معجمة، بالصرف وعدمه كما في الفرع وأصله، قال السفاقسي: هو من إضافة الشيء إلى نفسه، لأن عكاظ اسم سوق للعرب بناحية مكة، قال في المصابيح: لعل العلم هو مجموع قولنا: سوق عكاظ، كما قالوا في شهر رمضان، وإن قالوا: عكاظ فعلى الحذف، كقولهم: رمضان (وقد حيل) أي حجز (بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب) بضم الهاء جمع شهب، وهو شعلة نار ساطعة ككوكب ينقض (فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟، فقالوا) بالفاء، ولغير أبي ذر: قالوا: (حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب قالوا) أي الشياطين: (ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا) أي سيروا (مشارق الأرض ومغاربها) أي فيهما، فالنصب على الظرفية (فانظروا) وللأصيلي وابن عساكر: وانظروا (ما هذا الذي) بإثبات اسم الإشارة، ولابن عساكر: ما الذي (حال بينكم وبين خبر السماء) ولغير ابن عساكر: حيل، لكنه في اليونينية ضبب عليها وشطب (فانصرف أولئك) الشياطين (الذين توجهوا نحو تهامة) بكسر التاء، مكة. وكانوا من جنّ نصيبين (إلى النبي ﷺ ، وهو بنخلة) بفتح النون وسكون الخاء المعجمة، غير منصرف للعلمية، والتأنيث موضع على ليلة من مكة، حال كونهم (عامدين إلى سوق عكاظ، وهو) ﵊ (يصلّي صلاة الفجر) الصبح (فلما سمعوا القرآن استمعوا له) أي قصدوه وأصغوا إليه، وهو ظاهر في الجهر المترجم له (فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، وقالوا) بالواو، وفي رواية قالوا: وهو العامل في ظرف المكان ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: فقالوا: بالفاء، وحينئذٍ فالعامل في الظرف: رجعوا، مقدّرًا يفسره المذكور (﴿يا قومنا إنّا سمعنا قرآنًا عجبًا﴾) بديعًا مباينًا لسائر الكتب من حسن نظمه، وصحة معانيه، وهو مصدر وصف به للمبالغة (﴿يهدي إلى الرشد﴾) يدعو إلى الصواب (﴿فآمنا به﴾) أي بالقرآن (﴿ولن نشرك بربنا أحدا﴾) [الجن: ٢٠١] فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ : (﴿قل أوحي إليّ﴾) زاد الأصيلي: ﴿أنه استمع نفر من الجن﴾ (وإنما أوحي إليه قول الجن).
وأراد بقول الجن الذي قصه ومفهومه: أنّ الحيلولة بين الشياطين وخبر السماء حدثت بعد نبوّة نبينا محمد ﷺ ، ولذلك أنكرته الشياطين، وضربوا مشارق الأرض ومغاربها ليعرفوا خبره، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب، حتى قطع بينهم وبين خبر السماء، فكان رميها من دلائل النبوّة.
لكن في مسلم ما يعارض ذلك، فمن ثمة وقع الاختلاف، فقيل: لم تزل الشهب منذ كانت الدنيا، وقيل: كانت قليلة فغلظ أمرها وكثرت بعد البعث.
وذكر المفسرون أن حراسة السماء والرمي بالشهب كان موجودًا، لكن عند حدوث أمر عظيم من عذاب ينزل بأهل الأرض، أو إرسال رسول إليهم، وقيل كانت الشهب مرئية معلومة، ولكن رمي الشياطين بها وإحراقهم لم يكن إلا بعد النبوّة.
стр. 1017
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري وواسطي وكوفي، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير، ومسلم في الصلاة، والترمذي والنسائي في التفسير، وهذا الحديث مرسل صحابي لأن ابن عباس لم يرفعه ولا هو مدرك للقصة.
٧٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا أُمِرَ، وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
وبه قال: (حدّثنا مسدّد) بن مسرهد (قال: حدّثنا إسماعيل) بن علية (قال: حدّثنا أيوب) السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) ﵄ (قال: قرأ) أي: جهر (النبي ﷺ فيما أُمِرَ)، أي أسرَّ (فيما أمر) بضم الهمزة فيهما، والآمر الله تعالى. لا يقال معنى سكت: ترك القراءة، لأنه ﵊ لا يزال إمامًا، فلا بدّ من القراءة سرًّا أو جهرًا (﴿وما كان ربك نسيًّا﴾) حيث لم ينزل في بيان أفعال الصلاة قرآنًا يتلى، وإنما وكّل الأمر في ذلك إلى بيان نبيه ﷺ ، الذي شرع لنا الاقتداء به، وأوجب علينا اتباعه في أفعاله التي هي لبيان مجمل الكتاب (﴿ولقد﴾) ولغير أبوي الوقت وذر الأصيلي وابن عساكر: لقد (﴿كان لكم في رسول الله أُسوة﴾) بضم الهمزة وكسرها، أي: قدوة (﴿حسنة﴾) فتجهروا فيما جهر، وتسروا فيما أسر. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري وكوفي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وهو من أفراده. ١٠٦ - باب الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ
وَالْقِرَاءَةِ بِالْخَوَاتِيمِ، وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ، وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ: "قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ فِي الصُّبْحِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ".
وَقَرَأَ عُمَرُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الْمَثَانِي.
وَقَرَأَ الأَحْنَفُ بِالْكَهْفِ فِي الأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ أَوْ يُونُسَ. وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ ﵁ الصُّبْحَ بِهِمَا.
وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ -فِيمَنْ يَقْرَأُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ، أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ-: كُلٌّ كِتَابُ اللَّهِ.
стр. 1018
(باب) حكم (الجمع بين السورتين في الركعة) الواحدة من الصلاة، ولابن عساكر وأبي ذر: في ركعة (و) حكم (القراءة بالخواتيم) بالمثناة التحتية بعد الفوقية، ولأبي ذر والأصيلي: بالخواتم، أي أواخر السور، (و) القراءة (بسورة). بموحدة، أوّله، ولابن عساكر: وسورة (قبل سورة) مخالفًا ترتيب المصحف العثماني (و) القراءة (بأوّل سورة).
(ويذكر) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول (عن عبد الله بن السائب) بن أبي السائب، مما وصله مسلم من طريق ابن جريج: (قرأ النبي ﷺ ﴿المؤمنون﴾) بالواو على الحكاية، ولأبي ذر: المؤمنين وللأصيلي ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ (في) صلاة (الصبح) بمكة. (حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون) أيّ قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون﴾ (أو ذكر عيسى) أي ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ (أخذته) ﷺ (سعلة) بفتح السين وقد تضم، ولابن ماجة: فلما بلغ ذكر عيسى وأمه أخذته سعلة، أو قال: شهقة وفي رواية: شرقة (فركع).
قيل فيه جواز قطع القراءة، وجواز القراءة ببعض السورة، وهو يردّ على مالك حيث كره ذلك.
وأجيب: بأن الذي كرهه مالك هو أن يقتصر على بعض السورة مختارًا، والمستدل به هنا ظاهر في أنه كان للضرورة، فلا يرد عليه. نعم، الكراهية لا تثبت إلا بدليل، وأدلة الجواز كثيرة، منها حديث زيد بن ثابت: أنه في قرأ الأعراف في الركعتين، ولم يذكر ضرورة.
(وقرأ عمر) بن الخطاب ﵁ (في الركعة الأولى) من الصبح (بمائة وعشرين آية من البقرة، وفي) الركعة (الثانية بسورة من المثاني) وهو ما يبلغ مائة آية، أو لم يبلغها، أو ما عدا السبع الطوال إلى المفصل، سمي مثاني لأنها ثنت السبع، أو لكونها قصرت عن المئين وزادت على المفصل، أو ولأن المئتين جعلت مبادي والتي تليها مثاني، ثم الفصل.
وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة لكن بلفظ: يقرأ في الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني.
(وقرأ الأحنف) بالمهملة، ابن قيس بن معد يكرب الكندي الصحابي، ﵁، في صلاة الصبح (بالكهف في) الركعة (الأولى، وفي الثانية بيوسف أو يونس) شك الراوي (وذكر) الأحنف (أنه صلّى مع عمر ﵁¬) أي وراءه (الصبح) فقرأ (بهما) أي بالكهف في الأولى، وبإحدى السورتين في الثانية.
وهذا مكروه عند الحنفية، لأن رعاية ترتيب المصحف العثماني مستحبة، وقيل مكروه في الفرائض دون النوافل.
وهذا التعليق وصله أبو نعيم في المستخرج، وقال في الثانية يونس ولم يشك.
стр. 1019
(وقرأ ابن مسعود) عبد الله، فيما وصله عبد الرزاق (بأربعين آية من الأنفال) في الركعة الأولى، ولفظ سعيد بن منصور، من وجه آخر: فافتتح الأنفال حتى بلغ ﴿ونعم النصير﴾ وهو رأس الأربعين آية، (وفي) الركعة (الثانية بسورة من المفصل) من سورة القتال، أو الفتح، أو الحجرات، أو ق، إلى آخر القرآن.
(وقال قتادة) مما وصله عبد الرزاق (فيمن يقرأ سورة واحدة) ولأبي ذر: بسورة واحدة يفرّقها (في ركعتين) وللأصيلي: في الركعتين، (أو يردّد) أي يكرر (سورة واحدة في ركعتين) بأن يقرأ في الثانية بعين السورة التي قرأها في الأولى، فالتكرير أخف من قسم السورة في ركعتين، قاله ابن المنير.
قال في فتح الباري: وسبب الكراهة فيما يظهر أن السورة يرتبط بعضها ببعض، فأي موضع قطع فيه لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة، فإنه إن انقطع في وقف غير تام كانت الكراهة ظاهرة، وإن وقف في تام فلا يخفى أنه خلاف الأولى. اهـ.
واستنبط جواز جميع ما ذكره في الترجمة من قول قتادة: (كل) أي كل ذلك (كتاب الله) . فعلى أي وجه يقرأ لا كراهة فيه.
ويؤيد الصورة الأولى من قول قتادة قراءته ﵊ في المغرب: بآل عمران، فرّقها في ركعتين رواه النسائي.
والثاني حديث معاذ بن عبد الله الجهني: أن رجلاً من جهينة أخبره، أنه سمع رسول الله ﷺ
يقرأ في الصبح ﴿إذا زلزلت﴾ في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسي رسول الله ﷺ ، أم قرأ ذلك
عمدًا. ولم يذكر المؤلّف في الترجمة ترديد السورة.
٧٧٤ م - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ. وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ -فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» ".
(وقال عبيد الله) بضم العين مصغرًا، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، مما وصله الترمذي والبزار عن المؤلّف، عن إسماعيل بن أبي أويس، عنه (عن ثابت)
стр. 1020
البناني (عن أنس) ولأبي ذر والأصيلي كما في الفرع وأصله زيادة: ابن مالك: (كان رجل من الأنصار) اسمه كلثوم بضم الكاف، ابن هدم، بكسر الهاء وسكون الدال، (يؤمهم في مسجد قباء، وكان) بالواو، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: فكان (كلما افتتح سورة) ولأبي ذر والأصيلي: بسورة، بموحدة في الأوّل (يقرأ بها لهم في الصلاة، مما يقرأ به) بالضم مبنيًا للمفعول، أي: في الصلوات التي يقرأ فيها جهرًا، ولابن عساكر: مما يقرأ بها وجواب كلما قوله: (افتتح) بعد الفاتحة (بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ حتى يفرغ منها) أي: إذا أراد الافتتاح وإلاّ فهو إذا افتتح سورة لا يكون مفتتحًا بغيرها، (ثم يقرأ سورة) ولأبي ذر: بسورة (أخرى معها) أي مع ﴿قل هو الله أحد﴾ (وكان يصنع ذلك) الذي ذكر من الافتتاح بالإخلاص، ثم بسورة معها (في كل ركعة، فكلمة أصحابه) لأن فعله ذلك بخلاف ما يعهدونه، (فقالوا) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت: وقالوا: (إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك) بضم أوّله مع الهمز، كما في الفرع وأصله، من الإجزاء. ويروى: تجزيك بفتحة من جزى، أي لا ترى أنها تكفيك، (حتى تقرأ بأخرى) ولأبي ذر والأصيلي: بالأخرى (فإما أن تقرأ بها) ولغير أبي ذر: فإما تقرأ بها (وإما أن تدعها) تتركها (وتقرأ بأخرى) غير ﴿قل هو الله أحد﴾ (فقال) الرجل (ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرون أنه) وللأصيلي: يرونه (من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره) لكونه من أفضلهم، أو لكونه ﵊ هو الذي قرره (فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه) هذا (الخبر) المذكور، فأل للعهد (فقال) له ﵊: (يا فلان! ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به) أي الذي يقوله لك (أصحابك) من قراءة سورة الإخلاص فقط، أو غيرها فقط، وليس هذا أمرًا على الأصطلاح، لأن الأمر هو قول القائل لغيره، افعل كذا. على سبيل الاستعلاء، فالعاري عنه يسمى التماسًا، وإنما جعله أمرًا هنا لأنه لازم التخيير المذكور، وكأنهم قالوا له: الفعل كذا أو كذا. (وما يحملك) أي وما الباعث لك (على لزوم) قراءة (هذه السورة) ﴿قل هو الله أحد﴾.
(في كل ركعة) سأله عن أمرين.
(فقال) الرجل مجيبًا عن الثاني منهما (إني أحبها) أي أقرأها لمحبتي إياها إذ لا يصح أن يكون جوابًا عن الأول لأن محبتها لا تمنع أن يقرأ بها فقط وهم إنما خيّروه بينها فقط أو غيرها فقط لكنه مستلزم للأول بانضمام شيء آخر وهو إقامة السُّنّة المعهودة من الصلاة بقراءة سوة أخرى فالمانع مركب من المحبة وعهد الصلاة.
(فقال) له ﵊: (حبك إياها) أي سورة الإخلاص، والحب مصدر مضاف لفاعله، وارتفاعه بالابتداء والخبر قوله (أدخلك الجنة) لأنها صفة الرحمن تعالى، فحبها يدل على حسن اعتقاده في الدين، وعبر بالماضي، وإن كان دخول الجنة مستقبلاً، لتحقّق الوقوع.
وفيه جواز الجمع بين السورتين في ركعة واحدة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وروي عن عثمان وابن عمر وحذيفة وغيرهم.
стр. 1021
٧٧٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ. فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ. لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ. فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ من آل حاميم فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
[الحديث ٧٧٥ - طرفاه في: ٤٩٩٦، ٥٠٤٣].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء، ابن أبي عبد الله الكوفي الأعمى، وفي رواية لأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: حدّثنا عمرو بن مرة (قال: سمعت أبا وائل) بالهمز، شقيق بن سلمة (قال: جاء رجل) هو نهيك بفتح النون وكسر الهاء، ابن سنان، بكسر السين المهملة، البجلي (إلى ابن مسعود فقال) له: (قرأت المفصل) كله (الليلة في ركعة) واحدة (فقال) له ابن مسعود منكرًا عليه عدم التدبّر، وترك الترتيل لا جواز الفعل: (هذا) بفتح الهاء وتشديد المعجمة، أي أتهذّ هذًّا (كهذِّ الشعر) أي سردًا وإفراطًا في السرعة، لأن هذه الصفة كانت عادتهم في إنشاد الشعر، (لقد عرفت النظائر) أي السور المتماثلة في المعاني، كالمواعظ والحكم والقصص، لا المماثلة في عدد الآي، أو هي المرادة كما سيأتي من ذكرهن المقتضى اعتبارهن لإرادة التقارب في المقدار، (التي كان النبي) ولأبي ذر والأصيلي: كان رسول الله (¬ ﷺ يقرن بينهنّ) بفتح أوله وضم الراء، ويجوز كسرها.
(فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة) وهي: الرحمن، والنجم في ركعة، واقتربت، والحاقة في ركعة، والذاريات، والطور في ركعة، والواقعة، ون في ركعة، وسأل، والنازعات في ركعة، وعمّ، والمرسلات في ركعة، وإذا الشمس كورت، والدخان في ركعة، رواه أبو داود. وهذا على تأليف مصحف ابن مسعود.
وهو يؤيد قول القاضي أبي بكر الباقلاني: إن تأليف السور كان عن اجتهاد من الصحابة، لأن تأليف عبد الله مغاير لتأليف مصحف عثمان، واستشكل عدّ الدخان من المفصل، وأجيب بأن ذكرها معهن فيه تجوّز.
وفي الحديث ما ترجم له، وهو الجمع بين السورتين، لأنه إذا جمع بين سورتين جاز الجمع بين ثلاثة فصاعدًا لعدم الفرق.
وسقط لفظ: كل من قوله: سورتين في ركعة، لابن عساكر وأبي الوقت.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفي وواسطي وعسقلاني، وفيه التحديث والسماع والقول، وأخرجه مسلم والنسائي في الصلاة.
стр. 1022
١٠٧ - باب يَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
هذا (باب) بالتنوين (يقرأ) المصلي (في) الركعتين الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي (الأخريين) من الرباعية، وثالثة المغرب، (بفاتحة الكتاب) من غير زيادة.
٧٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي (قال: حدّثنا همام) هو ابن يحيى (عن يحيى) بن أبي كثير (عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أن النبي ﷺ كان يقرأ في) صلاة (الظهر في) الركعتين (الأوليين بأُم الكتاب وسورتين) في كل ركعة منهما بسورة، (وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية) بضم أوله: من الإسماع (ويطوِّل في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية) كذا لكريمة من التطويل، وما: نكرة موصوفة، أي تطويلاً لا يطيله في الثانية، أو مصدرية: أي غير إطالته في الثانية. فتكون هي مع ما في حيزها صفة لمصدر محذوف، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: ما لا يطيل، بالياء ولأبي ذر عن المستملي والحموي: بما لا، بالموحدة كذا في الفرع وأصله، (وهكذا) يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الأخريين بها فقط، ويطول في الأولى (في) صلاة (العصر، وهكذا) يطيل في الركعة الأولى (في) صلاة (الصبح) فالتشبيه في تطويل المقروء بعد الفاتحة في الأولى فقط، بخلاف التشبيه بالعصر فإنه أعم.
وفي الحديث حجة للقول بوجوب الفاتحة، ويؤيده التعبير: بكان، المشعر بالاستمرار مع قوله ﵊: صلوا كما رأيتموني أصلي.
وهذا الحديث قد سبق في باب القراءة في الظهر.
١٠٨ - باب مَنْ خَافَتَ الْقِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ
(باب من خافت) أي أسرّ (القراءة) ولأبي ذر والكشميهني بالقراءة (في) صلاة (الظهر و) صلاة (العصر).
٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ: "قُلْتُ لِخَبَّابٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ".
стр. 1023
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بكسر العين، وهو ساقط للأربعة: (قال: حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن عمارة بن عمير) بضم العين فيهما إلاّ أن الثاني مصغر (عن أبي معمر) بفتح الميمين وسكون العين بينهما، عبد الله بن سخبرة (قلت) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: قال: قلنا (لخباب) هو ابن الأرت (أكان رسول الله ﷺ يقرأ في) صلاة (الظهر و) صلاة (العصر) غير الفاتحة؟ إذ لا شك في قراءتها (قال) خباب: (نعم) كان يقرأ فيهما. (قلنا) له: (من أين علمت) ذلك؟ (قال: باضطراب لحيته) الكريمة، أي بحركتها.
واستدلّ به البيهقي على أن الإسرار بالقراءة لا بدّ فيه من إسماع المرء نفسه، وذلك لا يكون إلا بتحريك اللسان بالشفتين بخلاف ما لو أطبق شفتيه وحرك لسانه، فإنه لا تضطرب بذلك لحيته، فلا يسمع نفسه. اهـ.
قاله في الفتح وفيه نظر لا يخفى.
١٠٩ - باب إِذَا أَسْمَعَ الإِمَامُ الآيَةَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا أسمع الإمام) المأمومين (الآية) في الصلاة السرية لا يضرّه ذلك، وللكشميهني: سمع بتشديد الميم بغير همز من التسميع، والرواية الأولى من الإسماع.
٧٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي (قال: حدّثنا) ولأبوي ذر والوقت حدّثني (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (قال: حدّثني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (عبد الله بن أبي قتادة) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: عن عبد الله بن أبي قتادة (عن أبيه) أبي قتادة (أن النبي ﷺ كان يقرأ بأم الكتاب وسورة معها في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر و) صلاة (العصر ويسمعنا الآية) من السورة (أحيانًا) … (وكان يطيل) ولأبي ذر: يطول أي السورة (في الركعة الأولى) وهذا الباب إلخ ثابت للحموي، وللكشميهني. . . . . (١). . . . . .
١١٠ - باب يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى
هذا (باب) بالتنوين (يطول) المصلي (في الركعة الأولى) بالسورة في جميع الصلوات.
стр. 1024
٧٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه) أبي قتادة (أن النبي ﷺ : كان يطوّل في الركعة الأولى من صلاة الظهر، ويقصر في) الركعة (الثانية. ويفعل ذلك في صلاة الصبح) وكذا في بقية الصلوات.
لكن قال البيهقي: يطول في الأولى إن كان ينتظر أحدًا، وإلا فيسوي بين الأوليين.
ونحوه قول عطاء: إني لأحب أن يطوّل الإمام الأولى من كل صلاة حتى يكثر الناس، فإذا صليت لنفسي فإني أحرص على أن أجعل الأوليين سواء.
وعن أبي حنيفة: يطوّل الأولى من الصبح خاصة دائمًا، وذكر في حكمة اختصاصها بذلك أنها تكون عقب النوم والراحة، وفي ذلك الوقت يواطئ السمع واللسان القلب. والسُّنَّة تطول قراءة الأولى على الثانية مطلقًا.
١١١ - باب جَهْرِ الإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: آمِينَ دُعَاءٌ. أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً.
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الإِمَامَ: لَا تَفُتْنِي بِآمِينَ.
وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَدَعُهُ، وَيَحُضُّهُمْ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا.
(باب جهر الإمام بالتأمين) عقب قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية.
والتأمين مصدر أمّن بالتشديد، أي قال: آمين وهو بالمد والتخفيف مبني على الفتح لاجتماع ساكنين، نحو كيف. وإنما لو يكسر لثقل الكسرة بعد الياء، ومعناه عند الجمهور: اللهم استجب.
وقيل هو اسم من أسماء الله تعالى، رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة بإسناد ضعيف.
وأنكره جماعة منهم النووي، وعبارته في تهذيبه: هذا لا يصح لأنه ليس في أسماء الله تعالى اسم مبني ولا غير معرب، وأسماء الله تعالى لا تثبت إلا بالقرآن أو السُّنَّة. وقد عدم الطريقان.
وما حكي من تشديد ميمها فخطأ.
стр. 1025
(وقال عطاء) هو ابن أبي رباح مما وصله عبد الرزاق: (آمين دعاء) يقتضي أن يقوله الإمام، لأنه فى مقام الداعي، بخلاف قول المانع. إنه جواب مختص بالمأموم، ويؤيد ذلك قول عطاء: (أمن ابن الزبير) عبد الله على إثر أم القرآن (و) أمن (من وراءه) من المقتدين بصلاته (حتى إن للمسجد) أي لأهل المسجد (للجة) بلامين، الأولى لام الابتداء الواقعة في اسم إن المكسورة بعد حتى، واللام الثانية من نفس الكلمة، والجيم مشدّدة، هي الصوت المرتفع. ويروى: لجلبة، بفتح الجيم واللام الموحدة، وهي الأصوات المختلفة.
وفي اليونينية مما صحح عليه من غير رقم: لزجة، بالزاي المنقوطة، وفي غيرها بالراء بدل اللام، وعزاها في الفتح لرواية البيهقى.
ومناسبة قول عطاء هذا للترجمة أنه حكم بأن التأمين دعاء، فاقتضى ذلك أن يقوله الإمام لأنه في مقام الداعي، بخلاف قول المانع إنها جواب الدعاء فتختص بالمأموم، وجوابه أن التأمين بمثابة التلخيص بعد البسط، فالداعي يفصل والمؤمن يجمل، وموقعها بعد القائل: اللَّهمّ استجب لنا ما دعوناك به، من الهداية إلى ﴿الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم﴾ ولا تجعلنا من ﴿المغضوب عليهم﴾ تلخيص، ذلك تحت قوله: آمين.
فإن قالها الإمام فكأنه دعا مرتين مفصلاً ثم مجملاً، وإن قالها المأموم فكأنه اقتدى بالإمام، حيث دعا بدعاء الفاتحة فدعا بها هو مجملاً.
(وكان أبو هريرة) ﵁ (ينادي الإمام) هو العلاء بن الحضرمي، كما عند عبد الرزاق (لا تفتني) بضم الفاء وسكون المثناة الفوقية، من الفوات، ولابن عساكر: لا تسبقني (بآمين) من السبق.
وعند البيهقي: كان أبو هريرة يؤذن لمروان، فاشترط أبو هريرة أن لا يسبقه (بالضالين) حتى يعلم أنه دخل في الصف، وكأنه كان يشتغل بالإمامة، وتعديل الصفوف، وكان مروان يبادر إلى الدخول في الصلاة قبل فراغ أبي هريرة، فكان أبو هريرة، ينهاه عن ذلك.
(وقال نافع) مولى ابن عمر، مما وصله عبد الرزاق، عن ابن جريج، عنه قال: (كان ابن عمر) بن الخطاب ﵁ إذا ختم أم القرآن (لا يدعه) أي التأمين، (ويحضّهم) بالضاد المعجمة على قوله عقبها، قال نافع: (وسمعت منه) أي من ابن عمر (في ذلك) أي التأمين (خيرًا) بسكون المثناة التحتية، أي فضلاً وثوارًا، وللحموي والمستملي وابن عساكر: خبرًا بفتح الموحدة أي حديثًا مرفوعًا.
٧٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا،
стр. 1026
فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ» ".
[الحديث ٧٨٠ - طرفه في: ٦٤٠٢].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا) وللأصيلي حدّثنا (مالك) أي ابن أنس الأصبحي (عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبده الرحمن أنهما أخبراه، عن أبي هريرة، أن النبي) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: أن رسول الله (¬ ﷺ ، قال):
(إذا أمَّن الإمام) أي إذا أراد الإمام التأمين أي أن يقول: آمين بعد قراءة الفاتحة (فأمّنوا) فقولوا: آمين مقارنين له، كما قاله الجمهور، وعلّله إمام الحرمين، بأن التأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخر عنه، وظاهر قوله: إذا أمَّن الإمام فأمنوا، أن المأموم إنما يؤمن إذا أمن الإمام لا إذا ترك، وبه قال بعض الشافعية، وهو مقتضى إطلاق الرافعي الخلاف.
وادّعى النووي الاتفاق على خلافه، ونص الشافعي في الأم على أن المأموم يؤمن، ولو ترك الإمام عمدًا أو سهوًا واستدلّ به على مشروعية التأمين للإمام، قيل: وفيه نظر لكونها قضية شرطية.
وأجيب بأن التعبير بإذا يشعر بتحقيق الوقوع.
وخالف مالك في إحدى الروايتين عنه، وهي رواية ابن القاسم فقال: لا يؤمن الإمام في الجهرية، وفي رواية عنه: لا يؤمن مطلقًا. وأوّلوا قوله: إذا أمَّن الإمام بدعاء الفاتحة من قوله: اهدنا إلخ، وحينئذٍ فلا يؤمن الإمام لأنه داعٍ.
قال القاضي أبو الطيب: هذا غلط، بل الداعي أولى بالاستيجاب، بل استبعد ابن العربي تأويلهم لغةً وشرعًا، وقال: الإمام أحد الداعين وأولهم وأولاهم. اهـ.
وقد ورد التصريح بأن الإمام يقولها في رواية معمر عن ابن شهاب، عند أبي داود والنسائي، ولفظه: إذا قال الإمام ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين. فإن الملائكة تقول: وإن الإمام يقول آمين.
(فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) زاد الجرجاني في أماليه، عن أبي العباس الأصم، عن بحر بن نصر، عن ابن وهب عن يونس: وما تأخر: لكن قال الحافظ ابن حجر: إنها زيادة شاذة، وظاهره يشمل الصغائر والكبائر، لكن قد ثبت أن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما. ما اجتنبت الكبائر، فإذا كانت الفرائض لا تكفّر الكبائر فكيف تكفّرها سنّة التأمين إذا وافقت التأمين؟
وأجيب بأن المكفّر ليس التأمين الذي هو فعل المؤمّن، بل وفاق الملائكة، وليس ذلك إلى صنعه، بل فضل من الله تعالى، وعلامة على سعادة من وافق. قاله التاج بن السبكي في الأشباه
стр. 1027
والنظائر: والحق أنه عامّ خصّ منه ما يتعلق بحقوق الناس، فلا تغفر بالتأمين للأدلة فيه، لكنه شامل للكبائر كما تقدم، إلا أن يدعي خروجها بدليل آخر.
وفي كلام ابن المنير ما يشير إلى أن المقتضي للمغفرة هو موافقة المأموم لوظيفة التأمين، وإيقاعه في محله على ما ينبغي، كما هو شأن الملائكة، فذكر موافقتهم ليس لأنه سبب للمغفرة بل للتنبيه على المسبب، وهو مماثلتهم في الإقبال والجدّ، وفعل التأمين على أكمل وجه. اهـ.
وهو معارض بما في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، ووافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه. فدلّ على أن المراد الموافقة في القول والزمان، لا في الإخلاص والخشوع وغيرهما مما ذكر. وهل المراد بالملائكة الحفظة أو الذين يتعاقبون منهم؟ أو الأولى حمله على الأعم، لأن اللام للاستغراق، فيقولها الحاضر منهم ومن فوقهم إلى الملأ الأعلى، والظاهر الأخير.
وبالسند المتصل برواية مالك (قال: ابن شهاب) الزهري: (وكان رسول الله ﷺ ، يقول:) (آمين) بيّن بهذا أن المراد بقوله في الحديث: إذا أمّن حقيقة التأمين، لا ما أوّل به، وهو وإن كان مرسلاً فقد اعتضد بصنيع أبي هريرة رواية.
وإذا قلنا بالراجح وهو مذهب الشافعي وأحمد: إن الإمام يؤمّن فيجهر به فى الجهرية، كما ترجم به المصنف وفاقًا للجمهور.
فإن قلت من أين يؤخذ الجهر من الحديث؟
أجيب بأنه لو لم يكن التأمين مسموعًا للمأموم لم يعلم به، وقد علّق تأمينه بتأمينه.
وقد أخرج السراج هذا الحديث بلفظ: فكان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ جهر بالتأمين.
ولابن حبان من رواية الزبيدي، في حديث الباب عن ابن شهاب: فإذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال: آمين.
وزاد أبو داود من حديث أبي هريرة: حتى يسمع من يليه من الصف.
وفي حديث وائل بن حجر عند أبي داود: صليت خلف النبي ﷺ ، فجهر: بآمين.
وقال الحنفية والكوفيون ومالك في رواية عنه بالإسرار: لأنه دعاء، وسبيله الإخفاء لقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفيةً﴾ وحملوا ما روي من جهره ﵊ به على التعليم، والمستحب الاقتصار على التأمين عقب الفاتحة من غير زيادة عليه اتباعًا للحديث.
стр. 1028
وأما ما رواه البيهقي من حديث وائل بن حجر: أنه سمع رسول الله ﷺ حين قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: رب اغفر لي آمين. فإن في إسناده أبا بكر النهشلي وهو ضعيف.
قال إمامنا الشافعي في الأم: فإن قال آمين رب العالمين كان حسنًا، ونقله النووي في زوائد الروضة.
وفي هذا الحديث التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي في الصلاة.
١١٢ - باب فَضْلِ التَّأْمِينِ
(باب فضل التأمين).
٧٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ، وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال):
(إذا قال أحدكم آمين)، عقب قراءة الفاتحة، خارج الصلاة أو فيها، إمامًا أو مأمومًا، كما أفهمه إطلاقه هنا، أو هو مخصوص بالصلاة، لحديث مسلم: إذا قال أحدكم في صلاته، حملاً للمطلق على المقيد، لكن في حديث أبي هريرة عند أحمد ما يدل على الإطلاق ولفظه: إذا أمّن القارئ فأمّنوا، وحينئذٍ فيجري المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده، إلا أن يراد بالقارئ الإمام إذا قرأ الفاتحة، فيبقى التخصيص على حاله (وقالت الملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأخرى) أي وافقت كلمة تأمين أحدكم كلمة تأمين الملائكة في السماء، وهو يقوّي أن المراد بالملائكة لا يختص بالحفظة، كما مر (غفر له) أي للقائل منكم (ما تقدم من ذنبه) أي ذنبه المتقدم كله، فمن بيانية لا
تبعيضية.
وهذا الحديث أخرجه النسائي، في: الصلاة. وفي: الملائكة.
١١٣ - باب جَهْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ
(باب جهر المأموم بالتأمين) وراء الإمام، وللمستملي والحموي: باب جهر الإمام بآمين، والأوّل هو الصواب، لئلا يلزم التكرار.
стр. 1029
٧٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَنُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
[الحديث ٧٨٢ - طرفه في: ٤٤٧٥].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن سمي) بضم المهملة وفتح الميم وتشديد المثناة التحتية (مولى أبي بكر) بن عبد الرحمن بن الحرث (عن أبي صالح) ذكوان، وللأصيلي في روايته زيادة: السمان (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ ، قال): (إذا قال الإمام ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ وأراد قول: آمين (فقولوا: آمين) موافقين له في قولها (فإنه من وافق قوله قول الملائكة) بالتأمين (غفر له ما تقدم من ذنبه).
فإن قلت ما وجه المطابقة بين الحديث والترجمة؟.
أجيب بأن في الحديث الأمر بقول: آمين، والقول إذا وقع به الخطاب مطلقًا حمل على الجهر، ومتى ما أريد به الإسرار أو حديث بالنفس قيد بذلك، ويؤيد ذلك ما مر عن عطاء، أن من خلف ابق الزبير كانوا يؤمنون جهرًا، وعن عطاء أيضًا: أدركت مائتين من الصحابة في هذا المسجد، إذا قال الإمام: ولا الضالين، سمعت لهم رجّة بآمين. رواه البيهقي.
ورواة حديث الباب كلهم مدنيون، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
(تابعه) أي تابع سميًّا (محمد بن عمرو) بفتح العين ابن علقمة الليثي، مما وصله الدارمي وأحمد والبيهقي (عن أبي سلمة، عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬).
(و) تابع سميًّا فيما وصله النسائي (نعيم الجمر، عن أبي هريرة ﵁¬) أيضًا.
١١٤ - باب إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ
هذا (باب) بالتنوين (إذا ركع) المصلي (دون الصف) أي قبل وصوله إلى الصف جاز مع الكراهة، لكن استنبط بعضهم من قوله في حديث الباب: لا تعد. أن ذلك كان جائزًا، ثم ورد النهي عنه بقوله: لا تعد. فحرّم.
هذه طريقة المؤلّف في جواز القراءة خلف الإمام. قيل: وكان اللائق ذكر هذه الترجمة في أبواب الإمامة.
стр. 1030
وأجيب بأن المناسبة بينها وبين السابق، من حيث أن الركوع يكون بعد القراءة.
٧٨٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنِ الأَعْلَمِ -وَهْوَ زِيَادٌ- عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: "أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي (قال: حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن يحيى (عن الأعلم) بوزن الأفضل، وقيل له ذلك لأنه كان مشقوق الشفة السفلى أو العليا، (وهو زياد) بكسر الزاي وتخفيف المثناة ابن حسان بن قرّة الباهلي، من صغار التابعين (عن الحسن) البصري (عن أبي بكرة) بفتح الموحدة، وسكون الكاف، نفيع بن الحرث بن كلدة وكان من فضلاء الصحابة بالبصرة، وفي رواية سعد بن أبي عروبة عند أبي داود والنسائي عن الأعلم، قال: حدّثني الحسن أن أبا بكرة حدّثه (أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو) أي: والحال أنه ﵊ (راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف) وعند الأصيلي، ضرب على: إلى، (فذكر ذلك) الذي فعله من الركوع دون الصف (للنبي ﷺ ، فقال) ﵊ له:
(زادك الله حرصًا) على الخير، (ولا تعد) إلى الركوع دون الصف منفردًا فإنه مكروه لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف".
والنهي محمول على التنزيه، ولو كان للتحريم لأمر أبا بكرة بالإعادة، وإنما نهاه عن العود إرشادًا إلى الأفضل.
وذهب إلى التحريم أحمد وإسحاق وابن خزيمة من الشافعية، لحديث وابصة عند أصحاب السُّنن، وصححه أحمد وابن خزيمة: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلّي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة. زاد ابن خزيمة في رواية له: لا صلاة لمنفرد خلف الصف.
وأجاب الجمهور بأن المراد: لا صلاة كاملة، لأن من سنة الصلاة مع الإمام اتصال الصفوف وسدّ الفُرَج.
وقد روى البيهقي من طريق مغيرة عن إبراهيم، فيمن صلّى خلف الصف وحده، فقال: صلاته تمامه.
أو المراد: لا تعد إلى أن تسعى إلى الصلاة سعيًا بحيث يضيق عليك النفس، لحديث الطبراني: أنه دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فانطلق يسعى، وللطحاوي: وقد حفزه النفس.
أو المراد: لا تعد تمشي وأنت راكع إلى الصف، لرواية حماد عند الطبراني: فلما انصرف ﵊، قال: أيكم دخل الصف وهو راكع؟ ولأبي داود: أيكم الذي ركع دون الصف ثم
стр. 1031
مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا. وهذا، وإن لم يفسد الصلاة لكونه خطوة أو خطوتين، لكنه مثل بنفسه في مشيه راكعًا، لأنها كمشية البهائم.
فإن قلت أو الكلام يفهم تصويب الفعل، وآخره تخطئته.
أجاب ابن المنير، مما نقله عنه في المصابيح، وأقره: بأنه صوّب من فعله الجهة العامة، وهي الحرص على إدراك فضيلة الجماعة، فدعا له بالزيادة منه، وردّ عليه الحرص الخاص، حتى ركع منفردًا. فنهاه عنه، فينصرف حرصه بعد إجابة الدعوة فيه إلى البادرة إلى المسجد أوّل الوقت. اهـ.
قال في فتح الباري: وهو مبنيّ على أن النهي إنما وقع عن التأخر وليس كذلك.
ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، عن صحابي، والتحديث والقول والعنعنة، وما فيه من عنعنة الحسن، وأنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه مردود بحديث أبي داود المصرح فيه بالتحديث كما مر وأخرجه أبو داود والنسائي في الصلاة.
١١٥ - باب إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوعِ
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . فِيهِ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ.
(باب إتمام التكبير في الركوع) بمدّه من الانتقال من القيام إلى الركوع، حتى يقع راؤه، أي راء الله أكبر فيه، أو المراد تبيين حروفه من غير مدّ وفيه، أو إتمام عدد تكبيرات الصلاة بالتكبير في الركوع.
وأما حديث ابن أبزى عند أبي داود، قال: صلّيت خلف النبي ﷺ فلم يتم التكبير فقال أبو داود الطيالسي، فيما رواه المؤلّف في تاريخه. إنه عندنا حديث باطل.
وقال البزار: تفرّد به الحسن بن عمران، وهو مجهول، وعلى تقدير صحته فلعله فعله لبيان الجواز، أو مراده أنه لم يتم الجهر به أو لم يمده.
(قال) أي: ذلك، ولأبوي ذر والوقت: وقال. وفي رواية لأبي الوقت أيضًا. والأصيلي وابن عساكر كما في الفرع وأصله: قال: أي. إتمام التكبير (ابن عباس، عن النبي ﷺ ¬) بالمعنى، كما سيأتي لفظه، إن شاء الله تعالى، في حديثه الوصول في آخر الباب التالي لهذا حيث قال عكرمة، لما أخبره عن الرجل الذي كبر في الظهر ثنتين وعشرين تكبيرة: إنها صلاة النبي ﷺ ، فيستلزم ذلك أنه نقل عنه ﵊ إتمام التكبير، ومن لازمه التكبير في الركوع، وهو يبعد الاحتمال الأوّل كما قاله في فتح الباري.
(و) يدخل (فيه) أي في الباب (مالك بن الحويرث) أي حديثه الآتي، إن شاء الله تعالى، في باب: المكث بين السجدتين، وفيه: فقام ثم ركع فكبّر.
стр. 1032
٧٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: "صَلَّى مَعَ عَلِيٍّ ﵁ بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ: ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ".
[الحديث ٧٨٤ - طرفاه في: ٧٨٦، ٨٢٦].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن شاهين (الواسطي قال: حدّثنا) ولأبى ذرّ والأصيلي: أخبرنا (خالد) هو ابن عبد الله الطحان (عن الجريري) بضم الجيم وفتح الراء الأولى، سعيد بن إياس (عن أبي العلاء) يزيد بن عبد الله بن الشخير (عن) أخيه (مطرّف) بن عبد الله (عن عمران بن حصين، قال): إنه (صلّى مع علي) وهو ابن أبي طالب (¬﵁ بالبصرة) بعد وقعة الجمل، (فقال) أي عمران: (ذكرنا) بتشديد الكاف وفتح الراء، من التذكير (هذا الرجل) هو عليّ، جملة من فعل ومفعول وفاعل (صلاة كنا نصليها مع رسول الله)، وللأصيلي: مع النبي، (¬ ﷺ ، فذكر أنه كان يكبر كلما رفع وكلما وضع) ليحصل تجدّد العهد في أثناء الصلاة بالتكبير الذي هو شعار النّيَّة التي كان ينبغي استصحابها إلى آخر الصلاة، وهذا مفهومه العموم في جميع الانتقالات، لكنه مخصوص بحديث: سمع الله لمن حمده، عند الاعتدال. وفيه مشروعية التكبير في كل خفض ورفع لكل مصلٍّ، فالجمهور على ندبية ما عدا تكبيرة الإحرام.
وذهب أحمد إلى وجوب جميع التكبيرات، وقد قال الشافعية: لو ترك التكبير عمدًا أو سهوًا حتى ركع أو سجد لم يأت به لفوات محله، ولا سجود.
وقال المالكية: يجب السجود بترك ثلاث تكبيرات من أثنائها، لأنه ذكر مقصود فى الصلاة، ثم إن في قوله: ذكرنا إشارة إلى أن التكبير الذي ذكره قد كان ترك.
ويدل له حديث أبي موسى الأشعري عند أحمد والطحاوي بإسناد صحيح، قال ذكرنا عليّ صلاة كنّا نصليها مع رسول الله ﷺ نسيناها أو تركناها عمدًا، الحديث.
وأوّل من تركه عثمان بن عفان حين كبر وضعف صوته، وفي الطبراني معاوية وعن أبي عبيد زياد، وكأن زيادًا تركه بترك معاوية، ومعاوية بترك عثمان، لكن يحتمل أن يراد بترك عثمان ترك الجهر به. ولذلك حمل بعض العلماء فعل الأخيرين عليه.
ورواة هذا الحديث ما بين بصري ووسطي، وفيه رواية الأخ عن الأخ، والتحديث والإخبار والعنعنة والقول، وشيخ المؤلّف من أفراده.
٧٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ: إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
[الحديث ٧٨٥ - أطرافه في: ٧٨٩، ٧٩٥، ٨٠٣].
стр. 1033
وبه قال، (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة) ﵁ (أنه كان يصلّي بهم) إمامًا، وللكشميهني لهم، باللام بدل الموحدة، (فيكبر كلما خفض و) كلما (رفع، فإذا انصرف) من الصلاة (قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ¬) في تكبيرات الانتقالات والإتيان بها.
١١٦ - باب إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي السُّجُودِ
(باب إتمام التكبير في السجود) بأن يبتدئ به من انتقال القيام إلى السجود حتى يقع راؤه فيه، كما مرّ في الركوع، مع بقية الاحتمالات فيه.
٧٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَخَذَ بِيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فَقَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ -أَوْ قَالَ- لَقَدْ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي (قال: حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن غيلان بن جرير) بفتح الغين المعجمة والجيم (عن مطرف بن عبد الله) بن الشخير (قال: صليت خلف علي بن أبي طالب، ﵁، أنا وعمران بن حصين، فكان) عليّ (إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه) من السجود (كبّر، وإذا نهض من الركعتين كبّر) خصّ ذكر السجود والرفع والنهوض من الركعتين هنا، وعمّم في رواية أبي العلاء إشعارًا بأن هذه المواضع الثلاثة هي التي كان يترك التكبير فيها حتى تذكرها عمران بصلاة عليّ، (فلما قضى الصلاة) أي فرغ منها (أخذ بيدي) بالإفراد (عمران بن حصين، فقال: قد) وللكشميهني والأصيلي: لقد (ذكرني هذا) أي علي (صلاة محمد ﷺ ¬) لأنه كان يكبر في جميع انتقالاته (أو قال: لقد صلّى بنا صلاة محمد ﵊ شك من حماد أو غيره من الرواة.
٧٨٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: "رَأَيْتُ رَجُلاً عِنْدَ الْمَقَامِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَإِذَا قَامَ وَإِذَا وَضَعَ. فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: أَوَ لَيْسَ تِلْكَ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ لَا أُمَّ لَكَ"؟
[الحديث ٧٨٧ - طرفه في: ٧٨٨].
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عون) بفتح العين فيهما وآخر الثاني نون، ابن أوس (قال: حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة، ابن بشير السلميّ الواسطي، كالذي قبله (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، حفص بن أبي وحشية الواسطي (عن عكرمة) مولى ابن عباس (قال: رأيت رجلاً) هو أبو هريرة، كما في الأوسط للطبراني (عند المقام) بمكة، حال كونه (يكبر) في صلاة الظهر كما في مستخرج أبي نعيم، ولابن عساكر: فكبر بالفاء على صيغة الماضي (في كل
стр. 1034
خفض ورفع وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس ﵄، قال): ولأبي ذر وابن عساكر: فقال مستفهمًا، بالهمزة استفهام إنكار، للإنكار المذكور، ومقتضاه الإثبات، لأن نفي النفي إثبات، (أو ليس تلك صلاة النبي ﷺ لا أم لك)؟ كلمة ذم تقولها العرب عند الزجر ذمّه حيث جهل هذه السُنّة.
وفي هذا الحديث: التحديث والعنعنة والقول، وثلاثة من رواته واسطيون على التوالي.
١١٧ - باب التَّكْبِيرِ إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ
(باب التكبير إذا قام من السجود).
٧٨٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ، فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ .
وَقَالَ مُوسَى: "حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ".
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي، (قال: أخبرنا) ولأبي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: حدّثنا (همام) هو ابن يحيى (عن قتادة) بن دعامة (عن عكرمة) مولى ابن عباس (قال: صليت خلف شيخ) هو أبو هريرة (بمكة) عند المقام، الظهر (فكبر) فيها (ثنتين وعشرين تكبيرة) لأن في كل ركعة خمس تكبيرات، فيحصل في كل رباعية عشرون تكبيرة سوى تكبيرة الإحرام. وتكبيرة القيام من التشهد الأوّل، وفي الثلاثية سبع عشرة، وفي الثنائية إحدى عشرة وفي الخمس أربع وتسعون تكبيرة، وسقط لفظ تكبيرة لغير أبي ذر والأصيلي، قال عكرمة: (فقلت لابن عباس) ﵄: (إنّه) أي الشيخ (أحمق) أي قليل العقل، (فقال) ولابن عساكر: قال: (ثكلتك) بالمثلثة المفتوحة والكاف المكسورة، أي فقدتك (أمك) هذا الذي فعله الشيخ من التكبير المعدود (سنة أبي القاسم ﷺ ¬) ويجوز نصب سنة بتقدير فعل.
واستحق عكرمة الدعاء عند ابن عباس بما ذكر، لكونه نسب أبا هريرة إلى الحمق الذي هو غاية الجهل وهو بريء من ذلك.
(وقال) وفي رواية. قال (موسى) بن إسماعيل التبوذكي، الراوي أوّلاً عن همام: (حدّثنا أبا) بن يزيد القطان (قال: حدّثنا قتادة، قال: حدّثنا عكرمة) فهو متصل عنده عن أبان وهمام كلاهما عن قتادة، وإنما أفردهما لكونه على شرطه في الأصول بخلاف أبان، فإنه على شرطه في المتابعات مع زيادة فائدة تصريح قتادة بالتحديث عن عكرمة.
стр. 1035
٧٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لَمِنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ: وَلَكَ الْحَمْدُ- ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف، نسبة لجدّه لشهرته به، وإلا فأبوه عبد الله المخزومي البصري، (قال: حدّثنا الليث) بن سعد المصري، (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث) القرشي المدني، أحد الفقهاء السبعة (أنه سمع أبا هريرة) ﵁ (يقول: كان رسول الله ﷺ ، إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم) تكبيرة الإحرام، (ثم يكبر حين يركع) يبدأ به حين يشرع في الانتقال إلى الركوع ويمدّه حتى يصل إلى حدّ الركوع، وكذا في السجود والقيام، (ثم يقول):
(سمع الله لمن حمده) (حين يرفع صلبه من الركعة) ولأبي ذر: من الركوع، (ثم يقول وهو قائم):
(ربنا لك الحمد) كذا بإسقاط الواو لأبي ذر عن الحموي والمستملي، جملة حالية.
وفيه تصريح بأن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد وفاقًا للجمهور، لأن صلاته، ﷺ ، الموصوفة محمولة على حال الإمامة لكون ذلك هو الأكثر الأغلب من أحواله.
وخالف ذلك أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، في رواية عنه، لحديث: إذا قال سمع الله لمن حمده: فقولوا: ربنا لك الحمد. وهذه قسمة منافية للشركة، كقوله ﵊: البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر.
وأجابوا عن حديث الباب بأنه محمول على انفراده ﵊ في صلاة النفل، توفيقًا بين الحديثين، والمنفرد يجمع بينهما في الأصح، وسيأتي البحث في ذلك في باب: ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع إن شاء الله تعالى.
(قال عبد الله) ولأبي ذر: (ابن صالح)، كاتب الليث، في روايته (عن الليث): (ولك الحمد) بزيادة الواو الساقطة في رواية يحيى، وإنما لم يورد الحديث عنهما معًا، وهما شيخاه، لأن يحيى من شرطه في الأصول، وابن صالح في المتابعات.
стр. 1036
وقد قال العلماء إن رواية الواو أرجح، وهي زائدة. وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو عنها فقال زائدًا، تقول العرب: بعني هذا، فيقول المخاطب: نعم، وهو لك بدرهم. فالواو زائدة، وقيل عاطفة، أي: ربنا حمدناك، ولك الحمد، وسقط لابن عساكر قول: قال عبد الله: ولك الحمد.
(ثم يكبر حين يهوي) بفتح أوّله وكسر ثالثه، أي حين يسقط ساجدًا (ثم يكبر حين يرفع رأسه) من السجود (ثم يكبر حين يسجد) الثانية (ثم يكبر حين يرفع رأسه) منها. (ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين) أي الركعتين الأوليين (بعد الجلوس) للتشهد الأوّل.
وهذا الحديث مفسر لما سبق من قوله: كان يكبر في كل خفض ورفع.
ورواته ستة، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والسماع والقول، ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
١١٨ - باب وَضْعِ الأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: أَمْكَنَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ.
(باب وضع الأكف على الركب في) حال (الركوع).
(وقال أبو حميد) بضم الحاء، عبد الرحمن الساعدي الأنصاري المدني، في حديثه في صفة صلاته ﵊: الآتي إن شاء الله تعالى في باب الجلوس في التشهد وكان (في) نفر من (أصحابه) ﵊: (أمكن النبي ﷺ يديه من ركبتيه) أي في الركوع.
٧٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: "صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّىَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَىَّ، فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ".
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي يعفور) بمثناة تحتية مفتوحة فعين مهملة ساكنة ففاء مضمومة فواو ساكنة فراء، اسمه: وقدان، بواو مفتوحة فقاف ساكنة فدال مهملة وبعد الألف نون، العبدي الكوفي، وهو الأكبر كما جزم به الحافظ ابن حجر، كالمزني وقال النووي إنه الأصغر أي عبد الرحمن بن عبيد بن النسطاس، وتعقب بأن الأصغر ليس مذكورًا في الآخذين عن مصعب ولا في أشياخ شعبة، (قال: سمعت مصعب بن سعد) هو ابن أبي وقاص المدني، المتوفى سنة ثلاث ومائة، حال كونه (يقول: صليت إلى جنب أبي) سعد أحد العشرة (فطبقت بين كفّي) أي بأن جمع بين أصابعهما (ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي) عن ذلك (وقال: كنا نفعله) أي التطبيق (فنهينا عنه) بضم النون، في كتاب
стр. 1037
الفتوح لسيف عن مسروق، أنه سأل عائشة عن التطبيق فأجابته بما محصله، أنه من صنيع اليهود، وأن النبي ﷺ ، نهى عنه لذلك، وكان ﵊ يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، ثم أمر في آخر الأمر بمخالفتهم.
وفي حديث ابن عمر عند ابن المنذر بإسناد قوي، قال: إنما فعله النبي ﷺ مرة، يعني: التطبيق، فقد ثبت نسخ التطبيق، وأنه كان متقدّمًا.
قال الترمذي التطبيق منسوخ عند أهل العلم لا خلاف بينهم في ذلك إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون اهـ.
قيل: ولعل ابن مسعود لم يبلغه النسخ، واستبعد لأنه كان كثير الملازمة للرسول ﵊، لأنه كان صاحب نعله، يلبسه إياها إذا قام وإذا جلس أدخلها في ذراعه، فكيف يخفى عليه أمر وضع يديه على ركبتيه، أو لم يبلغه النسخ؟.
وروى عبد الرزاق عن علقمة والأسود قالا: صلّينا مع عبد الله فطبق، ثم لقينا عمر فصلينا معه فطبقنا، فلما انصرف قال: ذاك شيء كنا نفعله فترك.
(وأمرنا) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول، كنون نهينا. والفاعل الرسول ﷺ ، لأنه الذي يأمر وينهى، فله حكم الرفع (أن نضع أيدينا) من إطلاق الكل على الجزء، أي: أكفّنا (على الركب) شبّه القابض عليها مع تفريق أصابعهما للقبلة حالة الوضع.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري وكوفي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والسماع والقول، وتابعي عن تابعي عن صحابي، والابن عن الأب، وأخرجه: مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة.
١١٩ - باب إِذَا لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يتم) المصلي (الركوع) يعيد صلاته ويتم بميم مشددة مفتوحة.
٧٩١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: "رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلاً لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ قَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين، الحوضي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (قال: سمعت زيد بن وهب) الجهني الكوفي (قال: رأى حذيفة) بن اليمان، ﵁ (رجلاً) لم يعرف اسمه، لكن عند ابن خزيمة، أنه كندي، (لا يتم الركوع والسجود) في رواية عبد الرزاق، فجعل ينقر ولا يتم ركوعه (قال) حذيفة للرجل، ولأبي ذر:
стр. 1038
فقال: (ما صليت) نفي للحقيقة، كقوله ﵊ للمسيء صلاته: فإنك لم تصلّ.
واستدلّ به على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف وأحمد، أو نفي للكمال كقوله: لا وضوء لمن لم يسم الله، وإليه ذهب أبو حنيفة ومحمد، لأن الطمأنينة في الركوع والسجود عندهما ليست فرضًا، بل واجبة. (ولو مت) على هذه الحالة، (مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا ﷺ ¬) زاد الكشميهني، وابن عساكر: عليها، أي على الدين.
وبخه على سوء فعله ليرتدع.
وليس المراد أن تركه لذلك مخرج له من دين الإسلام، فهو كحديث: من ترك الصلاة فقد كفر، أي يؤدّيه التهاون بها إلى جحدها، فيكفر.
أو المراد بالفطرة السُّنّة، فهو كحديث: خمس من الفطرة، ويرجحه وروده من وجه آخر بلفظ سنة محمد.
وميم متّ مضمومة، ويجوز كسرها على لغة من يقول: مات يمات، كخاف يخاف، والأصل: موت بكسر العين، كخوف، فجاء مضارعه على: يفعل بفتح العين. فعلى هذه اللغة يلزم أن يقال في الماضي المسند إلى التاء مت بالكسر ليس إلا، وهو: أنا نقلنا حركة الواو إلى الفاء بعد سلب حركتها، دلالة على بنية الكلمة في الأصل.
وهذا الحديث فيه التحديث والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه النسائي في الصلاة.
١٢٠ - باب اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ فِي الرُّكُوعِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ.
(باب استواء الظهر في) حالة (الركوع) من غير ميل رأس المصلي عن بدنه إلى جهة فوق أو أسفل.
(وقال أبو حميد) الساعدي، في الحديث المنبّه عليه في باب: وضع الأكف على المركب في الركوع، (في) حضور (أصحابه) ﵃: (ركع النبي ﷺ ¬) فوضع يديه على ركبتيه، (ثم هصر) بفتح الهاء والصاد المهملة، أي أمال (ظهره) للركوع في استواء من رقبته ومتن ظهره من غير تقويس، وللكشميهني: ثم حنى ظهره بالحاء المهملة والنون الخفيفة، وهما بمعنى.
١٢١ - باب حَدِّ إِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالاِعْتِدَالِ فِيهِ، وَالاِطْمَأْنِينَةِ
وللكشميهني للأربعة هنا: (باب حدّ إتمام الركوع والاعتدال فيه) أي في الركوع (والإطمأنينة) بكسر الهمزة وسكون الطاء وبعد الألف نون مكسورة ثم مثناة تحتية ثم نون مفتوحة ثم هاء، وللكشميهني: بضم الطاء. وهي أكثر في الاستعمال، وليس عند غير الكشميهني، هنا باب.
стр. 1039
وإنما الجميع مذكور في ترجمة واحدة إلا أنهم جعلوا التعليق السابق عن أبي حميد في أثنائها لاختصاصه بالجملة الأولى، فصار: باستواء الظهر في الركوع.
وقال أبو حميد في أصحابه: ركع النبي ﷺ ثم هصر ظهره، وحدّ إتمام الركوع والاعتدال فيه
والطمأنينة.
٧٩٢ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: "كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ -مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ- قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ".
[الحديث ٧٩٢ - طرفاه في: ٨٠١، ٨٢٠].
وبه قال: (حدّثنا بدل بن المحبر) بموحدة فدال مفتوحتين في الأوّل، وميم مضمومة فحاء مهملة فموحدة مشدّدة مفتوحتين في الثاني (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد، ولأبي ذر: أخبرنا، وللأصيلي: حدّثنا (الحكم) بن عتبة الكوفي (عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن الأنصاري الكوفي (عن البراء) ولأبي ذر والأصيلي زيادة ابن عازب (قال: كان ركوع النبي ﷺ ¬) اسم كان (وسجوده) عطف عليه (وبين السجدتين) عطف على ركوع النبي ﷺ تقدير المضاف، أي زمان ركوعه وسجوده وبين السجدتين، أي: الجلوس بينهما (إذا رفع) أي اعتدل (من الركوع)، ولأبي ذر: وإذا رفع رأسه من الركوع، أي: وقت رأسه من الركوع، وإذًا هنا لمجرد الزمان منسلخًا عن الاستقبال، (ما خلا) بمعنى: إلا (القيام) الذي هو للقراءة (و) إلا (القعود) الذي هو للتشهد (قريبًا من السواء) بفتح السين والمدّ من المساواة.
والاستثناء هنا من المعنى، كأن معناه: كان أفعال صلاته كلها قريبة من السواء، ما خلا القيام والقعود، فإنه كان يطوّلهما. وفيه إشعار بالتفاوت والزيادة على أصل حقيقة الركوع والسجود وبين السجدتين، والرفع من الركوع.
وهذه الزيادة لا بدّ أن تكون على القدر الذي لا بدّ منه، وهو الطمأنينة، وهذا موضع المطابقة بين الحديث والترجمة.
وأما قول البدر الدماميني في المصابيح: إن قوله: قريبًا من السواء لا يطابق الترجمة، لأن الاستواء المذكور فيها هي الهيئة المعلومة السالمة من الحنوة والحدبة، والمذكور في الحديث، إنما هو تساوي الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين في الزمان، إطالةً وتخفيفًا، فقد سبقه إليه العلاّمة ناصر الدين بن المنير.
وأجيب: بأن دلالة الحديث، إنما هي على قوله في الترجمة وحدّ إتمام الركوع والاعتدال فيه. وكان المعترض لم يتأمل ما بعد حديث أبي حميد من بقية الترجمة.
стр. 1040
وأما مطابقة الحديث لقوله: حدّ إتمام الركوع، فمن جهة أنه دل على تسوية الركوع والسجود، والاعتدال والجلوس بين السجدتين، وقد ثبت في بعض طرقه، عند مسلم: تطويل الاعتدال، فيؤخذ منه إطالة الجميع والله أعلم.
وقد جزم بعضهم بأن المراد القيام بالاعتدال، وبالقعود الجلوس بين السجدتين، وردّه ابن القيم في حاشيته على السُّنن، فقال هذا سوء فهم من قائله لأنه قد ذكرهما بعينهما، فكيف يستثنيهما؟ وهل يحسن قول القائل: جاء زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيدًا وعمرًا؟ فإنه متى أراد نفي المجيء عنهما كان متناقضًا. انتهى.
وتعقب بأن المراد بذكرها إدخالها في الطمأنينة، وباستثناء بعضها، إخراج المستثنى من المساواة. وقد وقع هذا الحديث في باب الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع بغير استثناء، وإذا جمع بين الروايتين ظهر من الأخذ بالزيادة فيهما أن المراد بالقيام المستثنى القيام للقراءة، وبالقعود، القعود للتشهد كما سبق.
وقد اختلف هل الاعتدال ركن طويل أم قصير، وحديث أنس الآتي في باب الطمأنينة، إن شاء الله تعالى، أصرح من حديث الباب في أنه طويل، لكن المرجح عند الشافعية أنه قصير تبطل الصلاة بتطويله، ويأتي البحث في ذلك، إن شاء الله تعالى، في باب الطمأنينة.
ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيون إلا بدل بن المحبر فبصري، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وشيخ المؤلّف من أفراده، ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة، وكذا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
١٢٢ - باب أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ بِالإِعَادَةِ
(باب: أمر النبي ﷺ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة) للصلاة، وفي نسخة باب بالتنوين أمر بفتحات.
٧٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ﵇ فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ (ثَلَاثًا) فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي. قَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا».
стр. 1041
وبه قال: (حدّثنا مسدد) أي ابن مسرهد (قال: أخبرني) بالإفراد، ولأبوي ذر والوقت الأصيلي وابن عساكر: حدّثنا (يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بضم العين، ابن عمر العمري (قال: حدّثنا) وللأربعة: حدّثني (سعيد المقبري، عن أبيه) كيسان الليثي الخندعي، ويحيى كما قال الدارقطني: حافظ عمدة، لا تقدح مخالفته جميع أصحاب عبيد الله في حديثه هذا، حيث رووه كلهم عنه، عن سعيد، من غير ذكر أبيه، وحينئذ فالحديث صحيح لا علة فيه، ولا يغتر بذكر الدارقطني له في الاستدراكات، (عن أبي هريرة)، ﵁، وللكشميهني: أن أبا هريرة قال: (إن النبي ﷺ دخل المسجد) ولأبي ذر عن المستملي والحموي، عن النبي ﷺ : دخل المسجد (فدخل) بالفاء، ولأبي ذر: ودخل (رجل) هو خلاد بن رافع الزرقي، جدّ علي بن يحيى بن عبد الله بن خالد، (فصلّى) ركعتين، كما للنسائي، وهل كانتا نفلاً أو فرضًا؟ الظاهر الأول والأقرب أنهما ركعتا تحية المسجد، (ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فردّ النبي ﷺ عليه¬ السلام فقال) له:
وعليك السلام، (ارجع فصل، فإنك لم تصل) نفي للصحة لأنها أقرب لنفي الحقيقة من نفي الكمال، فهي أولى المجازين، وأيضًا فلما تعذرت الحقيقة وهي نفي الذات، وجب صرف النفي إلى سائر صفاتها، (فصلّى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ¬) في رواية أبي أسامة: فجاء فسلم، وهي أولى، لأنه لم يكن بين صلاته ومجيئه تراخٍ (فقال) له ﵊ بعد قوله: وعليك السلام (ارجع فصل فإنك لم تصل -ثلاثًا-) أي: ثلاث مرات، قال البرماوي: وهو متعلق بصلى وقال، وسلم وجاء، فهو من تنازع أربعة أفعال، وإنما لم يعلمه أوّلاً لأن التعليم بعد تكرار الخطأ أثبت من التعليم ابتداء، وقيل تأديبًا له، إذ لم يسأل، واكتفى بعلم نفسه، ولذا لما سأل وقال: لا أحسن، علمه. وليس فيه تأخير البيان، لأنه كان في الوقت سعة إن كانت صلاة فرض.
(فقال: والذي بعثك بالحق، فما) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: ما (أحسن غيره، فعلمني. قال) ﵊، ولأبي الوقت فقال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبّر) تكبيرة الإحرام (ثم اقرأ ما) وللأصيلي: بما (تيسر معك من القرآن)، أي الفاتحة، لأنها ميسرة لكل أحد، وعند أبي داود ثم اقر بأم القرآن، أو بما شاء الله، ولأحمد وابن حبان: ثمّ اقرأ بأم القرآن، ثمّ اقرأ بما شئت، (ثم اركع حتى تطمئن) حال كونك (راكعًا. ثم ارفع حتى تعتدل) حال كونك (قائمًا) في رواية ابن نمير عند ابن ماجة، بإسناد على شرط الشيخين: حتى تطمئن قائمًا. فالظاهر أن إمام الحرمين لم يقف على هذه الرواية، حيث قال: وفي إيجاب الطمأنينة في الرفع من الركوع شيء، لأنها لم تذكر في حديث: المسيء صلاته. (ثم اسجد حتى تطمئن) حال كونك (ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن) حال كونك (جالسًا ثم اسجد حتى تطمئن) حال كونك (ساجدًا، ثم الفعل ذلك) المذكور من كل واحد من التكبير للإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والسجود، والجلوس (في) كل ركعة واحدة من (صلاتك كلها) فرضًا ونفلاً.
ولم يذكر له بقية الواجبات في الصلاة لكونه كان معلومًا عنده.
стр. 1042
فإن قلت: من أين تؤخذ المطابقة بين الترجمة والحديث فإنه لم يقع فيه بيان ما نقصه المصلّى المذكور؟.
أجيب: بأنه ورد في حديث رفاعة بن رافع، عند ابن أبي شيبة، في هذه القصة: دخل رجل فصلّى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها، فالظاهر أن المؤلّف أشار بالترجمة إلى ذلك، وأجاب ابن المنير بأنه ﵊، لما قال له: اركع حتى تطمئن راكعًا إلى آخر ما ذكر له من الأركان، اقتضى ذلك تساويها في الحكم لتناول الأمر كل فرد منها، فكل من لم يتم ركوعه أو سجوده، أو غير ذلك مما ذكر مأمور بالإعادة. اهـ.
وهذا الحديث قد سبق في باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم.
١٢٣ - باب الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ
(باب الدعاء في الركوع).
٧٩٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي".
[الحديث ٧٩٤ - أطرافه في: ٨١٧، ٤٢٩٣، ٤٩٦٧، ٤٩٦٨].
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين، الحوضي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن منصور) هو ابن المعتمر السلمي (عن أبي الضحى) بضم الضاد المعجمة وفتح الحاء المهملة مقصورًا، مسلم بن صبيح، بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة آخره مهملة، الكوفي العطار التابعي، المتوفى في زمن خلافة عمر بن عبد العزيز، (عن مسروق) هو ابن الأجدع الهمداني الكوفي (عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي) وللأصيلي: كان رسول الله (¬ ﷺ . يقول، في رجوعه وسجوده) امتثالاً لما أمره الله به في قوله تعالى ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ على أحسن الوجوه وأفضل الحالات في فرض الصلاة ونفلها.
(سبحانك اللهمّ) بالنصب بفعل محذوف لزومًا، أي: أسبح سبحانك اللهم (ربنا و) سبحت (بحمدك) فمتعلق الباء محذوف، أي بتوفيقك وهدايتك لا بحولي وقوتي، ففيه شكر الله تعالى على هذه النعمة، والاعتراف بها. والواو فيه للحال، أو لعطف الجملة على الجملة، سواء قلنا إضافة الحمد إلى الفاعل.
والمراد من الحمد لازمه مجازًا، وهو ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية، أو إلى المفعول، ويكون معناه: وسبحت ملتبسًا بحمدي لك.
стр. 1043
(اللهم) أي يا الله (اغفر لي) … فيه دلالة الحديث على الترجمة قيل: وإنما نص فيها على الدعاء دون التسبيح، وإن كان الحديث شاملاً لهما لقصد الإشارة إلى الرد على من كره الدعاء في الركوع، كمالك ﵀.
وأما التسبيح فمتفق عليه، فاهتم هنا بالتنصيص على الدعاء لذلك، واحتج المخالف بحديث ابن عباس عند مسلم، مرفوعًا: فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم.
وأجيب بأنه: لا مفهوم له، فلا يمتنع الدعاء في الركوع كما لا يمتنع التعظيم في السجود، وإنما سأل ﵊ المغفرة مع كمال عصمته لبيان الافتقار إلى الله تعالى والإذعان له، وإظهارًا للعبودية، أو كان عن ترك الأولى أو لإرادة تعليم أمته.
ورواة هذا الحديث ما بين بصري وواسطي وكوفي، وشيخ المؤلّف فيه من أفراده، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف: في المغازي. والتفسير، ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة: في الصلاة.
١٢٤ - باب مَا يَقُولُ الإِمَامُ وَمَنْ خَلْفَهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ
٧٩٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ".
(باب ما يقول الإمام ومن خلفه) من المقتدين به (إذا رفع رأسه من الركوع). وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس (قال: حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن، واسم جدّه أبي ذئب هشام (عن سعيد المقبري عن أبي هريرة) ﵁ (قال: كان النبي ﷺ إذا قال):
(سمع الله لمن حمده)) في حال انتقاله من الركوع إلى الاعتدال، (قال) في حال اعتداله: (اللهم ربنا) أي: يا الله، يا ربنا. ففيه تكرار النداء. وفي بعض الروايات قال: ربنا (ولك الحمد) بإثبات الواو.
ونص أحمد، فيما رواه عنه الأثرم، على ثبوتها في عدة أحاديث، وفي بعض الروايات: ربنا لك الحمد، بحذفها.
قال النووي: لا ترجيح لأحدهما على الآخر.
وقال ابن دقيق العيد: كأن إثباتها دالّ على معنى زائد، لأنه يكون التقدير مثلاً: ربنا استجب ولك الحمد. فيشتمل على معنى الدعاء ومعنى الخبر.
стр. 1044
قال في الفتح: وهذا بناء منه على أن الواو عاطفة. وقد قيل: إنها واو الحال، قاله ابن الأثير، وضعف ما عداه.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة الإمام واضحة من هذا، أما من جهة المأموم فبالقياس عليه أو اكتفاءً بالحديث الذي قدمه، وهو: إنما جعل الإمام ليؤتم به. أو بضم حديث: صلوا كما رأيتموني أصلي، إلى حديث الباب.
وفي حديث أبي هريرة: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ ، فقال: سمع الله لمن حمده. قال من وراءه: سمع الله لمن حمده.
لكن قال الدارقطني: المحفوظ في ذلك فليقل من وراءه: ربنا لك الحمد.
(وكان النبي ﷺ إذا ركع وإذا رفع رأسه) أي من السجود لا من الركوع (يكبر) عبر بالجملة
الفعلية المضارعية، لأن المضارع يفيد الاستمرار، أي كان تكبيره ممدودًا من أول الركوع والرفع إلى آخرهما بخلاف التكبير للقيام، فإنه لا يستمر. ولهذا قال مالك: لا يكبر للقيام من الركعتين حتى يستوي قائمًا. (وإذا قام من السجدتين قال):
وفي الأولى: بالفعلية. فغاير بينهما للتفنن في الأكم أو لإرادة التعميم، لأن التكبير بتناول التعريف ونحوه: قال البرماوي، كالكرماني.
وأما قوله في الفتح، الذي يظهر أنه من تصرف الرواة: فقال العيني: إن الذي قاله الكرماني أولى من نسبة الرواة إلى التصرف في الألفاظ التي نقلت عن الصحابة.
١٢٥ - باب فَضْلِ "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ".
(باب فضل اللهم ربنا لك الحمد) وللأصيلي: ولك الحمد بالواو، وعزاها في فتح الباري للكشميهني، ولفظ: باب، ساقط في رواية أبي ذر والأصيلي.
٧٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَىٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
[الحديث ٧٩٦ - طرفه في: ٣٢٢٨].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) إمام الأئمة (عن سمي) بضم المهملة وفتح الميم، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
стр. 1045
(إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد) وللأصيلي: ولك الحمد، بالواو. وقال النووي: فيكون متعلقًا بما قبله، أي: سمع الله لمن حمده. ربنا استجب دعاءنا، ولك الحمد على هدايتنا.
وفيه رد على أن ابن القيم حيث جزم بأنه لم يرد الجمع بين اللهم والواو في ذلك.
واستدلّ بهذا الحديث المالكية والحنفية على أن الإمام لا يقول ربنا لك الحمد، وعلى أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. لكون ذلك لم يذكر في هذه الرواية، وأنه ﵊ قسم التسميع والتحميد، فجعل التسميع الذي هو طلب التحميد للإمام، والتحميد الذي هو طلب الإجابة للمأموم.
ويدل له قوله ﵊ في حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم: وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم. ولا دليل لهم في ذلك، لأنه ليس فى حديث الباب ما يدل على النفي، بل فيه أن قول المأموم: ربنا لك الحمد يكون عقب قول الإمام: سمع الله لمن حمده. ولا يمتنع أن يكون الإمام طالبًا ومجيبًا، فهو كمسألة التأمين السابقة.
وقد ثبت أنه ﷺ جمع بينهما، وقد قال ﵊: صلوا كما رأيتموني أصلّى، فيجمع بينهما الإمام والمنفرد عند الشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمد والجمهور. والأحاديث الصحيحة تشهد لذلك، وزاد الشافعية: أن المأموم يجمع بينهما أيضًا.
(فإنه من وافق قوله قول الملائكة) أي: فمن وافق حمده حمد الملائكة، (غفر له ما تقدم من ذنبه).
وهو نظير ما تقدم في مسألة التأمين، وظاهره أن الموافقة في الحمد في الصلاة لا مطلقًا.
١٢٦ - باب
(باب) بالتنون من غير ترجمة، كذا للجميع. قاله الحافظ ابن حجر، وعزاه البرماوي لبعض النسخ بعد أن قال: باب القنوت. ولفظ: باب ساقط كالترجمة عند الأصيلي، والراجح إثباته كما أن الراجح حذفه من الذي قبله، لأن الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة له فيها على فضل: اللهم ربنا لك الحمد إلا بتكلف فالأولى أن يكون بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله.
٧٩٧ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "لأُقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ . فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ
стр. 1046
الْكُفَّارَ.
[الحديث ٧٩٧ - أطرافه في: ٨٠٤، ١٠٠٦، ٢٩٣٢، ٣٣٨١، ٤٥٦٠، ٤٥٩٨، ٦٢٠٠، ٦٣٩٣، ٦٩٤٠].
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة البصري (قال: حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن، ولمسلم من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى، حدّثني أبو سلمة (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: لأقربن) لكم (صلاة النبي ﷺ ¬) من التقريب مع نون التوكيد الثقيلة، أي لأقربكم إلى صلاته، أو لأقرب صلاته إليكم وللطحاوي لأرينكم (فكان) بالفاء التفسيرية، ولابن عساكر: وكان (أبو هريرة ﵁ يقنت في الركعة الأخرى) بضم الهمزة وسكون الخاء وفتح الراء، ولأبي ذر عن الكشميهني: في الركعة الآخرة (من) ثلاث صلوات: (صلاة الظهر، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده) فيه القنوت بعد الركوع في الاعتدال وقال مالك: يقنت قبله دائمًا (فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار) الغير المعينين، أما المعين فلا يجوز لعنه حيًّا كان أو ميتًا إلا من علمنا بالنصوص موته على الكفر: كأبي لهب.
وظاهر سياق الحديث أنه مرفوع إلى النبي ﷺ ، وليس موقوفًا على أبي هريرة، لقوله لأقربن لكم صلاة النبي ﷺ . ثم فسره بقوله: فكان أبو هريرة إلى آخره.
وقيل المرفوع منه وجود القنوت لا وقوعه في الصلوات المذكورة ويدل له ما في رواية شيبان عن يحيى عند المؤلّف في تفسيره سورة النساء، من تخصيص المرفوع بصلاة العشاء لكن لا ينفي هذا كونه ﷺ قنت في غير العشاء. فالظاهر أن جميعه مرفوع.
ورواة الحديث ما بين بصري ودستوائي ويماني ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلّف فيه من أفراده، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الصلاة.
٧٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ".
[الحديث ٧٩٨ - طرفه في: ١٠٠٤].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن أبي الأسود) هو جد أبيه، نسب إليه لشهرته به، واسم أبيه: محمد بن حميد البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا إسماعيل) بن علية بضم العين وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية (عن خالد الحذاء) سقط: الحذاء لابن عساكر (عن أبي قلابة) بكسر القاف، عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي (عن أنس)، وللأصيلي زيادة: ابن مالك (¬﵁، قال: كان القنوت) في أول الأمر، أي: في الزمن النبوي، فله حكم الرفع (في) صلاة (المغرب) وصلاة (الفجر) ثم ترك في غير صلاة الفجر، وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في الوتر.
стр. 1047
ورواة هذا الحديث كلهم بصريون، وشيخ المؤلّف فيه من أفراده، وفيه التحديث والعنعنة والقول.
٧٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: "كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) إمام دار الهجرة (عن نعيم بن عبد الله المجمر) بضم الميم الأولى، وكسر الثانية والخفض، صفة لنعيم وأبيه (عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء الأنصاري المدني، المتوفى سنة تسع وعشرين ومائة، وفي رواية ابن خزيمة: إن علي بن يحيى حدّثه (عن أبيه) يحيى بن خلاد الذي حنكه رسول الله ﷺ (عن رفاعة بن رافع) بكسر الراء وتخفيف الفاء وبعد الألف عين مهملة في الأول، وبالراء المفتوحة وبالفاء في الآخر (الزرقي) أيضًا أنه (قال: كنا يومًا) من الأيام (نصلي) ولأبي ذر: كنا نصلي يومًا (وراء النبي) وللأصيلي: وراء رسول الله (¬ ﷺ ¬) المغرب (فلما رفع رأسه) أي: فلما شرع في رفع رأسه (من الركعة قال):
(سمع الله لمن حمده) وأتمه في الاعتدال. (قال رجل) هو رفاعة بن رافع: قال في المصابيح: وهل هو راوي الحديث أو غيره يحتاج إلى تحرير. اهـ.
قلت جزم الحافظ ابن حجر بأنه راوي الحديث، وكذا قال ابن بشكوال، وهو في الترمذي. وإنما كنى عن نفسه لقصد إخفاء عمله.
ونقل البرماوي عن ابن مندة أنه جعله غير راوي الحديث. وأن الحاكم جعله معاذ بن رفاعة، فوهم في ذلك.
ولأبوي ذر والوقت: فقال رجل: (ربنا) وللكشميهني: فقال رجل من ورائه: ربنا (ولك الحمد) بالواو (حمدًا) منصوب بفعل مضمر دل عليه قوله: لك الحمد (كثيرًا طيبًا) خالصًا عن الرياء والسمعة (مباركًا) أي كثير الخير (فيه) زاد في رواية رفاعة بن يحيى: كما يحب ربنا ويرضى وفيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد.
(فلما انصرف) ﵊ من الصلاة (قال) ﷺ :
(من المتكلم)؟ بهذه الكلمات زاد رفاعة بن يحيي: في الصلاة، فلم يتكلم أحد. ثم قالها الثانية، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة (قال) رفاعة بن رافع (أنا) المتكلم بذلك، أرجو الخير.
стр. 1048
فإن قلت: لِمَ أخر رفاعة إجابة الرسول ﷺ حتى كرر سؤاله ثلاثًا مع وجوب إجابته عليه، بل وعلى غيره ممن سمع، فإنه ﵊ عمّم السؤال، حيث قال: من المتكلم؟.
أجيب: بأنه لما لم يعين واحدًا بعينه، لم تتعين المبادرة بالجواب من المتكلم ولا من واحد بعينه، وكأنهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيء ظنًّا منهم أنه أخطأ فيما فعل، ورجوا أن يقع العفو عنه.
ويدل له ما في رواية سعيد بن عبد الجبار عن رفاعة بن يحيى، عند ابن نافع، قال رفاعة: فوددت أني خرجت من مالي، وأني لم أشهد مع رسول الله ﷺ تلك الصلاة. الحديث.
وكأنه ﵊ لما رأى سكوتهم فهم ذلك فعرفهم أنه لم يقل بأسًا، ويدل لذلك حديث مالك بن ربيعة عند أبي داود قال: من القائل الكلمة؟ فلم يقل بأسًا؟ (قال) ﵊:
(رأيت بضعة) بتاء التأنيث، وللحموي والمستملي: بضعًا (وثلاثين ملكًا) أي على عدد حروف الكلمات: أربعة وثلاثين، لأن البضع بكسر الباء وتفتح ما بين الثلاث والتسع، ولا يختص بما دون العشرين خلافًا للجوهري، والحديث يرد عليه، فأنزل الله تعالى بعدد حروف الكلمات ملائكة في مقابلة كل حرف ملكًا تعظيمًا لهذه الكلمات، وأما ما وقع في حديث أن عند مسلم، فالموافقة فيه كما أفاده في الفتح بالنظر لعدد الكلمات على اصطلاح النحاة، ولفظه: لقد رأيت اثني عشر ملكًا (يبتدرونها) أي: يسارعون إلى الكلمات المذكورة (أيهم) بالرفع مبتدأ خبره (يكتبها أول) بالبناء على الضم لنية الإضافة ويجوز أن يكون معربًا بالنصب على الحال وهو غير منصرف، والوجهان في فرع اليونينية كهي.
قال في المصابيح وأي استفهامية تتعلق بمحذوف دل عليه: يبتدرونها، والتقدير يبتدرونها ليعلموا أيهم يكتبها أول، أو ينظرون أيهم يكتبها. ولا يصح أن يكون متعلقًا: بيبتدرون، لأنه ليس من الأفعال التي تعلق بالاستفهام، ولا مما يحكى به.
فإن قلت: والنظر أيضًا ليس من الأفعال القلبية والتعليق من خواصها، فكيف ساغ لك تقديره؟
وأجاب بأن في كلام ابن الحاجب وغيره من المحققين ما يقتضي أن التعليق لا يخص أفعال القلوب المتعدية إلى اثنين، بل يخص كل قلبي، وإن تعدى إلى واحد: كعرف، والنظر هاهنا يحمل على نظر البصيرة، فيصح تعليقه: واقتصر الزركشي حيث جعلها استفهامية على أن المعلق هو: يبتدرون، وإن لم يكن قلبيًّا، وهذا مذهب مرغوب عنه. اهـ.
ويجوز نصب: أيّهم، بتقدير ينظرون، والمعنى أن كل واحد منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى لعظم قدرها.
стр. 1049
ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر، لأن نعيمًا أكبر سنًّا من علي بن يحيى. وأقدم سمعًا منه، وفيه ثلاثة من التابعين، والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والنسائي.
١٢٧ - باب الإِطْمَأْنِينَةِ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ
قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتَوَى جَالِسًا حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ.
(باب الإطمأنينة) بكسر الهمزة قبل الطاء الساكنة، وفي بعضها بضم الهمزة، وللكشميهني: الطمأنينة، بضم الطاء بغير الهمز (حين يرفع) المصلي (رأسه من الركوع).
(وقال أبو حميد) الساعدي، ما يأتي موصولاً، إن شاء الله تعالى، في باب: سنة الجلوس للتشهد؛ (رفع النبي ﷺ رأسه). من الركوع (واستوى) بالواو، ولأبي ذر: فاستوى، أي: قائمًا (حتى يعود كل فقار مكانه) بفتح الفاء والقاف الخفية، خرزات الصلب: وهي مفاصله، والواحدة فقارة.
وقد حصلت المطابقة بين هذا التعليق والترجمة بقوله: واستوى أي قائمًا. نعم: في رواية كريمة: واستوى جالسًا، وحينئذ فلا مطابقة. لكن المحفوظ سقوطها.
وعزاه في الفرع وأصله للأصيلي وأبي ذر فقط، وعلى تقدير ثبوتها فيحتمل أنه عبر عن السكون بالجلوس، فيكون من باب: ذكر الملزوم وإرادة اللازم.
٨٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: "كَانَ أَنَسٌ يَنْعَتُ لَنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يُصَلِّي، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِيَ".
[الحديث ٨٠٠ - طرفه في: ٨٢١].
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن ثابت) البناني (قال: كان أنس) ولأبي ذر والأصيلي: كان أنس بن مالك رضي إلله عنه (ينعت) بفتح العين، أي يصف (لنا صلاة النبي ﷺ ، فكان يصلّي، فإذا) بالفاء، ولغير أبي ذر والأصيلي، وإذا (رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول) بالنصب، أي: إلى أن نقول (قد نسي) وجوب الهوي إلى السجود، أو أنه في صلاة، أو ظن أنه وقت القنوت من طول قيامه، وهذا صريح في الدلالة على أن الاعتدال ركن طويل، بل هو نص فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف، وهو قولهم: لم يسنّ فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود، ووجه ضعفه أنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد.
وقد اختار النووي جواز تطويل الركن القصير خلافًا للمرجح في المذهب، واستدلّ لذلك بحديث حذيفة عند مسلم: أنه ﷺ قرأ في ركعة بالبقرة وغيرها، ثم ركع نحوًا مما قرأ؛ ثم قام بعد أن قال: ربنا لك الحمد، قيامًا طويلاً قريبًا مما ركع.
стр. 1050
قال النووي: الجواب عن هذا الحديث صعب، والأقوى جواز الإطالة بالذكر.
٨٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ "كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودُهُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ".
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) الطيالسي (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم عن ابن أبي ليلى، عن البراء) بن عازب (¬﵁، قال: كان ركوع النبي ﷺ ¬) اسم كان وتاليه عطف عليه. وهو قوله: (وسجوده، وإذا رفع) أي اعتدل (من الركوع)، ولكريمة: وإذا رفع رأسه من الركوع (و) جلوسه (بين السجدتين قريبًا من السواء) بالفتح والمدّ وسابقه نصب خبر كان.
والمراد أن زمان ركوعه وسجوده واعتداله وجلوسه متقارب.
قال بعضهم: وليس المراد أنه كان يركع بقدر قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أن صلاته كانت معتدلة، فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفها أخف بقية الأركان، فقد ثبت أنه قرأ في الصبح: بالصافّات، وثبت في السُّنن عن أنس أنهم حزروا في السجود قدر عشر تسبيحات، فيحمل على أنه إذا قرأ بدون الصافات اقتصر على دون العشر، وأقله كما ورد في السُّنن أيضًا ثلاث تسبيحات. اهـ من الفتح.
ولم يقع في هذه الطريق الاستثناء الذي في باب: استواء الظهر، وهو قوله: ما خلا القيام والقعود.
٨٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: "كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ: فَقَامَ فَأَمْكَنَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْصَتَ هُنَيَّةً. قَالَ فَصَلَّى بِنَا صَلَاةَ شَيْخِنَا هَذَا أَبِي بُرَيْدٍ، وَكَانَ أَبُو بُرَيْدٍ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا، ثُمَّ نَهَضَ".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي (قال: حدّثنا حماد بن زيد) بن درهم (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد (قال: كان) وللكشميهني: قال قام (مالك بن الحويرث) الليثي (يرينا) بضم أوله من الإراءة (كيف كان صلاة النبي ﷺ ، وذاك) أي الفعل (في غير وقت صلاة) لأجل التعليم، ولأبي ذر والأصيلي: في غير وقت الصلاة بالتعريف (فقام فأمكن القيام) أي مكن بالتشديد (ثم ركع فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه فانصبّ) بهمزة وصل وتشديد الموحدة، كأنه كنى عن رجوع أعضائه من الانحناء إلى القيام بالانصباب، والذي في اليونينية بتخفيف الموحدة، ولابن عساكر والأصيلي وأبوي الوقت وذر، عن الكشميهني: فأنصت، بهمزة قطع آخره مثناة فوقية بدل الموحدة من الإنصات: أي سكت (هنية) بضم الهاء وفتح النون وتشديد
стр. 1051
المثناة التحتية، قليلاً. فلم يكبر للهوي في الحال، وللإسماعيلي: فأنتصب قائمًا، وهو أوضع في المراد كما لا يخفى.
(قال أبو قلابة: فصلّى بنا) مالك (صلاة شيخنا) أي كصلاة شيخنا (هذا) عمرو بن سلمة بكسر اللام الجرمي (أبي بريد) بضم الموحدة وفتح الراء المهملة، وصوّبه أبو ذر كما في الفرع وأصله، وكذا ضبطه مسلم في كتاب الكنى وللحموي والمستملي: أبي يزيد، بالمثناة التحتية والزاي المعجمة، غير منصرف، وجزم به الجياني.
وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد: لم أسمعه من أحد إلا بالزاي، لكن مسلم أعلم في أسماء المحدثين.
قال أبو قلابة (وكان أبو بريد) أو أبو يزيد (إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة استوى) حال كونه (قاعدًا) للاستراحة (ثم نهض) أي قام.
وهذا الحديث قد سبق في باب: من صلّى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم، مع اختلاف في المتن والإسناد، ومطابقته للترجمة في قوله: ثم رفع رأسه فانصب هنية.
١٢٨ - باب يَهْوِي بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ
وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ.
هذا (باب) بالتنوين (يهوي) بفتح أوله وضمه وكسر ثالثه أي ينحط أو يهبط المصلي. (بالتكبير حين يسجد).
(وقال نافع) مولى ابن عمر، مما وصله ابن خزيمة والطحاوي وغيرهما، من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: (كان ابن عمر) بن الخطاب إذا سجد (يضع يديه) أي كفيه (قبل) أن يضع (ركبتيه) هذا مذهب مالك، قال: لأنه أحسن في خشوع الصلاة ووقارها، واستدلّ به بحديث أبي هريرة المروي في السنن بلفظ: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه، وعورض بحديث عن أبي هريرة أيضًا، أخرجه الطحاوي لكن إسناده ضعيف.
ومذهب الثلاثة وفاقًا للجمهور: يضع ركبتيه قبل يديه، لأن الركبتين أقرب للأرض. واستدل له بحديث وائل بن حجر المروي في السُّنن، وقال الترمذي: حديث حسن، ولفظه قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه.
قال الخطابي وهو أثبت من حديث تقديم اليدين، وأرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل، ورأي العين.
стр. 1052
وقال الدارقطني: قال ابن أبي داود: وضع الركبتين قبل اليدين تفرد به شريك القاضي عن عاصم بن كليب، وشريك ليس بالقوي فيما ينفرد به.
وقال البيهقي: هذا الحديث يعدّ في إفراد شريك هكذا ذكره البخاري وغيره من حفّاظ المتقدمين، وفي المعرفة، قال همام: وحدّثنا شقيق، يعني أبا الليث، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلاً، وهو المحفوظ.
وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه
قبل ركبتيه. رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد، ولم يضعفه أبو داود.
وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين، رواه ابن خزيمة في صحيحه، وادعى أنه ناسخ لتقديم اليدين، قال في المجموع: ولذا اعتمده أصحابنا، ولكن لا حجة فيه لأنه ضعيف ظاهر الضعف، بين البيهقي وغيره ضعفه، وهو من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو ضعيف باتفاق الحفاظ، ولذا قال النووي: لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الآخر من حيث السُّنّة.
لكن قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: من أحاديث الأحكام، حديث أبي هريرة: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه، أقوى من حديث وائل: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه. لأن لحديث أبي هريرة شاهدًا من حديث ابن عمر، صححه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقًا موقوفًا اهـ.
ومراده بذلك قوله هنا، وقال نافع إلخ، فإن قلت: ما وجه مطابقة هذا الأثر للترجمة؟ أجيب: من جهة اشتمالها عليه لأنها في الهوي بالتكبير إلى السجود، فالهوي فعل، والتكبير قول. فكما أن أبي هريرة الآتي، إن شاء الله تعالى في هذا الباب يدل على القول، كذلك أثر ابن عمر هذا يدل على الفعل، والحاصل أن للهوي إلى السجود صفتين: صفة قولية، وأخرى فعلية. فأثر ابن عمر أشار إلى الصفة الفعلية، وحديث أبي هريرة إليهما معًا.
٨٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الاِثْنَتَيْنِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ
стр. 1053
يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: حدّثنا) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر أخبرنا (شعيب) أي ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة) ﵁: (كان يكبر) أي حين استخلفه مروان على المدينة، كما عند النسائي (في كل صلاة من المكتوبة وغيرها من رمضان وغيره) وسقط وغيره في بعضها (فيكبر حين يقول) للإحرام (ثم يكبر حين يركع) أي: حين يشرع في الانتقال إلى الركوع، ويحده حتى يصل إلى حد الراكعين، ثم يشرع في تسبيح الركوع، (ثم يقول: سمع الله لمن حمده) في الرفع، من الركوع، ويمدّه حتى ينتصب قائمًا (ثم يقول: ربنا ولك الحمد) بالواو في الاعتدال (قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر، حين يهوي ساجدًا) بفتح المثناة التحتية وسكون الهاء وكسر الواو، ولأبي ذر يهوي بضمها، أي يبتدئ به من حين الشروع في الهوي بعد الاعتدال، حتى يضع جبهته على الأرض، ثم يشرع في تسبيح السجود (ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود) حتى يجلس، ثم يشرع في دعاء الجلوس (ثم يكبر حين يسجد) الثانية (ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في) الركعتين (الاثنتين) يشرع فيه من حين ابتداء القيام إلى الثالثة بعد التشهد الأول، (ويفعل ذلك) المذكور من التكبير وغيره (في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف) منها: (والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله ﷺ ، إن كانت) بكسر همزة إن المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، واسم ْكان قوله (هذه) أي الصلاة التي صليتها (لصلاته) ﵊، خبر كان واللام للتأكيد، (حتى فارق الدنيا) ﷺ .
٨٠٤ - قَالَا: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ- يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ".
(قالا) أي: أبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن المذكوران بالإسناد السابق إليهما: (وقال: أبو هريرة ﵁: وكان رسول الله ﷺ حين يرفع رأسه) من الركوع (يقول) (سمع الله لمن حمده) وفي الاعتدال: (ربنا ولك الحمد) بالواو فيجمع بينهما (يدعو) خبر آخر لكان، أو عطف بدون حرف العطف اختصارًا، وهو جائز معروف في اللغة، وقال العيني: الأوجه أن
стр. 1054
يكون حالاً من ضمير يقول أي يقول حال كونه يدعو (لرجال) من المسلمين، واللام تتعلق بيدعو (فيسميهم بأسمائهم).
استدلّ به وبما يأتي علي أن تسمية الرجال بأسمائهم فيما يدعى لهم وعليهم لا تفسد الصلاة. (فيقول) ﵊:
(اللهم أنج الوليد بن الوليد) بن المغيرة المخزومي، أخا خالد بن الوليد، وهمزة أنج قطع مفتوحة مجزوم بالطلب، وكسر لالتقاء الساكنين (و) أنج (سلمة بن هشام) بفتح اللام، أخا أبي جهل بن هشام (و) أنج (عياش بن أبي ربيعة) أخا أبي جهل لأمه، وعياش بفتح العين وتشديد المثناة التحتية، وكل هؤلاء الذين دعا لهم ﵊ نجوا من أسر الكفار ببركة دعائه ﵊ (و) أنج (المستضعفين من المؤمنين) من باب عطف العام على الخاص. ثم يقول ﷺ (اللهم اشدد) بهمزة وصل، وقول العيني: بضم الهمزة محمول على الابتداء بها (وطأتك) بفتح الواو وسكون الطاء وفتح الهمزة، من الوطء. وهو شدة الاعتماد على الرجل، والمراد اشدد بأسك أو عقوبتك (على) كفار قريش أولاد (مضر) فالمراد القبيلة، ومضر بميم مضمومة وضاد معجمة غير منصرف، وهو ابن نزار بن معد بن عدنان (واجعلها) قال الزركشي: الضمير للوطأة أو للأيام وإن لم يسبق له ذكر لما دل عليه المفعول الثاني الذي هو سنين.
قال في المصابيح: ولا مانع من أن يجعل عائدًا على السنين لا إلى الأيام التي دلّت عليها سنين، وقد نصوا على جواز عود الضمير على المتأخر لفظًا ورتبةً إذا كان مخبرًا عنه بخبر يفسره، مثل ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن﴾ من هذا القبيل. انتهى.
أي واجعل السنين (عليهم سنين) جمع سنة، والمراد بها هنا زمن القحط (كسني يوسف) الصديق ﵇ السبع الشداد في القحط، وامتداد زمان المحنة والبلاء، وبلوغ غاية الجهد والضراء، وأسقط نون سنين للإضافة جريًا على اللغة الغالبة فيه. وهي إجراؤه مجرى جمع المذكر السالم، لكنه شاذ لكونه غير عاقل، ولتغيير مفرده بكسر أوّله. ولهذا أعربه بعضهم بحركات على النون، كالمفرد كقوله:
دعاني من نجد فإن سنينه … لعبن بنا شيبًا وشيَّبننا مُردا
وليس قوله: سنين عند أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر كما في الفرع وأصله.
(وأهل المشرق يومئذٍ من مضر مخالفون له) ﵊.
ورواة هذا الحديث ما بين حمصي ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أبو داود والنسائي في الصلاة.
стр. 1055
٨٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ مِنْ فَرَسٍ- فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا وَقَعَدْنَا. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: صَلَّيْنَا قُعُودًا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا جَاءَ بِهِ مَعْمَرٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ لَقَدْ حَفِظَ. كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ وَلَكَ الْحَمْدُ، حَفِظْتُ مِنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ. فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَأَنَا عِنْدَهُ: فَجُحِشَ سَاقُهُ الأَيْمَنُ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني البصري (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (غير مرة) تأكيد لروايته (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: سمعت أنس بن مالك) ﵁ (يقول: سقط رسول الله ﷺ عن فرس وربما قال سفيان) بن عيينة: (من) بدل عن، وللأصيلي: وربما قال من (فرس) فأسقط لفظ سفيان، (فجحش) بضم الجيم وكسر الحاء آخره شين معجمة، أي خدش (شقه الأيمن، فدخلنا عليه) حال كوننا (نعوده، فحضرت الصلاة، فصلّى بنا) ﵊ حال كونه (قاعدًا، وقعدنا) بالواو، وللأصيلي: فقعدنا.
(وقال سفيان) بن عيينة (مرة: صلينا قعودًا) مصدر أو جمع قاعدًا (فلما قضى) ﵊ (الصلاة) أي فرغ منها، (قال) ﵊:
(إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) بالواو، أي بعد قوله: سمع الله لمن حمده (وإذا سجد فاسجدوا).
(كذا) ولغير أبي ذر والأصيلي: قال سفيان، أي لعلي المديني مستفهمًا له بهمزة مقدرة قبل قوله: كذا (جاء به معمر) بفتح الميمين، ابن راشد البصري، قال عليّ: (قلت: نعم) جاء به معمر.
كذا قال الحافظ ابن حجر، كأن مستند عليّ في ذلك رواية عبد الرزاق عن معمر، فإنه من مشايخه بخلاف معمر فإنه لم يدركه، وإنما يروي عنه بواسطة وكلام الكرماني يوهم خلاف ذلك. انتهى.
قلت: بل صرّح به البرماوي حيث قال: فابن المديني كما يرويه عن سفيان، عن الزهري، يرويه عن معمر عن الزهري.
وما قاله الحافظ يردّه.