك بآثار الصالحين، وجواز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة إليه.
لكن، قال أصحابنا: لا يندب أن يعدّ لنفسه كفنًا لئلا يحاسب على اتخاذه أي: لا على اكتسابه، لأن ذلك مختصًّا بالكفن، بل سائر أمواله كذلك، ولأن تكفينه من ماله واجب، وهو يحاسب عليه بكل حال، إلاّ أن يكون من جهة حل، وأثر ذي صلاح، فحسن إعداده كما هنا، لكن لا يجب تكفينه فيه، كما اقتضاه كلام القاضي أبي الطيب وغيره، بل للوارث إبداله لأنه ينتقل للوارث، فلا يجب عليه ذلك. ولو أعدّ له قبرًا يدفن فيه فينبغي أنه لا يكره، لأنه للاعتبار بخلاف الكفن، قاله الزركشي.
ورواة الحديث الأربعة مدنيون إلا عبد الله بن مسلمة، سكن البصرة. وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه ابن ماجة في: اللباس.
٣٠ - باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ
(باب) حكم (اتباع النساء الجنائز) بالجمع، ولأبي ذر: الجنازة.
١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: "نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا".
وبالسند قال: (حدّثنا قبيصة بن عقبة) بفتح القاف في الأول وضم العين وإسكان القاف في الثاني، السوائي العامري الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن خالد) ولأبي ذر: عن خالد الحذاء (عن أم الهذيل) بضم الهاء وفتح المعجمة، حفصة بنت سيرين (عن أم عطية) نسيبة (¬﵂ قالت) ولأبي ذر: أنها قالت:
(نهينا) بضم النون وكسر الهاء، وعند الإسماعيلي من رواية يزيد بن أبي حكيم، عن الثوري بهذا الإسناد، ورواه ابن شاهين بسند صحيح: نهانا رسول الله (عن اتباع الجنائز) نهي تنزيه لا تحريم، بدليل قولها: (ولم يُعزم علينا) بضم الياء وفتح الزاي مبنيًّا للمفعول، أي: نهيًا غير متحتم، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم، وهذا قول الجمهور، ورخص فيه مالك، وكرهه للشابة .. وقال أبو حنيفة: لا ينبغي.
واستدلّ للجواز بما رواه ابن أبي شيبة، من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة، ﵁: أن رسول الله ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر ﵁ امرأة، فصاح بها، فقال: دعها يا عمر … الحديث، وأخرجه ابن ماجة من هذا الوجه، ومن طريق أخرى برجال ثقات.
وأما ما رواه ابن ماجة أيضًا، وغيره، مما يدل على التحريم فضعيف، ولو صح حمل على ما يتضمن حرامًا.
فائدة:
روى الطبري من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أم عطية، قالت: لما دخل رسول الله ﷺ جمع النساء في بيت، ثم بعث إلينا عمر، فقال: إني رسول الله ﷺ إليكن؛ بعثني لأبايعكن على أن: لا تسرقن وفي آخره وأمرنا أن نخرج في العيد العواتق، ونهانا أن نخرج في جنازة.
قال في الفتح: وهذا يدل على أن رواية أم عطية الأولى من مرسل الصحابة.
٣١ - باب حد الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا
(باب حد المرأة) من مصدر الثلاثي، ولأبي ذر: إحداد المرأة. (على) ميت (غير زوجها) ثلاثة
أيام، لما يغلب عليها من لوعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد من غير
стр. 915
وجوب سواء كان الميت قريبًا أو أجنبيًّا، وهو لغة المنع، واصطلاحًا ترك التزين بالصبوغ من اللباس والخضاب والتطيب، والمشهور أنه بالحاء المهملة، ويروى الإجداد بالجيم من جددت الشيء قطعته لأنها انقطعت عن الزينة وما كانت عليه.
١٢٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: "تُوُفِّيَ ابْنٌ لأُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقَالَتْ: نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلاَّ بِزَوْجٍ".
وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) قال (حدّثنا بشر بن المفضل) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة، ابن لاحق، قال: (حدّثنا سلمة بن علقمة) التيمي (عن محمد بن سيرين قال):
(توفي ابن لأم عطية) نسيبة (¬﵂، فلما كان اليوم الثالث) ولأبي ذر، عن الحموي والكشميهني: يوم الثالث، بإضافة الصفة إلى الموصوف (دعت بصفرة) بطيب فيه صفرة (فتمسحت به، وقالت: نهينا) ورواه أيوب، مما أخرجه عبد الرزاق، والطبراني، عن ابن سيرين، عن أم عطية، بلفظ: قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول، … فذكر معناه (أن نحد) على ميت (أكثر من ثلاث) بلياليها، ونحد: بضم أوله وكسر ثانيه من الرباعي، وأن، مصدرية. وحكي فتح أوله وكسر ثانيه وضمه من الثلاثي، ولم يعرف الأصمعي إلا الأول (إلا بزوج) أي: بسببه وللكشميهني: إلا لزوج، باللام بدل الموحدة، وفي العدد من طريقه: إلا على زوج، وكلها بمعنى السببية.
ورواته بصريون، وفيه التحديث والعنعنة والقول.
١٢٨٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قال حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: "لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَّامِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ بِصُفْرَةٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا".
[الحديث ١٢٨٠ - أطرافه في: ١٢٨١، ٥٣٣٤، ٥٣٣٩، ٥٣٤٥].
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) بضم الحاء وفتح الميم، عبد الله بن الزبير القرشي، قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاصي الأموي (قال: أخبرني) بالإفراد (حميد بن نافع) بضم الحاء، أبو أفلح، بالفاء والحاء المهملة (عن زينب ابنة) ولأبي ذر: بنت (أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد المخزومية، ربيبة النبي، ﷺ ، أمها أم المؤمنين: أم سلمة (قالت):
(لما جاء نعي) بسكون العين وتخفيف المثناة، ولأبي ذر: نعي: بكسر العين وتشديد المثناة، أي خبر موت (أبي سفيان) صخر بن حرب (من الشام).
قال في الفتح: فيه نظر، لأن أبا سفيان مات بالمدينة بلا اختلاف بين العلماء، بالاخبار، والجمهور على أنه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث، قال: ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك إلا في رواية سفيان بن عيينة هذه، وأظنها وهمًا. وعند ابن أبي شيبة، عن حميد بن نافع؛ جاء نعي لأخي أم حبيبة، أو حميم لها … الحديث، فلا مانع من التعدد.
(دعت) بنت أبي سفيان (أم حبيبة) رملة: أم المؤمنين (¬﵂ بصفرة) نوع من الطيب فيه صفرة (في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها) هما جانبا الوجه فوق الذقن إلى ما تحت الأذن (وذراعيها، وقالت: إني كنت عن هذا لغنية) فيه إدخال لام الابتداء على خبر كان الواقعة خبرًا لإن (لولا أني سمعت النبي، ﷺ ، يقول):
(لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) نفي بمعنى النهي على سبيل التأكيد (أن تحد) بضم أوّله وكسر ثانيه (على ميت فوق ثلاث) أي: ثلاث ليال، كما جاء مصرحًا به في رواية. والوصف بالإيمان فيه إشعار بالتعليل، فإن من آمن بالله ولقائه لا يجترئ على مثله من العظائم (إلا على زوج، فإنها تحد عليه) وجوبًا للإجماع على إرادته (أربعة أشهر وعشرًا) من الأيام بلياليها، سواء في ذلك الصغيرة والكبيرة، والمدخول بها وذات الإقراء وغيرهما، وكذا الذمية.
وتقييد المرأة في الحديث بالإيمان بالله واليوم الآخر جرى على الغالب، فإن الذمية كذلك، ومثلها فيما يظهر: المعاهدة والمستأمنة. وهذا مذهب الشافعية، والجمهور.
وقال أبو حنيفة، وغيره من الكوفيين، وأبو ثور، وبعض المالكية: لا يجب على الزوجة الكتابية، بل يختص بالمسلمة، لقوله: تؤمن … الخ، وقد خالف أبو حنيفة قاعدته هنا في إنكاره المفاهيم، وكذا التقييد بأربعة أشهر وعشر، خرج على غالب المعتدات وإلاّ فالحامل بالوضع وعليها الإحداد سواء قصرت المدة أو طالت.
ورواته الثلاثة الأول مكيون، والرابع مدني، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة والقول.
١٢٨١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: "دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس، قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) بفتح الحاء وسكون الزاي
следующие страницы →