← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

المثناة التحتية، قليلاً. فلم يكبر للهوي في الحال، وللإسماعيلي: فأنتصب قائمًا، وهو أوضع في المراد كما لا يخفى. (قال أبو قلابة: فصلّى بنا) مالك (صلاة شيخنا) أي كصلاة شيخنا (هذا) عمرو بن سلمة بكسر اللام الجرمي (أبي بريد) بضم الموحدة وفتح الراء المهملة، وصوّبه أبو ذر كما في الفرع وأصله، وكذا ضبطه مسلم في كتاب الكنى وللحموي والمستملي: أبي يزيد، بالمثناة التحتية والزاي المعجمة، غير منصرف، وجزم به الجياني. وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد: لم أسمعه من أحد إلا بالزاي، لكن مسلم أعلم في أسماء المحدثين. قال أبو قلابة (وكان أبو بريد) أو أبو يزيد (إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة استوى) حال كونه (قاعدًا) للاستراحة (ثم نهض) أي قام. وهذا الحديث قد سبق في باب: من صلّى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم، مع اختلاف في المتن والإسناد، ومطابقته للترجمة في قوله: ثم رفع رأسه فانصب هنية. ١٢٨ - باب يَهْوِي بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ. هذا (باب) بالتنوين (يهوي) بفتح أوله وضمه وكسر ثالثه أي ينحط أو يهبط المصلي. (بالتكبير حين يسجد). (وقال نافع) مولى ابن عمر، مما وصله ابن خزيمة والطحاوي وغيرهما، من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: (كان ابن عمر) بن الخطاب إذا سجد (يضع يديه) أي كفيه (قبل) أن يضع (ركبتيه) هذا مذهب مالك، قال: لأنه أحسن في خشوع الصلاة ووقارها، واستدلّ به بحديث أبي هريرة المروي في السنن بلفظ: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه، وعورض بحديث عن أبي هريرة أيضًا، أخرجه الطحاوي لكن إسناده ضعيف. ومذهب الثلاثة وفاقًا للجمهور: يضع ركبتيه قبل يديه، لأن الركبتين أقرب للأرض. واستدل له بحديث وائل بن حجر المروي في السُّنن، وقال الترمذي: حديث حسن، ولفظه قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه. قال الخطابي وهو أثبت من حديث تقديم اليدين، وأرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل، ورأي العين.

стр. 1052

وقال الدارقطني: قال ابن أبي داود: وضع الركبتين قبل اليدين تفرد به شريك القاضي عن عاصم بن كليب، وشريك ليس بالقوي فيما ينفرد به. وقال البيهقي: هذا الحديث يعدّ في إفراد شريك هكذا ذكره البخاري وغيره من حفّاظ المتقدمين، وفي المعرفة، قال همام: وحدّثنا شقيق، يعني أبا الليث، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلاً، وهو المحفوظ. وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه. رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد، ولم يضعفه أبو داود. وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين، رواه ابن خزيمة في صحيحه، وادعى أنه ناسخ لتقديم اليدين، قال في المجموع: ولذا اعتمده أصحابنا، ولكن لا حجة فيه لأنه ضعيف ظاهر الضعف، بين البيهقي وغيره ضعفه، وهو من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو ضعيف باتفاق الحفاظ، ولذا قال النووي: لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الآخر من حيث السُّنّة. لكن قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: من أحاديث الأحكام، حديث أبي هريرة: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه، أقوى من حديث وائل: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه. لأن لحديث أبي هريرة شاهدًا من حديث ابن عمر، صححه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقًا موقوفًا اهـ. ومراده بذلك قوله هنا، وقال نافع إلخ، فإن قلت: ما وجه مطابقة هذا الأثر للترجمة؟ أجيب: من جهة اشتمالها عليه لأنها في الهوي بالتكبير إلى السجود، فالهوي فعل، والتكبير قول. فكما أن أبي هريرة الآتي، إن شاء الله تعالى في هذا الباب يدل على القول، كذلك أثر ابن عمر هذا يدل على الفعل، والحاصل أن للهوي إلى السجود صفتين: صفة قولية، وأخرى فعلية. فأثر ابن عمر أشار إلى الصفة الفعلية، وحديث أبي هريرة إليهما معًا. ٨٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الاِثْنَتَيْنِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ

стр. 1053

يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا". وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: حدّثنا) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر أخبرنا (شعيب) أي ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة) ﵁: (كان يكبر) أي حين استخلفه مروان على المدينة، كما عند النسائي (في كل صلاة من المكتوبة وغيرها من رمضان وغيره) وسقط وغيره في بعضها (فيكبر حين يقول) للإحرام (ثم يكبر حين يركع) أي: حين يشرع في الانتقال إلى الركوع، ويحده حتى يصل إلى حد الراكعين، ثم يشرع في تسبيح الركوع، (ثم يقول: سمع الله لمن حمده) في الرفع، من الركوع، ويمدّه حتى ينتصب قائمًا (ثم يقول: ربنا ولك الحمد) بالواو في الاعتدال (قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر، حين يهوي ساجدًا) بفتح المثناة التحتية وسكون الهاء وكسر الواو، ولأبي ذر يهوي بضمها، أي يبتدئ به من حين الشروع في الهوي بعد الاعتدال، حتى يضع جبهته على الأرض، ثم يشرع في تسبيح السجود (ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود) حتى يجلس، ثم يشرع في دعاء الجلوس (ثم يكبر حين يسجد) الثانية (ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في) الركعتين (الاثنتين) يشرع فيه من حين ابتداء القيام إلى الثالثة بعد التشهد الأول، (ويفعل ذلك) المذكور من التكبير وغيره (في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف) منها: (والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله ﷺ ، إن كانت) بكسر همزة إن المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، واسم ْكان قوله (هذه) أي الصلاة التي صليتها (لصلاته) ﵊، خبر كان واللام للتأكيد، (حتى فارق الدنيا) ﷺ . ٨٠٤ - قَالَا: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ- يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ". (قالا) أي: أبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن المذكوران بالإسناد السابق إليهما: (وقال: أبو هريرة ﵁: وكان رسول الله ﷺ حين يرفع رأسه) من الركوع (يقول) (سمع الله لمن حمده) وفي الاعتدال: (ربنا ولك الحمد) بالواو فيجمع بينهما (يدعو) خبر آخر لكان، أو عطف بدون حرف العطف اختصارًا، وهو جائز معروف في اللغة، وقال العيني: الأوجه أن

стр. 1054

يكون حالاً من ضمير يقول أي يقول حال كونه يدعو (لرجال) من المسلمين، واللام تتعلق بيدعو (فيسميهم بأسمائهم). استدلّ به وبما يأتي علي أن تسمية الرجال بأسمائهم فيما يدعى لهم وعليهم لا تفسد الصلاة. (فيقول) ﵊: (اللهم أنج الوليد بن الوليد) بن المغيرة المخزومي، أخا خالد بن الوليد، وهمزة أنج قطع مفتوحة مجزوم بالطلب، وكسر لالتقاء الساكنين (و) أنج (سلمة بن هشام) بفتح اللام، أخا أبي جهل بن هشام (و) أنج (عياش بن أبي ربيعة) أخا أبي جهل لأمه، وعياش بفتح العين وتشديد المثناة التحتية، وكل هؤلاء الذين دعا لهم ﵊ نجوا من أسر الكفار ببركة دعائه ﵊ (و) أنج (المستضعفين من المؤمنين) من باب عطف العام على الخاص. ثم يقول ﷺ (اللهم اشدد) بهمزة وصل، وقول العيني: بضم الهمزة محمول على الابتداء بها (وطأتك) بفتح الواو وسكون الطاء وفتح الهمزة، من الوطء. وهو شدة الاعتماد على الرجل، والمراد اشدد بأسك أو عقوبتك (على) كفار قريش أولاد (مضر) فالمراد القبيلة، ومضر بميم مضمومة وضاد معجمة غير منصرف، وهو ابن نزار بن معد بن عدنان (واجعلها) قال الزركشي: الضمير للوطأة أو للأيام وإن لم يسبق له ذكر لما دل عليه المفعول الثاني الذي هو سنين. قال في المصابيح: ولا مانع من أن يجعل عائدًا على السنين لا إلى الأيام التي دلّت عليها سنين، وقد نصوا على جواز عود الضمير على المتأخر لفظًا ورتبةً إذا كان مخبرًا عنه بخبر يفسره، مثل ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن﴾ من هذا القبيل. انتهى. أي واجعل السنين (عليهم سنين) جمع سنة، والمراد بها هنا زمن القحط (كسني يوسف) الصديق ﵇ السبع الشداد في القحط، وامتداد زمان المحنة والبلاء، وبلوغ غاية الجهد والضراء، وأسقط نون سنين للإضافة جريًا على اللغة الغالبة فيه. وهي إجراؤه مجرى جمع المذكر السالم، لكنه شاذ لكونه غير عاقل، ولتغيير مفرده بكسر أوّله. ولهذا أعربه بعضهم بحركات على النون، كالمفرد كقوله: دعاني من نجد فإن سنينه … لعبن بنا شيبًا وشيَّبننا مُردا وليس قوله: سنين عند أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر كما في الفرع وأصله. (وأهل المشرق يومئذٍ من مضر مخالفون له) ﵊. ورواة هذا الحديث ما بين حمصي ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود والنسائي في الصلاة.

стр. 1055

٨٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ مِنْ فَرَسٍ- فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا وَقَعَدْنَا. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: صَلَّيْنَا قُعُودًا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا جَاءَ بِهِ مَعْمَرٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ لَقَدْ حَفِظَ. كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ وَلَكَ الْحَمْدُ، حَفِظْتُ مِنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ. فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَأَنَا عِنْدَهُ: فَجُحِشَ سَاقُهُ الأَيْمَنُ". وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني البصري (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (غير مرة) تأكيد لروايته (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: سمعت أنس بن مالك) ﵁ (يقول: سقط رسول الله ﷺ عن فرس وربما قال سفيان) بن عيينة: (من) بدل عن، وللأصيلي: وربما قال من (فرس) فأسقط لفظ سفيان، (فجحش) بضم الجيم وكسر الحاء آخره شين معجمة، أي خدش (شقه الأيمن، فدخلنا عليه) حال كوننا (نعوده، فحضرت الصلاة، فصلّى بنا) ﵊ حال كونه (قاعدًا، وقعدنا) بالواو، وللأصيلي: فقعدنا. (وقال سفيان) بن عيينة (مرة: صلينا قعودًا) مصدر أو جمع قاعدًا (فلما قضى) ﵊ (الصلاة) أي فرغ منها، (قال) ﵊: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) بالواو، أي بعد قوله: سمع الله لمن حمده (وإذا سجد فاسجدوا). (كذا) ولغير أبي ذر والأصيلي: قال سفيان، أي لعلي المديني مستفهمًا له بهمزة مقدرة قبل قوله: كذا (جاء به معمر) بفتح الميمين، ابن راشد البصري، قال عليّ: (قلت: نعم) جاء به معمر. كذا قال الحافظ ابن حجر، كأن مستند عليّ في ذلك رواية عبد الرزاق عن معمر، فإنه من مشايخه بخلاف معمر فإنه لم يدركه، وإنما يروي عنه بواسطة وكلام الكرماني يوهم خلاف ذلك. انتهى. قلت: بل صرّح به البرماوي حيث قال: فابن المديني كما يرويه عن سفيان، عن الزهري، يرويه عن معمر عن الزهري. وما قاله الحافظ يردّه.

стр. 1056

(قال) سفيان: والله (لقد حفظ) معمر عن الزهري حفظًا صحيحًا متقنًا. (كذا قال الزهري) أي: كما قال معمر: (ولك الحمد) بالواو وفيه إشارة إلى أن بعض أصحاب الزهري لم يذكر الواو. وأراد سفيان بهذا الاستفهام تقرير روايته برواية معمر له، وفيه تحسين حفظه. قال سفيان بن عيينة (حفظت) ولابن عساكر: وحفظت أي: من الزهري أنه قال: فجحش (من شقه الأيمن، فلما خرجنا من عند) ابن شهاب (الزهري، قال ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أنا عنده) أي عند الزهري: فقال: (فجحش ساقه الأيمن) بلفظ: الساق بدل الشق، فهو عطف على مقدّر، أو جملة حالية من فاعل قال مقدّرًا. أي: قال الزهري وأنا عنده: ويحتمل أن يكون هذا مقول سفيان لا مقول ابن جريج والضمير حينئذٍ راجع للزهري. قاله البرماوي كالكرماني. قال في فتح الباري: وهذا أقرب إلى الصواب، ومقول ابن جريج هو: فجحش إلخ … ورواة هذا الحديث ما بين بصري ومكي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والسماع، وسبق في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به، والله أعلم. ١٢٩ - باب فَضْلِ السُّجُودِ ٨٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا "أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلاَّ الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ، وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا،

стр. 1057

فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ -وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ- مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ. فَيُعْطِي اللَّهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا، سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: لَا، وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ. فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ فَيَقُولُ اللَّهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَضْحَكُ اللَّهُ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى. حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ : مِن كَذَا وَكَذَا -أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ- حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: - إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ قَوْلَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ» ". [الحديث ٨٠٦ - طرفاه في: ٦٥٧٣، ٧٤٣٧]. (باب فضل السجود). وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) أي ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة) ﵁ (أخبرهما أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى) أي نبصر (ربنا يوم القيامة؟ قال) ﵊: (هل تمارون) بضم التاء والراء، من المماراة، وهي: المجادلة وللأصيلي: تمارون، بفتح التاء والراء، وأصله. تتمارون حذفت إحدى التاءين. أي هل تشكون (في) رؤية (القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب)؟ (قالوا: لا يا رسول الله. قال): (فهل تمارون) بضم التاء والراء أو بفتحهما (في الشمس) ولأبي ذر والأصيلي: في رؤية الشمس (ليس دونها سحاب) (قالوا: لا. قال): وللأصيلي: قالوا: لا يا رسول الله. قال. (فإنكم ترونه) تعالى (كذلك) بلا مرية ظاهرًا جليًّا ينكشف تعالى لعباده بحيث تكون نسبة ذلك الانكشاف إلى ذاته المخصوصة، كنسبة الإبصار إلى هذه المبصرات المادّية،

стр. 1058

لكنه يكون مجرّدًا عن ارتسام صورة المرئي، وعن اتصال الشعاع بالمرئي، وعن المحاذاة، والجهة، والمكان لأنها وإن كانت أمورًا رزمة للرؤية عادة، فالعقل يجوّز ذلك بدونها، (ويحشر الناس يوم القيامة فيقول): الله تعالى، أو: فيقول القائل (من كان يعبد شيئًا فليتبع) بتشديد المثناة الفوقية وكسر الموحدة، ولأبوي ذر والوقت: فليتبعه، بضمير المفعول مع التشديد والكسر، أو التخفيف مع الفتح، وهو الذي في اليونينية لا غير (فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت) جمع طاغوت، الشيطان أو الصنم، أو كل رأس في الضلال أو كل ما عبد من دون الله، وصدّ عن عبادة الله، أو الساحر، أو الكاهن، أو مردة أهل الكتاب، فعلوت من الطغيان، قلب عينه ولامه (وتبقى هذه الأمة) المحمدية (فيها منافقوها) يستترون بها كما كانوا في الدنيا، واتبعوهم لما انكشفت لهما الحقيقة لعلهم ينتفعون بذلك، حتى ﴿ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ (فيأتيهم الله أي يظهر لهم في غير صورته، أي: في غير صفته التي يعرفونها من الصفات التي تبعدهم بها عن الدنيا امتحانًا منه، ليقع التمييز بينهم وبين غيرهم ممن يعبد غيره تعالى، (فيقول: أنا ربكم) فيستعيذون بالله منه لم يظهر لهم بالصفات التي يعرفونها بل بما استأثر بعلمه تعالى، لأن معهم منافقين لا يستحقون الرؤية، وهم من ربهم محجوبون، (فيقولون: هذا مكاننا) بالرفع خبر المبتدأ الذي هو اسم الإشارة (حتى يأتينا) يظهر لنا (ربنا، فإذا جاء) ظهر (ربنا عرفناه، فيأتيهم الله) ، أي: يظهر متجليًّا بصفاته المعروفة عندهم، وقد تميز المؤمن من المنافق (فيقول: أنا ربكم) فإذا رأوا ذلك عرفوه به تعالى (فيقولون: أنت ربنا). ويحتمل أن يكون الأوّل قول المنافقين، والثاني قول المؤمنين. وقيل: الآتي في الأوّل ملك، ورجحه عياض أي: يأتيهم ملك الله، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعورض بأن الملك معصوم، فكيف يقول: أنا ربكم. وأجيب: بأنّا لا نسلم عصمته من هذه الصغيرة، وردّ بأنه يلزم منه أن يكون قول فرعون: أنا ربكم من الصغائر، فالصواب ما سبق. (فيدعوهم) ربهم، (فيضرب) بالفاء وضم الياء وفتح الراء مبنيًّا للمفعول، ولأبوي ذر والوقت وذر والأصيلي وابن عساكر: ويضرب (الصراط بين ظهراني جهنم) بفتح الظاء وسكون الهاء وفتح النون، أي ظهري، فزيدت الألف والنون للمبالغة، أي على وسط جهنم (فأكون أوّل من يجوز) بالواو، وفي بعض النسخ: يجيز، بالياء مع ضم أوّله، وهي لغة في: جاز. يقال: جاز بمعنى، أي: يقطع مسافة الصراط. (من الرسل) عليهم الصلاة والسلام (بأمته، ولا يتكلم) لشدّة الهول (يومئذ) أي حال الإجازة على الصراط (أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ) على الصراط: (اللهم سلّم سلّم) شفقة منهم على الخلق ورحمة (وفي جهنم كلاليب) جمع كلوب، بفتح الكاف وضم اللام (مثل شوك السعدان) بفتح أوّله، نبت له شوك من جيد مراعي الإبل، يضرب به المثل فيقال: مرعى ولا كالسعدان. (هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم) رأيناه (قال: فإنها) أي الكلاليب (مثل شوك

стр. 1059

السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله) تعالى، (تخطف) بفتح الطاء في الأفصح، وقد تكسر، وللكشميهني: فتختطف بالفاء في أوّله وفوقية بعد الخاء وكسر الطاء، أي تأخذ (الناس) بسرعة (بأعمالهم) أي بسبب أعمالهم السيئة، أو على حسب أعمالهم، أو بقدرها (فمنهم من يوبق) بموحدة، مبنيًّا للمفعول، أي: يهلك (بعمله) وقال الطبري: يوثق بالمثلثة، من الوثاق، (ومنهم من يخردل) بخاء معجمة ودال مهمة، وعن عبيد بالذال المعجمة، أي يقطع صغارًا كالخردل، والمعنى: أنه تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي إلى النار، وللأصيلي: بالجيم، من الجردلة، بمعنى: الإشراف على الهلاك (ثم ينجو، حتى إذا أراد الله) (رحمة من أراد من أهل النار) أي الداخلين فيها وهم المؤمنون الخلص، إذ الكافر لا ينجو منها أبدًا، (أمر الله الملائكة أن يخرجوا) منها (من كان يعبد الله) وحده، (فيخرجونهم) منها، (ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله) (على النار أن تأكل أثر السجود) أي موضع أثره، وهي الأعضاء السبعة، أو الجهة خاصة لحديث، إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم، رواه مسلم: وهذا موضع الترجمة. واستشهد له ابن بطال بحديث: أقرب ما يكون العبد إذا سجد، وهو واضح. وقال الله تعالى ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩]. وقال بعضهم: إن الله تعالى يباهي بالساجدين من عبيده ملائكته المقرّبين. يقول لهم: يا ملائكتي أنا قربتكم ابتداءً، وجعلتكم من خواص ملائكتي، وهذا عبدي جعلت بينه وبين القربة حجبًا كثيرة، وموانع عظيمة مِن أغراض نفسية، وشهوات حسيّة، وتدبير أهل ومال وأهوال، فقطع كل ذلك وجاهد حتى سجد واقترب، فكان من المقربين. قال: ولعن الله إبليس لإبائه عن السجود لعنة أبلسه بها وآيسه من رحمته إلى يوم القيامة. اهـ. وعورض بأن السجود الذي أمر به إبليس لا تعلم هيئته ولا تقتضي اللعنة اختصاص السجود بالهيئة العرفية، وأيضًا فإبليس إنما استوجب اللعنة بكفره حيث جحد ما نص الله عليه من فضل آدم، فجنح إلى قياس فاسد يعارض به النص، ويكذبه، ولعنه الله. قاله ابن المنير: (فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار) أي: فكل أعضاء ابن آدم تأكلها النار (إلا أثر السجود) أي: مواضع أثره (فيخرجون من النار قد امتحشوا) بالمثناة الفوقية والمهملة المفتوحتين والشين المعجمة، بالبناء للفاعل، وفي بعض النسخ: امتحشوا، بضم المثناة وكسر الحاء، بالبناء للمفعول. أي: احترقوا واسودّوا. (فيصب عليهم) بضم المثناة مبنيًّا للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله: (ماء الحياة) الذي من شرب منه أو صب عليه لم يمت أبدًا، (فينبتون كما تنبت الحبة) بكسر الحاء المهملة. بزور الصحراء مما ليس بقوت (في حميل السيل) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم، ما جاء به من طين ونحوه. شبه به لأنه أسرع في الإنبات (ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد)، الإسناد فيه

стр. 1060

مجازي، لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فالمراد إتمام الحكم بين العباد بالثواب والعقاب، (ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة) حال كونه (مقبلاً بوجهه قبل النار) بكسر القاف وفتح الموحدة: أي: جهتها. ولغير أبوي ذر والوقت وابن عساكر: مقبل بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مقبل (فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار) وللحموي والمستملي: من النار (قد) ولأبي ذر: فقد (قشبني) بقاف فشين معجمة مخففة فموحدة مفتوحات، والذي في اللغة بتشديدة الشين، أي سمني وأهلكني (ريحها)، وكل مسموم قشيب، أي: صار ريحها كالسم في أنفي (وأحرقني ذكاؤها) بفتح الذال المعجمة والمد، وهو الذي في فرع اليونينية. قال النووي، وهو الذي وقع في جميع الروايات، أي: أحرقني لهبها واشتعالها وشدة وهجها، ولأبي ذر، مما في هامش الفرع، وصحح عليه: ذكاها بالفتح والقصر. قال النووي: وهو الأشهر في اللغة، وذكر جماعة أنهما لغتان. اهـ. وعورض بأن ذكا النار مقصور يكتب بالألف، لأنه من الواو من قولهم: ذكت النار تذكو ذكوًا، فأما ذكاء بالمدّ فلم يأت عنهم في النار، وإنما جاء في الفهم. (فيقول) الله تعالى: (هل عسيت) بفتح السين وكسرها، وهي لغة مع تاء الفاعل مطلقًا، ومع نا، ومع نون الإناث، نحو: عسينا وعسين، وهي لغة الحجاز، لكن قول الفراء: لست أستحبها لأنها شاذة يأبى كونها حجازية. وأجيب بأن المراد بكونها شاذة أي: قليلة بالنسبة إلى الفتح، وإن ثبتت فعند أقلهم جمعًا بين القولين. (إن فعل ذلك) الصرف الذي يدل عليه قوله الآتي، إن شاء الله تعالى: الصرف وجهي عن النار. والهمزة من أن مكسورة حرف شرط، وفعل بضم الفاء وكسر العين، مبنيًّا للمفعول، (بك أن تسأل) بفتح همزة أن الخفيفة، وتاليها نصب بها (غير ذلك) بالنصب بتسأل. (فيقول) الرجل: (لا، و) حق (عزتك) لا أسأل غيره، (فيعطي الله) أي الرجل (ما يشاء) بياء المضارعة، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: ما شاء، (من عهد) يمين (وميثاق، فيصرف الله) تعالى (وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها) أي: حسنها ونضارتها، وهذه الجملة بدل من جملة: أقبل على الجنة (سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب قدّمني عند باب الجنة. فيقول الله) . (له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق) اسم ليس ضمير الشأن، ولأبي ذر والأصيلي: والمواثيق (أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب) أعطيت العهود، لكن كرمك يطمعني (لا أكون أشقى خلقك). قال الكرماني: أي لا أكون كافرًا، وللكشميهني: لا أكونن.

стр. 1061

وقال السفاقسي: المعنى: إن أنت أبقيتني على هذه الحالة ولا تدخلني الجنة، لأكونن أشقى خلقك الذين دخلوها. والألف زائدة في: لا أكون. (فيقول) الله: (فما عسيت) بكسر السين وفتحها. (إن أعطيت ذلك): التقديم إلى باب الجنة (أن لا تسأل غيره). بكسر همزة إن الأولى: شرطية، وفتح الثانية: مصدرية وضم همزة أعطيت، ولا زائدة كهي في ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ [الحديد: ١٢٩] أو أصلية. وما في قوله: فما عسيت نافية، ونفي النفي إثبات، أي: عسيت أن تسأل غيره. وأن لا تسأل خبر عسى وذلك: مفعول ثان لأعطيت، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: أن تسأل، بإسقاط لا. فما استفهامية، وإنما قال الله تعالى ذلك، وهو عالم كان وما يكون، إظهارًا لا عهد من بني آدم من نقض العهد، وأنهم أحق بأن لهم ذلك، فمعنى عسى راجع للمخاطب لا إلى الله تعالى. (فيقول) الرجل (لا و) حق (عزتك لا أسأل) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: لا أسالك، (غير ذلك فيعطي) الرجل (ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه) الله (إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها) بفاء العطف على بلغ، كقوله (وما فيها من النضرة) بالضاد المعجمة الساكنة، أي البهجة (والسرور) تحير، (فيسكت ما شاء الله أن يسكت)، بالفاء التفسيرية، وأن مصدرية أي: ما شاء الله سكوته حياءً من ربه، وهو تعالى يحب سؤاله لأنه يحب صوته، فيباسطه بقوله: لعلك إن أعطيت هذا تسأل غيره؟ وهذه حالة المقصر، فكيف حالة المطيع. وليس نقض هذا العبد عهده جهلاً منه، ولا قلة مبالاة، بل علمًا منه أن نقض هذا العهد أولى من الوفاء، لأن سؤاله ربه أولى من إبرار قسمه. قال ﵊: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير. وجواب إذا محذوف وتقديره نحو: تحير كما مر. (فيقول: يا رب أدخلني الجنة. فيقول الله) : (ويحك) نصب بفعل محذوف، وهي كلمة رحمة، كما أن ويلك كلمة عذاب (يا ابن آدم ما أغدرك!) صيغة تعجب من الغدر، وهو ترك الوفاء (أليس قد أعطيت العهد والميثاق) بفتح الهمزة والطاء مبنيًّا للفاعل وللكشميهني العهود والمواثيق (أن لا تسأل غير الذي أعطيت)؟ بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك. فيضحك الله منه) أي من فعل هذا الرجل، وليس في رواية الأصيلي لفظ: منه. والمراد من الضحك هنا لازمه، وهو كتاب الرضا وإرادة الخير كسائر الإسنادات في مثله مما يستحيل على الباري تعالى، فإن المراد لوازمها (ثم يأذن له) الله تعالى (في دخول الجنة. فليقول له: تمنّ، فيتمنى. حتى إذا انقطع) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني: انقطعت (أمنيته قال الله

стр. 1062

له: (زاد من كذا وكذا) أي: من أمانيك التي كانت لك قبل أن أذكرك بها، ولابن عساكر: تمنّ، بدل: زد (أقبل يذكره ربه الأماني بدل من قوله: قال الله زد (حتى إذا انتهت به الأماني) بتشديد الياء، جمع أمنية (قال الله تعالى) له: (لك ذلك) الذي سألته من الأماني (ومثله معه) جملة حالية من المبتدأ والخبر. (قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة ﵄: إن رسول الله ﷺ قال): (قال الله) عز وجل (لك ذلك وعشرة أمثاله) أي: أمثال ما سألت. (قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله ﷺ إلاّ قوله): (لك ذلك ومثله معه) وللحموي والمستملي: لم أحفظه بضمير المفعول. (قال أبو سعيد الخدري: إني سمعته يقول): (ذلك لك) وللكشميهني لك ذلك (وعشرة أمثاله). ولا تنافي بين الروايتين، فإن الظاهر أن هذا كان أوّلاً، ثم تكرم الله فأخبر به ﵊ ولم يسمعه أبو هريرة. ورواة هذا الحديث الستة ما بين حمصي ومدني، وفيه ثلاثة من التابعين، والتحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في صفة الجنة ومسلم في الإيمان. ١٣٠ - باب يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ هذا (باب) بالتنوين (يبدي) بضم المثناة التحتية وسكون الموحدة، أي يظهر الرجل المصلي (ضبعيه) بفتح الضاد المعجمة وسكون الموحدة، تثنية ضبع، أي وسط عضديه أو اللحمتين تحت إبطيه (ويجافي) أي: يباعد بطنه عن فخذيه (في السجود) وخرج بالرجل المرأة والخنثى فلا يجافيان بل يضمان بعضهما إلى بعض، لأنه أستر لها وأحوط له. ٨٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ". وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ. وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) ولأبي ذر: يحيى بن عبد الله بن بكير (قال: حدّثني) بالإفراد. وللأصيلي: حدّثنا (بكر بن مضر) بفتح الموحدة وسكون الكاف في الأوّل، وضم الميم وفتح المعجمة غير منصرف في الثاني (عن جعفر) هو ابن ربيعة (عن ابن هرمز) عبد الرحمن الأعرج (عن عبد الله بن مالك ابن بحينة) صفة لعبد الله لأنها أمه لا لمالك، فيكتب ابن بالألف وتنوين مالك: (أن النبي ﷺ كان إذا صلّى فرج بين يديه) بتشديد الراء، أي نحَّى كل يد عن الجنب الذي يليها (حتى يبدو بياض إبطيه) لأنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان.

стр. 1063

وفي حديث ميمونة المروي في مسلم: كان ﷺ يجافي يديه فلو أن بهيمة أرادت أن تمرّ لمرّت. وفي حديث عائشة مما روي في مسلمًا أيضًا: كان النبي ﷺ ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وفي حديت البراء عند مسلم أيضًا، رفعه: إذا سجدت فضع كفّيك وارفع مرفقيك، وظاهرهما الوجوب. وقول الحافظ ابن حجر أن حديث أبي هريرة عند أبي داود: شكا أصحاب النبي ﷺ له مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: استعينوا بالركب، أي بوضع المرفقين على الركبتين، كما فسره ابن عجلان أحد رواته، وترجم له أبو داود بالرخصة في ترك التفريج يدل على الاستحباب فيه نظر، لأن ظاهره الرخصة مع وجود العذر، وهو المشقّة عليهم. لكن في مصنف ابن أبي شيبة، عن ابن عون قال: قلت لمحمد: الرجل يسجد إذا اعتمد بمرفقيه على ركبتيه؟ قال: ما أعلم به بأسًا، وكان ابن عمر يضم يديه إلى جنبيه إذا سجد، وسأله رجل: أأضع مرفقيّ على فخذي إذا سجدت؟ فقال: اسجد كيف تيسر عليك. وقال الشافعي في الأم: يسن للرجل أن يجافي مرفقيه عن جنبيه ويرفع بطنه عن فخذيه. (وقال الليث) بن سعد: (حدّثني جعفر بن ربيعة، نحوه) وصله مسلم بلفظ: كان إذا سجد فرج يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه. ١٣١ - باب يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ. قَالَهُ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -. هذا (باب) بالتنوين (يستقبل) المصلي حال سجوده (بأطراف رجليه القبلة)، وللأصيلي وأبي ذر: باب يستقبل القبلة بأطراف رجليه، بأن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما، وعقبيه مرتفعتين، فيستقبل بظهور قدميه القبلة، ومن ثم ندب ضم الأصابع في السجود لأنها لو تفرقت انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة، (قاله) أي الاستقبال المذكور (أبو حميد)، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: الساعدي، (عن النبي ﷺ ¬). وهذا الباب والذي قبله ثبتا في الفرع كأصله وفي كثير من الأصول، وسقطا في بعضهما. قال الكرماني: لأنهما ذكرا مرة قبل باب: فضل استقبال القبلة، وتعقب بأنه لم يذكر هناك إلا قوله: باب يبدي ضبعيه ويجافي جنبيه في السجود. وأما الباب الثاني فلم يذكر هناك ترجمة، فلهذا كان الصواب إثباتهما.

стр. 1064

١٣٢ - باب إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يتم) الصلي (السجود) ولأبي ذر سجوده. ٨٠٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ "رَأَى رَجُلاً لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ. فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ. قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ". وبه قال: (حدّثنا الصلت بن محمد) البصري الخاركي، نسبة إلى خارك، بالخاء المعجمة والراء، من سواحل البصرة (قال: حدّثنا مهدي) الأزدي، وللأصيلي: مهدي بن ميمون، (عن واصل) الأحدب (عن أبي وائل) بالهمز: شقيق بن سلمة، (عن حذيفة) بن اليمان ﵁ (أنه رأى رجلاً) حال كونه (لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته) أي أدّاها (قال له حذيفة: ما صليت) نفى الصلاة عنه لأن الكل ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء إتمام الركوع والسجود مستلزم لانتفائهما المستلزم لانتفاء الصلاة. (قال) أبو وائل: (وأحسبه) بالواو أي حذيفة ولأبي ذر: فأحسبه (قال: ولو) بواو قبل اللام، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي: لو (مت)، وللحموي والمستملي: لمت (على غير سُنة محمد ﷺ ¬) أي طريقته. ١٣٣ - باب السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ (باب السجود على سبعة أعظم). ٨٠٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا، وَلَا ثَوْبًا: الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ". [الحديث ٨٠٩ - أطرافه في: ٨١٠، ٨١٢، ٨١٥، ٨١٦]. وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وبالصاد المهملة، ابن عقبة بن عامر الكوفي (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (عن عمرو بن دينار عن طاوس) هو ابن كيسان (عن ابن عباس) ﵄: (أمر النبي) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول، أي أمر الله النبي، وهو يقتضي الوجوب، وعرف ابن عباس هذا بإخباره ﵊ له أو لغيره، ولابن عساكر أنه قال: أمر النبي (¬ ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء)، عبر في الترجمة بسبعة أعظم، فسمى كل واحد عظمًا باعتبار الجملة. وإن اشتمل كل واحد على عظام، ويجوز أن يكون من باب تسمية الجملة باسم بعضها، نعم. وقع في رواية الأصيلي هنا: على سبعة أعظم (ولا يكف) أي ولا يضم ولا يجمع (شعرًا) لرأسه (ولا ثوبًا) بيديه عند الركوع والسجود في الصلاة، وهذا ظاهر الحديث وإليه مال الداودي.

стр. 1065

وردّه القاضي عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصلاة أو خارجها، والنهي هنا محمول على التنزيه، والحكمة فيه أن الشعر والثوب يسجد معه، أو أنه إذا رفع شعره أو ثوبه عن مباشرة الأرض أشبه المتكبر. وقوله: يكف بضم الكاف والفعل منصوب عطفًا على المنصوب السابق، وهو أن يسجد، أي أمره الله أن يسجد، وأن لا يكفه وهذا هو الذي في الفرع، ويجوز رفعه على أن الجملة مستأنفة، وهي معترضة بين المجمل، وهو قوله: سبعة أعضاء، والفسر وهو قوله: (الجبهة) بالكسر عطف بيان لقوله: سبعة أعضاء، وكذا ما بعدها عطف عليها، وهو قوله: (واليدين) أي، وباطن الكفّين (والركبيتن و) أطراف أصابع (الرجلين). فلو أخلّ المصلي بواحد من هذه السبعة بطلت صلاته. نعم، في السجود على اليدين والركبتين والرجلين قولان عند الشافعية، صحح الرافعي الاستحباب فلا يجب، لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها، كالجبهة ولا يجب الإيماء، فلا يجب وضعها. واستدلّ له بعضهم بحديث المسيء صلاته حيث قال فيه: ويمكن جبهته. وأجيب بأن غايته أنه مفهوم لقب، والمنطوق مقدم عليه، وليس هو من باب تخصيص العموم. وصحح النووي الوجوب لحديث الباب وهو مذهب أحمد وإسحاق، ويكفي وضع جزء من كل واحد منها. والاعتبار في اليدين بباطن الكفّين سواء الأصابع والراحة، وفي الرجلين ببطون الأصابع، ولا يجب كشف شيء منها إلا الجبهة. نعم: يسن كشف اليدين والقدمين لأن في سترهما منافاة للتواضع، ويكره كشف الركبتين لما يحذر من كشف العورة، فإن قلت: ما الحكمة في عدم وجوب كشف القدمين؟ أجيب: بأن الشارع وقت المسح على الخف بمدة يقع فيها الصلاة بالخف، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخف المقتضي لنقض الطهارة، فتبطل الصلاة. وعورض بأن المخالف له أن يقول يخص لابس الخف لأجل الرخصة. ٨١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا». وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) هو ابن دينار (عن طاوس) هو ابن كيسان (عن ابن عباس) أيضًا، ﵄ (عن النبي ﷺ قال)

стр. 1066

(أمرنا) بضم الهمزة أي: أنا وأمتي (أن نسجد على سبعة أعظم) أي أعضاء كما في الرواية الأخرى (ولا نكف ثوبًا ولا شعرًا) بنصب نكف ورفعها كما مرّ. ٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قال: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ -وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ". وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني، بالإفراد، وللأصيلي: أخبرنا، بالجمع (إسرائيل) بن يونس (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله بفتح العين فيهما، الكوفي (عن عبد الله بن يزيد الخطمي) بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة وكسر الميم، وسقط لفظ: الخطمي في رواية أبي ذر والأصيلي (قال: حدّثنا البراء بن عازب، وهو غير كذوب قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ ، فإذا قال): (سمع الله لمن حمده لم يحن) بفتح الياء وكسر النون وضمها أي لم يقوّس (أحد منا) ولابن عساكر: أحدنا (ظَهره حتى يضع النبي ﷺ جبهته) الشريفة (على الأرض). هذا موضع الترجمة، وخص الجبهة بالذكر لأنها أدخل في الوجوب من بقية الأعضاء السبعة ولذا لم يختلف في وجوب السجود بها. واختلف في غيرها من بقية الأعضاء وليس فيه ما ينفي الزيادة في غيره، أو أن العادة وضع الجبهة إنما هو بالاستعانة بالستة الأعضاء الأخرى غالبًا. ١٣٤ - باب السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ (باب السجود على الأنف). وسقط للاّصيلي الباب والترجمة. ٨١٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ- وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ. وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ». وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي البصري، ولابن عساكر: العلى بزيادة أل (قال: حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد الباهلي البصري (عن عبد الله بن طاوس عن أبيه) طاوس (عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ ¬): (أمرت) بضم الهمزة (أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة) أي: أسجد على الجبهة، حال كون السجود على سبعة أعظم، فلفظ على الثانية متعلق بمحذوف كما مرّ، والأولى متعلقة بأمرت.

стр. 1067

(وأشار) ﵊ (بيده على أنفه) كأنه ضمن أشار معنى: أمرّ بتشديد الراء، فلذا عدّاه بعلى دون: إلى. ووقع في بعض الأصول من رواية كريمة هنا بلفظ: إلى بدل: على وعند النسائي من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس قال: ووضع يده على جبهته، وأمرّها على أنفه، وقال: هذا واحد أي أنهم كالعضو الواحد، لأن عظم الجبهة هو الذي منه عظم الأنف، والألزم أن تكون الأعضاء ثمانية وعورض بأنه يلزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف، كما يكتفي بالسجود على بعض الجبهة. وأجيب: بأن الحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد، فذاك في التسمية والعبارة لا في الحكم الذي دلّ عليه الأمر وعند أبي حنيفة يجزئ أن يسجد عليه دون جبهته، وعند الشافعية والمالكية والأكثرين: يجزئ على بعض الجبهة. ويستحب على الأنف. قال الخطابي: لأنه إنما ذكر بالإشارة فكان مندوبًا، والجبهة هي الواقعة في صريح اللفظ فلو ترك السجود على الأنف جاز ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز. وقال أبو حنيفة، وابن القاسم: له أن يقتصر على أيّهما شاء. وقال الحنابلة وابن حبيب: يجب عليهما الظاهر، الحديث. وأجيب: بأن ظاهره أنهما في حكم عضو واحد كما مرّ، وقوله: وأشار بيده إلى آخره جملة معترضة بين المعطوف عليه، وهو: الجبهة، والمعطوف وهو قوله: (واليدين) أي باطن الكفّين (والركبتين وأطراف) أصابع (القدمين، ولا نكفت الثياب و) لا (الشعر) بفتح النون وسكون الكاف وكسر الفاء آخره مثناة فوقية والنصب، وهو بمعنى: الكف في السابقة، ومنه ﴿ألم نجعل الأرض كفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] أي كافتة. اسم لما يكفت، أي: يضم ويجمع. ١٣٥ - باب السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ وَالسُّجُودِ عَلَى الطِّينِ (باب السجود على الأنف) حال كونه (في الطين) كذا للأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذر عن الحموي والكشميهني، زاد المستملي: والسجود على الطين، والأول أحسن لئلا يلزم التكرار. ٨١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقُلْتُ أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ؟ فَخَرَجَ. فَقَالَ: "قُلْتُ حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ

стр. 1068

جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. قَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَرْجِعْ فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ. وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ". وبه قال (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي (قال: حدّثنا همام) هو: ابن يحيى (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (قال: انطلقت إلى أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ (فقلت،: ألا تخرج بنا إلى النخل) وللأصيلي: ألا تخرج إلى النخل، حال كوننا (نتحدث) بالجزم، في الفرع ولأبي ذر نتحدث، بالرفع (فخرج، فقال): ولأبي ذر والأصيلي: قال (قلت) وللأصيلي، وأبي الوقت فقلت: (حدّثني ما سمعت من النبي ﷺ في ليلة القدر، قال: اعتكف رسول الله) وللأصيلي النبي (¬ ﷺ عشر الأُول) بضم الهمزة وتخفيف الواو، بإضافة العشر لتاليه، وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر وأبي الوقت: العشر الأُول، وفي بعض النسخ كما في المصابيح: اعتكف رسول الله ﷺ الأوّل، بغير موصوف، والهمزة مفتوحة (من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل) ﵊ (فقال: إن الذي تطلب) هو (أمامك) بفتح الميم الثانية أي قدامك. (فاعتكف العشر الأوسط) كذا في أكثر الروايات، والمراد بالعشر: الليالي، وكان من حقها أن توصف بلفظ التأنيث، ووصفت بالمذكر على إرادة الوقت، أو الزمان، أو التقدير الثلث، كأنه قال: ليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر (فاعتكفنا) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: واعتكفنا (معه فأتاه جبريل) ﵊ (فقال) له: (إن الذي تطلب) هو (أمامك قام) كذا لأبي ذر، وللأصيلي: فقام، وفي رواية: ثم قام (النبي ﷺ ¬) حال كونه (خطيبًا صبيحة عشرين) نصب على الظرفية، أي في صبيحة عشرين (من رمضان، فقال) ﵊: (من اعتكف مع النبي ﷺ ¬) أي معي، فهو من باب الالتفات من التكلم للغيبة، (فليرجع) إلى الاعتكاف (فإني أُريت) بهمزة مضمومة قبل الراء على البناء لغير معين من الرؤيا، أي أعلمت، أو من الرؤية. وللحموي والمستملي: فإني رأيت، أي: أبصرت (ليلة القدر) وإنما رأى علامتها، وهي السجود في الماء والطين (وإني نسيتها) بضم النون وتشديد السين المهملة المكسورة، وفي بعض النسخ: أنسيتها، بهمزة مضمومة. ففي الروايتين أنه نسيها بواسطة، ولأبي ذر: نسيتها بفتح النون وتخفيف السين: أي نسيتها من غير واسطة، والمراد أنه نسي علم تعيينها في تلك السنة (وأنها في

стр. 1069

العشر الأواخر في وتر) جمع آخره، قال في المصابيح وهذا جارٍ على القياس، قال ابن الحاجب: ولا يقال هنا جمع لأخرى لعدم دلالتها على التأخير الوجودي، وهو مراد وفيه بحث. اهـ. (وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء). (وكان سقف المسجد جريد النخل وما نرى في السماءِ شيئًا) من السحاب (فجاءت قزعة) بفتح القاف والزاي المعجمة والعين المهملة وقد تسكن الزاي، قطعة من سحاب رقيقة (فأمطرنا) بضم الهمزة وكسر الطاء (فصلّى بنا النبي ﷺ ، حتى رأيت أثر الطين والماء) ولابن عساكر: أثر الماء والطين (على جبهة رسول الله) وللأصيلي: على جبهة النبي (¬ ﷺ وأرنبته) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح النون والموحدة، طرف أنفه. وحمله الجمهور على الأثر الخفيف، لكن يعكر عليه قوله في بعض طرقه: ووجهه ممتلئ طينًا وماءً. وأجاب النووي بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة، وقول الخطابي فيه دلالة على وجوب السجود على الجبهة والأنف، ولولا ذلك لصانهما عن لثق الطين. تعقبه ابن المنير بأن الفعل لا يدل على الوجوب، فلعله أخذنا بالأكمل وأخذه من قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي معارض بأن المندوب في أفعال الصلاة أكثر من الواجب، فعارض الغالب ذلك الأصل. اهـ. وكان ما ذكر من أثر الطين والماء (تصديق رؤياه) ﵊ وتأويلها. وضبطه البرماوي والعيني كالكرماني بالرفع بتقدير: هو. وفي الفرع وأصله، بالنصب فقط. وزاد في رواية ابن عساكر: قال أبو عبد الله، أي المؤلّف، كان الحميدي، أي شيخه، يحتج بهذا الحديث، يقول: لا يمسح المساجد جبهته من أَثر الأرض. وأخرج المؤلّف الحديث في الصلاة والصوم والاعتكاف، ومسلم في الصوم، وأبو داود في الصلاة، والنسائي في الاعتكاف، وابن ماجة في الصوم. ١٣٦ - باب عَقْدِ الثِّيَابِ وَشَدِّهَا وَمَنْ ضَمَّ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِذَا خَافَ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ (باب عقد الثياب وشدها) عند الصلاة. (ومن ضم إليه ثوبه) من المصلين (إذا خاف) وللأصيلي: مخافة (أن تنكشف عورته) أي خوف انكشاف عورته وهو في الصلاة، وهذا يومئ إلى أن النهي الوارد عن كفّ الثياب في الصلاة محمول على حالة غير الاضطرار.

стр. 1070

٨١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: "كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا". وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة (قال: أخبرنا سفيان) الثوري (عن أبي حازم) بالحاء المهملة، سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الساعدي (قال: كان الناس يصلون مع النبي ﷺ وهم عاقدو) بالرفع خبر المبتدأ مضاف إلى (أزرهم) بضم الهمزة والزاي: وبسكونها في اليونينية وكسر الراء، جمع إزار. وسقطت نون عاقدون للإضافة. وللحموي والمستملي: عاقدي بالياء نصبًا على الحال. أي وهم مؤتزرون حال كونهم عاقدي أزرهم، فسدّ مسدَّ الخبر، أو خبر كان محذوفة، أي: هم كانوا عاقدي أزرهم (من الصغر) أي من أجل صغر أزرهم (على رقابهم، فقيل للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا) أي جالسين نهاهنّ أن يرفعن رؤوسهن قبل الرجال خوف أن يقع بصرهنّ على عوراتهم. ١٣٧ - باب لَا يَكُفُّ شَعَرًا هذا (باب) بالتنوين (لاّ يكف) بضم الفاء، كذا في فرع اليونينية، كهي وهو الذي ضبطه الحافظ ابن حجر في روايته، قال: وهو الراجح، ويجوز الفتح. وقال الدماميني والبرماوي: بفتح الفاء عند المحدثين وضمها عند المحققين من النحاة، وكذا لا يكف ثوبه في الصلاة أي في الترجمة الآتية. والمعنى: لا يضم المصلي (شعرًا) من رأسه في صلاته. ٨١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا يَكُفَّ ثَوْبَهُ وَلَا شَعَرَهُ". وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي (قال: حدّثنا حماد وهو ابن زيد) وللأصيلي وابن عساكر: حماد بن زيد، ولأبي ذر هو ابن زيد (عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس) ﵄ (قال: أمر النبي ﷺ ¬) بضم الهمزة وكسر الميم (أن يسجد على سبعة أعظم): الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين، (ولا يكف ثوبه ولا شعره) الذي في رأسه. ومناسبة هذه الترجمة لأحكام السجود من جهة أن الشعر يسجد مع الرأس إذا لم يكف أو يلف، وجاء في حكمة النهي عن ذلك أن غرزة الشعر يقعد فيها الشيطان حالة الصلاة، كما سنن أبي داود بإسناد جيد مرفوعًا.

стр. 1071

١٣٨ - باب لَا يَكُفُّ ثَوْبَهُ فِي الصَّلَاةِ ٨١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا». هذا (باب) بالتنوين (لا يكف) بالضم أو النصب المصلي، (ثوبه في الصلاة). وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي، وسقط لفظ: إسماعيل عند ابن عساكر (قال: حدّثنا أبو عوانة) الواضح اليشكري (عن عمرو) هو ابن دينار (عن طاوس عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال): (أُمرت) بضم الهمزة (أن أسجد على سبعة) ولابن عساكر: أعظم (لا أكف شعرًا) من رأسي (ولا ثوبًا). ١٣٩ - باب التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ (باب التسبيح والدعاء في السجود). ٨١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ". وبه قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) القطان (عن سفيان) الثوري (قال: حدّثني) بالإفراد (منصور) ولأبي ذر والأصيلي: منصور بن المعتمر (عن مسلم) زاد الأصيلي: هو ابن صبيح، أي بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة آخره مهملة أبي الضحى، بضم الضاد المعجمة والقصر (عن مسروق، عن عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللّهمّ ربنا وبحمدك اللهمّ اغفر لي). (يتأول القرآن) أي يفعل ما أمر به فيه، أي في قوله تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ [النصر: ٣] أي سبح بنفس الحمد لما تضمنه الحمد من معنى التسبيح الذي هو التنزيه لاقتضاء الحمد نسبة الأفعال المحمود عليها إلى الله تعالى. فعلى هذا يكفي في امتثال الأمر الاقتصار على الحمد أو المراد فسبح ملتبسًا بالحمد. فلا يمتثل حتى يجمعهما وهو الظاهر.

стр. 1072

وفي رواية الأعمش عن أبي الضحى كما في التفسير عند المؤلّف: ما صلّى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلا يقول فيها، الحديث. وهو يقتضي مواظبته ﵊ على ذلك. واستدلّ به على جواز الدعاء في الركوع والسجود والتسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله، ﵊، المروي في مسلم وأبي داود والنسائي أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء. لكن يحتمل أن يكون أمر في السجود بتكثير الدعاء لإشارة قوله: فاجتهدوا فيه في الدعاء. والذي وقع في الركوع من قوله: اللهم اغفر لي، ليس بكثير، فلا يعارض ما أمر به في السجود، وفيه تقديم الثناء على الدعاء. ١٤٠ - باب الْمُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (باب المكث بين السجدتين) ولأبي ذر عن الحموي بين السجود. ٨١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ "أَنَّ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ قَالَ لأَصْحَابِهِ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -قَالَ وَذَاكَ فِي غَيْرِ حِينِ صَلَاةٍ- فَقَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ هُنَيَّةً، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً -فَصَلَّى صَلَاةَ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ شَيْخِنَا هَذَا- قَالَ أَيُّوبُ: كَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ، كَانَ يَقْعُدُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ". وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) السدوسي (قال: حدّثنا حماد) ولأبي ذر والأصيلي: حماد بن زيد (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (أن مالك بن الحويرث) بضم الحاء المهملة وفتح الواو آخره مثلثة (قال لأصحابه: ألا أنبئكم صلاة رسول الله) وللأصيلي: صلاة النبي (¬ ﷺ ¬). الإنباء يتعدى بنفسه، قال تعالى ﴿من أنبأك هذا﴾ وبالباء قال تعالى: ﴿قل أؤنبئكم بخير من ذلكم﴾ [آل عمران: ١٥] (قال) أبو قلابة (وذاك) أي الإنباء الذي دل عليه: أنبئكم (في غير حين صلاة) من الصلوات المفروضة. (فقام) أي: مالك، فأحرم بالصلاة (ثم ركع فكبر ثم رفع رأسه) من الركوع (فقام هنية) بضم الهاء وفتح النون وتشديد المثناة التحتية أي قليلاً (ثم سجد، ثم رفع رأسه هنية) هذا موضع الترجمة، لأنه يقتضي الجلوس بين السجدتين قدر الاعتدال. قال أبو قلابة: (فصلّى صلاة عمرو بن سلمة) بكسر اللام (شيخنا هذا) بالجر عطف بيان لعمرو والمجرور بالإضافة، أي: كصلاته.

стр. 1073

(قال أيوب) السختياني بالسند المسوق إليه: (كان) أي الشيخ المذكور (يفعل شيئًا لم أرهم يفعلونه، كان يقعد) أي يجلس آخر (الثالثة و) (الرابعة) ذا في الفرع، والرابعة بغير ألف، وعزاها ابن التين لأبي ذر، وقال وأراه غير صحيح. اهـ. ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي مما في الفرع وأصله أو الرابعة، بالشك من الراوي أيّهما قال: والمتردّد فيه واحد، لأن المراد بدء الرابعة، لأن الذي بعدها جلوس التشهد وذلك انتهاء الثالث. وفيه استحباب جلسة الاستراحة، وبه قال الشافعي وإن خالفه الأكثر. ٨١٩ - قَالَ: "فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: «لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ، صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ». (قال) ابن الحويرث: أسلمنا أو أرسلنا قومنا (فأتينا النبي ﷺ ، قأقمنا عنده) زاد في رواية ابن عساكر: شهرًا (فقال) ﵊: (لو) أي إذا، أو إن (رجعتم إلى أهليكم) بسكون الهاء. ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر والأصيلي: أهاليكم بفتح الهاء ثم ألف بعدها (صلوا صلاة كذا، في حين كذا، صلوا) وللأصيلي وابن عساكر: وصلوا، لزيادة واو قبل الصاد (صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم). ٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: "كَانَ سُجُودُ النَّبِيِّ ﷺ وَرُكُوعُهُ وَقُعُودُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ". وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحيم) المعروف بصاعقة (قال: حدّثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري) بضم الزاي وفتح الموحدة وبالراء بعد المثناة التحتية (قال: حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون المهملة، ابن كدام (عن الحكم) بفتح الحاء والكاف، ابن عتيبة الكوفي (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء) بن عازب أنه (قال كان سجود النبي ﷺ اسم كان وتاليه معطوف عليه، وهو قوله: (وركوعه وقعوده بين السجدتين) أي: كان زمان سجوده وركوعه وجلوسه بين السجدتين (قريبًا من السواء) بالمدّ أي المساواة. قال الخطابي: هذا أكمل صفة صلاة الجماعة، وأما الرجل وحده فله أن يطيل في الركوع والسجود أضعاف ما يطيل بين السجدتين وبين الركوع والسجدة. ٨٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "إِنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي بِنَا -قَالَ ثَابِتٌ: كَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ

стр. 1074

أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ- كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ". وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي (قال: حدّثنا حماد بن زيد) هو ابن درهم (عن ثابت) البناني (عن أنس) ﵁، ولأبي ذر والأصيلي زيادة: ابن مالك (قال: إني لا آلو) بمدّ الهمزة وضم اللام، أي: لا أقصر (أن أصلي بكم كما رأيت النبي ﷺ يصلّي بنا قال ثابت: كان أنس) ولأبي ذر والأصيلي: كان أنس بن مالك (يصنع شيئًا في صلاته لم أركم تصنعونه) في صلاتكم (كان إذا رفع رأسه من الركوع قام) فيمكث معتدلاً (حتى يقول القائل: قد نسي) بفتح النون (و) يمكث جالسًا (بين السجدتين، حتى يقول القائل: قد نسي) أي من طول قيامه. قال في فتح الباري: وفيه إشعار بأن من خاطبهم ثابت كانوا لا يطيلون بين السجدتين، ولكن السُّنّة إذا ثبتت لا يبالي من تمسك بها مخالفة من خالفها. ١٤١ - باب لَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَوَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا. هذا (باب) بالتنوين (لا يفترش) بالرفع في الفرع كأصله على النفي، وهو بمعنى النهي، ويجوز الجزم على النهي، أي: لا يبسط المصلي (ذراعيه) أي ساعديه على الأرض، ويتكئ عليهما (في السجود وقال أبو حميد) الساعدي، في حديثه الآتي مطوّلاً إن شاء الله تعالى بعد ثلاثة أبواب: (سجد النبي ﷺ ، ووضع يديه) على الأرض حال كونه (غير مفترش) بأن وضع كفّيه على الأرض وأقل ساعديه غير واضعهما على الأرض (ولا قابضهما) بأن ضمهما إليه غير مجافيهما عن جنبيه، وتسميه الفقهاء بالتخوية. ٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ». وبالسند السابق أوّل الكتاب قال المؤلّف: (حدّثنا محمد بن بشار) بموحدة مفتوحة فمعجمة مشددة ويقال له بندار (قال: حدّثنا محمد بن جعفر) المعروف بغندر (قال: حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) ﵁، صرّح في الترمذي بسماع قتادة له من أنس (عن النبي ﷺ ، قال):

стр. 1075

(اعتدلوا) أي: توسطوا بين الافتراش والقبض (في السجود، ولا يبسط)، بمثناة تحتية فموحدة ساكنة من غير نون ولا مثناة فوقية (أحدكم ذراعيه) فينبسط (انبساط الكلب) بنون ساكنة فموحدة مكسورة. كذا في رواية ابن عساكر في الكلمتين. وللأكثرين: ولا ينبسط بنون ساكنة بعد المثناة التحتية فموحدة مفتوحة، من باب: ينفعل، انبساط الكلب، بتسكين النون وكسر الموحدة، كرواية ابن عساكر. وللحموي: ولا يبتسط بموحدة ساكنة بعد المثناة التحتية، فمثناة فوقية مفتوحة من غير نون، من باب: يفتعل، ابتساط الكلب، بموحدة ساكنة فمثناة مكسورة من غير نون. والحكمة فيه أنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى، فإن المنبسط يشبه الكسالى، ويشعر حاله بالتهاون، لكن لو تركه صحّت صلاته. نعم، يكون مسيئًا مرتكبًا لنهي التنزيه والله أعلم. والحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. ١٤٢ - باب مَنِ اسْتَوَى قَاعِدًا فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ نَهَضَ (باب من استوى قاعدًا) للاستراحة (في وتر) أي في الركعة الأولى أو الثالثة (من صلاته، ثم نهض) قائمًا. ٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ اللَّيْثِيُّ "أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا". وبه قال: (حدّثنا محمد بن الصباح) بفتح المهملة وتشديد الموحدة، الدولابي (قال: أخبرنا هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، ابن بشير، بفتح الموحدة (قال: أخبرنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد (قال: أخبرنا) وفي رواية لأبي ذر: أخبرني (مالك بن الحويرث الليثي، أنه رأى النبى ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض) إلى القيام (حتى يستوي قاعدًا) للاستراحة. وبذلك أخذ الشافعي، وطائفة من أهل الحديث، ولم يستحبها الأئمة الثلاثة كالأكثر. واحتج الطحاوي له بخلو حديث أبي حميد عنها، فإنه ساقه بلفظ: قام ولم يتورك، وكذا أخرجه أبو داود. وأجابوا عن حديث ابن الحويرث: بأنه، ﵊، كانت به علّة فقعد لأجلها، لا أن ذلك من سُنّة الصلاة، ولو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص.

стр. 1076

وأجيب: بأن الأصل عدم العلة، وأما الترك فلبيان الجواز على أنه لم تتفق الرواة عن أبي حميد على نفيها، بل أخرج أبو داود أيضًا من وجه آخر عنه إثباتها، وبأنها جلسة خفيفة جدًّا، فاستغنى فيها بالتكبير المشروع للقيام. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بغدادي، وهو شيخ المؤلّف، وما بين واسطي وبصري، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في الصلاة. ١٤٣ - باب كَيْفَ يَعْتَمِدُ عَلَى الأَرْضِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ هذا (باب) بالتنوين (كيف يعتمد) المصلي (على الأرض إذا قام من الركعة) أي: أي ركعة كانت، وللمستملي والكشميهني: من الركعتين، أي: الأولى والثالثة. ٨٢٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: "جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِنَا هَذَا فَقَالَ: إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي. قَالَ أَيُّوبُ: فَقُلْتُ لأَبِي قِلَابَةَ وَكَيْفَ كَانَتْ صَلَاتُهُ؟ قَالَ: مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا -يَعْنِي عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ- قَالَ أَيُّوبُ: وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ". وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي (قال: حدّثنا) ولابن عساكر: أخبرنا (وهيب) بضم الواو، مصغرًا، ابن خالد (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (قال: جاءنا مالك بن الحويرث، فصلّى بنا في مسجدنا هذا، فقال) ولابن عساكر: قال: (إني لأصلي بكم، وما أريد الصلاة، ولكن) بغير نون الوقاية، وللأصيلي وأبي ذر والحموي والمستملي: ولكنني، بإثباتها، ولابن عساكر: لكن بحذف الواو والياء، (أريد أن أريكم كيف رأيت النبي) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: رأيت رسول الله (¬ ﷺ يصلّي). (قال أيوب) السختياني: (فقلت لأبي قلابة: وكيف كانت صلاته؟ قال): كانت (مثل صلاة شيخنا هذا، يعني عمرو بن سلمة). بكسر اللام (قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير) أي يكبر عند كل انتقال غير الاعتدال، ولا ينقص من تكبيرات الانتقالات شيئًا، أو كان يمدّه من أوّل الانتقال إلى آخره (وإذا) بالواو، ويروى: فإذا (رفع رأسه عن السجدة الثانية) وللمستملي والكشميهني: في، بدل عن، ولأبى ذر في بعض نسخه من السجدة (جلس واعتمد على الأرض) بباطن كفّيه، كما يعتمد الشيخ العاجن إذا عجن الخمير (ثم قام).

стр. 1077

١٤٤ - باب يُكَبِّرُ وَهْوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُكَبِّرُ فِي نَهْضَتِهِ هذا (باب) بالتنوين (يكبر) المصلي (وهو ينهض من السجدتين) أي: عند ابتداء القيام من التشهد الأوّل إلى الركعة الثالثة كغيره. فالمراد بالسجدتين: الركعتان الأوليان، لأن السجدة تطلق على الركعة من باب إطلاق الجزء على الكل. (وكان ابن الزبير) عبد الله، مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح (يكبر في) أوّل (نهضته) من السجدتين. ٨٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: "صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ، فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ وَحِينَ سَجَدَ وَحِينَ رَفَعَ وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ". وبه قال: (حدّثنا يحيى بن صالح) أبو زكريا الواحظي الحمصي، (قال: حدّثنا فليح بن سليمان) بضم الفاء وفتح اللام، واسمه عبد الملك، وفليح لقبه، فغلب على اسمه وشهر به (عن سعيد بن الحرث) بكسر العين، ابن المعلى الأنصاري المدني (قال: صلّى لنا أبو سعيد) سعد بن مالك الخدري. ﵁، بالمدينة لما غاب أبو هريرة، وكان يصلّي بالناس في إمارة مروان على المدينة، وكان مروان وغيره من بني أمية يسرّون بالتكبير (فجهر) أبو سعيد (بالتكبير) زاد الإسماعيلي: حين افتتح وحين ركع وحين سجد، (حين رفع رأسه من السجود وحين سجد وحين رفع) زاد الأصيلي: رأسه (وحين قام من الركعتين) زاد الإسماعيلي: فلما انصرف قيل له: قد اختلف الناس على صلاتك، فقام عند المنبر فقال: إني والله ما أبالي اختلفت صلاتكم أو لم تختلف، (وقال هكذا رأيت النبي ﷺ ¬) يصلّي. قال في الفتح: والذي يظهر أن الاختلاف بينهم كان في الجهر بالتكبير والإسرار به، وفيه أن التكبير للقيام يكون مقارنًا للفعل، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لمالك، حيث قال: يكبر بعد الاستواء، وكأن شبهه بأوّل الصلاة من حيث أنها فرضت ركعتين، ثم زيدت الرباعية فيكون افتتاح المزيد كافتتاح المزيد عليه. كذا قاله بعض أتباعه. لكن كان ينبغي أن يستحب رفع اليدين، حينئذٍ، لتكمل المناسبة، ولا قائل به منهم. اهـ. ورواة هذا الحديث ما بين حمصي ومدنيين، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وتفرد به المؤلّف عن أصحاب الكتب الستة.

стр. 1078

٨٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ صَلَاةً خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي فَقَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ -أَوْ قَالَ- لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ". وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي (قال: حدّثنا حماد بن زيد، قال: حدّثنا غيلان بن جرير) بفتح الغين المعجمة وسكون المثناة التحتية في الأوّل، وفتح الجيم في الثاني، (عن مطرف) هو ابن عبد الله بن الشخير العامرى (قال: صليت أنا وعمران) ابن حصين (صلاة) من الصلوات (خلف علي بن أبي طالب) ﵁ بالبصرة (فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع) رأسه من السجود (كبر، إذا نهض من الركعتين) الأوليين بعد التشهد (كبر) عند ابتداء القيام وهذا موضع الترجمة. (فلما سلم) أي: عليّ بن أبي طالب ﵁، (أخذ عمران) بن حصين (بيدي) بكسر الدال (فقال: لقد صلّى بنا هذا) يعني علي بن أبي طالب (صلاة محمد ﷺ ¬) أي مثل صلاته، (أو قال: لقد ذكرني) بتشديد الكاف (هذا صلاة محمد ﷺ ¬) شك مطرف. ١٤٥ - باب سُنَّةِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ وَكَانَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَجْلِسُ فِي صَلَاتِهَا جِلْسَةَ الرَّجُلِ، وَكَانَتْ فَقِيهَةً (باب سنة الجلوس) أي هيئته (في التشهد) كالافتراش مثلاً أو مراده نفس الجلوس، على أن يكون المقصود بالسُّنَّة الطريقة الشاملة للواجب والمندوب. (وكانت أم الدرداء)، مما وصله المؤلّف في تاريخه الصغير من طريق مكحول، (تجلس في صلاتها جلسة الرجل) بكسر الجيم، لأن المراد الهيئة، أي كما يجلس الرجل، بأن تنصب الرجل اليمنى، وتفرش اليسرى، قال مكحول (وكانت) أي: أم الدرداء (فقيهة). وكذا وصله ابن أبي شيبة لكنه لم يقل: كانت فقيهة، فجزم مغلطاي وابن الملقن بأنه من قول البخاري، كأنهما لم يقفا على رواية تاريخ المؤلّف، وجزم الحافظ ابن حجر بأنه من كلام مكحول لرواية التاريخ، ومسند الفريايي، فإنه أخرجه فيه كذلك تمامًا، وبأن أم الدرداء، هذه هي الصغرى، هجيمة التابعية، لا الكبرى: خيرة بنت أبي حدرد الصحابية، لأن مكحولاً لم يدرك الكبرى، وإنما أدرك الصغرى، وأما استدلال العيني على أنها الكبرى بقوله: وكانت فقيهة، فليس بشيء كما لا يخفى.

стр. 1079

٨٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ "أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا جَلَسَ، فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ: إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِيَ الْيُسْرَى، فَقُلْتُ: إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ رِجْلَىَّ لَا تَحْمِلَانِي". وبالسند السابق إلى المصنف قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) إمام دار الهجرة (عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن عبد الله بن عبد الله أنه أخبره) صريح في أن عبد الرحمن بن القاسم أخذه عن عبد الله، فيحمل ما رواه الإسماعيلي عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عبد الله، على أن عبد الرحمن أخذه عن أبيه عن عبد الله، ثم أخذه عنه بغير واسطة، (أنه كان يرى) أباه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (¬﵄، يتربع في الصلاة، إذا جلس) للتشهد. (ففعلته) أي التربع (وأنا يومئذٍ حديث السن، فنهاني) عنه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (وقال) بالواو، ولأبي ذر في نسخة له، وهي رواية أبي الوقت قال بإسقاطها، ولابن عساكر: فقال: (إنما سُنّة الصلاة) أي: التي سنّها النبي ﷺ (أن تنصب رجلك اليمني) أي لا تلصقها بالأرض (وتثني) بفتح أوّله أي تعطف رجلك (اليسرى). وفي رواية يحيى بن سعيد عند مالك في موطئه: أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى وثنى اليسرى وجلس على وركه اليسرى، ولم يجلس على قدمه، فبيّن في رواية القاسم الإجمال الذي في رواية ابنه، لأنه لم يبيّن ما يصنع بعد أن يثني اليسرى، هل يجلس فوقها أو يتورك. قال عبد الله: (فقلت: إنك تفعل ذلك) أي التربع. (فقال: إن رجليّ) بتشديد الياء، تثنية رجل، ولأبي الوقت وابن عساكر: إن رجلاي بالألف على إجراء المثنى مجرى المقصور كقوله: إن أباها أو أباها. أو أن: أن بمعنى نعم، ثم استأنف فقال: رجلاي (لا تحملاني) بتخفيف النون، ولأبي ذر، لا تحملاني بتشديدها. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي. ٨٢٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ. وَحَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: "أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ

стр. 1080

ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ" وَسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، وَيَزِيدُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَلْحَلَةَ، وَابْنُ حَلْحَلَةَ مِنَ ابْنِ عَطَاءٍ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ "كُلُّ فَقَارٍ". وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ "كُلُّ فَقَارٍ". وبه قال: (حدّثنا، يحيى بن بكير) المصري (قال: حدّثنا الليث) بن سعد المصري أيضًا (عن خالد) هو ابن يزيد الجمحي المصري (عن سعيد) الليثي المدني، زاد أبو ذر. هو ابن أبي هلال (عن محمد بن عمرو بن حلحلة) بفتح العين، وكذا الحاءين المهملتين وسكون اللام الأولى الديلي المدني (عن محمد بن عمرو بن عطاء) بفتح العين قبل الميم الساكنة القرشي العامري المدني. (وحدّثنا) بالواو، وفي بعض الأصول قبله: ح للتحويل إلى سند آخر، ولابن عساكر قال: حدّثني، بحذف الواو والإفراد، أي: قال يحيى بن بكير: حدّثني أو حدّثنا (الليث) بن سعد (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد المصري (ويزيد بن محمد) القرشي كلاهما (عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه) أي ابن عطاء (كان جالسًا مع نفر) كذا لكريمة بلفظ مع، ولغيرها، وعزاه في الفرع لأبي ذر والأصيلي: في نفر، اسم جمع يقع على الرجال خاصة، ما بين الثلاثة إلى العشرة، وفي سنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة أنهم كانوا عشرة (من أصحاب النبي) ولأبي الوقت: من أصحاب رسول الله، أي: حال كونهم من أصحابه (¬ ﷺ ¬) منهم أبو قتادة بن ربعي، وأبو أسيد الساعدي، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبو هريرة ﵃، (فذكرنا صلاة النبي ﷺ ، فقال أبو حميد) عبد الرحمن أو المنذر (الساعدي) الأنصاري، ﵁: (أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله) وللأصيلي: لصلاة النبي (¬ ﷺ ¬). زاد في رواية أبي داود: قالوا فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا، ولا أقدمنا له صحبة، وللطحاوي. قالوا: من أين؟ قال: رقبت ذلك منه حتى حفظت صلاته. (رأيته) ﵊ (إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه) ولأبي ذر، حذو منكبيه، زاد ابن إسحاق: ثم قرأ بعض القرآن (وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره) بالصاد المهملة، أي أماله في استواء من رقبته، ومتن ظهره من غير تقويس، (فإذا رفع رأسه استوى) قائمًا معتدلاً (حتى يعود كل فقار مكانه) بفتح الفاء والقاف جمع فقارة، واستعمل الفقار للواحد تجوّزًا، وفي المطالع، ونسب للأصيلي كسر الفاء. وحكي عن الأصيلي أيضًا: كل قفار، بتقديم القاف، وهو تصحيف لأنه جمع قفر وهو المفازة، ولا معنى له هنا.

стр. 1081

والفقار بتقديم الفاء ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب، قاله في المحكم: وهو ما بين كل مفصلين. وقال صاعد: وهن أربع وعشرون، سبع في العنق، وخمس في الصلب، واثنتا عشرة في أطراف الأضلاع وقال الأصمعي: خمس وعشرون. وفي رواية الأصيلي: حتى يعود كل فقار إلى مكانه (فإذا سجد وضع يديه) حال كونه (غير مفترش) ساعديه، وغير حامل بطنه على شيء من فخذيه (ولا قابضهما) أي: ولا قابض يديه. وهو أن يضمهما إليه. وفي رواية فليح بن سليمان: ونحى يديه عن جنبيه، ووضع يديه حذو منكبيه، (واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين) الأوليين للتشهد (جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى) وهذا هو الافتراش. (وإذا جلس في الركعة الآخرة) للتشهد الآخر (قدّم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته)، وهذا هو التورك، وفيه دليل للشافعية في: أن جلوس التشهد الأخير مغاير لغيره. وحديث ابن عمر المطلق محمول على هذا الحديث المقيد، نعم. في حديث عبد الله بن دينار المروي في الموطأ التصريح بأن جلوس ابن عمر المذكور كان في التشهد الأخير. وعند الحنفية يفترش في الكل، وعند المالكية يتورك في الكل، والمشهور وعن أحمد اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان. فإن قلت: ما الحكمة في أخذ الشافعية بالتغاير في الجلوس الأوّل والثاني؟ أجيب: لأنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأول تعقبه الحركة بخلاف الثاني، ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به. ورواة هذا الحديث ما بين مصريين بالميم ومدنيين، وفيه إرداف الرواية النازلة بالعالية، ويزيد ابن محمد من أفراد المؤلّف، والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. قال المؤلّف مفيدًا: إن العنعنة الواقعة في هذا الحديث بمنزلة السماع. (وسمع الليث) بن سعد (يزيد بن أبي حبيب) وسقط للأصيلي واو: وسمع، (ويزيد بن محمد بن عمرو بن حلحلة) وللأصيلي: ويزيد بن محمد، محمد (١) بن حلحلة، ولأبي ذر: ويزيد محمدًا وللأصيلي أيضًا: ويزيد سمع من محمد بن حلحلة. (وابن حلحلة) سمع (من ابن عطاء) وقد سقط ذلك أعني من قوله: سمع إلى آخر قوله ابن عطاء، عند ابن عساكر. (وقال) بواو العطف، ولغير أبي ذر وابن عساكر: قال (أبو صالح) كاتب الليث، وليس هو: أبو صالح عبد الغفار البكري، مما وصله الطبراني، (عن الليث) بإسناده الثاني السابق، عن يزيد بن

стр. 1082

أبي حبيب، ويزيد بن محمد: (كل فقار) بغير إضافة إلى ضمير وتقديم الفاء على القاف، كما فى الفرع، وقال الحافظ ابن حجر: ضبط في روايتنا بتقديم القاف على الفاء، وكذا للأصيلي. اهـ. وقد قالوا: إنها تصحيف كما مر، وعند الباقين كرواية يحيى بن بكير يعني بتقديم الفاء، لكن ذكر صاحب المطالع أنهم كسروا الفاء. (وقال ابن المبارك) عبد الله، مما وصله الفريابي في صفة الصلاة له، والجوزقيّ في جمعه، وإبراهيم الحربي في غريبه: (عن يحيى بن أيوب، قال: حدّثني) بالإفراد (يزيد بن أبي حبيب أن محمد بن عمرو حدّثه)، ولأبي ذر: أن محمد بن عمرو بن حلحلة حدّثه: (كل فقار) بتقديم الفاء من غير ضمير أيضًا، وللكشميهني وحده: كل فقاره، بهاء الضمير كما في الفرع. أي: حتى يعود جميع عظام ظهره أو فقاره، بهاء التأنيث، أي: حتى تعود كل عظمة من عظام الظهر مكانها. ١٤٦ - باب مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَاجِبًا لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَرْجِعْ (باب من لم ير التشهد الأوّل) في الجلسة الأولى من الرباعية والثلاثية (واجبًا). والتشهد: تفعل من تشهد، سمي بذلك لاشتماله على النطق بشهادة الحق، تغليبًا له على بقية أذكاره لشرفها، وهو من باب إطلاق اسم البعض على الكل. وقد استدلّ المؤلّف لما ترجم له بقوله: (لأن النبي ﷺ قام من الركعتين ولم يرجع) إلى التشهد، ولو كان واجبًا لرجع إليه لما سبحوا به، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا. ٨٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ مَوْلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -وَقَالَ مَرَّةً: مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ- أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ وَهْوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ! فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ". [الحديث ٨٢٩ - أطرافه في: ٨٣٠، ١٢٢٤، ١٢٢٥، ١٢٣٠، ٦٦٧٠]. وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا) وللأصيلي: حدّثنا (شعيب) هو ابن أبي حمزة، دينار (عن) ابن شهاب محمد بن مسلم (الزهري قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج (مولى بني عبد المطلب) نسبه لجد مواليه الأعلى (- قال) الزهري (مرة، مولى ربيعة بن الحرث-) بن عبد المطلب، فنسبه لمولاه الحقيقي، فلا منافاة بينهما: (إن عبد الله بن بحينة) بضم الموحدة وفتح المهملة، اسم أمه، (وهو) أي ابن بحينة (من أزد شنوأة) بفتح

стр. 1083

الهمزة وسكون الزاي بعدها دال مهملة في الأولى، وفتح الشين وضم النون وفتح الهمزة في الثانية، بوزن فعولة، قبيلة مشهورة (وهو) أي ابن بحينة أيضًا (حليف لبني عبد مناف) بالحاء المهملة، لأن جدّه حالف المطلب بن عبد المناف (وكان من أصحاب النبي ﷺ ¬) هو مقول التابعي الراوي عنه، (أن النبي ﷺ ، صلّى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين) إلى الثالثة حال كونه (لم يجلس) للتشهد، ولابن عساكر، ولم يجلس، بالواو. وفي مسلم، بالفاء (فقام الناس معه) زاد الضحاك بن عثمان، عن الأعرج فيما رواه ابن خزيمة: فسبحوا به، فمضى (حتى إذا قضى الصلاة) أي فرغ منها (وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس) جملة حالية (فسجد سجدتين) للسهو بعد التشهد (قبل أن يسلم، ثم سلم) فيه ندبية التشهد الأول، لأنه لو كان واجبًا لرجع وتداركه. وهذا مذهب الجمهور، خلافًا لأحمد حيث قال: يجب، لأنه ﵊ فعله وداوم عليه، وجبره بالسجود حين نسيه، وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي. وتعقب: بأن جبره بالسجود، دليل عليه لا له، لأن الواجب لا يجبر بذلك، كالركوع وغيره. وممّن قال بالوجوب أيضًا: إسحاق، وهو قول للشافعي، ورواية عند الحنفية. وفي الحديث مباحث تأتي إن شاء الله تعالى في السهو. ورواته ما بين حمصي ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة والسهو والنذور، ومسلم والنسائي وابن ماجة في الصلاة والله المعين. ١٤٧ - باب التَّشَهُّدِ فِي الأُولَى (باب) مشروعية (التشهد في) الجلسة (الأولى) من الثلاثية والرباعية. ٨٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ. فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ". وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين، وسقط في رواية ابن عساكر لفظ: ابن سعيد (قال: حدّثنا) وللأصيلي: أخبرنا (بكر) بفتح الموحدة وسكون الكاف، وفي بعضها: بكر بن مضر (عن جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل المصري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن عبد الله بن مالك ابن بحينة) بتنوين مالك، وكتابة ابن بعده بألف، وإعرابه إعراب عبد الله، لأن بحينة اسم أمه (قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فقام وعليه جلوس) للتشهد الأوّل، (فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين) للسهو (وهو جالس) قبل أن يسلم وبعد أن تشهد. قيل وفيه إشعار بالوجوب حيث قال: فقام وعليه جلوس، وفيه نظر.

стр. 1084

١٤٨ - باب التَّشَهُّدِ فِي الآخِرَةِ (باب) وجوب (التشهد في) الجلسة (الآخرة). ٨٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ -فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". [الحديث ٨٣١ - أطرافه في: ٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق بن سلمة) هو أبو وائل (قال: قال عبد الله) بن مسعود ﵁ (كنّا إذا صلَّينا خلف النبيّ) ولأبي ذر والأصيلي: خلف رسول الله (¬ ﷺ ¬) في رواية أبي داود عن مسدد: إذا جلسنا، (قلنا): السلام على الله من عباده، (السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان) زاد في رواية عبدِ الله بن نمير عن الأعمش عند ابن ماجة: يعنون الملائكة. والأظهر كما قاله أبو عبد الله الأبّي، أن هذا كان استحسانًا منهم، وأنه ﵊ لم يسمعه إلاّ حين أنكره عليهم. قال: ووجه الإنكار عدم استقامة المعنى، لأنه عكس ما يجب أن يقال، كما يأتي قريبًا إن شاء الله. وقوله: كنا، ليس من قبيل المرفوع، حتى يكون منسوخًا بقوله: إن الله هو السلام لأن النسخ إنما يكون فيما يصح معناه، وليس تكرر ذلك منهم مظنة سماعه له منهم، لأنه في التشهد، والتشهد سرّ. (فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال): ظاهره أنه ﵊ كلمهم في أثناء الصلاة، لكن في رواية حفص بن غياث، أنه بعد الفراغ من الصلاة ولفظه: فلما انصرف النبي ﷺ من الصلاة، قال: (إن الله هو السلام) أي أنه اسم من أسمائه تعالى، ومعناه السالم من سمات الحدوث، أو المسلم عباده من المهالك، أو المسلم عباده في الجنة أو أن كل سلام ورحمة له ومنه وهو مالكهما ومعطيهما، فكيف يدعى له بهما وهو المدعو؟ وقال ابن الأنباري: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق

стр. 1085

لحاجتهم إلى السلامة، وغناه سبحانه عنها، (فإذا صلّى أحدكم) قال ابن رشيد: أي أتمّ صلاته، لكن تعذر الحمل على الحقيقة لأن التشهد لا يكون بعد السلام، فلما تعين المجاز كان حمله على آخر جزء من الصلاة أولى لأنه الأقرب إلى الحقيقة. وقال العيني: أي إذا أتم صلاته بالجلوس في آخرها، فليقل وفي رواية حفص بن غياث فإذا جلس أحدكم في الصلاة (فليقل) بصيغة الأمر المقتضية للوجوب، وفي حديث ابن مسعود عند الدارقطني بإسناد صحيح: وكنا لا ندري ما نقول قبل أن يفرض علينا التشهد (التحيات لله) جمع تحية وهو السلام أو البقاء، أو الملك، أو السلامة من الآفات، أو العظمة أي أنواع التعظيم له، وجمع لأن الملوك كان كل واحد منهم يحييه أصحابه بتحية مخصوصة، فقيل: جميعها لله وهو المستحق لها حقيقة، (والصلوات) أي الخمس واجبة لله، لا يجوز أن يقصد بها غيره، أو هو إخبار عن قصد إخلاصنا له تعالى، أو العبادات كلها، أو الرحمة، لأنه المتفضل بها (والطيبات) التي يصلح أن يثني على الله بها دون ما لا يليق به، أو ذكر الله أو الأقوال الصالحة. أو التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية، والطيبات: العبادات المالية. وأتى بالصلوات والطيبات منسوقًا بالواو لعطفه على التحيات، أو أن الصلوات مبتدأ خبره محذوف والطيبات معطوف عليها، فالأولى عطف الجملة على الجملة والثانية عطف المفرد على الجملة، قاله البيضاوي. وقال ابن مالك: إذا جعلت التحيات مبتدأ، أو لم تكن صفة لموصوف محذوف، كان قولك: والصلوات، مبتدأ، لئلا يعطف نعت على منعوته، فيكون من باب عطف الجمل بعضها على بعض، وكل جملة مستقلة بفائدتها. وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو. وقال العيني: كل واحد من الصلوات والطيبات مبتدأ حذف خبره، أي الصلوات لله، والطيبات لله، فالجملتان معطوفتان على الأولى وهي: التحيات لله .. (السلام) أي: السلامة من المكاره، أو السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء، أو الذي سلمه الله عليك ليلة المعراج (عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته). فأل للعهد التقريري، أو المراد حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد عمّن يصدر، وعلى من ينزل، فتكون أل للجنس أو هي للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]. وأصل سلام عليك: سلمت سلامًا، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره. وإنما قال: عليك، فعدل عن الغيبة إلى الخطاب مع أن لفظ الغيبة يقتضيه السياق لأنه إتباع لفظ الرسول بعينه حين علم الحاضرين من أصحابه وأمرهم أن يفردوه بالسلام عليه لشرفه ومزيد حقه. (السلام) الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء (علينا) يريد به المصلي نفسه والحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة (وعلى عباد الله الصالحين) القائمين بما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد، وهو عموم بعد خصوص.

стр. 1086

وجوّز النووي، ﵀، حذف اللام من السلام في الموضعين، قال: والإثبات أفضل وهو الموجود في روايات الصحيحين. اهـ. وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم. (فإنكم إذا قلتموها) أي قوله: وعلى عباد الله الصالحين (أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض) جملة اعتراض بين قوله: الصالحين وتاليها الآتي، فائدة الإتيان بها الاهتمام بها لكونه أنكر عليهم عدّ الملائكة واحدًا واحدًا، ولا يمكن استيفاؤهم. وفيه أن الجمع المحلى بالألف واللام للعموم، وأن له صيغًا، وهذه منها. قال ابن دقيق العيد: وهو مقطوع به عندنا في لسان العرب، وتصرفات ألفاظ الكتاب والسُّنّة. اهـ وفيه خلاف عند أهل الأصول. (أشهد أن لا إله إلاّ الله) زاد ابن أبي شيبة: وحده لا شريك له. وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) بالإضافة إلى الضمير. وفي حديث ابن عباس عند مسلم وأصحاب السُّنن: وأشهد أن محمدًا رسول الله بالإضافة إلى الظاهر وهو الذي رجّحه الشيخان الرافعي والنووي، وأن الإضافة للضمير لا تكفي. لكن المختار أنه يجوز: ورسوله. لما ثبت في مسلم، رواه البخاري هنا. وحديث التشهد روي عن جماعة من الصحابة منهم: ابن مسعود ﵁، رواه المؤلّف والباقون، ولفظ مسلم: علمني رسول الله ﷺ التشهد، كفى بين كفيه، كما يعلمنا السورة من القرآن، فقال: "إذا قعد أحدكم فليقل: إلخ. وزاد في غير الترمذي وابن ماجة: "وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به"، واختاره أبو حنيفة وأحمد والجمهور لأنه أصح ما في الباب، واتفق عليه الشيخان قال النووي: إنه أشدها صحة باتفاق المحدثين، وروي من نيف وعشرين طريقًا وثبتت فيه الواو بين الجملتين، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلاً بخلاف غيرها من الروايات، فإنها ساقطة وسقوطها يصيرها صفة لما قبلها، ولأن السلام فيه معرّف وفي غيره منكر، والمعرّف أعمّ. ومنهم ابن عباس عند الجماعة إلا البخاري ولفظه: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، وكان يقول: "التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد

стр. 1087

أن محمدًا رسول الله". واختاره الإمام الشافعي، ﵀، لزيادة لفظ: المباركات فيه. وهي موافقة لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. وأجيب: بأن الزيادة مختلف فيها، وحديث ابن مسعود متفق عليه. ومنهم عمر بن الخطاب ﵁، رواه الطحاوي عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه سمع عمر بن الخطاب يعلم الناس التشهد على المنبر، وهو يقول: "التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". واختاره ابن مالك. لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد، فدلّ على تفضيله وتعقب بأنه موقوف، فلا يلحق بالمرفوع. وأجيب بأن ابن مردويه رواه في كتاب التشهد مرفوعًا. ومنهم ابن عمر، عند أبي داود والطبراني في الكبير. ومنهم عائشة عند البيهقي. ومنهم جابر بن عبد الله عند النسائي، وابن ماجة، والترمذي في العلل، ولفظه كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: "بسم الله، وبالله، التحيات لله … إلخ". وصححه الحاكم، لكن ضعفه البخاري والترمذي والنسائي والبيهقي، كما قاله النووي في الخلاصة. ومنهم أبو سعيد الخدري عند الطحاوي. ومنهم أبو موسى الأشعري عند مسلم، وأبي داود، والنسائي. ومنهم سلمان الفارسي عند البزار. ومذهب الشافعي أن التشهد الأول سنة، والثاني واجب، وقال أبو حنيفة ومالك: سنتان. وقال أحمد: الأول واجب يجبر تركه بالسجود، والثاني ركن تبطل الصلاة بتركه. ورواة حديث الباب ما بين حمصي ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة وكذا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ١٤٩ - باب الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ (باب الدعاء) بعد التشهد (قبل السلام) وللأصيلي: قبل التسليم. ٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ. اللَّهُمَّ

стр. 1088

إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ». [الحديث ٨٣٢ - أطرافه في: ٨٣٣، ٢٣٩٧، ٦٣٦٨، ٦٣٧٥، ٦٣٧٦، ٦٣٧٧، ٧١٢٩]. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) أي ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرنا عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ ¬) سقط قوله: زوج النبي إلخ. ولأبي ذر وابن عساكر: أنها (أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يدعو في) آخر (الصلاة) بعد التشهد قبل السلام، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعًا: إذا تشهد أحدكم فليقل: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) بفتح الميم وكسر السين مخففة. وقيده بالدجال ليمتاز عن عيسى ابن مريم ﵇، والدجل الخلط. وسمي به لكثرة خلطه الباطل بالحق، أو من دجل: كذب والدجال: الكذاب. وبالمسيح، لأن إحدى عينيه ممسوحة، فعيل بمعنى مفعول، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في أيام معدودة، فهو بمعنى فاعل، أو لأن الخير مسح منه فهو مسيح الضلال. (وأعوذ بك من فتنة المحيا) ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان، أي: الابتلاء بالدنيا والشهوات والجهالات، (وفتنة الممات) ما يفتتن به عند الموت في أمر الخاتمة، أعاذنا الله من ذلك، أضيفت إليه لقربها منه. أو فتنة القبر، ولا تكرار مع قوله أولاً عذاب القبر، لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب. (اللهم إني أعوذ بك من المأثم) أي ما يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه، وضعًا للمصدر موضع الاسم (و) أعوذ بك من (المغرم) أي الدَّين، فيما لا يجوز أو فيما يجوز، ثم يعجز عن أدائه. فأما دين احتاجه وهو قادر على أدائه فلا استعاذة منه، والأول حق الله، والثاني حق العباد. (فقال له) أي للنبي ﷺ (قائل) في رواية النسائي من طريق معمر عن الزهري أن السائل عائشة، ولفظها: فقلت: يا رسول الله (ما أكثر) بفتح الراء على التعجب (ما تستعيذ من المغرم)؟ في محل نصب به، أي: ما أكثر استعاذتك من المغرم (فقال) ﵊: (إن الرجل إذا غرم) بكسر الراء، وجواب قوله: (حدث فكذب) بأن يحتج بشيء في وفاء ما عليه ولم يقم به، فيصير كاذبًا. وذال كذب مخففة وهو عطف على حدث. (ووعد فأخلف). كأن قال لصاحب الدين: أوفيك دينك في يوم كذا، ولم يوف، فيصير مخلفًا لوعده. والكذب وخلف الوعد من صفات المنافقين. وللحموي والمستملي: وإذا وعد أخلف. وهذا الدعاء صدر منه ﵊ على سبيل التعليم لأمته، وإلاّ فهو ﵊ معصوم من ذلك، أو أنه سلك به طريق التواضع، وإظهار العبودية، وإلزام خوف الله تعالى، والافتقار إليه ولا يمنع تكرار الطلب مع تحقّق الإجابة لأن ذلك يحصل الحسنات، ويرفع الدرجات.

стр. 1089

وزاد أبو ذر عن المستملي، هنا: قال محمد بن يوسف بن مطر الفربري: يحكى عن المؤلّف أنه قال: سمعت خلف بن عامر الهمذاني يقول في المسيح، بفتح الميم وتخفيف السين، والمسيح مشدد مع كسر الميم ليس بينهما فرق، وهما واحد في اللفظ، أحدهما عيسى ابن مريم ﵇، والآخر الدجال لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين، لكن إذا أريد الدجال قيد به كما مر. وقال أبو داود في السُّنن: المسيح مثقل. هو الدجال، ومخفف: عيسى ﵇، وحكي عن بعضهم أن الدجال مسيخ بالخاء المعجمة، لكن نسب إلى التصحيف. وفي الحديث: التحديث بالجمع والإخبار ورواية تابعي عن تابعي عن صحابية ورواته ما بين حمصي ومدني، وأخرجه المؤلّف في الاستقراض، ومسلم في الصلاة وكذا أبو داود والنسائي. ٨٣٣ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ". (و) بالسند السابق إلى شعيب (عن الزهري) محمد بن مسلم (قال: أخبرني) بالإفراد (عن عروة أن عائشة) ولأبي ذر والأصيلي: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة (¬﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يستعيذ في) آخر (صلاته من فتنة الدجال). ساقه هنا مختصرًا، وفي السابق مطولاً، ليفيد أن الزهري رواه كذلك مع زيادة ذكر السماع عن عائشة ﵂. فإن قلت: كيف استعاذ من فتنة الدجال مع تحقق عدم إدراكه. أجيب: بأن فائدته تعليم أمته، لأن ينتشر خبره بين الأمة جيلاً بعد جيل بأنه: كذاب، مبطل، ساعٍ على وجه الأرض بالفساد، حتى لا يلتبس كفره عند خروجه من يدركه. ٨٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو "عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». [الحديث ٨٣٤ - طرفاه في: ٦٣٢٦، ٧٣٨٨]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين (قال: حدّثنا الليث) بن سعد (عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير) مرثد بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة، آخره دال مهملة ابن عبد الله اليزني (عن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاصي (عن أبي بكر الصديق، ﵁، أنه قال لرسول الله ﷺ علمني دعاء أدعو به في صلاتي) أي: في آخرها بعد التشهد الأخير: قبل السلام.

стр. 1090

وقال الفاكهاني: الأولى أن يدعو به في السجود وبعد التشهد، لأن قوله: في صلاتي يعم جميعها. وتعقب بأنه: لا دليل له على دعوى الأولوية، بل الدليل الصريح عامّ في أنه بعد التشهد قبل السلام، (قال) له ﵊: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي) بارتكاب ما يوجب العقوبة (ظلمًا كثيرًا) بالمثلثة، ولأبي ذر في نسخة: كبيرًا بالموحدة، وسقط لأبي ذر لفظ: نفسي "ولا يغفر الذنوب إلاَّ أنت". إقرار بالوحدانية واستجلاب للمغفرة. "فاغفر لي مغفرة" عظيمة لا يدرك كنهها "من عندك" تتفضل بها علي، لا تسبب لي فيها بعمل ولا غيره، "وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". في هاتين الصفتين مقابلة حسنة، فالغفور مقابل لقوله: اغفر لي. والرحيم مقابل لقوله: ارحمني. قال في الكواكب: وهذا الدعاء من جوامع الكلم إذ فيه الاعتراف بغاية التقصير، وهو كونه ظالمًا ظلمًا كثيرًا وطلب غاية الإنعام التي هي المغفرة والرحمة، فالأول عبارة عن الزحزحة عن النار، والثاني إدخال الجنة. وهذا هو الفوز العظيم، اللهم اجعلنا من الفائزين بكرمك يا أكرم الأكرمين. ورواة هذا الحديث سوى طرفيه مصريون، وفيه تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي، والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: الدعوات، وكذا مسلم والترمذي وابن ماجة، وأخرجه النسائي في الصلاة، وزاد أبو ذر في نسخة عنه هنا: بسم الله الرحمن الرحيم، وهي ساقطة عند الكل. ١٥٠ - باب مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ (باب ما يتخير) بضم أوّله للمفعول (من الدعاء بعد) فراغه من (التشهد) قبل السلام (وليس بواجب). ٨٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ الأَعْمَشِ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ! فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ -أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو». وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) القطان (عن الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدّثني) بالإفراد (شفيق) هو أبو وائل (عن عبد الله) بن مسعود وضي الله
следующие страницы →